دخولتسجيل الدخول

المجلس الثاني

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله الذي علمه سبحانه، وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حياكم الله جميعًا في مجالس العلم، في المجلس الثاني المبارك، فجّر الله لكم العلم في موسمه الثاني. ونحمده سبحانه وتعالى أن صرفنا بحموده، وأنه لن يشغلنا من شوارع الدنيا، فهو سبحانه وتعالى حياكم الله وبيض وجوهكم.

إنما جمعها ولقاؤها هبتوا أن تتعرفوا الآلهية، وتعلمت العيون بالشرعية، فمن الله سبحانه وتعالى أن يرسل له العلم، ويهيئ له الشغل، وأن يبين له هذا الطريق، فهذا من نعمته سبحانه وتعالى.

اليوم بإذن الله مع الكتاب الثاني: «الشمائل المحمدية» أو شمائل النبي صلى الله عليه وسلم للإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب أجمع الكتب التي تكلمت عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم.

عندما نتكلم عن الشمائل، أي الخصال التي للنبي صلى الله عليه وسلم في خلقه وخُلقه؛ فقد تناولته الكتب من جوانب متعددة. كتبت الكتب تكلمت عن مغازيه، وبعض الكتب تكلمت عن خصائصه صلى الله عليه وسلم التي اختص بها عن الأمم، وتكلمت عن دلائله صلى الله عليه وسلم، ووضعت الكتب واهتمت بجمع الأحاديث التي تتكلم عن شمائله، وهي صفاته الخَلقية والخُلقية.

تناولته الكتب الحديثية من جوانب متعددة: المغازي والسير، والخصائص، والدلائل، والشمائل. تمامًا، أعيدها مرة أخرى: الكتب التي تحدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كتب تكلمت عن السيرة والمغازي، وكتب تكلمت عن الخصائص، وكتب تكلمت عن دلائل النبوة وهي المعجزات، وكتب الشمائل. وكتابنا عن الشمائل، أي عنه صلى الله عليه وسلم خَلقًا وخُلقًا، وهو من أنفع وأعظم الكتب، والإمام الترمذي رحمه الله تعالى عليهم أفضل من صنفه في هذا الباب؛ تعرفونه صاحب الجامع، «الجامع في سنن النبي صلى الله عليه وسلم»، صنف هذا الكتاب في خصائل النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ابتدع العلماء هذا الكتاب مدحًا كثيرًا وشرعوا له شروحًا تدل على عظيم الاحتفاء بما ورد فيه من الأحاديث، ولأن أحاديث هذا الكتاب يغلب عليها الصحة والدقة والجمع والشمولية في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك سنعيش بإذن الله الأيام القادمة ونعلق عليه ونتعرف على الخصائص النبوية. بعد اختيارنا لهذا الكتاب يكون جامعًا بين الحديث والسير؛ يعني أنه أحببنا أن نذكر في هذه الدورة كتابًا في السيرة ليتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأحببنا أن يكون هناك حديث، فهذا الكتاب جمع لنا أمرين بحجر واحد كما نقول، فهو يتكلم عن شيء من سيرته فيما يتعلق بجانب خصال وصفاته، وهو كتاب في الأحاديث النبوية، وبه بركة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا به، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كلما ازددت من خِصاله مَحبةً، ازددت له حُبًا وتعبدًا. وإنما نهتم بالشمائل وبالسيرة ليتعمق حب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففرق بين إنسان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة، وبين إنسان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم بالخصال والسير والشمائل والدلائل.

عليك أن تُكثر من القراءة عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم والقراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من وسائل زيادة المحبة. لا يعظم الفضل إلا بالصدق؛ ولو سألتك هل تستطيع أن تصف لي جسد النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا تستطيع أن تصفه. لو قلت لك: هذا في كحلة وخاتمة ومشي وهندام وملابس، لا تعرف شيئًا عنه، فأي حب هذا؟ وأنت بعيد عن هذه الخصال وهذه الصفات.

هذا الكتاب نافع عظيم، أرجو أن تهتموا به، أن تتعلموه وتدرسوه في المراكز والمساجد؛ لأنه كتاب في الجملة سهل، ويتعلق بجوانب يغفل عنها الكثير من عوام المسلمين. ندعونا نعيش متعة مع الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، عليه صلوات ربي وسلامه، ونسأل الله كما اجتمعنا على حديثه في الدنيا، أن يجمعنا على حوضه الشريف يوم العرض الأكبر، وأن يسقينا ربنا سبحانه وتعالى من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا.

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في خَلق رسول الله صلى الله عليه وسلم». بدأ الباب الأول في ذكر خَلقه، أي هيئته الخَلقية. سيتكلم في هذا الباب عن خَلقه وخُلقه صلى الله عليه وسلم. وبدأ الكلام عن خَلقه، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «كان خَلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته أكمل الصور وأتمها وأجملها، وكانت صورته جامعة للمحاسن، دالة على كماله».

وقال ابن القيم أيضًا: «إن الله سبحانه وتعالى لم يرسل نبيًا إلا وأحسن صورته وهيئته؛ ليكون هذا أدعى لقبول دعوته والاستجابة منه». فبالتالي، عيب على مسلم يموت وهو لا يعرف صفة النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية. بعيد بك أن تزعم أنك طالب علم ولو قيل لك: صفة النبي صلى الله عليه وسلم من وجهه إلى أخمص قدميه، لا تستطيع أن تعطي تصورًا. هذه أهم العلوم، والله أهم من الفلسفة وعلم الكلام والجدليات؛ أن تعرف رسولك ونبيك صلى الله عليه وسلم.

لذلك نحن في هذا الباب سنمر على الأحاديث الواردة فيه، ثم بعد ذلك سنعود معًا لنرتب وصف النبي صلى الله عليه وسلم من رأسه إلى أخمص قدميه على شكل نقاط. نقرأ الباب جملة ونعرف معاني غريب الكلمات، ثم نرتبه معًا من رأسه إلى أخمص قدميه؛ فإني وجدت هذه الطريقة نافعة في تثبيت صورته في نفس الطالب المتلقي.

بسم الله. قال الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، أنه سمعه يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير».

أي ليس بالطويل شديد الطول، فـ«الطويل البائن» هو من اشتد طوله، وقال: «ولا بالقصير». وسياتي معنا أنه ربعة، فما معنى ربعة؟ متوسط، لكنه إلى الطول أقرب. صلى الله عليه وسلم متوسط الطول، لكنه إلى الطول أقرب منه إلى القصر، والمتوسط في اللغة يسمى ربعة من القوم، وسياتي معنا هذا الوصف. قال: «ولا...»

«ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ﷺ، بياض مشرب بالحمرة»، هذا لونه ﷺ، أبيض مشرب بالحمرة؛ لذلك ليس بالأبيض، أي البياض ما يسمى بياض الأعاجم، شدة البياض، فهذا لم يكن من صفته، وإنما على طريقة العرب في البياض: الأبيض المشرب بالحمرة. وقال: «ولا بالآدم»، ليس أبيض ولا آدم، والآدم هو الأسود، إذاً هو ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بالأبيض ولا بالأسود، وإنما كما قلنا، ربعة يميل إلى الطول، وأبيض مشرب بشيء من الحمرة.

«ولا بالجعد القطط ولا بالسبط»، هذان يقرآن مع بعضهما؛ ليس شعره جعداً وليس شعره مسترسلاً، وإنما متوسط، وهو الذي يسمى رجلاً، لم يكن شعره جعداً قططاً، هذا المفلفل تعرفونه، وليس شعره أيضاً سبطاً كشعور النساء، وإنما شعره ﷺ الرجل المتوسط بين الجعود والبسط.

قال: بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، هكذا قال، إنه ﷺ قد مكث ثلاثة عشر عاماً، فقيل إن أنس بن مالك حدث بالكسر، وهذه طريقة بعض العرب؛ خلص ثلاثة عشر أقرب إلى العشرة، مش في هناك تقريب في الرياضيات، قال لك ثلاثة عشر أقرب للعشرة، فقال عشرة، أو أنه لم يحسب الدعوة السرية التي كانت كم سنة؟ ثلاث سنوات، هذا احتمال، لكن المعروف أنه قام بمكة ثلاثة عشر عاماً.

هذه إذاً، قال: فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، وهذا أيضاً إشكال آخر ورد في الحديث أنه قال: وتوفاه الله على رأس... وتوفي ﷺ عمره كم؟ ثلاثة وستون عاماً، فواضح أن أنس بن مالك يحذف الكسور، يحذف الزائد ويضع فقط ألفاظ العقود، هذا هو أفضل ما يقال في فهم هذا الحديث؛ لأن الحديث إسناده صحيح لا غبار عليه، بالتالي يجب أن نفهمه وأن نجد له تأويلاً صحيحاً، فهو ﷺ توفي وعمره ثلاثة وستون عاماً، لكن أنس بن مالك حذف الكسر الزائد.

قال: «وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء»، وسياتي معنا أنه ﷺ شيبه كان قليلاً جداً. قال حدثنا حميد بن مسعدة البصري، قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير»، نفس القضية، هذا يتكلم عن طوله، أنه ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، لكنه إلى الطول أقرب، هذه احفظها.

«حسن الجسم»، حسن الجسم يعني متناسق الأعضاء. «كان شعره ليس بجعد ولا سبط، أسمر اللون»، إذاً بجعد ولا سبط، مرة معنا كيف كان شعره ﷺ؟ رجلاً متوسطاً ليس جعداً ولا... في بعض الأشياء فيها تكرار في الأحاديث، "أسمر اللون" هذه اللفظة اختلف فيها، فالبعض ضعفها، والبعض بأعها وقالوا لم يروها عن أنس بن مالك إلا حميد الطويل، وكل من روى عن أنس بن مالك لون النبي ﷺ فإنه كان أزهر اللون أو أبيض اللون، فهذه اللفظة، وهي أسمر اللون، اللفظة شاذة ليست صحيحة، والبعض حاول أن يجد لها تفسيراً صحيحاً أن السمر هنا مقصود بها البياض المشرب بالحمرة، لكنه تأويل بعيد، وإن أظهر لي والله أعلم أنها لفظة شاذة تفرد بها حميد الطويل عن أنس بن مالك، وكل من نقل عن أنس بن مالك لون النبي ﷺ فإنه كان ماذا؟ أزهر اللون وليس أسمر اللون، ولا عجب أن تكون للفظة تصحفت، قد تكون اللفظة هي أزهر ولكن وقع خطأ من فكتبوها أسمر، يعني لا يوجد فرق كبير في الكتابة، قد تكون خطأ في الكتاب، لكن المهم أنه لم يكن أسمر.

قال: «إذا مشى يتكفأ»، إذا مشى يتكفأ، ما معنى يتكفأ؟ الذي يتكفأ هو الذي يحرك كلا الجانبين، ودلالة المشية القوية ما كان مشيه كسولاً كالناس الضعفاء، بل يحرك كلا جانبيه، إذا مشى هذا معنى أنه يتكفأ، أن يحرك جانبيه، ليس طبعاً هيئة مضطربة كالإنسان المستعجل جداً، لكنها هيئة قوية، والتكفؤ هو الميلان أثناء المشي، دلالة أنك تمشي مشية قوية وليست كسولة.

قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، قال سمعت البراء بن عازم رضي الله تعالى عنه يقول: «كان رسول الله ﷺ رجلاً مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين»، هذا وصف جديد وكبير جداً، كان ﷺ هناك مساحة جيدة بين منكبيه، فلم يكن جسده صغيراً ﷺ.

«عظيم الجُمّة إلى شحمة أذنيه اليسرى»، أحبابنا الكرام، وأحياناً تطلق الجمة ويراد بها الشعر، ثم في الأصل ما هي؟ الجمة هي الشعر الذي يضرب إلى المنكبين، والوفرة هي الشعر الذي يصل إلى شحمة الأذنين، واللمّة هي الشعر الذي تجاوز الأذنين سواء وصل إلى المنكبين أو... ثلاثة ألفاظ أريدك أن تضبطها: الجُمّة هي الشعر الذي يصل إلى المنكبين، الوفرة هي الشعر الذي يكون إلى شحمة الأذن، اللمّة هي الشعر الذي تجاوز شحمة الأذن سواء وصل إلى المنكبين أو... تمام، هذه ثلاثة ألفاظ، لكن أحياناً تطلق الجمة ويراد بها مطلق الشعر، وهنا هذا الذي ورد، فهنا كلمة الجمة في الحديث مراد بها مطلق الشعر بدليل أنه قال: كان عظيم الجمة، أي عظيم الشعر، وشعره هنا في هذا الحديث قال: وصل إلى شحمة أذنيه.

سياتي معنا في أحاديث أخرى أن شعره كان يضرب منكبيه، وهنا اختلف الشراح في معنى اختلاف الأحاديث؛ أن بعض الأحاديث قالت كان شعره ﷺ إلى نصف أذنيه، بعضها إلى شحمة أذنيه، وبعضها قال إلى منكبيه، كيف نجمع بين الأحاديث؟ البعض قال هذا باختلاف الزمان، فأحياناً كان شعره طويلاً ﷺ وأحياناً كان يقصره، البعض قال لا، من قال إلى نصف أذنيه أو إلى شحمة أذنيه وصف الجهة الأمامية، ومن قال إلى منكبيه وصف الجهة الخلفية، فكل وصف مقطع من مقاطعه، فهذه هي طريقة الجمع بين الأحاديث المختلفة في وصف طول شعره، إما أن نقول إنها اختلاف في الأحوال، فأحياناً كان يطول شعره إلى منكبيه وأحياناً يقصر إلى أذنيه، وإما نقول من قال إلى شحمة أذنيه وصف الجهة الأمامية ومن قال إلى منكبيه وصف الجهة الخلفية، وهذا أيضاً جمع به النووي وهو احتمال مقبول أيضاً.

قال رضي الله تعالى عنه: «عليه حلة حمراء»، ما رأيك؟ ليست خماراً.

«يكره للرجل أن يلبس الأحمر الكامل، فلبس صلى الله عليه وسلم حلة حمراء». هذه لا تكون حمراء كاملة، وإنما سميت حمراء لأنها مزركشة بلون أحمر، ولكنها لا تكون حمراء خالصة. الحلة هي ثياب تكون من قطعتين، وليست من قطعة واحدة.

قال رضي الله تعالى عنه: «ما رأيت شيئًا قط أحسن منه» عليه الصلاة والسلام. صوره بأبي هو وأمي، صلوات ربي وسلامه عليه، والحديث صحيح. قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا وكيل، قال حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه قال: «ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء».

لما قلنا اللمة، ما هي؟ الشعر الذي يتجاوز أحد الأذنين، سواء وصل إلى المنكبين أو لا. فالبراء رآه مرة في ماذا؟ وشعره لما قبل قليل نفس الحديث عن البراء، الحديث رقم ثلاثة قال: «عظيم الجمجمة، شحمة أذنيه». هنا ماذا؟ وصفه البراء بأنه ذو لمة، يعني الشعر تجاوز شحمة أذنيه. هذا ليس تعارضًا، وإنما هذا اختلاف في الوقت، اختلاف في الأزمنة، أو اختلاف في دقة النظر. أحيانًا قد يكون السبب ضعف النظر أو قوة الملاحظة، هذا سبب أو أسباب اختلاف الوصف من الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال رضي الله عنهما: «رأيته في حلة حمراء، وأحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يضرب منكبيه». هنا صرح أن الشعر يضرب المنكبين قبل ماذا؟ قال شحمة الأذنين. هنا ماذا قال؟ المنكبين. هذا كما قلنا إما اختلاف أحوال، وإما اختلاف دقة وملاحظة. لكن بما أن الحديث عن صحابي واحد، فالأولى أن يقال إنه من اختلاف الأحوال؛ يعني رآه في السنة الثانية أو الثالثة شعره إلى شحمة أذنيه، ثم في السنة السادسة أو السابعة مثلاً رآه مرة وشعره إلى منكبه، هذا اختلاف في انتشار طوله. لذلك شعره صلى الله عليه وسلم، قال رضي الله عنه: «بعيد ما بين المنكبين». هذه مرتين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل.

ومرت معنا هذه الصفة أيضًا، قال رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هرمز، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير، شأن الكفين والقدمين». شفنا الكفين، أي الغليظ مع لين؛ يعني يده عريضة وليست يدًا صغيرة، يده عريضة وقدمه عريضة، الكف والأصابع لكنها عريضة أو غليظة كما عبر، غليظة مع ماذا؟ لم تكن غليظة ويابسة، غليظة مع ماذا؟ لينة. بعض الناس تجد كفه واسعًا بس تسلم عليه تجد يده ضخمة لكن لينة مثل الإسفنج، طرية وليست يابسة.

قال رضي الله عنهم: «ضخم الرأس، ضخم الكراديس». إنه كان الرسول ليس صغيرًا، وإنما كان رأسه كبيرًا، ضخم الكراديس؛ والكراديس هي المفاصل، مفاصل اليدين والرجلين كانت قوية، وأوضحها وهكذا هم العرب الأقوياء.

قال رضي الله عنهم: «طويل المسرْبَة». والمسرْبَة هو الشعر الذي يكون من الصدر إلى السرة، فصلى الله عليه وسلم كان له شعر يمتد من صدره إلى سرته فقط، كان هناك شعر وشيء خفيف من الشعر أعلى الصدر، ولم يكن هناك شعر آخر على باقي هذه المنطقة. المسرْبَة هو الشعر الذي من الصدر إلى السرة، خط هكذا خط منه صلى الله عليه وسلم، وكان هناك شعر خفيف في منطقة أعلى الصدر.

قال رضي الله عنه: «إذا مشى تكفّ، إنما ينحط منصبّ». التكفّ هو ماذا؟ ذكرناه قبل قليل، ما معناه؟ المشي الذي يتحرك فيه كل الجسد، كأنما ينحط من صبّ، أي كأنما لقوته في المشي كان كأنما ينحدر من جبل، كأنما ينحط من صبّ، أي ينحدر من جبل، كناية عن قوته في المشي، كما قال امرؤ القيس يصف فرسه: «كجلمود صخر حطه السيل من علِ» دلالة على قوته في الجري والقوة.

قال رضي الله عنه: «لم أرَ قبله ولا بعده مثله» صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله: حدثنا سفيان بن وكيع، قال حدثنا أبي، عن المسعودي بهذا الإسناد نحوه بمعناه؛ إذاً هناك حديث في السابق بمعنى ألفاظه متقاربة مع ألفاظ الحديث السابق، هذا سند آخر يقوي السند السابق، فذكر له سنتين ليقوي ثبوت الحديث السابق.

قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن عبد الولي البصري، وعلي بن حجر، وأبو جعفر محمد بن الحسين وهو ابن أبي حليمة، والمعنى واحد، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى غفر، قال حدثني إبراهيم بن محمد بن ولد علي بن أبي طالب، قال: كان علي إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل الممغط ولا بالقصير». يعني ليس طويلًا طولًا فاحشًا، وإنما طوله معتدل كما قلنا، هو ربعة أقرب إلى الطول.

قال: «ولا بالقصير المتردد». القصير المتردد هو القصير المجموع بعضه على بعض، يعني المتكعبل، بعض الناس تجده قصيرًا جسمه داخل في بعضه يعني مضغوط، النبي صلى الله عليه وسلم كان ربعة، وإلى الطول أقرب هكذا ثبتنا. وكان ربعة من القوم. الخلاصة: لم يكن طويلًا ممغطًا ولا قصيرًا مترددًا، وكان ربعة من القوم، هذا كل وصف لطوله صلوات ربي وسلامه عليه.

قال رضي الله عنه: «لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط». كان جعل الرجل كما قلنا ليس بالسبط ولا بالمجعد، وإنما هو الرجل المتوسط في الشعر. قال: «ولم يكن بالمبطن ولا بالمكلثم»، الذي بطنه يتدلى أمامه، ولا بالمكلثم، وكان وجهه تدويرًا. المكلثم هو الذي وجهه دائري تمامًا، النبي صلى الله عليه وسلم كان وجهه فيه دائرية، لكنه ليس تمام الدائرية، ليس دائرة تمامًا، لكن فيه دائرية؛ لذلك قال: «وليس مكلثمًا»، لكن في وجهه تدوير، فهو ليس دائريًا تمامًا، فيه دائرية لكنه ليس تمام التدوير.

قال رضي الله عنه: «وكان في وجهه تدوير، أبيض مشربًا بالحمرة، أدعج». مشربًا بالحمرة؛ لأن هذا هو المقصود، لو جاء في رواية أخرى، لأنها كما عندكم في الحاشية، في رواية أخرى مشرب بالحمرة لعلها سقطت من بعض النسخ، وهذه رواية أخرى الحديث. نعم، قال: «أدعج العينين»، أي عينه واسعة والبؤبؤ كامل السواد، فعينه ما لونها؟ أسود في منطقة البؤبؤ، فهو واسع مع ما دام هذا من أجمل الأوصاف، ولذلك حتى المرأة الحسناء إذا أرادوا أن يصفوها يصفونها بأنها...

أهدب الأشفار، أي طويل أشفار العينين؛ هذه الأشفار هنا كانت طويلة صلى الله عليه وسلم. وقال: «جليل المشاش والكَدَد»، جليل المشاش أي ضخم مفاصل المناكب، والكَدَد هو الكاهل، المنطقة التي في المنتصف، إذا وضعت يدك على ظهرك تجد عظماً في المنتصف، هذه العظمة، وأعظام المنكبين كانت عظيمة عنده صلى الله عليه وسلم لأن جسمه كأجساد العرب.

قال رضي الله عنه: «أجرد ذو مَسربة»، أجرد أي ليس به شعر كثير، مع شيء خفيف من الشعر على الصدر كما سيأتي معنا. وقال رضي الله عنه: «شَفِن الكفين والقدمين»، ما معنى شَفِن؟ أي غليظ مع لين، ليس غليظاً مع يبس، بل غليظ في الحجم لكنه لين في الملمس. وقال: «إذا مشى تقلع كأنما ينحط في صَدَب»، لشدة قوة مشيته صلى الله عليه وسلم ونشاطه وهمته، يتقلع يعني يرفع قدمه كاملة عن الأرض؛ تعرف الشاب الكسول إذا مشى تجده يمسح رجله في الأرض من شدة الكسل، لا، النبي صلى الله عليه وسلم مشيته قوية يرفع رجله هكذا وهكذا. وقبل قليل قال «تَكِفَّ»، فإذا جمعنا «تكفَّ» مع «تقلع»، فـ«تكفَّ» في مد القدم، و«تقلع» في رفع الرجلين، وهذا دلالة على أن مشيته صلى الله عليه وسلم مشية رجل قوي، وليست مشية إنسان كسول أو سمين أو ضعيف البدن.

قال رضي الله عنه: «وإذا التفت التفت معه»، إذا التفت التفت معه، وهذا دلالة على أن جسده متماسك، فإذا التفت هكذا كل جسده يلف معه يميناً أو شمالاً، وهذا يدل على التناسق في الجسد والتكامل فيه. وقال: «بين كتفيه خاتم النبوة»، ويأتي معنى ذكر خاتم النبوة في فصل مستقل.

«هو خاتم النبيين، أجود الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة». هو خاتم الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه. أجود الناس صدراً يعني صدره سليم، وهذا كلام عن صفاته الخلقية، فدخلنا الآن في الصفات الخُلقية؛ أجود الناس صدراً على المسلمين، يرحب بهم ويتحمل الناس وهو صلى الله عليه وسلم قائد هذه المسيرة.

«وأصدق الناس لهجة»، فصاحته عالية جداً صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي جوامع الكلم. «وألينهم عريكة»، عريكة يعني يتعامل مع الناس بسهولة، فلا تكلف ولا رسميات، فالعريكة هي الطبيعة؛ طبيعته في التعامل سهلة صلوات ربي وسلامه عليه. «وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة أحبه، ومن خالطه معرفة أحبه»، إذا رأيته هابة من جلال قدره، لكن إذا تعاملت معه تجده طيباً وسهلاً. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم والعالم غداً إن شاء الله إذا أصبحتم علماء، إياك أن تجعل بينك وبين الناس حواجز، ولا تجعل الإنسان لا يستطيع الوصول إليك إلا بعد عناء، بل كن طبيعياً وتعامل مع الناس بمحبة، وعش مع الناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش معهم، فلست أرفع مقاماً من مقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ طالب العلم يجب أن يكون قريباً من الناس، سهل العريكة في التعامل معهم، يحبهم ويحبونه، ولا يضع رسميات وتكلفات للوصول إليه.

قال رضي الله عنه يقول ناعته: «لم أرَ قبله ولا بعده مثله» صلى الله عليه وسلم وسلامه عليه. قال أبو عيسى رحمه الله: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول: سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي صلى الله عليه وسلم، شرح هذا الحديث السابق الذي أوردناه عن علي، شرح الألفاظ الغريبة فيه؛ نقرأ سريعاً ما ذكره الأصمعي:

قال رحمه الله: «الممغض» الذاهب طوله. وقال: سمعت عربياً يقول في كلامه: «تمغط في نشاء» أي مدها مداً جديداً لما أنت تشده هكذا يتمغط. وقال: «المتردد» الداخل بعضه في بعض. وشرحته قبل قليل فلا أريد أن أعيد استغلالاً للوقت. وقال: «القطط» الشديد الجعود، والرجل الذي في شعره هكذا تشكل، الرجل الذي شعره ليس بالجعد ولا بالسبط (المتوسط) قال: الذي في شعره «حجون» أي تفن قليل، ليس رسلاً ولا جعداً بل متوسط. وقال: «المطهم» في البدن الكثير اللحم، أي السمين، والمكلثم والمدور الوجه، و«المشر» الذي في بياضه حمرة. و«الادعس» الشديد سواد العين، و«الاهدم» الطويل، و«الأشفار» (طويل الأشفار)، و«الكَدَد» مجتمع الكتفين وهو الكاهل، هذه العظمة التي في المنتصف كما ذكرنا قبل قليل.

وال«مسربة» هو الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة. و«الغليظ الأصابع» من الكفين والقدمين. و«التقلع» أن يمشي بقوة، و«الصدب» والحضور نقول انحدر في صَدب. وقوله «جليل المشاش» يريد رؤوس المناكب، و«المشاش» هاتان قطر رؤوس المناكب. وقال: «والعشرة» الصحبة، و«العشير» الصاحب، و«البديهة» المفاجأة، يقال: بَدِهته بأمر فجأته.

حدثنا سفيان قال: حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي أملاه علينا من كتابه، قال: أخبرني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكن أبا هالة، هو زوج خديجة بنت خويلد قبل النبي صلى الله عليه وسلم؛ خديجة كانت متزوجة قبل النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هالة، فهو زوجها السابق الذي مات عنها قبل أن يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت لها أبناء منه، فأبناؤها من أبي هالة يكونون بالنسبة لفاطمة إخوة لها من أمها فقط، فيكونون للحسن والحسين أخوالاً.

قال رحمه الله عن ابن أبي هالة عن الحسن بن علي قال: سألت خالي -يقصد خاله من ابن خديجة، تبع ابن خويلد الذي هو أخو فاطمة من أمها- قال: سألت خالي هندا بن أبي هالة، وكان وصافاً لحلية النبي صلى الله عليه وسلم، دقيق الوصف. طبعاً هذا الحديث أعظم حديث في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه ضعيف عند علماء الحديث، ومع ذلك فإن العلماء الذين تكلموا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يريدونه بدقته في الوصف مع ضعفه في الإسناد. المراد بـ«الحلية» هنا خَلْق النبي صلى الله عليه وسلم، واشتهى أن يصف له منها شيئاً يتعلق به، فقال: أحفظه وأضبطه حتى لا أنسى وصف النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالصحابة كانوا يتشوفون لحفظ خلقه صلى الله عليه وسلم كما يتشوفون لحفظ خَلْقه، وكلاهما مطلوب.

رسول الله ﷺ فخمًا، أي عظيم الصفات في نفسه، وفخمًا أي من رآه فخمَه وعظمه، وهذا معنى فخمًا؛ فخمًا في نفسه، فخمًا أي من جلس معه عظمه وفخمه. قال رضي الله عنه: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.

أطول من المربوع، لذلك قلنا هو إلى الطولي أقرب. قال: وأقصر من المشذّب؛ والمشذّب هو القصير عظيم الهامة، رجل الشعر المشذب الطويل. قال: وأقصر من المجذّب؛ والمجذّب هو طويل القامة جدًا، فهو أطول من المربوع لكنه ليس شديد الطول، فليس طوله شديدًا، فالمشذب هو شديد الطول.

قال: عظيم الرأس، رأسه كبير يتناسق مع حجم جسده وليس الضخامة المنفرة، بل يتناسب مع حجم جسد الإنسان العربي. قال: رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فَرَقها، والعقيق بمعنى الشعر؛ صلى الله عليه وسلم كان إذا كان شعره طويلًا يحاول أن يفرق عقيقته هكذا إلى اليمين وإلى الشمال وهكذا، كانت العرب تفعل؛ فإذا ما استطاع يرسل الشعر إلى الخلف الذي شعره طويل، إما أن يفرقه وإما أن يجمعه إلى الخلف، إن استطاع أن يفرقه فرقه، وما استطاع أرسله إلى الخلف خاصة عندما يقصر حجم الشعر ولا تستطيع تفرقه فتضطر أن ترجعه إلى الخلف.

قال رضي الله عنه: وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذن هو وفره. قال: أزهر اللون، وهذا كلامه أنه لا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذن هو وفره، لكن مر معنا في الأحاديث الصحيحة أنه أحيانًا كان يصل شعره إلى منكبيه. قال: أزهر اللون، وأزهر اللون مر معنا في حديث علي أنه أبيض مشرب بالحمرة، أزهر اللون هي نفس معنى أبيض مشرب بالحمرة صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: واسع الجبين، أي جبينه عريض. قال: أزج الحواجب، أي حواجبه طويلة دقيقة، قال: سوابغ في غير قرن، أي لم تكن حواجبه مقترنة، هذا هو الصح، قال: بينهما عرق يدره الغضب، كان هنا عرق إذا غضب يظهر عليه ﷺ، صلى الله عليه وسلم أنه إذا غضب يظهر هذا العرق ويبان عليه، بعض الناس إذا غضب تخرج شرايينه من مكانها، فصلى الله عليه وسلم كان غضبه لله كما نعلم، إذا غضب هذا العرق الذي هنا يظهر عليه.

قال: أقنى العرنين، والعرنين هو الأنف، والأقنى هو الذي تكون قصبته ليست داخلة إلى الأسفل كما هو الحال في بعض الدول في شرق آسيا، هذه القصبة تكون داخلة إلى الأسفل، أما في الدول العربية فتكون هذه القصبة مرتفعة إلى الأعلى، فهذه صفات العرب، العربي قصبته تكون مرتفعة وليست داخلة إلى الأسفل. قال: له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشأم، أي من لم يتأمل الأنف يظنه هو المرتفع الأرنبة، لكنه لم يكن أشأم الأرنبة بل كان أنفه في هذه المنطقة الأمامية مدببًا إلى الأسفل، ومع ذلك كان مرتفع القصبة، فأنفه مرتفع لكن أرنبته ليست شمّاء بل إلى الأسفل، وهذا أكمل.

قال: كث اللحية، سهل الخدين، إنها كفه صلوات ربي وسلامه عليه، أدعية كبيرة. قال: سهل الخدين أي ليس مقتنزًا، هكذا بعض الناس خدوده لا، هو خدوده سهلة فليس مكتنز اللحم في هذه المنطقة. قال: ضليع الفم أي واسع الفم، فمه ليس صغيرًا. قال: مفلج الأسنان، الظاهر أنه بين الثنية والرباعية هناك فراغ، يوجد هناك فواصل وهذا محمود عند العرب، قد يختلف أطباع الناس في هذا، لكن هكذا العرب يحبون أن يكون الرجل مفلجًا، أي ما بين الثنيتين والرباعيتين يوجد فتحة أو فرجة.

قال: دقيق المسربة، قال: كأنها عنق جدية في صفاء الفضة، دلالة على أنها تبرق، عنقه كاملة مش صغيرة ولا طويلة وتلمع، لذلك قال كإبريق الفضة كما جاء في بعض الروايات دلالة على الصفاء والمعاني التي في عنقه صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: معتدل الخلق، سواء البطن والصدر، هذه جملة واحدة، أن بطنه وصدره سواء، لا يوجد عنده سمنة، يعني ليس بطنه مقدمًا على صدره، هذه منطقة مستوية عنده على سواء واحد. قال: عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، عريض جسمًا، سادة العرب الأقوياء صدر عريض من ما بين المنكبين. قال: ضخم الكراديس، كانت ضخمة المفاصل هنا وهنا وفي الأقدام إلى غير ذلك.

قال: أنور المتجرد، أنور يعني هو أبيض مشرب بالحمرة، هذا معنى أنور مع دلالته على النقاء والصفاء في الجسد. قال: موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، اللي هي المسربة التي ذكرناها. قال: عارف الثديين والبطن مما سوى ذلك ﷺ، مع شيء من الشعر أعلى الصدر خفيف. قال: أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، ذراعاه ومن تباع عليهما ماذا؟ شعر، وأعاد الصدر كما قلنا عليه شعر.

قال: طويل الزندين، أي الذراع طويلة عنده ﷺ. قال: رحب الراحة، أي كفه واسعة. قال: شثن الكفين والقدمين، ومر معنا ما معنى أنه شثن مع لين؟ قال: سائل الأطراف، أي لا يوجد هناك نتوءات أو جعود في أصابعه، بعض الناس يده فيها جعود وحفر، لا، سائل الأطراف أي أطرافه كلها مستقيمة لا يوجد فيها نتوء أو حفر أو مشاكل في الخلقة، شيء طالع شيء نازل في العظام، لا، أطرافه سائلة ﷺ في يديه ورجليه.

قال: خلصان الأخمصين، القدم تعرفون من الأسفل يكون فيها هلال، بعض الناس تكون قدمه مستوية، وبعض الناس قدمه لا، فيها تدور، هو قدمه فيها تدور ﷺ من الأسفل، مسيح القدمين، القدمين أي من الأعلى، وما معنى مسيح؟ أكمل، قال: ينبو عنهما الماء، دلالة على أنه أعلى القدم لا يوجد في المنطقة العلوية من القدم حفر أو جوار، إذا جاء عليها الماء يعلق، قدمه من الأعلى ملساء لو وضعت عليها الماء لا يثبت، دلالة على عدم وجود نتوء أو حفر في قدمه.

قال: إذا زال، يقلع قدميه، يتكلم عن وصف مشيته ﷺ، يقلع قدميه عن الأرض قوة في المشي، قال: يخطو تكتفيًا ويمشي هونًا، ذكرناه كثيرًا، ما عنده تكبر ﷺ أو خيلاء. قال: ذريع المشية واسع الخطوة.

خطواته ليست متقاربة، قال: إذا مشى كأنما ينحط من صدف، وإذا التفت التفت جميع خافض الطرف، خافض الطرف؛ طبيعته صلى الله عليه وسلم أنه لا ينظر يمينا وشمالا في مشيه هكذا، دائما نظره في الأرض تواضعا وأدبا ووقارا.

نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة؛ إذا نظر إلى إنسان لا يحدق فيه، وإنما نظره هكذا سريع، يعني بعض الناس إذا نظر يشيل، لا، صلى الله عليه وسلم نظره الملاحظة خلاص، نظره سريع عن الشيء ويعرض عنه ولا يبقى يحدق في الشيء الذي ينظر فيه.

قال: يسوق أصحابه، ويبدأ أصحابه وإن هو قائد المسيرة أصحابه يكونون خلفه، إذا مشى قال: ويبدأ من لقي بالسلام، وهذا من تواضعه أنه هو الذي يبدأ بالسلام مع أنه عالي، بعض الناس يقول لك أنا وأنا طالب علم لازم أنت تسلم علي يا أخي، النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ من لقيه بالسلام، يعني لا تأخذ مساحة أكبر من حجمك الطبيعي.

قال رحمه الله: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال سمعت جابر بن سمرة يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم، أشكل العين، مهشوف العقب». قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، وهذه مرة معنى أنه كان فمه واسعا وليس فما صغيرا، يعني الفم عند الرجال يستحسن أن يكون واسعا بخلاف النساء يستحسن أن يكون صغيرا، فما يحصل في الرجل لا يحصل في المرأة والعكس.

قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين، شق العين هنا، لكن البعض قال أشكل العين أن بياض العين فيه هكذا، البعض كالقاضي عياض في الشفاء فسر أنه أشكل العين أي بياض عينه فيه ماذا؟ حمرة، هنا في هذا الحديث فسر شكل العين بماذا؟ بطول هذا الشق، فيه نوع من الطول، وما قاله عياض -والله أعلم- من ناحية اللغة.

قال رضي الله عنه: قلت ما مهشوف العقب؟ قال: قليل لحم العقب، هي المنطقة الخلفية من القدم، العقب هي المنطقة الخلفية من القدم، كان لحمها قليلا وليس كثيرا عند صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله: حدثنا عبثر بن القاسم، عن أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة أضحيان وعليه حلة»، ليلة أضحيان أي ليلة مليئة بالضوء، حيث تسمى ليلتها صفتها أنها أضحيان، ما معنى أضحيان؟ مليئة، وأي ليالي الشهر تكون مليئة بالضوء؟ ليلة 15، ليلة اكتمال القمر، فهذا معنى ليلة أضحيان أي في ليلة اكتمل فيها القمر منيرة تماما.

قال رضي الله عنه: عليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلا هو عندي أحسن من القمر، يقارن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القمر، ينظر للقمر، قال: «فوجدته أجمل من القمر» صلوات ربي وسلامه عليه.

قال رحمه الله: حدثنا سفيان بن وكيل، قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرئاسي، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: سأل رجل براء بن عازب رضي الله عنه، وكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف، قال: لا، بل مثل القمر.

الحديث نحتاج إلى تفكير فيه، الرجل قال: هل كان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ ماذا يقصد مثل السيف؟ لماذا؟ البعض قال في لمعانه، هذا وجه وهذا المشتهر عندكم، لكن ابن حجر العسقلاني ذكر احتمالا آخر، مثل السيف ماذا؟ في طوله، البعض قال قصد مثل السيف أنه طويل وليس دائري، والبعض قال لا، مثل السيفي ماذا؟ أجابه قال: «ومثل القمر»، وهو مثل القمر، حيرتنا مثل القمر في الاستدارة أم مثل القمر في ماذا؟ في البريق، تمام، الذي يعني ابن حجر قال هذا محتمل وهذا محتمل، أنه قال مثل السيف في بريقه، قال: لا، بل مثل القمر أي بريقه أعلى من بريق السيف، والبعض قال لا، إنه قصد مثل السيف أنه طويل وجهه هكذا أم هكذا؟ فقال هو ليس هكذا بل دائري، إلى التدوير أقرب منه إلى المطاولة.

قال رحمه الله: حدثنا أبو داود المصاحفي سليمان بن سلمان، قال حدثنا أنضرب بن شميل، عن صالح بن أبي الأخضر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة»، لكنه ليس كمال البياض، مرة معنى أبيض مشرب بالحمرة، فمن قال إنه أبيض باعتبار الأصل لكنه ليس بياضا خالصا.

قال رجل: بياض العرب رجل الشعر. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرني ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عرض علي الأنبياء، فإذا موسى عليه السلام ضرب من الرجال كأنهم رجال شنؤة»، ورأيت الرجال يعني سوى كثير اللحم ولا قليل اللحم، بل هو متوسط اللحم، هذا معنى أن موسى كان ضربا من الرجال ليس كثيرا اللحم، وليس أيضا قليل اللحم، وإنما متوسط كما هو حال رجال أقرب إلى اليمن أو من اليمن هكذا يقولون، صفة رجالهم أنهم عندهم لحم ليس بالكثير ولا بالقليل.

وقيل إن صورته -يعني تشبيه موسى- برجل شنؤة في الصورة والخلقة العامة، طبعا راح تقول لي كيف شكل الرجال الشنؤة؟ بقول لك أنا ما شفتهم، فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شبه موسى برجال شنؤة في الصورة والخلقة، أكيد الصحابة يعرفون من هم رجال شنؤة، أما أنا وأنت لبعدنا عن هذه القبائل قد لا نحسن تصور أشكالهم.

قال صلى الله عليه وسلم: «ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود»، ورأى عيسى يشبه من الصحابة عروة بن مسعود. وهذا آخر صحابي مات على وجه الأرض 110 هجري على خلاف يسير في ذلك، لذلك قال يعني آخر واحد بخيل من الصحابة من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قال قلت صفه لي، قال: «كان أبيض مليحا مقسما»، جميلا مقسما، أي هو وسط معتدل، معتدل في طوله، معتدل في شهره، معتدل في كل أعضاء بدنه صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا معنى مقسما.

قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا إبراهيم وابن المنذر الحزامي، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري، قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم ابن أخي موسى بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن قريب، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفْلج الثنيتين»، أفْلج الثنيتين كما قلنا قبل قليل، طبعا البعض شرحها أفْلج الثنيتين أنما...

بين ثنيته مفتوح، والبعض قال: أفلج الثنيتين، أي ما بين الثنايا والرباعيات مفتوح، ففي خلاف ما معنى أفلج الثنيتين؟ هل ما بين الثنية هنا مفتوح، أم المفتوح ما بين الثنية والرباعية؟ في هذه المنطقة يوجد شيء من الخلاف بين الشهرة. قال رضي الله عنه: «إذا تكلم رُئي النور يخرج من بين ثناياه»؛ يخرج قوله من بين ثناياه، فإن التفلج ما هو بين الثنيتين، قال: «رُئي النور يخرج من بين ثناياه»، فنقول هذا قد يرجح هذا.

هكذا نكون انتهينا من هذا الباب، لكن بدنا نرتب الأفكار فيه، أنت هنا سمعت أوصافاً عديدة بالنسبة لك مبعثرة، الآن تحتاج إلى أن ترتبها في ذهنك. فانصحك الآن أن نمشي خطوة خطوة في وصف النبي ﷺ، نسجل هكذا في دفاترنا أو في كناشاتنا كما تريدون، وصف النبي ﷺ خطوة خطوة، وسنرتب، نبدأ من هنا ونصل إلى ماذا؟ قدميه. دائماً رتب الأفكار حتى تضبطها.

واحد: شعره ﷺ، ماذا ورد في صفة شعره؟ أولاً إنه رجل الشعر ليس بالسبط ولا بالجعد، وإلى أين يصل طول شعره؟ أحياناً إلى شحمة أذنيه، وأحياناً يصل إلى منكبيه، هذا كله ورد في شعره. كيف كان يعامل شعره؟ أحياناً يفرقه إذا افترق، وإذا لم يستطع أن يفرقه أرسله إلى الخلف، فهذه الأوصاف الثلاث التي مرت معنا في صفة شعره.

ننزل من الشعر ونروح للوجه؛ في تفاصيل الجبين، كيف كان جبينه؟ واسع الجبين. رقم ثلاثة: الحواجب، لأنها تحت الجبهة، ما صفة حواجبه؟ أجفل الحواجب، أي دقيقة وطويلة لكن لا يوجد فيها قرن، أي ليست مقترنة. تحت الحواجب ماذا عندنا؟ كيف صفة عينيه؟ ورد أكثر من صفة: أشكل العين، ما معنى أشكل العين؟ بياضها فيه حمرة، وأدعج العين، ما معنى أدعج العين؟ أن يكون سوادها شديداً وعينها واسعة، ويتبع هنا ما يتعلق بأشفارها أنها طويلة الأشفار، فهذه ثلاث صفات تضبطها في عينيه: أشكل العين، أدعج العين، طويل الأشفار. النقطة إذاً هذه الرابعة، اكتبها بشكل نقاط حتى تضبطها، أما هكذا تكتبها وراء بعضها بالضياع.

إذا تكلمنا عن الشعر، نزلنا إلى الجبين، نزلنا إلى الحواجب، نزلنا إلى العين. طيب، بعد العين ننزل إلى أين؟ ما صفة أنفه؟ ماذا قال؟ من يحفظ من الشباب، ذكر «أقنى العرنين»، أي قصبته عالية، وهل هو أشم؟ ليس أشم، بل أنفه مدبب، إلى أرنبته مدببة إلى الأسفل، هذا الذي مر معنا؛ أقنى الأنف أي قصبته مرتفعة مع نزول في الأسفل في منطقة الأرنبة.

ستة: الفم، ماذا ورد في صفة فمه؟ ضليع الفم، وما يتعلق بالثنيتين «أفلج الثنيتين»، وذكرنا الخلاف هل هو فلد في المنتصف أو فلد مع الرباعيات؟ شوف بهذه الطريقة ستحفظ، أما مجرد مرور الأعداد فالضياع، فاحفظ الصفات من أعلى خطوة بخطوة حتى ترتب شكل النبي ﷺ في ذهنك. ليس كمال الاستدارة فيه، فيه تدوير لكنه ليس تمام الاستدارة.

بعد ما خلصنا الوجه، الآن ننزل لوين؟ العنق، كيف كانت عنقه؟ كعنق الظميان، وبعض شبهها بجيب الإبريق الفضي دلالة على اكتمالها وبريقها ولمعانها وعلى اكتمال خلقها. هذه عشرة. بعد ذلك ننزل إلى أين؟ إلى الظهر والصدر. نبدأ بالظهر، كيف كان ظهره؟ بعيد ما بين المنكبين، صحيح، عظيم رؤوس المنكبين، والكاهلان عظيمان.

أما بالنسبة للصدر، فماذا مر معنا في صدره؟ واسع الصدر، هل عليه شعر؟ عريض الصدر وليس كل الصدر، والباقي مسروب، أي شعر من هنا دقيق إلى ماذا؟ إلى سرته، ممتاز. ننظر البقية، هل في صفات الصدر كما قلنا لا يوجد على صدره شعر إلا في أعالي الثديين، عريض الصدر وهناك شعر خفيف في أعلى الثديين.

نذهب إلى البطن، هل هو سمين ﷺ؟ سبحان الله، بل صدره وبطنه سواء، ممتاز هذه النقطة. نذهب إلى يديه، كيف يده؟ نبدأ بهذه المنطقة، كيف يده؟ شثن أي غليظة مع ليونة، وأصابعه فيها سيولة، واسع الراحة، هذه ثلاث أوصاف بدك تحفظها: شثن، واسع الراحة، وأصابعه فيها سيولة. الذراع طويل، الزند طويل، ذراعه فيها طول، هل عليها شعر؟ نعم، أشعر الذراعين والمنكبين، هذه كلها في صفات يده ﷺ.

قدمه، لأنه لم يرد وصف الفخذين ولم يرد وصف الساق، وإنما عرفنا عموماً أن مفاصله عريضة في جميع المناظر، فننزل إلى قدمه مباشرة. رقم 15: القدم مثل اليد، شفنا الأقدام شثنة في الأطراف، هل هو أخمص ولا مستوٍ؟ أخمص، وأما أعلى قدمه كيف؟ مسيح، صحيح، من الأعلى مسيح ومن الأسفل أخمص. وبالنسبة للعقل قلنا كيف وضعها؟ قليل اللحم في العقد، هذه كلها أوصاف عليك أن تضبطها في القدم: شثن، أخمص، مسيح، قليل اللحم في منطقة العقد. هكذا أنت ترتب أفكارك عن النبي ﷺ.

بالنسبة الآن إلى مفاصله، هذه النقطة 16: مفاصله عموماً عريض المفاصل. مختص 17: لونه، خلص، أزهر اللون، يعني أبيض مشرب بالحمرة. نقطة 18: طوله، ربعة، إلى الطول أقرب. 19: مشيته، «تقلع تكفأ كأنما ينحدر من صبب»، تقلع يعني يرفع قدميه، تكفأ يعني يحرك جهتين، ينحدر من صبب دلالة على السرعة والقوة في المشي.

هكذا رتبنا أوصافه ﷺ، شوف الآن اقرأ هذه الأوصاف تجد الأمور عندك واضحة، إذا طبعاً كتبت معي كل شيء ذكرنا ستجد أنك تستطيع الآن أن تتخيل النبي ﷺ وجهاً صدراً جهة قدماً، الأمور هكذا تصبح عندك واضحة ومرتبة.

بسم الله، قال رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في خاتم النبوة»، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، قال حدثنا حاتم ابن إسماعيل، عن مجاهد بن عبد الرحمن، قال سمعت سالم بن زيد رضي الله عنه يقول: ذهبت به خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة.

إن الله وصفه لليهود والنصارى في كتبهم السابقة، لماذا؟ من أوصافه أنه لا يقبل الهدية ويقبل الصدقة، وأن عليه خاتم النبوة، سيأتي معنا قصة سلمان الفارسي لما أراد أن يعرف خاتم النبوة. قال رحمه الله: كيف شكل خاتم النبوة على ظهره صلوات ربي وسلامه؟ قال رحمه الله: «باب ما جاء في خاتم النبوة»، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، قال حدثنا حاتم ابن إسماعيل، عن مجاهد بن عبد الرحمن، قال سمعت سالم ابن زيد رضي الله عنه يقول: ذهبت به خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، يدل على جواز...

تستطيع أن تذهب إلى الصالحين وإلى أهل الخير ليدعوا لك أو لأبنائك بالبركة، وإن كان الأفضل والأكمل في حال الإنسان أن يشتغل هو بالدعاء لنفسه، لكن الذهاب إلى الصالحين وطلب الدعاء منهم مشروع بهذا الحديث.

قال رضي الله عنه: «فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربت من وضوئه». والوضوء بفتح الواو هو الماء المتساقط من أعضاء الوضوء، وله عدة معاني، لكن الوضوء أريد به في هذا الحديث الماء المتساقط من أعضاء الوضوء، وهذا بركة منه ﷺ، وهل بركة من غيره من الصالحين؟ هذه مسألة في آخرها.

قال: «وقمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو...». نظرت إلى الخاتم، خاتم النبوة بين كتفيه، وكما جاء في حديث عبد الله بن سرجس أنه إلى جهة اليسار أقرب منه إلى جهة اليمين، وفي ظاهره لكن ليس في المنتصف، بل أقرب إلى جهة اليسار كما جاء في حديث عبد الله.

قال: «فإذا هو مثل زر الحجلة». الآن تم تشبيه خاتمه الصغير الذي يوضع فيه الأزرار وتغلق عليه بزر الحجلة، أي بالأزرار التي توضع على خيمة العروس، والبعض قال لا، الحجلة هذا طائر يشبه الحمام، فزر الحجلة هو بيضة الحجلة. وماذا بيضة؟ فمعنى زر الحجلة فيه اختلافهم فيما هو معنى الحجلة؛ هل هي خيمة العروس التي كانت تصنع لها ويكون عليها أزرار كهذه الأزرار التي توضع بها ثيابك، أو المراد بالحجلة طير من الطيور وأزراره هي بيضه؟ هذا خلاف، ولعل الثاني أقرب أنه بيض لطائر معين، وقد وصف الخاتم بأنه بيضة الحمام في الحديث اللاحق.

قال رحمه الله: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال حدثني... وهذا وصف، لماذا لحجم خاتم النبوة بهذا الحجم؟ قال حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ غدة حمراء». إذاً خاتم النبوة هو عبارة عن مشايخ، قطعة لحم بارزة في ظهره ﷺ، قطعة لحم بارزة في الجهة اليسرى من منكبه.

قال: «مثل بيضة الحمامة». يعني لونها لون جسده، لأن ما لون جسده؟ مش قلنا أبيض مشرباً بالحمرة؟ فهذا دلالة على أن لونها لا يختلف عن لون الجسد، أبيض مشرب بالحمرة. قال رحمه الله تعالى: «مثل بيضة الحمامة في حجمها».

قال حدثنا أبو مصعب المدني، قال حدثنا يوسف ابن الماجشون، وعن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ... ولو يشاء أن يقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربه لفعل. يقول لسعد بن معاذ يوم مات: «اهتز له عرش الرحمن»، وهذا له دلالة.

إن هذا الحديث فيه إثبات خاتم النبوة وأنه بين كتفيه ﷺ.

البعض قال مثل ماذا؟ بيض الحمامة، وهناك أوصاف أخرى لحجم الخاتم. برايكم ما سبب اختلاف الصحابة في وصف حجم خاتم النبوة؟ أحسنت، اختلاف القرب والبعد، وأحياناً يكون اختلاف دقة الملاحظة. بسبب اختلاف دقة الملاحظة واختلاف القرب والبعد اختلف تقدير الصحابة لحجم الخاتم؛ أنا لما أشوف الخاتم من بعيد ليس مثل ما أشوفه من قريب، فواحد وصفه مثل زر الحجلة، وواحد كبّره وواحد صغّره، على حسب مسافة الرؤية ودقة التوصيف وقوة البصر، وطبعاً ممكن البصر يكون قوياً، أو أحد الصحابة بصره ضعيف، هذا كله محتمل، لذلك تختلف الروايات في مثل هذا الشأن.

قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن عبده الضبي وعلي بن حجر وغير واحد، قالوا حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال حدثني إبراهيم بن محمد بن ولد علي بن أبي طالب، قال: كان علي رضي الله عنه إذا وصف رسول الله ﷺ فذكر الحديث بطوله وقال: «بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين»، قال: «خاتم الأنبياء وعلى ظهره خاتم النبوة». فهمتم ما معنى خاتم النبيين؟ أي هو خاتم الأنبياء، ولذلك جعل الله على ظهره خاتم النبوة.

قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عذرة بن ثابت، قال حدثني عبيد الله بن أحمر اليشكري، قال حدثني أبو زيد عمرو الأنصاري، قال: قال لرسول الله ﷺ: «يا أبا زيد، ادن مني فأمسح ظهري»، فمسحت ظهره فوقعت أصابعي على الخاتم.

يمسح ظهره؛ البعض قال النبي ﷺ علم من حال هذا الرجل أنه يريد رؤية الخاتم، شوف الأسلوب، قالوا: «ادن مني وأمسح ظهري»، لماذا هذا الرجل بالتحديد؟ علم النبي ﷺ من حاله أنه يرغب برؤية الخاتم، قد يكون هذا السبب في تثبيت الإيمان في قلبه، لذلك سمح له أن يمسح الخاتم بيده.

قال رضي الله عنه: «فمسحت ظهره فوقعت أصابعي على الخاتم، قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرات». هنا ما معنى قال الخاتم شعرات؟ قبل قليل قلنا الخاتم إيش؟ غدة لحمية، فما هو السبب؟ قالوا كما قال القاري في شرح الشمائل: الظاهر أن هذا الرجل لم يصل إلى الخاتم، وإنما لمس الشعرات التي على الخاتم ولم يلمس الخاتم بالتحديد، لذلك وصفه بأنه شعرات الخاتم، كان عليه شعرات، هو مسك الشعرات ولم يمسك الغدة، فلذلك عبر عنه بأنه شعرات، وإلا في الحقيقة هي غدة لحمية عليها شيء من الشعر. فهمنا ما السبب؟ هذا التوصيف من هذا الصحابي الكريم أنه لم يمسك الغدة.

قال رحمه الله: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريص الخزاعي، قال حدثنا علي بن حسين بن واق، قال حدثني أبي، قال حدثني عبد الله بن بريدة، قال سمعت أبي بريدة يقول: جاء سلمان الفارسي رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدي رسول الله ﷺ فقال: «يا سلمان، ما هذا؟» فقال: «صدقة»، عليك وعلى أصحابك. أراد أن يختبر صدق النبي ﷺ من خلال الخصال التي أخذها سلمان الراهب النصراني، أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فهذا الاختبار الأول، فقال: «ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة»، فرفعها. فجاء الغضب بمثله، فوضعها بين يدي رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا سلمان؟» فقال: «هدية لك»، فقال رسول الله ﷺ...

صلى الله عليه وسلم لأصحابه، أبسطوا، ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به، وكان لليهود فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنبي ﷺ وإنما ساعده في شراء نفسه، قوله: «فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم» فيه تجوز، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه على شراء نفسه.

وكان سلمان الفارسي عبداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعانه على شراء نفسه من سيده. قال رحمه الله: فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهماً على أن يغرس نخله، فيعمل لما كاتب من أجل الحرية. كاتب على دراهم وعلى غرس، أنه أنا أغرس شجراً وأعطيكم دراهم، فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم في الدراهم، وأعانه على ماذا؟ على أن يجمع غراساً ويزرعه لهم من النخيل لأسيادهم. قال: «على أن يغرس نخلاً فيعمل سلمان فيه حتى تُطعم»، فغرس رسول الله أن يغرس نخلاً ويشتغل عليه حتى يثمر ويدفع دراهم معينة، بعد ذلك يشتري حريته، فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم على الغرس وعلى شراء حريته.

قال: فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل إلا نخلة واحدة غرسها عمر فحملت النخل من عامها ولم تحمل النخلة. قال رسول الله ﷺ لعمر رضي الله عنه: «كل الذي زرع النبي صلى الله عليه وسلم أثمر، عمر زرع شجرة واحدة هي الوحيدة التي لم تثمر». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شأن هذه النخلة؟» فقال عمر: يا رسول الله، إنها غرستها. فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني كل شيء هو غرسوه يثمر، في نخلة ما أثمرت، فعرف أنه ليس هو الذي غرسها، فعمر اعترف قال: أنا الذي غرستها يا رسول الله. قال: فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرسها فحملت من عامها. الشاهد أنه رأى الخاتم، أن سلمان الفارسي رأى خاتم النبوة بين كتفيه، هذا موطن الشاهد من الحديث.

نعم، قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بشر بن الوضاح قال حدثنا أبو عقير دورقي عن أبي نظرة العواقي قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني خاتم النبوة، فقال: «كان في ظهره بضعة ناشزة، بضعة قطعة لحم بارزة»، وهذا موافق لما ورد.

قال: حدثنا أحمد بن المقدام أو الأشعث العجلي البصري قال: أخبرنا محمد عاصم بن الأحوال عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ناس من أصحابه، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد، فألقى الرداء عن ظهره، فرأيته مباشرة، قال: ألقى الرداء عن ظهره، قال: رأيت موضع الخاتم على كتفيه، مثل الشيء المجتمع، قطعة لحم مشتعلة، وعليها شيء مثل ماذا؟ الخال، عليها نقاط سوداء تشبه الخال. الخال أحياناً بعض الوجوه يكون عليها شامات سود. فيقول: الخاتم قطعة لحم مجتمعة عليها نقاط سوداء. والظاهر من الأحاديث السابقة أن عليها أيضاً شيئاً من الشعر. فهذه خلاصة وصف الخاتم: أنه قطعة لحم، لونها لون الجسد، عليها مثل الشام الأسود، وعليها شيء من الشعيرات. هذه خلاصة وصف الخاتم بناءً على الأحاديث السابقة، وأين تقع؟ في الظهر، أقرب إلى جهة اليسار إن شاء الله.

وصف خاتم النبوة، نعم، قال رضي الله عنه: حولها خالان كأنهما تالول. الخال كما قلنا الشام الأسود، تشبه الثآليل التي تطلع على الجسد، لكنها ليست ثآليل، هي خالان تشبهان أحياناً بعض الشامات السود التي تكون عريضة فتشبه الثالولة.

نعم، قال: فرجعت حتى استقبلته فقلت: غفر الله لك يا رسول الله. فقال: «ولك». فقال القوم: واستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «نعم، ولكم»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. قالوا: يعني النبي يستغفر لك؟ فهذا الصحابي قال: نعم، يستغفر لي وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر لكم. طيب أين استغفر النبي لكل الصحابة؟ قال لهم: اقرأوا هذه الآية. ثم تلا هذه الآية، ما هي؟ قالوا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. ما دام الله أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وبالتأكيد استغفر لكم، وهذه من سرعة البديهة عند هذا الصحابي.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبصفات شعره، بابي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. قال: حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن حميد عن أنس بن مالك قال: «كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصف أذنيه». مر معنا الاختلاف في شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا السبب: الاختلاف إما اختلاف الأزمان؛ أحياناً شعره إلى النصف، أحياناً إلى الشحمة، أحياناً ينزل، وإما اختلاف في طريقة التوصيف؛ فمن وصفه من الأمام قال: إلى نصف الأذنين أو الشحمة، ومن وصفه من الخلف وصفه إلى المنكبين، هذا محتمل وهذا محتمل.

قال رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمّة ودون الوفرة». ما معنى الشعر الذي يصل إلى المنكبين؟ معنى فوق الجمّة أنه لم يصل إلى المنكبين، أعلى منها، ودون الوفرة والوفرة هو الشعر الذي يصل إلى شحمة الأذنين. فما معنى قول عائشة إنه فوق الجمّة ودون الوفرة؟ أنه في المنطقة المنتصف، هنا ليس إلى المنكبين وليس إلى الأذنين، بل في المنطقة المنتصف هنا، في هذه المنطقة، وهذا في حال آخر من أحواله صلى الله عليه وسلم.

نعم، قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو قتادة قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن براء بن عازم رضي الله عنه، يدل على جواز اقتصاد الرجل مع زوجته؛ «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم»، دلالة على جواز اقتصاد الرجل مع زوجته. قال رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعاً، بعيداً ما بين المنكبين»، متوسط الطول. نعم، قال: بعيداً ما بين المنكبين، وكانت جمته تضرب شحمة أذنيه، هنا الجمّة بمعنى الشعر وليس بالجمّة بالمعنى الدقيق كما مر، أذنيه، وهذا في بعض الأحيان.

قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن جرير بن حازم قال: حدثني كيف كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لم يكن بالجعد ولا بالسبط، كان يبلغ شعره شحمة أذنيه»، وهذا في بعض الأحيان. قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة...

قال: قدمه وله أربع غدائر، وهذا يدل أنه صلى الله عليه وسلم أحيانا كان يجعل شعره ضفائر كما تفعل النساء، لكن في عرف العرب كان هذا مشهورا عندهم، جعل الضفائر للرجل كان مشهورا؛ لذلك في وقتنا كما قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: يجوز جعل الضفائر إلا إذا كان في زمن من الأزمان شهرة أو فيها مخالفة للمروءة فلا تفعل. لا يأتي شخص في وقتنا هذا يقول أريد أن أجعل ضفائر، فهذا خطأ؛ لأنه إما شهرة أو مخالفة للمروءة. ففعله صلى الله عليه وسلم الخصال لأن عرف زمانه كان يتقبل ذلك من الرجال.

قال رحمه الله: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ثابت البناني، عن أنس رضي الله عنه، أن شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إلى أنصاف أذنين، كان يكون إلى أنصاف الأذن، أحيانا إلى الشحمة، وأحيانا أدنى، وأحيانا للمنقبة. هذه كل اختلاف أحوال، لأن الشعر يطول ويقصر، ويحرقه الإنسان ويتركه على اختلاف أحواله.

قال رحمه الله: حدثنا سعيد بن ناصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقونه. وكان يسدله إلى الخلف لا يفرقه ابتداء، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لا يدع أمره صلى الله عليه وسلم، فكان يحب موافقة أهل الكتاب على حساب الوثنيين، فكان يفعل كاليهود يترك شعره إلى الخلف، ثم أمره الله بمخالفتهم فأصبح يفرق شعره كما يفعل أهل مكة. كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رأسه، ثم أمره الله بمخالفة أهل الكتاب فأصبح يفرق هكذا. قال: ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه.

قال: حدثنا محمد بن هشام، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن نافع المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ، قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم... لدرجة أنه يصبح ماذا؟ له ضفائر.

قال رحمه الله: باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا... إصلاح الشعر وتحسينه، ما هو الترجل؟ إصلاح الشعر وتحسينه ودهنه وتمشيطه. صلى الله عليه وسلم كان يهتم بالجمال، يهتم بماذا؟ بالجمال وتحسين شعره، وهذا من آداب الإسلام وأخلاقه.

قال: حدث أن الزوجة تتحبب إلى زوجها فتبسط شعره، لا إشكال أن زوجتك تمشط لك شعرك، وهذا من الآداب والأخلاق.

قال رحمه الله: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وقيع، قال: حدثنا ربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبي هيثم الرقاشي، على نفس ابن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت خاصته لما يكون كبيراً، وقال: وتسريح لحيته. الاهتمام بالجمال، والاسلام دين جمال وترتيب.

قال: ويكثر القناع حتى كان ثوبه ثوب زيات. يمنع تساقط الزيت على الثوب، إذا صبغت شعرك ماذا؟ بالزيت، مثل كيس أو شيء كانوا يضعونه على الرأس بعد أن يوضع الزيت عليه حتى لا يقع الزيت على الثياب، فكان حريصا صلى الله عليه وسلم على دهن رأسه وشعره، دلالة الاهتمام والاحتفاء به، وأن المسلم لا يكون شعرها هكذا منفوشاً، الله يكرمكم، لا يضبط شعره ويضبط شكله ويضبط لحيته، وهذا كله من أخلاق الإسلام.

قال رحمه الله: حدثنا هناد بن سريج، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي شعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل. أنه إذا انتشط وترجل كان يبدأ بالجهة اليمين، ثم يبدأ بالجهة اليسار، فيفرق إلى اليمين هكذا ثم يمشط إلى اليسار هكذا. أنت اليوم يجوز ما تفرقش، لكن ممكن بعضكم من الطلاب المؤدبين يمشط شعره وهكذا، فماذا يفعل؟ من أين تبدأ؟ هل تفرق شعرك من اليسار؟ لا، تفرق من هنا إلى الاتجاه اليمين، أو تبدأ باليمين؛ يبدأ من اليمين ويفرق إلى اليسار.

قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبّاً. وهذا في حق الرجال، أن الرجال لا يترجل إلا غبّاً؛ ما معنى غبّاً؟ يعني يوماً ويترك يوماً، يفعل ذلك يوماً ويترك يوماً. لماذا؟ حتى لا يكون الرجال كالنساء، مبالغاً في الاهتمام بشعره، لأنه مثل هذا من عادة النساء. فالرجل يدهن ويترجل غبّاً؛ يترجل يعني التسفيط والاستشوار، ليس كل يوم عند الحلاق يريد أن يضبط شعره ويستره، فإن النعم لا تدوم، خلي عندك شيء من الخشونة؛ فلذلك كان ينهى عن الترجل إلا غبّاً، تفعل اليوم وتترك يوماً، حتى لا تصبح كعادة النساء. بعض الشباب اليوم ساعة أمام المرآة يضبط لحيته من هنا ويضبط شعره من هنا، كل شيء، هذا ليس فيه خشونة ولا رجولة في الإنسان أن يكون حاله هكذا طوال الوقت، هذا من شأن النساء.

قال رحمه الله: حدثنا حسن بن عرفة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن أبي خالد، عن أبي العلاء العهودي، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترجل غبّاً.

مر معنا ما معنى؟ قال رحمه الله: باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل شاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا هو السؤال الأول. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا أبو داود، قال: أخبرنا أنس بن مالك، هل خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنما كان شيباً في صدغيه، ولكن أبا بكر خضب بالحناء والكتم.

في هذان هما ماذا؟ الصدقان؛ الشعر الذي يدخل في الجبهة. الصدغان هما الشعران اللذان يدخلان في الجبين. فكان عنده شيء من الشيب هنا، وكما جاء في صحيح مسلم كان عنده أيضاً شيء من الشيب في عنفقته، وهي الشعر التي هنا، ولم يكن شيبه كثيراً صلوات ربي وسلامه عليه، شيء في العنفقة وفي منطقة الصدغين، وشيب قالوا أيضاً في مفرق رأسه في هذه المنطقة، كان عنده شيء من الشيب فقط. قال: ولكن أبا بكر خضب بالحناء والكتم.

النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يخطب؟ هل ستأتي معنا في الباب القادم؟ قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، ماذا قال؟ هل خطب أم لا؟ ماذا قال أنس؟ إذاً هذا مذهب، أنا سأحفظه لي إياه كمان شوي.

أرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمل الحناء، طبعاً الكتم هي نبتة أيضاً يخصب بها، تميل للسواد، فكانوا يضعون الحناء مع الكتم ويصبغون بها مرة واحدة فيخرج الشعر أحمر مائل إلى السواد.

قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا موسى، قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: «ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا أربعة عشر شعرة بيضاء». طبعاً هذا رقم صعب، تعد الشيبات لذلك سترون أنه يعد شعرات قليلة، لكن هو دلالة على ماذا؟ يدل على أنه كان شيئاً قليلاً.

قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال أخبرنا أبو داود، قال حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة وقد سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كان إذا دهن رأسه لم يُرَ منه شيء، وإذا لم يدهن رُئي منه». وهذا دليل أن الدهن كان بحد ذاته يخفي ماذا؟ الشيب، إذا ادهن بالزيت أو ما شابه ذلك؛ هذا بعد ذلك كان يخفي الشيب لقلته.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عمرو بن الوليد الكندي الكوفي، قال حدثنا يحيى بن آدم عن شريك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: «إنما كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من عشرين شعرة». هنا عشرين وهذا شيء معقول، لأنه صعب أن تعدها بالضبط.

قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاقة، حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر: «يا رسول الله، قد شبت؟»، قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وإذا الشمس كورت». يعني بدأ يظهر فيك وليس شيباً كاملاً كما مر معنا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يشب شيباً كاملاً، وإنما شيء في صدغيه، شيء في عنفقته، والشيء في مفرق رأسه فقط.

لماذا ذكر هود والواقعة والمرسلات وإذا الشمس كورت؟ لأن فيها من ذكر أحوال يوم القيامة وما فيها من ذكر أهوال يوم القيامة هذه السور بالتحديد.

قال رحمه الله: حدثنا سفيان بن وكيع، قال حدثنا محمد بن بشر عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: قالوا: «يا رسول الله، نراك قد شبت؟»، قال: «شيبتني هود وأخواتها». وأخواتها هي التي ذكرت في الحديث السابق: ﴿وَالْوَاقِعَةِ﴾، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، ﴿وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.

قال: حدثنا علي بن حجر، قال أنبأنا شعيب بن صفوان عن عبد الملك بن عمير عن إياد بن الحارث عن أبي رمثاء التيمي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي، قال: فأريته، فقلت -أراد أن يحترس من قبيلة تيم، موجودة في قبائل كثيرة، أحياناً بعض العائلات اسمها يتكرر في أكثر من عائلة، بعض الأفخاذ؛ فتيم الرباب أي تيم قبيلة الرباب وليست تيم مثلاً قبيلة في شمال نجد أو جنوب، لا تيم الرباب بالتحديد- قال: فأريته فقلت لما رأيته: «هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أخضر وله شعر...».

قال: بعيداً، النبي صلى الله عليه وسلم فأريته فقلت لما رأيته، قال: «هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم عليه ثوبان أخضر وله شعر قد علاه الشيب وشيبه أحمر». أما دلالة أنه خطب فهي مخالفة لأنس بن مالك، وأما دلالة أنه كان يدهن؛ فمن شدة الدهان كان يقلب شيبه إلى اللون الأحمر، لكن الأظهر أنه كان فيه خضاب، هذا هو الأظهر وليس كما قال أنس بن مالك، وستأتي معنا الروايات الأخرى في قضية خضابه.

قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا سريج بن النعمان، قال حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب قال: قيل لجابر بن سمرة: «كان في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيب؟»، قال: «لم يكن في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم شيب إلا شعرات في مفرق رأسه». إذا الدهن أراه، الدهن كما قلنا كان يخفي هذه الشعرات الشائبة، وقلنا إن شيبه كان في مفرق رأسه، وأين؟ في صدغيه وفي عنفقته.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل النبي صلى الله عليه وسلم حنا شعره أو لم؟ ذلك مسألة خلافية الآن سيبحثها.

قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا عبد الملك بن عمير عن إياد بن الحارث، قال أخبرني أبو رميثة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن لي، فقال: «ابنك هذا؟»، فقلت: «نعم، أشهد به»، قال: «لا يجني عليك ولا تجني عليه». قال: ورأيت إذاً أنت ارتكبت جريمة هو لا يتحمل عواقبها، وإذا هو ارتكب جريمة أنت كأب لا تتحمل عواقبها، بخلاف الثأر في الجاهلية وتلك العادة كانت سيئة، فهذا معنى: لا يجني عليك ولا تجني عليه؛ إذا أنت عملت خطأ ولا يتحمله، وإذا هو عمل خطأ أنت غير مسؤول عنه، كل إنسان يتحمل خطيئة بنفسه.

قال: «ورأيت الشيب أحمر». ورأيت الشيب أحمر، هذه دلالة على ماذا؟ هل خطب أم لا؟ خطب، هذا ظاهر الحديث.

قال أبو عيسى رحمه الله: هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسره، لأن الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له شيب كثير صلى الله عليه وسلم، وإنما كان شيبه قليلاً. وقال: وأبو رمثه اسمه رفاعة بن يثربي التيمي، هذا الصحابي.

قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال حدثنا أبي عن شريك عن عثمان بن موهب، قال: سئل أبو هريرة رضي الله عنه: «هل خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، قال: «نعم». قال أبو عيسى: وروى أبو عوان هذا الحديث عن عثمان بن عبد الله بن موهب فقال عن أم سلمة، فاختلاف في الرواية؛ إذاً أبو هريرة يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خطب أيضاً.

قال: حدثنا إبراهيم بن هارون، قال أنبأنا زرار عن أبي جناب عن إياد بن الحارث، والحديث الأول أثبت أنه نفى الخضاب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي اختلف الصحابة: هل خطب النبي صلى الله عليه وسلم؟

أما أنس، قال لم يغضب، وأبو هريرة وأم سلمة وكثير منهم قالوا بعد غضب، والأصح أنه خطب؛ لأن من وصف ذلك بعضهم من زوجاته، وهذا هو الأصح أنه خطب، لكن خطابه كان قليلاً.

قال رحمه الله: قال حماد وأخبرنا عبد الله بن محمد مقدم على النافي وابن عمر مثبت وأبو هريرة مثبت، كلامهم يقدم على أنس؛ لأن أنس فقط نافع. قال حماد وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك مخضوباً.

قال رحمه الله: باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتحل؟ ننظر في أي الأحاديث. قال حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا أبو داود الطيالسي عن عباد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر».

الإثمد حجر أسود يميل إلى الحمرة، نوع معين من الكحل، حجر أسود معروف في اليمن يميل إلى الحمرة، قال: ﴿فإنه يجلو البصر وينبت الشعر﴾؛ يقوي البصر وينبت الشعر، يعني يزيد شعرك قوة إذا كان شعرك متعباً.

قال: وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة؛ ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه، الثلاثة في هذه العين وثلاثة في هذه عند النوم. أن يكتحل الإنسان ثلاثة في هذه العين وثلاثة في هذه العين، هذا بالنسبة إلى وقت النوم.

قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا إسماعيل عن عباد بن منصور، وحدثنا علي بن حجر قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح له بالإثمد ثلاثاً في كل عين.

وقال يزيد بن هارون في حديثه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثاً في كل عين. قال حدثنا أحمد بن... قال حدثنا محمد بن يزيد عن محمد بن إسحاق عن محمد بن المنذر عن جابر هو ابن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر».

قال حدثنا خطيب بن إسماعيل قال حدثنا بشرب المفضل، لكن يقوي بعضها بعضاً، فلعل الحديث يكون حسناً بالشواهد، إلا أن كلها فيها ضعف؛ حديث أن الإثمد يقوي البصر والشعر كلها فيها مقال، لكن في أسانيد متعددة قد توصل إلى أن يكون حسناً لغيره.

قال رحمه الله: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر». قال حدثنا إبراهيم بن المستمر البصري قال حدثنا أبو عاصم عن عثمان بن عبد الملك عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر».

هل الرجل يكتحل في غير النوم وهو خارج؟ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه يقول: إن الرجل ليس كالمرأة، إذا كان شاباً لا يكتحل، وإذا كان عجوزاً فلا إشكال له أن يكتحل؛ لأن الشاب إذا اكتحل وخرج يكون فتنة للنساء، فلا تكتحل إذا كنت شاباً وتخرج أمام النساء وتقول النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل، الأمر مختلف، أنت معرض أيضاً للفتن.

أفتى أن الشاب لا يكتحل إذا خرج، اجتحد عند النوم لا إشكال، لكن إذا برز للرجال والنساء في الطرقات وفي المراكز والمعاهد فالشاب لا يكتحل، أما الرجل العجوز فلا بأس أن يكتحل لأن الفتنة فيه أخف.

قال رحمه الله: باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم. يجوز أن يفتح الطبيب ذلك، أما أقول إن الاكتحال الذي يكون مقصده التزين والجمال، والاكتحال الذي يكون مقصوده الدواء يجوز للرجال والنساء في أي وقت وحين، في النوم عند النوم وغيرنا دواء، لكن الاكتحال للتزين والجمال هذا الذي ذكر فيه الشيخ ابن عثيمين أن الرجل الشاب لا يكتحل بخلاف العجوز فقد يكتحل، وأما النساء من عادتهن الاكتحال ومن شأنهن ذلك.

قال رحمه الله: حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا فضلة بن موسى وأبو تميلة وزيد بن حباب عن عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة عن أم سلمة قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. القميص هو مثل هذا الثوب الذي نلبسه، يسمى ماذا؟ قميص، قد لا يكون مثل هذه الهيئة بالضبط، يعني الزرارك، نقصد أن القميص ليس القميص كما تعرفونه في عرف بلادنا، لا، القميص الذي كان يحبه صلى الله عليه وسلم وهو مثل هذه الثياب التي تكون من الأعلى إلى الأسفل، ولعله كان يحبها لأنها أخف مؤنة وكانت لا تحتاج إلى أزرار ولا إلى أزار، والرداء بدك تضلك متعهده قصة قصة، لكن القميص خلص دشداشة وما حدا شايفك قول يا رب.

قال رحمه الله: حدثنا علي بن حجر قال حدثنا فضلة بن موسى عن عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة عن أم سلمة قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. قال حدثنا زياد بن أيوب البغدادي، الحب يجعل الدشداشة سنة؟ قلنا وليس حب سنة، أو يعني لا، هذا الحب لا يجعل لبس القميص أو الدشداشة سنة بحد ذاته، قد يكون ميل فطري طبيعي من عاداته وليس تشريعاً للأمة.

قال حدثنا أبو تميلة عن عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه القميص. قال قال هكذا، قال زياد بن أيوب في حديثه عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة، وهكذا روى غير واحد، وأبو تميلة يزيده في هذا الحديث عن أمه وهو أصح.

يعني هناك حديثان: حديث 56 عبد الله بن بريدة عن أمه، وحديث 55 عبد الله بن بريدة مباشرة عن أم سلمة، أيهما أصح؟ الثاني يقول الترمذي الذي هو عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة أصح من الرواية السابقة التي يرويها عبد الله بن بريدة مباشرة عن أم سلمة.

قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن بديل عن ابن ميسرة العقيلي عن شهر...

عن أسماء بنت يزيد قالت: «أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة لنبايعه، وإن قميصه لمطلق، أو قال زر قميصه مطلقًا، فادخلت يدي في جيب قميصه».

وكان جيبه واسعًا؛ والجيب هي المنطقة التي تكون حول العنق، نحن في العرف نقول الجيب هي المنطقة الجانبية، لكن الجيب في القميص هو هذه المنطقة التي تكون حول العنق، وكانت أحيانًا يكون لها أزرار كما هو الحال عندي، وأحيانًا لا يكون لها أزرار. فهنا ماذا قال: «وإن قميصه لمطلق»، أو قال: «زر قميصه مطلقًا»، كان يعني فاتح هذه المنطقة ولم يكن مغلقها، وهذا قد يكون لشعور بشيء من الحر أو ما شابه ذلك، قد يفتح الإنسان أزرار القميص.

قال: «فادخلت يدي في جيب قميصه»، وفي هذه المنطقة -قلنا الجيب بهذه المنطقة- أراد أن يلمس خاتم النبوة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا الخاتم، أي خاتم النبوة؛ قال الجيب واسع مفتوح الزر، فادخل يده هذا الصحابي ولمس خاتم النبي ﷺ.

قال: حدثنا عبده بن حميد، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ على أسامة بن زيد عليه ثوب قطري قد توشح به. فصلى بالدولة التي تعرفونها، لكن قديمًا قطر ماذا كانت؟ كانت تابعة للبحرين، والبحرين كانت تشمل كل منطقة ساحل الخليج العربي، البحرين قديمًا كانت هي المنطقة التي على ساحل الخليج حتى عمان، هذه كانت في دبي وقطر كانت كلها تحت اسم البحرين. فهذه قرية صغيرة اسمها قطر، وهي قطر اليوم التي تعرفونها.

قال رحمه الله: وقال عبده بن حميد، قال محمد بن الفضل: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إليه، فقلت: حدثنا حماد بن سلمة، فقال: «لو كان من كتابك»، فقمت لأخرج كتابه، فقبض على ثوبه.

شوفوا حرص سفيان بن عيينة على العلم، شوفوا حرص سفيان بن عيينة، ذكرها استطرادًا الترمذي ليبين لك حرص العلماء على الكتابة، يخشى أن يفوته العلم ولو في دقيقة واحدة. أعد قراءة القصة وركز فيها؛ قال رحمه الله: وقال عبده بن حميد، قال محمد بن الفضل، لهذه القصة الجميلة: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إليه -شيخ الترمذي يروي عن شيخه محمد بن الفضل الذي رواه عنه- قال: سألني يحيى بن معين عن هذه الحادثة أول ما جلس إليه، مش سفيان عفوا، ذهب يطلب الحديث عند محمد بن الفضل، فيحيى بن معين سأل محمد بن الفضل عن هذا الحديث بالتحديد.

طيب ماذا حدث؟ فقلت: حدثنا حماد بن سلمة، فقال: «لو كان من كتابك»، فمحمد بن الفضل أخذ يقول حماد، فأوقفه أحدهم، قال له: لو سمحت يا شيخ، هل يمكن أن تسمع لي الحديث من كتابك؟ ليه؟ حتى تكون أدق وأثبت حتى لا تسو في رواية الحديث، فماذا قال؟ «لو كان من كتابك»، فقمت لأخرجه حتى تكون روايتك طيب، راح يجيبه كتاب ونسخته مشان يروي منها مباشرة.

قال: «فقمت لأخرج كتابي فقبض على ثوبي»، ثم قال -كأنه تراجع شوي، شوفوا ماذا قال يحيى بن معين، كلمة عظيمة حرص السلف على العلم- قال: «أملِ عليَّ فإني أخاف أن لا ألقاك». هو حتى يروح يجيب كتاب ويرجع، قديش بده خمس دقائق؟ هو خايف أنه يموت قبل أن يسمع هذا الحديث، قال: «أملِ عليَّ»، بعدين روح جيب كتابك، بعدين بترويه مرة أخرى، خمس دقائق خاف أن يفوته الحديث وتنقطع المنية. شوف الحرص على العلم؛ حفظك الله، بعدين يا شيخ روح جيب كتابك وارويه عليَّ مرة أخرى.

العجيب بحرصهم على العلم، قال: «فأمليته عليه ثم أخرجت كتابي فقرأت عليه مرة أخرى».

قال: حدثنا سويد بن ناصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن ياسر الجريري، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوبًا سماه باسمه، عمامة، أو قميصًا، أو رداءً، ثم يقول: «اللهم لك الحمد كما كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له».

إنه دعاء الثوب الجديد هذا، دعاء إذا لبست ثوبًا جديدًا. اللهم صلِ عليه، «وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له»، كيف يكون الثوب له شر؟ إذا لبسته للشهوة أو للخيلاء أو ما شابه ذلك، هذا من شر الثوب.

قال رحمه الله: حدثنا هشام بن يونس الكوفي، قال: حدثنا قاسم بن مالك المزني، عن الجريري، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ نحوه. وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا الحديث السابق، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: «كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه الحبرة»، والحبرة هي ثوب فيه تزيين.

هل في هذا تعارض بين هذا الحديث وحديث: «كان أحب الثياب إلى النبي ﷺ القميص»؟ أحسنتم، العبرة هو وصف وليس نوع ثوب، الحبرة والتزيين، فكان يحب القميص الذي فيه حبرة، هذا لا يتعارض مع حديث سلمة السابق أن أحب الثياب القميص؛ فالقميص نوع ثوب، والحبرة وصف للثوب أنه مزين ومزركش، فهذا شيء وهذا شيء آخر.

قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا سفيان، عن عون بن أبي حنيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه. لا، لأنه ﷺ لم يكن يسبل، وكانت قدمه إلى أنصاف الساقين، وإلا كيف بانت ساقاه؟ هذا دلالة أنه لم يكن يسبل ﷺ. قال سفيان: أراها حبرة، أي هذه الحلة الحمراء أراها حبرة، وهذا دلالة أن الحمرة ليست خالصة وإنما هي خطوط حمراء، وإلا فالأحمر الخالص لا يلبسه الرجل ويكره له أن يلبسه.

قال رحمه الله: حدثنا علي بن خشم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق رضي الله عنه، قال: ما رأيت أحدًا من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ، إن كانت لتضرب قريبًا من منكبيه.

إن شعره أحيانًا كان يصل إلى، ونقل قريبًا دلالة أنه لم يلامس كثيرًا. قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا عبيد الله بن زياد عن أبيه عن أبي رمثاء قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه بردان أخيران». قال حدثنا عبد بن حميدة، قال حدثنا... ليس كامل الخبر، نعم، قال حدثكم أن يلبس الأخضر، لكن هناك حرج أن يلبس الأحمر الخالص، الرجل لا يلبس الأحمر الخالص.

قال حدثنا عبد الله بن حسان العنبري، عن جدتيه دُحيبة وعليبة، عن قيلة بنت مخرومة قالت: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه أسفال مليتان كانتا بزعفران». وقوله "مليتان"؛ يلبس فوق ماذا؟ يعني يقولون من قطعة واحدة، قد يلبسونه فوق الدشداشة أو بالقميص أو شيء من الثياب. وقوله "أسفال"؛ الأسفال هي الثياب الخلقة، يعني كان يلبس مليتين، هذه خلقتين مهتريتين بكثرة لبسه لهما صلوات ربي وسلامه عليه، لكن كما قلنا الملاء ثوب من قطعة واحدة، قالوا عليه أسماء مليتين كانتا بزعفران، مريتين يعني مليتين باليتين، نعم، قال كانت أبي زعفران وقد نفضته. وفي الحديث ما لون الزعفران؟ على الصفار أقرب، صحيح. ثم ذهبت هذه الصفرة لكثرة الاستعمال والاستهلاك، هذا معنى «وقد نفضته»، وإن نفضته؛ الأسمل أين نفضه؟ كثرة الاستعمال والاستهلاك.

نعم، قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا المزعفر -وإن كان بعض أهل العلم كرهه- قال عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالبياض من الثياب». ليلبسها أحياؤكم. السنة أن يلبس الرجل الثياب، ماذا؟ البيض، هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «وكفنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم».

قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن ثمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». البياض من غيرها بخلاف الثياب الداكنة يظهر عليه الوسخ مباشرة، فالأبيض مباشرة تعرف عليه نجاسة ولا لا، لذلك هو أطهر من غيره.

قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زايد، قال حدثنا أبي، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بن شيبة، عن عائشة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات قدحة وعليه مرط من شعر أسود». على المنطقة السفلية يلبس مثل الإزار على المنطقة السفلية، يسمونه مرطًا. قال حدثنا يوسف... قد يكون شعر دابة من الدواب.

قال حدثنا يوسف بن عيسى، قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية ضيقة. الجبة مثل العباءة، تلبس فوق الدشداشة، كانت عنده. أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية ضيقة الكمين، وهذا يدل على جواز لبس لباس الكفار، جبة رومية من بلاد الروم، ضيقة الكمين يعني ما كان أكمامها واسعًا يستطيع إدخال اليد فيه بسهولة. نعم، قال رحمه الله تعالى: وبعضها تكون ضيقة، يعني بالكاد تتسع ليد واحدة، هكذا وصل وصف هذه الجبة، أما كانت ضيقة الكمين بالكاد تتسع ليد واحدة.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعامه. كيف كان طعامه صلى الله عليه وسلم؟ وسياتي إلى هذا الباب بالتفصيل لاحقًا.

قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة رضي الله عنه عليه ثوبان، أي مخططان ومشققان، يعني مخططان ومشققان من كتان، فتمخط فيه أحدهما في أحدهما. طبعًا أنت هنا لا تستقدر، يعني تقول أبو هريرة يتمخط في ثوبه! قديمًا كان هذا الأمر طبيعيًا جدًا، ربما اليوم نحن في أعرافنا صرنا أكثر حياءً للأشياء، لكن هو النبي صلى الله عليه وسلم في عصر عقباء العرب وعادتهم، أنه كان يتمخط في ثوبه، يتمخط في عباءته، ما كان عنده حرج في ذلك. اليوم عليك أن تراعي عرف زمانك، ما كان في زمانها مقبولًا قد يكون في زمانك غير مقبول.

قال رضي الله عنه: «بخ بخ! يتمخط أبو هريرة في الكتان؟». النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله يا أبا هريرة إنها الأمور طفرت، صرت تتمخط في ثياب الكتان؟»، ثياب غالية كانت عندهم. فلان يخبر كيف كان حاله وكيف أصبح حاله، قال: «لقد رأيتني وإني لآخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة مرشيًا عليّ، ما يجدون شيئًا يأكلونه ولا بيتًا يؤويهم، فكانوا يقيمون في الصفة في المسجد».

قال: «فيجيئه الجائع فيضع رجله على عنقي، يظن أنني مجنون وما بي جنون». فالناس لما تشوفه سقط فجأة، واحد أمامك يصلي سقط فجأة، يفقد مصروعًا، يحط رجله على عنق أبي هريرة عشان هو مصروع، ما يعمل حركات لا إرادية. قال: «والله ما أنا مصروع، بس الجوع ذبحني». فهمت معنى قولي؟ قال: «فيجيء الرجل يضع رجله على عنقي يظن أنني مصروع به صرع فيخاف أنني أتفلت الحركات، قال والله ما بي جنون ولا صرع، وإنما الجوع هو الذي أسقطني على جنبي».

قال: وما أبالي جنون، وما هو إلا الجوع. ما مناسبة هذا الحديث لهذا الباب؟ هل هذا الحديث يتكلم عن عيش النبي صلى الله عليه وسلم؟ أحسنت. وماذا يقولون؟ هل يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أكله طيب وأصحابه بهذه الحالة التي يرثى لها؟ فأحوال أصحابه تدل على حاله، لأنه لا يمكن أن يتركهم، فهذا في إشارة ضمنية لحال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من ذكاء الترمذي في هذا الحديث. نعم، يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أكله والله متقدم وأهل الصفة لا يجدون طعامًا يطعمون، فإذا كان هذا حال أصحابه، إذاً حال النبي صلى الله عليه وسلم ليس بعيدًا عن هذا الحال في طعامه.

نعم، قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن مالك بن دينار قال: «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز قط ولا لحم إلا على ضفف». قال مالك: سألت رجلًا من أهل البادية، قال: «إلا أن يتناول مع الناس»، يعني إلا أن يستضاف النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن يشبع من الخبز ولا من اللحم إلا إذا دعي إلى وليمة، عندئذ كان يشبع. وقيل الضفف.

إذا أكل مع الناس، فإنه إذا أكلت أو تناولت، إذا تعدلت الأيدي على الطعام تكون فيه البركة، فيشبع الإنسان أكثر. إلى هذا معنى آخر للدفع.

قال رحمه الله: باب ما جاء في خفي رسول الله ﷺ. حدثنا هناد بن السري، قال حدثنا وقيع، عن دهم بن صالح، عن حجر بن عبد الله، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ خفين أسودين ساذجين لا يوجد عليهما زينة، قال: فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما.

قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثني زكريا بن أبي زائدة، عن الحسن بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: قال المغيرة بن شعبة: أهدى دحية للنبي ﷺ خفين، الذي قلنا إن جبريل كان يأتي على صورته. وقال إسماعيل عن جابر عن عامر، هو نفس الشعب الذي ورد في الحديث. قال: فلبسهما، وفي رواية أخرى: أهدى خفين وجبه، أي هذه رواية زائدة.

قال: لا يدري النبي ﷺ أذكر هما أم لا، نحن قلنا إن الخوف من أي شيء مصنوع من الجلد، فكان لا يعرف هل هما من جلد مذكى يجوز لبسه، أو جلد لا يجوز لبسه. ماذا نستفيد من هذا؟ أن الأصل في ثياب الكفار لا يسأل عن حالها، فإذا عرفت أنها نجسة بعد ذلك تتركها، فليس عليك أن تتبع وتتصل بالسفارات، هل هذا الجلد من أين صنع وما هي المادة المصنوع منها.

الدين سهل، النبي ﷺ كان يلبس خفين من الكفار وما كان يسأل عن المادة المصنوع منها، إلا إذا عرف بعد ذلك يهجرها، وإلا فالأصل لا يسأل هل هو من جلد مدبوغ أو مذكى أو غير مذكى، يلبس كيفما جاء الأمر. وهذا يدل على أن الإنسان لا يوسوس لنفسه في مثل هذه القضايا؛ جاءتك لباس من الخارج، البسها، وبعد ذلك إذا عرفت أنها مصنوعة من مادة محرمة تتركها، لكن هل علي أن أتتبع ابتداء؟ لا، الدين يسر في ذلك.

قال رحمه الله: قال أبو عيسى، وأبو إسحاق هذا هو أبو إسحاق الشيباني، واسمه سليمان، الذي رواه عن الشعبي تلميذ الشعبي.

باب ما جاء في نعل رسول الله ﷺ. قال: أحدنا عن الخف، الخف يلبس في القدم، والنعل يلبس في القدم، فكان من المناسب أن يذكر هذا مع هذا على وجه التتابع.

قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو داود الطيالسي، قال حدثنا همام، عن قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان نعل رسول الله ﷺ؟ قال: «له قبالان». ربما مهما شرحت لك القبال لن تفهم، حتى تفتح عندك على الجوال على صورة؛ النعل القديم عبارة عن قطعتين من الجلد، نحن اليوم نلبس نعل ذات إصبع، التي تكون بين الإبهام والسبابة في القدم، قديماً كان عندهم قبالان، واحد بين الإبهام والسبابة، والثاني بين الوسطى والخنصر.

افتح عندك على الجوال تعرفها، نحن اليوم عندنا الحذاء أو النعل الذي يكون إصبع واحد، قديماً كان فيه إصبعان ويكون قطعتان من الجلد، ربما اليوم حتى بعض البيئات القديمة تجدون فيها ذلك، يكون هناك قطعة بين السبابة والإبهام، وقطعة ثانية قبال آخر بين الوسطى والخنصر، قطعتان من الجلد مشبوكتان بالشراك يربطهما. فالمهم النبي ﷺ كان يلبس هذا النوع من النعال، النعال التي لها قبالان، ليس إصبع واحد بل إصبعين، يدخل في إصبعين من أصابعه بين الإبهام والسبابة وبين الوسطى والتي تليها.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كريم محمد بن العلاقة، حدثنا وقيع، عن سفيان، عن خالد بن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثني شراكهما؛ لأن القبالين يأتيان هكذا ثم يربطان بشراك، يربطان بماذا؟ بشراك، حتى يثبت القبالان، يأتيان من الأصابع ويرتفعان، ويربطان بماذا؟ بشراك، لذلك مثني شراكهما، أي مربوطان معاً في شراك واحد، أو قطعة جلد كانت توضع عليهما لتثبيتهما.

قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال حدثنا عيسى بن قهمان، قال: أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان، أي ليس عليهما شعر، مصنوعان من جلد بقري لا شعر عليه. قال: فحدثني ثابت عن أنس أنهما كانا عليه النبي ﷺ.

قال حدثنا إسحاق بن موسى، قال حدثنا سعيد بن أبي سعيد بن جريج، أنه قال: ابن عمر، رأيتك تلبس النعال السبطية، وهي المصنوعة من جلد بقر الذي لا شعر له، قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. ويتوضأ فيها ويمسح عليها إذا كانت تستر الكعبين.

قال حدثنا إسحاق بن منصور، قال حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن صالح المولى، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ له قبالان. قال حدثنا أحمد، قال حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا سفيان، عن السدي، قال: حدثني من سمع عمرو بن حريص يقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعلين مخصوفتين.

دلالة أنه ﷺ إذا خزقت نعله أو كذا يقصفها ويخيطها مرة أخرى وثانية وثالثة، دلالة شدة الفقر وعدم اكتراثه كثيراً بأمر الدنيا.

قال حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليحفهما جميعاً». لا يجوز للإنسان أن يمشي في فردة من أحد النعلين، أو أحد الجوربين، أو أحد الخفين، كل نفس الحكم؛ لماذا؟ لأن دين الإسلام دين اعتدال وكمال، فينبغي أن تعدل بين القدمين، يا الثنتين حافيات، يا الثنتين لابسات، أما واحدة لابس واحدة غير لابسة لا يجوز، ورد في بعض الأحاديث أنه هكذا يلبس الشيطان، فنحن أيضاً نخالف الشيطان في هذا.

قال حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، نحوه. قال حدث إسحاق بن موسى.

قال حدثنا مع أنّه قال حدثنا مالك عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في واحدة. إذ لا يجوز أن تمشي في معد واحدة أو خف واحد أو جوارب واحدة.

المسلم دائماً يحافظ على الكمال في لباسه، وهي اعتداء من الشريعة؛ تطلب منك الاعتدال، تطلب منك التوسط، وليس من التوسط أن تمشي في قدم حافية.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة عن مالك، وحدثنا إسحاق بن موسى قال حدثنا مالك عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدا باليمين، وإذا نزع فليبدا بالشمال». فلتكن اليمين إذا بدأت؛ تلبس نعلك أو حذائك تبدأ بالقدم اليمنى، وإذا نزعت تبدأ بالقدم اليسرى. قال: فلتكن اليمين أولهما تنعل، وآخرهما تنزع.

قال حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال حدثنا أشعث وابن أبي شعثة عن أبيه عن مسروق عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يحب التيمم ما استطاع». وفي الترجّل يبدأ من اليمين قبل الشمال، وفي التنعّل أن يبدأ بلبس قدمه اليمنى قبل اليسرى، وفي الطهور يبدأ بغسل اليد اليمين قبل الشمال، وغسل الرجل اليمين قبل الشمال؛ فالتيمم مطلوب في أغلب الأعمال كما سيأتي، ومع بعض الأعمال فيها شيء من الاستثناء.

قال حدثنا محمد بن مرزوق أبو عبد الله قال حدثنا عبد الرحمن بن قيس أبو معاوية قال حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: «كان للنعل رسول الله ﷺ قبالان»، وأبو بكر وعمر، وأول من عقد عقداً واحداً عثمان. هذا الحذاء الذي نحن فيه اليوم الذي له فقط عقد واحد، قبال واحد، هذا من أول من لبسه عثمان. وطبعاً إن صح الحديث، فمن الحديث فيه ضعف من ناحية الإسناد. النبي ﷺ كان له قبالان، وأبو بكر كان يلبس النعال التي لها قبالان، وعمر كذلك، أول من أخذ قبالاً واحداً هو عثمان، كان نعله له قبال واحد فقط بين الإبهام والسبابة، وهذا هو المشهور اليوم في بلادنا من يلبس هذا النوع من الأحذية.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في ذكر خاتم رسول الله ﷺ. أليس خاتمه الآن؟ يتكلم في الخاتم الذي يوضع في اليد. قال حدثنا قتيبة بن سعيد وغير واحد عن عبد الله بن وهب عن يونس: الخاتم سنة للرجل أو لا؟ البعض قال لبس الخاتم سنة، لكن القاضي أبا يعلى عندنا في الحنابلة وغيرهم قالوا هو مباح ليس من السنة؛ ففي خلاف هل لبس الخاتم للرجل سنة أو مباح؟ من قبيل المباح.

عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: «كان خاتم النبي ﷺ من وارق»، وكان وارق الفضة، انتبه، وارق بكسر الراء وفتح الواو، والوارق هي الفضة. فكان خاتمه من فضة، وفصه -والفص هو الحجر الذي يكون في منتصف الخاتم- كان حبشياً، أي حجراً من أرض الحبشة.

قال رحمه الله: حدثنا قتيبة قال حدثنا أبو عوان عن أبي بشر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من فضة فكان يختم به ولا يلبسه. هذه الرواية يقولون إنها شاذة لأن الصحيح أن النبي ﷺ كان يلبس خاتم الفضة، والبعض حاول أن يصححها بأن خاتماً آخر غير الخاتم الذي كان يلبسه، لكن عموماً كثير من أهل العلم حكم على هذه الرواية بالشذوذ لأنه قال «ولا يلبسه»، والصحيح أنه كان يلبسه ﷺ.

قال أبو عيسى رحمه الله: أبو بشر اسمه جعفر بن أبي وحشية، قال حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا حفصة بن عمر بن عبيد الطنافسي قال حدثنا زهير وأبو خيثمة عن حميد عن أنس بن مالك قال: «كان خاتم رسول الله ﷺ من فضة فصه». من هذه الرواية، خان الحديث السابق، وكان فصه حبشياً؛ هذه الرواية ما ظاهرها أن فص الخاتم فضي، فاختلفوا هل هو خاتم آخر محتمل؟ وقيل فصه كان فضياً وزينته حبشية، أي لزركشة حبشية، هكذا حاول البعض أن يجمع بين هذا الحديث والحديث السابق، وقد يكون له خاتم، هل يمكن ذلك؟ نعم.

قال رحمه الله: حدث إسحاق بن منصور قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن القتادة عن أنس بن مالك قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم -قيل إلى ملوك الأعاجم، إلى ملك الروم- فلذلك احتاج أن يتخذ خاتماً ليطبع به، قيل له إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم فاصنع خاتماً، فكأني أنظر إلى بياضه في كفه، البياض هو البريق، وجاء في بعض الروايات: «إلى بريقه في كفه». قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدث فضة صافيه، لذلك كان لها بريق واضح.

قال حدثنا محمد بن عبد الله حدثني أبيه عن ثمامة عن أنس بن مالك قال: كان نقش خاتم رسول الله ﷺ: «محمد» في السطر، «رسول» في السطر، و«الله» في السطر. والله سطر، هذا النقش على فص الخاتم: محمد ﷺ في الأعلى، رسول في الأسفل، والسطر الثالث لفظ الجلالة. أظنكم تعرفون صوراً هادئة موجودة على السوشيال ميديا: «محمد رسول الله» ثلاثة أسطر لم تكن بجانب بعضها، السطر الأول محمد ﷺ، الثاني رسول، الثالثة لفظ الجلالة، تحت بعضها البعض، وكان يختم بها الكتب.

قال رحمه الله: حدثنا نصر بن علي الجهضمي أبو عمرو قال حدثنا نوح بن قيس عن خالد بن قيس عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، فقيل له إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم، فصنع رسول الله ﷺ خاتماً حلقته فضة ونقش فيه: «محمد رسول الله».

قال حدثنا إسحاق قال حدثنا سعيد بن عامر والحجاج بن نهار عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه. قال حدث إسحاق، لكن أكثر أهل العلم يعمل به؛ لأن خاتمه ماذا كان منقوشاً عليه؟ لفظ الجلالة، فلا يليق أن ندخل به إلى الخلاء ودورات المياه، لذلك كان يضعه مقابل أن يدخل، وإن كان الحديث فيه ضعف من الناحية الإسنادية.

قال حدثنا عبد الله بن النميري قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله ﷺ...

عليه السلام خاتم من ورق، فكان في يديه، ثم كان في يد أبي بكر ويدي عمر، ثم كان في يدي عثمان حتى وقع في بئر أريس، ونقشه: «محمد رسول الله». هذا خاتم النبوة، وكان يتوارث مع الخلفاء؛ أخذه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، حتى وقع من عثمان، أو من خادم لعثمان أو مساعد، اللي هو الصحابي، في بئر اسمها بئر أريس.

وقيل من لما وقع، بدأت الفتنة؛ من لما وقع خاتم النبوة في البئر وضاع بدأت الفتنة في العالم الإسلامي، سبحان الله. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه. أين يلبس الخاتم؟ هذا باب يختلف عن الباب الآخر؛ الباب الأول كان: هل كان النبي يلبس خاتماً أو لا؟ هذا الباب يتكلم: أين كان يلبسه؟ في يده اليمين ولا في يده اليسار؟ هذا ما عقد له الباب.

وسنلاحظ أن الترمذي ركز على اليد اليمين؛ لأنه يعتقد أن النبي ﷺ كان يلبس الخاتم في يمينه، والصحيح كما ذكر ابن القيم أنه كان يلبسه أحياناً في اليمين وأحياناً في الشمال، لأن الأحاديث الصحيحة وردت أنه لبسه في اليمين ولبسه في الشمال، لكن الترمذي يميل مع الرأي الذي يرجح أنه كان يلبس في اليمين.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي، وعبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرني يحيى بن حسان، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يلبس خاتمه في يمينه. هذا ظهر هذا الحديث، أنه كان يلبس في اليد اليمين.

قال محمد بن يحيى: حدثنا أحمد، الحديث السابق أنه كان يلبس في يمينه، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، قال: رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه، فسألته عن ذلك، فقال: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه، وقال عبد الله بن جعفر: كان رسول الله ﷺ في يمينه.

قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن عبد الله بن جعفر، أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه. قال: حدثنا عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه، ولا يخالفه إلا قال: كان رسول الله ﷺ في يمينه. قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، موسى على سرد الأحاديث التي تتحدث أنه كان يتختم في يمينه.

قال: عن نافع، عن أبي عمر، أن النبي ﷺ كان خاتمه من فضة، ونقش فيه: «محمد» من الداخل، وليس من هذه الجهة، يجعل في العادة تجاهل فصل الخاتم من هذه الجهة، وكان يجعله من الداخل. قال: ونقش فيه «محمد رسول الله»، ونهى أن ينقش أحد عليه.

وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس؛ مر معنا أنه سقط من عثمان، وهنا قال سقط من مين؟ من معيقيب، أحد مساعدي عثمان، المعيقيب هذا هو معيقيب بن أبي فاطمة، وهو صحابي كريم بدري، فاختلفوا: هل هو سقط من معيقيب أو سقط من عثمان؟ لأنه كان مسؤول الخاتم عثمان رضي الله عنه، وضعه مسؤولاً على خاتم النبوة، فلذلك اختلف هل الذي سقط منه الخاتم أو عثمان، والمشهور أنه من عثمان وليس من معيقيب، نعلوا نفسهم في الرواية.

قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما. كان الحسن والحسين في أي اليد؟ اليسار.

قال: حدثنا عبد الله بن عمر، فيه شيء من الانقطاع، هذا حديث فيه شيء عن النبي ﷺ أصلاً، وكلام عن فعل صحابي وليس فعل النبي ﷺ. قال: حدثنا محمد بن عيسى، وهو ابن الطباع، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه.

وقال أبو عيسى رحمه الله: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ نحو هذا، إلا أن بعض أصحاب قتادة رووا عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه كان يتختم في يساره، وهو حديث لا يصح أيضاً.

محمد بن عبيد الله المحاربي، قال عبد العزيز بن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فطرحه ﷺ وقال: «لا ألبسه أبداً». نهى الله بعد ذلك أن يلبس الذهب للرجال، لذلك ترك الذهب واستعمل خاتماً من فضة.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صفة سيف رسول الله ﷺ. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبي، عن قتادة، عن أنس، قال: كانت طبيعة سيف رسول الله ﷺ، الذي يكون أسفل الكف، مش أنت تمسك السيف هكذا، وفي الأسفل فيه شيء مثل دائري أو مثل الثوم، يقولون بارز، هذا الشيء الذي في الأسفل بارز، يسمى ماذا؟ قبيعة، تحت يدك وعلى رأس السيف من أسفل.

هذا النوع يجوز استعمال الذهب والفضة فيه على الصحيح، آلات السلاح كما قال ابن تيمية رحمه الله: يجوز استعمال الذهب والفضة في آلات السلاح بالتحديد للرجال.

قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة. قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن سدران البصري، قال: حدثنا طالب بن حجيري، عنه، وهو ابن عبد الله بن سعد، عن جده، قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة. منكر، لم يثبت أن النبي ﷺ كان على سيفه ذهب زيادة، ذهب ضعيفة، والصحيح أنها كانت فضة فقط. قال طالب: فسألته عن الفضة، فقال: كانت طبيعة السيف فضة. ما معنى القبيعة كما قلنا التي...

تكون على رأس السيف من الأسفل مثل الدائرة. هكذا قال: حدثنا محمد بن شجاع البغدادي، قال حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن عثمان بن سعد، عن ابن سيرين قال: صنعت سيف على سيف سمرة بن جندب، وزعم أنه صنع سيفه على سيف رسول الله ﷺ.

كانت سيوفهم ممدوحة عند العرب بقوتها وحدتها، فقيل إن النبي ﷺ كان يصنع سيفه على طريقة بني حنيفة في صناعة سيوفهم في القوة والحدة.

قال رحمه الله: ذكر عقبة بن مكرم البصرية، قال حدثنا محمد بن بكر -وهذا ما حنفي، مش حنفي، نسبة إلى المذهب الحنفي حتى ما يجيب العيد في الفهمان- قال عن عثمان بن سعد بهذا الإسناد نحوه. قال: باب ما جاء في صفة درع رسول الله ﷺ.

قال حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد، قال حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى، قال: كان على النبي ﷺ أن يلفوا، اضطر النبي ﷺ الصحابة أن ينسحبوا إلى أعلى الجبل، فاحتاج أن يصعد على ظهر صخرة، ما استطاع؛ لأن هناك درعان فوق بعضهما البعض ثقيل، فطرح طلحة، أنزل ظهره فصعد النبي ﷺ على ظهره طلحة.

قال: فنهض إلى الصخرة فلم يستطيع، فأقعد طلحة تحته وصعد النبي ﷺ حتى استوى على الصخرة. قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «أوجب طلحة الجنة»، وقال النبي ﷺ في غزوة أحد: «هذا يوم لطلحة، هذا يوم لطلحة».

قال حدثنا محمد بن أبي عمر، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة بن يزيد، أن رسول الله ﷺ كان عليه يوم أحد درعان قد ظهر بينهما. قال: باب ما جاء، ما معنى ظهر بينهما؟ أي لبس لبسهما فوق بعضهما البعض، وهذا يدل أن هل التوكل على الله ينافي الأخذ بالأسباب؟

هذا لا يدنا في الأخذ بالأسباب، أنك تلبس درعًا وتحمي نفسك، ليس المطلوب أن أتوكل على الله أن أفتح جسدي للعدو يرميه كما شاء، يجوز أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على رب العباد بعد ذلك؛ ها هو النبي ﷺ كان يلبس درعين وليس درعًا واحدًا، يلبس بعضهما فوق بعض، هذا لا ينافي الأخذ بالأسباب.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صفة مغفر رسول الله ﷺ. قال حدثنا قريبة سعيد، قال حدثنا المعرفة التي تلبس على الرأس في المعركة "المغفر". هذه كلها أبواب في وصف أسلحته؛ هذا إلى أبواب كلها في وصف أسلحة النبي ﷺ: نصف السيف، وصف الدرع، وصف الخوذة التي توضع على الرأس.

قال عن ابن شهاب: أن النبي ﷺ دخل مكة وعليه مغفر. فقد له هذا -ابن خطر متعلق- كان له جاريتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ وهو يأمرهما بذلك، فأهدر النبي ﷺ دمه يوم فتح مكة، قال: «اقتلوه ولو رأيتموه» متعلقًا بأستار الكعبة شاتمًا النبي ﷺ، لا توبت له في الدنيا. قال: هذا ابن خطر متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه.

قال حدثنا عيسى بن أحمد، قال حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، قال: فلما نزعه جاءه رجل فقال له -ابن أخطر متعلق بأستار الكعبة- فقال: اقتلوه. قال ابن شهاب: وبلغني أن رسول الله ﷺ لم يكن يومئذ محرمًا، من رأى أنه لا يجب الإحرام لكل من دخل مكة، وهذا رأي سادة الشافعية بخلاف الجمهور. السادة الشافعية رغم أنه لا يجب الإحرام لشخص دخل مكة محاربًا أو تاجرًا، قالوا لا يجب بدليل أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح ولم يحرم، لكن الجمهور يرون أن كل من دخل مكة عليه أن يحرم، تاجرًا محاربًا.

في عمامة رسول الله ﷺ. قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة تحته، وحدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا مقيع عن حمادي بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. هذا يدل أن لون عمامة النبي ﷺ كان أسود، وهذا يدل على جواز لباس العمامة السوداء، وأحيانًا كان يلبس الثوب الأسود، لا إشكال فيه في الجملة.

قال حدثنا ابن أبي عمر، قال حدثنا سفيان، عن المساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريص، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يخطب على المنبر وعليه عمامة سوداء. قال حدثنا محمود بن غيلان ويوسف بن عيسى، قال حدثنا المساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريص، عن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء.

حدثنا هارون إسحاق الهمداني، قال حدثنا يحيى بن محمد المدني، عن عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ إذا اعتمد عمامته إلى لبس العمامة، عمامته لها ذيابات يصدرها بين كتفيه.

عمامته لا ذيابات، وهذه عمائم العرب، إما التي لها ذيابات أو المحنك التي تنزل تحت الحنك مثل قبائل الطوارق إذا ترونهم تكون عمائمهم تحت الحنك؛ فالعمائم التي لها ذيابات على الكتف أو المحنك التي تنزل تحت الحنك. قال نافع: وكان ابن عمر يفعل ذلك.

قال عبيد الله: ورأيت القاسم حبا للنبي ﷺ وليس لأن ذلك مسنون، ابن عمر كان يبول حيث بال النبي ﷺ بشدة حبه لنبيه ﷺ. قال عبيد الله: ورأيت القاسم بن محمد وسالمًا يفعلها بذلك بن أبي بكر.

وننبه على قضية سري فيها سبق لسان البارحة، أن محمد بن أبي بكر لعلي، قلت البارحة عن أمه أسماء بنت عميس، وولدته أصلاً في ذي الحليفة، أما ابن الحنفية هذا فهو ابن علي وليس ابن أبي بكر، يعني سبق لساني أنبه عليه البارحة في قراءتها لكتاب ابن الجوزي، لما قلنا إن ابن الجوزي نسبته إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر، محمد بن أبي بكر من أمه أسماء بنت عميس، أما محمد بن الحنفية هذا مشهور أنه ابن علي بن أبي طالب رحمه الله.

حدثنا يوسف بن عيسى، قال حدثنا، قال حدثنا وهو عبد الرحمن.

عن عكرمة عن ابن عباس: النبي ﷺ خطب الناس وعليه عصابة دسمة تسمى سوداء. واضح أن النبي ﷺ كان يلبس العصائب والعمائم التي لونها أسود.

قال رحمه الله تعالى: باب وما جاء أن العباسيين تجللوا بالسواد. يعني كانوا يحرسون على السواد ويقولون إن هذه كانت عصابة النبي ﷺ.

باب ما جاء في صفة إزار رسول الله ﷺ: تحت السرة إلى أسفل القدم. قال حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال حدثنا... أخرجت إلينا عائشة كساءً ملبداً وإزاراً، كساءً ملبداً غليظاً سميكاً. فقالت: قبض روح رسول الله ﷺ في هذين. قال حدثنا محمود بن غيلان: كانت آخر أنفاس النبي ﷺ في هذا الكساء السميك وفي هذا الإزار الغليظ. وأعطني الشاهد أن إزاره كان غليظاً مصنوعاً من مادة غليظة وليس رقيقاً جداً.

قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو داود عن شعبة عن الأشعث بن سليمان، قال سمعت عمتي تحدث عن عمها عبيد بن خالد، قال: بينما أنا أمشي بالمدينة، سمعت عبيد بن خالد -وهو أحد الصحابة الكرام- شخصاً خلفه يقول له: ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى. سمع عبيد بن خالد شخصاً خلفه يقول له: ارفع إزارك، لا تجعله يجر على الأرض، فإنه أتقى بربك سبحانه وتعالى وأنقى، حتى لا يصيب الثوب أوساخ وقاذورات إذا كان يجر على الأرض.

قال: فإذا هو رسول الله ﷺ، النبي ﷺ كان يمشي خلفهم، فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء. لا يتصور فيه الخيلاء، فالنبي ﷺ كان يطلب منهم دائماً عدم الإسبال إبعاداً له عن الخيلاء. فقال: يا رسول الله، إنها بردة، يعني لا أقصد بها الخيلاء. فقال: «أما لك في أسوتي؟». قال: حتى لو لم أقصد الخيلاء. فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. هكذا كان النبي ﷺ يلبس ثيابه، كانت إلى نصف الساقين، هكذا كانت أزرتهم التي تدل على نفي الخيلاء.

اليوم هذا الإنسان يفعل ذلك، وهذه مسألة فيها خلاف كبير حتى بين المذاهب الفقهية؛ من أراد أن يفعل ذلك لا يجوز أن ننكر عليه تماماً، لكن من لم يفعل ذلك أيضاً، فإن اعتبار عرف الزمان له أثر في مثل هذه المسائل وقضية الشهرة وعدم الشهرة. لكن من أراد أن يفعل ذلك فقد يتشبه بالنبي ﷺ، ومن لم يفعل ذلك هل ينكر عليه؟ الذي يعتقد أنه إذا لم يفعل ذلك فإنه خيلاء لا ينكر عليه، وإذا فعله خيلاء وأنزل ثوبه خيلاء ينكر عليه.

قال رحمه الله: حدثنا سويد بن مسرقة، عن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة، عن إلياس بن سلمة، عن الأكوع، عن أبيه، قال: كان عثمان بن عفان يعتذر إلى أنصاف ساقيه، حتى عثمان كان يلبس إلى أنصاف الساقين، وهكذا كانت أزرة الصحابة، يعني النبي ﷺ.

قال حديث سعيد، قال حدثنا الأحوص عن أبي إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة: «أما المرأة فعليها أن تسبل حتى تستر ظهور قدميها، وترخيه شبراً، وإذا طال ذراعاً». فالإسبال هذا الأكيد للمرأة، أما ترك الإسبال فهو خاص بالرجال.

قال عن حذيفة بن اليمان قال: أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي أوساقه، فقال: «هذا موضع الإزار». (وشك الراوي: أخذ النبي بعضلة أما ساق الصحابي أو ساق النبي ﷺ، اختلف الراوي وشك في الرواية)، فقال: «هذا موضع الإزار»، أن يصل إلى أنصاف الساقين، نفس الفكرة السابقة. قال: «فإن أبيت، فلا يلح الإزار في الكعبين». ما معنى لا يلح الإزار في الكعبين؟ يعني ينبغي الثوب إلى الكعبين قدر المستطاع، فإنه كما جاء في الرواية السابقة أتقى وأنقى، حتى حفاظاً على ثوبك من الأوساخ والقاذورات؛ تمشي في شوارع قد تكون فيها مياه كريحة وأوساخ، فكلما كان ثوبك مرتفعاً عن الأرض حافظت على نظافة الثوب ونقائه.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في مشية رسول الله ﷺ. قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا ابن لهيعة، عن أبي يونس، عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ.

كان الشمس تجري في وجهه شدة الوضاءة والنور الذي ينبعث من الوجه الشريف. وقال: ما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ، كأنما الأرض تطوى له، وكان يتكفأ. وكان يتكفأ في مشيته صلوات ربي وسلامه عليه، كأنما الأرض تطوى له؛ أي يقطع مسافات كبيرة في وقت قصير، وكان لا يجهد نفسه، وأنه غير مكترث.

قال: حدثنا علي بن حجر وغير واحد، قالوا حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى عبده، قال أخبرني إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب، قال: كان علي إذا وصف النبي ﷺ في مشيه، قال: كان إذا مشى يتكفأ كأنما ينحط من صبب. (وعنيت اللفظ: يتكفأ أي رفع قدميه، كأنما ينحدر من جبل).

قال حدثنا سفيان بن وكيل، قال حدثنا أبي، عن المسعودي، عن عثمان بن مسعود، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي ﷺ إذا مشى يتكفأ، كأنما ينحط من صبب.

باب ما جاء في تقنع رسول الله ﷺ. قال حدثنا يوسف بن عيسى، قال حدثنا وكيل، قال حدث الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يكثر القناع. (ومعنى يكثر القناع: يضع شيئاً على رأسه إلى ذقنه حتى لا يتساقط على ثوبه). إن الرجل يجوز له أن يفعل مثل ذلك.

هذا الفعل، نعم، قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن جنس هذا مصدر: هيئة، وفعل: كجلسة، وفعله لهيئة: كجلسة؛ هكذا قال ابن مالك في الألفية.

قال رحمه الله: حدثنا حميد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن حسان، عن جدته، عن قيلة بنت مخرمة، أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد وقرفصاء. قالت: القرفصاء: كثير ربما هو جالس يرفع قدميه هكذا. إذا وضع يديه وضمهما أصبحت الاحتباء؛ إذا وضعت يديك هكذا أصبحت الاحتباء، إذا فقط رفعت قدميك من دون أن تجمعها بيديك يسمى ماذا؟ القرفصاء. ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجَلْسَةِ أَرْعَدَتْ﴾.

إحدى قدميك على الأخرى، هذا هو الصحيح، توازن الاستلقاء في المسجد، وأن تضع إحدى القدمين على الأخرى وأنت مستلقٍ. قال رحمه الله: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم المدني، قال: حدثنا إسحاق الأنصاري، عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد احتبى بيديه». وعرفنا فقط قبل قليل الفرق بين القرفصاء والاحتباء؛ القرفصاء ترفع قدميك بدون أن تجمعهما بيدك، إذا جمعتهما بيديك أصبحت ماذا؟ احتباء، وكلاهما.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في اتكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل كان عليه الصلاة والسلام والاتكاء حقيقة لفظ يشمل عدة أمور كما سيأتي معنا؟ كلمة الاتكاء في عرفنا: الاتكاء هو أن تذهب ذات اليمين أو ذات الشمال حقيقة، حتى جلسة التربع هذه يعني نفعل هكذا تربعا، هذه تسمى اتكاء أيضا عند العرب. فالاتكاء تطلق على أكثر من هيئة، على هذه الجلسة وعلى الذهاب ذات اليمين أو ذات الشمال، يعني نسميه الضجاع كله يسمى اتكاء.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا عباس بن محمد بن دوري البغدادي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرافيل، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة على يساره». الاتكاء هنا بمعنى المشهور، أي مضطجعا على وسادة على جهة اليسار.

قال: حدثنا حميد بن مسعد، قال: حدثنا المفضل، قال: حدثنا الجريبي، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك بالله وعقوق الوالدين». وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا هكذا، لماذا؟ قال: إذا أكل متربعا يأكل كثيرا، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما استوفى أن يضع قدمه هكذا، وطبعا من جهة الأمام حتى يضغط على جانب من المعدة فلا يكون أكله كثيرا. فقيل: لا أكل متكئا أي متربعا حتى لا أشبع، أو لا أكل عفوا كثيرا، وإنما يجلس جلسة المستوفز، يرفع إحدى قدميه حتى يكون جسمه أو معدته محصورة. والبعض قال: لا، معنى لا أكل متكئا هو المشهور؛ لا أكل مضطجعا عن ذات اليمين وذاك الشمال، والسنة حقيقة لم تجلس كما جالس النبي صلى الله عليه وسلم على الطعام، وهي جلسات المستوفز. وأما هنا النهي، هل هو عن التربع أو عن الاتكاء؟ كلاهما محتمل.

قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، قال: سمعته أبا جحيفة يقول: تذكرت شيئا. والبعض فسر الاتكاء بمعنى ثالث؛ البعض فسر الاتكاء بمعنى أن يجلس الإنسان ويتكئ على يده اليسرى إلى الخلف كما يفعل بعضكم عند التعب، تكون جالسا من التعب وتحط يدك وتتكئ عليها. الاتكاء أيضا على اليد اليسرى منه عنه، فهذا تفسير آخر للاتكاء، صار عنده كم تفسير للاتكاء؟ ثلاثة: التربع، والاتكاء على أحد الجنبين، والاتكاء على اليد اليسرى، وكل هذا كما قال ابن القيم منهي عنه حقيقة.

قال: الأكل، يعني المراد عند الأكل، قال سمعت أبا جحيفة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا آكل متكئا». قال: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسرافيل، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة». قال أبو عيسى: لم يذكر وكيع "على يساره"، وهكذا روى غير واحد عن إسرافيل نحو رواية وكيع، ولا نعلم أحدا من الرواة قال "على يساره"، قالوا: "متكئا على وسادة". الآن قبل قليل مر معنا أنه متكئا على وسادة في الحديث الأول في الباب، "متكئا على وسادة على يساره"، في هذه الرواية جاءنا "متكئا على وسادة" ولم يقل زيادة "على جهة اليسار". نعم، قال: ولا نعلم أحدا من الرواة فيه "على يساره" إلا ما رواه إسحاق بن منصور عن إسرافيل، التي هي الرواية الأولى في الباب، التي هي حديث 130، هو الوحيد الذي قال إنه اتكأ على وسادة على يساره. هذه زيادة "على يساره" وردت فقط عند إسحاق بن منصور عن إسرافيل بن يونس، وأما غيرهم فلم يقولوا إنه اتكأ على يساره.

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في اتكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا حماد بن سلمان، عن حميد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكيا، فخرج يتوكأ على أسامة بن زيد وعليه ثوب. بين هذه الترجمة والترجمة السابقة، قبل قليل شو كانت الترجمة؟ "باب ما جاء في اتكاء"، هنا الرواية "اتكاء". شو الفرق بين التكا والاتكاء؟ التكا هذا أثناء الجلوس، الاتكاء أنت واقف تتكئ على شخص آخر، فالباب هذا يتعلق: هل يجوز للإنسان وهو واقف يمشي يتكئ على زميله؟ النبي صلى الله عليه وسلم متوكئا عندما كان مريضا، أما إذا كنت صحيحا فوالله ما في داعي أن تتكأ على غيرك.

قال رحمه الله تعالى: على ما معنى الثوب؟ النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان فيه صداع يعصب رأسه، قالوا تعصيب الرأس ماذا؟ يخفف الصداع. فقال: «يا فضل، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: اشدد بهذه العصابة عصابة رأسي». قال: فاستند صلى الله عليه وسلم، قال: ففعل، ثم قعد فوضع كفه على منكبيه ثم قام فدخل في المسجد، دلالة إيش؟ اتكأ عليه. قال: وفي الحديث قصة، قال رحمه الله: قصة طويلة في الكتب.

قال: باب ما جاء في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم. أذهب الآن إلى أمر آخر من...

شمائله ﷺ في ماذا؟ في تناول الطعام. قال رحمه الله: محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ابن كعب بن مالك، عن أبي به، أن النبي ﷺ كان يلعق أصابعه ثلاثًا. هذه السنة أنك إذا أكلت طعامًا وفرغت منه، وما تبقى من الطعام على أصابعك، تقوم بماذا؟ بلعقه طبعًا.

لماذا يلعق أصابعه؟ قال: ثلاثًا؛ أي ثلاث مرات، ليتاكد من أنه استوفى تمامًا عليها. قال أبو عيسى رحمه الله: وروى غير محمد بن بشار في حقيقة هذا التفسير لبعضهم، لكن البعض يقول إن الحديث ليست هكذا روايته، البعض يقول إن الحديث «يلعق أصابعه الثلاث»، يعني هنا في خلاف في الحديث.

ظاهر هذا الحديث أنه يلعق أصابعه ثلاثًا، ما معنى هذا؟ أنه أول مرة، ثم فعل ثانية، ثم فعل ثالثة. البعض يقول: لا، الرواية المشهورة لهذا الحديث أنه «يلعق أصابعه الثلاث» والتي هي كان يأكل بها، فإنه كان ﷺ يأكل بهذه الأصابع، وليس أنه لعق ثلاثًا. يلعق أصابعه الثلاث؛ لأنه هو كان يأكل في كم إصبع؟ في ثلاثة أصابع، وهذه الرواية حقيقة هي الأشهر.

قال أبو عيسى رحمه الله: وروى غير محمد بن بشار هذا الحديث، قال: «يلعق أصابعه الثلاث»، رواية أخرى «يلعق أصابعه الثلاث»، تختلف لفظة واحدة تعطيك معنى مختلفًا. قال: حدثنا حسن، أنه علي الخلال قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أحمد، ثابته على ناس، قال: كان النبي ﷺ إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث.

قال: حدثنا حسين بن علي بن يزيد الصدائي البغدادي، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، عن الحضرمي، قال: حدثنا شعبة، عن سفيان الثوري، عن علي الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال النبي ﷺ: «أما أنا فلا آكل متكئًا». قال: تحتمل المعاني الثلاث، يعني لا آكل متربعًا، لا آكل مضجعًا، لا آكل وأنا أتكئ على يدي اليسرى.

قال: يجوز حملها على المعاني الثلاث، وهذه قاعدة أصولية، واللفظ المشترك هل يجوز حمله على كافة معانيه مرة واحدة؟ الصحيح عند كثير من الأصوليين أنه يجوز حمل اللفظ المشترك على كافة معانيه.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، نحوه الحديث السابق؛ أنه لم يكن متكئًا. كان رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، هذه السنة قديمًا ما كان عندهم ملاعق، في اليوم ملعقة والأمور طيبة، لكن أيام العرب الأمور سهلة، أي شيء يدخل مباشرة بأصابعه الثلاث.

والبعض قال: إذا أكل المرء بالملعقة هل يستحب أن يمسكها بأصابعه الثلاث؟ هذا بعضهم قال، يعني قاس، نعم أنه يستحب أن يمسكها بأصابعه الثلاث حتى يحافظ على قضية الثلاثة أصابع.

قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا فضل بن دكين، قال: حدثنا مالك، يقول: أوتي يا رسول الله ﷺ بتمر، فرأيته يأكل وهو مقعٍ من الجوع. «المقع» هو أن يجلس على الأعقاب، وهذه أحياناً نجلسها البعض في الصلاة، المقع هو أن تجلس على عقبيك، وهي جلسة ليست مستريحة، البعض ممكن الجلسة في التشهد الأوسط، المقع هو أن يجلس على العقبين، وهذه تسمى الإقعاء وهي جلسة غير مستريح فيها الإنسان.

أكل السريع من الجوع، هل هو من الجوع؟ يعني مستعجل ﷺ لشدة جوعه، ما تمكن في جلسته، أكل وهو مقع من شدة الجوع ﷺ.

قال: باب ما جاء في صفة خبز رسول الله ﷺ الذي كان يأكله. كتاب جامع ولطيف حقيقة هذه الشرائع. قال: حدثنا محمد بن مثنى ومحمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث عن الأسود بن يزيد، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين».

ماذا كان يأكلون؟ الخبز، أساسًا كانوا يأكلون الخبز المصنوع من الشعير، هذا موطن يشاهد، قال: حتى قبض رسول الله ﷺ. هل كان النبي ﷺ يستطيع أن يكون غنيًا؟ إذاً هذه الصفة ليست لأن الله سبحانه وتعالى حرمه، النبي ﷺ مخير بين خزائن الأرض وبين أن يعيش في هذه الصورة، فهو اختار أن يعيش هذه الصورة ليكون قدوة للفقراء، مع أنه كان بإمكانه أن يدعو الله بالغنى ويستجيب الله تعالى له، أراد أن يعيش هذه الصورة باختياره وليس باضطراره ليكون قدوة وأسوة لكل شخص جائع، لكل شخص فقير، لكل شخص لا يجد ما يأكل، وزهد في الدنيا وطمعًا في الآخرة صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، قال: حدثنا حريز بن عثمان، عن سليم بن عامر، قال: سمعت أباه، إمام الباهري يقول: «ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشعير».

قال حديث عبد الله: بعض الشباب إذا والدته لم تطبخ له يومًا من الأيام، كان يوم مصيبة عنده وإشكال وخلاف. ترى إخواني، الأمر سهل جدًا، زوجتك لم تطبخ لك، كانت مرهقة، كانت منشغلة، ليس شيئًا عظيمًا، للنبي ﷺ كان بسيطًا جدًا في مثل هذه الأمور، لا تجعلها أصلًا من أصول حياتك تقاتل عليها وتخاصم عليها وتختلف دائمًا مع زوجتك على الطعام والشراب، هذا ليس من صفات الإنسان المسلم الذي يسير على خطى النبي ﷺ.

قال: حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، قال: حدثنا ثابت بن زيد، عن هلال بن خباب، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوِيًا. «طاوِيًا» هو لا يجد عشاءً، وكان في الطعام في البيت، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير، كذلك صبرت زوجته، فالزوجة الصالحة تصبر على حال زوجها.

قبل قليل قلنا: نسائكم، الآن سنحكي للنساء، اصبروا، أحيانًا بعض النساء كثيرات الشكوى: الثلاجة فاضية، ما في أكل! هذه حال عائشة، وزينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وحفصة، منهن خير منك، كان زوجهم النبي ﷺ وهو خير منا، يبيتون جائعين وتتحمل الفقر مقابل صلاح الزوج، فهذه دعوة أن كل...

حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال حدثنا أبو حازم، قال عن سهل بن سعد، أنه قيل له: أكل رسول الله ﷺ النقي؟ قال سهل: ما رأى رسول الله خبزاً عالياً، كان يصنع من الدقيق الأبيض خبز الشعير، ليس الصنف الأعلى من الخبز؛ الخبز الذي كان يصنع من الدقيق الأبيض، من القمح الأبيض، هذا الذي كان يعتبر الصنف العالي.

فكانوا يسألون: هل أكل النبي ﷺ هذا النوع من الخبز الذي هو مصنوع من الدقيق الأبيض، صنف عالي فخم؟ فقال سهل رضي الله عنه: «ما رأى رسول الله ﷺ النقي حتى لقي الله عز وجل». النقي سمي نقياً لأنهم كانوا يصفونه من القشر أكثر من مرة حتى يتنقى، يضعون القمح في المنخل أول مرة، ثم يرجعون وتضعونه مرة ثانية، فَلشدة نقائه يسمون الدقيق الأبيض أو القمح الأبيض نقياً، لأنه تم تنقيته مراراً وتكراراً من القشر.

فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: ما كانت لنا مناخل. قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: كنا ننفخه فيطير منه ما طار، ثم نعجنه. قديماً ما في مناخل، الأصل كان يضعون الشعير ثم ينفخونه، فالذي طار منه القشر طار، والذي لم يطر يذهب مع العجن، ودلالة ذلك أن الخبز قديماً كان بسيطاً؛ شعير مع قشره، أو قمحاً ما، أما هذا القمح الأبيض أو الشعير النقي تماماً فما كانوا يعرفونه لقلة المناخل في أيامهم.

حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا معاذ بن هشام، قال حدثني أبي، عن يونس، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: ما أكل نبي الله ﷺ على إخوان، ولا فيه سكون، ولا خرج لها سفرة أو طاولة. كان يوضع الطعام للنبي ﷺ، ما كان يأكل على سفرة، كان يأكل على جلد يوضع على الأرض. السفرة توضع على الأرض، أما الطاولة والتزييط وهذه الأمور الرسميات فما كان عليه الصلاة والسلام عنده.

قال فقلت لقتادة: فعلى ماذا يأكلون؟ قال: على هذه السفر. قال محمد بن بشار: يونس هذا الذي روى عن قتادة ويونس الإسكاف.

حدثنا أحمد بن، قال حدثنا عباد بن المهلب، قال عن مجارد، عن المسروق، قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها، فدعت لي بطعام، وقالت: «ما أشبع من طعام إلا أشاء أن أبكي». قال: قلت: أكان النبي ﷺ تشبع بعد ذلك؟ كان الصحابة يتعاهدونها، الخلفاء الراشدون كانوا يتعاهدونها، فكانت عائشة بعد وفاة النبي ﷺ لا تشبع، فكانت كلما شبعت ماذا؟ تبكي، تذكر حالها مع النبي ﷺ. قال قلت: لما قالت أذكر الحالة التي فارق فيها رسول الله ﷺ الدنيا؟ والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم، مرتين يعني غداء وعشاء؛ إذا وجد خبزاً أو لحماً على الغداء لا يجده على العشاء، وإذا وجده على العشاء لا يجده في الغداء. اليوم بعض الشباب فطور وغداء وعشاء، ما شاء الله! النبي ﷺ إذا وجد غداءً لا يجد عشاءً، هذا معنى مرتين، لم يكن هذا متوفراً، بالكاد يتوفر مرة واحدة الخبز في اليوم.

قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا شعبان، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يحدث عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: «ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض». حتى يومين متتابعين، ما كان يجد الخبز اليوم، في اليوم الثاني خلص، ما في، وفي اليوم الثالث أحياناً يبيت أشهراً، وهكذا.

حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي معمر، قال حدثنا عبد الوارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: ما أكل رسول الله ﷺ على إخوان، ولا أكل خبزاً مرققاً حتى مات. ولكن خبزاً مرققاً -كما قلنا- هذا الخبز النقي الذي من النوعية العالية، كان يأخذ خبز الشعير، وكما قلنا خبز الشعير ينفخونه، والقشر الباقي يذهب مع العجن، وبالتالي تكون الخبزة سميكة، لأنه إذا عجنت الشعير مع قشره تطلع الخبزة سميكة، بخلاف الخبز الذي يكون من النقي تكون الخبزة رقيقة، أقل سمكاً.

نقف اليوم إن شاء الله عند هذا القدر، ونكمل جلستنا الثانية بعد صلاة المغرب بحول الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أعان ويسر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. حياكم الله أيها الأحبة في المجلس الثاني من التعليق على منظومة العلامة سيدي رحمه الله تعالى عليه، منظومة القواعد الفقهية.

وقلنا ما تعريف القاعدة الفقهية البارحة؟ هي حكم كلي ينطبق على جزئيات عديدة في أبواب متنوعة. وقلنا القواعد تنقسم إلى القواعد الكلية الكبرى، وهي خمسة، والبعض يصلها إلى ستة. ما هي القواعد؟ القاعدة الأولى: «الأمور بمقاصدها»، و«اليقين لا يزول بالشك»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«لا ضرر ولا ضرار»، و«العادة محكمة». والقاعدة السادسة عند بعضهم وهي قاعدة كبرى كلية تحوي جميع القواعد، وهي: «أن الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد»، التي تكلم عنها السادة في قوله: «النية شرط لسائر العمل»، فبالصلاح والفساد للعمل.

هذه القاعدة الأولى صحيح، وقلنا هي عبارة أخرى أو صيغة أخرى لقاعدة «الأمور بمقاصدها»، ويمكن أن نعبر عنها بماذا؟ «إنما الأعمال بالنيات». القاعدة الثانية التي أخذناها البارحة: «الدين مبني على المصالح»، في جلبها ودرء المفاسد. وهذه القاعدة الثانية أن الدين مبني على جلب المصالح وعلى درء المفاسد، وقلنا إن المصلحة التي إن العقل يدرك كثيراً من المصالح لكنه لا يدرك جميع المصالح.

وهنا جاء السؤال: إذا قلت في الدرس السابق إن العقل ولو أدرك المصالح فإنه لا يترتب على ذلك ثواب ولا عقاب حتى يأتي الشرع، فسألني سائل: أليس العقل له أن يجتهد؟

في الشريعة الإسلامية، ويبنى على ذلك الأحكام؛ نقول ما ذكرته البارحة من أن العقل ليس مستقلاً في تشريع الأحكام، ونحن نبقى عليه، وهو رد على المعتزلة الذين يقولون إن العقل إذا أدرك المصلحة أو أدرك المفسدة فهو مستقل في تشريع الأحكام في الشريعة الإسلامية.

نعم، العقل له مساحة من الاجتهاد، لكن اجتهاده في دائرة ماذا؟ في دائرة النص وفي دائرة الشرع، وعلى أساس الوحي وليس العقل مستقلاً ابتداء في تشريع الأحكام ولو أدرك المصالح والمفاسد؛ لأن البعض قد يدخل عليه إشكال أن العقل يجتهد يا شيخ، فالقياس يحتاج إلى عقل، والمصلحة المرسلة تحتاج إلى عقل، فكيف تقول إن العقل إذا أدرك المصلحة أو المفسدة لا يترتب على ذلك تشريع؟

نقول: العقل إذا اجتهد فإنما يجتهد في إطار النص، فالقياس إنما هو على النص، والمصلحة المرسلة لابد أن يشهد لها النصوص الكلية، ولا يوجد شيء اسمه أن العقل يستقل في تشريع الأحكام؛ فالعقل له مساحة من الاجتهاد لكنها ليست مساحة مستقلة، وإنما هي مساحة مرتبطة بماذا؟ بالوحي الإلهي، هذا حتى لا يشكل على البعض.

قلنا القاعدة الثانية: إذا كان ديننا مبنيًا على جلب المصالح ودرء المفاسد، وهذه القاعدة ماذا ينبني عليها أو تفرع تحتها مجموعة من القواعد؟ القاعدة الأولى: إذا تزاحمت المصالح ولم يمكن الجمع بينها قدم أعلاها، وإذا تزاحمت المفاسد ولم يمكن درء جميعها قدم أدناها، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة واستويا يقدم درء المفاسد على جلب المصالح.

وركزوا على كلمة «واستويا»؛ ليه؟ لأن بعض الإخوة أشكل عليه، يقول: إذا تعارضت مصلحة مع مفسدة وكانت المصلحة أرجح، أيهما يقدم؟ جلب المصلحة. إذا تعارضت المصلحة مع المفسدة والمفسدة أرجح، درء المفسدة. لكن الكلام كان البارحة: إذا تعارضت المصلحة والمفسدة واستويا في الرتبة، خمسين بخمسين، ماذا يقدم؟ درء المفسدة. حتى لا يشكل عليك، لا تظن أن درء المفسدة دائما يقدم ولو كانت المصلحة أرجح، خطأ؛ إذا كانت المصلحة أرجح من المفسدة يقدم بشكل طبيعي جلب المصلحة، فهذه يركز عليها حتى لا تخطئ. إذاً هذه ثلاث قواعد مندرجة تحت القاعدة الأصلية.

القاعدة الثالثة التي شرحنا فيها ماذا كانت؟ أن الشرع مبني على أن المشقة تجلب التيسير، لكن قلنا الشيخ السعدي نظمها بطريقة أفضل، قال: العسر يجلب التيسير، فماذا قال في البيت؟ «في كل أمر نابه تعسيره». ما شاء الله، إذاً في فهم الجملة لهذه القضايا وصلنا إلى هذه النقطة، صح؟ ما تجاوزناها.

طيب، ومن قواعده.. اقرأ سليمان حتى نشرب في النقطة التي تليها. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «وليس واجب بلا اقتدار، ولا محرم مع اضطرار». هاتان القاعدتان قاعدتان متفرعتان عن قاعدة المشقة تجلب التيسير، لذلك ذكرهما مباشرة بعدها، هاتان القاعدتان هما فروع وقواعد تندرج تحت القاعدة الكبرى: المشقة تجلب التيسير.

القاعدة الأولى وهي قاعدة الواجب يسقط مع عدم القدرة، وهذا معنى قوله: «وليس واجب بلا اقتدار». نسوق القاعدة بشكل واضح: ما معنى هذا الكلام؟ الواجب يسقط مع عدم القدرة، وهذا فرع من فرع أن المشقة تجلب التيسير، أنك تقول لإنسان غير قادر بدك تفعل هذه العبادة جبراً عنك، مش في هذا عسر؟ فهذه القاعدة مندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير.

الواجب إذا عجزت عنه سقط؛ إنسان لا يستطيع أن يحج، إنسان لا يستطيع أن يحج بنفسه، يسقط عنه الحج بنفسه وعليه أن ينيب، ما وجد مالاً لينهب يسقط عنه الفرض بالكلية. يقصد هذا المجنون، هل تجب عليه الصلاة؟ لا، ما هو قادر. الإنسان المريض مرضاً شديداً لا يستطيع معه الصيام، هل يطالب بالصيام في رمضان؟ لا، يطالب بماذا؟ بالقضاء، ما يستطيع القضاء، فالبديل إطعام يوم عن كل مسكين. باختصار، الإنسان في الصلاة لا يستطيع أن يصلي قائماً، مش قادر، مشلول، يستطيع أن يصلي ماذا؟ جالساً، وهكذا. إذاً من عجز عن الواجب فإنه يسقط، لذلك قال: «وليس واجب بلا اقتدار»؛ الفعل الذي طلب الشارع منك القيام به طلباً جازماً، وهذا هو الواجب، يسقط عنك ما عدم قدرتك، هذه معنى القاعدة بالاختصار.

ما الأدلة على هذه القاعدة؟ دائماً أي قاعدة لا بد لها من أدلة تثبتها، من يعطيني دليلاً من القرآن على أن الواجب يسقط عند عدم القدرة؟ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وأيضاً ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ومن أحاديث النبي ﷺ: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فكل هذه أدلة على هذه القاعدة.

لما نقول عدم القدرة هنا، عدم القدرة قد تكون قدرة بدنية، وقد تكون عدم قدرة مالية بحسب العبادة. عدم القدرة قد تكون عدم قدرة بدنية في العبادات التي تحتاج إلى جهد بدني، وقد تكون عدم قدرة مالية في العبادات التي تحتاج إلى جهد مالي؛ شخص ما ليس معه ما يدفع زكاة الفطر، تسقط عنه هذه الفريضة. شخص ما معه شيء ينفق به على زوجته، ما معه يسقط عنه هذا الواجب، لكن زوجته لها الأحقية في المطالبة بماذا؟ بالفسخ، لكن من حيث الواجب، ما معنى يصرف عليك؟ هل نقول أنت آثم؟ لا، مع عدم القدرة المالية، لكن زوجته قضية المطالبة بالفسخ هذا أمر قضائي. فإذاً عدم القدرة، عليك أن تنتبه، أن تكون عدم قدرة بدنية، قد تكون عدم قدرة مالية بحسب طبيعة الفعل المطلوب منك.

إذاً القاعدة تقول: إذا عجز الإنسان عن الواجب سقط عنه الواجب، لكن إذا عجز الإنسان عن بعض الواجب وليس عن جميع الواجب، هل يسقط جميع الواجب؟ لا، أنا سألت السؤال عشان تكتبه لأنه في تفصيل في المسألة، الله يكرمكم. إذا عجز الإنسان عن بعض الواجب هل يسقط عنه الواجب؟ نقول فيها تفصيل: الصورة الأولى إذا كان الواجب بطبيعته مرتبطة الأجزاء، بحيث إذا سقط بعضه أو عجز عن بعضه أثر ذلك على الجميع، هنا نعم في هذه الحالة إذا عجزت عن بعض الواجب سقط جميع الواجب؛ إنسان عجز عن صوم ساعة من نهار رمضان، لكن ساعات الباقي يمكن يصومها، هل يقبل؟ لا، خلاص، في ساعة عجزت عنها لظرف صحي يسقط جميع الواجب؛ ليه؟ لأن ساعات النهار مترابطة الأجزاء، فإذا عجزت عن بعضها تعتبر عاجزاً عن كلها. إذاً هذه الصورة الأولى، إذا كان الواجب مرتبط الأجزاء بحيث كان العجز عن بعضه عجز عن كله، هنا يسقط الكل بسقوط البعض أو العجز عن البعض، مثل الصيام، من عجز عن الصيام بعض النهار يسقط عنه صيام جميع النهار. أما إذا كان الواجب غير مرتبط الأجزاء، فهنا إذا عجزت...

عن بعضه لا يسقط الكل؛ فمن عجز عن غسل يديه، هل يسقط عنه غسل الوجه؟ هل يسقط عنه غسل القدمين؟ لا. من عجز مثلا عن القيام في الصلاة، هل يسقط عنه الركوع والجلوس؟ لا؛ لأن هذا الواجب ليس مرتبط الأجزاء، إذا عجزت عن جزء تستطيع أن تؤدي الأجزاء الأخرى بكل أريحية، فهذه الصورة الثانية.

إذن الصورة الثانية: إذا كان الواجب أجزاؤه غير مرتبطة، إذا عجز عن بعضه يبقى الباقي واجباً، فهمنا؟ إذاً الصورة الأولى: ما كان من الواجب مرتبط الأجزاء، إذا عجزت عن البعض سقط الكل، وعرفتم المثال. وما كان من الواجب غير مرتبط الأجزاء، إذا عجزت عن البعض لا يسقط الباقي.

النوع الثالث: ما كان فيه احتمال وتردد، بعض الأمور اختلف فيها العلماء هل تعتبر مرتبط الأجزاء أو غير مرتبط الأجزاء، فهنا يختلف الفقهاء. مثال ذلك زكاة الفطر؛ زكاة الفطر كم هو المقدار المطلوب؟ صعب، صحيح؟ طيب من لم يجد إلا نصف صاع، هل يخرجه أم نقول إذا عجزت عن النصف سقط الكل؟ البعض قال: الصاع مرتبط الأجزاء، فمن عجز عن بعضه ووجد الباقي سقط الكل. والبعض قال: لا، الصاع ليس مرتبط الأجزاء، فإذا وجدت نصف صاع أخرج نصف الصاع وعفا الله عن النصف الآخر. لذلك تجدون اختلافاً فقهياً: من وجد بعض زكاة الفطر هل يلزمه أداء هذا البعض أم لا يلزمه؟ بناء على الاختلاف؛ لماذا؟ هل الصاع مرتبط الأجزاء أم غير مرتبط الأجزاء؟

فإذاً هذه قاعدة تهتم بها: من عجز عن بعض الواجب هل يسقط عنه جميعه؟ تقول فيها تفصيل بحسب طبيعة الواجب؛ هل هو مرتبط الأجزاء أو غير مرتبط الأجزاء. بعض الواجبات واضح أنها مرتبطة الأجزاء مثل الصيام، وبعض العبادات والأمور واضح أنها غير مرتبطة الأجزاء، لكن بعضها محتمل، فهنا بالتالي ينشأ الخلاف الفقهي بين المذهبين.

هكذا ننتهي من القاعدة الأولى: «ليس واجب بلا اقتدار»، أي الواجب يسقط ما عُدمت القدرة عليه. القاعدة الثانية قال رحمه الله تعالى: «ولا محرم مع اضطرار». هذه القاعدة المقابلة لها؛ وهي قاعدة يسقط التحريم عند الاضطرار، وهذه القاعدة لها ترجمة أخرى أو عنوان آخر: «الضرورات تبيح المحظورات». أحسنتم، فيمكن أن تصوغها: «الضرورات تبيح المحظورات»، أو تقول: يسقط التحريم عند حالة الاضطرار.

طيب، هل برأيكم هذه القاعدة، قاعدة يسقط التحريم عند الاضطرار، يمكن إدراجها تحت قاعدة سبقت معنا؟ هي تندرج تحت «المشقة تجلب التيسير»، ويمكن إدراجها تحت القاعدة التي معنا، وهي: «إذا تزاحمت المفاسد ارتكب أدناها». فأنت لماذا تفعل المحرم عند الاضطرار؟ تقديماً لأدنى المفاسد على أعلاها. فهذه القاعدة، «الضرورات تبيح المحظورات»، تدخل تحت قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وتدخل تحت قاعدة «إذا تزاحمت المفاسد ولم يمكن درؤها جميعاً يُقدم أدناها»، صحيح؟ وهذه جيدا تربط الأفكار مع بعضها البعض.

سؤال: لما نقول «الضرورات تبيح المحظورات»، ما ضابط الضرورة؟ بعض الناس عندهم مساحة ضرورة سائبة، أي شيء عنده ضرورة، وهذا لا يصلح، لابد من ضبط الضوابط. البعض قال: الضرورة ما كان فيه فوات حياة أو فوات عضو. البعض قال: الضرورة التي تبيح المحظور وكل ما فيه فوات حياة أو فوات عضو من الأعضاء. البعض وسعها قليلاً، قال: الضرورة كل ما في تركه ضرر ولا يقوم غيره مقامه. كل شيء إذا لم يحصل ضرر ولا يوجد حل بديل؟ لكني حقيقة أجد هذا فضفاضاً كثيراً، وأذهب مع الرأي الأول: أن الضرورة كل شيء تفوت به الحياة، أو يفوت به عضو، أو إذا فُقد لا تسير الحياة معه بانتظام؛ يمكن تضيف هذا القيد، لأن القيد الثاني الذي ذكره بعضهم أن «الضرورة كل ما هناك ضرر بتركه ولا يوجد له حل بديل» يدخل الكثير من الأمور، لكلمة الضرر أصلاً أصبحت تحتاج إلى ضبط.

بالتالي خلونا على التعريف الأول: أن الضرورة ما فيه فساد حياة أو فساد عضو، أو لا تسير الحياة عند تركه بانتظام، يكون هناك خلل واضح غير منتظم لحياة الإنسان، فهنا نقول هذه الضرورة هي التي تبيح المحظور.

طيب، هنا نضع سؤالاً: متى تبيح الضرورة المحظور؟ هذه الضرورة التي قدرناها وتكلمنا عنها وعرفناها، متى تبيح المحظور؟ هناك شرطان؛ الشرط الأول: لابد أن يكون المحظور قادراً على دفع الضرورة. أنا واقع في ضرورة، لكن المحظور الذي سأرتكبه لا يدفع الضرورة، هل يجوز فعله؟ لا طبعاً. مثال ذلك: شخص وقع في عطش شديد يخشى منه الهلاك، فماذا وجد؟ وجد زجاجة خمر، هل له أن يشربها بدفع العطش؟ البعض الصحيح لا يجوز له ذلك؛ لأنه هذا الخمر يزيد العطش ولا يحل المشكلة، فهنا المحظور لا يدفع الضرر فلا يجوز ارتكاب المحظور. إنما يجوز ارتكابه إذا كان قادراً على دفع الضرورة، أما إذا لم يكن قادراً، كأكل الميتة؛ قادر على دفع الجوع، أما شرب الخمر لا يدفع العطش، لماذا؟ لأن الخمر كما يقولون تزيد الإنسان عطشاً، فأنت زدت الطين بلة بشربها.

الشرط الثاني: قالوا لابد أن تكون مفسدة المحظور أقل من مفسدة الضرورة. مش قلنا هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة «أهون الشرين»؟ فلا بد إذاً أن نضع هذه القاعدة: لابد وأن يكون المحظور مفسدته أهون من مفسدة الضرورة. أما إذا كانت مفسدة المحظور أعلى، فعليك أن تتحمل الضرورة ولا ترتكب المحظور. مثال ذلك: قيل لك اقتل غيرك وإلا قتلناك، هل يجوز لك أن تقتل غيرك؟ لا؛ لأنه هنا ارتكابك لهذا المحظور يوقع في مفسدة أعلى من الضرورة، الضرورة أنك أنت الآن ستموت، فهل تريد إنقاذ حياتك بإفساد حياة غيرك؟ نقول إن ارتكاب المحظور وهو القتل للغير أعلى من الضرورة التي أنت وقعت فيها.

شخصان في صحراء، كلاهما شارف على الهلاك، أحدهما معه طعام والآخر ليس معه طعام، هل لي أن أعتدي على طعام زميلي؟ لأن هذه المفسدة ستوقع في فساد أشد؛ أنك أنقذت نفسك مقابل هلاك شخص آخر. نعم، أنت في ضرورة، لكن المحظور الذي ستفعله وهو السطو على مال زميلك الجائع مثلك مفسدته أعلى من مفسدة الضرورة. إذاً نقول هناك شرطان لقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»: الشرط الأول أن يكون المحظور إذا ارتكب دافعاً للضرورة فعلاً، والشرط الثاني أن يكون المحظور أقل مفسدة من الضرورة، فإذا كانت مفسدته أعلى منها لا يجوز أن ترتكب المحظور، واضح؟ هاتان شرطان، ومهما كانت هذه القاعدة ليست على إطلاقها كما يتوهم البعض.

طيب أكمل: أكل الميتة، لكن هل آكل من الميتة وأشبع وأعزم الناس وأعمل وليمة؟ أم فقط بقدر ما...

يسد رمقي؛ طبعاً البعض قال يسد رمقه، والبعض قال يشبع، لكن المهم سواء سد الرمق أو شبع، لا يجوز لك ما بعد ذلك، فلا يجوز لك ما بعد ذلك؛ فالضرورة تقدر بقدرها. إنسان اضطر أن يشرب نجاسة أو بولاً لعطش شديد، يشرب ما تقوم به الحياة، بعد ذلك ما تجاوز ذلك لا يجوز له، لا يجوز له أن يتعدى إليه.

ما الدليل على أن الضرورة تقدر بقدرها، وأنه لا يجوز لك التوسع في المحظور عند وقوع الضرورة؟ نعم، قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]. بالتالي لا يجوز أن تعتدي وأنت ترتكب المحظور دفعاً للضرورة، «غير باغ ولا عاد»؛ لا يجوز أن تتعدى وأنت ترتكب المحظور من أجل دفع الضرورة التي وقعت فيها، خلاص أنا يشبعني هذا القدر فقط، آكل منه ولا أزيد في أكل الميتة أكثر من ذلك، أنا أرتوي بهذا القدر من النجاسة، أشرب هذا القدر ولا أزيد منه.

وهكذا مثلاً، امرأة احتاجت أن تذهب إلى طبيب ذكر من أجل أن يعالجها في منطقة العورة، بعض النساء تهتك سترها، تخلع كل ملابسها -الله يكرمك- هذا لا يصلح، أنت الآن في ضرورة يجوز لك أن تكشف العورة أمام الطبيب الذكر، فتكشف من العورة بقدر ماذا؟ بقدر الضرورة، ولا أريد أن تكشف كامل العورة بحجة الضرورة، نروح إلى الطبيب فنكشف كل العورة، بعض النساء تتساهل كثيراً وهذا لا يجوز، الضرورة تقدر بقدر؛ يحتاج لتذهب إلى الطبيب ليكشف على منطقة معينة من عورتك، تكشفي بقدر الضرورة فقط.

تطبيقات هذه القاعدة كثيرة في الفقه الإسلامي، فهذه القاعدة هي ضابط للقاعدة السابقة؛ لقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، يجب أن نقيدها بأن المحظور إنما يؤخذ منه بقدر ما يدفع الضرورة فقط، ولا يتوسع فيه أكثر من ذلك.

قال رحمه الله تعالى: «وترجع الأحكام لليقين فلا يزيل الشك لليقين». هنا خلاص نشرع في القاعدة الرابعة من القواعد الكلية. ما هي القواعد التي أخذناها؟ القاعدة الأولى أخذناها: «الأمور بمقاصدها»، القاعدة الثانية أخذناها: «الضرر يزال»، القاعدة الثالثة: «المشقة تجلب التيسير»، وهذه فرعنا عليها أن الواجب يسقط عند العجز وأن الضرورة تبيح المحظورات.

الآن بدنا نرجع لقاعدة كلية كبرى، وهي قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك». هذه قاعدة من القواعد الكلية الكبرى التي عددناها، معنى هذه القاعدة أن الدين مبني على أن من تيقن من شيء في أمور دينه ثم شك في تغيره، فالأصل أنه يبني على اليقين حتى يتيقن من التغير. أنت متيقن من قضية وشاك فيها، أنا متيقن أني متوضئ وشاك هل أحدثت أم لا؟ أبقى على اليقين حتى أتأكد من أنني انتقض وضوئي، والعكس؛ إنسان محدث وشك هل توضأ أم لا؟ فهنا ما هو اليقين؟ أنه محدث، حتى يتيقن من أنه توضأ.

فبالتالي يا أحباب الكرام، أمر الدين مبني على اليقين في هذه الأمور؛ إذا كنت متيقناً من شيء ثم شككت هل تغير هذا الشيء أو لم يتغير، فإنك تبقى على اليقين حتى تتأكد من التغير. مثال ذلك: شخص شك في صلاته، هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ ما هو اليقين؟ ثلاث، الرابعة مشكوك فيها، فلا يعتبرها ويزيد ركعة أخرى. فهذه القاعدة تطبيقاتها كثيرة في الفقه الإسلامي.

ما أدلة هذه القاعدة؟ قاعدة «اليقين لا يزول بالشك» هناك أحاديث كثيرة، النبي ﷺ من شك في صلاته هل خرج منه شيء أو لا، «فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»، وقس على ذلك من الأحاديث. كذلك حديث مثلاً من شك في صلاته، قال النبي ﷺ: «إذا شك أحدكم وصلّى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح الشك وليبني على ما استيقن»، شوف هذه من أوضح الأحاديث، «فليطرح الشك وليبني على ما استيقن»، هذا معنى قولنا اليقين لا يزول بالشك. فالنبي ﷺ أخبرنا في أحاديث كثيرة، إذا كان الإنسان متيقناً من شيء ثم شك هل تغير أو لا، يبني على اليقين.

الآن ستلاحظون أن الشيخ السعدي بنى على هذا الأصل قواعد كثيرة، سينظمها، بنى على هذه الفكرة قواعد كثيرة، سنشرع الآن في بيانها وتبيانها. قال رحمه الله تعالى: «والأصل في مياهنا الطهارة». كل ما سيذكره الآن هو متفرع على قاعدة «اليقين لا يزول بالشك». أولاً: الأصل في المياه النازلة من السماء أو النابعة من الأرض ماذا؟ الطهارة، والحكم عليها بأنها نجاسة حكم طارئ يحتاج إلى دليل، لأن اليقين هو طهارتها وتغيرها مشكوك فيه، فلا أحكم على المياه بالنجاسة حتى يثبت ذلك باليقين.

والأصل في مياهنا الطهارة، القاعدة الأولى: الأصل في المياه، وهذا حقيقة ليست قاعدة، هذا يسمى ضابطاً فقهياً لأنه متعلق بباب واحد، هي ليست قاعدة بل هي ضابط فقهي كما بينا في جلسة البارحة؛ الضابط الفقهي يتعلق بباب واحد من أبواب الفقه. أيضاً الأصل في الأراضي أنها طاهرة يصح الصلاة عليها حتى نتيقن من نجاستها، فالأصل في الأرض اليقين أنها طاهرة حتى يثبت خلاف ذلك.

أيضاً الثياب، الأصل في الثياب أنها طاهرة حتى يثبت خلاف ذلك، ومن استدل على ذلك الفقهاء بجواز لبس ثياب الكفار، مثل التصفية الأوروبية وغيرها؛ هل لازم إذا اشتريت ثوباً من التصفية الأوروبية والأمريكية أروح أغسله؟ لا. حتى الشيخ هم في العادة ما يتطهروا ويلبسوا الملابس، ما يستنجوا، حتى لو كان ذلك، فالأصل الطهارة حتى تتيقن أن على الثوب نجاسة، فالأصل جواز لبس ثياب الكفار حتى ولو شككت في نجاستها، حتى تتيقن من ذلك؛ لأن الأصل في الثياب واليقين الطهارة والنجاسة مشكوك فيها.

كذلك الحجارة، إذا بدك تروح تستنجي بالحجارة بدل الماء، الأصل في الحجر أنه طاهر يجوز استعماله في الاستنجاء والاستجمار حتى يثبت خلاف ذلك وأنه تنجس، كل هذه مندرجة تحت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، لا يجوز أن تحمل نفسك وتحمل الناس طاقتهم. الأصل في المياه الطهارة، الأصل في الأرض الطهارة، الأصل في الثياب الطهارة، الأصل في الحجارة الطهارة، ولو شككت لا تعتمد على شكك حتى تتيقن.

قال رحمه الله تعالى: «والأصل في الأوضاع واللحوم والأنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل»، فافهم هداك الله ما يملأ هذه الأمور، بالعكس، هذه أمور الأصل فيها واليقين فيها التحريم حتى يثبت خلاف ذلك وهو الحل، هذه عكس القاعدة السابقة. فأولاً قال الأصل في الأوضاع، والأوضاع هي الفروج، والكلاء، والأصل إلى نهاية الكناية عن النساء، الأصل أن علاقتك بالمرأة الأجنبية ما هي؟

إن تحريم الأبضاع حتى يثبت الزواج؛ يعني شكينا في هذا الشخص هل هو متزوج من هذه المرأة أو لا، فما هو الأصل؟ عدم الزواج حتى يثبت الزواج. هذا معنى أن الأصل في الأبضاع، أي الفروج، التحريم؛ الأصل في علاقة الرجل بالمرأة أنها محرمة عليه حتى يثبت عقد الزواج أو المحرمية بينهما بشكل من الأشكال.

الأصل في اللحوم ماذا؟ هل هو التحريم حتى يثبت جواز أكلها؟ هذه فيها خلاف كثير، فمن الفقهاء يقولون الأصل في اللحوم الطهارة وجواز الأكل حتى تثبت نجاستها وعدم أكلها، والبعض قال: لا، الأصل في اللحوم التحريم حتى يأتي الدليل على الإباحة. والصواب أن الأصل في اللحوم الإباحة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145]، فاستثنى المحرم، فدل هذا على أن الأصل في اللحوم الإباحة.

فبالتالي السعدي هنا ذهب إلى رأي ونحن نخالف فيه، هو ذهب إلى أن الأصل في اللحوم عدم جواز أكلها حتى تثبت حليتها، ونحن نقول العكس، الأصل في اللحوم الحل وجواز أكلها حتى يثبت تحريمها، وهذا هو الظاهر. طبعاً هناك مناقشات؛ لماذا ذهبوا إلى أن الأصل فيها التحريم؟ اعتمدوا على حديث عجيب، وهو أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك فوجدت معه كلباً آخر فلا تأكل من الصيد فإنك لا تدري أيهما قتله».

لكن هذا في حقيقته بعيد الاستدلال به؛ لأنه يتكلم عن تعارض المحرم مع المبيع، ومر معنا البارحة: إذا تعارضت المصلحة والمفسدة واستويا، يعني عندك كلب شاركه كلب آخر أثناء الصيد، كلبك المعلم شاركه كلباً آخر ليس لك أثناء عملية الصيد، فبالتالي هنا يحتمل التحريم وأن يكون الكلب الآخر هو الذي صاد، ويحتمل الإباحة وأن يكون كلبك هو الذي صاد، فهنا تعارضت مصلحة مع مفسدة واستويا، فيُقدم درء المفسدة فنقول: لا تأكل. فهذا دليل لا يصلح أن يُعتمد دليلاً على أن الأصل في اللحوم التحريم، وحقيقة ظواهر الكتاب والسنة تدل على أن الأصل في اللحوم الإباحة حتى يثبت تحريمها.

قال رحمه الله تعالى: "والنفس والأموال للمعصوم"، والأصل في النفس المعصومة التحريم؛ ما معنى التحريم؟ تحريم قتلها والاعتداء عليها حتى يثبت لنا أنها فعلت فعلاً يستوجب القتل أو الاعتداء عليها، كأن تكون زنت أو قتلت، هنا يجوز القتل لها أو رجمها. أما إذا لم يثبت لنا أنها فعلت فعلاً يستحق قتلاً أو رجماً أو عقوبة، فالأصل في نفس المعصوم تحريم لمسه والاعتداء عليها.

كذلك مال المعصومين؛ الأصل عدم جواز الاعتداء عليه كما قال النبي ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، وقال: «إن دماءكم وأموالكم...». هذا واضح في أن الأصل في الأموال والنفوس هو التحريم حتى يثبت خلاف ذلك. انظر: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم»، لكنه اشترط هنا أن يكون النفس نفساً معصومة، وهذا يدل على أن النفس غير المعصومة، وهو الكافر المحارب، الأصل في نفسه عدم التحريم، بالعكس الأصل الإباحة في استباحة دمه، وكذلك الحربي الأصل في ماله الإباحة وجواز أخذه.

لكن طبعاً هذه القضايا يجب أن تربطها بقضية المصالح والمفاسد؛ فلا يصير أن تأخذ بأن الأصل في دماء الحربي الاعتداء أو جواز سفكها، أو أن الأصل في مال الحربي جواز أخذه وتنسى قاعدة درء المصالح وجلب المفاسد، فتطبق قاعدة في غير محلها وتوقع الناس والأمة في حرج أكبر. فدائماً مثل هذه الأمور تحتاج إلى فقيه يجمع القواعد كلها في أثناء عملية التطبيق، لا أن ينظر إلى قاعدة وينسى القواعد الأخرى.

قال رحمه الله تعالى: "إذا النفس المعصوم الأصل فيها التحريم، والأموال المعصومة الأصل فيها التحريم". مفهوم المخالفة أن النفس غير المعصومة وهي الكافر الحربي الأصل فيها الإباحة، ومال الحربي الأصل فيه الإباحة. ذلك قوله: "والنفس والمال للمعصوم"، فقضية العصمة تعود للنفس والمال، ضابط وقيد للنفس والمال معاً؛ الأصل في مال المعصوم التحريم، والأصل في نفس المعصوم التحريم.

لذلك قال: "والأصل في الأبضاع أي الفروج، واللحوم والنفوس المعصومة والأموال المعصومة الأصل فيها..."، قال في البيت الذي يليها: "تحريمها حتى يجي الحلو فافهم هداك الله ما يمل". أي ما يُملى عليك، ما معنى "ما يمل"؟ ليس ما يزهق منه، أي الملل، بل "ما يملى عليك". وهذا مثاله في القرآن: ﴿فَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 282].

قال رحمه الله تعالى: "والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجي أسارف الإباحة". هذا أيضاً مما يندرج تحت قاعدة اليقين؛ الأصل في عادات الناس الحياتية التي لا ارتباط لها بأمور الدين هي الإباحة، من عقود وطرق معينة في العيش واللباس وما شابه ذلك. الأصل في عادات الناس الحياتية الإباحة حتى يثبت تحريمها، حتى يثبت أن الشرع قد حرم هذه العادة، بشرط ألا تكون هذه العادة أصلها ديني، لأن بعض العوائد مبناها الدين، مثل قضية الأعياد.

بعض الناس يعمل أعياد ميلاد لأبنائه، أعياد ميلاد وأفراح مستمرة، نقول: هل الأعياد من أمور العادات أو من أمور العبادات؟ هي عبادات؛ فحتى لو اتخذها الناس عادة، يُقال لك: يا شيخ ما المشكلة بعيد الميلاد؟ عادي! لا، هذه الأمور ليست بطبيعتها عادة، بل بطبيعتها أنها من أمور الدين، فحتى لو اتخذتها عادة فلا يعتبر هذا عادة، بل هو مبني على الشرع، وأي عيد لم يأتِ الشرع به لا عبرة به ولا يجوز اتخاذه، سواء كان عيد ميلاد أو عيد زوجة من الروايات التي يستحدثها الناس. فقوله: "الأصل في العادات الإباحة" لا بد أن يُقيد بالعادات التي ليس مبناها أمور الدين، مثل الأكل والشرب واللباس والأسواق وأنظمة القضاء والعقود، الأصل فيها الإباحة حتى يثبت التحريم بشكل من الأشكال.

قال رحمه الله تعالى: "وكل فعل طاعة محظور سوى الذي في شرعنا مذكور". هذه مقابل القاعدة السابقة؛ إذا قلنا الأصل في العادات الإباحة، فما هو الأصل في العبادات؟ التحريم، أو البعض ما يسميه التوقيف. والبعض يعبر بأن الأصل في العبادات التحريم، والبعض يقول الأصل في العبادات التوقيف، وكما هو بنفس المعنى، يعني العبادات التحريم؛ لا يجوز لك أن تأتي بعبادة حتى يثبت لها دليل واضح من الكتاب أو السنة أو أفعال الصحابة، فلا يجوز لك أن تخترع عبادة من عقلك وتبتدع عبادة من هواك، ومن اخترع عبادة بعقله وهواه هذا يسمى في الشريعة مبتدعاً. وقال ﷺ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا في أمور العبادة، أما في أمور العادات لو اخترعت أي شيء بعقلك أو هواك، فما حتى يثبت أنه مخالف.

للشريعة فهم المقابلة في أمور العادات؛ اختر ما شئت وأبدع ما شئت بشرط أن لا تصادم الشريعة. أما العبادات، فبالعكس تمامًا، عليك أن تلزم الوحي والنص ولا تخترع شيئًا من بنات أفكارك، فإذا اخترعت فأنت مبتدع.

لكن الآن، هل العبادات تؤخذ فقط من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، أو يجوز فيها شيء من القياس؟ حقيقة يجوز فيها شيء من القياس عند العلماء المهرة وليس لعوام المسلمين، حتى هناك رسالة نافعة في الدكتورة اسمها «القياس في العبادات». أقول هذا فقط؛ لأن بعض الشباب يندفع في تبديع المسلمين وتحميل عباداتهم ما لا تحتمل من أوجه التفسير والتبديع، لظنه أن أدلة العبادات فقط الكتاب والسنة الواضحة. فإذا اجتهد الناس في بعض صور العبادات مباشرة فقد يكونون مبتدعة، لكن قد يكون لهم دليل، وقد يكون حتى ولو كان الدليل شكلًا من أشكال القياس في بعض صوره المحدودة. هذا موجود في كل المذاهب، القياس في العبادات، لكن لا يتقنه إلا الفقهاء، وأما العقل المحض والهوى المحض، فهذا نقول لا يجوز له أن يشرع عبادة، وإذا شرع عبادة فهو مبتدع.

قال رحمه الله تعالى: «وسائر الأمور كالمقاصد، وأحكم بهذا الحكم للزوائد».

قبل أن ندخل في هذه القاعدة الجديدة، أريد أن أنبه على قضية، وهي أننا عندما نقول إن الأصل في الأراضي والمياه والثياب الطهارة، وعندما نقول إن الأصل في اللحوم والأبضاع التحريم أو الإباحة، أو إن الأصل في العبادات التحريم والأصل في العادات الإباحة؛ فإن الذي يحق له أن يستعمل هذه القاعدة وينزلها في الفتاوى هو العالم المطلع على النصوص، أما الإنسان العامي غير المطلع على النصوص فلا يصلح له أن يقول الأصل في اللحوم الإباحة؛ لأنه لا يعرف ما الذي حرمته الشريعة مما لم تحرمه، لأنك لست فقيهاً. فالذي يوظف هذه القواعد ويستدل بها هو العالم أو طالب العلم المتقدم، وأما العامي فلا يحكم على الشيء بأنه مباح في العادات والعبادات.

إذا طبقنا هذا في العادات والعبادات، بالنسبة لأمور المياه والثياب والحجارة، فالكل يقول إن الطهارة حتى يثبت خلاف ذلك، لكنني أركز على قضية أن الأصل في العادات الإباحة والأصل في العبادات التحريم. هاتان القاعدتان لا يستعجل العامي في إنزالهما على الواقع حتى يتأكد أن العادة التي يعتقدها مباحة لا يوجد شيء اقتضى تحريمها، وأن العبادة التي يتصور أنها بدعة لا يوجد شيء يدل عليها. فكم من عبادة أنت كطالب مبتدئ ظننت أنها بدعة، ثم تكتشف مع الوقت أنها مباحة أو مسنونة.

مثلاً، كثير من الشباب يعتقد أن إذا قال المصلي في الإقامة: «أقامها الله وأدامها» فإنه مبتدع، وهذه ليست بدعة، بل هي حديث عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا قامت الصلاة في الإقامة. الشاب المستعجل يقول لك هؤلاء مبتدعة، ولكن الحديث ليس مبتدعاً، والحديث حسن عند كثير من العلماء، وحتى لو لم تعتبره حسناً فهو في فضائل الأعمال. فأنا أقول إن كثيرًا من الشباب يبدع الناس في عبادات ويقول غير مشروعة، ثم يكتشف بعد أن يكبر أن لها أصلاً في الشريعة بشكل من الأشكال. فباختصار: الأصل في العبادات التحريم، هذه لا تنزلها حتى تتأكد من عدم وجود ناقل، والأصل في العادات الإباحة لا تنزلها حتى تتأكد من عدم وجود ناقل، وليس هكذا ببادئ الرأي تنزل هذه القواعد على الواقع.

قال رحمه الله تعالى: «وسائر الأمور كالمقاصد، وأحكم بهذا الحكم للزوائد». و«وسائر» هي الوسائل، وتكون هي القاعدة، وما عنوانها؟ الوسائل لها أحكام المقاصد. هذا عنوان قاعدتنا الجديدة.

إذاً هكذا نكون انتهينا من قاعدة «اليقين لا يزول بالشك» وعرفنا ما يندرج تحتها من الضوابط الفقهية. أريدك بعد ما تخلص أن تكون فاهم المتن وكيف ترتيبه، حيث يذكر قاعدة ويذكر أحياناً قواعد جزئية تندرج تحتها، فبدك تكون فاهم طريقة الشيخ السعدي في ترتيبه لهذه المنظومة اللطيفة. فهنا ذهب الآن إلى قاعدة مستقلة، وهي قاعدة ليست من القواعد الكلية الكبرى، بل هي قاعدة من القواعد الكلية الصغرى.

ما معنى أن الوسيلة الموصلة إلى مقصد شرعي ومطلوب شرعي حكمها هو حكم المقصد الذي توصل إليه إيجاباً أو تحريماً؟ يعني الذي يوصل إلى الواجب يكون حكمه الواجب، وهذه قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، والعكس بالعكس؛ فالذي يوصل إلى محرم ما حكمه؟ وسائل الحرام حرام لأنها توصل إلى محرم.

دعونا نفصل في هذه القاعدة، فهي تحتاج إلى تفصيل. نقول الوسائل التي توصل إلى مقاصد تنقسم إلى نوعين: وسائل نصت الشريعة مباشرة على تحريمها، أو نصت على إباحتها. مثلاً الشريعة نصت على جواز عقد النكاح باعتباره وسيلة إلى الوطء المباح، وحرمت النظرة باعتبارها وسيلة توصل إلى محرم؛ فحرمت النظرة لأنها وسيلة إلى مقصد أو مطلب محرم وهو مقاربة النساء والزنا والوقاع بهم، في المقابل نصت الشريعة على جواز عقد النكاح باعتباره وسيلة لحصول المعاشرة الحلال. فهذا النوع الأول من الوسائل، وهي التي نصت الشريعة على إباحتها أو تحريمها مباشرة، ليس فيه حقيقة محل خلاف بين أهل العلم.

محل الخلاف في النوع الثاني، وهي الوسائل التي لم تنص الشريعة لا على تحريمها ولا على إباحتها، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام. نقول الوسائل على قسمين: وسائل نصت الشريعة على مشروعيتها أو على عدم مشروعيتها، فهنا نتبع النص وانتهينا. النوع الثاني هو وسائل لم تنص الشريعة على حكمها، وهذه فيها تفصيل ثلاثي؛ الحالة الأولى أن تكون الوسيلة مفضية إلى الحرام قطعاً أو إلى الحلال قطعاً، فهنا الوسيلة تأخذ حكم المقصد بدون نقاش.

لنأخذ مثالاً: جاءني شخص قال لي: «يا شيخ أنا أبيع الخمور ومصنع للخمور، أريدك أن تبيعني محصولك من العنب حتى أستعمله في صناعة الخمر». هنا هذه الوسيلة، وهي بيع العنب لمن أتيقن أنه يريد صنع الخمر، حكمها حرام لأنها وسيلة توصل إلى الحرام.

حرام قطعا، والحرام الذي توصل إليه هو صناعة الخمور. شخص قال لي: بالله يا شيخ، أنا أريد هذا الجوال لأنني أريد أن أنظر إلى الأفلام المحرمة، هل يجوز أن أبيع هذا الجوال؟ والله بدي أقصر أنا والليلة على الأهل على مسلسلات، بصير أبيعه التلفزيون؟ ما بيصير تبيعه؛ لأنه هو صرح أن المطلب الذي يريده هو المقصد، هو الفعل الحرام، وهذا البيع هو وسيلة قطعا توصل إلى الحرام.

وما أكثر هذه الأمور اليوم في العقود، أعرف أن الشخص الأمامي سيستعمل السلعة في حرام وأبيع، ما دخل الوسائل؟ الوسائل لها أحكام المقاصد. ببيع هو يستعمله كيف ما بده؟ لا، أخي، أنت ابتداء مش مطلوب منك أن تفتش، صح، لكن لو هو صرح قال أريد هذا من أجل أن أفعل به حراما.

سائق تكسي جاءته فتاة وقالت له: أريد أن توصلني إلى مقهى فلان، هل يجوز أن يوصلها بمطلبها؟ فتاة متبرجة قالت لك أريد أن أذهب إلى كوفي شوب أو مقهى معين، أنت أصبحت وسيلة لإيصالها، وأنت أصبحت وسيلة لإيصالها، والوسائل لها أحكام المقاصد.

فتاة متبرجة قالت لك: أريد توصلني إلى الجامعة، هو صعبنا شوية أصحاب التاكسي، شو رأيكم؟ فتاة متبرجة وطالعة متبرجة قالت لصاحب التكسي: أنا بدي إياك توصلني للجامعة، خارجة بزينتها، هل يجوز لصاحب التكسي أن يوصلها إلى الجامعة؟ الوسائل لها أحكام المقاصد، ذهابها إلى الجامعة بهذه الصورة حرام، في حدا بنازع في هذا منكم؟ إذا أنت أيها السائق المحترم وسيلة لإيصالها إلى الجامعة، فوسيلة أصبحت إلى الحرام قطعا. لا تقل لو أنا لم أفعل سيفعل غيري، أنت لك بخاصة نفسك، غيرك بده يتحمل يوم القيامة يتحمل، أنت أنقذ نفسك من النار ولا تحمل وزرها.

فهذه القاعدة مهمة جدا أحبابي، لأن بعض الناس يتبرأ، هو يعرف نفسه وسيلة للحرام لكن يظن أنه ما له علاقة لأنه ليس الذي فعل الحرام، ما دمت وسيلة إلى حرام قطعا فلا يجوز لك أن تباشر هذه الوسيلة، وضحت؟

وأما الوسيلة التي تفضي إلى الحرام نادرا، فهذه الوسيلة لا تحرم ولا تأخذ حكم المقصد. إذا كانت هناك وسيلة توصل إلى المقصد المحرم قطعا فالوسيلة تأخذ حكم المقصد، وهناك وسيلة توصل إلى الحرام لكن على سبيل الندرة. نحن الآن في بلادنا، بلاد المسلمين، صحيح والحمد لله في كثير من مزارعنا تزرع العنب، هل يجوز أن نقول لأهل الأردن لا يجوز لكم أن تزرعوا العنب؟ ليه؟ والله في مصانع خمور في الأردن. لا يا شيخ، أنت هيك شقيت على الناس! نعم، كلهم كمصنع، يعني بيتعاملوا مع كم مزرعة؟ هل أحرم على كل أهل البلد زراعة العنب لوجود بعض مصانع الخمور تستعمل العنب؟ لا.

قالوا هنا الوسيلة تفضي إلى الحرام في بعض الصور النادرة وليست حالة أصلية غالبة على أهل هذا البلد، لو كنت في مدينة مشهورة بصنع الخمور هذه قضية أخرى، لكن في بلاد الإسلام، يعني في مصانع -نصر الله العافية ويخلص بلادنا منها- لكنها عموما تبقى محدودة، فلا أحرم على الناس صناعة أو زراعة العنب لوجود بعض الصور استعمل فيها العنب بصورة خاطئة.

وهذه قاعدة أيضا مفيدة: الوسيلة التي تفضي إلى الحرام بصورة نادرة أو قليلة لا تأخذ حكم المقصد، لا تأخذ حكمه في التحريم. إذا فالقاعدة الأولى: الوسيلة التي توصل إلى المقصد المحرم قطعا تأخذ حكم المقصد باتفاق الجميع، باتفاق جميع المذاهب. الوسيلة التي تفضي إلى المقصد المحرم قليلا لا تأخذ حكم المقصد.

أما الوسيلة التي تفضي إلى الحرام أو المقصد المحرم غالبا، غالبا ليس قطعا ولا قليلا، هل تأخذ حكم المقصد؟ هذه محل خلاف بين الفقهاء؛ المالكية والحنابلة يقولون إنها تأخذ حكم المقصد، والشافعية والحنفية في كثير من فروعهم يدلون على أنهم لا يقولون إنها تأخذ حكم المقصد، لذلك بيع العينة محرم عند المالكية والحنابلة لأنها وسيلة إلى الربا، لكنها ليست محرمة عند الشافعية.

ومن صور هذه إذا باع سلاحا في زمن الفتنة، قالوا لو أن شخصا باع سلاحا في زمن فتنة بين المسلمين واقتتال بين المسلمين، هل يجوز ولا لا؟ أنا ما بدي فتواكم، هنا الخلاف، هنا بعض الفقهاء يقول لك يجوز؛ لأن الغالب أنه سيستعمل في القتال لكنه مش متأكد مئة بالمئة، والحنابلة والمالكية شو يقول لك؟ لا يجوز؛ لأن الغالب أنها ستستعمل في القتال.

فهذه الصورة الثالثة، وهي الوسيلة المفضية إلى الحرام غالبا، هل تأخذ حكم الحرام أو لا، محل خلاف بين المذاهب. إذا هكذا نعيد التقسيم سريعا: الوسائل لها أحكام المقاصد، هناك وسائل نصت عليها الشريعة ابتداء تحريما أو إباحة فيتبع فيها النص، ووسائل لم تنص الشريعة على حكمها مباشرة، فهذه تقسم إلى ثلاثة صور: الصورة الأولى أن تكون الوسيلة مفضية إلى الحرام قطعا، فهذه تأخذ حكم المقصد. الصورة الثانية أن تكون الوسيلة مفضية إلى الحرام قليلا، فلا تأخذ حكم المقصد. الصورة الثالثة أن تكون الوسيلة مفضية إلى الحرام غالبا، فهذه اختلف فيها الفقهاء، وقاعدة سد الذرائع تتعلق بهذه الصورة: ما أفضى إلى الحرام غالبا هل يسد ويحرم أو لا يسد؟ تختلف أنظار الفقهاء في تحديد مثل هذا الأمر.

إذا هذا معنى قوله رحمه الله تعالى: «وسائل الأمور كالمقاصد»، بدك تفصل القاعدة كما فصلناها لك. قال: «وأحكم بهذا الحكم للزوائد»، أكمل. قال رحمه الله تعالى: «والخطأ والإكراه والنسيان، أسقطه معبودنا الرحمن، لكن مع الإتلاف يثبت البدل، وينتفي التأثير عنه والزلل».

ومن مسائل الأحكام في التبع يثبت، لا إذا استقل فوق. هنا إذا قال: «والخطأ والإكراه والنسيان، أسقطه معبودنا الرحمن»، الآن نتكلم عن قاعدة تسمى قاعدة: «لا إثم على المخطئ والمكره والناسي»، والبعض يقول: «لا مؤاخذة على المخطئ والمكره والناسي»، لذلك هو جماعة قال: «والخطأ والإكراه والنسيان، أسقطه»، أسقطه إيش؟ يعني أسقط المؤاخذة به ربنا سبحانه وتعالى.

طيب، ما معنى أنه أسقط المؤاخذة به؟ أسقط الإثم، لكن هل يسقط الضمان؟ هذا فيه تفصيل، فسنبدا بها واحدة تلو الأخرى. لكن عموما ما هو الدليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذك بالخطأ والإكراه والنسيان حكما أخرويا؟ أحسنت، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه]. طبعاً رفع الإثم، هذا الرفع، وهنا أيضا قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وكما جاء في [الآية التالية]: ﴿قَالَ قَدْ فُعِلَ﴾، فهذه أدلة تدل على أن الله لا يحاسبك أخرويا.

على أنك أخطأت أو نسيت أو أُكرهت كذلك، لكن دعونا الآن ننظر في كل قضية على حدة. نبدأ الآن بقضية الخطأ؛ الخطأ ما تعرفه، الخطأ أن يفعل الإنسان شيئًا من دون قصد، أن يفعل الإنسان شيئًا من دون قصد. وقعت منك الكأس بالخطأ، ضربت سيارة جاري بالخطأ؛ الخطأ أن تفعل شيئًا بدون قصد.

الآن من حيث الإثم، لا إثم عليك، فهذه المؤاخذة مرفوعة، لكن من حيث الضمان فيها تفصيل. نذهب الآن أولًا إلى الخطأ في حق الآدمي، ثم ننتقل إلى الخطأ في حق الله.

إذا كان الخطأ في حق الآدميين، فهنا في تفصيل؛ إذا كان مأذونًا لك في التصرف ووقع الخطأ في أثناء التصرف المأذون به، فهنا لا ضمان عليك. مثال ذلك: أنا استأجرت عاملًا ليعمل لي شغلة معينة في المنزل، العامل بدون قصد، وهو يعمل بأشياء أنا سامح له فيها، انكسرت معه أثناء شغله، هل يضمن العامل بدون تعدٍ ولا تفريط؟ ركزوا، خطأ بدون تعدٍ ولا تفريط، انكسرت معه شغله أثناء عمله في بيته، هل يضمن؟ لا يضمن، ليه؟ لأنه مأذون له شرعًا أن يتصرف، أنا أذنت له، أنا جبته على البيت وعملت معه عقد إيجار، إذا أنا معطيته الإذن وهو قدر الله بدون أي تقصير ولا تفريط كسر شيئًا، هذا لا يضمن شرعًا ولا يجوز لك أن تضمنه.

أما إذا كان الفعل الذي فعلته مع الآدمي ليس مأذونًا لي فيه شرعًا وارتكبت خطأ فيه، فهنا عليّ أن أضمن التلف. مثال ذلك: ضربت سيارة جاري بالخطأ، وسامحني؛ لو سمحت لك ما فيش عليك ضمان، لكن ما في إنسان مأذون له بالشخص يضرب بسيارته، فأنا بالخطأ ضربت سيارة جاري، عليّ ضمان؛ لأن التصرف ليس مأذونًا لي به. بالخطأ وأنا أزرع حديقتي في الطابق الثاني، ووقعت الزريعة على بيت جاري فأفسدت ثيابًا أو أفسدت شباكًا أو أتلف بابًا، ماذا أضمن؟ نعم، أنا لا إثم عليّ، لكن هنا عليّ الضمان؛ لماذا؟ لأن هذا التصرف غير مأذون لي فيه شرعًا.

إذا في حقوق الآدميين، هل يُعفى عن الخطأ؟ تقول فيه تفصيل؛ إذا أُذن لي في التصرف شرعًا ووقع شيء خطأ لا أضمن. نأتي بمثال على هذه القضية: خطأ الطبيب، هو قاعد يعمل لك هذه العملية، خطأ راحت الشفرة يمين أو راحت الشفرة شمال، هل يضمن ولا لا يضمن؟ قالوا: إذا كان طبيبًا حاذقًا وأنت سلمت جسدك ولم يكن خطأ بتعدٍ منه، وإنما حصل شيء قدره وقع منه خطأ، قالوا: لا يضمن؛ لأنه أنت سلمت جسدك، إذاً أذنت له في التصرف.

أما إذا كان طبيبًا "نص كم" مش شاطر وعامل حاله طبيب، فهذا يضمن. الكلام عن الطبيب الماهر، مع شهادة مزاولة مهنة وتخرج وتعلم، وأنا سلمت جسدي ووقع منه خطأ قدري، هذا لا يضمن. أما إذا كان هو غير حاذق، هذا ماذا يعمل؟ يضمن. لو شفتك فاتح قلبي، والله العملية التي طلبتها منك زايدة، لو شفتك فاتح قلبي لا، هذه الله يرضى عنك أنا أذنت لك، وين هنا ما أذنت لك، هنا فبدك تفهم هذه القضايا لأن تنبني عليها الكثير من الأحكام.

إذاً في حقوق الآدميين: إذا أذنت له في التصرف وحدث خطأ أثناء التصرف لا ضمان، وإذا لم أذن له وحدث خطأ مني عليّ الضمان. طيب، في حق الله سبحانه وتعالى، هل يُعفى عن الخطأ؟ مثلاً في الحج، أنت عليك محظورات، فارتكبت محظورًا من المحظورات خطأ، هل عليّ الكفارة أم لا؟ في حقوق الآدميين نسميه ضمانًا، وفي حق الله ماذا نسميه؟ نسميه كفارة، شوف الفرق في المصطلحات.

في حق الله، إذا أنا ارتكبت محظورًا من المحظورات، هل عليّ كفارة أم لا؟ قالوا: نفس التفصيل؛ إذا كان الشيء الخطأ الذي أخطأت فيه فيه إتلاف، عليك كفارة. ولو أخطأت، لذلك قالوا: من في أثناء الحج أزال من شعره خطأ أو قلم أظفاره خطأ، عليه هذا الإتلاف فعليه كفارة حتى لو بالخطأ. وأما إذا كان الشيء ليس إتلافًا، يعني غطى رأسه أو لبس المخيط على سبيل الخطأ، هذا ما عليه كفارة.

إذاً في حق الله سبحانه وتعالى، مثلاً محظورات الإحرام هذا حق رب العالمين وليس حقوق آدميين، إذا ارتكبت محظورًا خطأً هل عليّ كفارة أم لا؟ نقول: المحظور الذي ارتكبته إذا كان يتضمن إتلافًا، أتلف شعرًا، أتلف ظفرًا بأن قدمته حتى لو كان بالخطأ، عليك الكفارة. إذا كان المحظور لا يوجد فيه إتلاف، كأن غطيت رأسك أو لبست مخيطًا، هذا ما فيه إتلاف، فهذا على الصحيح إذا فعل على سبيل الخطأ، لا يوجد فيه كفارة.

طيب، نذهب الآن إلى ماذا؟ إلى الإكراه. لأن الساعة أصبحت التاسعة والثلث، أكثر من ذلك إن شاء الله في المجلس القادم نكمل ما يتعلق بالإكراه والنسيان ونمر على ما بقي من هذا المتن المبارك. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.