دخولتسجيل الدخول

المجلس الثالث عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله معشر طلبة العلم وطالبات العلم في عودة جديدة بإذن الله للتعليق على رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عليه، وموعدنا اليوم مع الرسالة الأخيرة التي قررنا أن نقراها بإذن الله، رسالة تتحدث عن التخويف من النار.

وبشكل عام يا طالب العلم ويا طالبة العلم، عليك أن تشكل في حياتك عادة حضور المجالس العلمية. أحياناً بعض الأمور تحتاج إلى تعود وممارسة، تكون ثقيلة في البداية على النفس، أن يشعر الإنسان أنه يذهب من خلال المواصلات ويتعب حتى يحضر مجلس علمي، لكن الاستمرارية والديمومة على حضور المدارس العلمية يجعلها بإذن الله مع مرور الوقت شيئاً سهلاً هيناً في متناول اليد. في بداية الطريق الشيطان يحاول أن يضع العقبات، قبل أن تشكل عادة حضور الدروس، الشيطان يحاول أن يضع العقبات الكثيرة في طريقك؛ منها طول الطريق، منها الأزمات المرورية، منها بعض الانشغالات الحياتية التي أحياناً تكون أصلاً هي تافهة من توافه الحياة، لكن يعظمها الشيطان في ذهنك حتى يصدك عن هذا الطريق، ويصدك عن تشكيل العادة؛ عادة حضور مجالس العلم.

لكن مع مرور الأيام، مع الاستمرار المستمر أو الحضور المستمر لهذه المجالس، مع الوقت يصبح بالنسبة لك حضور المجلس العلمي كما أنك تتناول طعام الغداء وتتناول طعام العشاء. كيف لا تنسى هذه الأمور في حياتك، ولو يوم انشغلت عنها تتذكرها ولو بعد حين؟ كذلك عندما يصبح هناك إدمان، خلينا نسميه، حضور المدارس العلمية، يصبح هذا بالنسبة لك شغفاً لا تستطيع أن تتركه. بل بالعكس، إذا جاء اليوم الذي فيه الدرس وأنت لست حاضراً مع إخوانك في المجلس العلمي، تنكر نفسك، تقول ما الذي أفعله الآن؟ الشباب في خير وفائدة وينتفعون وتحلقوا حول مجالس الخير وفي رياض الجنة، وأنا اليوم منشغل على سوشيال ميديا في أمر عائلي بسيط كان يمكن أن يؤجل، إلى غير ذلك من الأمور.

فيا طالب العلم، أهم شيء الآن أو في هذه المرحلة العمرية من حياتك أن تشكل عادة حضور الدروس، وعندما تشكل هذه العادة عليك أن تحافظ عليها. إياك أن تجعل شيئاً من شواغل الحياة يؤخرك عنه، حتى لو تاخرت عن الدرس، تعال ولو آخر نصف ساعة من الدرس، تعال ولو آخر ربع ساعة من الدرس حتى تحافظ على هذه العادة في حياتك، لأنك إذا اعتذرت مرة ستعتذر ثانية.

أعطيك مثالاً على ذلك؛ كيف الإنسان الذي يحافظ على ورد من القرآن تجد كل يوم يقرأ جزءاً، كل يوم يقرأ جزءاً، دعه يأتي يوم يومين لا يقرأ ورده. هنا يعني في هذين اليومين اللذين لم يقرا فيهما شيئاً البته، يبدأ يشعر بالفجوة الكبيرة بينه وبين القرآن، ثم إن يعود بعد ذلك للقران يكون فيه شيء من الصعوبة، السبب أنه قطع العادة. ولو أنه في اليوم الذي كان فيه مرهقاً حافظ على قراءة صفحة من القرآن تماماً؛ أنا وردي من القرآن جزء ممتاز، لكن هذا اليوم كنت متعباً، كنت مرهقاً، ما استطعت، قبل أن أضع راسي على الوسادة فقط أقرأ صفحة أو أقرأ صفحتين. ربما تقول يا أخي أنا بأقرأ جزءاً، الصفحة لن تؤثر، لا، هي تؤثر، تؤثر في ماذا؟ في الاستمرارية، تؤثر أنك لم ترضَ أن تجلس يوماً من دون أن تقرا القرآن، فلا يوجد كسر للعادة كامل. نعم يوجد نزول في المستوى، لكنني لم أقطعها، وهذا بالتالي سيسهل عليك الارتفاع مرة أخرى بيسر وسهولة.

كذلك مجالس العلم؛ إياك أن تققطعها، واياك أن تججلس أكثر من شهر وأنت لم تحضر مجلس العلم. الأصل مجالس العلم يعني بالأسبوع بالكثير، ثم بعد ذلك تعود إليها تماماً، اللهم إلا شهر رمضان، وحتى شهر رمضان يجب أن يملأ في مجالس قرآنية مدارس تدبرية من نوع آخر. لكن المهم أن تكتسب هذه العادة وتحافظ عليها جيدا حتى تصبح نمطاً في حياتك، وكما قلت لو جاء يوم انشغلت، لو حضرت آخر الدرس خير، المهم أن تستمر في هذا الطريق ولا تسمح للشيطان أن يشعرك بالإحباط يشعرك بالكسل، لأنه إخواني في حياتنا اليوم المثبطات كثيرة والمحبطات كثيرة، والشيطان يدخل علينا من منافذ عديدة؛ منفذ الرزق، منفذ الانشغال، منفذ الجامعة، منفذ التعب، منفذ الكسل، المنافذ كثيرة التي تصدنا عن مجالس العلم، فأنت الحمد لله أنك بدات تكتسب هذه العادة، فاياك أن تعود ادراجك للوراء.

حتى هذه عطلة الاسبوع التي اعطيناكم اياها بين المدارس وبين العودة، يعني فيها شكوك، هل صدق مقبول أم لا؟ لأن الأصل الإنسان لا يقطع، يستمر دائماً. لما تكون أنت داعس تبقى الهمة مستمرة، متى شعر الطالب بشيء من الفتور هنا أخشى عليه، وأخشى حتى على نفسي، أخشى على نفسي ترى أنا المدرس مثل الطلاب ياتي الشيطان يعني في موضوع المتاعب والاشغالات وهموم الحياة وإيش اللي يذهبك ويأتي؟ ولو اقتصرت على درس واحد... الهموم والأفكار كثيرة، لكن المهم الإنسان لا يسمح لهذا الخاطر أن يعشعش في قلبه وفكره، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كلما جاءه الشيطان يحاول أن يصده عن مجلس العلم، ويأتي مجلس تزكية، مجلس تفسير، مجلس علمي رصين. المهم رتب أولوياتك يا طالب العلم يا طالبة العلم، وإياك أن تنقطع، لأن هذه المجالس ليست فقط معلومات، هذه المدارس هي وسائل للثبات على دين الله سبحانه وتعالى. حتى الانسان العاصي المذنب عندما يأتي إلى هذه المدارس يشعر كأن قلبه هكذا ينظف قليلاً من أوساخ الحياة الدنيا.

هذه المدارس ليست فقط معلومات نحن نجمعها، هذه المدارس من المثبتات في زمن الفتن، حتى يشرق قلبك من جديد، حتى تحلق عند الله سبحانه وتعالى، حتى تطهر نفسك من معاصي هذا الأسبوع. حاول أن يكون لك ورد في مجالس العلم تستروح له النفس، يستضيء به القلب بإذن الله، الله سبحانه وتعالى يرزقك فيه همة والثبات على طاعه الله سبحانه وتعالى.

ومن علامة الطاعة أن تتبعها دائماً، يقولون من علامات قبول الطاعة أن تتبعها بطاعة، فإذا وجدت الله سبحانه وتعالى يهزك إلى مدارلس العلم فتحضر دورة بعد دورة والهمة دائماً مشتعلة، هذا بإذن الله أمارة خير، أمارة أن الله وفقك لهذا الباب وأنك لم تنقطع ولم تنشغل عنه. ومن أمارة عدم القبول يقولون الابتعاد عن الطاعة والانتهاء عنها، الابتعاد عن بعض الناس خلاص يحضرون دورة معينة ثم لا يعود أهل الدورة إلا بعد سنوات، هذا دلالة علامة استفهام يجب على الإنسان أن يعيد النظر دائماً في منهجيته في الحياة.

إذا وجدت الله يوفقك للطاعة بعد الطاعة فاحمد الله سبحانه وتعالى، وإذا وجدت نفسك تعتريها فتور عجيب بعد مواسم الطاعات واللقاءات العلمية فعليك أن تراجع نفسك ما سبب هذا الفتور. نحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا على عقد هذا المجلس وعلى الاستمرار في هذا الخير، كما قلنا مجالس التزكية مجالس مهمة. يعني بعض الناس قد يقول يعني مدارس تعليق على رسائل الحافظ ابن رجب ماذا ستفيدني؟ ستفيدك كثيراً كثيراً، بل أحياناً تفيدك أكثر من مجلس تخصصي في العقيدة أو الفقه أو النحو، لأن هذا فيه صلاح القلب، ولربما تسمع كلمة في هذا المجلس من الحافظ ابن رجب أو من التعليق على كلامه إن شاء الله تفلح بها وتسعد بها طوال الدهر.

فنسال الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا بركة حضور مجالس العلم، وألا يقطعنا عنها، وألا يشغلنا عنها بشواغل الحياة الدنيا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونشرع بإذن الله التعليق على الرسالة الأخيرة من رسائل الحافظ ابن رجب، رسالة التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، وهي رسالة ربما هي أطول الرسائل التي بقيت علينا، لكنها رسالة خفيفة يعني ليست رسالة صعبة المباني ولا صعبة المعاني، ولكن فيها شيء من الطول ولكنها مهمة لأنها تركز على قضية جوهرية في حياة الإنسان، قضية مخيفه ومرعبة، قضية نار جهنم، هذا الشيء الذي إذا بقيت يا أيها المسلم مستحضراً له في حياتك، جعل هناك حاجزاً بينك وبين الوقوع في المعصية.

فإن أكثرنا حتى نكون واضحين مع أنفسنا، إذا لم يستشعر أن هناك عقاب لن يترك المعصية. إذا لم يستشعر وجود عقاب قاسي رهيب لم يترك المعصية ولم يسلك درب الصالحين، فأعظم شيء يحجزك أيها المسلم عن المعاصي والذنوب أن تستحضر موضوع العذاب وموضوع نار جهنم، ويكون دوماً على خاطرك صباحاً ومساءً، في غدوتك وفي عشيتك، وأنت ذاهب وأنت آتٍ، موضوع تذكر نار جهنم، موضوع عذاب الله سبحانه وتعالى. هذا من أكبر الحوافز أو من أكبر الأمور التي تدفعك دائماً، إذا جاء الشيطان يزين في عقلك المعصية أن تطردها، أن تجاهد على الأقل في طردها لأنك تعلم أنك إذا لم تطردها وإذا استحكمت هذه المعصية في حياتك فإن النهاية ستكون وخيمة.

وبالتالي التعرف على تفاصيل النار ومراتب النار وأصناف أهلها وصفات أهلها وما أعد الله عز وجل فيها، لعله يصنع هذا الحاجز، لأنه يكبر هذا الحاجز في حياتك فيكون سبباً بإذن الله في أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. وأكثر أمر أصلاً الله عز وجل حذر منه عباده، ماذا؟ أكثر أمر حذرنا الله عز وجل منه، ماذا؟ النار. يعني كل مصائب الدنيا وكل آفاتها وكل أمراضها وكل ما يصيبك أيها المسلم من النكبات والمآسي في هذه الحياة، والفيضانات والزلازل إلى غير ذلك، كله لا شيء، لا شيء بالمقارنة مع نار جهنم.

يعني الإنسان لما ينظر إلى إخواننا عندما تصيبهم نكبة يحزن ويقول الله هذا عذاب شديد، أليس كذلك؟ إذا تذكرت أن هذا العذاب هو لا شيء عند الله بالمقارنة مع غمسة واحدة في نيران جهنم، هذا يجعل الإنسان يعيد ترتيب الأوراق ويعيد النظر في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، عندما يمسك الجوال ونفسه تأمره بمعصية يتذكر قضية نار جهنم وأنها عذاب شديد أعده الله سبحانه وتعالى للمذنبين والعصاة ولكل من ابتعد عن منهج الله سبحانه وتعالى.

ولا تبرئ نفسك، وهذا قضية مهمة أن بعض الناس عندما يسمع النار يظن أن هذه النار أعدها الله للكفار ليست لنا، لا يا اخي الكريم، أنت إذا كنت تظن أن النار بعيدة عنك لن ترعوي عن المعاصي والذنوب. النار أول ما تسعر في أهل المعاصي، في ثلاثة من هم؟ طالب علم وقارئ للقرآن ومجاهد في سبيل الله ومنفق.

أول من تسعر بهم النار، طبعا كما قال أهل العلم، من أهل الإسلام. من أهل الإسلام، أما الكفار فهم أولى بالعذاب، لكن من أهل الإسلام هناك قارئ للقرآن، وطالب علم ومعلم للناس الخير سيخل النار، وهناك مجاهد في سبيل الله ترك أهله وماله سيدخل النار، وهناك منفق بالليل والنهار للمال سيدخل النار. عندما تسمع هذه الحقائق هذا يزيدك خوفاً، يعني نحن لا نتكلم عن انسان مدمن على وسائل التواصل الاجتماعي، النظر إلى أفلام لا تقرب الله، يعني لسه ما وصلنا إلى هذا، لا، أتكلم عن طالب علم، أنسان يتعلم ليلا ونهاراً يدخل النار، يا أحبابنا نتكلم عن انسان متخيل موضوع الجهاد في سبيل الله في عقلك أنه أعظم دروة سنام الإسلام، يدخل النار! فما بالك بالمعاصي والذنوب التي تدمن عليها أنت ليلا ونهارا ولا ترعوي عنها؟

موضوع النار موضوع مخيف، موضوع يستحق من الإنسان أن يعظم هذا المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وأوجده. ومَر معنا في سنن أبي داود بل يتذكر حديث جبريل، عندما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها. فذهب جبريل فنظر إليها فقال: ما ظننت أن أحداً يدخلها، ثم حفها الله بماذا؟ بالشهوات. ثم قال لجبريل: اذهب فانظر إليها. فلما نظر إليها جبريل عاد فقال: ما ظننت أن أحداً يسلم منها، أو كما قال. هذا يدل، يعني تخيل جبريل الذي يعلم طبيعة البشر يقول: ما ظننت أن أحداً يسلم منها لشدة الشهوات والشبهات التي تحيط بديار جهنم، هذه الشهوات التي نتابع فيها ليلا ونهارا.

فموضوع نار جهنم عليك أن تعرف أنه قريب منك، أنه ليس شيئاً مستحيلاً أو شيئاً بعيد الحصول لك، شيء قريب، ولو كنت طالب علم، ولو كنت تقوم الليل، ولو كنت من كنت، موضوع نار جهنم شيء حاصل، لكن الإنسان الفطن الذي يوفقه الله سبحانه وتعالى للانتباه من الغفلة يحاول منا الآن أن يجهز أوراقه ويلملم أموره حتى لا يقع في هذه النار، حتى لا يقع في هذه النار.

وأظن هذه الرسالة التي بين أيدينا خطوة يعني يسيرة، خلينا نقول، من الخطوات التي يمكن أن تسلكها أيها المسلم من أجل أن تشكل تصوراً حقيقياً عن طبيعة نار جهنم وعن طريقة السلف في التعامل مع موضوع تذكر العذاب، ضمن خاصة في بداية الرسالة سنقرأ أشياء عجيبة من حال السلف في قضية تذكر عذاب جهنم، ونقيس على حالنا وننظر الجفاء وقسوة القلب التي نعاني منها، لتعرف أن الصحابة والسلف الصالح الذين كانوا أفضل منا حالاً وسلوكاً وخشية لله ولم يصابوا من الشهوات ما أصيب به نحن اليوم... وقعنا في نوع من الأمن الزائف، نوع من إقناع النفس بأنني لن أعذب، فأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنا عذاب جهنم، نسأل الله عز وجل أن يقينا حرها وسمومها ولهيبها، نعوذ بالله من زفيرها وشهيقها، نعوذ بالله من أن يُصاب منها بأدنى شيء، لأن أدنى شيء

أما بعد، فإن الله خلق الخلق ليعرفوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال. ولهذا أكثر سبحانه وتعالى في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، ومحتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمصارعة إلى امتثال ما يأامر به ويحبه ويرضاه، وارتكاب ما ينهى عنه ويكرهه.

فمن تأمل الكتاب الكريم وادار فكره فيه ورد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة مبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سيرة السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلا عن المحرمات.

المهم هذه قاعدة جيده نفهمها، الإنسان يعني كأن ابن رجب يقول: ما الذي جعل الصحابة والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يجتهدون في الطاعة أيما اجتهاد؟ ما الذي جعلهم ينكفون عن دقائق المكروهات؟ يعني حتى المكروهات التي بالنسبة لنا أو لكثير منا عندما يسمع كلمة مكروه، خلاص يعني يعرف أنه يجوز أن يفعله، هذا الذي يأتي أنا مش حرام يا شيخ، خلاص مكروه، خلاص الحمد لله طمنتني، يعني هو بالنسبة له كلمة مكروه معناته أفعل، بالنسبة للصحابة الكرام لا، كلمة مكروه توازي عندهم كلمة حرام في الانتفاخ عنها. ما الذي جعل الصحابة والسلف الصالح والجيل الأول وأهل الخير وأولياء الله سبحانه وتعالى يصلون لهذه المرحلة من تربية النفس أنه حتى موضوع دقائق المكروهات يحاولون الابتعاد عنها ويجتهدون في تركها؟ يعني نحن نجتهد في ترك الحرام، هم وصلوا لمرحلة من الاجتهاد وصلاح النفس أنهم يجتهدون على ترك ماذا؟ المكروهات والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى أي اجتهاد، الذي أوصلهم إلى ذلك كثير من الأمور ومن أهمها ما ذكره الحافظ ابن رجب.

قضية كانوا يخشون حقيقة من السقوط في النار، كانوا يخشون حقيقة من عذاب الله سبحانه وتعالى، كانت هذه القضية تشغل بالهم وذهنهم، تؤرقهم ليلا ونهارا، فاسهروا ليلهم وأفادوا نهارهم، وصرفوا أوقاتهم في الجهاد في سبيل الله، في الصيام، في طلب العلم، في الانشغال بالأُمور النافعة، في التحلق في أي مجلس وأي مكان يذكر فيه الله سبحانه وتعالى، كان هناك حرص شديد على الطاعة لأنهم يعلمون أن التشبث بمراكب الطاعات والتشبث بركب الصالحين هذا من أهم الأمور التي تبعدهم بعدا عن نار جهنم.

فهذه قضية ركز عليها ابن رجب ابتداء لما قال: من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأن ذلك الشعور بالخوف من النار، الخشية من الله سبحانه وتعالى هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، إلى تلك الأحوال التي نقراها ونتعجب منها أنه كان عندهم هذا الجلد وهذه الهمة وهذا الصبر على كل ميادين الخير، صاحب القرآن مع القرآن، صاحب العلم مع العلم، صاحب قيام الليل مع قيام الليل، صاحب الصيام مع الصيام، هذه النفس المستمر وهذه الديمومة العجيبة كان من أهم أسبابها أن القوم كانوا دائمي التذكر لموضوع العذاب ولقاء الله سبحانه وتعالى.

قال ولهذا قال بعض الصوفية: خوف الله تعالى يحجب قلوب الخائفين عن زهرة الدنيا وعوارض الشبهات. وعوارض الشبهات هذه تعني أيضا: خوف الله يحجب قلوب الخائفين عن زهرة الدنيا، عندما يزرع في قلبك الخوف من الله والخوف من عذاب الله، كثير من هذه الفتن التي تنهي الشباب وتسقطهم في أوحالها، بالنسبة لك يصبح الفراغ منها أو تركها سهل عندما ينزرع في قلبك خوف الله سبحانه وتعالى، هذا سيجعل هناك حجاب وساطر بينك وبين الوقوع في هذه المستنقعات القذرة التي يقع فيها أهل المعاصي والذنوب اليوم.

وفي المقابل حقيقة، إذا وجدت نفسك دائما السقوط في المعاصي والذنوب، هنا يجب عليك أن تخاف، إذا وجدت نفسك دائما السقوط في المعاصي والذنوب ودائما التعثر بها، فهنا عليك أن تخاف وتقلق أنه لماذا أنا دائما أقع في هذه المعصية ولا أتركها؟ هذا قد يكون مؤشرا أن الخوف من الله سبحانه وتعالى ما زال ضعيفا، الحجاب ما زال حجابا هزيلا لدرجة أن الشهوة متى جاءت يمكن أن تزيل هذا الحجاب وتقتحم القلب، فعليك أن تراجع نفسك دائما أيها المؤمن، إذا وجدت كلما جاء خاطر المعصية على قلبك يدفعه حجاب الخوف، هذا يدل بحمد الله على تمكن مقام الخوف من هذا القلب، لكن متى وجدت أن المعصية كلما جاءت تهتك ستار الخوف وتقتحم القلب، فاعلم أن هذا مؤشر خطير، مؤشر خطير على الإنسان أن ينتبه، هذا يدل أن القلب مريض، القلب ضعيف لأنه ما عنده عناصر مقاومة أمام الشهوات التي تأتي، هذه قاعدة جيدة: خوف الله يحجب قلوب الخائفين عن زهرة الدنيا، يعني بلذات وشهوات الحياة الدنيا وعوارض الشبهات التي يمكن أن تعرض.

قال: وقد ضمن الله سبحانه الجنة لمن خافه من أهل الإيمان، فقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]. قال مجاهد في هذه الآية: الله قائم على كل نفس بما كسبت، فمن أراد أن يعمل شيئا فخاف مكانه، فله جنتان. وعنه أنه قال: أراد أن يعمل شيئا، يعني من أراد أن يعمل معصية المشي، يعني إنسان كان ماسك مثلا الجوال في يده، أراد أن يعمل شيئا من المعاصي والذنوب فلما مسك الجوال خاف مقام الله، تذكر الله فخاف مقام الله، هذا الانسان الذي إذا هم بالمعصية أو عزم عليها في لحظة إقبالها، إقبال النشوة -تعرفون النشوة للمعصية- في لحظة النشوة وما بقي إلا اللقمة الأخيرة، تذكر مقام الله فخافه، الله يكبر هذا المقام، فلذلك وعد من يترك المعصية خوفا منه بماذا؟ بجنتين.

كذلك من يكون في أثناء المعصية أيضا، من يكون في أثناء المعصية وهو في سكرتها وفي أثنائها وتذكر مقام الله فارعوى عنها، أيضا هذا مقامه عظيم عند الله، فتذكرك لمقام الله قبل الشروع في المعصية أو تذكرك لمقام الله عند الشروع في المعصية وأنت تزاولها فدفعها كذلك إلى أن تترك المعصية، هذا المشهد يحبه الله، هذا المشهد يعظمه الله منك عندما يراك وأنت تتلذذ بالمعصية لكنك تذكرت مقام الله سبحانه، فلم يحدث بينك وبين الاستمرار في تذوقها إلا خشيتك من الله، هذا شيء عظيم مهيب، إذا رزقك الله إياه فاحمد الله عليه، خصوصا لما تكون في الخلوات الآن، لما تكون في الجهر ربما هناك حواجز نفسية أخرى من رؤية المجتمع لك، لكن لما أنت أمنت من نظر الناس ولا ينظر إليك إلا الله سبحانه وتعالى، وكان السبب الوحيد الذي جعلك تنزع عن المعصية شهودك لمقام الإله، هذا والله من اعظم مقامات العبودية عند الله سبحانه وتعالى ومن أجملها ومن دلالات على أن هذا القلب ما زال فيه حياة.

احمد ربك عليه، فعلا عليك أن تسر، وأن يدخل في قلبك هكذا شيء من البهجة والسرور إذا وجدت نفسك في خلوة ونفسك تدعوك إلى معصية، لكن قلت: يا رب، خشية لمقامك لن أرتكبها، حقيقة هذا شيء يسربه الإنسان ويبهجه أن الله أعانه على هذه المقاومة واستطاع أن يستكسر حاجز الشيطان.

قال عنه إنه قاله: هو الرجل يذنب فيذكره مقام الله فيدعه، قال: وعنه قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيتركها. فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه وأدوا فرائضه الجنة. وقال عن الحسن قال: قالت الجنة يا رب لمن خلقتني؟ قال: لمن يعبدني وهو يخافني. فقال يزيد بن عبد الله بن الشخير: كنا نحدث أن صاحب النار لا تمنعه مخافه الله من شيء خفي له.

الان هذا النفر قال: كنا نحدث أن صاحب النار، يعني الشخص الذي يستحق النار، صاحب النار الذي يظهر فيه.. من شيء خفي له، أو لعلها عبارة أخرى قريبة، أنا شاك في نفس العبارة الصحيحة، لكن العبارة المراد أن الشخص الذي يستحق النار هو شخص لا تمنعه مخافه الله من الهجوم على المعاصي، هذا خلاصتها، الشخص الذي يستحق أن يدخله الله النار وذلك الشخص الذي سمع عن الخوف من الله وعرفه وقرا آيات التخويف من النار، كل هذه الآيات وكل هذه الأحاديث وكل هذه المواعظ وكل هذه الزواجر لم تمنعه من اقتراف المعاصي وغشيانها، وهذا يدل على أن هذا القلب بعيد، القلب ميت الذي يسمع كل آيات التخويف والقوارع والزواجر والنصائح ولا يرعوي عن معصية الله سبحانه وتعالى ويستمر عليها، هذا موت القلب فبالتالي صاحبه يستحق النار، صلى الله السلام والعافية.

قال وهب بن منبه قال: ما عبد الله بمثل الخوف. وقال أبو سليمان الداراني: اصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل، وكل قلب.. ليس فيه خوف الله فهو قلب خرب، فقال: ليس فيه قلب ليس فيه خوف الله فهو قلب هالك، قلب تلف، عليه أن يعيد النظر ويبني إيمانه من جديد، الإنسان الذي يشعر أنه دائما يقتحم الذنوب والمعاصي وما عنده أي حاجز في حياته، هذا عليه أن يبني قلبا أو يبحث عن قلبه.

وقال وهيب بن الورد: بلغنا أنه ضرب لخوف الله مثلا في الجسد، قيل: إنما مثله، خوف الله كمثل رجل يكون في منزله فلا يزال عامرا ما دام فيه ربه، فإذا فارق.. ما دام صاحب المنزل في المنزل يبقى المنزل حيا اليس كذلك، عامرا بأهله، بأطفاله، برفاقه، إذا خرج رب البيت وتركه سنوات ماذا يصبح في البيت؟ يخرب، كذلك القلب إذا كان فيه مخافه الله سبحانه وتعالى يبقى القلب عامرا حيا نابضا بالأيمان، إذا خرج الخوف من القلب فجر هذا القلب وعشعشت فيه عناكب الذنوب والمعاصي.

قال: فاذا فارق المنزل ربه وسكنه غيره، خرب المنزل، وكذلك الخوف من الله تعالى إذا كان في الجسد أنه لم يزل معمورا ما دام فيه خوف الله، فإذا فارق خوف الله الجسد، خرب، حتى إن المرء يمر بالمجلس من الناس فيقولون لهم: ما راينا منه شيئا إلا أننا نبغضه، وذلك أن خوف الله تعالى فارق جسده.

وإذا الإنسان العاصي وجالس الناس يمر بالمجالس، فالله يقذف بغضه في قلوب الناس، حتى لو سالتم الناس لماذا لا تحبون فلانا؟ قالوا: والله ما راينا منه شيئا، ما عملنا شيئا، سبحان الله قذف في قلبنا.. صاحب الذنوب مع صاحب القلب عفوا، الذي لا يوجد فيه مخافه الله سبحانه وتعالى الله يبغضه إلى الخلق، لذلك قال: حتى إن الماره يمر في المجلس من الناس فيقولون ما راينا منه شيئا، يعرفون ما اساء لنا إساءة، إلا أننا نبغضه، لماذا؟ أبغضوه، الله القى في قلب الناس.. بعض الناس فعلا لما ترى والله لا تستريح لهم شيء، لكن لما يأتي ويجري هكذا يعني تشعر أنك لا تحبه، لا ترغب بمجالسته وإن كان لم يسألك، الله قذف البغض في قلبك له.

وفي المقابل وذلك إذا مر بهم الرجل فيه خوف الله تعالى.. قالوا: نعم والله الرجل، فيقولون: أي شيء رايتم منه؟ فيقولون: ما راينا منه شيئا غير أننا نحبه، ذلك أن خوف الله سكن قلبه، كذلك الناس إذا جلس إليك سبحان الله ترغب في مجالسته، حتى لماذا تحبه؟ هل صنع لك معروفاً؟ هل فعل لك جميلا؟ والله ما فعل بي شيئا، ولكن سبحان الله قذف في قلبي محبته، لذلك سبحان الله أهل الطاعة للخير، أهل الصلاح تحبهم وتود مجالستهم وإن لم يصدر منهم معروف تجاهك، وأهل المعاصي والذنوب الله عز وجل يقذف بغضها في قلوب العباد حتى ولو لم يسيئوا لك.

وقال الفضيل بن عياض: الخوف أفضل من الرجاء ما كان الرجل صحيحا، فاذا نزل الموت.. في الرجل يعني هذا الوجه قوي أن يغلب الخوف على الرجاء حتى ينحجز عن الذنوب والمعاصي، لكن إذا جاءت سكرة الموت وهو الآن محتضر، أيهما أولى أن يغلب، جانب الخوف من الله أم رجاء ما عند الله؟ لماذا يغلب الرجاء عند الموت حتى..

يحسن الظن بالله، لذلك الحديث: «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». تمام، فعند الموت دائماً الإنسان المسلم يحسن ظنه بالله أن الله يغفر ويستر، حتى والعياذ بالله لا يصاب بإحباط ويأس وقنوط من رحمة الله، خاصة في هذه اللحظات، بدك ترفع المعنويات أنت الآن في سكراتك الأخيرة وتغادر الحياة الدنيا.

لكن أثناء حياتك وأنت في قوتك وصحتك غلب جانب الخوف؛ حتى يجعلنا ذلك حافزاً بينك وبين المعاصي. نعم، قال وسئل ابن المبارك عن الرجلين؛ أحدهما خائف، والآخر قتل في سبيل الله عز وجل، قال: أحبهما إليه أخوفهما. وقد تكون الإجابة عامة، والذي قتل في سبيل الله قد يكون عنده من خوف الله ما عند الرجل السابق، فهذه الإجابات قد تكون لأشخاص معينين ضمن سياقات معينة، ولا تأخذ كإجابات مطلقة عامة تسقط على جميع الأحوال.

نعم، قال: وقد استقرت الله تعالى في جميع كتابنا تكون فيه صفة النار وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعاً للنفوس عن غيها وفسادها، وباعثاً إلى المسارعة إلى فلاحها وأرشادها. فان النفوس، ولا سيما في هذه الأزمان، قد غلب عليها الكسل والتواني، واستغسلت في أهوائها وشهواتها، وتمنت على الله الأماني. يتكلم في القرن الثامن الهجري، فلو جاء في زماننا لالف كتابين بهذا.

قال: والشهوات لا يذهبها من القلوب إلا أمران؛ أما خوف مزعج محرق، أو شوق مبهج مقلق. هذا الذي يجعلك إما خوفاً مقلقاً، واما شوقاً. لذلك جاء القرآن بالترغيب والترهيب، جاء القرآن بالترغيب والترهيب لاختلاف طبائع المدعوين. كذلك أنت أيها الإنسان عليك أن تنوع في خطابك؛ أن تشوقها إلى ما في الجنة، فتقرا كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم حتى تتشوق ويزداد الحب والشكر.

وأحياناً لا تحتاج الجهة المقابلة أن تقرأ كتاباً يتكلم عن النار وعن أصناف أهلها وصفاتهم وأحوالهم حتى تزرع القلق في قلبك، فأنت تحتاج أن تتقلب بين الترغيب والترهيب. نعم، قال: وسميته كتاب التخويف من النار والتعريف، وقسمته ثلاثين باباً، والله المسؤول أن يجيرنا من النار، وأن يجعل بيننا وبينها حجاباً بمنه وكرمه. الباب الأول في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها، الباب الثاني... باباً كما هم ثلاثون باباً نمر عليها بإذن الله بما يليق من التعليق اليسير.

بسم الله نبدأ الباب الأول، قال: الباب الأول في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. إذاً، المسلم أحبابي الكرام مطالب أن يقي نفسه وأن يقي أهله، الوالد والوالدة، الزوجة، الأبناء، هذه وظيفة وهذه الآية قاعدة مهمة من قواعد الحياة في الأب ليس مسؤولاً فقط عن الطعام والشراب. بعض العائلات تظن أن الأب فقط هو صراف آلي يعني يضيف يسحب مصاري ويأتي بالمصاري للمنزل، الطعام والشراب موجود، أنتج جزاك الله خيراً، معناها زوجي ما شاء الله راقي، ويكون زوجها لا يحافظ على صلوات أبنائه ولا يهتم بتربيتهم ولا رعايتهم. لا، ليس هذا هو الأب الناجح، وليس هذه الأسرة الناجحة، الأب الناجح والأسرة الناجحة هي التي الأب يكون فيها منقذاً لزوجته وأبنائه من النار قبل أن يوفر الطعام والشراب في الحياة الدنيا، أن يكون موفراً للأمور الأساسية المتعلقة بالعقيدة الصحيحة وتربية الأبناء على ما يرضي الله سبحانه وتعالى، هذا الأب الناجح، ثم بعد ذلك تاتي أمور الحياة.

طبعاً لأن اليوم اختلفت للأسف نظرة الناس لطبائع الأسر الناجحة أو الزوج الناجح. بعض، خاصة النساء، إنما تظن زوجها أن يكون دائماً كثير الإهداء لها، كثير الكلام العاطفي معها، حتى ولو كان مقصراً، وحتى ولو لم يلتفت لأمور الأبناء ولا التربية، ما دام يحقق لها الحياة التي تشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، بالنسبة لها هذا هو الزوج الناجح! مع أن يكون مفرطاً في كثير من الأمور الأساسية التي تتعلق بعبودية الله.

وإذا وجدت زوجها من أهل الخير والصلاح والمحافظة على تقوى الله سبحانه ويهتم بتربيه أبنائه، ولكنه قد يكون مقصراً في بعض الأمور الحياتية من الطعام أو الشراب، أو قد يكون جاف الطباع قليلًا أو فيه بعض القسوة تنقطه في الله، وتقول يعني انطباعها تتغير عليه، تقول: أنا لا أريد منك الجانب الخير هكذا ينتفع به الناس منك، أنا أريد فقط منك جانب هذا الكلام الطيب والرومانسية التي تظهرها لنا. فأحياناً بعض الأمور يجب أن يعاد النظر فيها.

طبعاً هو النجاح حقيقة، عذراً لنفسه، لا، هو النجاح في الحقيقة أن تكون أيها الإنسان كاملاً في أو أن تحاول خلينا نقول الكمال في كل الاتجاهات؛ أن تكون جيداً من الناحية الدينيه والعبادية والاهتمام بأبنائك وأسرتك في الطاعة والعبادة، وأن تكون أيضاً جيداً في عشرتك، وهذا الكمال هو الذي قرأناه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان ناجحاً على كافة الصعد، فكان المعلم والمربي والزوج وغير ذلك، فعليك أن تسعى للنجاح في هذه الأمور.

ولكن أقول ذلك خاصة للأخوات اللواتي تصاب بالإحباط خاصة عندما تشاهد زوجها لا يصل في أمور حياته لمراتب كثير من الناس، لكنه جيد في أنه يقي زوجته وأبناءه النار. أحمد الله اختي الكريمة إذا وجدت زوجاً يسألُكِ عن صلاة الفجر هل صليتيها أم لا، أحمد الله إذا وجدت زوجاً يجلس مع أبنائك ويحفظهم القرآن ويوجههم إلى مراكز التحفيظ ويسألهم عن طلبهم للعلم، والله هذا في هذا الزمان عملة نادرة، بالكاد يوجد أمثال هؤلاء الرجال في هذا الزمان، فاحمد الله سبحانه وتعالى وشدي عرضك بعرض هذا الإنسان. أحمد الله سبحانه وتعالى أنه لم يرزقك إنسان تائه حائر لا يربي أبناءك على الكتاب والسنة ولا يأخذ بيدهم إلى الجنة كما يفعل كثير من الناس اليوم، فالله سبحانه وتعالى إذاً يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، فأنت أيها الأب مطالب بأن تقي نفسك وأهلك النار، هذه الفكرة باختصار.

قال: وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24]. فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]. وقال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14]. فقال تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]. وقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 31-37]. قال الحسن: لماذا جعلها الله وخلقها نذيراً للبشر؟ ثم أنت بعد ذلك تقرر أن تتقدم أو تأخر لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ. أنا أخبرتكم بها، الله يقول لنا: أنا خلقت النار وأنذرتكم منها، عاد أنت أيها الإنسان دورك الآن؛ أما أن تتقدم في علاقتك مع الله سبحانه وتعالى وتبتعد عن النار، وأما أن تأخر فتسقط فيها والعياذ بالله.

نعم، قال: قال الحسن في قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 36]، قال: والله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها، خرجه ابن أبي حاتم منها، أي من النار يعني أعظم شيء. القوى النار.

قال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35] قال: سَمّاك بن حرب قال: سمعت النعمان رضي الله عنه يقول: أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لَسُمِعَ من مقام هذا حتى وقعت خميسة كانت على عاتقه عند رجليه، خرجه الإمام أحمد.

قال وفي رواية له أيضاً عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنذرتكم النار، أنذرتكم النار»، حتى لو أن رجلاً في أقصى السوق لسمع وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر. وفي رواية له عن سماك قال: سمعت النعمان يخطب عليه خميسة فقال: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... النار ولو أن رجلاً بموضع كذا وكذا سمع صوته. المراد أنه رف بذلك، يعني حتى سمع أهل السوق من شدة رفع صوته وتحذيره من النار.

نعم، قال: وعَدِيُّ بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اتقوا النار»، قال: وأشاح، ثم قال: «اتقوا النار»، ثم أعرض، أشاح ثلاثاً حتى ظننا أنهم ينظر إليها، ثم قال: «اتقوا النار»، أعرض بوجهه. إنه لما أعرض بوجهه كأنه ينظر إلى النار، حتى إنه يحذر من النار ثم يفعل هكذا، كيف الإنسان الذي يخاف من شيء يحذر منك ما يلتفت تظن أنه ينظر إليه يخشى أن يأتي، فكان هكذا يفعل يحذر من النار ثم يشيعه في وجهه حتى ظن كأنه ينظر إلى النار من هذه الجهة.

نعم، قال: ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة»، فرواه في الصحيحين. فخرج للبيهقي بإسناد فيه جهالة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر المسلمين، رغبوا فيما رغبكم الله فيه، واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه ومن جهنم، فإنها لو كانت خطوة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حلتها لكم، ولو كانت فترة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنما مثلي ومثل كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، فانا جعلت يفصلوها عن بعضها» نعم. فجعلت الدواب هنا، قال: فجعلت الدواب والفراش يقال فيها، فانا آخذ بحجُزِكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها.

حالة صلى الله عليه وسلم، ما عناك حال رجل استوقد ناراً، لما تشتعل النار تبدا الفراش وبعض الدواب تاتي حول النار لتسقط فيها، أنت بتحاول تبعد هكذا الفراش بيدك حتى لا يسقط في النار، هكذا حال النبي صلى الله عليه وسلم معنا. النار خلقها الله سبحانه وتعالى، والنبي ونحن لأن النار حفت بالشهوات، لأن النار حفتايع حول النار ونجتمع حولها مثل الفراش، كيف الفراش يقع في النار ويتتاح حول النار وهو لا يعرف أنها نار ترضى حتى يصلى بها، كذلك نحن نتايا حول الشهوات ونلتفت لها ونحن في الحقيقة نلتفت حول النار، نلتفت حول النار ونتساقط فيها.

والنبي صلى الله عليه وسلم آخذ بحجزنا، يعني هذه المناطق منطقة الخواصر، كيف ياخذ بخاصرتك ويحاول أن يبعدك عن الوقوع في يم أو ما شابه ذلك، يصور النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في الحديث الصحيح بهذه الصورة؛ إنسان آخذ بخصريك، بحدوزكم يحاول أن يصرفك عن النار من خلال ما يأمرنا به من فضائل الأعمال والطاعات والتعليمات والرسائل التي علمنا إياها صلوات ربي وسلامه عليه. كل هذه الرسائل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم لنا هدفها وخلاصتها أنه يريد أن يقينا من النار التي نحن نتايع حولها.

نعم، قال: وفي رواية لمسلم: «مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار قال فيها، وجعل يحرزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. قال: فذلكم مثلي ومثلكم، وأنا آخذ بحجزكم عن النار: هَلُمَّ عن النار، هلم على النار، فتغلبوني» صلى الله عليه وسلم فيقتحم النار بيده ورجليه والعياذ بالله.

قال: وفي رواية الإمام أحمد: «المثل يمثلكم...»، ويغلبنه إلا في النار، والآخرة بحجوكم أدعوكم إلى الجنة وتغلبوني إلا تقحما في النار وتغلبوني إلا النار. بعض الناس أصر مصراً أن يدخل النار.

قال: فرواية الإمام أحمد وأيضاً من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله لم يحرم...» المطلع وقد علم. أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم حرمته يجعل شيئاً حراماً إلا وقد علم في سابق علمه سبحانه وتعالى أن هناك من سيرتكب هذا المحرم، هذا معنى هذا الحديث، إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، أي لا بد وأن يرتكبها منكم مرتكب هذا المحرم الذي حرمه.

نعم، قال له في النار كهفة الفراشة والذباب. وخرج البزار والطبراني من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فاتقوا النار، اتقوا النار، اتقوا الحدود، فإذا متم تركتكم ونفرتكم على الحوض تمد وتركت...»، فإذا مات وخلاص إذا مات صلى الله عليه وسلم فهو.

نعم، قال: «وأنا فرطكم على الحوض، فإن ورد أفلح»، فيؤتى باقوام ويؤخذ بهم ذاك الشمال، فيقول: «ربي أمتي»، فيقول: «يرتدون على أعقابهم». هناك أناس يوم القيامة ظاهرهم أنهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فياتون يشربوا من حوضه الشريف، فيؤخذ بهم ذات الشيبان، أي الملائكة تصرفهم: ممنوع يلا روحوا من هون، تصرفهم إلى ذات الشمال. فالنبي صلى الله عليه وسلم يصرخ: «ربي أمتي أمتي»، فالله يخبرها أن هؤلاء بدلوا بعدك ونقصوا بعدك ونفضوا العهد الذي تركتهم عليه، نسأل الله السلامة والعافية.

قال في رواية البزار قال: «وأنا آخذ بحجتكم وجهنم وأياكم الحدود، وأياكم وجهنم اياك»، الحديث. قال في صحيح مسلم عن أبي رويحة قال: لما نزلت هذه الآيات: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... فعمّا خصّ فقال: وبطونها. عمّا وخسّ ذكر أصولها وبطونها كما سياتي معنا في النداء: «يا بني كعب بن لؤي، قال: يا بنيكوا انفسكم من النار، يبني مره بن كعب... انصار، يا بن عبد شمس أنقذ انفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذ انفسكم من النار، يا بني هاشم انفسكم من النار، يا بني عبد المطلب... النار، يا فاطمة بنت محمد نفسك من النار، فاني لا أملك لك من النار شيئاً».

قال: أخرج الطبراني وغيره من طريق أبي يعلى بن حزن قال ابن حسن قال: حديث أغلبها باطلة وضعيفه فلا يعول عليها، وأصل أنه كان ينبغي أن يتحرز من ذكرها هنا حتى لا تشوش، لكن ذكرها بالرجل. نعم قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول: اطلبوا الجنة جهدكم من النار جهدكم، فإن الجنة لا مطالبة، النار لا ينام هاربها. هذا المعنى صحيح، لكن الجنة لا ينام طالبها وأن النار لا ينام هاربها، الذي يهرب من النار ما عنده وقت ينام، والذي يطلب الجنة ما عنده وقت ينام. المراد أن المؤمن دائماً في طاعة مستمرة، وفي ابتعاد مستمر عن الذنوب والمعاصي، هذا صح عن السلف، صح عن الأئمة، لكن لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله. نعم، قال بأن الآخرة اليوم محفوفه بالمكاره، وأن الدنيا محفوفه بالملذات والشهوات، فلا تنهين لكم عن الآخرة. نعم، هذا صحيح بالمعنى، هذا المعنى صح، لكن ليس من هذا السياق.

نعم، قالوا يروى هذا الحديث أيضاً أن يعلم بن جراد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وحديثه باطله منكرة، وبالتالي لا تعول على الأحاديث التي تذكر عن هذا الرجل. نعم، من حديث يحيى بن عبد الله يعني النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: ما رأي مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها. ويحيى هذا ضعفه، وأخرجه المروزي من وجه آخر، أخرجهم باسناده عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، فقال يوسف بن عطية عن المعلم بن زياد: كان هرم بن حيان يخرج في بعض، عجبت من جنتك كيف نام طالبها وعجبت من النار كيف، يقول: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون، الآيات عن النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح.

نعم، قال أبو الجوزاء: وليت من أمر مناراً عن الطريق للدلالة في الناس النار. فالرجل الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول أبو الجوزاء: شيئاً لاتخذت مناراً، يعني صنعت منارة على الطريق ووضعت عمالاً موظفين يخرجون على هذه المنارة ويصرخون بالناس: النار النار، يذكرون الناس صباحاً. كيف اليوم هذه السماعات يحذر الناس من النار؟ نعم، قال: أخرجه وهو عبد الله في هذا الكتاب.

الباب الثاني في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ تلاحظون أنه أولاً في أول الباب يذكر الآيات القرآنية المتعلقة بالترجمة، ثم يذكر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بذلك، ثم أحوال الصحابة، ثم أحوال السلف، ستلاحظون أنه يعني لا يذكر هذه الأمور عبثاً، لا، في ترتيب معين في كل باب يسلكه.

نعم، قال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: 190-192].

قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وتخيل ذلك الخزي والعار يعني لسه قبل ما نفكر بعذاب النار وكيف سيكون وقعه على جسدك، لا، فكر بالخزي بالعار عندما يراك أهلك وأنت تؤخذ، وتأخذك الملائكة بيديك ورجليك وتلقيك هكذا في نار جهنم أمام عشيرتك وأمام الناس الذين كنت معهم في الحياة الدنيا يعظمونك، يوقرونك، يجلسون معك، يحترمونك، أمام أصدقائك، أمام أي انسان يعز عليك، أمام أبنائك، أمام أبنائك يمكن يحدث هذا المشهد أن الملائكة تلقيك هكذا، تأخذك من يديك ورجليك وتلقيك في نار جهنم، خزي وعار شديد قبل أن تفكر في أي شيء آخر والعياذ بالله.

قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ * لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّن عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلبَرْارِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 195-198]. موطن الشاهد وقنا عذاب النار، يعني هذا موطن الشاهد في هذه الآية.

نعم، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 63-66]. وقال تعالى: ﴿وَيَهْدُونِ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ [المعارج: 27]. فقال: ذلك لمن خاف مقام ربي وخاف عيد. وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 25-27]. قال إراهيم التيمي: هذا المقصد من الانسياق الدلالة أن أهم صفات أهل الإيمان أنهم يخافون من نار الله خوفاً شديداً.

قال إبراهيم التيمي: من لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]. وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾. أي من صفات أهل الإيمان في الدنيا أن حسن المستمر خوفاً من النار ومن صفات أهل الإيمان في الدنيا أنهم في شفقة مستمرة خشية أن يسقطوا في النار، فإذا كنت أيها الانسان تعيش حياتك لا تشعر بالحزن دائماً ما شاء الله في المطاعم وفي الفراغ وفي السياحة أو ما عندك حزن في حياتك، هذا يجب أن يجعل عندك يعني نقطة نظام كما يقولون، لماذا أنا لا أشعر بالحزن أبداً في حياتي أو الشفقة من موضوع الأمور الأخرى، لماذا هذا الباب ليس مفتوحاً عندي أبداً؟

لذلك يقول إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف، الذي لا يشعر بالحزن خشية مما هو قادم في الدار الآخرة ويعيش دائماً كل متاع الحياة بدون تلك الغصة، غصة الخوف من الله، قد ينبغي أن يخشى أن يكون من أهل النار لأن الله لما ذكر صفات أهل الجنة ماذا قال؟ الحمد لله، أهل الجنة ماذا يقولون؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ إذاً هم في الحياة الدنيا كان في حزن، المراد الحزن والخوف، حزن حتى وهم يتلذذون بملذات الحياة الدنيا في نوع من الغصة يشعرون بها أن كل هذا سينتهي، سنلقى الله ولا ندري هل الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا على ذلك؟ دائماً في هناك خوف في أجسامنا، القلق، الذي يعيش هذه الحياة بدون هاجس الحزن والخوف والقلق عليه أن يخشى، عليه أن يخشى أن يكون من أهل النار لأنه ليس على صفات أهل الجنة، هذا معنى أو مغزى كلام إبراهيم التيمي.

ومن أهمها ما نقول وبعد قبضاني بالقبر وبالفتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال دائماً في ختام كل صلاة. نعم، قال وقال: إن كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم ربنا آتنا في عذاب النار، أخرجه البخاري، قال في كتاب النسائي: إنه سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم: اللهم إني أعوذ بك من حر، في سنن أبي داود وابن عن جابر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: تشهد، ثم يقول: اللهم إني أسألك الجنة أعوذ بك من النار، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: حوله، ويخرجه البزار لفظه وه.

إن هذا الرجل كان لا يحفظ الفاتحة، المراة كيف تقرا في الصلاة وكيف تفعل، كان لا يحفظ الفاتحة ولا سورة قصيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم: أنت كيف تفعل؟ ماذا تقول وأنت واقف؟ قال: أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار فاني لا أعرف أقرأ الآيات، لا يعرف أقرأ الآيات التي تقراها أنت، ومع إعراض بسيط من خيرة الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عن المصادق مع نفسه يقول إنه لا يححسن حفظ هذه الآيات التي تقرؤونها، فقال: أنا إذا وقفت في الصلاة سالت الله الجنة واستعدت من النار، فقال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: حولها يدندن، يعني هذا هو موضوعنا، وجزاك الله خيراً، وهذا من معرفته صلى الله عليه واله وسلم بطاقات الناس.

سليمان الأنصاري: النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: يا سليم يا سليم، ماذا معكم من القرآن؟ يسأل الله الجنة أعوذ به من أحسن دندنك معاذ، قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: أن تأخذ شيئاً من القرآن. نعم، قال: أروينا من حديث سويد بن سعيد حدثنا حفصة ابن ميسرة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما يدخل الجنة من يرجوها، ويجنب النار النار من يخافه، وإنما يرحم الله من يرحم. قال: أخرج ابن عنده: وإنما يرحم الله من يرحم الناس، من يرحم الناس يرحمه الله، هذا المراد في المقطع الأخير. قال: أخرجه ابن نعيم عنده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، فقال: غريب من حديث زيد مرفوع من مرسلاً، انتهى والمرسلة وأشبه أشبه يعني أقوى هذا الحديث مرسلان أقوى منه متصلاً.

نعم، قال عمر بن السماء: أيها الناس إنكم واحداً خفت أن أقول أنا عمر بن الخطاب الذي شارك في بدر وكان مع الرعيلي إلى أحد، وعمر يشارك في الخندق وكل الغزوات العظيمة وشهد المشاهد والنبي صلى الله عليه واله وسلم يقول له: عمر في الجنة، أعطاه يعني الشهادة المؤكده وهو الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، ومع ذلك ماذا يقول؟ لو نادى منادي من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجل واحداً فخفت أن أكون أنا. نحن لم نشارك في بدر ولم نكن في أحد الخندق ولا صلح الحديبية ولا بايعنا تحت الشجرة، لما لم نفعل تلك الأمور العظيمة ولم نكن خلفاء مثل عمر بن الخطاب لم يشهد لنا النبي صلى الله عليه واله وسلم بالجنة ومع ذلك تجدنا نشعر بالأمان العجيب أننا لن ندخل النار، ما يجعلنا فعلاً نخشى على أنفسنا من النفاق حقيقة، ما يجعلنا نخشى أن عندنا نفاق، يعني ما هو سر الأمان العجيب الذي تمر به أيها الإنسان؟

نعم، الإنسان يححسن الظن بالله ويعمل الأمور التي تقربه من الله سبحانه وتعالى، لكن المؤمن لا يشعر بالأمان، اللحظة التي تشعر بها بالأمان اعلم أن هناك إشكالية في إيمانك عليك أن تستدركها قبل أن يفوت العوام. نعم، قالوا: الإمام أحمد من طريق قال: بلغني أن عثمان رضي الله عنه قال له: إني من الجنة والنار ولا أدري. عثمان بن عفان الذي قال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم. عثمان يعطيك مشهد مرعب، مشهد أنه الآن أنت واقف، تعرف مشهد القلق لما تكون بدك تاخذ نتيجة نتيجة اختبار في حياتك واختبار مصيري والآن تستنى النتائج يا ناجح يا راسب، أو كل واحد فيكم مر بهذا التوتر لهذا القلق ربما حامل نتائج الثانوية العامة أو أي شيء يعني يا أنت ناجح يا راسب، إذا ناجح أمورك في الحياة تتسهل، وإذا راسب بالنسبة لك فشل ذريع وهي دنيا، كيف حجم القلق والتوتر الذي تصاب به في هذه الحياة وربما لا تنام تلك الليلة وأنت تفكر بهذا الهاجس غداً، تعد اللحظات والثواني حتى ياتي موعد إعلان النتائج وهي دنيا فانية.

عثمان يعطيك هذا المشهد الأخير، مشهد أنه الآن أنا وضعت وأنتظر النتيجة النهائية، أما سيقال عثمان في الجنة وأاما سيقال عثمان في النار، قال: وأنا أنتظر هذه النتيجة أتمنى لو أنني كنت رماداً، وأنا أنتظر هذه النتيجة أتمنى لو أنني كنت رماداً، لأن بالنسبة له هي النتيجة الأصعب، يعني أصعب من وسالتك ما هي أصعب نتيجة في الحياة؟ ما هو أكبر خبر في حياتك تنتظره؟ ما هو ترى لأنك تتزوج ولا أنك تصبح صاحب ثروة ولا شيء من ذلك، أصعب خبر أنت تنتظره في الحياة هو خبر: هل سيكون فلان في الجنة أم سيكون فلان في النار؟ هذا أصعب خبر أنه في النهاية سيحدد مصير الأبد، سيحدد الخلود الأبدي كيف سيكون؟ أو حتى بعض الناس يقول لك لا يا شيخ، مو أهل التوحيد لا يخلدون في نار جهنم، لكن حتى لو لم يكن خلود أبدي، هي خمسة في نار جهنم ستنسيك اسمك واسم والدتك واسم أمك واسم العشيرة كلها، لا تظن أن قضية خمسة في نار جهنم يعني قرار سهل أو يمكن أن تستحمله، فهذا القرار قرار مرعب، قرار خطير أن يقرر وأن تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، أين سيكون مصيرك؟ هل ستدعى فلان إلى الجنة أم تدعى فلان إلى النار؟

شوف الصحابة وهم يتخيلون هذه التفاصيل اللي احنا للاسف ما نتخيلها، مع أن عثمان بالجنة والنبي قال عثمان بالجنة ومع الخبر والصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه أخبره بذلك ومع ذلك لا يوجد أمان، فمن أنا وانت حتى نامن على أنفسنا؟ هذه القضية التي يجب لو خرجنا من هذا المجلس اليوم بهذه الفكرة أن لا نشعر بالأمان وأن هذا الأمان الزائف الذي نحاول النقضى به أنفسنا هذا من تزييف الشيطان لنا في حياتنا، لو خرجنا بهذه الفائدة اليوم لكفى بها فائدة والله.

نعم، قال: فصل الخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد من الخلق وعد الله تعالى ذلك يعني أشرف خلقه، أشرف الخلق الله تواعدهم على المعصية كالملائكة مثلاً. قال قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39]. ماذا المخاطب بهذه الآية؟ النبي صلى الله عليه وسلم، والله توعده عن المعصية.

قال وقال في خلق الملائكة المكرمين: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29]. الملائكة عمارة. قال: فيأتون آدم حديث الشفاعة على ما الناس يوم القيامة يطول عليهم الموقف فيبدأون يذهبون إلى الانبياء العظام ويطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند الله، أول شيء يذهبون إلى من؟ إلى آدم، يقول: نفسي نفسي. يعني آدم وهو من خيرة خلق الله يخشى على نفسه. نعم، الحديث وقال: فيقول آدم: ربي، إن ربي قد غاد، غضب اليوم غضباً قبله مثله ولا بعده.

مثله، وأنه أمرني فعصيت فخاف أن يطرحني في النار. ينطلق إلى غير نفسي فذكر في نوح وإراهيم وموسى ذلك، كلهم يقول: أني أخاف أن يطرحني في النار. أخرجه ابن أبي الدنيا.

حتى الانبياء العظام يخشون من النار، ففعلاً لا أحد ينجو من الخوف من النار. نعم، قال الرجل ابن أبي الدنيا عن أبي خيثمة عن دليل عن عمارة مسلم في صحيحه بتمامه، وأخرجه البخاري من وجه آخر بغير هذا اللفظ.

ولم ينجُ الشهداء والصالحون من الخوف من النار ويخوفون منها. فأما ما يذكر عن بعض العارفين من عدم خشية النار في صحيح منهم له وجه سنذكره إن شاء الله تعالى.

علماء التصوف كانوا يقولون أننا مثلاً لا نخشى من النار، إلا أن بعض هذه المقولة أصلاً غير ثابتة. يتكلم عن أصحاب التصوف الحق الآن، أما صاحب التصوف الباطل والبدع والخرافات والذي أصلاً يعني هو تائه في هذا الطريق لا عبرة بكلامه. لكن هنا يحاول ابن رجب أن يعالج بعض ما ذكر أئمة التصوف الحق، التي ظاهرها أدناها يقولون: أننا لا نخشى من النار أو لا نعبد الله خشية من النار. فيقول: هذه الصحيح منها، يعني ما صح سنده منها، سأحاول أن أخرجه تخريجاً صحيحاً وأبيّن لكم ماذا كان قصدهم بهذه النقول.

الان سيبدا بهذه الفكرة. نعم قال ابن مبارك بن عبد الرحمن بن المهدي، قال سمعته يقول: قال حكيم من الله عز وجل: نعبده بالرجاء ثواب الجنة فقط، فكونك أجير السوء المعطي عمل، وإن لم يعطَ لم يعمل. واني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار.

ورأيت إذا سمعت هذا النص ماذا يأتي على دينك؛ إنه هذا الانسان لا يعبد الله خوفاً من النار. لماذا؟ قال: فأكون كعبد السوء، إن رهب عمل، وإن لم يرهب لم يعمل. يعني بعض الناس الذين وصلوا إلى مقام عالٍ يقول لك: أنا استحي أن أعبده خوفاً من ناره. ليه؟ قال: لأنني إذا عبدت الله خوفاً من النار أكون كالاجير السيء، الذي إنما يعمل خشية من العقاب فإذا أمن العقاب ماذا يفعل؟ يعصي.

وكأنني إذا عبدت الله خشية من ناره، كأنني إذا أمنت من النار وعدت بالجنة خلاص سأعصي وأقول: الحمد لله لن أدخل النار. فينسان يذهب إلى الذنوب والمعاصي ويقارفها. والمراد وهؤلاء ماذا مرادهم؟ أن الإنسان عليه أن يعبد الله وأن يترك الذنوب والمعاصي أساساً من أجل الله ذاته، أن الله اليس كذلك؟ وهو سبحانه يستحق أن يفعل الأوامر من أجله وتترك النواهي من أجله، حتى ولو لم يكن هناك جنة ولا نار.

ألا يستحق الله أن يحب من أجل ذاته ولاجل انعامه وأفضاله؟ هذا مراد هؤلاء الناس. لكن حقيقة هذا لا يمنع أن يضاف؛ نعم صحيح أن الله يعبد من أجل ذاته، وهذه أعلى مقامات العبادة أن تعبد الله وتفعل الطاعات لذاته وأن تترك المعاصي والذنوب لذاته. لكن هذا لا يمنع المقام الذي تتكلمون عنه، لكن أيضاً الخوف من النار هو جزء من الخوف من الله سبحانه وتعالى، والرغبة في الجنة هي جزء من ماذا؟ من الطمع بذات الله سبحانه وتعالى والقرب منه، لأن الجنة قريبة من الله وفيها يرى الله وينظر إلى وجهه الكريم.

فأظن أنه لا ينبغي أن يعارض بين الامرين وأن يلبس على الناس في هذا. يجب أن تعبد الله من أجل الله، يجب أن تحب الله من أجل الله، يجب أن تترك المعاصي من أجل الله، ويجب أيضاً أن تعبد الله خوفاً من ناره وطمعاً في ثوابه. فهي منظومة متكاملة لا ينبغي في الأصل أن يعارض بينها. قالوا إنه يستخرجه مني غيره؛ أنا أعبد الله حبّاً له حبّاً لذاته وليس لموضوع الجنة والنار ابتداء، وإن كنت كما قلت يعني الأصل لا يفصل الموضوع بينهما.

قال في تفسير لهذا الكلام لبعض لغته وهو أنه ذم العبادة من أجل على وجه الرجاء وحده وعلى وجه الخوف وحده. وهذا أحسن التفسيرات التي يقول إنه هذا الحكيم الذي قال هذه المقالة، إنما ذم العبادة التي يكون دافعها الخوف وحده، أو العبادة التي يكون دافعها الرجاء وحده، فهذا نقص.

فالانسان إذا عبد الله عليه أن يكمل، أنه يعبد الله حبّاً لله، ويعبد الله خوفاً من الله، ويعبد الله رجاء لما عند الله. أما أن تعبد الله بالخوف وحده أو بالرجاء وحده فهذا نقص في مشهد العبودية.

نعم، فكان يقول ابن عبد الله: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، وعبده لأنه يعني يتكل على الله الأماني. من عبد الله بالرجاء وحده ولم يحقق الخوف من الله فعده شيء من الإرجاء.

نعم، قال ومن عبده فهو حرام على طريقة الخوارج، لأن الخوارج إنما يتعبدون الله بالخوف فقط، ولا يعني حجم الأمل عندهم والثقة بالله وحسن الظن بالله ضعيف.

نعم، قال ومن عبد الله بالحب وحده ومن عبده بالخوف شيئاً يصل إلى الزندقة. لأن كثيراً من أهل التصوف لما زعموا أنهم يعبدون الله بالحب وحده، أتوا بمقالات الحلول أو الاتحاد أو غير ذلك من المقالات الكفرية؛ أن الله يتحد بالمخلوق وأن الله يتحد بمحبوبيه وغير ذلك من الكلام الفاسد. فهذا هو المراد، أن من عبد الله بالحب وحده تزندق، لأنه للاسف هذه المقولات تقوده أو تؤوله إلى مقولات كفرية.

قال ومن عبد الله من خوف ورجاء ومحبة فهو موحد مؤمن. هذا إذاً هو الطريق الصحيح، تعبد الله بالحب والخوف والرجاء، أن تجمع بين هذه المقامات الثلاثة وتنزل كل مقام منها ما يناسبه.

قال سبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من الجميع، ومن خلف بعضيها فقد الإيمان. وكلام هذا الحكيم يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء، الذي ذكره ابن المنبه سابقاً في الصفحات الثمانية.

نعم، يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء. أين موطن الشاهد في هذا؟ في ختام الكلام لما قال: وأنه يستخرج حبّه مني ما لا يستخرجه مني غيره. أي أن بحبّي لله يستخرج الله مني من العبوديات ما لا يستخرجه مني في الخوف أو الرجاء. فالمراد أن مقام المحبة ينبغي أن يغلب مقام الخوف ومقام الرجاء، لكن لا يترك الإنسان أبداً مقام الخوف والرجاء.

نعم، قال وقد قال الفضيل بن عياض: المحبة أفضل من الخوف. ثم استشهد بكلام هذا الحكيم الذي حكاه عنه. تبدأ هنا بعض الاجتهادات؛ بعضهم يقول: المحبة أفضل من الخوف. البعض يقول: لا، يجب هذه المقامات الثلاثة تكون متساوية. هنا اجتهادات للسلف في مقامات القلب، المهم عليك أن تحقق الثلاث. قضية أيهما أعلى من الآخر تصبح قضايا اجتهادية.

حسبك أن يكفيك من الخوف ما يمنع من الذنوب ولا حسب من الحب أبداً. ايش يعني؟ يعني خلاص يكفيك أن تخاف الله لدرجة أن الخوف يمنعك من الذنوب ولا تحتاج إلى أن تخاف أكثر من ذلك، لكن الحب لله سبحانه وتعالى لا يوجد شيء ينتهي له، لا مدى لنهايته، عليك أن تزداد منه يوماً بعد يوم.

قال فاما الخوف رجاء فأكثر على أنهما لا يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر. قال لهم طريف والحسن وأحمد وغيرهم، ومنهم من رجح خوف على الرجاء، وهو محكي عن الفضيل سليمان الدهراني. ومن هذا أيضاً قول حذيفه المرعشي: أن عبداً يعمل على خوف عبد سوء، وأن عبداً يعمل على رجاء العبد سوء، كلاهما عندي سواء.

مراده إذاً إذا عمل على إفراد حديث عن الآخر، يرى أن المحبة يجب أن تقدم على الخوف والرجاء، وأما الخوف والرجاء فهما مستويات. يعني هذا الذي يظهر من اقتباسات أو سياقات ابن رجب الحنبلي أنه يرى أن مقام المحبة يغلب على الإنسان، وأما الخوف والرجاء فهما ضروريان لكنهما مستويان لا يفضل أحدهما على الآخر.

قال: وهي الوردي لا تكون في العامل، يقال له تعمل كذا وكذا فيقول: نعم، أحسنتم لي من الأجر. ومراده من ذمه، من لا يلحظ في العمل إلا الأجر، ولا يترك المعاصي إلا خوفاً من النار، ولا يلحظ أنه يعبد الله من أجل ذاته حبّاً له، ويترك المعاصي حبّاً له. فيقول لك: لا تكن كعبد الذي لا يعمل إلا إذا أعطي مقابل، حاول أن ترتقي في عبادتك لله سبحانه وتعالى أن تعبد الله لأنك تستشعر أنه يستحق العبادة قبل قضية الجنة والنار. أنا أعبده لأنه أهل لأن يعبد، وأهل لأن تترك المعاصي من أجل ذاته المقدسة سبحانه وتعالى.

قال: هؤلاء يعرفون لهم الحضانه؛ أحدهما أن الله تعالى يستحق بذاته، الذين أننا لا نحتاج أو لا يجب أن يعبد الله خوفاً من ناره. وهؤلاء العارفون يقصد الذين أشاروا إلى قضية أنه لا نعبد الله خوفاً من ناره أو دار حول هذه المقولات، لهم ملحظات في استعمال هذه العبارة أحدهما.

نعم، قال أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته ويحبه قربه مع قطع النظر. كما قال القائل: هذه البعثة لم تأتنا رسله، وجاحمة النار لم تضرمي. أليس من الواجب المستحق العبادة من المنعم؟ هناك بعض وأن هناك جنة ونار، ألا يستحق الله أن يعبد لمجرد انعامه عليك بالسمع والبصر واللسان والعقل؟ ألا يستحق الله أن يعبد وتترك المعاصي فقط له من أجل هذه النعم؟ يستحق سبحانه وتعالى.

قالوا وقد أشار هذا إلى أن نعمه على عباده تستجيب منهم فكراة عليها، وإحياءهم منه، وهتت ورمت قدماه فقيرة. صلى الله عليه وسلم لما قام منعه، قالوا: هذا هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه واله وسلم لما قام حتى تورمت قدماه، فقير تفعل هذا وقد غفر لك.

الخوف رجيم الحق سبحانه دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فعلى الخوف خوف العبد والسخط والحجاب عنه سبحانه. كما قدم سبحانه ذكري على النار في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، ثم أنهم.

إن الخوف والرجاء الذي يجب أن يتعلق بذات الله يجب أن يكون أعلى من الخوف والرجاء الذي يتعلق بثواب الله وعقاب الله. هذا كلام حقيقة يستحق أن يقرأ؛ الخوف والرجاء الذي يتعلق بذات الله ينبغي أن يكون أعلى من الخوف والرجاء الذي يتعلق بثواب الله وعقابه. ايش يعني؟ يعني أنا لما أرجو لقاء الله سبحانه وتعالى في الجنة وأرجو أن تتكحل العين برؤية وجهه الكريم والقرب منه، هذا ينبغي أن يكون بالنسبة لي أحلى وأعلى وأعظم من مجرد دخول الجنة.

فرجائي أن ألتقي برب العالمين وأن أنظر إليه وأن أدنو منه وأن أكون من الوفد الذين يزورونه، هذا الرجاء المتعلق بذات الله يجب أن يكون أعلى في قلبي مكاناً ولذة من مجرد ماذا؟ رجاء دخول الجنة. كذلك الخوف؛ خوفي أن أحرم من رؤية الله سبحانه وتعالى، خوفي من أن يحجب الله عندي يوم العرض الأكبر يجب أن يكون أعلى من خوفي من دخول النار.

يجب في مقامات الإمام، طبعاً وجوب عند مقامات العارفين، ينبغي أن يكون أعلى من خوفي من ماذا؟ من أن أدخل النار. وهنا استدل الاستدلال لطيف بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: 15-16]. أي العذابين كان أعظم ما بدأ الله به، ما هو؟ احتجابهم؛ حجب الله نفسه عنهم. احتجاب الله عنهم كان أعظم في العقاب، لذلك بدأ به، ثم ثنى بعذاب النار فقال: ثم حتى. ثم تفيد العربية ليش؟ التراخي، تفيد أنه قضية دخولكم النار وإن كانت شديدة لكنها ليست بشدة أن ينحجب الله عنكم فلا ترونه يوم العرض الأكبر.

فأن تحجب عن الله هذا عقاب أعظم من أن تدخل النار. لكن من الذي يدرك هذا الكلام؟ الناس لا تدرك هذا الكلام، حتى كثير منا بالنسبة له لما تقول له تحجب عن الله أو تحجب عن النار، ربما بعض الناس يختار أن يحجب أم النار، يعني امشي النار. لكن الذي عرف الله وعظم الله وقدر الله ويعرف ما معنى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته يعرف أن قضية أن يحجب الله عنك هذا عقاب ما بعده عقاب وأقسى من مجرد دخول جهنم.

تمام، قال: فعل الخوف العبد من السخط والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب ذكرى هذا العقاب على تصليه الدار. نعم قالوا على صليهم النار في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: 15-16]. وقال ذنوني: خوف النار عند خوف الفراق في قطرة.

قال: كما أن أعلى رجائي ما يتعلق بذاته المصري، المتصوف الاوائل وجل كلامه جيد. نعم، في كلامه جيد ماذا يقول ذنون المصري؟ خوف النار عند خوف الفراق، يعني مقارنة بخوف الفراق وماذا يسبب الفراق؟ الحجب عن الله. المراد بالفراق أنك تفارق الله أي تحجب عنه. يعني لو قارنا بين خوف النار وخوف أن تحجب عن الله سبحانه لكانت قطرة في بحر لجين، يعني ولا شيء في النار مقارنة بالخوف من أن تحجب عن رؤية الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال كما أن اعلى رجيم يتعلق بهذه سبحانه برضاه ورؤيته ومشاهدته بقريه. ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظنوا أن هذا كله ليس بداخله في نعيم الجنة ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى علي إذا أطلقتها. اليس كذلك؟ حتى لو قلت إنك تعبد الله من أجل ذاته وليس من أجل ناره ولا طمعاً في جنته، يعني كأن ابن رجب ماذا يقول؟ يقول: لا، ما هو أنت رجاؤك أن تلقى الله سبحانه وتعالى هذا جزء.

من الطمع في الجنة، الجنة هي ليست فقط الأشياء المخلوقة، بل حتى هذه اللذات، لذة رؤية الله هي أصلاً جزء من ماذا؟ من النعيم، هي جزء من الجنة، وقضية أن تحجب عن الله سبحانه وتعالى، هذا جزء من النار، أن تحجب عن الله هذا بحد ذاته نار، صحيح مش نار حسية، لكنها نار ايش؟ معنوية نفسية، أن الله يحجبك عنه.

فهنا ابن رجب ماذا يقول؟ قال: ولكن قد يغلط بعض الناس فيظن أن هذا كله، أن قضية رؤية الله والجوار الله، أو أن تحجب عن الله وما شابه ذلك، أن هذا كله ليس بداخل في نعيم الجنة ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت وهذا خطأ، بل إذا أطلق نعيم الجنة فمن نعيمها رؤية الله وجواره، وإذا أطلق النار فمن عذابها الحجب عن الله سبحانه وتعالى.

وبالتالي لما أقول: أعوذ بالله من النار، وأخاف من النار، أنا أخاف من النار ومن كل ما هو من عذاب النار ومن ذلك الحجب عن الله، وعندما أسأل الله الجنة أنا أريد كل الجنة بكل ما فيها، ومما فيها رؤية الله، فينبغي أن لا يعارض إذن بين قضية الخوف من النار وحب الجنة وبين قضية الخوف من الله ورجاء الله، فالمعنيان متلازمان.

قال: وبقي هنا أمر آخر، وهو أن يققال: ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة لا يخافه العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المتعلق بالأمور المخلوقة لا يحبه العارفون ولا يطلبونه.

هناك الآن الجنة هناك أمور مخلوقة لنتلذذ بها، مثل ماذا؟ السرور ومنها الحور العين تمام، وكذلك النار الله عز وجل خلق فيها أمورا ليعذب بها كالزقوم وغير ذلك والصديد، فهو يقول هنا بعض العارفين يقول: ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلقة بالأمور المخلوقة كالزقوم، يعني أنواع العذاب المخلوقة الزقوم والصديد والأغلال إلى غير ذلك، هذا العذاب المخلوق لا يخافه العارفون بالله، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المخلوق كالحور والأكل والطعام والشراب قال: لا يحبه العارفون ولا يطلبونه.

هل هذا المعنى صحيح؟ الفكرة هل هذا المعنى صحيح؟ نقول: إن العارف بالله لا يخشى من العذاب المخلوق، وإنما خشيته أن يحجب عن الله فقط، وأن العارف بالله لا يريد الثواب المخلوق الطعام والشراب والحور العين وإنما يريد الثواب الحسي وهو رؤية الله وجواره؟

هل هذا المعنى صحيح؟ إذن الرجل يقول: هذه الفكرة تقول إنني لا أريد النعيم الذي خلقه الله في الجنة ولا أخشى من العقاب الذي خلقه الله.

تعرف هذه الأمور أحيانا تساعدكم أحبابي على الإجابة على شبهات المتصوفة، أن بعضهم يتكلم بهذا الكلام، يقول: أنا فقط عذابي أن أحجب عنه، ونعيمي أن ألتقي به، ولا يهمني النعيم الذي خلقه في الجنة، ولا يهمني العذاب الذي خلقه في النار، هذه الكلمة خطأ، نعم أنت تخشى من أن تحجب عن الله وتطمع في لقاء الله، لكن من تعظيمك لله سبحانه وتعالى أن تعظم ما خلقه في الجنة وما خلقه في النار، هذا من تعظيمك لله سبحانه وتعالى، لذلك ايش يقول ابن رجب؟

نعم، قال: وهذا أيضا غلط، النصوص الدالة على ذلك كثيرة جدا ظاهرة، وهو أيضا مخالف للفطرة.

يقول: هذا فوق أنه مخالف لنصوص الكتاب العزيز التي تدل على أن المؤمن يجب أن يحب ما أعده الله من الأمور المخلوقة ويبغض ما أعده الله في النار من الأمور المخلوقة، وأيضا مخالف للفطر السليمة، فالإنسان صاحب الفطرة السليمة ألا يحب ما يعجبه؟ ألا يحب الفراش الحسن والمنظر الحسن والهيئة الحسنة؟ يحب، وفي المقابل الإنسان السوي ألا يكره الصديد والزقوم والأشياء القبيحة؟ فهذا من فطرة الإنسان، فكيف تقول أنا أصبحت عارفا بالله فلا تهمني هذه الأمور ولا أرغب في كذا؟ هذا كله كلام فارغ ليس له معنى.

قال: بإنما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكينة واصطلامه واستغراقه وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة له أصلا، فاذا رجع عقله وفهمه، على أن سكره واصطلامه التصوف يعني هذا الكلام يعني هو ابن رجب حاول أن يعتذر، أو هذا من يعني احترام العلماء لبعض مشايخ المتصوفة يحاولون الاعتذار لهم، يقول: هذا الكلام إذا صدر من أحد أنني لا أطلب ما خلقه الله في الجنة ولا أخاف ما خلقه في النار إنما يكون صدر من بعض مشايخ الصوفية في لحظة فنائه في الله، في لحظة سكره واصطلامه لدرجة أنه خرج عن كل هذه الأمور الحسية وما عاد يشاهد إلا الله، قال: فنحن نعذره لأنه في لحظة هذا الفناء ولحظة السكر والاصطلام يقول كلاما لو وعي وعاد له عقله وعرف ما الذي قاله، لما استوعب الكلام الذي صدر مني، فقال: خلاص نعذرهم في لحظة استلامهم وسكرهم، طبعا هنا السكر ليس بمعني الخمر لا السكر بمحبة الله كما يزعمون.

ونحن ننظم لذلك مثلا هذا الأمر إن شاء الله تعالى، وهو أن أهل الجنة إذا دخل الرب سبحانه لزيارته ومشاهدته، من اعتذار لهؤلاء وحاول أن يعطيك هذا المثل، شوف حتى قال تعظيم مشايخ المتصوفة في بعض كلامهم المزيف، فإنهم ينسون عند ذلك في الجنة قبل ذلك، حين ينظُرون إلى جلاله كما جاء، جل جلاله كما جاء في حديث يوم المزيد، يوم المزيد هو اليوم الذي يزور فيه، فيتجلى لهم ربهم ويحدثهم، فيقول يوم المزيد لما أهل الجنة يذهبون إلى زيارة الله، نسال الله أن يكون جميعا منهم، قال: لما يرون الله وبهت مجالسة الله سبحانه يحقرون كل نعيم الجنة وينسونه حتى خلص ينتهي موعد الزيارة ويعودون إلى منازلهم وقصورهم، فيعودون يتلذذون بنعيم الجنة تمام هكذا يقول حال أهل الجنة.

لو أنهم ذكروا في شيء أو أُخبروا أنهم لا يرون في تلك الحال، وكذلك لما يكون أهل الجنة في زيارة الله أثناء الزيارة، لو حكيت لهم بتنتظركم في طعام وشراب بقول لك هذا لا نريده نحن نريد أن نبقى في زيارة الله، ينسون كل نعيم الجنة أثناء الزيارة بالتحديد، لكن بعد انتهاء الزيارة وعودة الحياة الطبيعية في الجنة إذا صح التسمية، يعني خلاص يعودون للتلذذ بما كانوا يتلذذون به سابقا.

نعم التفت إليه وربما لم يستشيره لأنه في تلك الحال، وإنما يحذرون حينئذ من الحجاب عما هم فيه والبعد عنه، لما يحجبون عن الله سبحانه، الحجب عن الله بالنسبة لهم لحظة الحجب أصعب من كل لحظات العقاب في دار جهنم، هذا المراد بمنازلهم رجعوا إلى ما كانوا عليه بأنواع المخلوق لهم، فما يزال نعيم بذلك شوقهم إلى يوم المزيد.

ثانيا قال: فهكذا حال العارفين الصادقين في الدنيا على قلوبهم أنوار الإحسان واستولى عليها، التصوف العارفين بالله إذا تجلى على قلوبهم أنوار الإحسان واستولى عليها المثل الأعلى، المثل الأعلى هو الله سبحانه وتعالى بصفاته العلى، قال: فإن هذا من شواهد ما يحصل لهم في الجنة يوم المزيد، يعني علماء التصوف أو ما يسميهم هم هنا العارفين بالله لما يكونون في لحظة يقولون نحن الآن خلاص لا نطمع بما خلقه الله في الجنة ولا نخاف مما خلقه في النار، هم يكونون في لحظة استحضار المثل الأعلى وكأنهم ينظرون إلى الله أمام أعينهم، فهم في هذه اللحظة بقول لك لا تحكي معهم خلاص هم في هذه اللحظة لحظة مشاهدة المثل الأعلى لا تكلمهم لأنهم سيحقرون أي معنى آخر سوى معنى مشاهدة الله سبحانه وتعالى، فيتكلمون بكلام يتراجعون عنه بعد استيقاظهم من هذه الحالة الروحانية أو الإيمانية التي مروا بها، فيقول يعني هذا من باب عذرهم فيما تكلموا به سابقا.

قال: فإن هذا ما يحصل لهم في الجنة يوم المزيد في تلك الحال إلى غير ما هم فيه من الأنس بالله وتنعم بقربه وذكره ومحبته، حتى ينسوا ذكر نعيم الجنة ويصير عندها بالنسبة لما هم فيه ولا يخافون حينئذ أيضا غير حاجبهم عن الله وبعدهم عنه وانقطاع قربهم، فإذا رجعوا إلى عقولهم سكنت عنهم سطوت هذا الحال وقهره وردوا أنفسهم إرادتهم الباقية فيشتاقون حينئذ الجنة يخافون من النار مع ملاحظتهم على ما يشتاق إليهم من الجنة يخشى منه من النار، هذا المعنى وإن كان بعضكم الآن ينظر إليها أحيانا بعض المعاني عظيمة أو أحيانا أن يصل الإنسان أحباب الكرام لملحظ أو لحالة يشاهد فيها الله سبحانه وتعالى مرات ليست المشاهدة الحسية المراد المشاهدة القلبية لله سبحانه وتعالى هذا حال عظيم وهذا حال انسان مداوم على ذكر الله وعلى السلوك الصحيح وعلى أوراده ويحافظ على خطراته ودائم التفكير في الله ليلا ونهارا، فامثال هؤلاء فعلا قد يرسلون لحالة من التعلق الشديد لله سبحانه وتعالى تجدهم ممكن فعلا يصلوا إلى هذه المرحلة التي يتكلم عنها ابن رجب، فأنت وإن كنت قد ترى بعض مثلا المتصوفة عندهم شيء من الخطا لكن هذا أيضا عليه أن يعود إلى نفسه أنه أنت أيضا عندك جفاء، يعني إذا هم بالغوا في مقام المحبة أظن أننا بالغنا في مقام الجفاء تمام، فأنت يعني بعض الناس بعض الخطابات هذه بني يمينه كان يذكر به أحيانا بعض من ينكر على أهل البدع ينكر عليهم مع أنه واقع في جفاء عن الله، كان يتكلم عن بعض من ينكر المولد النبوي قال:

وبعض من ينكر على ظنه ذكروه في اقتباس صراط مستقيم، قال: وبعض من ينكر للمولد ينكره وفي قلبه جفاء عن حب النبي الاعظم صلوات الرب وسلامه عليه، فهناك بعض الموازنات يجب أن تكون حاضرة في حياتك يا طالب العلم خاصة عندما تنكر على بعض أهل البدع احذر أن يكون أحيانا انكارك على بدعة هو سبب أصلاً مرض قلبي أنت تعاني منه، أنكرت عليهم غلوهم في هذا المقام لكن لعلك واقع في غلو في مقام آخر، فانتبه على موازنتك النفسية لأن نعم أنكر الأخطاء لكن أيضا في نفس الوقت أراعيهم، وهذا ما يعجبني في خطاب ابن تيمية ابن القيم ابن رجب حتى وهم يتكلمون مع المخالفين أو بعض أهل البدع تجد في نوع من الرحمة، تجد في نوع من الإنصاف نوع من التفريق بين البدعة وحال المبتدع، نوع من معرفة أن هذا الإنسان هو محب لكنه أخطأ، يعني في محاولة لصنع بعض الموازنات وعدم الاستعجال في التخطئة وإسقاط الأحكام على الأعيان لأن الأمور أحيانا تختلط وتشتبك، فتكون أنت تنكر على انسان خطا وأنت واقع في خطأ أعلى منه، تنكر عليه غلو في مقابل محبة وأنت واقع في جفاء شديد في حب الله سبحانه وتعالى وحب النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، فمثل هذه المعاني التي ذكرها ابن رجب حاليا أيضا أن تأخذ أنت منها بنصيب وافر من مشاهدة الله عز وجل في ليلك ونهارك، وهذا مقام طبعا ليس بالسهل وليس مثل أصلا من يتكلم عنك لكن يعني يدندن حول ما يدندن القول.

وقال: وأيضا فلا يعرفون قد يلاحظون للنار أنها ناشئة عن صفة انتقامية والأثر فجهنم دليل على عظمة الله، على عظمته في أعدائه، فالخوف منها في الحقيقة تخوف من الله وجلال الخوف من جهنم، بل لا أخاف من جهنم ومن عذابها، الخوف منها هو جزء من الخوف من ذات الله سبحانه وتعالى، قال: فالخوف منها في الحقيقة الخوف من الله وإجلال عظمته وخشية من صفاته المخوفة، مع أن الله سبحانه يخوف بها عباده، ويحب منهم أن يخافوها بخوفها بالحذر، فإن الله متبع.

قال: فصل في القدر الواجب من الخوف، والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض وترك المحارم، فإن زاد على ذلك حيث صار بعثا... ما هو الحد الأدنى من الخوف؟ هو الخوف الذي يبعثك على فعل الواجبات وترك المحرمات، وما زاد على ذلك من الخوف فهو مستحب ورفعة، لكن الخوف الذي لا يبعثك على ترك المحرمات ولا على فعل الواجبات خوف ناقص أنت بعد لم تحقق هذا المقام كما أراده الله سبحانه وتعالى، فهذا كلام عن الحد الأدنى من هذا المقام.

قال: فإذا نزل ذلك بحيث باعث النفوس على التشمير في نواف الطاعات عند دقائق المكروهات والتبسط في فضول المباحات كان ذلك فضلاً محموداً، فأن زاد على ذلك بأن أمرنا وأمواتا وهما لازم بحيث يقطع عن السعي في كسب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل لم يكن محموداً.

يتكلم حقيقة عن قضية مهمة، بعض الناس إخواني يعاني من الوسوسة العقدية في مقام الخوف، وهذا انتبهوا له، بعض الناس يصبح مقام الخوف بالنسبة له باعث للكئابة واليأس والإحباط ومقيد له، فيبقى هكذا جالسا لا يفعل شيء، شاعر أنه خلاص أنا رايح على النار رايح على النار أنا انسان معذب معذب ما في فائدة من عملي، فهنا ابن رجب يركز على هذا الكلام ايش يقول؟ قال: فأن زاد على ذلك، اقرأ النص: أن زاد قال فأن زاد على ذلك، كيف أن زاد على ذلك؟ أي إذا ازداد الخوف عند الإنسان لدرجة أنه أورثك مرضاً، صار الخوف يسبب لك أمراض، بعض الناس الخوف يسبب له قرحة في المعدة، يسبب له أمراض في الجسد، انهيار كامل في الصحة البدنية، توتر عصبي، هل هذا الخوف من الله محمود؟ هل كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال الصحابة في الخوف من الله؟ لا، فبالتالي هنا ينبهك صحيح أنت مطلوب منك أن تحقق مقام الخوف لكن بدك تنتبه أنه لا يصبح هذا المقام.

وسوس بالنسبه لك يسبب لك، كما قال، أمراض أو موت؛ بعض الناس وصل به إلى الموت كلما تذكر مقام الخوف -رحمه الله عليه-، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان أخشى الناس لله، ليس كذلك؟ لا يزعم أحدنا أنه وصل إلى مقام في الخوف، ومع ذلك لما يتذكر مقام الخوف ما كان يصاب بالصعق والغباء والموت وما شابه ذلك، كان يستطيع أن يضبط هذا المقام ويضعه في المكان المناسب له.

ولذلك يقول: فإن تزايد على ذلك بأن أورث الخوف مرضاً أو موتاً، أو لازمه -بعض الناس خلاص دائماً مهموم مهموم- هل هذا كان نهج النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم كان يضحك مع أصحابه، ويمزح مع زوجاته، ويعيش حياته طبيعية عليه الصلاة والسلام؟ لن تكون أخشى لله من النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تحاول أن تتصنع أموراً لم ترد في نهج النبي صلى الله عليه وسلم ولا نهج أصحابه.

فيقول: الخوف الذي يوصل صاحبه إلى المرض أو الموت أو الهم اللازم بحيث يقطعه عن السعي إلى الله، وفي اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله، هذا النوع من الخوف ليس محموداً، فهنا ينتبه الإنسان حتى يحافظ على التوازن القلبي.

قال: ولهذا كان السلف يخافون على أعتاضهم من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار هذا رجل وصل به الخوف من الله أنه صار عنده شيء في العقل، هل هذا محمود؟ هذا ليس محموداً الآن، قضية أنه معذور هذا بينه وبين الله، لكن هذا أقول لي ولك: إن هذا ليس هو المطلوب في الخوف من الله أن تصل لمرحلة الدهاق الدماغي أو أمراض الأعصاب وما شابه ذلك، هذا ليس مطلوباً، نعم.

قال: هذا كان السلف يخافون فراشاً؛ وهذا لأن خوف العقاب ليس، إنما هو صوت يساق به المتوالي عن الطاعات إليها. شوف الجميل هذا التشبيه، هذه العبارة لطيفة، قال: وهذا لأن خوف العقاب -خوف النار- ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو كأنه صوت خلفك، إنما هو صوت يساق به المتوالي الكسول مثلي، إنما هو صوت يساق به المتوالي عن الطاعة إليها. هذا هو الهدف من أن تخاف من النار، أن يكون كأنه صوت يلحقك حتى يسوقك إلى طاعة الله، وترتفع همتك في اكتساب الفضائل والمعاني.

قال: من هنا كانت النار من جملة الله على عباده الذين خافوه وتقووا لهذا المعنى، عد.. ولهذا المعنى عدّ الله سبحانه من جملة في سورة الرحمن. نعم، جميل هذا الالتفاتة، لما الله عز وجل كان يذكر النار في سورة الرحمن، ايش كان يقول؟

﴿يَعْرِفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 41-42]. عجيب، يعني تتكلم عن النار ثم تقول: فباي آلاء ربكما تكذبان؟ ما وجه الآلاء والنعم بعد ذكر يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام؟ يقول: إن النار هي من نعم الله عليك؛ ليه؟ لأنها الصوت الذي يقودك إلى الطاعة، هذا وجه ذكري فباي آلاء ربكما تكذبان بعد ذكري قضايا النار في سورة الرحمن.

فيقول: هذا لأن النار من جملة نعم الله على العبد؛ لأنها سبب في قودك إلى معالي الأمور. جميل، قال: وخلاص ابن عوينة، خلق الله النار رحمة بها عباده لينتهوا. خلق الله النار رحمة؟ نعم، خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا.

وكثير من فضائل لم تكتسب إلا بعد الخوف من النار، وكثير من الطموحات وفتح البلدان ولا الأمصار لم تكتسب إلا بسبب الخوف من النار، ما الذي دفع كثيراً من الناس لأن يجاهدوا؟ بعضهم خوف من النار، يكثر ذنوبه، معارك، كثير من الناس ما سلك طريق طلب العلم ولم يقوم الليل ولم يصبح من العلماء الأفراد إلا خوفاً من النار؛ ففعلاً الخوف من النار يكون باباً عظيماً للطموحات بالنسبة لكثير من الناس.

قال: المقصود الوصية وطاعة الله عز وجل ومكروهاته الله، وهيبته وعظمته في الصدر وإجلاله مقصوداً لأيضاً، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عوناً على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، متى صار الخوف مانعاً من ذلك وقاطعاً عنه، فقد انعكس المقصود منه. ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة، كان صاحب.. لقد كان السلف في.. هنا بدأ يقول هذا العذر، وأحياناً بعض الناس خوفه من الله أو من النار قد يسبب له إغماءً أو موتاً، حسناً نقول: هذا ليس حال النبي عليه الصلاة والسلام.

لكن الذي يغمى عليه أو يموت بسبب خوفه من الله، نعم ليس هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الذي حصل له ذلك قد يكون معذوراً، قد يكون هذه طاقة وهذا مدى استيعاب لهذه الأمور، فننتبه أننا لا نلوم السلف أو بعض من نقل عنه من السلف أنه كان يُصعَق أو يغمى عليه عند ذكر آيات العذاب؛ لأنهم معذورون عند الله سبحانه وتعالى، لكن ليس المقام هذا هو مطلوب مني أنا، المطلوب مني أن أتحقق الاعتدال والتوازن الذي كان يحققه صلى الله عليه وسلم في حياته.

نعم، قال: وقد كانت مختلفة، من حصل له خوف النار يحرم من خوف شهادة قلوبهم، من كان يلازمه القلق أو غُشي عليه إذا سمع ذكر النار. وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم شيء من ذلك ضعيف؛ روي عن النبي من ذلك أنه أغمي عليه أو صعق، كل ما ورد في ذلك حديث ضعيف لا يعتمد عليه، لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصاب بالصعق أو بالإغشاء عندما يتلو آيات الخوف أو آيات النار، والله أعلم.

قال: فروى حمزة قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: 12-13] فرسول الله صلى الله عليه واله وسلم» وفي رواية: «فبكى حتى غشي عليه صلى الله عليه واله وسلم» هذا مرسلاً، حمران ضعيف. ورواه بعضهم عن حمران عن أبي حرب بن الأسود مرسلاً أيضاً، وقيل: حمران عن ابن عمر ولا يصح.

قال ابن عبد العزيز بن أبي رواد قال: لما أنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه واله وسلم: ﴿فَكَيْفَ إِن تَقَيْتُمْ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] تلاها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أصحابه فخر مغشياً عليه صلى الله عليه واله وسلم، يده على فؤاده فإذا هو يتحرك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «يا فتى، قل لا إله إلا الله» فقال، فبشرهم بجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بينا؟ قال: «وما سمعتم قوله تعالى: ذلك لمن خاف مقامي خاف..» أعيد، قد روي هذا عن أبي.. عن ابن رواد عن عكرمة عن ابن عباس يخرجه من هذا الوجه الحاكم وصححه، ولعل المرسل أشبه، أيضاً منقطع انقطاع كبير. والرواية المتصلة عن هاتهم علي بن عباس لا تصح، نعم.

قال: قال في كتابه، في كتاب النواحين، حدثنا صاحبه.. النواحين ليس مثل هذا الصبي، الذين ينوحون خوفاً من الله سبحانه وتعالى وخشية من عقابه هذا المرض. نعم، قال الجوزاني في كتاب النواحين: حدثنا صاحبنا عن لقمان الحنفي قال: أتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.. على.. على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ينادي..» فيديو سياق حديث يقتضي العكس، أتى رسول مرفوعة، أتى رسول الله صلى الله على شاب وتكون التنويه وهو النبي صلى الله الذي أتى على أن الحديث فيه ضعف لكن المراد يعني هكذا البنية، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.. الحديث ضعيف، نعم.

قال سليمان بن سحيم: أخبرني مضى بن عمر يصلي ويتراجع ويتمايل حتى لو رآه غيرنا بذكر النار، إذا مر بقوله تعالى في عقلهم مراد، نعوته وخوفه من النار. نعم، أثناء الصلاة.. عنه يعني ايش الفائدة لماذا تسالني هذا السؤال؟ فقال: قال، قلت: أسأل الله تعالى لو لم يوعدني أن يسجنني إلا في الحمام إذا كنت حرياً أن لا عين.. حمامات الشامية، حمامات هذا الماء الساخن.

يقول: لو أن الله لم يتوعدني إلا أن يسجنني في حمام سخن إذا كان ذلك حالياً، فما بالك وهو يتواعدني بنار ترضى؟ أليس هذا حرياً أن لا تجف لي عين؟ نعم، قال: قلت في صلاتي.. ليست في صلاتك؛ لأنه السياق.

وأنا إذا سكنت إلى أهلي لأقوم بالعلاقة الزوجية، أذكر النار فيحول ذلك بيني وبين يعني معاشرتي لأهلي. طبعا هذا ليس مطلوباً، وليس هذا النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الرجل من شده خوفه يبتلى إياه بهذا البلاء، حتى إذا اقترب من زوجته وهي لحظة الأصل تكون نشوة وليست لها تذكر يعني لهذه الأمور، يتذكر هذه الأمور فتحول بينه وبين ما يريد يعني من العشرة الزوجية، نعم.

قال: بأنها ليضع طعام بين يدي فيعرض لي، فيحول بيني وبين النار. قال: فيحول أكله حتى تبكي امراتي وتبكي صبياننا، ما يدرون ما أبنائنا، وربما يعني حتى امراتي وصلت لمرحلة من التضجر، بتقول يا ريحان يعني أنا ايش اللي ورطني؟ انسان طول الوقت يبكي. يعني ايش اللي خلاني أزوج هذا الإنسان؟ هذا يذكرني بامراه عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة وتقشف، ماذا قالت له؟ أرحم الله منك، يعني مع زوجته التي عاشت معه لحظات الحياة، لكنه لما تولى الخلافة انقطع عن المال حتى أصبح ما يأكل إلا الشيء الناشف، امراته كانت مدللة منعمة لما كان عمر بن عبد العزيز أمير، كان يعني رجل رجل دولة، لكن لما تولى الخلافة زاهد في كل ذلك، امراته صعب عليها هذه المعيشة، وإن كانت امرأة فاضلة لكن النساء لهن طاقات معينة فيه الاستحمام. نعم.

حسني عمر بن عبد العزيز كأنه كان نار لم تغلق إلا له ما قال كان النار هم خلق الله لهما الاثنين، فمن شدة خوفهما من الله سبحانه وتعالى دائماً يبكي، نعم.

وروى ضمرة عن عمر قال: بكي الحسن الفقير قال: أخاف يطرحني غدا في النار ولا أبالي. قالوا: عن الفرات بن سليمان، كان الحسن يقول: المؤمنين.. حسن البصري كلامه يشبه كلام الأنبياء، رجل القى الله الحكمة على لسانه فيتكلم دائماً بكلام عميق. نعم، قال: كان الحسن يقول: المؤمنون قوم أنزلت والله من أسماع والأبصار حتى حسبهم الجاهل مرضى وهم الله أصحاب القلوب، ألا تروا يقول وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، والله لقد كابد في الدنيا حزناً شديداً وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، الله ما أحزنهم؟ ما أحسن الناس، ولكن أبكاهم وأحسنهم الخوف من النار.

المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن نحوه، على الدنيا فأت يحزنون على.. على جامعيه ما أتى بها، يحزنون على شهادة ضاعت؛ هذا الذي يحزن الناس عليه، ملذات وشهوات لم ينالوها. لكن أهل الإيمان على ماذا يحزنون؟ يحزنون على ليلة لم يقوموا فيها لله، يحزنون على فوات ورد من القرآن، يحزنون على مجلس علم لم يحضروه، ففرق بين أهل الإيمان في حزنهم وبين أهل الدنيا في.. نعم.

قال: ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت عبد الله بن حنظلة يوماً وهو على فراشه، وعدته من علته لهم من جهنم مهاد، فبكيت حتى ظننت أن نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين أطباق النار. ثم قال عبد الرحمن قعود: منعني ذكرى جهنم جهنم، ولا أدري لعلي أحدهم، فكره جهنم.. أراد أن يقوم لله سبحانه وتعالى وأن يسارع في الطاعات وتذكر جهنم فقال: ما في وقت كان يوماً على شط الفرات فسمعت.. في عذاب جهنم خالدون.

فلما قالت: لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون، سقط في الماء فمات. كما قلنا: ثلاث الأحوال غير مطلوبة إخواني تمام، هذه الأحوال يعني يذكر بعض هذه الأحوال لكنه يخبرك أنهم معذرون. قبل القريب قال: سيمر معنا أحوال أناس يصابون بسعق أو إغشاء أو موت، فيقول: هؤلاء نعذرهم عند الله سبحانه وتعالى، لكن ليس هذا مطلوباً.

قال: من حديث ابن قال: صليت خلف الفضيل صلاة المغرب، وإلى جانبي علي ابنه، علي ابنه يعني ابن الفضيل علي ابن قال: فقال الفضيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] فلما بلغ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: 6] سقط مغشياً عليه، وبقي الفضيل ولا يقدر يجاوز بآية، ثم صلى بنا صلاة خايف، ثم قالت.. ثم رابط عليا، فلما مكثت بجانب علي ربطت جنبه وصعصعته من الإغماء الذي أصابته، فما أفاق إلا في نصف الليل.

فما قال في نصف الليل؟ قال روى أبو نعيم بإسناد عن الفضيل قال: أشرفت ليلة وهو في صحن الدار وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟ وكان علي يوماً عند عيينة فحدث سفيان بحديثه في ذكر النار، وفي يدي علي قرطاس في شيء مربوط فشق وشق ووقع، ورمى بالقرطاس ووقع من يده، فالتفت إليه سفيان فقال: لو علمت أنك هاهنا.. ها هنا، ما حدثت به. فما أفاق إلا بعد بعد ما شاء الله، لا يستحمل.

عليه ابن الفضيل بن عياض هذا الإنسان أمورها في الإحساس خلينا نقول جداً، ورجل محب لله سبحانه ويخاف من الله فكان لا يستحمل أن تذكر النار، فإذا ذكرت النار يخشى عليه، حتى سفيان يعني في المجلس قال: والله لو أعلم أنك هنا، ما كان يعرف أنه في المجلس، لو أعرف أنك في المجلس ما ذكرت النار. بعض الناس ترى عندهم هذه القضية أنه عنده خوف شديد لدرجة أنك إذا ذكرت ما هو بعض الأمور المخيفة يتعب نفسياً، ويتعقد ولا يستطيع أن يكمل، هذا معذور عند الله سبحانه وتعالى، وإن كانت حالته ليست مطلوبة لكنه.

معذور بإذن الله. قال، وقال علي بن عمار: سمعت ابن عمار يقول: تكلمت في المسجد الحرام، فذكرت شيئاً من صفة النار في رواية الفضيل بن عياض، فصاح التغشي عليه، وطرح نفسه، قال في لحيته لأبي نعيم إن عليه الابن أخذه والده.

واضح أنه يعني هو من أئمة السلف رضوان الله تعالى عليه، وكان رجلاً زاهداً عابداً، الحربي مش هو الملقب بعابد الحرمين؟ يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب، فالفضيل عابد الحرمين.

فماذا سيخرج؟ شوف الأثر الطيب من الأب في ذريته علي ابنه، علي ابن الفضيل بن عياض، الأب أنتج ابن مثله ورعاً.

طيب، نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، ونكمل المجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.