بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجه للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. الحمد لله أولاً، والحمد لله آخراً، والحمد لله ظاهراً، والحمد لله باطناً، والحمد لله على الختام كما حمدناه على المبتدأ. الحمد لله الذي أعان ويسر ووفق، ووصلت بنا الآن الأنفاس إلى مثل هذه اللحظات، فهذا كله محض توفيق الله سبحانه وتعالى عليك يا طالب العلم.
فاحمد الله على مجالس الخير، على مجالس العلم، على مجالس العطاء، على المجالس التي تقودك إلى الله سبحانه وتعالى، على المجالس التي تصحح البوصلة في زمن الفتن، على المجالس التي تثبت الدين في زمن الفتن، على المجالس التي تقرب العبد من الله سبحانه وتعالى وتعيد صياغة الحياة كما يريد ربنا سبحانه وتعالى أن تكون.
نعم، بمدارج علم أحبابي الكرام تعلمنا أن الصبر على طلب العلم هو سبب النوال بعد توفيق الله. تعلمنا أن هذا العلم وهذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى صبر ومجاهدة، وإلى ثبات وتحمل، وأن العلم لا ينال براحة الجسد، كما قال يحيى بن أبي كثير.
تعلمنا أحبابي الكرام أننا نستطيع أن نصنع في هذا الولد المبارك بيئة طيبة لطلب العلم، وأن هناك العديد من النفوس الشريفة، والمئات منها تتدفق إلى هذه المجالس، أكثر من 600 طالب وطالبة ممن يحضرون مباشرة هذه المجالس في القاعات والمجالس.
أحبابي الكرام، على أن هذا البلد معطاء بشبابه، معطاء بفتياته، وأن حب العلم لله سبحانه وتعالى يغرسه في النفوس الشريفة، وإن الله سبحانه وتعالى لن يعدم هذه الأمة من بركة شبابها وفتياتها، وإننا نحتاج من يستوعب هذا الجيل، ومن يفرغ له الأوقات والطاقات حتى يتم توجيهه لما فيه الخير والصلاح على منهج معتدل بإذن الله.
إذاً مدارج العلم أحبابي الكرام في يوم ختامها تعلن أننا نستطيع أن نكون، وأننا نستطيع أن نقدم، وأن هذا العلم له رجاله وله شبابه، وأن هذه الأمة لا تنتظر. نعم، هذه الأمة تضعف لكنها لا تموت، وما دامت هذه الأوجه المتوضئة، وما دام هؤلاء الشباب الذين يتوافدون إلى مجالس العلم من مختلف البلدان؛ هذه الدورة بحمد الله جمعت شباباً من مختلف البلدان العربية والآسيوية والأفريقية والأوروبية، الكل يتوافد على مدارج العلم حباً للعلم الشريف، حباً للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، حرصاً على استغلال ساعات الحياة، وهذا والله من خير ما تصرف فيه الساعات.
غداً ستحمد هذه المدارس، غداً ستعرف قيمة أن تجلس وأن تتعلم وأن تتفقه في دين الله سبحانه وتعالى، ستعرف قيمة هذا التعب الذي تعبته، أنه لن يذهب سدى بإذن الله. وقد أخبرني الإخوة الأفاضل عن كثير من الرؤى التي تواترت في هذه المجالس عن خيرها وبركتها وعن قبول الله لأهلها، فنسأله سبحانه وتعالى أن يكتب لكم القبول، فالله سبحانه وتعالى هو الموفق وهو صاحب الفضل وهو صاحب العطاء.
علينا أن نستحمل صعوبة الحياة وعقبات الحياة ومرارة الحياة. وعلى الشباب في هذا البلد المبارك أن يعرفوا أن طلب العلم اليوم يحتاج إلى إهلاك الأجساد، ويحتاج إلى صرف الأعمار، ويحتاج منك أن تستحمل عقبات الطريق وطول الطريق والحرارة والأجواء، لكنك ستنال بإذن الله المعرفة الحقيقية، وستنال القرب الإلهي، وستنال أهم شيء بالنسبة للثبات.
هذه المجالس لو لم تخرج منها بفائدة إلا أنها زادتك قرباً من الله وحباً في الله، وثبتتك على دين الله سبحانه وتعالى، وجلست مع الصالحين ورأيت الأفاضل والرفقة الصالحة؛ هذا والله خير عظيم في هذا الزمان. إن الشباب المتشتت والشباب المتفرق تأكله الذئاب القاسية، وأما الشباب الملتفت نحو العلم، نحو مجالس الخير، نحو هذه البركات، فالله سبحانه وتعالى يأخذ بيده ويوفقه.
فإياك أن تكون مع الغنم القاسية، إياك أن تكون وحدك في هذا الزمان، فإنه من كان وحيداً سيفترس، وأما من كان مع الجماعة فإن يد الله مع الجماعة، يد الله مع الخير خاصة عندما يكون هذا الخير موجهاً بما قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يكون مبناه على العلم الرصين، وعلى قواعد الملة، وعلى الفهم الواضح، الطريق المعتدل الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وعلى طريقة أهل الحديث، طريقة أهل السنة والجماعة.
هنا يحمد الإنسان مجلسه، وهنا يحمد الإنسان ربه ويذكر خيراً ما هو فيه. هنا تسكب العبارات على مدارس تندثر وعلى أيام تمضي، ويبقى الإنسان ويذكر خيرها ويذكر بركتها في حياته. فنسأل الله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذا المجلس أن يجمعنا دوماً في مدارس نرتقي فيها إلى العلم كما جمعنا في هذا الملتقى المبارك مع هذه الوجوه الطيبة، أن يجمعنا دوماً من كتاب إلى كتاب، ومن مصنف إلى مصنف، ومن خير إلى خير، وألا يندثر هذا الخير في بلادنا.
وأنتم أيها الشباب هو العتاد، عتاد حضور هذه المجالس، فإن أهل العلم والطلبة والمدرسين إنما يقومون بطلبتهم، فإذا كان الطلبة عندهم حرص على الحضور وحرص على الاستماع وحرص على الإقبال، فهذا يرفع الهمم ويعد الإنسان يتشوف أكثر وأكثر لأن يقدم لهذه الوجوه المتوضئة.
فالحمد لله أولاً وآخراً، ونشرع في مجلس الختام بإذن الله في تعليقنا على هذه المنظومة المباركة، منظومة الإمام أحمد بن أبي بكر الزميلي في أصول التربية والتنشئة، وما الذي ينبغي أن ينشأ عليه الأطفال وأن يربوا عليه.
بسم الله نبدأ، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف: «وإن بدت أمارة التمييز». نحن وصلنا إلى المرحلة التي يصل فيها الطفل إلى سن التمييز، وعندما يبدأ يعقل الصواب من الخطأ، هذا هو التمييز، عندما يبدأ طفلك يعقل الصواب من الخطأ ويفهم الأمور ويمكن أن يُعلم وأن يُوجه.
فما هو أول شيء يوجه له الأبناء؟ ما هو أول شيء ينبغي أن يطرق أسماعهم؟ ما هي المجالس التي ينبغي أن تُغرس في عقولهم؟ ويتكلم الزميلي بكلام نفيس لمن يبحث عن التربية الصحيحة. قال المصنف رحمه الله تعالى:
«وإن بدت أمارة التمييزِ .. وكل فهمٍ فاضلٍ عزيزِ وصار يستحي من الأمورِ .. فذاك من أول بدء النورِ هديةً من ربه أهداها .. عرف بها الأشياء بمقتضاها»
عرفنا من نعمة الله الوافرة على العبد أن يرزقه طفلاً مميزاً بين الخير والشر، طفل من بداية حياته يستطيع أن يعرف الخير من الشر جملة، وأن يعرف أين يذهب وأين يغدو، وما هي المجالس التي ينبغي أن يجتنبها وما هي المجالس التي ينبغي أن يطرقها. إذا رزقك الله طفلاً له فهم ثاقب.
وعقل راجح كما قال الزميلي، فهذه من نعم الله التي يكون شكرها باستغلالها، يكون شكرها ليس فقط باللسان وإنما بالعمل واستثمار طاقة هذا الطفل فيما يعود عليه وعلى أمته بالخير والسداد.
فذاك أول وقت فهم الطفل أشرق بها عليه نور العقل، فيلزموه الدرس للقرآن فإنه علم عظيم الشأن. صرح الزميل: ما هو أول شيء ينبغي أن يطرق آذان الصبي؟ وما هو أول مجلس ينبغي أن يجلسه؟ قال: «فيلزموه الدرس للقرآن». هذا أول شيء اعتادت عليه الأمة في تربية أبنائها قبل أن المدارس ويدخل في عجينة الحياة الراتبة.
عليك أن تعلمه القرآن، إما أنت إذا كنت جيدًا كأب أو أم، وإما أن توجهه إلى كتاب من الكتاتيب إلى معلم حاذق ليبدأ تعليم القرآن. أول شيء ينبغي أن يتعلم، وليس الأحرف الإنجليزية وليس اللغات الأجنبية، وليس كيف يلعب الألعاب وليس كيف يلهو مع اللهين؛ أول شيء ينبغي أن يطرق ابنه، أول المدخلات التي يجب أن تلامس قلبه هي كتاب ربه سبحانه وتعالى.
وكما قال أئمتنا وعلمائنا: أعطِ طفلك القرآن والقرآن سيعطيه كل شيء. من ملك طفله القرآن صغيرًا، القرآن سيحفظه كبيرًا، أما من أعطى ابنه فقط المدرسة صغيرًا والحياة الراتبة ولم يعلمه القرآن، فهذا لا شك سيضيع في متاهات الحياة وفي زمن الفتن. لذلك أول أصول التربية الصحيحة في سن التمييز أن يعلم الطفل القرآن كما قال العلامة الزميلي: «فليلزموه الدرس»، فإنه علم عظيم الشأن، أصل العلوم وبحرها وأساسها، وعلم يصلح قلبك ويقودك إلى الله سبحانه وتعالى.
وخاصة البدء من السور القصيرة من جزء عم، فإن هذه السور تتكلم عن أصول الاعتقاد والدار الآخرة، فيتشرب طفلك هذه العقيدة ويتعلمها منذ نعومة أظفاره، فينشأ في قلبه الخوف من الله والخوف من عقاب الله والخوف من الدار الآخرة قبل أن يشب سوءه على الغفلة والبعد عن الله سبحانه وتعالى.
«فيلزموه الدرس للقرآن فإنه علم عظيم الشأن» أيضًا وشغل شاغل قلب الصبي عن كل ما يوجب نقص الأدب. أي من فوائد اشتغال الطفل بالقرآن أن اشتغاله بكتاب الله حفظًا ومراجعة ومدارسة في سن مبكرة يشغله عن الاشتغال بالأخلاق السيئة التي تنقص أدبه، لذلك قال أيضًا: القرآن شغل شاغل قلب الصبي.
قلب الصافي عبارة عن صفحة بيضاء كما قلنا، عن صفحة بيضاء أنت من ستنقشها وأنت من سترسم حكايتها. ففرق بين أب نقش حكاية طفله بكتاب الله سبحانه وتعالى، وبين أب نقش الحكاية بأفلام الكرتون والسوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية؛ فرق هائل جدًا بين طفل نشأ في الكتاب وطفل نشأ على الجهاز الجوال، فرق هائل لا يمكن أن يستوي هذا وهذا في العقل والفهم وإدراك معاني الحياة والغاية من الوجود.
فأنت أيها الأب -كما نقول دائمًا- من سيرسم الحكاية، وأنت من سيرسم الخطوط الأولى لقصة هذا الإنسان، فاتق الله في الرعية: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فإياك أن يزهدك أحد بتحفيظه القرآن أو أن يقول لك ما زال الطفل صغيرًا دعه يشتغل باللعب، وإنما ذلك من له يحفظ القرآن كبيرًا، إذا لم يحفظ القرآن صغيرًا بالكاد يحفظه كبيرًا.
قل من ينشغل بالقرآن؟ إذا أبو سعودة ما زال غضًا طريًا فسقه على القرآن، اسقه من غذاء القرآن ومن نمير القرآن ينمو على موائد الله سبحانه وتعالى.
«وشغل شاغل قلب الصبي عن كل ما يوجب نقص الأدب»، وإن ضرب معلم الصبيان أو والد بعض الولدان. سأعلم كيف تتصرف أيها الأب وأيتها الأم إذا سمعت أن مدرس القرآن أو مدرس العلم ضرب طفلك. بعض الناس يمكن يأتي بالعشيرة كلها على المدرسة ويضرب المدرس الذي ضرب طفله: «أنت كيف تمد يدك على طفلي؟»، وهذا عرف أنه لا يريد أن يربي، وإنما يريد أن يخرج طفلًا هجينًا.
الضرب غير المبرح، المبرح الذي يكون على القدر المطلوب هذا ينبغي أن يحصله. وهذه التربيات المعاصرة السمجة التي تقوم على أن الطفل لا يضرب أبدًا، هذا ليس من كلام النبي ﷺ: «علموهم لسبع واضربوهم لعشر»، هذا كلام محمد ﷺ. لكن الضرب متى يكون؟ إذا كان له فائدة وإنتاجية، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني أن يكون ضربًا غير مبرح لا يؤدي إلى إتلاف عضو أو تشويه جسد، وإنما ضرب خفيف كأذن أو أخذ شيء من الشعر أو القرص على الجلد، قرص خفيف مطلوب من التعزير وليس المطلوب من التعذيب. لكن كما قلنا الضرب له شرطان: أولًا أن يجد المعلم أن الضرب منتج، لأن الضرب إذا لم يكن منتجًا فإنه لا يحتاج إليه، بعض الأطفال يصبح عنده نوع من الغفلة والقسوة أنه مهما ضربته لا ينتج، فهون الضرب مقصود شرعًا؛ الضرب ليس مقصودًا، الضرب إنما هو وسيلة وليس غاية، فمتى كانت هذه الوسيلة تفضي إلى المقصود فإنها تستعمل بالقدر المطلوب، وإذا كانت لا تفضي إلى المقصود فإنها لا تستعمل.
وقد ذكر العز بن عبد السلام أن الطفل حتى على الصلاة، إذا شعر الأب أن ضربه على الصلاة لن ينتج لا يضرب. النبي ﷺ قال: «نعم اضربوهم لعشر»، لكن العز بن عبد السلام وضع قاعدة قال: إنما قصد النبي ﷺ بضربه على عشر إذا كان الضرب سينتج سيجعله يصلي أو يهتم بالموضوع، أما إذا كان الضرب سيزيده نفورًا ويقلب حاله ويؤثر على نفسيته، فعلمنا من القواعد العظمى التي تقوم عليها الشريعة ما هي؟ جلب المصالح ودرء المفاسد. درسناها في القواعد الفقهية، جلب المصالح ودرء المفاسد، فالضرب وإنما هو يفعل لمصلحة، فإذا لم يأتِ بمصلحة وأصبحت مفسدته أعظم فلا يحتاج إليه، هذا أنبه عليه حتى لا يظن البعض أن الضرب مقصود بذاته، الضرب يبقى وسيلة من الوسائل.
لكن هنا كما قلنا، إذا بلغك أن معلم القرآن أو المعلم الذي يربي طفلك ضربه، كيف يكون موقف الأب أو الأم في معالجة هذه القضية؟ وإن ضرب معلم الصبيان أو والد بعض الولدان هو الأب، يعني المكان الذي وقع فيه التأديب. نعم، فلا يكن مثل النساء يبكي ويشتكي بغيره ويشكي، فلا يكن طفلك مثل النساء خاصة الطفل الذكر، الأنثى متوقع حساسيتها موجودة لكن الطفل الذكر يعلمه أن لا يبكي عند الضرب، وأن يكون رجلًا، وأن يتحمل، وإذا رآه يبكي يقول: أنت تفعل فعل النساء. الأصل في الرجل حتى لو ضرب على الخطأ يتحمل نتيجة خطئه وتجمد العين عند ذلك تمامًا، فلذلك قال: فلا يكن مثل النساء يبكي، يعوده الرجولة، لا يشتكي ويذهب الطفل يستشفع بوالدته ويشكو إليها: إن والدي ضربني وفعل بي كذا وكذا، ويستشفع عند الوالد خاصة إذا أخطأ قبل أن يضرب يهرب.
إلى الوالدة حتى يستشعر بها منعا من ضرب والده له، لا، هنا يجب أن تخفف من عاطفة؛ فعادة الأم هي مصدر الحنان ومصدر العاطفة، فتخشى أن يضرب طفلها. إذا أردت أن تنتج طفلاً كبيراً فعلمه أن يتحمل، علمه أن يتحمل إذا أخطأ أن يعذر وأن يؤدب، لكن كما قلنا بشرط أن يكون الأب عاقلاً في ضربه، أن يكون الأب عاقلاً متوازناً وليس ممن يضرب ضرباً مبرحاً أو ضرباً مؤدياً أو ضرباً متلفاً، فمثل هذا هنا ينبغي حماية الصبي حتى لا يؤذى وحتى لا يفسد فيه عضو من أعضائه.
عادة الشجعان أن لا يذكروا كل الذي جرى لهم، أن يقول الأب للذكر: عادة الشجعان ماذا؟ أن يصبروا على ما يصيبهم. فإذا رأيت طفلك الذكر يبكي، كما قال أولاً، يقال له: لا تفعل فعلاً من أفعال النساء، يا بني بالبكاء، وعليك أن لا تشتكي لغيرك، خلص تحمل نتيجة الخطأ، تحمل مسؤولية الزلل. أنت نعم، حتى لو ضربت، هذا ضرب المراد من تأديبك حتى لا تعود إليه مرة أخرى، وكل شجاع حتى لو ضرب على الخطأ كن شجاعاً.
قال: فعادة الشجعان ألا يذكروا كل الذي جرى لهم بل يصبرون، وهكذا ينبغي أن تكون، وهكذا يولد الرجال وهكذا ينشأ الشجعان. وراحة الصبيان عند الغزالي رحمه الله، وإذا ضربه المعلم فعليه ألا يكثر الصياح ولا يستشفع بأحد، بل يصبر ويذكر له أن هذا الصبر دأب الشجعان والرجال، وأن كثرة الصياح هي دأب النساء، أي دأب الإناث وليس من دأب الرجال.
فهذا كله خلاصة ما ذكره الغزالي في تقييده، فبالتالي إياك أيها الأب أن تمنع المعلم من ضرب ابنك الضرب المنتج، وما أضع خيوط الضرب المنتج! أو أن تكون إذا ذهبت وعذرت المعلم: لماذا ضربت ابني؟ ترى المعلم سقطت هيبته، خلاص ما فائدة من وجوده؟ إذا ذهبت إلى المعلم وأمام الطفل قلت للمعلم: لماذا ضربت ابني؟ أعرف أن طفلك انتهى، وأنك سبب في ضياع هذا الطفل، وأنه لن يستطيع أحد أن يمد يده عليه مرة أخرى لأن الأب خالص هو غير مستحمل أن يضرب طفله.
تحمل، لأن التربية ليست سهلة خاصة في هذا الزمن، فلا تكن هش المشاعر أيها الأب، كن قوياً ثابتاً إذا كان المعلم فطناً ذكياً يعرف متى يوظف التعزير بالضبط. وراحة الصبيان بعد المكتب أن يأذن الولي لهم باللعب.
ننتقل إلى قضية: هل الطفل ينبغي أن ينهك بالتعليم، القرآن والسنة، أم ينبغي أن يعطى مساحة من اللعب واللغو؟ هنا الغزالي والأئمة الكبار، شوف موروثنا التربوي العالي، نحن اليوم ننافس الغرب يتكلم في هذه الأمور، ونحن وصلنا إليها في القرون الأولى من حياة هذه الأمة، تكلمنا في تفاصيلها: متى يشد على الصبي ومتى يتم الإرخاء له، وأين مواطن الشد وأين مواطن الرخاوة.
فهنا ماذا يقول؟ قال: وراحة الصبيان بعد المكتب، أن الصبي لا يجوز ولا ينبغي لوالده أو والدته أن يشدوا عليه في القراءة والتحصيل، خاصة لما يكون عمره سبع أو ثمان سنوات؛ ترى الضغط الكبير يولد الانفجار كما يقولون. إذا أنت أرهقته وأتعبته وشددت عليه، متوقع أن تصبح عنده ردة فعل، وهذا رأيناه عند بعض الناس، بعض الرجال يرى في طفله نبوغاً، فيستعجل عليه في ثمرة نبوغه، فيبدأ يشد عليه في التحصيل: بدك تختم القرآن عمرك سبع سنوات؟ بدك تحفظ ألفية ابن مالك على تسع سنوات؟ بدك تختم الكتب الستة قبل البلوغ؟ لا يا أخي، كل طفل له طاقته.
ومن الأخطاء أن تقارن طاقة طفلك بطاقة طفل آخر، أيضاً هذا من الأخطاء الكبيرة التي تحدث في عملية التربية: «شوف ابن عمك أو ابن خالك كيف بيحفظ أحسن منك». طب هذا قد يكون جيداً أحياناً وقد يكون غير جيد في أحيان أخرى؛ جيد إذا كان طفلك عنده طاقات لكنه لا يوظفها، جيد أن تعظره وأن تقارنه بغيره، لكن إذا كان طفلك ضعيف الطاقات في الحفظ هنا عملية المقارنة ستكون كسراً لقلبه.
فالمقارنة بينه وبين غيره لا تكون أحبابي إلا إذا كانت المقارنة منتجة، إذا كان طفلك عنده طاقات وأنت متأكد منها لكنه لم يوظفها بالشكل الصحيح، تقوله: انظر إلى ابن عمك أو ابن خالتك أو ابن فلان كيف حفظ أكثر منك، حتى تدعوه إلى ماذا؟ إلى المنافسة. لكن إذا كانت طاقاته محدودة وقدراته العقلية معتدلة، مقارنته بغيره ممن يفوق في القدرات العقلية قد تكون كسراً لمعنوياته وإحباطاً له.
هنا ينبغي أن تكون متوازناً أثناء عملية التربية، لا تقارن بمن يفوق في القدرات العقلية، وأن تعطيه مساحة من اللعب. والله بعض الشباب يقرأ سيرة ابن الجوزي، وكان ابن الجوزي لا يلهو مع الصبيان، فماذا يريد أن يطبق سيرة ابن الجوزي على طفله؟ فيهدم طفله! لا، ابن الجوزي هذا شيء قدري، أنه كان -حبيبي- عليه العلم من الصغر، لكن طفلك قد لا يكون كذلك.
أنا هدفي في النهاية أحبابي الكرام أن أنتج للأمة شاباً متوازناً، بغض النظر صار عالماً أو ما صار عالماً، هذا شيء آخر، المهم أن أنشئ للأمة شاباً متوازناً، محافظاً على الطاعات، مبتعداً عن المعاصي والزلات. طموحك في ابنك أن يكون أكثر من ذلك، هذا توفيق الله، ابذل جهدك، حاول، عزز، انظر للمداخل والمخارج، لكن لا ترهق طفلك ولا تحمل فوق طاقته الاستيعابية حتى لا يكون ذلك سبباً في انتكاسه في المستقبل.
بعض الأطفال شد عليهم والدهم في الصغر، فعندما كبروا لشدة الضغط، هذا الضغط سبب لديهم نَفْرة من الدين، لذلك النبي ﷺ كان دائماً يقول: «أكلفوا من العمل ما تطيقون». هذا الحديث في الشمائل المحمدية، «أكلفوا من العمل ما تطيقون»، في الطفل له طاقة، يكلف على حسب طاقته، وأنت كأب عليك أن تتفحص هذه الطاقة وتستبصر بها ما يصلح.
الأب غافل عن الطاقة، لأن بعض الشباب كما قلنا خاصة شباب المتدين متحمس يقول: يا شيخ بدي أطلع ابني عالم، بدي أطلع ابني يقوم بمضاهاة الأئمة، وجزاك الله خيراً على الهمة، لكن قد لا تبتسم لك الحياة دوماً، وفي النهاية الناس أبناء زمانهم كما قالوا. نحن في زمن المدخلات فيه صعبة والفتن فيه كثيرة، لا أقول هذا سبباً للإحباط وعدم إخراج الطاقات، حاول، لكن أقول ذلك حتى لا تحمل طفلك فوق طاقته. تريد أن تخرج ابن تيمية في زمن لا يوجد فيه المشايخ الذين تعلم عليهم ابن تيمية؟ ابن تيمية في النهاية هو والده مشايخ وعلماء، هل طفلك وفر له من المشايخ؟ وهل وفر له من البيئات وما شابه ذلك ما وفر له؟ فأحياناً الواقعية جيدة حتى يكون الإنتاج متزناً، وليس إنتاجاً فاسداً وأنت تظن.
تحسب أنك تحسن صنعًا، نعم، فإنه عند الصبي محبوب وقلبه أيضًا به يطيب. ما هو الذي عند الصبي محبوب؟ إنه اللعب؛ فإن لعب الصبي بطبعهم وفطرتهم الصبيان يحبون اللعب والمرح. هذا ليس عيبًا في طفلك، فأنت كنت في الأيام الماضية طفلًا وكنت تحب اللعب، ونحن كنا أطفالًا وكنا نحب اللعب ونأنس بذلك، فهذه فطرة فطر الله عليها الناس، فلا تخالف الفطر ولا تنكسها ولا تحملهم فوق طاقتهم.
حاول أن تلعب مع طفلك، فمشاركة الأب والأم لأطفالهم في اللعب وممارسة هذه الأنشطة مهم جدًا. لا تكن جامدًا، خاصة بعض طلبة العلم الذين يقولون: «أنا دائمًا منشغل بالقراءة عن طفلي، دائمًا منشغل بطلب العلم». لا، ولذلك عليك حقه؛ النبي ﷺ يقول: «ولأهلك عليك حق»، فالزوجة لها حق والأطفال لهم حق، أن تشاركهم في صناعة حياتهم ومستقبلهم.
أفضل من أن يشعر الطفل من الصغر بوجود حاجز بينه وبين أبيه، فيبدأ بملء الفراغ العاطفي عنده عند غيرك، ويبدأ بملئه عند أشخاص لا يحسنون صنعًا ويعطونه مدخلات فاسدة. حاول أنت أن تملأ الفراغ العاطفي عند طفلك بمشاركته في حياته وما يحبه.
انظر، النبي ﷺ كانت عنده عائشة، وكانت عائشة من حيث الحكم في الحياة طفلة في السابعة أو الثمان سنوات، فكانت عائشة عندها دمى وصاحباتها يلعبن معها بالدمى، فإذا دخل النبي ﷺ المنزل تخبئ عائشة الدمى خلف الستار ويهرب صويحباتها، فالنبي ﷺ يسرح البنات إليها حتى يلعبن معها لأنها كانت أصغر زوجاته، وكان يسألها عن ألعابها.
النبي ﷺ المشارك في المعارك والأمة ومشاكلها، يفكر حتى بعقلية عائشة في بعض تفاصيل حياتها عندما كانت طفلة، كان عندها دمية على صورة فرس وله جناحان، فماذا يقول النبي ﷺ لعائشة مداعبًا إياها؟ «فرس له جناحان»، فقالت عائشة: «أما بلغك أن سليمان عليه السلام كان له فرس له جناحان؟». مشاركته لعائشة في تفاصيل حياتها الصغيرة، مع أنه النبي ﷺ الذي يوحى إليه من السماء، فمن أنا وأنت حتى لا نشارك صبياننا في هذا؟ أنت لا يوحى إليك من السماء، وأنت طالب علم تخطئ وتصيب وعندك اجتهادات صائبة وخاطئة، فبالتالي أنت مهم جدًا أن تنتبه لهذه القضية ولا تحمل الأمر فوق طاقته.
العب مع صبيانك وجالسهم وداعبهم وشاركهم في همومهم. قد لا يكون هم الصبي هو همك، لكن انزل قليلًا للمستوى وفكر بما يهتم به؛ فهذا سيؤثر في قلبه جدًا عندما يكبر، وستوطد العلاقة بينك وبين طفلك، وستكون مصدر ثقة له، وسيأتي إليك يبوح لك بالأسرار وأخطاء الحياة لأن هناك أبًا صادقًا وهناك ثقة وجسورًا من العلاقة الوطيدة، بخلاف لما تكون دائمًا متشغلاً عنه، فإذا وقع في خطأ أو إشكالية أو ارتكب شيئًا لن يأتي إليك، بل سيذهب إلى شخص آخر يبوح له بأخطاء الحياة.
فابنِ جسور العلاقات من الآن قبل أن يبنيها غيرك، بدلاً من أن يبنيها المعلم في المدرسة أو شخص آخر بعيد. أنت من عليه أن يبني الثقة بينه وبين طفله من خلال المشاركة معه في همومه واختياراته.
«وكثرة التعليم موت القلب ويذهب الذكاء وبعض اللب». ما سلبية الضغط على الطفل في التعليم؟ قال: «وكثرة التعليم موت القلب»، خلاص يموت قلبه لأن هذا القلب يريد اللعب والمرح، وأنت تضغطه من الصباح حتى الساعة الثامنة مساءً قراءة وحفظ، ولا بد أن تختم القرآن في سن سبع سنوات، وتنظر فلانًا كيف ختم؛ هذا كله خطأ. هذا الطفل له طاقات معينة، استغل زمانه في التعليم والإرشاد لكن لا تحمله فوق طاقته.
إذا وجدت الصبي ملّ من مسك الكتاب أو المصحف، ترى هو الآن انتهى، فالشد عليه أكثر من ذلك خطأ، دعه يقوم يفرغ طاقته بنشاط. لكن دائمًا حاول أن تكون الأنشطة التي يلهو فيها الصبي أنشطة لا تؤثر على دماغه. اليوم للأسف أكثر ما يؤثر على دماغ صبياننا الجوالات وألعاب السوشيال ميديا والبلاي ستيشن وغيرها، فحاول ألا يكون للصبي في هذه الألعاب إلا بقدر يسير حتى لا يشعر بالفرق الكبير بينه وبين جيله، هذا يمكن أن يسامح به بالقدر اليسير مثل عشر دقائق أو ربع ساعة، لكن حاول أن تملأ حياة طفلك بألعاب أخرى؛ من كرة القدم من النشاط من الرياضة من اللعب من السباحة، كل الألعاب التي تحرك العضلات والعقل هي ألعاب محبوبة ومرغب بها شرعًا.
وأحيانًا كما قلنا، خاصة في هذا الزمن قد يطلب منك -لعدم وجود البيئات النظيفة- أن تخرج بطفلك، أنت من يلعب معه الكرة وأنت من يتسلق به الجبال وينزل به للمسابح. أنت تحتاج في هذا الزمن أن تشاركه في اللعب لأن كثيرًا من الأماكن أصلًا تكاليفها عالية، فبعض المحاضن التربوية ربما تحتاج أن تدرس ماجستير ودكتوراه حتى تكاليفها أخذت من بعض المحاضن التربوية كتكاليف، وبعض المحاضن جيدة وأسعارها معقولة يمكن تذهب إليها وتضع طفلك فيها، لكن ربما كثيرًا من الشباب يقول: «أنا عندي اثنين وثلاثة، من أين؟» وخاصة إذا كانوا ثلاثة أطفال، هذا كم سيدفع؟ ليس عنده قدرة، فهذا هو من سيشارك طفله. لا تقل خلاص استسلم، شارك طفلك، اخرج به، ربما جلسة في غابة أو أشياء بسيطة بالنسبة للطفل الصغير تكون شيئًا عظيمًا جدًا ويحكي بها لأصحابه: «ازدهر كاملًا أنه والدي خرج معي وفعل كذا». ربما لم يكلفك كثيرًا من التفكير، لكنه بالنسبة له شيء كبير جدًا، فعقل الطفل الصغير ليس كعقل الوالد، أحيانًا أمور تستهين بها لكنها تشكل عند الطفل دافعًا وحافزًا كبيرًا للحياة والعطاء.
إذا قال: «وكثرة التعليم موت القلب ويذهب الذكاء»، فإذا ضغطت عليه أكثر من اللازم، تذهب طاقاته الذهنية وتبدأ تتلف، سيأتي الأمر بخلاف مقصودك؛ أنت تريد منه الذكاء والنباهة، لكن الضغط الزائد سيجعله أقرب إلى الحماقة والغباء لأنه حمل الطاقة عنده فوق ما يستحمل، فهذا سيميت ذكاءه ويضعف عقله، وسيضعف قدراته العقلية والذهنية.
وبالتالي يطلبون للخلاص حيلة تنجي من التعليم أو وسيلة، فيبدأ الطفل يتملص منك، سوف يطلب للخلاص حيلة، يبدأ الطفل يكذب عليك: «يا بابا حفظت اليوم قرآن»، «إي يا بابا حفظت خلاص حفظت»، وهو عارف أنه إذا قلت لا أو هو قصر في يوم، فسيجلس هنا. فيظهر الأب الذكي من الأب الغافل؛ أحيانًا كما قلت لك الضغط الزائد يجعل الصبي يكذب على والده في إنجاز الوظائف.
درست بعد ما يكون درس ولا شيء، بس هو بده يخلص منك ومن تساؤلاتك المتكررة، فهنا التوازن مطلوب. اعرف طفلك واعرف ما الذي يحتاجه في كل لحظة حتى تخلق له نوعًا من التوازن في الحياة.
إذا الطفل حمل فوق طاقته كما قال زميلي، فيطلب للخلاص حيلة، يبدأ يحاول أن يهرب منك؛ إذا جئت إلى المنزل لا تجده، ودائمًا هارب من المنزل لأنه عارف إذا كان في المنزل ستكون التساؤلات طويلة عنده من التعليم أو وسيلة، فإذا سيطلب حيلة أو وسيلة تنجية من التعليم فيهرب من المدارس أو من الكتاتيب أو ما شابه ذلك.
فالرفق في كل الأمور أحسن، كما قالوا وصرحوا أو بينوا علماؤنا. الرفق في كل الأمور أحسن، والتوازن أن الله رفيق يحب الرفق. فحاول أن تكون رفيقًا بطفلك، وتذكر دائمًا أن المطلوب هو أن أخرج للأمة شابًا متوازنًا. ما هو أعلى من ذلك هذا كمال وفضل، لكن أنت على الأقل أخرج الحد الأدنى؛ أعطني طفلًا متوازنًا، بعيدًا عن المحرمات، يقوم بالواجبات، هذا رائع في هذا الزمان، أن تخرج إنسانًا متدينًا محافظًا، ممتاز. الفضل والكمال هذا الشيء لبعض الطاقات، مش كل الطاقات تستوعبه، لكن أخرج إنسانًا متوازنًا.
لذلك الرفق هو أحد الوسائل المهمة والأمور المهمة لخلق هذا التوازن. وكما جاء في الأثر: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه». هذه قاعدة الحياة.
وبعدما يشرق نور العقل على الصبي يؤمر أن يصلي إذا وصل الصبي إلى سن السابعة بالتحديد، كما قال النبي ﷺ. من الأمور التي ينبغي أن ينبه عليها ويعلم عليها أيضًا غير قراءة القرآن وتعلمه هي الصلاة. وأفضل وسيلة لتعليم الصبي الصلاة هي القدوة الحسنة؛ يعني إذا كان الأب لا يصلي أمام طفله في الصغر، ترى تعليم الطفل الصلاة في السابعة لن يكون سهلاً. فحاول وهو عمره سنة وسنتين وثلاث وأربع وخمس، قبل أن يصل إلى السابعة، حاول أن يكون هناك ورد من الصلاة في المنزل.
سبحان الله، النبي ﷺ أخبر أن صلاة النافلة الأفضل أن تكون في المنزل، ولعل من حكم ذلك أن يشاهدك أبناؤك وبناتك. حتى أن تكون صلاة السنة والنافلة في المنزل لمقاصد عديدة، منها أن لا يكون البيت قبرًا، ومن مقاصد ذلك -والله أعلم- أن الأطفال والعائلة يشاهدونك، فيبدأ الطفل يحاكيك. وربما كثير منكم ومن له أخ صغير، طفل صغير رأى أثر ذلك؛ كيف أنك لما تصلي يبدأ هو يأتي بسجادة صغيرة ويجلس جنبك ويبدأ يحاكي الحركة. هذه المحاكاة هي بداية الطبع لأهمية الصلاة، فلما يأتي سن السابعة وتأمره بالصلاة يكون عنده أرضية مسبقة.
لكن أب لا يصلي في المنزل، وهذا بالله على كيف سيعلم طفل الصلاة؟ طفل لم يرَ أمه ولا أباه يصلون، هذا تبدأ معه في سن السابعة تقول له عن الصلاة، سيقول لك: أنا لا أراك تصلي، أنت تقنع أنك تصلي في المسجد وأنك منشغل بالحياة لذلك تضيع الرواتب، هذا لن يقتنع. هذا الاقتناع شيء آخر، هو لن يقتنع إلا بالقدوة العملية، فكن خير قدوة لطفلك.
هذه نصيحة لنفسي ولإخواني: كن خير قدوة لطفلك. حتى إذا أردت أن يتعلم طفلك قيام الليل مثلاً عندما يصبح في العاشرة والحادي عشر، إذا أنت تقوم الليل سيقوم الليل سيبدأ يحاكيك، كما فعل ابن عباس عندما أراد أن ينظر في صلاة النبي ﷺ في الليل. أما أنت لا تقوم الليل، لا تهتم بهذا، إذا لن يقوم الليل إلا إن شاء الله ييسر له شيخًا ينصحه بهذا، أما أنت لم تكن القدوة الحسنة في هذه التفاصيل.
باختصار، الطفل في فطرته الأولى أبرز طرق التربية وغرس الأفكار هي القدوة. إذا أنت تمسك الجوال وتقول: يا بني لا تمسك الجوال، لن يستقبل؛ أنت الجوال ماسكه ست أو سبع ساعات في المنزل، وبعد ذلك تطالبه أن يترك الجوال، أنت تطالبه بما لا يطاق، سيقول لك: أنت اترك الجوال يا أبي حتى أنا أتركه. أما أنا أترك الجوال وأنا أنظر إليك دائمًا، عينك في الجوال مراسلات فيسبوك قناة الجزيرة الأخبار وهكذا. إذا أنت ما تعطيني وقت، فالأب الذي دائمًا عينه على الجوال يصعب أن يغرس في ابنه ترك الجوال وعدم الالتهام السوشيال ميديا. فهناك كثير من الأمور أظن علينا نحن أن نحكمها في أنفسنا قبل أن نطالب بها أبناءنا، إذا لم تحكمها في نفسك يصعب أن تغرسها في أبنائك.
وليُلتزم فعل الكرام الأولياء المتقين الصالحين. بعد أن يشرق نور العقل على صبيك، وهذا كما قلنا في سن التمييز، كما أمر النبي ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». فالتعليم يبدأ من سن التمييز وهو سن السابعة عند الجمهور.
ثم قال: وليُلتزم أيضًا من الأمور التي ينبغي غرسها، القيم التي ينبغي زرعها في الأطفال منذ نعومة أظفارهم، ماذا قال؟ وليُلتزم فعل الكرام الأولياء المتقين الصالحين الأصفياء، جلوسه بينهم حتى يوافق طبعه، ولينغرس بقلبه ما يستمع وينطبع في قلبه ما ينطبع. وهذا ما قلناه لكم في بداية هذه الدورة؛ من أتى بطفله لهذه المجالس؟ هكذا يقول لك زميلي: كيف تغرس في الصبي حب الصالحين؟ كيف تغرس في الصبي حب العلم؟ كيف تغرس في ابنك حب الخير؟ ماذا يقول لك؟ ويعتمد جلوسه بينهم.
هذه الوسيلة التي اتفق عليها السلف، أن الطفل من عمر سبع أو ثمان سنوات يحضر المساجد ويحضر حلقات العلم، وتكتب له الإجازات ويعطى الأسانيد، دعه يكبر في هذه الأماكن ليعرف ما هو الصلاح، ليعرف ما هو الخير، خاصة الطفل الذكر. بالنسبة للرجل، طفلك إذا بلغ سبع سنوات ممنوع تذهب إلى المسجد وهو لا يكون معك، إلا إذا أنت كنت خارج المنزل أو عندك ظرف، لكن في الجملة إذا أنت تريد أن تخرج للصلاة من المنزل وطفلك عمره سبعة أو ثمان سنوات يخرج معك، ممنوع يكون في المنزل، يذهب معك إلى المسجد ويعود. هذه الخطوات الأولى، ثم إذا هناك حلقات علم. يجب نحن أيضًا أن نستوعب الأطفال؛ بعض الرجال للأسف خاصة كبار السن في المساجد إذا رأى طفل عمره سبع أو ثمان سنوات يقول: إيش اللي جابك على المسجد؟ طلعوهم! إخواني، فرق بين الصبي إذا جاء إلى المسجد للعب، هذا نعم ينبغي أن يجنب المساجد.
وبين صبي إذا جاء إلى المسجد كان عاقلاً ملازماً للأدب، فهذا يجب أن يذهب به إلى المساجد، ليس فقط يباع، بل لا ينبغي أن يذهب به لأنه هكذا تغرس القيم، هكذا تغرس الصلاة، هكذا تغرس الأفكار. الأفكار لا تغرس فقط بالنصيحة والتوجيه المباشر، بل بالتربية العملية.
فهنا الزميل واضح لما قال: «ويعتمد جلوسه بينهما»، يحضر مجالس العلم حتى مع المشايخ الكبار الفضلاء؛ فقديماً كان العلماء الكبار يعطون الأسانيد للأطفال في السبعة والثمان سنوات. بعض الناس اليوم نفسيته لا تقبل أن يكون في مجلسه طفل عمره ثماني أو تسع سنوات، أو يستحي من وجوده، أو يقول: «أنا أكبر من هؤلاء». من هم؟ اعلموا من هو أعلم منك، ومن هو خير منك. اجلسوا مع الأطفال الصغار وكانوا يعطونهم الأسانيد ويجيزونهم. فأحب مشهد لدي هو أب يحضر طفله إلى مجالس العلم، هذا والله خير عظيم.
نعم، في مشاكل بعض الشباب اليوم حتى لا يريد أن يتعب في السيارة والإنزال وكذا، أنت لا تريد أن تتعب، هي التربية، أنت تستطيع لكن أنت لا تريد أن تتحمل أعباء عملية التربية. ولذلك اليوم أي شاب مقبل على الزواج عليك أن تكون متصوراً ما معنى التربية قبل أن تدخل في سلك الزواج؛ إذا كنت لا تريد أن تتعب ولا تتحمل أعباء عملية التربية، فلا تذهب للزواج حتى تتحمل مسؤولية التربية خاصة اليوم في زمن الفتن.
هي مسؤولية مضاعفة، وجهد كبير، وبلاء عظيم، لكن ثوابه عند الله كبير أن تخرج للأمة مشروع إنسان متزن. والله إن هذا هو الجهاد اليوم؛ أن تجاهد في أبنائك، أن تعلمهم وتربيهم وتغرس فيهم القيم، وأن تخرج للأمة مشروع طالب علم، مشروع داعية، مشروع طبيب محافظ، مهندس يتقي الله، تاجر أمين. هذه المشاريع ضاعت في الأمة لأن الناس ما عادت تهتم بهذه القضايا؛ فينبغي إذاً الاهتمام على مثل هذه النصائح، وإحضار الأطفال إلى المساجد وإلى مجالس العلم وإلى حلق التحفيظ، ولينغرس بقلبه ما يستمع، وينطبع في قلبه ما ينطبع.
كثير من الأطفال الذين يحضرون معنا ينغرس في أذهانهم أولاً هذه المشاهد: مشاهد اللحية المتوضئة، والشباب المحافظ على السنة بإطلاق لحيته ولبس الثياب النظيفة والكلام الطيب؛ ترى كل هذا مدخلات يعبأ بها ذهنه. هذا الصبي كذلك ينغرس في ذهنه بعض الكلمات التي يقولها المشايخ، ربما لن يضبط التفاصيل لكن يتذكر أن الشيخ قال: «الأكل باليمين»، «الشيخ قال سمِّ»؛ أمور بسيطة تغرس. هذا طفل عمره سبع أو ثمان سنوات، دينه أفضل من ذهن كبار السن أحياناً، فلا تستقل من طاقته العقلية، سيستفيد الكثير من هذه المجالس.
لذلك قال: «ولنغرس بقلبه ما يستمع» من الشيخ والمعلم في المسجد أو في مراكز التحفيظ والتربية، وقال: «وينطبع في قلبه ما ينطبع». كل شيء مشهد طيب ينطبع، وهو مدخل من المدخلات الجيدة في حياته المستقبلية، ويحتفظ به عن الجهال وكل أهل الفسق والضلال.
وفي المقابل، كما أن عليك أن تحضر، عليك أن تحرص ألا يجلس الطفل في مجالس البطالين وأصحاب الفساد، حتى ولو كانوا الأعمام والأخوال. نحن أحياناً مشكلتنا في بعض البيئات أن يكون الأب صالحاً والأم صالحة وعنده حرص على إخراج نبته طيبة، لكن المشكلة في البيئة التي حوله لا تساعد؛ أعمام غير متدينين، عمات غير متدينات، أخوال وخالات. هنا حقيقة قضية صلة الرحم يجب أن تأخذ شكلاً آخر.
الأحكام الفقهية فيها اتزان في جمعها؛ إذا كنت تعلم أن الذهاب بأبنائك إلى أبناء العمومة أو الخؤولة سيسبب فساداً في أخلاقهم، فلا تذهب بهم. يا شيخ ممكن يزعلوا أعمامه وأخواله! في النهاية أنا سأخبرهم بعدم إحضار طفلي، لأني إذا أتيت به وأبناؤك دائماً يلعبون على السوشيال ميديا وماسكين البلايستيشن، أنا لا أريد ابني ينغرس فيه هذا. أخرج أبناءك من المنزل، ليس عندي مشكلة، كونوا صريحين مع الأعمام والأخوال، قولوا لهم إننا سنحافظ على أبنائنا. أنت لست حريصاً على المحافظة على ابنك، أنا حريص، وهذه مشكلتك. إذا أبناؤك لا يشتمون ولا يسبون، وأبناؤك يخرجون للعب المباح الطيب، والله سآتي بأبنائي، أما أبناؤك جالسين على الجوال، أنا لن أغرس في ابني الجوال.
وهذا الذي يحدث أحبابي؛ يكون الأب محترق دمه لأن طفله لا يمسك الجوال، فيذهب عند دار خالته أو دار إخوانه، ويرى أولاد أخواله ماسكين الجوال، فيتدمر نفسياً؛ شيء طبيعي أن يرى الناس حوله كل الناس ماسكين جوال وهو غير ماسك. فحقيقة قضية العلاقة بالأرحام اليوم تحتاج إلى إعادة بناء. أي رحم له، حتى لو كان من الأصول أو الجذور، يسبب الجلوس في منزله فساداً ويدخل مدخلات فاسدة، الذهاب إليه يكون سريعاً، يدخل عليه السلام، هذه صلة الرحم الواجبة أديتها يا فلان.
لماذا لا تجلس معنا؟ أقول له: أنا حريص على ابني، إذا أنت حريص على ابنك كما أنا حريص على ابني، دعنا نتشارك في صناعة بيئة نظيفة. أنت لست حريصاً ومهمل، أما أنا والله حريص ولست مهملاً. فآحياناً ممكن يا شيخ تتشكل حزازيات، ممكن، لكن الأهم هو نجاة طفلك. ما الفائدة أن أشيل الحزازيات بيني وبين الأعمام والأخوال وفي النهاية أنتج طفلاً عبارة عن جهاز جوال متنقل؟ ما الفائدة؟ أخرج للأمة طفلاً مشوهاً خوفاً من شيء من الحزازيات؟
إذا كان الشخص ليس حريصاً على أحكام الدين فانت زهد به ولو كان من أقاربك، أصولاً أو فروعاً أو حواشياً، فدين الله مقدم، والحرص على الأبناء مقدم في مثل هذه الأمور. طبعاً أنت لا تستعجل في هذا القرار، حاول مع الأعمام والأخوال، يعني هذا قرار العزل، هذا القرار الأخير، لكن ابتداءً حاول أن تصنعوا بيئة نظيفة لأبناء العمومة والخؤولة، حاول. لكن إذا كان الإعراض وعدم الانتباه لهذا الأمر هو السيد الموقف دائماً، هنا أنت تتفرد بأبنائك وتحاول أن تصنع لهم بيئة مع أصحاب وزملاء هم يحملون نفس الهم ونفس الفكرة، تصنع بيئة لأطفالك.
نحن لا نريد أن ينعزل الطفل عن الحياة الخارجية، هذا خطأ، لازم أصنع بيئة لطفلي؛ إذا ما صنعت مع أقاربه، اصنعها مع أصدقائه، اصنعها مع مركز، لابد من صناعة بيئة لأن الطفل في النهاية يمل، وإذا بقي دائماً في وجه الوالد والوالدة خاصة الطفل الأول ولا يجد من يلعب معهم، فسيصاب بالانفصام إذا بقي منعزلاً عن المجتمع. حاول أن تصنع له بيئة جيدة في مكان من الأماكن، إما في الأقارب أو في غيرها، لكن المهم أن تكون بيئة جيدة. لذلك قال: «ويحتفظ به عن الجهال»، احفظ طفلك عن مجالسة الجهال.
به عن الجهال وكل أهل الفسق والضلال، ولو كان من أقرب الأقارب إليك أيضًا. ومن عرف بالكذب والخيانة؛ الكذابين والخائنين، كل من عنده خصلة سيئة، وكل من ليست له أمانة.
فإن أصل أدب الأخيار حفظ الصبي عن صحبة الأشرار. اطلب تأديب الأطفال، ترى هذه الخلاصة؛ عملية التأديب والتربية خلاصتها أن تحفظ ابنك عن المجالس السيئة والأماكن السيئة والأدوات السيئة، وتحفزه وتذهب به إلى الأماكن الصالحة المنتجة. هذه خلاصة التربية باختصار؛ لذلك قال: «فإن أصل أدب الأخيار حفظ الصبي عن صحبة الأشرار».
طفلك إذا نشأ في حاضنة طيبة وأماكن طيبة ورأى مجالس الخير، سينشأ بحمد الله طيبًا محبًا للقرآن والسنة والعلم والخير. إذا نشأ في مجالس الأشرار والفساق والغيبة والنميمة والبلاي ستيشن والسوشيال ميديا سيخرج هكذا. فأنت من سيحدد البيئة التي سينشأ بها الطفل، وأنت من سيختار التوجهات له في بداية الأمر: «فإن أصل أدب الأخيار حفظ الصبي عن صحبة الأشرار».
الطباع تسرق الطباع، وكل من صاحب خبيثًا ضاع. إذا نقول طبيعة الحياة هكذا؛ خلق الله الإنسان متأثرًا بالبيئة التي حوله، وكما قال ابن خلدون: «الإنسان مدني بطبعه». يتعامل مع الناس ويتأثر بهم، فأياك أن تظن لا أنا ولا أنت ولا أبناؤنا يمكن أن يكون إنسانًا لا يتأثر بغيره؛ فالإنسان لو نظرت في نفسك لربما كثير من الصفات في حياتك أخذتها من أب أو من أم أو من زميل أو من صديق. الإنسان هكذا طبعه متأثر بالبيئة.
لذلك النبي ﷺ ماذا قال؟ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالأب هو مثال على إحدى البيئات المؤثرة؛ فالطفل سيتأثر بهذه البيئة، فما بالك إذا كانت المدرسة سيئة؟ المدرسة بيئة من البيئات التي عليك أن تعتني بها.
أنا أعرف حجم التحديات التي تواجه الشباب اليوم، اختيار المدرسة؛ المدرسة التي ينبغي أن تكون محضنًا تربويًا أصبحت في كثير من البيئات محضنًا للفساد والرذيلة والبعد عن الدين. فحتى اختيارك للمدرسة أصبح تحديًا اليوم، خاصة أن المدارس الخاصة مكلفة، والمدارس الحكومية أكثرها فيها الفساد، ونذهب للطفل أحيانًا في توازنات كثيرة يجب أن تصنع. إن لم تجد مدفعًا عن ذهابي إلى مدرسة مهترئة، أقل شيء أن توفر له بشكل مباشر بيئات صالحة. إذا اضطررت أن أذهب به إلى مدرسة مهترئة، في المقابل يوميًا يجب أن تكون هناك بيئات صالحة تغسل عقله؛ لأنه في المدرسة يحفظ الشتائم ويحفظ عن الحركات السيئة، فيأتي إلى البيت. بدنا نعمل له عملية ماذا؟ غسيل دماغ؛ حتى نخرج من المدخلات المخرجات السيئة وندخل المدخلات الجيدة.
فاليوم التربية تحدٍ، وأنا أعترف بذلك. أنا لا أقول إن التربية تنظير، ما أقوله هو أنها تحدٍ؛ تحدٍ للأب، تحدٍ للأم، معركة؛ إما أن تخرج منها منتصرًا أو تخرج منها منهزمًا. فعليك أن تعرف كيف تصنع البيئات، وما هي عوامل النجاح، وما هي نقاط القوة والضعف، وأقل الضررين أحدهما المصلحة.
وقد جاء حديث عن النبي ﷺ: «المرء على دين خليله». الإنسان بطبيعته يأخذ الطباع من أصحابه من جلسائه، وهذا الكلام حقيقة. نحن نقوله للأطفال لتربيتهم، لكن هو أيضًا نافع لنا؛ أنت أيضًا يا أيها الشاب الذي تجلس أمامي، عمرك 18 أو 19 أو 20؛ جلسائك هم من سيحددون اهتماماتك في الحياة. أنت لما اخترت أن تأتي إلى مجالس العلم والمواظبة عليها، هذه المجالس مع الوقت ستولد لك اهتمامات معينة في الحياة. لكن إذا كانت مجالسك دائمًا مع أرباب الدنيا، ومن يتكلم في الدينار والدرهم، وارتفاع البورصة وانخفاضها، والخبز؛ كما قال ابن حجر عن الذين يتحدثون في مجريات الكلام عن السلاطين والحكام، قال بعض الناس: «هذا شغله في الحياة». ماذا سيخرج من يتكلم في البورصة والأموال والسلاطين والحكام ولا يتعلم علمًا ولا ينتج شيئًا ولا يخرج فكرة؟
فدائمًا أيها الشاب، زملائك وجلسائك هم من سيحددون اهتماماتك ومن سيحددون مخرجاتك، حتى الجماعات والأحزاب كل هذا يؤثر على طبيعة الإنسان. الإنسان لن يخرج إذا كانت البيئة التي فيها بيئة مميعة إلا مميعًا مثلهم، وإذا كانت البيئة التي تربى فيها بيئة غلام ستخرج غلامًا. البيئة مؤثرة، وأنت ستؤثر فيها وتؤثر فيك، فحاول أن تتخيل مجالس العلماء، مجالس طلبة العلم، مجالس الدعاة المتزنين؛ هذا الاتزان سينتقل لك مع المجالسة.
لذلك الحضور المباشر -كما قلت البارحة- لا يغني عنه أبدًا الحضور عبر الإنترنت. الحضور المباشر يصنع فيك الكثير من الصفات والأخلاق والطباع؛ أنت لا تأخذ من المدرس معلومة فقط، أنت تأخذ منهج تفكير، وطريق تعبير، وأسلوبًا في الحياة، ونمطًا من الأنماط. فحاول أن تتخيل معلمك، وحاول أن تغير مجلسك، وحاول أن تتخيل طائفتك ومن ستعيش معهم رحلة الحياة إذا أردت أن تنجو عند الله سبحانه وتعالى.
ومن الأمور التي ينبغي أن ينبه الأطفال عليها عدم الإكثار من الكلام، لأن من عادات اللئام كثرة الكلام، وينبغي أن يكون كلامه مقتصدًا على قدر الحاجة. بعض الناس تجده مسرورًا عندما يكون ابنه يثرثر كثيرًا ويقول: «ما شاء الله يحكي كثير»، لا، هذا ليس شيئًا جيدًا. الإكثار من الكلام، خاصة إذا كان يقاطع أعمامه وأخواله أو والده، بعض الناس يعتبر هذا شخصية قوية، وهذا خطأ.
إذا عوّدت طفلك مقاطعة الكبار، سيخرج ذميم الخلق، لا يحسن الاستماع ولا يحسن التفكير، إنسان طائش متهور دائمًا، لأنه المهم أن يتكلم ويعبر ويكون عنده رأي، وهذا خطأ في التربية. إذا وجدت طفلك يقاطع الكبار قل له: «اسكت». ينبغي أن يتكلم العم أو الخال أو الأخ الكبير أو الوالد أو الوالدة، وإذا فرغ من حديثه تتحدث أنت. أول مرة أو ثاني مرة قد يخطئ، لا مشكلة، لكن بعد ذلك سيصبح نمطًا ويتعلم أنه تم تأنيبه إذا قاطع.
هذا من أعظم الأخلاق التي ينبغي أن ينشأ عليها الإنسان؛ أنه حتى هذا سيولد له قدرة على حسن الإنصات، وحسن الاستماع، والهدوء، وأن لا يكون الهدف هو مجرد الكلام، بل أن يكون الكلام نافعًا. وهذا أيضًا مما يغرس في الطفل: يا بني، ليس الهدف أن تتكلم ليكون لك رأي في المسألة، الهدف إذا تكلمت أن يكون الكلام له أثر في المجتمع وصلاح فيه.
مما ينبغي إذاً أن يُزرع فيه ويُمنعوه كثرة الكلام؛ لأنه من عادة اللئام، يُعرف أن الإنسان كثير الكلام ليس إنسانًا مميزًا ولا صاحب قوة شخصية، بل هي عادة لئيمة. وأيضًا من أن يبتدي خطابه، وأن لا يكون هو دائمًا المبتدئ في المجالس.
علمه أن يتعلم الصمت باختصار، وألا يجيب إلا إذا سُئل، وأما المبادرة بالكلام وكثرة الكلام، وأن يكون كلما جرس مجلسًا يفتتح المواضيع، فهذه ليست من الصفات التي ينبغي تحفيزها، ولكن في نفس الوقت ليست من الصفات التي ينبغي إماتتها. أظن أن هذه القضية تحتاج إلى شيء من التوازن؛ ممكن أحيانًا فتح بعض المواضيع وبعض النقاشات يكون مفيدًا وله دلالة على إعمال عقله وتفكيره، فأنت إن أماته تمامًا فهو خطأ، لكن التحفيز أيضًا دائمًا خطأ. عليك أن تخلق توازنًا في قضية متى يتكلم ومتى يسكت، متى يبادر ومتى يحافظ على كلمات محدودة.
لذلك قال أيضًا: «ومن أن يبتدي خطابه»، يحذر من أن يكون هو الذي يبتدئ دائمًا، كما قال النبي ﷺ للصحابي: «كبر كبر»، اجعل الكبار في المجالس هم الذين يبتدئون وأنت تأتي بعدهم في الكلام. هذا من أهم الأمور التي تنشئون عليها الصبيان.
ثم اليمين يمنعوه منها، بتنداره يدعها؛ أي من الأمور التي ينبغي أن يحذر منها الطفل أيضًا عند تمييزه أن يحذر من الحلف، وأن لا يحلف الأيمان. بعض الأطفال يحلفون؛ لأنهم يسمعون، قلت لك: إذا كنت تحلف كثيرًا عالج نفسك، بعدين أعالج طفلك. إذا كنت أنت من النوع الذي يحلف كثيرًا، فالطفل في العادي يأخذ اليمين من البيئة المقربة، إذا رأى أباه يحلف كثيرًا: «أقسم بالله»، «والله»، فأنت تعالج نفسك قبل أن تعالج طفلك.
إذا كانت الأم أو أحد العناصر في البيئة المقربة أو الأخ الكبير يحلف كثيرًا، فينبغي أن يُعالج، ثم بعد ذلك يُعالج الطفل ويُعبر له بأن اليمين لا تُستعمل إلا عند الحاجة الملحة. فإذا حلف يمينًا في حاجة غير ملحة يُعذر، قد ترفع صوتك عليه، قد تعطيه نظرة زجر؛ يعني يعرف أن هذا خطأ والتصرف غير سديد، وإذا وسع في الأمر قد تحرمه من بعض ما يحبه، المهم لا تتساهل في هذه القضية، فإنها أيضًا مما يؤخذ من البيئة المحيطة به.
«بتنداره يدعها»؛ يعني بشكل قطعي عليك أن تدع اليمين ولا تكثر حلفها في حياتك، اللهم إلا إذا احتاج إليها في قضاء أو ما شابه ذلك. وجملة الأشعار والأغاني يمنع منها دائم الزمان؛ هذه أيضًا من الأمور التي ينبغي أن يحذر منها الصبيان، وهي سماعهم للأغاني والمعازف والموسيقى، خاصة للمتدينين، والقنوات الإسلامية -بين قوسين- لأنه في الحقيقة هذه من أكبر الفساد الموجودة اليوم.
أن يقول لك: هذه قناة، حتى لا نذكر أسماء، ليست جيدة. قنوات تعلمهم كيف يفرشون أسنانهم وكيف يقفزون ومهارات الحياة، هذا خطأ. بل والله يا أحبابي الكرام إن هذه القنوات فسادها على الجيل من أكثر الفساد؛ لماذا؟ لأنك أنت أب متدين أو أم حافظة، لن تذهب بابنك إلى قنوات العهر والفجور، فستضع بديلًا، لكنه من أسوأ البدائل. القنوات التي كما قلنا، حتى ولو كانت تعلم شيئًا من القيم، لكنها تزرعها بصورة المعازف والموسيقى، والبنات اللواتي -وهن صغيرات- يتعودن على اللبس الخليع والرقص على شاشات التلفاز. هذه بنت عمرها ١١ أو ١٢ سنة تخرج على شاشة التلفاز وترقص، هل أنت قتلت هذه الطفلة وقتلت طفلتك لما شاهدت طفلة أمامها ترقص؟ حتى ولو كانت غير بالغة، إنها ستعتاد أن هذا أمام الرجال على شاشات التلفاز، خرجت بهذا المشهد.
فاليوم يا أحبابي الكرام قضية المدخلات أصبحت معركة كبيرة. سماع الأغاني حتى لو كانت ذات قيمة ما دامت بالمعازف يحذر منها سماعها. الأشعار في زمننا للاسف كله أصبح من قبيل المعازف والطبل. والزمن خلاص شتت؛ لكن أين يكون التشتيت؟ على الجوال، لأنه أسهل قضية صارت. الجوال، بدلاً أن تتخلص من الطفل، خلاص أعطه الجوال وخليه يروح حل عني! ما ينفع، اصبر على بكائه، اصبر على هذا التعب. إذا لم تصبر على بكاء طفلك، فمعنى ذلك أنه لا مفهوم للصبر في حياتك. إذا كان طفلك قرة عينك ولم تصبر عليه، فأين ستصبر غدًا؟ ستعض أصابع الندم لما يخرج طفلك يلهو ويعبث وشغله سماع المعازف والموسيقى لأنك أنت من سمحت له بذلك.
ابتداءً من قنوات رفعت شعارًا إسلاميًا، لكن النهاية سيصبح إنتاجها هو الأغاني نفسها، يقول لك: ما الفرق؟ الفرق أنه هكذا! تصبح القضية أنه لا يوجد فرق فعلي، خاصة القنوات التي ترفع شعار الإسلام اليوم، أصبح استخدامها للمعازف يضاهي الفساق، نفس الأدوات ونفس الإنتاج. يقول لك عن الفرشاة والقفز وربما يعطيك بعض القيم، يتكلم عن الوطن وأشياء عامة، يعني الفرق يكاد يتلاشى في كثير من الأحيان. فإذا تعود طفلك على سماع المعازف من الصغر، سيسمعها في الكبر ولا تستطيع إقناعه بخطأ السماع؛ لأنه فعلاً يقول لك لا فرق بين هذا وهذا.
والبصق والمخاط والتنخم عند الجليس لا عليه يقدم؛ يُعلم الطفل أن لا يبصق ولا يمتخط أمام الناس. تعوده أنه إذا أراد أن يمخط بلغمًا أو أراد أن يمتخط، لا يمسك "الفاين" أو غيره أمام الناس في مجلس، بل يذهب إلى زاوية الغرفة أو زاوية الحجرة، أو يقوم من الجلسة ويستأذن المعلم ويخبره: "أريد أن أنتح"، هذا هو الأدب.
حقيقة بعض الناس، المشكلة أنه حتى الكبار، نحن نعالج هذه القضية في أنفسنا قبل أن نعالجها في أطفالنا؛ ممارسة هذه الأمور في المجالس العامة من خوارم المروءة. ليس حرامًا، لكنه ليس من كمال المروءة أن ينتخط الإنسان أو يبصق أمام زملائه أو إخوانه أو في درسه أو في مكان عام أو محفل عام. فالصبي هو الطفل يُعلم أن البصاق والمخاط ونحو ذلك ينبغي أن لا يكون أمام الناس، بل في زاوية الحجرة أو المنزل.
واللعن والسب وشتم الناس والاختلاط بين ذي الأدناس؛ أيضًا من الأمور التي ينبغي أن يُنبه عليها، قضية اللسان. لاحظ أنها هي القضية، معركة معك؛ جلسة البارحة، اللباس والطعام، وقضية المجلس، والقرآن، وإذا أخطأ عملية التربية.
أحبابي، مدرسة التربية -لذا كان أظن هذا المتن مهمًا جدًا- تدارسه دوماً مع الزوجة ومع الشباب في المراكز؛ لأنه يعطي أصول التربية. اليوم التربية علم، وكثير من الأمور ربما لم يزرعها فيك أحد، زرعها فيك والدك أو والدتك، أنت تحتاج تدرسها من كلام علمائنا الكبار؛ تدرسها، تنظر فيها، تتعلمها لتحاول أن تطبقها.
على قدر المستطاع، لو أنجزت 80% مما قاله الزميل فهذا ممتاز يا أخي، مش لازم أنجز ما قاله 100%، 80% مقبولة، لكن عشرين بالمئة أو عشرة بالمئة لا، هذه قسمة طيزه.
فإذا من الأمور التي ينبغي أن يُحذر ويُنبه عليها الصبي قضية اللسان؛ إذا وجدت طفلك يتكلم بكلام بذيء، يلعن، يشتم، يسب، هنا عليك أن توقفه، وخاصة في فترة الصغر. بعض الآباء يصر على طفله: "ما شاء الله ابني صار يسب ويشتم، كبر الولد بسرعة!"، لا، هذه ليست نقطة إيجابية، لعلمك أن ابنك أخذ القذارة من الصغر ليست نقطة إيجابية، لأنه فهلوي أو شاطر كيف استطاع أن يلقط الأذى والقذر؟ هذا ليس شيئاً يحمد عليه للأسف.
أنا كنت جالساً في أحد المجالس، الابن يشتم والده والأب مسرور أنه كيف يفعل! لا، هذه قلة أدب، هذه أن يعوض الطفل أن يضرب والده أمام الناس أو أن يشتم والده. هذا الدلع الزائد يا أحبابي دعكم منه، هذه سماجة وليست رجولة. في تربية الأبناء، عوض طفلك أن يكون رجلاً؛ إذا شتم يعذر، ويؤدب على مراحل. قد يكون النهي والصراخ عليه في مرحلة معينة، قد يضرب في مرحلة معينة على السب والشتم حتى يعوض ضبط اللسان، وقد يكافأ على ضبط اللسان.
وأحياناً، ليس كل شيء ترهيب، أحياناً قد تكافئ: "والله إذا هذا الأسبوع ما شتمت ولا شتيمة سأفعل لك كذا وكذا، أخرجك رحلة". حاول أن يكون عندك تنويع في أساليب التربية، أما دائماً التهديد والعصا، فهذا أيضاً قد يخلق نوعاً من النفرة بين الطفل وبين أبيه.
إذا قال اللعن والسب وشتم الناس، هذه من الأمور التي ينبغي أن يُحذر منها، وكذلك الاختلاط ذوي الأدناس كما قلنا، مخالطة أقران الفاسدين. اليوم على الأب أن يعرف من أقران طفله؛ من زملائه في الشارع، من زملائه في المركز، من زملائه في المدرسة. يجب أن تذهب لتكشف، لأن وجود طفل واحد من أقرانه ممن هو سيء الطباع سيدمر لك طفلك. أنت تتعب وتجلب له مدرسين، وتحافظ على القرآن، وتعطيه، ولا يوجد جوال في البيت، أنت ما شاء الله ملتزم، لكن طفل واحد من أقرانه في الشارع أو في المدرسة يكون فاسد الطباع ووالداه لم يربياه سيكون مدمراً لطفلك. فلا تتساءل في هذه طبيعة التربية؛ مشكلتها أن عاملاً واحداً تتساهل فيه قد يكون سبباً في فشل كل العملية. عامل واحد من عوامل التربية تتساهل فيه قد يكون سبباً في ضياع رحلة العمر والتربية.
فالمطلوب منك أن تحرص على جميع الزوايا أن تكون مراقباً لها، لذلك قال: أن تحذر من مخالطته لذوي الأدناس، أي للأطفال سيئي الطباع وسيي الأخلاق، لتنتبه حتى لا تخسر وتفشل عملية التربية التي قد تكون دفعت عليها آلاف الدنانير. إذا اكتشفت أن طفلك سيء الخلق، اسأله: "من أين أخذت هذا يا بني؟"، فيقول: "والله سمعتها من صاحبي في المدرسة".
ويلزموه كثرة التواضع وترك ما بدا له من طمع، فإنه من أعظم الآفات، حكيته نقلاً عن الثقات. أيضاً من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها مع الأطفال قضية التواضع وعدم التكبر، وسيذكر بهذا كثيراً. خصوصاً بعض الأطفال قد يكون والده من الأثرياء، وزملائه آباؤهم أوضاعهم المادية مهترئة، فأحياناً الطفل -وهذا طفل في النهاية عقله غير ناضج كثيراً- قد يتعود التكبر والتباهي بوالده، بسيارة والده، بثروة والده، بمنزله أمام أقرانه، وهذا خطأ تربوي كبير.
إذا سمعت طفلك يباهي بثروتك أو بمكانتك، أو إذا باهى بعلمك، إذا باهى بشيء مما يحمد عليه فلا مشكلة، لكن المشكلة أن يباهي بالدنيا، ويفاخر بالدينار والدرهم والسيارة والبيت والمنزل. تأخذه إلى المنزل وتجلس معه جلسة حوار: "لماذا قلت هذا أمام الزملاء؟ أو لماذا باهيت بثروتي؟ ترى هذه الثروة الله أعطاني إياها والله قادر يسلبها مني وتصبح مثلك مثل أقرانك، هم فقراء ونصف الفقراء في يوم واحد". هذه الحوارات يجب أن تدار مع الأبناء إذا وجدت أن ابنك بدأ عنده شيء من الافتخار والتكبر وشيء من الاستطالة على زملائه في اللباس.
وهنا قد تحرمه من بعض الأمور، مثلاً أنت قد تعطي لابنك مصروفاً وافراً للمدرسة لأنك مقتدر، فإذا وجدت ابنك بدأ يفتخر على زملائه بالمصروف، احرمه أو قلل منه جداً واجعله مثل أقرانه، ولو كنت مقتدراً على أكثر من ذلك؛ ليه؟ ليتعلم التواضع، ليتعلم ألا يفتخر بشيء من أمور الدنيا. فإن الطفل إذا نشأ متكبراً تبقى هذه العنجهية وهذا الافتخار في رحلته الحياتية، ويصبح ديدنه دائماً الاستطالة على الناس وتقديم أمر الدنيا وشهواتها على أمور أخرى.
وكذلك الاستطالة على الناس وتقديم أمر الدنيا وشهواتها على أمور أخرى، فيجب تعليم الطفل التواضع، وإذا جاء الطفل بما معه لقمة ساعده وعلمه أن يتواضع للناس، وألا يذكر الدنيا. ويلزموه كثرة التواضع وترك ما بدا له من طمع؛ أي أحياناً الأطفال كما قلنا يحبون الاستئثار، كل ما وجد مثلاً دخلت على محل الألعاب يريد أن يشتري كل محل الألعاب لا لعبة واحدة فقط، دخلت معك على السوبر ماركت يريد أن يشتري بطبعه كل السكاكر، لا، ليس كل ما بدا له طمعاً أعطه.
وخاصة مشكلة بعض الآباء أو الأمهات الذين يظنون أن إشباع رغبات الصبي هذا نجاح في التربية، هذا دمار في التربية. أن الطفل كلما بدا له طمع في مأكل أو مشرب أطعمه واشتريت له، هذه ليست تربية، هذه تربية البهائم التي ذكرها الغزالي رحمه الله.
أيضاً من حب الذهب والفضة يحذرونه، فهو أعظم آفاته. إذا كان طفلاً صبياً، فإن يجوز إلباسه ما يلبس الرجل، لا يلبس الذهب ولا يلبس من الفضة إلا الخاتم، لكن إذا كان طفلك أنثى، فعليك أن تعودها ألا تتعلق بالذهب والفضة وأدوات التجميل. استعمالها جيد بقدر معين يحفظ لها أنوثتها، لأنك في النهاية الأنثى المتدينة تنتبه لهذا.
وعلى الأنثى المتدينة أن تعرف أيضاً أساليب الجمال، لماذا؟ لأن بعض الرجال يقسون على ابنته المتدينة فيمنعها من كثير من الأمور بحجة أنها فيها جمال، بحجة أنه يريد أن يحافظ عليها. ممتاز، لكن عندما تصبح مؤهلة للزواج، لن تستطيع أن تتبتل لزوجها، لا تعرف أساليب التجمل ولا التحسين في الهندام والشكل والمظهر؛ لأنه والدها من الصغر كان يحرمها من كل هذه الأمور بحجة التربية. لا، هنا يجب أن يكون هناك خلق توازن، يجب على الأم أن تعلم طفلتها كيف تتجمل وكيف تتزين وتنمي هذه.
المهارات لها حتى إذا تأهلت للزواج، تحسن التبعل لزوجها وتحسن إعفاف زوجها. ما فائدة أن تكون الطفلة متدينة لكنها لا تحسن التبعل للزوج؟ هذه يطلقها اليوم، صح ولا لا؟ أنه في النهاية هو لا يريد العالمية، ويريد امرأة تعفه من وهج الحياة.
حتى تكون فاهماً، لأن بعض الشباب خيالي أيضاً، سيأتي اليوم ويقول: «سأقوم بتعويض عبد الله»، دعك من هذه الأحلام؛ أنت تريد الآن امرأة تعفك في زمن الفتن. فحتى تعفك المرأة يجب أن تكون هذه المرأة تحسن هذا الأمر. مما أستقبحه أن تكون الفتاة المتدينة ضعيفة في هذه الجوانب، والفتيات المتبرجات قويات فيه؛ تكون الفتاة المتبرجة قوية في جوانب التزين، وهي خلص متخصصة أصلاً في إفساد الشباب والجيل، والفتاة المتدينة بحجة أنها متدينة تقول: «أنا ليس لي علاقة بهذه الأبواب». من قال لك ذلك؟ أنت عليك أن تتعبدي الله بعفة زوجك، وأن تحسني وتتقني التجمل له، وأن تعذيه وأن تملئي عينيه.
أما والله، أنت تقول: «يا شيخ خلص، بدك تقبلني زي ما أنا»، هذا من قال لك هذا؟ ما هو صحيح، هذا شاب في النهاية، حتى لو كان شيخاً -مش شيخ الإسلام- هذا شاب، ويرى من الفتن في الشوارع والطرقات ما الله به عليم، فيريد أن يملأ عينيه حتى لا يملأه الشيء الخاطئ، حتى لا تدخل عليه المدخلات الخارجية. في النهاية، كما تحبين أن يتجمل لك، فالرجل له مطلب في حسن الهندام وحسن المظهر، كما تحبين أن يتجمل لك، عليك أن تحسني التجمل له.
هذا فقط حتى يفهم التوازن في عملية التربية. قوله إن الطفل لا يتعلق بالذهب والفضة، لكن ليس بدرجة تقتل فيها حب الجمال؛ لا تقتل فيها حب الجمال، بل علمها، أو خلي والدتها تعلمها حب الجمال لتكون امرأة ناجحة في الزواج، لتكون فتاة قادرة على إسعاد زوجها وتحصينه وعفته، فهذا ما نحتاجه. التدين المطلوب ومن الدين الجمال، ومن الدين الجمال خصوصاً في الإناث.
نعم، من السموم القاتلة حبهما، في التحذير للصبي منهما، يعني يقول إن الموضات والأزياء، الذهب والفضة ليس مقصوداً لذاته في كلامه، حتى حب الموضات وحب الأزياء هذا يحذر منه الصبي. في أطفال ما بيشتروا إلا من ماركة، لا، يا أخي الكريم، عادي جداً، بدك تشتري مثلك مثل الناس، أحياناً من مكان عام، أحياناً من أسواق الناس العامة. عود أن لا تتعلق بالدنيا ولا تطلب الماركات والأمور المترفة والأمور العالية، اشتري وعش حياة طبيعية متواضعة هادئة، واغرس في طفلك هذه الحياة وليس المثاليات دوماً؛ فالحياة تتقلب بك، فما كان مثالياً اليوم غداً قد لا يكون في متناول اليد.
ويكرم الإخوان بالتأدب، وكل من عاشره من صاحبه. سيتكلم عما هي الآداب التي عليك أن تزرعها في صبيك عند تعامله مع أقرانه. كيف ما هي الآداب التي ينبغي أن تغرس في الصبي في تعامله مع أقرانه وزملائه؟ قال: «ويكرم الإخوان بالتأدب وكل من عاشره من صاحبه»، عليك أن تعلم الصبي الأدب مع إخوانه وزملائه وحسن التلطف معهم.
الآن أنت ربما في حياتك وأنت كبير وجدت شباباً صعبين المراس، تجد شاباً تعاشره وتقول: «يا أخي والله فلان أخلاقه صعبة»، هذا من الصبي لم يجد من يوجهه إلى حسن العشرة فنشأ صعب المراس. في المقابل تجد بعض الناس، سبحان الله، تتعامل معه تألفه، سهل التعامل، لين العريكة، عنده مداراة؛ هذا في العادة يكون هناك من وجهه من الصبي لهذه الأخلاق. فعوّد طفلك على حسن الأخلاق وحسن العشرة، التواضع كما ذكرنا، التلطف مع الزملاء، إهداء الآخرين، المداعبة معهم، عدم الافتخار بالنفس؛ كل هذا من حسن العشرة التي ينبغي أن يعود عليها الصبيان.
إذا قال: «ويكرم الإخوان بالتأدب»، أكرم إخوانك وزملائك في الدرس، في المدرسة، ما شابه ذلك. قال: «وكل من عاشره من صاحبه»، ويكرم كل من يعاشر ويتعامل معه في الحياة. وأن يوسع للذي يأتي به مجلسه، الذي فيه من طرق إكرام الإخوان وحسن عشرتهم؛ أنك إذا كنت في مجلس من المجالس، تعود طفلك أن يفسح لزملائه. بعض الناس والله كبار، تجدهم في صلاة الجمعة بينهم مساحة، بس تحاول تفرج بينهم تطلع عليك أنه: «طيب يا أخي في فرجة؟». أنا أعرف أن هذه الطباع نشأة الصغر ولم يعتد على السخاء حتى في المجلس، تعود أن كل شيء له، إذا جلس لازم يجلس متربعاً ويأخذ عن يمينه وعن شماله، إذا جاء رجل ضايقه شيء في المجلس يتحسس؛ هذه طباع نشأ عليها. فالذي يتعود التفسح لإخوانه والتيسير لهم، والابتسامة في المجالس وفي الكلام، هذه الطباع تزرع، فأنت عليك أن تزرع لتجني غداً.
ويكرم الواصل بالقيام، لأنه من أدب الكرام. وهذا مر معنا، أن يعود الصبي أن يقوم لأصحاب الفضل والخير، من أب، من أم، من معلم، من شيخ، من أستاذ، من موجه، ما شابه ذلك، أو أخ كبير، أو عم، أو خال؛ المهم على الصبي أن يعود القيام للكبار وأصحاب الفضل. بعض الشباب تراه في مجلسه يأتي والده فلا يقوم له، يسلم على والده وهو جالس، هذا ليس من الأدب في شيء. الوالد، وكما مر معنا في ابن عقيل، الوالد إذا دخل ما ينفع تسلم عليك وتسلم على باقي الناس، الشيخ والمعلم والذين إذا دخلوا لا يسلم عليك باقي الناس. الآن زميلك، أخ، أستاذ، إنسان عامي ما في بينك وبينه علاقة وليس صاحب مكانة، سلم عليه بطبيعته، لكن هناك أناس خط أحمر، التسليم عليهم له هيئته الشرعية بالقيام؛ كما قال النبي ﷺ للصحابة لما جاء سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم». يعني ما ينفع تستقبلوا سعد بن معاذ وهو سيدهم وهو جالس، «قوموا»، علمهم الأدب وهم كبار، فما بالك بالصغار؟ فالصغير يعلم أن يقوم للأب، وإذا استطعت أن تعلمه تقبيل يد الأب خير فخير لك، لكن ليس شرطاً، المهم الحد الأدنى أن يعلم القيام للأب إذا دخل، أو الأم، أو الأعمام، أو الإخوان، أو الأساتذة وما شابه ذلك.
ويستمع كلام كل عاقل، ويحسن الإصغاء. لقول القائل، عوّد طفلك أن يسمع من العقلاء، أن يسمع من أصحاب الحكمة. قال: «ويستمع كلام كل عاقل»، أي من الأمور التي تغرسها في طفلك حب المعرفة وحب الظفر بالحكمة، وأن يستمع لمشايخه وأساتدته ومعلميه إذا كان معلمه من أهل الخير والصلاح. قال: «ويستمع كلام كل عاقل ويحسن الإصغاء»، أي علمه أيضاً حسن الإصغاء، وهذا مرتبط بما ذكرناه قبل قليل.
تقليل الكلام يقلل الكلام ويعلم حسن الإصغاء والإنصات لكلام الآخرين، ويحسن الإصغاء لقول القائل. والطفل الذي يتعلم حسن الإصغاء هذا ينضج سريعًا؛ لأن الطفل الذي يسمع جيدًا يفهم جيدًا. أما الطفل المتعود أنه لا بد أن يحكي، ولا يهتم إلا بما سيقوله ومتى سيتكلم، فهذا لا ينضج سريعًا. الطفل الذي يتعلم حسن الإصغاء والفهم قبل أن يتكلم، يكون نضجه وفهمه وعقله أرجح من غيره في كثير من الأبواب، فهذه أيضًا مهارة عليك أن تنميها في أطفالك.
لا يفتخر بمطعمه ومشربه ولا بشيء صار من ملك الأب. هذا الأمر معنا، وأحيانًا بعض الأشياء قد يكون فيها تداخل. تعلمنا قبل قليل أهمية زرع التواضع فيه، ومن أشكال التواضع أن يعرف الصبي أن لا يفتخر بمطعمه أو مشربه. الوالد بالأمس ذهب إلى مطعم، وأخذ يعطي تفاصيل تكلفة المطعم، وهذا ليس شيءًا ينبغي أن يذكره. يجب أن تعلمه، وأنت تناقشه في المنزل: "لماذا قلت هذا أمام زملائك؟". ترى بعض الأمور نحن كمتدينين ننتبه لها، لكنها تكون بذرة الخطأ في الطفل، وبذرة الإشكالية النفسية أو الخطأ التربوي الذي سينشأ معه في المستقبل.
قد يكون والدك أخذك لمكان فيه ترف، ليس لدينا مشكلة في ذلك حسب ماله، لكن عوّد أن لا تتكلم أمام زملائك أو إخوانك بأننا ذهبنا إلى هذا المكان؛ لأن هذا شكل من أشكال التكبر الذي يذمه الله. وإذا فعلت ذلك مرة أخرى، فلن أذهب بك إلى هذا المكان، ويُعوض ذلك بالتعزير والترغيب؛ حتى يعود أن لا يفتخر بطعام ولا بشراب ولا بشيء صار من ملك الأب، كما قلنا: والد اشترى سيارة فخمة، أو اشترى فيلا. المهم أن يصبح مسؤولًا، وأن يعود أن لا يفتخر؛ فالدنيا ليست مما يفتخر به.
أما الافتخار بوالده أنه حصل على مركز علمي، أو اخترع شيئًا مفيدًا، فهذا الافتخار جيد، خليه يفتخر؛ يشعر أن والدي عالم، أو والدي مخترع، أو والدي طبيب ناجح، أو تخرج من الجامعة. الافتخار بالعلم جيد حتى يحب الأمور الشريفة، هذا يحببه بالأمور الشريفة. لكن أن يفتخر بأن والده اشترى سيارة، فهذا ليس شيئًا تفتخر به، وتعتذر عن هذه الدنيا. فالافتقار في الأمور الدنيوية يُحذر منه الصغار.
ثم ليعظم غاية الإعظام من كان ذا جاه من الأنام. يعود الصبي أن يعظم الكبار ويحترمهم، خاصة الوالد والوالدة، والأعمام، والأخوال، وخاصة ممن كان منهم من أهل الصلاح والخير. وإذا قال: "من كان ذا جاه"، أي منزلة قد تكون منزلة دنيوية، مثل رئيس القبيلة أو رئيس العشيرة؛ هذا أيضًا يُعظم، كما قال النبي ﷺ: «أنزلوا الناس منازلهم». ليس ضروريًا أن تكون الجاه دينيًا فقط، فقد يقول لك البعض: أنا لا أقوم إلا للمشايخ، أما رئيس العشيرة فهذا دنيا؛ يا أخي حتى الدنيا، إن هذا رجل في النهاية تريد أن تكسبه لصفك لصالحك، ولا تدري أنه قد يفيدك في مشكلة في حياتك ويفزع لك فزعة. فاحترام الناس وإنزالهم منازلهم من احترام الخصال ومن مروءات الرجال.
والوالدين الكل، والمؤدبة، والأقربين نسبة، والصاحبة. الوالدين خصوصًا الأب والأم، والمراد بالوالدين هناك تشمل الأجداد والجدات؛ الوالدين الكل يعني الوالدين أبا وأمًا، وجدًا وجدة. والمؤدبة يعني شيخته وأستاذه الذي يؤدبه. والأقربين نسبة والصاحبة، يعني أيضًا يعظم أقاربه من أعمام وعمات وإخوان وخالات، وأصحابه الكبار في السن إذا كان ممن يصاحب كبارًا في السن.
لكن التعظيم له غاية معينة، ليس التعظيم الذي يكون فيه ذل وخضوع وإهانة، وألا يناقش. احترام الإنسان هل ينافي مناقشته في الأخطاء؟ لا يمكن، أني أعظمك وأحترمك كشيخ، لكن ممكن أنت تخطئ وأنا أناقشك بهدوء وأسلوب مؤدب مع حفظ الحرمة والمكانة. ممكن الأب أو الأم يخطئ، فتبين له بأسلوب مؤدب وراقي. هذا الموضوع؛ فالتعظيم والاحترام باختصار لا يعني أن تصبح أصم أو أبكم أو أعمى عن الأخطاء، يمكنك أن تعالج الأخطاء مع من تعظمهم وتحترمهم، لكن مع المحافظة على الهيبة والاحترام والتقدير لهم.
قال رحمه الله تعالى: "فصل، وإن ظهر فعل الجميل منه، فينبغي بأن يجازى عنه، وأن يبجل قدره، ويمدح بما به بين الأنام". ننتقل هنا إلى قضية أن التربية ليست فقط بالترهيب والتعزير والضرب كما يتوهم البعض، بل التربية فيها مدح وفيها ذم، فيها ترغيب وفيها ترهيب. قال: "فإذا رأيت الصبي صنع تصرفًا صحيحًا وقام بشيء جيد"، لازم تمدحه، لازم تثني عليه، تقول: "ما شاء الله، أنت اليوم يا بني فعلت فعلًا صحيحًا، اليوم أعجبتني في هذا الموقف". لأنه إذا كان دائمًا يجدك تعيبه عند الخطأ ولا يسمع منك مدحًا وثناءً عند الصواب، فأنت ستقتل العلاقة بينك وبينه وسيكرهك؛ يقول: "إذا فعلت خيرًا ما أسمع شيئًا، وإذا فعلت شرًا فالذم حاضر". هنا أنت تقطع العلائق بينك وبين طفلك.
الأب الناجح هو الأب الذي إذا رأى طفله وصبيه قد أحسن، مدحه وأثنى عليه؛ حضر درسًا علميًا، حفظ سورة من القرآن، ختم مصنفًا، حرص على خير بر والديه؛ يحمد ويثنى عليه: "أحسنت". وإذا وجد شرًا أو سوءًا، فها هنا ركز على جانب الترغيب. فقال: "وإن ظهر فعل الجميل منه فينبغي بأن يجازى عنه"، وقد تكون المجازاة حتى مادية، تعطيه مبلغًا من المال كمكافأة، أو تشتري له شيئًا ينتفع به.
لا تشتري له جوالًا، والله لقد دمرتم الأطفال. الأصل حقيقة أن الأطفال لا يمسكون الجوالات ولا يكون بيده جوال حتى يصل إلى المرحلة الثانوية. أما طفل عمره سبع أو ثمان سنوات في المدرسة ومعاه جوال، فأنت قتلت طفلك، قتلت عقله، قتلت مروءته، قتلت أخلاقه وقيمه لما أعطيته الجوال. يمكن يكون له جهاز في المنزل يخبئه عند الوالد والوالدة، ويُعطى في ساعات معينة ضمن توازنات معينة. أما أن يذهب طفل عمره سبع أو ثمان أو تسع سنوات إلى المدرسة وفي جيبه جوال، فهذا من أكبر الأخطاء التربوية؛ لأنه سيذهب إلى المدرسة ويلتقي برفقاء السوء، وسيعلمونه كيف يدخل على المواقع السيئة والمشاهد القبيحة. فلا تعطيه الجوال، لا تعطيه هذه المساحة، إذا كان هناك حاجة ملحة يكون في المنزل وفي ساعة معينة، ثم يُسحب ويوضع في غرفة مغلقة أو في مكان مغلق. أما هذه الطريقة، إلقاء الجوالات في يد الأطفال يذهبون بها إلى المدارس، فأبشر بسوء مطلع في تربيتهم.
يفرحه كما قلت؛ هذا في حال إحسانه، أن يقدّر ويمدح حتى بين أقرانه، بشرط أن لا يكون مدحاً بين أقرانه يسبب له افتخاراً وكبراً. مدح الصبي أمام الناس يعطيه دافعاً إيجابياً أحياناً؛ فطفلك يكون معك، فتقول: «والله ما شاء الله، فلان اليوم يا شباب أنجز هذا الكتاب». لو أمدحت طفلك سيشعر بنشوة الانتصار، بنشوة الإنجاز، بنشوة العطاء.
لكن إذا وجد منه بدايات الكبر، وأصبح كلما جلس مع زملائه يفتخر عليهم: «أنا حافظ القرآن وأنتم مش حافظين»، «أنا قرأت كذا وأنتم مش قارئين»، «أنا أنجزت كذا وأنتم مش منجزين»؛ إذا بدأ هذا النفس يظهر منه، لهنا تبدأ الأمور العكسية. تعالي الله يكرمك، ماشي حفظت القرآن، لكن هذا ليس للتطاول، وإنما هذا ليقربك عند الله ليدنيك منه. قد ينسيك الله القرآن الذي حفظته، قد ينسيك المنظومة التي قرأتها، فدائماً الموازنات مطلوبة ما بين إقبال وإدبار، وكرم وفره؛ هكذا عملية التربية.
وإن فعل فعلاً ذميماً سراً، فينبغي ألا يعاتب جهراً. والآن سأعطيك كيفية معالجة الأخطاء، ما هي طريقة السلف في معالجة الأخطاء؟ شوف، هذا كله ذكره الغزالي رحمه الله في القرن الخامس والرابع الهجري، وهو شيء عظيم جداً أن يكون في موروثنا مثل هذه المنظومة التي تعالج عملية التربية بأصولها، بدلاً من أن نسمع اليوم لدعاة التغريب وأصحاب التربيات المهترئة.
قال: إذا فعل طفلك فعلاً خاطئاً، إما أن يفعله سراً وإما أن يفعله جهراً أمام الناس. وكثير من الأحيان الطفل لخوفه من أبيه قد يفعل الفعل الخاطئ سراً، لا يريد أن يظهر عليه والده ووالدته، يذهب إلى غرفة معينة ويرتكب خطأ؛ يضرب، يشتم، يفعل شيئاً، يفتح الجوال من وراء ظهرك، يفعل فعلاً ذميماً من وراء ظهرك. مهما كان شكل هذا الفعل الذميم، كيف تكون معالجة الأب والأم لهذا الخطأ؟
قال: «فينبغي أن لا يعاتب جهراً». إذا ما دام طفلك يتهرب منك أثناء الخطأ، ترى هذه ما زالت نقطة إيجابية لصالحك؛ لأن المصيبة أن يصبح يجاهر أمامك بالخطأ وليس خائفاً منك، معناته انكسر الحاجز الذي بينك وبينه وأصبح يفعل الخطأ أمامك وهو لا يهاب منك. ما دام طفلك يخشى الخطأ أمامك، فهذه نقطة ما زالت جيدة، فعليك أن لا تكسرها.
فماذا يفعل؟ قال: «فينبغي ألا يعاتبه جهراً أمام إخوانه وأخواته أو أمام أمه أو أمام الزملاء». ماذا يفعل؟ يأخذه على جنب يقول له: «ترى يا بني أنا شفتك وأنت بتعمل خطأ، لكن أنا ما بدي أفضحك لأنك أنت كتمت، فأنا بدي أستر عليك، أرجو أن لا تعيد هذا الخطأ مرة أخرى».
إخواني، متوقع منه الخطأ؛ من يريد طفلاً كاملاً لا ينجب أطفالاً، أفضل له؛ لأنه ما في أطفال كاملين. الطفل بطبيعته لابد أن يخطئ، والخطأ يعلم، والخطأ يوجد، ما في طفل لا يخطئ. العبرة كيف تعالج الخطأ وكيف تستثمر الخطأ لعملية الإصلاح والرعاية. أما من يتذمر من أخطاء طفله فهذا رجل غير رشيد؛ فالأطفال لضعف عقولهم، أنت تخطئ، أنا وإياك نخطئ، فكيف تطالب طفلاً صغيراً أن لا يخطئ؟ هذا ليس برجاحة عقل.
الطفل لابد أن يخطئ، لكن كما قلنا إذا كان خطؤه سراً حاول أن يستخفي عنك، فحاول أن لا تعاتبه جهراً، وأن تكون المعاتبة بينك وبينه لا يطلع عليها أحد. قال: «وإن فعل فعلاً ذميماً سراً، فينبغي أن لا يعاتب جهراً ولا يذم بين أصناف الورى»؛ أي بين الناس وأمام زملائه، فإنه يخشى بأن يتجاسر.
إنك إذا فعل هو فعلاً سراً وأنت ذممته أمام إخوانه أو أمام زملائه -وبعض الآباء، لا بعض الآباء بل بعض الآباء وبعض الأمهات، يضربون ابنهم أمام الآخرين عندما يخطئ سراً- هذا يكسر الحاجز، خلص قتلت نفسيته. هو استخفى، فمعالجتك للخطأ ينبغي أن تكون خفية ما دام قد استخفى. لأنك إذا عالجت الخطأ بالصراخ عليه أمام الناس وفضحه، خلاص ما عاد هناك شيء يستحي منه أو يخاف منه، فغداً سيعيد الخطأ، بل جهره سيعيد الخطأ مرة أخرى. فما دام يخاف منك، أبقِ هذا الواسع حاضراً في حياته.
قال: «ولا يذم بين أصناف الورى»، أي إذا ذممته أمام زملائه وأنت كسرت معنويات ونفسيته، قال: «فإنه يخشى بأن يتجاسر»؛ أي يخشى بأنه يتجاسر على الخطأ بعد أن زالت الهيبة وكسرت أنت الحارس، يتجاسر على الأخطاء ويقول لك: «خلاص ما هو أبوي فضحني».
هذا مهم جداً، بعض الشباب يستعجل في تأنيب طفله. لا تكن سريع الغضب سريع الانفعال فتعالج خطأه بخطأ أكبر في أثناء تصويبك للخطأ. بل ينبغي أن يعاتب سراً بحيث لا يطلع على عتابه أحد من الناس، صورته تبقى جميلة؛ لأنه هو استخفى بالفعل إما خوفاً وإما حرصاً على أن تبقى صورته جميلة أمام الناس، فأنت لا تكسر له هذه الصورة الجميلة بفضحه. استر على طفلك حتى يستر الله عليك، وحافظ على صورته الجميلة أمام الناس لأنه استخفى، فلا تنتهك أنت هذه الصورة.
يقول: «هذا إن علم عليه فضيحة فلا تعد إليه». ماذا تقول له عندما تأخذه لتعاتبه سراً؟ تقول: «يا بني لو رآك الناس على هذا لفت ضحكت، فحاول أن لا أراك ولا تفعل هذا الفعل مرة أخرى». هكذا يقول الأب لابنه عندما يعاتبه سراً، «هذا إن علم عليه»؛ يعني إذا عرفوا الناس أنك تفعل هذا الخطأ، كأن تطلع على الجوال، تطلع على صورة خاطئة، كأن تنام عن صلاة الفجر، شيء من هذا القبيل؛ «فإنه فضيحة فلا تعود إليه»، ما بدي إياك تعود إليه مرة أخرى.
دائماً المعالجات الأولى يفضل أن تكون هادئة؛ الأخطاء الأولى لا يعالج معها بالشدة، ينبغي أن تكون المعالجات الأولى هادئة متزنة وليس كافرة للطفل. ولا تكثر عنده الكلام، فإنه يهون الملامة كما قلت؛ قال: «ولا يكفر عنده الكلام»، يعني ما تكون تأنيبك للطفل نصف ساعة وأنت تبهدله ومش راضي تسكت، قال: «هذا سيكسره». وفي الوقت يقول له خلاص احكي، أنت تسكت؛ قال: «فإنه سيهون الملامة عليه». الذكي يلوم طفله أحياناً بنظرة فقط، أحياناً النظرة تكفي، نظرة قوية عنيفة تغني والله عن نصف ساعة من السب والشتم والغضب.
بعض الآباء يظن أنه كلما طالت مدة العتاب سينتج أكثر؛ كل نصف ساعة، غدًا ساعة، إن شاء الله بعدين ساعة ونصف وأنا أعاتب. بالعكس، المردود سيكون عكسيًا تمامًا. حاول أن يكون كلامك موجزًا وثقيلًا، وأن تكون الكلمة محسوبة، كأن تقول: "أنا خلاص هم عشر كلمات يا بابا، كلمة لا تعيدها بالنسبة له، ينبغي أن تكون رنانة: لا أريد أن أطيل الكلام معك، لا تعد إلى هذا الفعل ولا أراك عليه مرة أخرى".
لذلك قال: ﴿وَلَا تُكْثِرِ اللَّوْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لا تكثر اللوم عليه نصف ساعة وأنت ترشه بالمسبات والشتائم، قال: ﴿فَإِنَّهُ يَهُونُ الْمَلَامَةَ﴾؛ خلاص في المستقبل سيصبح الأمر هينًا. باختصار، أنت اليوم إذا تكلمت دقيقة، غدًا تقدر تحكي دقيقتين، بس إذا أنت من البداية حكيت ساعة، فكأنه يقول لك: احشُ الإطالة للأخطاء الدسمة أو للمستقبل، أما إذا أنت من البداية فرغت طاقتك في السباب والشتام، سيهون عنده الملام بعد ذلك.
يخشى بأن يجزم ولا يبالي بما أتاه بعده من فعاله؛ الذي نخشاه إذا أكثرت اللوم والعتاب أنه سيصبح يجزم، أي يقطع، ويصبح يفعل هذا الفعل الخاطئ دومًا ولا يبالي بالعتاب الذي سيحصل عليه بعد ذلك؛ لأنه عرف أن هذا أكثر ما يمكن أن يصل منك، أكثر من ساعة؟ تريد أن تتعب؟ هو عرف مستواك، فبالتالي عرف النهاية، ماذا لن يحصل أكثر من ذلك في اللوم والعتاب، فأنت باختصار أنهيت كل الأوراق. في بداية الأمر لا تخرج كل أوراقك في العتاب.
يحذر غاية التحذير من الكذب والفحش والفجور والسرقة والأكل الحرام؛ فمن موجب الآثام أيضًا مما ينبغي أن ينبه عليه الصبي أن يحذر من الأفعال السيئة كالكذب، والفحش في الكلام، وارتكاب الفجور، خاصة إذا بدأ في فترة قبيل البلوغ. يحذر هنا من العلاقات المحرمة ومن الصحبة السيئة، لأنه كثير من الأطفال في هذه الفترات قبيل البلوغ يبدأ يفقد اتزانه لبداية ورود الشهوة عليه، فيُحذر في هذه الفترة من الفجور، ومن سرقة المال، ومن أكل الشيء الحرام، ويُحرص على أكل الحلال.
هذا في سن أحد عشر أو اثني عشر سنة يبدأ يستقبل هذا النوع من التوجيهات، في السن الحادي عشر والثاني عشر قبيل البلوغ يبدأ يستقبل هذه التوجيهات الحياتية قبل أن يبلغ ويفوتك القطار، فإن أتى وقت البلوغ، والصبي بهذه الأشياء خبير لا غبي؛ يعرف الصح من الخطأ، والحلال من الحرام، ومروءات الرجال، وكيف ينبغي أن يتكلم ويصمت. إذا عرف كل هذه المهارات، يعرف مقصد الأشياء لمدى الدنيا وللأخرى.
تبدأ تتكلم معه بالبعد الأخروي وتركز على البعد الآخر. ونشوف في الفترة الأولى من حياة الصبي أن التركيز على البعد الأخروي لن يكون منتجًا كثيرًا؛ لأنه ليس مدركًا بعد ماذا يعني آخرة وجنة ونار وقبر وعذاب، فهذه الأمور في الفترة الأولى من حياة الصبي صعب استحضارها إلا على الجملة: "ربنا يحبك، في جنة"، كلمات محدودة، لكن لن تدخل مع الصبي في تفاصيل الدار الآخرة والميزان والحساب والجنه والنار، هذه لا يتكلم مع الصبيان في فترة الصغر الشديد لأنها غير منتجة؛ الصبي في فترة صغره يهتم بالبعد المادي المحسوس، ما يلقاه في الدنيا الآن.
إذا أصبح عند البلوغ أو قبيل البلوغ، يبدأ يتكلم معه بعمق في البعد الآخر: لماذا نحن نصلي؟ وما فضيلة الصلاة ودورها في ربطك بالله سبحانه وتعالى؟ الآن عندما يكون سن السبع سنوات، تكلم له: "الصلاة ربنا يرضى عنا بها، وتدخلنا الجنة"، أكثر من ذلك لن تحكي له، لكن عندما يصل عمره 12 أو 13 سنة، لا بد أن تبدأ تفهمه أن الصلاة لها آثار دنيوية في ربطك بالله، وتعصمك من الفتن، وتبعد عنك الحرام. تبدأ تتعمق معه في البعد الديني والدنيوي.
فلذلك قال: ﴿فَإِنْ أَتَى وَقْتُ الْبُلُوغِ وَالصَّبِيُّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَبِيرٌ لَا غَبِيٌّ﴾؛ في وقت البلوغ وقبيله يبدأ الكلام بتعمق في الأبعاد الدينية والمقاصد الشرعية للتصرفات. في فترة الصغر لا أنصحك بالتركيز الكثير عليها حتى لا تضيع جهدك؛ أكثر من قضية حب الله والدار الآخرة وجنة ونار، أكثر من ذلك التعمق لن يكون منتجًا كثيرًا.
يعرف مقصد الأشياء لمدى الدنيا والأخرى، وأن كل عيش للإنسان عون على عبادة الرحمن، يعني يفهمه: الآن أصبحت مسؤولًا عن نفسك، وعن تصرفاتك، وعن أفعالك. فيبدأ يتكلم معه عن الهدف من الوجود الإنساني، أن الحياة رحلة ابتلاء، وينبغي أن تعرف أنك ستتحمل أوزارك يوم القيامة، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. "أنا يا بني ربيتك، أنا وجهتك، أنا كنت حريصًا في فترة الصغر أن أغرس فيك القيم، أنت الآن كبرت وبلغت فعليك أن تقود رحلة الحياة، أنا سأبقى موجهًا، سأبقى ناصحًا، سأبقى معلمًا حاضرًا في حياتك، لكن أنت الآن من سيبدأ يتحمل مسؤولية الحياة لأنك بلغت".
لأن البلوغ يبدأ معه التكليف، والثواب والعقاب، والحسنات والسيئات، فلازم تدردش مع ولدك حول هذه المفاهيم من فترة البلوغ، ليس أن تتأخر حتى تتكلم معه في العشرين والواحد وعشرين فيضيع. أول ما يبلغ، تبدأ تتكلم بلياقة في الثواب والعقاب، في الجنة والنار، وأنك الآن مسؤول عن أعمالك، يجب أن تنتبه وتستيقظ: "أنا ربيتك من الصغر، لم يكن عليك ثواب وعقاب، الآن أنت أصبحت مسؤولًا عن نفسك وأنا أديت الأمانة فيك".
«أقوى والدي تقوى على العبادة وهي التي تحصل بها السعادة»؛ أي أن تعليم الصبي الهدف من الوجود في الحياة هذا أقوى له إذا كان من ذوي التقوى. تعليمك للصبي عندما يبلغ مقاصد العبادات وأهداف الصلاة وأهداف الصيام هذا يجعله أقوى على فعلها وأحرص عليها في حياته، بخلاف الصبي الذي يصبح عمره عشرين أو ثلاثين سنة وهو لا يعرف لماذا يصلي، لماذا يصوم، لماذا يزكي، لماذا يحج، وما هي الكعبة؟ علم الصبي مقاصد هذه العبادات حتى يقوى عليها ويهتم ويكون شغوفًا بها.
والموت أقرب شيء ينتظر، وهذه الدنيا لنا دار ممر أيضًا؛ من الأمور التي ينبغي أن يناقشها الأب مع ابنه قضية الموت والقبر، ويحذره من رحلة القبر، ويبدأ يتكلم معه في سن البلوغ عن هذه الأمور؛ لأن طفلك لابد وسيمر بها، فمن الأمانة والمصداقية أن تعطيه التفاصيل: الدار الآخرة، مقاصد العبادات، والهدف من الوجود في الحياة. ممكن تقولي طبعًا يا شيخ ما عندي أسلوب، أنا صراحة لا أعرف كيف أتكلم في...
أحسن صياغة العبارات يا أخي، احضروا إلى مجالس العلم. أنت لا تستطيع أن تخاطبه، بل قل: احضروا إلى مجالس العلم واجعله يسمع من غيرك؛ فإما أن تحضر إلى مجالس العلم، وإما أن تريد أن تسمع مما سيعلمه الشارع، التلفزيون، أو السوشيال ميديا. فلينتبه الإنسان، وإذا كان هو لا يحسن التعبير، فعليه على الأقل أن يأتي بصدفة بشيخ، أو يحضر مدارس العلم للمشايخ الذين يحسنون التعبير عن هذه الأفكار.
والآخر داروا مقر باقي والآدمي لفعله ملاقي. اذهب أيضًا وذكره بالآخرة، وأنها دار البقاء والدنيا دار الفناء، وأن الآدمي سيلاقي نتاج فعله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. هذه كلها مواضيع وأحداث يجب أن تجلس مع ولدك وتبينها عند البلوغ، ولا تتأخر، فعند البلوغ مباشرة سيبدأ هذا الحوار.
فينبغي التكثير للطاعات تزودًا في مدة الحياة، يعني يخبر طفله بأهمية الآن وما عاد تفصل. احرص على الحياة النافعة، احرص على التخصصات الجيدة، احرص على العمل الذي يقربك من الله؛ فينبغي التكثير للطاعات يا بني، تزودًا في مدة الحياة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة. هذه الفلسفات لازم تكون عنده، ويفهم طبيعة الوجود في الحياة والغاية والمقصد من هذه الحياة.
وحينما ينشأ الولد مؤدبًا يكون في بلوغه مهذبًا. وأنا أعطيك يا شيخ الزميل النتائج النهائية؛ يقول لك إذا نشأ الطفل مؤدبًا، ماذا سيحدث؟ البلوغ سيكون مهذبًا، سهل التعامل معه. وكما قلت لكم البارحة، لا تأتيني وطفلك عمره 15 سنة تقول: يا شيخ ابني لا يرد علي، أكيد لن يرد عليك؛ لأنك لم تهتم به وعمره خمسة وأربعة وثلاثة واثنين. إذا أردت طفلك يرد عليك لما يكون عمره 15 و16 سنة، يجب أن تشتغل على هذه الرؤية من عمر خمس أو ست سنوات.
أما هؤلاء الآباء والأمهات الذين لم يحسنوا التربية في الصغر ويريدون أن ابنه يرد عليهم في الكبر، فهذا يحلم إلا أن يشاء الله. لكن الأصل هكذا؛ أنت تحصد في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة ما زرعته منذ الصغر. فلذلك حينما ينشأ الولد مؤدبًا يكون في بلوغه مهذبًا، فيريحك. قال سبحانه: ﴿طُولُ الْعُمُرِ بَرَاحَتُكَ﴾؛ لأنه فهم الحياة، وغُرست فيه المدخلات الصحيحة والأفكار الناضجة، فيريحك عندما يكبر، ما تتغلب معه في الجامعة، ما تتغلب معه بالزواج.
بعض الآباء يقول: والله يا شيخ حكيت لابني ما يعمل عرس مختلط وهو غير راضٍ. أين بدأت تعلم طفلك أو ابنك هذه الأمور؟ ستجد طول عمره لم تحكِ له عن حرمة الاختلاط، وما غرسها في طفلك من الصغر، وابنه في مدارس مختلطة وفي الجامعة، يعرف أنه سيصاحب بناته مختلطين، أكيد راح يعمل عرسًا مختلطًا، وأكيد ستكون حياته غير مهتمة، وأكيد سيشتغل بالأشغال المختلطة. فلا تأتيني عندما يكبر ابنك تشكو لي حال ابنك، أنت تدفع الثمن.
اللهم كما قلنا، بعض الآباء قد يكون حريصًا وواظب وفعل ما عليه، لكن إن شاء الله يكون هناك مؤثر معين يخرج ابنه عن السكة. هنا أنا لا أتكلم عن الأمور الخارجية، أتكلم عن أب لم يقم بالواجب المطلوب؛ ستدفع الثمن، هكذا باختصار. وحينما ينشأ الولد مؤدبًا يكون في بلوغه مهذبًا، تؤثر الأشياء به في القلب.
حد السيف عند الضرب يصبح حساسًا في القلب، يعني عنده الوازع. فإذا كبر وأصبح يسير في الحياة ونظر للحرام، يصبح يحز في نفسه. ليش بعض الشباب اليوم يعيشون علاقات محرمة ولا يشعرون؟ لأن الأب لم يزرع الوازع الديني في الصغر. لكن الأب الذي يخوف من الله والدار الآخرة، ويزرع عند البلوغ أهمية الدنيا وقيمة أنك مكلف، هذا عندما يكبر ابنه ويواجه فتن الحياة، يصبح حساسًا للذنوب والمعاصي.
بعض الشباب غافل، طُبع على قلبه، خُتم على قلبه، يفعل المنكرات والموبقات وهو غير حساس للذنوب والمعاصي؛ ما السبب؟ لم يوجد من يزرع فيه الوازع الديني، أبوه لم ينضج هذه الفكرة. أهم شيء أن تزرع في ابنك الوازع الديني؛ أخي الكريم ابنك لن يبقى معك طول الحياة، ابنك متى سيبقى معك؟ خلاص عشرين أو خمسة وعشرين سنة ويتزوج، الله يسهل عليه، فغدًا سيعتمد على ماذا؟ على الوازع الذي زرع فيه.
ازرع فيه الوازع الديني كما قال الزميل: «تؤثر الأشياء به في القلب تأثير حد السيف عند الضرب». كيف السيف إذا ضرب شيئًا يؤثر فيه؟ كذلك تصبح المعاصي والذنوب والطاعات والخيرات كلها تؤثر فيه، فينشط للطاعة وينشط للخير، وفي نفس الوقت يغضب ويضيق عند المعصية وينفر منها؛ لأن قلبه زُرعت فيه البذرة الصالحة.
وتنتقش في قلبه محبة لربه وطاعة ورغبة؛ هذا الطفل الذي كبر على مائدة القرآن وعلى أساليب التربية، سينشأ في قلبه محبة الله، سيترعرع على حب الدين، سيترعرع على حب العلم وبغض المعاصي والذنوب؛ لأن الأب كان ناجحًا في زرع هذه القيم فيه عند الصغر.
«لكل ما يدني من الجنان ويلتزمها دائم الزمان». قوله: «ورغبة لكل»؛ كلمة «رغبة» مرتبطة بالبيت الذي يليها، ما يسمى في اللغة تضمينًا، أن يكون نهاية البيت مرتبطة ببداية البيت اللاحق، فقوله: «ورغبة لكل» يصبح عنده رغبة لكل ما يدني من الجنان.
لماذا هذا الشاب يحب العلم وصلاة الفجر ويغض بصره، بينما ذاك الشاب يحب العلاقات النسائية والنظر للحرام والسوشيال ميديا؟ ما الفرق بين هذا وهذا؟ الاثنين أبناء عمومة، لكن هذا محب للعلم ومجالس الخير والصحب الصالحين ويبكي على فوات صلاة الفجر، وذاك يبكي على فوات زميله أو صديقه الجامعي وعلاقاته المحرمة؛ هذا يبكي على طاعة وذاك يبكي على معصية.
ليه؟ التربية والتنشئة. هذا أبٌ عوده من الصغر حب مجالس الخير فأصبح يبكي على فقدها، وذاك والده من الصغر عوده الحرص على النعم والأكل والجشع، وعلمه الاختلاط والمسابح المختلطة والمجالس المختلطة ورؤية الحرام، فلما نشأ كبيرًا اختلف الهم. هذا يبكي، وبعض الشباب ترى يبكي على خسارة فريقه في السوشيال ميديا، إذا خسر فريق في كرة قدم يبكي وعمره عشرون أو ثلاثون سنة يبكي مثل الأطفال، وذاك يبكي على صفحة من القرآن لم يتقنها.
لماذا اختلف الهم في البكاء؟ اختلاف الهم في التربية بالتأكيد وارد. هذا عوده أن يبكي على الأمور الشريفة، وذاك عوده أن يبكي على الأمور الدنيئة؛ فخرج طفل يبكي على كرة قدم وصحبة نساء وفوات دنيا، وذاك يبكي على صلاة فجر ذهبت، وأخرى ضاعت، وفوات طاعة ومجلس علم لم يحضره. اختلف الهم لاختلاف الأب والأم، سبحان الله. وإن وقعنا الولد بغير ما قلنا به أضعها، أضحى كذبًا نهما، أما إذا نشأ الصبي على طرائق ليست هي الطرائق الصحيحة في التربية.
الطرائق التي قدمها، فإنت ستدفع الثمن. باختصاص ينشأ طفل فقال: أضحى أصبح كذوبًا، لأنه تعلم الكذب، راح يصير كذابًا. علمته أنهم في الطعام والشراب، سيخرج ابن شغله الشاغل المطاعم والمشارب والمقاهي والجلسات العامة. إذا وقع نشوء الولد بغير ما قدمناه في القواعد السابقة، فإنه أضحى أن يصبح كذابًا في أقواله، حريصًا على الدنيا في أفعاله، مفاخرًا مباهيًا للناس، ملازمًا للمتكبر، يستطيل على الناس، يتباهى على الناس، ملازمًا لطبائع الخساسة والمروءات والصفات القبيحة كلها.
ستجتمع هذه الصفات في ولدك وأنت كنت السبب؛ لأنك لم ترسم قصة النجاح، لأنك لم تبدع في رسم صورة جميلة لهذا الطفل في المستقبل. دائمًا أقول: الإنسان عندما يكبر هو نتاج صورة جميلة زرعها الأب في الصغر. أنت هي الصورة الجميلة لما زرعه والدك فيك، اللهم إلا بعض الشباب الذي قد يكون غير مهتم، لكن تلقفته بعض البيئات الجيدة فصنعت فإنه صالحًا. فما أقوله هو على الأغلب وليس على الإطلاق، مثل القاعدة الفقهية: أغلبية وليست كليّة.
المهم، ما أذكره على الأغلب أن الطفل عندما يكبر ويصبح رجلًا هو صورة جميلة زرعها أو صنعها الوالد، أو صورة قبيحة من صنع الوالد. من صنع صورة جميلة سيحصد زرعًا جميلًا، ومن زرع صورة قبيحة سيحصد زرعًا قبيحًا. كلامنا لنفسه لا يستمع، قد صار طبع الشر فيه منطبعًا. الشاب سيء، خلاص نشأ سيء الطباع؛ لأن والده لم يهتم به، فالنصائح التي كنا ننصحه بها وكل ما نسجره وننهاه عنه لن يستمع كلامنا.
النصائح التي نوجهها له لا تجد أثرًا. بعض الآباء، حرام، مثل الساعات وهو يناقش ابنه: «يا بابا هذا غلط، يا بابا كذا». فاته القطار؛ هذا الابن بعد الـ 13 أو 14 أو 15 سنة يصعب جدًا أن تبدأ تأسيس فكرة غيبت عنه خلال ثلاثة عشر عامًا. تقول له: «الجوال خطأ»، طب خلال 13 سنة عمرك قلت له الجوال خطأ؟ منعته من الجوال؟ حرمته منه؟ لا، الآن بعد ما صار عمره 15 و16 وشفته ما يعرف يحكي مع الناس وعند انعزال وانفصام حياتي وعنده مشكلة في عقله لكثرة الجوال، الآن أصبحت تقول له: «يا بابا الجوال خطأ». إخواني، انتبهوا على أطفالكم قبل أن تجبس أعوادهم. هذه الحياة عليك أن تفهمها، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا.
قال رحمه الله تعالى: «فَيَنْبَغِي لِلْوَالِدِ التَّعَنِّي بِكُلِّ مَا بَنَتْ وَكُلِّ ابْنٍ»؛ أي ينبغي للوالد. إذاً رحلة التربية هي رحلة تعب ورحلة فيها نصب، لكن بإذن الله عند الصباح يحمد القوم السرى، لما تشرق الحياة على طفلك وتجده عالمًا منتجًا مفكرًا، شابًا خلوقًا محمودًا في الدنيا والآخرة، ستحمد الله أنك تعبت. ستقول: «الحمد لله تعبت صغيراً لكنني نلت»، أو «تعبت عليه وهو صغير لكنني نلت عندما كبر». لذلك التربية هي عناء، ومن يريد تربية بلا عناء فهذا لم يفهم التربية. وكلما اشتدت الفتن، اشتد العناء في التربية، وكلما اشتدت الفتن والمدخلات السيئة والمغريات في الحياة سيشتد بلاؤك في عملية التربية وصناعة الابن الناجح.
فينبغي للوالد التعني بكل ما بنت وكل ابن، وقدم البنات حتى لا يظن أنه أهمل ذكرهن، فالاهتمام بالبنات كما يهتم بالابناء في التربية، لكن كل شخص له ما يصلحه ولهما، فالاهتمام يكون بتربية البنات كما يهتم بتربية الأبناء، صونًا لهم عن موجب المآثم. ينبغي إذاً للوالد التعب صونًا لهم عن الآثام والمهالك. وكما مر معنا في كلام الغزال البارحة، كما أنك تحمي ولدك من نار الدنيا، عليك أن تحمي ولدك من نار الآخرة.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. فالله أمرك أن تحمي نفسك وتحمي أهلك، ليس فقط تحمي نفسك. ففي كتاب الله ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ مفهومة، أن ربنا ماذا قال؟ ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ مفهومة. وكل من يلزمك بالتربية والتأديب وكثرة التعليم والتهذيب أراد بها ربنا وقاية أهلك من النار. لو سألتك: كيف يا رب نقي أنفسنا وأهلنا من النار؟ قال: أي أراد ربنا بقوله ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ من خلال التفقيه بحضور مجالس العلم ومجالس الخير ومجالس البركة، والتأدب بتعلم الأدب ومحاسن الأخلاق ومكارم العادات ومروءات الرجال، وكثرة التعليم والتهذيب. والمتابعة المستمرة من الأب والأم، عبارة عن كاميرا مسلطة على الطفل في فترة الطفولة، في كل فعل وفي كل حين، لكن لا يعنتك كما قلنا وإنما يحسن معالجة كل موقف من المواقف.
وفي حديث للنبي ﷺ: «إن الولد بالفطرة الإسلامية يولد ويرجع بعده للهودية». عليكم أن تحسنوا قراءة هذا البيت حتى يعرف الإخوة كيف يقرأ هذا البيت، لأن فيه سكونًا كثيرًا، حتى لا يكسر البحر الشعري؛ إذا قرأته مستعجلًا ستكسر البحر. أما «الولد بالفطرة الإسلامية» فكلها مسكنة؛ «إن الولد بالفطرة الإسلامية يولد ويرجع بعده للهودية».
يقصد هنا ماذا؟ كل مولود يولد على الفطرة وهي فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. الآباء والأمهات هم المدرسة الأولى أحبابي التي ينشأ فيها الطفل، ما هي أول مدرسة ينشأ فيها الطفل ويتخرج منها؟ مدرسة المنزل، الأسرة، البيت. فأنت قد تكون سببًا في تعاسة طفلك كما قال، وقد تكون سببًا في سعادته. تكون سببًا في تعاسته إذا أغفلته، وتكون سببًا في سعادته إذا ربيته وأحسنت توجيهه.
كيف ذلك؟ يهوداه والداه، يعني إذا كان تعيس الحظ يهوده والده فيكون سببًا في قذفه في النار، إذا كان عقيدتهم النصرانية، وقد يمجساه إذا كانت عقيدتهم المجوسية، أو يكون سببًا في إلحاده أو شيء من هذه الأشياء. كثير من الآباء اليوم يعاني، يقول لك: «ولدي عنده شكوك في الإسلام، ولد ملحد»، طب تعالوا! والله وديته يدرس في أمريكا! أنت دمرت، كنت سببًا في دمار ولدك لما درسته في بلاد الكفار فتعلم عندهم فتأثر عقله.
بعقودهم، نعم، ليس شرطاً كل من ينشأ هناك يعود بذلك، لكن الأصل أن لا تذهب بابنك إلى تلك الديار؛ فالعقيدة أغلى ما يملك. تربي ابنك في المدارس النصرانية، وغداً يدرس في أمريكا وبريطانيا، وبعد ذلك ابصر كذا من يتزوج، ثم يقول لك الولد الحق، ما هي النتيجة الطبيعية؟ أن الولد يلحد لأنه ما في شيء صح في الحياة، من بداية الحياة لنهاية الحياة خطأ.
فأنت ماذا فعلت له لئلا يلحد؟ هل حضر مجلس علم؟ هل اخترت له؟ هل انتقيت له المحاضن الطيبة في الدراسة المدرسية والجامعية؟ أم الأمور هكذا تأتي كما تأتي الرياح؟ عليك أن تنتبه حتى لا تدفع الثمن، فإنهما يشتركان في الثواب.
سأعطيك الفائدة حتى أنت تتشوف إلى التربية، يقول: أنت إذا تعبت وتعنيت في تربية ابنك، كل حسنة وكل طاعة سيفعلها ابنك في المستقبل هي في ميزانك؛ الوارد والوارد، أليس كذلك؟ تخيل أن ابنك خرج عالماً وأسلم على يديه فئات الآلاف والملايين من البشر، كل هذا في صحيفة والده، حسنات تأتيك وأنت مرتاح في قبرك إن شاء الله. وتخيل أن ابنك خرج مغنياً لسوء تربيتك، وطبعاً أصبح يسمعه مئات الآلاف، كل ذلك في صحيفة وزرك وأنت تشقى في قبرك.
«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ما تقول لي والله ابني طلع مغنياً ولا ابنه طلع عالماً، هذا أنت من تزرعه. ففرق بين من يخرج ابنه عالماً داعياً موجهًا واعيًا مثقفًا يعلم الناس الخير، ومن يخرج ابنه راقصًا أو راقصة أو صاحب ألعاب إلكترونية فقط هدفه إغواء الشباب لهذه الألعاب؛ فهذه رياضة صبيان، هذه منظومة وسماها باسمها.
يعاد العلماء المنظومات في بداية الكتب، لكن هو سمى منظومته في نهاية الكتاب، فماذا قال؟ فهذه الأبيات التي قدمتها هي «رياضة الصبيان»، أي سميتها رياضة الصبيان. والتربية والتأديب يسمى رياضة عند العلماء، عملية التأديب والتربية إيش تسمى؟ نحن نسمي الرياضة الركض والجري، لا؛ في كتب هناك «رياضة النفس»، يعني تأديبها وتهذيبها، وهذا من أعظم أنواع الرياضات، بل هو أعظمها؛ رياضة النفوس على الطاعة. فهذه المنظومة سميتها رياضة الصبيان أي تأديب الصبيان.
جمعت لك أيها الإنسان، يا طالب، يا أيها المتعلم، هذه المعاني منظومة وليست منثورة؛ النظم والشعر. فهذه أفكار في تربية الأبناء جمعتها لك نظماً، ولماذا جعلها نظماً؟ ليسهل حفظها والرجوع إليها ومراجعتها ومدارستها بين الطلبة وأهل العلم والمهتمين بهذه الأبواب والجوانب.
فهذه «رياضة الصبيان» جمعتها منظومة المعاني، مفيدة لكل من رآها ودبر الأشياء بمقتضاها، والله مفيدة لكل من درسها وتعلمها وأخذها وهو يريد التطبيق والعمل، وليس فقط يريد إجازة في كتابه أو شيء ويغادر هذا المجلس، جزاه الله خير الشيخ في التربية ثم يغلق الكتاب. لا، هذه للعمل إخواني. وهذه المنظومات وهذه الدراسة في كل الكتب، ليس فقط هذا الكتاب؛ كل ما قرأناه في العقيدة الواسطية والكبائر الفقهية، كل هذا إنما يدرس ليعمل به، وليس ليجاز به الإجازة، هذا مما يستأنس به فقط في الحياة، وإنما المقصد من هذا العلم أن يورثك عملاً وقرباً من الله سبحانه وتعالى.
فهذه «رياضة الصبياني» جمعتها منظومة المعاني، مفيدة لكل من رآها ودبر الأشياء بمقتضاها، يعني دبرت أمور التربية بناء على هذه القواعد التي درستها. والله يهدي الكل للرشاد، به استعنت فهو خير هاد؛ هذه المنظومة بالدعاء، لأن النهاية في النهاية مهما كنت حريصاً ومهما بذلت الأسباب، فالنتيجة هي بين يدي الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب الأمر من قبل ومن بعد.
قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]، به استعنت فهو خير هاد؛ فخير من يستعان به، وخير من يتوكل عليه، وخير من توكل عنده أطفالك وأبناؤك، وخير من تودعه فلذات الأكباد هو الله سبحانه وتعالى. فدائماً احرص على أن تدعو لأبنائك، هناك جانب تربوي ظاهر وهناك جانب تربوي خفي بينك وبين الله، وهو أن تدعو لأبنائك بالصلاح، ادعوا لأبنائك أن يسددهم الله، وأن يوفقهم الله، وأن يعينهم الله على زمن الفتن، وأن يعينهم الله على الصلاح في قابل الأيام، فإن الله هو الحفيظ، احفظ الله يحفظك.
ثم الصلاة بعد حمد ربي على النبي المصطفى من كعب، وكل آل لـ...؛ لأنه ﷺ يعود نسبه إلى كعب بن لؤي، نسبه الشريف يرتبط بكعب بن لؤي، لكن هو ذكر كعب دون غيره حتى يصلح معه الوزن الشعري أو القافية والروي. لماذا ذكر كعب؟ هل لمزية في كعب؟ لا، وإنما لأنه المناسب لإيقاعته.
ما القافية التي عليها المنظومة؟ هي ليست قافية واحدة، لأن هذه المنظومات الأدبية القديمة -للأسف ما يعتني بها العلماء كما يعتني بها الشعراء الجاهليون وغيرهم بأن تكون القصيدة على باب واحد- لا يأتي بها على خمسين قافية، الهدف عنده هو أن يمضي لك الأفكار ليسهل عليك حفظها، لكن هل يلتزم بقواعد الشعر العربي أن تكون القصيدة على واحدة؟ هو يحرص قدر الإمكان أن يكون الشطر الثاني موافقاً للشطر الأول، وهذا الذي ستلاحظه في المنظومة؛ أنهم يحرصون أن يكون الشطر الثاني يختتم بالحرف الذي يختتم به الشطر الأول. فهنا مثلاً قال: «ثم الصلاة بعد حمد ربي» (باء)، «على النبي المصطفى من كعبي» (باء). لكن هذه المنظومة عليها قافية معينة، وهذا كثير في المنظومات المتأخرة لأهل العلم، لأنهم كما قلنا ليس هدفهم أن يكتبوا معلقة تعلق على إصدار الكعبة، وإنما هدفهم أن يأتوا بأفكار منظومة يسهل عليك حفظها وتدارسها والتنبه لها.
ثم الصلاة بعد حمد ربي على النبي المصطفى من كعبي، وكل آل للنبي وتابعي. في الدعاء يحمل على كل أتباعه على دينه، وإن كان البعض يحمله على الآل بالمفهوم العقدي وهم فاطمة والحسن والحسين وعلي رضي الله عنهم، والبعض يدخل زوجاته في هذا، وكل آل للنبي وتابعي. «ملاح برق في سحاب هامعي»؛ يعني ابقى ادعُ الله أن يصلي على النبي ﷺ بروق البرق من بين السحاب الهامع الممطر. لمعان البرق بين السحاب الهامع هذا يبقى إلى يوم القيامة، فكأنه قال: وصلي على النبي ﷺ صلاة تدوم إلى يوم القيامة. بدلاً من أن يقول صلاة تدوم إلى يوم القيامة، عبر بطريقة أخرى؛ لاحظ مدة ظهور البرق من بين السحاب الممطر، وهذا يستمر إلى يوم القيامة.
وهذا ختام تعليقنا على هذه المنظومة المباركة، منظومة الإمام أحمد بن أبي بكر الزميلي، وهو ختام تعليقنا على الكتب المقررة في مدارج العلم في نسختها.
الثانية لعام 440 من هجرة المصطفى ﷺ. وكما حمدنا الله في البداية، نحمده على الختام؛ فما كان لهذه المجالس أن تتم، وما كان لهذه الأنفاس أن تحضر إلا بتوفيق الله وبعون الله سبحانه وتعالى.
لذلك قلنا في بداية هذه الدورة: من أهم الدعاء الذي ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم دوماً «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ فإنه لا حول لنا على طاعة الله سبحانه ولا على الثبات عليها، لا قوة لنا على حضور هذه المجالس والمواظبة عليها إلا إذا كان الله سبحانه وتعالى تجاهك، وكان الله يمدك بالخير ومدد الهمم ومدد العطاء، ويصرف الله عز وجل عنا الصوارف، ويصرف عنا الشواغل، ويقطع عنا القواطع، ويصرف عنا شر الخلق أجمعين.
فهذا هو الذي به تتم هذه المجالس ويتم عقدها. وكما تمت مدارج العلم في نسختها الأولى بحمد الله، تتم مدارج العلم في نسختها الثانية بحمد الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمر هذه المجالس، بلادنا عامرة بالخير والعلم والعقل والفهم؛ فإن هذا والله خير ما تُبنى به الأوطان، وخير ما تُؤمر به البلدان؛ مجالس العلم التي تقرب الشعوب إلى الله سبحانه وتعالى، وتعرفهم بمولاهم، وتجعلهم قريبين منه، وتصرف عنهم السوء والفحشاء.
هكذا تحفظ بلدك وتحفظ الخير، وتبنى المجتمعات وتُحمى الأسر. وهكذا تبذل وتقدم في سبيل الله؛ من أراد أن يقدم ويضحي في سبيل الله هنا ميدان العطاء، هنا ميدان البذل عند تعلم مجالس العلم والصبر عليها، والحرص على التعلم والتفقه، والجلوس بين يدي طلبة العلم والدعاة والأشياخ، والحرص على السماع منهم والتدوين من كلماتهم.
طبعاً عليك أن تعرف في ختام المجالس أن ما قلناه وما بلغه علمنا، فإنا أصبنا وأخطأنا؛ فما كان من إصابة فمن الله وحده، وما كان من خطأ فهو من ثمرة التقصير وعدم الدراية والجهل الذي ابتلينا به جميعاً. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عن الزلل، وأن يعفو عن الخطر، وأن يستر العورات، وأن يتجاوز عن الزلات؛ فإنه ولي ذلك والقادر عليه.
واعلموا أحباب الكرام، أنني لست خير هذا المجلس، ولا خير من يجلس لتجليس العلم، ولكن هذا محضو فضل الله سبحانه وتعالى على عبده. ولولا ستر الله علينا لما كنا في هذا المكان، ولولا أن الله سبحانه وتعالى يمدنا بخيره وإعطائه لما رأيتموني جالساً هنا، لكنه فقط ستر الله سبحانه وتعالى على عبد مذنب عاص. ونختم مجلسنا بخير ما يختم به وهو الدعاء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. سبحان من تعطف بالعز وقال به، سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والمنن، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام. سبحان من عز فارتفع، وذل كل شيء لعظمته وخضع، سبحان ذي الجبروت، سبحان ذي الملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت. سبحانك ربنا، سبحانك، سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، سبحانك ما قدرناك حق قدرك، سبحانك ما شكرناك حق شكرك. سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يرجع الأمر كله على نيته وسره، فأهل أنت أن تُحمد، وأهل أنت أن تُعبد، وأنت على كل شيء قدير. اللهم لك الحمد على نعمك العظيمة وآلائك الجسيمة، اللهم لك الحمد على مجالس العلم، اللهم لك الحمد أن اصطفيتنا لتعلم دينك وحمل لواء شريعتك. اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً، اللهم إنا نسألك قلباً خاشعاً وعيناً دامعة يا رب العالمين. اللهم افتح علينا فتوح العارفين، اللهم يسر لنا سبل العلم وتحصيله، اللهم يسر لنا كل عسير يا رب العالمين. اللهم أعنا على الحفظ والفهم، اللهم افتح لنا مغاليق العلوم ويسر لنا كل عسير يا رب العالمين.
اللهم إنا نستودعك ما حفظناه وما تعلمنا، اللهم فزدنا علماً وعملاً وإخلاصاً وتوفيقاً وهداية وتقى يا رب العالمين. اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، ووفقنا ولا تخذلنا يا رب العالمين. اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا حجة علينا، وشاهداً لنا لا شاهداً علينا. اللهم لا تسود وجوهنا يوم نلقاك بأن نكون قد طلبنا العلم لسواك. اللهم اجعل ما تعلمناه سبباً في نجاتنا ولا تجعله سبباً في هلاكنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أصلح نياتنا، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، اللهم طهر أعمالنا من الرياء، اللهم طهر قلوبنا من الكبر، اللهم طهر قلوبنا من العجب، اللهم طهر قلوبنا من الاعتماد على أنفسنا؛ فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك. اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا يوماً نلقاك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وأصلح سرائرنا يا رب العالمين. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، أنت القوي ونحن الضعفاء. اللهم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم إنا نسألك بعزك وذلنا، ونسألك بقوتك مع ضعفنا، وبغناك مع فقرنا، أنت الغني ونحن الفقراء. ندعوك دعاء المساكين، ونبتهل إليك ابتهال الخائف الذليل؛ دعاء من خضعت لك رقبته، وذل لك جفنه، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه.
نسألك يا ربنا أن تغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، بطولها وجلها، صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، ما علمنا منها وما لم نعلم. اللهم رحمتك أوسع من ذنوبنا، ففي رحمتك نرجوه، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم إن رحمتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى من أعمالنا، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
إلهنا، يا من أظهر الجميل وستر القبيح، ولم يؤاخذ بالجبير ولم يهتك بالستير، يا عظيم الصفح، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، اللهم اغثنا برحمتك، واشملنا بعفوك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعتق رقابنا من النار. اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة برفقة نبيك ﷺ وعبادك الصالحين.
يا ربنا، كما أنعمت علينا اليوم بالتمام، اللهم فإنا نسألك حسن الختام. اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا «لا إله إلا الله». اللهم بيض وجوهنا يوم نلقاك، اللهم بيض صحائفنا يوم العرض عليك يا رب العالمين.
اللهم أصلح ما فسد من أمة محمد ﷺ، اللهم أصلح ما فسد من أمة الإسلام. اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى من تكلنا؟ إلى عدو يتجهمنا أم إلى طبيب ملك هو أمرنا؟ إن لم يكن منك علينا غضب فلا نبالي، ولكن رحمتك أوسع لنا. نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك من كلك. لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا ومن له حق علينا يا رب العالمين. اللهم اجزِ عنا الشيخ إبراهيم خير الجزاء، اللهم أمده بالصحة والسلامة والعافية، اللهم بارك له في عمره وبارك له في علمه وعمله وبارك له في أهله وعقبه يا رب العالمين. اللهم اجعل ما يقدمه له يوم يلقاك، واجعله يا ربنا للمتقين إمامًا. اللهم صب عليه الخير صبًا، اللهم زده علمًا وعملًا وتوفيقًا وسدادًا يا رب العالمين.
اللهم اجزِ مكاني عن غراس خير الجزاء، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اجزِ عبدك عبد الرحمن ذاكر عنا خير الجزاء، اللهم بارك له في أهله وماله وعقبه يا رب العالمين وانفع به الإسلام والمسلمين. اللهم اجزِ عنا أهل هذا المكان خير الجزاء، مؤسسة مدارج، اللهم اجعلها منارة للعلم والدعوة والإصلاح يا رب العالمين، واجزهم عن الإسلام خير الجزاء.
اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظ أهل هذا البلد المبارك، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا وذرياتنا بخير فوفقه إلى كل خير، ومن أرادنا وأراد بلادنا وأهلنا وذرياتنا بشرًا فاشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. يا قوي يا عزيز، اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه نبيك ﷺ وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من كل شر استعاذك منه نبيك ﷺ وعبادك الصالحون. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وفعلاً. كما قال أخونا، هناك أناس كثيرون يستحقون الشكر من غراس وأكاديمية غراس، نشكر مركز مكاني الراعي الرسمي لأعمال أكاديمية غراس، والدكتور عبد الرحمن ذاكر بالتحديد على الجهود المضنية التي يتحملها في سبيل إقامة هذه الدورات على كافة الأصعدة. أيضًا نشكر مؤسسة مدارج، والمشرف عليها الشيخ رأفت المصري، جزاه الله عنا خيرًا على استقبال هذه الدورات.
وأنا أشكر أيضًا كل من دعم وآزر ماديًا ومعنويًا في إقامة هذه المجالس. أنتم ترون ربما الإنتاج النهائي، لكن حقيقة الإنتاج المادي والمعنوي والجهد الذي بذله كثير من الأطراف من أجل أن تحيا هذه المجالس ومن أجل أن تعمر هو جهد كبير متواصل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ بلادنا وخيرها، أرضها وسماءها، شيبها وشبابها، رجالها ونساءها. نسأل الله أن يديم على بلادنا هذا الخير وهذه المجالس الطيبة التي حُرمت منها كثير من البلدان واشتغلت بالفتن، فهذه المجالس وقاية من الفتن، وهي حفاظ على الخير، وهي حماية للأوطان وعمارة لها. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا نبني هذا البلد بسواعد طلبة العلم وبسواعد الجادين الذين يبحثون عن خيرها ورشادها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ننتظر الآن الدقائق المعدودة أحبابي الكرام لصلاة المغرب، ثم بعد ذلك إن شاء الله نشرع في مراسم حفل الختام لهذه الدورة المباركة، وجزاكم الله جميعًا أيها الحضور خير الجزاء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. طبعًا الإجازات ستوزع في آخر حفل الختام، الإجازات والأناشيد والأسانيد والشهادات ستوزع في آخر الحفل، ونرجو من الجميع البقاء، فبقاؤكم بقاء لهذه المجالس بإذن الله.
تنطلق أعمالنا إلى بني مجد الغد، حياكم الله أحبابنا الكرام. نرحب بكم في حفل ختام الدورة العلمية المكثفة. السلام عليكم وتحية، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
نكرر الترحيب بكم أحبابنا الكرام، فحياكم الله جميعًا معاشر طلبة العلم في حفل الختام للدورة العلمية المكثفة "مدارج العلم" في موسمها الثاني. والحمد لله أن تمت عشرة أيام برمتها، خاتمين لثمان من المصنفات العلمية مع التعليق عليها، مرددين: "لولا الله ما كنا وصلنا". فمرحبًا بالشباب المحسنين، فعال، عزموا المسير وسدوا، وسددوا أقوالًا.
شهدنا هنا مجلس قوم موقنين بأنه لا يذوق طعم الشهد إلا من تجرع مر السهد، ولا يرتقي لمراتب المجد إلا من كان همه الجد والعمل. يشدون من أجر بعضهم البعض، ناهلين من بساتين المعرفة، مقتبسين من مشكاة النبوة، راجين من الله جل جلاله فتوح الخير، آملين رفعة الأمة. فأكرم يا ربي بنفوس ما أعظمها. لم تكتمل لذة مجالسنا إلا بكم، ولم تكن لتزهو لولا وجودكم والأثر الممتد ممن يتابعنا عن بعد، لذا آثرنا أن نشارككم دقائق معدودة لتكون ذكرى لكم، لتعودوا لها كلما مرت مدارج على خواطركم. نشاهد أحبابنا الكرام الفيديو الختامي الخاص بالدورة العلمية المكثفة "مدارج علم 2".
سرنا ما وجدنا من إقبال على خير العلوم وأشرفها، والله إن هذا الإقبال لمن المبشرات التي نعول عليها. وكما قال الشاعر: تسعى إلى طلب العلوم صباحًا ... وتخوض في درب الجهاد كفاحًا أبشر بوعد نبينا وحبيبنا ... للسالكين إلى الطريق نجاحًا في جنة إن كنت ممن أخلصوا ... بذل المساعي غدوة ورواحه ما خاب من يدعو العظيم مؤملًا ... يرجو الكريم المنعم الفتاح
جل جلاله. والشكر الموصول لكل من صابر وثبت، ولكل من لزم ثغره وأكمل مسيره، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحبب العلم إلى قلوبكم، ويزيدكم همة وقوة، وألا يخيب عزائمكم.
نتابع، حيث تحدثنا عن شكري لمن ذلل لنا سبل هذا الخير وما نحن فيه بعد فضل الله سبحانه وتعالى. لما وفينا مشايخنا حقوقهم فحسبهم رفعة ومكانة، إنهم يحذون حذو الأنبياء، فجزاهم الله عنا خير ما جزى معلم عن طلابه. ونسأل الله أن نكون غرسًا يتذوق الإسلام من ثماره بعد فضل الله ثم فضلهم. قوم كرام السجايا حيثما حضروا يبقى المكان على آثارهم عطرًا.
والآن نترككم مع كلمة لشيخنا الشيخ إبراهيم رفيق الطويل، المشرف العام على أكاديمية غراس العلم، عسى أن تكون ميثاقًا لنا لنكمل المسير في دروب الخير.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
إذا كان أهل الدنيا يفرحون بدنياهم، وإذا كان أهل اللهو يفرحون بلهوهم، وإذا كان كل صاحب دنيا يفرح بما ذهب إليه، فنحن نفرح اليوم بهذا الإنجاز وبهذه النتائج التي وصلنا إليها في "مدارج العلم" في نسختها الثانية بحمد الله وفضله ومنته. هنا نفرح ونسر عندما نرى البنين والفتيات، عندما نرى فلذات الأكباد والشباب الصغار يتهافتون إلى مجالس العلم، إلى هذا الخير العظيم؛ يريدون أن ينهلوا من المعين العذب، يريدون أن يسمعوا كلام الله وكلام النبي ﷺ، يريدون أن يجددوا البوصلة ويعيدوا توجيه الطريق إلى الله سبحانه وتعالى في يوم وزمن تاهت فيه الأفكار وحارت فيه العقول والرجال.
نحن هنا في مدارج العلم نعيد توجيه بوصلتنا جميعاً إلى ربنا سبحانه وتعالى. كما قال الأخ المقدم: بكم نفخر، وبهذا الحضور المهيب نفاخر الدنيا بهذه الثلة الطيبة، بهؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزدناهم هدى، بهذه الوجوه التي كانت -بعد توفيق الله أولاً وآخراً- سبباً كبيراً في استمرار هذا العطاء وفي استمرار هذا الإنجاز.
في موسمنا الثاني في مدارج العلم، بحمد الله ومنته، أكثر من 700 طالب وطالبة يحضرون وجاهياً هذه المجالس. وفي موسمنا الثاني 600 إجازة بالأسانيد المتصلة لأهل العلم الكبار -رضوان الله تعالى عليهم- توزع على الشباب والنساء، على طلبة العلم، على الجيل الناشئ من هذه الأمة.
هنا يا أحبابي يُصنع الرجال، وفي هذه الميادين نحمل العطاء لهذه الأمة. في هذه المجالس التي يُعرّف فيها الطلبة بتراث الأولين، نربط حاضرنا بماضينا، هنا نبني المفاخر، وهنا نصنع الرجال. هنا ينهل الشباب والفتيات من المعين العذب من تراث الأوائل والعلماء والكبار، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. هنا يا أحبابي في مدارج العلم، وفي هذه الملتقيات، وفي هذه الأفياء، وفي هذه المجالس العطرة، نسطر تاريخاً جديداً لهذه الأمة.
ربما لسنا الأفضل، لكننا نستطيع، وهذا ما نثبته في مدارج العلم في كل عام. في العام الماضي كنا النصف، واليوم أصبحنا 700، وغداً بإذن الله نكون ألفاً وآلافاً. يا أحبابي الكرام، كما قلت لعلنا لسنا الأفضل، لكنكم أثبتم أنه لا مستحيل، وأثبتم أن هذه الأمة لن تهلك بإذن الله ما دام فيها أمثال هذه الوجوه المتوضئة، وما دام فيها أمثال هؤلاء الشباب وهؤلاء الفتيات الذين يحدوهم حب العلم ويحدوهم السير إلى الله سبحانه وتعالى.
هؤلاء الشباب الذين أتوا ليُنزعوا أنفسهم من واقع الجوال ووسائل التواصل الاجتماعي ليعيشوا الواقع كما ينبغي أن يُعاش؛ على زحمة المكان، وعلى عرق الجبين، وعلى صعوبة المواصلات، وعلى زحمة هذه الحياة وعلى ما فيها من العوائق، أثبتنا لأنفسنا أننا نستطيع أن نجلس وأن نتحلق عشرة أيام كاملة لساعات متواصلة، نختم بها المصنف تلو المصنف، ونسمع كلام الأوائل، ونملأ قلوبنا حباً وانتماءً لهذا الدين العظيم.
بهذه المجالس -كما قلت قبل الختام يا أحبابي الكرام- تُبنى الأوطان، وبهذه المجالس تُحمى الديار، وبهذه المجالس نرفع فرض الكفاية عن جيلنا وعن شبابنا، وكل واحد منكم جزء في سد هذا الفرض لهذه الأمة. الحديث المشهور الذي تعرفونه في البخاري أن ثلاثة أتوا إلى مجلس علم: فإما الأول فأوى إلى المجلس فأواه الله، وإما الثاني فوجد فرجة في آخر المجلس فجلس فيها ولن يعدم الخير، وإما الثالث فأعرض؛ فأعرض الله عنه. الثالث الذي وجد تراكم العرق، ووجد شدة الحر، ووجد أزمة الطريق، فأعرض وانقطع عن هذه المجالس، فأعرض فأعرض الله عنه.
ولكن من جلس وثابر وواظب وحرص حتى النهايات، هؤلاء هم الذين نعول عليهم في تغيير معادلة هذه الأمة. هؤلاء الشباب الذين ينهلون من العلم ويحرصون على حضور مجالس العلم عليهم تُعقد الآمال وإليهم نشير بالبنان، فهؤلاء هم الجيل الصاعد من هذه الأمة.
وكما قلت لكم، مما زادني فرحاً بهذه المجالس الرؤى التي تواطأت على خيرها وبركتها؛ فقد أخبرني عشرات الشباب بالرؤى الصالحة التي رأوها في هذه المجالس، وما كتب الله لأهلها من القبول عند الله. نحسبهم عند الله كذلك ولا نزكي على الله أحداً، ونسأل الله القبول دوماً منه. لكننا نفرح ونأنس بهذه الكلمات، نفرح عندما نرى الشباب الصغار الذين ما زالوا في مقتبل العمر يمسكون هذه الكتب ويعلقون عليها، لعله لا يدري ما الذي يكتب في كثير من الأحيان، لكنه يعرف أنه يسجل علماً، يعرف أنه يسجل تاريخاً لهذه الأمة ويسطر في هذه المجالس خيراً عظيماً.
فلذات الأكباد هؤلاء أمانة في أعناقنا، فنحن لا نمنّ على أحد بهذا العلم، وإنما هي فريضة الله التي أُلقيت في أعناقنا ونحن نلقيها للأجيال القادمة من هذه الأمة. نسعى ونثابر ونجاهد بكافة الإمكانيات، وعلى وسع المكان وعلى وفق الطاقات، حتى نزرع في بلادنا جيلاً جديداً من طلاب العلم.
لعلي في يوم من الأيام كنت آمل أن أعود من مدينة النبي ﷺ لنعقد هذه المجالس ولنفرح بهؤلاء الشباب. يا أحبابي الكرام، عندما كنا صغاراً كنا نتوق إلى مجلس علم ربما يحضره العشرة والعشرون، كنا نتوق إلى مجلس علم نفتش عن المتقنين، فبالكاد والله وجدنا الأثابر من مشايخنا الشيخ صلاح الخالدي رحمه الله عليه وغيرهم من القلة القليلة التي بقيت في هذا البلد. وأما الجامعات، فإنتم تعرفونني لا أرق لها بالاً ولا أضع عندها إزاراً، فمثلها لا يرجى منها خير للأسف.
لكن مجالس العلم اليوم في بلادنا، أنتم من أثبتم أننا نستطيع أن نجمع لها ليس المئات بل الآلاف، وأن نعيد تسطير مجد جديد لهذه الأمة بهذه الوجوه الطيبة في أرض الشام المباركة؛ هذه الأرض التي هي خيرة الله من أرضه، يُشتهى لها الخير من عباده. ثباتنا في الشام وحرصنا على نشر العلم في الشام، في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، هذه عبودية عظمى في آخر الزمان. إذا كان النبي ﷺ قد أوصانا في الزمان بالسكنى في الشام، إذن الشام هي موطن الخير، وسيبقى فيها الخير وفيها كما قال كثير من العلماء سيُعز العلم في آخر الزمان. ذكر ذلك ابن تيمية وغيره من أهل العلم أن الشام سيعز إليها أهل العلم في آخر الزمان، فهي موطن بقاء السنة وإحياء العقيدة، وفيها سيحيا حديث النبي ﷺ.
وبوجوهكم المتوضئة وبسمتكم الحسنة سيبقى هذا الدين غضاً طرياً تنهل منه الأجيال القادمة. نحن يا أحبابي كما قلنا نسد فرضاً، نسد ثغرة، نقف على جبل عظيم من جبال هذه الأمة، فإياك أن يؤتى الإسلام من قبلك. اليوم أنت طالب، وغداً ستكون مدرسة؛ اليوم أنت تأخذ، وغداً ستعطي. هذه الإجازات التي تنالونها هي أمانة في أعناقكم، هذه الكتب ليست فقط كتباً تقرأ لتطوى، وإنما هي كتب تقرأ لتروى، هذه الكتب بين أيديكم، اليوم أنتم تعلمتم منها.
وعليكم أن تعيدوا النظر والتكرار فيها، وإدمان النظر، فنحن لم نخرج علماء كما اتفقنا، وإنما خرجنا لنكمل المسير بإذن الله في مدارس أخرى وفي ملتقيات أخرى. ما دام فينا عرق، وما دامت الحياة تسير، وما دام فينا قدرة على العطاء، بإذن الله سنبذل ونقدم.
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً. كما أقول لكم دوماً، كثير من الشباب يبحث عن شيء يقدمه لهذه الأمة؛ أعظم شيء تقدمه لهذه الأمة أن تكون شاباً متمسكاً بسنة النبي ﷺ. أعظم شيء تقدمه لهذه الأمة أن تأخذ علماً فتحيي أسرة لتحيي أمة. أعظم شيء تقدمه في هذا الزمان أن تتعب وتنصب لتحضر مجالس العلم لتقي نفسك من الفتن.
ذلك بعزيز على ربنا سبحانه وتعالى؛ أن تصبح الأردن في يوم من الأيام قبلة لكل من يطلب العلم، ولكل من يشدو ركاب العلماء يجدون جيلاً صالحاً نافعاً تربى على موائد العلماء، فخرجوا قادة باذلين لهذا الدين. اللهم أسألك كما بدأنا بخير أن تختم أعمارنا بخير.
أوجه الشكر في ختام هذا المجلس وفي ختام هذا الإلقاء لكل من دعم ووقف معنا من كافة الأصعدة المادية والمعنوية والأمنية، وكل الجهات التي وقفت معنا حتى استطعنا أن نقيم هذه المجالس، وهذا فضل الله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً. فاقدروا نعمة الله سبحانه وتعالى عليكم واتبعوها بالشكر والعمل، وإياكم أن يكون آخر عهدكم بهذا المجلس، وإنما هي بداية وانطلاقة أخرى من انطلاقات مدارج العلم لها ما بعدها بإذن الله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
جزاكم الله خيراً شيخنا الكريم، ونسأل الله سبحانه وتعالى يتقبل منكم وأن يبارك لكم وفيكم. حتى ننشط الشباب، نأخذ سؤالاً سريعاً والجائزة تعرفون بعد الجواب: كم عدد الكبائر التي ذكرها الإمام الذهبي في كتابه؟ ما شاء الله، ما شاء الله، بس لا نرفع، نرفع أيدينا، المايك مع الشيخ. يلا شيخنا، واحد؟ أيوه، ما شاء الله، الله يفتح عليك، شيخ الله يفتح عليكم.
ننتقل الآن إلى الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، والدكتور حذيفة الخالدي مدير مركز القراءات القرآنية، تفضلوا شيخنا الله يكرمكم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بداية أنقل لكم سلامة أخي في الله الدكتور رأفت المصري، كان ينبغي أن يكون معنا في هذا الختام المبارك لكنه عرض له عارض طارئ فاعتذر عن الحضور.
أما أنتم أيها الكرام، ففي حدود سنة 2015 عقدنا دروساً في علم المنطق مع الشيخ إبراهيم حفظه الله، وكان من عادته أن أستشير الشيخ صلاح رحمه الله -رحمه الله رحمة واسعة- أحدثه عن البرامج والأنشطة، آخذ برأيه، أستنير بتوجيهاته. فقلت له سنعقد دروساً في أساسيات علم المنطق مع الشيخ إبراهيم، فقال لي الشيخ رحمه الله: "قال الشيخ إبراهيم رجل عاقل نبيل، والمنطق إن توسعتم به لوّث علومكم وأذهانكم، فليخدم الكتاب والسنة، أما أساسيات المنطق فهذا لرفع الأمية وللمرور على أشهر المسائل فالأمر فيها واسع".
وصدق رحمه الله، الشيخ إبراهيم رجل نبيل، وما أدري هل ذكر خدمة الكتاب والسنة على سبيل الدعاء أو على سبيل الرجاء. ومرت السنوات وهو الشيخ إبراهيم يخدم الكتاب والسنة. وفرق أيها الكرام بين من يخدم العلم وبين من يطلب العلم؛ طلب العلم وصف مجمل، أما خدمة العلم فوصف محدد. الذي يخدم العلم يقدم له كل شيء، ويقدمه على كل شيء؛ يقدم ماله وجهده ووقته وصحته.
يجلس في هذه المجالس المزدحمة؛ ما رأينا الازدحام في الأردن كما رأيناه اليوم مع عدم وجود مصالح مادية. الشيخ إبراهيم لا يعطي لا بكالوريوس ولا دكتوراه، ولا يعطي وظائف ولا يعطي أموالاً، بالعكس، صندوق التبرعات على باب القاعة. فهذا الازدحام وهذا الاجتماع من طلبة العلم رغبة في العلم، هذه هي خدمة العلم على ضعف الإمكانات؛ الحر، المواصلات، الوقت المتأخر، تأتي على الرغم من النعاس والتعب وصعوبة الجلوس في هذا المكان، هذه هي خدمة العلم.
وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: «من أراد العلم خدم»، ونقول: ومن خدم العلم ناله. فهنيئاً لكم هذه الخدمة، وهنيئاً لكم هذا السعي، وهنيئاً لكم هذا الختم المبارك وهذه المجالس العلمية الربانية.
أيها الكرام، العلم دين، والعلم إن لم ينفِ الشبهات فلا خير فيه. فتجلس في هذه المجالس الربانية التي ترجع منها مقبلاً على الله عز وجل، مقبلاً على الحفظ، تشعر بالربانية، تشعر بالسكينة، تشعر بالخشوع. شتان ما بين هذه المجالس ومجالس المنطق. الحقيقة أنا فقط أتيت لأبارك لكم نزولاً عند رغبة أخي الشيخ إبراهيم، هنيئاً لكم أيها الكرام، وندعو الله عز وجل أن يبارك فيكم وأن يتقبل منكم وأن يزيدكم همة وإقبالاً ورغبة في الخير.
والعلم الأكمل والأمثل هو الذي هي المجالس المستمرة الدائمة في "مكين". نعم، هذه الجلسات التي جلسناها في الأيام العشرة الماضية إن صح التعبير هي إجازة علمية مكثفة، أما السعي والجد والاجتهاد فندعوكم الحقيقة إلى ملازمة الشيخ إبراهيم ودروسه في "مكين"، فهناك إن شاء الله تحصلون العلم الراسخ وتنالون منه كل خير. بوركتم أيها الكرام، وجزاكم الله كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طالب علم في هذه العلوم شيخ ابن شيخ، فكل من يبحث عن علم القراءات بإتقانه في هذا البلد المبارك -وإنني أسأل عن ذلك- فإن معهد القراءات في الأردن أصبح قبلة لمتّقي علم القراءات برواياتها جمعاً وإفراداً. ولعل الله سبحانه وتعالى في قادم الأيام يكتب لنا شيئاً مشتركاً لرفع وإبراز هذا العلم في بلادنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ملاحظة سريعة فقط، يخبرني بالنسبة للأخوات الذي حدث في أثناء الصلاة، انقطع المايك عندهم، فأحدى الأخوات تقدمت وصلت بمن خلفها، فصلاها وصلاة من اقتدى بها صحيحة؛ أما من كان أمامها في الموقف فهذا الذي يقضي الصلاة. إذا كانت التكبيرات سُمِعت فإنه اقتدوا بالتكبير، الأصل أنهم اقتدوا بالتكبير ولم يحدثوا إماماً جديداً، لكن أحياناً في مثل هذه الأزمات ومثل هذا الزحام تضيع البوصلة، وهذا الذي يحدث للسبب. بالتالي يا أحباب الكرام، من تقدمت فأتت وأتم بها من خلفها صلاتهم صحيحة بإذن الله، لكن من كان متقدماً عن الإمام فعليه أن يقضي، وأرجو أن لا يثير الشغب أكثر من ذلك في هذه القضية، وصلى الله على سيدنا محمد.
طيب، جزاكم الله خيراً شيخنا الكريم. طيب قبل الانتقال للدكتور عبد الرحمن، نأخذ سؤالاً آخر مع الجمهور، جاهزين المشايخ؟ لكن هذه المرة الجائزة كتاب، فالأصل أن...
تفرح بالكتاب أكثر من خمسة دنانير، صحيح؟ طيب، ما هو المصنف أو الكتاب الذي ختم في جلسة واحدة؟ ما شاء الله طلاب، ما شاء الله، صور ما شاء الله. شيخ مهند، لقيت أحد؟ بس شغل المايك، بس نسمع مشايخ الله يكرمك. خلاص، الجواب عند الشيخ، جزاكم الله خير. الله يفتح عليك، جواب صحيح، نعم، لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.
ننتقل إلى دكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي، صاحب مركز مكاني ومدرس مادة فقه النفس، أحد رعاة هذه الدورات، تفضل دكتور.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 25-28]. اللهم وجهنا لما خلقتنا له، وصفنا عما نهيتنا عنه، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به. اللهم اجعلنا من جند الخير، دلنا عليك، أرشدنا إليك، فهمنا عنك، علمنا منك، واعذنا من مضلات الفتن ما أحييتنا، وانصرنا بالإسلام وانصر الإسلام بنا، واجعلنا حجة له لا عليه، واجعله حجة لنا لا علينا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا لما أدعى عادة أترك الخواطر إلى الآخر، فيعني سرقت شوي من الشيخ إبراهيم، وشوي من الشيخ حذيفة، وفلح اليوم هو خواطر على الهوامش. أشعر في البداية أنني دخيل، الرجلان صحبة قديمة وطلب علم ومشايخ كل في مجاله. حقيقة أنا أتكلم بما في نفسي الآن، أشعر بأني دخيل على الثنائي، إيش عم بسوي هون؟ الله يعينكم علي، لكن جيد أن الواحد أحيانا بعد الوجبات الدسمة يأخذ له سناك خفيف، اعتبروني السناك الخفيف.
الأمر الآخر، أنا أتكلم الآن يمكن في أكثر من حلة. حلة الشخص الذي تفضل عليه الشيخ إبراهيم بأن يعين ببعض الأمور، والله هو متفضل عليه. ولكن الحلة الأخرى التي تجلت في هذه المجالس هي حلة الأب. أنا ابنتي تعلم الشيخ إبراهيم حضرت معكم هذه المجالس، اللهفة التي كنت أراها فيها في البيت، لهذا الرجل منها نصيب، ولهذه المجالس منها نصيب. فأقول يا إلهي، كم ممكن أن تحدث هذه المجالس في النفوس وفي الأسر، وبالتالي في المجتمعات وفي الأمم من خير إذا صدقت النوايا وأخلصت؟
وأقول لابنتي إذا كانت تسمعني الآن: ترى هذه حجة، هذه حجة الرجوع إلى البيت بهذا الكم من العلم، ينتظره الأهل أعمالا، وينتظره مساعي، وينتظره آثار نجدها. هذا الكلام لا أقوله لأنني فقط أسمع مرات من الأهالي أحيانا؛ ابني في المراكز، ولكن هذه كلمة "ولكن" وبعدها تأتي بعض المنغصات.
حقيقة يا إخوة، العلم إنما هو الفتيل الذي بعد ذلك تطبخ على قدره الآداب والسلوك والأفعال والأعمال. نحن في جماعة علم النفس نقول دائما: هنالك علم، فكر، شعور، سلوك. في هذه المجالس الأفكار والمشاعر تتقد، يبقى السلوك؛ يبقى السلوك عاد في أن يثمر فيكم فقه اختلاف، أدب، بر الوالدين، أنك لما تقوم من مكانك تترك المكان أحسن مما كان، أنك عندما تخرج يكون خروجك هادئ، تساعد الناس وتعينهم، وصولا إلى أن تمر الأيام ويبارك الله سبحانه وتعالى في هذه الوجوه ويكون لدينا نسخ متعددة، حتى ما نقلق من نوم هذا الرجل، كل ما أحد بده شغلة: "الشيخ إبراهيم، الشيخ إبراهيم اتصال تليفون". لكن لما يكون في عنا نسخ متعددة، خلاص الرجل يريح شوي ونصير نتصل بتلاميذه.
وهذا يعلم الله ليس مجاملة، أنا مشكلتي ما أعرف أجامل. الإشكال ليس في العلم فقط يا إخوة. أنا أول مرة جمعني مجلس مع الشيخ إبراهيم كان في موقف محدد لمناقشة أمر معين في مكاني، كان أول تعليق لي بعد المجلس للأخ الذي عرفني بالشيخ إبراهيم: "أنا منذ زمن ما رأيت هذا النضج". القضية ليست علماً، أنا أزعم أن العلم الذي قيل في تلك الجلسة يعرفه كثير من طلبة العلم، لكن قضية النضج أن تكون عندك فقه واقع، تعرف الحال، تعرف الظرف الزماني المكاني، البيئة، الأمن، السياسة، المجتمع، الأعراف، العادات، الأحزاب؛ هذا ليس أمرا سهلا.
ولذلك إن أردتم التخلق بما بعد جمع المعلومة، فتخلقوا بما هو أكثر من ذلك. وهذا أظنه لا يحتاج إلى مجرد دورة مكثفة، هذا يحتاج إلى طول صحبة، كما قال الدكتور حذيفة قبل قليل. هذه المجالس أشبه ما تكون بمعسكر مكثف، لكن بعد ذلك أنتم تحتاجون إلى الوجبة الطويلة الدسمة، هذه أدومها، وهذه هي التي فيها الخير إن شاء الله.
الأمر الآخر، قلتها منذ أيام في بث مباشر والبعض خشي علي أمنيا، قلت ليش تخشوا علي أمنيا؟ حكيت إنه نحن بصراحة صار لازم نطالب وزارة السياحة بكوميشن؛ لماذا؟ هنالك من صار يأتي إلى الأردن من أجل هذه المجالس. فيكم الآن شباب جاؤوا فقط لهذا المجلس ومجالس أخرى في الصيف فقط ثم يغادرون، وليسوا من أهل البلد، المغتربين، حتى ما أحد يقول يمكن من الأردنيين الذين في الخارج، لا، ليسوا من الأردنيين المغتربين، هم ليسوا أردنيين، جاءوا إلى هذا البلد من أجل هذه المجالس.
الكلام الذي ذكره قبل قليل الشيخ إبراهيم رجاء ودعاء، وأنا أرجو أن يكون قد تحقق بالفعل، بأن تكون الأردن ما هو أفئدة البعض الذين يرون فيها هذه المجالس التي تقدم في مناخ فيه أمن لا بأس به، هي مشكلة أن البلد غالية شوي، الله يعينكم عليها، لكنه ما عدا ذلك صندوق التبرعات موجود، يمكن هذا الأمر يمشي.
الأمر الآخر، أمس كنا في دورة في مجال فقه النفس، كنا نتحدث عن بعض النصوص المتعلقة بما يسمى الإبانة والتعبير. أنا عبد الرحمن ذاكر، من أجمل لحظات دورة فقه النفس عندي عندما أسرد النصوص القرآنية والنبوية وقصص السابقين من السلف الصالح فيما يتعلق بالمادة التي ندرسها، أشعر بالليل أحيانا أكون أشاهد مادة أو أستمع إلى مادة ومعي ملف الوورد لأجدده من آثار السلف من السيرة النبوية، لا أمل، وأقول أغبط هؤلاء في نفسي، أقول أغبط هؤلاء.
أنا الفقير الأمي أحتاج أني أرجع مرة أخرى وأسأل المشايخ، أتصل الشيخ إبراهيم، أروح أدور على كتاب قرأته أشار له شيخ كنا درسنا عليه. هذا الكلام الذي يتعبني، أنا أنتم ينبغي أن يكون حاضرا عندكم، وبالتالي أنتم ينبغي أن تكونوا مستودع هذه الكنوز العلمية. نحن نحتاج أمثالكم حتى نقول: شيخ فلان، أستاذ فلان، أخ فلان، المعلم فلان، أريد النص الإسلامي الذي يعنيني في هذا الأمر كذا وكذا، لكي نربط هذا الكلام بآخر.
خاطرة أو نصيحة، وقفنا على الحديث الذي كلكم تعرفونه: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة»، فطلع رجل لا يعرفه منا أحد، انتعل نعله تحت الإبط، وتقطر لحيته من ماء الوضوء.
ثاني يوم، يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، عرفتم الحديث صح؟ لما لحقه عبد الله إلى البيت وقال: «لا، حيث أبي»، واستضافوه ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام قال له، ما كان في شيء لكن الرسول ﷺ قال كذا وكذا ماذا تفعل؟ قالوا: لا شيء، لا شيء، لا شيء.
بعدين دعا عبد الله، قال: لا شيء إلا الجملة الأخيرة، أنه إذا تقلب من الليل دعا الله أن يزيل كل ما في قلبه من غل على أي نفر من المسلمين. فقال عبد الله في رواية: تلك هي والله لا نطيقها.
الذي استوقفني أمس وخطر لي الآن، سألت الإخوة في الدورة والأخوات: من يعرف هذا الشخص؟ من يعرفه؟ الرواية تقول: لا يعرفه منا أحد. تتبعت الحديث بأطرافه بشروحه؛ لا يعلم هذا الرجل، لا يعلم هذا الرجل، لكنه حجز مقعده في الجنة.
اصبروا معي حتى نصل إلى آخر خاطرة ونصيحة؛ هذا الرجل لا يعرفه أحد، وحتى في شروح الحديث لا يعرف. والغريب، ما أدري يا شيخ إبراهيم، أنت حتى عبد الله الصحابي لن يذكر من هو، لم يصرح، لكن هذا الرجل حجز مقعدًا في الجنة.
أنا أرجو من الجميع يا إخوة، أن لا ينشغل كثيرًا عندما يتخرج من هذه المجالس بأن يعرف، لكن الشغل جدًا بأن تعرف في أهل السماء، والله إذا حصلت على هذه فكل ما بعده سهل. لا تحرص على شهرة، لا تحرص على لايكات، لا تحرص على صفحات، احرص على أن تعلم في أهل السماء وأن تعلم خيرًا. وما هي المشكلة لما تكون شرفًا أن تعلم خيرًا؟ وهذا يتطلب منك قدرًا كبيرًا من الصدق والإقبال على الله سبحانه وتعالى والإخلاص.
لذلك نصيحة الخاتمة اليوم لكم، أن تفرحوا وتروحوا الآن تأكلوا كنافة وما إلى آخره، ولكن لا تنسوا أنفسكم اليوم في الوتر من الدعاء. وأقول مرة أخرى، لست مجاملًا، لكنه والله يتفضل علي لما يصر أني آتي، أنا ما أدري ماذا فعلت أصلاً.
حتى هذه المرة كنا نود أن تكون المدارس في مكين، ولكن قدر الله لشؤون فنية عندهم. ما شاء الله على هذا العدد، صار مكين الآن، إذا جاء الشباب سيأخذون صالة النساء وساعتها نخرج النساء في مكان ما.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يأجر شيخنا، وأن يأجر كل نفس كان لها يد في هذه المجالس، علمناها أم جهلناها؛ بدءًا بالإخوة الذين يقرأون، والإخوة الذين يحملون هذه الكاميرات، والذين يحجزون، والذين يقدمون. فنسأل الله سبحانه وتعالى لهم جميعًا الأجر والإخلاص وصلاح العمل، وأن يكون هذا كله بين يديه عندما نلقاه، وأن ينعم علينا جميعًا بلذة النظر إلى وجهه الكريم، ولذة صحبة محمد سيدي وحبيبي ومعلمي وقدوتي وشفيعي بإذن ربي.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
نكرر الترحيب بكم أحبابنا الكرام، نسأل الله سبحانه وتعالى يتقبل من الجميع. نطلع سويًا على بعض الإحصائيات التي أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها في هذه الدورة المباركة؛ إحصائيات برنامج مدارج العلم لموسمه الثاني: بلغ عدد المشاهدات لمتابعي البث المباشر بفضل الله سبحانه وتعالى خمسة وعشرين ألف مشاهدة، وبلغ عدد الحاضرين وجاهيًا ما يفوق 500 طالب وطالبة علم، وعدد المشاركين والمشتركين في هذا البرنامج المبارك بلغ 1570 مشتركًا. عدد المجالس عشر مجالس، عدد المصنفات ثمان مصنفات، وعدد الساعات 43 ساعة من العلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من الجميع.
سننتقل أيضًا لعرض تعريف سريع عن أكاديمية غراس العلم وبعض الإحصائيات الخاصة، لكن قبل هذا نستضيف أحد المشايخ الكرام، وهو من خارج البلد، من جمهورية مصر العربية، موجود الشيخ.
السلام عليكم ورحمة الله. معذرة، أنا أفتح الكاميرا، ممكن الناس لسه خارجة من صلاة العشاء على سطح الحرم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا جميعًا خالصة لوجه الكريم. الصوت واضح والكاميرا تمام؟ واضح الحمد لله.
حتى لا أطيل عليكم؛ أولًا: جزاك الله خيرًا كل من ساهم في نشر العلم في هذه الأوقات التي تناهى فيها نشر الرموز على أنهم هم الأبطال في هذا الوقت، ينبغي أن تزاحم هذه الأمور، وأن ينشر العلم النافع، وأن يقترب الناس من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ.
النقطة الثانية: ما دام أشكر الناس لم يشكر الله، فلا بد الإنسان أن يشكر الذين يقومون على هذه الأعمال، سواء عرفوا أو لا يعرفهم، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعرفهم.
النقطة الثالثة: دعوة للاستمرار؛ ينبغي للإنسان أن يستمر في العمل الصالح والعلم النافع، فدائمًا خط البداية يكون مزدحمًا بالناس، لكن خط النهاية قليل من يصل. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: 1-3]. بالرغم أنهم آمنوا وعملوا الصالحات ووصوا بالحق، لكن ختم الله سبحانه وتعالى هذه الأوصاف التي ينجو الإنسان منها من الخسران بقوله سبحانه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾.
فلا بد الإنسان أن يصبر، كدورة آل عمران حينما كان هناك مزاحمة للشبهات، ختم الله سبحانه وتعالى السورة: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 200]. فلا بد أن يستمر، لا يكتفي بالاشتغال الأول في أي عمل من الأعمال؛ فالاشتغال الأول في أي عمل له متعة، قد تنطفئ هذه المتعة بعد ذلك، وتذهب هذه اللذة، ويبقى الإخلاص، والإنسان يدفعه رغبته الحقيقية في تحقيق الثواب، ويظهر الذي أراد: ﴿وَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: 5]. الله سبحانه وتعالى هو الذي يستمر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يستعملنا.
النقطة الرابعة: أن الذين يسيرون في هذا الطريق ويفتح الله سبحانه وتعالى لهم من خيراته وفضله وكرمه ويستعملهم في هذا الباب، فمعيب عليه أن يترك هذا الباب بعد أن فتح له؛ فهذه نعمة تستحق الشكر. ومن شكر النعمة أن يوفق ويتعلم، فقد اصطفاه الله سبحانه وتعالى من بين الملايين أنه يتعلم.
عن الله وعن النبي ﷺ، من شكر هذه النعمة أنه يستمر، وهذه أعظم عمل صالح يقدمه الإنسان: الاستمرار. فقال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا»، ان تقرب إليه ذراعا تقربت إليه باعًا. فانظروا إلى هذا الرجل الذي لم يكتفِ بالشبر الأول في علاقته بالله سبحانه وتعالى.
وذكر الإمام ابن كثير في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ۙ يَدُ اللَّهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] الآثار، لكن معناه قال: من سل سيفًا في سبيل الله فقد بايع الله. والمعنى الذي يذكره كثيرًا شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجهاد والعلم السيري فيهما قد يوجب على الإنسان الاستمرار ما لا يوجب على غيره، فالذي يفتح له في باب من أبواب الدين لابد له أن يلزمه، وهذا من شكر هذه النعمة. فالذي فتح له في باب من أبواب التعلم أو التعليم أو خدمة المسلمين ينبغي له أن يحفظ هذه النعمة ونشكر هذه النعمة.
وحتى لو أطلت عليكم، أنا معذرة الصوت أو الصورة غير مناسبة، لكن أحببت أن أجيب إخواني الفضلاء على هذه الدعوة ليشكرهم أولًا على هذه الجهود. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منكم صالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا جميعًا خالصة لوجهه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خير شيخنا. ننتقل إلى ذكر إحصائيات تعريف سريعة في الأكاديمية، لكن نأخذ سؤالًا بعدها، ما رأيكم؟ نأخذ سؤالًا قبلها؟ تمام، نأخذ سؤالًا. بينما أنا أنقل السلك، كم عدد المجالس التي تم ختم كتاب الشمائل المحمدية ﷺ فيها؟ كم مجلسًا أخذنا في ختم هذا المصنف؟
ارفعني بالله الشيخ، ثلاث مجالس؟ إجابة نهائية وللأسف إجابة صحيحة. ما شاء الله، هذا كم عمره؟ الشيخ يسعده، ما شاء الله، عشر سنوات، ما شاء الله، من أحد الشباب الحاضرين في الدورة، عسى الله أن ينشأه صالحًا.
من الكرام، نتابع تعريف وعرض أكاديمية غراس العلم. كما تعلمون أحبابنا، أكاديمية غراس العلم هي أكاديمية شرعية تهتم وتعنى بدراسة العلوم الشرعية، بخطة تقصيرية ومنهجية علمية تقوم على التدرج بطالب العلم في ميدان علوم المقاصد وعلوم الآلات، لترتقي به حتى يصل إلى الحد الذي يستطيع به أن يخوض غمار كتب أهل العلم من المتقدمين، وذلك طبعًا كما تعلمون تحت إشراف شيخنا الشيخ إبراهيم رفيق الطويل حفظه الله. وبداية الأكاديمية كانت تقريبًا عام 2017.
وهذه جملة من البرامج التي تعنى بها الأكاديمية، من ضمنها البرنامج العلمي التخصصي، وعندنا أيضًا برنامج رياض الجنة، وبرنامج مدارج العلم الذي أنتم تحضرون فيه الآن في موسمه الثاني، وأيضًا برنامج وتزودوا الرمضاني، وأيضًا برنامج النادي الأدبي، وأيضًا عندنا فريق مدارج العلم، والآن اسمه فريق مجتمع فتيات غراس.
البرنامج العلمي التخصصي يتكون من خمس مستويات، 33 مقررًا في مختلف العلوم الشرعية، تم تجهيز 16 مقررًا في هذه المقررات على شكل دروس مصورة، تم إطلاق سبع دفعات، ووصل عدد المشاركين في هذا البرنامج فضل الله سبحانه وتعالى إلى 5000 طالب وطالبة.
برنامج رياض الجنة برنامج مستمر وجاهي، يعقد طوال العام عبارة عن درسين ثابتين في الأسبوع يومي السبت والثلاثاء، ومدة كل درس حوالي ساعتين، وقد سجل في البرنامج بفضل الله سبحانه وتعالى ما يزيد عن 1900 طالب بين حضور وجاهي أو متابع عن بعد. أيضًا عندنا برنامج شرح عقود الجمل ومعلقات العشر، وبرنامج مدارج العلم وهو برنامج موسمي، شارك فيه في الموسم الأول ما يزيد عن 1400 طالب وطالبة، وشارك فيه وجاهيًا 250 طالب وطالبة، وفي الموسم الثاني الحالي ما يزيد عن 1500 طالب وطالبة، وشارك وجاهيًا بفضل الله سبحانه وتعالى ما يزيد عن 500 طالب وطالبة.
وبرنامج وتزودوا الرمضاني، وأيضًا عندنا مجتمع فتيات غراس وهو حاضنة لطالبات الهدى والباحثات عن الحياة الطيبة، وتكفل لهن البيئة الصالحة والرفقة الآمنة أيضًا تحت إشراف فضيلة الشيخ إبراهيم، ويضم المجتمع قرابة 1260 طالبة بفضل الله سبحانه وتعالى.
الذي يميز الأكاديمية أنها تبدأ بمنهجية علمية متكاملة تشمل علوم الوسائل وأيضًا المقاصد، وأيضًا طرح علمي يتميز بالدقة والعمق، ما شاء الله الشيخ أقل درس عنده ليس أقل من ساعتين، وأيضًا تقريب كتب التراث بلغة عصرية، وأيضًا إطلاق مشاريع علمية رافدة تخاطب مختلف فئات المجتمع، وتوفير شروح وتشجيرات وأسئلة استرشادية للمادة العلمية.
هذه بعض الإحصائيات بلغة الأرقام بفضل الله سبحانه وتعالى لهذه الأكاديمية: بلغ عدد المشاهدات على قناة اليوتيوب مليونًا و95 ألف مشاهدة، عندنا 55 ألف متابع ومتابعة لمواقع التواصل الاجتماعي، من ضمنهم 17,500 مشترك على قناة اليوتيوب بفضل الله سبحانه وتعالى. وتم شرح أكثر من 46 مصنفًا من كتب التراث، وتم شرحها أو التعليق عليها، وبفضل الله سبحانه وتعالى على قناة اليوتيوب عندنا أكثر من ألف محاضرة تم تصويرها وإلقاؤها، والبرنامج استهدف أكثر من 146 دولة، وبلغت نسبة الوصول 710 آلاف على صفحة الفيسبوك للمنشورات التي تنشر بفضل الله سبحانه وتعالى.
هذا هو الموقع الإلكتروني الخاص بغراس العلم، وهذا أيضًا حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، وتليجرام، ويوتيوب. جميع المشايخ لابد أن نشترك حتى نتابع آخر أخبار الدورات والدروس العلمية التي تقام في هذه الأكاديمية المباركة. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.
وبفضل الله سبحانه وتعالى ثم فضل الإخوة والمشايخ، جزاهم الله سبحانه وتعالى عنا خيرًا، لم تكن هذه الدورة لتخرج بهذا النسق الذي سرنا وسركم لولا أناس بذلوا وأعطوا بلا حد، وما كان دأبهم وقولهم إلا لله. كل البذل والوقت الذي يمضي لأجل النفع والبنيان، لشيخنا الفاضل وللمنسقين الكرام ولحضورنا الكريم أنتم ولمشايخنا الضيوف الكرام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازيكم بما قدمتم جنة وحريرًا، وأن يلقاكم بجناته نظرة وسرورًا، عسى آثاركم تبقى منيرة سرمدًا حتى تلقوه جل جلاله يوم الحساب.
شموس وأقمار النجوم لدعوة إلى الله بالحسنى، بنور محمد، يجوبون آفاق البلاد بحكمة، يبثونها في الناس من دين أحمد.
ونبدأ الآن إلى فقرة تكريم، والحقيقة الجميع له تكريم، ونصر سبحانه وتعالى أن يكرمنا وإياكم يوم العرض عليه بأن تكون هذه المجالس وهذا الحضور وهذا التعب وهذا النصب. أغلب المشايخ لأن نسبة 80% كانوا يجلسون على الأرض فقط دون مسند، ويتكلمون ثلاث ساعات وأربع ساعات، فنسأل الله سبحانه وتعالى الذي يرانا الآن ويسمعنا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لكم الأجر، وأن يتقبل وأن يبارك. ننتقل إلى تكريم بسيط، والتكريم الأعظم يوم نلقى الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نلقاه على خير وفي خير، وأن يتوفانا وهو راض عنا.
بداية ما نكرم، وهي مفاجأة للشيخ -جزاه الله خيرًا- وهو لا يعلم عنها شيئًا، نيابة عنكم وعنا وعن الإخوة المنظمين، نقدم لشيخنا الشيخ إبراهيم هدية بسيطة، وهي جهد المقل، وأقل ما نقدم لشيخنا على جهوده المباركة. جزاك الله خيرًا يا أبو نبيل، هذا أقل ما يقدم للشيخ جزاه الله خيرًا على جهوده الطيبة، الله يكتب أجرك شيخنا.
ثم نكرم الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، وهي هدية بسيطة لجهوده معنا في هذه الدورة، نسأل الله أن يكتب له الأجر وأن يبارك فيه وفي مكانه. الدكتور عبد الرحمن، تُسلم الجائزة لأبو نبيل فادي سليمان، وهو أحد الرجال المجهولين في هذه الدورة، الذي يقوم على متابعة البث المباشر والتقنيات.
ونكرم أيضًا شيخنا الشيخ حذيفة الخالدي، جزاكم الله خيرًا. الله يحفظكم شيخنا الكرام. وكذلك نكرم المؤسسة "مدارج" التي استضافتنا في هذه الدورة المباركة، يتسلمها عن الدكتور رأفت المصري الأخ محمد أبو فرج، جزاك الله خيرًا، أيضًا جهوده طيبة كانت معنا في التراتيب والتنظيم كمتعاون جدًا، الله يتقبل إن شاء الله.
ننتقل أحبابنا الكرام إلى مشاركات الجمهور، بالنسبة لكم؛ ماذا استفدتم من هذه الدورة؟ وماذا كان لها من أثر عليكم؟ هل كان هناك موقف له أثر في النفوس؟ نحتاج مشاركة بسيطة سريعة، نصف دقيقة أو أقل أو أكثر. الشيخ مهند، الشيخ حسن.
الشيخ حسن: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد. في هذا المجلس صدقًا سبحان الله، هل مجالس أبعدتنا عن أمور الدنيا؟ والله تركنا في هذه المجالس، وخصوصًا الإخوة، لأول مرة في هذه المجالس لم نجلس في حياتنا في هذه الساعات على الكتب، وإن كنا نريد أن نعمل هذا ونريد أن نجتهد ونريد أن نجلس إلا نستطيع، لم نكن عند المشايخ فيعلمون كيف نجلس على هذه المجالس في بيوتنا ونطلب العلم.
جزا الله خير الشيخ، جزاه الله عنا كل خير، وجزى الله خير من أقام على هذه المجالس العظيمة. وخصوصًا إخواني، والله هذه المجالس أبعدتنا عن وسائل التواصل؛ وسائل التواصل عندما تجلس فترة طويلة خمس ساعات إلى ست ساعات وأنت بعيد عن هذه الوسائل، التي يرسل لك فيها كذا وكذا وكل ثانية تفتح هل أرسل لي فلانة... الله يجزينا إياها خير الجزاء.
مساكم الله خير حبيبنا، جزاكم الله خيرًا. الآن ننتقل أيضًا مع قصيدة كتبها الأخ بكر في الدورة العلمية المكثفة، نفتح له الطريق يا مشايخ.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي هدانا ... لنطلب العلوم واجتبانا ثم الصلاة على النبي الداعي ... للفقه في الدين بلا نزاع وبعد أن هذه المجالس ... تجلو عن القلوب جملة الأسى بها سبيل جنة الرحمن ... والفوز في الدارين والرضوان وإن مما يسعد الفؤاد ... ويجلب الخيرات والرشاد إقبال هذا الجمع من بلادي ... لطلبة العلوم والسداد لما دعاهم شيخنا الرفيق ... لدورة وهو بهم رفيق فقال أقبلوا وقد سماها ... مدارج العلم بذا دعاها فأقبل الطلاب مسرعين ... وأحضروا النساء والبنين إني أراهم حوله جلوسًا ... يدونون الفقه والدروس فيجمعون بعد كل درس ... فوائد أنتم مهم في الغرس حتى مضت عشر من الأيام ... وحطت الرحال في الختام فصار بعض يسكب الدمعة ... لما أتوا يفارقون الجمعة لسان حالهم أيًا إخواني لا ترحلوا ... لسان حالهم أيًا إخواني لا ترحلوا فأنتم أعواني لا تترك الدروس يا أخي ... والزم طريق العلم سوف تحيا وأخلص العلوم للإله ... فلا لشهرة ولا تباهي واحرص واحذر بأن لا تعمل ... التطبيق لكل علم واحرس التحقيق وفي الختام نسأل الحميد ... العون والرشاد والتسديد وأن يديم الدرس كل عام ... فإنه القدير ذو الإنعام وأن يثيب شيخنا الكريم ... أعني به الرفيق إبراهيم وكل من أقام وكل من أعان ... فنشكر الرحمن ما أولانا.
ما شاء الله، الله يفتح عليكم يا شيخ بكر، أحسن الله لكم، صح لسانك. الآن نأخذ مشاركة مع الإخوة من روسيا، الشيخ أبو محمد الروسي، نأخذ مشاركة باللغة الروسية حول أثر هذه الدورة.
جزاك الله خيرًا، نستفيد من فضائل كثيرة في المستقبل، جزاك الله خيرًا أخي.
جزاكم الله خيرًا جميعنا جميعًا أحبابنا الكرام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من الجميع. في الختام نشكركم على حضوركم وحسن استماعكم، كما نشكر الإخوة المنظمين وفريق غراس العلم، ونشكر أيضًا الأخوات المنظمات، ونشكر أيضًا الجنود المجهولين الذين يعملون خلف الستار لإنجاح مثل هذه الدورات.
وفي الختام نوصيكم بكلمات لشيخنا الشيخ إبراهيم رفيق -حفظه الله- قائلاً: «أقبل على من بيده الاختيار، فمرغ جبينك بين يديه، واسأله أن يصطفي هذا القلب لينال شرف طلب العلم وتحصيله، اسأله أن يصرف عنك الشواغل والعوائق والعلائق، فوالله لئن صرف الله قلبك عن العلم فلن تعود إليه أبدًا».
سعدنا بلقائكم، مساكم الله بالعمل بما تعلمتم، سائلين الله أن يبارك ختمة مجالسنا وأن يخلص نوايانا، ونلقاكم بعون الله سبحانه وتعالى في مدارج العلم في موسمها الثالث. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل