بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في المجلس التاسع قبل الأخير لهذه الدورة المباركة، مدارج العلم في نسختها الثانية لعام أربعة وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونحمد الله عز وجل أن أعان ووفق ويسر ومهد في هذه الدورة، ومكن لنا أن نصل إلى يومها التاسع، فهذا كله محض توفيق الله سبحانه وتعالى ومحض تفضل الله عز وجل علينا.
ومن نعمة الله سبحانه وتعالى على بلد من البلدان أن تحيا فيه مجالس العلم، وأن يحضر فيه الطلبة، وأن يعكف الناس على تراث الأولين، يقرأ هذا التراث ويمحص وينظر فيه ويتعرف عليه الطلبة. هذه نعمة عظيمة لا يدرك قدرها إلا من حرم منها، خصوصاً عندما تحيا مدارس أهل الحديث ومدارس أهل السنة والجماعة، فهذا والله خير عظيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديمه علينا وألا يحرمنا بركة هذه المجالس.
انشغال الإنسان بالعلم طوال حياته؛ فإن هذه الحياة الدنيا إنما هي ساعات تقضى، وأعمار تنقضي، وأنفاس تنتهي، وخير ما تبذل فيه الأنفاس طلب العلم. ولو أن العام كله يكون مثل أيام المدارس والله خير عظيم. إن الإنسان ماذا يفعل إذا انتهى من عمله الصباحي؟ يأتي إلى مجالس العلم وينهل من هذا المعين العذب، وينظر في كلام الأئمة ما بين فقه وتفسير وأصول وحديث وأدب، هذا خير من الجلوس أمام وسائل التواصل الاجتماعي وإضاعة الأعمار في الساعات الفارغة والمجالس غير المنتجة. فالحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
غداً بإذن الله كما اتفقنا وكما أعلنا هو المجلس الختامي لهذه الدورة، وهنا أهيب بالجميع أن يحضر الختام؛ فالختام دائماً فيه بركة. ولذلك أهل العلم كانوا يحرصون على ختم المصنفات بالدعاء والإقبال على الله سبحانه، وسؤال الله عز وجل الفرج. وقد مر معنا من ابن الجوزي لما أراد أن يرزقه الله ذرية طيبة قدم عملاً صالحاً، وهو أنه ختم ختمة، ثم ماذا فعل؟ دعا الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ذرية. فكذلك الإنسان إذا كانت له حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فليحرص دائماً عند ختام الطاعات أن يدعو الله سبحانه وتعالى، وأن يقبل عليه ببركة عمله الصالح، وببركة هذه المدارس التي حضرها، وببركة مجالس العلم. يسأل الله عز وجل أن يرزقه ذرية طيبة أو زوجة صالحة، وأن يغفر الزلات ويصفح عن الهفوات؛ فهو سبحانه وتعالى يكرم على عباده في نهاية الطاعات وفي ختامها.
فغداً بإذن الله الكل يحضر، أحضروا حتى أطفالكم، أحضروا أبناءكم لعلهم يشهدون هذا الخير ويشهدوا هذه البركات، ويعرفوا قدر مجالس العلم ولو على الأقل في ساعاتها الأخيرة، فإن هذه المشاهد قد لا تكرر، هذه المشاهد من الصعب أن تعاد إلا أن يشاء الله. فاحرصوا على أن تتركوا أثراً طيباً في أبنائكم وبناتكم، هذه نصيحة لأنفسنا ولإخواننا ممن هو حريص على العلم والحرص على حضور مجالسه ومجالسة أهله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا الجميع.
مجلسنا الأول سيكون في التعليق على نخبة الفكر للإمام ابن حجر العسقلاني. وقد عرفنا أن هذا الكتاب وهذا المتن من الكتب الأساسية أحبابي في تأصيل طالب العلم في علم مصطلح الحديث. أهم كتاب أبدأ به في علم المصطلح هو هذا الكتاب؛ لأنه حسن التصنيف، حسن التشجير، واضح العبارة، خصوصاً إذا أخذته من أفواه المشايخ وعرفت معاني الكلمات والمصطلحات التي يريدها ابن حجر، فلن تجد كتاباً أنفع منه في بداية انشغالك بهذا العلم.
سريعاً من باب المراجعة نشرع في مراجعة ما أخذناه البارحة لنكمل ولنبني عليه اليوم. الخبر مصطلح يشمل تحته الحديث والأثر. والحديث قلنا هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره أو صفته الخُلقية أو الخَلقية. وأما الأثر فهو ما نقل عن الصحابي فمن دونه من كلامه؛ فالخبر أعم من الحديث.
وينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى قسمين أساسيين: المتواتر والآحاد. وينقسم الآحاد إلى ثلاثة أنواع: مشهور وعزيز وغريب. فالمتواتر قلنا ما شروطه؟ متى نقول إن هذا الخبر متواتر؟ إذا جمع ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يرويه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. الشرط الثاني: أن يكون هذا الجمع بهذه الصفة موجوداً من مبتدأ السند إلى منتهاه. الشرط الثالث: أن يكون الجماعة الأولى مدركهم الحس وليس اجتهاداً عقلياً. فما اجتمعت هذه الشروط الثلاث، فهذا يسمى متواتراً. ما حكم المتواتر؟ لما أقول لك ما حكمه يعني ماذا يفيد؟ يفيد العلم اليقيني الضروري. ما هو العلم اليقيني الضروري؟ هو العلم الذي تصل إليه من دون الحاجة إلى نظر وتأمل، ولا إلى اجتهاد، بل هو خلاص ما دام بهذه الشروط أفادني العلم مباشرة ضرورياً بدون نظر ولا تأمل.
نأتي بعد ذلك إلى الآحاد، فقلنا الآحاد ثلاثة أنواع: مشهور وعزيز وغريب. فالمشهور ما رواه ثلاث فصاعداً ما لم يصل إلى حد التواتر. ممتاز، ويشترط في الحديث حتى يكون مشهوراً أن تكون الشهرة ولو في طبقة واحدة من الطبقات، يعني لو كل الطبقات متواترة إلا طبقة واحدة مشهورة، نقول الحديث مشهور؛ فالعبرة بالطبقة الواحدة. طب العزيز ما هو؟ ما رواه اثنان ولو في طبقة واحدة من الطبقات، فلو كان الحديث متواتراً أو مشهوراً في جميع طبقاته إلا طبقة واحدة فيها اثنان، خلاص هو عزيز؛ دائماً احفظها، الحديث يحكم عليه باعتبار أقل طبقاته وليس باعتبار أعلى الطبقات.
الغريب ما هو؟ ما رواه واحد، ولو في طبقة واحدة من الطبقات. وقلنا من أشهر الأحاديث الغريبة ما هو: «إنما الأعمال بالنيات» فإنه في أربع طبقات تفرد به واحد عن واحد. طبعاً حديث «إنما الأعمال بالنيات» من باب الفائدة له طرق أخرى لكنها ضعيفة، لذلك حكمنا عليه أنه متفرد باعتبار طريقه الصحيح، أما الطرق الأخرى التي يذكرها بعض أهل العلم فهي طرق ضعيفة، لذلك لم آتِ بها في الحكم على الأحاديث.
وعندما نتكلم عن الغريب قلنا إن ابن حجر وزع كلامه عن الغريب وكان ينبغي أن يجمعه، فيقسم الغريب إلى غريب مطلق وغريب نسبي. قال: فالغريب المطلق ما كان في أصل السند. طبعاً هنا أنبه ابتداءً؛ هناك بعض المفاهيم يوجد فيها خلاف بين علماء المصطلح، فلما تأخذ مني شيئاً قد تقرأ في كتاب آخر تعريفاً آخر، فاعرف أن هذا العلم لم يتفق على كل تعاريف مفاهيمه، أنه أمور اصطلاحية، يعني أمور يختلف فيها أنظار العلماء. فهنا لما نقول ما كان فيه الغرابة في أصل السند، هذا مراد أصل السند الصحابي أو التابعي، هذا في محل فيه مساحة؛ البعض قال أصل السند هو التابعي، هذا هو أصل السند، والبعض جعل الصحابي داخلاً في أصل السند. هذه مسألة كما قلنا تقبل الاجتهاد ويختلف فيها علماء المصطلح. فإذاً إذا كانت الغرابة في أصل السند في الصحابي أو في التابعي عند ابن حجر فهذا يسمى غريباً مطلقاً.
وأما إذا كانت الغرابة ليست في أصل السند، بل أصل السند مشهور أو عزيز، لكن الغرابة وردت في طريق من طرقه؛ كما مر معنا البارحة: حميد الطويل تفرد عن أنس مع أن الحديث له طرق أخرى عن طريق أبي هريرة من تلاميذه وما شابه ذلك، فهذا يسمى فرداً نسبياً. ليش سمي فرداً نسبياً؟ لأنه تفرد بالنسبة إلى أنس، لذلك سمي نسبياً لأنه بالنسبة لجهة معينة. حتى الفرد النسبي له تقاسيم؛ يعني مثلاً بعض أنواع الفرد النسبي يقولون مما تفرد به أهل بلد من البلدان، يعني هذا حديث مثلاً رواه المدنيون، فيكون هو فرد نسبي أي باعتبار أنه تفرد به أهل المدينة، وإن كان من حيث الطبقات مشهوراً أو عزيزاً. فباختصار الحديث الفرد النسبي هو حديث مشهور أو عزيز، لكن وقعت الفردية فيه باعتبار جهة معينة من الجهات وليس باعتبار الطبقات. فهمنا؟
ثم الفرد النسبي قسمه في الصفحة التالية، قال: إذا وجد أن وافقه غيره فهو المتابع، وإن وجد متن آخر يشهد له فهو الشاهد، تمام؟ وتتبع الطرق للبحث عن المتابعات والشواهد يسمونه الاعتبار. فهذا كله أنا أنصحك أن تجمعه في مكان واحد، كل ما يتعلق بالغريب اجمعه في مكان واحد وإن كان ابن حجر بعثر الكلام عنه في النخبة، تجمعه في مكان واحد حتى لا تتيه.
فإذاً الآحاد قسمناها إلى ثلاثة أقسام: مشهور وعزيز وغريب. ثم قلنا الآحاد تنقسم إلى مقبول ومردود. أما المتواتر فهل ينقسم إلى مقبول ومردود؟ لا، المتواتر كله مقبول. أما الآحاد فهو الذي ينقسم إلى مقبول ومردود. طيب الآحاد المقبول ماذا يفيد؟ هل يفيد الظن فقط؟ قلنا يمكن أن يفيد العلم ويمكن أن يفيد الظن، هذا ما استقر عليه القول عند أهل السنة والجماعة، أن الآحاد قد يفيد العلم وقد يفيد الظن، لكن الآحاد إذا أفاد العلم فهو علم نظري، يعني علم بعد بحث وتأمل، وليس كالمتواتر؛ فالمتواتر يفيد علماً ضرورياً لا يحتاج إلى كثرة تفتيش، بخلاف الآحاد فإنه إذا أفاد العلم لا يكون إلا بعد نظر وتأمل. إذاً حديث الآحاد المقبول قد يكون يفيد العلم وقد يفيد الظن، وينقسم حديث الآحاد المقبول إلى أربعة أقسام: الصحيح لذاته، الصحيح لغيره، الحسن لذاته، الحسن لغيره.
طيب ما تعريف الصحيح لذاته؟ نبدأ بحديث الآحاد المقبول، أربع مراتب وهو أولها الصحيح لذاته. الصحيح لذاته ما جمع خمس شروط: ما رواه عدل، تام الضبط، متصل السند، من غير علة قادحة، ولا شذوذ. فهذا يسمى صحيحاً لذاته. وأما الحسن لذاته فهو ما رواه عدل خف ضبطه، هذا الفرق، ما رواه خف ضبطه، متصل السند، من غير علة قادحة، ولا شذوذ. وأما الصحيح لغيره فهو أحاديث أسانيدها حسنة بمجموعها يصبح الحديث صحيحاً لغيره. وأما الحسن لغيره فهو حديث أسانيده كلها ضعيفة لكن قوى بعضها بعضاً فارتقى إلى درجة الحسن لغيره. فهذه أربع مراتب للحديث المقبول: صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره. ومر معنا أن الصحيح لذاته هو أيضاً في ذاته يتفاوت، الصحيح لذاته هل هو مرتبة واحدة؟ لا يتفاوت، فما اتفق عليه الشيخان مقدم على ما انفرد به البخاري أو مسلم، وما انفرد به البخاري مقدم على ما انفرد به مسلم، وإن كان كله ضمن الصحيح لذاته، فالصحيح لذاته يتفاوت أيضاً في داخله إلى مراتب، وهذه تدرس في المطولات حتى لا نطيل عليكم في هذه الجزئية.
طيب قلنا إذا روى تام الضبط أو من خف ضبطه رواية خالف فيها من هو أوثق منه، تسمى روايته ماذا؟ الشاذ. طبعاً هنا المخالفة سواء كانت بالزيادة أو النقصان أو التبديل ليس فقط خاصة بالزيادة؛ أن أحد الإخوة سألني هل هذه المخالفة خاصة بالزيادة؟ ظاهر كلام البارحة أنها خاصة بالزيادة، لا، هي سواء بالزيادة أو بالنقصان أو بالتبديل. المهم إذا روى شخص رواية خالف فيها من هو أوثق منه، متى نقول أنها شاذة؟ إذا كانت مناقضة، أما إذا كانت مجرد زيادة أو نقل غير مناقض هذا يعتبر صحيحاً ما عندنا مشكلة فيه، مقبولاً. لكن إذا كان ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه مخالفة لا يمكن الجمع بينهما، فهنا رواية المخالف لمن هو أوثق منه تسمى شاذة، ومن هو أوثق منه روايته تسمى محفوظة. أما إذا روى الضعيف رواية ناقض فيها الثقة، رواية الضعيف تسمى منكرة، ورواية الثقة تسمى معروفة، هذه كلها مصطلحات أساسية.
وقفنا هنا صحيح؟ وتكلمنا عن الفرد النسبي، هذه قلت لكم أدرجوها مع موضوع الغريب. أكمل الآن بسم الله.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم، وإن عورض بمثله، فإن أمكن الجمع فهو مختلف الحديث، أو ثبت المتأخر فهو الناسخ والآخر المنسوخ، وإلا فالترجيح ثم التوقف.
هذه مسألة ليست من علم مصطلح الحديث وإنما هي من علم أصول الفقه، هذه المسألة هي من عمل الأصوليين، وهي الجمع بين الأحاديث، الجمع بين الأحاديث إذا تعارض حديث مع حديث، فهذه مسألة أصولية وليست مسألة حديثية. فيقول لك الحديث المقبول بأنواعه؛ صحيح لذاته، لغيره، الحسن لذاته، لغيره، الحديث المقبول إذا لم يعارضه حديث آخر في الباب فيسمى هذا الحديث ماذا؟ محكم. إذاً الحديث المحكم كما عرفه ابن حجر هو الحديث المقبول الذي لم يعارضه حديث في الباب، تمام؟
إذا عارضه حديث في الباب، هنا يبدأ عمل الأصوليين؛ إذا أمكن الجمع بينه وبين الحديث الذي عارضه إذا أمكن الجمع بينهما بالتخصيص العام أو تقييد المطلق أو حمل كل واحد على صورة، فهذا يسمى في علم الأصول وحتى في علم المصطلح يسمونه ماذا؟ مختلف الحديث. يعني الأبواب هذه كتب، كتب سماها علماء الحديث: كتب مختلف الحديث، مثل كتاب مختلف الحديث لمن؟ الشافعي رحمة الله عليه، هذا الكتاب للشافعي سماه كتاب مختلف الأحاديث، هو كتاب حرص فيه أن يجمع بين الأحاديث المتعارضة. فكل حديث عارضه حديث لكنه.
استطعنا أن نوفق بينهما ونجمع بينهما، فهذا في علم مصطلح الحديث يسمونه «مختلف الحديث»، وهناك كتب اسمها كتب مختلف الحديث للشافعي ولغيره، فهذه الكتب هي الكتب التي جمعت الأحاديث المتعارضة.
إذا لم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين وعرفنا أن أحدهما متقدم زمنا والثاني متأخر زمنا، فالثاني يسمى ناسخا والأول يسمى منسوخا، وهذا من علم أصول الفقه أيضا: الناسخ والمنسوخ. أما إذا جهلنا المدة الزمنية لكل حديث، وحديثان متعارضان ولم نعرف المتقدم من المتأخر، فهذا ماذا نفعل فيه؟ نذهب إلى الترجيح، وهذا معروف عند الأصوليين وطرق الترجيح كثيرة لا حصر لها، وإنما العبرة بما غلب على ظن المجتهد في ترجيح أحد الحديثين عن الآخر.
إذا حاول المجتهد أن يرجح ولم يظهر له مرجح بينهما، يتوقف ويقول: «هذان حديثان متعارضان لم يظهر لي ما المرجح بينهما فاتوقف»، لذلك قال: «والا فالترجيح ثم التوقف إذا لم يظهر له مرجح». طبعا هذا صعب، أن لا يظهر له مرجح هذا صعب جدا، لكن يمكن، فالشافعي له توقفات، وأحمد بن حنبل له توقفات لكنها في العادة تكون توقفات قليلة.
فإذا كان هكذا يفعل في الأحاديث المقبولة المتعارضة. فالحديث المقبول من ناحية أصولية، إذا سلم من معارضة حديث آخر يسمى «محكما»، وإذا عارضه حديث آخر فأول خطوة نحاول أن نجمع، إذا استطعنا أن نجمع هذا يسمى في علم مصطلح الحديث «مختلف الحديث»، حديثان مختلفان استطعنا أن نجمع بينهما. إذا لم يمكن الجمع، وكان أحدهما متقدما والآخر متأخرا زمنيا، فالمتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ، خلص زال حكمه. وإذا لم نعرف الناسخ من المنسوخ لجهلنا المدة الزمنية، فلا مناص من الترجيح، لابد نذهب إلى الترجيح. إذا المجتهد لم يظهر له مرجح فإنه يتوقف.
هذه كلها مصطلحات مهمة: المحكم، مختلف الحديث، الناسخ والمنسوخ، الترجيح، التوقف. الآن فهمناها جميعا، هكذا بنكون بدنا نقفل الموضوع عن أحاديث الأحاد المقبول، وسنطلق الآن إلى أحاديث الأحاد المردودة. مش قلنا الأحاد ينقسم إلى مقبول، وهو برضو خلصنا المقبول وأحكامه، نذهب إلى المردود، متى يكون حديث الأحاد مردودا؟
قال رحمه الله تعالى: «ثم المردود إما أن يكون لسقط أو طعن». هذه الخلاصة مهمة جدا، وأنا أريحك، هذه الخلاصات لابن حجر ممتازة ومتقنة. قال لك الحديث المردود متى نرد الحديث؟ إما إذا في انقطاع في السند أو في ضعف الرواة. يعني ما في حل ثالث؟ الحديث متى يرد؟ إما لوجود انقطاع في السند أو لوجود ضعف في الرواة. لذلك ماذا قال: «والحديث ثم المردود إما أن يكون لسقط في السند، يعني انقطاع في السند، أو لوجود طعن في أحد الرواة»، لذلك يضعف الحديث. لاحظوا التشجير يشجر الأفكار، متميز الكتاب. إذا المردود سقط أو طعن.
الآن سيبين صور السقط ثم سيبين صور الطعن بطريقة مسلسلة فائقة. قال: «فالسقط»، بدأ في الحالة الأولى، وهو رد الحديث لوجود انقطاع في السند. ما صور السقط في السند؟ وسماه سقطا حتى يعطيك صور السقط. قال رحمه الله تعالى: «فالسقط إما أن يكون من مبادئ السند»، من جهة المصنف، يعني البخاري أو مسلم أو أبو داود صاحب الكتاب، يسقط شيخه الذي أخذ عنه وينقل عمن فوق شيخه، هذا يسمى سقطا من مبادئ السند، صاحب المصنف، وهذا كثير في البخاري، مثل معلقات البخاري؛ صاحب المصنف يسقط شيخه ويروي عمن فوقه.
طبعا يمكن يسقط شيخه وممكن يسقط شيخه وشيخ شيخه، ممكن يسقط شيخه وشيخ شيخه وشيخ شيخ شيخه كمان، فالمهم أنه يحذف شيخه فما فوق، بعض أصحاب المصنفات معلقات مباشرة يقول البخاري: «قال رسول الله ﷺ»، هنا أسقط مش شيخه بس، أسقط كل السند، كل هذا يسمى «معلقا»، والمعلق هو أن يحذف شيخه فما فوقه. لذلك ماذا قال؟ قال: «أما أن يكون من مبادئ السند بأن يحذف صاحب المصنف، البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي والدارقطني، أن يحذف شيخه فما فوق»، وهذا يسمى ماذا عندهم؟ «معلقا»، إذا كان الحذف من جهة المصنف، أي من بداية السند من أسفل. فالمراد من مبادئ السند هذه أن تكتب: مبادئ السند من جهة الأسفل وليس من جهة النبي ﷺ.
قال رحمه الله: «أو من آخره بعد التابعي». إذا كان السقط ليس من جهة المصنف، بل كان السقط من جهة النبي ﷺ، يعني حذف الصحابي الذي روى الحديث، إذا قال «ما بعد التابعي»، من بعد التابعي؟ الصحابي. إذا حذف الصحابي الذي روى الحديث، كأن ينقل البخاري حديثا ذكر إسناده من شيخه ووصل إلى التابعي ثم أسقط الصحابي، أو فعل ذلك أبو داود أو الترمذي أو ما شابه ذلك، فهذا يسمى عند المحدثين «مرسلا»، لأن المرسل عند المحدثين أضيق من المرسل عند الأصوليين، حتى لا تختلط عليك المصطلحات، لكن عموما عند المحدثين المرسل هو أن يحذف الصحابي ويقتصر على التابعي.
طبعا هنا أنا أركز على بعض التعريفات البسيطة، لأن هناك بعض التعريفات قد تكون أدق قليلا، ولكن لأن أغلب الإخوة ناشئة في هذا العلم، أنا آتي بالمصطلحات الخفيفة الواضحة، لأن هناك بعض التدقيقات في بعض المصطلحات. فإذا قال: «أن يحذف ما بعد التابعي»، هذا يسمى مرسلا.
قال رحمه الله: «أو غير ذلك»، يعني أو يكون السقط في غير ذلك؛ إما أن يكون السقط من البداية، أو يكون السقط من النهاية، أو يكون السقط في المنتصف. إذا كان السقط من البداية فهو «معلق»، وإذا كان السقط فقط في النهاية فهو «مرسل»، وإذا كان السقط بين ذلك فهذا سيأتي فيه تفصيل.
قال رحمه الله: «فالأول المعلق»، وهو كما قلنا أن يكون السقط من البداية، يعني صاحب الكتاب يحذف شيخه فما فوق. قال: «والثاني المرسل»، المرسل ما هو؟ أن يحذف ما بعد التابعي، هذا يسمى مرسلا. قال: «والثالث وهو الذي بين ذلك، إن كان باثنين فصاعدا مع التوالي فهو المعضل». ما هو المعضل؟ أن يكون المحذوف اثنان فصاعدا متواليا، أن يحذف أبو داود أو النسائي أو أي مصنف من السند اثنان من الرواة متتاليان، يعني يحذف الشيخ وشيخ الشيخ، هذا يسمى معضلا. وفي الحقيقة المعلق قد يكون معضلا إذا حذف شيخه وشيخ شيخه، أو إذا حدث اثنان في المنتصف هذا لا يكون معلقا، لكن يكون ماذا؟ معضلا. فبعض المصطلحات قد...
قد يكون الحديث معلقًا ومعضلًا في نفس الوقت، لكن قد يكون معضلًا فقط، وقد يكون معلقًا فقط. متى يكون معلقًا فقط؟ إذا حذف شيخه فقط. ومتى يكون معضلًا فقط؟ إذا كان اثنان فصاعدًا من المنتصف.
متى يكون معلقًا ومعضلًا في نفس الوقت؟ إذا حذف شيخه وشيخ شيخه؛ فهذا معلق ومعضل في نفس الوقت. قال رحمه الله: «والا فالمنقطع». أي صور أخرى من صور الإسقاط غير الصور الثلاثة السابقة تسمى انقطاعًا. نحن عرفنا المعلق، وعرفنا المرسل، وعرفنا المعضل، فأي صورة من صور السقط في السند غير الصور السابقة تكون ماذا؟ منقطعة.
إذا حذف واحد فقط من منتصف السند فهذا يسمى منقطعًا. أما إذا حذف اثنان أو ثلاثة لكن ليسوا على التوالي، كأن يحذف من البداية ومن النهاية، فهذا ليس معضلًا؛ لأن المعضل شرطه اثنان فصاعدًا متواليان. لكن كما قلنا، إذا حذف من شيخه وحذف شخص في المنتصف أيضًا، فهذا يسمى منقطعًا ومعلقًا، إذ هي الأمور قد تتداخل في بعض الصور؛ فقد يحذف شيخه ويحذف شخصًا في المنتصف، فيسمى معلقًا باعتباره أنه حذف شيخه، ومنقطعًا لوجود حذف في المنتصف أيضًا.
فهذه المصطلحات قد تتداخل في بعض الصور وقد تنفرد. لو حذف فقط شخصًا واحدًا من المنتصف، فهذا منقطع فقط، وليس معلقًا ولا مرسلًا ولا معضلًا. لذا قد تشترك وقد تفترق، لكن يهمني أن تفهمها عمومًا: إذا كان الحذف للشيخ فصاعدًا فهو معلق، وإذا كان الحذف لما بعد التابعي فهو مرسل، وإذا كان الحذف لشخصين فأكثر على التوالي فهو معضل. وقد يجتمع الإعضال مع التعليق، وقد يجتمع الإعضال مع الإرسال، لا مشكلة في ذلك. وإذا كانت صورة أخرى من صور الإسقاط فهذا منقطع.
فهذه هي صور السقط في السند: معلق، مرسل، معضل، أو منقطع. هذه الأربعة، احفظها. قال رحمه الله: «ثم قد يكون واضحًا أو خفيًا». ثم قد يكون السقط أحيانًا واضحًا، أي أن الناظر له بمعرفة علم الحديث يدركه، وقد يكون بعض صور السقط خفيًا لا يدركه إلا الجهابذة.
إذا كان السقط في الحديث واضحًا، ماذا يسمى؟ قال: «فالأول يدرك بعدم التلاقي ومن ثم احتيج إلى التاريخ». السقط الواضح أن يكون معروفًا أن فلانًا لم يلقَ فلانًا. مثل حديث عن أحمد بن حنبل عن أبي حنيفة مثلاً؛ إذا قال أحمد بن حنبل أدرك أبا حنيفة، فمتى مات أبو حنيفة؟ سنة مئة وخمسين، ومتى ولد أحمد؟ سنة مئة وأربعة وستين، بالتالي مستحيل أن يكون أحمد قد التقى بأبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة مات قبل أن يولد أحمد.
لذلك قالوا: من ثم احتيج إلى معرفة علم التاريخ. من أهم العلوم التي يحتاجها المتخصص في علم الحديث أن يعرف تاريخ ولادة الأئمة ووفاتهم، حتى يعرف من التقى بمن، ومن لا يمكن أن يكون قد التقى بسبب الولادات والوفيات. فالانقطاع الواضح الجلي يُعرف بعدم التلاقي، أي يُعرف أن فلانًا يستحيل أن يكون قد التقى بفلان لاختلاف وقت الولادة والوفاة، وهذا تحتاج فيه يا طالب علم الحديث أن تكون مطلعًا على تاريخ ولادة الأئمة ووفاتهم.
والثاني هو الخفي. الانقطاع الخفي يسمى تدليسًا. طبعًا التدليس أنواع تُدرس في المطولات، لكن خذ رأس القلم كما يقولون. الانقطاع الخفي يسمى تدليسا، وهو قال رحمه الله: «والثاني المدلس ويرد بصيغة تحتمل اللقاء كعن وكذا المرسل». ركز معي، التدليس هو أن تروي عن شيخ لقيته ما لم تسمعه عنه.
أنا لقيت الشيخ، حدثني بعشرين حديثًا، فأروي عنه أحاديث أخرى، لكن هذه الأحاديث أنا لم أسمعها عنه حقيقة، وإنما سمعتها بواسطة، لكنني أحذف هذه الواسطة وأوهمك أنني سمعت هذا الحديث عنه. فمثلاً أقول: قال الشيخ الفلاني، وهو معروف تاريخيًا أنني التقيت به، بس أنا ما سمعت منه كل شيء؛ في أحاديث سمعتها منه مباشرة، وفي أحاديث سمعتها من تلاميذه عنه، فأوهم أنني سمعت منه كل شيء مع أنه في الحقيقة لم أسمع منه كل شيء، وذلك من خلال الإتيان بألفاظ توهم السماع فآقول: قال الشيخ الفلاني كذا وكذا.
هذه ليست سهلة، فليس كل أحد يعرف هل هذا الحديث ضبطته وسمعته منه أم لا. مثلاً يقال: شعبة سمع من مسكن أربعة أحاديث، فأي حديث يرويه شعبة عن مسكن غير هذه الأربعة، فمستحيل يكون سمعها منه، لأنه أصبح معروفًا أنه سمع منه أربعة أحاديث فقط، وأي حديث آخر لا يكون من هذه الأربعة، حتى لو قال شعبة: قال فلان، أو عن فلان، فمئة بالمئة لم يسمعها مباشرة.
لماذا شعبة لم يصرح بالتفاصيل؟ هنا تأتي مقاصد عديدة، وكبار المحدثين دلسوا، فلا نريد أن ندخل في هذه المقاصد وأسبابها، لكن لهم مقاصد شريفة رحمة الله تعالى عليهم. أنا أريدك فقط أن تفهم ما هو التدليس؛ التدليس باختصار هو أن أروي عن شيخ لقيته حديثًا أنا لم أسمعه منه مباشرة، وإنما سمعته بواسطة لكنني حذفت الواسطة واستعملت ألفاظًا توهمك أنني سمعت منه مباشرة، كقوله: قال الشيخ الفلاني. أنا لم أكذب؛ لأنني لم أقل: حدثني، لو قلت: حدثني لكنت كذبت، ولكنه يقول: قال، أو: عن؛ وهذه الألفاظ محتملة أنك سمعته مباشرة ومحتملة وجود واسطة أنت حذفتها، فباختصار أكون قد ضيعتك، وهذا هو التدليس.
وهذا يسمى انقطاعًا خفيًا أو سقطًا خفيًا لا يعرفه إلا المتتبعون الكبار، أما الشخص المبتدئ في علم الحديث فماذا يدري؟ يقال عن فلان: ظاهره الاتصال، ولا يعرف أن هناك شخصًا سقط في المنتصف لعدم تتبعه بروايات فلان عن فلان. فلذلك التدليس هو أن تروي عمن لقيته ما لم تسمع عنه، من خلال إتيانك بعبارات توهم أنك سمعت، كما قال ابن حجر: «كعن».
وقال: ﴿وَأَمَّا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ﴾، شو الفرق بين المدلس والمرسل الخفي؟ المرسل الخفي أن أروي عمن عاصرته ولم ألقهِ حديثًا لم أسمعه منه. شو الفرق بين التدليس والمرسل؟ التدليس أنا لقيته وأروي عنه أحاديث لم أسمعها عنه، أما المرسل الخفي فأنا ما لقيته أصلًا، بس عاصرته، يعني كنا إحنا وإياه عايشين في نفس المدة الزمنية. أنا ما أكون لقيته لكن أروي عنه أحاديث بعنوة وأهيب أنني ماذا؟ سمعت عنه مباشرة وأنا في الحقيقة لم أسمع منه شيئًا أصلًا.
فالمرسل الخفي غير المدلس. الفرق بينهم إيش يا جماعة؟ التدليس أنا لقيته لكن أروي عنه ما لم أسمع منه، والمرسل الخفي أنا عاصرته بس ما لقيته أصلًا، لكن آتي بألفاظ توهم أنني سمعت منه هذا الحديث. فهمتم الفرق بين التدليس والمرسل الخفي؟
لذلك ماذا قال عن المرسل الخفي؟ قال: «أكد المرسل الخفي من عاصر لم يلق». إذن المرسل الخفي عاصرته بس ما لقيته، أما التدليس فأنا لقيته بس الحديث هذا المعين الذي رويته عنه أنا ما سمعته منه وحذفت الواسطة التي بيني وبين الشيخ. فهذا كله طبعًا كما قلنا يحتاج إلى جهابذة العلماء والكبار والمتتبعين ليعرفوا السقط الخفي.
أما السقط الواضح فهذا يدرك مباشرة باختلاف التعاصر، يعني شخص عاصر القرن الثاني وشخص عاش في القرن الرابع مستحيل هذا التقى، فالمعاد واضحة بتكون مش محتاجة لشخص عنده فلسفة في علم الحديث حتى يدركها.
قال رحمه الله: «ثم الطعن، إذ هو بين لك السبب الأول في رد الحديث، إذ الحديث إما أن يرد لسقط أو طعن، وصور السقط ما هي؟ التعليق، والإرسال، والإعضال، والانقطاع. ومعرفة السقط قد يكون واضحًا وقد يكون خفيًا، فإذا كان واضحًا فهذا من خلال معرفتك بتواريخ الولادات والوفيات، وإذا كان خفيًا فهذا إما أن يكون مدلسا أو مرسلا خفيًا».
فهمتوا التشجير؟ الآن سننتقل إلى الجزئية الثانية في الرد، أن يرد ليس لسقط، لا الإسناد ما فيه سقط، متصل تمامًا، لكن إيش سبب رد الحديث؟ الطعن في أحد الرواة. ما هي صور الطعن؟ قال: «وصور الطعن»، ثم قال: «الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، هذا واحد. إما أن يكون الطعن أنه الراوي نفسه كذاب، والراوي وضاع كذاب على النبي ﷺ، ويكثر ذلك في الروافض. قال: أو تهمته بذلك»، ثانيًا أن يكون لم يثبت كذبه لكن أهل العلم بالحديث اتهموه بالكذب. إذن الأول كذاب عيني عينك مش محتاج، والثاني مش متأكد مئة بالمئة لكن علماء الجرح والتعديل اتهموه، قالوا هذا يغلب عليه الاتهام بالكذب، وهذا طبعًا منهم ليس استعجالًا، بل بناء على تتبع واستقراء لرواياته.
ثالثًا قال: «أو فحش غلطه»، إذن الثالث الطعن يكون لفحش الغلط، يعني يكثر الغلط بكون حفظه ضعيف، تعبان في الحفظ فيفحش غلطه، فالفحش الغلط يعني كثرة الخطأ في روايته لأنه ليس حافظًا. قال: «أو غفلته»، الغفلة أخف من فحش الغلط، يعني هي مرتبة أخف منها، أحاديثه يجيب ويضيع، هذا أقل من فاحش الغلط أو فسقه.
الفسق هذا سقط في ماذا؟ ليس في الضبط، هذا سقط في العدالة، أنه هذا فاسق مرتكب للكبائر أو مصر على الصغائر، أو يرتكب ما يخرم المروءات. قال: «أو وهمه»، والوهم أقل من الغفلة، يعني حفظ جيد يكثر الأوهام، ما فيه غلط هذا أعلى، الغفلة أدنى شوي، الوهم أخف. قال: «أو مخالفته»، المخالفة أن يكون معروفًا أن رواياته دائمًا تخالف غيره، وهذا ما هو معنا، إذا كان يخالف غيره كثيرًا إما أن يكون منكرًا وإما أن يكون شاذًا، لكن هنا يقصد المنكر؛ لأنه إذا كان شاذًا فهو ثقة، لكن ممكن أيضًا ندخل الشاذ، هذه مسائل اصطلاحية، فالمخالفة خلونا على إطلاقها ندخل فيها الشاذ والمنكر الذي مر معنا قبل قليل.
قال رحمه الله: «أو جهالته»، جهالة يعني إحنا لا نتهمه لكننا في نفس الوقت لم نقف على من عدله، ولم نقف على من جرحه، لم نقف على من عدلوا هذا، بالنسبة لنا إيش نحكي؟ مجهول، شخص مجهول لا يوجد فيه جرح أو تعديل. قال: «أو بدعته»، بدعة هذا يرجع للعدالة، أن نقول ليس فاسقًا بمعنى ارتكابه للمعاصي لكنه مبتدع، رافضي، خارجي، مرجئ، جهمي وهكذا. قال: «أو سوء حفظه»، سوء حفظه المرتبة الأخيرة وهذه أقل من الوهم، أنت أحيانًا بعض المصطلحات قد تظن أن سوء الحفظ مرتبة عالية، لا هي فعليًا أخف شيء، سيء الحفظ هذا يعتبر من أخفهم، وأسوأ منها فحش الغلط أو كثرة الغفلة أو الوهم.
قال رحمه الله وذكر لك أن الأسباب العشرة نعيدها سريعًا ماذا قال؟ قال: «إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه». كم واحدة إذن؟ هذول إذا الطعن في الرواة لواحد من هذه العشرة. وكل واحد من هذه العشرة هناك اسم لراويها، يعني الحديث الذي طعن في راويه لأنه يكذب هذا موضوع، الحديث الذي رد بأن راويه متهم بالكذب سيأتي له اسم، الحديث الذي رد بأن راويه مطعون بفحش غلطه له اسم وهكذا، فالآن سنأخذ اسم كل حديث.
قال رحمه الله: «فالأول الموضوع»، فالأول الموضوع إذا الموضوع يعني هكذا تعرفه، الحديث المردود للطعن في الراوي بأنه كذاب هذا يسمى إيش؟ موضوع، ممن صنف في الموضوعات ابن الجوزي رحمه الله تعالى لكتاب الموضوعات، وإن كان أدخل فيه مما ليس بموضوع، لكن الكتاب أنفع الكتب في هذا الموضوع. قال: «والثاني المتروك»، الثاني المتروك، إذا ما هو المتروك؟ تقول لي هو حديث الآحاد المردود للطعن في راويه بأنه متهم بالكذب، خلص هذا يسميه إيش؟ متروك.
قال: «والثالث المنكر على رأي»، وكذا الرابع والخامس. الآن سيعطينا تعريفًا آخر للحديث المنكر، إحنا قبل شوية والبارح قلنا ما هو المنكر؟ ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة. البعض يعطي تعريفًا آخر للمنكر، فيقول: الحديث المنكر هو حديث الآحاد المردود للطعن في راويه بأنه فاحش الغلط أو عنده غفلة أو فسق.
ثالث ورابع وخامس ارجع وراء، عد: ثالث ما هو؟ فحش الغلط. الرابع شو هو؟ الغفلة. الخامس شو هو؟ حديث الآحاد المردود للطعن في راويه لأن عنده فحش غلط أو غفلة أو فسق، ماذا يسمى الحديث؟ منكر. فهذا تعريف آخر للمنكر. إذن كم صار؟ صار كم تعريف للمنكر عندك؟ التعريف الأول: ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة.
ثانياً: حديث الآحاد المردود بسبب الطعن في راويه بفحش غلطه أو غفلته أو فسقه. ممتاز، إذا هينا الحمد لله خلصنا من خمسة، صح؟ نعم. إذا ما كان راويه كذاباً شو بنسميه الحديث؟ إذا ما كان الراوي متهمًا بالكذب يسمى موضوعًا، وما كان راويه فحش غلط أو غفلة أو فسق يسمى منكراً. الحمد لله الأمور سهلة، العلم سهل لكن فقط خطط بشكل جيد.
قال رحمه الله: «ثم الوهم؛ إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل». الوهم هو أن تقول إن هذا الراوي وهم، وهذا مش شيء سهل، ولذلك يحتاج إلى ماذا؟ إلى عالم نحرير يستطيع أن يجزم أن هذا الراوي وهم، وأن الوهم ليس فحش غلط وليس غفلة، بل هو خطأ خفي. الوهم خطأ خفي لا يدركه إلا النقاد الكبار، فهذا يسمى حديثاً معللاً.
هنا نرجع للحديث الصحيح، تذكر الصحيح لذاته؟ ما رواه متصل السند غير معلل ولا شاذ. عرفنا شو المعلل؟ المعلل هو الحديث المردود لوجود وهم فيه لم يدركه إلا النقاد الكبار. فلما نقول في الصحيح لذاته من غير علة ولا شذوذ، ثم الإنشاء من غير علة، أي بشرط عدم وجود وهم خفي اطلع عليه أحد النقاد. فالحديث إذا وجد فيه وهم خفي اطلع عليه النقاد، هذا خلاص لا يكون صحيحاً لذاته ولا لغيره، أصبح الحديث ضمن المردود وإن كان قد يصحح لكثرة طرقه.
إذاً الحديث الذي فيه وهم اطلع عليه بالقرائن، يعني بالأدلة، من قبل الجهابذة يسمى هذا الحديث معللاً. وهذه المرتبة ليس سهلاً أن يدركها الطالب المبتدئ، إنما دائماً أقول هذه من مرتبة كبار النقاد.
قال رحمه الله: «ثم المخالفة». المخالفة هي السابعة، صح؟ كذب، اتهام بالكذب، غلط، غفلة، فسق، وهم، المخالفة. طبعاً المخالفة مرت معنا قبل شوي، المخالفة هي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وهذا هو الشاذ والمحفوظ، أو مخالفة الضعيف للثقة، فهذا هو المنكر والمعروف. هذه هي نفسها حقيقة وإن كان هو الآن سيطرحها بطريقة أخرى.
قال رحمه الله: «ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد». هو الآن سيطرح المخالفة بطريقة أخرى هنا، وقال: «المخالفة إن كانت بتغيير سياق السند فهذا يسمى ماذا؟ مدرج الإسناد». بأن ذكر شخصاً في الإسناد لم يذكره غيره. والنقاد عرفوا أن هذا الشخص الذي أضيف أو نُقص، ممكن تكون إضافة وممكن تكون إنقاص. الآن لما يقول إن كانت بتغيير السياق، أي في تغيير في سياق الإسناد، تغيير سياق الإسناد إما أن يكون أن تزيد راوياً أو أن تنقص، ويعرف العلماء أنك أنت من أخطأت بالزيادة أو النقصان، فهذا يسمى مدرج الإسناد.
قال رحمه الله: «أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن». مدرج المتن باختصار أن تدخل في كلام النبي ﷺ كلام غيره من الصحابة أو التابعين، هذا معنى قوله تدمج موقوف بمرفوع؛ أن تدخل أي شخص في كلام النبي ﷺ كلام غيره من صحابي أو تابعي موهماً أنه من كلام النبي ﷺ، فهذا يسمى مدرج المتن. يعني شو الإدراج؟ كلمة إدراج معناها إدخال، يعني أدخل في المتن لفظة ليست من كلام النبي ﷺ بل هي من كلام الصحابي أو التابعي.
قال: «أو بتقديم وتأخير فالمقلوب». تقديم وتأخير قد يكون في الإسناد وقد يكون في المتن؛ أن تقدم راوياً أخره غيرك في الإسناد، أو أن تقلب الحديث رأساً على عقب. كما قيل مثلاً في أحاديث: «لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه»، البعض قال هذا الحديث فيه قلب، وإنما الحديث: «ولا يضع ركبتيه قبل يديه». هذا الحديث «ولا يضع يديه قبل ركبتيه» أو «ولا يضع ركبتيه قبل يديه»، البعض قال هذا الحديث فيه قلب. فالقلب إذا أن تقدم شيئاً أخره غيرك أو أن تؤخر شيئاً قدمه غيرك، وهذا قد يكون في الأسانيد وقد يكون أيضاً في المتن، هذا يسمى المقلوب.
قال: «أو بزيادة راوٍ فالمزيد في متصل الأسانيد». الزيادة هي الصورة التي ذكرتها قبل قليل أن راوي الحديث أضاف شخصاً في الإسناد لم يضفه غيره، فهذا يسميه البعض المزيد في متصل الأسانيد، والبعض يدخل المزيد في متصل الأسانيد تحت مدرج الإسناد. هي المشكلة أن كثير من المتأخرين من علماء المصطلح كثروا العناوين، وأن بعضها يمكن أن يدخل في بعض. يعني المزيد في متصل الأسانيد ألا يمكن إدخاله تحت مدرج الإسناد وتغيير في سياق الإسناد؟ البعض أفرط في تسمية بعض الصور باسم خاص، والبعض دخل بعض الصور في بعضها، المهم أن تكون أنت تفهم الأفكار.
فإذا جاء شخص زاد شخصاً في الإسناد لم يزده الآخرون، هذا يسمى ماذا؟ المزيد في متصل الأسانيد ويسمى أيضاً مدرج الإسناد، فمدرج الإسناد أعم، يدخل فيه إذا أنا زدت شخصاً لم يزده غيري، أو أنقصت شخصاً لم ينقصه غيري، أو حتى قلبت شيئاً لم يقلبه غيري في الإسناد. فالقلب في الإسناد، والزيادة في الإسناد، والنقص في الإسناد، هذا كله في العادة يدخل تحت مدرج الإسناد. مدرج الإسناد مفهوم عام يمكن أن ندخل تحته القلب في الإسناد والزيادة في الإسناد، والبعض قد يفرده ببعض الصور دون غيرها، فهذا كله من باب الاصطلاح العلمي.
قال رحمه الله: «أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب». بإبداله ولا مرجح يعني إذا أبدلت راوياً براوٍ ولم يظهر للعلماء من هو الراجح فيهما، أو أبدلت لفظة بلفظة في المتن ولم يظهر للعلماء الراجح بينهما، فهذا يسمى ماذا؟ مضطرب. الاضطراب مثل القلب، كما أن القلب قد يكون في الإسناد وقد يكون في المتن، كذلك الاضطراب قد يكون في الإسناد وقد يكون في المتن. كيف الاضطراب في الإسناد؟ إبدال راوٍ باسم راوٍ آخر ولا يظهر للعلماء ما هو الراجح. وما هو الاضطراب في المتن؟ أن يتم إبدال لفظة في المتن بلفظة أخرى ولا يظهر للعلماء ما هي اللفظة الراجحة، فيقولون هذا الحديث مضطرب الإسناد وهذا الحديث مضطرب المتن، هذا موجود.
قال رحمه الله: «بس هذا شرط عدم وجود مرجح». إذا عرفنا ما هو الراجح، الراجح يسمى محفوظاً والمرجوح يسمى شاذاً، أو الراجح يسمى معروفاً والمرجوح يسمى منكرياً. قال رحمه الله: «وقد يقع الإبدال عمداً امتحانًا». هذا كما وقع لـ...
الإمام البخاري لما أرادوا أن يمتحنوه في العراق، فبدلوا له، قلبوا إسنادًا بإسناد آخر. وهذا حقيقة ليس في الاضطراب، يعني ما وقع للبخاري أغلبه قال وقع في القلب، شكل من الأشكال هو القلب وليس الاضطراب.
المهم، البعض قد يمتحن طالب العلم، وممكن شخص حافظ للبخاري، آتي أمتحنه وأقلب عليه إسنادًا بإسناد حتى أرى هو منتبه أم لا، حافظ أم لا. فالقلب والاضطراب يمكن أن يصنعه الإنسان امتحانًا لغيره، فإذا قصد به الامتحان لا إشكال فيه وليس محرمًا؛ أن تقلب أو أن تصنع اضطرابًا فقط من باب الامتحان للطالب ثم تبين له الصواب، هذا لا إشكال فيه. لكن الإشكال إذا وقع على سبيل الخلل وعدم الضبط منك للحديث، فهنا يكون سببًا في تضعيف الحديث.
قال رحمه الله: "وهو بتغيير حروف مع بقاء السياق، فالمصحف والمحرف". المصحف والمحرف هو عبارة عن... أنت ذكرت الحديث كاملاً. قال: «وقد يقع الإبدال عمدًا أو بتغيير حروف مع بقاء السياق». يعني أنت ذكرت الحديث كاملاً بسنده ومتنه، لكن في اسم راوٍ من الرواة، أو في لفظة من ألفاظ المتن أن تزيد حرفًا أو تنقص حرفًا، فهذا يسمى ماذا؟ المصحف. وإذا كان التغيير في الحركات يسمى المحرف.
فالتصحيف هو زيادة حرف أو نقصان حرف في السند أو في المتن، نفس الشيء. والتحريف هو تغيير الحركات في السند أو في المتن؛ ممكن أعطي اسم راوٍ أكسر حرفًا بدل ما أفتحه، هذا تحريف في السند. واللفظة من ألفاظ النبي ﷺ أشكلها بشكل خاطئ، هذا يسمى تحريفًا في المتن.
فإذا نلاحظ أحبابي الكرام، المخالفات تنقسم إلى: مدرج، ومقلوب، ومزيد، ومصحف، ومحرف. أنا أريدك أن تعيد ترتيب الفكرة حتى تسهل عليك. المخالفة من الراوي إما أن تكون بالإدراج، وإما أن تكون بالقلب، وإما أن تكون بالاضطراب، وإما أن تكون بالتصحيف والتحريف. وكل هذه: الإدراج والقلب والاضطراب والتصحيف والتحريف، كلها إما أن تقع في السند وإما أن تقع في المتن.
إذا عندك مخالفة راوٍ لراوٍ في الحديث قد تسبب عندي إدراجًا، قد تسبب عندي قلبًا، قد تسبب عندي اضطرابًا، قد تسبب عندي تصحيفًا وتحريفًا. أعيد المرة الأخيرة: مخالفة راوٍ لراوٍ قد تسبب عندي إدراجًا، أو قلبًا، أو اضطرابًا، أو تصحيفًا وتحريفًا، وكل واحد من هذه الأربعة إما أن يكون في السند وإما أن يكون في المتن.
فلذلك قسم المدرج: مدرج في الإسناد يعني تغيير في سياق الإسناد، وإما مدرج في المتن. والمزيد في متصل الأسانيد أدخله تحت المدرج في الإسناد. والقلب نفس الشيء؛ إما أن يكون قلبًا في الإسناد تقلب اسم راوٍ، أو يكون قلبًا في المتن تقلب في حديث النبي ﷺ. والاضطراب نفس الشيء؛ إما أن يكون اضطرابًا في الإسناد أبدلت راوٍ مكان راوٍ ولم نعرف الراجح، وإما أن يكون في المتن أبدلت لفظة نبوية بلفظة أخرى ولم يعرف الراجح. والتصحيف والتحريف نفس الشيء؛ إما أن يكون تصحيفًا في الإسناد، وإما أن يكون في المتن، أو تحريفًا في الإسناد، أو تحريفًا في المتن. والفرق بين التصحيف والتحريف أن التصحيف يكون في الأحرف والتحريف يكون في الحركة، هكذا الأمور تستقيم.
الآن هذه المخالفة، سواء كانت بالإدراج أو القلب أو الاضطراب أو التصحيف والتحريف، الراجح منها يسمى محفوظًا، والمرجوح يسمى شاذًا، هذا إذا كان ثقة مخالف لمن هو أوثق منه. وأما إذا كان ضعيفًا مخالفًا لمن هو ثقة، فالمحفوظ أو المعروف أو الصحيح يسمى معروفًا، ورواية الضعيف تسمى منكرة. فالمخالفة هي نفسها التي أخذناها قبل قليل إما شاذة أو محفوظة أو معروفة أو منكرة، لكن هنا دخل في تفصيل أعمق لها.
قال رحمه الله: «ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني». هذه مسألة استطرادية سريعة؛ هل يجوز أن تروي بعض الأحاديث وتترك بعضها؟ هذا يسمى الإنقاص. أن تروي بعض الأحاديث وتترك بعضها، وهذا كان يفعله الأئمة كثيرًا. فالبخاري في صحيحه بعض الأحاديث كان يقطعها حسب التراجم والمعاني، ما كان يروي الحديث كاملاً في بابه.
نعود فنقول أحبابي الكرام، هل يجوز لي أن أروي بعض الحديث وأترك بعضه؟ نقول هذا كان يفعله الأئمة. فالبخاري بعض الأحاديث كان يقطعها في صحيحه حسب التراجم والمعاني. وباختصار، هل يجوز لي أن أقطع الحديث فأروي بعضه وأترك بعضه؟ قالوا هذا لا يجوز إلا لعارف بالمعاني؛ لأن قد تحذف شيئًا من الحديث ويكون مرتبطًا بما قبله. فرواية بعض الأحاديث وترك بعضها لا يجوز إلا لعارف بالعربية باختصار، حتى لا يترك شيئًا يكون مرتبطًا بما قبله فيوصل الحديث بطريقة خاطئة، أو تحذف لفظة أو تنقصها فتغير معنى الحديث بالكامل.
فالذي يجوز له أن يروي بعض الحديث ويترك بعضه هو الشخص العارف باللغة العربية بما يحيل المعاني، ويعرف متى اكتملت الجملة ومتى لم تكتمل. أما الشخص البسيط العامي، إما تروي الحديث كاملاً أو لا ترويه. أما الشخص العارف بالمعاني ويعرف ما يحيل بعضها إلى بعض هو الذي يجوز له أن يقطع الحديث ويروي بعضه ويترك بعضه، هذا ما قصده.
«ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص»، النقص هو أن تروي بعض الحديث وتترك بعضه. «أو بالمرادف»، هو أن تروي الحديث بالمعنى فتغير لفظة بلفظ مرادف لها. هذا أيضًا لا يجوز لك أن تفعله إلا إذا كنت تعلم ما المرادفة. أما شخص لا يعرف الألفاظ المترادفة ممكن يغير معنى الحديث بالكامل ويقول لك والله أنا رويته بالمعنى؛ لذا حتى رواية الحديث بالمعنى لا تكون إلا لشخص متمكن بالعربية يعرف المترادفات حتى لا يخطئ في حيل المعاني.
لذلك هذه قاعدة عامة: لا يجوز أن تروي بعض الأحاديث وتترك بعضها وهذا يسمى الإنقاص، أو تروي الحديث بالمعنى بالمرادف إلا إذا كنت عالماً بما؟ بالعربية. هذا معنى «عالماً بما يحيل المعاني»، أي يعلم العربية فيعرف أين يقف وأين يكمل، وما هي الألفاظ المترادفة من غير المترادفة. أما العامي فلا يدخل نفسه في هذا الميدان.
قال رحمه الله: «فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل». هذا استطراد منه، فيقول إذا كان في الحديث لفظة غريبة، شرحها يسمى شرح الغريب، والبعض يسميه بيان المشكل. ومن الكتب في ذلك كتاب النهاية للإمام ابن الأثير، رحمه الله تعالى على هذه الكتب التي تشرح الألفاظ الغريبة التي وردت في بعض الأحاديث. الآن في أحاديث معانيها واضحة للجميع.
أحاديث فيها ألفاظ غريبة زي ما مر معنا في الشمائل تحتاج إلى شرح. شرح الألفاظ الغريبة ماذا يسميه علماء مصطلح الحديث؟ اسمه شرح الغريب، والبعض يسميه بيان، لنفس الفكرة وهي قضية شرح الألفاظ الغريبة.
لكن هذا كله استطراد، الآن سنعود إلى الطعن في الراوي. إذا أخذنا الطعن في الراوي إذا كان كذابًا، إذا كان كذابًا شو بيسمى حديثه؟ موضوع. وإذا كان متهمًا بالكذب، إذا كان فاحش الغلط أو غافلًا أو فاسقًا يسمى حديثه منكرًا على اصطلاح بعض أهل الحديث.
وإذا كان في الحديث وهم اطلع عليه بالقرائن فضعفه، يسمى حديثه وحديث آحاد مردود لأنه معلل. شو يعني معلل؟ يعني عرفنا وهمه من تتبع القرائن من قبل الذهبي. وإذا كان الراوي خالف غيره، فالمخالفة أنواع: إدراج، قلب، واضطراب، وتصحيف، وتحريف. وعرفنا رواية الأوثق تسمى المحفوظة أو المعروفة باعتبار المخالف؛ هل هو ثقة خالف من هو أوثق منه، أو ضعيف خالف الثقات؟
الآن سنأتي إلى الصفة بعد المخالفة، وصلنا الجهالة. الجهالة هي الثامنة، صح؟ إذا كان الطعن في الراوي بسبب جهالته. يلا اقرأ. قال رحمه الله: «ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته». أعطاك السبب، ما هي الأسباب التي تؤدي إلى أن الراوي يُجهل؟ قال هناك عدة أسباب.
السبب الأول أنه هذا الراوي كثرت نعوت بعض الرواة، له خمسون لقبًا، بعض الرواة قالوا وجدنا لها خمسين لقبًا، فلما ذُكر في حديث من الأحاديث أو في إسناد من الأسانيد ما عرفنا من هو هذا الرجل لكثرة الألقاب واشتراكها أحيانًا. أن هذا اللقب لأكثر منه، يأتي اسم ولا نعرض يا محمد بن عبد الله، طب هو كم واحد اسمه محمد بن عبد الله في الرواة؟ وكثير رواة محمد بن عبد الله.
فالذي يحدث أحيانًا أن بعض الرواة أسماؤهم مشتركة أو نعوتهم كثيرة، فيورد في الحديث والعلماء النقاد لا يعرفون من هو المقصود في هذا الباب، وما أكثر الخطأ في هذا الباب، نقول والله المقصود فلان العراقي ويطلع له طلع أبو محمد عبد الله الشامي ويطلع المصري، هذا كثير في نقد الحديث. فإذا كانت الجهالة قد يكون سببها أن هذا الراوي له صفات ونعوت كثيرة، هذا سبب من أسباب أنه يُجهل عندما يُورد في بعض الأحاديث.
وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته في ذكره بغير ما اشتهر به لغرض. كما قلنا بعض الرواة له ألقاب كثيرة، المحدث لما حدث بإسناده ذكر هذا الراوي بلقب ليس مشهورًا به، وأحيانًا بكل غرض، كما قال ابن حجر شو هو الغلط؟ بده يخفيه، بده إياك ما تعرف مين هو، ليش؟ لأنك إذا عرفت من هو ممكن تضعفه، فهو بقول لك حتى ما يعرفوا مين هو، اذكره باسم أو بلقب ليس مشهورًا به فبضيع وخلص بيصحح الحديث. لا، إحنا بنقول له تعال، يا عمي إذا ما عرفنا مين هو بالضبط حديثك في راوي مجهول فلا نصححه.
العلماء فطنوا، علماء الحديث أذكياء إخوان، حتى ما يأتيك شخص يتهم علماء الحديث أو يطعن في السنة، حتى تعرف العلماء كل شيء محسوب، ما في أحاديث إلا دخلت على الفرازة كما قالوا. لما يأتينا حديث فيه راوي لم نعرف من هو، نتوقف في قبوله ولا نقبله؟ ولا نبني عليه أحكامًا شرعية؟ فلذلك قال السبب الأول للجهالة: «وأن الراوي قد تكثر نعوته في ذكره بغير ما اشتهر به»، صاحب الكتاب يذكره بلقب ليس مشهورًا به، طب ليش عملت هيك يا فلان؟ والله بدي شي ما تعرفه، طب ليش بدك إياي ما أعرفه؟ قال والله فيروس أنت تضعفه فيروح الحديث.
الأصل حقيقة الصدق والعدالة أن تخبرني مين هو، لا تعطيني ألقابًا غير مشهورة وتضيعني في هذا الراوي، لازم أعرف مين هو حتى أعرف هل هذا الحديث صحيح أو غير صحيح. فهذا من التي وقع فيها البعض أنهم كانوا يذكرونه بغير لقبه المشتهر لغرض، كما قلنا من الأغراض أن يُبهمه عليك حتى لا تعرف من هو.
هناك بعض العلماء تتبعوا هذه القضية وتتبعوا من هم هؤلاء الرواة الذين ذكروا بألقاب غير مشتهرة وكشفهم، ويسمى هذا عندهم ماذا؟ الموضح، والبعض يسميه الموضحات. فهذا ما هو الموضح؟ هو أن يكشف عالم الحديث الرواة الذين ذكرت أسماؤهم في الأسانيد بألقاب ليست مشتهرة لهم، شافوا لنا إياهم فنعرف بعد ذلك هل هو من الثقات أو من غير الثقات؟
قال رحمه الله: «وصنفوا فيه الموضح، وقد يكون مقلًا فلا يكثر الأخذ عنه». وهذا سبب آخر من أسباب الجهالة، قد لا تكون المشكلة أنه له ألقاب كثيرة، لا، ممكن ما له ألقاب، عادي معروف الاسم، لكن إيش المشكلة؟ المشكلة أنه لم يروِ إلا حديثًا أو حديثين، أو ليس له إلا تلميذ أو تلميذين، بالتالي لا نعرف هل هو عدل أو مجروح.
لماذا؟ وأنت متى بتعرف أنه فلان عدل أو مجروح؟ لما يكثر تلاميذه وتكثر رواياته، بتصير تعرف العدالة من الجرح وما شابه ذلك. لكن واحد ما فش له إلا حديث واحد في كل الكتب، طب هذا كيف بدي أعرف مين هو؟ ماشي اسمه محمد بن عبد الله واسمه خالد بن معدان واسمه كذا، لكن في النهاية ما حدا بعرفه ليه؟ ما عنده إلا تلميذ أو تلميذين، فلا نستطيع أن نعرف هل هو عدل أو مجروح، هل هو ضابط أو غير ضابط؟ لقلة من أخذ عنه، فهذا يسبب لنا جهالة.
فالجهالة ليس معناها دائمًا أننا مش عارفين مين هو، لا، ممكن نكون عارفين من هو لكن جهلنا ماذا؟ عدالتة أو جرحه، ضبطه أو عدم ضبطه. فالجهالة حتى لا تخطئ فيها لأن بعض المبتدئين قد يظن أن المجهول يعني كما يفهمه في الحياة العامة شخص مجهول أنه ما حداش عارف مين هو، لا، قد يكون ما حداش عارف مين هو هذه الصورة، وقد يكون معروف من هو كاسم لكن مجهول العدالة والجرح أو الضبط أو عدم الضبط.
لذلك السبب الثاني للجهالة قال: «وقد يكون مقلًا»، أي قليل الرواية للحديث والانشغال بالعلم، فليس له إلا حديث أو حديثين فلا يكثر الأخذ عنه، بالتالي لا نعرف هل هو عدل أو مجروح، هل هو ضابط ولا غير ضابط؟ فنقول مجهول. وهذا صنفوا فيه كتاب "الوحدان" للإمام مسلم، العالم الذي لم يروِ عنه إلا شخص، أو الراوي الذي لم يروِ عنه إلا شخص يسمونهم وحدان، إذا كان الراوي لم ينقل عنه إلا تلميذ واحد، كل هذا مسكين وحيد.
لماذا وحيد؟ وحيد، يعني وحيد. ليش وحيد؟ ما فيش إلا تلميذ واحد.
قال رحمه الله: «أو لا يسمى اختصارًا». السبب الثالث للجهالة في الأسانيد أن لا يسمى الراوي اختصارًا. لا يسمى، لكن لا يُحذف؛ إذا حُذف صار سقطًا، صح؟ ماذا يعني أن يقول: حدثنا رجل؟ من هو الرجل؟ حدثنا فلان من فلان، هذا يسمى المبهم. حدثتنا امرأة نحسن الظن بها، طيب من هي هذه المرأة التي نحسن الظن بها؟ فهل يسمونه في علم المصطلح: «المبهمات»؟
فقوله «أو لا يسمى اختصارًا»، انتبه، ليس المراد أن يُسقط، لا، إنما يقول حدثني، لكن يُبهم الاسم، فيقول: حدثني رجل أو فلان أو فلانة، ولا يذكر من هو، وهذا يسمى عندهم المبهم.
قال رحمه الله: «وفيه المبهمات، ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح». يعني لو أن أحد الرواة قال: حدثني فلان الذي هو عدل، هل نقبل هذا الحديث؟ طيب، هو قال لك هو عدل، هذا عدل ممكن يكون عندك، بس عند غيرك ممكن ما يكون عدل، أخبرنا من هو. ولذلك قال: الحديث الذي فيه مبهم لا يقبل حتى نعرف من هو الشخص. ولو أن الراوي عدله فقال: حدثني شيخي الذي أثق به، طيب أنت الذي تثق فيه، ممكن أنا ما أثق في شيخك، ولا يصلح.
أو لا يقبل الحديث الذي فيه راوٍ مبهم، ولو أنه نُقل بلفظ التعديل؛ يعني لو قال: حدثني فلان العدل، أو فلان الذي أثق به، أو فلان أفضل أهل عصر، كل هذا لا نقبله، لا بد أن نعرف من هو فلان. حتى تعرفوا يا أحبابي ما معنى الحديث الصحيح، وأن العلماء تحروا في هذه الأمور، ولم يلعبوا ولم يقبلوا أي سهو أو غفلة، حتى تعرف أن الحديث الصحيح هو حديث صحيح مقبول. لا يأتيك عامي أو شخص جاهل ممن يخرج على شاشات التلفاز ويتفلسف على البخاري ومسلم ويقول لك: والله أنا ما أقبل هذه الأحاديث. أنت عارف شو علم المصطلح؟ عارف الدقة التي وصل إليها العلماء في فرز الأسانيد والاحتياط لها.
فإذاً الجهالة، إما أن تكون بسبب ماذا؟ كثرة الألقاب، فيرويه بلقبه غير المعروف وهذا يحتاج إلى الموضحات. وقد تكون الجهالة سببها أن الراوي ليس له إلا تلميذ واحد، أو تلميذان، وهذا صنفوا فيه كتب «الوحدان». الثالث؛ قد تكون لأنه لم يسمه وقال: حدثني فلان أو فلانة أو رجل أو امرأة، وهذا يسمى «المبهمات»، وصنف بعض العلماء كتبًا في كشف المبهمات؛ لأنه أحيانًا ممكن نعرف المبهم من خلال تتبع طرق الحديث والأسانيد، ممكن نكتشف من هو المبهم، وبالتالي نعرف هل هو عدل أو غير عدل؟
قال رحمه الله: «فإن سمي وانفرد عنه واحد، انفرد واحد عنه فمجهول العين، وإن كان اثنان فصاعدًا ولم يوثق فمجهول الحال، وهو المستور».
الآن أراد أن يعطيك مصطلحين مهمين يكثران في كتب المصطلح: من هو مجهول العين؟ ومن هو مجهول الحال؟ الآن إذا كان الشخص ليس مبهمًا، ذكر اسمه "محمد بن عيسى" فرضًا، ممتاز، لكن وجدنا محمد بن عيسى هذا لم يروِ عنه إلا شخص واحد فقط، ما عنده أي تلميذ آخر، فهذا الشخص الذي ليس له إلا تلميذ واحد فقط يسمى عند علماء المصطلح: «مجهول العين». مجهول العين، نحن كما قلنا ليس معناه أنه غير معروف، لا، معروف اسمه محمد بن عيسى، بس لماذا سموه مجهول العين؟ مصطلح شخص لم يروِ عنه إلا واحد، فهذا يسمى مجهول العين، وهذا الذي صنفوا فيه كتبًا تسمى «كتب الوحدان» التي ذكرناها قبل قليل.
أما إذا كان الراوي قد روى عنه اثنان فصاعدًا، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، لكن لم يوثقه أحد ولم يجرحه أحد، فهذا يسمونه ماذا؟ «مجهول الحال»، ويسميه بعضهم أيضًا «المستور»، وإن كان البعض يفرق بين مجهول الحال والمستور، لكن هنا سوى بينهما ابن حجر العسقلاني. فمجهول الحال والمستور هو راوٍ روى عنه اثنان فصاعدًا، لكن لم يوثقه أحد ولم يجرحه أحد، فهذا يسمى مجهول الحال، مش عارفين والله ثقة ولا مش ثقة؟ ضابط ولا مش ضابط؟ ليش مش عارفين؟ لأنه هذا ما أحد تكلم فيه، وما أحد تطرق إليه، لا بتوثيق ولا بتجريح، نحن مش عارفين شو وضعه.
بالتالي أنا في اليوم المعاصر لما أجد إسنادًا أفتش فيه، أجد شخصًا أذهب فأفتش عنه في كتب الجرح والتعديل، أرى ماذا قال العلماء فيه، فإذا فتشت ولم أجد أحدًا تكلم عنه، فماذا أقول؟ هذا مجهول الحال، روى عنه اثنان فصاعدًا لكن لم أجد من تكلم عنه. لكن لا تستعجل حتى تحكم عليه بأنه مجهول الحال، لازم تفتش، لأن هؤلاء قلة، مجهول الحال كله لأن الحمد لله علماء الحديث ما تركوا شاردة ولا واردة إلا القلة القليلة ممن هو مجهول الحال، فبالتالي الإنسان لا يستعجل في قوله إن فلانًا مجهول الحال حتى يتأكد فعليًا أنه لا يوجد من وثقه ولا من جرحه.
فإذاً هذا كله تفصيل في ماذا؟ في الجهالة. عرفنا أسباب الجهالة، أنا أريدك أن تعرف شو أسباب الجهالة؟ ثلاث، وتعرف الفرق بين مجهول العين ومجهول الحال: مجهول العين من هو؟ شخص لم يروِ عنه إلا تلميذ واحد. مجهول الحال من هو؟ شخص له تلميذان فصاعدًا لكن لم يوثق ولم يجرح، اكتب: لم يوثق ولم يجرح، لأنه إذا جُرح صار عرفنا أنه مجروح، لكن لم يوثق ولم يجرح فأصبح مجهول الحال.
بالنسبة إلينا، الحديث الذي فيه شيء من هذه الأوصاف، في رجل مبهم أو مجهول العين أو مجهول الحال، هذه خلاصة الكلام. الحديث الذي فيه شخص مبهم، أو مجهول العين، أو مجهول الحال، أو لم يُعرف لكثرة نعوته ولم يوجد من يوضحه، هذا الحديث أيضًا من الحديث المردود، هذا شكل من أشكال الحديث المردود، لكن لم يعطوه اسمًا خاصًا فيه، نحكي موضوع منكر؟ لا، هذا خلص نقول مردود، لماذا؟ للجهالة؛ إما لأن فيه شخصًا مبهمًا، أو مجهول العين، أو مجهول الحال، أو لم يُعرف لكثرة نعوته وذكر بغير ما اشتهر به.
قال رحمه الله: «ثم البدعة». البدعة هو التاسع، صحيح، نعم، هذا هو اللقب التاسع. البدعة على نوعين؛ أما بدعة... قال رحمه الله: «ثم البدعة، إما بمكفر أو بمفسق»، الشخص المبتدع إما أن تكون بدعته موصلة للكفر، أو تكون بدعته أوصلته إلى ماذا؟ غلاة القدرية، كما قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية، غلاة القدرية الذين أنكروا علم الله، هؤلاء ما حكمهم؟ بدعتهم مكفرة، لكن متوسطوهم ومتأخروهم اعتبروا بدعتهم مفسقة. بعض البدع تصل بصاحبها إلى الكفر، كبدع كثير من الروافض وكثير من غلاة التصوف.
غلاة المعتزلة هؤلاء بدعهم تسمى بدعة مكفرة أوصلت صاحبها إلى الكفر، وهناك بدعة ما حكمها؟ مفسقة لم توصل صاحبها إلى الكفر لكنها توصل إلى التفسيق. وقد يكون التفسيق بسبب ارتكاب المعاصي والذنوب، وقد يكون بسبب اعتقادك بعض الاعتقادات الخاطئة التي لا تصل إلى درجة الكفر.
قال رحمه الله: فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور من بدعته مكفرة؛ إذا روى حديثًا أو ذكر في الإسناد لا يقبل أي راوٍ في أي إسناد، هذا الراوي عرفنا أنه من غلاة القدرية، أو من غلاة الجهمية، أو من غلاة الروافض. هل نقبل الحديث الذي فيه راوٍ بدعته مكفرة؟ لا، إذا كان في إسناده راوٍ بدعته مكفرة عرفنا أنه من غلاة القدرية أو من غلاة الروافض أو من غلاة الجهمية، فنقول هذا الحديث غير مقبول للطعن في راويه؛ لأنه هذا الراوي عنده بدعة مكفرة.
قال رحمه الله: والثاني يقبل من لم يكن داعية في الأصح، إذا كان الحديث فيه راوٍ مبتدع لكن بدعته ليست مكفرة بل بدعته مفسقة. فهذا هل تقبل روايته للحديث؟ يقبل إذا لم يكن داعية إلى بدعته، والصحيح والله أعلم أنه يقبل ولو كان داعيًا إلى بدعته بشرط ألا يكون الحديث الذي ينقله ينصر بدعته، وهذا هو الصواب.
لماذا؟ هذا كما قال الذهبي وغيره. الأشاعرة والماتوريدية، كثير من المتأخرين أشاعرة وماتوريدية، هو على تصنيف أهل الأحاديث بتاعتهم مفسقة؛ يا بدعة مكفرة يا مفسقة، إذاً الأشاعرة والماتوريدية وغيرهم ممن ورد في الإسناد، ماذا تفعل بأسانيدهم؟ الأشعري لا يدعو إلى بدعته من العلماء، هذا سهل جدًا، تقول لي عالم من علمائنا الأجانب لا يدعو إلى بدعته، كم احتمالية ذلك؟ ضعيفة كما قال الذهبي وغيره. الماتوريدي لا يدعو إلى بدعته؟ هو يدعو إلى بدعته، فهذا حقيقة قليل جدًا من لا يدعو إلى بدعته.
بالتالي تقول لي صاحب بدعة مفسقة لا يدعو إلى بدعته، أنت تدعو إلى عقيدتك، صاحب عقيدة، هذا معتقد، هكذا هي الحياة. الأشعري ألا يرى نفسه على الحق؟ المتصور أنه يدعو إلى عقيدته، كما أنك أنت ترى نفسك على حق فتدعو إلى عقيدتك. فقضية صاحب عقيدة مفسقة لا يدعو إلى بدعته هذه ليست ضابطًا قويًا، بل الصحيح أنه يقبل المبتدع ولو كانت بدعته مفسقة ولو كان داعيًا إلى بدعته بشرط واحد: أن يكون الحديث الذي نقله عن النبي ﷺ ليس مما يقوي به بدعته.
بعض الروافض الذين لم يصلوا إلى بدع مكفرة في رفضهم، يروي حديثًا في آل البيت، هل نقبله أم لا؟ لا نقبله؛ لأن هذا رافضي طبعًا بدعته مفسقة لم يصل إلى غلاة الرفض، لكن هذا الحديث هو ينصر به بدعته. أما إذا كان من معتدليهم مثلاً ويروي حديثًا في الطهارة، فهو صاحب بدعة، لكن الحديث الذي رواه في الطهارة أو في الصلاة لا ينصر به بدعته، ففي الحقيقة إذا كان تام الضبط ممن عرف بإتقانه أقبله. يعني إذا كانت مشكلته أنه مبتدع ببدعة مفسقة ويدعو إلى بدعته، وأما في الجوانب الأخرى فهو تام الضبط وأموره تمام ولا يخطئ، فالأصل إذا روى حديثًا في غير موضوع بدعته يقبل حديثه، وهذا الذي نختاره في هذا الموضوع.
ابن حجر اختار يقبل ما لم يكن داعية، لكن حتى ابن حجر اقرؤوا له، كلامه ليس على شيء واحد في هذه القضية؛ لذلك هو ماذا قال؟ يقبل ما لم يكن داعية في الأصح، وهناك قول آخر أنه يقبل الداعية إلى بدعته بشرط أن يكون الحديث لا ينصر بدعته، أي أن موضوع الحديث ليس فيه نصرة لبدعته.
قال رحمه الله: إلا أن روى ما يقوي بدعته فيرد، على المختار. هذا على القول الأول أو الثاني؛ الصحيح أن المبتدع الفاسق ببدعته إذا روى حديثًا ينصر فيه بدعته هذا لا يقبل، كمن يروي حديثًا في الإرجاء وهو مرجئ، ومن يروي حديثًا في إنكار الصفات وهو عنده إشكالية في الأسماء والصفات لا نقبله، لكن روى حديثًا في الطهارة أو في القضاء أو في الأبواب الأخرى، فمثل هذا يقبل على الصحيح.
قال رحمه الله: وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي. هذا الرأي، وهو أنه يقبل ما لم يكن داعية إلى بدعته، هذا قول من اختاره شيخ النسائي الإمام الجوزجاني رحمه الله، لكن هناك أقوالًا أخرى في المسألة تُدرس في مطولات علم المصطلح.
قال رحمه الله: ثم سوء الحفظ، إن كان الوصف العاشر والأخير، ما هو؟ سيء الحفظ. نحن قلنا كذاب، متهم بالكذب، فاحش الغلط، غفلة، فسق، مخالف، جهالة، بدعة، وأخيرًا سوء الحفظ. هذه قالوا أخفها، أنتم تقولون أسوأها لكن هي في الحقيقة أخفها في علم المصطلح.
قال ثم سوء الحفظ، إن كان لازمًا فالشاذ على رأي. هنا أعطانا تعريفًا آخر للحديث الشاذ على رأي بعض العلماء: الحديث الشاذ هو كل حديث راويه سيء الحفظ ولو لم يخالف من هو أوثق منه. والبعض قال الحديث الشاذ هو الحديث الذي راويه موصوف بأنه سيء الحفظ، هذا تعريف آخر للشاذ. إذاً كم تعريفًا عندنا للشاذ؟ التعريف الأول: ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أوثق منه، وهناك تعريف آخر للشاذ وهو كل حديث في إسناده راوٍ موصوف بأنه سيء الحفظ.
عليك أن تضبطها حتى تعرف مصطلح العالم، فقد تجد في بعض الكتب قولهم هذا الحديث شاذ ويقصدون به أن الثقة خالف من هو أوثق منه، ويقصد العالم بأن راويه سيء الحفظ. فمعرفتك للمصطلحات وإطلاق العلماء، خاصة لمن يريد أن يتعمق في علم المصطلح، معرفتك بالمعاني العديدة للمصطلح الواحد مهمة حتى لا تخلط الأمور ببعضها. فالبعض يطلق الشاذ بمعنى الحديث المردود لأن راويه سيء الحفظ، والبعض يطلق الشاذ بالمعنى الأول وهو الرواية التي رواها الثقة مخالفة ومناقضة لمن هو أوثق منه، فهذا اصطلاح وهذا اصطلاح آخر.
قال رحمه الله: ثم سوء الحفظ إذا كان ملازمًا، يعني معروف أنه هذا الشخص من بداية اشتغاله بعلم الحديث وهو سيء الحفظ، هذا يسمى شاذًا. لكن أحيانًا سوء الحفظ قد يطرأ على الإنسان، في البداية كان ثقة لكن لما كبر صار عمره في السبعين أو الثمانين.
بدأ يخلط، فهذا لا يسمى شاذاً، يسمونه ماذا؟ المختلط. وهو الشخص الذي كان في بادئه أمره قوياً ثم ضُبط أو حُسن ضبطه، ثم بعد ذلك بسبب الكبر أو بعض الأمراض التي عرضت له ساء حفظه، فهذا يسمى المختلط.
الآن الشخص المختلط، ما رواه قبل اختلاطه ما حكمه؟ مقبول. وما رواه بعد اختلاطه؟ مردود. وما شككنا فيه هل رواه قبل اختلاطه أو بعد اختلاطه؟ الأكثر على أنه مردود أيضاً. إذا شككنا في الراوي هل هو قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط يكون مردوداً، لكنه لا يكون من شديد الضعف، بل يكون حديثاً خفيف الضعف فيقبل في باب فضائل الأعمال وما شابه ذلك، لكن لا يقبل في باب الحلال والحرام والحدود وما شابه ذلك.
فالمختلط وهو الذي ساء حفظه متأخراً: ما تأكدنا أنه رواه قبل اختلاطه مقبول، وتأكدنا أنه رواه بعد اختلاطه مردود، وما شككنا في قبل الاختلاط وبعد الاختلاط فهو مردود لكنه ليس شديد الضعف، بل يقبل في فضائل الأعمال ونحو ذلك من الأبواب.
قال رحمه الله: "أو طارئاً"، فالمختلط ومتى يعني سوء الحفظ؟ إن كان سوء الحفظ ملازماً للإنسان من أول اشتغاله فهذا كما قلنا شاذ، وإذا كان سوء الحفظ طارئاً فهذا مختلط، والمختلط فصلنا فيه كما ذكرنا قبل قليل.
قال رحمه الله: «ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر، وكذا المستور والمرسل والمدلس صار حديثهم حسناً لا لذاته بل بالمجموع». هنا عرف الحسن لغيره. لسنا قد حكينا أن الأحاديث المقبولة إما صحيح لذاته، أو صحيح لغيره، أو حسن لذاته، أو حسن لغيره؛ هنا عرف الحسن لغيره في هذا المكان.
فقال: متى يُسمع الحديث حسناً لغيره؟ نحن قلنا ما هو الحديث الحسن لغيره؟ هو حديث ضعيف في أسانيده لكن له متابعات مع كثرتها أصبح حسناً لغيره. فقال: «ومتى توبع» ها، الشخص السيئ الحفظ، وهو الشخص الأخير. «وكذا المستور»، من المستور؟ مجهول الحال الذي ذكرناه قبل قليل. «والمرسل»، المرسل هل هذا طعن أم سقط؟ انتبه، كلمة المرسل سقط. «أو المدلس»، وهذا المدلس أيضاً ما هو؟ سقط.
فهؤلاء سيئون حفظ، أو المستورون، أو الحديث الذي فيه سقط بسبب الإرسال، أو فيه تدليس، متى توبعوا من أشخاص أخرى؟ عرفنا نحن تعريف المتابعة. المهم إذا حصلت متابعة لشخص سيئ الحفظ، أو لشخص مستور مجهول الحال، أو لشخص مرسل أو حديث فيه إرسال أو تدليس، هنا هذان الإسنادان مع اجتماعهما يصبح الحديث حسناً لغيره، بس المتابعة يجب أن تكون أيضاً ضعيفة، أو الاعتبار يجب أن يكون ضعيفاً؛ لأنه إذا كانت المتابعة أصلاً صحيحة بنفسها، إذًا خلص الحديث هو باقي صحيح وحسن.
فقوله: «ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر»، لكنه مثله سيئ الحفظ، يعني حديث له إسنادان، كل واحد فيه ضعف، فنقول هذا يجبر هذا. أما إذا سيئ الحفظ توبع بإسناد صحيح، فالحديث صحيح من البداية وليس حسناً لغيره. فقوله: «ومتى توبع» أي بمثله. يعني حديث مرسل، حديث له إسنادان، هنا مرسل، وهنا المرسل مع المرسل يجبر بعضه بعضاً فيصبح حسناً لغيره.
حديث له إسنادان، هذا فيه تدليس وهذا فيه تدليس، هذا بجبر هذا، لكن حديث له إسنادان، واحد صحيح وواحد مرسل، هل نحن نحتاج أصلاً للاعتبار هنا؟ لا، لأنه خلاص في إسناد صحيح خلصنا. هنا يجب أن تنتبه حتى لا تفهم العبارة بشكل خاطئ، قوله: «ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر»، بمعتبر لكن بمعتبر فيه ضعف، يعني معتبر لكنه سيئ الحفظ مثله، أو مرسل بمرسل، أو مدلس بمدلس، فهنا هذا يجبر هذا ويشيلان بعضهما.
لكن حديث موضوع له إسنادان، لا، هذا لا يشيل هذا. حديث فيه متهم بالكذب وإسناد آخر متهم، هذا لا يشيل هذا. فلذلك خصص، يعني ليس كل حديث ضعيف جاء سند آخر ضعيف يقوي بعضه بعضاً، لا، هناك شرط أن يكون من واحد من هذه الأمور: إما سيئ الحفظ، أو مستور، أو مرسل، أو مدلس. أما إذا كان حديث فيه متروك ومتروك، لا يقبلان ولا يقوي بعضهما بعضاً، أو منكر ومنكر لفحش الغلط، لا يقوي بعضهما بعضاً، أو فاسق وفاسق لا يقوي بعضهما بعضاً.
فهنا عليك أن تعرف ليس كل حديث له أكثر من إسناد يصبح حسناً لغيره، هذا يجب أن تفهمه. ليس كل حديث له أكثر من إسناد ضعيف يصبح حسناً لغيره، هناك حديث له عشرة أسانيد كلها ضعيفة ولا يرتقي للحسن لغيره، لماذا؟ لأنه كلها إما متروكة، فلا يمكن أن يصل للحسن لغيره ولو تكاثرت الأسانيد.
الحديث الذي له أسانيد ضعيفة ويصل للحسن لغيره، وما ذكره ابن حجر هنا، أن يكون سبب الضعف سوء الحفظ، أو مستور، أو تدليس، أو إرسال. طبعاً البعض يزيد والبعض ينقص، لكن هذا يعني تدرس في المطولات إن شاء الله.
هكذا نكون انتهينا من معرفة متى يكون حديث الآحاد مردوداً، هكذا انتهينا من معرفة متى يكون حديث الآحاد مردوداً لسقط أو لطعن.
قال رحمه الله: «ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ». سنبدأ بتقسيم آخر الحديث بعد أن قسمنا الحديث باعتبار وصوله إلينا إلى متواتر وآحاد، وعرفنا انقسام الآحاد إلى مشهور وعزيز وغريب، وعرفنا أن الآحاد منها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود، وعرفنا مراتب المقبول، وعرفنا أن المردود إما لسقط أو طعن، وعرفنا صور السقط وعرفنا صور الطعن، خلاص نغلق هذا الملف ونرجع للخبر.
الخبر باعتبار إلى من ينسب ينقسم إلى مرفوع وموقوف ومقطوع. قال: «ينقسم إلى مرفوع وموقوف ومقطوع». تمام؟ اقرأ. قال رحمه الله: «ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ تصريحاً أو حكماً، قوله أو فعله أو تقريره، أو إلى الصحابي كذلك». الصحابي كذلك، معنى كذلك أن يكون تصريحاً أو حكماً من قوله أو فعله أو تقريره، وهو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به.
نبدأ بتقسيم الخبر باعتبار إلى من ينسب، الخبر إذا كان ينسب إلى النبي ﷺ فهذا الخبر يسمى ماذا يا مشايخ؟ مرفوعاً. ما هو الحديث المرفوع؟ هذا المصطلح كثيراً ما تقرأه في كتب أهل العلم، مرفوع، موقوف. ما هو الحديث المرفوع؟ هو الحديث المنسوب إلى النبي ﷺ، من قوله أو فعله ﷺ أو تقريره، أو حتى صفته الخلقية، فهذا يسمى حديثاً مرفوعاً، وهذا الرفع قد يكون صراحة.
أن نقول قال صلى الله عليه وسلم، فعل صلى الله عليه وسلم، أقر صلى الله عليه وسلم، وقد يكون حكما. الحديث المرفوع حكماً ما هو؟ هو أن يقول الصحابي شيئاً ولا ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا يمكن أن يكون الصحابي قاله من عنده؛ لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه.
الصحابي تكلم عن تفاصيل في الدار الآخرة، وابن عباس وغيره يخبرون عن تفاصيل في الدار الآخرة، والدار الآخرة لا يمكن أن ينقل عنها ابن عباس شيئاً إلا في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم لأنها من علم الغيب، فلا مجال للاجتهاد في هذه الأمور. فالصحابي إذا قال شيئاً من أمور الغيب ولم يثبته للنبي صلى الله عليه وسلم صراحة، نقول هذا الحديث مما لا مجال للاجتهاد فيه، فحتى ولو لم ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم صراحة لكنه يعتبر مرفوعاً حكماً.
لكن هذا له شرط: أن يكون الصحابي ليس معروفاً بالأخذ من الإسرائيليات. إذا كان الصحابي ممن عرف أنه يقرأ في الكتب السابقة كعبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، فإذا روى شيئاً مما لا مجال للاجتهاد فيه لا نعطيه حكم المرفوع حتى نتأكد أنه ليس مما أخذه من الأمم السابقة. أما الصحابي الذي لا يأخذ من الأمم السابقة فلو روى شيئاً مما لا مجال للاجتهاد فيه لا يعطى حكماً مرفوعاً؛ هذا يجب عليك أن تنتبه.
إذاً الحديث المرفوع إما مرفوع صراحة أو مرفوع حكماً. المرفوع صراحة ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة من قوله أو فعله أو تقريره. والمرفوع حكماً يقول الصحابي شيئاً مما لا مجال للاجتهاد فيه، أو حتى البعض قال أو حتى التابعي لو قال شيئاً مما لا مجال للاجتهاد فيه، البعض أيضاً قال هذا يأخذ حكم المرفوع حكماً؛ لأنه بالتأكيد حصله من النبي صلى الله عليه وسلم بالشرط الذي ذكرناه، ألا يكون معروفاً بالأخذ من الإسرائيليات.
قال رحمه الله تعالى: أو إلى الصحابي كذلك. النوع الثاني من الخبر هو الخبر الذي يكون منسوباً إلى الصحابي، يعني من كلام الصحابي ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان من قول الصحابي أو فعله أو تقريره؛ كما يروى عن عمر، وكما ينقل عن علي بن مسعود، وكما ينقل من فتاوى علي بن أبي طالب وفتاوى زيد بن ثابت. فهؤلاء الصحابة ما أفتوا به من كلامهم موقوفاً.
لكن الآن نحتاج أن نعرف ما هو حد الصحابي، من هو الصحابي حتى لا نخلط بين الصحابي والتابعي؟ ما هو تعريف الصحابي؟ قال: «وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم». لماذا لم يقل من رأى؟ حتى يدخل الصحابة الذين لم يكونوا ببصر، مثل عبد الله بن المكتوم، فهل هو صحابي؟ بالتأكيد هو صحابي باتفاق الجميع، فهل هو رأى النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، كان بصيراً ضريراً رضي الله تعالى عنه. هنا العلماء قالوا: الأصل في تعريف الصحابي لا نقول من رأى؛ لأن بعض الصحابة ما كان بصيراً، ونقول من لقي سواء رأى أو لم يرَ، فممكن البعض لقي النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب ولم يره، يسمى صحابياً ولو رآه من وراء حجاب.
ويشترط أن يكون من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به. فإذا شخص لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر به ثم أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمى صحابياً؛ يشترط أن يكون لقي النبي صلى الله عليه وسلم في حال إيمانه به، ومات على الإسلام. فلو أنه ارتد قبل موته ومات على الكفر لا يعتبر صحابياً باتفاق الأمة.
قال: «ولو تخللت ردة في الأصح». يعني بعض الصحابة لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام، مثل عبد الله بن أبي السرح، فهذا أسلم رضي الله عنه وحدثت له فتنة فارتد ثم عاد وأسلم ومات على الإسلام، وقاد معركة مشهورة في خلافة عمر أو عثمان، فإنه مات على الإسلام. فهذا صحابي ارتد لكنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، حدثت له ردة لفتنة من الفتن ثم عاد فأسلم ومات على الإسلام، فهذا يعتبر صحابياً. لذلك قالوا: «ولو تخللت ردة على الأصح».
معنى هذا: لو أنه لقي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد ثم عاد فأسلم ومات على الإسلام، نعتبره صحابياً. أما إذا مات على الردة فهذا لا يعتبر صحابياً، كحال كثير من المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه في حرب الردة، كان بعضهم لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به لكنه ارتد ومات على الردة والعياذ بالله، فهؤلاء بالتأكيد ليسوا صحابة.
قال رحمه الله: أو إلى التابعي، وهو أن يسند الخبر إلى التابعي، ككثير من الكلام المنقول عن الحسن البصري أو عن غيره من التابعين؛ ابن سيرين قال الحسن البصري كذا وكذا، قال ابن سيرين كذا وكذا، قال مكحول كذا وكذا. فإذاً الخبر إما أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينسب إلى الصحابي، أو ينسب إلى التابعي.
لكن قبل أن أقفز، ذكر تعريف التابعي، فقال: «وهو من لقي الصحابي كذلك». أي كما ذكرنا في تعريف الصحابي، من لقي الصحابي وهو مؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح، فهذا تعريف التابعي. التابعيون من هم؟ من لقي الصحابي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح.
قال رحمه الله: فالأول المرفوع، يعني هو ما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره، هذا يسمى حديثاً مرفوعاً صراحة أو حكماً. قال: «والثاني الموقوف»، والموقوف هو ما انتهى إلى الصحابي ولم يأخذ حكم المرفوع. قال: «والثالث المقطوع». وعليك أن تنتبه أن كثيراً من طلاب العلم يخطئون بين المقطوع والمنقطع. المنقطع هذا سقط في الإسناد، أما المقطوع فهو ما نُسب إلى التابعي من قوله. إياك أن تخلط بين المنقطع والمقطوع.
مرفوع، موقوف، مقطوع، كلها على نفس الوزن. فالمقطوع كله خبر نُسب إلى التابعي.
الآن الخبر إذا نُسب إلى النبي ﷺ يسمى مرفوعًا، ويسمى أيضًا حديثًا. والخبر إذا نُسب إلى الصحابي يسمى موقوفًا ويسمى أثرًا، وإذا نُسب إلى التابعي يسمى مقطوعًا ويسمى أثرًا. بعضنا هذا واضح بناءً على ما قدمناه في الدرس السابق؛ الفرق بين الحديث والأثر، فالأثر يشمل الموقوف والمقطوع، أما الحديث فهو خاص بالمرفوع على الصحيح من كلام أهل العلم.
قال رحمه الله: «والثالث المقطوع ومن دون التابعي فيه مثله». لو أن الخبر من كلام تابع التابعين، مثل الأخبار التي تنسب إلى مالك، كأن يقال: قال مالك بن أنس، أو قال الأوزاعي، هل هذا أيضًا يسمى مقطوعًا؟ نعم، كل كلام للتابعي فما دونه، كتابع التابعي أو من دونهم، يسمى مقطوعًا. فكلام أحمد بن حنبل يسمى مقطوعًا، وكلام أبو حنيفة مقطوع، وكلام مالك، والشافعي، كل من كان تابعيًا فما دونه، كل ما ينقل عنهم يسمى في علم المصطلح أخبارًا مقطوعة.
فلذلك قال: «والثالث هو المقطوع ومن دون التابعي من العلماء مثله»، ومعنى مثله أي يسمى خبره مقطوعًا، فما ينقل عن الأوزاعي، عن أحمد، عن الشافعي، عن أبي حنيفة يسمى أيضًا مقطوعًا. ولو لم يكن هؤلاء من التابعين، فالشافعي ليس تابعيًا، فماذا تسمى أقوالهم؟ تسمى أيضًا أخبارًا مقطوعة.
قال رحمه الله: «ويقال للأخيرين الأثر»، والأخيران هما الموقوف والمقطوع، ويسمى في علم المصطلح أثرًا. قال رحمه الله: «المسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال». هذا مصطلح المسند؛ إذا قيل لك هذا الحديث مسند. وفي كثير من الحواشي تقرأ بتجد: «وهذا الحديث مسند»، فما معنى كلمة مسند؟
مسند لا تعني أن له سندًا فحسب، لأن كل الأخبار لها سند، ونحن أصلاً لا نقبل خبرًا بدون سند. كلمة مسند تساوي حديثًا مرفوعًا باختصار؛ فالحديث المسند هو نفسه الحديث المرفوع بشرط أن يكون سنده لا يوجد فيه سقط بأي شكل من الأشكال. لذلك قال: المسند هو نفسه المرفوع، وكل حديث ينقل عن النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره بشرط أن لا يكون هناك انقطاع في السند، فإذا كان مرفوعًا إلى النبي ﷺ لكن فيه انقطاع في السند لا يسمى مسندًا.
المسند إذا أردت أن أكون دقيقًا هو المرفوع متصل السند. فالمسند كل حديث مرفوع متصل السند. أما إذا كان الحديث مرفوعًا وليس متصل السند، كالمقطوع أو المعضل أو المعلق أو المرسل، فهذا يسمى مرفوعًا لكن لا نسميه مسندًا. فالمسند لكي نقول إن الحديث مسند له شرطان: الأول أن يكون مرفوعًا، والثاني أن يكون متصل السند في الظاهر، كما قال ابن حجر العسقلاني.
قال رحمه الله: «فإن قل عدده فإما أن ينتهي إلى النبي ﷺ أو إلى إمام ذي صفة علية كشعبة». الحديث الذي هو متصل السند، إذا قل عدده -أي عدد الرواة في السند- فإما أن ينتهي إلى النبي ﷺ أو إلى إمام في صفة علية كشعبة.
الآن تعرفون ما يسمى بالعلو في الإسناد، وباختصار سيتكلم عن مسألة العلو في الإسناد. العلماء قديمًا كانوا يحبون العلو في الإسناد، أي أن يكون إسنادي عاليًا. ومعنى أن يكون إسنادي عاليًا أن يكون بيني وبين النبي ﷺ أو بيني وبين صاحب المصنف عدد قليل؛ كلما كان بينك وبين النبي ﷺ عدد قليل كلما كان أعلى وأفخم، وكلما كثر العدد يقال: والله هذا إسناده نازل.
فالعلو في الإسناد هو قلة العدد بين الراوي وبين النبي ﷺ أو بينه وبين صاحب الكتاب، وهذا هو الأجمل والأعلى. والنزول في الإسناد هو كثرة العدد بينه وبين النبي ﷺ أو بينه وبين المصنف. لذلك مثلاً يقولون: البخاري له ثلاثيات، أي أن يكون بين البخاري وبين النبي ﷺ ثلاثة رواة فقط، وهناك ما هو أعلى من ذلك، فعلو الإسناد مطلوب في الجملة.
قال رحمه الله: «فإن قل عدده فإما أن ينتهي إلى النبي ﷺ أو إلى إمام في صفة علية كشعبة». في الأول العلو المطلق، والثاني العلو النسبي؛ وهذا يشبه الفرد المطلق والفرد النسبي. العلو المطلق هو أن تطلب العلو في الأحاديث إلى النبي ﷺ بذاته، بأن يكون بينك وبين النبي ﷺ عدد قليل من الرواة.
أما العلو النسبي فهو أن تطلب العلو ليس إلى النبي ﷺ، بل تطلب العلو إلى صاحب مصنف من المصنفات، أو إلى إمام، كأن أحب أن يكون بيني وبين شعبة عدد قليل من الرواة، فمن كان بينه وبين شعبة عشرة رواة هو أعلى ممن كان بينه وبين شعبة عشرين رواة، لكن هنا أنت طلبت العلو بالنسبة إلى صاحب المصنف أو الإمام لا بالنسبة إلى النبي ﷺ. كأن يكون بين الشخص وبين البخاري عشرة أشخاص، فهو أعلى ممن بينه وبين البخاري عشرين شخصًا، لكن هنا أنا أطلب العلو إلى مصنف معين أو إلى إمام معين له مزية، وأحب أن يكون بيني وبينه عدد قليل حتى أفتخر بالقرب بيني وبينه.
فالعلو إذا كان المقصود منه العلو إلى النبي ﷺ فهذا يسمى علوًا مطلقًا، وأما إذا كنت تطلب العلو إلى إمام معين أو إلى مصنف معين فهذا يسمى علوًا نسبيًا، أي العلو بالنسبة إلى هذا الإمام صاحب المزية العالية أو بالنسبة إلى هذا المصنف.
قال رحمه الله تعالى: «وفيه الموافقة وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه». يعني طبعًا الآن فرضًا -وليس مثالًا صحيحًا- ولكن حتى تفهم.
البخاري يروي عن مجموعة من الأئمة. البخاري يروي عن مجموعة من المشايخ، فإذا أنا وصلت إلى شيخ البخاري بطريق غير طريق البخاري، أقول أنا وافقت البخاري.
هذا يسمى عنده مصطلحًا اسمه "الموافقة"، وهو أن تصل إلى شيخ البخاري أو شيخ أبي داود، ومن هم المصنفون؟ هم أصحاب الكتب المعروفة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. إذا أنا استطعت أن أروي حديثًا عن شيخ البخاري لكن من طريق آخر من دون ما أجيب البخاري، أنا وصلت إلى شيخه من غير طريقه، فهنا اسمي "موافق للبخاري"، هذا مصطلحهم. فالموافقة هي أن تروي الحديث عن شيخ أحد المصنفين لكن من طريق آخر ليس من طريق البخاري نفسه، هل أتيت من طريق آخر فوصلت إلى شيخه؟ هذا يسمى موافقة.
قال رحمه الله: «والبدل»، وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك. هذا يعني كلها مصطلحات حديثية. البدل أن أصل ليس إلى شيخ البخاري، بل أصل إلى شيخ شيخ البخاري بطريق آخر، لا أمر فيه لا على البخاري ولا على شيخ البخاري. هذا البعض كان يطلبه كما أصحاب المستخرجات؛ وصاحب المستخرج كالإسماعيلي وغيره، ما هي الشطارة؟ أنه يجيب نفس الحديث الذي عند البخاري ولكن من خلال طريق آخر غير طريق البخاري، فإذا وصل إلى شيخ البخاري من غير طريق البخاري يقول: هذه موافقة. إذا لا استطعت أن أصل إلى شيخ شيخه من دون أن أمر لا عن البخاري ولا عن شيخ البخاري، فهذا يسمى بدلًا، وهذا كان يهتم به أصحاب المستخرجات الحديثية، كمستخرج أبي عوانة وغيره.
رحمه الله تعالى: «والمساواة»، وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين. المساواة ما هي؟ أن يكون بيني وبين النبي ﷺ كما بين البخاري والنبي ﷺ. هل هذا معقول الآن؟ لا طبعًا، وإنما هذا في زمنهم، يعني شخص معاصر للبخاري يكون روى الحديث نفسه، وبينه وبين النبي ﷺ من عدد الرجال كما بين البخاري وبين النبي ﷺ، فهذا يسمى مساواة.
شخص قبل البخاري أو بعد البخاري بغض النظر، وفي العادة هذا يهتم به من جاء بعد البخاري من تلاميذه أو تلامذة تلاميذه، إذا استطاع أن يحصل بينه وبين النبي ﷺ أو بينه وبين إمام بصفة عالية، كما كان هذا العدد من البخاري إلى النبي ﷺ، ويقول أنا سويت البخاري، ونعم الفخر، يعني استطعت أن آتي بسند عالٍ.
هذه قضية الموافقة والبدل والمساواة، هذه كلها أشكال للعلو، سواء علو مطلق أو علو نسبي، هذه تسمى أشكال العلو المطلق والنسبي: موافقة، بدل، مساواة.
نقرأ: قال رحمه الله: «والمصافحة»، وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف. الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف، هنا في المصافحة أنا لا أصل إلى مرتبة أعلى من مرتبة المصنف، بل أصل إلى مرتبة تلميذ المصنف.
ماذا يعني؟ يعني الآن البخاري، هناك كثير ممن روى عنه صحيحه، مثل الفربري، الآن بين الفربري والنبي ﷺ كم شخص؟ فرضًا عشرة أشخاص، مع من؟ مع البخاري. فإذا استطعت أن آتي بحديث بيني وبين النبي ﷺ عشرة أشخاص، فهنا اسمي "مصافح". فهنا أنا ما طلبت منافسة المصنف نفسه، هنا عم أنا أنافس من؟ تلميذ المصنف. فالفربري تلميذ البخاري يكون بينه وبين النبي ﷺ فرضًا عشرة، فأنا آتي بإسناد بيني وبين النبي ﷺ ماذا؟ عشرة. إذا كان بين الفربري والنبي ﷺ عشرة، وبين البخاري والنبي ﷺ كم سيكون؟ تسعة. فأنا في المصافحة ما استطعت أن أنافس المصنف، لكنني استطعت أن أنافس من صافحته، يعني قلت له: أنا وإياك مثل بعض. هذا معنى المصافحة: أنا وإياك مثل بعض، أنت كم بينك وبين النبي ﷺ؟ عشرة مع شيخك، أنا بيني وبين النبي ﷺ برضه عشرة بس بدون شيخك، يعني ممكن جبت شيخًا آخر أو طريقًا آخر. فالمصافحة أنت نافست تلميذ المصنف في العلو.
لكن ما الفرق بين المصافحة والمساواة؟ في المساواة أنت نافست المصنف نفسه، في المصافحة أنت نافست تلميذ المصنف. أيهما أعلى كفكرة؟ المساواة أعلى من المصافحة؛ في المساواة أنت تنافس المصنف نفسه، تنافس البخاري نفسه أو تنافس أبا داود نفسه، في المصافحة أنا أنافس من؟ التلميذ، كالفربري كمثال.
قال رحمه الله، كما قلنا أقسام العلو: فالعلو هو الموافقة، وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريق صاحب الكتاب، والبدل: الوصول إلى شيخ شيخه من غير طريق صاحب الكتاب، والمساواة: استواء عدد الإسناد من الراوي إلى النبي ﷺ مقارنة بمن صاحب المصنف، والمصافحة: ليس الاستواء مع صاحب المصنف بل مع تلميذه. فهذه تسمى أنواع العلو.
ويقابل العلو في علم الحديث النزول، وهو مقابل العلو. إذا أنا بيني وبين النبي ﷺ عشرة، وأنت بينك وبين النبي ﷺ عشرون، أنا يقال لي: عالي، وهذا يقال له: نازل. فكل شخص عالي يقابله شخص نازل، هكذا الحياة، كل شخص يعلو يقابله شخص ينزل. لذلك قال: ويقابل العلو بأقسامه (الموافقة والبدل والمساواة) النزول.
قال رحمه الله: «فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في السن والرقي فهو الإقران». الآن سيأتي ببعض الأمور، يعني بعض المصطلحات المشتهرة عند علماء الحديث. إذا كنت أنا الراوي والشيخ الذي أروي عنه، أنا وشيخي متساويان في السن والرقي، يعني أنا وإياه تلمذنا على نفس المشايخ، وأنا سني خمسون وهو سنه خمسون، لكني أروي عنه، هذه تسمى رواية الإقران. يعني أنا والشيخ عمرنا متقارب، ليس ضروريًا خمسون وخمسون، تسعة وأربعون، عمرنا متقارب وكلانا درس على نفس الشيوخ، لكن ما الذي صار؟ أنه هذا الأخ عنده حديث أنا لم أسمعه، فاضطررت أن أرويه عنه مع أنه صاحبي، هذه تسمى رواية الإقران بعضهم عن بعض.
وكثير من الصحابة كان يروي حديثًا عن صحابي آخر مع أن أعمارهم قد تكون متقاربة وكلاهما سمع من النبي ﷺ، لكن حديثًا غاب عنه وحضره أبو بكر، فيصير عمر يروي عن أبي بكر، وهذا يسمى رواية إقران. فالإقران هو أن تروي عن شخص مقارب لك في السن، وشاركك في رقي المشايخ، أنت وإياه كنتما تطلبان العلم معًا، لكن هو سبحان الله ظفر بحديث ليس عندي، فأصبح أروي الحديث من...
وهذا من أدب الإنسان وتواضعه أن يطلب العلم ممن هو مثله وأعلى منه ودونه، وهكذا الإنسان الباحث عن العلم وليس عن الشهرة.
إذا تشارك الراوي ومن روى عنه، اكتبوا ومن روى عنه يعني شيخه؛ حتى لا تقعد نصف ساعة تفهم هو وشيخه. إذا تشارك الراوي مع شيخه في هذا الحديث في السن، أي أن عمرهما متقارب وكلاهما لقي تقريباً نفس المشايخ، فروايتي عن زميلي في رحلتي العلمية تسمى رواية الأقران؛ لأننا أقران.
قال رحمه الله: «وإن روى كل منهما عن الآخر فالمدبج». إذا أنا رويت عنه وهو روى عني، هذا يسمى مدبجاً، أما إذا أنا رويت عنه وهو لم يروِ عني فهذه أقران. إذا كان كل واحد فينا يروي عن الثاني يسمى مدبجاً، وهي أفكار واضحة وليست شيئاً كبيراً.
قال: «وإن روى عن من دونه». رويت عن شخص لا أقل مني في السن، أنا عمري خمسين سنة ورويت حديثاً عن شخص عمره عشرون سنة، تسمى رواية الأكابر عن الأصاغر. وبعض الأحاديث رواها الصحابة عن التابعين، تخيل! صحابي لم يسمع الحديث لكن وجده عند تابعي سمعه من صحابي آخر، فهذا الصحابي يروي عن التابعي أنه سمع من صحابي كذا وكذا عن النبي ﷺ، فهذه تسمى رواية الأكابر عن الأصاغر.
ومن أمثلة هذا النوع قال: «ومنه الآباء عن الأبناء». يعني من أمثلة هذا النوع أن الأب يروي حديثاً عن ابنه ويقول: حدثني ابني عن شيخه، هذه رواية الكبير عن الصغير. قال: «وفي عكسه كثرة». يعني هو المفروض الأمر بالعكس، ففي العادة الابن يروي عن أبيه، لكن رواية الأب عن ابنه واقعة وتسمى رواية الأكابر عن الأصاغر، وأما رواية الابن عن أبيه فهذا هو المعتاد أصلاً، وقد يروي الابن عن أبيه عن جده، مثل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وباز بن حكيم عن أبيه عن جده، مع اختلاف في بعض هذه الأسانيد.
قال رحمه الله: «وفي عكسه كثرة»، أي أن رواية الأصاغر عن الأكابر هي الأكثر، ورواية الأكابر عن الأصاغر قليلة، والعكس هو الأكثر. فالمعتاد أن الصغير يروي عن الكبير كرواية الابن عن أبيه أو رواية الابن عن أبيه عن جده.
قال رحمه الله: «وإن اشترك»، ومن رواية الأصاغر عن الأكابر رواية الابن عن أبيه عن جده، وهذا معنى قولي «ومنه» أي من العكس الذي هو رواية الأصاغر عن الأكابر.
قال: «وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق». يعني أنا وأخونا أخذنا عن شيخ، لكن أنا مت سنة مئة هجرية وهو مات سنة مئة وسبعين هجرية، بين وفاتي ووفاته سبعون سنة، فهذا يسمى السابق واللاحق. وهذا كثيراً ما كان يحدث لأنهم كانوا يطلبون العلم أحياناً على كبر. شخص عمره تسعون سنة روى حديثاً، أي شخص طلب العلم على كبر وكان في الدرس يحضر مع شخص عمره ماذا؟ في هذا المجلس ما شاء الله في ناس فيكم عمرهم خمسون وستون، وفي شباب معنا أطفال ما شاء الله الله يرضى عنهم أعمارهم خمس ست سنوات، هؤلاء يسمون سابق ولاحق لأنهم سمعوا من شيخ واحد حضروا في نفس المجلس. واحد عمره سبعون سنة إن شاء الله بطول العمر يعني بس قرب يموت، وواحد عمره عشر سنوات إن شاء الله ربنا يعطيه طول العمر، فهذا يسمى سابق ولاحق لأنه ذاك سيموت بعد خمسة عشر سنة، وهذا إن شاء الله لا يزال أمامه ثمانون أو تسعون سنة، فاشتركا في شيخ واحد مع وجود مسافة في الموت بينهما.
أقرأها مرة أخرى: «وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما»، طبعاً تقدماً مؤثراً؛ هذا المراد ليس أن يموت قبله بيومين، هذا ليس تقدماً مؤثراً، المراد تقدم موت أحدهما تقدماً مؤثراً، يعني في فرق بينهم في الموت ستين أو سبعين سنة. قال: «وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق»، هذا هكذا يسمونه السابق واللاحق، وصنف فيه بعضهم مصنفات حديثية عنوانها: السابق واللاحق.
وهذا مهم أيضاً أن تعرف من الأشخاص الذين بينهم فترة زمنية لكنهم اشتركوا في نفس الشيء. أنت عندما ترى شخصاً عمره سبعون سنة يروي عن شيخ، وبعد مئة وعشرين سنة يأتي شخص يروي عن نفس الشيخ، أنت تشك، صح؟ معقول أن هذا الشخص الذي روى عن شيخ قبل تسعين سنة، وهذا بعد مئة وعشرين سنة يروي عن نفس الشيخ؟ معقول أن هذا يكون طلب العلم على كبر وهذا طلب العلم على صغر، وقدر الله أن الاثنين سمعا من نفس الشيخ. لذلك بعض الرواة اشتركوا في السماع من شيخ واحد وبين موتهما مئة وعشرون سنة، فمن المهم جداً أن تعرف من هم الذين أخذوا عن نفس الشيوخ وكان بين موتهما مسافة كبيرة من الزمن حتى لا تظن أن هناك تدليساً أو إرسالاً خفياً.
قال رحمه الله: «وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم يتميزا فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل». هناك بعض الرواة يروون عن سفيان الثوري ويروون عن سفيان بن عيينة، فالبعض الآن اسمه سفيان وهذا اسمه سفيان، فلما يقول: حدثني سفيان، حيرنا؛ هل يروي عن سفيان الثوري أم عن سفيان بن عيينة؟ فليس دائماً يقول لك الثوري أو ابن عيينة، بل يقول لك: حدثنا سفيان ويسكت، فعلى من نحمله؟
قال: «وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم يتميزا»، إذا كان الراوي يروي عن شيخين متفقي الاسم، أحدهما اسمه سفيان والآخر اسمه سفيان، فإذا أطلق فقال: حدثني سفيان ولم نعرف من يقصد بأي السفيانين، فيحمل على ماذا؟ قال: «فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل». يعني ننظر هو في الأكثر وفي العادة يروي عن من؟ إذا كان يروي ثمانين بالمئة عن سفيان الثوري وعشرين بالمئة يروي عن سفيان بن عيينة، فإذا قال: حدثنا سفيان ولم يحدد، نحمله على الثوري؛ لأنه مختص بالثوري أكثر.
من غيره؟ اللهم إلا إذا جاءت قرينة أو بالتتبع اكتشفنا غير ذلك. لكن لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. هو روى عن الاثنين، لكن الله يسامحه. لما قال: "حدثنا سفيان"، وما حكي لنا من هو السفيان؟ فالأصل نحمله على من هو مختص به أكثر، وفي العادة مختص بسفيان الثوري أكثر، فنحمل سفيان على الثوري إلا إذا جاءت قرينة تدل على خلاف ذلك، وبهذا سيتبين المهمل.
قال رحمه الله: «وإن جحد الشيخ مرويه جزمًا رُدَّ، أو احتمالا قُبل في الأصح، وفيه من حدث ونسي». وصنفوا في هذا الباب من حدث ونسي. الآن، أنتم من أخذتم عني هذا الكتاب، صحيح؟ حتى أقرب لك الصورة. في المستقبل جاءني واحد منكم قال: تذكر يا شيخ لما درسنا نخبة الفكر؟ والله ناسي، أنا درستك نخبة؟ تقول لي: يا شيخ ده مدارج السالكين، ألف وأربعمائة وألف وأربعين. درسنا هذا الكتاب! بقول لك أنا نسيت.
الآن هناك احتمالين: إما أن أجزم أنني ما حدثتك، بقول لك: لا، أنا عمري ما حدثتك بهذا الكتاب. أو أنني أشك، والله ممكن، ممكن لأ. إذا جزمت أنني لم أحدثك بهذا الكتاب، ليس لك أن ترويه عني. إذا جزمت قلت لك: لا والله لم أحدثك به، ليس لك أن ترويه عني. أما إذا شككت قلت: والله أنا كبرت، ممكن، ممكن لأ، بس والله ما أنا متذكر، هل لك أن ترويه عني؟ ماذا قال؟ قال نعم، الأصح أنك لك أن ترويه عنه. وهذا كثير ما كان يحدث مع بعض المحدثين ممن كبر في السن؛ أنه ينسى أنه حدث بحديث، فيأتيه تلميذه فيقول: أنت حدثتني، فينسى.
إذا جزم أنه لم يحدث، لا يجوز للتلميذ أن يروي عن شيخه. وإذا شك الشيخ ولم يجزم، له أن يرويه عن شيخه. لذلك قال: «وإن جحد الشيخ مرويه جازمًا»، ها والله لم أحدثك، ليس لك في المستقبل أن تروي هذا الكتاب عني. اللهم إني دخلت إجازة مكتوبة، فهذه ختمة يعني موثقة، فليس مجال أن أنفي. لكن إذا كان احتمالا، الشيخ جحد بس لم يجزم، قال: والله أنا ناسي، يعني أنا مش متذكر بس لا أجزم، ممكن أني حدثتك وممكن لأ، فما دمت أنت متأكد لك أن تروي عني ولو كنت أنا نسيت. وهذا صنف فيه أهل العلم كتاب «من حدث بحديث ونسيه».
قال رحمه الله: «وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها من الحالات فهو المسلسل». إذاً الأحاديث المسلسلة؛ المرتبة في بعض الأحاديث أن الرواة كلهم ينقلون الحديث بصورة معينة في القول أو الفعل. كان يقول الراوي: "حدثني شيخي وناولني المسبحة" في حديث المسلسل بالمسبحة. حدثني شيخي وناولني المسبحة وهو يحدثني، عن شيخه أنه حدثه وهو يناوله المسبحة، عن شيخه أنه حدثها بينه وبين المسبحة. فيكون كل شيخ لما حدث تلميذه حافظ على الصفة التي حدث بها هو عن شيخه السابق، فهذا يسمى مسلسلاً.
ومن أشهر المسلسلات: المسلسل بالمحبة، والمسلسل بالأولية. وأظن أننا قرأنا المسلسل بالأولية: "حدثني شيخي وهو أول حديث سمعته منه"، عن شيخ وهو أول حديث سمعه منه، عن شيخه وهو أول حديث سمعه منه. فهو هذا يسمى في علم الحديث المسلسلات؛ أن السند من مبتدأه إلى منتهاه حدث فيه حدث، كل المشايخ اتفقوا عليه، إما في أقوالهم وإما في أفعالهم. "حدثني هذا الشيخ وهو مضطجع"، أن شيخه حدثه وهو مضطجع، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. هذا يسمى ماذا؟ مسلسل. فالمسلسل إما أن يكون في الهيئة وإما أن يكون في القول.
وما أهمية المسلسل؟ أنت تقول طب ما أهمية ذلك؟ يدل على درجة الإتقان العالية؛ هو حافظ على صفة معينة، إذا هو متقن لطريقة رواية شيخه لهذا الحديث، إذا فالحديث على درجة عالية من الإتقان. هذه أهمية معرفة المسلسلات.
قال رحمه الله تعالى: «وصيغ الأداء: سمعت، وحدثني، ثم أخبرني، وقرأت عليه». سينتقل إلى بيان صيغ الأداء، الصيغ التي يروي بها التلميذ عن شيخه، سواء التابع عن الصحابي أو التابع عن التابعي. كل تلميذ كيف يروي عن شيخه الحديث؟ هناك ألفاظ وتراتيب وضعها علماء الحديث، والتحقيق لها تفاصيل طويلة لا يهمنا أن ندخل فيها في هذه المجالس المختصرة، وإنما يهمنا أن نعرفها جملة، وأما التفاصيل فهذه تكون في الدراسات المطولة.
إذا صيغ الأداء، تمام؟ لما أنا أؤدي الحديث لكم، ما معنى صيغ الأداء؟ بدك تفهم لما أنا أؤدي الحديث لكم؛ إما أن أقول سمعت شيخي، أو أقول حدثني شيخي، أو أقول أخبرني شيخي، أو أقول قال شيخي، أو أقول عن شيخي، صح؟ هذه كلها صيغ في الأداء، كل صيغة لها دلالة عند علماء الحديث. سمعت شيخي غير حدثني شيخي، غير أخبرني شيخي، غير قال شيخي، غير عن شيخي. كل واحدة لها دلالة، أحياناً تتفق، أحياناً تختلف، أحياناً يحدث شيء من الاتفاق والاختلاف بين العلماء. لكن عموماً أريدك أن تفهم أن العلماء اهتموا بتحرير هذه المصطلحات. إذا قال سمعت ماذا يقصد؟ إذا قال حدثني ماذا يدخل فيها من الاحتمالات؟ إذا قال أخبرني ماذا يدخل فيها، وهكذا.
قال رحمه الله، وصيغ الأداء سيظهر لكم ذلك أثناء الشرح. صيغ الأداء من حيث القوة، أقواها أن يقول شيخكم وهو يحدثكم: "سمعت" أو "حدثني"، فـ "سمعت" و"حدثني" في نفس المرتبة، هذه في المرتبة الأولى. ثم أضعف منها أن يقول تدل على الترتيب، قال: «ثم أخبرنا». فإذا قلت في علم الحديث: "أخبرني شيخي"، هذه أضعف من "حدثني شيخي"، شو الفرق سيأتي؟ لك أنا بدك تفهم هذا ترتيب لها من حيث القوة.
"سمعت" و"حدثني" في نفس المرتبة، أضعف منها أن أقول لكم: "أخبرني شيخي". قال: «وقرأت عليه»، و"قرأت عليه" هذه نفس مرتبة "أخبرني"، إذا قلت "أخبرني شيخي" أو "قرأت على شيخي" في نفس المرتبة. قال: «ثم قرأ عليه وأنا أسمع»، أضعف منها أن أقول: "قرأ على شيخي وأنا جالس سامع". يعني مثلاً الأخ سليمان هو يقرأ علي وأنتم ماذا تفعلون؟ تسمعون. فغداً عندما تحدثون تلاميذكم إن شاء الله ماذا تقولون؟ تقول: "قرئ على الشيخ وأنا أسمع"، أنتم تسمعون، والذي يقرأ هو فقط شيخ سليمان، فهو يستطيع أن يقول "أخبرني"، لكن أنت تقول "قرأ على الشيخ وأنا أسمع"؛ لأنك أنت لم تقرأ عليه وإنما تسمعني فقط. قال رحمه الله: «ثم أنبأني»، "أنبأني" هذه أضعف من "قرأ".
وأنا أسمع، لماذا؟ لأنه أنبأني؛ هذه عادة سيأتي بعدها تُستعمل في الإجازات، بتكون أنت ما سمعت الكتاب أصلاً، وإنما أنا أجزتك فيه من دون سماعي. فهنا لما ترويه عني تقول: «أنبأني»، فإذا قلت «أنبأني» أنت بتعطيني مؤشراً أنك ما سمعت أصلاً الكتاب، وإنما أجازك الشيخ إجازة عامة أو خاصة.
قال: «ثم ناولني»، وهذه أصعب، يعني أسوأ من حيث الضعف. ليه؟ لأنه هنا يكون الشيخ ناولك الكتاب بدون ما يقول لك شيء. إذا ناولك مع الإجازة تكون بتستطيع تقول «أنبأني»، لكن ناولك الكتاب وأنت فهمت ضمنياً أنه إذن لك بالرواية. فهمت؟ ضمنياً أعطيتك أنا هذا الكتاب بدون ما أقول شيء وأنت فهمت ضمنياً أنه يجيزك، هذه تسمى مناولة، وهي أضعف.
قال: «ثم شافهني»، «ثم كتب إلي»، «ثم عن» ونحوها. «ثم عن» فأضعفها «عن» ونحوها. فقال «ونحوها»، فقال شيخي الآن لما تقول «قال شيخي»، أنت حيرته، هل سمعت منه ولا لا؟ قديش حكيت؟ مش ضروري تكون تدليساً، بس فيها احتمالية، فيها احتمالية ضد التدليس؛ فـ «عن» ونحوها اكتب «ونحوها» مثل قالب.
قال رحمه الله: «فالأولان لمن سمع وحده من لفظ»، فالأولان هم الذين سمعت وحدثني؛ متى يستعملها -وهذه تهمك غداً إن شاء الله لما تعلم الطلاب- متى تقول: «سمعت وحدثني»؟ إذا قال: «لمن سمع وحده من لفظ»، وحدك على الشيخ، وسمعت وحدك من لفظ الشيخ.
قال: «فإن جمع فمع غيره»، يعني ما الفرق بين أن تقول: «سمعت» و«سمعنا»، «حدثني» و«حدثنا»؟ شوف، إذا كنت لحالك في درس خاص فيك وسمعت من الشيخ تقول: «حدثني وسمعت»، وإذا كنت تدرس على الشيخ وهناك غيرك في المجلس والشيخ هو الذي يتكلم تقول: «سمعنا وحدثنا»؛ لتدل على أنه لم يكن لحالك، كان معي غيري.
قال: «وأولها أصرحها وأرفعها في الإملاء»، يعني «سمعت»، وهذه أعلى شيء، وأقوى الألفاظ في إملاء الحديث أن تقول: «سمعته»، لأنه لا يدخلها أي احتمال، ولم يختلف فيها علماء المصطلح في دلالتها، لذلك جعلت أرفع المصطلحات وأصلحها لعدم الاختلاف في دلالتها عند علماء المصطلح.
قال: «والثالث والرابع: أخبرني وقرأت عليه»، فهذا متى تستعمله؟ قال: «لمن قرأ بنفسه». ممتاز، إذا قلت لتلاميذك: «أخبرني شيخي»، ماذا يفهم التلاميذ؟ أن الشيخ ليس هو الذي حكى، مظاهرها أن الشيخ هو الذي حكى، لكن كلمة «أخبرني شيخي» يعني أنك أنت قرأت على الشيخ، مش الشيخ الذي حكى؛ هذه مصطلحات بدك تفهمها هكذا. إذا قلت لهم في يوم من الأيام: «أخبرني شيخي»، ما معنى هذا؟ أنه أنا قرأت على الشيخ والشيخ كان يسمعني، ونفس الشيء: «وقرأ علي وأنا أسمع».
قال: «فإن جمع فهو كالخامس»، إذا قلت بدل «أخبرني» قلت: «أخبرنا»، فإذا قلت «أخبرنا» مثل «حدثني» أنني كنت لحالي، أما إذا قلت «أخبرنا» فمعناه أنني كنت أقرأ ومعي غيري، فلذلك إذا جمعت قلت: «أو قرأنا عليه»، إذا جمعت فهذا يدل أن الدرس لم يكن وحدك، وإنما كان فيه غيرك من الطلبة.
قال رحمه الله: «والأنباء جمع فهو كالخامس»، ما معنى الخامس؟ قرأ عليه وأنا أسمع، فـ «أخبرنا» أو «قرأنا على الشيخ» أو «قرأ عليه وأنا أسمع»، هذه في نفس المرتبة من حيث القوة؛ إذا جمعت: «أخبرنا» أو «قرأنا» أو «قرأ عليه وأنا أسمع»، فهذه كلها تصبح في مرتبة واحدة، أي كقولك: «قُرئ عليه وأنا أسمع».
قال رحمه الله: «والأنباء بمعنى الإخبار؟»، نعم، الأنباء في الأصل هو بمعنى أخبرني، لكن في عرف المتأخرين من علماء المصطلح أصبح يطلق على ماذا؟ على الإجازة؛ أن أجيزك في الكتاب بدون أن أحدثتك فيه ولا أنت قرأت علي، أنا فقط قلت لك خلص هذا الكتاب بدون ما تسمعه ولا أنا أقرأه، أجزته كيف؟ هذا الأصل لا يُفعل إلا للطالب الماهر؛ يعني الأصل الإنسان ما يتساهل في الإجازة في هذا النوع، وإنما إذا أجيزكم، أجيزكم بعد سماع أو إخبار.
أما أن أجيز طالباً بكتاب بدون أن يسمعه مني، فهذا الأصل لا يكون إلا لطالب ماهر. لذلك بعض الطلاب يريد أن يأخذ إجازة في الكتاب وهو غاب عن بعض الدروس، هذا خطأ أصلاً؛ لأنني أنا لا أضمن أنك سمعت مني، وقد تكون سمعت المسجل، والمسجل لا أعرف كيف سمعته، ممكن تكون سمعته وأنت تتناول الغداء وأنت بتلعب على الفيسبوك، أو والدتك تناديك، هذا حقيقة لا ينبغي. لذلك كما قال السيوطي في الألفية: «مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ»، أي الإجازة بدون حضور مباشر، هذا لا يكون إلا إذا أنا مشيخ وأعرف أن الطالب ماهر حاذق يستاهل أعطيه إجازة بدون ما يقرأ علي، أما عموم الطلبة فلا يستحسن لهم الإجازة إلا بعد حضورهم الدرس مباشرة.
قال رحمه الله: «والأنباء بمعنى الإخبار إلا في عرف المتأخرين»، فهو إجازتك، وعن الإجازة عرفناها، الإجازة هنا يقصدون بها أن أجيزك في رواية الكتاب عني بدون أن تسمعه مني أو تقرأه علي، و«عن» هي للإجازة في العادة، ونفس الشيء، إذا قلت: «عن شيخي» فاللفظة هي أيضاً من ألفاظ الإجازة مثلها مثل الأنباء.
قال: «وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من المدلس»، هذه قاعدة الآن، إذا قال البخاري: «عن فلان»، العنعنة هل أصلها أنها تدليس أو غير تدليس؟ نحن نمر على قضية التدليس والإرسال الخفي، فالأصل في العنعنة: هل تُحمل على أنها اتصال في السند أو انقطاع في السند؟
قال: «العنعنة إذا كان الراوي معاصراً لمن عنعن عنه تُحمل على الاتصال حتى يثبت خلاف ذلك»، إذا كان الشخص معاصراً لشخص اشترط المعاصرة. ومن الذي اشترط المعاصرة؟ مسلم. البخاري شرطه أعلى من مسلم؛ فالبخاري اشترط ثبوت اللقاء، لذلك شرط البخاري أعلى من شرط مسلم في هذه الجزئية.
إذا قال مسلم: «عن فلان»، فهذه تُحمل على أنه إذا كان معاصراً له أن السند متصل حتى يثبت التدليس وأنه لم يسمعه منه حقيقة، أما البخاري فلم يكتفِ بالمعاصرة لقبول العنعنة، بل اشترط ثبوت اللقاء بين التلميذ ومن عنعن عنه حتى يُحمل العنعنة على الاتصال؛ هذه تسمى مسألة العنعنة: هل تُحمل على الاتصال ولا على الانقطاع؟ نقول إن العنعنة إذا كانت من تلميذ عمن عاصره تُحمل على الاتصال حتى يثبت وجود التدليس، أما البخاري في صحيحه فلم يكتفِ بثبوت المعاصرة بل اشترط أيضاً ثبوت اللقاء.
ثبوت اللقاء بين التلميذ ومن عنعن عنه؛ لذلك يقولون البخاري أعلى من مسلم. هذه الفكرة هي أن البخاري لم يقبل العنعنة حتى يثبت أن التلميذ لقي الشيخ، لقيه وجلس معه. أما مسلم فقبل العنعنة ولو لم يثبت اللقاء، واكتفى باشتراط المعاصرة الزمنية فقط.
قال رحمه الله: «وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من المدلس»، يعني إلا من شخص معروف بالتدليس، فعنعنته لا نقبلها حتى يصرح بالسمع. وقيل يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة، وهذا رأي البخاري؛ أن المعنعنة تحمل عنده على السماع إذا ثبت التلاقي، ولم يكتفِ البخاري بالمعاصرة كما اكتفى مسلم.
قال رحمه الله: البخاري يشترط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة، والمهم يثبت اللقاء. وابن حجر مال إلى رأي مسلم لا البخاري. رأي البخاري -وهو المختار يعني وهو الذي أرجحه- أن العنعنة لا تحمل على الاتصال حتى يثبت اللقاء بين التلميذ والشيخ ولو مرة واحدة في الحياة.
قال رحمه الله: «وأطلقوا المشافهة في الإجازة المتلفظ بها، والمكاتبة في الإجازة المكتوب بها». الآن الإجازة يا أحبابي إما أن تكون مشافهة بأن أقول لك: أجزتك في هذا الكتاب، وإما أن تكون بالكتابة، كأن أكون أنا في السعودية وأنت في الأردن، فأكتب لك رسالة على الواتساب أو على كتاب أنني أجزتك في هذا الكتاب.
فالإجازة إما أن تكون باللسان وإما أن تكون بالكتابة. فإذا أجزتك باللسان فتقول غدًا عندما تروي عني: «شافهني شيخي». وإذا كانت الإجازة أنني كتبت إليك وأنت في بلد آخر أنني أجزتك في هذا الكتاب، فتقول: «كتب إلي شيخي بهذا الكتاب على سبيل الإجازة»، ثم ترويها عني بهذه الطريقة.
فالمشافهة في الإجازة هي المتلفظ بها؛ أني أنا شافهتك وقلت لك أجزتك بهذا الكتاب، وهذه تسمى مشافهة لأنها من الشفاه إلى الشفاه. وأما إذا كتبت إليك فقط كتابة ولم أجزك تلفظًا فهذه تسمى مكاتبة، وتقول عند الرواية عني: «كتب إلي شيخي»، ثم تروي هذا الكتاب بهذه الصيغة، بصيغة «كتب إلي». وهذا التفصيل بين «شافهني» و«كتب إلي»؛ أيهما أقوى؟ إن الكتابة ممكن شخص يلعب في خطي ويكتب إليك على خطي ويتلاعب به، فلذلك اعتبروا المشافهة أقوى من الكتابة.
قال رحمه الله: «واشترطوا في صحة المناولة اقترانها بالإذن بالرواية وهي أرفع الإجازة». الآن المناولة فيها خلاف وتفاصيل يطول ذكرها؛ البعض قال: المناولة لا يصح أن تروي بها عن الشيخ إلا إذا ناولك وقال لك: أجزتك أن تروي، لازم يصرح. والبعض قال: لا، المناولة ولو لم يصرح يجوز الرواية بها إذا عُرف ضمنًا أنه يجيزني.
فهل المناولة وحدها للكتاب تكفي في الرواية عن الشيخ؟ كأن أخرج الكتاب وأعطيه للشيخ، هذه تسمى مناولة. الآن إذا صرحت له وأعطيت وصرحت له، هذه إجازة بالتأكيد؛ لأنك هنا جمعت بين شغلتين: تناولته وشافهته. لكن إذا ناولته بدون أن أشافه، فهل يجوز الرواية بها أم لا؟ وقع خلاف؛ البعض أجازها والبعض لم يجزها.
ماذا قال ابن حجر؟ قال رحمه الله: «واشترطوا في صحة المناولة»، واشترطوا أي أغلب علماء الحديث في صحة الرواية بالمناولة أن يشافهك الشيخ بالإذن، فيقول: أذنت لك أن تروي الكتاب عني. إذا لم يقل الشيخ شيئًا وناولك فقط، هل يجوز الرواية بها أم لا؟ فيه خلاف.
قال رحمه الله: «وقد اشترطوا الإذن في الوجادة والوصية بالكتاب والإعلام». ما معنى هذه الألفاظ؟ الوجادة: أن تجد نسخة، وأنت تعرف أنها بخط الشيخ، لكنه لم يسندك ولم يربك، ولكنك لوجدت نسخة بخط الشيخ، فهل لي أن أرويها عنه ولو لم يجزني فيها؟ هذه تسمى وجادة؛ كتاب في خط الشيخ والشيخ لم يجزني فيه، فهل يجوز أن أرويه عنه أم لا؟
كذلك الوصية بالكتاب؛ يعني تجد في وصية الشيخ أنه قال: «وهذه الكتب أوصي بها لإبراهيم»، فهذه الوصية بالكتاب هل تعني أنني مجاز بها؟ وأخيرًا الإعلام، وهذا أضعفها؛ كأن أكون في هذا المجلس وقلت لكم: لي كتاب اسمه كذا وكذا وسكت، هذا إعلام باسم كتابي، فهل إذا أعلمتكم باسم كتاب هو إجازة لكم؟
الصحيح أنك إذا وجدت كتابًا بخط الشيخ، أو أوصى لك الشيخ بكتبه، أو أعلمك الشيخ باسم كتابه، لا يجوز لك أن ترويه عنه إلا إذا أذن لك إجازة عامة. قال: أي شيء تجده أو أوصي لك به أو أعلمك به فانت مجاز فيه إذا أذن، أما إذا لم يأذن لك بالإجازة العامة فليس لك أن تروي الكتاب وتنسبه إلى الشيخ بمجرد الوجادة أو الوصية أو الإعلام.
قال رحمه الله: «وقد اشترطوا الإذن في الوجادة والوصية بالكتاب والإعلام وإلا فلا»، أي أن يأذن لك الشيخ ولو بإجازة عامة بأن يقول لك: أجزتكم أن ترووا كل كتاب يثبت لكم عني، حينها تصبح تروي بالوجادة والوصية والإعلام. وإلا بدون إذن لا يجوز أن تروي عنه بمجرد أنك وجدت كتابًا بخطه أو أوصى لك بكتبه أو أعلمك بعنوان كتابه؛ قال: «وإلا فلا عبرة بذلك»، أي لم يأذن، فلا عبرة بالوجادة ولا بالوصية ولا بالإعلام.
قالت: «والإجازة العامة كالإجازة العامة»، يعني إذا قال شخص: أجزت أهل العصر، هل يجوز الرواية بهذه الإجازة؟ لا، قالوا: الإجازة العامة المطلقة لا يجوز الرواية بها؛ لأنها تدخل الفاسق وغير الفاسق، وهذه الإجازة العامة ضعيفة جدًا.
قال: «وللمجهول والمعدوم على الأصح في جميع ذلك». كذلك الإجازة لمجهول، كأن تقول: أجزت شخصًا مش عارف من هو، هذه لا تقبل. أو تقول: أجزت من يولد لك، هذه إجازة لشخص معدوم، وهذه لا تقبل على الصحيح؛ فالإجازة للمعدوم لا تصح، مثل: «أجزت لأولادكم الذين ستلدونهم»، هذه لا عبرة بها. أو: «أجزت لشخص يقف خلف الجدار» وأنا لا أعرف من هو، هذه إجازة لمجهول، فالإجازة للمجهول أو للمعدوم مثلها مثل الإجازة العامة، لا عبرة بها ولا تقبل.
طبعًا علم الإجازة علم واسع وضخم وفيه تفاصيل وأنواع، لكن هذه مجرد ومضات سريعة في هذا العلم لتعرف أن العلماء لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وتكلموا فيها.
قال رحمه الله: «ثم الرواة إن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعدًا واختلفت أشخاصهم فهو المتفق والمفترق». إذا قال: إن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم (محمد بن عبد الله، محمد بن عبد الله فصاعدًا)، فممكن بعض الرواة يتفق اسمه واسم أبيه واسم جده، فهذا يسمى في علم الحديث: المتفق والمفترق؛ أي اتفقوا أسماءً واختلفوا أشخاصًا.
والمفترق اتفقوا في الأسماء واختلفوا في الأشخاص. قال رحمه الله: «وإن اتفقت الأسماء خطأ واختلفت نطقا فهو المؤتلف والمختلف».
اتفقت الأسماء خطأ واختلفت نطقا مثل: عبيدة وعبيدة، هما الآن يُكتبان نفس الشيء، ولكن ما الفرق؟ الفرق في طريقة التلفظ، ذاك اسمه عبيدة والآخر اسمه عبيدة. وبعض الصحابة أبو أسيد وأبو أسيد، أسيد وأسيد، الخط واحد ولكن الاختلاف في النطق، وقديما ما كانت تُكتب الحركات، لذلك كان يهتموا بضبط هذه الأسماء؛ فكانوا يقولون بالعين المهملة والغين المنقوطة المعجمة وهكذا.
قال رحمه الله: «وإن اتفقت الأسماء واختلفت الآباء أو بالعكس فهو المتشابه». يعني محمد ومحمد، لكن هذا محمد ابن موسى وهذا محمد ابن عيسى، فهذا اسمه المتشابه. أو العكس: اختلفت أسماء الأبناء واتفقت أسماء الآباء، مثل محمد ابن موسى وعبد الله ابن موسى؛ الأب اسمه واحد لكن الراوي اسمه مختلف، فهذا يسمى المتشابه.
أو اتفقت أسماء الرواة واختلفت أسماء آبائهم، مثل محمد ابن موسى ومحمد ابن عيسى؛ هذا أكيد شخص، وهذا شخص آخر. أو العكس: اتفقت أسماء الآباء واختلفت أسماء من تحتهم، وليس بالضرورة أن يكونوا أبناء، فمحمد ابن عيسى ومحمد ابن عيسى؛ هذا يكون شخصاً وهذا يكون شخصاً آخر من بلد ثانٍ أصلاً، لكن خلص هذا اسمه محمد ابن عيسى والثاني اسمه محمد ابن عيسى.
قال رحمه الله: «وإن وقع ذلك الاتفاق في الاسم واسم الأب واختلف في النسبة». مثل: محمد ابن عيسى الترمذي ومحمد ابن عيسى الهمداني، اتفقوا في الاسم واسم الأب واختلفوا في النسبة؛ هذا همداني وهذا ترمذي، وهذا أيضاً يدخل تحت المتشابه.
قال: «ويترقب منه ومما قبله أنواع ولن تنتهي»، حقيقة هذه الأنواع؛ فكل شوي يظهر لكم مصطلح جديد في هذه القضايا لكثرة الصور واحتمالية التشابه. قال منها: «أن يحصل الاتفاق أو الاشتباه إلا في حرف أو حرفين، أو بالتقديم والتأخير ونحو ذلك»، مثل: صعب وسعيد، ما الفرق بينهما؟ وهكذا ينشأ من هذا أفكار كثيرة في علم مصطلح الحديث.
هذا كله طبعاً من الذي يهتم به؟ أنت هنا تأخذ ومضات، وهذا يهم حقيقة المتخصص في علم الرجال، يهتم بهذه التفاصيل، أما الشخص غير المتخصص فيكفيه فقط أن يأخذ ومضات عامة حول هذه الأفكار ليكون عنده شيء من الاطلاع العام.
قال رحمه الله: «خاتمة. ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم». هذه الخاتمة ختم بها الحافظ ابن حجر رحمه الله عليه هذا الكتاب، وهي خاتمة في بعض العلوم التي ينبغي للمشتغل بالأسانيد والرجال أن ينظر فيها.
لذلك إخواننا الكرام، أقول دائما للأحبة الطلبة: الذي يريد أن يتخصص في علم الأسانيد والرجال سيفني عمره في هذا الفن، وفي طبيعة الحال سيقل باعه في العلوم الأخرى؛ إذا أراد أن يكون إماماً في علم الرجال، فأن تكون إماماً في الفقه وإماماً في علم الرجال هذا صعب.
لماذا؟ لأن علم الرجال علم طويل، وما نُقل فيهم من تجريح وتعديل، أن تكون إماماً مجتهداً في علم الأسانيد والرجال وإماماً في الفقه هذا ندر أن يجمع حتى للعلماء الأقدمين، فما بالك بالمعاصرين؟ وينطبع على هذا العلم علم الرجال؛ فإذا أردت أن تتخصص فيه وتكون مبدعاً، ففي بعض الناس متخصصون في الفقه لكنهم ليسوا مبدعين أو متمكنين، فلا أتكلم عنهم، أنا أتكلم عن شخص يريد أن يكون إماماً في علم الحديث، يسمونه مرجعية، فهذا عليه أن يعرف أنه سيفني حياته في هذا العلم لكثرة فنونه وأبوابه التي عليه أن يطوقها.
الأسماء هذه تحتاج حفظاً، فما بالك بالعلوم التي تندرج تحتها؟ فمن العلوم التي يهتم بها المتخصص في علم الحديث طبقات الرواة؛ طبقات الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وكل طبقة متى مبتدأها ومتى منتهاها والمدة الزمنية التي فيها ومن يندرج تحتها، هذا كله علم وبحر كبير.
مواليدهم أيضاً؛ متى ولد الراوي ومتى توفي؟ قلنا هذا لماذا نحتاجه؟ لكي لا نخطئ فيقع في تدليس أو إرسال خفي، فحرصاً على ألا تقع في خطأ في تدليس أو إرسال خفي عليك أن تعرف المواليد والوفيات.
قال: «ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم». فالطبقات كما فهمتم: الصحابة، التابعون، تابعي التابعين ومن دونهم، وحتى الصحابة طبقات، وحتى التابعين طبقات، وداخل الطبقة فيه طبقات، فهذا علم كامل يسمى علم الطبقات وله مصنفات مثل "الطبقات" لابن سعد رحمه الله تعالى.
قال: «وبلدانهم»، فتعرف من العراقي ومن الهمداني ومن النيسابوري ومن وراء النهر، يجب أن تعرف هذه الأمور حتى تعرف كل شخص ومن هو، حتى لا تقول هذا فلان ويخرج فلان آخر. وما أكثر من يخطئ من المعاصرين، فهي القضية لضعف علمهم.
اليوم للأسف أصبح علم التعديل والتجريح عند بعضهم تجارة، حتى يخرج كتاب ويقول: حققه فلان. يا أخي ماذا حقق فلان؟ انتبه هل أنت ممن هو فعلاً يستحق التحقيق أو لا، ليست العبرة أن تشعر أن لك كتاباً وحققته، الذي يريد أن يقول حققه فلان يجب أن يكون رجلاً متمكناً في علم الحديث. وما أكثر ما وقفنا عليه في كتب المعاصرين اليوم من أخطاء مما يضحك منها المبتدئون، لعدم معرفتهم بالمواليد والوفيات وجعل شخص مكان شخص آخر، والكل الأمور ماشية والكتب تباع.
للأسف أصبح علم الحديث اليوم عند بعضهم تجارة وليس علماً يتقن فيه الإنسان ويفني فيه العمر، فلذلك دائماً أنصحك إذا أردت أن تشتري كتاباً محققاً، اعتَنِ بأن يكون المحقق ممن عُرف ببراعته في الفن، وليس من التجاريين الذين فقط أسماؤهم موجودة على الكتب لينفق الكتاب ويربح منه.
قال رحمه الله: «وأحوالهم تعديلاً وتجريحاً وجهالة». فأنت تعرف من هو المعدِّل؟ ومن هو المجرح؟ ومن هو مجهول الحال؟ وقلنا مجهول الحال هو من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يوثق ولم يجرح. من هو المعدل؟ ومن هو المجرح؟ ومن هو المجهول؟ وإذا تعارض التعديل والتجريح فما هي القواعد؟ هذه قواعد؛ إذا تعارضت ماذا أقدم؟ وكل باب فيه خلاف وتحتاج أن تختار وتتبنى آراء، هذا علم ضخم.
قال رحمه الله: «ومراتب الجرح وأسوؤها». لما ذكر قضية التجريح أراد أن يبين لك ما هي مراتب الجرح، وما هي أسوأ الأوصاف في التجريح، وما هي أخف الأوصاف في التجريح، فقال: «وأسوء التجريح».
قال: «ومراتب الجرح وأسوؤها الوصف»، فمراتب الجرح يعني: عليك أن تعرف طبقات الرواة ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم، وعليك أن تعرف مراتب التجريح، فمراتب التجريح هي معطوفة على الكلام السابق.
ومن المهم أن تعرف أيضًا مراتب التجريح. ما هي مراتب التجريح؟ ذكرها استطرادًا فقال: وأسوأها الوصف بأفعل التفضيل، كأن تقول فلان أكذب الناس، أو أسوأ الناس؛ فهذه أسوأ ألفاظ التجريح.
ثم يأتي بعد ذلك في السوء أن تقول فلان دجال أو وضاع أو كذاب. إذاً أسوأ التجريح استعمال أفعل التفضيل: فلان أكذب الناس، أو أجل الناس، أو أضع الناس. وهذا أسوأ شيء، وأخاف منه قليلًا أن لا تكون بأفعال التفضيل بل تقول عنه دجال وضاع وكذاب، وهذه تسمى في علم اللغة العربية صيغة مبالغة.
وأسهلها -وبين الأسهل والأصعب مراتب اختصرها ابن حجر- قال: وأخف ألفاظ التجريح أن يقال فلان لين أو سيء الحفظ. ما معنى لين؟ لين الحديث أي ضعيف. وقال أو سيء الحفظ، ومعناه أنه سيء الحفظ. هي أخف أصلًا من الطعن أن يقال فلان سيء الحفظ؛ إذاً هي أخف ألفاظ التجريح أن توصف بأنك سيء الحفظ، فإذا وصفوك بسيء الحفظ يعني أمورك طيبة إن شاء الله، وقربت تصير منيح. وقال: أو فيه أدنى مقال. إذا قالوا فلان فيه أدنى مقال فهذه أخف ألفاظ التجريح.
إذن أسوأ التجريح أن توصف بأفعال التفضيل، ثم تأتي بعد ذلك صيغ المبالغة، وأسهل التجريح أن يقال عنك لين أو سيء الحفظ أو فيك مقال أو أدنى مقال.
ونفس الشيء أيضًا عليك أن تعرف مراتب التعديل؛ لأن هناك أيضًا ألفاظًا في التعديل عند العلماء. ومن المهم كما عليك أن تعرف مراتب التجريح، عليك أن تعرف مراتب التعديل عند العلماء. وأرفع التعديل مثل أرفع التجريح؛ أرفع التجريح هو أفعل التفضيل، فنفس الشيء أرفع التعديل أن يقال فلان أوثق الناس، أو أعدل الناس، فهذا أكمل التعديل.
قال: ومراتب التعديل وأرفعها الوصف بأفعل التفضيل، كأوثق الناس؛ تقول فلان أوثق الناس يعني ختمنا، ما شاء الله عنك. ثم ما تأكد بصفة أو صفتين، ثم يأتي بعد ذلك في المرتبة أن يقال فلان ثقة ثقة، كررها مرتين، أو ثقة ثبت؛ أعطاك وصفين. إذا قال: ثم ما تأكد بصفة أو صفتين؛ ثقة ثقة هذا تأكد بصفة واحدة وهي الموثوقية، ثقة ثبت هذا مؤكد لكن بذكر صفتين مختلفتين: ثقة وثبت. قال: ثم ما تأكد بصفة أو صفتين كثقة ثقة، أو ثقة حافظ، أو ثقة سبق؛ ثقة حافظ أو ثقة سبق مثال على ما تأكد بصفتين.
وأدناها ما أشعر بالقرب من أدنى الجرح. إذا وصلت إلى أخف التعديل يعني قربت تصير بداية مجروح، وإذا كنت في أخف جرح يعني قربت تصير من أهل التجريح. قال: وأدنى التعديل ما أشعر بالقرب من أدنى التجريح؛ كقولك فلان شيخ. هذا مصطلح عندهم، إذا قالوا فلان الشيخ يعني تزكية، لكن عند علماء الحديث معناها أنه قرب أن يكون مجروحًا، يعني صار قريبًا.
نحن في زرفنا الأمور تختلف يا شيخ، الله يرحم ضعفنا. هو قال: وأدنى التعديل ما أشعر بالقرب من أدنى التجريح كقولك فلان شيخ، وتقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو من واحد على الأصح.
الآن من الذي له الأحقية أن يزكي أو حتى يجرح؟ من له الأحقية في أن يقول هذا؟ من هو العارف بالأمور التي تجلب التعديل والأمور التي تجلب التجريح؟ لأن الشخص الذي لا يعرف ما الذي يجلب التعديل لا يصير يتكلم في هذا. ولذلك أنا أقول دائمًا -ونحذر وبعض الناس يزعل من هذا الكلام لكن لا بد تسمعه- أكثر الذين يدخلون في أعراض العلماء ويطعنون فيهم تعجيلاً وتجريحًا، ليسوا أهلًا أن يتكلموا في هذا العلم؛ لأنهم لا يعرفون ما هي الأمور التي تجلب التعديل وما هي الأمور التي تجلب التجريح، فقد يسقطون شخصًا بشيء قد يكون طاعة للعالم أو مفخرة له، وبتلاقيه أسقطه بقوله: هذا والله يا شيخي مجروح. بناءً على ماذا؟ قال مجروح، أو أنت جرحته، وأنت أتعرف أصلاً ما هي الأمور التي تجلب العدالة وما هي الأمور التي تجلب التجريح؟ هذا علم كبير له فرسانه، فلا تقحم نفسك فيه وأنت ما زلت ناشئًا.
قال: «والجرح مقدم على التعديل إن صدر مبينا من عارف بأسبابه، فإن خلا عن تعديل قُبل مجملاً على المختار».
شخص جرحه بعضهم وعدله بعضهم؛ ماذا يقدم؟ التعديل أم التجريح؟ أنا لا أريد كلامكم، أريد كلام ابن حجر. شخص اختلف فيه؛ بعضهم قال مجروح وبعضهم قال لا هذا ليس مجروحًا بل هو عدل، ماذا يقدم؟ قال ابن حجر: والجرح مقدم على التعديل في الشخص الواحد إذا كان المجرح عارفًا بأسباب التجريح وصدر جرحه مبيناً بأسبابه. فإن خلا عن تعديل، ماذا قال؟ يعني شخص جرح جرحًا مبهمًا يقبل ولو لم يبين سبب الجرح. أما إذا كان الشخص جرح وعدل، فلا يقبل الجرح إلا مفسرًا. هذه هي القاعدة.
شخص جرح ولم يعدله أحد؛ هل نقبل جرحه ولو لم يبين السبب؟ نعم، يقبل الجرح المجمل ولو لم يبين السبب إذا لم يقابله تعديل. أما شخص عدله واحد وجرحه واحد؛ هل يقبل الجرح أم لا؟ لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، لأن الأصل في المؤمنين هو العدالة، فلا يقبل الجرح إذا تعارض مع التعديل إلا إذا كان جرحًا مفسرًا.
لذلك، متى يقدم الجرح على التعديل؟ أريدك أن تفهم؛ شخص اختلف العلماء في هل هو مجروح أم معدل؟ نقدم التجريح على التعديل إذا كان من جرح فسر وعلل وأعطانا لماذا جرحه. فإن كان الشخص مجروحًا فقط ولم يوجد من عدله، يقبل الجرح ولو بدون تفسير؛ لأن الأصل في العدالة أنهم لا يجرحون شخصًا إلا بناءً على وجود ما يقتضي ذلك.
قال رحمه الله تعالى: «ومعرفة كل المسمين وأسماء المكنين، ومن اسمه كنيته، ومن كثرت كناه أو نعوته». لأن نعوته اسم مفعول. قال: «ومن وافقت»، التي يجب أن تعرفها هي الكنى التي للأسماء؛ يعني شخص اسمه كذا وكنيته كذا، إذاً تعرف الاسم والكنية حتى لا تظن أنه شخص آخر، فقد يذكر الشخص أحياناً باسمه.
وأحياناً بكنيته؛ فعليك أن تعرف إذا كان الشخص مشهوراً باسمه فعليك أن تعرف كنيته، وإذا كان الشخص مشهوراً بكنيته، كأبي بكر الصديق، مشهور بأيش؟ يكون اسمه، لازم تعرف اسمه حتى ما تخطئ. قال: ومن اسمه كنيته؟ بعض الناس اسمه كنيته، يعني بعض الناس اسمه أبو بكر، هي ليست كنية، هو اسمه ابتداءً، أبوه سماه أبا بكر، فعليك أن تعرف من اسمه كنية.
قال: ومن كثرت كناه أو نعوته حتى لا يقع هناك جهالة كما مر معنا. قال: ومن وافقت كنيته اسم أبيه؛ بعض الناس كنيته توافق اسم أبيه، مثل أبو بكر بن أبي بكر مثلاً هكذا. قال: أو بالعكس، أو كنيته كنية زوجته، ومن نُسب إلى غيره كثيراً، مثل أم الدرداء وأبو الدرداء مثلاً، فأبو ذر وأم ذر، فكنيته هي كنية زوجته، وهذا طبعاً من المعارف العامة.
قال: ومن نُسب إلى غير أبيه أو إلى بعض الناس؛ جاء علي بن منية، يا علاء بن منية، منية أمه وأبوه اسمه أمية، هذا نسب إلى غير أبيه، يقولون يا علي بن منية، منية ليست والده، من هو؟ شرحبيب، ما اسمه شرحبيب الابن؟ حسن، هذا نسب إلى غير أبيه عند بعض أهل العلم، فينتبه من نسب إلى غير أبيه حتى لا تظن أنه أبوه، ويطلع أمه أو جده.
قال: أو إلى غير ما يسبق إلى الفهم؛ قد يُنسب الإنسان كما قلنا خالد الحذاء، سُمي حذاءً، أنت ماذا تتوقع؟ أنه كان يصنع الأحذية، فنكتشف أنه ما كان يصنع الأحذية، إنه كان يجلس مع من يصنع الأحذية. أبو مسعود البدري، الصحابي أبو مسعود البدري، ماذا يذهب على ذهنك؟ المشاركة في بدر، لكن المشهور أنه يسكن في بدر، فعليك أن تعرف من نُسب إلى شيء على خلاف ما يسبق إلى الفهم.
قال: ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده، أو اسم شيخه، ابن محمد بن محمد، اسمه اسم جده نفس الشيء. قال: أو اسم شيخه وشيخ شيخه فصاعداً؛ واحد اسمه محمد واسم شيخه محمد، هذا كثير، اسمه اسم شيخ وشيخ شيخ، محمد عن محمد عن محمد. قال: ومن اتفق اسم شيخه والراوي عنه، كما قلنا محمد عن محمد.
قال: ومعرفة الأسماء المجردة والمفردة، وكذا الكنى والألقاب والأنساب. بعض الرواة خلص لم يعرف اسم أبيه، فقالوا عن محمد، طيب من محمد؟ يجب أن تتبع وتنظر حتى تعرف من يحتمل أن يكون هذا محمد، ذكر من دون أن ينسب. قال: وتقع إلى القبائل والأوطان، بلاداً أو ضياعاً، وكذا عليك أن تعرف الكنى عموماً والألقاب التي لقب بها علماء الحديث أو رواة الحديث، وتعرف الأنساب، والأنساب تقع إلى القبائل والأوطان.
قد تنسب شخص تقول: تميمي أو زهلي أو ما شابه ذلك، فهذه نسبة إلى القبائل، وقد تقول مدني أو مكي وهذه نسبة إلى الأوطان، فالناس ينسبون إما إلى قبائلهم أو إلى أوطانهم، وقديماً كانوا ينسبون إلى القبائل، وحديثاً الأشهر المنسبون إلى البلدان، أردني، سعودي، أكبر شيء كذا يقولون. والأنساب تقع إلى القبائل والأوطان، بلاداً أو ضياعاً، وتقسم إلى بلاد وهي الدولة الكاملة، أو الضياع، مثل عمان، إربد، هذه تسمى ضياعاً داخل البلد الواحد. والسكك أصغر من الضياع، مثل عمان صويلح، الجبيهة، هذا كان كل البلد ضياعاً، والضياع تقسم إلى سكك.
قال: ومجاورة؛ أحياناً قد تُنسب لأنك تجاور بلدة وإن لم تكن من أهلها، قد تجاور بلدة، شخص يسكن بجانب الزرقاء لكنه ليس منها، محسوب على عمان فينسب إليها فيقال زرقاوي أو شيء باعتبار أنه مجاور لها وليس منها. قال: وإلى الصنائع والحرف؛ كما قلنا الحذاء، والحرف اسكافي، بعض الناس ينسب إلى حرفته، اسكافي، قهوجي أو ما شابه ذلك، فهذه كلها مما ينبغي أن يُعرف.
قال: ويقع فيها الاتفاق والاشتباه كالأسماء؛ نفس الشيء، كما أن الأسماء يقع فيها اشتباه وتوافق، النسب قد تقع فيه الاشتباه، في الهمداني وما شابه ذلك أكثر من شخص، رمضان أكثر من شخص، مكي أكثر من شخص، بغدادي؛ فكما يقع الاشتباه في أسماء الأشخاص قد يقع الاشتباه في أنسابهم.
قال: وقد تقع ألقاب، يعني أحياناً قد يصبح النسب لقباً على الشخص، بدلاً من أن يذكر باسمه يذكر بنسبه لأنه أصبح لقباً له. قال: ومعرفة أسباب ذلك، أي وعليك أن تعرف أسباب الألقاب؛ لماذا لقب فلان؟ بعض علماء رواة الحديث اسمه الضال، أنت ماذا يخطر ببالك؟ لماذا لقب بالضال؟ لأنه عقيدته ليست سوية، يتبين أنه ليس كذلك، بل يتبين أنه ضل الطريق في يوم من الأيام، وهو من أكثر العلماء ذكاءً، وهذا موجود، فبعض العلماء لقب بلقب سبب التنقيب فيه مخالف لما تتوهمه تماماً، فمعرفة أسباب هذه الألقاب ومن أين أتت له مهم حتى لا تخطئ فتظن أنه الضال فترد حديثه، وتكتشف في الآخر أنه من أوثق علماء الحديث، ولقب بالضال لأنه في يوم من الأيام ضل طريقه إلى منزله.
قال: ومعرفة الموالي من أعلى ومن أسفل بالرق أو بالحلف؛ الشخص متى يلقب أنه مولى؟ إما إذا كان عبداً وأُعتق، أو إذا أسلم على يد شخص، فالمولى هو من أسلم على يد شخص يسمى مولى فلان، أو كان عبداً له وأُعتق، أو بينه وبينه حلف. أسباب الموالي ثلاثة: إما الإسلام، إما الرق، وإما الحلف. فمن كان عبداً لشخص وأُعتق يسمى مولى، ومن كانت قبيلة تحالف قبيلة فيقول هذا مولى فلان أي حليفه، وقد يقولون مولى فلان بمعنى أسلم على يدي، فلما تقرأ أن فلاناً مولى فلاناً لا تفكر دائماً أنه كان عبداً له وأُعتق، قد يكون مولاه بمعنى حليفه، قد يكون مولاه بمعنى أنه أسلم على يديه، فكلمة مولى مهمة جداً.
قال: وما يطلق على الأعلى والأسفل؛ يعني العبد المعتق يسمى مولى، وسيده الذي أعتقه يسمى مولى، أنت أسلمت على يدي فأنا اسمي مولى وأنت الذي أسلمت على يدي تسمى مولى، فالمولى يطلق على الأعلى والأسفل وليس فقط على الأسفل. قال: هو معرفة الإخوة والأخوات؛ أي عليك أن تميز أيضاً الرواة الذين هم إخوة، والرواة الذين هم أخوات إذا كان في النساء.
قال: ومعرفة آداب الشيخ والطالب، ومن أفضل ما جُمع في ذلك كتاب الخطيب البغدادي رحمه الله: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، هذا من أنفع الكتب خاصة لطلبة علم الحديث. وسن التحمل والأداء، وصفتي.
معرفة آداب الشيخ والطالب. وسن التحمل، ما هو أقل سن يجوز فيه أن تتحمل الحديث؟ قالوا: سن التمييز، وهذا يختلف من شخص إلى آخر وليس سبعة على الصحيح. ومتى يجوز لي أن أؤدي الحديث إذا بلغت وكنت مسلماً؟ فتعرف متى يقبل تحملك؟
التحمل هو أني أتلقى الأداء، أني أصير أروي. ما الفرق بين التحمل والأداء؟ التحمل أني أنا أتلقى الحديث عن غيري، والأداء أن أؤدي أنا وأروي الحديث لغيري. فسن التحمل هو سن التمييز، وسن الأداء هو أن تبلغ مسلماً.
قال: وصفة كتابة الحديث أن تتعلم كيف يكتب، هذا قديماً كانوا يهتمون به، اليوم مع الطبعات وسهولة العلم أصبح الكثير من هذه الأمور في صفة كتابة الحديث أقل أهمية. قال: وصفة كتابة الحديث وعرضه وسماعه، يعني كيف تكتب الحديث؟ كيف تعرضه على مشايخك؟ كيف تسمعه من المشايخ؟ وكيف تسمعه؟ قال: صفة السماع والإسماع. السماع وأنت تسمع من الشيخ، والإسماع أنت تروي الحديث في المستقبل. فعليك أن تعرف طرق العلماء في كتابة الحديث، وفي عرضه، وفي سماعه من المشايخ، وفي إسماعه للطلاب في المستقبل، وصفة وطرق وكيفية الرحلة في طلب علم الحديث.
قال: وتصنيفه على المسانيد، أو كيف تصنف الأحاديث؟ فهناك من يصنف كتب الحديث على الأبواب الفقهية، وهناك من يصنف على حسب أسماء الرواة، فالكتاب الذي صنف على حسب أسماء الرواة بالترتيب المعجم يسمى مسنداً، والكتاب الذي صنف على الأبواب الفقهية يسمى كتاباً جامعاً أو كتاباً مصنفاً على حسب الأبواب. بعض الكتب صنفت على حسب العلل والإشكاليات التي في الحديث، هذا بعض طريقة العلماء في تصنيفه لكتابه، صنف الكتاب بناءً على علل الحديث، أو بناءً على أطرافه، أي بناءً على أوائل أسانيده أو على بعض أطراف الأسانيد.
قال: ومعرفة سبب الحديث، سبب الحديث هذا مثل سبب نزول القرآن. هناك أسباب لكلام النبي ﷺ بالحديث، مثل حديث «إنما الأعمال بالنيات»، قيل وإن كانت أن سبب قول النبي ﷺ هذا الحديث ماذا؟ مهاجر أم قيس الذي هاجر من مكة إلى المدينة من أجل أن يتزوج امرأة اسمها أم قيس، فقال النبي ﷺ: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها». فمعرفة سبب الحديث يساعد على فهم الحديث، وهذا يعتني به علماء أصول الفقه.
قال: ومعرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء، وصنف أصحابنا الحنابلة رحمة الله عليهم، وصنف في غالب هذه الأنواع. هل هو يقول كل هذه الأنواع؟ وغالبها: الإخوة والأخوات، والموالي، والأسماء المجردة والمفردة، كل هذه صنف فيها العلماء مصنفات مستقلة. فأنت متخيل، أنت برجوز تعبت وأنت تشاهد الأسماء، لسا ما قرأت الكتب المصنفة فيها، أنت فقط تعد الأسماء والفنون مع ابن حجر شعرت بالإرهاق وتداخل المصطلحات، فما بالك أن كل باب من هذه الأبواب فيه كتب؟ وعلى من يتخصص في الحديث أن يقرأ وينظر فيها؛ إذاً علم الحديث علم بحر طويل لا ساحل له.
قال: وصنف في غالب هذه الأنواع، وهي نقل محض، ظاهرة التعريف مستغنية عن التمثيل، فلتراجع لها مصنفاتها وهي النقل المحض. يقصد بقوله: أنا طريقتي في الإيراد لما قلت ومعرفتي بالموراد والإخوة والآداب وصيغ الكتابة والعرض، قال: هذه أنا في نخبة الفكر نقلتها لك نقلاً محضاً، لم أدخل في تفاصيلها. فقوله: «وهي نقل محض» أي أنا هذه الأنواع التي ذكرتها لك في كل هذه الخاتمة، وفي الخاتمة ذكر كم نوع: طبقات الرواة، مراتب التجريح، مراتب التعديل، من وافق اسمه كنيته، الأسماء، وكل هذه كيف ذكرها؟ نقلاً، يعني قال ما دخلت في تعاريفها ولا تفاصيلها، أنت عليك أن تراجع في الكتب المصنفة فيها.
قال: ظاهرة التعريف مستغنية عن التمثيل. يعني لماذا لم أعرفها لك؟ لأنها مفهومة، فما الداعي أن أشرحها لك؟ هذا يقصد به أنها واضحة المراد بها، لكن تفاصيلها تؤخذ من كتبها المفردة في ذلك. مستغنية عن التمثيل لأنها واضحة، متى يحتاج إلى تمثيل؟ إذا كان غير مفهوم، لكن إذا كان واضحاً خلص، أنا هذا كتاب مختصر وليس كتاباً مطولاً. قال: فلتراجع لها. والله الموفق والهادي، لا إله إلا هو.
هذا نهاية تعليقنا على نخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى عليه. وكما رأينا هذه مختصر كلام مقتضب في رؤوس هذا الفن، نعطيك تصوراً جملة، يعني أنت الآن لست متخصصاً في علم المصطلح، أنت الآن مررت على أبرز العناوين والمفردات التي تطرق في هذا الباب وأبرز التقاسيم التي عليك غداً أن تتعمق فيها. طبعاً أنصحك أن تدرس هذا الكتاب دراسة مفصلة معمقة إن شاء الله في سابق أو في لاحق الأيام على المشايخ الثقات، وأجيزكم بأسانيد المتصلة للحافظ ابن حجر العسقلاني، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الله أكبر، الله. أبو نبيل، نبدأ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما أمر، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس المبارك في هذا اليوم قبيل الأخير من هذه الدورة المباركة، ونحن نقرأ كتابنا الأخير من الكتب، ألا وهي منظومة «بغية الإخوان ورياضة الصبيان»، وهي منظومة كما قلنا في علم التربية. وأذكر مرة أخرى أن غداً إن شاء الله سيعقد المجلس العلمي بين العصر والمغرب، ثم بين المغرب والعشاء، سيكون مجلساً ختامياً لهذه الدورة الطيبة المباركة. ومن اليوم إن شاء الله إلى درس الغد سنتدارس في أفياء هذا الكتاب المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا خيره وحسن ختامه في الدنيا والآخرة.
وتذكر دائماً يا طالب العلم أن الهدف من هذه المجالس هو القواعد الكلية؛ نحن لم نأتِ هنا لندرس تفاصيل المسائل حررها تحريراً كاملاً، وإنما أتينا لندرس أصول العلم، أتينا لنضبط أصول العلم ونقف على جملياته، وإلا فالتفصيل له مقام آخر، والتحرير وذكر الآراء والاختلاف والراجح إلى غير ذلك ليس هذا مقامه. لكن هذا النوع من الدورات من أنفع الدورات، فإياك أن يتجاسر عليك شخص ويثنيك عن حضور مثل هذه المجالس، فإننا والله وجدنا نفعها ووجدنا خيرها ووجدنا بركتها منذ كنا نحضرها عند مشايخنا؛ فإن هذه الدورات التي تركز على أصول العلم، خصوصاً لشباب الجيل الشباب الذين ما عندهم نفس طويل على المدارسة العلمية، تنشئ فيهم الكثير من الخصائص، منها طول المجالسة.
إن كثير من الطلاب لا يعرف كيف يجلس على الكتاب أكثر من نصف ساعة، أو خمسة وأربعين دقيقة، أو ساعة بالكثير. أنت الآن بحمد الله تستطيع أن تجلس على الكتاب خمس ساعات متواصلة، لا تفصل بينها إلا بصلاة المغرب. هذه مهارة لا تنشأ إلا من خلال مثل حضور هذه المجالس، والنظر في كلام الأشياخ، والصبر معهم.
خاصة أن العادات غير المكتسبة من الصغر إنشاؤها في الكبر يحتاج، كما قلنا، إلى مجالدة ومجاهدة. فيكفي في هذه الدورة أنك استطعت أن تقرأ خمسمائة ورقة خلال عشرة أيام في مختلف العلوم الشرعية. والأقوى فالأقوى هو من استطاع أن يعطي انتباهه إلى آخر المجلس، خاصة في مجلس العصر إلى المغرب. أنا ألاحظ الساعة الأخيرة؛ من ينظر إلى السماء، ومن ينظر إلى جنبي، ومن ينظر إلى جيبه، وقل من يستطيع أن يضبط نفسه في الانتباه للدقائق الأخيرة، وهذه قدرات يجب أن تنمو مع الوقت.
الطالب الذي يستطيع أن يركز ثلاث ساعات ليس كالذي يركز ساعتين، أو الذي يركز ساعة. فأنت هنا تنمي مهارات عديدة في حياتك العلمية، فضلاً عن أنك كما قلت تقوي نفسك في أصول العلم. وفي كل عام نحن نمر في مدارج العلم على أصول العلم؛ كتاب في الاعتقاد، كتاب في السير، وهذه كتب اختلف مصنفوها لكنها تحوم وتدندن حول المعاني ذاتها. فأنت هنا توسع آفاقك، وتراجع شريعة ربك سبحانه وتعالى، وتتفقه في دين الله، وكما قلت تضبط رؤوسنا، وتعيد تغذية النفس ورفع الهمم.
أحياناً هذه الدورات أيضاً تكون شاحناً للإنسان في الأيام القادمة ما دمت استطعت عشرة أيام أن تصبر. إذاً أنا عندي طاقات، عندي إمكانيات، لكنني لا أحسن توظيفها، أو لا أعرف ما الذي يسرقها مني. ما دمت استطعت أن أقطع العلائق وأتجاوز العوائق لمدة عشرة أيام، إذاً أنا أستطيع أن أقطعها في الجملة، لكن ما الذي يحول بيني وبين العلم؟ قد يكون انشغال الإنسان بالهاتف الجوال، أو انشغال الإنسان بالجلسات والذهاب والعودة، أو انشغال الإنسان بالقيل والقال. انتبه، هذه الدورة تعتبر محاسبة للنفس ومكاشفة لها: ما الذي يمنعني أن أكون دائماً في مدارج العلم؟ مدارج العلم هذا سلم حياة، ليست دورة فقط؛ أن ترتقي في مدارج العلم وتسمو فيها هذا منهج حياة. ما الذي يمنعني أن أرتقي في مدارج العلم وأسمو بها؟ راقب نفسك وحاسبها فستعرف أين موطن الخلل. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم مدارج العلم وأن نرتقي فيه دوماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حتى لا أطيل عليكم، نشرح إن شاء الله. طبعاً فكرة أخيرة لأن بعض الإخوة راجعني فيها، وهي قضية: لماذا يشترط في الإجازة المتصلة بالكتاب أن يحضر المجلس كاملاً؟ وقضية حضور المجالس المسجلة، ألا يقوم هذا مقام المباشر؟ أقول: لا يمكن أن يكون الحضور المباشر كالحضور المسجل بحال من الأحوال. الذي يحضر الشيء في وقت راحته وخلوته، ولا يقطع العلائق، ولا يتجاوز العوائق، لا يمكن أن أساويه بشخص تعب وأنهك نفسه وضبط وقته من أجل أن يحضر، لا يستويان.
لذلك هذه الدورة من أهميتها أيضاً أنني ألزمك بالحضور المباشر، سواء في المجلس أو أونلاين. يأتي ممن حضر الدورات مسجلة فقط في وقت راحته وغدوته وعشوته، ويريد أن ينال منزلة من تعب وحضر مباشرة ورتب جدوله؛ هذا لا يستويان. ولم أجد أحداً من أهل العلم يفعل ذلك، ولا أقول لا يوجد فرق، بل أقول لم أجد من أهل العلم ومن مشايخنا ممن يعطي هذه الدورات من يعطي إجازات على حضور المسجلات؛ هذا ليس من دأب أهل العلم.
لماذا يلزم الطالب بالحضور المباشر؟ حتى أعلمك هذه المهارة. تصوروا لو أنني قلت لكم إن من يحضر مسجلاً يحصل على الإجازة كمن يحضر مباشرة، أنا فتحت عليك باب الشيطان، وأنا أريد أن أغلقه وليس أن أفتحه. فإذا قلت لك المسجل كالمباشر، أنت ستبدأ تتعذر عن الحضور وتقول: ما دام الشيخ سيعطي الإجازة سواء حضرت مباشرة أو مسجلاً، اليوم أغيب. أدنى عائق يمكن أن يعوقك عن الحضور ستعلق الشماعة عليه. لكن ما دمت أعلم أن مجلساً واحداً يحرم الإجازة، هذا سيجعلك أكثر حرصاً وجداً واجتهاداً بالانتباه والحضور. فهذا إذاً له مقاصده الشرعية، أليس هو من باب التعنت أو من باب الإغلاق؟ ولكنه من باب التربية والإصلاح؛ أن يعتاد الطالب ترتيب الجدول وتجاوز عوائق الحياة. إذا لم تتعلم ذلك هنا، متى تتعلم؟ إذا لم أضغطك حتى تتعلم ذلك، لن تتعلموا في يوم من الأيام. فلذلك نحن لا نعنت عليكم، لكنني أريد أن أزرع من المعاني الشريفة ما لا يمكن إلا بشيء من الضغط والحصر.
الله تعالى أعلم. وأنا عندما أقول ذلك، لأنني وجدت أحد الإخوة يقول: هل يا شيخ حضور البرامج الأونلاين يغني عن حضور المجالس المباشرة؟ أنا حقيقة استفدت من المجالس المسجلة كثيراً في حياتي العلمية، أنا لا أزهد في البرامج المسجلة بل هي مهمة، بل هي من البديل الشرعي الذي وضعه الله في هذا الزمان. لكن ما أنبه عليه وأرجو دائماً أن يُفهم الكلام في سياقه، عندما أقول لا بديل عن المجالس المباشرة، أريد بذلك أن المجالس المباشرة فيها من المعاني ما لا يمكن أن يحصل في البرامج المسجلة؛ المجالس المباشرة فيها من معاني السمت والهدوء وضبط النفس ما تأخذه من المشايخ ما لا يمكن أن يحصل في المسجل.
لكن هل يستفاد من هذا الكلام عدم وجود خير في المجالس المسجلة؟ لا يفهم من ذلك. فأحياناً بعض الناس لا تعرف كيف يدرك الأمور وكيف يفهمها، فيريد أن يحمل الكلام فوق طاقته. المجالس المسجلة فيها خير، ونحن استفدنا منها كثيراً كثيراً، لكن المجلس المباشر نفعه أعظم وخيره أعم، وبركته كبيرة، وفيه من الفوائد في العديد من المجالات ما لا تجده في غيره. فلا نقلل من المجالس المسجلة لكن لا نستغني عن المجالس المباشرة؛ فمتى استغنى الطالب عنها فقد كثيراً حتى من الأخلاق والآداب التي لا تحصل إلا بثني الركب والزحام والتنافس والحضور المباشر والتعب من أجل تحصيل هذه العلوم. بلغنا الله وإياكم مراتب السعادة في الدنيا.
نشرح في التعليق على هذه المنظومة المباركة، أقرؤها من بدايتها إلى ما انتهينا إليه. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين، وعلى المصنف رحمه الله تعالى.
فصل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ولله الحمد، موفق الخلق لكل رشده، على الذي به علينا أنعم، حمداً يعم الأرض طرًا والسماء. ثم الصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.
هذا ذكرناه البارحة؛ أن الإنسان عليه أن يهتم بتنشئة أبنائه وتربيتهم منذ أن يولدوا في هذه الحياة ويخرجوا إليها ويرون النور، وأما تأخير التربية فهذا سيظهر أثره سلبياً على طفلك. وقد بذلك صرح الغزالي، بحر العلوم، صادق المقال، وحث في «إحياء علوم الدين» على قيام الأهل بالبنين. عرفنا أن العلامة الواصبي أخذ هذه المنظومة من كتاب «إحياء علوم الدين» للعلامة الغزالي رحمه الله تعالى عليه، وأفاد منه ما ذكره، ونعم القواعد التي ذكرت والله.
لأن تأديب الصبي في صغره زيادة لحظه في كبره، ينال في ذاك الحظوظ الوافرة وراحة الدنيا وخير الآخرة. فينبغي لكل جد وأب وقيم وحاكم تأديب الصبي؛ لأنه أمانة عنده وقلبه يقبل تأديبهم. والأم لابنها تهدد بالأب زجرًا له عن الخنا واللعب، إذا قلنا إن تهديد الأم طفلها بالأب عند وقوع الخطأ هذا من أساليب التربية المهمة التي نص عليها علماؤنا.
واحذر من أن تسمع من دعاة التغريب اليوم، ممن يأخذون أساليب التربية من غير مصادرها ومنابعها الأصيلة، ممن يقول لك: لا يجب تهديد الطفل أو تخويفه. الطفل يدور بين الترغيب والترهيب؛ فالأم كما تهدد، قلنا في المقابل ترغب؛ ترغب إذا أحسن، وتهدد إذا أساء. وأما القول إن الطفل لا يهدد ولا يجب أن يعلم هذا، فهو كما قلنا من سماجة الأخلاق وضعف التربية؛ إذ قلبه كالشمعة المصبورة، جوهر يقبل الصافي النقية. فينبغي لهم أن يعودوا أولادهم فعل التقى ليسعدوا.
قال رحمه الله تعالى: فصل، وأول الأشياء هي الحضانة، لأنه مع أهله مراتب التربية. قضية الحضانة: الطفل منذ بداية نشأته، منذ سنواته الأولى، هذه الفترة العمرية في السنة الأولى والثانية والثالثة؛ على الأب أن يحسن حضانته، وعلى الأم أن تحسن حضانة طفلها، لأن هذه الساعات الأولى لها ما بعدها وتؤثر في سلوكه ونشأته في قابل الأيام.
وأول شيء في الحضانة: حسن اختيار المرضعة. حسن اختيار المرضعة كما قال العلامة الغزالي؛ فإن اللبن يؤثر في النشأة. إذا أرضعت طفلك لبناً حراماً سيؤثر هذا في نشأته، فعليك أن تغذي طفلك في سنواته الأولى باللبن الحلال. هذه أول خطوات التربية الصحيحة، فينبغي إرضاع كل طفل صالحة بقولها وفعلها.
وهذا معناه أن الأب كما قلنا عليه أن يتحرى المرأة الصالحة بإرضاع طفله؛ المرأة الصالحة في سلوكها والمرأة الصالحة في كسبها، وأن يتحرى هو إطعام زوجته من المال الحلال. فإذا كانت زوجتك سيئة الطباع، بعيدة عن الدين، لا تصلح للإرضاع؛ لذلك قال: صالحة بقولها وفعلها، يعني أقوالها صالحة وأفعالها صالحة، فالزوجة البعيدة عن الدين والصلاح لا تصلح أن تكون مرضعة للطفل.
قالوا لأن الطفل يتأثر بشكل من الأشكال بلبن أمه. لذلك ماذا قال الغزالي في «إحياء علوم الدين»؟ قال: فيراقبه في أول عمره في حضانته وإرضاعه، فيتحرى لذلك المرأة الصالحة التي تأكل الحلال؛ فاللبن الحاصل من الحرام إذا وقع نشوء الصبي منه انعجنت طينته من الخبيث. هكذا يقول الغزالي؛ كأنك تعجن طينة هذا الطفل من بداية حياته بلبن خبيث.
فلذلك دائماً أيها الأب، تحرَّ الرزق الحلال. أنا أدرك أن الأمور المادية صعبة اليوم وأن الحياة مرهقة، لكن مهما كان الثمن إياك أن تأكل حراماً، وإياك أن تغذي زوجتك من الحرام، فأنت من سيدفع الثمن غداً في أبنائك. لذلك كان جعفر الصادق رحمه الله عليه يحذر من أن المرضعة سيئة في أخلاقها، وقال: «لا ينبغي إرضاع الرائبات»، والرائبات اللاتي أفعالهن مريبة، الذين في أفعالهن ريبة، كمن عندها علاقات محرمة أو تصرفات محرمة.
وفي المقابل، الحسن البصري لماذا كلامه يشبه كلام الأنبياء؟ لأنه قال: «كانت أمه إذا التهت عنه وضعت أم سلمة ثديها في فمه». أم سلمة رضي الله عنها، فلما كانت أم سلمة تشتغل بإرضاعه وإلهائه عندما كانت أمه غائبة، وأم سلمة من خيرة زوجات النبي ﷺ، أثر ذلك في الحسن البصري؛ كان كلامه يشبه كلام الأنبياء لأنه رضع من زوجة نبي، بخلاف من يرضع من زوجة فاسقة، زوجة لا تحافظ على الصلاة، زوجها تشاهد الحرام، زوجها لا يتقي الله سبحانه، أو زوجة تأخذ الحرام، فهذا سيعجن طينته.
هذه أول خطوة قبل ما تفكر أين ستدرس ولدك وماذا سيكون ولدك في المستقبل؛ فكر كيف سترضع ولدك ومن التي سترضع طفلك. يقول: «تأكل حلالاً لا من الحرام، فالطبع قالوا تابعوا الطعام». الصبي يتبع الطعام الذي أطعمته في بادئ حياته، والرضاع الذي أرضعته حلالاً طبعه يكون طبعاً جيداً، ومرضعته حرام طبعه يكون طبعاً سيئاً.
يقول في البيت السابع عشر: «إذا خبث رضاعه مال إلى فعل الخبيث». يعني عليك أن تنتبه؛ إما هي المرأة نفسها خبيثة، أو أطعمت مالاً خبيثاً. فكان لبنها فيه خبث. الطفل الذي يرضع من امرأة خبيثة أو لبنها فيه خبث، هذا سيميل إلى فعل الخبيث والحرام في المستقبل، حتى لو أنك أدخلته مراكز التحفيظ ووضعته عند المشايخ وفعلت به ما شئت، إلا أن يشاء الله، فكل شيء بإرادة الله. لكن في الجملة سيميل طبعه إلى الخبيث؛ لأن كما يقولون العرق دساس، وسنقول اللبن دساس، وسيبقى أثر هذا اللبن فيه.
لذلك عندما ترى كثيراً من الناس، ممن آباؤهم يعملون الحرام، أبناؤهم ليسوا على استقامة، لا تستغرب ذلك. كثير من الناس ممن لا يأكل الحرام وراتبه ليس حلالاً، أتوقع أن يكون طفله وولده عندما يكبر ليس على استقامة ويكون عاقاً وسيء الأخلاق، هذا كله متوقع لأنه لم يطعم الحلال.
وبعد ما يفطم، تجده يشتهي أكل الطعام دائماً لا ينتهي. الآن بعد أن يفطم، عادة الطفل متى يفطم؟ يختلف الناس اليوم على السنة أو السنة والنصف أو السنتين؛ والله عز وجل قال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14].
وفصاله ثلاثون شهرًا، وقال سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَ﴾ [البقرة: 233]. وبعد ذلك يأتي الفطام، وما الفطام؟ إنه أن يصبح الطفل مستغنيًا عن اللبن ويقبل على الطعام؛ هذا هو الفطام، أن يصبح الطفل مستغنيًا عن لبن أمه ويصبح يشتهي الطعام ويحبه ويقصده.
فإذا أصبح الطفل يشتهي الطعام ويأكل من البداية، فماذا ينبغي أن تعلمه؟ بعدما يُفطم تجده يشتهي أكل الطعام دائمًا، لا ينتهي، يعلمه دائمًا، حتى يموت وهو يريد أن يأكل الطعام دائمًا لا ينتهي. فالطفل بعد الفطام يصبح ديدنه في حياته أكل الطعام حتى يلقى الله سبحانه وتعالى.
فهنا ليس هذا موطن الشاهد، موطن الشاهد في البيت الذي يليه. ما الذي ينبغي أن يُعلم؟ قال: يعلمه الأكل باليمين. عليك أن تعلمه منذ نعومة أظفاره أن يأكل بماذا؟ باليمين. وقد مر معنا في فصول الآداب أن الأكل باليمين مستحب، فحتى لو كان مستحبًا لا تقل إنني أؤجل تعليمي، بل عليك أن تنبهه وتعزره إذا لم يأكل بيمينه، كما فعل النبي ﷺ مع ربيبه عمر بن أبي سلمة لما قال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». كان غلامًا صغيرًا، علمه الأخلاق؛ يعلم الطفل الأخلاق منذ الصغر: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
يعلمه الأكل باليمين والبسملة حتمًا بكل حين. يعلمه أيضًا البسملة أو التسمية، وإن كان الأولى أن يقول التسمية، أي التسمية بـ "بسم الله" عند الطعام، لكن لو قلنا بسملة، فقد مر معنا في فصول الآداب أنها جائزة أن تقول: "بسم الله الرحمن الرحيم". ويعلموه البسملة لا عند الطعام فحسب، بل عند سائر أموره؛ لذلك قال: والبسملة حتمًا بكل حين، أي في جميع الأمور التي يُشرع فيها ذكر اسم الله سبحانه وتعالى، كدخول البيت والخروج منه وركوب السيارة وكل الأمور.
ولا يبادر قبل أكل صاحبه، ويأكل العيش الذي بجانبه. ويعلمه أيضًا فيما يتعلق بآداب الطعام أن لا يكون نهمًا، ألا يكون نهمًا مستعجلًا إلى مد اليد إلى الطعام، بل يتعود الطفل الأدب. إذا كان والده جالسًا على السفرة، يعلم: لا تمد يدك قبل والدك. بعض الآباء يستهينون في بعض الأمور، لكنها تؤثر في طباعهم في المستقبل. إذا كان الوالد، أو الشيخ، يجلس معك، فلا يمد أحد يده قبل الوالد أو الشيخ. وحتى لو لم يكن أحد من الكبار يجلس معك، ولو كنت تجلس مع أقرانك، فلا تكن بأعجلهم إلى الزاد، كما قال طرفة بن العبد:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أشجع القوم أعجلُ
وهذه من الأخلاق العربية أصلاً، فالعرب لا يمدون أيديهم إلى الطعام قبل غيرهم، ومن يفعل ذلك يدل على شيء من الجشع.
ولا يبادر قبل أكل صاحبه؛ فما معنى هذا الكلام؟ يعلم الطفل ألا يكون نهمًا حريصًا على الطعام، بل يعلم التؤدة والصبر، ويعزر إذا أخطأ؛ يعزر بالصوت والكلام: «عيب، تمد يدك قبل والدك، قبل أمك، قبل أخيك الكبير، قبل زملائك». تعلم الصبر حتى لا يتعود الشراهة وطلب كل شيء والحصول عليه وقتما يريد.
ويأكل العيش الذي بجانبه؛ والعيش هو الطعام، وهذه مسألة مرت معنا في كتاب ابن عقيل؛ أن الطعام إذا كان من نوع واحد، فإنه ينبغي أن يأكل من أمامه، ويعلم الطفل ألا تطيش يده في الصحفة، فلا يأكل من المؤخرة أو من اليمين أو الشمال أو من المنتصف، بل يعلم أن يأكل مما يليه. أما إذا كان الطعام من أصناف متعددة، فقد مر معنا أن له أن يمد يده إلى صنف آخر ولو كان بعيدًا عن ذلك. وهذا يوافق قول النبي ﷺ لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
ويمضغ اللقمة مضغًا محكمًا ولا يسارع. التي يتكلم فيها العلماء في تأديب الطفل على الطعام، فما بالك بغيره؟ انظر إلى علمائنا وموروثنا التربوي عند أهل الإسلام؛ فالغرب يدرسون هذه الأمور كما نحن ندرسها. يقولون: إن الطفل ينبغي أن يتعلم المضغ، ولا يتعلم البلع السريع، فهذا أيضًا من فعل الشرهين، إذ يريد أن يبلع سريعًا حتى يكثر من أكل الطعام، بل يعلم أن يمضغ رويدًا. قل يا بني: تأنَّ بهدوء، تعلم أن تأكل اللقمة ليس بشراهة، فالأكل لن يضيع، وليس المهم هو الأكل لذاته، فالطعام والشراب فقط لتقوية جسدك وليس مقصودًا بذاته.
بعض الأطفال يتربون على أن الطعام مقصود بذاته، وهذا خطأ؛ فالمقصود من الطعام أن تقوي جسدك على طاعة الله والعمل في الحياة، فينبغي أن تغرس هذا في طفلك؛ أن تعوده عدم الشراهة والهدوء والتؤدة، وألا يكون مطلبه في الحياة فقط أن يأكل ويشرب. فهذه التصرفات التي يذكرها الوصي للغزالي هي من الأمور التي تزرع فيه هذه المعاني.
ويأكل اليابس من الطعام تعلماً بحثًا بلا إدام. قال: ويأكل الآن اليابس من الطعام، ويمضغ اللقمة مضغًا محكمًا ولا يسارع ولا يوالي اللقم. أيضًا من الآداب التي ينبغي أن يعرفها الطفل عند الأكل ألا يسارع باللقم؛ لقمة بعد لقمة، بل يمضغ اللقمة ثم يأخذ لقمة ثانية بهدوء. وكما قلنا، الهدف من كل هذه الأخلاق هو أن يعرف الصبي منذ الصغر أن الطعام ليس مقصودًا لذاته.
إذا علمته الأدب في الطعام، سيحرص على الأدب في غيره، لكن إذا بدأت تقصر في هذه الأمور الصغيرة وترى أنها ليست ذات شأن كبير، غدًا سيقصر في الأمور الكبيرة. فالطفل إذا تعلم أن يمضغ الطعام رويدًا، وأن لا يسارع في تناول اللقم، فإنه ينشأ سليمًا. بعض الأطفال -ما شاء الله- الملعقة بعد الملعقة، لا يوجد بينهما ثانية أو ثانيتان، وهذا لا يصلح. بل إن بعض الكبار يفعل ذلك لأنه لم يجد من يعلمه من الصغر، ولم يربّه على معالي الأمور، وكيف يأكل بهدوء وتؤدة؛ فتظهر ضريبتها في الكبر عندما يصبح شابًا كبيرًا يأكل مع زملائه بشراهة وعدم تؤدة.
ولا يسارع ولا يوالي اللقم، بل يأكل لقمة لقمة، ويعلم أيضًا ألا يجمع بين لقمتين، أي ألا يأخذ شيئين في نفس الوقت.
بعض الأطفال مثلا تجد تمرًا أو مثلاً الشوكولاتة في الكيس، ماذا يأخذ؟ خمس حبات مع بعض؟ لا، هذا خطأ، هذه موالاة للقم. تعود أن تأخذ شيئاً واحداً بعد أن تفرغ منه تأخذ لقمة أخرى، أما أن تقرن بين لقمتين وثلاث لقم مع بعضها البعض من أجل أنك تستعجل خشية أنه أخوك يسبقك في الطعام، فهذه أمور نبه عليها.
الطعام يا بني ليس مقصوداً لذاته، لو أخوك أكل شيئاً زائداً عنك ما المشكلة؟ ترى الطفل أحياناً يسارع مثل هذه الأمور، طفل لا يدرك هذه الأمور فيعجبه أن يفوق أخاه في الأكل وأن يحوز أغلب الطعام. فهنا عوّد طفلك أن الطعام ليس مقصوداً لذاته. لو أن أخاك أخذ قطعة من الحلويات أكثر منك مثلاً، أو أكل من الشيبس أو شيء أكثر، ما المشكلة؟
أنت هنا تزرع فيه أنه ما المشكلة، ماذا سيحدث؟ هل سيسبقك إلى الجنة؟ هل سيأخذ من الحسنات والكمالات؟ ليس هنا المنافسة، المنافسة ليست في الطعام، المنافسة في الأعمال الصالحة. وهذا كله يزرع في الصغر، صدقوني أحبابي، وليس في الكبر، في الكبر ييبس الإنسان على ما نشأ عليه.
ويأكل اليابس من الطعام تعلماً بحتاً بلا إيدام. طبعاً الجهاد -سبحان الله- من جميل الأخلاق، قال: «ويأكل اليابس من الطعام». بعض الناس المترفين يعوّدون أطفالهم أنه كل يوم وجبة جديدة، وهناك طبيخ جديد، وهذا خطأ. إذا طفلك تعود أنه كل يوم من مطعم وكل يوم طبخة جديدة وتعود أن يأنف من أكل أكل البارحة، هذا سيخرج ضعيف الشخصية، يخرج ليناً ضعيفاً في الحياة، دائماً يريد الشيء الجديد.
عوّد طفلك أن يأكل الأكل البائت، هذا معنى قوله: «ويأكل اليابس من الطعام»، دعه يأكل خبزاً ناشفاً، ما المشكلة؟ إخواني فإن النعم لا تدوم. هذا طفل اليوم يريد دائماً أكلاً ناضجاً، لا سمح الله حدثت في بلادنا من المجاعات أو الإشكاليات الأخرى، ماذا سيفعل هذا الطفل؟ من يستطيع أن يقاوم صعوبة الحياة؟ الحياة لا تبتسم دوماً، الحياة فيها الرخاء وفيها الشدة، ففي وقت الرخاء علّم طفلك وعلّم نفسك القوة.
بعض الأحكام هذه نعلمها على أنفسنا قبل أطفالنا؛ قضية أن الإنسان لا يشترط في كل يوم أن يأكل أكلاً جديداً، وأن يطلب من زوجته الشيء الجديد. عوّد نفسك حتى وأنت الآن شاب، عوّد نفسك على الخشونة، وأن تأكل الأكل البائت والقسوة في الحياة، هذا كله يؤثر على أخلاقك وعلى طباعك.
لذلك ماذا قال الغزالي؟ «ويعود الخبز القفار»، هكذا قال الغزالي في إحياء علوم الدين. يجب أن يعوّد الطفل أن يأكل الخبز القفار، والخبز القفار هو الخبز اليابس. في بعض الأوقات يا عائشة يا غزالة، في بعض الأوقات، أنت ما تزودهاش، مش كلها، حتى برضه الطفل ما يكذبش عليك. قال: «فيعوده في بعض الأوقات أن يأكل الخبز القفار حتى لا يصير بحيث يرى الإدام حتماً».
ماذا يعمل؟ عوّده في يوم من الأيام تأكل خبزاً وحده بدون إيدام. نحن قلنا الإدام، مثل صحون الشوربات أو البامية أو ما يوضع بجانب الأرز. يعني لو في يوم من الأيام قلت له: اليوم الأكل هو أرز فقط بدون إيدام، فقط أرز أبيض، أو قلت له: اليوم زيت وزعتر فقط، في بعض الأحيان ترى هذا مطلوباً، سيؤثر على سلوكه ويعرف قيمة الطعام وأنه ليس مقصوداً.
لذلك قال الغزالي: «ويعود الخبز القفار»، أي في بعض الأحيان أن يأكل الخبز اليابس فقط حتى لا يصير بحيث يرى الإدام حتماً. إذا أنت كل يوم تعطيه إيدام، إيدام، إيدام، يصير إذا في يوم ضاقت بك الدنيا وما فُش إيدام، يقول لك: أنا ما آكل! ليه؟ لأنه أنت عودته على هذا الدلع والسماجة. لكن إذا عودته على اليبسة، يصير يتحمل في يوم من الأيام بعض الخشونة، خاصة كما قلنا أن الحياة قد تضيق بك في بعض الأحيان.
قال الغزالي: «ويقبح عنده كثرة الأكل». جميل، يسمعك الأب وأنت تقول: يا بني، الذي يأكل كثيراً ليس إنساناً جيداً. سمعوا هذا الكلام، يا بني الذي يأكل كثيراً ليس إنساناً جيداً. أحياناً ممكن يقول لك: بابا، صديقي أكل اليوم بأربع دنانير، وجاء يعطيك هذه المعلومة، أنت مباشرة التقطها وقل له: ما فعله غلط، كثرة الأكل ليست مكسباً، حتى طفلك لا يصبح يقارن نفسه بغيره ممن يكثر الأكل والنهم.
طيب، كيف يقبح له الأكل؟ شوف ماذا يقول الغزالي، قال: «بأن يشبه من يكثر الأكل بالبهائم»، يقول الذي يكثر الأكل هذا مثله مثل الدب أو من الحيوانات التي تعرفونها، ما شاء الله المعجم واسع. «وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل»، تذمه، إذا قال لك: والله زميلي في المدرسة يأكل كذا وكذا، قل له: ترى هذا خطأ، هذا سلوك غير ناضج. «وبأن يمدح عنده الصبي المتأدب بقلة الأكل»، شوف يا بابا مثلاً فلان كيف يأكل شوي شوي، كيف يأكل بهدوء، هذه المقارنات تؤثر في الصبيان كثيراً.
«ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل، ويحبب إلى طفله الإيثار بالطعام». شف الشيخ الغزالي، حبب إلى طفلك أنه في يده مثلاً حبتان شوكولاتة، علمه: أعطِ زميلك، أعطِ أخاك، علمه أن يؤثر بالطعام وألا يكون دائماً حريصاً. الطفل أحبابي -وأظنكم تعلمون ذلك- في بداية نشأته حريص على التملك، حريص أن يكون كل شيء عنده، لذلك إذا دخل المنزل أول ما يرى شيئاً يقول: أعطني، أعطني. لا، علمه أن هناك أشياء يجب أن تعطي غيرك، ازرع فيه خلق الإيثار منذ نعومة أظفاره.
قال الغزالي: «قناعة بالطعام الخشن أي طعام كان»، «ويأكل اليابس من الطعام تعلماً بحتاً بلا إيدام»، بحثاً أي خالصاً. يعلمه أكل اليابس من الطعام كالخبز القفار حتماً، أو عفواً: «بحتاً»، أي خالصاً بدون إيدام. يعني في يوم من الأيام سنطعمك الأكل بدون وجود إيدام بجانبه، ليس دائماً يشترط وجود مرق أو لحم أو دجاج بجانب الأرز، عوّده أحياناً حتى يشتد عوده، وهذا معناه بحثاً، أي خالصاً مفرداً بدون وجود إيدام معه.
فهم الغزالي يا إخواني؛ قال: «حينا فحينا»، ومعناه أيضًا لا تحمله فوق طاقته. ليس كل يوم يأكل طعامًا ناشفًا، بل يجب ألا ينشف أيضًا، فأنت لا تريد أن تشد عليه دائمًا، فالتوازن مطلوب في عملية التربية، وهذا يفقده كثير من الناس؛ إما أن يغلو في جانب الإفراط أو في جانب الإفراط.
عليك أن تكون متوازنًا، قال: «حينا فحينا»، أي أحيانًا اجعل في رزقه مع الدجاج أو اللحم مرق، وأحيانًا شد، وأحيانًا أرخِ، وشد شعرة معاوية كما يقولون. فحينا في العشاء والغداء كي لا يرى الإدام حتمًا أبدًا. والمقصود من ذلك كما قال الغزالي وكما قال الواصي؛ بأن لا يرى أن الإدام وكثرة الطعام شيء مطلوب دومًا، ويصبح الطعام مطلوبًا لذاته. نحن نريد أن يتفرغ عقله وجسمه لمعالي الأمور، ولا يكون عقله فقط في الطعام والشراب واللعب.
وبعد أن انتهى من ذكر الآداب التي ينبغي أن ينشأ الطفل عليها في الطعام، انتقل إلى ذكر الآداب التي يجب أن ينشأ الطفل عليها في اللباس، فقال: «وأن يجنبه فنون الزينة». حاول أيضًا، كما عودت طفلك الخشونة في الطعام، أن تعوده الخشونة في اللباس، وألا يحرص كل يوم على لبس شيء جديد أو ثياب جديدة، أو يطلب الماركات العالية التي سعرها مائة وثمانين ومائتين دينار. بعض الناس لا يشتري لابنه إلا من ماركة، ويقول: «أنا ابني لا يلبس إلا من هذا النوع». طيب، غدًا تضيق بك الحياة وأنت عودت ابنك دائمًا على ثياب بمائة وعشرين ومائتين دينار، غدًا عندما تقول له إذا ضاقت الحياة البس شيئًا بخمسة أو عشرة دنانير، لن يقبل لأنه تعود على مستوى عالٍ من الرفاهية؛ فهنا يقول لك: «جنبه فنون الزينة».
خاصة الصبيان؛ لأن البنات بطبعهن يحببن التزين، فيرخى لهن الحبل أكثر في موضوع الزينة، أما الصبيان فلا، فالشدة مطلوبة عليهم أكثر، لأنني لا أخرج فتى جمال للمستقبل، أنا أخرج رجلًا. أنا لا أريد إنسانًا يصفف شعره وينظر في نفسه دائمًا وفي عضلاته وشكله؛ هذا مطلوب جملة، لكن في النهاية كما قلنا، الترجل يكون للرجال. لماذا؟ حتى يتعود الإنسان الخشونة، فلذلك قال: «وأن يجنبه فنون الزينة». حاول أن تعلم طفلك ألا يبحث دائمًا عن فنون الزينة المتنوعة، وأن يرضى بأقل القليل، أي المحافظة على الهندام والشكل بدون حاجة إلى الترفات الزائدة.
بعض الناس مع الوقت يصبح ابنه حتى في الاستحمام يطلب جلًا معينًا وشامبو معينًا وأشياء معينة، لا يا أخي الله يرضى عنك، الأمور لن تمشي بهذه الطريقة في الحياة، أخرجوا للأمة رجالًا. وهذه الأشياء قد تستهين بها الآن، لكنها تؤثر نفسيًا عليه في المستقبل. قال: «وجملة الملابس الرزينة»، أي يعود الطفل ألا يلبس الملابس الغالية الثمن حتى لا تصبح مطلبًا دائمًا له.
«ويكسوه لون بياض القطن حتى به عن غيره يستغني». يحرص الإنسان -وهذا قد يختلف ربما قليلًا في بعض البلدان- أن يلبسه البياض؛ لأن النبي ﷺ حث على لبس الثوب الأبيض، قال: «البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». هنا يرى الواصي تبعًا للغزالي أن الأفضل أن يعود الصبي لبس الثياب البيضاء أن تكون من القطن؛ لأن القطن أيضًا سعره ليس مرتفعًا، لكن المهم أن يحرص على لبس البياض حتى به عن غيره يستغني.
أحبابي صدقوني، الملابس تؤثر على شخصية الإنسان. أحيانًا لبس هذه الملابس الخاصة بالمتدينين المحافظين كالدشداشة التي تلبسونها، عندما يعتاد الطفل لبسها مع لبس الشماغ أو شيء من ذلك، ترى هذا يعوده نمطًا معينًا وانتماءً لفئة معينة من الناس سلوكيًا. فلا تقل إن المهم الباطن أما الثياب فليست مهمة، هذا ليس صحيحًا؛ الثياب تؤثر على باطن الإنسان، فالإنسان الذي يعتاد لبس الثياب الفارهة سيخرج في المستقبل إنسان عرض أزياء.
كذلك الفتاة؛ مثل الفتاة التي تلبسها من الصغر شيئًا خليعًا في الثياب، وتقول: «والله لا يزال عمرها سنتين أو ثلاث»، فتلبس ما فوق الفخذ بشكل عالي، أو ما يكشف يديها؛ نعم هي ليست عورة الآن، لكن أنت تزرع فيها كشف هذه المناطق وتعودها على مثل هذه الأمور، فما بالك إن كانت الفتاة أيضًا تشاهد هذا في التلفاز وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وأنت تعطيها برامج الأطفال التي كلها كشف لهذه المناطق؟ ماذا ستخرج الطفلة؟ سيصبح هذا المنظر لها هو المطلوب، لكن عندما تعود الطفلة لبس الجلباب من عمر ثماني أو تسع سنوات، سيصبح هذا الثوب هو المطلوب.
فيأتيني بعض الناس يقول لي: «أنا أريد أن ألبس بنتي الجلباب عند التوجيهي»، فأقول له: راحت البنت الله يسهل عليها؛ لأنها تعودت لبس البنطال، وإقناعها الآن بالجلباب عملية مرهقة، أنا لا أقول عملية مستحيلة، لكنها عملية مرهقة بخلاف الطفلة التي تعودت العفة واللباس الساتر الطويل من عمر خمس أو ست سنوات، هذه ستنشأ محبة لهذا النمط.
فإياك باختصار، أن تتساهل في قضية اللبس والثياب للطفل بحجة أنه صغير أو لم يبلغ؛ لا، بل ألبسه الثياب الساترة حتى يبقى هذا سلوكًا داخليًا له في المستقبل. المقصد أنه ليس واجبًا، لكنه سلوك وانطباع داخلي سيؤثر عليه في قابل الأيام، فلا يزهد الإنسان أو يقلل من أهمية الحرص على موضوع اللباس وما ينبغي أن يلبس سواء الطفل أو الطفلة.
مثلاً بعض الناس يعود طفلته وضع المناكير وشيء على الشفاه في خروجها من المنزل، ترى هذا خطأ؛ عمرها سنة أو سنتين أو ثلاث ليس مشكلة، لكن عندما تبدأ تصبح ثماني أو تسع سنوات، قد لا يكون حرامًا، لكنك تعودها من الآن أن تواجه الرجال الأجانب وهي متجملة، فتتقلل من ذلك. الطفلة لها نمط معين في التربية، وكذلك الطفل له نمط معين، فما تغرسه من سلوكيات ومن حركات اللباس في الوجه والشكل والخروج، هذا سيتأثر به ولابد. فإياك أن تقلل من شأن هذه القضية في عملية التربية والتنشئة. لذلك هنا الغزالي قال: «ويكسوه لون بياض القطن حتى به عن غيره يستغني».
وإن طلب منقوشًا أو ملونًا يقول: «ذاك للنساء لا لنا». هذا فيما يتعلق بالصبي الذكر، إذا الطفل صبيك الصغير قال لك: أريد هذا الثوب الذي يشبه ثوب النساء، ثوب أحمر خالص أو أصفر خالص، المهم مما يشبه ثياب النساء؛ إياك أن تلبي مطلبه كما قال الغزالي. قال: وإن طلب منقوشًا، يعني مزينًا بحلية النساء، أو ملونًا بألوان نسائية.
بعض النساء يقلن: «خلص يا شيخ، يعني طفل صغير ما في داعي تشددوا عليه»، هذه الكلمة هي التي قسمت ظهورنا في التربية؛ قضية «طفل صغير فلا داعي للتشديد عليه». هذا ليس تشديدًا، هذه تربية يا إخواني، بعض الناس يسمي التربية والحصر في بعض الأمور تشديدًا، وهذا لصالحه في المستقبل، صدقوني والله.
فإذا طلب الصبي ثوبًا منقوشًا كما ينقش ثياب النساء أو ملونًا، ماذا يقول له؟ يقول له بكلمة هادئة: «ذاك للنساء لا لنا»، أنت يا بني رجل، أنا لا ألبسك كما تلبس أختك، أختك هذه لها وضعية أخرى، البنت يمكن تلبس الملابس المزركشة الملونة، لكن أنت رجل، أنا ألبسك كما يلبس الرجال من الألوان والهيئات والثياب إلى غير ذلك، فهنا ينتبه لهذه القضية.
لباس حتى مثلاً البعض، أجد مثلاً بعض الأطفال يلبسون ملابس الفرق الأجنبية، حقيقة هذا من الخطأ في التربية حتى لو لم يكن عليها صليب أو شيء من ذلك. أنا أقول: لا يلبس ثياب الفرق الأجنبية؛ لأنه أنت بشكل غير تلقائي تغرس فيه الانتماء لمثل هذا النوع من الرياضات.
الموضوع ليس عن مشاهدة المباريات، نحن نناقش عن الثياب، فالطفل خطأ أن يلبس ثوبًا يقول لك: أنا أريد ثوب فريق إنجلترا أو فريق ريال مدريد، هذا كله خطأ، أنت تغرس في طفلك أفكارًا مغلوطة بجهلك، حاول أن تقول لابنك بهدوء، واجعل النقاش سيد الموقف، وليس الأمر بالتعنيف والصراخ، فبعض الناس لا يعرف التفاهم مع طفله إلا بالصراخ وهذا أيضًا خطأ.
ناقش ابنك دائمًا، قل له: «يا بني لماذا تريد هذا الثوب؟»، فيقول: «والله فريق أحبه»، فتقول له: «لماذا تحب هذا الفريق؟ وماذا سيشكل لك في الحياة؟ وما الفائدة التي ستجنيها منه؟». لا بد أن يكون هناك نقاش بين الأب وطفله في هذه الأمور حتى يعرف الصبي كيف تُغرس الأفكار. ربما طفلك ليس مميزًا كثيرًا الآن، لكن غدًا سيحمد هذه النقاشات التي فتحتها معه، وسيذكرك بالخير: «والله أبي من الصغر كان يحذرني من هذه الأمور بهدوء وتؤدة».
طيب، لو خالف الصبي واشترى أحيانًا من ورائك شيء مما لا ترغب به من الثياب؟ كيف تكون المعالجة؟ وهذا قد يحدث أحيانًا، أنه بعد أن تحاور الصبي ساعة أو ساعتين لا يقتنع، فيخالف ويشتري شيئًا أنت لا تقتنع به أو ترى أنه قد يؤثر عليه. هنا أيضًا المعالجة يجب أن تكون هادئة، فإنه أحيانًا إذا أخذت هذا الثوب ومزقته أمامه بطريقة عنيفة قد يخلق عنده نوعًا من التوتر في الحياة.
فإذا كان الثوب محرمًا، فيجب أن يُزال هذا المنكر، أما إذا لم يكن محرمًا ولكن فيه خطأ تربوي معين في لونه أو في انتمائه، فحاول أن تزرع في الصبي أن هذا الثوب لن يكون سببًا في نجاحك في الحياة، ولن يؤثر على سلوكك، ولن يجني لك خيرًا. ابدأ النقاش معه، فالنقاش هو سيد الموقف أكثر من قضية الحزم الشديد الذي قد يخلق مشاكل، طبعًا ما لم يكن منكرًا، فإذا كان في الثياب صليب فهذا لا مجال فيه، هذا لا يبقى عنده.
لكن كما قلت، أحيانًا قد يخالفك الصبي لشقاوة فيه أو لأنه رأى أبناء عمومته وأبناء خؤولته، فهنا عليك أن تكون هادئًا في معالجة الأخطاء التربوية التي قد تصدر أحيانًا من وراء لباس أهل الفسق والتخنيث والحمق والفجور والخباثة. إذا طلب ثيابًا غير شرعية، إذا كانت ثيابًا أنثوية ماذا يقول له؟ يقول: «ذاك للنساء لا لنا».
لكن إذا كانت الثياب أندية رياضية من أندية الفجار والفسقة وممن يقيمون في بلاد الكفر، ماذا يقول له؟ يقول: «هذا لباس أهل الفسق»، هل تعرف يا بني أن هذا الثوب الذي يُكتب عليه اسم لاعب من الفجار ويكون عليه وشم من أسفل، هو لباس إنسان فاسق، إنسان لا يتقي الله، إنسان لا يصلي، إنسان مشرك بالله.
هذه الأمور لأسف اليوم تغير حالها، والناس تتحدث عنها وكأنك تضحك على نفسك، بعض الناس يقول لك: «شوف يا شيخ إيش بك؟»، تقول له: «هل هذا ميسي أم مشرك بالله؟»، يا أخي كيف تقوون أنتم؟ يجب أن نقول هذا مشرك، كافر، هذا ليس مسلمًا. أن يسمع هذه الكلمات منك الآن أفضل من أن تضيع هذه الكلمات في معجم الحياة القادمة؛ يسمع أن هذا لاعب كافر ليس مسلمًا، ويحذر من تقليده.
هذه ليست بطولة، اليوم السوشيال ميديا تصنع أبطالًا أو أوهامًا، لكثرة حديثهم عن هؤلاء اللاعبين وأحوالهم، وكأنهم يصنعون أبطالًا وهم في الحقيقة لا يعرفون الاستنجاء، هؤلاء اللاعبون لا يعرفون النظافة لحياتهم، فيجب أن يعلم طفلك أن هذه ليست نجومية، وما يحاول الإعلام أن يصنعه لك بأن هؤلاء أبطال هو وهم، هؤلاء أرذال، هؤلاء سفلة الناس وسقطهم، لاعب يلحق خلف جلده يركض بها من أول الملعب إلى آخره، ماذا فعل؟ ليس شيئًا.
هم يحاولون أن يصنعوا بطولة وهمية في حياة الناس، وبالنسبة للفتيات يحاولون أن يصنعوا أن الفتاة المتبرجة صاحبة قناة يوتيوبرز وعالمية ونجمة من النجوم هي نموذج، علم طفلتك أن هذه الفتاة المتبرجة فاسقة من الفاسقات. هذه الكلمات يجب أن يسمعها الطفل ليعيها من الصغر ولا تؤجل للكبر.
كما قال الغزالي، يقال له: لباس أهل الفسق والتخنيث، هذه لباس أهل الفسق. كلمة التخنيث قد تكون غريبة على الطفل، فإذا وجدت صعوبة عليه، ائتِ بعبارة أنسب إلى مستواه الذهني، لكن المهم أن يحذر. قال: وأحمق وفاجر وخبيث؛ يا بني هذه ملابس الحمقى، هذه ملابس الفجار، هذه ملابس ناس لا يتقون الله. اجعله يعرف هذه الأمور من صغره قبل أن ينشأ على الأفكار الخاطئة، لأن الثياب باتفاق العلماء تؤثر على السلوك، لا تقل لي إن الثياب لا تؤثر على سلوكك. لذلك لو كنت لابسًا دشداشة ومطلقًا لحيتك، هل سيراك الناس تقف مع فتاة في جامعة وتتكلم معها؟
إذا لم تستح من الله فلست تستحي من الناس. لكن لما تكون متخففًا من اللحية ومن الثياب، لو رآك واقفًا مع فتاة، ما حدا بدقق يا شيخ، صح ولا لأ؟ فلا تقول لي إن الثياب لا تؤثر؛ الثياب تؤثر عليك وعلى مواقفك وعلى هندامك وعلى سلوكياتك، وستشعر أنك مرتبط بالثوب الذي تلبسه، وعن اللحية التي تطلقها، ستشعر بالمسؤولية.
«ولا ينعم جسمه بملبس طول المدى ولا فراش أملس». قال: ولا ينعم، ومشكلة هذه المروحة أتعبتني وأنا أقلب هذا... أغلق لي إياه، والله يصبح الكتاب يقلب معي. «ولا ينعم جسمه بملبس طول المدى ولا فراش أملس». يعني عود طفلك الخشونة؛ لا تعوضه الملابس الناعمة، ولا الفراش الناعم، ولا ظروف الحياة المرفهة دومًا باختصار. الفكرة أن الطفل يجب أن يعتاد أن الحياة ليست دائمًا ناعمة.
خله يومًا من الأيام يلبس ثيابًا خشنة، خله يلبس ثيابًا بسيطة، ما في مشكلة. خلي يومًا يخرج مثلاً وثوبه مجعد شوي، مش مشكلة، يعني لازم يكون الثوب كل يوم مكوي؟ عود نفسك أن الإسلام يطالب بماذا كما قلنا بالترتيب، لكن ما أقصده هو أن بعض الأطفال من كثرة التنعم يصبح عنده مشكلة نفسية حتى مع قص شيء معين أو طعجة في شيء معين.
يجب أن يكون هناك نوع من الخشونة في الحياة، مطلوب في حياتك؛ فدائمًا ينعم بالملابس الناعمة خطأ، ودائمًا الفراش الأملس خطأ. عوده يومًا ينام على السجاد، نام على الأرض، كله اليوم وظيفتك تنام على الأرض، ما في مشكلة، فليتعود الخشونة. في مثل هذه المواقف، دائمًا ينام على فرشة، وبكرة انقطعت الفرشة، غدًا تكبر ممكن يسجنوك إذا كنت طالبًا أو داعيًا، ماذا ستفعل؟ تريد أن تنام؟ الحياة لا تبتسم دومًا.
كثير من البلدان المسلمون ابتُلوا فيها، صح ولا لأ؟ كثير من بلدان الشام والعراق ابتلي المسلمون فيها. إخواني، الحياة لا تدوم، أنت تفعل هذا لمصلحة ابنك لما تعوده على بعض مهارات الحياة. خليه يومًا يخرج معك إلى الجبال وتسلق معه الجبال، وخليه يتعود يتعثر ويأتي على وجهه وتأتي غبرة. ما في داعي دائمًا الحياة المنعمة والمكيف، خلي يومًا فيه حرارة، ما في مكيف اليوم، تعود تحمل الحرارة.
هذا ما يريد الغزالي أن يصنعه في الأطفال؛ أن يعتادوا الخشونة في كثير من أمور حياتهم حتى نصنع رجالًا، نصنع للأمة رجالًا. والرجل ليس فقط في العلم، بل في الهندام والمسلك والطريقة في العيش، هكذا تخرج الرجولة. لذلك لماذا كانوا يقولون لماذا اختار الله رسالة الإسلام أن تبتدئ في جزيرة العرب؟ ليس في بلاد بني الأصفر ولا الفرس؛ لأن سكان جزيرة العرب حياتهم صعبة وشاقة، فهم أهل أن يحملوا الإسلام على أكتافهم.
أما بنو الأصفر والفرس وأهل الشام فكانوا منعمين، فلم يكونوا مؤهلين ابتداءً ليتحملوا صعوبة الدعوة. الأجساد الصعبة التي كان أهل جزيرة العرب يعيشون فيها جعلتهم أكثر تأهلًا ليكونوا هم الوقود والشرارة الأولى لحمل رسالة الإسلام العظيم. أما المنعمون لا يصلحون ابتداءً لحمل الدعوات؛ المنعمون خذها قاعدة: لا يصلحون لحمل الدعوات، هذا يصلح أن يكون على الرف أو على الجنب يصفق من بعيد. أما حياة الدعوات هذه تحتاج إلى شيء من خشونة الحياة التي تُغرس في الطفل منذ صغره.
لذلك قال: «ولا ينعم جسمه بملبس طول المدى»، طول أيامه يعوده الملابس الخشنة والفراش الخشن في بعض الأحيان. بل «كل ما كانت به خشونة فإنه أخف للمؤونة»، حتى أهل الأب يعني بتوفر مصاري؛ لأنه إذا الابن كل يوم يريد ثيابًا جديدة وثيابًا ناعمة فهذه ستكلفك، أما إذا تعود الطفل يلبس أي حاجة مقبولة، فماذا سيتوفر على جيبتك؟ المال؛ قال: «فإنه أخف للمؤونة»، ومؤنته تكون أخف عليه وعلى طفله.
«ويصلب الأعضاء ولا يبالي بالمشي». ما فائدة الخشونة في الحياة؟ «يصلب الأعضاء». خليك خشن، رجل بمعنى كلمة رجل، «يصلب الأعضاء»، جسمك، ظهرك، بطنك. كثير من الأطفال حتى الشباب اليوم -لا نحكي عن الأطفال بل نحكي عن الشباب الذين بلغوا- كسول، جسمه مرتخي، لا تشعر أنه أهل لأن يحمل صخرة، ولا أن تضع عليه طوبًا، ولا يعرف يحمل باكيت أسمنت، ليه؟ لأنه عود على النعومة، فما عنده صلابة في الأعضاء. صلابة الأعضاء هي أيضًا سلوك في الحياة يُزرع من الصغر.
وقال: «هذا يصلب أعضاءه ولا يبالي بالمشي»، خلص يصبح يمشي في أي مكان؛ المكان صعب، المكان فيه وعورة، الشارع فيه أوساخ، يصبح يتقبل الحياة بمختلف تقلباتها. باختصار، الذي يعتاد الخشونة سيتقبل الحياة مهما جاءت به، وهذا كل ما يذكره والله مشاهد، وأنتم تعرفونه كما أنا أعرفه في نفسي.
«ويمنع النوم النهار قطعًا خوف الكسل أو يتخذه». إذا كان الأب هو الذي ينام النهار قطعًا، ماذا سيفعل؟ الابن يتبع والديه، إذا كانت الأم نؤومة والأب كذلك، فأبشرك بابن نؤوم. أما إذا كان الأب ممن يستيقظ على الفجر أو الصباح ويعتاد الاستيقاظ، خلاص ولا ينام إلا القيلولة قبيل الظهر، فالطفل يعتاد ما اعتاد والديه؛ خذها قاعدة.
بعض الرجال ليس عنده شغلانة إلا النوم في المنزل، خاصة الشباب اليوم الذين يبحثون عن الرزق السريع، يسهم ويشارك في بورصة ويأخذ استثمارًا سريعًا ويأتي بربح، أما أنه يخرج يشتغل من الصباح ويفتح ورشة أو محل يشتغل فيه من الصباح إلى المساء كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا، أو الوظيفة التي تستمر سبع ثمان ساعات، كثير من الشباب اليوم لا يتحملها؛ يقول: أنا لا أتحمل الضغط، أنا أريد الرزق السريع، أكون في المنزل ويأتيني ربحي عند شراك نعلي، أو أستيقظ أجد مالًا تحت الفراش. هذا ما يريده كثير من الشباب اليوم، لماذا؟ لأنه تعود النوم وتعود الكسل، وما عنده جلد لمكافحة الحياة وصعوبتها.
فهنا ينصحك: لا تعود طفلك النوم في الصباح. تعود أن يبدأ برنامجه من الفجر، الآن لو احتاج النوم ساعة أو ساعتين أنت لا تشدد، أنت لا تأخذ الكلام حرفيًا، أنت نفسك قد تتعب أحيانًا في الصباح وتحتاج إلى النوم، لكن باختصار لا يكون من الفجر إلى الظهر نائمًا.
نذهب إلى أي نشاط، مارس أي نشاط مهما كان. بدك تطلع على خير روح على خير، بدك تطلع تلعب كرة قدم اخرج، افعل أي نشاط لكن لا تنام. إذا تعود الطفل النوم لن ينتج في الحياة، سيصبح إنسان قليل الإنتاج. وكثير من طلاب العلم فيه خير لكن للأسف، لأنه تعود النوم إنتاجه قليل، لا ينتج في القراءة. تخيل أنك يوميًا تقرأ من الساعة الثامنة للساعة الحادية عشرة، كم ستنجز من الصفحات ومن الكتب؟
كانت أيام سورة ابن تيمية، لكن للأسف كثير من الشباب تعود النوم والراحة والدعة والسكون ويستيقظ بعد الظهر. وبعد ذلك يبدأ الإفطار؛ الإفطار إذا صار عنده أغلب عائلاتنا بعد الظهر، قديما كان الإفطار على الفجر، اليوم الإفطار بعد الظهر، ما عاد صباحًا ولا غبوقًا، أصبح غداء الإفطار. ثم بعد ذلك يتعود السهر ليلاً، فينام قبيل الفجر فتضيع صلاة الفجر.
هذه ليست حياة، هذه الحياة التي يعيشها كثير، ليس فقط من الصغار بل حتى ممن ينسب نفسه للعلم، ليست حياة سهر الليالي ونوم الفجر. «بورك لأمتي في بكورها»، البركة في الصباح. إذا كان هناك نوم في الصباح لن تنتج في الحياة. وإذا كان عندك برامج صباحية، أنصحك أن تضع برامجك الصباحية حتى لقاءك مع الإخوة والزملاء ومجالس المذاكرة؛ ابدأ نفسك في أي مشروع صباحي حتى تتعود الجدية في الحياة.
فإذا هنا يقول: ويمنع على الأب أن يمنع طفله من النوم النهار قطعًا، اللهم إلا القيلولة، هذه أصلاً مسنونة. لماذا يمنع نومه من النهار؟ قال: خوف الكسل، أو خوف أن يتخذه طبعًا فيصبح طبعه في الحياة ما هو؟ النوم والكسل.
«وإن بدت أمارة التمييز وكل فهم فاضل عزيز». الآن انتهينا من الطفل وقد بلغ، كل هذه الأمور التي يقولها ترى يتكلم عن طفل لم يصل إلى التمييز، يعني تعليمه الطعام والشراب والأكل وعدم النوم في الصباح، يتكلم عن طفل عمره خمس أو ست سنوات. طفلك عمره خمس أو ست سنوات، استطعت تشغله بنادي معين في فترة الصباح، اشغله، خلي مثلا يصحى في الثامنة أو التاسعة ويشغل بنادي أو مركز معين حتى يتعود جسمه من هذه الفترات. مثل ما يقول الغزالي، لا يتكلم عن صبي عمره اثني عشر أو ثلاثة عشر، يتكلم عن صبي عمره خمس أو ست سنوات فقط؛ كل هذه الأمور يجب أن تكون جاهزة عنده في الملف والذاكرة الداخلية كما يقولون.
أما الآن المرحلة الثانية من مراحل حياته، إذا وصل الصبي إلى سن التمييز. وسن التمييز فقهيًا عند الحنابلة سبع سنوات، لكن حقيقة من ناحية علمية هذا يختلف باختلاف استعدادات الطفل. والتمييز هو ما معناه؟ قدرة الطفل على إدراك الفرق بين الصواب والخطأ، قدرة الصبي على إدراك ما هو الموقف الصحيح من الموقف الخاطئ، هذا يسمى تمييزًا.
فإذا أصبح الصبي يدرك الفرق بين الموقف الصحيح والموقف الخاطئ، طبعًا لا يشترط أن يعرف ذلك بالتفاصيل، المفروض أن يعرف ذلك في الجملة، يستطيع أن يقيم أن هذا تصرف صحيح وأن هذا تصرف خاطئ، فهذا يسمى تمييزًا. وهذا كما قلنا ممكن بعض الأطفال يصل إليه في سن الخامسة والسادسة، وبعضهم قد يصل إليه في سن الثامنة والتاسعة، لكن المعتاد أنه في سن السابعة، هذا هو المعدل العام.
فإذا وصل الطفل إلى سن التمييز وأصبح يستطيع تقييم الأمور، «وإن بدت أمارة التمييز وكل فهم فاضل عزيز»، يعني بدأ يستطيع يميز بين الصواب والخطأ وبدأ يفهم ويستطيع أن يقرأ نوعًا ما، ويستطيع أن يتعلم ويدرس ويحفظ. فما هي الأمور التي أعطيه إياها؟ مثلاً أعطيه بلايستيشن؟ لا، ليس هذا الذي ينبغي أن يعلم عليه.
«وصار يستحي من الأمور»، فذاك يستحي من الأمور الخاطئة؛ لأنه بدأ يميز وأصبحت الأمور الخاطئة يستحي منها ويعرف أن هذا خطأ لا ينبغي أن يفعله. «وصار يستحي من الأمور فذاك من أول بدء النور». الحمد لله إذا صبيك بدأ يميز، أولًا عليك أن تحمد الله. بعض الناس يصبح عمره عشرين سنة وهو غير مُميز، ويقول لك إذا بدأ صبيك يميز ويعرف الصواب من الخطأ ويستحي من الخطأ، فاحمد الله أنه منح طفلك عقلًا، هذه نعمة.
ترى نعمة العقل خاصة إذا كان ممن رزقه الله طفلاً ناضجًا من الصغر، والله نعمة عظيمة أن يدرك ابنك الصواب من الخطأ في فترة مبكرة. فقال: «فذاك من أول بدء النور»، هذا من نور الله سبحانه وتعالى الذي ينبغي على الوالدين أن يحمدوا الله عليه. طفلي بدأ يدرك، هذه هدية من ربه أهداها له، تمييز هدية من الله، أن طفلك بدأ يعرف الصواب من الخطأ، هذه هدية ومنحة ونعمة من الله عليك، فعليك أن تحمد الله عليها أيها الأب وأيتها الأم.
«عرف بها الأشياء بمقتضاها»، أي أصبح يعرف الشيء وما الذي يقتضيه هذا الشيء، وهذا الشيء يطلب مني كذا. فإذا وصل الصبي إلى هذه المرحلة وبدأ يعرف الأمور وما الذي تتطلبه، فهذا من التمييز ومن الأمور العظيمة والنعم الكبيرة التي يحمد الإنسان ربه عليها. «فذاك أول وقت فهم الطفل أشرق بها عليه نور العقل»، فهذا هو بداية فهم الطفل وبداية إشراق نور العقل عليه وبدأ الآن يوظف عقله بالشكل الصحيح.
طبعًا هذا كله مقدمة لما ينبغي أن تفعله، هو لا يزال يعطيك المقدمة؛ أربعة أو خمسة أبيات يحمد فيها في سن التمييز، والفهم من النعم العظيمة التي على الطفل أن يحمد الله عليها، وعلى والديه أن يحمدوا الله عليها. وطريقة حمد الله على هذه النعمة هي أن توظف هذا التمييز وهذا الفهم بالشكل الصحيح. كيف أحمد الله على نعمة التمييز عند ابني؟ أن توظف وتستغل هذه الطاقة بالاتجاه الصحيح الذي سيذكره في الدرس القادم إن شاء الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كما قلنا غدًا بين العصر إلى المغرب إن شاء الله نختم هذه المدارسة، وأنصحكم أن تحضروا أبناءكم ومن تحبون في ختام المجالس، نسأل الله بركة الختام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل