بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. الحمد لله كثيراً، الحمد لله الذي أعان ووفق ويسر هذا الالتقاء العلمي وهذا المهرجان الذي نقيمه في كل عام، نلتقي فيه على طاعة الله سبحانه وتعالى وعلى أعظم العبوديات في هذا الزمان؛ عبودية طلب العلم الشرعي.
الحمد لله على هذه الصورة الجميلة التي نراها أمامنا الآن، هؤلاء الثلة الطيبة من الشباب المؤمن ومن الفتيات المؤمنات الذين ملأوا أرجاء هذا المكان كاملاً بحمد الله، وهذا والله مما تنشرح له الصدور ويزرع التفاؤل في نفس المؤمن؛ أن هذا الدين له رجال، وأن هذا الدين مهما حُرِب ومهما عُودي يبقى الله سبحانه وتعالى يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته.
وعليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى أن وجه قلبك وإرادتك إلى حضور هذا المجلس، فكم من إنسان مريد للخير لا يوفق إليه، كم من إنسان يحب أن يحضر مجالس العلم لكنه لا يمتلك همة تدفعه للحضور، ولا تدفعه لقطع هذه الطرقات والجلوس بين يدي المشايخ، فاحمد الله على هذا التوفيق، واحمد الله عز وجل أن يسر لك من يعلمك، وأحمد الله كثيراً على الإخوة الذين يشرفون على مثل هذه البرامج. فنحن في زمن الغربة، زمن قل فيه العاملون وكثر فيه المشتغلون بما لا يليق بالمؤمن، فأقامة هذه المجالس وعمارتها هي العبودية التي تعبد بها ربنا سبحانه وتعالى.
ونحمده عز وجل على كل مجلس علم يعقد، وعلى كل كتاب يدرس، وعلى كل متن يختم، فهذا والله محض توفيق الله، ونحن نبرأ من حولنا وقوتنا إلى حوله وقوته سبحانه وتعالى، فهو صاحب المنة والفضل، وهو صاحب العطاء الكبير، وهو الذي أعان ووجه الهمم إلى مثل هذه الشواغل الشريفة التي لا تطمح إليها إلا النفوس الشريفة. من رزقه الله سبحانه وتعالى نفساً شريفة وحبه للعلم، هو الذي يوفق أحبابي الكرام إلى مجالس الخير.
إنما العمر ساعات، وخير مجالس الحياة الدنيا هي مجالس العلم. العمر ساعات تنقضي، وأعمار تطوى، وأنفاس تذهب، فحاول أيها المسلم والمسلمة أن تستغل ما بقي لك من ساعات العمر في حضور مجالس العلم والالتفاف حول طلبة العلم وعلى المدرسين في الحلقات. حاول أن تستفيد، وحاول أن تستغل، وحاول أن يكون كل يوم لك جلسة مع كتب العلم ومع مصنفاتها، ومع المشايخ ومع الحلقات. لا تنقطع ولا تبتعد كثيراً، فإنه من ابتعد فتر، ومن أقبل أخذ الله سبحانه وتعالى بيده.
دورتنا لهذا العام «مدارج العلم» في نسختها الثانية، بحمد الله وتوفيقه لعام أربعة وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. دورة تأسيسية تصلح تذكرة للمبتدئ، أو تصلح تنشئة للمبتدئ وتذكرة للمنتهي، نمر فيها في كل عام على مجموعة من الفنون في مختلف أبواب العلم؛ في العقيدة، والحديث، والسيرة، وفي الأخلاق، والتربية والتنشئة، والحديث، والفقه، إلى غير ذلك من الأبواب. نأخذ قطوفاً دانية ونوصلها تأصيلاً جملة يصلح لعامة الناشئة بطلبة العلم.
وحقيقة عظمة هذه المجالس ليست فقط أن تنجز كتاباً أو أن تأخذ سنداً، وإنما عظمتها أن تتعلم التحلق في مثل هذه المجالس، وأن تتعلم الصبر على طلب العلم؛ تتحمل الزحمة، تتحمل الحر، تتحمل أزمات الطرقات في بلادنا، وتأتي وتضع قدميك مع زملائك الصف بالصف، والقدم بالقدم، والمنكب بالمنكب. يستوي الطريق إلى الله سبحانه وتعالى عباد الله.
أهم شيء في هذا المجلس أن تعود نفسك الاستمرارية، أن تعود نفسك ألا تكون سريع الملل. اليوم الحمد لله المجلس ممتلئ، لكن العبرة في الأسبوع القادم: من سيأتي؟ من سيثبت؟ من سيستمر؟ فإن كثيراً من الناس تندفع للشيء الجديد، لكن بعد أن تذوق اللذة وتذوق الشدة؛ هناك من يميل نحو اللذة فيكمل الحضور، وهناك من يعكف عند الشدة فلا يعود يحضر ولا يستمر، فأنت من أي الصنفين؟ عباد الله وعبادات الله! إذاً نحن في معركة في هذه الدورة، معركة الثبات إلى الساعات الأخيرة ليرى الله سبحانه وتعالى. اللهم أعنا ويسر لنا، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. واختصاراً للمقدمات، نشرع بإذن الله في كتابنا الأول في هذا المجلس الطيب المبارك. هذا الكتاب هو كتاب «لفتة الكبد إلى نصيحة الولد»، رسالة لطيفة من العلامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى، ينصح فيها ابنه ويحثه فيها على طلب العلم وتحصيله، والانتباه لمرور الزمان، وألا يشغل حياته بالبطالة.
هذا النوع من الرسائل يحمل معاني الحرص من الأب على ابنه، وبالتالي يوجهه إلى كل ما هو خير. وهذا الأب الذي ينصح ابنه هو حقيقة أب ناجح، هو لا ينصح ابنه بشيء هو لا يفعله في الحياة؛ فابن الجوزي العلامة الكبير صاحب المصنفات الكبيرة، ينصح ابنه أن يحذو حذوه في الحياة وأن يسير على خطاه، وهذا من أهم وسائل التربية للأبناء لأنها تمثل عصارة الحياة، عصارة التجارب والخبرات الأخيرة والهمسات الأخيرة التي يهمسها العالم في أذن ولده، لعلها أن تكون سبباً في نجاحه وتوفيقه وفي سيره على خطى والده.
هذه الرسالة رسالة مباركة، أنا أنصحكم أن تسمعوها بقلوبكم قبل أن تسمعوها بآذانكم، فيها العديد من النصائح والتوجيهات والكلمات التي تعتبر من القواعد الجامعة، خاصة من شخصية مثل شخصية ابن الجوزي الذي كان يقال له «واعظ العراق»، وقد أسلم على يديه مئات الآلاف وتاب على يديه مئات الآلاف من العصاة والمذنبين. وبالتالي هذا الرجل كلماته مثل المسطرة كما يقولون، موزونة دقيقة، لا يطيل الكلام لكنه يركز الفكرة، فتأتي الفكرة ناضجة يانعة محببة للسامعين. دعونا نعيش هذه المشاعر الجميلة من أب ينصح ولده بأهمية استغلال ساعات العمر قبل فوات الأوان.
بسم الله نبدأ «مدارج العلم» هذا العام، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف رحمه الله تعالى:
«بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أنشأ الأب الأكبر من تراب الأكبر -يقصد آدم عليه السلام- قال: وأخرج ذريته من الترائب والأصلاب وعضوض والعشائر بالقرابة والأنساب، وأنعم علينا بالعلم وعرفان الصواب، وأحسن التربية في الصغر وحفظ في الشباب، ورزقنا ذرية نرجو بهم وفور الثواب، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾».
هذا المسلم في بداية أي رسالة يكتبها يحرص على أن يبدأ بالبسملة والحمد لله كما بينا ذلك وأرشدنا إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا ابن الجوزي يحمد ربه سبحانه وتعالى على...
النعم الوافرة التي أزداها إليه، فهو حفظه في الصغر كما سيظهر معنا في ثنايا هذه الرسالة، وحفظه في الكبر وشغله بالعلم، وحفظه عندما أصبح كهلاً وأنشأ له ذرية صالحة. فالمؤمن -أحبابي- غارق في نعم الله سبحانه وتعالى من رأسه إلى أخمص قدميه، فليحمد الله عز وجل. هو هجيرك في هذه الحياة؛ تحمد الله على نعمة البدن والعافية، على نعمة الإسلام، على نعمة الهداية، على نعمة عقد هذه المجالس، وعلى نعمة الهمة والإرادة والعزيمة. هذه نعم تستحق الشكر والحمد من الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: «أما بعد، فإني لما عرفت شرف النكاح وفضل الأولاد، ختمت ختمة وسألت الله عز وجل أن يرزقني عشرة أولاد، فرزقون». إذا أراد أن ينسقه الله شيئًا فليحاول أن يعمل عملاً صالحًا، وفي ختامه يدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقه هذا الشيء. فهو أراد من الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ذرية صالحة، قال: «فختمت ختمة من القرآن». وبعد أن ختمت هذه الختمة وقدمت هذا العمل الصالح، دعوت الله في نهاية العمل أن يرزقني ذرية صالحة والأولاد الطيبين، فرزقه الله سبحانه وتعالى كما طلب ودعا.
وهذا يدل على أصل عظيم، وهو أنه إذا أراد الإنسان شيئًا من أمور دينه أو دنياه فليقدم عملاً صالحًا بين يدي هذا الطلب. إذا أردت شيئًا في أمور دينك ودنياك، قدم عملاً صالحًا: صدقة، قيام ليل، استغفار، صلة أرحام، قدم أي شيء، ثم ادعُ الله في ختام أعمالك الصالحات، بإذن الله تتيسر لك المطالب إذا كان فيها خير لك.
قال رحمه الله: «فرزقني إياهم، فكانوا خمسة ذكور وخمسة إناث، فمات من الإناث اثنتان ومن الذكور أربعة، ولم يبق لي من الذكور سوى ولدي أبي القاسم، هو الذي وجه إليه هذه الوصية، اسمه علي». وستتفاجئون أن هذا الولد -سبحان الله- قلب على أبيه في الكبر وعقه عقوقًا شديدًا. فالله سبحانه وتعالى أخلف ابن الجوزي بولد آخر جاء بعده العلامة يوسف، أحد علماء الحنابلة رحمه الله عليهم.
فقوله هنا: «ولم يبق لي من الذكور سوى ولدي أبي القاسم»، هذا لما صنف هذا الكتاب، لكن بعد أن صنف هذه الوصية رزقه الله ولدًا آخر، العلامة الكبير يوسف ابن الجوزي. وأما من وجه إليه هذه الرسالة، فللأسف كان عاقًا لوالديه في الكبر. وأنا أطلب منكم أن تقرأوا المقدمة لهذه الرسالة، فهي مقدمة نافعة تعطيكم هذه القضية؛ وهي أن الإنسان -أحبابي الكرام- في النهاية عليه أن يقوم بواجبه تجاه أبنائه، لكن الهداية والتوفيق هي محض تسديد الله سبحانه وتعالى واختياره. وهو أراد من ابنه أن يسير على خطى العلماء، لكن هذه النصيحة لم تنجح في ابنه، لكن لعلها تنجح في أبناء هذه المباركة، ولعلنا نعلق على قصة ولده في ثنايا تعليقنا على هذه الرسالة.
قال رحمه الله تعالى: «فسألت الله تعالى أن يجعل فيه الخلف الصالح، وأن يبلغني فيه المنى والمناجح». والمناجح يعني النجاحات والتوفيقات. قال: «ثم رأيت منه ضعفًا في الجد في طلب العلم». قال: «رأيت من ابني ضعفًا في طلب العلم»، وكلنا نعاني اليوم من هذا الضعف. قال: «ثم رأيت منه نوعًا من الضعف في طلب العلم وتحصيله والجد فيه، فرأيت أنني لابد وأن أنصحه، وأن أسجل له هذه الوصايا لعلي، أستحث الخطى له ليدأب في هذا الطريق».
قال رحمه الله تعالى: «فكتبت إليه هذه الرسالة أحثه بها على طلب العلم». هذا هو السبب أنني أبدأ دورات مدارج العلم بهذا النوع من الرسائل. فالعام الماضي بدأنا برسالة شيخنا صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- التي تحث على طلب العلم واغتنام الأوقات. وفي هذا العام، الرسالة أيضًا موضوعها الحث على طلب العلم واغتنام ساعات العمر، وهذه الرسالة من أفضل ما سجل في هذا الموضوع.
قال رحمه الله: «وأحثه على سلوك طريق في كسب العلم، وأدلّه على الالتجاء إلى الموفق سبحانه، مع علمي بأنه لا رشاد لمن وفق ولا إرشاد لمن أضل». ماذا قال؟ أنا في النهاية أرشد ابني مع علمي في النهاية أن الرشاد والهداية بيد من الله سبحانه وتعالى، أنا فقط أبذل الأسباب، وأما إذا كتب الله له أن يضل فسوف يضل ولو نصحته ألف نصيحة ولو سمع مني ألف موعظة، فالموفق هو الله. فسل الله التوفيق دائمًا.
هذا ما يكتسبه المؤمن من هذه الكلمات. في النهاية نحن أسباب -أحبابي- والهداية بيد الله، فالجأ إلى الله وكن صادقًا في حسن الالتجاء إليه، وقد عبده حتى يفتح قلبك ويصرف همتك تجاه هذه المجالس وتجاه العلم وتجاه ما ينفعك في دينك ودنياك. قال رحمه الله: «لكن...». قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]. صحيح أن الموفق من وفقه الله، لكن هذا لا يعني أن نضعف عن الوصية بالخير. الهداية بيد الله، لكن هل هذا يعني أننا لا نتواصل بالخير؟ نتواصل، ومن كتب الله له التوفيق كتب له ذلك، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾ [الأعلى: 9]. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال رحمه الله تعالى: «فصل، اعلم يا بني». ابن الجوزي يخاطبك، ونحن أبناؤه؛ اعلم يا بني، كلكم أبناء ابن الجوزي وهو يخاطبكم بهذا الخطاب. يلا بسم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. قال المصنف رحمه الله تعالى: «فصل، اعلم يا بني -وفقك الله- أنه لم يميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، واعمل فكرك، وأخلُ بنفسك». تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض وأنت مطالب بها، وأن الملكين عليهما السلام يحصيان ألفاظك ونظراتك.
رحمه الله عليه، أن يبين الإنسان ما هو الهدف من الوجود. كثير من الناس يشتغل بمتاع حياة الدنيا وبشهواتها وأهوائها، ويضيع عليه الهدف من الوجود. فهنا ابن الجوزي يضع قاعدة عامة في بداية كتابه: «اعلم أنه لم يميز الآدمي بالعقل»، يعني لماذا ربنا أعطاك العقل؟ أكيد ليس ليكون زينة تفتخر بها، وإنما لتعمل بمقتضاه ليدلك على الخير وليحثك عليه.
ثم انتقل للفقرة التالية فقال: «فعليك أن تعلم أنك مخلوق مكلف». هذه قضية جوهرية، وهي أن كل إنسان في هذا الوجود إنما وجد ليكلف وليبتلى، فأنت لم تخلق عبثًا، لم تخلق من أجل متاع الحياة الدنيا، لا لشهوة بطن ولا لشهوة فرج، وإنما خلقت لتعبد ربك سبحانه وتعالى كما يريد الله منك. إذن أنت مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وهذه الأساسيات التي من أخل بها فهو آثم عاصٍ عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وإني أنفس الحي خطوات إلى أجله».
ومقدار اللبث في الدنيا قليل، والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى. وأين لذة أمس قد رحلت وأبقت ندماً؟ وأين شهوة النفس نكست رأساً وأزلت قدماً؟ شهوات والملذات التي أنت تقاتل من أجلها وتعصي ربك عليها، الآن لو تفكرت بها كلها ذهبت، وإنما بقيت الحسرات والندامة.
فالإنسان العاقل عندما ينظر يجد أن اللذة إنما تذهب سريعة وتبقى عاقبتها من الحسرة والألم، بخلاف الخير ومجالس العلم والطاعة والإقبال على الله؛ فإنه يورث سعادة وأُنساً. فالإنسان النبيه يقدم ما يدرك السعادة والأنس ويشتغل به عما يورث الحسرة والندامة.
قال رحمه الله: «وما سعيد من سعيد إلا بمخالفة هواه، ولا شقي من شقي إلا باتباع دنيا». هذه كلها قواعد يجب أن تحفظها: ما سعد من سعد إلا بمخالفة الهوى وعدم الانصياع للنفس، وما شقي من شقي منا، بل حتى من كثير من أهل الخير والصلاح ومن كان يحضر مدارس العلم ثم انصرف، ممن كان على خير ثم انحرف؛ ما شقي من شقي إلا بمتابعة الهوى وعدم اتباع شرع الله.
قال رحمه الله: «فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد». أين لذة هؤلاء؟ وأين تعب أولئك؟ بقي الثواب الجليل والذكر الجميل للصالحين، والمقولة القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين. وكأنه ما شبع من شبع، ولا جاع من جاع. في نهاية هذه الحياة، كأنه ما شبع من شبع وما جاع من جاع؛ الذي جاء انتهت الحياة وذهب إلى الله، والذي شبع أيضاً انتهت الحياة وذهب إلى الله، لكن هناك من شبع بمعصية الله، هناك من شبع بالمال الحرام فبقيت الحسرات والندم، وهناك من جاع افتقاراً إلى الله ابتعاداً عن الحرام فذهبت جوعه وبقي له الثواب الجزيل عند الله سبحانه وتعالى. فالإنسان العاقل إنما يتابع ما يبقى، وإنما ينظر في العاقبة ولا ينظر إلى العاجلة الفانية.
قال رحمه الله: «والكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب نفسك إذن». والكسل عن الفضائل بئس الرفيق؛ فبعض الناس دائماً هو كسول عن طاعة الله، كسول عن العلم، متذمر سريع الملل؛ بئس الرفيق والصاحب الكسل والملل والضجر، ونعم الرفيق الهمة والمثابرة والنشاط وعدم الاكتراث على عقبات الحياة الدنيا والتجاوز عنها والاستمرار إلى نهاية الطريق.
قال رحمه الله: «واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم، فمتى تعدى الإنسان فله النار». ثم: «واعلم أن طلب الفضائل لنيل مراد المجتهدين». ثم الفضائل تتفاوت؛ فمن الناس الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد. وعلى الحقيقة، فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل.
فهنا ابن الجوزي يبين أن الناس اختلفت في الفضائل؛ بعضهم اعتبر أن الفضائل هو أن يكون الإنسان زاهداً وعارضاً عن الدنيا، والبعض يعتبر الفضائل هو الانعزال في غرفة وفي مسجد والبقاء على التعبد الشخصي. لابن الجوزي نظرة أخرى، ما هي كمال الفضائل؟ قال: كمال الفضائل أن تجمع بين العلم النافع والعمل الصالح، لا تقتصر فقط على العمل، عليك أن تجمع بين العلم النافع والعمل الصالح.
فلا تصر على معصية أنت تصر عليها حرمك الله بها من الاختيار والاختفاء، فدائماً فتش نفسك، فتش قلبك حتى يختارك الله سبحانه وتعالى إذا أنت أقبلت عليه. قال رحمه الله: «ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له، والله المستعان».
قال رحمه الله: «فصل، وأول ما ينبغي النظر فيه معرفة الله تعالى بالدليل». ولا يعني ابن الجوزي رحمه الله تعالى شيئاً من طرائق المتكلمين، لأنه على طريقة الأشاعرة في هذه المسائل والمفوضة؛ فيقول: أول شيء عليك أن تدخل فيه في مسائل العلم -عافاه الله- الدليل. هذا الكلام متى يكون صحيحاً؟ إذا كنت تتعامل مع إنسان لا يعرف الله.
إخواني، معرفة الله هي شيء فطري زرعه الله في النفوس، فمن كانت معرفة الله عنده مستقرة فلا تحتاج أن تقول له عليك أن تعرف الله بالدليل أول شيء؛ لأن هذه المعرفة استقرت عنده وانتهى. لكن إذا كان الإنسان عنده شكوك في وجود الله، أو عنده إلحاد، أو نشأ في بيئة يجهل فيها وجود الله -وإن كانت معرفة الله فطرية- فمثل هذا يخاطب بما يقول له ابن الجوزي: عليك معرفة الله بالدليل. فمعرفة الله بالدليل إنما يحتاج إليها من عنده شك، ومن عنده جهالة، أو شيء من الإلحاد أو ما شابه ذلك. أما من استقرت عنده معرفة الله فطرة ونفسها، فهذا لا يحتاج أن تقول له عليك أن تعرف الله، فإنه عرف الله وانتهى الأمر.
فأكثركم -عفواً- طلب دليل لوجود الله؟ من يقف أمامي ويجلس أمامي؟ أنت خرجت ونشأت في عائلة متدينة محافظة، فمعرفة الله جاءت مستقرة في قلبك وانتهى الأمر، لكن بعض الناس لا ينشأ في بيئات محافظة أو في بيئات عندها تشكيكية، فمثل هذا تقول له: حاول ابتداءً أن تعرف وجود الله بالدليل؛ فهذا يعني توجيه لكلام ابن الجوزي لما هو نافع.
قال رحمه الله: «ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، ومشاهد لبنيه المحكمة، خصوصاً جسده، نفس علمه أنه لا بد حينئذ للصنعة من صانع، وللمبنى من باني». وبالتالي ابن الجوزي يقول: إذا أردت أن أعرف الله بالدليل، هل الأمر يحتاج إلى دليل معقد من طرائق المتكلمين؟ بقول لك الدليل بسيط: السماء المرفوعة، والأرض المبسوطة، وهذا الجسد الذي بين كنفيه؛ أليس هذا من أعظم الأدلة على وجود الله؟ فهو يقول: إثبات وجود الله ليس شيئاً يحتاج إلى أدلة معقدة؛ فالبعرة كما قال الأعرابي تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير سبحانه وتعالى؟ فأدلة وجود الله واضحة بين، ليست عسرة يصعب الوصول إليها.
قال رحمه الله: «ثم يتأمل دليل صدق الرسول ﷺ، وأكبر الدلائل القرآن الذي أعجز الخلق». صلى الله عليه وسلم حتى تحقق: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». فقال: إذاً عليك أن تعرف صدق الرسول ﷺ بالدليل. ما هو الدليل على صدق الرسول؟ معجزته الباهرة التي أتى بها، ومعجزاته كثيرة، وأعظمها معجزة القرآن الدائمة على مر الزمان. قال رحمه الله: «أكبر الدلائل القرآن الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله».
فإذا ثبت عنده وجود الخالق، وصدق الرسول ﷺ، وجب تسليم عنانه للشرع. فمتى لم يفعل؟ إذا ثبت عندك وجود الإله، وثبت عندك وجود النبي ﷺ وصدقه فيما أخبر، إذاً ليس لك بعد ذلك إلا أن تنقاد للشرع. وهذا معنى قوله: «للشرع»، يعني وجب عليه أن ينقاد للشرع بعد ذلك؛ فإنت رضيت بالله رباً، ورضيت بمحمد ﷺ رسولاً.
عليه وسلم نبيا، وليس لك بعد ذلك أن تجادله أو أن تعترض على حكم من أحكامه. وما كان للمؤمن ولا لمؤمنة، إذا قضى الله ورسوله أمرا، أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
قال رحمه الله: فمتى لم يفعل، دل على خلل في اعتقاده الذي لا يسلم ولا ينقاد للشرع، عنده خلل إما في تصديقه بوجود الله الواحد الأحد، وإما خلل في تصديقه برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، هناك خلل وضعف في أحد الجانبين.
ومعرفة الأحكام الأساسية التي أنت تتعامل معها في الحياة وتباشرها؛ هذا كما أخذنا في درس آداب العالم والمتعلم، فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وليس خاصا بطلبة العلم، يعني تعلم فرائض الوضوء، وأركان الصلاة، وأحكام الزكاة لمن كان له مال، وأحكام الحج لمن كان سيحج. هل هذا أحبابي الكرام خاص بطلاب العلم أم هو مما لا يسع المسلم جهله؟ مما لا يسع المسلم أن يجهله.
قال رحمه الله: والحج وغير ذلك من الواجبات، فإذا عرف قادر الواجب وقام به، فينبغي لذي الهمة أن يترقى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمعرفة سيرته وسير أصحابه والعلماء بعده، ليتخير المرتبة الأعلى فالأعلى.
ولابد من معرفة ما يقيم به لسانه من النحو، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة. بالتالي أهم ما ينشغل به طالب العلم حقيقة في حياته العلمية، أن ينشغل بتفسير القرآن الكريم وبتفسير أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وقراءتها والاطلاع على علومها، والقراءة في سير الأوائل؛ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة، هذا من أوائل العلوم التي ينبغي أن تشتغل بها: القرآن والحديث وسير الأوائل.
قال: ليتخير منها الأعلى فالأعلى؛ لأن القراءة في السير تصنع لك القدوات، وتصنع لك النماذج التي ترغب أن تحذو حذوها، وأن تسير على خطاها. بعد ذلك يقول لك: إذا أردت أن تتوسع في علوم الكتاب والسنة فعليك أن تقيم لسانك، وأن يكون لسانك صحيحا، وهذا يحتاج فيه إلى شيء من علوم اللغة من النحو والصرف والبلاغة.
قال رحمه الله: والفقه والعلوم الواضح لواءها وعم نفعها. ثم يقول بعد أن تدرس شيئا من اللغة، عليك أن تهتم بالتوسع في الفقه، فإن الناس ما أشد حاجتهم إلى الفقيه في كل دينهم ودنياهم، يحتاجون إلى الفقيه، فالفقه من أنفع العلوم. وكذلك الوعظ والتذكير والنصيحة؛ أن يشتغل الإنسان بتعلم الوعظ وتعليم الناس علم السلوك والأخلاق، فهذا أيضا من العلوم التي لا ينبغي أن يزهد فيها طالب العلم.
قال رحمه الله: وقد رتبت في هذه المذكورات وغيرها من المؤلفات فيما يغني عن كل ما سبق من تصانيف القدماء وغيرها، بحمد الله ومنته، فأغنيتك عن تطلب الكتب وجمع الهمم للتصنيف. هنا ابن الجوزي يقول لابنه: يا بني يا علي، أنا جمعت لك كل ما كتبته واختصرت عليك المسافة، أعكف يا بني على كتبي تجد فيها ما يغنيك عن كلام الأوائل.
يعني هنا يقول لابنه إن اختصرت عليك المسافة، وفعلا ابن الجوزي من عظم مصنفاته وصلت إلى ألف مصنف في مختلف العلوم؛ في اللغة، والتفسير، والفقه، والحديث. رجل من أصحاب الهمم الكبيرة جدا، اقرأوا سيرة ابن الجوزي لتعرفوا قيمة هذا الرجل في ميادين العلم.
قال رحمه الله: «وما تقف همة إلا لخساستها». هذه كلمات رنانة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الكل يجلس إخواننا الكرام، الأمور طيبة إن شاء الله. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. إن الإنسان أحبابي الكرام يستحمل، شوف هذا اختبار صغير جدا؛ استحمال الحر، استحمال الضغط، استحمال ما لا يحب الإنسان أن يكون، تأتيك أشياء بسيطة بالمعنى اللغوي العريض، لكن أشياء صغيرة هكذا الله عز وجل يمتحن بها صبرك وثباتك ومدى تحملك واستمراريتك في مثل هذه الأمور، فلا بد للإنسان أن يصبر، والحياة لا تستقيم لأحد.
فالإنسان دائما يحاول تخطي أي عقبة تقف أمامه، فكما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «وما تقف همة إلا لخساستها»، يعني لا يتوقف الإنسان عن طلب العلم أو عن فعل الخيرات، عن أي باب فُتح له من أبواب الخير، إلا لوجود خساسة في همته، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيك من هذه الوصمة السيئة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وما تقف همة إلا لخساستها، وإلا فمتى على تلهمه لم تقنع بالدون، وقد عرفت بالدليل قمة موجودة على آدمي». وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حثت سارت.
شوف هذه القضية، يقول ابن الجوزي -قد توافقون وقد تخالفون عليها-: إنني بالدليل الذي نظرت فيه وجدت أن كل إنسان تولد معه الهمم، لذلك قد عرفت بالدليل أن الهمة مولودة مع الإنسان، وإنما تقصر. ما الذي يجعل همتي تضعف أو تقصر في بعض الأحيان؟ قال: وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات فإذا حثت صارت.
وهذا بالتالي يجعل أن كل إنسان يحمد الله سبحانه وتعالى ويثق بقدراته، أن الله سبحانه وتعالى رزقك همة، فلا تستشعر في نفسك الضعف وأنك إنسان فاشل وأنك لا تملك قدرة على النجاح. ابن الجوزي يقول كل إنسان ولدت معه الهمة العالية، لكن ما الذي يحدث؟ المعاصي، الذنوب، الرفقة، البطالة، بعض عوائق الحياة تجعل هذه الهمة تخفت.
قال: فإذا حثت صارت، يعني إذا وجدت هذه الهمم التي ضعفت، من يحثها ومن يأخذ بيدها مرة أخرى تسير بحول الله. فإياك أن تزدري نفسك، وإياك أن تظن أو تقتنع أنك إنسان فاشل أو لا تستطيع أن تقدم في سبل الخير، فسبل الخير كثيرة أحبابي الكرام والهمم تستطيع أن تقدم. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أصدق الأسماء حارث وهمام»، أصدق الأسماء للبشر ما هي حارث وهمام لأن الإنسان لا...
يخلو منهم، فدائمًا هو همام، همام صيغة مباركة من صاحب الهمة. فهذا فعلاً كلام نبينا ﷺ.
لكن عليك دائماً إذا شعرت أن هذه الهمة قد ضعفت لعامل من العوامل؛ وأكثر ما يضعف الهمم -والله- الذنوب والمعاصي، أكثر ما يضعف الهمم ويجعلها تخفت بعد مضيئها هو الذنوب والمعاصي. فمن اجتنب الذنوب والمعاصي وحرص على رفقة الصالحين، وكان مع رفقة تقوده إلى الله، تبقى هذه الهمم تحث في سيرها إلى ربها سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: «ومتى رأيت في نفسك عجزا أو كسلا، فلجأ إلى الموفق، فلن تنال خيراً إلا بطاعته، ولا يفوتك خير إلا بمعصيته. ومن الذي أقبل عليه فلم يرض كل مراده لديه؟ وبالذي أعرض عنه؟ من الذي أقبل على الله فردّه الله؟ حاشاه سبحانه وتعالى أن يجدك مقبلاً بكليتك عليه صادقاً في طلبه ثم يعرض عنك! نعم، قال رحمه الله: ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة، أو حظي بغرض من أغراضه أو مقابل؟ من الذي أعرض عن الله فحظي بفائدة؟ من الذي انشغل بشهوته ولذته ففاز؟ ويانا السعادة!».
إذاً المعادلة كما يخطها ابن الجوزي: «من أقبل على الله حصل له ربه مراده ولو بعد حين، ومن أعرض عن الله سبحانه لن يخرج بفائدة في دينه ودنياه إلا تلك اللذات الشائبة التي تذهب سريعاً وتبقى بعدها الحسرات».
قال رحمه الله: «أو ما سمعت قول الشاعر: والله ما جئتكم زائراً ... إلا رأيت الأرض تطوى لي ولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالِ»
يعني من جاء مقبلاً على الله، هذا معنى: «والله ما جئتكم زائراً»، أي مقبلاً ربه سبحانه وتعالى، وأخذ بيده نحو النجاح.
شوفوا هذه القصة العجيبة، يقول إن أكثر النعم عليها لم يكن بكسبي، وإنما هو من تدبير الله سبحانه وتعالى لي؛ فإنني أذكر نفسي -ولا يهمه عاليّ- وأنا في الكتاب، تعرفونه مكان تعليم الأطفال القرآن ونحوه، منذ ست سنين وهو يتعلم ويرتقي في مدارج العلم.
نعم، قال رحمه الله: «وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلاً وأثراً في الصغر، يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في طريق عصبي قط، ولا ضحكت ضحكاً جارحاً». يعني لم أكن أضحك ضحكاً يخل بالمروءة، هذا معنى: «لم أضحك ضحكاً جارحاً»، الضحك الذي يقلب فيه ظهري ويخل بالمروءة.
إذاً كيف كانت طفولة ابن الجوزي؟ إنسان مقبل على العلم مهتم به وهو في سن الصغر، لم يكن يلعب مع الأطفال. طبعاً ليس معنى أبداً طفلك لا تلعبهم، فالناس قد يأخذ من هذا أنني لا أريد لطلبي أن يلعب مع الأولاد، لا ليس هذا هو المطلوب، أحياناً بعض اللعب هو ترويح عن النفس لابد منه، لكن المراد أن لا تجعل ابنك في صغره فقط بابوه الدائب الانشغال بالجوال والألعاب الإلكترونية وما شابه ذلك، هذا لن يخرج شيئاً. إذا أنت طفلك فقط يتربى على الجوال والألعاب الإلكترونية، لعب في الطرقات، هذا لم يكن شيئاً. عليك أن تربي طفلك على طلب معالي الأمور منذ الصغر، وأن تشعره لأنه سيكون شيئاً في الأمة، وأن تغرس فيه هذه المعاني حتى يكتب الله سبحانه وتعالى له أخباراً على العلم.
قال رحمه الله: «حتى إني كنت -ولِي سبع سنين أو نحوها- أحضر الرحبة في الجامع، ولا أتخيل حلقة مشعبي، بل أطلب المحدث المشبع». "ألعاب الخفة" قديماً يسمونه "شعبي"، يعني حجي يجلس في حلقة من الحلقات ويلعب ألعاب خفة ويضحك الأطفال منها، فيقول ابن الجوزي: «أنا ما كنت ألتفت إلى هذا المهرج، بل أطلب المحدث فيتحدث بالسند الطويل، فأحفظ جميع ما أسمع وأرجع إلى البيت فأكتبه».
قال: «ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر رحمه الله، فكان يحملني إلى الأشياخ وأسمع هذا الكلام الجميل». بعض الكلمات لا تمر عليك هكذا سريعاً، شوف ابن الجوزي يتذكر شيخاً له، الله سبحانه وتعالى أجرى الخير على يديه، هذا الشيخ كان من أسباب سعادة ابن الجوزي، تولى رعاية ابن الجوزي وكان يأخذ بيده لزيارة المشايخ وإلى حلقات العلم. فمن نعم الله على طالب العلم المبتدئ أن ييسر له شيخاً يحثه على الخير ويدله على درس ومن كتاب إلى كتاب. ولا بد لطالب العلم من شيخ، طالب العلم الذي ليس له شيخ وإنما يقرأ فقط هذا لن يفلح، كل طالب علم أو من يزعم أنه طالب علم وليس له شيخ هذا لن يفلح أحبابي الكرام، فإن العلم الشرعي إنما يؤخذ من أفواه المشايخ.
نعم، قال رحمه الله: «وأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي وأنا لا أعلم ما يراد مني». كان طفلاً، يعني هذا الشيخ كان عمره ثمانين، وهذا الشيخ حريص أن يأخذ به إلى مجال سماع الحديث، فجعله يسمع المسند لأحمد بن حنبل وغيره من الكتب الكبار. يقول: «وأنا أشوف هذا الشيخ يأخذ بيدي من حلقة إلى حلقة وأنا لا أعلم ما الهدف، ولماذا يتعب ويتعنى من أجلي، ولماذا يسجل للسماع والأسانيد؟».
الشيخ هذا نظرته في ابن الجوزي نظرة مستقبلية، فطن لذكائه وعرق همته فقال: مثل هذا لا ينبغي أن يضيع. وهكذا المعلم الناجح الذي يتفرس النجاح في بعض طلبته الصغار، فيهيئهم من الصغر ليكونوا أئمة في الكبار. فابن الجوزي هو ثمرة شيخه، ابن الجوزي هو ثمرة من شيخه أبو الفضل الذي أخذ بيده في الطفولة إلى مجالس العلم حتى خرج لنا ابن الجوزي العالم الكبير الذي صنف أكثر من ألف كتاب. هذه كلها في حسنات من قبل ابن ناصر رحمه الله تعالى عليه.
قال رحمه الله: «فلما بلغ ابن الجوزي سلمها له وقال: هذه مسموعاتك التي سمعتها من الصغر». وهذه الأحباب على قضية أن مثل هذه المجالس ليست فقط للبالغين والكبار، بل حتى صغار السن ممن يحسنون الاستماع والجلوس يجب أن يتعلموا حضور مجالس العلم والتعب فيها، هذا سيؤثر في شخصية طفلك وابنك في المستقبل. لا تستصغر أطفالكم، لا تقول والله هذا الطفل صغير لا يحضر الآن مجالس العلم، لا دعه يحضر ويجلس ويسمع من المشايخ، هذا سيصبغه صبغة أخرى غير الصبغة التي نراها في كثير من الناشئة اليوم.
قال رحمه الله: «ولزمته إلى أن توفي رحمه الله، فأدركت به معرفة الحديث والنقل، ولقد كان الصبيان ينزلون دجلة ويتفرجون على الجسر، وأنا في زمن الصغر آخذ جزءاً وأقعد محجوزاً عن الناس». أي أجلس في مكان وحدي منحجز عن الناس. ابن الجوزي منذ صغره كان منكباً على العلم، يعني حتى قبل أن يبلغ، الأطفال يذهبون إلى دجلة في العراق، يذهبون إلى النهر ليتفرجو.
وهو يأخذ شجرة هكذا منعزلاً وبيده كتاب، جزءاً، أي جزءاً من العلم؛ فالكتب القديمة كانت تقسم إلى أجزاء، فأخذ جزءاً من كتاب وأخذوا وحده، انظر وأتعلم وأذاكر وأحفظ، هكذا ينشأ العلماء بهذه الطريقة.
قال رحمه الله: «وأقعدت حجة من الناس إلى جانب الرقة، فاتشاغلت بالعلم، ثم ألهمت الزهد، فسردت الصوم، وتشغلت بالتقلل، وألزمت نفسي صبرها، فاستمررت وشمرت ولازمت وعالجت السهر، ولم أقنع بفن واحد من العلم، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث وأتبع الزهاد، ثم قرأت اللغة، ولم أترك أحداً ممن قد انزوى أو يعظ ولا غريباً يقدمه إلا وأحضرته، وأتخيل الفضائل، وكنت إذا عرض لي أمران أقدم في أغلب الأحوال حق...».
شوف هذه القاعدة الأخيرة التي تكلم بها؛ طبعاً غير أنه يقول إنه انشغل بكل فنون سريعة ولم يأخذ فناً واحداً، وبعض الناس اليوم ينكب فقط على فن واحد، وهذا خطأ في مرحلة التنشئة. أحبابي الكرام، طالب العلم عليه أن يدرس كل العلوم؛ عليك أن تدرس العقيدة والفقه والأصول والفقه واللغة والحديث، اشتغل بكل العلوم، بعد ذلك تتخصص حتى تكون مشاركاً، ثم تميل إلى العلم الذي يرغب إليه القلب.
لكن هنا لفتتني العبارة الأخيرة قوله: «وكنت إذا عرض لي أمران أقدم في أغلب الأحوال حقاً». ماذا يقصد بذلك؟ من يقول لماذا يقصد بذلك؟ سبحانه وتعالى، أحسنت، هذا الذي يقصده؛ إذا عرض لي أمران فيهما هوى شخصي وحق الله تعالى قال: «في أغلب الأحوال». شوف الدقة، ليست في كل الأحوال، لأنه يضعف أحياناً، لكن في أغلب الأحوال ينجح في أن يقدم حق الله على حق نفسه.
الآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا عرض له أمران يختار مراد الله سبحانه، أليس كذلك؟ فيقول: كانت تعرض لي أشياء فيها هوى للنفس وفيه مرضاة للرب، وخير بين أن أقدم هوى نفسي وحق الله، فماذا كان يقدم؟ حق الله في أغلب الأحوال. وهذا يدل أن الإنسان قد يضعف أحياناً فيغلبه حظ نفسه على حق ربه، لكنه نجح في أغلب الأمور، 90% كان ناجحاً في تقديم حق الله، وهذا سبب من أسباب نجاح هذا الرجل وبروزه؛ أنه كان في الأغلب مقدماً لحق مولاه على حظ نفسه.
قال رحمه الله: «فأحسن الله تدبيري، وأجراني على ما ودفع عني الأعداء والحساد، ومن يكيدني هيأ لي أسباب العلم، وبعث إلي الكسب من حيث لا أحتسب». هذا كله نتيجة أنه كان يقدم في أغلب الأحوال حق الله. هذه الفاء تفريعية، أي لأنني كنت أقدم حق الله هكذا كافأني ربي سبحانه وتعالى؛ صرف عني الحساد، وسهل لي العلم.
فإخواني، تسهيل العلم وتذليله لك، وأن توفق إلى منابعه الحق، وأن ييسر الله لك المصنف، كل هذه هي توفيق الله وتدبير الله لك، ليس بذكائك ولا بشطارتك ولا بحسن تدبير أحد منا، وإنما هي ثمرات تقواك لله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
قال رحمه الله تعالى: «ورزقني الفهم وسرعة الحفظ وجودة التصنيف، ولم يعوزني شيئاً من الدنيا بل ساق إلي مقدار الكفاية وأزيد، ووضع لي في قلوب الخلق من القبول فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم فلا يرتابون بصحته». يعني أصبح كلام ابن الجوزي مجزوماً به، قال: «لا يرتابون بصحته»، أي شيء أخبرهم به يقولون: «كأن ابن الجوزي حكم في مسائل الشريعة كلها».
نعم، قال رحمه الله: «وقد أسلم على يدي نحو مئتين من أهل الذمة»، أظن كلمة مئتين ليست دقيقة، في بعض النسخ: «أسلم على يدي عشرون ألفاً». كلمة مئتين ليست رقماً كبيراً من الأرقام التي يمكن أن يباهي بها. قال رحمه الله: «ولقد تبت في مجالس أكثر من مئة ألف، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف جملة مما يتعاناه الجهال».
يقصد بذلك الشباب، تعرفون الشباب ماذا نسميهم؟ الشباب الطائش، تجدهم يفعلون شعراتهم بحلقات غير لائقة وليست من سيما أهل الالتزام. فالجمه هو الشعر الذي كان الجهال والشباب الطائش في زمانهم يفعلونه؛ يربطون شعرات بطريقة غير لائقة، فهو يقول: «تاب في مجلس من هؤلاء أكثر من عشرين ألف جملة»، أي جعلتهم يقصون شعرهم على طريقة السنة ويلبسون أو يضعون هذا الشعر بطريقة صحيحة.
فهذا معنى قوله: «وقد قطعت أكثر من عشرين ألف جملة»، والجمه هو الشعر الذي إلى المنكبين. طبعاً أنت ممكن تقول النبي صلى الله عليه وسلم كان شعره إلى المنكبين، هناك من يربي شعره سنة وهناك من يربيه عبثاً، فكل زمان له عرفه، فهو يرى في شبابه أو في زمانه كثيراً من الشباب طريقتهم في قص الشعر طريقة العابثين واللاهين، إصلاح البنات أو ما شابه ذلك مما تعرفونه، فهؤلاء كان يقص شعرهم عندما يقررون التوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: «ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق». شوف هذه العبارة، والله إن هذا الكلام عظيم، قال: «ينقطع نفسي من العدو»، يعني لما يأتي إلى مجلس علم ليس يتأفى يا جماعة، بل يقول: «أعدُّ عدواً وينقطع نفسي حتى لا يفوتني شيء من العلم»، شوف الهمة الكبيرة ماذا تولد وماذا تصنع من الإنسان، والهمة الضعيفة كيف تجعل الإنسان دائماً قليل الإنجاز في الحياة؟ مثل هذه الكلمات اجعلها مشعلاً في طريقك.
ينقطع نفسي من العدو والركض، اليوم أحبابي الكرام أنت تأتي بالباص السريع والباص البطيء والباص المتوسط، كل أنواع الباصات تصل بها إلى المجلس والأمور نوعاً ما ميسرة، قديماً ما كان إلا الركض على الأقدام وركوب الدواب والبهائم حتى يصلوا إلى حلقات العلم، ومع ذلك إنتاجهم العلمي والمعرفي أكثر من إنتاجك، مع أن سبل المعرفة لك اليوم مذللة أضعاف ما كانت مذللة لهم، لكن ما الذي اختلف؟ الهمم والإرادات.
نعم، قال رحمه الله: «وكنت أصبح وليس لي ما آكل، وأمسي وليس لي شيء، وما أذلني الله لمخلوق ولكنه ساق رزقي لصيانة عرضه، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح، وها أنا ترى ما قد آل إليه حالي». هذا نتيجة تعب الليالي، وضنى الهواجر، وتحمل الجوع والعطش، وتحمل السفر، والعدو، وذل النفس بين يدي العلماء، فنتج عالم كبير بحجم ابن الجوزي رحمه الله تعالى.
أنا دائماً أحب أن أقرأ مثل هذا الكلام حتى يعرف الطلاب كيف يصنع العلماء، إن كثيراً من طلبة العلم اليوم يضحكون على أنفسهم، يظنون أنفسهم طلاب علم بمجالس وسائل التواصل وتصوير السلفي والكلام الفارغ والمناوشات الفكرية وتضييع الأوقات في أمور لا تسمن ولا تغني من جوع، ودفاتره بيضاء لم يسطر فيها سواداً على بياض، وعقله فارغ لا يوجد فيه محفوظ.
يزعم أنه طالب علم، لا أعلم أنك بعيد جداً عن منازل هؤلاء إذا لم تسرع على خطاهم. قال رحمه الله: «وها أنا ترى ما قد آل حالي إليه، وأنا أجمعه لك في كلمة واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾».
هذا الختام جميل، قال: خلاصة حياته هي في كلمتين: «واتقوا الله ويعلمكم الله». إخواني، من اتقى الله سبحانه وتعالى يعلمه، هذا معنى «واتقوا الله ويعلمكم الله». العلم ليس شيئاً فقط تناله بالقراءة، العلم هو علم القلوب وتزكيتها وإصلاح النفوس والرقي بها، وأن تلازم قيام الليل والصوم والنوافل والذكر، ثم تجمع بعد ذلك العلم. من اتقى الله أنار الله بصيرته وقلبه، ففهم ما لا يفهمه غيره، وعقل من المسائل ما لا يعقله غيره. فانتبه يا رعاك الله ما هو العلم الحقيقي حتى لا تكون تطلب في غير مورده.
قال رحمه الله تعالى: «فصل: فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين ما دام في الوقت ساعة، واسقِ غصنك ما دامت فيه رطوبة». واذكر ساعاتك، اسقِ غصنك ما دامت فيه رطوبة، لسه ما يبست، بحيث يصبح العلم صعباً عليك. ما زلت يا بني طرياً، لسه فيك روح الشباب، اسقِ غصنك ما دامت فيه رطوبة، أي ما زلت في ريعان الشباب؛ فتعلم قبل أن تيبس ذاكرتك، قبل أن تيبس همتك ويشيب عقلك.
قال رحمه الله: «واذكر ساعاتك التي ضاعت، فكفى بها عظة؛ ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل». وقد كان السلف رحمهم الله يحبون جمع كل فضيلة، ويبكون على فوات واحدة منها. قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: «دخلنا على عابد مريض وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي؟ فقال: مغبرة في سبيل الله تعالى». انظر، بكى على فضيلة واحدة فاتت، هذه شاهدة على القضية؛ أن السلف كانوا يبكون على فوات ولو فضيلة واحدة.
بالله عليك يا طالب العلم، كم من فضيلة فاتتك؟ قيام الليل، الصدقة، ذكر الله سبحانه وتعالى، أين سهامك فيها؟ سلفنا الصالح كانوا يبكون على كل فضيلة، فهذا العابد الزاهر -قال إبراهيم: دخلنا على عابد- أنت ماذا تتوقع منه؟ عمره في قيام ليل، قراءة قرآن، أذكار، هذا دأبه الدائم، ما الذي فاته؟ الجهاد في سبيل الله فبكى على فوات هذه الفضيلة. نحن تفوتنا العديد من الفضائل وشريف الأمور، ولا نبكي عليها ولا يحدث ذلك شيئاً في قلوبنا.
ما بدي أتكلم عن قيام الليل ونرفع سقف الطموحات، كم صلاة فجر طلعت الشمس وأنت لم تصلها في محلها؟ كم من صلاة أخرتها عن وقتها؟ كم من واجب قصرت فيه ولم يؤثر ذلك في نفسك؟ اعرف الفرق بينك وبين الأوائل. حتى لما نتكلم عن علمائنا وعن سلفنا، تعرف الحجم، الحجم المساحة الكبيرة، الفجوة الكبيرة بيننا وبين العمل. على ماذا يبكون؟ وعلى ماذا نبكي اليوم؟ الشاب يبكي على فوات دنيا، هم يبكون على قدمين لم تغبرا في سبيل الله. على ماذا تبكي أنت؟ هذه كلها مقارنات يجب أن تأتي في عقلك.
قال رحمه الله: «وبكى آخر، فقيل له: ما يبكي؟ قال: على يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها». انظروا على ماذا يبكون! يا بني، إن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاسها، وكل نفس خزانة. الأيام هي عبارة عن أنفاسك التي تتنفسها، وكل نفس خزانة أنت ستودعها؛ ما تفعل إذا حضرت علماً وسمعت خيراً أو دعوت به في هذه الخزانة؟ وإذا نظرت إلى السوء وسمعت السوء ودعته في هذه الخزانة؟ فعبئ هذه الخزائن بما شئت وستلقاها عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «فاحذر أن تذهب نفس في غير شيء، فترى يوم القيامة خزانة...».
أما مثل مجالس شبابنا اليوم، من الصباح إلى المساء، من هنا إلى هناك، ومن مطعم إلى مشرب إلى سهرة، هذا غير معروف عند السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. قال رحمه الله: «وفي الحديث: «من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة»». فانظر إلى مضيع الساعات، كم يفوته من النخل! وقد كان السلف يغتنمون اللحظات، فكان كهم، الله يعلمه اسمه، كهم، يختم القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات. طبعاً هذا ليس مما وصانا به النبي ﷺ، هذا لا يقتدى به في هذا الجانب، وإنما يدل على حرصه. وأما أقل ما يختم به القرآن كما جاء في الحديث، كم يوم؟ ثلاثة أيام، أما أقل من ذلك مما روي فليس شيئاً يقتدى به وإنما يدل على همته، هذا الذي نستفيده من هذه القصة.
قال رحمه الله: «وكان أربعون رجلاً من السلف يصلون الفجر بوضوح العشاء». يدل هذا على ماذا؟ إذا كان الإنسان يصلي بوضوح العشاء، إذاً هو طول الليل في قيام وصلاة وإنابة إلى الله. قال: «وكانت رابعة لا تنام الليل»، رابعة العدوية أحد الزاهدات العابدات، فإذا طلع الفجر هجعت هجعة خفيفة، وقامت فزعة وقالت لنفسها: «النوم في القبور طويل». مع أنها نامت عشر دقائق فقط، يئست منها وقالت النوم في القبور طويل فلا أريد أن أنام عشر دقائق. اليوم، كم تنام؟ ثماني، تسع، اثنتي عشرة ساعة! بعض شبابنا ينام وهو يزعم أنه طالب علم، وطالب آخر، وطالب جنة عرض السماوات والأرض، ليست هكذا تطلب المعالي أحبابي، ليس هكذا تسير الخطى إلى الله. يجب أن تعرف سير القوم، وإذا لم تصل إلى سقفها فلا أقل من أن تدنو منها.
قال رحمه الله تعالى: «ومن تفكر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج رأى مدة قصيرة وعلم أن النكتة في القبول طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له». فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا، فرطنا ستين سنة مثلاً، فإنه يمضي منها ثلاثون في النوم. نحن نعطيك خلاصة حياتك؛ بقول لك في حياتك مثلاً ستين سنة، ثلاثون سنة راحت من حياتك نوم. ثم قال رحمه الله تعالى: «فإنه يمضي منها ثلاثون، ونحو من خمسة عشر في الصبا»، خمس عشرة سنة وأنت لم تبلغ أو في مرحلة الصبا وعدم الجدية. طيب كم بقي من الستين؟ ثلاثون سنة نوم، خمس عشرة سنة صبا.
كم بقي؟ قال: «فإذا حسبت الباقي، كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب». هذه الـ 15 المتبقية أكثرها بين أكل وخلاء وكسب وتجارة، كم بالله عليك بقي للعلم وللآخرة من هذه الستين سنة؟ ما قدمت إلا القليل. لذلك أحبابي، في النهاية نحن فعلاً ندخل الجنة فقط لرحمة الله، وأعمالنا وبضاعتنا مزجاة.
قال رحمه الله: «فإذا خلص مالي للآخرة، وُجد فيه من الرياء والغفلة كثير؛ فبماذا تُشترى الحياة الأبدية؟ وإنما الثمن هذه الساعات، هل ستشتري جنة عرضها السماوات والأرض، جنة أبدية بمثل هذه الساعات المهترئة؟». حتى إذا كانت ساعاتك مهترئة حاول أن تصلحها قدر المستطاع، والله يسترنا بستره ويعاملنا بجميل عفوه.
قال رحمه الله تعالى: «فصل: ولا ييأسك من الخير يا بني ما مضى من التفريط، فإنه قد انتبه». قاعدة أخرى؛ قد بعض الشباب يقول: "يا شيخ أنا فرطت، أنا عمري الآن أربعون، أو خمسة وثلاثون وفرطت كثيراً، هل أِياس من نفسي؟". ماذا يقول ابن الجوزي: «ولا ييأسنك من الخير يا بني ما مضى من التفريط، حتى لو فرطت فيما مضى، أصلح فيما بقي».
بعضنا لا يجد موجهاً، لا يجد أباً ناصحاً، لا يجد شيئاً يأخذ بيده، إذا وجدت هذا الشيخ، لا تقل: "والله أنا فاتني الأوان خلاص لا أريد أن أصلح"، هذه من الغفلة. ابن الجوزي يقول لابنه: "يا بني، حتى لو فاتك شيء مما مضى، استغل ما بقي، فالله يعوض الماضي باللاحق".
قال رحمه الله: «فإنه قد انتبه خلق كثير من الغفلة والرقاد الطويل». فقد حدثني الشيخ أبو حكيم عن قاضي القضاء أبي الحسن الدامغاني رحمه الله تعالى قال: كنت في صبوتي متشاغلاً بالبطالة غير ملتفت إلى العلم، فأحضرني أبي أبو عبد الله رحمه الله وقال لي: «يا بني، إني لست باقياً لك أبداً، فخذ عشرين ديناراً وافتح دكان خباز، وتكسب».
وجه ابنه بطريقة ذكية؛ رأى ابنه أنه ليس من أهل العلم، فقال له: "يا أبا، أنت لست من أهل العلم، خذ هذه العشرين ديناراً وافتح لك فيها مخبزاً، مصلحة لعلك تشتغل فتأتي بمال". فقلت: "ما هذا الكلام؟". قال: «فافتح دكان بزاز»، والبزاز الذي يبيع الأقمشة من الحرير ونحوها.
قلت: "تقول هذا وأنا ابن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني؟". قال: «فما أراك تحب العلم؟». فقلت له: "معقول أنا ابن قاضي القضاء أفتح محل بيع الحرير أو أفتح مخبزاً؟". فقال له والده المعلم الموجه الذكي: "طيب، أنت لا أراك تحب العلم، ماذا أفعل لك؟ كيف ستنجح في حياتك؟". فقلت: «أذكر للدرس ساعة». فذكر لي.
يعني وجهه إلى العلم لما شعر أنه لا يصلح له. أحياناً بعض الطلاب أو بعض الأبناء، يمكن بأسلوب معين تستفز همتهم إلى الخير. هو عارف أن ابنه ما راح يرضى يفتح محل قماش أو مخبز، لكنه كأنه يريد أن يقول له: "إذا لم تطلب العلم فهذا حالك، فاختر أحد الأمرين". فاختار الابن: "الآن نبدأ، درسني العلم وستجدني مقبلاً".
قال رحمه الله: «فقلت أذكر للدرس ساعة، فذكر لي، فأقبلت على التشغل بالعلم واجتهدت ففتح الله عليه». وحكى لي بعض أصحاب أبي محمد الحلواني رحمه الله قال: كنت أنا وابن واحد وعشرين سنة، وكنت موصوفاً بالبطالة، وكان معروفاً في المنطقة أنه بطال ما عنده سالفة.
قال: أتيت أتقاضى بعض سكان دار قد ورثتها، فسمعته يأخذ الأجرة من سكان هذه الدار، وهي دار ورثها من والده. سمعتهم يقولون: "قد جاء المدبر"، أي الفاشل الذي يدبر عن الخير، قالوا: "جاء المدبر"، يعني الفاشل جاء يأخذ الرواتب. فماذا أحدثت فيه هذه الكلمة؟ حركت عنفوانه الداخلي.
قال رحمه الله: «فقلت لنفسي يقال عني هذا، فجئت إلى والدتي فقلت: إذا أردت طلبي فاطلبيني من مسجد الشيخ أبي الخطاب». فعاد إلى المنزل وقال لوالدته: "إذا بدك تدوري عليّ وين راح تلاقيني عند أبي الخطاب الكلوذاني، لن أفارق حلقته طلباً للعلم". ما أعجبه أن يُعرف بين الناس، لماذا؟ لأنه بطال.
شوف، بعض الناس قد تحركه الآخرة، وبعض الناس قد تحركه الدنيا، ومش مشكلة في النهاية كله يقود إلى العلم، وقد طالبني العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله، فما في إشكال. قال رحمه الله: «ولازمته، فما خرجت إلا إلى القضاء، فجالس الكلوذاني حتى أصبحت قاضياً».
أصبح قاضياً والناس تعود إليه مع أنه في الواحد والعشرين كان يُعرف بأنه بطال. تخرج قاضياً، والقاضي في الزمن القديم أحبابي هو المجتهد، لا يكون إلا مجتهداً في الفقه، هكذا كان القضاء. قال رحمه الله: «وقد رأيته أنا وهو يفتي ويناظر». هذا ابن الجوزي يقول: وجدت هذا الشاب وقد أصبح يفتي ويناظر وأصبح من العلماء بعد أن كان يعرف بالبطالة.
قال رحمه الله تعالى: «فصل: فالزم نفسك يا بني الانتباه عند طلوع الفجر». ابن الجوزي سيقدم برنامجاً لطالب العلم من الفجر حتى مغيب الشمس، أو حتى الليلة القادمة، سيقدم لك برنامجاً هو البرنامج النموذجي لطالب العلم، يقول هكذا حياته، وغير ذلك عليك أن تفتش في النقص.
قال رحمه الله: «فالزم نفسك يا بني الانتباه عند طلوع الفجر، ولا تتحدث بحديث الدنيا». فقد كان السلف الصالح رحمهم الله لا يتكلمون في ذلك الوقت بشيء من أمور الدنيا. اليوم كثير من الشباب ينتبه على الفجر أول شيء يمسكه هو الجوال، عزيز القلب، يشوف رسائل التيليجرام والواتساب، هذا لا يصلح أحبابي الكرام.
هذا الجوال يكون بعد طلوع الشمس الساعة الثامنة أو التاسعة. أما أول ما تستيقظ، تتحسس المخدة أو الوسادة، أين الجوال لتنظر فيه؟ ليس هذا حال طالب العلم، اللهم إلا لشيء ضروري. فيقول لك: "نتحدث بحديث الدنيا"، فما بالك بشباب يستيقظون على الفيسبوك وعلى تويتر وعلى الانستجرام وعلى رسائل الدنيا؟ هذا كيف سيكون صباحه ونهاره بالله عليك؟
قال رحمه الله: «وقل عند انتباهك من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم». ثم قم إلى الطهارة وركع سنة الفجر، واخرج إلى المسجد خاشعاً، وقل في طريقك: «اللهم إني أسألك بحق السائلين إليك وبمنجاك هذا إليك إني لم أخرج...». الحديث فيه ضعف، لكن كما قال العباسي بن...
لا إشكال أن تقول: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك»، فإن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وهذا من أفعال الله، فبالتالي يجوز أن يسأل الله بهذا السؤال وإن كان الحديث ضعيفًا من الناحية الإسنادية.
قال رحمه الله: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبمن شئت من عبادك، أني لم أخرج إشراءً ولا بطرًا ولا رياءً ولا سمعة، خرجت أتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تجيرني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
واقصد الصلاة إلى يمين الإمام إذا وصلت إلى المسجد فجرًا، تقصد الصلاة على يمين المسجد، هذا إذا كان اليمين متسعًا لك؛ لأن الملائكة تصلي على ما يمين الصفوف كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ. لكن أحبابي الكرام، إذا وجدت اليمين ممتلئًا وفيه فجوة والشمال ما فيه أحد، فالصواب أن تذهب إلى الشمال حتى تحدث توازنًا في الصف. يعني بعض الناس يقول لك أريد أن أذهب إلى اليمين فيذهب إلى اليمين ويبقى في جهة اليمين ويترك الشمال، فيكون المسجد اليمين ممتلئًا والشمال فارغًا، وهذا ليس من الاعتدال في الصف، فالأصل إذا كانت جهة اليمين مزدحمة نوعًا ما أن تأتي إلى جهة الشمال لتحدث شيئًا من توازن الصفوف.
قال رحمه الله: «واقصد الصلاة إلى يمين الإمام، فإذا فرغت من الصلاة فقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» عشر مرات. عشر مرات هذه بعد صلاة الفجر قبل أن تثني الأقدام. قال: «ثم سبح عشرًا، واحمد عشرًا، وكبر عشرًا».
وقد تقال بعض التسبيحات بعد الصلوات؛ فهناك حديثان عن النبي ﷺ: هناك حديث: «سبحان الله 33، والحمد لله 33، والله أكبر 33، المئة: لا إله إلا الله»، وهناك حديث آخر: «التسبيح عشرًا، والتحميد عشرًا، والتكبير عشرًا»، فمن لم يقو على الأعلى فلا يقل عن هذا وهو الأدنى.
قال رحمه الله: «واقرا آية الكرسي، وسل الله سبحانه قبول الصلاة، فإن صح لك فاجلس ذاكرًا لله تعالى إلى أن تطلع الشمس وترتفع». إن استطعت أن تجلس إلى الشروق فهذه ساعة لا يفوتها طالب علم؛ الجلوس إلى الشروق ساعة لا يفوتها طالب علم لما فيها من الخير والبركة وقسم الأرزاق والثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: «ثم صل واركع ما كتب لك، وإن كان ثماني ركعات فهو حسن». أعلى الضحى، إما ركعتان أو أربع أو ست وأعلاه ثمان، قال رحمه الله: «فصل»، فإذا أعدت دروسك إلى وقت الضحى الأعلى، وهو قبيل الظهر، الساعة 11 أو 11:30 تقريبًا.
فلا يقال لك بعد أن تنهي صلاة الشروق وصلاة الضحى عند الشروق عليك أن تبدأ بالنوم، بل عليك إذا أعدت دروسك -يعني تبدأ الدراسة- ما في نوم، «بورك لأمتي في بكورها». تبدأ الدراسة إلى وقت الضحى الأعلى، يعني الساعة 10 ظهراً.
قال: «فصلي الضحى»، وهو اعتبر الركعات الثماني الأول ركعات شروق شمس، واختلف العلماء هل هناك صلاة خاصة اسمها شروق الشمس أو لا، يوجد هذه مسألة خلافية ليس هذا مكان تحريرها. قال رحمه الله: «فصلي الضحى ثماني ركعات، ثم تشاغل بمطالعة أو نسخ إلى وقت العصر». بعد أن تصلي الضحى الأعلى وتصلي الظهر، بين الظهر والعصر أيضًا عليك الاشتغال بالدراسة والتحصيل إلى وقت العصر.
قال: «ثم عد إلى دروسك بعد العصر». إلى المغرب يا شيخ؟ هو ما في مجال للراحة؟ ليس عندها مشكلة أن تأكل وجبة غداء بين الظهر والعصر، لكن شيء سريع، شيء سريع، أنت حياتك وقفت للعلم فلا تبحث عن غير العلم. باختصار يا طالب العلم، هذه الأنفاس وقفت لطلب المعالي، فلا تشتغل بشيء سوى العلم.
قال رحمه الله: «وصلي بعد المغرب ركعتين بجزئين»، فإذا صليت العشاء، قال لك لا، بل تتفرغ لقيام الليل، وقيام الليل نبدأ بعد المغرب، قال: «فيبدأ ويصلي بين المغرب والعشاء بجزئين من القرآن»، تقرأ جزئين من كتاب الله كحد أدنى. هذا فإذا صليت العشاء، نوم يا شيخ؟ لا، قال: «فعود إلى دروسك»، يعني ما فيها من درس إلى صلاة، إلى برنامج متكامل إلى نهاية اليوم.
رحمه الله: «ثم اضجع على شقك الأيمن، فسبح ثلاثًا وثلاثين، واحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبر أربعًا وثلاثين، وقل: اللهم أجنبني عذابك يوم تجمع عبادك». وإذا فتحت عينيك من النوم -وهي من الأدعية التي تقال عند النوم- قال رحمه الله: «وإذا فتحت عينيك من النوم فاعلم أن النفس قد أخذت حظها فقم إلى الوضوء وصلي».
يقول إذا عينك فتحت وحدها لا تغلقها مرة أخرى، فإن معناها قسطًا كافيًا، يعني بعض الشباب عينه تفتح، يستيقظ الساعة 2:00 بالليل أو 3:00 بالليل، يقول: خلص خليني أكمل نوم، الفجر خطأ. يقول لك إذا العين فتحت وحدها اعلم أنها استراحت، فلا تغلقها مرة أخرى وانتبه لقيام الليل. هذا معنى قولي: «وإذا فتحت عينيك من النوم فاعلم أن النفس قد أخذت حظها»، لأن العين إنما تفتح إذا كان هناك قسط من الراحة جيد، خلاص إنسان يقوم، ما يجبر نفسه إجبارًا حتى يشعر أنه أخذ حصة كافية زائدة على قدر اللازم.
قال رحمه الله تعالى: «وإذا فتحت عينيك من النوم فاعلم أن النفس قد أخذت حظها فقم إلى الوضوء وصلي في ظلام الليل ما أمكن، واستفتح بركعتين خفيفتين، ثم بعدهما ركعتين بجزئين من القرآن، ثم تعود إلى دروس العلم، فإن العلم أفضل من كل نافلة». قيام الليل ركعتان، ثم ركعتان بجزئين، ثم تعود إلى طلب العلم حتى طلوع الفجر، فأنت دائماً مع العلم وبالعلم.
هكذا ابن الجوزي يقدم لك برنامجًا علميًا، لكم أيها الطلبة خذوا ما تستطيعون منه، وكل أدرى بنفسه وبهمته. إنه أحيانًا بعض الشباب يقرأ هذا الكلام فيحمل نفسه فوق طاقتها، وهذا أيضًا خطأ، عليك أن تحسن السياسة لنفسك حتى لا تنفر من شدة الحمل.
قال رحمه الله تعالى: «فصل، وعليك بالعزلة فهي أصل كل خير، واحذر من جليس السوء، وليكن جلسائك الكتب والنظر في سير السلف، ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله، وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل، ولا تقنع بالدون، فقد قال الشاعر في ذلك: ولم أرَ في عيوب الناس شيئًا .. كنقص القادرين على التمام».
الحقيقة هو كلام كثير، يعني فوائد كثيرة يصعب أن أعلق على كل كلمة حتى ننهي الكتاب، لكن قضية العزلة وأثرها في بناء شخصية طالب العلم، طالب العلم الذي...
إخواني، اليوم للأسف الغرب استطاع أن يضحك علينا بصناعة بيئات وهمية على السوشيال ميديا؛ بعض الناس يقول لك: أنا مع الناس كثير، لكنك تجلس على وسائل التواصل كثيراً، وهذه مضيعة، وهؤلاء عبث، وهؤلاء أناس ليسوا معك لكنهم موجودون على وسائل التواصل في العالم الرقمي. العزلة معناها أن تترك الهاتف وتترك الجوال وتترك الصحبة وتجلس مع الكتب فقط، ليس سوى الكتب، لذلك قال: وليكن جلساءك من الكتب.
هكذا يقول ابن الجوزي رحمه الله: «واعلم أن العلم يرفع الأرادّي»، فقد كان خلق كثير من العلماء لا نسب لهم يذكر، ولا صورة تستحسن. كانوا ليس لهم نسب، كانوا عبيداً فعزوا بالعلم، بعض العلماء كانوا عبيداً أحبابي فعزوا بالعلم وليس لهم صورة تستحسن. كما سيذكر عن عطاء بن أبي رباح؛ ما في عيب في الخلقة إلا في عطاء، لونه وأنفُه وأشل وأعر، كل شيء كان في عطاء، لكنه ساد أهل زمانه بالعلم رحمه الله تعالى. عليك صورته؛ ليس ملك جمال من حيث الصورة، لكنه ملك الجمال من حيث العلم النافع والعقل الناضج والواعي.
قال رحمه الله: «وكان عطاء بن أبي رباح أسود اللون، مستوحش الخلقة»، وجاء إليه سليمان بن عبد الملك، أي إنسان يشوف وجهه ينفر كما قلنا، لأنه كان مشوهاً الجسد كثيراً، لكنه عز بالعلم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «وجاء إليه سليمان بن عبد الملك وهو خليفة، ومعه ولد الملك»، الخليفة الأموي الكبير، قال: «فجعلوا يسألونه عن المناسك، فحدثهم وهو معرض عنهم بوجهه من عزه بالعلم».
هم جالسين بين يديه، ومن اعتزازه بعلمه لم يصرف وجهه إليه افتخاراً بالعلم، طبعاً هو يريد أن يربيهم، أنكم أنتم من تأتون إلى عطاء وليس عطاء من يتسول على أبواب السلاطين. قال رحمه الله: «فقال سليمان الخليفة لوالديه: قوموا ولديّا ولا تنيا ولا تكاسلا في طلب العلم، فما أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود». سليمان استفز؛ لماذا لا ينظر إلى أطفالي؟ فماذا قال لأبنائه؟ يا أولادي قوموا اطلبوا العلم. والله هذا الشيخ، إذن اليوم ما أذلنا، ما بنساها طول عمري، ما يلتفت إلينا بوجهه اعتزازاً بعلمه، وهذا فعلاً العلم عندما يرفع الإنسان ويصبح شريفاً به.
قال رحمه الله: «وكان الحسن مولى، وابن سيرين ومكحول كانوا عبيداً»، الحسن الذي ملأ الدنيا علماً كان عبداً ورفعه العلم، وابن سيرين ومكحول كلهم كانوا عبيداً وأعطي قوة وأصبحوا من علماء الأمة الكبار في أحد الأيام. لا يذكر الحسن البصري أو ابن سيرين، يرفعك في الدنيا وفي الآخرة، هذه الخلاصة. قال رحمه الله: «وإنما شرفوا بالعلم والتقوى».
قال: «فاجتهد يا بني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا والذل لأهلها». هذه قاعدة مهمة يا طالب العلم، أيها الداعية؛ لا تتسولوا من أجل المال، لا تذل نفسك من أجل لقمة الحياة الدنيا، اقنع بما قدر الله المستطاع، فإنك لو ملكت كل الكتب الشرعية ثم رآك الناس تطلب دنياهم هنت عندهم. لو أنك تحفظ المصنفات الست والمسانيد والكتب جميعها وتأكلها أكلاً وتحسن تدريسها، لكنك في لحظة واحدة احتجت إلى الناس ومددت يدك إلى دنياهم، هنت عندهم وسقط علمك.
هذه نصيحة كبيرة من الأب لابنه: لا تتعرض لدنيا الناس، حاول تفتح لك مصلحة شخصية في الحياة تجعلك لا تطلب الناس ولا تمد يدك إليهم، حتى يبقى علمك عزيزاً مصوناً، ما أحد يقول: الله، هذا الشيخ يتسول، أو هذا الشيخ صاحب دنيا، أو هذا طالب العلم واضح أنه يريد بدنياه أو بعلمه دنيا. إياك أن تمد يدك إلى الناس، مرة واحدة اللحظة التي ستمد فيها يدك، اعلم أنك ستسقط، ستسقط من عيون الناس وقلوبهم.
قال رحمه الله: «واقنع تعز». اقنع تعز؛ صرنا يرزقك العزة في الدنيا وفي الآخرة وفي أعين الناس، فقد قيل: «من قنع بالخبز والبقل لم يستعبده أحد». وجاء أعرابي بالبصرة فقال: «من سيد هذه البلدة؟»، فقالوا: الحسن البصري، قال: «وبما سادهم؟»، قالوا: «استغنى عن دنياهم وافتقروا إلى علمه». هذا الكلام عن الحسن البصري، قلنا ماذا كان؟ كان عبداً صحيحاً، فلما دخل أعرابي البصرة وسأل من سيد هذه المدينة، قالوا الحسن البصري، فقال كيف سادهم؟ يعني ما هي الخصلة التي جعلت الحسن البصري يسود هذه القرية؟ انظروا ماذا قال: استغنى عن دنياهم وافتقروا إلى علمه، لم يحتج إلى أموال الناس وكل أهل البلدة يحتاجون إلى علمه وعقله. فساد الناس يعني الذي ساد أهل البصرة ليس أمير البصرة، وليس شرطة البصرة، وليس تاجر البصرة، الذي ساد البصرة هو عالم البصرة وفقيها، هكذا هي الدنيا أحبابي الكرام.
قال رحمه الله: «واعلم يا بني أن أبي كان موسى، وخلف وراءه من المال...» والقصة الجميلة يا بني، والدي كان صاحب مال كثير، كيف فعل ابن الجوزي بهذه الثروة؟ قال رحمه الله: «وكان أبوك طفلاً فأنفق عليه من ذلك المال إلى أن بلغ ولم يخلّف وراءه شيئاً». كان ميراثاً كبيراً أنفق على ابن الجوزي وهو طفل صغير، فما كبر ابن الجوزي وبلغ إلا هذه الألوف قد تبددت، وأصلح الله من لم يتاجر بها، يعني لم يتم إدارتها بشكل جيد فانتهت هذه الألوف على النفقة على ابن الجوزي وهو صغير.
فلما كبر، كم بقي من هذه الورثة؟ قال رحمه الله: «ولم يرَ بعد بلوغه سوى دارين، كان يسكن واحدة ويأخذ أجرة أخرى»، ما بقي له إلا دارين؛ واحدة يسكنها ابن الجوزي والأخرى يؤجرها يأخذ منها أجرتها شهرياً. ثم أُعطي نحو عشرين ديناراً، وقيل له هذه التركة كلها بعد أن كفر. كم ضل من التركة؟ عشرون ديناراً ذهبياً، نحكي ألفين دينار، هذه كل ما بقي له عند الكبر.
ماذا فعل بها ابن الجوزي وكيف بارك الله في حياته؟ انظر، قال رحمه الله: «فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم، وبعت الدارين وأنفقت ثمنهما في طلب العلم ولم أترك شيئاً». شهرين وصرف العشرين ديناراً في شراء الكتب، ولم يبقَ له إلا عمل بسيط يقتات منه. قال: «ولم يبق لي شيء من المال، وما ذل أبوك في طلب الدنيا كذل غيره، ولا خرج يطوف البلدان كغيره من الوعاظ، ولا رأى أكابر البلدان كغيره من الوعاظ الذين كانوا يتسولون في البلدان». تعطي موعظة ثم تمد يدك، يعني أعطوني مقابل هذه الموعظة أو هذا الدرس. قال رحمه الله: «ولا رأى أكابر البلدان رقاعاً عندهم يستعطيهم»، ما كان يكتب رقاعاً للتجار: إنه والله أنا طالب علم، هل يمكن أن تنفقوا علي أو تعطوني؟ وهنا أنا أهيب حقيقة.
بكثير من الطلاب الوافدين من الخارج، إياك أن تقف في مسجد وتقول: «أنا طالب علم، أريد من يكفيني». إياك أن تقف في مسجد وتقول: «أنا طالب علم، أريد من يكفيني». إذا صدقت مع الله، الله ييسر لك، أما إذا وقفت أمام الناس في المساجد وطلبت منهم المال، هنت عليهم. هنت عليهم؛ اصدِرْ العلم الشرعي وتكون سبباً في الازدراء بالعلم، فحاول أن تبحث عن طريقة أخرى لكسب المال.
قال رحمه الله تعالى: «وأموره تجري على السداد». قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. شوف هذه الختامات التي يختم بها الفصول، يعني خلاصة هذا الفصل يا بني؛ ما هي؟ «من يتق الله يجعل له مخرجاً». هذه كلمة لكل طلاب العلم الذين عندهم عائق الرزق يحول بينهم وبين طلب العلم: من يتق الله ويصدق في همته، الله يجعل له فرجاً ومخرجاً.
وقد رأينا في هذا الباب العجب العجاب من القصص لطلبة علم صادقين ضاقت فيهم الدنيا لكنهم حريصون على العلم، فيسخر الله لهم خلقه. بعضهم سخر الله لهم الخلق في رؤيا؛ رأى في المنام أن هذا الطالب محتاج، فذهب إليه في بيته وعرفه بنفسه. رؤيا منام، اتقِ الله والله لن يضيعك الله أبداً.
قال رحمه الله تعالى: «فصل يا بني، ومتى صحة التقوى؟ رأيت كل خير؛ فالمتقي لا يراءِي الخلق ولا يتعرض لما يؤذي دينه، ومن حفظ حدود الله حفظ». قال النبي ﷺ: «ومن حفظ حدود الله حفظ». هذا مصداق الحديث النبوي: «احفظ الله يحفظك». يحفظ الله تجده تجاهك؛ من حافظ على الحدود ولم يرتكب الحرمات، وقد بصره عن المحارم، ولسانه عن المحارم، وسمعه عن المحارم، لا بد وأن يحفظه الله في حياته، ولن يضيعك الله أبداً. لن تموت جوعاً، لن تفتقر إلى الناس من حفظ الله. وهذه تحتاج إلى ثقة منك بكلام النبي ﷺ وبهذه الوعود الإلهية الصادقة.
قال رحمه الله تعالى: قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك». واعلم يا بني أن يونس عليه السلام لما كانت ذخيرته خيراً نجا بها من الشدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]. هذا استشهاد لطيف من ابن الجوزي؛ يونس عليه السلام لما وقع في الشدة، ماذا كان سبب نجاته؟ أنه في وقت الرخاء كان مسبحاً، أنه في وقت الرخاء كان حافظاً لحدود الله؛ ﴿وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
قد تخطئ فيبتليك الله، لكن إذا كنت صادقاً في الرخاء يساعدك الله في البلاء. يونس عليه السلام الله سبحانه وتعالى عاتبه وحاسبه على الخطأ، أليس كذلك؟ لكنه أعانه؛ لماذا؟ لأن يونس كان حافظاً لحدود الله، ذاكراً لربه سبحانه، فأعانه الله بهذه الذخيرة التي ادخرها عنده، ألا وهي التسبيح.
قال رحمه الله: «وإن فرعون لما لم تكن له ذخيرة خير، لم يجد في شدته مخلصاً». بالعكس، كلاهما تعرض للغرق نوعاً ما؛ يونس تعرض للغرق في بطن الحوت، وفرعون تعرض للغرق؛ يونس نجى وفرعون غرق، ما الفرق بينهما؟ يونس كان متقياً لله في الرخاء، وفرعون كان متكبراً على الله في الرخاء، فكلٌ حصل ثمرة رخائه كما يقولون. فقيل له الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين: فاجعل لك ذخائر خير من تقوى تجده، تجد تأثيرها رجاءً عند الله؛ عبادات سر، أسرار بينك وبينك. ﴿وَمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].
واعلم يا بني أن أوفى الذخائر: غض الطرف عن محرم، وإمساك اللسان عن فضول الكلمة، ومراعاة حدود الله سبحانه وتعالى، وإيثار الله على هوى النفس. هذه قواعد جملة. واعلم يا بني، أعظم الذخائر التي تدخر عند الله؛ ساعة كان الجوال في يدك والمنظر الحرام ما بينك وبينه إلا نظرة، فتركت نظرة الحرام إعلاءً لأمر الله؛ شوف هذه الساعة والله لا ينساها الله أبداً. هذه الساعة التي كنت في خلوة وما أحد ينظر إليك، لا من قريب ولا من بعيد، الجوال في اليد والحرام فقط هو هذه الحركة التي بالأصابع، لكن قلت: «والله لن أنظر»، وتركت الجوال جانباً؛ والله لا ينساه الله أبداً، ويدخرها لك عنده في وقت الشدة.
كثير من الناس يقول: «والله يا شيخ أنا في وقت الشدة سجنت أو تعرضت لبلاء شديد، أنا لا أعلم من أين جاءني الصبر، والله لا أعرف كيف ثبت». أقول: نعم، هي الذخائر التي بينك وبين الله ثبتك الله بها، مع أنك قد تكون أضعف من سجن أو عذاب أو ما شابه ذلك، لكن يثبتك الله بهذه الذخائر التي تدخرها في وقت الرخاء: غض الطرف عن محرم، إمساك اللسان عن فضول الكلام، مراعاة حدود الله -ومعنى مراعاة الحد مراعاة حدود الله يعني عدم الوقوع في الحرام عموماً بأي شكل من الأشكال- وإيثار الله على هوى النفس. وهذا كان دأب ابن الجوزي، مش قال: «وما عرض لي أمران إلا قدمت حق الحق سبحانه وتعالى».
قال رحمه الله: «قد عرفت حديث الثلاثة الذين دخلوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان وأولاد، فكنت أقف بالحليب على أبويه فأسقيهما قبل أولادي، فإن كنت فعلت ذلك لأجلك ففرج عنا»، فانفرج ثلث الصخرة. فقال الآخر: «اللهم إني كنت استأجرت أجيراً فتسخط أجره، فاجترت له ببعض أجره، فجاء يوماً فقال: لا تخاف الله؟ فقلت: انطلق إلى تلك البقر ورعائها فخذها، فإن كنت فعلت ذلك لأجلك ففرج عنا»، فانفرجت الصخرة.
فقال الآخر -وهو في القصة الثالثة لأنها موطن الشاهد-: «اللهم إني علقت ببنت عم لي، فدنوت منها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه»، يعني كناية، لا يجوز لك أن تعاشرني إلا بعقد زواج، لا تفض خاتماً إلا بحقه كناية عن ماذا؟ لا يجوز لك أن تعاشرني إلا بعقد شرعي، لا أريد الزنا، هي عفيفة؛ نعم، فقمت عنها، فإن كنت فعلت ذلك لأجلك فافرج عنا». في لحظة ما ذكرته بالله، قام عنها وترك الزنا. ونُقلت روايات أكثر تفصيلاً من هذه الرواية، قال: فرفعت الصخرة وخرجوا، وروي سفيان.
سفيان الثوري رحمه الله في المنام، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ قال: ما كان إلا أن وضعت في اللحد، فإذا أنا بين يدي رب العالمين، فهم ربي إلى الجنة، فدخلت، فإذا أنا بقائل يقول: سفيان؟ قلت: سفيان، قال: أتذكر يوم آثرت الله تعالى على هواك؟ قلت: نعم. فأخذتني صواني من الجنة.
أجمل هذا الكلام لما دخل الجنة. سفيان الثوري أحد كبار المحدثين، رأى رؤيا في المنام أنه لما دخل الجنة ناداه الله: «أعلم أن لا ملك من الملائكة شيء أنت سفيان الثوري»، قال: أنا سفيان الثوري، قال: «أتذكر لحظة من اللحظات، هكذا دقيقة أو ثانية، آثرت الله على هواك وعلى رغبة نفسك؟». والله هواي، أطلع يا شيخ على الحرام، هوايا، أتكلم بهذه الكلمة استنقص فيها، والله أغاظني؛ كتمت كل شيء من أجل الله سبحانه وتعالى. قال: «نعم، تذكر لحظات كثيرة آثر فيها الله سبحانه وتعالى على هوى نفسه»، فجاءت صواني من الجنة فيها الطعام والشراب؛ إعجازًا لهذا العبد الصالح رضوان الله عليه.
قال رحمه الله تعالى: «فصل، وينبغي أن تسمع همتك إلى الكمال، فإن خلقًا وقفوا مع الزهد، وخلقًا تشاغلوا بالعلم، ونذر أقوامًا جمعوا بين العلم الكامل والعمل الكامل». إذًا ليس العبرة أن تطلب العلم وتقف، قال: «وقوم تشاغلوا بالعلم»، لكن هذا ليس كمالًا، الكمال أن العلم يقودك إلى أين أحبابنا؟ إلى العمل. لذلك قال: «ونذر أقوامًا»، أقوام نذروا، قلة من استطاعوا أن يجمعوا بين الكمال وهو العلم النافع الذي يترجم عملًا صالحًا.
ما قيمة علم لا ينبني عليه بصيرة عن الحرام؟ ما قيمة علم لا ينبني عليه قيام لله؟ ما قيمة علم لا ينبني عليه إقبال على الله وعمران القلب بحبه وخشيته والإنابة إليه؟ إذا كان قلبك مهجورًا من حب الله ومن أعمال القلوب، ونهارك لست فيه صائمًا وليلك لست فيه قائمًا، إذًا ماذا أثر العلم في حياتك؟ ماذا غير العلم في شخصيتك؟ ليست العبرة أن تتكلم وأن تحصل على شهادة دكتوراه في الشريعة، وأن يقال عنك فلان أستاذ دكتور، هذه كلها ألقاب ستزول بمجرد أن تموت. العبرة أن يرزقك الله علمًا يورثك خشية، أن يورثك الله علمًا يقودك إليه، أن يورثك الله علمًا تسمو به النفس وتحلق به الروح عند الله سبحانه وتعالى. هذا هو علم الأوائل. العلم الذي لا يقودك إلى الله إن غبنته فيه وخسرت الرهان؛ احفظها وخذها: علم لم يقودك إلى الله، لم يزدك خشية ولا إقبالًا، اعلم أنك مخدوع تغر نفسك فيه.
قال رحمه الله: «واعلم أني قد تصفحت التابعين ومن بعدهم، فما رأيت أحظى بالكمال من أربع أنفس: سعيد بن المسيب، وسفيان الثوري، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل». وقد كانوا رجالًا، إنما كانت لهم همم ضعفت عندنا. ما الفرق بيننا وبين أحمد وسعيد؟ قال: هؤلاء الرجال كانت لهم همم، نحن ضعفنا عنها ما استطعنا أن نجاريهم. وكمال هؤلاء جمعهم بين العلم والعمل إلى أقصى المراتب، هؤلاء الأربعة ليسوا فقط في الناحية العلمية بل في الناحية العملية، فكلهم كملوا في جميع الجوانب.
قال رحمه الله: «وقد كان في السلف في خلق كثير لهم همم عالية، فإذا أردت أن تنظر إلى أحوالهم فانظر في كتاب صفة الصفوة». ابن الجوزي في قصص السلف الصالح، أنصحكم بقراءته، كتاب صفة الصفوة كتاب في السير، سرد فيه سير الأوائل وحياتهم يتعلم الإنسان منها. قال رحمه الله: «وإن شئت أخبار سعيد، وأخبار سفيان، وأخبار أحمد بن حنبل، فقد أخبرنا...». هذا موضوعه، فإذا أردت أن تبحث عن أخبار سعيد بن المسيب وأخبار سفيان وأحمد الذين اجتمعوا في العلم والعمل، فعليك أن تقرأ هذا الكتاب.
قال رحمه الله: «فقد جمعت لكل واحد منهم كتابه». فصل: «وقد علمت يا بني أنني قد صنفت مئة كتاب، فمنها التفسير الكبير عشرون مجلدًا، والكتاب المغني». ابن الجوزي يصنف كتاب المغني، كتاب ضخم في التفسير ثم اختصره في كتابه زاد المسير، وزاد المسير سبع مجلدات، هو اختصار لكتاب ضخم في التفسير له اسمه المغني. قال رحمه الله: «وكتاب التاريخ المنتظم في تاريخ...»، «وتهذيب المسند عشرون مجلدًا، وباقي الكتب بين كبار وصغار، يكون خمسة مجلدات، مجلدين وثلاثة وأربعة وأقل وأكثر، كفيتك بهذه التصانيف عن استعارة الكتب وجمع الهمم في التأليف، فعليك بالحفظ؛ فإن الحفظ رأس المال، والتصرف ربح».
وعليك بالحفظ، هذه القضية انتبهوا لها إخواني؛ لا علم بدون حفظ. ما قالوا: «عليك بالفهم» كما للأسف يروج اليوم في جامعاتنا أنه ليس هناك داعٍ للحفظ، بل افهم فقط. إخواني، الفهم لا يستمر معك إلى باب القاعة ثم يغادر، عليك بالحفظ، هذه وصية اتفق عليها العلماء. طالب علم لا يحفظ هذا ليس طالبًا حتى ولو لقب نفسه، الحفظ أساس في الفهم. قال رحمه الله: «عليك بالحفظ؛ فإن الحفظ رأس المال، والتصرف ربح، وأصدق في الحالين في الالتجاء إلى الله سبحانه».
الحفظ كأنك تجمع رأس مال، ثم بعد ذلك تتصرف بمحفوظك فتتذكر به وتجمع المسائل وما شابه ذلك؛ لن تستطيع أن تفهم ولا أن تربط المسائل ولا أن تبني إذا لم يكن هناك حفظ. فلذلك قال: «الحفظ شبهه بماذا؟ برأس المال، ثم ستتصرف بمحفوظك فهمًا ودراية ونظرًا وجمعًا»، فهنا تحدث الأرباح، يعني لن تنتج عندك العلوم ولن تصبح عندك ملكات وهي الربح إلا إذا كان عندك محفوظ، هذا ما يقصده.
قال رحمه الله: «وأصدق في الحالين في الالتجاء إلى الله سبحانه فراعي حدوده». قال الله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]، فاذكروني أذكركم، والله أعلم، يقصد حاله الرخاء وحال الشدة، كن صادقًا مع الله في الرخاء وفي الشدة يوفقك الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40].
قال رحمه الله تعالى: «فصل، وإياك أن تقف مع صورة العلم دون العمل به، فإن الداخلين على الأمراء والمقبلين على أهل الدنيا قد أعرضوا عن العمل بالعلم فمنعوا البركة والنفع به». وهذه قاعدة أظن أنني تكلمت عنها كثيرًا يا طالب العلم؛ إنما العلم هو الذي يورث العمل، وعلم لا يورث عملًا ولا تقوى ولا إقبالًا على الله، فهذا علم مخدوش لا تنتفع به حقًا.
قال رحمه الله: «وإياك أن تتشاغل بالتعبد من غير علم، فإن خلقًا من المتجاهدين والمتصوفة ضلوا طريق الهدى إذ عملوا بغير علم». نعم، هؤلاء مثالهم مثل من علم ولم يعمل، هذا مثل المغضوب عليهم من اليهود، وأما من عمل من دون علم فهذا مثل من النصارى، فلذلك حذر.
من المسلك: احذر من العلم بدون عمل، واحذر من العمل بدون علم؛ فكلاهما ضلال. قال رحمه الله: «واستر نفسك بثوبين جميلين لا يشهرانك بين أهل الدنيا برفعتهما، ولا بين المتجاهدين ببضاعتهما، حتى يعلم ماذا يلبس».
شوف الأب الحريص على ابنه، حتى ماذا يلبس يوصيه؛ قال: «البس ثوبين سعرهما مقتصد لهما رخيصين، لا يضعانك عند أهل الدنيا، ولا هما غاليين، كن دائما مقتصدا».
قال رحمه الله: «وحاسب نفسك عند كل نظرة وكلمة وخطوة، فإنك مسؤول عن ذلك، وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السامعون، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب».
متى لم يعمل؟ ادري انتفاعك بالعلم، ينتفع السامعون. كثير منكم سيجلس في هذه المجالس مدرسة، بقدر ما أنت صادق في ما بينك وبين الله، بقدر ما ينتفع الناس منك. وكلما كنت مرائيا منافقا تعلم ولا تعمل، كلما أبعد الله عز وجل قلبك عن قلوبهم ونفر الناس منك.
إذن هذا كلام عالٍ جدا لابن الجوزي: على قدر استفادتك أنت من علمك تستطيع أن تنفع الناس، فخذ من هذا الميدان واغرف منه. العلم ليس فقط أن تدرس أو أن تحفظ معلومة، العلم أن تكون المدرس ابتداء صادقا حتى ينتفع الناس، ويبارك الله في المعلومة التي تلقيها بين أيديهم.
قال رحمه الله: «وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السامعون، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب». الواعظ عندما أنصحك بنصيحة ثم أنا لا أعمل بها، قد زلت عن القلوب؛ يعني سبحان الله لا يبارك في وعظه ولا ينتفع الناس به.
إخواني، تجدون بعض الناس بسيطا، لكن إذا نصحك نصيحة والله تستفيد منه، وتجد بعض الناس بروفيسور في الشريعة، والله يتكلم بكلام كثير لكن لا تشعر له بهجة ولا وقع في القلب. ليه؟ لأنه -صحيح فلان قل علمه لكنه صادق فموعظته دخلت قلبك، وفلان كثير محفوظات وكثير نظر في الكتب لكنه غير صادق، لا يعمل بعلمه، فتزل موعظته عن قلبك ولا تشعر لها بأثر داخلي في نفسك. فهذا من الله؛ أنت لن تؤثر في الناس بمجرد أنك تملك المعلومة، بل تؤثر في الناس أكثر عندما تكون صادقا.
قال رحمه الله: «فلا تعظن إلا بنية، ولا تمشين إلا بنية، ولا تأكلن إلا بنية». ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر؛ إذا نظرت في سير الأوائل تعرف كيف كان حالهم؛ إذا وعد الله صلح نيته، إذا أكل لقمة نوى فيها خيرا، إذا مشى إلى شيء نوى فيه الخير. دائما انوِ الخير واحرص على أن يكون عملك دائما لمرضاة ربك سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: «فصل»، وعليك بكتاب «منهاج المريدين»، فإن سريع نقرأه سريعا هو نصيحة ببعض الكتب التي دونها ينصح ابنه أن يقرأها. قال رحمه الله: «عليك بكتابي منهاج المريدين فإنه يعلمك السلوك فاجعله السلوك»، ولكنه ليس مطبوعا فيما نعم.
قال: «وتلمح كتاب صيد الخاطر فإنك تقع بواقعات تصلح أمر دينك ودنياك»، وهذا كتاب عظيم النفع لطالب الانتباه؛ «صيد الخاطر»، إياك أن تنتهي من المرحلة الأولى في حياتك ولن تقرأه، كتاب مليء بالتجارب والخبرات الحياتية النافعة لابن الجوزي. إياك أن تفوتك التأسيس في العلم وأنت لم تقرأ صيد الخاطر.
قال رحمه الله: «واحفظ كتابه جنة النظر فإنه يكفي في تلقيح فهمك للفقه»، أظنه جنة النظر. «ومتى تشاغلت بكتاب الحدائق أطلعك على جموع الحديث»، وإذا التفت إلى «الحدائق»؛ وكتاب أيضا في علم التزكية ذكر فيه أحاديث التزكية.
قال: «وإذا التفت إلى كتاب الكشف أبانا لك مستورة ما في الصحيحين من الحديث»، هذا كتاب صنفه في بيان غريب الحديث في الصحيحين، الألفاظ الغريبة في البخاري ومسلم.
قال: «ولا تشاغلن بكتب التفاسير التي صنفتها الأعاجم وما ترك الذين ليسوا بعرب أقحاح»، لأن كتبهم في التفسير معقدة وعبارتهم ليست فصيحة في بيان مراد الله. هذا الذي يقصده، وكلامه ليس على إطلاقه حتى أكون منصفا؛ هذا الكلام في الجملة، ولكن ليس على إطلاق، بعض كتبنا عجم في التفسير عظيمة النفع كبيرة القدر.
قال رحمه الله: «وما ترك المغني وزاد المسير حاجة إلا شيء»، من التفاسير واضح أن ابن الجوزي معتد بتفاسيره التي كتبها، فالمغني وزاد المسير كتبه هو تمام فهو مفتخر بها. قال: «وأما ما جمعته لك من كتب الوعظ فلا حاجة بعدها إلى زيادة»، عشرات الكتب في الوعظ لابن الجوزي.
قال رحمه الله: «فصل، وكن حسن المداراة للخلق مع شدة الاعتزال عنهم». هذه قضية مهمة لطالب العلم، هي فن التعامل مع الناس. كثير من طلبة العلم يكون جيدا وصاحب سلوك في عنايته مع الله، لكنه لا يحسن التعامل مع الناس فيخسر قلوبهم. عليك يا طالب العلم كما تحسن العلاقة مع الله أن تحسن العلاقة مع الناس وإدارة هذا الملف بشكل جيد. فهنا يقول لابنه: عليك أن تحسن المداراة وحسن التعامل، فالناس أصناف؛ منهم القاسي، ومنهم السهل، ومنهم الحساس، ومنهم غير الحساس؛ بدك تكون فنان في التعامل مع الناس حتى تكسب قلوبهم فيحبوا مجالستك وسماع حديثك.
قال رحمه الله تعالى: «فإن العزلة راحة من خلطاء السوء ومبقية للوقار»، فإن الواعظ خاصة ينبغي أن لا يُرى متبذلا ولا ماشيا في سوق ولا ضاحكا؛ ليحسن الظن به فيندفع. قد يناقش فيها ابن الجوزي لأن المشي في السوق ليس عيبا، لكن مراده لا يصلح لطالب العلم أن يكون دائما خارجا ولاجا، دائما يرى في الطرقات وفي الأماكن العامة. متى تطلب العلم؟ دائما في المراكز، ودائما في المطاعم. وين نروح الشيخ في المطعم؟ وين نروح الشيخ في الشارع؟ وين نروح الشيخ في السوق؟ متى يطلب الشيخ العلم؟
الناس لها أيضا مقاييس ونظرات، فلا ينبغي لطالب العلم أن يكون كثيرا الخروج والولوج. أما المشي في الأسواق هذا كان يفعله النبي ﷺ. قال رحمه الله: «فإذا اضطررت إلى مخالطة الناس فخالطهم بالحلم عنهم، فإنك إن كشفت عن أخلاقهم لم تقدر على مداراتهم». أحسنت، يعني لا تتبع عثرات الناس وتفسدهم.
هذا خلاصة ما يريد أن يقوله، هو كلام عمر بن الخطاب يا طالب العلم؛ باختصار لا تدقق كثيرا على أخلاق الناس، الناس إذا دققت على أخلاقهم وطالبتهم بالكمال تفسدهم، ما يستطيعون؛ فخذ من الناس ما صفا واترك ما كدر، خذ من الناس ما صفا واترك السيء من أخلاقهم حتى تستريح. هذه نصيحة حقيقة نافعة، الإنسان ينتفع بها جدا في حياته العلمية. الإنسان بعض طلبة العلم حساس جدا، كلما سمع الشخص قال له ماذا تفعل وأنت تضيع وقتك، خاصة والده ووالدته، وإذا أعطى درسا لأحد الختايرة في المسجد قال: قم يا شيخ ترى مللتنا، ينكسر خاطره ولا يعود؛ ترى الحياة لا تصلح هكذا، بدك تصبر على سوء أخلاق الناس وتصبر.
على سوء كلام الناس، لم يدرس العلم مثلك، ولم تتربَّ مثلك، وليس لهم من الأخلاق ما تعلمت أنت، فلا تتبع عوراتهم فتفسدهم، ولا تطالبهم بالكمال. أنت شد على نفسك، وعلى أعصابك، وعلى نفسيتك، حتى تكمل في هذا الطريق، وأما الناس فمطالبتهم بالكمال كما قال عمر، وإفساد لهم.
قال رحمه الله تعالى: فصل، وأدِّ إلى كل ذي حق حقه، من زوجة أو ولد أو قرابة. وانظر كل ساعة من ساعاتك بماذا تذهب؛ هل طلبي للعلم يجعلني أقصر في حقوق الزوجية؟ أقصر في حق والدي ووالدتي؟ وأقصر في حق أبنائي وتربيتهم؟ لا، يعني طلبك للعلم لا يعني ضياع الحقوق الأخرى، ينبغي أن تحدث توازناً في كل الأمور. وهذه الرسالة جمعت من أطراف الخير كله.
قال رحمه الله تعالى: وانظر كل ساعة من ساعاتك بماذا تذهب، فلا تودعها إلا أشرف ما يمكن، ولا تهمل نفسك وعودها أشرف ما يكون من العمل وأحسنه، وابعث إلى صندوق القبر ما يسرك يوم الوصول إليك، كما قيل: «يا من بدنياه اشتغل، وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، ورائع عواقب الأمور».
يهن عليك الصبر عن كل ما تشتهي وما تكره وإن وجد. دائماً انظر إلى العواقب، لا تنظر إلى الشيء العاجل والثمرة العاجلة، انظر إلى عواقب كل شيء تريد أن تفعله في الحياة، ماذا ستكون عاقبته في النهاية؟ إذا نظرت إلى حرام، انظر في العاقبة قبل أن تقدم إلى النظر الحرام؛ هذه هي العاقبة: حسرة، ألم، قهر نفسي، وضيق في النفس. وانظر إلى مجلس علم تحضره، ماذا ستكون عاقبته من الراحة النفسية والأنس؟
فدائماً خذ هذه الوصية من ابن الجوزي: قبل أن تقدم على عمل، انظر في عواقبه ومالاته، فإذا وجدت عاقبته إلى خير فاقدم عليه، وإذا وجدت عاقبته إلى شر فاحجم عنه. قال رحمه الله: «وإن وجدت من نفسك غفلة، فحملها إلى المقابر وذكرها قرب الرحيل، ودبر أمرك والله المدبر».
وفي إنفاقك، من غير تبذير؛ لأن لا تحتاج إلى الناس، فإن حفظ المال من الدين. يا طالب العلم، إذا رزقك الله مالاً عليك أن تحسن إدارته، لا تبذر، وبسبب وفرة المال حالياً حاول أن تدخر للمستقبل حتى لا تحتاج في يوم من الأيام لتتملق إلى الناس. قال: «فإن حفظ المال من الدين، ولا أن تخلف لورثتك المال خير من أن تحتاج إلى الناس». حتى لو كنت غنياً، هل يعيب أن يكون المرء غنياً؟ لا، وأن تخلف لورثتك المال خير من أن تدع ورثتك فقراء يطلبون الناس.
قال رحمه الله تعالى: فصل، يا بني، واعلم أننا من أولاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ختمها ببيان نسبه، أن ابن الجوزي يعود في نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: «يا بني، واعلم أننا من أولاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبونا القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه»، والقاسم بن محمد بن أبي بكر هذا من أحد الفقهاء الكبار، وهو يعود في نسبه إليه.
قال رحمه الله: «وأخباركم موثقة في كتاب صفة الصفوة، ثم تشاغل سلفنا بالتجارة والبيع والشراء، فما كان من المتأخرين من رزق همه في طلب العلم غيره، وقد أُلقي الأمر إليك فاجتهد ألا تخيب ظني فيما رجوته فيك». وقد استنى ابن الجوزي يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، يعني كونك من أولاد الصديق هذا لا يعني أننا سنصبح من الأماكن الأوائل، فكثير من أجدادنا تشاغلوا بالتجارة ففقدوا العلم وفقدوا المكانة، وأنا اشتغلت بالعلم فعدت إلى المكانة وحافظت على شريف النسب.
قال رحمه الله: «وقد أسلمتك إلى الله سبحانه وإياه، وأسأله أن يوفقك للعلم والعمل، وهذا قدر اجتهادي في وصيتي». وهذا قدر اجتهادي في وصية، يعني أنا اجتهد، أما قضية هل هذه الوصية ستثمر فيك يا علي أو لن تثمر فيك، فهذا من تدبير الله سبحانه. وفعلياً، كما قلنا، من وجهت إليه هذه الوصية، للاسف لم يحسن إلى والده في الكبر، علي أبو القاسم الذي وجهت إليه هذه الوصية لم يحسن إلى والده في الكبر وأساء إليه جده، لكن الله سبحانه وتعالى علم صدق ابن الجوزي وحرصه على أبنائه، فأنجب له أو أخلف له بولد صالح بعد ذلك، وهو العلامة يوسف، أحد كبار علماء الحنابلة وصاحب مصنفات بديعة.
فأنت اجتهد في نصيحة نفسك وإخوانك وأولادك وذريتك، بعد ذلك انتظر العاقبة من الله، أهم شيء لا تقصر، وأما النتائج فهي حكمة الله التي توزع على عباده. هذه رسالة مختصرة في الحث على إشغال الزمان بالنافع، ومعرفة من هو طالب العلم وما هي القواعد العامة التي يخوض بها طالب العلم حياته، دائماً نقدمها في بداية برنامج مدرج لتكون حافزاً لك أن تستمر في هذا الطريق.
هذه خطط، هذه مناهج، هذه كلمات ينبغي أن لا تنسى من ابن الجوزي لطالب العلم، فكلما حفظها وكررها -وأنت في هذه الدورة- كلما شعرت بشيء من الفتور ارجع إلى لفته الكبد واقرأها، ستشحنك؛ كل الكلمات وكل العبارات الرقيقة ستشحنك لأنها عبارات قصيرة موجهة مركزة تقع في المقتل، فينتعش القلب عند سماعها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي ابن الجوزي عنا خير الجزاء، ونوجزكم بهذه الرسالة المباركة بأسانيدنا.
هذه نهاية الجلسة الأولى، الحمد لله انتهت بسلام. من يريد الآن يتجهز لصلاة المغرب، يحتاج إلى وضوء، نصلي في مكاننا، عملية الخروج وأنتم شايفين الأعداد ما شاء الله، فما في مجال إخواني إلا أن تقف في مكانك، ومن يريد الوضوء يذهب لدورة المياه، ثم تعود إلى مكانك لنكمل المجلس الثاني بعد صلاة المغرب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أنا عندي نظرة معينة في مثل هذه الأمة، كل هذه الأمور إلى الله، يعني ابن الجوزي ليس فلاسوفاً ولا أشعرياً في علوم الكلام. كيف صحتك؟ شو أخبارك؟ إخواني المشايخ على الباب، حركوا سريعاً، ما حدا يوقف عند الباب حتى نبدأ، الله يكرمكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
في البداية أود أن أشكركم على هذا الحضور الطيب الذي يثلج الصدر، الحقيقة كنا نتوقع أن الأعداد تصل إلى 5600 مشارك في هذه الدورة، لكن بحمد الله سبحانه وتعالى ثم بالهمم الوثابة والنشيطة، استطعنا أن نثبت أننا في هذا البلد نستطيع أن نخرج العديد من طلاب العلم، وأن نجمع الناس في مجالس الخير؛ كما أن الناس تجتمع على الله والعبث ومجالس الغيبة والفجور، يمكن أن نجمع الناس على الخير.
وهناك همم كبيرة تجعلنا لا نيأس ولا نشعر أن الأمة لا خير فيها، ومن قال «هلك الناس فهو أهلكهم»، فدائماً نقول الأمة فيها خير، وهذه الوجوه النيرة التي عبأت كل الأماكن والمرفقات في هذا المجمع المبارك بهذا الحضور الطيب، تدل أحبابنا الكرام أن هذه الأمة فيها خير عظيم، ولكن تحتاج من يقدم لها ومن يبذل لها حتى تجتمع هذه الأمة على طاعة الله سبحانه وتعالى وعلى الخير.
وتحتاج أيضاً إلى الهمم المستمرة، وأن لا يكون الإنسان كما قلنا صاحب اليوم الواحد؛ فإن كثيراً من الشباب هو صاحب اليوم الواحد، لا يعرف إلا الانتفاع الأولي ثم سريعاً تخبط الهمم. حاول يا طالب العلم أن تجعل هذه الدورة تجربة للنفس من جهات عديدة، من حيث الاستمرارية إلى نهايتها، ومن حيث تعويد النفس على الانضباط في مجالس العلم، واستماع التعليمات، والقدرة على تحمل شيء من الضغط، شيء من الزحام.
لن يكون طالب علم الذي لا يصبر على لواء الطريق، لم يكن طالب علم الذي يريد العلم وهو مرتاح جالس في بيته فقط عبر الشاشات، لن يكون طالب علم هنا في هذا الزحام وفي هذا الإرهاق وفي هذا التأخر ليلاً وانتظار حافلة تقلّه؛ هذه الساعات هي أعظم ساعات تبذلها في حياتك وسترى بركتها بإذن الله.
اعقد مع نفسك العزم، وجالد وسل الله سبحانه وتعالى أن لا يصرفك بالصوارف، وألا يشغلك بالشواغل، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير. ودائماً نصيحتي لنفسي ولكم أن تجعل دعاءك «لا حول ولا قوة إلا بالله» دائماً؛ لا حول لك على الاستمرارية، لا قوة لك على طلب العلم إلا بسؤال الله عز وجل. والصبر على التعب والديمومة والاستمرارية على هذا المنوال سيصنع منك شيئاً يوماً ما، وستكون رجلاً بحجم هذه الأمة وبحجم ما تترقبه منك، لكن اصبر واحتسب الساعات والتعب ولا تكن سريع الفتور والملل.
مجلسنا الثاني اليوم بإذن الله في مصنف جميل، في علم جميل ندرسه باختصار بإذن الله، ألا وهو علم القواعد الفقهية، وسندرس نظمه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي عليه رحمة الله. ومن الأمور التي تشعل الهمم أن الشيخ السعدي عليه رحمة الله صنف هذا الكتاب وعمره ثلاثة وعشرون عاماً فقط، يعني هذا النظم اليسير الخفيف اللطيف صنفه وهو بهذا العمر، وحظي هذا الكتاب بالاعتناء لسهولته ولأنه جمع شيئاً طيباً.
طبعاً لا يخلو الإنسان الذي يصنفه مبكراً من بعض الملاحظات على تصنيفه، لأن النشأة الأولى والتصانيف الأولى، وهذا لا يعيب وجود بعض الملاحظات على المصنف، لكن في الجملة كتب الله له القبول وهو نافع للمبتدئين والناشئين في معرفة ما هو علم القواعد الفقهية وكيف نقوده وكيف نوظفه وكيف نستفيد منه في حياتنا.
قبل أن أشرع في هذا النظم المبارك، ضمن مختصر سهل بإذن الله علينا أن نتعرف على طبيعة هذا العلم؛ ما هو علم القواعد الفقهية؟ وإذا أردت أن تتعرف على علم لابد وأن تدرس مبادئه العشرة؛ إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع، ثم الثمرة والنسبة والفضل، والواضع، والاسم، والاستمداد، وحكم الشارع، والمسائل، والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى الجميع فقد شرفا. فدراسة المبادئ العشرة لأي علم هي بوابة دخولك لهذا العلم وأخذ التصور الجملي عنه وعن الأبواب التي يطرقها.
فعلمنا هذا علم القواعد الفقهية، بالتالي دعونا نبدأ في تعريفه. إن مبادئ كل فن عشرة، الحد: ما تعريف القاعدة الفقهية؟ القاعدة الفقهية أحبابي الكرام يعرفها العلماء بأنها: حكم كلي ينطبق على جزئيات متعددة في أبواب متعددة. نعيد مرة أخرى، الآن بدها تشتغل الأقلام، لا تبقى متفرجاً؛ القاعدة الفقهية ما هي؟ حكم كلي ينطبق على جزئيات متعددة في أبواب متعددة.
مثلاً عندما يقول لنا النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، ترى هذه قاعدة «الأمور بمقاصدها»، ويمكن أن يعبر عنها بقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، هي حكم كلي، حكم شرعي كلي، أي لا يتعلق بجزئية معينة بل يتعلق بحكم عام، هذا الحكم العام تحته العديد من الجزئيات التي ينطبق عليها هذا الحكم. فالأمور بمقاصدها يدخل في باب الطهارة، وفي باب الصلاة، وفي باب الزكاة، وفي باب الحج، وفي أبواب المعاملات والأنكحة والإقرارات والأغذية؛ كل هذه الأبواب نطبق عليها هذه القاعدة.
وقاعدة «المشقة تجلب التيسير» هذه لها شواهد وجزئيات عديدة في باب الطهارة، في باب الصلاة، في باب الزكاة، في باب الصيام، في باب الحج. وقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» حكم كلي ينطبق على جزئيات عديدة في أبواب فقهية متنوعة، لا تختص بباب الطهارة فقط، بل تدخل في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات، فهذا هو تعريف القاعدة الفقهية؛ إذاً حكم كلي ينطبق على جزئيات متعددة في أبواب شرعية متنوعة وليس مختصاً بباب واحد.
بعض الفقهاء أو بعض العلماء يقولون القاعدة ليست حكماً كلياً، بل يقول حكم أغلبِي. إذا نظرت في كتب أهل العلم في علم القواعد، بعضهم يقول في تعريف القاعدة "حكم كلي"، البعض يقول لا، القاعدة "حكم أغلبِي". الذين قالوا القاعدة حكم أغلبِي لماذا قالوا ذلك؟ قالوا لأنه ما...
من قاعدة، ولها استثناء، بالتالي هل القاعدة كلية؟ يعني تنطبق على جميع الجزئيات ولا تنخرم أي جزئية؟ البعض قال القواعد ليست هكذا، القواعد أغلبية، لكن حقيقة أنا ما زلت مع القول الأول، وهي أن القاعدة هي حكم كلي.
لماذا لعدة أمور، منها فقط حتى لا أطيل عليك: أن الجزئية المستثناة التي لا تدخل تحت القاعدة هي في الحقيقة ليست مناطًا للقاعدة، بل هي داخلة تحت قاعدة أخرى، هي اليقين بها. تمام، لما نقول قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، عندما نقول قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، هناك أمور لا تندرج تحت القاعدة مستثناة؛ هذا لا يجعل القاعدة حكمًا أغلبًا، بل هي القاعدة تبقى كلية، وهذا الفرد المستثنى الذي لم تنطبق عليه القاعدة هو مندرج تحت قاعدة أخرى، هي اليقين بها.
فهمتم؟ بالتالي تبقى القواعد كلية، وما اعتبرناه مستثنى هو ليس مستثنى على الحقيقة، بل هو في الحقيقة لا يليق بهذه القاعدة، فليس هو استثناء منها، هو ابتداء لا يليق بها، وليست القاعدة من مناطاته، بل هو مندرج تحت قاعدة أخرى اليقين بها. لذلك أنا أتفق مع أهل العلم الذين يعرفون القاعدة الفقهية بأنها حكم كلي، وقضية ما من قاعدة إلا ولها استثناء لا يحتاج أو لا يخرم هذا التعريف على الصحيح.
الآن بعد أن عرفنا تعريف القاعدة بأنها حكم كلي ينطبق على جزئيات عديدة ومسائل عديدة في أبواب متنوعة، دعونا ندخل في ما هو موضوع علم القواعد. الآن نحن أخذنا تعريفه، بقي علينا أن ننتقل إلى موضوعه؛ ما هو الموضوع؟ يعني ما هي الجزئية أو ما هي التفاصيل التي يبحث فيها علم القواعد؟
علم القواعد باختصار أحبابي هو علم يحاول الشبك والربط بين الفروع الفقهية المتشابهة؛ علم موضوعه الفروع الفقهية من حيث إيجاد الروابط بينها. أعطيك مثالًا يوضح الآن: هل يصح الوضوء بدون نية عند الجمهور؟ لا. هل تصح الصلاة بدون نية عند الجمهور؟ لا. هل يصح الصوم بدون نية؟ هل تصح الزكاة بدون نية؟ الآن هذه فروع متعددة، صحيح، ما هو الشيء المشترك بينها؟ أنها كلها اشترطت فيها النية، فهنا هذه الفروع شبكنا بينها فاستخلصنا قاعدة: «إن الأمور بمقاصدها» و«إن الأعمال بالنيات».
أعطيك مثالًا آخر: لما نقول المسافر يقصر، صحيح، والصائم المريد يستطيع أنه يفطر، والحائض تسقط عنها الصلاة وقضاؤها، ويجوز تعجيل الزكاة للمحتاج لها؛ أنت فروع صحيحة، ما الشابك والرابط بينها؟ أن المشقة تجلب، وهكذا. الفقهاء ينظرون، هذا هو موضوع علم القواعد الفقهية، يأتون للفروع الفقهية المتشابهة ويستخلصون من مجموعها قاعدة فقهية كلية.
وهذه القاعدة الفقهية ستساعدك في ماذا؟ هذا سينقلنا إلى المبدأ الثالث من المبادئ العشرة، أن مبادئ كل فن عشرة: الحد، والموضوع، ثم الثمرة. ما ثمرة هذه العملية؟ يعني أنا كإنسان فقيه ماذا بستفيد لما آتي لفروع فقهية متشابهة وأستخلص منها قاعدة كلية مثل: الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير؟
أولًا، أستفيد معرفة مباني الأحكام؛ أستفيد معرفة على ماذا تُبنى الأحكام الشرعية، يعني باختصار معرفة مقاصد الشريعة وعللها العامة. فأعرف أن الشريعة من مقاصدها أن تجلب التيسير، وأن الشريعة من مقاصدها رفع الضرر عن الناس، وأن الشريعة من مقاصدها بناء الأمور على النيات، وأن الشريعة من مقاصدها الاعتماد على اليقين وعدم دفعه بالشكوك. فالقواعد الفقهية تجعلك تلحظ المقاصد الكلية ومباني الأحكام الشرعية.
فيصبح عليك من السهولة بعد ذلك أن تقيس وأن تبني أحكامًا أخرى مستجدة في نوازل العصر. الذي يعرف مباني الشريعة وما هي الأمور التي تلاحظها الشريعة في بناء الأحكام، كأن الشريعة تلاحظ المشقة وتلاحظ الضرر وتلاحظ النية وتلاحظ العرف، كمثل القاعدة «العادة محكمة»، هذا الذي يفهم هذه الأمور يصبح من السهل عليه الاجتهاد أحبابي في النوازل المعاصرة؛ لأنه خلص ما الخطوط العريضة، عرف للشريعة كيفية بناء الأحكام، أو فلسفة الشريعة في تفريع الأحكام، وبالتالي يصبح من السهل عليه الاجتهاد وإدراك المسائل المتناظرة. هذه قضية أولى.
أيضًا أحباب الكرام، أستطيع أن أقوم من ثمرات القواعد الفقهية أن القاعدة الفقهية تصلح دليلًا مباشرًا للمسألة المعاصرة أو النازلة التي لم تظفر فيها بدليل. يعني لو أنت وجدت مسألة جديدة ولاحظت أن هذه المسألة يمكن إدراجها تحت قاعدة «الأمور بمقاصدها»، فأسألك: ما الدليل على وجوب النية في كذا؟ بتقول لي: الدليل أن «الأمور بمقاصدها». لو أسألك: ما دليلك على التيسير على الناس في معاملة معينة؟ بتقول لي: الدليل أن الشريعة مبنية على أن «المشقة تجلب التيسير». ما دليلك على أن هذا الضرر يجب أن يُرفع؟ تقول: الدليل «لا ضرر ولا ضرار».
فهنا سؤال: هل القواعد الفقهية تصلح أن تكون أدلة شرعية؟ نقول الصحيح: نعم، إن القاعدة الفقهية تصلح أن تكون دليلًا شرعيًا؛ لأنها إما هي أصلاً حديث نبوي، فالأمور بمقاصدها هي ترجمة لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، وقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» ترجمة نفسها حديث نبوي، أليس كذلك؟ فالقواعد الفقهية إما هي بنفسها حديث نبوي أو هي استقراء لنصوص شرعية كثيرة، فهي خلاصة نصوص شرعية كثيرة، فلذلك القاعدة الفقهية تصلح أن تكون دليلًا مباشرًا على الأحكام الشرعية.
إذا عرفنا تعريف القاعدة الفقهية، وعرفنا موضوع القواعد الفقهية، وهو الفروع الفقهية من حيث الربط بينها، وعرفنا ثمرة هذا العلم، وهي معرفة مباني الأحكام وطرق تعليلها والاستدلال المباشر على المسائل المستجدة.
إن مبادئ كل فن عشرة: الحد، والموضوع، ثم الثمرة، والنسبة. ما النسبة؟ ما علاقة هذا العلم بعلوم الشريعة الأخرى؟ هل هو من علوم المقاصد أو من علوم الوسائل؟ الصحيح أنها من علوم الوسائل المساعدة على فهم الفقه وأحكامه، وليست من علوم المقاصد. إذاً هذه نسبته، وفضله هو تعرف الفقه وفهمه بشكل جيد.
هذه النقطة يتجاوز عنها من وضع علم القواعد الفقهية؛ حقيقة النبي ﷺ في كلامه، بأبي هو وأمي، صلوات ربي وسلامه عليه، كلامه فيه العديد من القواعد الفقهية: «إنما الأعمال بالنيات» قاعدة، و«لا ضرر ولا ضرار» قاعدة، و«البينة على المدعي واليمين على من أنكر» قاعدة. مع أنها أحاديث، ففي كلام النبي ﷺ العديد من القواعد وإن لم تكن تسمى قواعد، لكنها قواعد كذلك. وكذلك في كلام الصحابة الكرام العديد من القواعد الفقهية، كقول عمر: «مقاطع حقوق عندها الشروط»، وغير ذلك من كلام العلماء والصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فإذا أردت أن تقول من الذي تكلم بالقواعد الفقهية، فالصحيح أن النبي ﷺ.
صلى الله عليه وسلم تكلم بها والصحابة تكلموا بها، لكن أول من صنفها كعلم أو كتب فيها كعلم فهو أبو طاهر الدباس رحمه الله من الحنفية، ثم تلميذه الكرخي الذي أخذ قواعد شيخه أبي طاهر الدباس وجمعها في قواعد معروفة اليوم عند الحنفية بماذا؟ بقواعد الكرخي. فبالتالي أول من صنفها كعلم هو أبو طاهر الدباس وجمعها تلميذه الكرخي في سبع عشرة قاعدة، ثم توسع العلماء بعد ذلك في وضع القواعد.
إذاً، الموضوع: الحد والموضوع، ثم الثمرة، والنسبة، والفضل، والواضع. ما اسم هذا العلم؟ هذه سهلة، ما اسمه؟ علم القواعد الفقهية. الاستمداد من أين؟ استمد هذا العلم من الفروع الفقهية، فالفروع الفقهية هي التي جعلتنا نستمد هذا العلم منها. ما حكم الشارع في تعلم هذا العلم؟ فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي وتعلمه من يكفي سقط الإثم عن باقي الأمة، وإذا لم يتعلمه أحد أثم الجميع. وأما المبدأ العاشر والأخير وهي المسائل، فهي كل الأمور التي سنتعلمها إن شاء الله في أي كتاب من كتب القواعد الفقهية.
السؤال الآن: ما الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية؟ القاعدة الأصولية أحبابي هي التي تنتج الفروع الفقهية، مثلاً من القواعد الأصولية أن الأمر يقتضي الوجوب، وأن النهي يقتضي التحريم، وأن العام يبقى على عمومه حتى يأتي مخصص. الآن هذه قواعد لا تسمى قاعدة فقهية، تسمى قاعدة أصولية.
ما الفرق إذاً بين القاعدة الأصولية والفقهية؟ القاعدة الأصولية هي قاعدة يتم استثمارها في النصوص والوقائع لإنتاج الفرع الفقهي؛ فهي قاعدة يتم إنزالها على النصوص وعلى الوقائع ليتم من خلالها إنتاج الحكم الفقهي، فإذا أنتجنا أحكاماً فقهية كثيرة ولاحظنا التشابه بينها فانتجنا القاعدة الفقهية. بالتالي أيها أسبق: القاعدة الأصولية أم الفقهية؟ أحسنتم، الأصولية. ليه؟ لأن القاعدة الأصولية تنتج الفروع، والفروع تنتج القواعد الفقهية، هكذا ترتيب ذلك. يقول العلماء هكذا: علم أصول الفقه ينتج علم الفقه، وعلم الفقه ينتج علم القواعد؛ لأن علم الأصول ينتج الفروع، والعلماء كيف يستنبطون الفروع من خلال توظيف القواعد الأصولية؟ فإذا وظف القاعدة الأصولية فانتج الفروع، الفروع إذا نظرت إليها وتلمحت فيها ستخرج عناصر التشابه فتنتج قواعد فقهية، فعلم أصول الفقه سابق على علم القواعد.
هذا ننتبه له، وأيضاً من الفوارق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية أن القاعدة الأصولية لا تصلح أن تكون دليلاً على الأحكام، وإنما يتم توظيفها على النصوص لاستخراج الأحكام، وأما القاعدة الفقهية فكما قلنا قبل قليل يصح توظيفها في الاستدلال المباشر. يعني هل يمكن أن تستدل على حكم بقاعدة أصولية مباشرة؟ لا، ليس ممكناً أن تقول هذا الحكم ما دليله؟ دليله أن الأمر يقتضي الوجوب، لا، أنت تريد أن تجلب لي النص الذي فيه أن الأمر يقتضي الوجوب. فالقاعدة الأصولية لا تصلح أن تكون دليلاً مباشراً بخلاف القاعدة الفقهية التي تصلح أن تكون دليلاً مباشراً على الفروع وعلى الأحكام الفقهية.
فهذان فرقان واضحان بين علم الأصول والقواعد: الأول أن علم أصول الفقه والقواعد الأصولية سابقة على القواعد الفقهية، والثاني أن القاعدة الأصولية لا يستدل بها مباشرة وإنما توظف لإنتاج الحكم، وأما القاعدة الفقهية فيمكن الاستدلال بها مباشرة على الأحكام.
هناك ما يسمى أحباب الكرام بعلم الأشباه والنظائر، وهذه تسمية أخرى لعلم القواعد الفقهية، وهناك كثير من الكتب تسمى كتب الأشباه والنظائر. ما علاقة عنوان الأشباه والنظائر بالقواعد الفقهية؟ الأشباه أحبابي هي المسائل التي تشبه بعضها بعضاً في وجوه كثيرة واتحد حكمها، والنظائر هي المسائل التي يشبه بعضها بعضاً في أمور كثيرة واختلف حكمها. فمثلاً السيوطي له كتاب اسمه الأشباه والنظائر، وهذا من كتب القواعد الفقهية، وهذا الكتاب يهتم بذكر الأشباه والنظائر، لكن أنا أريدك أن تتعرف ما الفرق بين الأشباه والنظائر. فما هي الأشباه؟ مسائل تشابهت في كثير من الوجوه واتفق حكمها النهائي، والنظائر؟ مسائل تشابهت في الكثير من الوجوه لكن اختلفت أحكامها النهائية، فعليك أن تعرف الأشباه والنظائر إذا أردت أن تكون فقيهاً.
ننتقل الآن أحبابي الكرام سريعاً لنقول تصنيف القواعد الفقهية. علماء القواعد الفقهية يصنفون القواعد الفقهية إلى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى هي القواعد الفقهية الكلية الكبرى، وهذه أعلى مرتبة، وهي خمس قواعد يجب حفظها مثل اسمك: القاعدة الأولى: «الأمور بمقاصدها»، القاعدة الثانية: «اليقين لا يزول بالشك»، القاعدة الثالثة: «المشقة تجلب التيسير»، القاعدة الرابعة: «لا ضرر ولا ضرار»، والقاعدة الخامسة: «العادة محكمة».
هذه الخمسة يسمون القواعد الفقهية الكلية الكبرى، وهذه اتفق عليها أهل الإسلام، ولماذا سميت كلية وكبرى؟ لأن جميع المذاهب تأخذ بها، وهي منتشرة في كل الأبواب الفقهية من العبادات إلى المعاملات، من أول باب فقهي إلى آخر باب فقهي لابد وأن توظف هذه القواعد وتبنى عليها الأحكام، فهي شديدة الانتشار في الفروع الفقهية ولا يخلو منها باب فقهي، واتفق عليها الجميع، بذلك سميت كلية وكبرى. والبعض يزيد عليها قاعدة سادسة وهي: «أن الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد»، وهي في الحقيقة أعلى من كل هذه القواعد، فهذه القاعدة يتمثل بها كل الفقه الإسلامي وهي شاملة لكل القواعد الخمس الكبرى. نعيد القواعد الخمس الكبرى: «الأمور بمقاصدها»، «اليقين لا يزول بالشك»، «المشقة تجلب التيسير»، «لا ضرر ولا ضرار»، و«العادة محكمة». هذه لا يجوز لطالب علم أن يجهلها، فالفقه في جله مبني عليها وتدخل في جل أبواب الفقه الإسلامي.
المرتبة الثانية من القواعد ما يسمى بالقواعد الكلية الصغرى. هذه القواعد منتشرة أحبابي في كثير من الأبواب لكنها أقل انتشاراً من القواعد الكبرى، ثانياً هي محل اتفاق عند الجمهور لكن يقع فيها الخلاف أحياناً، فلذلك نزلت مرتبتها عن المرتبة السابقة؛ لأنها أقل انتشاراً وأحياناً يوجد فيها خلاف وإن كان الجمهور عليها، مثل قاعدة: «التابع تابع»، وقاعدة: «إذا ضاق الأمر اتسع»، مثل هذه القواعد هي كلية لكنها صغرى لوجود خلاف فيها ولأنها أقل انتشاراً من القواعد الكلية الكبرى.
أخيراً القواعد الفقهية المذهبية، وهذه نشأت مع المذاهب، وهي أن كل مذهب له قواعده الفقهية الخاصة بفروعه والتي يقال بها، والقواعد الأخرى في المذاهب الأخرى. فالحنفية لهم قواعد مذهبية خاصة، والشافعية كذلك، والمالكية كذلك، والحنبلية كذلك. فالقواعد المذهبية هي النوع الثالث، وهي تختص بكل مذهب ولا تشاركهم المذاهب الأخرى فيها في العادة، يمكن أن نتفق مذهبين، لكن في الجملة لا تشاركهم المذاهب الفقهية الأخرى فيها، مثل قاعدة النية التي تخصص العامة.
وتعميم الخاص، هذه قاعدة فيها خلاف شديد، ومثل بعض القواعد التي تذكر في بعض الأبواب المتعلقة بالأقضية والإقرارات وما شابه ذلك، مثل «الأجر والضمان لا يجتمعان»، برضو فيها خلاف فقهي، فتسمى هذه قواعد مذهبية. إذا الخلاصة أن القواعد كمبناها ثلاثة مراتب: قواعد كلية كبرى، وقواعد كلية صغرى، وقواعد مذهبية تختص بكل مذهب أو مذهبين ويكون فيها خلاف شديد.
هذه فقط مقدمة ومدخل إلى علم القواعد. الآن سنجد أن الشيخ السعدي في منظومته تكلم عن القواعد الكبرى، اللهم إلا قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» لم أجده يتكلم عنها بشكل صريح، وأضاف بعض القواعد العامة الأخرى وذكر شيئًا من القواعد الأصولية في الختام. المنظومة فيها شيء من التنوع، لكن جلها في القواعد الفقهية فقط.
بقي عليّ أن أذكر ما هو الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي. الضابط الفقهي -أحباب الكرام- هو نفس الشيء، حكم كلي لكنه ينطبق على أحكام متعددة في باب واحد وليس في أبواب متعددة. الضابط الفقهي حكم كلي ينطبق على جزئيات متعددة في باب واحد، مثلاً باب الطهارة فقط، أو باب الصلاة فقط، أو باب الزكاة فقط وما شابه ذلك. مثلاً: «كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله»، ليس قاعدة، إنه ضابط متعلق بباب الآنية ويذكر في كتاب الطهارة فقط. فالضابط أخف من القاعدة؛ القاعدة توجد في أبواب متعددة: في الطهارة، في الصلاة، في الزكاة، لكن الضابط يعمل فقط في باب واحد، لذلك عبارته تختص بباب واحد من أبواب العلم أو الفقه ولا ينتشر في أبواب أخرى. فمن المهم أن تفرق بين هذه المفاهيم الثلاثة: القاعدة الأصولية، والقاعدة الفقهية، والضابط الفقهي؛ هذه الأمور يجب التمييز بينها وبمصطلحاتها تمييزًا واضحًا حتى لا تختلط عليك.
نبدأ الآن في قراءة منظومة العلامة السعدي، وننظر في القواعد التي ذكرها ونحاول أن نتفهمها تفهمًا جمليًا عامًا. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «الحمد لله العلي الرفيق، جامع الأشياء والمفرق».
الحمد لله سبحانه وتعالى، على عادة أهل العلم في بداية مصنفاتهم بالبسملة، والأصل أنه يقرأ البسملة. وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم»، البسملة هي جزء من كتابه وتصنيفه، وهذه عادة أهل العلم في بداية مصنفاتهم ومنظوماتهم بالبسمة، ثم الحمد لله، وهكذا بدأ القرآن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاقتداء بكتاب الله وسنة النبي ﷺ، أهل العلم يبدؤون مصنفاتهم بالبسملة ثم الحمد لله.
ثم قال: «العلي»، وعلو الله سبحانه وتعالى على ثلاثة أشكال: علو ذات، وعلو قهر، وعلو قدر. أهل السنة والجماعة نؤمن أن الله فوق السماوات العلى على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعلوه، وعلوه قهر فهو قاهر لعباده، وعلو قدر فقدره أعلى من قدر جميع المخلوقات.
«العلي الرفيق»، الرفيق صيغة مبالغة من الرفق، فهو أرفق وأرحم بخلقه، وهي مأخوذة من الرفق؛ أن الله رفيق يحب الرفق كما قال النبي ﷺ.
«وجامع الأشياء والمفرق»، هذا يسمى براعة استهلال، أنه أشار إلى العلم الذي سيصنف فيه. كيف ذلك؟ «جامع الأشياء» هذا يذكرك بالقاعدة الفقهية لأنها تجمع المسائل المتشابهة، و«المفرق» يذكرك بالنظائر؛ أنها تتكلم عن المسائل المتباينة وإن تشابهت في الصورة. فقوله: «وجامع الأشياء والمفرق» تسمى براعة استهلال، أشار بها إلى طبيعة العلم الذي سينظمه؛ لأن كلمة جامع الأشياء إشارة إلى القاعدة والأشباه، والمفرق إشارة إلى النظائر.
«ذي النعم الواسعة الغزيرة والحكم الباهرة الكثيرة»، الحمد لله على نعمه الواسعة الغزيرة التي أنعم بها علينا سابقًا، وعلى حكمه سبحانه وتعالى الباهرة الكثيرة؛ فإن الأحكام الشرعية من تأملها واستخلص منها القواعد عرف كم هي الحكم الباهرة لربنا سبحانه وتعالى في هذه الشريعة المنظمة.
ثم الصلاة مع سلام دائم على الرسول القرشي الخاتم. بعد الحمد لله والبسملة، أثقلنا بالصلاة على النبي ﷺ. والصلاة من الله هي ثناؤه على عبده، والصلاة من الملائكة الاستغفار، والصلاة من البشر معناها الدعاء. ثم قال: «إذاً الصلاة»، أي طلب من الله أن يثني، هنا الصلاة بمعنى أنك تقول اللهم صلِّ، يعني أنت تطلب من الله الصلاة، والصلاة من الله هي الثناء على عبده. فقوله «ثم الصلاة» أي ثم الثناء من الله مع سلام دائم على نبينا محمد ﷺ القرشي، نسبة إلى قريش، الخاتم، الخاتم للأنبياء فهو خاتم النبيين صلوات ربي وسلامه عليه.
«وآله وصحبه الأبرار»، في مراتب الفخار، إذا كان في مقام الدعاء فالآل هم الأتباع على الدين وليس مختصًا بأهل بيته فقط، أهله أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، فأنتم آل بهذا المفهوم العام. وله مفهوم خاص وهم أهل البيت الذين يدرسون في علم العقائد؛ أهل بيت النبي ﷺ: علي وفاطمة والحسن والحسين، لكن الصحيح أن إذا وردت في مقام الدعاء فالمراد هم الأتباع على دينه، فصلى على الآل والصحب الأبرار.
«اعلم هُديت»، هذه واضحة بينة. «أن أفضل المنن علم يزيل الشك عنك والدرن»، أعلم هُديت، أن أفضل المنن التي يمن الله بها على عبده أن يرزقك علمًا يزيل عنك الشك والدرن. والشك هنا الشبهات في العقيدة والفقه، والدرن هي الشهوات، فكأنه يقول: علم يزيل الشك أي الشبهات، والدرن أي الشهوات، فيقيك من الوقوع في الشبهات والشهوات، وهذه هي فضيلة العلم الشرعي.
«ويكشف الحقان ذي القلوب ويوصل العبداء إلى المطلوب»، هذا من فضائل العلم؛ أنه يوصلك إلى الله سبحانه وتعالى وإلى مطلوبك وجنات النعيم. وإذا كان العلم النافع والعمل الصالح في الدنيا قبل الآخرة، فاحرص على فهمك للقواعد «جامعة المسائل للشوارد».
احرص على فهمك يا طالب العلم للقواعد الفقهية الكلية، فإنها تجمع لك المسائل، وبالتالي تصبح فقيهاً. لا يمكن أن تصبح فقيهاً إلا بتعلم القواعد الفقهية؛ بها تجمع المسائل المتفرقة تحت أصل واحد، وبالتالي تصبح تقيس على هذا الأصل لترتقي في العلم خير مرتقى وتقتفي سبل الذي قد وُفق. فبدراستك لعلم القواعد، يقول الشيخ السعدي، إنك ترتقي في مدارج العلم خاصة علم الفقه، ويصبح لك فهم ونظر فيه، وتتبع سبل العلماء السابقين الذين كان مبنى علومهم الفقهية القواعد؛ فما من عالم إلا وله قواعد فقهية ينطلق من خلالها في الإفتاء وفي الفتاوى المعاصرة وفي النوازل.
على المسلمين، فطالب العلم عليه أن يدرس القواعد ليقتفي ويسير على خطى العلماء السابقين. وهذه قواعد نظمتها من كتب أهل العلم؛ قد حصلتها قواعد ممنوعة من الصرف، لكنه صرفها من أجل الضرورة الشعرية.
من أين حصل هذه القواعد؟ منين يا جماعة؟ السعدي رحمه الله عليه من كتب أهل العلم. هذا فيه ماذا؟ إرجاع الفضل إلى صاحبه، ليس أنا الذي اخترعت هذه القواعد، وإنما أخذتها من كتب العلماء السابقين. وهذه يا أحبابي بركة العلم؛ بركة العلم أن تنسبه إلى صاحبه الذي أخذته منه. هكذا قال علماؤنا: بركة العلم أن ينسب إلى صاحبه. جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو والمغفرة والبر.
وهذا من أدب الطالب مع المشايخ الذين سبقوه؛ طالب العلم يحترم المشايخ الذين يستفيد منهم، يجلهم، يقدرهم، ويدعو لهم بالخير والمغفرة. هكذا تعلمنا من مشايخنا. طالب العلم يغتاب شيخه ويدخل في عرضه أو ينتقص منه، هذا سيضيع علمه. ليس طالب العلم، أهم شيء في حياتك حتى لو أخطأ شيخك في حقك أن تحترم المعلم والشيخ والأستاذ، وأن تستغفر له وتدعو له؛ فقد كان معلماً لك في يوم من الأيام.
النية شرط لسائر العمل. سيبدأ الآن بالقواعد الفقهية، قاعدة بعد أخرى. القاعدة الأولى: قال، اقرأ مرة أخرى البيت: «ونِيَّةٌ شرطٌ لسائر العمل.. بها الصلاح والفساد للعمل». هكذا نظم رحمه الله تعالى القاعدة الأولى، وهي ما اسمها كقاعدة كلية كبرى: «الأمور بمقاصدها». هو نظمها بطريقة أخرى فقال النية هكذا صياغة المؤلف: «النية شرط لتصحيح العمل». هكذا نظم السعدي القاعدة الأولى، لم يقل الأمور بمقاصدها، ماذا قال؟ النية شرط لتصحيح العمل.
الآن سنتكلم عن أول موضوع وهو النية. النية يا أحباب الكرام يختلف البحث فيها باختلاف العلوم؛ ففي علم العقائد وعلم السلوك، عندما يتكلم عن النية فإنه يتكلم عن النية التي يقابلها الرياء والشرك. لكن في علم الفقه، عندما يتكلمون عن النية إنما يتكلمون عن النية التي تميز العبادة عن العادة، وتميز العبادات فيما بينها.
أريدك أن تفهم هذه القضية. إذا كنت نقرأ في كتاب السلوك، فتكلموا عن موضوع النية وأهميتها؛ يتكلم عن النية بأي معنى؟ بمعنى إخلاص النية لله وعدم وجود الرياء والنفاق والشبهات. كذلك علماء العقائد عندما يتكلمون عن موضوع النية يركزون على النية بما يقابلها من النفاق والرياء. لكن علماء الفقه موضوعهم مختلف؛ الفقيه لا يبحث عن النية من باب الرياء والنفاق وما شابه ذلك، ليس هذا موضوعه، بل يبحث عن النية من ناحية فقهية، وهي أهمية النية في تمييز العبادات عن العادات، وفي تمييز العبادات فيما بينها.
وهذا ما نحتاجه هنا. فأنت مثلاً إذا اغتسلت، ما الذي يجعل هذا الغسل عبادة أو ليس عبادة؟ النية. صحيح، ممكن أن يكون الإنسان جنباً ودخل إلى الخلاء ليغتسل ولم ينوِ هل اغتساله هذا يرفع الجنابة؟ لا، يعتبر مجرد عادة، لكن إذا نوى يعتبر عبادة.
أيضاً النية تهمك في تمييز العبادات ما بينها. ما الذي يفرق بين سنة الفجر وفرض الفجر؟ ركعتان ركعتان. ما الفرق بين هاتين الركعتين وهاتين الركعتين؟ نيتك فقط. الفرق بين سنة الفجر وفرض الفجر هو النية؛ فهي تميز العبادة عن العادة، وتميز العبادات ما بينها فنفرق بين فرض ونفل. وما الذي يميز أن هذه الصلاة ظهر ولا عصر؟ عندك النية؛ أنت نويت الظهر تكون ظهراً، نويت العصر تكون عصراً. فإذن هذا مهم جداً أن نفهمه؛ أن النية التي يتكلم عنها الفقهاء هي النية المهمة في تمييز العبادات عن العادات، والنية المهمة في تمييز العبادات ما بينها؛ تمييز بين فرض وفرض، وما بين فرض ونفل. ممتاز، هذه قضية مهمة.
قوله الآن بدنا نراجع شوي كلام العلامة السعدي، ماذا قال؟ «النية شرط لسائر العمل». هل هذا الكلام صحيح؟ يعني هل هناك أعمال يمكن أن تقبل شرعاً بدون نية؟ إذا أنت ترد، ما هي الأعمال التي تقبل شرعاً بدون نية؟ نعم، لا تحتاج إلى نية: إزالة النجاسات، أحسنتم، نجاسة على بدني لو أزلتها بدون نية هل تصلح ولا لا تصلح؟ تصلح؛ إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية. رد الأمانات إلى أهلها لا يحتاج إلى نية.
فقوله «النية شرط لسائر العمل» خلينا نعتبره شيئاً أغلبياً وليس كلياً؛ لماذا؟ لأنه ينخرم، فهناك أعمال تصلح بدون نية مثل إزالة النجاسات ومثل رد الأمانات إلى أهلها. فقوله إذاً النية شرط لسائر العمل هو قول أغلب وليس كلياً ينطبق على جميع الأمور. فبالتالي نستطيع أن نقول، حتى نعيد صياغة القاعدة، نقول: «الأمور التي تفتقر صحتها الشرعية إلى نية مخصوصة، إذا فعلتها بدون نية فلا اعتبار لها شرعاً».
الآن أنا أريد أن أعيد صياغة القاعدة حتى تكون تامة. ماذا يريد السعدي أن يقول في القاعدة الأولى؟ الأمور التي تفتقر صحتها الشرعية إلى نية مخصوصة، إذا فعلتها بدون نية لا يُعتد بها شرعاً. أعيد مرة ثالثة والأخيرة: الأمور التي تفتقر صحتها الشرعية إلى نية مخصوصة، إذا فعلتها بدون نية لا اعتداد بها شرعاً. أي شيء يحتاج إلى نية مثل الوضوء مثل الصلاة مثل الصوم، إذا فعلت بدون نية هل يُعتد به؟ لا. أما الشيء الذي لا يحتاج إلى نية، إذا فعلته بدون نية فلا إشكال شرعاً في ذلك، فهذا هو التعبير الصحيح عن هذه القاعدة.
طيب الآن، قوله مثلاً «النية شرط لسائر العمل»، كلمة العمل هنا يا أحبابي الكرام تشمل عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح. كل الأعمال الشرعية تحتاج إلى نية؛ سواء كان عمل قلب كالإخلاص والتقوى والخشوع، كله يحتاج إلى نية. أعمال اللسان تحتاج إلى نية مثل الذكر مثلاً وقراءة القرآن. وكذلك أعمال الجوارح تحتاج إلى نية. فهي قاعدة عامة تشمل أعمال القلوب وأعمال اللسان وأعمال الجوارح.
نعود فنقول: الأمور التي تفتقر صحتها الشرعية إلى نية، إذا فعلت بدون نية لا يُعتد بها شرعاً. كذلك إذا فعلت بنية خاطئة، هذه أضيفها كذلك: إذا فعلت بنية خاطئة لا تصح شرعاً. كيف يمكن أن تفعل بنية خاطئة؟ إنسان في نهار رمضان نوى أن يصوم النفل، قال: والله غداً أنا من رمضان سأصوم نفلاً. هل هذه النية صالحة؟ لا، أفسدت العمل؛ لأن هذه نية في غير محلها، لا يصلح في نهار رمضان أن تنوي نفلاً، فإذا نويت أن تصوم غداً من رمضان على أنه نفل فقد أبطلت عملك. فإذن أنت تحتاج أن تنوي، وأن تكون نيتك أيضاً صحيحة، لا تنوي أي شيء؛ بعض الناس يقول لك يلا بنوي أي شيء، لا، لازم تكون نية صحيحة حتى يُعتد بها.
بالعمل شرعًا، فهذا انتبه له. شخص دخل الظهر، يعطيك مثالًا آخر على نية خاطئة: الآن نحن وقت العشاء، ندخل علينا العشاء، شخص قال: «الله أكبر» ونوي المغرب، تصلح؟ النية خطأ تمامًا. فليست العبرة أن تأتي بأي نية، لا، لازم تأتي بنية وتكون النية صحيحة موافقة للعمل الذي أنت تشرع فيه، فهذا ننتبه له.
الآن كما قلنا، أكثر الفقهاء كيف صاغوا هذه القاعدة؟ ما قالوا النية شرط لسائر العمل زي ما قال السيدي، قالوا القاعدة هي: «الأمور بمقاصدها». يمكن أن نأخذ صياغة أخرى للقاعدة من الحديث النبوي مباشرة، لو قلنا: «إنما الأعمال بالنيات»، أيضًا تصلح صياغة لهذه القاعدة، وأنا أحب هذه الصياغة لأنها حديث نبوي فيه بركة، أليس كذلك؟ فلو عبرت عن قاعدة «الأمور بمقاصدها» بقولك «إنما الأعمال بالنيات»، فهذا أولى وأحرى لأنه لفظ حديث النبي ﷺ.
كان كثير من مشايخنا يفضل أن تصاغ القاعدة بهذا اللفظ: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعناها كما ذكرنا قبل قليل أن الأعمال -كقاعدة تفتقر صحتها الشرعية إلى نية- إذا فعلت بدون نية لا اعتبار بها شرعًا، وكذلك إذا فعلت بنية خاطئة لا اعتبار بها شرعًا. فهذا معنى هذه القاعدة الأولى من القواعد الكلية الكبرى. هو بدأ بقاعدة كما قلنا «الأمور بمقاصدها»، وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى، النية شرط لسائر العمل بها، الصلاح والفساد للعمل؛ إذا كانت صالحة فالعمل صحيح، وإذا كانت فاسدة فالعمل خاطئ.
ننتقل إلى القاعدة التي تليها: الدين مبني على المصالح في جلبها ودرء المفاسد. وننتقل لقاعدة أنا قلت قبل قليل إنها تجمع كل الدين، وهي قاعدة: «الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد». فهنا نكتب إذا القاعدة الثانية. حاول أن ترتب القواعد في دفترك أو في كناشتك مرقمة حتى لا تضيع معنا في النظم. خلص، القاعدة الأولى ما هي مقاصدها وكيف صاغها الشيخ؟ النية شرط لسائر العمل. طبعًا أحبابي بدكم تحفظوها لنتعلمها حتى أراك غدًا وأسمع لك إن شاء الله ويسمح لك الإخوة، فالفكرة أننا نحتاج إلى حفظ حتى نفهم وتبقى هذه القواعد ثابتة.
القاعدة رقم اثنين، هكذا تسجل: قاعدة رقم اثنين تقول: «الشريعة مبنية على جلب المصالح وعلى درء المفاسد»، وكما قال العز بن عبد السلام: «وهذه القاعدة عليها مدار الشريعة». الشريعة، كل أحكامنا من العبادات إلى آخر كتاب القضاء، ما هي إلا جلب لمصلحة أو دفع لمفسدة. والمصلحة ما هي إلا المنفعة، والمفسدة هي المضرة، فكأنما نقول: الدين مبني على جلب المنافع ودرء المضار. يمكن أن تصوغها بهذه الطريقة الأخرى، لكن السؤال المهم: من الذي يحدد أن هذا الشيء منفعة أو ليس منفعة، أو مفسدة أو ليس مفسدة؟
الآن أحبابي الكرام، هل العقل البشري يستطيع أن يدرك كثيرًا من المنافع وكثيرًا من المضار؟ لا يستطيع، كاش إلا يا جماعة. الزنا، الخمر، الربا، تستطيع أن تدرك، لكن لا يستطيع إدراك كل منفعة ولا يستطيع إدراك كل مفسدة، بالتالي بالتأكيد أنت تفتقر إلى الشريعة. ركز معي في الفكرة: العقل لو أدرك كثيرًا من المنافع والمضار، لكن هذا الإدراك لا ينبني عليه ثواب ولا عقاب حتى يأتي الشرع بذلك. حتى لو أدركت المصالح والمفاسد، لا ينبني حكم شرعي حتى تأتي الشريعة بما أدركه العقل ووصل إليه حتى يترتب الثواب والعقاب. فهذه قضية مهمة.
ما هو الدليل على هذه القاعدة؟ لو سألتك ما الدليل على أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد؟ أولًا: وصف الله بأنه حكيم، والحكيم لا بد أن يضع الشيء في مكانه، لا يمكن أن يكون حكيمًا ودينه ليس مبنيًا على جلب المصالح ودرء المفاسد، فوصف الله بالحكمة من أعظم أدلة هذه القاعدة، وكل آية فيها وصف الله بالحكمة فهي دليل على القاعدة أيضًا. ثانيًا: استقراء النصوص الشرعية والعلل الفقهية المذكورة في القرآن؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل، ومن استقراء النصوص وما فيها من العلل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، يدرك أن هذه الشريعة بنيت على جلب المصالح وعلى درء المفاسد. إذًا الدليل على هذه القاعدة كثير، منها وصف الله بالحكمة، ومنها استقراء نصوص الشريعة ومعرفة تصرفات الشارع سبحانه وتعالى.
الآن عندما نقول الشريعة مبنية على جلب المصالح، ما هي مراتب المصالح؟ المصالح من حيث القوة أحبابي تقسم إلى ثلاثة أنواع: المصالح الضرورية، والمصالح الحاجية، والمصالح التحسينية. المصالح الضرورية هي المصالح التي إذا فوتها العبد حدث تلف أو هلاك أو شارف على الهلاك، مثل الطعام لمن شارف على المهلكة، وعدم إقامة الحدود على أصحاب الجرائم؛ كل هذه الأمور الحدود إنما وظيفتها حماية المصالح الضرورية، فيحد الزنا، وحد السرقة، وحد الخمر وما شابه ذلك، وحد المرتد؛ هذه كلها محافظة على الضروريات، وإذا لم تقم فسد دين الناس وشرف الناس على الهلاك أو لم تجرِ حياتهم على نظام مستقيم.
المصالح الحاجية هي التي إذا فاتت تيسرت حياة الناس واستمرت، لكنها تسير بمشقة وعنت، مثل البيوع والعقود عمومًا؛ العقود عمومًا إنما شرعت لتسهيل حياة الناس، ولو لم تكن هناك عقود بيع وشراء وما شابه ذلك، الحياة تستمر لكنها لا تستمر بهدوء وتؤدة. فأعلى أنواع المصالح هي الضروريات، ثم بعد ذلك الحاجيات. والفرق بين الضروريات والحاجيات أن الضرورة شيء إذا فات هلك الناس أو شارفوا على الهلاك أو لم تسر حياتهم بانتظام، أما الحاجة فتسير حياة الناس بفقدها لكن يكون هناك عنت ومشقة في حال فواتها.
التحسينات هي الكماليات، ولا يعني أنها كماليات أنها ليست واجبة؛ فإزالة النجاسة تحسينية لكنها واجبة. وبعض الناس لما يقول تحسين يظن أنه ليس واجبًا، خطأ. تصنيف المصلحة أنها تحسينيات لا يعني أنها ليست واجبة، قد تكون مصلحة تحسينية كمالية لكن الشارع يأمر بها ويريدها، فهذا شيء وهذا شيء.
شيء آخر، إذا فالمصالح تنقسم إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات، وهذا تقسيم للمصالح باعتبار أهميتها.
تنقسم المصالح أيضًا باعتبار نص الشارع عليها إلى: مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح مرسلة. المصلحة المعتبرة هي التي نص الشارع عليها بعينها، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا جَهَادَ النَّفْسِ وَالْغُفْرَانَ﴾ [المائدة: 45] -أو كما في سياق القصاص- كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]؛ فنص الشارع عليها.
المصالح الملغاة هي التي نص الشارع على إهدارها؛ مثل الخمر، فيها منفعة وفيها أموال، لكن هل هذه المنفعة معتبرة؟ لا، فهذه تسمى مصلحة ملغاة.
الثالثة هي المصلحة المرسلة، وهي مصلحة لم ينص الشارع على اعتبارها بعينها، لكن تصرفات الشريعة تليق بها، فهي معتبرة حقيقة من جهة العموم وليس من جهة الخصوص. المصلحة المرسلة يمكن إدراجها تحت المصلحة المعتبرة، لكنها معتبرة اعتبارًا عامًا وليس اعتبارًا خاصًا؛ فالمصلحة المعتبرة نص الشارع عليها بعينها، أما المصلحة المرسلة فنص الشارع على أصول كلية تندرج تحتها.
فهذا تقسيم للمصالح باعتبار ماذا؟ هل هي مصلحة معتبرة أو ملغاة أو مرسلة؟ هو تقسيم لها باعتبار مدى اعتبار الشارع لها أو إهداره لها. فإذا كان التقسيم باعتبار قوتها، فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات. وباعتبار اعتبار الشارع لها أو إلغائها: معتبرة، ومرسلة، وملغاة. فهذه يجب أن تفهمها.
الآن قال: «إذا كان الدين مبنيًا على المصالح في جلبها ودرء المفاسد». هذه هي القاعدة الكبرى، وهناك قواعد ستندرج تحت هذه القاعدة الكبرى، سيبدأ الشيخ السعدي بذكرها: «فإن تزاحمت المصالح، يقدم أعلاها من المصالح».
هذه قاعدة تندرج تحت القاعدة السابقة، وهي قاعدة: إذا تزاحمت المصالح قدمت أعلاها. هذه القاعدة لا تضعها رقم ثلاثة، بل هي مندرجة تحت القاعدة السابقة. ماذا تقول هذه القاعدة؟ إذا تزاحمت المصالح قدم أعلاها؛ أي إذا كان هناك مصلحتان واستطعت الجمع بينهما جمعت، ولكن ما استطعت الجمع بينهما، فإما أن تفوتني هذه أو تفوتني هذه، فافعل المصلحة الأعلى.
مثل ماذا؟ مثلاً شخص بقي له خمس دقائق وسيخرج وقت الظهر، أفيصلي الفرض أم النفل؟ أيهما أعلى؟ وقس على ذلك. إذا تزاحمت المصالح قدم أعلاها. هذه القاعدة تحتاج إلى قيد، وهو: إذا تزاحمت المصالح ولا نستطيع الجمع بينها. إذا استطعت تفعل الجميع، كأن تصلي الفرض والنفل، لكن ما بقي وقت حتى أصلي الفرض والنفل، فأنا محتاج أن أقدم إحدى المصلحتين، فأقدم المصلحة الأهم والأعظم في الشريعة. فالقول لمعيار المفاضلة بين جميع المصالح، أما إذا استطعنا أن نجمع المصالح فعلينا أن نجمع على قدر المستطاع.
ما الدليل على هذه القاعدة؟ من يعطيني آية قرآنية تصلح دليلًا على هذه القاعدة، أنه إذا تزاحمت المصالح يقدم أعلاها؟ أريد شيئًا أوضح من القواعد العامة.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55]. هناك حسن وهناك أحسن، والله أمرك دائمًا باختيار الأحسن في حال عدم قدرتك على تحصيل الحسن والأحسن. فأنت متى تتبع الأحسن؟ إذا لم تستطع أن تجمع بينه وبين الحسن. هكذا قالوا، وهذه الآية تصلح دليلًا على هذه القاعدة.
أمثلة على هذه القاعدة: يقول مثلاً إن الفعل المتعدي نفعه يقدم على الفعل القاصر. كثيرًا ما تكلمنا عنها في مجالسنا؛ الفعل المتعدي يقدم على الفعل القاصر. مثل ما أنتم فيه الآن، تزاحم علينا مجلس العلم مع سنة المغرب، فماذا قدمنا؟ لم نستطع الجمع بسبب الزحام، فقدمنا مجلس العلم؛ لأن نفعه العلمي متعدٍ، وأما سنة المغرب فنفعها لك. هذا الفقه أحبابي الكرام؛ أن تعرف كيف تنزل الأحكام الشرعية. كذلك مثلاً الفرض يقدم على النفل في حالة عدم القدرة على الجمع بينهما في المدة الزمنية المقررة. وهكذا نقول: إذا تزاحمت المصالح ولم يمكن الجمع بينها يقدم أعلاها؛ الفرض يقدم على النفل، والفعل الذي نفعه متعدٍ يقدم على الفعل الذي نفعه خاص.
وعلى ذلك، النقطة التي تليها وضدها: «وتزاحم المفاسد، يرتكب أدناها من المفاسد». هذه قاعدة مقابلة للقاعدة السابقة؛ إذا تزاحمت المفاسد وكان لابد من ارتكاب أحدها، فإنك ترتكب الأدنى. إذا تزاحمت عليك المفاسد ولا بد أن ترتكب إحداها، وليس بمقدورك الهروب من الجميع، فإنك ترتكب أدناها.
وهذه قاعدة عظيمة أحبابي، خاصة في واقعنا المعاصر مع نوازل الأمة، كثيرًا ما يضطر العلماء وطلاب العلم إلى ارتكاب إحدى المفسدتين، فتقول له: «انظر هذا العالم متنازل»، لأنه اختار أن يرتكب أدنى المفسدين في وجهة نظره. فهذه القضية خطيرة جدًا أن تفهمها؛ أحيانًا قد لا تستطيع الهروب من جميع المفاسد فتضطر أن ترتكب أدناها. هذه قاعدة مهمة وعظيمة تندرج تحت القاعدة الكلية الكبرى، وهي: «الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد». يندرج تحتها: إذا تزاحمت المفاسد قدم أخفها. شخص يهددك: «إما أن تقتل فلانًا أو أقتلك»، ماذا تفعل؟ لا يجوز ذلك أن تقتل نفسك، فهذا أخاف من أن تقتل غيرك. هذه لها تطبيقات كثيرة.
من يعطيني دليلًا عليها؟ قبل قليل ذكر أحدكم، أعد على صوتك يا شيخ. ارتكاب أهون الشرين؛ كالسكت عن سب آلهة المشركين دفعًا للمفسدة العظمى وهي سب الذات الإلهية. جميل، أحسنت.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]. كيف تكون هذه الآية دليلًا واضحًا؟ زهوق الروح مفسدة، وأكل الميتة مفسدة، ولكن أيهما أهون؟ أكل الميتة أهون من زهوق النفس، لذلك هذه الآية واضحة في أنك ارتكبت شرًا وهو أكل الميتة دفعًا لمفسدة أعلى وهي زهوق الروح، فهي دليل جلي على هذه القاعدة.
والشرع من أصوله التيسير في كل أمر فيه تعسير. وقبل أن ننتقل لهذه القاعدة الجديدة، هناك بقية قاعدة متعلقة بالقاعدة السابقة لم يذكرها الشيخ، أرجو أن تذكرها، وهي: «إذا تعارضت مصلحة مع مفسدة، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». إذا تعارضت المصالح مع المفاسد وتساوتا في الرتبة، فأيها يقدم؟
يقولون مثالًا: لو أن حمارًا تزوج فرسًا ماذا سينجبان؟ سينجبان بغلاً. هل البغل محرم أم مباح؟ البغل لا يجوز أكله، لماذا؟
نشأ من محرم وحلال فغلب جانب ماذا؟ الحرام. فلذلك حرم الحمار، يجوز أكله، ولا الفرس يجوز أكله، نعم، تزوج إنسان وفرس في عقد زواج بينهم، الحمد لله، ماذا؟ البغل، البغل غلب فيه جانب المفسدة على جانب المصلحة وإن كانوا مستويين، الأب كان محرماً والأم حلالاً أو العكس، نفس الشيء، يقدم دائماً درء المفاسد على جلب المصالح، هذا مثال تطبيقي على هذه القاعدة.
مثلاً، شخص اشتبهت أخته بأجنبية، شخص يريد أن يتزوج فلانة وتطلع هذه فلانة تشبه أخته، في يوم من الأيام باعوا الثنتين في الغرفة، ما عرف من فلانة الأجنبية ومن أخته، هل له أن يتزوج؟ لا، وإن كان الزواج حلالاً، ليه؟ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصلحة، وإن كنت تحبها وتريد أن تتزوجها، خشية أن تقع في نكاح أختك، فقال لا تتزوج واحدة منهما درء للمفسدة، أو لا، جلب مصلحة لك وهي الزواج.
فهذا مثال آخر، من اشتبهت أخته بامرأة أجنبية ولم يستطع أن يفرق بينهما، ممكن طبعاً أن يكون أعمى كمثال، ولم يستطع أن يفرق بينهما، فهذا يترك الزواج، وإن كان الزواج مصلحة، لكن هنا دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، دفع مفسدة أن يقع بأخته مقدم على جلب منفعة الزواج له.
وهذا مثال آخر، إذاً هناك ثلاث قواعد مندرجة تحت قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، ما هي؟ القاعدة الأولى المندرجة تحتها: إذا تزاحمت المصالح ولم يمكن الجمع بينها يقدم أعلاها. القاعدة الثانية: إذا تزاحمت المفاسد ولم نستطع الجمع تركها جميعاً وقدمنا أدناها. القاعدة الثالثة: إذا تزاحمت مصلحة مع مفسدة وتساوت، قدم دفع المفسدة.
فهكذا دائماً نرتب الأمور في عقلك حتى تجد العلم سهلاً ميسراً بإذن الله. طبعاً هو الأصل أن هذه العلوم تحتاج إلى أوقات الشروع وتأخذ أمثلة، لكن نحن كما اتفقنا هذه الدورة تضع لك الخطوط العريضة، ثم أنت تحلق إن شاء الله في الدورات التفصيلية. والشرع من أصوله التيسير في كل أمر، نأبى التعسير.
انتقل الآن إلى القاعدة الكلية الثالثة وهي قاعدة: المشقة تجلب التيسير. أخذنا الأمور بمقاصدها، أخذنا أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، الآن سننطلق إلى القاعدة الكلية الكبرى الثالثة وهي المشقة تجلب التيسير.
ما الدليل على أن الشريعة مبنية على التيسير؟ كم عدد الآيات التي تدل على ذلك؟ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وإيش كمان؟ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وأيضاً ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. الأدلة عندكم كثيرة على هذه القاعدة بالمئات، لذلك هي قاعدة كلية كبرى.
الآن لاحظوا أن الناظم، ترى عبارة جيدة هي القاعدة، أنا لما أعطيتكم إياها قبل قليل، وبعد القواعد الكبرى شو كانت؟ المشقة تجلب، هنا ما عبر بالمشقة، السعدي عبر لماذا بالعسر؟ صح، إيهما أولى أن نعبر بالمشقة ولا بالعسر؟ ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، هل قال لا يريد بكم المشقة؟ لا، مين قال لك المشقة غلط؟ فهناك مشقة زائدة تسمى عسراً، هذه التي نفاها الله، أما أصل المشقة فالتكليف في أصله ماذا؟ مشقة، ولابد أن يكون هناك شيء من المشقة، بدك تقنعني أن الحج ما فيه مشقة؟ في مشقة، وأنت مطلوب وغصباً عنك بدك تحج إذا توفرت عندك القدرات.
فقاعدة أن كل مشقة تجلب التيسير خطأ، تمام، المشقة الزائدة، وهذا ما قصده الفقهاء أصلاً بقولهم المشقة تجلب التيسير، لذلك لو قلنا العسر يجلب التيسير يكون هذا أفضل وأقرب إلى نصوص الشريعة.
الآن مثل ماذا شكل من أشكال العسر الذي يجلب التيسير؟ السفر عسر يجلب ماذا؟ التيسير، المرض، الجنون، الحيض، الإكراه، النسيان، الخطأ، هذه كلها أمثلة على عسر يجلب تيسيراً، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فالسفر ماذا يجلب من صور التيسير؟ إسقاط الصلاة عن الحائض، أحياناً يكون التيسير بالتقليل من العبادة مثل القصر، أحسنت، قصر المسافر، أحياناً يكون التيسير بقلب العبادة إلى عبادة أخرى مثل التيمم بدل الوضوء، أحياناً يكون بالتقديم أو التأخير للعبادة مثل الجمع، مثل أيضاً تعجيل الزكاة لمن أراد أن يعجلها.
فهذه صور كما يقول: التيسير إما الإسقاط، وإما التخفيف، وإما التبديل، وإما التقديم، وإما التأخير. فإذا يا أحبابنا الكرام عرفتم صور التيسير: إسقاط، تخفيف، تبديل، تقديم، تأخير، وعليك أن تحفظ مثالاً على كل واحدة منها.
في ساعة زيادة معي: وليس واجب بلا اقتدار .. ولا محرم مع اضطرار
وننتقل الآن إلى قاعدة أخرى من قواعد هذا الباب، أنا خلاص ما بدي أطول اليوم عليكم، إن شاء الله نكمل هذه القواعد، القواعد هذه سهلة وجميلة وخفيفة ولطيفة، والحمد لله عرفنا مشكلة القاعدة يعني حتى تمشي الأمور بشكل جيد. رضي الله عنكم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمنا يا أرحم الراحمين. نلقاكم غداً على خير بنفس هذه الهمة وهذا الزخم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل