بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد من مجالس مدارج العلم في موسمها الثاني لعام أربعة وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا على الاجتماع في هذا اليوم الثالث من أيام هذه المدارس المباركة، ونسأله عز وجل أن يرزقنا فيها العلم النافع الصالح والصبر، وأن يعلمنا وأن يفقهنا في دينه، وأن يكتب لنا ثواب هذا الحضور وثواب هذه المجالس المباركة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ويا طالب العلم، ستتذكر غداً هذه المجالس وستحمد الله سبحانه وتعالى وأنت في ريعان الشباب انصرافك إليها ووجهك نحوها، وأنك جلست وتعلمت ونظرت وسمعت. فكم من إنسان وكم من شاب في عمرك الآن في لهوه وغيه، كم من شاب ضائع وتائه تتلقفه الأهواء والشهوات ومتعة الحياة الدنيا، وأنت وفقك الله سبحانه وتعالى لحضور مجلس علم تتفقه فيه، يصلح قلبك وعقلك وتعرف به دينك وأحكام شريعتك. فهذه نعمة عظيمة لربما كثير منكم لن يدرك فضلها الآن، لكن سيدركها بإذن الله إذا مر الزمان: «دقائق ويحمد الخذول عزم السابقين».
كما قال شيخنا العصيمي حفظه الله تعالى، غداً ستشرق الأيام وستعرف فضل ما أنت عليه، وما اجتمعت عليه، وما تحرك إليه قلبك في سن الشباب عندما تكبر؛ فتجد نفسك عرفت أحكام الله سبحانه وتعالى، وتدرك الأحكام الشرعية فقهاً وعقيدة وتفسيراً وسلوكاً إلى ربك عز وجل. فهذه الأحكام تحتاج إلى تعلم وإلى صبر وإلى تحمل حتى تتفقهها وتتعرف عليها من أفواه المشايخ.
أحمد الله وأسأل الله عز وجل أن يصرف عنك الشواغل، وأن يصرف همتك دائماً إلى الخير، وأن يجعلك صاحب نفس تواقة تتوق دائماً إلى معالي الأمور، من أصحاب النفوس الشريفة الذين لا يستهويهم ما يستهوي عموم الناس اليوم من اللهو والعبث، وإنما يستهويهم علم نافع صالح وختم كتاب ومذاكرة علم؛ فمثل هذه الأمور هي التي يتشوف إليها ويتعلق بها العقلاء، ونعوذ بالله سبحانه وتعالى من الحور بعد الكور.
فإذا أردت الاستمرار على هذه المجالس، فرصيحتي لنفسي ولك أن تترك المعاصي؛ فإن هذه المجالس إنما يصرفك عنها ويحرمك من ثوابها المعاصي والذنوب، وخصوصاً معاصي الخلوات. فكم من إنسان كان معنا ويحضر ويجتمع على الخير، لكن الله حرمه هذا العام بسبب معصية هو مصر عليها لم يغيرها ولم يبدلها، استهتر بها ظن أن مجرد حضوره لهذه المجالس يكفر خطاياه فلم يعبأ بها، فكانت هذه المعصية سبباً في صرفه عن مجالس الخير.
فمن الآن، اعزم التوبة، اعزم العودة إلى الله سبحانه وتعالى، إذا كانت هناك معصية أنت مصر عليها فتب منها الآن، وأحدث لربك إقبالاً جديداً؛ فإن الله سبحانه إنما يمنحك القوة إذا استغفرت وتبت إليه: ﴿وَقَالُوا اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52-52]. انظروا إلى هذه الآية، زيادة القوة وزيادة النشاط هي ثمرة ماذا؟ الاستغفار والتوبة.
في المقابل، عندما تكلم الله سبحانه وتعالى عن أصحاب الهمم الفاسدة والإرادات الرديئة، الله سبحانه وتعالى ماذا فعل بهم؟ لم يرد الله بهم خيراً فثبطهم وقال: ﴿وَقَالَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. فأنت بين أمرين: إما أن تستغفر وتتوب إلى الله سبحانه وتعالى فيحدث الله لك قوة وإقبالاً، وإما أن تصر على المعاصي والذنوب فيكره الله انبعاث روحك للعلم، فثبطهم وقيل اقعد مع القاعدين.
هذا الشيء وأنت ستخطه بالمسلك الذي تسير فيه في هذه الحياة، هل هو مسلك التوبة والاستغفار وصلاح القلب، أم هو مسلك الاستمرار والإصرار على الذنوب والمعاصي والبعد عن الله سبحانه وتعالى؟ لا تظن أن العلم هو مجرد قراءة كتاب؛ العلم أساسه صلاح القلب وحسن السير إلى الله، وإنما القراءة والتعلم إنما هي جزء من هذه المسيرة، لكنها ليست كل شيء. إذا لم تهتم بقلبك، إذا لم تهتم بإصلاح العلاقة بينك وبين ربك، فاعلم أن كل هذا التعب الذي أنت فيه سيضيع هباءً.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا صلاح القلوب، وأن يرزقنا التوبة والاستغفار وتجديد الإيمان في كل يوم من أيام الحياة وفي كل صفحة من صفحاتها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وبسم الله نبدأ، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإدام أحبابي هو الذي يكون بجانب الطبق الرئيسي، أو الشيء الذي مثلاً يكون عندك رز وبجانبه إيدام من البامية والفاصوليا وما شابه ذلك، فهذا يسمى في عرفهم إيداماً؛ شيء يغمس، شيء يضاف إلى القمح أو إلى الرز وما شابه ذلك، فهذا معنى الإدامة.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وعبد الله بن عبد الرحمن قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الإدام الخل». وهذا يدل أحبابي على أن الخل له فوائد صحية كثيرة؛ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم امتدحه ووصفه بأنه نعم الإدام، وهذا لا يعني أنه أفضل إيدام، لكن يعني أنه شيء جيد ومرغب به من الفوائد الجسدية على عافية الإنسان.
قال عبد الله بن عبد الرحمن في حديثه: "نعم الإدام أو الأدم والخل"، يعني شك عبد الله بن عبد الرحمن -وهو الإمام الدارمي نفسه صاحب السنن وهو شيخ التلميذ هنا- فعبد الله بن عبد الرحمن شك في الرواية فقال: الإدام أو الأدم، وفي النهاية المحصلة واحدة، وهو الثناء على الخل باعتباره من أفضل أنواع الإدام.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة قال: أحدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: «ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم». بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «ألستم تجدون من الطعام ما تشتهون ومن الشراب ما تشتهون؟ فكل الإدامة عندكم». انظروا كيف كان حال سيدكم صلى الله عليه وسلم مع الإيدام.
قال: «لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل لما يملأ بطنه». والدقل هو نوع من أنواع التمر الرديء، تخيل أن النبي ﷺ لم يكن يجد من هذا الطعام الرديء ما يملأ بطنه، حتى الطعام الرديء لا يجد منه ما يملأ بطنه، صلوات ربي وسلامه عليه.
قال رحمه الله: حدثنا عبده بن عبد الله الخزاعي، قال حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن محارب بن دثارة، عن جابر بن عبد الله، قال: قال ﷺ: «نعم الإدام: الأدم والخل».
قال: حدثنا وقيع، عن سفيان، عن أيوب، عن زهد بن جرمي، قال: كنا عند أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فأُتي بطعام، فتنحى رجل من القوم، فقال: مالك؟ فقال: إني رأيتها تأكل شيئًا، فحلفْتُ أن لا آكلها. هذا الرجل رأى الدجاج يأكل شيئًا قذرًا فحلف حلفه مطلقة: «والله لا آكل الدجاجة في عمري».
فأبو موسى قال له: أنت أخطأت في هذا اليمين، وحرمت على نفسك شيئًا أباحه الله لك. الدجاج أو الحيوانات عمومًا إذا كانت تأكل القاذورات هذه تسمى الجلالة، وهذه تحبس ثلاثة أيام وتُطعم طعامًا طاهرًا ثم يعاد أكلها، وأما إذا رأيت شيئًا يأكل القاذورات فتحرم على نفسك جنس هذا اللحم أو جنس هذا الشيء، فهذا خطأ تمامًا. فهنا أبو موسى الأشعري بين له خطأه في هذا اليمين، وأخبره بأن النبي ﷺ كان يأكل لحم الدجاج، فإذا أنت رأيت دجاجة تأكل قاذوراتها، يا أخي انتظر عليها ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك تستطيع أن تأكلها، ولا حاجة لأن تحرم على نفسك أكل الدجاج على وجه الإطلاق. قال رضي الله عنه: إذن فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم دجاج.
قال: حدثنا الفضل بن سهل الأعرج البغدادي، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جده، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حباري. هذا يدل على أن النبي ﷺ كان يأكل لحم الطيور أيضًا، فالحبارى نوع من أنواع الطيور.
قال رحمه الله: حدثنا علي بن حجري، قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن القاسم التميمي، عن زهد بن جرمي، قال: كنا عند أبي موسى الأشعري، فقدم طعامه، وقدم في طعامه لحم دجاج. وفي القوم رجل من بريتين من بني تيم الله، أحمر كأنه مولى، يعني وجهه فيه حمرة، يشبه في لونه لون الموالي، كانوا إذا أتي بهم من بلاد الروم أو الفرس كان كثيرًا منهم يكون في وجهه حمرة، لذلك قال: كأنه من الموالي أي من العبيد الذين جربوا من الخارج. قال: فلم يبدُ، فقال له أبو موسى: إني رأيت رسول الله ﷺ أكل منه، فقال: إني رأيته يأكل شيئًا فقدرته، فحلفْتُ أن لا أطعمه أبدًا. الحديث هو نفس الحديث السابق الذي مر معنا قبل قليل.
قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو أحمد الزبيري وأبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن رجل من أهل الشام يقال له عطاء، عن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة». أبو أسيد، ليس أسيد، أبو أسيد؛ بعض الصحابة أسيد وبعضهم أبو أسيد، وكلاهما من الأسماء المعروفة عند العرب.
هذا الحديث فيه حث على الزيت، قبل قليل كنا نحث على الخل، الآن هذا حث على ماذا؟ على إدام الزيت، وإن كان الحديث فيه ضعف من الناحية الإسنادية لكنه عده طرق. فهذا فيه حث على أكل الزيت وعلى الادهان به، وهذا يثبته الأطباء، ربما الادهان بالزيت على المفاصل وعلى العضلات وأثره الطيب على الجسد. فالزيت نعم الطعام ونعم الادهان، والنبي ﷺ كان يدهن به شعره ويصلح به لحيته أيضًا، فالزيت يصلح لجوانب عديدة.
قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن موسى، قال حدثنا عبد الرزاق، قال حدثنا عمرو، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة».
قال أبو عيسى رحمه الله: وعبد الرزاق -عبد الرزاق الصنعاني- اضطرب في هذا الحديث، فربما أسنده وربما أرسله. الذي روى عنه هذا الحديث: حدثنا يحيى بن موسى، قال حدثنا عبد الرزاق، عن عمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي ﷺ، زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﷺ، طبعًا والد زيد بن أسلم ليس صحابيًا، هو مولى عمر بن الخطاب وخادمه، ففي هذا الحديث زيد بن أسلم يروي عن أبيه عن النبي ﷺ مباشرة، إذًا الحديث فيه انقطاع، إسقاط للصحابي. في الرواية السابقة رواه متصلاً عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، فذكر الصحابي، فلذلك قالوا عبد الرزاق اضطرب في الحديث، مرة رواه متصلًا ومرة أسقط منه الصحابي فرواه مرسلًا. والارسال لا يؤثر حقيقة عند الفقهاء.
قال: عن النبي ﷺ نحوه، لم يذكر فيه عمر. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا شعبة، عن القتادة، عن أنس بن مالك، قال: «كان النبي ﷺ يعجبه الدباء». فأُتي بطعام النبي ﷺ، فكان أحب الطعام إليه، وأحب الأذن إليه، الدباء، وتعرفونها الدباء. الدباء تعرفون هذه التي تباع في المحلات، تكون هكذا كبيرة وتوضع في داخل الحساب، وتوضع في بعض الأطعمة، تطبخ بطرق متعددة. فالنبي ﷺ كان يعجبه الدباء ويحبه ويتتبعه. قال: فأُتي بطعام، فجعلته يتبعه، فأوضعه بين يديه.
لما أعلم أنه يحبه، هذا من أدب أنس مع النبي ﷺ؛ فكان أنس يتتبع الدباء من الإناء ويجمعه بين يدي النبي ﷺ لعلمه أن حبيبه ﷺ كان يحب الدباء.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا حفص بن غيث، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ فرأيت عنده دباء يقطع، فقلت: ما هذا؟ قال: «نكثّر به طعامنا». نكثر به طعامنا؛ لأن الدباء قطع كبيرة، عندما يقطع تبقى قطعة كبيرة وهو مشبع، فبالتالي لما يكون الإنسان ما عنده قدرة مادية يشتري أشياء كثيرة، لو أتى بدباء وقطعها يكثر بها الطعام ويحصل بها الشبع؛ لذلك قال: نكثر به طعامنا فنشبع منها.
قال أبو عيسى رحمه الله: وجابر هو جابر بن طارق، ويقال بن أبي طارق، وهو رجل، الصحابي المشهور جابر بن عبد الله راوي هذا الحديث؛ جابر بن طارق هذا صحابي ليس له إلا هذا الحديث. في كتب السنن قالوا: ابن أبي طارق، وهناك من قال: جابر بن أبي طالب، وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نعرف له إلا هذا الحديث الواحد. وأبو خالد اسمه سعد.
قال: حدثنا عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن خياطًا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقُرب إلى رسول الله ﷺ خبز من شعير ومرق فيه دباء وَّقَدِيد، وهو اللحم المجفف؛ ما هو القديد؟ لحم مجفف كانوا يضعونه مع الحساء، يضعونه مع الشوربات. فهذا الرجل صنع على النبي ﷺ طعامًا؛ خبز من شعير وصنع له مرقًا وضع فيه قطعًا من الدباء وشيئًا من اللحم المقدد. قال أنس: فرأيت النبي ﷺ يتبع الدباء حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. القصعة السدر؛ يتتبع الدباء يحاول أن يحصل عليه من جوانب السدر لأنه كان يعجبه ﷺ. فأنَس أصبح يحب الدباء لأن النبي ﷺ يحب الدباء، هكذا كان الصحابة؛ حتى لو شيء من المباحات العامة يحرصون عليه إذا رأوا حبيبهم ﷺ قد حرص عليه.
قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، وسلامة بن شبيب، ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحب الحلوى والعسل. إذًا النبي ﷺ كان يحب الحلويات أيضًا، كان يحب الحلوى والعسل والأشياء التي فيها سكريات كما يقولون.
قال رحمه الله: حدثنا حسن بن محمد بن الزعفراني، قال حدثنا حجاج بن محمد، قال قال ابن جرير: أخبرني محمد بن يوسف، أن عطاء بن يسار أخبره، أنه سلمت، أخبرته أنها قربت إلى رسول الله ﷺ جنبًا مشويًا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ. فالنبي ﷺ أيضًا كان يأكل من لحوم الغنم ولحوم الإبل، فالجنب المشوي إما من غنم أو من إبل أو ما شابه ذلك شوه على النار، فكان يأكل منه. وقضية أنه لم يتوضأ دلالة على أن الوضوء مما مست النار منسوخ. الحكم الأول أن أي شيء طبخ على النار كانوا يتوضؤون منه، ثم نُسخ هذا الحكم بعد ذلك، كما قال جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء بما مسته النار». فهذا نسخ، وهذا دلالة على نسخه.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد. فهذا يدل على جواز أكل الشواء المشوي، وهذا واضح ومجموع عليه، ويدل على جواز الأكل في المساجد، بشرط طبعًا ألا تلوث المسجد أو تلقي فيه القاذورات، فيجوز الأكل في المسجد ولو لحمًا أو أرزًا أو ما شابه ذلك، لكن ينبغي أن لا يتم تلويد المسجد بهذه الطاعة.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا وكيل، قال حدثنا مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشوي، أي كنت ضيفًا ضفت مع النبي ﷺ، ذهب هو والنبي ﷺ ضيوفًا إلى رجل دعاهم، فماذا قدم لهم؟ جنب مشوي من غنم أو إبل والله أعلم. قال: فأتي بجنب مشوي، ثم أخذ الشفرة فجعل يحز، فحز لي بها حتى يقطع بها اللحم حتى يستطيع أن يأكل.
قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة فقال: «ما له؟». وقال له: يا رسول الله حان وقت إقامة الصلاة. هذا معنى جاء بلال يؤذنه، يعني يعلمه أنه يا رسول الله حان وقت إقامة الصلاة. فالنبي ﷺ قال: «ما له؟ تربت يداك!». يعني الآن يا بلال لو انتظرت دقائق، لأنه وقت الصلاة كان فيه ساعة، لكن مع ذلك النبي ﷺ حريص على أن يصلي، إذا جاء بلال فقال: «ما له؟ تربت يداك»، كما قلنا؛ لأنه كان ما زال في بداية أكله، لكنه مع ذلك ترك السكين وقام يصلي بحفظ الصلاة.
قال: وألقى الشفرة فقال: «ما له؟ تربت يداه». قال: وكان شاربه قد وفى. فقال: «أأقصه لك على سواك؟» أو «قصه على سواك». قصه؛ إذًا في خلاف الرواية هل النبي ﷺ استفهم أو طلب: «أأقصه لك على سواك؟»، وهذا كانوا يفعلونه؛ أن يأتي بالسواك يوضحون إذا كان الشارب كبيرًا يؤتى بالسواك، فما زاد عن السواك يتم قصه. أنت ممكن تضع قلمًا على هذه المنطقة وتقص ما زاد عن القلم إذا كان الشارب كبيرًا. فالنبي ﷺ قال له: «أأقصه لك على سواك؟» أو أمره: «قصه»، إما بلفظ الأمر أو بلفظ الاستفهام.
الاستفهام أقصه نوع من العرض أو قصة، وهذا أمر يخصه.
قال رحمه الله: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي حيان تميم، عن أبي سرعة، عن أبي هريرة قال: «أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها». النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب قطعة إليه من الغنم الذراع؛ كانوا يحبون الذراع المشوي. نهش منها بأسنانه، تعرفون الذي يمسك اللحم هكذا ويعد عليه بأسنانه مباشرة؟ هذا معنى نهش منها.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو داود، عن زهير -يعني ابن محمد- عن أبي إسحاق، عن سعد بن عياض، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع». وسمَّ اليهود في الذراع، فسمَّوا النبي صلى الله عليه وسلم في الذراع، فكثرت زينب بنت الحارث، ثم فيها عليها من الله ما تستحق، وكان يرى أن اليهود سموه.
قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا إبراهيم، قال حدثنا عن شهر بن حوشب، عن أبي عبيد قال: طبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرا، وقد كان يعجبه الذراع، تناولته الزراعة، ثم قال: «ناولني الذراع»، أول ذراع فأكلها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له مرة ثانية: «الذراع الثاني»، ثم قال تناولته ثم قال: «ناولني الذراع»، فقلت: يا رسول الله، وكم من الشاة من ذراع؟ أكلت يا رسول الله الذراع الأول، ثم ناولتك الذراع الثاني، فكم الشاة من ذراع؟ خلصوا.
شوفوا المعجزات، النبي صلى الله عليه وسلم، انظروا ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو سكت لناولتني الذراع». من معجزاته، قال: لو سكت وما اعترضت لأصبحت كل شيء تناولني إياه يكون ذراعاً. وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الصحابي خربها عليه، هذا الصحابي خرب الموضوع، قال: لو سكت وما اعترضت، كل شيء ستناولني إياه سيكون ذراعاً. أبي بركته عليه الصلاة والسلام.
قال رحمه الله: حدثنا الحسن بن محمد بن الزعفراني، قال حدثنا يحيى بن عباد، عن فليح بن سليمان، قال حدثني رجل، قال حدثني رجل من بني عباد يقال له عبد الوهاب بن يحيى بن عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما كانت الذراع وحباً للحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان لا يجد اللحم إلا غباءً، وكان يعجل إليها». يعني أحياناً ليس كل يوم كان يتوفر اللحم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجاً. هذا حديث حقيقة ضعيف ويخالف ما هو مشهور، هذا الحديث يضعف ويخالف ما هو مشهور. المشهور أن عائشة رضي الله عنها ماذا تقول؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفضل أكل الذراع ليس لأنه يحب لحمها، بل لأنها أسرع شيء ينضج. والصحيح كما ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة أنه كان يحبها للحمها وطراوته، فهذا الحديث حقيقة مخالف لما هو ثابت أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب لحم الذراع بالتحديد، وليس لأنه كان أسرع نضجاً فيستعجل عليه، ليس هذا هو السبب، والحديث من الناحية الإسنادية ضعيف.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا مسعر، قال سمعت شيخاً من فهم، قال سمعت عبد الله بن جعفر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أطيب اللحم لحم الظهر». قال: حدثنا سفيان، تزكية منه صلى الله عليه وسلم للحم الظهري من الغنم أو الإبل وما شابه ذلك، وأن فيه طيباً.
قال رحمه الله: حدثنا سفيان بن وكيل، قال حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الله بن المؤمري، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الإدام الخل». حدثنا أبو كريم محمد بن العلاقة، أبو بكر بن عياش، عن ثابت، عن أبي حمزة الثماني، عن الشعبي، عن أم هانئ قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عندك شيء؟»، فقلت: لا، إلا خبز يابس وخل، فقال: «هاتي»، «ما أكفر بيتاً من أدم فيه خل»، ما أكفر أي ما خلا بيت من أدم إذا كان فيه خل، يعني بيت فيه خل معناه فيه إدام، حتى لو فيه خل وحده، إذا فيه إدام هذا معنى ما أكفر، أي ما خلا بيت من إدام إذا كان فيه الخل، فالخل يعتبر إداماً ومرغباً فيه، وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم. بالتالي المسلم يحرص على شيء حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أن تضعه مع السلطان أو ما شابه ذلك، ربما في عرفنا نحن لا نغمس بالخل مباشرة، لكن يمكن إضافته إلى العديد من الأطعمة والاستفادة من هذه الوصية النبوية.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». الثريد أحبابي هو نوع من الطعام، هو نوع من الإدام، لذلك ذكره في هذا الفصل، فصل الإدام، وهو مرق يوضع فيه خبز، وأحياناً يوضع معه اللحم، وأحياناً توضع معه قطع من اللحم، يعني ربما نقول يشبه المنسف في بلادنا ولكن بدون الأرز، الخبز يغمس بماذا؟ بالمرق، وأحياناً يضعون عليه اللحم وأحياناً لا يضعون، وكان طعاماً مميزاً خصوصاً إذا وضع فيه اللحم، كانوا يعتبرونه طعاماً مميزاً وعالياً خاصة إذا كان فيه اللحم. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يفضل عائشة على سائر النساء ماذا قال؟ «وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، يقول إذا كان الثريد طعاماً مميزاً ومقدماً، لذلك شبه عائشة بالثريد، دلالة على أنه طعام مميز.
قال رحمه الله: حدثنا علي بن حجر، قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري أبو طوالة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال صلى الله عليه وسلم: «على سائر الطعام». حدثنا قطيبة بن سعيد، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من أكل ثور أقط، ثم كلمه توضأ؛ هنا ليست بمعنى الشرعي، وإنما توضأ هنا بمعنى الوضوء في اللغة، وهو غسل الي...
وهذه من الأمور التي ينبغي أن يهتم بها طالب العلم؛ أن يعرف هل اللفظ هنا جاء بالمعنى الشرعي أو بالمعنى اللغوي. هنا الوضوء ليس بالمعنى الشرعي، فغسل الوجه والمضمضة هنا توضأ بالمعنى اللغوي، والمراد به غسل اليدين؛ يعني أن النبي ﷺ غسل يديه من أكل قطعة ثور، والثور هي القطعة، والقط ما هو الجَميد، أكل قطعة جَميد مطبوخة وغسل يديه؛ لأنه فيها نوع من الدسومة.
قال: ثم رآه أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوض؛ ثم أكل النبي ﷺ من كتف شاة وصلى ولم يتوض، والمراد هنا لم يغسل يديه إذا حملنا الوضوء على المعنى اللغوي أيضًا. إذاً هنا حقيقة واقع خلاف في تفسير الحديث: هل الوضوء هنا بالمعنى اللغوي أو بالمعنى الشرعي؟ إذا قلنا بالمعنى اللغوي فيكون المعنى أنه غسل يديه من أكل قطع الجَميد، ثم جاءه طعام آخر وهو ماذا؟ كتف شاة، فأكل منه ولم يغسل يديه، فبالتالي غسل اليدين هذه بعد الطعام مسألة فيها سعة.
غسل اليدين بعد أكل الجَميد ولم يغسل يديه بعد أكل ماذا؟ الكتف. البعض قال: الوضوء الأولى بالمعنى اللغوي، وتوضأ الثانية بالمعنى الشرعي؛ لأنه قال: «ثم صلى ولم يتوض»، فيحتمل أن تكون الوضوء في الثاني بالمعنى الشرعي. وفيه إشارة لما قلناه قبل قليل؛ أن من أكل لحمًا أو شيئًا مشويًا لا يلزمه أن يتوضأ بعده، وهذا كان آخر الأمر في حال النبي ﷺ؛ أنه كان إذا أكل شيئًا مشويًا لا يقوم فيتوضأ منه، بخلاف أول الإسلام؛ كانوا إذا أكلوا شيئًا طبخ على النار توضأوا منه وضوءًا شرعيًا.
قال رحمه الله: حدثنا بن أبي عمر، قال حدثنا سفيان بن عيَان، عن وائل بن داود، عن ابنه وهو بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس بن مالك: «رسول الله ﷺ على صفية بتمر وسويق». لما تزوج النبي ﷺ سيدتنا صفية بنت حيي بن أخطب، صنع وليمة، وليمة الزواج سنة؛ صنع وليمة إيش؟ قالت محتويات هذه الوليمة شيء بسيط جداً: التمر والسويق. والسويق هو دقيق الحنطة والشعير المطحونة، أحياناً يمكن يوضع عليها شيء من الماء حتى تتبلل وتصبح كالقبيصة وتؤكل هكذا، يعني تتبع باليد، هذا هو السويق؛ دقيق الحنطة والشعير، أحياناً يوضع عليهما ويبلل فتصبح مثل الخبيصة تؤكل هكذا بالأيدي مباشرة.
إذن وليمة بسيطة، يعني ما كافية لا لحم ولا دجاج ولا رز، وليمة بأيسر الأمور المتوفرة. فإذا رزقك الله وتزوجت ولم يكن لك مال تصنع باللحم والرز والمناسف، تستطيع أن تعمل وليمة بأقل شيء عندك إن قبل الناس.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا حسين بن محمد البصري، قال حدثنا سليمان، قال حدثني مولى رسول الله ﷺ، قال حدثني عبيد الله بن علي عن جدته سلمى، أن الحسن بن علي وابن عباس وابن جعفر أتوها فقالوا لها: اصنعي لنا طعامًا مما كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله. فالحسن وابن عباس جاءوا إلى سلمى، وكانت مولاة للنبي ﷺ تصنع له الطعام وما شابه ذلك، فقالوا: يا سلمى أنت كنت تصنعين الطعام للنبي ﷺ، اصنعي لنا شيئًا من الطعام الذي كنت تصنعينه له، حابين نأكل شيئًا كان يأكله النبي ﷺ.
فقالت: يا بنية لا تشتهيه اليوم، قال: بلى اصنعيه لنا، صنعت لكم شيئًا مما كان يعجب النبي ﷺ، لا تشتهيه اليوم؛ أنت صرتوا تأكلوا أشياء ووجبات متقدمة، النبي ﷺ كانت وجباته بسيطة، لو أطعمتكم إياها ستعافونها. دلالة أنه عليه الصلاة والسلام كانت طبيعة أكله بسيطة، صلوات ربي وسلامه عليه.
قال: فقامت فأخذت من شعير فطحنته، ثم جعلته في قدر وصبت عليه شيئًا من زيت ودقة الفلفل والتوابل، فقربته إليهم، وقالت: هذا مما كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله. محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا سفيان -أظنها- «ويحسن أكله»، ضبطها: «ويحسن أكله»؛ لأن هناك من ضبطها «ويحسن أكله»؛ لأنه يحسن، يعني معنى يتقن أكله، المعنى مش كبير، لكن يحسن أي يفضل، فلذلك أعتقد أنها «يحسن»، وهكذا ضبطها الشيخ ماهر الفحل؛ أنها «يحسن أكله» أي يفضل أكله، وهذا يتلائم مع ما جاء في الرواية أنه كان يعجب ويحسن، هذا الذي يتلائم مع كلمة يعجب.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنازي، عن جابر بن عبد الله قال: «أتانا النبي ﷺ في منزلنا فذبحنا له شاة»، فقال: «كأنهم علموا أننا نحب اللحم». وفي الحديث قصة، وهذا يدل أن النبي ﷺ كان يحب اللحم؛ فرح به لما أتى فوجدهم كذلك، وقال: «كأنهم علموا أننا نحب اللحم» مع أنه لم يخبرهم بذلك، فهذا يدل أنه ﷺ سمع جابر.
قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال: «خرج رسول الله ﷺ وأنا معه». هذا يدل لك أن محمد بن المنكدر رواه عن جابر، وعبد الله بن محمد بن عقيل من المنكر، وإنما حرص الترمذي على ذكر الطريق الثاني؛ لأن عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه في حفظه وإتقانه، فلما قال سفيان ورواه أيضًا عن طريق آخر محمد بن المنكدر، إذاً هذا فيه تقوية للطريق الأول، فبالتالي له مخرجات.
عن جابر رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل منها، وأتته بقناع من رطب فأكل منه»، والقناع وعاء كان يوضع فيه الرطب والتمر. قال: «ثم توضأ للظهر وصلى ﷺ ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة فأكل»، والعلالة يعني طبخت أو كان شيء بقي منها.
قال: «ثم صلى العصر ولم يتوض»، وهذا فيه تأكيد للفكرة التي كررناها مرارًا اليوم؛ وهو أن من أكل شيئًا من اللحم بعد أن طبخ لا يلزمه الوضوء، إلا لحم الإبل، وقع خلاف فيه، فالجمهور يرون أيضًا أنه مثل...
لحم الشام لا يلزم الوضوء منه، والحنابلة هم الذين تفردوا وقالوا إن لحم الإبل يلزمك الوضوء منه بخلاف سائر اللحوم الأخرى التي لا يلزمك الوضوء منها.
قال رحمه الله: حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن -يعني يعقوب بن أبي يعقوب عنه- عن منذر، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ومعه علي، ولنا دوال معلقة.
والدوالي التي عندنا في بلادنا هي عذق التمر، تعرفون لما تذهب لبعض المحلات، البلحة وكذا يعطيك العذق والعرجون بما عليه، فهم هكذا كانوا يفعلون؛ إذا رأيتم بعض الصور القديمة للبيوت تجد عذق تمر كامل بما عليه معلق في ناحية من المنزل، فهذه كانوا يسمونها دوالي، نخل بعراجينه وما عليه من البلح والتمر.
قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعلي معه يأكل، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: «ما هي علي؟ فإنك ناقه»، أي عليك، كان خرج من مرضه، كان خرج حديثاً من مرضه وعكة صحية، فقال: «يا علي، لا يصلح لك أن تأكل من هذا التمر، أنت ناقه»، يعني أنت حديثاً خرجت من نواعك الصحية، والتمر لا يصلح لك، طبعاً لا أعلم ما هو السبب، فهو عليه الصلاة والسلام أدرى بطبيعة المرض وصلاحية التمر.
قالت: فجلس النبي ﷺ يأكل، فجعلت لهم سلقاً وشعيراً، راحت هذه المرأة رضي الله عنها طبخت لهم طبخة أخرى، شافت علي ليس يأكل، قالت: خلينا نجبر خاطر علي بن أبي طالب، فصنعت لهم سلقاً، والسلق هو شيء يشبه الجرجير.
في تنوع في طبيعة الإدام الذي كان في حياته ﷺ، كما تلاحظون. في الأحاديث، قال: كان النبي ﷺ يأتيني فيقول: «عندك غداء؟»، فقلت: «إني صائم»، قد فاتني، فقلت: «يا رسول الله إني أهدت لي هدية»، قال: «وما هي؟»، قلت: «حيث»، قال: «أما إني من إدامهم أيضاً كان الحيث»، وهذا كنا نعرفه في المدينة، يصنع من التمر والسمن، واليوم يضيفون عليه الموز وأحياناً يضيفون عليه العسل أو ما شابه ذلك، هذا يسمونه حيث، وهو إلى الآن من يذهب إلى المدينة ويجلس على سفح الحرم كثيراً منكم ربما شاهد ذلك، عندهم هذه ما زالت معروفة إلى الآن.
قال: «أما إني أصبحت صائمة»، قال: ثم أكلت. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن.
نتصور القائد الأعلى ﷺ يدخل إلى بيته لا يجد شيئاً، دخل على عائشة: «عندك شيء؟»، قالت: «ما عندي شيء»، البيت فارغ تماماً، ومع ذلك النبي ﷺ يصبر وزوجته تصبر، ما في اعتراض على قضاء الله، هو اختار الفقر بإرادته وأحبه وتعايش معه. فكم من إنسان إلى اليوم ربما يعترض على نوع الطبخ، يعني بيته مليء ومع ذلك يقول: لا والله أنا لا أحب هذا كذا، ويعمل مشكلة مع زوجته أو مع أمه على نوع طعام، انظر إلى حال النبي ﷺ، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
هكذا المسلم، موضوع الطعام والشراب أحبابي ليس قضية، في الحياة بعض الناس هو فقط يعيش من أجل الطعام والشراب، يعيش من أجل المطاعم، ما عتب عليه مطعم في بلادنا، ما يصلح هذا أن يكون فقط من الصباح ماذا سآكل وماذا سأتعدى، هذا ليس هدفاً تعيش من أجله، هذا الشيء يأتي على هامش الحياة، إن حصل حصل، إن لم يحصل لم يحصل، الأمر أبسط من ذلك بكثير.
قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عمر بن غياث، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن أبي يحيى، عن يزيد بن أبي أمية الأعور، عن يوسف بن عبد الله بن سلامة، قال: رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه»، وأكل.
أي أن النبي ﷺ أحياناً يأخذ كسرة خبز شعير يضع عليها تمرة ويقول: «هذه إدام هذه»، يعني هذه الخبزة هي إدام التمر، فيأكل تمرة مع خبزه ويعتبر هذا طعاماً وانتهى الأمر.
قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يعجبه الثفل، يعني ما بقي من الطعام في داخل الوعاء أو القدر.
ولماذا كان يعجبه الثفل؟ إذا النبي ﷺ خرج من الخلاء وأراد أن يأكل، فقالوا: يا رسول الله، نأتيك بوضوء حتى تتوضأ؟ فقال: «أنا لم أؤمر بالوضوء كلما خرجت من دورة المياه والخلاء، إنما أحتاج الوضوء إذا أردت أن أصلي»، إذا لم يرد أن يصلي فبإمكانه أن يخرج من الخلاء مع وضوء وبإمكانه أن يخرج بدون وضوء، فالأمر فيه سعة في دين الإسلام بحمد الله.
قال رحمه الله: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ من الغائط، فأتي بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: «أصلي أتوضأ؟ هل أنا أريد الصلاة حتى أتوضأ؟ أنا لا أريد أن أصلي فلا يلزمني الوضوء كلما خرجت من الخلاء».
قال حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا قيس بن الربيع، وحدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الكريم الجرجاني، عن قيس بن الربيع، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة: «إن بركة الطعام الوضوء بعده». فالموضوع هنا بالمعنى اللغوي وهو غسل اليدين، الوضوء هنا في هذا الحديث بالمعنى اللغوي هو غسل اليدين بعده.
قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ وأخبرته بما قرأته في التوراة، فقال رسول الله ﷺ: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده». النبي ﷺ هنا زاده معلومًا؛ بركة الطعام أنك قبل ما تأكل تغسل يديك، خاصة لما يكون قد عمل أعمالاً صعبة أو مشى في الطرقات، غسل يديك ينظفها، والوضوء بعد أن يغسل يديه بعد الطعام حتى يزيل ما عرق بها من قاذورات أو دهن أو ما شابه ذلك. وقضية غسل اليدين قبل الطعام وبعد الطعام سيأتي التفصيل فيها إن شاء الله في كتابه الأخلاق والآداب الذي سندرس ونعرف الأحكام الفقهية المرتبطة بها.
قال رحمه الله: باب ما جاء في قول رسول الله ﷺ قبل الطعام وبعد ما يفرغ منه. قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا...
ابن لهيه، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد بن جندل اليافعي، عن حبيب بن أوس، عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقرب طعام، فلم أرَ طعامًا كان أعظم بركة منه. أول ما أكل عظيم البركة، والناس تأكل والطعام لا ينفد، الخير فيه واجب.
ماذا حدث بعد ذلك؟ قال: ولا أقل بركة في آخره، لما جاءنا إلى آخر الأمر قد بدا الطعام تقل بركته وبدأ ينفد بشكل سريع. فقلنا: يا رسول الله كيف هذا؟ قال: «إنهم ذكروا اسم الله حين أكلنا، ثم قعد من أكل ولم يسمِّ الله تعالى، فأكل معه الشيطان».
هذا ما حدث في البداية؛ كان كل من جالس على الطعام يذكر اسم الله، ثم جاء رجل واضح أنه جاء في آخر القضية، دخل معهم في الطعام ولم يسمِّ، فكان ذلك سببًا في ذهاب بركة الطعام. وهذا يدل على أهمية التسمية عند تناول الطعام؛ ففيها البركة وبقاء للطعام للعائلة أو للمجموعة أو للطائفة. بعض الناس تجلس معهم على السفرة يخلص بسرعة، فتذكرهم ورب العالمين، وبعض الناس تجلس معهم، ومع أنهم من أصحاب الأجساد الكبيرة، إلا أن الطعام فيه بركة ولا ينفد. وهذا ليس شيء مما يداعب به، هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً؛ عدم التسمية سبب في انتهاء الطعام قبل أن يشبع الجالسون عليه.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن موسى، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا هشام الدستوائي، عن بديل العقيلي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أم كلثوم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه، فليقل: بسم الله أوله وآخره». هذه السنة لمن نسي في أول الطعام؛ إذا تذكرت التسمية في أثناء الطعام أو في آخره فلتَقُل: «بسم الله أوله وآخره»، فإن الشيطان كما جاء في بعض الآثار يقيء ما أكله معك.
قال: حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، قال حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمى، قال: إنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام، فقال: «ادن يا بني، فسمِّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
الأصل في الإنسان أن يأكل من الجهة التي أمامه ولا يأكل من الجهة الأخرى، إلا إذا كان الطعام فيه عدة أصناف؛ هنا مثلاً وضع لحم، وهنا وضع دجاج، وهنا وضع بجانبي شيء آخر، فإذا أردت اللحم سأضطر أن أمد يدي إلى جهة بعيدة، لا إشكال إذا كان الطعام من أصناف متعددة أن تمد يدك إلى الجهة التي ليست تليك، لكن إذا كان الطعام كله واحد ومن صنف واحد، لا، هنا لا يجوز لك أن تذهب إلى الجهة البعيدة عنك، وإنما تأكل من أمامك، وسياتي لها تفصيل إن شاء الله.
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال حدثنا سفيان الثوري، عن أبي هاشم، عن إسماعيل بن رياح، عن أبيه رياح بن عبيدة، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين».
نعمة الإسلام مع كل شيء، ليست فقط النعمة أن تأكل وتشرب؛ فالكفار يأكلون ويشربون، لكن أنت تأكل وتشرب وأنت مسلم وهم يأكلون ويشربون وهم كفار. فليست الفكرة أن تأكل وتشرب، الفكرة أن تكون مسلمًا وأن تعيش هذه الحياة على هذا النهج. لذلك ما أجمل هذا الدعاء: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»؛ هذا هو الأعظم، أن تعيش هذه الحياة، حياة طيبة تأكل وتشرب وتنكح وتعيش، لكن تكون مسلمًا حتى تكون على هداية واستقامة.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مودع ولا مستغنٍ عنه».
هذا من الأدعية التي تقال بعد الفراغ من الطعام. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الأدعية، منها الدعاء السابق: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»، ومنها هذا الدعاء، وهذا الثاني أصح من الأول من الناحية الإسنادية: «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مودع ولا مستغنٍ عنه». ومعنى غير مودع ولا مستغنٍ عنه ربنا؛ هنا منادى منصوب حذفت أداة النداء "يا"، فالمعنى: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً، لا نودعه أي لا نتركه ولا نستغني عنه، ولا نستطيع أن نستغني عن حمد ربنا والثناء عليه، لذلك قال: غير مودع ولا مستغنٍ يا ربنا، فربنا منادى بأداة نداء محذوفة.
قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال حدثنا وقيع، عن هشام الدستوائي، عن بديل بن ميسرة العقيدي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أم كلثوم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء أعرابي أكل الطعام كله بلقمتين، والأعرابي صحابي، فمنهم من قد يزدري لأنه أعرابي، لكن تذكر في النهاية أنه صحابي، نعلنا فوق رؤوسنا، لكنه في النهاية أخطأ هذا الخطأ فأكل معهم وأكل كل الطعام بلقمتين، والخطأ الذي ارتكبه هذا الأعرابي أنه لم يسمِّ.
قال رحمه الله: حدثنا هناد ومحمود بن غيلان، قال حدثنا أبو أسامة، عن زكريا بن أبي زايد، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها». من الأمور التي تجلب محبة الله لك وتجلب رضا الله.
عنك أنك كلما أكلت أكلة أو شربت شربة تحمد الله؛ إن الله يحب ويرضى عن العبد الذي هذه دأبته في الحياة أن يحمد الله عند كل أكلة وكل شربة، ويتذكر أن هذا كله بفضل الله سبحانه وتعالى ونعمه.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا حسين بن الأسود البغدادي، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا عيسى بن طهمان، عن ثابت، قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدحًا خشبًا غليظًا مضببًا بحديد.
كان قدح النبي صلى الله عليه وسلم من خشب ومرمم. ما معنى مضبب مرمم بالحديد؟ يعني في منطقة مكسورة وضعوا فيها رقعة من الحديد حتى لا يخرج الطعام أو الشراب منها على بساطة الحياة؛ خشب مكسور ورمم برقعة من الحديد. فقال رضي الله عنه ثابت: هذا قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنبأنا عمرو بن عاصم، قال: أنبأنا أحمد بن سلمان، قال: أنبأنا حميد وثابت، عن أنس، قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القدح الشراب كله؛ الماء والنبيذ والعسل واللبن. أي كل ما سقيته بهذا القدح وبهذا الإناء، كنت أسقيه ماءً، كنت أسقيه نبيذًا. والنبيذ هو نقيع التمر أو العنب أو الزبيب، كانوا يأتون بماء وينقعون فيه تمرًا أو عنبًا أو زبيبًا، فيشربونه يومًا ويومين وثلاثًا؛ أي عصير تمر أو عصير عنب. فيشربونه لثلاثة أيام، لأنه بعد ثلاثة أيام يخشى أن يصبح مسكرًا، فبعد ثلاثة أيام كانوا لا يشربونه.
قال رحمه الله: باب ما جاء في فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كتاب جميل، يعني طبيعة الفوائد التي يركز عليها لا تجدها في غيره من الكتب. ما هي الفاكهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها ويأكلها؟
قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب. القثاء هو الفقوس على الصحيح، فكان يحب القثاء، ولأن القثاء يكون باردًا والرطب فيه حرارة، فيكسر حرارة هذا ببروده، فيأكلهما معًا في نفس الوجبة الرئيسية.
قال رحمه الله: حدثنا عبده بن عبد الله الخزاعي البصري، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب أيضًا؛ فالبطيخ بارد، يكسر حرارة الرطب بهذا.
قال: حدثنا إبراهيم، عن يعقوب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني حميد -أو قال حدثني حميد- قال: وهب وكان صديقًا له، عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الخربز والرطب. الخربز اسم آخر للبطيخ، والبعض قال الخرمز هو البطيخ الأصفر بالتحديد، المهم أنه بطيخ.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رمان، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل البطيخ بالرطب.
حدث إسحاق بن موسى، قال: حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رأوا أول المحصول خرجوا يأتون بأول الثمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى يدعو لهم بالبركة فيه. فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا». والصاع الذي كانوا يكيلون به طعامهم وثمارهم، فكان يدعو أن يبارك الله في مكايلهم.
قال: اللهم إنا إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإن عبدك ونبيك قد دعاك لمكة، وإن إبراهيم دعا لأهل مكة بالبركة، وفي القرآن الكريم: ﴿وَاجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: 126]، فدعاهم بالبركة. فقال: يا رسول الله، يا رب، إن إبراهيم دعا بالبركة لأهل مكة، وأنا أدعو بالبركة لأهل المدينة، فاستجب دعائي كما استجبت دعاء إبراهيم عليهم السلام. قال: «وإن يدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة، ومثله معه». يعني وزيادة عليه، ادعُ لأهل المدينة بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة وزيادة. ثم يدعو أصغر وليد يراه، فيعطيه ذلك الثمر. وإن كثيرًا من أهل العلم أنه أول ثمر يخرج يعطى لأصغر الأولاد، وهكذا كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ أول ثمرة تخرج يعطيها لأصغر الأولاد بين يديه.
قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن محمد بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن ربيعة بنت معاويد بن عفراء، قالت: بعثني معاذ بن عفراء بقناع من رطب وأجر. والربيع بنت معاويد، وعمها هو معاذ. قالت: بعثني معاذ بن عفراء بقناع من رطب وعليه أجر، وهو وعاء يوضع فيه التمر والرطب، وأجر هي قطع صغيرة من الفقوس. تعرف الفقوس قبل ما تغسله، هذا الوبر يسمى زغبًا، يعني كان كالفقوس لم يكن مغسولًا؛ قطع صغيرة من الفقوس كانت فوق التمر، فابعثها بوعاء فيه رطب وفوق الرطب قطع صغيرة، هذا معنى الأجر.
وكان هذا الفقوس ما زال عليه وبره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب القثاء، فأتيته به، وعنده حلي قد قدمت عليه من البحرين، يعني ذهب وفضة أو شيء قدم من البحرين غنيمة أو فيئًا أو ما شابه ذلك. قال: فملأ يده منها فأعطانيه. أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم -جزاه الله خيرًا- قدمت له الطعام، فأعطاها هدية من هذا الفيء الذي جاء به، وله أن يتصرف فيه كما يرى من المصلحة.
قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا ربيعة بنت معاويد بن عفراء، قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع رطب وأجر، والأجر زغب، فأعطاني مليء كفه حليًا، أو قالت ذهبًا.
قال باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد.
كان فيه ضعف وسيعلق عليه الترمذي بعد قليل، لكن ذكره هنا؛ لأنه أفضل شيء في هذا الباب. أحيانا العالم يعرف أن الأحاديث فيها ضعف، لكنه يريدها في هذا الباب؛ لأنها تكون أفضل شيء أو أصح شيء ورد في هذا الباب على ضعفه.
فبما ورد عنه ﷺ أنه كان يحب العصير أو الشراب الذي يكون حلوًا وباردًا في نفس الوقت. قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا إبراهيم، قال حدثنا علي بن زيد، عن عمر بن أبي حرملة، عن ابن عباس قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا ميمونة بنت الحارث زوجة النبي ﷺ، وهي خالة خالد بن الوليد، وهي خالة ابن عباس أيضًا؛ لذلك دخلوا عليها مع النبي ﷺ.
قال: فجاءتنا بناعة من لبن، فشرب رسول الله ﷺ وأنا على يمينه وخالد على شماله، فقال لي: «الشربة لك، فإن شئت أثرت بها خالدًا». فقد شرب لابن عباس أنه كان على اليمين، فقال له: «أنت الآن هذا حقك في الشرب، إذا أردت أن أثري خالدًا عليك لأنه أكبر منك سنًا أعطيت خالدًا، لكن هذا حقك». شوف احترام النبي ﷺ للحقوق الشرعية؛ طبعًا ابن عباس قال له: لا، أثري في حقه وفي نصيبي منك أحدًا حتى ولو كان خالد بن الوليد أكبر مني سنًا.
وقال رضي الله عنه: «ما كنت لأثري على سؤرك أحدًا». والسؤر هو الذي يتبقى بعد الشراب، يعني أنا أشرب من هذه الكأس، ما يتبقى يسمى ماذا؟ سؤرًا؛ ما يتبقى بعد شربه يسمى سؤرًا، فهذا معنى قول ابن عباس: «ما كنت لأثري على سؤرك»، أي على ما بقي من الإناء بعد شربك أحدًا، لن أجعل أحدًا يشرب منه.
ثم قال رسول الله ﷺ: «من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله عز وجل لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه». يعني كل شراب تقول: أطعمنا خيرًا، وكل طعام تقول: اللهم أطعمنا خيرًا منه، إلا شيء واحد ما هو اللبن؛ لا تقل أطعمنا خيرًا منه، تقول: زدنا منه. إذا شربت لبنًا تقول: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه.
لماذا اللبن بالتحديد؟ نكمل الحديث، ثم قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن». يعني اللبن إذا أردته أن يكون طعامًا كوجبة كاملة يصلح، وإذا أردت أن تجعله شرابًا كاملًا يصلح. فاللبن هو الطعام الوحيد الذي يجزئ ويشبع، سواء أردته طعامًا ووجبة كاملة أو أردته شرابًا، ففيه باختصار من الخصائص الصحية والنفع ما يجعله يجزئ مكان الطعام والشراب؛ لذلك لا تطلب أفضل منه، بل اطلب الزيادة منه، ليس شيء يجزئ عنه، هو أفضل شيء في الأشربة.
قال أبو عيسى رحمه الله: هكذا روى سفيان بن عيينة هذا الحديث. حتى ننتبه لذلك البعض؛ قال الأفضل أن ينقل هذا التعليق بعد حديث 204؛ لأنه مرتبط به وليس مرتبطًا بالحديث 205 الذي قبله. ماذا قال؟ قال أبو عيسى رحمه الله: هكذا روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة.
أول حديث في الباب، حدثنا سفيان -الذي هو سفيان بن عيينة- عن معمر -هو معمر بن راشد- عن الزهري. طيب، الزهري في الإسناد الأول روى الحديث عن مين؟ عن عروة عن عائشة: «كان أحب الشراب إلى النبي ﷺ الحلو البارد». لكن الصحيح أن هذا الحديث مرسل، وأن الزهري لم يروه عن عروة عن عائشة مباشرة، بل رواه عن النبي ﷺ بإسقاط التابعي والصحابي.
انظروا ماذا قال: قالوا رواه عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق وغير واحد عن معمر عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلة. مرسلة؛ لأن الزهري قال: «كان أحب الشراب إلى النبي ﷺ» بدون ذكر عروة وعائشة. والحديث الذي فيه انقطاع عند الأصوليين والفقهاء يسمى حديثًا مرسلًا، وإذا كان الساقط هو الصحابي فهذا يسمى مرسلًا حتى عند المحدثين. والصحيح أنه مرسل؛ يعني معمر بن راشد روى عنه مجموعة من الأئمة، هذا الحديث منهم سفيان، ومنهم ابن المبارك، وعبد الرزاق الصنعاني. كل من روى هذا الحديث عن معمر رواه عن معمر عن الزهري عن النبي ﷺ مباشرة بإسقاط عروة وعائشة من الحديث، إلا سفيان فهو الذي رواه عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. الصحيح أنه مرسل، ولو كان مرسلًا فهو مقبول عند الفقهاء والأصوليين، أو عند جمهور الفقهاء والأصوليين.
قال رحمه الله: «ولم يذكروا فيه عن عروة عن عائشة»، وهكذا روى يونس وغير واحد عن الزهري عن النبي ﷺ ومرسله، هو الوحيد الذي ذكر عروة وعائشة، والباقون من بين الناس والعلماء رووه مرسلًا. قال أبو عيسى: انتهى التعليق على الحديث الأول في الباب.
هنا الترمذي يعلق على الحديث الثاني، حديث ميمونة بنت الحارث. قال رحمه الله: وميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ هي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عباس. وقال يزيد بن الأصم لهؤلاء الثلاثة من الصحابة: قالوا اختلف الناس في رواية هذا الحديث عن علي بن زيد بن جدعان، فروى بعضهم عن علي بن زيد عن عمر بن أبي حرملة، وروى شعبان عن علي بن زيد فقال: عن عمرو بن أبي حرملة، وصحيحه عمر بن أبي حرملة لا عمرو بن أبي حرملة. وهذا شخص وهذا شخص، اختلفوا في ضبط عمن روي، هل هو عن علي بن زيد عن عمر بن أبي حرملة أو عن عمرو بن أبي حرملة؟ اختلف، قال: والصحيح عمر بن أبي حرملة.
قال رحمه الله: باب ما جاء في صفة شرب رسول الله ﷺ. الذي معنا هي صفة الشراب، الباب الذي معنا الآن صفة الشرب؛ هل كان يشرب قائمًا أو قاعدًا؟ قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا الشعبي، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ شرب من زمزم وهو قائم. هذا يدل على جواز أن يشرب الإنسان وهو قائم، وهذا ما عليه كثير من الفقهاء؛ أن الشرب قائم.
مباح وليس مكروهاً، هذا ما عليه أكثر أهل العلم، وإن كان بعض أهل العلم ذكر كراهية الشرب قائماً لما ورد من النهي عن الشرب قائماً، وسياتي معنى الكلام بإذن الله.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً».
قال: حدثنا محمد بن المبارك، عن عاصم الأحوال، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: «سقيت النبي ﷺ من زمزم، فشربه وهو قائم».
على قريب محمد بن العلاء ومحمد بن طريف، واضح يحاول أن يركز على أحاديث جواز الشرب قائماً؛ لذلك هو يريدها على سبيل التتابع.
قال: حدثنا ابن الفضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: أتى علي بكوز من ماء وهو في الرحبة، فأخذ منه كفاً، فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثم شربه وهو قائم، ثم قال: «هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل».
هل حدث يعني أن يغسل يديه ولا يتوضأ وضوءاً كاملاً؟ قال: فأخذ منه كفاً فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، لكنه لم يغسل قدميه، فهذا ليس وضوءاً شرعياً، وإنما هو نوع من غسل اليدين أو المضمضة أو الاستنشاق، لكن ليس وضوءاً شرعياً؛ لذلك قال: «هذا وضوء من لم يحدث»، أما من أحدث حتى يكتمل وضوؤه فلا بد أن يغسل قدميه.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد ويوسف بن محمد، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي عاصم، عن أبي عصام، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً إذا شرب.
يعني كلما شرب الشربة الأولى ثم ينزل الإناء، ثم يشرب الشربة الثانية ثم ينزل الإناء، يأخذ نفساً، ليس يشرب كَرعة واحدة كما يفعل البعض من العجلة، لا؛ يشرب شربة ثم يتنفس، ثم يشرب شربة ثانية ثم يتنفس، ثم يشرب شربة ثالثة ويتنفس، والوضع الطبيعي أصلاً.
ويقول ﷺ: «هو أروى وأبلغ».
قال رحمه الله: حدثنا علي بن خشم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان إذا شرب يتنفس مرتين.
قال: تنفس مرتين، في الحديث السابق قال: تنفس ثلاثاً، هل هذا تعارض؟ لماذا لم يذكر الثالثة؟ لأنها هي الشيء الطبيعي؛ لأنك بعد أن تشرب الشربة الأولى ثم تنفست، ثم شربت شربة ثانية ثم تنفست، هذا هو التنفس الثاني، وإذا شربت الشربة الثالثة فهي الشربة الأخيرة، فشيء طبيعي وخلاص تضع الإناء، فالتنفس الثالث لأنه خلص، بعد ذلك لا استمرارية لأنه لن يشرب مرة أخرى، فلا حاجة إلى ذكره.
قال رحمه الله: تعالى البعض لا يذكره استغناءً عنها، هذه الفكرة، فلا تعارض بين الحديثين.
قال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدته كبشة بنت ثابت، أخت حسان بن ثابت شاعر النبي ﷺ، قالت رضي الله عنها: «دخل علي النبي ﷺ فشرب من قربة معلقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته».
في البيوت قديماً كانوا يعلقون القرب على الجدران أو ما شابه ذلك أو بحبال، فكان النبي ﷺ يأتي أحياناً يدخل على البيت يجد قربته معلقة، يفتح القربة ويشرب من فمها مباشرة، فهنا ماذا فعلت كبشة؟ قالت: «فقمت إلى فيها فقطعته». لماذا قطعت فم القربة؟ لأنه لامس شفت النبي ﷺ، تريد أن تتبرك به، فتبقى عندها لتتبرك بهذه القطعة التي لامست الفم الشريف صلوات ربي وسلامه عليه.
وموطن الشاهد أنه شرب من القربة وهو قائم، أي القربة أصلاً عالية، فبالتأكيد إذا شرب بالفمها ستكون واقفاً ولست جالساً، فهذا يدل على جواز الشرب قائماً.
الأولى أن تشرب جالساً، لكن لو شربت قائماً فهذا شيء مباح ولا ينكر على من شرب قائماً، لأن الشرب قائماً ثابت عن النبي ﷺ.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عذرة بن ثابت الأنصاري، حيثما مات ابن عبد الله، قال: كان أنس بن مالك يتنفس في الإناء ثلاثاً.
وزعم أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً، فمر معنا ما مر معنا عن التنفس.
قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن البرائ بن عازب، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ دخل على أم سليم وقربتها معلقة، فشرب من فم القربة وهي معلقة، كما حدث مع كبشة، من حديث البرائ يشبه حديث كبشة الذي مر معنا قبل قليل، لكن هذه قصة وهذه قصة أخرى.
قال: فشرب من فم القربة وهو قائم، فقامت أم سليم إلى رأس القربة فقطعتها، نفس العقلية؛ يعني أم سليم تفكر بنفس الطريقة التي تفكر فيها كبشة، كلاهما قطعتا القربة ليتبَرّكا بآثار النبي ﷺ، نفس الطريقة في التفكير.
قال: حدثنا أحمد بن ناصر النيسابوري، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثتنا عبيدة.
معنا النهي عن الشرب من فم السقاء مباشرة، صحيح أن النبي ﷺ نهى عن الشرب من فم السقاء، ومع أنه هنا فعل ذلك، شرب من فم القربة مباشرة؛ قالوا هذا يجوز للعذر، الشرب من الفم مباشرة تضع شفتك عليه يجوز عند العذر كما قال الحافظ العراقي.
فلذلك فعله، وإلا الأصل أن الإناء الذي يكون لأهل البيت لا ينبغي أن تضع فمك عليه مباشرة حتى لا تقذره عليهم، أما إناؤك الخاص اشرب منه كما تريد، لكن إناء البيت يوضع في الثلاجة وتأتي لتشرب من فمه مباشرة، فهذا الأصل أنه منهي عنه، وأما النبي ﷺ فإنه أصلاً فيه بركة، فإنه وضعه فلا إشكال فيه ﷺ.
قال: حدثنا عبيدة بنت نائل، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها، أن النبي ﷺ كان يشرب قائماً.
قال: قلبوا عيسى، وقال بعضهم عبيدة بنت نائل وليس عبيئة، ذلك بسبب اختلاف الاسم كصورة متشابهة لكن محتمل.
تغيير في النقاط، فلذلك يختلف، خاصة قديما، ما كان في حركات وضبط عالٍ جدا، فاختلفوا. هذا الراوي عن الفروي، هو أو الذي روى عنه الفروي، هل هي عبيدة ولا عبيدة؟ نعم.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء. أراد أن يركز على الأحاديث التي تدل على جواز الشرب قائما. قال ابن القيم: "ورد عن النبي ﷺ أنه نهى عن شرب قائما، وورد عنه أنه أمر من شرب قائما أن يستقر، ومع ذلك ثبت عنه أنه شرب قائما"، صحيح، فهذا فيه تعارض.
فيقولون: النهي عن الشرب قائما إنما هو على خلاف أولى، أو على الكراهة، ولكنه ليس على وجه التحريم. وكما قلنا، ذهب الحنابلة وطائفة من أهل العلم من المالكية وغيرهم أن الشرب قائما مباح، وإن كان الأولى أن تشرب جالسا. نحن نقول الأولى أن تشرب جالسا لورود الأحاديث في النهي عن الشرب قائما، لكن لو شربت قائما فهذا شيء لا ينكر فيه.
نعم، قال رحمه الله: باب ما جاء في تعطر رسول الله ﷺ. حدثنا محمد بن رافع وغير واحد، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا شيبان، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: «كان لرسول الله ﷺ سكة يتطيب منها»، السكة هو الوعاء الذي يوضع فيه الطيب، وعاء كانوا يضعون فيه قديما، فإذا أراد أن يتطيب بالمسك أخذ منه ووضع على بدنه.
نعم، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا ثابت، عن ثمامة بن عبد الله، قال: كان أنس بن مالك لا يرد الطيب. وقال أنس رضي الله عنه: «إن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب»، يعني إذا جاءه إنسان قال له: أريد أن أعطرك، لا يرده ويقبل التعطير من أي أحد، فلم يرد الطيب عليه الصلاة والسلام لطيبه.
نعم، قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن جندب، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن». حتى كالطيب إذا عرض عليك، واللبن إذا شخص سقاك اللبن، هذه لا ترد.
نعم، قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمود بن قيلان، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن جرير، عن أبي نظرة، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه».
يعني إذا أراد الرجل أو المرأة أن يخرج من بيته، فالرجل عليه أن يتطيب بطيب له رائحة طيبة، لكن ليس له لون؛ لأن هذا فيه تشبه بالنساء، فما ينفعش تحط طيب وعليه لون أحمر ويطلع عليك هنا ولا هنا لون أحمر أو أصفر، هذا من ده بالنساء، فيكون طيبك له رائحة بلا لون.
وأما المرأة بالعكس، إذا أرادت أن تخرج من بيتها، فهل يجوز لها أن تضع شيئا له رائحة طيبة؟ لا، لكن لها أن تضع شيئا ملوناً. تضع شيئا ملوناً؟ يعني يا شيخ تظهر به أمام الرجال الأجانب حمرة وبودرة وكذا، عادي تخرج بها ولو ليس لها ريح؟ نقول لا، هي يجوز لها أن تضعها إذا خرجت من بيتها، لكن تسترها عن الرجال الأجانب حتى تصل إلى الحفلة التي تريد أن تصل لها، أو المكان الذي تستمع فيه مع زميلاتها.
فقوله ﷺ: «وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه»، أو «ما ظهر لونه وخفي ريحه»، لا، بعض استدل به على جواز أن تخرج المرأة وتظهر أمام الرجال عليها شيء من الكحل أو ما شابه ذلك، لكن الصواب الله أعلم أن هذا فتنة، مهما كان خفيفا يبقى في شيء من الفتنة. فمعنى قوله: ما ظهر لونه وخفي ريحه، أن المرأة لها أن تخرج بشيء من الملونات على وجهها وبدنها، لكن لا تبرزه للرجال وتخفيه بالنقاب أو الخمار حتى تصل إلى المكان الذي تريد الوصول إليه من حفل أو ما شابه ذلك.
قال رحمه الله: حدثنا علي بن حجر، قال: إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي نظرة، عن الطفاوي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله بمعناه وليس بنفسه ألفاظه. قال: حدثنا محمد بن خليفة وعمرو بن علي، قال: أحدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا حجاج الصواف، عن حنان، عن أبي عثمان النهدي، قال: قال ﷺ: «إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده، فإنه خرج من الجنة». على أبي عيسى؛ طيبه نبت الريحان وعطرها. والحديث فيه حنان، ولا نعرف لحنان غير هذا الحديث، وهو كما قلنا لا يعرف له إلا هذا الحديث، فيه نوع من الجهالة.
قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجاهد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا أبي، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: عرضت بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فألقى جرير رداءه ومشى في إزار، فقال له: خذ رد رداءك، فما رآه إلا وهو كاشف من منطقه العليا، فقال له خذ رداءك، فقال عمر للقوم: «ما رأيت رجلا أحسن صورة من جرير إلا ما بلغنا من صورة يوسف عليه السلام». يعني عمر أعجب بجسد جرير، قال ما شاء الله، يعني لما خلع رداءه بينت عضلات جرير وحسن وجماله، فقال: ما رأيت شيئا أحسن منه إلا ما بلغنا عن يوسف عليه السلام.
لكن حقيقة شراح الشمائل قالوا: ولا نعرف وجه ربط هذا الحديث بالترجمة، يعني إيش علاقة هذا الحديث بالترجمة؟ قال: لا نعلم لماذا أورد الترمذي هذا الحديث هنا ونحن نتكلم عن الطيب، نحن نتكلم عن عطر النبي ﷺ، هل هذا في شيء في العطر؟ فقالوا: لا يظهر شيء واضح في ربط هذا الحديث بالترجمة، فالله أعلم. أحيانا بعض الأحاديث قد تدخل من بعض النساخ ولا يكون نفسه صاحب الكتاب، أدخلها خطأ في ترجمة معينة، ويكون هذا من عمل النساخ الذين نسخوا هذه الكتب قديما ونقلوها إلينا، وإلا ففعليا الحديث بعيد جدا عن الموضوع الذي نحن فيه.
نعم، قال رحمه الله تعالى: باب كيف كان كلام رسول الله ﷺ. كيف كان ﷺ يتكلم؟ شوف هذا الكتاب كل شيء عن النبي ﷺ تجده فيه، كيف كانت طريقته ﷺ في الكلام. نعم، قال: حدثنا حميد بن مسعدة البصرية، قال: حدثنا حميد بن الأسود، عن أسامة بن زيد عن...
عن عروة عن عائشة قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين، فصل يحفظهم من جلس إليه».
إذاً النبي ﷺ لم يكن يتكلم كلاماً سريعاً، كلامه لم يكن سريعاً بل كلامه بين بهدوء وفصل؛ أن يخرج كل حرف من مخرجه بتؤدة وطمأنينة، لدرجة أنه من يسمعه يحفظ كلامه، دلالة شدة الوضوح مع الهدوء، شدة الوضوح في الكلام مع الهدوء فمن أمامه يحفظ الكلام.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو قتيبة، سلمى بن قتيبة، عن عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه». الكلمة التي يريد النبي ﷺ أن يعلمها للناس كان من دأبه أنه يكررها ثلاث مرات، وهذا أيضاً يجب أن يكون في صفة المدرس الذي يدرس أو يعلم الناس في أي جانب من الجوانب، عليه أن يحافظ على التكرار، كرر المعلومة حتى لو قال لك الطالب: والله يا شيخ خلص فهمناها، لا ترد عليها، النبي ﷺ كان يكرر المعلومة ثلاثاً حتى تحفظ وتستوعب جيداً.
قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجدي، قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة، عن ابن أبي هالة، عن الحسن بن علي قال: سألت خال هند الذي مر معنا البارحة في صفه خلق النبي ﷺ.
له تكملة هنا سيذكرها الترمذي، لأنها تتعلق بنطق حديث هند بن أبي هالة في وصف النبي ﷺ. الدرس البارح وصف خلقه، اليوم سنأخذ المقطع من الحديث الذي يصف نطقه وطريقته في النطق وفي عمر حياته العامة، أصلاً الحديث عامة.
قال: سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافاً، فقلت: صف لي منطق رسول الله ﷺ كيف كان ينطق؟ قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان. وهذا الوصف غير دقيق، النبي ﷺ لم يكن متواصل الأحزان، كنا لله سبحانه يمازح أصحابه ويضاحكهم؛ فإذا رأيتم من يستشير بهذا الحديث على أهمية الحزن وضرورة يبقى الإنسان حزيناً فقولوا هذا خطأ، والحديث ضعيف، وما عرف عنه ﷺ أنه كان في أحوال متعددة يبتسم ويضحك ويتعامل بسهولة، يحزن إذا مات ابن أو ماتت ابنة أو أصيب المسلمون، لكن يتجاوز هذه الأزمة وليس دائماً حزيناً في سمته صلوات ربي وسلامه عليه.
قال: دائماً الفكرة ليست له راحة في شؤون المسلمين، هذا شيء واضح كونه قائد أمة وجيل. قال: ليست له راحة، طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة، لا يتكلم إلا إذا كانت هناك حاجة للكلام، قال: يفتتح الكلام ويختمه بسم الله تعالى. يبتدئ بالبسملة أو بالذكر وتختتم بالذكر.
قال: ويتكلم بجوامع الكلم، كلام أحاديثه ﷺ جوامع الكلم؛ والجوامع هو الكلام المختصر الذي له فائدة كبيرة، الكلام الموجز الذي فائدته كبيرة. قال: كلامه فصل لا فضول ولا تقصير، كلام فصل؛ إذا تكلم أتت كلمته في المكان الصحيح، يفصل بين الحق والباطل وليس فيه فضول زيادة ولا تقصير عن البيان، معتدل.
قال: ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة، أصحابه لا يتعامل معهم بتعالي ولا بكبر ولا يهين أحداً من أصحابه، بل يتعامل بهدوء وحسن العريكة. قال: يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئاً، غير أنه لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه. لا يدوم ذواقاً؛ الذواق والشيء الذي تتذوقه بتخفيف الواو، يعني ﷺ لم يكن من شأنه أن يمدح طعاماً أو يذمه، يأكل من دون مدح ولا ذم، لكنه ما كان يعيد هذا، صفته الطعام إذا لم يعجبه تركه من دون أن يعيبه أو أن يذمه، ليس فعله ﷺ أن يمدح شيئاً مما يتذوق أو أن يعيبه ويذمه.
قال: ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تعدى الحق لم يقم بغضبه شيء حتى ينتصر له ﷺ ولا لأمر من أمور دنياها، وإنما يغضب إذا اعتُديت حرمات ربنا سبحانه وتعالى. قال: ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، إذا قال شخص قم أو إذا قال شخص اخرج لا يشير بالسبابة أو بإصبعه، بل يشير بكامل كفه، اجلس، اخرج، بكامل الكف.
قال: وإذا تعجب قلبها، وأظنكم تفعلون ذلك، يعني يفعل هكذا تتعجب من شيء فيفعل هكذا بيده تعجباً من هذا الشيء، إشارة التصرف من باب التعجب. قال: وإذا تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى. وإذا تحدث اتصل بها، أي دائم هو يتحدث، يكون يضرب براحته اليمنى، وفي بعض الروايات -وهي أكثر الروايات- وضرب بإبهامه اليمنى بطن راحته اليسرى، وأظن هذه الرواية أصح، يعني يفعل بإبهامه اليمنى هكذا وهو يتكلم.
لذلك قال: وإذا تحدث اتصل بها، ما معنى اتصل بها؟ أي يتحدث وهو يفعل هكذا، هي ربما حركة أحياناً بعض المتكلمين يكون هو يتكلم مثلاً عنده حركة لا إرادية، كأن أتكلم أنا فممكن أفعل هكذا، خلاص هذه عادة قد يحتاجها الإنسان، لكن لها طبقة معينة كيف تنشأ؛ النبي ﷺ كان إذا تكلم يفعل هكذا بهذه الطريقة. ولكن أقول لك ما معنى هذا الكلام، ولذلك الرواية الأصح والله أعلم: «وضرب بإبهامه اليمنى بطن راحته اليسرى»، عكس ما هو موجود عندكم لأن هنا: «ضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى»، وهذه الحركة بعيدة وليست هي الرواية الأكثر فهماً والمتوقع العكس.
قال: وإذا غضب أعرض، وإذا فرح غض طرفه، قال غض طرفه يعني كأنه يغمض عينيه من الفرح أو ينزل عينيه على الأرض فرحاً وسروراً. قال: جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام، يفتر أي إذا فتح فاه بدت أسنانه التي تشبه البرد، حب الغمام ما هو إلا البرد أو الثلج، فهذا دلالة أن أسنانه كانت بيضاء صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا معنى يفتر أن يفتح فمه عن مثل حب الغمام، أي عن أسنان بيضاء تشبه البرد والثلج من شدة بياضها صلوات ربي وسلامه عليه.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في ضحك رسول الله ﷺ، حدثنا عباد بن العوام، قال: أخبرنا الحجاج وهو ابن أرطأة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: «كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة».
هي الدقة، إن لم تكن ساقه غليظة -صلوات ربي وسلامه عليه وادي- يمكن أن نضيفه إلى الوصف الذي جمعناه البارحة للنبي صلى الله عليه وسلم. وضعنا وصفه من رأسه إلى أخمص قدمه، ويمكن أن نضيف نقطة الساق، كيف كانت ساقه؟ كان فيها حموش أي دقة ولم تكن سميكة هكذا.
وكان لا يضحك إلا تبسما؛ فكنت إذا نظرت إليه وقلت أكحل العينين يضحك إلا تبسما. هذا في أغلب الأحيان، أحيانا لا، كان يفتح ويضحك حتى تبدو نواجذه، لكن في أغلب الأحيان ضحكه التبسم من دون أن يفتح. قال: «فكنت إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين»، وليس بأكحل؛ إذ إذا نظرت إليه من بعيد تعتقد أنه وضع كحلا عليها وليست كذلك، وإنما فيها سواد، وهذا يمكن أن يضاف أيضا إلى وصف عيني النبي صلى الله عليه وسلم.
مرحلة قلنا كان أشكل العين، أدعج العين، يمكن أن نضيف أنه كان أيضا أكحل العين في منطقة الجفون، جفونه كأنها مكحلة، وإن لم تكن هي مكحلة فعلا بل لون وافيه سواد.
قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزر، أنه قال: «ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم». ويعارض أنه كان كثير الأحزان الذي مر معنا؛ لم أجد أحدا أكثر تبسما، دائما يلقى الناس بالابتسامة على وجهه، وهذا حال طالب العلم ومعلم الناس الخير، عليه أن يحرص على الابتسامة عند استقبال الناس، وأن يكون وجهه دائما بشوشا حتى تقبل الناس دعوتك وتقبل فكرتك.
قال حدثنا أحمد بن خالد بن الخلال، قال حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحاني، قال حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث، قال: «ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما». في الأغلب، هذا نقول في الأغلب وليس الحصر حصرا كاملا.
قال رحمه الله تعالى: هذا حديث غريب من حديث ليث بن سعد، قال حدثنا أبو عمار الحسين بن حريص، قال حدثنا وقيع، قال حدثنا الأعمش، عن المعروف الغريب وغيرها. الترمذي له مصطلحات في جامعه وفي تعليقاته: حديث حسن غريب، حديث حسن صحيح وغير ذلك، هذه يصعب الآن أن ندرسها، وإن تحتاج إلى دراسة في علم المصطلح.
قال عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم أول رجل يدخل الجنة وآخر رجل يخرج من النار. يعتبر الرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: وعملت يوم كذا وكذا وكذا، وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها، فيقال: وأعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن ذنوبا ما أراها هنا على مدرب، فلقد رأيته، فخبأ عليه الكبار وعاتبه على الصغار».
فلما عاتبه على الصغار، نظر نظرة، قال: «آه والله يا رب، فعلت تكلمت بكلمة»، يا ربي فعل، فهو مشفق خائف. فلما سمع الله يقول للملائكة: «أعطوه مكان كل سيئة حسنة»، قال: «يا رب، ترى فيه كبائر عملتها، حسنات كمان يكون شيء جيد؟ ربنا ستر عليك».
لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، فالسنة إذا قرأت هذا الحديث أن تضحك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم من حال هذا الرجل ضحك حتى بدت نواجذه، إذا ليس دائما ضحكه التبسم، لا، أحيانا كان أعلى من التبسم فتظهر النواجذ وهي الأضراس.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا معاوية بن عمرو، قال حدثنا زائدة، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك، وما رآني إلا ضحك». شوف أدبه صلى الله عليه وسلم، لا يراه إلا تبسم، وهذا الحرص عليه أدب عظيم وسبب كبير في قبول دعوتك عندما تكون داعية أو تقابل الناس.
قال حدثنا معاوية بن عمرو، قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، قال: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسم». تفسر معنى ضحك التي وردت في الرواية السابقة، وجليل، طبعا كان زعيما في قومه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حريص أن يظهر له البشاشة والانبساط.
قال حدثنا النادي بن السرق، قال حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجا رجل يخرج منها زحفا، فيقال لهم: طريق تدخل الجنة، فيذهب ليدخل الجنة فيجدوا الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقولوا: يا رب، قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، تذكر لما كنت في الدنيا الزمان الذي كنت فيه. فيقال له: تمنَّ، فيتمنى، فيقال: كما كنت تتمنى في الدنيا، تذكر ماذا كنت تتمنى في الدنيا؟ سيارة، قصر، بيت، مسبح، كل الأشياء التي كنت تتمناها في الدنيا تمناها الآن وسأعطيها لك. والمسكين لما رأى الجنة شافها مليانة لأنه حصل حاجة في الجنة، فقال له: كل ما كنت تتمناه في الزمن الغابر سأعطيك إياه وأمثاله، كما سيأتي في الحديث، فيقال له: فإن لك الذي تمنيته عشرة أضعاف الدنيا».
فيأخذها، فيقول: «أتسخر بي وأنت الملك؟». فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. والمفاجأة، ويعرف أنه يتكلم مع الله، لكن من شدة المفاجأة وهول أنه أنا الآن راح أدخل الجنة. طبعا هذا شخص واضح أنه كان عنده ذنوب كثيرة لأنه آخر واحد راح يطلع من النار، ومع ذلك لما طلع مش متوقع أن ينال خصال كريمة لشدة القبائح التي وقع فيها في الدنيا، فلما سمع الله يقول له: «لك مثل ما كنت تتمناه في الدنيا وعشرة أضعاف»، نوع من الانصدام والدهشة، فلذلك قال: «أتسخر مني وأنت الملك؟»، فضحك الرب من ذلك.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا، قال حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، قال: شهدت عليا يأتي بدابة يركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: «بسم الله»، فلما استوى على ظهرها قال: «الحمد لله»، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون»، ثم قال: «الحمد لله» ثلاثا، و«الله أكبر» ثلاثا، «سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي»، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله.
«أنت ثم ضحك، فقلت له: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت ثم ضحك. فقلت: عجيب في الصحابة يعيدون نفس موقف النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأمور التي على الحاشية، علي رضي الله عنهم قال دعاء الركوب وضحك. ليش ضحك؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا دعاء الركوب وضحك».
شوف شدة الاقتداء وشدة الحب وشدة الامتثال حتى بالتفاصيل الدقيقة. أنس قبل شوي بقول لك أنا ما زلت أحب الدباء لأني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم. ابن عمر يقول حيث بال النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة يضحكون على شيء ضحك عنه النبي صلى الله عليه وسلم، شدة الاتباع حتى في التفاصيل التي ربما بعضكم لو قرأها لا يفكر أن يقتدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها، شدة التعلق والارتباط الوجداني.
«فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إن ربك لا يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب غيرك». يعجب الرب من العبد، يعجب الرب أو يضحك الرب عفوا من العبد يستغفر لأنه يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، هذا المعنى.
قال: ثم ضحك. قال: من أي شيء ضحك؟ قال: «إن ربك لا يعجب من عبده». هنا العجب صفة، والعجب لله وهي صفة أهل السنة والجماعة على وجه يليق بجلال ربنا سبحانه وتعالى. يعجب الرب من العبد إذ يدمن دعاء الاستغفار لله لأنه يعلم أنه لن يغفر ذنوبه إلا ربه سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن عامر بن سعد، قال سعد: «لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم معه ترس، فكان في أوقات الأزمات، حتى في أحلك اللحظات النبي صلى الله عليه وسلم يزرع الابتسامة والضحك».
أثناء المعركة يضحك! اليوم الإنسان إذا ابتلي ببلاء يجلس سنين لا يضحك، يقول لك أنا مبتلٍ ما أحد يمزح معي وما أحد يضحك. النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك اللحظات وفي أصعبها يضحك من المشاهد ويحاول يزرع الابتسامة فيمن حوله.
شوفوا لماذا ضحك النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الخندق، في يوم من أيام المناوشات؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميًا، وكان يقول كذا وكذا من المشركين، ماسك ترسه هكذا، وسعد النبي وقاص رامي حدق، فهذا الرجل كأنه يعرف سعد فخائف أن يأتي سعد يرمي من وراء الخندق بسهم فيصيبه، فكان يوضح ترسه هكذا، وكان يقول كذا وكذا، بالترس يغطي جبهته، وكان هذا الرجل المشرك من شدة خوفه يعمل بالترس هكذا وهكذا، يرفعه عشان يشوف ثم يضعه، والنبي وقاص يريد أن يرميه بسهم فيقع فيه.
لكن ساعة استطاع أن يصيده، فنزع له سعد بسهم، فلما رفع رأسه رماه فلم يخطئ جبهته، وانقلب الرجل، الرجل أزاح ثواني ليرى فإذا بسعد يرميه بسهم سقط في جبهته فقتله، قال: وشال برجله، فضحك النبي أنه سقط على ظهره ميتاً وارتفعت قدمه إلى الأعلى، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المشهد، أن هذا المشرك جالس يعمل هكذا وهكذا يريد أن يحمي نفسه فسعد جاءه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من فعله بالرجل؟» من المشهد الذي رآه أمامه.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو أسامة، عن شريك، عن عاصم الأحوال، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين». هذا يدل أحبابي أنه إذا كان شخص مثلاً في أذنيه طول، فإنه لا يحزن ولا يحدث في قلبه شيء إذا مازحته: «يا ذا الأذنين الطويلتين»، مزحة لهذا. إذا كان هو يحزن ويغضب لا يجوز، لكن إذا كان يتقبلها وبصدر الرحب وما عنده أي غضاضة فيجوز مثل هذا المزاح.
قال رحمه الله: حدث ابن السرقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالطنا حتى يقول لأخ صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». بعض المحدثين استنبط من هذا الحديث جواز تكنية الطفل، حتى الطفل يكنيه النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير». ما فعل النغير؟ إنه كان هذا زغلول صغير كان لهذا الصحابي يلعب به ومات، فهذا الطفل الصغير حزن على موت طائره الصغير، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه كلما رآه: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» طائرك الصغير.
وهذا من مداعبته، شوف النبي صلى الله عليه وسلم القائد الأعلى، مع أنه منشغل بأمور الأمة والجهاد ودعوة المشركين، هذه اللحظات البسيطة في الحياة لم يكن يفوتها، وهذا هو القائد الناجح أو القائد الناجح في الإدارة الذي لا يجعل صعوبات الحياة سبباً في ذهاب قدرته على مخالطة الناس والتعايش معهم وممازحتهم ومضاحتهم بالأمور التي تدخل السرور والبهجة على قلوبهم.
ومن فوائد هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح، وفيه أنه كان غلاماً صغيراً، فيدل على أن التكنية ليست خاصة بالبالغين، بل حتى الإنسان وهو طفل صغير يمكن أن نكنيه ويباح تكنيته. ولو فيه أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به؛ بعض يقول: هل يجوز أن نعطي صبيان الصغار عصافير وزغاليل وصيصان يلعبون بها؟ يجوز، لا تقول هذا تعذيب، النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر ذلك، بشرط أن يكون الصبي هذا ليس عنيفاً في التعامل، لا يفرش رقبته ولا يحسن اللعب بهذا الزغلول. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» لأنه كان له نغير يلعب به فمات، فحزن الغلام عليه فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال حدثنا عباس بن محمد، قال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المخبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله، إنك تداعبنا»، قال: «إني لا أقول إلا حقاً». نشوف الصحابة لاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم حريص على المداعبة، حريص على المزح، يقولوا: «يا رسول الله إنك تداعبنا».
متوقعين أن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه القائد الأعلى ويوحي إليه من السماء، أنه خلاص سيكون دائما عابس ما أحد يتكلم معه؟ لا، أخي الكريم، من السماء ويدعم أصحابه ويمازحهم ويسر معهم. وليس يفعل بعض الطلبة أو بعض المتصدرين أنه إذا أصبح في مرتبة معينة ما أحد يستطيع يتكلم معه، ما أحد يستطيع أن يداعبه بشيء، ويعتبر بعضهم الملك، والغرور والغضب من شيم الرجال؛ هذه من سيما ليس الرجال، بل سيما الناس الكئيبة أو البؤساء. أما الإنسان الشهم بالعكس؛ يمازح الناس ويداعبهم، لكن مداعبة فيها محافظة على المروءة وعدم إخلال بها.
قال رحمه الله: حدث ابن سعيد قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد بن مالك، أن رجلاً استحمَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تحمل؟ أي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من الدواب يحمله عليه. أن يقول: يا رسول الله، احملني على ناقة أو على فرس أو على شيء ما عندي ما أركبه. فقال صلى الله عليه وسلم: «إني حاملك على ولد ناقة». فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟».
يعني يمازح معه النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: أنا ما راح أحملك على ناقة، راح أحملك على ولد الناقة. فالرجل قال: رسول الله، ولد الناقة هذا قعود صغير ماذا أفعل؟ قال: «وهل تلد الناقة إلا...» يعني ولد الناقة هو ناقة، فهو مزح معه بهذه الطريقة الخفيفة.
قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا رجل من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهز النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج. هذا ذاهب، ما كان يسكن في المدينة، كان يسكن في بادية بجانب المدينة، فكان كل شهر أو شهرين يطل على المدينة ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية. والنبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أنه يكافئ الناس، فكان كلما أراد زاهر أن يعود إلى باديته يجهز بهدايا وتحف، ويعود في هذه الهدايا والتحف.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن زاهراً باديتنا ونحن حاضرون». شوف هذا الشرف، يعني أنت يا زاهر أنت باديتنا ونحن الحضر، تمام، أنت بالبعد وتأتي من البادية، وأهل المدينة وأهل الحضر، وكان صلى الله عليه وسلم يحبه. وكان رجلاً دميماً، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا في الأخلاق، وأما الدميم -هذا في الخلق- الرجل الذي وجهه أو جسمه ليس جميلاً يسمى عند العرب دميماً، فالدميم في الصورة والخلقة، وأما الذميم بالذال فهذا في الأخلاق. فهذا الرجل كان دميماً بالدال، أي في صورته، يعني لم يؤتَ جمالاً في صورته. فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يحصله، يجيب بضاعة مشان يبيعها في سوق المدينة. فكان هذا الرجل جالساً في سوق المدينة يبيع بضاعة له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه وهو لا يشعر، فاحتضنه من الخلف وهو لا يبصره، فقال: «من هذا؟». أرسله، فالتفت وما كان يعرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم.
فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل «لا يلو»، وما «لا يلو»؟ الصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، لا يستسلم وأصبح حريصاً أن يبقى النبي صلى الله عليه وسلم ماسكاً إياه، أن يكون ظهره ملتصقاً بصدر النبي، «لا يلو» يعني حريصاً، هذا معنى أنه كان لا يلو، أي حريصاً أن يبقى ظهره ملتصقاً بصدر النبي صلى الله عليه وسلم.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري هذا العبد؟» أصبح يصرخ في السوق، النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتري هذا العبد؟». فقال: يا رسول الله، إذاً والله تجدني كاسداً، يعني مش نافع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكن عند الله لست بكاسد». الكلمة العالية، رجل مؤدب محترم، كلما يأتي من البادية يتذكر النبي صلى الله عليه وسلم بهدية. فقال: «أنت عند الله لست بكاسد، لك عند الله منزلة عالية» أو قال: «أنت عند الله غالي». قال: «عند الله غالي»، شخص يكون غالياً على ربنا، شخص يكون غالياً على ربه سبحانه وتعالى، هذا من أعظم الأمور التي تتشوف إليها النفس، نسأل الله أن لا يحرمنا من فضله.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبده بن حميد، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة. فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز». قالت: فوالله لتُبكينّ! فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37]».
إذن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يمازحها، لكن هذه المرأة أخذت الموضوع بحساسية زائدة، رضي الله عنها، قالت: الجنة لا تدخلها عجوز، وهذا حق لأن كل من يدخل الجنة يكون عمره كم؟ 33 سنة. فهو يمازحها، لكن خلاص بعض الناس حتى لو مازحته خلص، لا يفهم المزحة مباشرة، فتحسس وتُبكي. فقال: دعاها، عالج الموقف مباشرة صلى الله عليه وسلم، وقال: أنت لن تدخلي وأنت عجوز، لكنك إن شاء الله تدخلينها وقد أنشأهن الله إنشاءً.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر. هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الشعر؟ الكل متفق أنه صلى الله عليه وسلم كان لا ينظم شعراً من عنده: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]. لماذا لم يعلمه الله الشعر؟ ليس عجزاً في فصاحته، بل هو أفصح العرب، لكن حتى لا يزعم أن القرآن شعر، سداً للباب على النفوس الضعيفة؛ لذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم باتفاق الجميع يقول قصائد هو ينشئها. لكن هل كان يتمثل بشعر غيره؟ يعني هل كان يقول شعراً من شعر غيره؟ هنا وقع خلاف بين أهل العلم.
انظروا، قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا شريف عن أبيه عن عائشة، قالت: قيل لها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل بشعر ابن رواحة، ويتمثل صلى الله عليه وسلم بشعر عبد الله بن رواحة، وهو أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم المشهورين. قال: ويتمثل بقوله: «ويأتيك...»، ويتمثل بقوله، والضمير في قوله لا يعود على عبد الله بن رواحة، يعود على طرف ابن العبد.
الشاعر الجاهلي؛ لأن هذا البيت: «ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا، ويأتيك بالأخبار من لم تزود»، هذا معروف في معلقة طرفة بن العبد. فهنا حتى لا يختلط عليك الضمير ويتمثل بقوله: «وكأن أوتي من الحكمة شيئا كبيرا».
هذا الشاعر شعره مليء بالحكمة، وكاد أن يسلم، لكن خلاص الكبر أو التعصب لدين الآباء حرمه أن ينتفع بحكمته وعقله، وإلا فكان صاحب عقل وشعره مليء بالحكمة والفوائد. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم لولا ما حدث ما حدث مع أمية». حدث مع أبي طالب؛ أبو طالب كاد أن يسلم، لكن منعه هي اللحظات الأخيرة هذه التي يتعصب فيها الإنسان للآباء.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان البجلي، قال: أصاب حجر إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدميت، أي خرج منها الدم، فقال: «هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيته».
وهذا الشعر لكن هل هو من إنشائه؟ لا، الصحيح هذا ليس من إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو قيل من شعر عبد الله بن رواحة تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف.
قال: حدثنا ابن أبي سفيان النعمان، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن عبد الله البجلي نحوه. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا سعيد، قال حدثنا سفيان الثوري، قال: نبينا موسى... حنين أول المعركة، الكفار أمطروا المسلمين بالسهام، ففر كثير من الصحابة، خاصة ممن كان من مسلمة الفتح ممن أسلموا حديثا، فروا من المعركة.
فهنا عازب يقول: قال له رجل، رجل يحكي للبراء بن عازب: أفرغت عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وخليته رسول الله وحده يواجه السهام؟ فماذا قال؟ فقال: لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ولى صرعان الناس.
سرعان الناس النبي صلى الله عليه وسلم ما ولى؛ من الذي هرب؟ صرعان الناس. «صرعان الناس»؛ اضبطها هكذا، صرعان الناس هم الناس الذين دائما سريعي الهروب، سريعي الخروج، يسمون صرعان الناس الذين يكون قلبهم خفيفا، أول خوف أول كذا تجده أول واحد هرب من المعركة أو الهوشة وما شابه ذلك، هذا يسمى صرعان الناس.
قال: ولكن ولى صرعان الناس، تلقتهم هوازن بالنبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخذ بلجامها، ورسوله ليس هو أبو سفيان، هذا رجل آخر أيضا، كان قبيل فتح مكة، رجولته في هذا الموقف، أسلم قبيل فتح مكة، لكن في غزوة حنين بقي ماسكا بلجام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تهيج من كثرة السهام، وهذا موقف يذكر لأبي سفيان بن الحارث رضي الله عنه ومن أقاربه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». الآن هذا واضح أنه من إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قالوا هو ليس شعرا وإنما جاء مسجوعا قدرا، فهذا من كلامه؛ لأنه مستحيل يكون شخص هو الذي قال: «إن النبي»، مستحيل يكون كلام غيره، هو أكيد كلامه، لكن أليس هذا شعرا؟ نقول هو ليس شعرا ولكنه جاء مسجوعا على سبيل القدر.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن منصور، قال حدثنا عبد الرزاق، قال حدثنا جعفر بن سليمان، قال حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: «خلوا بني الكفار عن سبيله، اليوم نضربكم على القرآن»، هذا التنزيل.
يعني عبد الله ينشد الشعر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: خلوا بني الكفار عن سبيله، يا كفار أبعدوا عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم، اليوم سنضرب هاماتكم على القرآن الذي أمرنا بالجهاد في سبيل الله. ضرب أن يزيل الهامة عما قيل، يعني ضرب أن يسقطوا الرؤوس عن الأجساد، ضرب الأعناق ويذهل الخليل عن خليله، يعني يخلي الإنسان ينسى أعز الناس عليه لشدة الضرب.
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟ أمر ينكر على ابن رواحة، يعني لماذا تقول الشعر في الحرم؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أنه عبد الله بن رواحة لم يخطئ، فقال صلى الله عليه وسلم: «خل عنه يا عمر، فله يا أسرع فيهم من نضح النبل».
أي هذا الكلام وهذا الشعر يؤثر في نفوسهم أكثر من الرماح؛ لأنك أن تقتله أهون من أن تعطي في شعر العرب قديما، تقتل بالسيف أهون عليه من أن تلقي فيه شعرا، فقال: «يا عمر، إن هذا الشعر الذي يلقيه ابن رواحة يؤثر فيهم أكثر من رمي النبال في أجسادهم وصدورهم».
قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن حجر، قال حدثنا شريف، عن جابر بن سمرة، قال: جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، وربما تبسم معهم.
هذا يدل يا أحبابي أن الصحابة الكرام كانوا يعرفون المعلقات والشعر الجاهلي على ما فيه امرؤ القيس وغيرهم، وكانوا يتناشدونهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع هذا الشعر الجاهلي ويتبسم معهم ويأخذ ويعطي. فقول بعضهم إن مثل هذا الشعر لا ينبغي أن يروى أو أن الاشتغال به خطأ، أعدوا لجهله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه من الصحابة ويمازعهم ويتبسم على المعلقات أو الشيء الذي فيه ما يستحق الابتسامة من الشعر الجاهلي والأخبار الجاهلية.
قال رحمه الله: حدثنا علي بن حجر، قال حدثنا شريف، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أشعر كلمة تكلمت بها العرب: كلمة لبيت: إلا كل شيء ما خلا الله باطل». مر معنا أنها أصدق كلمة في الحديث السابق، وهنا مر معنا أنها أشعر كلمة، دلالة على أنها شعر وافق الحق موافقة تامة؛ لذلك جعلها أشعر شيء، لأنها وافقت الحق موافقة تامة.
«إلا كل شيء ما خلا الله باطل»؛ يعني كل شيء ما سوى الله زائل، هذا معنى إلا كل شيء ما خلا الله، كل شيء ما سوى الله زائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن...
عن أبيه قال: كنت أريد... فالنبي ﷺ، فأنشدتهم مئة قافية من قول... وإن كان أحياناً يقصد بالمئة قافية مئة قصيدة، كل واحدة منها على قافية أخرى، لكن هنا الذي يظهر أن المئة قافية هي مئة بيت. قال: فأنشدته من قول أمية بن أبي السلتع الثقفي، كلما أنشدته بيتاً قال لي النبي ﷺ: «ائتني بغيره»، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يحب سماع الشعر الذي فيه حكمة وعلم، مثل شعر أمية بن أبي السلتع، قلنا كاد أن يسلم، شعر مليء بالحكمة والمعرفة. قال: حتى أنشده مئة، يعني بيتاً، فقال النبي ﷺ: «إن كاد ليسلم». قال حدثنا إسماعيل بن موسى، والمعنى واحد، قال حدثنا...
كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابت منبر في المسجد، يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله ﷺ، أو قال ينافح عن رسول الله ﷺ. ويقول ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين برجل من حسان». والمنافحة أو المنافحة عن رسول الله ﷺ من صور الجهاد في الزمن القديم وفي هذا الزمن؛ الجهاد بالكلمة، الجهاد باللسان، بالخطابة، بالوعظ، بالنصيحة، بإلقاء الشعر. الجهاد ليس فقط بالسيف، وإنما هناك جهاد الكلمة، بالكتابة، بالتأليف، كل هذا كما هو ظاهر من الأحاديث، شكله من أشكال البذل والعطاء في سبيل الله.
قال حدثنا إسماعيل بن موسى وعلي بن حجر، قال حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ مثله. قال: باب ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر؛ يعني هل كان النبي ﷺ يسمر مع زوجاته أو مع أصحابه؟ أحياناً السمر يكون بعد العشاء، كان النبي ﷺ يسمر، لكن ليس لساعات متأخرة بحيث يفوته الفضل.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا حسن بن صباح البزار، قال حدثنا أبو النضر، قال حدثنا أبو عقل الثقفي عبد الله بن عقيل، عن مجاهد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: حدث رسول الله ﷺ ذات ليلة النساء حديثاً، يعني في ليلة من الليالي كان نساء النبي ﷺ مجتمعات في حجرة واحدة، فالنبي ﷺ يحدثهن حديثاً غريباً عجيباً، يعني أعطاهن قصة من القصص. فقالت امرأة منهن، وكان الحديث حديث خرافة، من شدة عجبها من حديث النبي ﷺ قالت: والله كان هذه القصة العجيبة حديث خرافة.
هسه أنتم بتعرفوا دائماً كلمة خرافة أو خرافية أو قصص خرافية، اليوم بدنا نعرف من أين أصل هذه الكلمة، ما معنى قصة خرافية؟ من أين أخذ هذا المصطلح؟ طبعاً هذا الحديث فيه ضعف، لكن بعطيك إشارة بأصل هذه الكلمة.
قال رحمه الله: قال ﷺ: «أتدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلاً من عذرة، من قبيلة عذرة، أخذه الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهراً، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب». هذا الرجل لما عاد إلى الإنس صار يخبر الناس ماذا رأى في عالم الجن، طبعاً الناس تتعجب من كلامه فصاروا يقولون: حديث خرافة، ثم أصبح بعد ذلك عادة العرب كلما سمعوا حديثاً عجيباً قالوا حديث خرافة، قياساً على خرافة. كلمة خرافة مؤشر لأي حديث عجيب ليس مقبولاً في الأذهان.
قال رحمه الله تعالى: حديث أمي زرع طويل، قال حدث حتى هو الترمذي، يعني المحقق أبرزه عندي إبرازاً لأنه حديث فيه تفاصيل وفيه كلمات غريبة نحتاج أن نفهمها. قال حدثنا علي بن حجر، قال حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: جلست إحدى عشرة امرأة، فتعاهدنا وتعاقدنا أن لا يكتبن من أخبار أزواجهن شيئاً.
هذا الحديث لماذا أورده هنا؟ تكلمت به مع النبي ﷺ في سمرته الليلية. عائشة كانت تسمر مع النبي ﷺ في الليل، فحدثته بهذا الحديث، قالت: يا رسول الله، فيه إحدى عشرة امرأة اجتمعنا مع بعضهن البعض، وكل واحدة حلفت وتعاهدت أن لا تخفي شيئاً من أمور زوجها، فضفضت اللي عندها.
فقالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. هذه أول واحدة، كيف جمل موجود على رأس جبل؟ الوصول إليه فيه وعورة، هل في فائدة من أنك تطلع الجبل؟ لا، اللحم تعبان، ومش أنه سهل الأخذ، لا، موجود على رأس جبل وعر، فجمع بين القبيحتين؛ لا اللحم يستحق أن تطلع له، والجبل فيه وعورة، لذلك ماذا قالت؟ قالت زوجي شبهه بهذه الحال، لحم جمل غث يعني تعبان وهزيل، وضعته على رأس جبل الوصول إليه وعر، فهذا الجبل لا هو سهل فيرتقى، ولا هذا اللحم سمين فينتقل أن يعبأ به واحد أصلاً. إذا اللحم الهزيل أمامك ما بتاخده، فما بالك إذا أنت عارف أنك ستصعد جبلاً؟ وهذا دلالة أن زوجها كان تعباناً، لا يستفيد منه في شيء، لا يوجد فيه شيء يحمد فيه.
قالت الثانية: يا زوجي لا أبث خبرك، إني أخاف أن لا أثره، إن أذكره أذكر عجره. هذه أصعب من الثانية، ماذا قالت؟ قالت زوجي أنا باختصار ما بدي أحكي عنه، ليه؟ قال: إني أخاف أن لا أثره، يعني إذا حكيت والله ما بخلص، إني أخاف إلا أذكر عجره، يعني إذا ذكرته كل سوء بسوء، لا يوجد فيه أي خصلة إيجابية. سبحان الله، النبي ﷺ قال: «النساء يكفرن العشير»، هذه طبيعة النساء، يعني خلاص إذا شافت سلبيات منك كل الخير تنساه وتعتبرك أسوأ شخص يمكن أن ترتبط به في الحياة.
قالت الثالثة: زوجي العشنق، شديد الطول، طول مذموم. طبعاً قال: إن نطقت أطلقت، وإن سكتت علقت، وهذه أيضاً مشكلتها مشكلة.
إذا نطقت، يعني إذا علقت على تصرفاته، لا تعمل هكذا، خطأ كذا بطلقني مباشرة، طلاق على لساني. وإذا سكتت وعلق، يعني لا أستريح في الحياة معه، كالمرأة المعلقة؛ يعني مش قادرة أصلح عيوبه ولا أخطاءه، فلا يعاملني معاملة حسنة. إذا سكتت حالك عادل، المرأة المعلقة لا زوجها يعامل معاملة حسنة ولا هي عارفة تنفصل عنه، فهذا معنى أن أنطق أطلق وطلقني مباشرة، وإذا سكتت خلاص أبقى أتحمل أخطاءه ولا أصلح حياتي.
قالت الرابعة: «زوجي كليلة تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سَام». هذه مدحت، هذه لا. تهامة أحبابي شاطئ البحر الأحمر في جدة وينبع ما شابهها، أي تسمى تهامة، هذه مناطق ساحلية، صحيح؟ قالت كليلتها الليل على شاطئ البحر الأحمر، نسمات باردة خفيفة، لذلك قالت الأجواء عنده ليست حارة ولا باردة، لا حر ولا قر، يعني لا حرارة ولا برودة، هذا معنى قر، ولا مخافة ولا إيش؟ سامع؟ أي معتدل الأخلاق، يعني أجواؤه دائماً معتدلة، لا هو حار ولا هو بارد، ولا هو اللي بيخوف، ولا هو اللي بتسالي منه، إنسان معتدل هادئ الطباع، وهذا شيء جيد، يعني مقبول.
قالت الخامسة: «زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد». الآن هذا يعني محتمل لعدة تفاسير، قالوا زوجي إن دخل فهد، الفهد قالوا فيه صفتان: صفة التغافل أنه لا يكترث، وصفة كثرة النوم. فلما قالت زوجي فهد، هي ماذا أرادت؟ هل التغافل أم كثرة النوم؟ حقيقة محتملة، يعني بعض الشراح قالوا هكذا، البعض قال هكذا، لكن الذي يظهر والله أعلم أن قصدت التغافل، وهذا جيد لأنه كما قالوا نصف المعيشة بالتغافر. الزوج اللي بيدخل على الدار وكل ما وجد طاولة تحركت من مكانها، الكأس تغير مكانها، بده يعلق ويتعب الزوجة ويطعم من حوله؛ فجيد في الزوجة أن يكون طبيعته ماذا؟ التغافر عن الأمور المنزلية التي يمشي الحال بدونها، فهذا زوج طبيعته التغافل.
وإذا خرج قوي وشخصية قوية أمام الناس، إذا هو في بيته يمشي الحال، وأمام الناس رجل، وهذا شيء ممدوح. قال: «ولا يسأل عما عهد»، يعني إذا خلى شيء في البيت، مصاري، أكل وكذا، ورجع ما يسأل عنه: وين راحت المصاري يا فلانة؟ وين حطيتي الشغلة؟ حطي بعض، الرجال هكذا، كل ما ترك شيء في البيت لابد يعود يسأل، وهذا ينسجم مع طبيعة التغافل، خلاص يترك الشغلة في البيت ولا يعود يسأل عنها، جيدة إيجابية، نعم.
قالت السادسة: «زوجي إن أكل لَفَّ، وإن شرب اشتفَّ، وإن ضجع التفَّ، ولا يولج الكف ليعلم البث». قالت زوجي إن أكل لَفَّ، يعني أنا السدرة تماماً، وإذا شرب اشتفَّ، أنهى الشراب، ما بخلينا إشي، أنهى الشراب تماماً. وبعد ما يخلص أكل وشرب، إذا ضجع التفَّ حاله بالإحرام، هذا الضجعة التفناه في حاله، رأسه ونام. «ولا يولج الكف ليعلم البث»، يعني لا يوجد عنده عشرة زوجية خاصة، لا يدخل الكف، وكناية أنه لا يوجد ماذا؟ علاقة زوجية بينه وبينها حتى يعني تفرغ له وهو يفرغ لها، فدلالة أنه لا يضاجعها، باختصار دلالة أنه لا يضاجعها، لا يدخل يده، لا يلامس بدنها، لأن المرأة تحب أن الزوج يعانقها ويقبلها، وأكل وشرب والتف، هذا الذي يفعله.
قالت السابعة: «زوجي غياياء»، شديد الشر، هو الذي هو في غاية الشر، وفي رواية أخرى غياياء، يعني شخص مظلم شرير، هكذا تقصد رجل مظلم شرير. نعم، طبعاً كل أحمق لا يحسن التصرف في الحياة، كل داء له داء، يعني كل داء وجد في الناس اجتمع في زوجي، كل داء له داء، ما في عيب في الناس إلا تجده موجود في زوجي: «شجَّك أو فلك أو جمع كلا لك». شجَّك، يا بفتح رأسك، يا بيكسر يدك، شجَّ في الرأس، الفل كسر اليد أو الرجل، فهذا رجل واضح أنه يدعو للشر، أو "جَمَعَ كَلَّا لَك" أنت ونصيبك.
قالت الثامنة: «زوجي مِسٌّ مِسُّ أرنب، والريح ريحُ زَرْنَب». مِسُّ أرنب يعني في التعامل مع سهل تماماً، والريح ريح زرنب، أن يحافظ على رائحة طيبة في المنزل، هذا مدح، هذا مدح أنه خفيف الظل، يعني اللمسة خفيفة، وكما قلنا يحافظ على رائحة طيبة.
قالت التاسعة: «زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب من النادي». رفيع العماد، هذه كناية عن شرف النسب، نسب شريف. طويل النجاد، النجاد هو غمد السيف، لا يكون طويلاً إلا إذا كان الشخص ماذا؟ طويل القامة، فهذه من الكنايات أنه كان طويل القامة بدليل أن غمد سيفه طويل. قال عظيم الرماد، متى يكون الإنسان في بيته رماد كثير؟ إذا كان يطبخ، ومن الذي يطبخ كثيراً؟ الذي هو كريم ومضياف، فدلالة لأنه إذا هو شرفه عالي وجسده طويل وهو كثير الكرم ويطبخ للناس كثيراً. قريب من النادي، بيته قريب من نوادي قومه، الإنسان البخيل يسكن في مكان بعيد عن نوادي القوم حتى لا يطبخ لهم، لكن الإنسان الكريم يتقصد أن يكون بيته قريباً من أماكن اجتماع الناس حتى يكرمهم بالطبخ والشرب وما شابه ذلك.
قالت العاشرة: «زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك». زوجي مالك عنده أملاك، لكن قال وما مالك، يعني زوجي مالك ومالك يعني اللي في إيده مش له، زوجي مالك وما مالك يعني معها بس اللي في إيده مش له، دلالة أنه أيضاً اللي في إيده دائماً ينفقه، فهذا معنى قوله زوجي مالك وما مالك، يعني معه بس له، مش معه، دائماً ينفقه على الناس. قال: «نعم مالك خير من ذلك»، عن المالك وضعه أحسن، زوجي كثير الأملاك لكن حقيقة أملاكنا ليست لنا، دائماً هو ينفقها، لذلك هي شرحت قالت له: «له إبل كثيرات المبارك».
هذا الرجل، العرب في التعبير، إبله تبرك كثيراً أمام المنزل، وقليلاً ما تخرج لتسرح في المراعي، ماذا نفهم من هذا؟ أنه هو يحب يخليها دائماً قريبة حتى إذا جاء ضيف يذبح أول بأول، فهمتم؟ فهو كثيرات المبارك دائماً، إبله تبرك ولا تذهب إلى الرعي إلا قليلاً لأنه يتحسب دائماً قدوم ضيف، فبده تكون الإبل جاهزة للذبح، وهذا قريب من الرجل السابق في شدة الكرم.
قال: «إذا سمعنا صوت المزهر أيقن أنهن هوالك»، يعني هذه النوق إذا سمعت صوت المزهر، قالت نعازف، كانوا إذا جاء ضيف، يعني مثل البوق يرنون بها، فالإبل كلما سمعت صوت بوق عرفت أن هناك ضيف جاء، فعرفت أنها ماذا ستهلك؟ ستهلك وستذبح، فقال: إذا سمعنا أي هذه صوت...
المزهر أيقن أنهن قوارج. ليش في ضيف جاي؟ معناه في ناقة راح تروح. نعم، قالت الحادية عشرة: "يوم زرع الحادي عشر"، هي أم زرع، وهذه أفاضت في وصف زوجها.
قالت في أبو زرع: «وَمَلا مِنْ شَحْمِ عَضُودِي». أي أكثر من وضع الألِج لأنه كان يلبسها أُناساً، أي جعل أذني تأنس بالأقراط الذهبية، دلالة أنه كان حريصاً على أن يعطيها الذهب لتتجمل به. «وَمَلا مِنْ شَحْمِ عَضُودِي»، دلالة أنه كان يكرمها بالطعام حتى أصبح فيه شحم ولحم، وأنه كان يكرمها طعماً. «وَفَجَّحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي»، يعني عظمني وكان يحترمني حتى قال «فَبَجَّحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي»، يعني صديقاتي وقريباتي.
«وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشَقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِي صَهِيلٍ». هو منطقه في الجبل، قال «فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِي صَهِيلٍ»، أي أهل خيل، «وَأَوْطِئْتُ»، أي أخذني من ناس بس عندهم غنم وجعلني عنده وهو من أصحاب الخيل والنور. يعني باختصار المستوى المادي أصبح عالياً جداً، وداس ومكن.
دلالة أنها أصبحت تأكل الطعام العالي، الطعام الذي يُداس. مش قلنا النبي ﷺ كيف كان يأكل الشعير قبل أن يُنقى؟ أخذنا البارحة أما هي، لا، الطبقة العالية؛ يأخذون الشعير وينخل ويداس وينقى ويطحن حتى يخلص من القشر، فهذه دلالة أنها أصبحت لا تأكل أي شيء، تأكل الحبوب التي تُداس وتُنقى، وبالتالي هي من طبقة عالية، وهذه الحبوب النظيفة النقية لا يأكلها إلا أهل ترف وماء.
«فَلا أُقْبِحُ»، يعني إذا تكلمت بين يديه يسمعني، مش بيقول لي خلاص لا يسمعني ولا يقبح رأيي وعقلي. «وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ»، يعني أنام وهناك من يخدمني، وأتصبح يخرج إلى وقت الصباح فاشرب لبناً، وأشربُ «فَأَتَقَمَّحُ»، وإذا شربت ما معنى أتقمح؟ أي أروى تماماً، ما في نقص في الماء أو الشراب أو العصير أو ما شابه ذلك. هذا وصف زوجها.
الآن بدها توصف حماتها، أم أبي زرع. فما أم أبي زرع التي تصف حماتها بهدوء؟ عادة الكنة والحماة كالنار على شيء، فهذه والله وصفت حماتها بوصف محترم، ماذا قالت؟ قالت: «حَكُومُهَا رَدَاحٌ»، حكومتُها، وأوعية طعامها ردار، هذا الإغلاق. «وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ»، بيتها واسع والناس تنبسط عندها.
«وَابْنُ أَبِي زَرْعٍ مَضْجَعُهُ كَمُسَلِّي الشِّطْبَةِ». ابن أبي زرع قد يكون هذا ابن من زوجة سابقة والله أعلم، فما ابن أبي زرع؟ «مَضْجَعُهُ كَمُسَلِّي الشِّطْبَةِ»، الشطبة هي جريدة، ومضجعه أي مكان نومه، كمسلي الشطبة كناية على أن حجمه صغير، بالتالي مثل ورقة النخل الصغيرة، هذا مكان نومه، مش صفة إيجابية فيما يظهر لي، لكن كما هي أن حجمه صغير فلا يحتاج إلى مكان لينام فيه أكثر من هذه المساحة. «فَمُسَلِّي الشِّطْبَةِ» كما قلنا هي ورقة النخيل التي أزالوا عنها السعف. «وَتَشْبَعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ»، الجفرة هي أنثى الماعز، يقول إن أنثى الماعز ذراعها صغيرة، فقولها تشبعه ذراع الجفر دلالة كما قلنا أنه حجمه صغير ولا يحتاج أن يأكل كثيراً ليشبع.
«فَبِنْتُ أَبِي زَرْعٍ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا»، أن هذه بنت بر. قال والله بنت أبي زرع، طبعاً هي قد تكون ابنتها، يعني أنا غير متأكدة هي ابنتها أو ابنها من غيرها، لكن قد تكون ابنتها فتقول هي طوع أبيها وطوع أمها، ترد علينا. «مَلِءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا»، لبست، أي أن جسدها مليء، وجارتها أي قريناتها، يعني من جمالها ومن وفرة النعيم التي هي فيها تغيظ قريناتها من البنات.
«جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثاً»، يعني إذا سمعت شيئاً مني أنا وأبي زرع نتحدث على أسرار البيت. «وَلا تَنْقُصُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثاً»، لا تبددها، لا تنقص أي لا تضيع الطعام، وبالتالي عندها حسن تدبير لميرة المنزل للطعام، تدبره بشكل جيد ولا تبيده أو تضيعه. «وَلا تُمَلِّئُ بَيْتَنَا تَعْشِيشاً»، صراصير والنمل في منازلنا.
قالت: «خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تَمْخَضُ». ما الذي حدث هذه القصة المؤلمة معها بعد كل هذا الوصف ووعد كل هذا الخير الذي كانت فيه؟ نصيبها أن زوجها تعلق قلبه بامرأة أخرى. «خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تَمْخَضُ»، الأوطاب هي تمخض، دلالة لأنه خرج في وقت نعيم ورغد، وفي وقت فيه خصب والابل كل شيء تمام، معناه أن الأوطاب كانت تمخر أي مليئة ما في أي مشاكل.
فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين. ها هي المشكلة، أنه خرج فلقي امرأة عندها ولدان صغيران تعلق بها، يعني خلاص أحياناً الرجل يتعلق بشيء دخل في قلبه، فأسأل الله يسامحه. وتزوج هذه المرأة، طلق أم زرع وتزوج هذه المرأة. لكن لم يكن حظها عثراً كثيراً لأنها ستأتي أنها تزوجت بعده برجل آخر، لكنها بقيت متعلقة بأبي زرع.
تزوجت رجلاً آخر، انظروا ماذا قالت عنه: «تَطَلَّقُنِي وَنَكِحَهَا، فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا». هو الشريف في قومه، «رَكِبَ شَرِيًّا»، ركب الفرس القوي السريع، «وَأَخَذَ خَطِيًّا»، وأخذ خطياً يعني رمحاً خطياً، والرمح الخطي هذا أجود أنواع الرماح، وهذا دلالة أنه فارس نبيل، رجل شريف وفارس نبيل ويركب فرساً نبيلاً. «وَأَرَاحَهَا عَلَيَّ نُعْماً ثُرَيَّا»، راح عليّ يعني جلب لي الكثير، يعني ما بخل عليه.
الثاني أيضاً جيد، كان يروح على أم زرع بماذا؟ بأن يعطيها من كل شيء، «زَوْجٌ يُقْرِي وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجٍ». فكل أم زرع وميرتها أهلك، يعني مش أطعمها هي فقط، بل قال لها أيضاً أطعمي أهلك، لكن مع كل هذا خلص قلبها متعلق في مين؟ في أبي زرع. فلو جمعت كل شيء أعطاه إياها ما بلغ أصغر آنية لأبي زرع. يعني واضح أن أبا زرع أعطاها أكثر بكثير مما أعطاها هذا الإنسان، لو جمعت كل ما أعطاني هذا الإنسان ما يساوي أصغر آنية من آنية أبي زرع، قد تكون هذه دلالة شدة تحببها وتعشقها لهذا الرجل، لكن هذا نصيبها في الحياة.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقال لي رسول الله ﷺ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ». إنه صلى الله عليه وسلم أكرم عائشة وأطعمها وبذل لها كل ما تحبه، وفيه دلالة أن الأصل في الزوج أن يسعد زوجته، الأصل في الزوج الكريم صاحب الطبع الكريم أن يكرم زوجته وأن يغدق عليها ما دام عنده سعة وعنده وفرة ولا يبخل عليها، وأن يحسن تعاملها ويسمع رأيها. هكذا كان النبي ﷺ.
«لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم». النساء عمائم الرجال فهم كرائم الرجال، فأكرم زوجتك وأحسن إليها قدر المستطاع، والزوجة لا تتحمل زوجها يتزوج عليها، لأن هذا واضح.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا إسراإيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن اليزيد، عن البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه، أرجعه ووضع كفه تحت خده الأيمن وقال: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». هذا من الأدعية التي تقال عند النوم: «ربي قني عذابك يوم تبعث عبادك»، هناك كثيرة عند النوم منها هذا الدعاء، جملة واحدة لكنها عظيمة المعاني؛ لأن الإنسان ما يرجوه من الله أن يقيه عذابه.
قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا إسراإيل، عن أبي إسحاق. الحمد لله الذي أحيانا، فهي حياة جديدة بعد هذه الموتى الصغرى؛ لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه وعلقت بين السماء والأرض، فإذا شاء الله أن تقبضها قبضها، وإذا شاء أن تعود إليه الحياة أرسل له روحه فاستيقظ.
قال رحمه الله: حدثنا المفضل بن الفضالة، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه فنفث فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات، ثم يمسح ابتداء وجهه ورأسه وما يستطيع أن يصل إليه من بدنه يفعله ثلاث مرات.
قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نام نفخ، وكان إذا نام نفخ فأتاه بلال، قريب من الشخير؛ كبعض الناس إذا نفخ بطنه يخرج وينزل، فهذا دلالة أن النفخ أنه استغرق في النوم وأنه نوم كامل. فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام وصلى ولم يتوضأ. وفي الحديث قصة كيف لم يتوضأ وقد نام ونفخ؟ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن النوم لا ينقض وضوءه، هذا من خصائصه، لذلك قال لعائشة: «يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي». فمن خصائصه أنه إذا نام صلوات ربي وسلامه عليه ليس مثلنا، لا ينقض وضوءه.
قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، قال حدثنا عفان، قال حدث حماد بن سلمة، عن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي طعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مأوى». ما أجمل أن الإنسان، في أحباب الليل وانتهى النهار الذي كان مليئًا بالطعام والشراب والتوفيق والنعم الكثيرة، أن يتذكر عند نومه هذه النعم، وأنه كم من إنسان قضى هذا اليوم بدون طعام ولا شراب ولا سكن ولا مأوى. أنت الحمد لله الآن تعود من الدرس تأكل تشرب، تجد سكنًا تجد فراشًا تأوي إليه؛ «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا»، فكم من إنسان من أحبابي لا مكفي، لا كافي له ولا مأوى. كم من إنسان ينام اليوم من دون أن يجلس إليه في الصحراء في العراء، من إخواننا المهجرين، من إخواننا المبتلين، كم من إنسان اليوم لا يجد طعام غداء وعشاء، وأنت اليوم تتبلج بنعم الله التي تؤتى عليك. فالإنسان من عظيم عبوديته لربه سبحانه وتعالى أن يتذكر كل يوم عظيم هو فيه من الخير والنعم التي أغدقها الله عز وجل من نهاره إلى ليله، هذا الدعاء عظيم جدًا في تذكر هذه الأمور.
قال رحمه الله: حدثنا حسين بن محمد الجريبي، قال حدثنا سليمان بن حربي، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عرس بالليل -نزل في أثناء سفره، تعريس أننا نسافر في أثناء سفره ينزل بصحراء أو ينزل باستراحة أو ما شابه ذلك، النزول بالليل أثناء السفر- قال: يضجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه. لماذا؟ شوف، إذا كان في نصف الليل كان إذا نام ينام خلاص كاملًا، يضع كامل جسده على الأرض، لكن إذا نام قبيل الصبح ينام هكذا، ينصب ذراعه وينام هكذا؛ حتى لا يسترخي في نومه. يعني أنت ضايل لك نصف ساعة للفجر، ما ينفع تنام، إذا نمت مسترخيًا وأنت طول الليل مش نايم راح تروح صلاة الفجر، فإذا أردت أن تريح جسدك شوي وما كنتش نائمًا، فمن نمط نوم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرفع ذراعه هكذا حتى تتنبه سريعًا بأدنى تنبيه.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان دأبه، صلوات ربي وسلامه عليه. حدثنا أبو عوان، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». النبي كان يطيل القيام لدرجة أن الأقدام من تحت تنتفخ، متخيل! مع أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو ضامن الجنة، فماذا نفعل أنا وأنت؟ ممن إذا تعبنا قليلاً، ربع ساعة، نصف ساعة زائدة، أصابنا ضجر وملل وأطلت علينا. تعرفون الناس كيف يفعلون؟ صلى الله عليه وسلم تنتفخ قدماه من شدة القيام ويقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». الله غفر لي، لكن مقابل هذه المغفرة، وهي النعمة العظيمة، الله يستحق ماذا؟ يستحق الشكر، وأن تتعبد له شكرًا، إذا كنت لن تتعبد له توبة واستغفارًا.
قال رحمه الله: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريص، قال حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترمد قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد جاءك أن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «فلا أكون عبدًا شكورًا». حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي، قال حدثنا عمي يحيى بن عيسى الرملي، عن صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم يصلي حتى تنتفخ قدماه.
فيقول له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «فلا أكون عبداً شكوراً».
حدثنا محمد بن شاذان، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالت: كان ينام أول الليل ثم يقوم، فإذا كان من السحر أوتر ثم أتى فراشه، فإذا كان له حاجة، ألَمَّ بأهله، أي إذا كان له حاجة إلى المعاشرة الزوجية، عاشر زوجته، وهذا من حق المرأة أيضاً، هذا يفعله لنفسه ومن أجل إعفاف زوجاته.
فالنبي صلى الله عليه وسلم سيأتي معنا تنوع أحواله؛ أحياناً كان يقوم أول الليل، أحياناً كان يقوم في النصف الثاني من الليل، وفي الثلث الأخير من الليل، فحاله متنوع حتى ينوع على أمته، فإذا أردت أن تقوم أول الليل قم، وإذا أردت أن تقوم في الثلث الأخير قم، وإذا أردت أن تقوم من المنتصف قم، وهذا حاله صلى الله عليه وسلم كان متنوعاً.
فهنا قال آخر الليل، إذا كان له حاجة إلى زوجته ألمَّ بها أي عاشرها، فإذا لم تكن له حاجة وكانت زوجته نائمة أو غير مستعدة، ذهب ففرجّ جسده قليلاً، قال: فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنباً أفاض عليه من الماء وإلا توضأ وأخرج إلى الصلاة.
عن ابن عباس أنه أخبره أنه بات عندما ميمونة، وهي خالته، يبيت عندها ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة سيكون عندها، أراد أن يرى عبادة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، وفي الحرص على العلم. كم كان عمر ابن عباس لما مات النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان عمره 13 عاماً، بالتالي كم كان لما فعل هذه الحادثة؟ عشر سنوات أو 11 سنة، شوف الحرص على العلم وهو في سن الصغر، ووعد 11 سنة حرصه على العلم كان كبيراً، فكان ابن عباس ترجمان القرآن وحضر الأمم.
قال: فأضجعت في عرض الوسادة، والضجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها، الوسادة تكون مستطيلة، لها طول ولها عرض، ابن عباس حط رأسه على العرض والنبي صلى الله عليه وسلم حط رأسه في الطول، فهم في الأمام وهو في الجنب هكذا.
قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ عشر الآيات، ففعل هكذا ساعتين، ثم أوتر فكانت 13. وقد اختلف أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأحياناً كان يصلي من الليل ثلاث عشرة، أحياناً كان يصلي إحدى عشرة، وعندما كبر أحياناً كان يصلي تسعة وأحياناً كان يصلي سبعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم اختلف قيامه لليل بحسب النشاط والهمة والكبر وما مضى من عمره.
قال: ثم ضجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج سنة الفجر. رحمه الله تعالى، حدثنا أبو كريم محمد بن العلاقة، قال: حدثنا عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. وحديث ابن عباس هذا موافق لعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصل بالليل منعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه، صلى من النهار ست عشرة ركعة.
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الليالي كان يفوته قيام الليل من شدة التعب أو الإرهاق، فماذا يفعل حتى لا تنقطع العادة؟ بعض الشباب يبدأ بعبودية معينة، يوم من الأيام يضعف عنها بسبب مرض أو تعب أو انشغال، فإذا كنت بدأت تأخذ بعادة معينة، كعادة قراءة أو قيام، فانشغلت عنها يوم بتعب أو إرهاق، حاول أن تقضي؛ لأن القضاء سيعينك على الاستمرارية. فالنبي صلى الله عليه وسلم أحياناً كما قلناه كان يفوته قيام الليل فيقضي من النهار اثنتي عشرة ركعة، ليس مثلاً 13 أو 11؛ لأنه لا وتر في النهار، وإنما الوتر في الليل، لكن المسألة خلافية، فعند الحنابلة يجوز الوتر.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن العلاقة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين»، هذه السنة أن تكون بركعتين خفيفتين حتى تتنشط، يعني لا تكون أول ركعتين مثاقلاً حتى لا تشعر بالسأم أو الملل، إذا أردت أن تقوم الليل فالسنة أن تبدأ بركعتين خفيفتين.
قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، وحدثنا إسحاق بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن نبيه، أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: «لا أرمقهن صلاة»، قال: لا أرمق صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فتوسدت عتبته، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما اللتان قبلهما، ثم صلى ركعتين وأوتر، فأصبحت ثلاث عشرة ركعة. كان أول شيء يبدأ بركعتين خفيفتين، بعد ذلك الركعتان تكونان طويلتين، الطول في الركعتين الثالثة والرابعة، ثم بعد ذلك يرجع للعد التنازلي، الخامسة والسادسة أخف، السابعة والثامنة أخف قليلاً، التاسعة والعاشرة وهكذا.
قال رحمه الله: حدثنا مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره أنه سأل عائشة كيف كان صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة». وهذا ليس نفياً من عائشة على الإطلاق، وإنما هو ما رأته عائشة، تقول: ما كان يزيد على إحدى عشرة.
في حديث ابن عباس، يُروى أن النبي ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة، فنقول: هذا ما بلغه علم عائشة رضي الله عنها. عائشة ما كانت مع النبي ﷺ في كل بيوت زوجاته، فلم تكن في بيت ميمونة رضي الله عنها، ففي بيت ميمونة صلى إحدى عشرة ركعة، وفي بيت عائشة كان يصلي إحدى عشرة ركعة. فما قالته عائشة هو ما بلغ علمها وما رأت، لكن ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يزيد عن إحدى عشرة ركعة.
فلا يصح استدلال بعض المعاصرين بهذا الحديث على أن صلاة التراويح لا يزاد فيها على الثمان ركعات. ويقال إن عائشة قالتها هكذا، وهذا خطأ في الاستدلال؛ لأن عائشة إنما قالت ما رأته، لكن هل كانت عائشة مع النبي ﷺ في كل بيوت زوجاته؟ هذا ليس بصحيح.
نعم، قالت رضي الله عنها: «يصلي أربعًا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا». قالت عائشة: قلت: يا رسول الله، لا تنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة، إن عيني تنام ولا ينام قلبي» ﷺ. الأربع الثانية نصلي ثمان ركعات قبل أن يوتر، يأخذ الضجاعة ينام قبل أن يوتر أحيانًا. فعائشة قالت: يا رسول الله، لا تنام قبل أن توتر، ثم تقوم مباشرة فتوتر بدون وضوء، فقال: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»؛ فهذا يعني أن نومهما لا يبطل وضوءه، ليس كحالكم.
قال رحمه الله: عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يهدي منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضجع على شقه الأيمن. فإذا فرغ الإنسان من قيام الليل، أن يضجع على شقه الأيمن انتظارًا لأذان الصبح. قال حدثنا ابن أبي عمر، قال حدثنا عن مالك، عن ابن شهاب نحوه.
وقتيبة عن الأسود، كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل تسع ركعات؛ الذي أحواله أحيانًا كان يصلي تسع ركعات، وخاصة في مرحلة الكبر، لما كبر سنه ﷺ ما عاد يقوى على ما كان يقوى عليه قبل ذلك.
قال حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا سفيان الثوري، عن رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة بن اليمان، أنه صلى مع النبي ﷺ، فلما دخل في الصلاة قال: «الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة». يقول هذا الدعاء: «الله أكبر ذو الجبروت والملكوت والكبرياء». يجوز أن تقول ذلك في تكبيرات الإحرام.
قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع ركوعه نحو من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» ركوعًا نحو من قيامه، دلالة على أن ركوعه كان طويلاً قريبًا من قراءة سورة البقرة. يعني نتكلم عن مدة الركوع، نحكي أربعين دقيقة أو نصف ساعة ركوع طويل، وكان يقول: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم»، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحو من ركوعه، وكان يقول: «ربي». إذا رفع الإنسان رأسه من الركوع فليُطل الوقوف؛ بعض الناس يظن أنه إذا رفع رأسه من الركوع لازم ينزل مباشرة، لا، هنا كان يرفع رأسه من الركوع فيطيل نحو من ركوعه، يعني يقف بعد الركوع نصف ساعة أو ثلث ساعة ويقول الأدعية: «ربي، الحمد لربي، الحمد لربي».
قال: ثم سجد، فكان سجوده نحو من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى»، ثم رفع رأسه فكان ما بين السجدتين نحو من السجود، وكان يقول: «ربي اغفر لي، ربي اغفر لي»، حتى قرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام طوال الليل، وليس في ركعتين.
الذي شك في المائدة والأنعام هو شعبة الذي روى هذا، عيسى رحمه الله، وأبو حمزة اسمه طلحة بن زيد، وأبو حمزة الضبعي اسمه رجل من الأنصار. وأما أبو جمرة، فقد قال: حدثنا أبو بكر محمد بن نافع، عن البصري، قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوار، أبو جمرة. هل ورد ذكره في الإسناد؟ لا، لكن واضح أن بعض من روى هذا الحديث تصحف عليه، فمن الخطأ أن يقول أبو حمزة، لأن الفرق بين حمزة وجمرة هو النقاط. فالبعض رواه عن أبي جمرة، ويريد أن ينبه على الخطأ أن أبو جمرة هو رجل آخر اسمه نصر بن عمران، وأما من في هذا الحديث فليس أبو جمرة بل أبو حمزة، وكانوا يحتاجون التنبيه على ذلك؛ كما قلنا قديمًا عند التصحيف، كثيرًا ما يقع في أسانيد الحديث في الأسماء. نعم، هو أبو جمرة الأول، وأبو حمزة الثاني، وأبو جمرة.
قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري، عن ابن المتوكل، عن عائشة قالت: قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة. يدل هذا على جواز أن يقوم الإنسان طوال الليل بآية واحدة، أحيانًا بعض الناس يأتي أول ما يقرأ تحدث في قلبه أثر فيصبح يكررها، هذا فعله النبي ﷺ في ليلة من الليالي، قام طول الليل بآية واحدة: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ نحو من الآيات. سبحان الله، عندما تلامس الآية القلب تبقى تكررها طوال الليل لما أحدثت في قلبك أثرًا.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا سليمان بن حربي، قال حدثنا شعبة، عن عبد الله بن مسعود قال: صليت ليلة مع رسول الله ﷺ، فلم ينزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد. يعني أقطع الصلاة، واعتبره أمرًا سيئًا؛ لأنه كان يترك الصلاة خلف النبي ﷺ، وهذا بالنسبة له شيء سيء.
قال حدثنا سفيان بن وكيل، قال حدثنا جرير، عن الأعمش نحوه، قال حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال حدثنا مالك، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك. وهذا هو المستحب، أن الإنسان إذا كان يصلي النفل جالسًا، أو حتى إذا كان لمرض يصلي جالسًا، الفرد إذا أراد أن يقوم ليركع يستحب أن يدخر بعض الآيات يقرأها وهو قائم.
وأنت واقف تقوم تذكر بعض الآيات تقرأها، ثم صلى الله عليه وسلم أحيانا كان يصلي قيام الليل وهو قائم، وأحيانا كان يصلي قيام الليل وهو جالس. بالتالي أخي الكريم وأختي الكريمة، إذا كنت أنت متعباً منهكاً تستطيع أن تصلي كل قيام الليل وأنت جالس، وليس عيباً؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك تخفيفاً على أمته.
فإذا صلى قائماً ركع وسجد وهو قائم، وإذا صلى جالساً -كما في الحديث السابق مر معنا أنه كان أحياناً يقوم يقرأ شيئاً من الآيات ثم يركع وهو قائم- في هذا الحديث لا تخبرنا أنه كان يركع ويسجد وهو جالس من دون أن يقوم، فهذا جائز.
قال رحمه الله: حدثنا عن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحة قاعدة». هي صلاة النفل سواء كانت قيام ليل أو في النهار تسمى السبحة، فالسبحة هي صلاة التطوع والنفل.
قال: ويقرأ بالسور ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يرتل السورة لدرجة أنها تصبح أطول من أطول منها؛ مثلاً نقول الآن الأنفال عشر صفحات، يرتلها ترتيلاً حتى إنك تشعر أنها أصبحت أكثر من سورة آل عمران لشدة كثرة بطئه وتؤادته صلى الله عليه وسلم وهو يقرأها. هذا معنى قوله: «حتى تكون أطول من أطول منها»، أنه يرتل ويهدأ في القراءة حتى كان العشر صفحات أصبحت عشرين صفحة لشدة بطئه.
قال رحمه الله: حدثنا حسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن أبي سليمان، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أن عائشة أخبرته، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس في آخر عمره.
قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «صليتم عن النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته». السنن الرواتب اختلف في عدها ما بين 12 إلى عشرة على حسب روايات الأحاديث.
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن أبي عمر، قال: حدثتني حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين حين يطلع الفجر وينادي المنادي، قال أيوب: أراه قال: «خفيفتين»، ركعتين خفيفتين، التي هي سنة الفجر، ويقرأ في الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قال: حدثنا القتيبة بن سعيد، قال: حدث مروان بن معاوية الفزاري، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: «حفظتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء». قال ابن عمر: «وحدثتني حفصة بركعتين الغداة ولم أكن أراهما»، هي صلاة الفجر.
ابن عمر شاهد النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتين بعد المغرب، وهذه ستة، وركعتين بعد العشاء، ثمانية. قال: «هذه الثمانية أنا حفظتها»، يعني أنا شاهدتها، والحفظ يدل على كثرة تكراره صلى الله عليه وسلم. لكن في ركعتين اللتين هما التاسعة والعاشرة لسنة الفجر ما شاهدهما ابن عمر لأنها ساعة يكون فيها خصوصية في المنزل، فمن التي شاهدتهما حفصة أخته، فأخبرته أنه كان يصلي ركعتين قبل الغداة قبل صلاة الفجر، سميت الفجر، بالتالي تكون عشرة.
وهناك ركعتان أيضاً قبل الظهر، الأصل أنه قبل الظهر السنة الراتبة كم؟ أربعة، لكن المؤكدة منهم اثنتان، والاثنتان الأخريان كان يفعلهما أحياناً ويتركهما أحياناً، لذلك لم يحفظهما ابن عمر.
قال رحمه الله: حدثنا أبو سلمى يحيى بن خلف، قال: حدثنا المفضل، قال: حدثنا خالد بن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة... لقب بالحذاء؛ ليس لأنه كان يصنع الأحذية، بل لأنه كان يجلس مع صانعي الأحذية. بعض الألقاب المشهورة عند المحدثين الذهن يتوهم أنه خالد الحذاء أنه كان يصنع الأحذية، سمي أو لقب بالحذاء حقيقة لا، هو كان يجلس معهم.
قال: سألت عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وقبل الفجر اثنتين»، فهذه عشرة، عائشة روت العشرة كاملة.
قال: حدثنا محمد بن متنقل، حدثنا محمد بن جعفر، قال: شعبة عن أبي سفيان، يقول: سألنا علي عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهار، فقال: «إنكم لا تطيقون ذلك». أنا فقلنا من؟ قال: فقلنا من أطاق ذلك مما صلى؟
قوله: «وإذا كانت الشمس منها هنا كهيئتها منها هنا عند الظهر»، عنده معنى، بعد الظهر صلى أربعاً. يعني الآن الشمس إذا كانت في منتصف السماء هذا وقت نهي، صحيح ولا لا؟ يكون وقت نهي، فيقول: «إذا كانت الشمس منها هنا عند الظهر أي بعد الظهر صلى أربعاً، وإذا كانت الشمس منها هنا عند الظهر صلى أربعاً»، فهو يتكلم عن حال الشمس بعد الزوال، إذا كان يصلي أربعاً بعد زوال الشمس، ثم عاد فتكلم عن أربع قبل زوال الشمس.
قال: ويصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين. البعض فسر الحديث بطريقة أخرى، ولعله يكون هذا أجود، ماذا نقول؟ قال: «وإذا كانت الشمس منها هنا كهيئتها منها هنا عند الظهر»، البعض أنا قلت لكم قبل قليل إيش عندها؟ بمعنى ماذا؟ بعد. البعض قال بمعنى قبل، وهذا قد أجد له توضيحاً.
الآن هو ماذا يريد أن يقول؟ الشمس تكون في كبد السماء، إذا كانت الشمس في كبد السماء، في المنتصف بالضبط، هذا وقت نهي لا تجوز الصلاة فيه. قبل وقت النهي تكون الشمس قبل منتصف السماء بكم درجة؟ فإذا كانت الشمس قبل المنتصف، هذا وقت أيضاً كان يصلى فيه صلاة تسمى صلاة الأوابين، والبعض يسميها أيضاً أنها صلاة ضحى أخرى. فهذا معنى قوله: «وإذا كانت الشمس منها هنا عند الظهر»، أي قبل الظهر قبل الزوال، كهيئتها منها هنا، أي كهيئتها بعد الزوال، فكأنك تقول الشمس في كبد السماء قبل أن تكون في كبد السماء، تكون وقتاً يجوز فيه الصلاة خمس درجات، وبعد أن تزول الشمس عن كبد السماء هذا وقت دخول وقت الظهر، فتكون ذهبت خمس درجات.
فالصحابي الذي يروي الحديث عن مقارنة الشمس منها هنا ومنها هنا، فهو في البداية ذكر الشمس عند الشروق، فقال: «إذا كانت الشمس منها هنا كهيئتها منها هنا صلى ركعتين»، ركعتي الشروق، بعضهم يسميها ركعتي الضحى، الآن الشمس عم تطلع، إذا صارت الشمس قريبة...
من منتصف السماء، لكنها لم تصل للمنتصف، كهيئتها بعد الزوال؛ أي كهيئتها بعد أن تزول عنك من السماء. صلى أيضًا أربع ركعات، فهذه الأربع ركعات الثانية، البعض قال هي الضحى الأعلى، الضحى الأعلى الذي يكون قبل أن تصل الشمس إلى كبد السماء، فيصلي أيضًا أربعًا.
إذا هدي النبي ﷺ أنه يصلي ركعتين عند الشروق، وأنه يعود فيصلي أربعًا قبل أن تصل الشمس إلى كبد السماء، ثم إذا زالت الشمس عن كبد السماء يكون وقت الظهر دخل، فصلى أربعًا سنة للظهر، ثم بعد الظهر صلى أيضًا ركعتين. هذا هو خلاصة الحديث: يصلي ركعتين عند الشروق، وأربع ركعات قبيل الظهر قبل أن تصل الشمس إلى كبد السماء، ثم يصلي أربعًا بعد الزوال وهي السنة القبلية للظهر، ثم يصلي ركعتين بعد الظهر وهي السنة البعدية للظهر.
أكمل: ويصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا، يفصل العصر أربعة، أي بعد أذان العصر وقبل صلاة العصر، وهو حديث: «من صلى أربعًا قبل العصر أو رحم الله امرأً صلى أربعًا قبل العصر».
قال: يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين. والمراد بالتسليم هنا التشهد، يعني يفصل بين كل ركعتين بالتشهد. لماذا حملنا التسليم هنا ليس على التسليم المعروف وإنما على التشهد؟ لأنه قوله: يسلم على الملائكة المقربين والنبيين.
طبعًا أنا لما أسلم يمينًا وشمالًا، من النبيين سلم عليهم، ما في أنبياء تسلم عليهم. إذًا ماذا قصد بالتسليم هنا؟ أنك تقول في التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، فأنت إذا قلت ذلك تكون سلمت على النبيين وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض ومنهم الملائكة. فالمراد إذًا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم أي بالتشهد، وهو إذا تشهد سيسلم بعده التسليم المعروف عندنا، فكنا بالتسليم عن التشهد.
قال: بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. الأصل في صلاة النهار أنها تكون مثنى مثنى. لو صليت الأربعة قبل الظهر مع بعض أربعة متتالية يصير، لكن السنة أن تفصل بين الركعتين والركعتين. لو بدي أصلي الضحى أربع ركعات متواصلة يصير ولا ما يصير؟ يصير، لكن السنة كما فعل النبي ﷺ: ركعتين ثم تتشهد وتسلم، ثم ركعتين ثم تتشهد وتسلم، هذا هو الأكمل من أحواله ﷺ.
ونقف اليوم عند هذا القدر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
حياكم الله يا أحبة في المجلس الثاني الذي نعقده اليوم في مدارسة منظومة العلامة السعيدي رحمه الله تعالى عليه في القواعد الفقهية. وقد مررنا في المجلس الأول والثاني على ثلة من هذه القواعد؛ فقلنا ما تعريف القواعد الفقهية؟
هناك أشياء أساسية، وهنا أنبه إخواني أننا نشرح شرحًا جمليًا، فبعد الطلبة يريد أمثلة وتفاصيل، وهذا إن شاء الله في دورات مفصلة في علم القواعد. أما أنت في ثلاثة أيام سريعة، لا تتصور أنني سأعطي كل كلمة وكل تفصيل وكل مثال، هذا ليس من أصل المجلس ولا من فائدته، وإنما فائدته أن تعرف جمليات هذا العلم فتعرف تعريفه.
فقلنا ما هي القاعدة الفقهية؟ حكم كلي ينطبق على جزئيات كثيرة في أبواب متعددة. وقلنا ما هي القواعد الكلية الكبرى؟ وهي خمس، والبعض يجعلها ستة: الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، لا ضرر ولا ضرار، ولا عادة محكمة، والبعض يزيد قاعدة: حقيقة أن الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد.
وشرعنا في هذه القواعد قاعدة وما يتفرع منها، ووصلنا إلى بعض القواعد الصغرى التي ذكرها هائل السعدي رحمه الله تعالى عليه، ومنها قوله: والخطأ والإكراه والنسيان... أسقطه معبودنا الرحمن.
لكن حقيقة قبل أن ندخل في هذه القاعدة، أنا شرحتها البارحة، لكن هناك تنبيه على القاعدة السابقة وهي قولنا: "وسائل الأمور كالمقاصد، وأحكم بهذا الحكم للزوائد". البعض يسأل ما معنى قول الناظم: "وأحكم بهذا الحكم للزوائد"؟
نحن شرحنا قوله "وسائل الأمور كالمقاصد" ووقفنا، وقفزنا عن قوله "وأحكم بهذا الحكم للزوائد". البارحة تكلمنا عن قضية أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وبينا أن الوسائل على نوعين: وسائل نص الشارع على حكمها، فهذه يتبع فيها النص، ووسائل لم ينص الشارع على حكمها، فهل لها أحكام المقاصد؟ قلنا هذه فيها تفصيل: وسائل توصل إلى المقاصد قطعًا فحكمها حكم المقصد من حلال أو حرام، من إيجاب أو ندب؛ ووسائل توصل إلى المقصد نادرًا فهذه لا تأخذ حكم مقصدها؛ ووسائل توصل إلى المقصد تقريبًا فهذه فيها خلاف، هل تأخذ حكم مقصدها أو لا تأخذ حكمه؟ وهنا نشأ الخلاف في قاعدة سد الذرائع بين الأصوليين.
قوله بعد ذلك "وأحكم بهذا الحكم للزوائد": الآن الوسائل تكون قبل المقاصد، صحيح؟ والزوائد والتتمات تكون بعد حصول المقصود. فكما أن الوسائل التي تكون قبل المقصود لها أحكام المقاصد، قالوا: فكذلك الزوائد والتتمات التي تكون بعد المقصود وحصوله لها أحكام المقصد، لكن أحكامه من حيث ماذا؟ قالوا: أحكامه من حيث الثواب والعقاب.
أعطيك مثالًا حتى تفهم: عندما نقول شخص صلى في المسجد، ممتاز، ثم عاد إلى منزله، العودة إلى المنزل بعد الصلاة هذه تتمة وزائد بعد فعل المقصود، أليس كذلك؟ فهل أنا أثاب على العودة إلى المنزل؟ نعم. شخص ذهب إلى خمارة أو إلى بيت عهر -والعياذ بالله- وبعد أن حصل مقصده الحرام عاد إلى منزله، هل العودة إلى المنزل فيها إثم؟ نعم ما دام مصرًا على الحرام، هذه العودة والتتمة تأخذ حكم المقصد وهو التحريم.
بالتالي، كما أن الوسائل التي قبل المقصد لها أحكام المقاصد، فإن التتمات والزوائد التي تكون بعد المقصد أيضًا لها أحكام المقصد من حيث الإباحة والتحليل، ومن حيث الثواب والعقاب. فالوسائل تكون قبل المقاصد ولها أحكام المقاصد على التفصيل الذي ذكرناه، فنقول كذلك السعدي يقول: "والتتمات التي تكون بعد حصول المقصد لها أحكام المقصد أيضًا".
مثل ماذا؟ التتمات كما قلنا: شخص فرغ من طاعة والآن يعود إلى منزله، إن شاء الله أنت بعد أن ينتهي هذا المجلس تعود إلى بيتك، أنت مثاب حتى في طريق العودة؛ لأنه من التتمات والتكميلات لهذا المقصد وهو الاجتماع على العلم. بينما من ذهب إلى مجلس معصية عودته إلى منزله هو معاقب عليها في أثناء عودته؛ لأن هذه من التتمات والتكميلات التي تتعلق بالمقصد الذي فعله وهو المعصية. فكما أن الوسائل التي قبل المقاصد لها أحكام...
المقاصد، والتمامات والزوائد التي بعد المقاصد لها أحكام المقاصد؛ فهمنا إذا ما معنى قوله: «وأحكم بهذا الحكم للزوائد»؟ إذاً يصرف بالزوائد التتمات التي تكون بعد حصول المقصد، وهذه مقابلة للوسائل التي تكون قبل حصول المقصد.
انتقلنا بعد ذلك إلى البيت الذي يليه: «والخطأ والإكراه والنسيان، أسقطه معبودنا الرحمن». قلنا ما هذه القاعدة؟ ما معنى أن الله أسقط الخطأ والإكراه والنسيان؟ أي لا يؤاخذ عليها أخرويًا؛ أن من أخطأ أو أُكره أو نسي لا يؤاخذ على إكراهه أو على خطئه وعلى نسيانه ماذا أخرويًا. لكن هل هذا يسقط المؤاخذة الدنيوية؟ لا، هذه فيها تفصيل.
تكلمنا أولاً عن الخطأ، وعرفنا التفصيل بين حق الآدمي وحق الله، فقلنا: الخطأ وهو كل ما يفعله الإنسان بدون قصد من حيث الإثم أخرويًا، لكن من حيث الضمان الدنيوي؛ إذا كان في حق الآدميين، فهل يؤاخذوا على الخطأ؟ فيه تفصيل: إذا كنت لك إذن في التصرف وحدث الخطأ مع وجود الإذن فلا تضمن، وإذا لم يكن إذن لك في التصرف وحدث الخطأ بدون إذن تضمن. وأما في حق الله سبحانه، ماذا قلنا؟ إذا كان الفعل الذي خالفت فيه الأمر فيه إتلاف فعليك الكفارة في حق الله؛ لأن ضمانه كفارات، وإذا كان الخطأ الذي ارتكبته في حق الله ما فيه إتلاف فلا يوجد كفارة. هكذا تكلمنا عن الخطأ.
اليوم ننتقل إلى الإكراه، ما تعريف الإكراه؟ الإكراه هو أن يُحمل الإنسان على قول أو فعل لا يريده. الإكراه ينقسم إلى نوعين: هناك إكراه ملجئ، وهناك إكراه غير ملجئ. الإكراه الملجئ هو أن تصبح كالريشة أو كالآلة في يد من أكرهك، مثال ذلك أن أمسك شخصاً منكم وألقيه على صاحبه، فمن حُمي الضربة مات هذا الشخص؛ مسكت شخصاً وألقيته على شخص آخر، إذاً هذا الشخص الذي أنا أمسكته وألقيته هو مُكره، وإكراهه إكراه ملجئ؛ أي أنه مسلوب الاختيار تمامًا، أصبح كالسكين والآلة في يدي. فهذا الإكراه لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأنه سلب ماذا؟ سلب الإرادة والاختيار معًا، وأصبح كالآلة في يد المكره؛ أنا حملتك وزتيتك على شخص فقتلته بك، أنت ما لك علاقة.
لكن الصورة الثانية هي التي يقع فيها الخلاف الشديد، الإكراه غير الملجئ هو أن أهددك فأسلبك الإرادة والرغبة، لكن لا أسلبك الاختيار. أقول لك مثلاً: إن شربت هذه الخمر وإلا قتلتك؛ الآن هو ما سلبك الاختيار، أن تستطيع أن تختار إما القتل وإما شرب الخمر، لكنك مسلوب ماذا؟ الإرادة؛ أنا ما بدي أشرب بس هو هددني يا بقتلك يا أشرب خمر، فهنا سلبني الإرادة ولم يسلبني الاختيار. فالفرق إذًا بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ هو: الإكراه الملجئ يسلبك الأمرين؛ الإرادة (يعني رغبتك في الشيء) والاختيار، والإكراه غير الملجئ هو يسلبك الإرادة أنك ما بدك تعمل، لكن لا يسلبك الاختيار، أنت تبقى عندك قدرة على أن تختار إما القتل أو شرب الخمر، أو القتل أو الزنا أو كذا، فهذا يسمى إكراهًا غير ملجئ.
وهذا الذي يتكلم عنه في العادة الفقهاء، لأن الإكراه الملجئ الأول هذا يسقط التكليف؛ أنت أصبحت كالآلة كأنك جماد، لكن الإكراه غير الملجئ يبقى معه الاختيار، بالتالي يقع خلاف في أفعال المكره؛ هل المكره الذي عنده اختيار هل هو مسامح في أفعاله أو غير مسامح؟
ابتداءً نقول ما هو ضابط الإكراه الذي يحصل به العذر الشرعي؟ الإكراه الذي يحصل به العذر الشرعي له ضوابط نكتبها سريعا: أولاً: أن يكون الشخص المكره قادرًا على أن يفعل ما هددت به؛ جاءك طفل عمره خمس سنوات قال لك: «يا بقت هناك»، لا تقول لي أنت تكره، هذا غير قادر على أن يوقع الإكراه، فهنا أولاً لابد أن يكون المكره قادرًا على أن يوقع تهديده. ثانياً: لا بد أن يكون المكره عاجزًا عن دفع الإكراه؛ أنا ممكن شخص يهددني بس أنا قادر أني أخلص عليه، بالتالي أنا قادر أني أدفع الإكراه، فهنا لست مكرهاً؛ الشرط الثاني أن يكون المكره عاجزًا عن دفع الإكراه. ثالثاً: أن يكون المكره قادرًا فعليًا على إيقاع التهديد؛ شخص قال لك اشرب الخمر وإلا قتلتك وأنا متأكد أن هذا الرجل مستحيل يقتل، هو غير قادر على إيقاع ما هدد به بسبب جبن فيه أو لضعف، فمثل هذا الإكراه لا يعتبر. لا بد إذًا أن يكون الشيء الذي أكرهت عليه: المكره قادر، والمكره عاجز، والشيء الذي هددت به غلب على ظنه أنه فعلاً سيوقعه؛ ليس بالضرورة أن يكون سبب عدم وقوعه عدم قدرته، هو قادر بس أنا عارف أنه هو يهدد بس بمزح أو يهدد بس ما بيحب ينفذ، فحتى يكون الإكراه معتبرًا أن يغلب على ظني، ولا يشترط اليقين هنا. أخيراً: أن يكون التهديد وقوعه عاجلاً؛ إذا قال لي اشرب الخمر وإلا قتلتك بعد سنة، فما الشيء الذي هددت به سيقع بعد سنة، فهذا لا يسمى إكراهاً، بعد سنة بيفرجها رب العالمين. فالفكرة إذًا لابد أن يكون التهديد عاجلاً، الآن سيتم تنفيذه إذا لم أرغب أو لم أقم بما هو مطلوب مني.
فهذه أربعة شروط للإكراه: المكره قادر، المكره عاجز، الفعل الذي هددت به غلب على ظنه أنه سيقع، وأن يكون التهديد عاجلاً وليس مؤجلاً؛ إذا وجدت هذه الشروط الأربعة نقول هذا الشخص مكره.
طبعاً نحن نتكلم عن إكراه غير ملجئ، هل الشخص المكره مسامح في أقواله وأفعاله؟ هنا حقيقة اختلفت المذاهب اختلافًا شديدًا، وخلاصة ما يمكن أن نقول إن المكره عليه أن يخضع لقاعدة فقهية أخذناها سابقًا وهي قاعدة: «أخف الضررين». تُطبق هذه القاعدة إذا كان الشيء الذي أكرهت عليه أخف ضرراً من وقوع التهديد؛ افعل ما أكرهت عليه، وإذا كان الشيء الذي أكرهت عليه أعلى ضرراً من وقوع التهديد؛ لا يجوز أن أفعله وأتحمل نتيجة التهديد.
أعطيك مثالين متقابلين: شخص قال لك افتح على فلان داره وإلا قتلتك؛ أيهما أخف مفسدة؟ لا يا عم روح بفتح داره، صح هو غلط ومش سامعني بس أنا بكره بفتح على داره حتى لا يقتل حرمة بيته، حتى لو حرمة بيته لأنه أنا سأقتل، فأيهما أدنى مفسدة: أن أفتح على فلان داره أم أن أقتل؟ لكن لو قال لك: اقتل فلان وإلا قتلتك؛ هنا بدك تتحمل التهديد ولا تقتل فلان، لأنه هنا قتلك لغيرك أشد ضرراً من تحملك للتهديد الواقع عليك. شفت هذا المثال وهذا...
المثال إذا؛ المكره لا يكون مؤاخذاً دنيوياً في أقواله وأفعاله متى لا يكون مؤاخذاً؟ إذا كان الشيء الذي هدد عليه أخف ضرراً من التهديد الواقع، فيقول: خلاص افعل ما هددت عليه، افعل ما وُددت عليه وأنت لست مؤاخذاً دنيوياً به.
أما إذا كان الشيء الذي هدد عليه أشد ضرراً من التهديد، فهنا لا يجوز أن أباشره، وإذا باشرته أُخذت دنيوياً وأخروياً. فالذي قال لك: «اقتل فلان وإلا قتلناك»، لا يريد أن تقتل غيرك ولو مت أنت، فأنت أحسن أن تعيش وغيرك يموت، لا؛ خلاص، اتحمل قدرك. بالتالي إذا قتلت غيرك من أجل أن تحيي نفسك، هنا أنت آثم دنيا وأخروياً، وعليك أن تتحمل العقوبة دنيوياً وعليك القصاص.
أما كما قلنا، إذا قالوا لك: «افتح باب فلان، أو اكسر جرة فلان، أو أتلف سيارة فلان وإلا قتلتك»، لا، بروح أتلف السيارة وأعمل كل هذه الأمور ولا أقتل؟ والذي يضمن الإتلاف لست أنا شرعاً، الذي يضمن الإتلاف هو المكره. فهذه قاعدة تلخص لك باب الإكراه: إذا كان في الإكراه غير الملجئ، على المكره أن يطبق قاعدة أهون الشرين باختصار؛ ما رآه أهون شراً يفعله، إذا رأى تحمل التهديد أهون شراً يتحمل التهديد، إذا رأى فعلاً مهدداً عليه أهون شراً يفعل الشيء الذي هدد عليه.
هذا فيما يتعلق بالإكراه، نذهب إلى الثالث: الخطأ والإكراه والنسيان. النسيان هو أن تفعل شيئاً أو أن تترك شيئاً غفلة عنه. نقول: إذا نسيت شيئاً في حقوق الآدميين فترتب عليه تلف، هذا أنت ضامن له. إذا نسيت شيئاً من أمور الآدميين فتسبب عليه تلفاً؛ يعني والله عملت شيئاً في دار رجل، نسيت مثلاً القاطع نازلاً أو القاطع مرتفعاً، أو باب الثلاجة مفتوحاً، أنا نسيت أثناء إصلاحي لشيء وتترتب على ذلك تلف لطعام أو شراب أو حريق أو ما شابه ذلك، أنا يجب أن أتحمل. ففي حقوق الآدميين النسيان، عليك أن تتحمل ضريبته، وإن كنت لا تؤاخذ عند الله سبحانه وتعالى من ناحية الإثم، لكن من حيث الضمان الدنيوي يجب أن تتحمل نتيجة نسيانك إذا ترتب عليها تلف.
أما في حق الله سبحانه وتعالى، في باب المأمورات؛ إذا نسيت شيئاً في باب المأمورات والمنهيات، في المأمورات: إذا نسيت عبادة، نسيت الصلاة، نسيت صيام رمضان، نسيت الزكاة، أنا غير مؤاخذ، لكن علي ماذا أفعل؟ القضاء. أحسنتم.
وأما في باب المنهيات: إذا نسيت أن الشيء هذا محرم وفعلته، هل علي شيء؟ خلاص، لا شيء علي إذا نسيت أن شيئاً محرماً وفعلته. إلا في بعض المسائل التي وقع فيها خلاف، مثال ذلك: قالوا من نسي في نهار رمضان فجامع زوجته، هل يؤاخذ ولا لا يؤاخذ؟ هو إنسان ينهى عن الجماع في نهار رمضان، وهو نسي وجامع، الآن عند الحنابلة أخذوا وقالوا عليه الكفارة. ففي بعض تفاصيل المنهيات يقع خلاف بين المذاهب: هل يؤاخذ الإنسان بالنسيان في المنهيات أو لا؟ كقاعدة عامة لا يؤاخذ، كشرب الخمر نسياناً، أو فعل شيء من المحرمات ينسى حرمته؛ الأصل أنه غير مؤاخذ عليه، إلا في بعض تفاصيل المذاهب وقع فيها خلاف لاعتبارات أخرى.
فإذاً معنى قوله: «والخطأ والإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن، أسقطه وأسقط إثمه، وأما المؤاخذة به فعلى ما فصلناه في الخطأ وفي الإكراه وفي النسيان على ما فصلناه». طبعاً كما قلنا هي تفصيلات جملية، والمطلوب منك في هذه المدارس أن تخرج بالأصول الجملية وليس بالتفصيلات الدقيقة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «لكن مع الإتلاف يثبت البدل وينتفي التأثيم عنه». شرح منه أن الذي أسقطناه عليك ليس المؤاخذة الدنيوية، ما أسقطناه عليك هو المؤاخذة الأخروية، وأما المؤاخذة الدنيوية فإذا حصل إتلاف فعليك أن تتحمل على التفصيل الذي سبق في الخطأ والإكراه والنسيان.
لكن مع الإتلاف يلزم البدل؛ في تفصيل، مش قلنا في حالة الخطأ: هل أذن لك شرعاً أو لم يؤذن لك شرعاً؟ فهذه حتى هذا كلامنا، «لكن مع الإتلاف يثبت البدل»، نقول فيه تفصيل وليس هذه العبارة على إطلاقها، لأنه في الخطأ فيه تفصيل: متى يثبت البدل ومتى لا يثبت، وفي الإكراه أيضاً يثبت تفصيل على قاعدة أهون الشرين ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: «ومن مسائل الأحكام في التبع يثبت إذا استقل». تمام، هذه قاعدة جديدة من القواعد الصغرى، وهي قاعدة يعنون لها بكلمتين: التابع تابع. هكذا يعنون لهذه القاعدة، القاعدة رقم تسعة التي تطرق إليها السعدي: التابع تابع. ما معنى التابع تابع؟ التابع هو الشيء الذي لا ينفك عن غيره، يأخذ حكم غيره في الأحكام. الشيء الذي لا ينفك عن غيره يأخذ حكم غيره في ماذا؟ في الأحكام. وأما إذا كان ينفك عن غيره ويستقل بنفسه، لا يأخذ حكم غيره في الأحكام.
أعطيكم أمثلة من الواقع المعاصر: اشتريت أنت سيارة، تمام، بعد ما اشتريتها إيش قال لك البائع؟ «أنا بعتك السيارة بس ما بعتك مفتاحها»، تقول له: طب كيف بدي أفتح السيارة؟ قال لك: لا، إحنا قلنا بعنا سيارة بعشرة آلاف، هل نصصنا على المفتاح في العقد؟ ما حدا جاب سيرة المفتاح. وأقول له لا؟ القاعدة الفقهية شو بتقول؟ التابع تابع. صح، ما نصصنا عليه، لكن في عرف الناس مفتاح السيارة تابع لها، فيأخذ حكمها في البيع.
إنسان باع بيتاً، رحت استأجرت أو بعت بيتاً لشخص، طيب وأنا بعد ما اشتريت البيت وشفت الزلمة ماخذ خزانات المياه ورايح فيها، فقلت له: آخر مرة، في خزانات المياه؟ قال: أنا بعتك البيت ما بعتك خزانات المياه التي على السطح! لا، الله يكرمك، صحيح نحن لم ننص عليها، لكن القاعدة الفقهية: التابع تابع، فليس هناك بيت بدون مياه وأنابيب مياه واصلة له، فهذه تأخذ حكم البيت وبالتالي تلحق به ولو لم يتم النص عليها.
مثال آخر: ما هذا؟ مصحف. اعتبرناه مصحفاً، نحن نعرف أن المذاهب الأربعة لا يجوز مس المصحف إلا على طهارة، فجاءني شخص قال لي: طب الشيخ، حواشي الصفحة التي ليس مكتوب فيها قرآن، هل يصير أسميها مصحفاً؟ نقول أيضاً لا يجوز؛ لأنه هذه الحاشية تابعة للمصحف، فحكمها حكم المصحف، لا يجوز مس التابع تابع، كله يأخذ نفس الحكم. فهذه قاعدة تطبيقاتها كثيرة حقيقة في أبواب العبادات وفي أبواب المعاملات.
مثلاً: الشاة الحامل. الشاة الحامل، يقول: الحمل لا يستقل بنفسه، لذلك لا يجوزون بيعه مستقلاً، ما يصير جاء شخص عنده ناقة حامل، اشتري منه الحمل الذي في داخل بطنها، لأنه هذا مجهول، مش معروف كم وزنه وكم حجمه، الله أعلم، لكن...
يجوز أن يباع الحمل تبعًا للشاة، فأقول للبائع: أريد أن أشتري الشاة بحملها، وهذا سيضاعف سعرها، هنا يجوز؛ لأن التابع تابع، والأمثلة على ذلك كثيرة.
لذلك ماذا قال السعدي في هذه القاعدة؟ «ومن مسائل الأحكام في التبع يثبت لا إذا استقل فوقع». طبعًا صياغته ليست قوية حقيقة، وكثيرًا ما يتضح أن صياغته ليست قوية كالأبيات الأخرى، وفي نوع من الغموض، لكن ما يقصده في الخلاصة هو أنه إذا كان الشيء مستقلاً، فإذ لم ينص عليه لا يدخل في الحكم.
مثلاً، هناك بعض الأمور عرفيًا تعتبر مستقلة عن البيت، مثل الأشجار التي بجانب البيت. أنا بعتك بيتًا، لكن لم ننص على أن الأشجار التي خارج أسوار البيت هي تبع لك، وأنت لا تعرفها في أراضينا في عمان هناك زيتون يكون على الأرصفة، فالآن قد يكون في العرف أن الذي باع البيت لم يبعك الزيتونات، فله أن يأتي كل سنة ويقطف زيتوناته. فهل يجوز أن تقول: "لا، أنا اشتريت البيت إذاً اشتريت الزيتونات"؟ نقول هنا العرف محكم؛ إذا كان العرف أن الزيتون الذي على الأرصفة يتبع البيت، فعلاً من اشترى البيت اشترى الزيتون تبعًا. إذا كان العرف لا يقتضي ذلك، فمن باعك البيت ولم يبعك الزيتون، فيبقى الزيتون مستقلاً وأصله لصاحب البيت السابق.
فهنا قضية التابع تابع، العرف يتدخل في تحديدها؛ العرف يتدخل في تحديد هل هذا الشيء تابع لغيره فيأخذ حكمه، أو مستقل عنه فلا يأخذ حكمه في العقود أو العبادات أو ما شابه ذلك، وهذا أمر مهم جدًا.
قال رحمه الله تعالى: «والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحدد». هل هناك شخص يمكن يستدل بدليل من القرآن على أن التابع تابع؟ دليل يستأنس به على هذه القاعدة أن التابع يتبع غيره؟ هو دليل بعيد، لكن ممكن يستأنس به.
يا شيخ أحمد، من القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: 21]. هذه صح حكمها آخر، لكن البعض استدل بها على أن الله يلحق الذرية بالأب الصالح؛ لأن التابعة تابعة، فأنت بلحسنك وصلاحك يتبعك أبناؤك في منزلتك في الجنة وإن لم يكونوا مثلك في درجة الصلاح، لأن التابعة تابع.
البعض أيضًا قال: كل خطابات القرآن هي دليل، وهذا دليل صحيح وقوي؛ كل خطابات القرآن «يا أيها النبي» تدخل فيها الأمة إلا ما ثبت خصوصيته، لأن الأمة تابعة له ﷺ، فكل خطاب له هو خطاب لأمته على وجه التبع؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. ظاهر النص أنه خاص، لكن هل نحن ندخل فيه؟ نعم ندخل فيه لأننا تبع له، فالاتباع تابع. فإذن طبيعة القرآن أنه إذا خاطب النبي ﷺ خاطب أمته، وآية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ هي من الأدلة على أن التابعة تابعة.
طيب، من الحديث يا شيخ أحمد؟ أحسنت: «ذكاة الجنين ذكاة أمه». إذا أنت ذبحت بقرة أو غنمة وبعد الذبح خرج جنينها من بطنها ميتة، هل يجوز أن تأكل الجنين؟ نعم، لأن ذكاته هي ذكاة أمه، كأنك لما ذكيت أمه كأنك ذكيته، وهذا بشرط أن يخرج ميتًا، أما إذا خرج من بطنها حيًا، لا، هذا خلاص كائن جديد مستقل فأصبحت له تذكية خاصة به. أحسنتم.
قال رحمه الله تعالى: «والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحدد». انتقل إلى القاعدة؛ من القواعد الكلية الكبرى، ماذا أخذنا من القواعد الكبرى؟ الأمور بمقاصدها، النية شرط لسائر العمل، قاعدة المدينة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، أخذنا المشقة أو العسر تجري بالتيسير، أخذنا اليقين لا يزول بالشك. كم قاعدة كبرى بقيت علينا؟ اثنتان: «لا ضرر ولا ضرار»، و«العادة محكمة».
الآن سينص على «العادة محكمة»، فنقول هذه قاعدة من القواعد الكلية الكبرى، وهي أن العادة محكمة. ما معنى «العادة محكمة» أيها الكرام؟ معنى هذه القاعدة أن الأعمال والأمور الشرعية التي مبناها على الأعراف تحكم فيها الأعراف بشرطها، لأنه سيأتي معنا أنه ليس كل عرف يحكم شرعًا، لكن معنى القاعدة أن الأحكام الشرعية التي مبناها على الأعراف يحكم فيها العرف ويرجع فيها إلى ما اعتاده الناس في ذلك.
مثال ذلك: ألفاظ الطلاق، ألفاظ العقود؛ هذه مبناها على الأعراف. ففي بلد معين يستعملون لفظة معينة للطلاق، وفي بلد آخر لا يستعملونها. ففي هذا البلد الذي يستعملون فيه كلمة «حبلك على غاربك»؛ لو واحد في الأردن قال لزوجته «حبلك على غاربك»، التفسير أنه انطلقت منك، لو لم تكن فاهمها أصلًا، فلو واحد مزح مع زوجته قال «حبلك على غاربك» لا يطلق، لكن في بلد يستعملون هذه اللفظة للطلاق بمعنى "روحي على بيت أهلك". بالتالي هنا الذي جعلني أقول إن فلان طلق وفلان لم يطلق، ما هو كلاهما استعمل نفس اللفظة، هذا قال لزوجته «حبلك على غاربك» وهذا قال لزوجته «حبلك على غاربك»، هذا طلق وهذا لم يطلق، أيش أنا حكمت هنا؟ العرف؛ لأن ألفاظ الطلاق وألفاظ العقود مبناها أصلًا في حياة الناس على الأعراف.
أيضًا أعرف أيضًا النفقات؛ في بلد معين يقبل سقف معين من النفقة على الزوجة، يعتبر عندهم الخبز والشعير نفقة كاملة، في الأردن النفقة لا تعتبر نفقة إذا كانت شعير القمح، المرأة لا تأكل هذا في بلادنا. فتحديد النفقات الزوجية في مصر يختلف عن تحديد النفقات الزوجية في الأردن، يختلف عن تحديد النفقات الزوجية في الخليج؛ لماذا؟ لاختلاف الأعراف في ذلك. وقس على ذلك وقس على ذلك.
إذن الأحكام الشرعية التي مبناها على الأعراف يرجع فيها إلى العرف، والعرف محكم فيها، والقاضي عليه أن ينظر في العرف حتى يتخذ الحكم الصحيح؛ لذلك قالوا: «العادة محكمة». فهمتم ما معنى العادة؟ لكنها ليست محكمة في كل الأشياء، بل في الأحكام التي مبناها على العرف، أما أحكام فقهية ما لها دخل بالأعراف، لا يدخل العرف في علاقة صلاة الظهر أربعة والمغرب ثلاث؛ لماذا؟ لأن هذه أحكام شرعية لازمة.
من الأمور التي مبناها العرف وما نص عليه، قال: «والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحدد». ما معنى كلامه؟ هذا مثال أصلًا: إذا وردت لفظة في الكتاب أو السنة، وهذه اللفظة ليس لها تحديد في الشريعة وليس لها تحديد في اللغة، يلجأ إلى العرف في تحديد مفهومها. أي لفظة وردت في الكتاب والسنة وليس لها ضابط شرعي نص عليه ربنا، ولا ضابط لغوي، فيلجأ في تفسير هذه اللفظة إلى العرف. مثال ذلك السفر: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ [البقرة: 195]، قالوا ما هو السفر الذي يجوز فيه الجمع والقصر؟
الجمهور قالوا هناك تحديد شرعي، وهو أنه ماذا كان صلى الله عليه وسلم يقصر في أربعة بريد، وهي 81 كيلومترًا. البعض قال هذا الحديث ضعيف، وبالتالي زي ابن تيمية قال: لا يوجد حد شرعي صحيح للسفر. فابن تيمية قال: السفر مرجعه إلى ماذا؟ إلى العرف. في كل أهل بلد لهم عرف في تحديد مفهوم السفر، ولم يضبط السفر بمسافة.
شو السبب في اختلاف ابن تيمية عن الجمهور؟ الجمهور رأوا أن هناك تحديدًا شرعيًا في الأحاديث، وابن تيمية قال لهم الحديث ضعيف أو لا تستقيم دلالته. بالتالي، السفر ورد في نص الكتاب والسنة وليس له ضابط شرعي ولا ضابط لغوي، فمرجع تفسيره إلى ماذا؟ إلى أعراف الناس.
لفظ الحرز ورد في الشريعة: «أن من سرق من حرز فعليه القطع». طيب، ما هو الحرز أو ما ضابط الحرز؟ هل الشريعة قالت الحرز هو الخزائن؟ هل قالت الحرز هو كل ما في داخل البيت؟ ما في نص في الشريعة يحدد مفهوم الحرز بحيث إذا سرقت منه تعتبر سارقًا، فقالوا: إذاً مرجع تفسير الحرز الأعراف، وهذا يختلف باختلاف البلدان والزمان والمكان. فباختصار، كل لفظة وردت في الكتاب والسنة لم يأتِ لها تحديد دقيق شرعًا ولا يوجد لها تحديد في اللغة، فمرجعك في تحديدها إلى ماذا؟ إلى العرف.
هذا أيضًا نقول فيه: «العادة محكمة». العادة محكمة قاعدة مهمة جدًا نفهمها؛ لأنه كثير من الأعمال، خاصة في المعاملات، مبناها على الأعراف، ومنها ما ذكرنا قبل شوي في قضية التابع. التابع يعني هل يعتبر الرصيف تابعًا للبيت؟ فإذا أنا بعتك البيت، بعتك الرصيف الخارجي. العرف محكم؛ إذا العرف يقتضي أن الرصيف يتبع البيت، إذا بعتك البيت بعتك الرصيف، إذا العرف لا يقتضي ذلك، إذا بعتك البيت أنا لم أبع لك الرصيف. قاعدة «العادة محكمة» من القواعد الكبرى المهمة في جميع الأبواب.
لكن الآن سنتكلم عن: ما هي العادة التي يجوز تحكيمها؟ سنضع ضوابط للعادة التي يجوز تحكيمها، ليس كل عادة محكمة. يقولون هناك أربعة شروط في العادة حتى تحكم:
أولًا: أن تكون العادة مضطردة وغالبة في البلدة، فإذا كانت العادة ليست مضطردة ولا غالبة فلا عبرة بها. مثال ذلك: شخص اشترى سلعة من شخص في الأردن وقال له: كم بعتني؟ قال: بعتك هذه السيارة بمئة دينار. الآن لما في الأردن لما نحكي 100 دينار، يعني دينار شو؟ أردني. فجاء بده يسلمه، فراح سلموا دينارًا عراقيًا. الآن الدينار العراقي، يعني 100 دينار عراقي مقابلة مئة أردني لا تسوى شيئًا. فالمشتري أعطاه 100 دينار عراقي، قال له: إيش هذا؟ قال: مش أنت بدك مئة دينار؟ خلص إحنا ما حددنا عراقي ولا أردني. قلنا: لا يا عمي، العرف المطرد في الأردن إذا قيل دينار يعمل على ماذا؟ الأردني. إذا أنت بدك تعمله على الدينار العراقي بدك تنص على ذلك. فالعرف الذي يحكم هو العرف المطرد الغالب، فكلمة دينار في الأردن تحمل على الدينار الأردني، لا الدينار الكويتي ولا العراقي ولا اللي بدك إياه. هذا هو العرف المضطرد والغالب، وأما عرف ليس مضطردًا ولا غالبًا فلا يجوز التعامل به.
الشرط الثاني: أن يكون العرف الذي يحكم غير مخالف للشريعة. فإذا كان في بلد من البلدان العرف أن المرأة تهدي زوجها عند الزواج خاتم ذهب، فهل هذا العرف يقبل؟ لا يقبل. مثلاً في بلادنا العرف أن الزوجة تطالب زوجها بالدبلة إذا أرادت أن تتزوجها، نقول هذا عرف مخالف للشريعة؛ لأن هذه الدبلة هي من أمور الأديان المتعلقة بالكنائس، فلا تلبس ولا يجوز للمرأة أن تطالب زوجها بها. يقول: والله هذا عرفنا! قلنا: هذا عرف مخالف. معقول يا شيخ؟ بعدين بنحكي في هذه الأمور، لكن المهم أن الدبلة هذا عرف كان سائدًا لارتباط أبدي لأن عندهم ما في طلاق، لا، الإسلام فيه طلاق. ارتبطت فيك خلاص علقت، ففي الحمد لله الإسلام فيه طلاق، أنتم عندكم في الكنائس ما في طلاق والدبلة هي دلالة هذا الأمر، هذه مشكلتكم. فهنا صحيح أدبنا عرف ونحن نقر بذلك، لكنه عرف موافق أم مخالف؟ مخالف، فلا يجوز للمرأة أو لأهلها أن يطالبوا: والله أنت ما جبت دبلة! هذا عرف لا عبرة به.
الشرط الثالث: أن يكون العرف سابقًا على المعاملة؛ لأن هناك عرفًا سابقًا وهناك عرفًا طارئًا.
الشرط الرابع: أن لا يصرح أحد المتعاملين بخلاف العرف. إذا صرح أحد المتعاملين بخلاف العرف فالتصريح مقدم على العرف. مثال ذلك: نحن أمانة عمان حكت الرصيف يتبع البيت عند البيع، صح؟ فأنا الآن رحت أبيعك البيت لكنني نصصت قلت: سأبيعك البيت بدون الرصيف، وأنا عارف أمانة عمان بتقول الرصيف مع البيت، بس أنا نصصت أنه أنا مش بايعه كل شيء، أنا بايعك البيت بدون الرصيف. هل هنالك يجبر الطرف الآخر على إعمال العرف؟ لا، ما في، بعد ما يتم العقد ويقول: لا والله أمانة عمان حطت عرف قديم أن الرصيف يتبع البيت، وقوله: صح أنا عارف هذا العرف لكنني نصصت على خلافه. أعطيك مثالًا أسهل: في بلادنا العرف أنك إذا استأجرت بيتًا متى تسلم أجرته؟ في نهاية الشهر، صح؟ لو أن شخصًا قال لك: ماشي أنا بعرف أن العرف تسليم الأجرة في نهاية الشهر، بس أنا كمؤجر بدي إياك تسلمني إياها في بداية الشهر. إذا هو نص الآن على خلاف العرف، فعلي أن أتبع نصه أم أتبع العرف؟ إذا صرح بخلاف العرف فالتصريح مقدم على العرف؛ لأنه في النهاية العرف هذا مش دين، هذا شيء تعارف عليه الناس فيجوز مخالفته. العرف ليس شيئًا لا تجوز مخالفته أو التنصيص على خلافه؛ مثلاً العرف أن المهر فيه معجل ومؤخر، لو المرأة قالت: أنا بدي إياه كله معجل، يضبط؟ هي حرة، هي نصت على خلاف العرف، فمن حقها أن نتبع ما صرحت به.
فإذاً هذه الشروط الأربعة: أن يكون العرف مضطردًا، أن يكون غير مخالف للشريعة، أن يكون سابقًا على المعاملة، وأن لا ينص الطرف الآخر على خلاف العرف، فإذا نص على خلافه اتبع تصريحه. هذه الشروط الأربعة.
طيب ما هي الأدلة على أن العادة محكمة؟ أي قاعدة حكينا لازم تكون لها أدلة من القرآن الكريم؟ مثلاً من يأتي بأدلة؟ قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].
متعارف عليه قوله ﷺ: «خذي من مال زوجك بالمعروف»، وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالمعروف ورد كثيرا في نصوص الكتاب والسنة، والمعروف هو كل ما تطمئن إليه النفس وتتابع عليه الناس، هذا هو معنى المعروف، مع مراعاة الشروط التي ذكرناها؛ أن يكون مستمراً غير مخالف للشريعة، وأن يكون سابقاً أو لا ينص على خلافه.
إذاً، هذا معنى قوله: «والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد». هذا الكلام من السعدي هو تمثيل للقاعدة؛ أي أن أي حكم شرعي أو لفظ شرعي لم يحدد في نصوص الكتاب والسنة، فلنرجع في حده إلى العرف. هذا معنى قوله: «والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم تحده الشريعة ولم تبين مساحته». مثاله: لفظ السفر، ولفظ الحرز، ولفظ النفقة، وغير ذلك من الأمور التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، فهذه لا يوجد لها حد شرعي، وإنما مرجعنا في تفسيرها إلى أعراف الناس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «معاجل المحظور قبل أوانه قد باء بالخسران مع حرمانه». هذه القاعدة رقم 11 التي نص عليها الشيخ السعدي، وترجمتها: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». وهي قاعدة فقهية، ومعناها: من استعجل بطريقة محرمة شيئاً كان سيحصل عليه في الزمان القادم بطريقة مشروعة، فإنه باستعجاله المحرم يأثم، ويحرم من الشيء الذي استعجله.
نعيد مرة أخرى: من استعجل بطريقة محرمة تحصيل شيء كان سيحصل عليه في المستقبل بطريقة مشروعة، فبماذا تعاقبه الشريعة؟ بالإثم في الآخرة، وحرمانه من الشيء الذي استعجله بطريقة محرمة في الدنيا. ما أشهر الأمثلة على ذلك؟ من قتل مورثه؛ ولد شقي قتل والده، والده ثري والولد شقي ليس معه مال، فقال: والله إن الحج لمطول معه، فذهب وقتل والده. الآن هل تعطيه من الميراث؟ لا، النبي ﷺ قال: «ليس للقاتل ميراث». فهنا استعجل بطريقة محرمة وهي القتل، لتحصيل شيء وهو الميراث، كان سيحصل عليه في المستقبل بطريقة مباحة وهي الموت الطبيعي، فعقاباً له يؤثم في الآخرة على الجريمة النكراء، وفي المقابل سيحرم في الدنيا من الميراث.
مثال آخر: طلاق الفار. وهذا مما سأقوله؛ شخص طلق زوجته في مرض الموت، عرف أنه ليس بقي له إلا أنفاس أخيرة، وهو يكره زوجته، فأراد أن يحرمها من الميراث ويعطي الميراث كله لأولاده، فقال لزوجته في مرض موته: أنت طالق، بقصد حرمانها من الميراث. هو ماذا فعل؟ هو استعجل. طبعاً البعض قالوا هنا يعامل بنقيض قصده، وما فيها، لكن لا يظهر لي أنها تطبيق على هذه القاعدة، بل هي من باب المعاملة بنقيض القصد.
مثال آخر: لو دخل بها قبل العقد، أي زنى بها، فبالتالي يحرم عليه أن يتزوج بها عند بعض المذاهب؛ لأنهم يقولون إنه أراد اللذة قبل الزواج وقبل أن يعقد عليها، فاستعجل الشيء بطريقة محرمة، فمنعناه أن يتزوج منها بعد ذلك. عند بعض الفقهاء كلامه صحيح.
مثال لطيف آخر: البعض قال من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة؛ إذا استعجلت شرب الخمر في الدنيا بطريقة محرمة، مع أنك إذا مت على الطاعة ستشرب الخمر في الآخرة، فعاقبك الله بحرمانك منها في الآخرة ولو دخلت الجنة. والبعض قاسها على كل الأمور، كمن مات وهو مصر على الزنا، فقال البعض يحرم من التلذذ بالحور العين ولو دخل الجنة، وهي معاقبة له بنقيض قصده، وإذا تاب وعاد إلى الله فهذه قضية أخرى. لكن بعضهم جعل هذه قاعدة عامة: أن من استعجل معصية في الدنيا كان بإمكانه التلذذ بها في الآخرة، يعاقبه الله على نقيض فعله إذا مات وهو مدمن على هذه المعصية ولم يتب منها. إذاً هذه قاعدة عامة: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد وخلل». هذه القاعدة رقم 12؛ إذا نهى الله سبحانه وتعالى عن فعل، أو نهى عن وصفه أو شرطه الملازم له، فهذا يدل على فساد هذا الفعل وعدم ترتب أي حكم شرعي عليه. نعيد: إذا نهى الله سبحانه عن فعل أو عن شرطه ووصفه الملازم له، فهذا الفعل لا تترتب عليه أي آثار شرعية.
مثال ذلك: النهي عن نفس الفعل، الله سبحانه وتعالى نهى عن الزنا. فلو أن إنساناً زنى بامرأة فأنجب منها ولداً، هل يثبت نسبه له؟ لا، لا تثبت الأحكام؛ فالنسب لا يثبت بناءً على علاقة الزنا، لأنه هنا الفعل منهي عنه، فلا تترتب عليه أي أحكام شرعية، لا يترتب عليه حكم النسب، ولا تترتب عليه أحكام الميراث، فهو لا يرث ممن زنى بأمه، ولا يثبت نسبه لمن زنى بأمه لأن هذا الفعل منهي عنه بذاته.
كذلك الربا مثلاً، البعض يقول الربا مما نهي عنه بذاته، فلو أن شخصاً تعامل معاملة ربوية، هل يترتب أي أثر شرعي على هذه المعاملة؟ لا لأنها منهي عنها بذاتها.
الحالة الثانية: أن يكون النهي عن الشيء ليس بذاته بل لوصفه الملازم له. مثلاً: نهى الله عن الصلاة بعد الفجر وعن الصلاة بعد العصر، هنا هل النهي عن الصلاة باعتبارها صلاة؟ لا، الصلاة باعتبارها صلاة مطلوبة، لكن النهي عن الصلاة باعتبار وصف أو شرط اقترن بها، وهو الصلاة بعد الفجر أو الصلاة بعد العصر. فلو أن إنساناً صلى نفلاً في أوقات النهي، هل يصح نفله أم صلاته باطلة؟ صلاته باطلة عند جماهير الفقهاء؛ لأنه نهي عن هذا الشيء لوصفه الملازم له.
لكن لو كان الشيء لم يُنهَ عنه، ولكن نُهي عن شيء أو وصف قد يقارنه وقد يفارقه، مثال ذلك: الله سبحانه وتعالى نهانا عن الغصب. طيب، لو إنسان صلى في أرض مغصوبة، هل تصح صلاته أم لا؟ نقول: هل هناك حديث أو آية تنهى عن الصلاة في الأرض المغصوبة؟ لا، ليس هناك حديث يقول: «لا تصلوا في الأرض المغصوبة»، وإنما هناك نهي عن الغصب فقط، فلو صلى إنسان في أرض مغصوبة، فهل...
تعتبر هذه الصلاة مقبولة مع الإثم، أم أيضًا فاسدة ولا يعتد بها؟ هنا اختلف الفقهاء اختلافًا شديدًا؛ أنه إذا نُهي عن شيء عن وصف، وهذا الوصف ليس مقترنًا بالفعل، فالفعل الذي يُفعل مع هذا الوصف هل يكون باطلًا أو يكون صحيحًا مع الإثم؟
هنا يقع الخلاف، فالحنابلة قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة. والجمهور قالوا: لا، هي صحيحة مع الإثم؛ ليه؟ قالوا إن الله لم ينهَ عن الصلاة في أرض مغصوبة، وإنما نهى عن الغصب وحده، ولا يوجد آية ولا حديث تقول: «لا تصلوا في الأرض المغصوبة». فيقع خلاف إذن في هذه الأمور.
إذا نعود إلى أصل القاعدة: إذا نهى الله عن ذات الفعل، أو عن شرطه ووصفه الملازم له، فهذا يفسد الفعل مئة بالمئة. نهى الله عن الزنا، فكل ما يترتب على الزنا فاسد لا عبرة به. نهى الله عن الصلاة في أرض مغصوبة، عفوا، في وقت النهي، فالصلاة في وقت النهي لا عبرة بها. نهى الله عن البيع وقت النداء، كما في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. إذا نهى عن البيع وقت النداء، إذا بعت عند أذان صلاة الجمعة، هل يقبل ولا لا يقبل البيع؟ هو عن فاسد باطل.
إذن، إذا نهى الله عن فعل، أو نهى عنه لشرط أو وصف ملازم له، فالفعل باطل، والبطلان يعني أنه لن يترتب عليه أي أثر دنيوي وأي حكم دنيوي. وأما إذا نُهي عن وصف مستقل، فهل الفعل الذي يحدث مع الوصف المستقل يكون فاسدًا أم لا يكون فاسدًا؟ هذا فيه خلاف ومسألته مشهورة، مثل الصلاة في الأرض المغصوبة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ومُتلفٌ مؤذيه ليس يضمن ... بعد الدفاع بالتي هي أحسن
جميلة هذه القاعدة رقم 13، تقول هذه القاعدة باختصار: من أتلف شيئًا إذّاه فلا ضمان عليه. أنت كنت جالسًا في الطابق الأول، الجار أسقط قارورة عليك، أو سقطت بالخطأ قارورة أو قوار زرعية أو شيء، فأنت فعلت به هكذا حتى لا يسقط عليك، أتلفته، هل عليك ضمانه؟ لا، لأنه كان سيؤذيك.
ممتاز، الجار عنده كلب من هذه الكلاب الضخمة في مزرعته، والكلب هرب وجرى عليك، فأنت خفت من الخوف طخيته، يعني ما وجدت حلًا يصرف عني، طخيته، يعني يؤذيني، هل أضمنه؟ لا، لأن القاعدة تقول: من أتلف شيئًا دفعًا لأذى لا يضمن. سيارة كانت ستنزل عليه، ففعلت بها هكذا دفشتها فوقعت، فتنفت السيارة وسقطت في الوادي، هل أضمن السيارة؟ لا.
أعطيك مثالًا أكثر واقعية، قالوا: لو أن شخصًا كان في سفينة، فشيء من متاع الركاب سقط عليه، فهو دفعه بيده هكذا فسقط في البحر، شنطة من شنط الركاب ثقيلة كانت ستسقط عليّ وأنا في السفينة فدفعتها بيدي هكذا فسقطت في البحر، هل أضمنها؟ لا أضمنها لأنني دفعت أذاها عني. فإن القاعدة العامة: من أتلف شيئًا دفعًا لأذى فلا ضمان عليه.
لكن هنا استدرك، قال: أتى بقيد مهم وهو أن المدافعة يجب أن تكون بالأسهل. فالأسهل إيش يعني؟ الآن هذا الكلب الذي طار عليّ، أنا قلت طخيته، طيب لو كنت أستطيع أن أدفع أذاه بدون أن أقتله، بس أنا مباشرة رحت للحل الأعنف، هنا سأضمن؛ لأنه كان بإمكاني أن أطرده بطريقة أخرى أخف من القتل. بالتالي لا يجوز لك أن تسلك الطريق الأعلى في دفع الأذى إذا كان بإمكانك أن تسلك الطريق الأسهل، وإذا سلكت الطريق الأعلى مع إمكانك أن تدفع الشيء بالأسهل هنا ستضمن.
الدفع الصائل، شخص أراد أن يعتدي عليك وعلى حرمتك وبيتك، الآن هل أول حل أنك تطخه؟ لا، هذا آخر حل، بتحاول أن تصرخ عليه، ما اندفع، بتحاول تضربه، ما اندفع، إلا بالقتل، حله الأخير القتل. أما كل واحد جاء يريد أن يعتدي عليه، قال والله يا شيخ اعتدى عليّ طخيته، لا، أنت قاتل؛ لأنه هنا القتل هو آخر الحلول وليس أول الحلول. ما تأتِ تقولي والله يا شيخ من أنت قلت من أتلف شيئًا دفعًا لأذى لا ضمان عليه، وهذا الشخص أراد أن يعتدي عليه فقتلته، إذا لا ضمان عليك.
هذه القاعدة لها تطبيقات، ولذلك ماذا قال السعدي؟ قال: «وإن أتى التحريم ومتلف المؤذية ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». وهذا كلام دقيق، هذا شرط؛ أنه إذا أتلفْتَ شيئًا لا تضمن بشرط أن يكون الإتلاف هو الحل الوحيد لدفع الأذى. اكتب هذا الشرط حتى لا تخطئ في تنزيل القاعدة، عندما نقول من أتلف شيئًا لا يضمن، بشرط ما هو؟ أن يكون الإتلاف هو الحل الوحيد لدفع الأذى، أما إذا كان هناك طرق أسهل لدفع الأذى غير الإتلاف، فهنا تضمن إذا أتلفْتَ مباشرة.
لكن هناك قاعدة مقابلة ولم يذكرها: من أتلف شيئًا لدفع أذى بها، فهنا عليك أن تضمنه. هنا في القاعدة التي نحن فيها: من أتلف شيئًا دفعًا لهذا الشيء، لكن من أتلف شيئًا لدفع أذى بها، هنا قالوا عليه أن يضمنه. كيف يعني؟
خلونا على مثال السفينة حتى نفهم الصورتين، أنا كنت في سفينة، أحد الأمتعة ستقع عليّ، فعلت بيدي هكذا سقط في البحر، أنا دفعت أذى المتاع وبالتالي لا أضمنه إذا تلف، صح؟ لكن كنا في سفينة وكنا سنغرق، هنا اضطررنا أن نلقي بعض أمتعة الركاب في البحر لنخفف حمل السفينة، هذه الأمثلة التي تم إلقاؤها علينا، نضمنها لهم إذا وصلنا إلى بر الأمان، ليه؟ لأن الأذى ما جاء منها بالتحديد، الأذى جاء من أين؟ من الحموله الزائدة، وقد تكون سببها أصلًا من الركاب أوزانهم الثقيلة، مش من الأمتعة. فاتلاف الأمتعة هنا لم يكن لأنها هي المؤذية، وإنما أتلفناها لدفع أذى بها، أي كانت هي الوسيلة لرفع الأذى وليس الأذى منها، فهنا عليك أن تعمل، عليك أن تضمن.
باختصار، إذا أتلفْتَ شيئًا ليكون إتلافه سببًا لدفع أذى آخر، هذا الشيء الذي أتلفته ستضمنه لصاحبه، أما إذا أتلفته لأنه هو بنفسه يؤذيك، في هذه الحالة فأنت تعتبر غير ضامن.
قال رحمه الله تعالى: والتفيد الكل في العموم في الفرع
سينتقل إلى القواعد الأصولية، يعني من هذا البيت سيبدأ بذكر بعض القواعد الأصولية. هذه المنظومة أحبابي، كما الشيخ السعودي كتبها في فترة الشباب، وأنا أعتقد لو أنه نقحها أكثر وأكثر لسياحة في القواعد الأصولية. منها أنه لا حاجة لخلط علمين في كتاب واحد، الأصل أن يقتصر على ماذا؟ القواعد الفقهية، هذا موضوعها هو، لكنه كتبها في فترة الشباب فأدخل القواعد الأصولية مع القواعد الفقهية.
فهذه القواعد التي سيذكرها الآن هي قواعد أصولية. القاعدة الأولى، قال رحمه الله تعالى: «والتفيد الكل في العموم في الجمع والأفراد، كالعليم».
إذا دخلت "أل" الاستغراقية على جمع، سواء على لفظ جمع أو على لفظ مفرد، أفادت العموم؛ هذه قاعدة من قواعد أصول الفقه. "أل" الاستغراقية إذا دخلت على لفظ من ألفاظ الجموع أو دخلت على لفظ مفرد فإنها تفيد العموم.
مثال ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]. هنا "إنسان" مفرد، دخلت عليه الاستغراقية فأصبحت تدل على العموم، فمعنى أن الإنسان أي أن كل أفراد الإنسان في خسر؛ كيف عرفت أن المعنى هنا أن كل الأفراد؟ لأن الاستغراقية دخلت على مفرد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية. هذه الاستغراقية دخلت على لفظ الجمع، فماذا تدل؟ تدل أيضًا على استغراق الجميع وليس على أقل الجميع، وأقل الجمع ثلاثة، لكن لما تدخل على لفظ الجمع فهي لا تدل على ثلاثة، بل تدل على كل الأفراد؛ أي أن كل مسلم ومسلمة، وكل مؤمن ومؤمنة، وكل قانت وقانتة.
فهذه قاعدة أصولية عليك أن تلاحظها في الكتاب والسنة لأنها منتشرة. أي لفظ مفرد أو أي لفظ جمع دخلت عليه "أل" الاستغراقية فإنه يصبح يدل على العموم. مثال ذلك قوله تعالى أيضًا: ﴿أَوِ الرِّجَالُ أَوِ الطِّفْلُ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31]. انظر، عطف الطفل على ماذا؟ على الرجال. الرجال لفظ جمع والطفل لفظ مفرد، لكن إذا دخلت "أل" الاستغراقية بطل عنا لا جمع ولا مفرد؛ "أل" الاستغراقية إذا دخلت على الجمع أو على المفرد أبطلت الأفراد وأبطلت الجمعية، وأصبح اللفظ يدل على العموم. فقوله "أو الطفل" أي كل الأطفال؛ كيف عطف مفرداً على الرجال؟ لأن دخول "أل" جعله في حكم العموم.
قال رحمه الله تعالى: «في العموم في الجمع والأفراد»، يعني سواء دخلت "أل" الاستغراقية على لفظ جمع أو دخلت على لفظ مفرد، ففي كل الحالتين تدل على العموم. كلفظ "العليم"، إذا وضعناها في جملة فقلت لك: "أكرم العليم"، هل يجوز أن يوصف الإنسان بأنه عليم؟ تقول لله! نحن مستعجلون دائماً. الله عز وجل وصف إسحاق بأنه «بصير» وبشرناه بغلام، ووصف إسماعيل بأنه «حليم»، إذا يجوز وصف المخلوق بأنه حليم.
المهم لو قلت لك: "أكرم العليم"، هنا هل هذا يصدق على شخص واحد أم هو على العموم؟ هو على العموم؛ "أكرم العليم" يعني أكرم كل الأفراد الذين ينطبق عليهم أنهم عليمون، فلذلك قال «كالعليم». طبعاً هو ليس لماذا جاب العليم؟ هو المثال، لو جاب مثالاً أوضح لكان أفضل، لكن بما أنه ليس حشواً فهو مثال، ولكن خلينا نقول إنه لم يسعفه اللفظ أن يأتي بشيء أبلغ من هذا المثال، فبدنا نمشيها.
هذا المثال بعض العلماء أنكروا على السعدي هذا المثال وقالوا: "العليم اسم من أسماء الله وبالتالي مثالك خطأ"، وهذا جاء في بعض الشروح. لا، هو ليس خطأ؛ لأن العليم يجوز أن يوصف به المخلوق كما وصف به الخالق، لكن علم الله يختلف عن علم المخلوق. فلو قلت لك وظف كلمة العليم بإدخال "أل" الاستغراقية عليها ما في مشكلة، "أكرم العليم" وبتمشي الحال، فلا ينكر على الشيخ السعدي في استعماله كلمة العليم هنا.
قال رحمه الله تعالى: «والنكرة في سياق النفي تعطي العموم»، أو سياق النهي أيضًا من صيغ العموم. إذا سنلاحظ أن السعدي اهتم هنا ببيان صيغ العموم في أصول الفقه، وما ذكرناه هو من صيغ العمومية. "أل" الاستغراقية إذا دخلت على مفرد أو جمع من صيغ العموم، وأيضاً النكرة إذا جاءت في سياق النفي، أو في سياق النهي، أو في سياق الشرط، أو في سياق الاستفهام الإنكاري.
كل اسم نكرة جاء في سياق نفي أو نهي أو استفهام إنكاري أو شرط، فإن هذا الاسم النكرة يفيد العموم. نأخذ أمثلة؛ لما نقول: "لا رجل في الدار"، "رجل" نكرة في سياق نفي، فتدل على العموم. "لا إله إلا الله"، "إله" نكرة في سياق النفي، فتدل على العموم؛ "لا معبود بحق إلا الله"، هذا معنى لا إله إلا الله.
أيضاً النكرة في سياق النفي، مثلاً الكفار ماذا قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [المائدة: 44]، كلمة "شيء" نكرة في سياق النفي، و"بشر" أيضًا نكرة في سياق النفي، "بشر" و"شيء" نكرتان في جملة منفية فتدلان على العموم.
أيضاً النكرة في سياق النهي تدل على العموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24]. "ولا تقولن لشيء"، هذا ليس نفياً بل هو نهي، الله ينهى نبيه ﷺ، "شيء" نكرة في سياق النهي فتفيد العموم.
والنكرة في سياق الاستفهام الاستنكاري: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، "سمياً" نكرة في سياق الاستفهام الاستنكاري فتدل على العموم، يعني أي سمي. والنكرة في سياق الشرط: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: 6]، "أحد" نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم.
إذاً باختصار، من صيغ العموم: كل اسم نكرة جاء في جملة منفية، أو منهية، أو استفهام استنكاري، أو في جملة شرطية. وبالتالي لما تستنبط من القرآن، بدك تكون متخيلاً أن هذه الألفاظ لجميع الأفراد وليست خاصة ببعضها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «كذاك من وما تفيدان مع كل العمومية». أخي فاسمع، لا أكثر من هيك. سامحونا أنتم، دائماً نحسب حسابنا، ربع ساعة أو ثلث ساعة. عند هذا الحد إن شاء الله، غداً ننهي ما ورد في هذه المنظومة، وسنشرح غداً بإذن الله في كتاب الكبائر، يعني ما بقي إلا أشياء قليلة ننهيها غداً ونشرع في كتاب الكبائر للإمام الذهبي. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل