بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
حياكم الله معاشرة طلبة العلم في المجلس الرابع من مجالس هذه الدورة المباركة، مدارج العلم لعام أربعة وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا على عقد هذا المجلس، وأن صرف قلوبنا إليه، وإن راحة الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما هي في مجالس العلم والتفقه، المجالس التي تقرب العبد من مولاه؛ ففيها راحة وأنس وسكينة لا يشعر بعظمتها إلا من فقدها.
وإن الإنسان إذا فقد مجالس العلم بعد جمالها يستوحش ويشعر بالبعد والجفاء، فنسأله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من هذه البركة ومن هذا الخير ومن هذا العطاء العميم الذي نحن فيه في بلادنا؛ فكم من بلد حرم فيه الناس الاجتماع على العلم الشرعي، وأنتم في هذا البلد المبارك في خير، وتستطيعون الاجتماع والحضور والالتقاء في هذه الحلقات المباركة، فاحمدوا الله سبحانه وتعالى وأقدروا هذه النعمة العظيمة.
هذه المجالس المباركة أحبابي يجب أن نحافظ على الهمة فيها إلى آخرها، وألا نتكاسل ولا نتوانى، إنما هي عشرة أيام. ومن لم يحافظ على الهمة مدة عشرة أيام، فهذا كيف سيطلب العلم لسنوات؟ من لم يحافظ على الهمة مدة عشرة أيام فقط، هذا كيف يتكلم عن طلب العلم لسنوات وسفر ورحلة ومجالدة وسهر ليال؟ فهذه الأيام هي تجربة لهمتك، واختبار لعزيمتك، حتى تنظر ما هي قدرتك على تجاوز العوائق وعلى إصلاح أمور الحياة وعلى تنظيم الوقت وضبط النفس في هذه المدة المحدودة.
هذا يعطيك انعكاساً وانطباعاً عن هذه الهمة، وأحسبكم جميعاً بإذن الله من أصحاب الهمم الشريفة والنفوس العالية التي عاهدت ربها سبحانه وتعالى أن تخدم هذا الدين. فهذا الدين يحتاج إلى رجال، يحتاج إلى من يسد ثغور العلم المتعددة في كافة النواحي وفي كافة الاتجاهات؛ نحتاج إلى عالم العقيدة، وإلى عالم الفقه، وإلى عالم التفسير، وإلى عالم التزكية والسلوك، وإلى عالم التجويد، نحتاج الأمة اليوم أحوج ما تكون أحبابي إلى هذا النوع من الرجال.
عندنا مهندسون كثر، عندنا أطباء كثر، عندنا في كل المساحات، لكن لا يوجد عندنا علماء إلا النذر اليسير؛ عندنا خريجون في كليات الشريعة، لكن ليس كل من تخرج هو عالم أو طالب علم، كثير منهم ممن يحمل الشهادة لكنه لم يسر على خطى العلماء. فأحوج ما يجب إنتاجه اليوم لهذه الأمة طلبة علم على مستوى عالي، علماء على مستوى رفيع حتى يقودوا سفينة هذه الأمة إلى بر الأمان.
وحاجة الأمة إلى العلماء وإلى طلبة العلم وإلى هذه المجالس أحوج منها إلى الطعام والشراب؛ فإن الطعام والشراب إنما هو قوة الأبدان، لكن هذه العلوم هي قوة القلوب، وإذا فقدت قوت القلوب فإنما هي أشباح وأجساد خلفت من روحها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا هذا الخير، وأن يجعلنا ممن يخدم دينه وكتابه وعباده الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبسم الله نبدأ الجلسة لهذا اليوم.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب صلاة الضحى.
حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة عن يزيد الرشك قال: سمعت معاذة قالت: قلت لعائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: نعم، أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله عز وجل.
نعم، هنا عائشة رضي الله تعالى عنها تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى، وبعد حديثين سياتي معنا عن عائشة أيضاً أنها قالت: ما رايته صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أن يجيء من سفر. وسياتي معنا أن كثيراً من أهل العلم أخذوا من ذلك أن صلاة الضحى كان صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها غبة؛ أي لم يكن يصليها كل يوم، يوم يصليها وأحياناً يتركها ثم يعود فيصليها مرة أخرى.
وشيخ الإسلام ابن تيمية حاول أن يجمع بين هذه الأحاديث التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحافظ على صلاة الضحى دوماً، مع أنه عليه الصلاه والسلام أوصى مجموعة من الصحابه بالصلاة؛ منهم أبو هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، ومنها ركعتا الضحى»، وأيضاً أوصى أبا الدرداء أن يحافظ على صلاة الضحى، مع أنه صلى الله عليه وسلم أحياناً كان يصليها وأحياناً كان يتركها.
فكيف نجمع بين وصية النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته بصلاة الضحى وبين أنه عليه الصلاه والسلام أحياناً كان يصليها وأحياناً كان يدعوها؟ يقول ابن تيمية عليه رحمه الله: من كان من عادته المحافظة على قيام الليل فليسلُك سبيل النبي صلى الله عليه وسلم في أن يصلي الضحى أحياناً ويتركها أحياناً، وأما من لم يكن من دينه المحافظة على قيام الليل فعليه أن يواظب على صلاة الضحى.
هكذا جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين هذه الأحاديث: أن من أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الضحى دوماً كان عنده شيء من القصور في قيام الليل فيعوضه بصلاة الضحى، أما من كان محافظاً كحاله صلى الله عليه وسلم على قيام الليل، فمثل هذا فالأفضل والأكمل في حقه أن يتبع نهج النبي صلى الله عليه وسلم في أن يصلي الضحى أحياناً وأن يدعها أحياناً، هكذا كانت سيرته عليه الصلاة والسلام.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني ابن معاوية الزيادي قال: حدثنا زياد بن عبيد الله بن الربيع الزيادي عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات.
نعم، الضحى أقلها ركعتان وأكثرها ثمان، فبامكانك أن تصلي الضحى ركعتين، أربع، ست، وثمان، والكمال فيها ثمان عند السادة الحنابلة رضوان الله عليهم.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أم هانئ، فإنها (لاحظوا أن كثيراً من الصحابة ما كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى وهذا يدل على أنه لم يكن يواظب عليها صلى الله عليه وسلم) فإنها حدثت رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل فسبح ثماني ركعات؛ ما رأيته صلى الله عليه وسلم صلاة أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود. وهذا أعلى ما ورد في صلاة الضحى في الأحاديث الصحيحة، أعلى ما ورد في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الضحى ثماني ركعات، ولم يثبت أنه صلاها أعلى من ذلك.
قال حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيب.
لاحظوا ماذا قالت عائشة هنا: لا، إلا أن يجيء من مغيب؛ أي من سفر، فكان يدخل المسجد ويصلي الضحى ركعتين. فهذا كما قلنا يدل على عدم مواظبته عليها صلى الله عليه وسلم، لكن كما قلنا: من كان من عادته أنه لا يقوم الليل فليواظب عليها، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الصحابة كأبي هريرة وأبي الدرداء أن يحافظوا على صلاة الضحى.
قال حدثنا زياد بن أيوب البغدادي قال: حدثنا محمد بن ربيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعوها، ويدعوها حتى نقول لا يصليها.
يدل على نفس المعنى، يواظب أحياناً يصليها وأحياناً يدعوها.
قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع عن هشيم قال: حدثنا عبيدة عن إبراهيم عن سهم بن منجاب عن قزع عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشمس. فقلت: ليست الضحى؟ هذه سنة الظهر القبلية.
هذا الحديث يتكلم عن سنة الظهر القبلية؛ لأنه قال: كان يدمن، الإدمان يعني يحافظ بشكل مستمر على أربع ركعات عند زوال الشمس، وهذه سنة الظهر القبلية وليست الضحى. فقلت: يا رسول الله، إنك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشمس؟ فقال: «إن أبواب السماء تفتح عند زوال الشمس فلا ترتج»، أي فلا تغلق أبواب السماء حتى تصلى الظهر، فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير.
قلت أحباب الكرام إن هذه الساعة ساعة خير، الساعة التي قبلها صلاة الظهر، هذه الساعة التي تصلي فيها أربع ركعات قبلية ساعة خير تفتح فيها أبواب السماء، فيحافظ المسلم قدر المستطاع على سنة الظهر القبلية ويحاول أن يصليها أربعة.
قلت: أتيك لهن قراءة؟ قال: نعم. قلت: هل فيهن تسليم فاصل؟ قال: لا. والأشهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم في الأربع ركعات القبلية؛ يعني ظاهر هذا الحديث أنه كان يصلي السنة القبلية أربعة متواصلة بدون تسليم في كل ثنتين، لكن هناك روايات أخرى دلت على أنه كان يسلم بين كل ثنتين، فإن فعلت هذا جائز، وإن فعلت هذا جائز، كله جائز لا إشكال.
قال أخبرني أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو معوية قال: حدثنا عبيدة عن إبراهيم عن سهم بن منجاب عن قزع عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال حدثنا محمد بن مسلم بن أبي وضاح عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الله بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، قبل أن يصلي الظهر، وهي نفسها سنة الظهر القبلية، وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح».
حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف قال: حدثنا عمر بن علي المقدمي عن مسعر بن كدام عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي أنه كان يصلي قبل الظهر أربعة، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليها عند الزوال ويمد فيها، ويمد فيها دلالة أن سنة الظهر القبلية الأفضل فيها أن تمدها وألا تكون خفيفة مستعجلة، سنة الظهر القبلية الأصل فيها تؤدى وأن تمد قدر المستطاع، وبين الأذان والإقامة رربع ساعة يعني ما شاء الله تستطيع تصليها في ربع ساعة.
قال رحمه الله تعالى: باب صلاة التطوع في البيت.
حدثنا عباس العنبري قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن الحرام بن معاوية عن عمه عبد الله بن سعد قال: سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في بيته والصلاة في المسجد، أيهما أفضل أن أصلي التطوع في البيت أو في المسجد؟
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم قال: وانت ترى قرب المسافه بين حجرتي وبين المسجد؟ قال: فلا أن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة. وهذا هو الأكمل، الأكمل في الإنسان إذا أراد أن يتطوع أن يجعل هذه الصلاة في بيته، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهذا الصحابي: أنت ترى قرب المسافة بين حجرتي وبين المسجد، ومع ذلك حرصي أن أصلي المكتوب في بيتي (عفواً، أن أصلي التطوع في بيتي) أكثر من حرصي أن أصليها في المسجد.
فهذا هو الأصل، أن السنن الرواتب تصلى في المنزل، وصلوات التطوع تصلى في المنزل؛ حتى يبقى منزلك عامراً بالصلاة والذكر والإقبال على الله، ولا يكون البيت كالقبر، كما جاء في بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم».
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن شقيق قال: سالت عائشة عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، وما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان.
نعم، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان هديه في صيام التطوع أنه يسرده أحياناً حتى نقول إنه خلاص سيكمل الصيام، هذا معنى (قد صام) أي يترك أياماً متعددة متلاحقة، ويكون مفطراً حتى نقول سيواصل الإفطار، لكنه لم يكمل صيام شهر قط إلا رمضان، لم يكمل صيام شهر قط إلا رمضان. كان يكثر الصيام في شعبان كما سياتي في شهر الله المحرم، لكن أن يصوم شهراً كاملاً هذا فقط خاص برمضان.
قال رحمه الله: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس بن مالك أنه سئل عن صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان يصوم من الشهر حتى نرى أن لا يريد أن يفطر منه، ويفطر منه حتى نرى أن لا يريد أن يصوم منه شيئاً، وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصلّياً إلا رايته.
مصليًا ولا نائمًا، إلا رأيته نائمًا، على اختلاف أحواله صلى الله عليه وسلم مراعاة لأمته؛ فأحيانًا يسرد الصوم وأحيانًا يسرد الفطر، وأحيانًا ينام في الليل وأحيانًا يقوم في الليل. هذا الاختلاف لعلمه صلى الله عليه وسلم باختلاف أحوال أمته وهمتهم على الطاعة، فأراد أن يعطيهم جميع الأحوال تيسيرًا وتخفيفًا عليهم.
قال رحمه الله: محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن أبي بشن قال سمعته سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر منه، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم منه، وما صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا رمضان».
حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن سالم بن أبي جاد عن أبي سلمة عن أم سلمة، قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان». وظاهر هذا قد يفهم منه أنه كان يصوم شعبان كاملًا، والصحيح أنه لم يكن يصوم شعبان كاملًا، وإنما كان يصوم أكثر شعبان حتى يعود نفسه على الصيام قبل رمضان.
قال أبو عيسى رحمه الله: هذا إسناد صحيح، وهكذا قال: عن أبي سلمة عن أم سلمة، وروى هذا الحديث غير واحد عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً هو أبو سلمة بن عبد الرحمن. وهذا الحديث وعن عائشة، هذا الحديث له مخرجان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. ويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى الحديث عن عائشة وأم سلمة جميعًا.
قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان». كان يصوم شعبان إلا قليلاً، بل كان يصومه كله. البعض قد يفهم من هذا أنه كان يصوم شعبان كاملًا، لكن ابن المبارك رحمه الله بين أن العرب تقول: صام كل الشهر، ويقصدون صام أغلبهم؛ العرب أحيانًا تقول صام كل الشهر إذا صام أغلبه وأفطر يومًا أو يومين. وبالتالي الثابت أنه لم يصم شعبان كاملًا، هذا ما نريد أن نؤكده، وإنما كان يصوم أغلبها، حتى ولو جاء في الأحاديث أنه كان يصومه كله، علينا أن نتأول أنه قصد أغلبها.
قال رحمه الله: حدثنا القاسم بن دينار الكوفي قال حدثنا عبيد الله بن موسى وطلق بن غنام عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام»، الغرة هي بداية الشهر، كان يصوم من غرة أي من بداية كل شهر ثلاثة أيام. ولعلها الأيام الثلاثة التي أوصى بها بعض الصحابة أن يصوموا من كل شهر ثلاثة أيام؛ فأحيانًا كان يصومها من بداية الشهر، وأحيانًا كان يصومها في المنتصف، وأحيانًا كان يصومها من آخره، فتنوعت أحواله صلى الله عليه وسلم في هذا أيضًا.
وقلما كان يفطر يوم الجمعة. قال حدثنا أبو حفصة أنه كان كثيرًا ما يصوم يوم الجمعة، لكن لا يفرده بالصيام لأنه هو أوصى: «إذا صرتم يوم الجمعة أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»، فإذا صام الجمعة كان يقرنه إما بالخميس وإما بالسبت.
قال رحمه الله: حدثنا أبو حفصة عمرو بن علي قال حدثنا عبد الله بن داود عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن ربيعة الجراشي عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرش يوم الخميس»، وهذا معروف أن صيام اليوم يوم الخميس مستحب لعلم أن الأعمال تُرفع فيه إلى الله.
قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا أبو عاصم عن محمد بن رفاعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس، وأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم».
قال حدثنا محمود بن غيدان قال حدثنا أبو أحمد بن هشام قال حدثنا عن سفيان عن منصور عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس». يعني الأيام الثلاثة التي كان يصومها من كل شهر، أحيانًا كان يصوم السبت والاثنين، وهذا يدل على جواز صيام يوم السبت إذا اقترن بغيره حتى في التطوع؛ سبت واثنين، سبت واثنين، ومن الشهر القادم مثلا يصوم الأيام الثلاثة الثلاثاء والأربعاء والخميس، فالأمر فيه سعة وتنوع.
قال حدثنا أبو مصعب المديني عن مالك بن أنس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان»، وهذا يدل على أنه يستحب الإكثار من الصيام في شعبان استعدادًا لرمضان حتى تكون النفس تعتاد على الصيام.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن يزيد الرشك قال سمعت معاذًا قال قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: «نعم»، قلت: من أي أيام كان يصوم؟ قالت: «كان لا يبالي من أي أيام»، وهذا واضح إذا كان لا يبالي من أي أيام؛ هذه ثلاثة أيام أحيانًا يصومها من الأول، أحيانًا تكون سبت وأحد واثنين، أحيانًا ثلاثاء، لا يبالي من أي أيام صام هذه الأيام الثلاثة.
قال أبو عيسى رحمه الله: يزيد الرشك، ويزيد الضباعي البصري وهو ثقة، روى عنه شعبة. من هو يزيد الرشك الذي ورد في الإسناد؟ الرشك لقب له ومعناه القسام. قال رحمه الله: وهو ثقة روى عنه شعبة وعبد الوارث بن سعيد وحماد بن زيد وإسماعيل وابن إبراهيم وغير واحد من الأئمة، وهو يزيد القاسم، ويقال القسام، والرشك بلغة أهل البصرة، والقسام هذا لقبه أنه كان ظاهرًا يشتغل في قسمة الأراضي والدور أو شيء من ذلك.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال حدثنا بن سليمان عن...
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان وكان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». صيام يوم عاشوراء كان فرضًا في أول الإسلام، فلما فرض الله رمضان نسخ صيام عاشوراء مستحبًا فقط، وهو من أيام الله المباركة، وسياتي موعد عاشوراء في الشهر القادم في عشرة من محرم.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن المنصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: سألته: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص من الأيام شيئًا؟» قالت: «كان عمله ديمًا، وإياكم». هذا حاله صلى الله عليه وسلم؛ كان إذا شرع في عمل من الأعمال الصالحة داوم عليه، ولا يخص به يومًا معينًا، بل يحب الاستمرارية على العمل الصالح. قالت رضي الله عنها: «وإياكم»، يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق.
قال: حدثنا هارون وإسحاق، قال حدثنا عبده، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة، فقال: «من هذه؟» قلت: فلانة لا تنام الليل، فقال رسول الله: «امرأة لا تنام الليل؟» طوال الليل وهي في قيام. النبي صلى الله عليه وسلم لم يعجبه ذلك، لم يعجب أن لا تنام الليل، فانظروا كيف كانت إجابته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا».
«لا يمل الله حتى تملوا» أي لا يمل الله من إعطائك الثواب حتى تمل أنت من العمل. واختلف كثير من العقدين: هل هذا فيه إثبات صفة الملل لله سبحانه وتعالى أم لا يوجد فيه إثبات لصفة الملل؟ مسألة فيها اختلاف بين أهل الحديث، والخلاف فيها سحر وليست من مسائل التبديع، قضية الخلاف في إثبات صفة الملل وعدم إثباتها.
قال: وكان أحب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه. أي خير عمل كثير واندفاع ابتداء ثم تنقطع عنه، أيهما أفضل: أن تصلي عشرين وثلاثين ركعة ثم تنقطع بعد شهر أو شهرين، ولا تحافظ على ركعتين وتداوم عليهما؟ المداومة خير مما دام من الإكثار. المداومة على العمل خير من الإكثار من العمل، هذه احفظها في حياتك. كثير من الشباب في أول التدين، أو محافظته على طاعة أو على علم أو قراءة، يريد إنجاز كمية كبيرة، فإذا به يكلف نفسه ما لا تطيق، وهذا خطأ. الأصل أن تكتسب العادة وأن تبني العادة وتحافظ عليها، ثم بعد ذلك تدور على الحجم والإنجاز. أهم شيء بناء العادة والمداومة عليها، أما حجم الإنجاز وكمية الإنجاز فهذا شيء يأتي بعد اكتساب العادات والمحافظة على الشيء.
قال رحمه الله: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي، قال حدثنا ابن فضيل، عن مش، عن أبي صالح، قال: سألت عائشة وأم سلمة: «أي العمل كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال: «هذا أحب الأعمال إليه ما داوم عليه صاحبه». وأن قلب المهم، ليس المهم أن تصلي كثيرًا أو أن تقرأ كثيرًا، المهم أن تبقى على هذا حتى تلقى الله، هذا المهم، أن تبقى على العمل حتى تلقى الله ولو ركعتين في الليل، ولو صفحة في اليوم، المهم الاستمرارية. الإسلام يركز على الاستمرارية أكثر من تركيزه على الكمية؛ لأننا ماذا نستفيد من شخص اندفع ابتداءً ثم انقطع؟ ما استفدنا من هذه الكثرة التي في البداية.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، أنه سمع عاصم بن حميد، قال: سمعت عفو بن مالك يقول: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، ثم توضأ ثم قام يصلي، فقمت معهم، فبدأ بسورة البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع». فيها ذكر الجنة أو ذكر رحمة الله يتفاعل معها، يتفاعل مع الله. من يسالك من فضلك، وإذا قرأ الإمام آية فيها ذكر العذاب أو النار، يستعيذ بالله: "اللهم إني أعوذ بك من عذابك". ولا يكون الإنسان دائماً سارح الذهن، لا تفاعل مع النص، ما رأى فيها عظمة لله، قل سبحان الله. دائما الإنسان حتى داخل الصلاة، هل يجوز مثل هذا الكلام؟ نعم يجوز، وهذا دأب صلى الله عليه وسلم، الصحيح أنه جائز في الفرض وفي النفل.
قال: «ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع، ثم كرر ركوعًا بقدر قيامه، ويقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر وقوعه، ويقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران ثم سورة...» يفعل مثل ذلك.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا عن ابن أبي مليكة، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هي تُعد قراءة مفسرة، حرفًا حرفًا، يقرأ بتؤدة وترتيل. ليس يهد القرآن هذن، هذا المراد أنه يقرأ قراءة مفسرة، قراءة واضحة، يخرج الحرف من مخرجه بهدوء وليس باستعجال.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا وهو ابن جرير بن حازم، قال حدثنا أبيه، عن قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: «كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» فقال: «مده مده، يعطي كل حرف ما يستحقه من مخرجه، وإذا كان الحرف مما يمد مثل الألف أو الواو أو الياء، يعطيه ما يستحق من المد الطبيعي أو المتصل أو المنفصل وغير ذلك من أنواع المدود التي تعرفونها».
قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن حجر، قال حدثنا... قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته، يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، وكان يقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع الآيات مع بعضها البعض، يقف على رؤوس الآيات. هكذا كانت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. بعض الناس يقرأها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ﴾ ويمشي، يعني الست أو سبع آيات بنفس واحد، ليست هكذا كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، إنما القراءة الهادئة التي تقف فيها على رؤوس الآيات، أخشع وأهدأ وأكثر قدرة على أن تفكر في...
المعاني التي قيلت، نعم، قال رحمه الله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، تعرفون هذه الآية فيها قراءتان مشهورتان متواترتان: «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ» و«مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»، كلاهما من القراءات المتواترة.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة عن قراءة النبي ﷺ، كان يسر بالقراءة أم يجهر بقراءته في صلاة الليل؟ هذا السؤال عن قراءته في قيام الليل، هل كان يسر بالقراءة أو يجهر في قيام الليل؟ قالت رضي الله عنها: «كل ذلك قد كان يفعل، قد كان ربما أسر وربما جهر».
فقلت: أحياناً كان يرفع صوته وأحياناً كان يسر؟ قد يكون إسراره مثلاً لوجود بعض الناس نائمين، لا يريد أن يزعج النائم، وقد يكونون مستيقظين فيمكن يرفع صوته بحسب طبيعة الحال. فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا مسعر، عن أبي العلاء العبدي، عن يحيى بن يعمر، عن أم هانئ قالت: كنت أسمع قراءة النبي ﷺ بالليل وأنا على عريشة سرير التي كانت تنام عليها. وهذا يدل أنه أحياناً كان يرفع صوته حتى يسمع منه بالحجرة المجاورة أو في مكان خارج المنزل قريب منه، وهذا يدل على أنه كان يرفع الصوت أحياناً في قيام الليل حتى يسمعه بعض الناس ممن هم خارج الحجرة.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سمعت عبد الله بن مغفل يقول: رأيت النبي ﷺ على ناقته يوم الفتح وهو يقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1-2]. قال: فقرأ ورجّع.
الترجيع هو ترديد الحرف. كيف مثلاً؟ أحياناً لما تكون تركب سيارة، هل جربت تقرأ قرآن وتطلع مطب وتنزل؟ إيش يحدث معك؟ تشعر الحرف يتردد معك، الصوت بطبيعته لا يخرج مستقيماً: «إنا فتحنا لك فتحاً». الحرف يحدث فيه نوع من الترديد، هذا يسمى ترجيعاً. واختلفوا هل هذا الترجيع كان بسبب الناقة أنها كانت تطلع وتنزل، وبالتالي كان يحدث الترجيع تلقائياً، أم أنه تقصد الترجيع؟ هذا التردد في الحرف هل هو كان بسبب أنه راكب على ناقة فأثناء سيرها تسبب له شيئاً من الترجيع؟ هذا ذهب إليه كثير من أهل العلم، وأنه لم يتقصد الترجيع بحد ذاته. والبعض قال إنه تقصد الترجيع، لكن الذي يظهر لي أن هذا الترجيع كان بسبب الركوب ولم يكن متقصداً بذاته، والله أعلم.
قال: وقال معاوية بن قرة: لولا أن يجتمع الناس علي لأخذت لكم في ذلك الصوت، أو قال اللحن. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثني عن حسام بن مِصْك، عن قتادة قال: ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه وحسن الصوت، وكان نبيكم ﷺ حسن الوجه حسن الصوت، وكان لا يرجع. وهذا من دَرَجة قتادة، ومع ذلك يسمع صوته، وهذا فيه دلالة أنه أحياناً في قيام الليل كان يرفع صوته لدرجة أن من كان في حجرة بجانبه يسمع الصوت.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في بكاء رسول الله ﷺ. قال: حدثنا سويد بن ناصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن طَرَف وهو ابن عبد الله بن الشيخ، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه عزيز كأزيز المرجل من البكاء. المرجل هو القدر عندما يغلي. صلى الله عليه وسلم لأن الآية أشعرته بالمسؤولية: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ أُولَٰئِكَ شَهِيدًا﴾، فشعر بالمسؤولية العظيمة التي ألقاها الله على عاتقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا العلي، قد يطيل، يعني يطيل حتى نقول إنه لن يرفع ويقوم، حتى نقول إنه لن يركع، دلالة على ماذا؟ شدة الإطالة. ومعروف أن صلاة الكسوف ما يطال فيها القيام والركوع والاعتدال ونحو ذلك. قال: فلم يكد أن يسجد ثم سجد، فلم يكد أن يرفع رأسه ثم رفع رأسه، فلم يكد أن يسجد ثم سجد، فلم يكد أن يرفع رأسه، ثم فجعل ينفخ ويبكي ويقول: «ربي ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ربي ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرون؟».
من الخوف والقلق، ما كان ﷺ مدركاً تماماً ما الذي سيحدث، هل هذا عذاب أم هذا فقط مجرد آية كونية؟ ثم بعد ذلك بين أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. فهو لما انكسفت الشمس، وأكثر أهل العلم أن الشمس انكسفت على عهد النبي ﷺ مرة واحدة؛ لأنها أول مرة النبي ﷺ قلق منها وشعر بالخوف على أمته، فهذا السبب أنه نفخ وبكى، قال: «ربي ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم» إلى غير ذلك.
قال: فلما صلى ركعتين انجلت الشمس، فقام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته». وإنما قال إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، لأن الشمس انكسفت في يوم موت ابنه إبراهيم، فقال الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فأراد النبي ﷺ أن يخبرهم أنه لا علاقة بين الكسوف وبين موت العظماء، وإنما هما آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يرسلهما الله دلالة على قدرته وتخويفاً لعباده. قال ﷺ: «فإذا انكسف فافزعوا إلى ذكر الله تعالى».
قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن رسول الله ﷺ، ابنه له تقضي فاحتضنها فوضعها. النبي ﷺ كان حضر ابنه له في سكرات موتها، النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام حضر ابنه له في سكرات موتها فاحتضنها، فماتت بين يديه، وصحت مؤمنة. وهي حاضنة النبي ﷺ، وزوجة زيد بن ثابت صاحت، مشهد متعب، في حضنه فصاحت أم أيمن وبكت بصوت مرتفع. فقال ﷺ: «أتُبكين عند رسول الله ﷺ؟» فـقالت: ألسْتَ أراك تبكينا؟ فقالت له: أنت تبكي يا رسول الله؟ كان النبي ﷺ يبكي على موت ابنته، فيبدو واضحاً أن بكاءها كان عالياً لذلك أنكر عليها، وكان على هيئة الصياح لذلك أنكر عليها، والله تعالى أعلم. فقال لها: «إني...».
«لست أبكي، إنما هي رحمة». هذه الدموع التي ترينها ليست بكاء الجزع، وإنما هي بكاء الرحمة والشفقة فقط، وليست بكاء الجزاء. قال: إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل.
هكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر. فالمؤمن حتى وهو تنزع روحه من بين جنبيه يكون يحمد الله. الأصل، وحتى وأنت تنزع روحك وتعالج سكرات الموت، المؤمن ينبغي أن يكون حاله دائما الذكر لله سبحانه وتعالى، حامداً الله عز وجل حتى في هذه الحالة الصعبة. وهذا لا يوفق له إلا من عاش على ذكر الله؛ أن تحمد الله وروحك تنزع بين جنبيك، هذا ليس شيئاً سهلاً، وإنما ينبغي أن تكون عشت على هذه القضية وعلى ذكر الله حتى يوفقك الله إلى أن تحمد وأنت تعالج سكرات الموت.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن قاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تهرقان.
عند موت أصحابه وأحبابه، البكاء عند موت الأحباب لا إشكال فيه إذا لم يكن جزعاً وصراخاً ونياحة إلى غير ذلك من أمور الجاهلية.
قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو عامر، قال: حدثنا فليح وهو ابن سليمان، عن هلال بن علي، عن ابن مالك، أن رسول الله ﷺ كان جالساً على القبر، فرأيت عينيه تدمعان. شهدنا ابنة النبي ﷺ تُدفن والنبي ﷺ جالس عند جنبي قبرها أثناء عملية الدفن، فرأيت عينيه تدمعان. وهذا شعور الأب الذي يدفن ابنته، وليس معيباً ذلك.
فقال: «فيكم رجل لم يقال في الليل لم يجامع زوجته». وهذا يدل على أن الذي يدفن ينبغي أن يكون بعيداً عن الجماع والعشرة، لأن هذا فيه ارتباط بالدنيا؛ السنة أن الذي يدفن في القبر إنسان لم يجامع في تلك الليلة، ليكون أبعد عن أمور الدنيا وأقرب إلى أمور الآخرة.
قال أبو طلحة: إن أذناً فنزل في قبرها، يدل على أن الرجل الأجنبي يجوز أن يدفن المرأة الأجنبية عنه. الأولى أن يدفن محارمها، لكن إذا لم يوجد لها محارم، هل يجوز للرجل الأجنبي أن ينزل؟ نعم يجوز له أن ينزل، لأن أبا طلحة أجنبي عن ابنتي النبي ﷺ، ليس من محارمها، ومع ذلك أذن له أن يدفنها.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في فراش رسول الله ﷺ. هل الطبيعة فراشه؟ كيف كان فراشه؟ ومن أي مادة مصنوع؟ فراش النبي ﷺ.
قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا علي بن مسعر، عن هشام بن عروبة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «إنما كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه من آدم، حشوه ليف». والليف هذا يؤخذ من النخيل، مثل الخيوط كانوا يأخذونها من النخيل ويصنعونها، يلفونها ويحشون بها فُرُشهم ووسائدهم.
قال: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، قال: حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: «من آدم، حشوه من ليف». وسئلت حفصة: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: «مِسْحٌ، نثنيه ثنيتين فينام عليه». هو كساء كانوا يحشونه أيضاً شيئاً من الصوف أو الكتان أو ما شابه ذلك، ويثنونه لينام عليه.
وهذا يدل أن فراشه في بيت عائشة يختلف عن فراشه في بيت حفصة؛ عائشة في بيتها ماذا قالت؟ «من آدم، حشوه ليف»، لكن حفصة قالت: «مِسْحٌ». إذن كل بيت يختلف طبيعة الفراش الذي كان فيه.
«فلما كان ذات ليلة قلت له: ثنيناه لك ليكون أوطى، فثنيناه له بأربع ثنيات». قالوا: ما رأيكم نثنيه أربع ثنيات حتى يكون أكثر راحة في أثناء النوم؟ فلما أصبح قال: «ما فرشتم لي الليلة؟» قالت: قلنا هو فراشك إلا أن ثنيناه بأربع ثنيات، ونفس الفراش يا رسول الله، لكن بدل ما يكون مثنياً ثنيتين جعلناه على أربع طبقات، ليكون أوطى لك. قال: «يعني أسهل للنوم؟» قالوا: نعم. قال ﷺ: «ردوه لحالته الأولى، فإنه منعني وطأته صلاتي الليلة». لم يستطع أن يقوم الليلة لأن الفراش كان وافراً، وهذه مشكلتنا نحن؛ لما يكون الفراش جيداً وأنت تستغرق في النوم. من أراد أن يقوم الليل يحاول أن يتخفف من فراشه، هكذا كان النبي ﷺ، الفراش كان خفيفاً أو ينام على السجاد الخفيف بحيث يعينه ذلك على الانتباه سريعاً، أما الفراش الوفير فكيف تستيقظ؟
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في تواضع رسول الله ﷺ.
قال: حدثنا أحمد بن منيع وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما عبدموني على طريقة النصارى». ماذا قالوا في عيسى؟ جعلوه ابن الله -والعياذ بالله-، فقال: لا أريد هذا التعظيم الذي يرفعني في منزلة أعلى من المنزلة التي وضعني الله فيها، إنما أنا عبد الله ورسوله.
قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أي طريق من طرق المدينة شئت». هذا تواضعه ﷺ؛ أنه يقضي حاجة الرجال والنساء، ويسمع من الجميع، ويعطي مساحة من الوقت لكل شخص محتاج على قدر طاقته ﷺ. يقول: «اجلسي في أي مكان»، أنا أجلس وأسمع حاجتك وأقضيها لك.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن حجر، يقول: حدثنا علي بن مسعر، عن مسلم بن الأعور، عن أنس بن مالك، قال: كان...
رسول الله ﷺ يعود المريض، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد. وكان يوم بني قريظة على حمار مختوم بحبل من ليف وعليه إيكاف، والإيكاف عبارة عن خيوط دقيقة يجمعونها يحشون بها الوسائد، ويصنعون منها اللجام الذي يوضع على الناقة وما شابه ذلك.
قال رحمه الله: حدثنا... الإيكاف للحمار مثل السرج للخيول، الإيكاف هذا يوضع عادة على الحمير وهو مثل السرج الذي يوضع على الخيول؛ لذلك قال: وكان يوم بني قريظة على حمار مختوم بحبل من ليف وعليه إيكاف من ليف.
قال حدثنا محمد بن الفضيلة بن مالك: كان النبي ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والاهالة، والسني من الخروف وما شابه ذلك، والسنخ التي تغيرت بسبب طول المدة، تغير طعمها ورائحتها بسبب طول المدة، وهذا كله من تواضعه، وكان يقبل حتى الطعام الرديء، حتى الدهن التي تغيرت رائحتها، كان يأتي ويجيب ويأكل منها، صلوات ربي وسلامه عليه. هذا كله دلالة على تواضعه وأنه لم يكن يلزم الناس بالأشياء الأغالية.
قالوا: لقد كان له درع عند يهودي، فما وجد ما يفكها حتى مات النبي ﷺ، مات ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير؛ أخذ ثلاثين صاعًا من شعير ليطعم أهله ورهن درعه دينًا. تخيل النبي الأعظم، القائد الأعلى، يموت ودرعه مرهونة لأنه احتاج ثلاثين صاعًا من شعير ليطعم أهله، وهذا القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه.
طبعًا الصحابة كانوا يقدرون أن يسدوا دينه، ولكن هو أصر على هذا ليكون قدوة لكل مبتلى بالفقر. ولو كان الصحابة يقدرون أن يسدوا هذا الدين بسهولة، عثمان ما كان يقدر يسد هذا الدين، عبد الرحمن لو طلب ما سد هذا الدين، ما أسهل هذا الدين، لكن هو ﷺ أراد أن يكون قدوة لكل فقير ولكل محتاج؛ فأنت لو كانت عليك ديون، النبي ﷺ مات وعليه ديون، ليس شيئًا كبيرًا ومع ذلك طبعًا قضيت ديونه عليه الصلاة والسلام بعد موته.
قال رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: «حج رسول الله ﷺ على رحل رث وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: اللهم اجعله حجا لا فيه ولا سغى».
الرحل هذا يوضع أيضًا لمن أراد أن يركب الإبل ويكون من خشب، ولكن واضح أنه رحل رث، يعني رديء مستهلك، وعليه قطيفة؛ قطعة قماش كانوا يضعونها فوق الرحل الخشبي حتى يسهل الركوب عليه، ولكنها قطيفة رخيصة، يعني أربعة دراهم فضية ليست شيئًا غالبًا.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ». قال الصحابة الكرام. وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك، شدة حبهم وتعظيمهم له، لكن إذا رأوا النبي ﷺ كان يكره أن يقوم الصحابة له ليسلموا عليه، وهذا كله من تواضعه؛ لذلك ذكر الحديث في باب تواضع النبي ﷺ.
بعض الناس اليوم إذا أنت ما قمت وسلمت علي ينكر قلبك ويقول: لماذا لم يقم لي؟ إذا كان النبي ﷺ لا يحب أن يقوم الصحابة له، فمن أنت حتى تحزن وتأخذ على خاطرك إذا لم يقم الناس للسلام عليك؟ الأمر أسهل من ذلك وأهون.
قال رحمه الله: حدثنا سفيان بن وكيل، قال حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، أن نبأ رجلاً من بني تميم من ولد أبي هالة، عن الحسن بن علي، قال سألت ابن أبي هالة الذي وصف فيه النبي ﷺ على حسب الأبواب، جزاه الله خيرًا؛ على حسب الأب، في باب ذكر فيه صفة خلقه، وفي باب ذكر صفة نطقه، وفي باب هنا سيذكر صفة معشره، وهو حديث طويل وإن كان ضعيف السند.
قال: سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافًا لحلية رسول الله ﷺ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئًا، فقال: كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تتلألأ كالقمر ليلة البدر. فذكر الحديث بطوله.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانًا، ثم كتمها عن أخي؛ كتم هذا الحديث عن أخيه، ظنًا بالعلم الذي عندي. قال: ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، ثم حدثته به فوجدته وكما... بقي سائل الخالي ومعطيه نفس المعلومة، وكل واحد فينا مخبئ المعلومة عن أخيه يظن أن أخاه ليس عنده.
قال: فسأله عما سأله عنه، ووجدته وقد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله؛ علي بن أبي طالب، أبو الحسن، والدهم، عن مدخل النبي ﷺ ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئًا، أي وصف لهم طريقة ﷺ إذا دخل المنزل، إذا خرج من المنزل، أسلوب الحياة، نمط الحياة.
الآن سيأتي تفصيل ذلك. قال الحسين رضي الله عنه: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ، فقال: كان حاله إذا دخل منزله ودخل الناس عليه؛ كان إذا أوى إلى منزله قسم وقته في المنزل ثلاثة أقسام: جزءًا لله، وجزءًا يخلو به بربه ﷺ قيام الليل وذكر أمور بينه وبين الله، وجزءًا لأهله؛ لأن لزوجك عليك حقًا لابد تؤدي، وجزءًا لنفسه لحوائجه الخاصة، لكن هذا الجزء الذي لنفسه ما جعله لنفسه، جعله للأمة؛ أي أن هذا الجزء الذي لنفسه أعطى لنفسه قليلًا منه والباقي أعطاه للناس؛ لأن الناس عندها حوائج فتأتي إلى بيته وتسأله قضاء هذه الحوائج، فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئًا.
وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل. كيف كان سيرته ﷺ؟ أول شيء يدخل أعالي الناس منزلة؛ لأنه جاء في الحديث: «أنزلوا الناس منازلهم»، فأولًا يتخذ رؤساء القبائل والعشائر الذين كانوا...
قال: وقسمه على قدر فضلهم في الدين؛ فمنهم على قدر فضلهم في الدين، يعني من هو أعلى ديانة يعطيه فضلاً عمن هو أقل ديانة، خاصة من أصحابه. قال: فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشغل به، فبعضهم عنده حاجة، وبعضهم مسألتان، وبعضهم ثلاث حوائج، كل على حسب حاجته ومراده.
قال: فيتشغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم، وإلامه من مساءلتهم عنه وأخبارهم الذي ينبغي لهم، ويقول النصيحة؛ يعطي كل إنسان السؤال والإجابة التي يحتاجها. ويقول صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيعوا إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة».
بعض الناس، أحبابي، لا يستطيع أن يدخل على العلماء أو على السلاطين أو على المسؤولين، ما عنده قدرة يتكلم معهم؛ ضعيف الشخصية. فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الذي يوصل حاجة إنسان ضعيف الشخصية، أو ضعيف الكلام، أو عنده حياء، إلى المسؤول والسلطان أو العالم، الله عز وجل يرفع درجته ويثبت قدميه يوم القيامة. ليس كل الناس يستطيع أن يواجه المسؤولين ويطلب الحاجة منهم مباشرة، بعض الناس ما عنده قدرة على البيان، أو ضعيف الشخصية، أو حياء زائد، فلا يحب الدخول. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها». بعض الناس ما كان يستطيع الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم هيبة له، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي إنسان لا يستطيع الدخول عليه بلغوني حاجته. الشخص هذا لا يقبله في مجالسه صلى الله عليه وسلم.
قال: فسألته عن مخرجه كيف يصنع فيه؟ قال: كان رواداً ولا يفترقون إلا عن تواقه. ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه أي إنسان يدخل منزله لازم يطعمه؛ هذا معنى «لا يفترقون إلا عن تواق»؛ لابد إذا كان في البيت طبيخ يطعمه، إذا كان هناك شيء من الحالة يعطيهم على حسب ما في منزله صلى الله عليه وسلم. قالوا: يخرجون أدلة يعني على الخير، وكل من يدخل منزله يخرج عنده فائدة علمية، ويخرجون من منزله على الخير الذي تعلمه داخل منزل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: قال فسألته عن مخرجه، فقال رضي الله عنه كيف كان وقته؟ عرفنا كيف كان يتعامل مع الزوار الذين يدخلون منزله، ما هو النهج العام في التعامل معهم، الآن سيتكلم عن كيف كان يتعامل خارج المنزل مع الناس. قال: فسألته عن مخرجه كيف يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج لسانه إلا فيما يعنيه، لا يتكلم إلا فيما فيه نفع، وما لا يعنيه لا يتكلم فيه، وهو قد أمر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً».
والفهم، ولا ينفرهم في القلوب، ولا ينفرها عليه الصلاة والسلام. قال: «ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم»، ويحذر الناس؛ يعرف مراتب الناس وينزلهم منازلهم، من كان يصلح للإمارة ويحب يضعه في المكان المناسب. قال: «ويحذر الناس ويحترس منهم» من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره وخلقه، مهما كان صغيراً أو كبيراً، سامياً دائماً صلوات ربي وسلامه عليه.
«ويسأل الناس عما في الناس»، وأصحابه؛ الإنسان الذي كان يحضر مجلسك غاب، يسأل بعض الناس: «فلان غاب، الله يسهل له». صاحب الخلق الرفيع يتفقد أصحابه، قد يكون عنده حاجة، قد يكون عنده مرض، قد يكون عنده فاقة، فدائماً المعلم الناجح والقائد الناجح عليه أن يتفقد طلابه ومن يتبعه حتى يكون ناجحاً في عملية الإدارة. قال: «ويسأل الناس عما في الناس»، أن يسأل الناس عما يحدث، إيش صار في القرية الفلانية وإيش صار في الحي الفلاني، يسأل الأخبار والأوضاع في كل قرية من القرى وفي كل حي من الأحياء ليعرف أحوال الرعية.
قال: «ويحسن الحسن ويقبح القبيح»، شيئاً حسناً مدحه، شيء جيد فاعله، وإذا رأى شيئاً -وإياكم أن تعيدوا- وهكذا صلى الله عليه وسلم. قال: «ويقبح القبيح ويوهيه». قال: معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، فكل قائد مستيقظ، لا يغفل عن التفاصيل، صلى الله عليه وسلم منتبه.
هذه إخواني الصفات، أي إداري ناجح يريد أن يقود أمة أو جماعة أو طائفة، هذه الصفات التي يحرص عليها؛ لأنه إذا القائد غفل راحت الرعية، فبالتالي من أهم صفات القيادة الناجحة أن يكون مستيقظاً أكثر من الرعية أو من الأتباع حتى لا يحدث أي خلل أو أي زلل. قال: «ولكل حال عنده عتاد»، لا يقصر، عن كل مشكلة عنده جواب، ولكل حالة عنده عتاد، أعد لها، مستيقظ لكل أمور رعيته، هذا هو القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه.
قال: «لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه»، يعني لا إفراط ولا تفريط، لا يقصر ولا يتجاوز في إحقاق الحق وإنزاله. قال: «الذين يلونهم من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيباً»، يعني إذا تعامل مع شخص وجعله من حاشيته أو من مقربين منه، لا بد أن يكون من الخيار في الدين، لا يضع حاشية سوء أو بطانة سوء صلوات ربي وسلامه عليه. «ولا أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مواساة ومؤازرة». على حساب الخير، ما كان يفضل الناس على حساب منازلهم العشائرية أو أموالهم، وإنما كان يفضل على حسب معروفك وخيرك وصلاحك للناس، هذا الذي يجعلك ترتفع قدراً عنده وليس كم معك من المال.
قال: فسألته فقال: كان مجلسه إذا اجتمعوا حوله وتعلقوا في مجلس علم في المسجد أو مكان، كيف كان الناس في مجلسه؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وإذا انتهى مجلسه بالذكر ويختمه بذكر الله سبحانه. قال: «وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك»، والقائد الأعلى إذا دخل وقوم مجتمعون لا يجلس إلا حيث انتهى به المجلس، لا يتخطى الرقاب، صلوات ربي وسلامه عليه مع أنه القائد. قال: «يعطي كل جلسائه بنصيبه»، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، هذا يدل على ماذا؟ شدة احتفائه بالجميع، كل إنسان يظن أنه الأقرب إلى قلبه؛ لأنه كان يهتم بالجميع، ما في إنسان يقبل عليه باهتمام والباقي يهمله، يقبل على كل جلسائه باهتمام حتى أن كل شخص منهم يظن أنه الأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه مهارات في التواصل الاجتماعي عالية، تحتاج إلى شخص موفق حتى يصل إليها. قال: «من جالسه أفاوضه في حاجة صابرة حتى يكون هو المنصرف عنه يتحمل»؛ لو شخص فتح معه موضوع نصف ساعة أو ربع ساعة، وأحياناً بردت، يتحمل صلى الله عليه وسلم حتى يكون ذاك هو الذي يقضي حاجته.
قال: «من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول». إذا كان عنده قدرة مادية على أن يقضي الحاجة قضاها، ما استطاع ذكره ووعظه ونبهه على الخير. قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم حسن التعامل، بسط الخلق، سهل العريكة في تعامله مع الناس جميعاً. فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق سواء.
هكذا القائد، أصبح أباً للجميع، الكل يجد راحته في الحديث معه، في الشكوى إليه، في بث همومه إليه. كيف صار أباً للجميع؟ إلا أنه يخبر على الجميع ولا يستثني أحداً. هذه صفات عالية جداً في إدارته صلى الله عليه وسلم.
من المجتمع مجلسه: مجلس علم وحلم وحياء وأمانة وصبر، لا ترفع فيه الأصوات ولا تُذكر فيه الحرمات. ما في أحد يذكر فيه الحرام ويذكر الأمور التي تخدش الحياء، مجلس علم وحياء، إقبال على الآخرة، لا يذكر فيه الحرمات والأمور التي تغضب الرب سبحانه.
قال: «ولا تثنى فلتاته متعادلين». ما معنى لا تثنى فلتاته؟ إذا حدث خطأ، فالمجالس أمانات. لا تثنى فلتاته؛ واحد من الصحابة أخطأ، قال كلمة في غير مكانها، هل عندما ينفض المجلس تُنشر هذه الكلمة في الآفاق؟ «والله فلان في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا». بعض الناس للأسف، إذا صار خطأ في مجلس أحد، أو أخطأ في حق أحد، لا بد ماذا؟ يفضح الدنيا ويتكلم عن وسائل التواصل: «فلان قال وفلان قال». احذر يا طالب العلم من هذه القصيدة، إذا حدث عيب أو خطأ في مجلس الشيخ استر واكتمه، ولا تنشر خطأ الشيخ أو خطأ زملائك إذا حدث داخل المجلس.
قال: «ولا تثنى فلتاته متعادلين»، أي لا يوجد شخص أرفع من شخص في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، الكل متساوي، لا يشعر أحد أنه أدنى من غيره. بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى، والمعيار في المفاضلة كما قلنا النبي ما كان يفضل بالمحسب، وإنما كان يفاضل بتقوى الله سبحانه وتعالى، وكما جاء في آخر الحديث: «أكثرهم نصيحة ومواساة ومؤازرة».
بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب المسافر الذي يكون غريباً ليس من أهل المدينة، يحفظون حقه بالضيافة والإكرام، ولا يشعرونه بالوحشة. إنك إنسان غريب، ماذا تفعل؟ بعض الناس إذا دخل شخص ليس من أهل المدينة الكل يلتفت النظر إليه، لا هم يحسنون التعامل مع الغرباء الجدد الذين يتوافدون إلى مجالس النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبد الله بن بذيع، قال حدثنا المفضل، قال حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ... وهذه الأوصاف تحتاج إلى تدريس. هذه الأوصاف التي ذكرت في الحديث، الأصل كل لفظة منها وكل سطر يُعطى فيه درس ومحاضرة. إدارة النبي صلى الله عليه وسلم لمجلسه ومخرجه ومدخله حقيقة كلام فخم الذي قيل في هذا الحديث. حاول دائماً أن تعيد قراءته لتفهم كيف تكون إنساناً ناجحاً في إدارة علاقاتك الاجتماعية مع الناس.
إن بعض طلبة العلم يظن أن الحياة فقط قراءة ودراسة، ولا أعرف أن الدين المعاملة أيضاً، وحسن العشرة مع الناس حتى يكسب قلوبهم لهذا الدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أُهدي إلي كراع لقبلت»، ولو دُعيت إليه هو أسفل القدم، الكراع هو ظلف الشاة، وهذا شيء بسيط جداً بالكاد عليه لحم. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لو أهدي إلي كراع لقبلت» دلالة على ماذا؟ تواضعه صلى الله عليه وسلم؛ أنه أي شيء يهدى لي أنا أقبل، حتى الكراع الذي بالكاد تجد عليه قطعتين لحم، مع ذلك كان يقبله.
قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس براكب بغل ولا بردن. والبردن نوع من الخيول، المهم المراد أنه جاءني ماشياً، أو أنه كان راكباً لشيء، والحديث محتمل، لكن المراد أنه لم يكن يحرص على أن يركب شيئاً عالياً.
قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا ابن نعيم، قال نبأنا يحيى بن أبي الهيثم العطار، قال سمعته يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: سمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسف، وأقعدني في حجره ومسح على رأسه. هذا، سماه النبي صلى الله عليه وسلم، وضعه في حجره ومسح على رأسه.
قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال حدثنا أبو داود الطيالسي، قال حدثنا الربيع وهو ابن صبيح، قال حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على راحلة رثة، وقفيفة كنا نرى ثمنها أربعة دراهم، فلما استوت به راحلته قال: «لبيك بحجة الناس سمعة فيها ولا رياء معنا».
هذا الحديث قبل قليل. وعن أنس بن مالك، أن رجلاً خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرب منه ثريداً عليه دباء. ما هو الثريد؟ الذي مع الخبز وأحياناً يوضع معه اللحم. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الدباء، وكان يحب الدباء. قال ثابت: فسمعت أنساً يقول: فما صنع لي طعام أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع. يعني خالص، صار أنس يتعاهد الدباء في أي وجبة غذائية يأكلها حباً لما كان يحبه نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا عبد الله المصالحه، قال حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد عن عائشة، قالت: قيل لعائشة رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: «كان بشراً من البشر، يفري ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه». كما يمارس الناس من أمور بيتهم.
يكب القمامة في المنزل، بعض الناس طلبة العلم أصبح طالب علم لا هو يكب قمامة المنزل، يقول لك أنا أكب القمامة، أنا طالب علم وأنا دكتور شريعة! معقول؟ وكأنك القبطان! وبدك تمارس الطعام والشراب وتجلي وتمارس كل الأمور المنزلية كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو أعلى البشر، يفعل، صلوات ربي وسلامه عليه. قال رحمه الله.
تعالى باب ما جاء في خلق رسول الله ﷺ. قال حدثنا عباس بن محمد بن الدوري، قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال حدث ليث بن أبي مليكة، قال حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد، عن سليمان بن أبي خارجة، عن ابن زيد بن ثابت، قال: دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله ﷺ. قال: ماذا أحدثكم؟ فكان إذا نزل عليه الوحي بقربه، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليه، فكنت من أحد كتاب الوحي العظام.
قال: فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ﷺ. كان يعتمد على البساطة، حتى لو ذكروا أمور الدنيا لا يقول لهم لا، أنا والله ليست مرتبتي أن أدخل معكم في هذه الأمور، أو ذكروا شيئًا من الطعام دخل في موضوع الطعام وشاركهم. كان حريصًا على الذكر في بداية المجلس وفي ختامه، وأكثر أوقاته يذكر الله، لكن لا يضع لنفسه مستوى معينًا لا يدخل فيه مع أصحابه، بل يدخل في كل شيء مباح إذا كان يدخل السرور على قلبهم؛ يتحدث معهم في أمور الدنيا والتجارة والبيع والشراء والأطعمة.
قال أحدثنا إسحاق بن موسى، قال حدثنا يوسف بن بكيري، عن محمد بن إسحاق، عن زياد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن عمرو بن العاص: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على شر القوم يتألفهم بذلك، فكان يقول بوجهه على أسوأ الناس يتألفوا الناس، ويعرف أن الأسوأ جنبه أبو بكر وعمر وعثمان، ويترك هؤلاء ويقبل على أسوأ القوم من أجل أن يفعل ماذا؟ أن يتألفهم فقط. هذا هو الذكاء، أن يتألف قلب هذا الشخص البعيد، أبو بكر وعمر وعثمان ضمنهم، لكن الفكرة بهذا الشخص الجديد أنني أريد أن أكسب قلبه.
قال: فكان يقبل بوجهه وحديثه علي حتى ظننت أني خير القوم. عمرو بن العاص أول ما أسلم أنه كان يقبل عليه دائمًا ويبش في وجهه، حتى عمر اعتقد لمرحلة معينة ماذا؟ أحب الناس إلى النبي ﷺ لشدة ما يقبل عليه، وبعدين عرف السالفة، كان يقبل على أبعد الناس من أجل أن يؤلف قلبه. فقال: يا رسول الله، أنا خير أم أبو بكر؟ قال: «أبو بكر». فقلت: يا رسول الله، أنا خير أم عمر؟ فقال: «عمر». فقال: يا رسول الله، أنا وعثمان؟ قال: «عثمان». فلما سألت رسول الله ﷺ فصدقني، فلو وجدت أني لم أكن سألته.
ورد له رواية أخرى: من أحب الناس إليك؟ قال عائشة، ثم من؟ قال أبوها. قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا جعفر بن سليمان الطابع، عن ثابت بن النعمان بن مالك، قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أوف قط، وما قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته: لِمَ تركته؟ وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا.
قال: ولا مسست خزامًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كذا. هذه قدرة عالية يا إخواني على التعامل، قدرة النبي ﷺ أنه عشر سنوات لم يلم أنس بن مالك على شيء تأخر عنه، لم يتضجر من شيء، مع أن أنس كان يخطئ، فما صرح بذلك ومع ذلك لم يلمه النبي ﷺ عشر سنوات على شيء. ربما أنت اليوم مع زوجتك أو مع ابنك تلومه في اليوم عشرين مرة أو ثلاثين مرة على أخطاء الحياة، وهو عشر سنوات لم يلم هذا. هي قدرات عالية جدًا ونجاح في إدارة هذه الأمور، ودلالة أن أمر الدنيا كان هيناً عليه؛ هذه الفكرة أن أمر الدنيا ما كان شيئًا كبيرًا، لم ينجز، خلص بنحل الأمر في وقت لاحق.
قال رضي الله عنه: ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق النبي ﷺ. قال حدثنا أحمد بن زيد، عن سلم العلوي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنه كان عنده رجل به أثر صفرة. وكان رسول الله ﷺ يحرص أنه إذا أراد أن ينصح أحد لا ينصحه في وجهه مباشرة أمام الناس حتى لا يحرجه؛ يعني أنت تكون في مجلس وفي شخص من الجالسين لابس لباسًا خاطئًا أو عنده شيء تصرف خاطئ في المجلس، ما كان يحب أن يبا له النصيحة حتى لا يحرجه أمام الناس، فكان ينصح من الخلف، يقول لشخص: فلان يفعل كذا بعد انتهاء المجلس، وهذا من أدبه ورقيه ﷺ في معالجة الأخطاء.
فلما قام قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصفرة». الصفرة هي لون الزعفران، ولون الزعفران للرجال مكروه؛ اللون الأصفر القريب على البرتقالي، وللرجال يكره المعصفر والأحمر الخالص والمزعفر، فالرجال يكره لهم أن يلبسوا الأحمر الخالص أو اللباس الذي فيه صفرة، لذلك نهاه النبي ﷺ عن لبس هذا، لكن ما وجهه؟ جعل أحد الصحابة يخبر هذا الرجل أن لا يلبس هذا الثوب مرة أخرى.
قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبان عن أبي عبد الله، عن عائشة أنها قالت: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يسب ولا يتكلم بالسب والشتم». صلى الله عليه وسلم، قال: «ولا يصاحب في الأسواق، ولا يرفع صوته في الأسواق والطرقات». قال: «ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».
يتغاضى ويتغافل، صلوات ربي وسلامه عليه، ولكنه يعفو ويصفح. حدث هارون بن إسحاق الهمداني، قال حدثنا عبده، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، أو يطلب خادمًا، أو امرأة».
هذا خلقه صلى الله عليه وسلم؛ ما ضرب شيئًا إلا في الجهاد في سبيل الله، لم يضرب خادمًا له ولم يضرب امرأة له. اليوم الناس، حركات النسوية لما تتكلم أن الإسلام أباح ضرب المرأة، انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ نعم الإسلام أباح الضرب في حالات معينة، لكن هل هو صلى الله عليه وسلم فعله؟ عليه الصلاة والسلام لم يضرب امرأة قط، ولم يشتم امرأة قط؛ هذا خلقه الرفيع.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن عبده الضبي، قال حدثنا الفضيل بن عياض، عن المنصور، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرًا من مظلمة ظلمها قط، ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء». كان من أشدهم في ذلك غضبًا، «وما خرج بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لذلك».
بعض الناس يقول لك: يا شيخ الدين يسر ولا تشدد علينا، صح؟ لا، بس بدك تنتبه؛ «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لذلك». نعم، الدين يسر، إلا إذا كان اليسر الذي أنت تريده مخالفًا للشريعة، فهنا لا يكون مقبولًا؛ اليسر المقبول هو ما لم يكن مخالفًا لشرع الله.
قال رحمه الله: حدثنا بن أبي عمر، قال حدثنا سفيان، محمد بن المنكدر، عن عروة، عن عائشة قالت: جاء رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده، فقال: «ليس ابن العشيرة أو أخو العشيرة»، ثم أذن له فأنا له القول، تكلم معه بانبساط وبهدوء. فلما خرج قلت: يا رسول الله، ما قلت؟ قلت: قبل ما أفتح له الباب قلت إنه بئس أخو العشيرة، ثم لما دخل تعاملت معه بلين. فعائشة تعجبت، ما سبب هذا الاختلاف؟ فأخبرها فقال: «يا عائشة، إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه».
وهذا يدل أحبابي على أن المداراة مطلوبة. النبي صلى الله عليه وسلم لماذا قال لعائشة: بئس أخو العشيرة؟ هل هذه تعتبر استغتابة؟ لا، طبعًا النبي صلى الله عليه وسلم لا يستغتاب، لكن لماذا قال ذلك؟ لأنه كان سيعامله بلين، فأراد أن يعرف عائشة وهذا الشخص الآن سأتعامل معه، لكن لا تطمئنوا له؛ فهنا في مصلحة لما قال لها بئس أخو العشيرة حتى لا يظن أن تعامله بلين مع هذا الشخص لأنه إنسان جيد، بل أنا سأتعامل معه بلين اتقاءً لشره.
والمداراة من خلق المسلمين؛ إذا كان هناك شخص فاحش أو سيء وتخاف شره على نفسك أو على المسلمين، لو تعاملت معه بمداراة وحسن خطاب لصرف شره، هذا ليس من النفاق وليس شخصًا له وجهان، بل هذا من الفقه أن تحسن صرف السيئين عنك؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من شر الناس عند الله من تركه الناس أو داروه اتقاء فحشه». بعض الناس يقول لا يوجد حل مع هذا، بل تدارى حتى تصرف عنك شره.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا سفيان بن الوقيع، قال حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجدي، قال: إن الرجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة، ويكنى أبو عبد الله عن أبي هالة، عن الحسن بن علي قال: سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه، فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مشاح».
لا يعيب أحدًا من أصحابه، ولا يلحق عورات الناس وعيوبهم، ولا يتتبع عيوب الناس، ولا مشاح، أي لم يكن بخيلًا ضنيناً بعلم أو بشيء مما يستطيع أن يقدمه لهم. قال: «يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤسوا منه راجيه، ولا يؤيس منه».
إذا كان هناك إنسان يرجو عطاءً أو شيئًا ماديًا يقدمه، لا يقيسه، يقول: إن شاء الله نعطيك، إذا كان موجودًا أعطاه ما كان موجودًا، لا يجعله ييأس، بل يقول: إن شاء الله إن جاءنا شيء أعطاك، أو قريبًا بإذن الله تتيسر الأمور؛ فكان أسلوبه دائمًا سهلاً مع الناس، فلذلك قال: «ولا يؤس»، لا يجعله يشعر باليأس أنه لن يحصل شيئًا، أي إنسان يسأل، إذا كان بين يديه أعطاه، وإن لم يكن متوفرًا بين يديه طمحه أنه سيحصل عليه ولو بعد حين.
قال: «ولا يخيب فيه»، وقد ترك نفسه من ثلاث: «لا يماري أحدًا، ولا يكثر في الكلام، ولا يتدخل فيما لا يعني». هكذا كان صلى الله عليه وسلم، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه. وإذا لم يكن صلى الله عليه وسلم من دأبه أن يطلب عورات الناس ويتتبع عثراتهم، ولم يكن من شأنه أن يذم أحدًا في مجلسه، ولم يكن يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه للناس، هذا خلقه صلى الله عليه وسلم.
وإذا تكلم أطرق جلسائه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا تكلم احتفاء به، قال رضي الله عنه: فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده لا يتجاذبون أطراف الحديث بحضرته، لا يتكلمون إلا باستئذان من أذن له يتكلم، أما كل واحد يتكلم هكذا على هواه، هذا لا يوجد في مجلسه صلى الله عليه وسلم. ومن تكلم عنده، وأنصت له حتى يفرغ.
إذا شخص تكلم، ما أحد يقاطعه، يتكلم حتى يفرغ ثم بعد ذلك يأتي شخص آخر يتكلم. قال: «حديثهم عنده حديث أولهم»، يعني إذا شخص فتح موضوعًا الكل يتكلم في هذا الموضوع، وليس يفتح موضوعًا ويترك وينتقل إلى موضوع آخر قبل أن يتكلم الأول. والبعض قال معنى هذه العبارة: «حديثهم عنده حديث أولهم»، أي أن أول شخص قدم المجلس هو أول شخص يتكلم، يعني أول شخص استأذن أو طلب الحديث هو الذي يتكلم الأول.
والبعض فسرها بهذا المعنى: «قال يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه»، وهذا من الأدب أنه إذا أهل المجلس ضحكوا من شيء مباح، ما ينفع أن تكون ساكتًا وكأن الأمر لا يعنيك، ليه تكسر خاطرهم؟ قد لا يكون الأمر بالنسبة لك شيئًا كبيرًا، لكن من...
حسن الخلق إذا ضحكوا من شيء مباح، ليس من شيء خطأ، أن تشاركهم ولو بابتسامة؛ حتى لا يتفشلوا، لأنه مثلاً كلهم يضحكون وأنت قاعد ساكت، فيشعرون أنهم فعلوا شيئاً خطأ. يضحك مما يضحكون منه ولو لم يكن شيئاً كبيراً عنده.
قال: ويتعجبوا مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسالته، خاصة على التعامل الجيد؛ ممكن يرفعوا صوت واحد ويأخذوا به، وكان يصبر على جفوتهم وسوء تعاملهم، حتى إن أصحابه ليستجلبونهم.
ما معنى "أصحابه ليستجلبونهم"؟ أي أن الصحابة كانوا يستجلبون الأشخاص الغرباء؛ لماذا؟ لأن الصحابة كانوا يهابون أن يسألوا النبي ﷺ في أمر دينه أو دنياه، فكانوا يسرون إذا جاء أعرابي غريب؛ لأنهم يعرفون أنه سيسأل في أمر الدين، فهم سيستفيدون، أما هم فكانوا حياءً وتعظيماً للنبي ﷺ لا يسألونه. فيسرون إذا جاء رجل غريب لأنهم يعرفون أن هذا الغريب سيسأل عن كل شيء، وبالتالي سنأخذ معلومات جديدة.
ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه. أي في قضاء حاجته.
قال: ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ. اختلفوا في تفسيرها؛ "إلا من مكافئ" أي إلا من شخص يثني عليه ثناءً معتدلاً ليس فيه تفريط، هذا معنى "لا يقبل الثناء إلا إلى شخص أثنى عليه ثناءً مكافئاً"، أي صالحاً صحيحاً صواباً، ولا يقبل الثناء الذي فيه إطراء زائد. والبعض قال: لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، أي إذا أثنى عليه شخص مقابل معروف فعله النبي ﷺ معه، يقبل أن يثني عليه مكافأة له، أما أن يثني عليه الشخص بدون معروف يقدمه ﷺ له، ما كان يقبل الثناء هكذا مجاناً.
قال: ولا يقطع ولا أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. يعني إذا بدأ أحد الحديث بين يديه يسمعه كاملاً، إلا إذا تجاوز الحق؛ وهذا معنى "حتى يجوز"، أي إذا تجاوز هذا الشخص الذي يتكلم الحق في كلامه فيقطع عليه، أو يقوم من المجلس ﷺ.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن محمد بن المكدر، قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: «ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا». أي أن أي شخص يسأل النبي ﷺ شيئاً، فليس في قاموسه ﷺ أن يقول "لا".
قال: حدثنا عبد الله بن عمران أبو القاسم القرشي المكي، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتى ينسلخ، فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة».
كان يزداد حماساً في الجود كلما لقيه جبريل وعرض عليه القرآن، وهذا يدل على أن من قرأ القرآن وعرضه يحثه على العمل الصالح؛ لذلك دائماً على المسلم أن يعرض القرآن ويقرأه، فالنبي ﷺ عندما كان يعرض القرآن على جبريل يزداد حماساً للجود والعطاء.
قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت بن زيد، قال: «كان النبي ﷺ لا يدخر شيئاً لغد، قال: الذي في يومه ينفقه». ما كان عليه الصلاة والسلام يدخر أرصدة بنكية وعنده عشرون وثلاثون وخمسون ألفاً، كان أساساً من بساطته في الحياة لا يدخر شيئاً لغد؛ يقول لك غد يخلق الله ما لا تعلمون.
طبعاً حتى لا يفهم شخص أني خلاص يا شيخ اليوم أرسلت البنكيه أتخلص منها، لا مش مشكلة، لكن الفكرة أن تعرف تواضعه ﷺ، أنه كانت الحياة ليست عنده شيئاً كبيراً، ما كان يقلق على المستقبل أو يخاف مما هو قادم. بعض الناس ينامون مهمومين خوفاً من الغد: هل يوجد طعام أو شراب؟ مع أن عنده خيراً عظيماً، النبي ﷺ لم يكن يقلق من الغد.
قال: حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة المديني، قال حدثنا أبي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال النبي ﷺ: «ما عندي شيء ولكن ابتع عليّ». أي اشتري بالدين على ذمتي. شوف الخلق الرفيع: "ابتع عليّ" أي اشتري بالدين وأقول الذي سيدفع هو محمد ﷺ، أي اشتري على ذمتي ما عندي ما أعطيه، لكن خلاص اشتري على ذمتي وأنا أقضي. هذا خلق عالٍ جداً منه ﷺ، فقال ﷺ: «فإذا جاءني شيء قضيته».
فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته فما كلفك الله ما لا تقدر عليه؟ أعطيته مرة سابقاً، الآن لماذا تكلف نفسك فوق ما تطيق وتشتري على ذمتك بالدين؟ خاصة أننا لا نعرف كم سيشتري. فكر فيها، النبي ﷺ لم يعجبه تدخل عمر في هذا الموقف، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش، قلاله. فتبسم رسول الله ﷺ وعرف في وجهه البشرة لقول الأنصاري، ثم قال: «بهذا أمر الأنصار»، كان أصوب من قول عمر هنا. قال الأنصار: يا رسول الله، توكل على الله، أنفق ولا تخش من الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل لن يخيب ظنك وسيقضي حاجتك، فأعجب النبي ﷺ بهذا التدخل.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن حجر، قال أخبرنا شريف، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معود بن عفراء قالت: «آتاني النبي ﷺ بقناع من رطب، ووعاء وأجر زغب». كانت الأجر هي القطع الصغيرة من الفقوس الذي عليه وبره، وهذا معنى "زغب عليه وبره"، وهذا عادة يكون قبل أن يُغسل كون الوبر موجوداً، فأعطاني ملء كفه حلياً وذهباً.
قال حدثنا علي بن خشرم وغير واحد قالوا: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها؛ كان يكافئ أي شخص يهديه، كان يقبل هديته ويعوضه مقابلها.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في حياء رسول الله ﷺ. حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا مدود قال: حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت عبد الله بن أبي عتبة يحدث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان ذكرها شيئًا عرفناه في وجهه يدل على شدة حيائه في الكلام وفي النظر وفي المسير إلى غير ذلك؛ التي تكون في خدرها فلا تتكلم إلا بكلمات قليلة، هكذا كانت فتيات في الزمن الجميل.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا سفيان عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي عن مولى لعائشة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما نظرت إلى فرج رسول الله ﷺ، أو قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط. هذا حديث ضعيف، وهذا حديث ضعيف ولا يستدل به على عدم جواز نظر كل من الزوجين إلى الآخر في منطقة العورة؛ من البعض استدل به على ذلك، لكن الحديث ضعيف لا يؤخذ منه هذا الحكم، عدم جواز نظر الرجل إلى زوجته أو الزوجة إلى زوجها في هذه المنطقة.
نعم، قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في حجامة رسول الله ﷺ. حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد قال: أنس بن مالك عن كسب الحجام، فقال: احتجم رسول الله ﷺ. يأخذ أجره على الحجامة، كسب الحجام هي الأجرة التي يأخذها على عملية الحجامة.
نعم، قال أنس بن مالك رضي الله عنه عن كسب الحجامة: فقال احتجم رسول الله ﷺ، حجمه أبو طيبة، فأمر له بطيب؛ أبو طيبة هذا مولى عبد كان يحجم النبي ﷺ، فأمر له بصاعين من طعام. إذا أعطاه ماذا؟ له أجره صاعين من طعام، طبعًا اثنين كيلو ونصف تقريبًا يعني خمسة كيلو، أعطاه خمسة كيلو من الطعام. ماذا يدل على جواز أخذ الأجرة وإن كانت ليست أجرة طيبة؟ لذلك قال في الحديث الصحيح: «كسب الحجام خبيث»، يعني ليس شيئًا طيبًا، الأصل الحجام ما يأخذ شيء، لكن إن أخذ هل هو حرام؟ ليس حرامًا بدليل أن النبي ﷺ أعطى الحجام أجره.
لماذا كسب الحجام خبيث؟ قالوا إنه مقابل إخراج دم، يعني ليس عملاً شريفًا حتى تأخذ عليه المال، هو مقابل إخراج دم، فلذلك قالوا الأفضل أن لا يأخذ على ذلك. نعم، قال: «وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه»، وقال: «إن من أمثل أدائكم الحجامة». وكان يدفع خراجًا لمواليه، كل يوم كانوا مكلفين بخراج ثقيل يدفعه كل يوم، فطلب منه أن يكلم أهله، يعني سيده، أن يخفف من أجرته اليومية من خراجه اليومي، فكلمهم قال: خففوا عن هذا العبد من الخراج الذي يدفعه لكم يوميًا. وقال: «إن من أمثل أدائكم الحجامة»، على أن الحجامة لها قدرة على معالجة العديد من الأمراض، فليحرص عليها المسلم قدر المستطاع.
قال حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ورقاء بن عمر عن عبد الأعلى عن أبي جميلة عن علي، أن النبي ﷺ احتجمه وأمرني فأعطيت الحجامة أجرة، على جواز أجر الحجامة.
قال حدثنا عبده عن سفيان عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن النبي ﷺ احتجم في الأخدعين وبين الكتفين، بجانبي العنق، هذان هما العصبان الأخدعان، وبين الكتفين أي في الكاهل، هذه العظمة التي في المنتصف؛ فكان النبي ﷺ يحتجم في هاتين المنطقتين: الأخدعان وفي كاهله عليه الصلاة والسلام، وأعطوا الحجامة أجرة، ولو كان حرامًا لم يعطِه، يعني لو كانت الأجرة حرامًا ما أعطى، فلما أعطاها دل على جواز أخذ الحجامي أجرة.
قال حدثنا هارون إسحاق قال: حدثنا النبي ﷺ دعا حجامًا فحجمه وسأله: «كم خراجك؟» فقال: ثلاثة أصابع، فوضع عنه صاعًا وأعطاه أجره، يرجع فيه لأهل الخبرة والصنعة.
نعم، قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ. قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن نبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي».
قال: «يحشر الناس على قدمي»، أي الناس يجتمعون عنده حتى يشفع لله سبحانه وتعالى ببدء الحساب، هذا معنى يحشر الناس على قدمي، أي الناس يجتمعون عنده حتى يشفع لله سبحانه وتعالى ببدء الحساب، وهذه الشفاعة العظمى له ﷺ يوم العرض الأكبر.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن طريف الكوفي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن حذيفة قال: لقيت النبي ﷺ في بعض طرق المدينة فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، وأنا المقفي، وأنا الحاشر». يروى المقفي باسم المفعول، ويروى المقفي باسم الفاعل، والمقفي باسم الفاعل وقريب، قالوا من معنى العاقب الذي مر معنا قبل قليل، المقفي والذي أتى بعد الأنبياء، فختم به الأنبياء، وقيل المقفي هو الذي يقتفي آثار الأنبياء، أي يهتدي بهداهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، فقيل المقفي هو الذي يأتي بعد الأنبياء وعقيبهم فيختم بهم، وقيل المقفي هو الذي يقتفي آثار الأنبياء، أي يسير على هداهم وعلى نهجهم في التوحيد.
قال: «وأنا الحاشر»، نبي الملاحم، فهو ﷺ أوتي بالسيف والجهاد في سبيل الله والملاحم والمعارك. قد حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن حذيفة عن النبي ﷺ نحوه بمعناه هكذا. قال حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن حذيفة بطريق زر بن حبيش، وروي عن أبي حذيفة من طريق أبي وائل كما هو في السند الأصلي، هذا الحديث له طريقان عن حذيفة وأبي وائل شقيق بن سليم.
نعم، قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في عيش النبي ﷺ، هذا تكرر معنا.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم معنا سابقاً باب البارحة وكرره اليوم، واختلفوا لماذا كرر الترمذي هذا الباب؟ قيل هناك أراد أن يبين الفقر والحاجة، وهنا أراد أن يبين طبيعة الطعام؛ قيل إنه هذا هو سبب التكرار والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى: حديثنا قال حدثنا النعمان بن بشير يقول: «ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقيق ما يملأ بطنه». رديء التمر، رديء التمر نعم.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا عبده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «إن كنا آل محمد ننقص شهراً ما نستوقد بنار»، يعني لا نطبخ شيئاً، هذا معنى لا نستوقد بنار ما في شيء نطبخه شهراً كاملاً، قالت إنه إلا التمر والماء، شهر كامل فقط تمر.
قال حدثنا عبد الله بن أبي زياد قال حدثنا سيار قال حدثنا سهل بن أسلم عن يزيد بن أبي منصور عن أبي طلحة قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا حجراً، حجراً، واحداً فينا واضع على بطنه حجر من شدة الجوع، فاكتشفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم واضع على بطنه حجرين من شدة الجوع»، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه حجرين.
قال أبو عيسى رحمه الله: هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومعنى قوله ورفعنا عن بطوننا عن حجر: كان أحدهم يشد على بطنه الحجر من الجهد والضعف الذي به من الجوع.
قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا شيبان وأبو معاوية قال حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحداً، فأتاه أبو بكر، فقال له: «ما جاء بك يا أبا بكر؟» قال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه وأسلم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟» قال: الجوع يا رسول الله.
خرج من بيته فإذا به يلتقي بأبي بكر في الطريق فقال: «ماذا تفعل يا أبا بكر؟ هذه ساعة لا يخرج فيها أحد»، قد تكون ساعة الظهر ساعة شدة حرب. أبو بكر قال: خرجت أنظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وجدوا في الطريق عمر بن الخطاب فقال: «ماذا خرج بك يا عمر؟» قال: الجوع يا رسول الله، خرجت أفتش على أحد يطعمني.
قال صلى الله عليه وسلم: «وأنا قد وجدت بعض ذلك»، فقد خرج تخيل يخرج من بيته من شدة الجوع يبحث عن طعام ليأكل، هذا القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، لكم في رسول الله أسوة حسنة؛ إذا قلنا النبي صلى الله عليه وسلم كل من هو مبتلى سيجد في النبي صلى الله عليه وسلم عزاءً، من هو مبتلى بالجوع يجد عزاءً منه، مبتلى بفقد الأحبة النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحبته منه، مبتلى بالفقر النبي صلى الله عليه وسلم كان وضعه هكذا، كل من عنده مصيبة يجد أسوة في نبيه صلوات ربي وسلامه عليه.
قال: «الجوع يا رسول الله»، قال صلى الله عليه وسلم: «وأنا قد وجدت بعض ذلك»، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان، وكان رجلاً كثيراً النخل والشاة ولم يكن له خدم، فلم يجدوه فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» فقالت: «انطلق يستعذب لنا الماء»، أي يأتي بماء عذب خالي من الكدر. فلم يلبث أن جاء أبو الهيثم، وقربه يزعجها، فوضعها ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه، كأنه احتضنه، وفداه بأبيه: «أنت وأمي يا رسول الله، ما الذي جاء بك؟»، رحب به وأحسن الترحيب، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو، فوضعوه فيه ثمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا نقيت لنا من رطبه؟» يعني هل اخترت لنا من هذه الرطب بدل ما تعطينا العذق كاملاً، انتقِ لنا منه الرطب الجيد.
فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاره أو تخيروا، ما قطع الرطب، قال: «أردت أنه أنت تختار وأنا أعطيتك كاملاً، وإن تختر ما أحببت منه»، قال: «أو تخيروا من رطبه»، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد ورطب، وماء بارد».
ظل وماء بارد مما سنسأل عنه أمام الله، فما بالك بالمطاعم التي نزور والمشارب والأكل الذي للأسف يكفي القمامة، بعد ذلك تسألون يومئذ عن النعيم، هذا كله سنسأل عنه، إذا كان هذا الشيء اليسير النبي صلى الله عليه وسلم قال ستسألون عنه فما بالك بإسرافنا بالطعام والشراب المباح؟
قال: فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذبحن ذات ضرع»، تذبح لنا شاة لها لبن حتى لا نحرمك من خيرها، اذبح لنا شيئاً صغيراً ليس من ذوات اللبن، فذبح لهم عنقاً أو جدياً، فأتاهم عنق صغير لا يكون من ذوات الضرع، عمره أربعة أشهر، فأتاهم بها فأكلوا.
فقال صلى الله عليه وسلم: «هل لك خادم؟» قال: لا، قال: «فإذا أتانا سبل فاتنه»، أراد أن يكافئوا على هذه الوليمة فقال له: «إذا جاء نسبي من معركة من المعارك آتٍ عوضك إن شاء الله نكافئك»، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأداه أبو الهيثم رأسين، يعني عبدين من معركة من المعارك تم سبيهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اختر منهما»، فقال: يا رسول الله اختر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المستشار مؤتمن، خذ هذا فإني رأيته يصلي واستغفر»، أو هذا الرجل الذي تم أسره قد يكون أسلم وكان يصلي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي الهيثم اختر هذا من السبي، فإنني رأيته يصلي، والمعيار الذي اختار عليه النبي صلى الله عليه وسلم ليس القوة البدنية، قال إنه رأيته يصلي يعني هذا خادم صالح، ثم أخبرها بمعروف، انظروا ماذا فعلت، فانطلق أبو الهيثم لامرأته فأخبرها بقول رسول الله.
النبي ﷺ قال له: «استوصوا بها معروفًا». فقالت امرأته: ما أنت ببالغ الحق. ما قال فيه النبي ﷺ إلا بأن تعتقها، فقال: فهي زوجته الصالحة. قالت النبي ﷺ: «استوصوا بها معروفًا»؛ لن تستوصي به معروفًا أكثر من أنك ماذا؟ أكثر شيء يمكن أن تفعله؟ نعم، قال: فهو عتيق. فقال ﷺ قبل هذه النصيحة من زوجته واعتق هذا العبد.
فقال ﷺ: «إن الله لم يبعث نبيًا ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تأله خباله، ومن يوقَ بطانة السوء فقد أوقي». ما وجه دلالة هذا اللفظ هنا؟
أحسنت؛ إن زوجة هذا الرجل كانت امرأة صالحة وبطانة خير لزوجها لما نصحته بهذه النصيحة، فنعمة الذخيرة أن تدخر زوجة صالحة وأن يوفقك الله إلى أمر رأى بهذه العقلية. العقلية هذه الزوجة، زوجة أبي الهيثم بن تيمية.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجاهد بن سعيد، قال حدثني أبي، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: «إني لأول رجل أهرق دمًا في سبيل الله عز وجل، وإني سعد بن أبي وقاص أول مرة ما رمى بسهم في سبيل الله، أول مرة ما رمى بسهم في سبيل الله في أيام مكة، هو سعد بن أبي وقاص، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله. لقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد ﷺ ما نأكل إلا ورق الشجر والحبلى حتى...».
وهذا يدل على شدة الفقر عند الصحابة في البداية؛ كانوا يغزون وفي السفر ماذا يأكلون؟ يأكلون أوراق الشجر وأوراق شجرة الحبلى، هذه ينظروا عليها، تجدونها في السوشيال ميديا، شجرة الحبلى ورقتها صغيرة هكذا. قال رضي الله عنه: «حتى تقرحت أشدقنا»، يعني حتى هنا تقرحت وأصبح في دماء؛ لأن الورق ناشف، والورق الناشف ليس شيئًا جيدًا، وإن أحدنا لا يضع كما تضع الشاة والبعير؛ يعني إذا عافاكم الله ذهب إلى الغائط الناشف، ما في أي شيء يخرج معه، ما في شوربات، ما في سيولة، بالتالي الذي يخرج منها مثل بعر الشاة أو الغنم.
قال رضي الله عنه: «وأصبحت بنو أسد يعزرونني»، هم أهل الكوفة الذين تآمر عليهم سعد بن أبي وقاص. وسعد متى قال هذا الحديث؟ لما أهل الكوفة شكوه إلى عمر بن الخطاب وقالوا إنه لا يحسن الصلاة، فسعد قال: والله ما ضل إلا بنو أسد يتكلمون عني! أنا الذي أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأنا الذي غزوت وكنا نأكل في الغزو كل هذه الأمور، الآن في خلافة عمر بنو أسد يشكوني إلى عمر وأنا أحسن الصلاة! أمثالكم يقولون عني؟ وأنا منفعل، قدر رضي الله عنه، وأصبحت بنو أسد يعزرونني في الدين، يقولون لعمر إن سعد بن أبي وقاص لا يحسن الصلاة، تخيل هؤلاء الجهال! لقد خبت وخسرت إذاً وظل عملي.
قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا صفوان بن عيسى، قال حدثنا عمرو بن عيسى أبو نعامة العدوي، أنا سمعت خالد بن عمير وشويسا أبا الرقاد قال: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان وقال: «انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنت في أقصى بلاد العرب وأدنى بلاد العجم فاقبله». حتى إذا كانوا بالمربد، وأدنى بلاد العجم هنا تنتهي الجملة، بعدين: «فاقبلوا حتى إذا كانوا بالمربد». هذا الذي يظهر للعبارة، أقبلوا حتى إذا أقبلوا يعني اتجهوا. عمر أمر عتبة بن غزوان أن يذهب إلى قرية تقع بين بلاد العرب وبلاد العجم، وأمره أن يستقر عندها لكثرة الغارات التي تأتي على بلاد الإسلام من هذه القرية.
قال: فاقبلوا، وإذا ذهبوا بالاتجاه الذي أمرهم عمر بن الخطاب حتى وصلوا إلى المربد، قال: «فاقبلوا حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان»، فقالوا: هو، قالوا الحجارة اللينة، حجارة بيضاء لينة رخوة. فقال له: ما هذه؟ قالوا: هذه البصرة. فصاروا حتى إذا بلغوا البعض، قال: ليس هي البصرة، بيضاء خفيفة هكذا. قال: البعض. نعم، قال: فساروا حتى إذا بلغوا حيال الجسر الصغير فقالوا: ها هنا أمرتم، فنزلوا. يعني هذه هي أقصى بلاد العرب وأدنى بلاد العجم، يعني التي أمركم عمر أن تنزلوا عندها وأن تكونوا مرابطين فيها، فنزلوا فذكروا الحديث بطوله.
فقال عتبة بن غزوان: «لقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ، أنا كنت سابع سبعة ﷺ في بداية ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشدقنا، فالتقطت بردة قسمتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبع أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار». ستجر السبعة كنا مع النبي ﷺ في بداية الأمر وكنا لا نأكل إلا أوراق الشجر، الآن في خلافة عمر كل واحد منا أصبح أميرًا على بلد من البلدان. تغير الحال وتبدلت، والله يغير من حال إلى حال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]. كل الصحابة الذين كانوا فقراء ولا يجدون شيئًا في بداية البعثة أو أكثرهم، ممن استمر رزقهم الله وكفاهم.
قال رضي الله عنه: «وستجرون الأمراء بعدنا، راح تعرفوا بعدين الأمراء اللي جايين من الدلال والتنعم، وستحمدوننا حينئذ». قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا روح بن أسلم أبو حاتم البصري، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، أخاف وأنا أنام الليالي وأنا خائف من المشركين والناس آمنون». خفت في الله، في سبيل الله، وما كان أحد يخاف إلا أنا، وهذا في بداية البعثة قبل أن يسلم معه أحد. «ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام». كانوا في مكة هو وبلال بن رباح، وما لي ولبلال طعام يأكله كائن حي! يعني ما معنى طعام يأكله كائن حي؟ إلا شيء كان يضعه ويخبئه بلال تحت إبطه، أنت متخيل كمية جيدة؟ نعم، قال: إلا شيء يواريه إبط بلال، كمية قليلة جدًا.
قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا عفان بن مسلم، قال حدثنا أبان بن يزيد العطار، قال حدثنا عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفافه.
قلنا ما معنى الضفف؟ إلا إذا تمت استضافته، يعني عند شخص من الأشخاص. قال بعضهم: هو كثرة الأيدي، وكثرة الأيدي يعني الطعام الذي يجتمع عليه الأيدي، وهذا تكثر فيه البركة فيحصل الشبع بسبب بركة الاجتماع على الطعام.
قال رحمه الله: حدثنا عبيد بن حميد، قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فليكة، قال حدثنا ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن نوفل بن ياسر الهذلي قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليسه، وكان نعم الجليس، وإنه انقلب بنا ذات يوم، حتى إذا دخلنا بيته ودخل فاغتسل، ثم خرج وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن، فقلت له: يا أبا محمد، ما يبكيك؟ فقال: هلك رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، فلا أرانا أخرنا لما هو خير لنا.
هو رأى أن هذه المرحلة وأنهم أصبحوا يأكلون الخبز واللحم والأمور الجيدة، أن هذا ليس شيئًا خيرًا، أننا أُجلنا لهذا الزمن من النعيم. هكذا كانت نظرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يخشون أن يكون نعيم الدنيا عوضًا عن نعيم الآخرة.
قال رحمه الله: باب ما جاء في سن رسول الله ﷺ، كان عمره عند وفاته حين توفي ﷺ. قال حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا زكريا بن إسحاق، قال حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: فلبث النبي ﷺ بمكة ثلاثة عشر سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير، عن معاوية، أنه سمعه يخطب قال: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر، وأنا ابن ثلاث وستين. قال معاوية: وأنا الآن ابن ثلاث وستين، فربما أموت وألحقهم في هذا العمر.
قال حدثنا حسين بن مهدي: النبي ﷺ، أبو بكر وعمر كلهم ماتوا على عمر ثلاث وستين، كلهم ماتوا على عمر ثلاث وستين سنة. قال حدثنا الحسين البصري، قال حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال حدثنا حبان بن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا خالد، عن عمار المولي بني هاشم، قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين. ليست صحيحة، هذه رواية ليست صحيحة، ليس خمسة.
قال حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن أبان، قال حدثنا معاذ بن هشام، قال حدثنا قتادة، عن الحسن، عن دغفل بن حنظلة، أن النبي ﷺ قبض وهو ابن خمس وستين. قربوا عيسى رحمه الله، وتقفلوا؛ لا نعرف له سماعًا من النبي ﷺ، وكان في زمن النبي ﷺ رجل، هو صحابي لكنه لا نعلم له رواية عن النبي ﷺ، وكان هذا نوع من تهويله لهذا الحديث، أنه هذا الرجل ليس معروفًا برواية الحديث.
قال حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال حدثنا مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالأدم، وإنما كان كما قلنا أبيض أشرب بالحمرة، ولا بالآدمي، ولا بالسبط. بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة.
حذف الكسر، البعض ضعف هذه الرواية من البخاري رحمه الله، يعني ضعف رواية ابن عباس لهذا الحديث أو استنكرها. قال: وليس في رأسي أن رواية ثلاث وستين أصح عندي من رواية ابن عباس. قال: وليس في رأسي ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قال حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، النحو.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في وفاة رسول الله ﷺ، لأنه أخر هذا الباب إلى ختام الكتاب، أخر هذا الباب إلى ختام كتابه بمبدأ في وفاة النبي ﷺ، وهو: «ابتليت الأمة بمصيبة أعظم من مصيبة فقد النبي ﷺ»، لم تقتل الأمة بمصيبة أعظم من هذه المصيبة، وسيأتي معنا الحديث في ذلك.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريج، وقتيبة بن سعيد، وغير واحد، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ، كشف الستار يوم الاثنين. النبي ﷺ يوم الاثنين، وهو يوم وفاته، في الصباح كشف الستر عند صلاة الفجر ونظر إلى الصحابة وهم يصلون الفجر، فتبسم واطمأن على أمته، ثم بعد ذلك أغلق الستر.
فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، منور مضيء، كأنه ورقة مصحف، والناس خلف أبي بكر، فأشار إلى الناس الفجر خلف أبي بكر الصديق في المسجد، فأشار إلى الناس أن يثبتوا، وأبو بكر، إن النبي ﷺ لعله تعافى، فكانوا يريدون أن يتقدموا لأبي بكر، فكأنه يقول: اثبتوا، لأن الوجع كان شديدًا.
قال: وأبو بكر، وألقى السجف، يعني أغلق الستار، ثم أغلق الستار وعاد إلى فراشه بعد أن صلى الفجر ﷺ، وتوفي رسول الله ﷺ من آخر ذلك اليوم والسلام عليه ﷺ.
قال حدثنا حميد بن مسعدة البصري، قال حدثنا سليمان، عن الأسود، عن عائشة قالت: كنت مسندة للنبي ﷺ إلى صدري، أو قالت إلى حجري، فدعا بتسطير ليبول فيه، ثم بال، فمات ﷺ بعدها بفترة قصيرة.
قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن موسى بن سرج، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو...
يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت»، لأنها أشد الناس بلاء عند الموت، الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. سكرات الموت على الأنبياء تكون شديدة، والصالحون كذلك تكون سكرات الموت عليهم شديدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم ضعفنا.
قال رحمه الله: حدثنا حسن صباح البزاز، قال: حدثنا مبكر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة قالت: «لا أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ».
معنى هذا الحديث أنها تقول: أنا لا أرى أن الموت السهل مكسب. ما معنى قول «لا أغبط أحدا بهون الموت»؟ أي لا أعتبر مكسبا أن الموت يكون سريعا، لأن النبي ﷺ موته ما كانت سريعة، كان فيها سكرات شديدة وتعب وإرهاق، وليس سهولة الموت مكسبا. قالت عائشة: «لا أغبط أحدا بهون الموت» أي بسهولة خروج روحه بعدما رأيت من شدة الموت على النبي ﷺ. فإذا رأيت إنسانا يموت موتا فيه سكرات شديدة، فليس دليلا على السوء، بل قد يكون دليلا على الصلاح؛ شدة سكرات الموت عليه.
قال رحمه الله: حدثنا أبو كريم محمد بن العلاقة، حدثنا أبو معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر -وهو ابن المليكي- عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته، قال: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه».
قال: حدثنا محمد بن بشار، وعباس العنبري، وسوار بن عبد الله، وغير واحد، قالوا: حدثني سعيد، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنه وعائشة، أن أبا بكر قبل النبي ﷺ بعد ما مات.
قال: حدثنا النصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبي عمران الجوني، عن يزيد بن أبانوس، عن عائشة، أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه، وقال: «ونبيه وصفيه وخليله»، وهذا الحب الذي بين أبي بكر لا يخفى على أحد.
قال: حدثنا بشر بن هلال الصواف البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منه كل شيء. وما نفضنا أيدينا من التراب وإنا لفي دفن رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا؛ يعني اندهشنا اندهاشا شديدا: كيف فقدنا النبي ﷺ! المعقول الآن أن المدينة لا يوجد فيها النبي ﷺ، هذا معنى «أنكرنا قلوبنا»، يعني شعرنا بالتعجب والاندهاش والغرابة: كيف سنعيش في المدينة بعد وفاة النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه؟
قال: حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثنا عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين.
قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قبض رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء، ودفن من الليل. وقال سفيان وغيره: يسمع صوت المساحي من آخر الليل، التي يحفر فيها القبر، والمساحي هي المجارف التي كانوا يحفرون بها القبر.
وإذا كان المقصود أنه دفن ليلة الثلاثاء، فهذا ضعيف، وإنما الصحيح أنه دفن الثلاثاء ليلة الأربعاء وليس ليلة الثلاثاء، إذا كان قصد «وليلة الثلاثاء» أنه دفن الاثنين ليلة الثلاثاء فهذا ضعيف، ووقع خلافه بين أهل العلم: هل دفن ليلة الثلاثاء أو ليلة الأربعاء؟ والأشهر أنه دفن ﷺ ليلة الأربعاء.
قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء. قال أبو عيسى رحمه الله: هذا حديث غريب، يوم الثلاثاء إذا كان المقصود نهارا ليس بصحيح، وإنما المشهور أنه دفن ليلة الأربعاء، هكذا قالوا.
قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، قال: حدثنا سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد -وكانت له صحبة- قال: أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟» فقالوا: نعم، فقال: «أمروا بلالا ليؤذن»، وأمروا أبا بكر أن يصلي بالناس.
تفوه به النبي ﷺ لأهمية أن يستيقظ يقول: «أحضرت الصلاة؟»، اليوم الإنسان ربما ينام وهو غافل عنها، النبي ﷺ يعطينا درسا عن قيمة الصلاة وأهميتها وهو يعالج سكرات الموت، أهم شيء عنده: هل صلت أمته؟ هل الناس في المسجد يصلون؟ هذا الذي كان يشغل خاطره في هذه اللحظات الأخيرة.
فقال: «أحضرت الصلاة؟» فقالوا: نعم، فقال: «أمروا بلالا فليؤذن، وأمروا أبا بكر فليصل بالناس». فقالت عائشة: «إن أبي رجل أسيف»، يعني كثير البكاء لا يملك دمعته، إذا قرأ القرآن دائما يبكي، فلا يصلح.
فعلا كانت لا تريد أباها أن يؤم لهذا السبب، لا، عائشة كانت تريد أن لا يؤم أباها حتى لا يتشائم الناس به، أنه إذا أم شخص مكان النبي ﷺ في هذا الموقف الناس خلاص ما راح تحبه، سيتشاؤمون به، فقالت: «ما بدي»، لكنها اعتذرت بهذا العذر، يعني عذر ليس هو حقيقة الأمر، عندها في قلبها أنه إذا قام ذلك المقام بكى فلا يستطيع، فلو أمرت غيره.
قال: ثم أغمي عليه فأفاق، فقال: «أمروا بلالا فليؤذن، وأمروا أبا بكر فليصل بالناس». فإن كنا من صاحبات يوسف؛ يعني أنتم تشبهون -يقول لعائشة- يعني أنت مثل أخوة يوسف، أظهرت أمرا وقصدت شيئا آخر. أخوة يوسف ماذا قالوا لأبيهم؟ «أرسل معنا يرتع ويلعب»، لكنهم كانوا يريدون أن يلقوه في البئر، وكذلك أنت يا عائشة تقولين إن أباك أسيف، لكن الأمر ليس هكذا، أنت كتبت في نفسك أنك لا تريدين أن يتشائم الناس.
لذلك شبهها بإخوة يوسف؛ أظهروا شيئًا وأضمروا شيئًا، وهكذا عائشة أظهرت عذرًا لكن لم يكن هو العذر الحقيقي وأضمرت عذرًا آخر، هذا معنى تشبيهها بإخوة يوسف.
قال: فأمر بلال فأذن، وأمر أبو بكر فصلى بالناس. ثم إن رسول الله ﷺ وجد خفه فقال: «انظروا من أحد الأغماءات»، وجد نشاطًا فأراد أن يخرج ليصلي مع الناس في المسجد، فقال: «انظروا لي من أتكيء عليه؟». فجاءت بريرة ورجل آخر فتكأ عليهما. فلما رآه أبو بكر وعلي بن أبي طالب، فلما رآه أبو بكر ذهب لينقض، فأومأ إليه أن أراك يتراجع عن الإمامة، فأومأ إليه أن يثبت مكانه حتى قضى أبو بكر صلاته.
ثم إن رسول الله ﷺ قبض، فقال عمر: «والله لا أسمع!». تعرفون في البداية لم يصدق ذلك، فقام من قال: إن محمدًا ﷺ قد مات، ضربت عنقه! إنا ما عندنا مزاح، «والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله ﷺ قد قبض إلا ضربته بسيفي». وكان الناس أميين، لم يقل فيهم نبي قبله، يعني الناس ما كان عندهم دراية بالرسل السابقين أنهم يموتون. فلما عمر كان يعتقد أن النبي ﷺ ذهب فقط للقاء الله كما ذهب موسى للقاء الله وسيعود. العرب كانوا أميين ليس لهم أنبياء، فما كانوا يعتقدون أو يتصورون أن الأنبياء يمكن أن يموتوا.
لكن من الذي ثبت في هذا الموقف؟ أبو بكر الصديق كما سيأتي معنا. فأمسك الناس، فقالوا: يا سالم انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ، ليس لديهم كتاب سابق. قال: انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ فادعه. فأتيت أبا بكر وهو في المسجد، أتيت إليه وأبكي دهشًا، فلما رآني قال: «أقبض رسول الله ﷺ؟» قلت: إن عمر يقول لا أسمع أحدًا يذكره أن رسول الله ﷺ قد قبض إلا ضربته بسيفي هذا. فقال: «لينطلق»، فانطلقت معه فجاءه والناس قد دخلوا.
ذهبوا إلى النبي ﷺ إلى مكان وفاته، فجاء هو والناس قد دخلوا على رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيها الناس افرجوا لي»، فافرجوا له، فجاء حتى اكب عليه ومسه فقال: «إنكم ميتون وإنهم ميتون». أبو بكر تذكر الآية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. الموت سيدوقه الجميع حتى النبي ﷺ. ثم قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ، أقبض رسول الله ﷺ؟ قال: «نعم». يا أبا بكر، أقبض رسول الله ﷺ؟ قال: «نعم»، هذه الحقيقة لا مفر منها.
فعلموا أنه قد صدق، قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ، أصلِّ على رسول الله ﷺ؟ قال: «نعم». كيف نصلي الجنازة عليه؟ كيف سنصلي الجنازة على النبي ﷺ؟ ماذا قال؟ قال: «نعم». قالوا: كيف؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون، ثم يدخل قوم. النبي ﷺ لم يؤم أحد عليه الجنازة، لم يؤم أحد، بل كانت الجنازة وكان الناس يدخلون جماعات، كلهم يصلون وحده ويخرجون، ولم يؤم أحد في صلاة الجنازة على النبي ﷺ، هكذا أمرهم أبو بكر. لأنه لو كان شخص واحد ماذا سيحدث؟ كل شخص يريد أن يأخذ شرف إمامة الجنازة على النبي ﷺ، فكان من حكمته أنه قال: خلاص، لا أحد يقوم، كل واحد يصلي، يدخلون جماعة يصلون وتخرجون، حتى لا يعطف خلاف كبير بين المهاجرين والأنصار في إمامة الجنازة.
ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون حتى يدخل الناس. وقالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ، أيدفن رسول الله ﷺ؟ قال: «نعم». قال: أين؟ موضوع طبيعي هم مندهشون، موضوع طبيعي عادي، ندفن النبي ﷺ. قال: أين؟ قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب. فعلموا أنه قد صدق.
ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه، واجتمع أولاد عمه علي والعباس وكتثم وغيرهم. واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلق في الخلافة. تتشاورون في ماذا؟ في الخلافة، من الذي سيتولى الخلافة؟ وهذا كان قبل دفنه؛ لأن هذا الأمر كان أهم وأعظم، لذلك بدأوا به قبل إجراءات الدفن. فقال: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر في موضوع الخلافة. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال عمر بن الخطاب: من له مثل هذه الثلاث؟ لا إلا أبو بكر. ما هي الخصال الثلاث؟ هي التي في هذه الآية: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. هذه لم تقل إلا في أبي بكر؛ إن الله قال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، وإن الله سماه صاحبًا للنبي ﷺ، وإن النبي ﷺ قال له: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ يا أبا بكر، فمعية الله معه. فهذه الخصال الثلاث في هذه الآية لم تجتمع إلا بأبي بكر، وحق الناس بالخلافة. قال: من هما؟ قال: ثم بسط يده فبايعه، وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة.
قال حدثنا نصر بن علي، قال حدثنا عبد الله بن الزبير، شيخ باهري قديم بصري، قال حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك. من هما؟ هما أبو بكر والنبي ﷺ. إذا عرفتم منزلة أبي بكر فقوموا فبايعوا، هذا معنى قوله: من هما؟ أي من هما ثاني اثنين؟ وهذا سؤال إقراري، يعني أنتم تعرفون من هما ثاني اثنين.
قال حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله ﷺ من قرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: كرباه! فقال النبي ﷺ: «لا كرب على أبيك بعد اليوم، معدودة وسينتهي الكرب يا فاطمة، هي دقائق معدودة وينتهي، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدًا الموافاة يوم القيامة، ودعها وقال اللقاء»، هكذا الختام، الموافاة يوم القيامة، نلتقي يا فاطمة يوم القيامة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري ونصر بن علي، قال حدثنا عبد ربه بن مبارك الحنفي، قال سمعت جدي أبا سماك بن الوليد، يحدث أنه سمع ابن عباس يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان له سرطان من أمتي أدخله الله تعالى به الجنة». فقال له طفلان صغيران: سبقاه! الله عز وجل سيدخله الجنة طبعًا إذا...
سبقا فصبر واحتسب ولم يجزع ولم يصخر من مات له فرطان؛ طفلان صغيران ماتا قبله، أدخله الله الجنة بشرط أن يصبر ويرضى بقضاء الله وقدره. فقالت عائشة: «فمن كان له فرط من أمتك له طفل واحد؟»، قال: «ومن كان له فرط؟»، يا موفقة! وسماها موفقة؛ لأنها وسعت على الأمة، فجعل من له فرط كما له فرطان.
قالت: «فمن لم يكن له فرط من أمتك؟»، قالت: «ذلك»، هي ذلك؛ لأنه ما عندها أطفال فأرادت أن تدخل تحت هذا الخير. عائشة رضي الله عنها، فقال صلى الله عليه وسلم: «فأنا فرط لأمتي»، لن يصاب بأمتي بمصيبة أعظم من مصيبة فقد النبي صلى الله عليه وسلم. فكل من ابتلي بفقد حبيب أو قريب فليتذكر مصيبته بفقد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أعظم شخص فُقد من هذه الدنيا ببدنه صلوات ربي وسلامه عليه.
قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا حسين بن محمد، قال حدثنا إسرايل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث أخي جويرية -لها صحبة- قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها صدقة. هذه كل ورثة النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا أبو الوليد، قال حدثنا محمد بن سلم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: «من يرثه؟»، قالت: «أهلي»، فقال: «أهلي وولدي»، قالت: «فما لي لأرث أبي؟». فغضب أبو بكر؛ سمعت أن الأنبياء عمومًا لا يورثون، لكن فاطمة ما كانت تعرف هذا الحكم، لم تسمع الحديث، فتعجبت لماذا أبو بكر منعها من الميراث، فقالت له: «يا أبا بكر، إذا أنت مت من يرثك؟»، قال: «أبنائي وأهلي»، قالت: «ثُمَّ لَا أَعْرِفُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا ابْنَتُهُ!». وهي لم تكن سمعت بالحديث أن الأنبياء لا يورثون، فأخبرها أبو بكر بالحديث، فبقي في قلبها شيء.
فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نُورِثُ»، ولكننا نعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله، وأنفقوا على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه. وظيفة كل الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعولوا آل النبي صلى الله عليه وسلم وينفقوا عليهم، ولا يجعلوهم يقعون في الفقر والفاقة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا يحيى بن كثير، عن أبي غسان، قال حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري: أن العباس وعليًا جاءا إلى عمر يختصمان، يقول كل واحد منهما: أنا أولى. أبو بكر الصديق هو الذي تولى أموال النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته للإنفاق على عياله، كان في أرض هي التي تخرج لزوجاته مؤونة السنة، وكان أبو بكر هو المسؤول عن هذه الأرض ويدفع للزوجات مؤونة السنة.
لما جاء عمر بن الخطاب، في البداية هو الذي تولى هذه الأرض، حتى جاء العباس وعلي واختصما وقالا: يا عمر، نحن نريد أن نولي هذه الأرض ونقسم المؤنة على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لهم عمر: خلاص، تولوها جملة؛ أنتم الاثنين العباس وعلي تولوا أرض النبي صلى الله عليه وسلم وخذوا الغلة وقسموها على الزوجات.
فلما تولى علي والعباس بعد ذلك اختصما، كل واحد صار يريد أن يأخذ قسمًا من الأرض ويتولاها وحده، فقال لهم عمر: لا، أنا ما بقسم الأرض بينكم، كل شخص منكم يتولاها خذوها جملة؛ لأنني إذا قسمتها بينكم كان كأني قسمت ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، والورثة لا تقسم ولو شكليًا. رفض عمر أن يقسمها ولو شكليًا ولو إداريًا، قال: «يا عباس ويا علي، تديرانها معًا، أما أن نقسمها بينكم كل شخص يدير منطقة، فهذا لن أفعله معكم».
وهذا الذي حدث، اختصموا، فقال عمر: إن العباس وعليًا جاءا إليّ يختصمان، يقول كل واحد منهما لصاحبه أنت كذا وأنت كذا، وقرروا أن الأراضي بينهما ليست ورثة يقتسمونها كإدارة، لكن حتى كإدارة عمر رفض وقال: هذا يشبه القسمة، فإني أرفض حتى تقسيم الإدارة. فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد: أنشدكم بالله، سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورِثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»؟ وفي الحديث قصة، وعمر استشهد بهذا الحديث حتى يمنع القسمة الإدارية، وقال: لا أقسمه بأي شكل من الأشكال.
حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا صفوان بن عيسى، عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نُورِثُ، فَمَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ». حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُقْسَمُ وَرَثَةُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَعِيَالِي فَهُوَ صَدَقَةٌ».
ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يُعطى وقفًا يُصرف على عياله، إنه راتب مقابل قيامه بخلافة المسلمين، وقيل: عامل هو خادمه الذي كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلفوا في معنى العامل هنا.
حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: دخلت على عمر، فدخل عليه عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نُورِثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»، فقالوا: اللهم نعم. وفي الحديث قصة طويلة على الحديث.
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حميش، عن عائشة، قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا»، قال: وأشك في العبد والإماء، يعني هل ترك عبدًا أو إماء؟ والظاهر نعم أنه ترك عبدًا.
باب ما جاء في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. قال حدثنا محمد بن بشار: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رُئي في المنام -هل يمكن أن يتمثل الشيطان على صورته في المنام؟- الشيطان لا يتمثل بصورته في المنام، فمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقد رآه حقًا. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا سفيان.
عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «مَن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي».
فقد رآني حقه، لا يمكن للشيطان أن يأتي على صورة النبي ﷺ. الشيطان يأتي على صورة أبيك، على صورة أخيك، على صورة أي شخص ويضحك عليك، لكن لا يأتي على صورة النبي ﷺ. لكن هذا ينبني على معرفتك بأوصاف النبي ﷺ الخلقية؛ لذلك اهتممنا في بداية هذا الكتاب أن نحفظ صفة النبي ﷺ الخلقية، حتى إذا رآه أحدكم في المنام -ونسأل الله أن يبلغنا ذلك- يقول فعلاً هو. فبالتالي عرف أن هذه صفاته بعد أن تعلمها ودرسها.
قال حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعب، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتصور أو قال لا يتشبه به».
حدثنا قتيبة، قال حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني». قال أبو عيسى رحمه الله: وأبو مالك رحمه الله هذا هو سعد بن طارق بن أشيم، وطارق بن أشيم ما هو من أصحاب النبي ﷺ، وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث. سمعت علي بن حجر يقول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ وأنا غلام صغير. عمرو بن حريث من التابعين. خلف بن خليفة الذي ورد في الإسناد هذا هو من التابعين، قال: رأيته عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ وأنا غلام صغير؛ إذاً هذا يدل على أن خلف بن خليفة تابع لكنه من صغار التابعين.
قال حدثنا قتيبة هو ابن سعيد، قال حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، قال حدثني أبي أنه سمع به هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي». قال أبي فحدث به ابن عباس، فقلت قد رأيته، فذكرت الحسن بن علي، فقلت شبهته به، فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه.
قال له رجل جاء إلى ابن عباس: رأيت النبي ﷺ، فقال ابن عباس له: صفه لي، فقال: يشبه الحسن بن علي في صفاته. فقال ابن عباس له: صدقت، النبي ﷺ كان يشبه الحسن بن علي، والحسن بن علي كان يشبه النبي ﷺ في خلقته.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر، قال حدث عوف بن أبي جميل عن يزيد الفارسي -وكان يكتب المصاحف-: إلا رأيت النبي ﷺ في المنام زمن ابن عباس؟ قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني». هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم؟ قال: نعم، أنعت لك رجلاً بين الرجلين، جسمه ولحمه بين الرجلين.
يعني رجلاً ليس بالطويل ولا بالقصير، هذا معنى رجل بين الرجلين أي معتدل، وهو معتدل في أكثر من شيء ومنها طوله ﷺ. قال: جسمه ولحمه أسمر إلى البياض. أسمر إلى البياض؛ ربما مر معنا أن الرواية المشهورة أنه كان أزهر اللون، وهو كلمة أسمر قلنا البعض جعلها شاذة وأنه تفرد بها حميد الطويل عن أنس بن مالك، لكن البعض لم يجعلها شاذة وقال السمرة أراد بها بياضاً مشرباً بالحمرة.
قال: أكحل العينين، حسن الضحك، جميل الدوائر الوجه. ومر معنا أن وجهه دائري، لكن ليس كمال الاستدارة لأن لا يكون دائرياً تماماً. قال: ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه ﷺ، قال: قد ملأت نحره، قال: ما بين هذه وهذا؛ لأنها ملأت من هنا إلى هنا، بدأت منطقة النحر.
قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا النعت. فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته. فوق هذا يعني أنت نعتته صح، يعني لو رأيته في اليقظة لكنت كما رأيته في المنام، هذا يدل على أنه نعته نعتاً صحيحاً.
قال أبو عيسى رحمه الله: ويزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، وهو أقدم من يزيد الرقاشي، وروى يزيد الفارسي عن ابن عباس أحاديث، ويزيد الرقاشي لم يدرك ابن عباس؛ وهو يزيد بن أبان الرقاشي، وهو يروي على نفسه. فهناك فرق بين يزيد الفارسي ويزيد الرقاشي، يزيد الفارسي سمع من ابن عباس، ويزيد الرقاشي لم يسمع، فهذا حتى لا يحدث تصحيف في المستقبل، أراد أن يوثق هذه المعلومة حتى لا يحدث تصحيف في الاسم. وقال: ويزيد الفارسي ويزيد الرقاشي كلاهما من أهل البصرة، وعوف بن أبي جميل هو عوف الأعرابي.
قال حدثنا أبو داود سليمان بن سلم البلخي، حدثنا أن نضرب العربي، أنا أكبر من قتادة. قال حدثنا عبد الله بن أبي زيادة، قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال حدثنا ابن أخي ابن شهاب بن الزهري عن عمه، قال قال أبو قتادة: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في النوم فقد رأى الحق».
قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا معمر بن أسد، قال حدثنا عبد العزيز بن المختار، قال حدثنا ثابت، أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل به». وقال: «ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، رؤيا المؤمن حق».
رؤيا المؤمن جزء من ٤٦ جزءاً من النبوة، وهذا يدل على أن النبوة قسمت إلى ٤٦ جزءاً. هي كم مدة بعثة النبي ﷺ؟ ٢٣ سنة، لو قسمناه كل سنة إلى ستة أشهر تطلع كم؟ ٤٦. من هنا جاء الرقم ٤٦، لمدّة الإسلام ومدّة بعثة النبي ﷺ ٢٣ سنة، لو قسمناها إلى ستة أشهر ستكون كم؟ إذاً ستة وأربعين قسم صحيح. أول ستة أشهر من حياته في النبوة أيش كانت الرؤية الصالحة؟
في المنام، لذلك قال إن الرؤيا الصالحة جزء من 46 جزءًا من النبوة؛ لأن النبي ﷺ أول ستة أشهر من بعثته لم يكن يأتيه جبريل، وإنما كانت تأتيه الرؤيا الصالحة في المنام، فتأتي مثل فلق الصبح كما جاء في الأحاديث الصحيحة. فلذلك جعل النبي ﷺ رؤيا المؤمن جزءًا من 46 جزءًا من النبوة، باعتبار أنه أول ستة أشهر من حياته كان يعتمد على الرؤية الصالحة وليس على جبريل عليه السلام.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن علي، قال سمعته أبي يقول: قال عبد الله بن المبارك: «إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر». ليبين قيمة أن يقرأ الأحاديث ويتعرف عليها، ليس لهما علاقة بالباب، ختم بهما ليبين قيمة أن يتعرف الإنسان ويقرأ ويتلو أحاديث النبي ﷺ ويتفقه فيها. فذكر الحديث الأول عن عبد الله بن المبارك: «إذا ابتليت بالقضاء»، إذا أصبحت قاضيًا فعليك أن تهتم بالآثار وأحاديث النبي ﷺ فهي ستعلمك كيف تقضي، وهذا يدل على أهمية اهتمام مسلم بأحاديث النبي ﷺ أيضًا.
الحديث الثاني: قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن علي، قال حدثنا ضرب ابن شمين، قال أنبأنا عوف، عن ابن سيرين قال: «هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». وهذا كلام ابن سيرين؛ هذا الحديث الذي تقرؤونه دين، وهذا يدل على أهمية الاحتياط في السند. «هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»، اعرفوا من هم الرجال الذين ينقلون لكم الأحاديث حتى لا تأخذوا إلا الأحاديث الصحيحة، وتبتعدوا عن الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والمقولة على النبي ﷺ.
وختامه كتاب الشمائل للإمام التلميذي، وهو من أنفع وأعظم وأفضل الكتب التي كتبت في خصال النبي ﷺ في مختلفة الأبواب والميادين. لذلك يجب على المسلم أن يحسن قراءته وفهمه ومعرفة غريبه وما فيه من الحكم وما يستنبط منه، ويبدأ بتعليمه للناس. هذه أمانة نحن ننقلها لكم لتنقلوها للأجيال القادمة من هذه الأمة، أمانة نقل أحاديث النبي ﷺ وصفاته وخصاله للأجيال اللاحقة، تُنقل كابرًا عن كابر وجيلًا عن جيل، ونلقي هذه الأمانة في أعناقكم بأسانيدنا المتصلة إلى العلامة التلميذي رحمه الله تعالى، عليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ننتقل الآن إلى القواعد الفقهية. قلنا ما تعريف القاعدة الفقهية أحبابي الكرام؟ هي: حكم كلي ينطبق على جزئيات كثيرة في أبواب متعددة. ونحرص على بعض المفاهيم القليلة التي يجب أن لا ننساها؛ كل القواعد الفقهية تقسم إلى ثلاث مراتب: القواعد الكلية، الكبرى، والصغرى والمذهبية.
القواعد الكلية الكبرى ما هي؟ خمسة، والبعض جعلها ستة: الأولى: الأمور بمقاصدها. الثانية: اليقين لا يزول بالشك. الثالثة: المشقة تجلب التيسير. الرابعة: لا ضرر ولا ضرار. الخامسة: العادة محكمة. وأظن أننا درسنا أربعًا من القواعد الكبرى، وحقيقة السعدي أغفل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، هذه كنت أتمنى أنه ذكرها، لكن سبحان الله الكمال صعب. كان الأصل أن يذكرها لأنها من القواعد الكلية الكبرى، لكنه أغفل ذكرها ونعذره، فقد أصنف هذا الكتاب في عمر صغير، والإنسان لما يصنف في الصغر ليس كما يصنف في الكبر، فلعله غفل عن هذه القاعدة وإن كان ذكر بعض القواعد التي قد تدخل تحتها.
والقاعدة السادسة وهي الكبرى حقيقة، وتشمل الدين؛ أن الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد. هذه أمور أرجو أن تخرج من هذه الدورة وقد حفظتموها كأسماءكم.
القاعدة التي وصلنا إليها، نحن بدأنا في القواعد الأصولية في المجلس السابق، قلنا هذه المنظومة وإن كانت هي في القواعد الفقهية، لكن مع ذلك الناظم ضمنها أيضًا بعض القواعد الأصولية. فمن القواعد الأصولية التي ذكرها السعدي رحمه الله قاعدة أن «أل» الاستغراقية إذا دخلت على الجمع أو على المفرد أثارت ماذا؟ العموم، مثل: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أو الرجال، أو الطفل الذي لم يظهر على عورات النزاع ونحو ذلك. فـ «أل» هنا للاستغراق أي استغراق الأفراد، متى دخلت على الجمع أو على المفرد خلاص، ننسى الجمعية والأفراد تمامًا ويصبح اللفظ يدل على عموم الأفراد.
طيب، أيضًا ذكرنا من صيغ العموم، أو من قواعد العموم، أن النكرة إذا جاءت في سياق نفي أو نهي أو شرط أو استفهام استنكاري، فإن النكرة هنا أيضًا تدل على العموم لجميع الأفراد. ومركزنا هنا في هذا الكتاب على القواعد الأصولية المتعلقة بالعموم فقط، وبعد ذلك سيعود إلى بعض القواعد الفقهية، لكن نذكر ما ذكره.
اقرأ، أين وصلنا بعد ذلك؟ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «كذاك مَن وما تفيدان مع كل العموم». يا أخي فاسمعها، إذًا «مَن» و«ما» من ألفاظ العموم أيضًا أحبابي الكرام. «مَن» و«ما» سواء كانت موصولية، اسم موصول، أو كانت استفهامية، أو كانت شرطية؛ لأن «مَن» و«ما» لها صور عديدة في العربية، تأتي استفهامية، مثل: «ماذا معك؟» أي ما الذي معك؟ فـ «مَن» و«ما» تأتيان أداتين للاستفهام. وتأتيان أداتين شرطيتين، مثل: «مَن عمل صالحًا فلنحيينه حياة طيبة»، ما فعلته وجازيك به. كذلك تأتيان موصوليتين بمعنى الذي أو التي بحسب ما جاء، مثل: «مَن جاءني أكرمته»، أي الذي جاءني، «البارح مَن جاءني أكرمته»، أي الذي جاءني البارحة أكرمته.
فباختصار، «مَن» و«ما» سواء كانت شرطية أو أداة استفهام أو موصولية، فإنها أيضًا من صيغ العموم. والفرق بين «مَن» و«ما» أن «مَن» تستعمل للعقلاء للكلام عن البشر، و«ما» تستعمل لغير العقلاء للكلام عن الجمادات أو الحيوانات أو ما شابه ذلك، هذا هو الفرق بين «مَن» و«ما» في الاستعمال.
مثلًا: «مَن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره»، أي أي شخص يعمل مثقال ذرة من الخير سيجده، «ومَن يعمل مثقال ذرة شرًا يره»، هذه «مَن» شرطية وتدل على العموم، كل فرد من الأفراد. و﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ﴾، أي كل شخص يتقي الله.
إذا وجدت «من» و«ما» و«متى» في القرآن وقرأتها في الأحاديث، فهي من ألفاظ العموم، تدل على استغراق جميع الأفراد، وليست خاصة بشخص أو فرد إلا إذا جاء مخصص خارجي عنها.
قال رحمه الله تعالى: «كذاك من وما متى / تفيداني مع كل العموم». فإسمعها: إن «من» و«ما» و«متى» وجدتهما في الكتاب أو السنة فهما من صيغ العموم، هذا هو الأصل.
قال رحمه الله: «ومثله المفرد إذ يضاف / ففهمه ديت الرشد ما يضاف». هذه القاعدة الأخيرة من القواعد الأصولية التي ذكرها، وهي أيضاً من صيغ العموم، وكذلك الجمع الحقيقي إذا أضيف إلى معرفة. أي لفظ مفرد أو لفظ جمع أضيف في القرآن والسنة إلى معرفة فإنه يفيد العموم؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. «نعمة» مفرد لكنه أضيف إلى أعرف المعارف وهو لفظ الجلالة، فيكون معناها هنا النعم.
وكذلك قول موسى عليه السلام: ﴿يَفْقَهُ قَوْلِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27-28]. «القول» مفرد وأضيف إلى معرفة وهو الضمير، فمعنى «يفقه قولي» أن يفقهوا كل قول لي، فالمفرد إذا أضيف إلى معرفة أفاد العموم عند جماهير الأصوليين، وهذا هو الصحيح. لذلك قال: «ومثله المفرد»، أي مثل «من» و«ما»، ومثل النكرة في سياق النفي والنهي، ومثل الاستغراقية إذا دخلت.
بالتالي يكون السعدي قد ذكر لنا أربع صيغ من صيغ العموم: الأولى، كل مفرد أو جمع دخلت عليه الـ التعريف الاستغراقية. ثانياً، النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الاستنكاري. ثالثاً، «من» و«ما» بأنواعها: الموصولية، الشرطية، والاستفهامية. رابعاً، المفرد إذا أضيف إلى معرفة، والمعارف تعرفونها؛ كالضمائر، والأعلام، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وما فيه «أل».
هذه قواعد أصولية، وفي وجهة نظري لا حاجة أن يذكرها هنا، فالأصل أن يذكرها في كتب الأصول، ونحن هنا نتكلم عن قواعد فقهية، فإقحام القواعد الأصولية داخل منظومة تتكلم عن القواعد الفقهية يمكن أن يسبب شيئاً من التشديد للطالب؛ فجأة يجد نفسه أمام قواعد أصولية.
هذه القاعدة الرابعة عشرة من القواعد التي ذكرها، وهي أن الحكم لا يتم إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع. أي شيء من العبادات أو المعاملات له شروط حتى يوجد، وله موانع تمنعه. فإذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع تحقق الحكم.
مثال ذلك الصلاة؛ من شروطها دخول الوقت، والنية، والطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة. وما الذي يمنع الصلاة؟ الحيض والجنون والإغماء وما شابه ذلك. فحتى تصح الصلاة لا بد أن تجتمع شروطها الستة وتنتفي الموانع؛ فإذا وجد مانع من الموانع لا تصح الصلاة، وإذا فقد شرط من الشروط لا تصح الصلاة.
كذلك الصيام؛ شروطه الإسلام، ودخول الوقت، وأن يكون وقته من طلوع الفجر إلى غروبها. فنحتاج إلى الإسلام، والنية، وإلى دخول وقته، وهناك موانع تمنع من صحته مثل الحيض والنفاس والجنون، فحتى يصح الصوم لا بد أن تجتمع الشروط وتنتفي الموانع. ونفس الشيء في الزكاة والحج، وقس على ذلك الميراث؛ فله شروط وله موانع، فمن موانع الميراث الرق أو القتل، ومن شروطه حياة الوارث وموت المورث، فلا يصح الميراث ولا ينعقد حتى تجتمع شروطه من حياة الوارث وموت المورث، وتنتفي الموانع من القتل والرقة والكفر، وهو اختلاف الدين.
فهكذا عليك أن تفهم الأحكام الشرعية؛ طبيعة الأحكام أن كل حكم جعل الله له شروطاً وموانع، فلا يتم الحكم ولا يصح حتى تجتمع شروطه الشرعية وتنتفي موانعه. هذا معنى قوله رحمه الله، وأقرأ البيت مرة أخرى: «ولا يتم الحكم حتى تجتمع / الموانع والمشروطات ترفع». كل الشروط يجب أن تجتمع، ولا يجوز أن يختل شرط إلا إذا كان هناك عجز، ففي حالات العجز عن الشرط لا إشكال، لكن إذا لم تأتِ به حينئذ نقول لا يصح الحكم.
قال رحمه الله: «ومن أتى بما عليه من عمل / قد استحق ما له على العمل». هذه تنبني على القاعدة السابقة، وهي قاعدة جديدة؛ فمن أتى بالعمل محققاً لشروطه ونافياً لموانعه، ترتب على العمل ما هو متعلق به من ثواب أخروي وحكم دنيوي. من أتى بالعمل على الوجه الذي شرعه الله، أتى بشروطه كاملة كما أراده الله، وبالصورة المطلوبة، فإن هذا العمل تترتب عليه آثاره الأخروية من الثواب، والدنيوية من الأحكام المترتبة عليه من الإجزاء أو صحة البيع أو المعاملة أو ما شابه ذلك.
فالإنسان الذي صلى الصلاة وقد أتى بشروطها ونفى موانعها، هل يثاب على الصلاة؟ يثاب بإذن الله، والصلاة أيضاً يترتب عليها الحكم الدنيوي وهو الإجزاء وعدم الحاجة إلى القضاء. نفس الشيء شخص عمل عقد بيع أو عقد نكاح وأتى بشروطه كاملة، فيترتب عليه الأثر الدنيوي من انتقال السلعة إلى المشتري والثمن إلى البائع، وهكذا تقيس عليه.
قال رحمه الله تعالى: «ويفعل البعض من المأمور إن شق / فعلاً»، وأدلة على هذه القاعدة أن من أتى بالفعل على هذا الوجه الشرعي انبنى عليه الثواب وانبنى عليه الأثر الدنيوي؛ كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، فأحسن الله إليه فأعطاه ثواب عمله. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]؛ فمن قام بالعمل على الوجه الصحيح استحق الأجرة الدنيوية والأجرة الأخروية.
«ويفعل البعض من المأمور إن شق»، هذه قاعدة تكلمنا عنها ضمن كلامنا عن قاعدة سابقة؛ نحن قلنا سابقاً إن من الفعل الواجب إذا لم تستطع القيام به ماذا يفعل؟ يسقط، صحيح؛ فمن لم يستطع أن يأتي بكل المأمور يسقط الأمر، وتكلمنا عن هذه القاعدة تحت قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، فقلنا إن الواجب إذا تعذر الإتيان به سقط عنك. لكن إذا تعذر الإتيان ببعضه، هل يسقط الباقي؟ هنا يجب التفصيل: إذا كان الباقي مرتبطاً بكامل الأجزاء، إذا عجزت عن البعض سقط الكل، مثل الصيام. أما إذا كان غير مرتبط الأجزاء، إذا عجزت عن البعض لا يسقط الكل، مثل الوضوء.
ومثل الصلاة إذا تعذر عن البعض لا يسقط الجميع، وهذا هو موطن القاعدة هنا. ذكر هذه القاعدة، وهذه القاعدة البعض يعبر عنها بماذا؟ الميسور لا يسقط بالمعسور؛ هكذا يترجمون هذه القاعدة في كتب القواعد الفقهية، يقولون: الميسور لا يسقط بالمعسور.
شو يعني؟ إذا تعسر علي بعض الفعل وتمكنت من بعضه، هل يجب علي أن أقوم بما تمكنت منه؟ بالتفصيل الذي ذكرناه: إذا كان الفعل مرتبط الأجزاء، فإذا تعسر بعضه تعسر كله، وإذا كان الفعل غير مرتبط الأجزاء إذا تعذر لا يسقط الباقي، وهنا نطبق قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور.
وهناك بعض الأفعال قلنا مترددة هل هي مرتبطة الأجزاء ولا غير مرتبطة؟ مثل ماذا قلنا؟ مثل زكاة الفطر، هل الصاع شيء واحد مثلا؟ أنا لا أجد صاعا للفطر، أجد بعضه، هل يجب علي أو لا يجب عليه أن أخرجه؟ هنا اختلفت المذاهب بحسب اختلاف النظرة، هل الصاع مرتبط الأجزاء ولا غير مرتبط الأجزاء؟
فإذاً هذا معنى قول المصنف رحمه الله تعالى: «ويفعل البعض من المأمور إن شق فعل سائر المأمور»، يعني إذا لم أستطع أن أفعل الكل واستطعت أن أفعل البعض فيجب علي أن أفعل البعض بالشرط الذي ذكرناه، أن يكون هذا التصرف بطبيعته ليس مرتبط الأجزاء بعضها ببعض، أما إذا كان بطبيعته مرتبط، فهنا إذا شق البعض سقط الجميع. فمعنى قوله: إذا ويفعل البعض من المأمور إن شق فعل سائر المأمور، أن الميسور لا يسقط بالمعسور على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً.
قال رحمه الله تعالى: «وكل ما نشأ عن المأذون فذاك أمر ليس بالمضمون». يتكلمنا عن هذا أو لا؟ البعض يترجمها بجملة صغيرة، يقولون: الإذن مسقط للضمان. والإذن قد يكون إذن من الشارع وقد يكون إذن من البشر، فالإذن قد يكون إذنًا شرعيًا وقد يكون إذنًا من البشر، فإذا أعطيت إذنًا شرعيًا بفعل شيء معين، أو إذنًا بشريًا من شخص بأن تفعل شيئًا معينًا وحدث خطأ منك أثناء هذا الفعل، فهل تضمن؟ قالوا: لا يضمن، هذا هو الصح.
مثلاً استأجرت شخصًا من أجل أن يبني لي شيئًا، أو يحفر لي شيئًا، أو يدهن لي شيئًا، وبالخطأ أثناء الفعل حدث إتلاف، هل يضمن؟ لا؛ لأنني أنا أذنت له بهذا التصرف. كذلك طبيب أذنته أن يقوم بعملية جراحية وهو طبيب ماهر، وحدث أثناء العملية إتلاف شيء بالخطأ بدون قصد منه، هل يضمن؟ لا؛ لأنني أنا من أذنته بهذا التصرف، وعلى ذلك فقس. فالقاعدة تقول: الإذن مسقط للضمان.
قال رحمه الله تعالى: «وكل حكم دائر مع علته، وهي التي قد أوجبت لشرعته». هذا يمكن أن يجعل قاعدة أصولية، هذه يمكن أن نصنفها أنها قاعدة أصولية وعنوانها: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
مثال ذلك الخمر، لماذا هي محرمة؟ للإسكار، فكل شراب وجد فيه الإسكار يكون محرمًا، وكل شراب انتفى فيه الإسكار يكون ليس بمحرم، فمثلاً أنا عندي خمر، هذه الخمر فجأة انقلبت خلا، هل يجوز أن أشربها؟ نعم، لذهاب العلة. طيب، الخل رجع خمر، هل يجوز أشرب؟ لا. فإذاً الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
إذا غربت الشمس وجبت صلاة المغرب، ما غربت الشمس ما في صلاة المغرب، صحيح؟ مثلاً في رمضان إذا طلع الفجر وجب الصيام، ما طلع الفجر لا يجب الصيام، فالحكم يدور مع العلة التي توجبه وجودًا وعدمًا، وهذه قاعدة أصولية.
والعلة هي وصف ظاهر منضبط يترتب من تعليق الحكم عليه مصلحة، هذا تعريف العلة. وصف ظاهر منضبط يترتب من تعليق الحكم عليه مصلحة سواء عرفناها ولا ما عرفناها. فالإسكار وصف ظاهر منضبط يترتب من تعليق الحكم عليه وهو التحريم، مصلحة الشرب وهي الحفاظ على العقل. والسفر وصف ظاهر منضبط تترتب عليه الكثير من الأحكام مثل الجمع والقصر والفطر في رمضان، لماذا؟ لأنه وصف ظاهر منضبط يترتب من تعليق هذه الأحكام عليه مصلحة وهي التخفيف عن المسافر في قضايا الصلاة والصيام.
وقس على ذلك الحيض، علة لمنع المرأة من العديد من الأحكام، الصلاة والصيام والجماع وغير ذلك، لماذا؟ هذا الوصف وصف ظاهر منضبط يترتب من تعليق الأحكام عليه مصلحة في التخفيف على المرأة ودفع الأذى عنها. فإذاً هذا معنى قوله: «وكل حكم دائر مع علته وهي التي قد أوجبت لشرعته»، أي الحكم مستجلب للعلل، كل حكم له علة سواء عرفناها أو لم نعرفها، كل حكم له علة هي التي أوجبت شرعيته ومشروعيته في ديننا.
قال رحمه الله تعالى: «وكل شرط لازم للعاقدين في البيع والنكاح والمقاصد، إلا شروطًا حللت محرمًا أو عكسه فباطلات، فاعلما». هناك كلام عن الشروط البشرية الآن أحبابي الكرام، فهناك شروط شرعية وهي الشروط التي يضعها الله سبحانه، وهناك شروط تسمى الشروط الوضعية وهي التي يشترطها الإنسان في أثناء بيعه أو نكاحه أو شرائه على الطرف الآخر.
فالشروط نوعان، هذه بدك تفهمها: هناك شروط يشترطها الله، مثلاً الصلاة لها شروط: ستر العورة، استقبال القبلة. والبيع له شروط، الله اشترط فيه أن يكون له طرفان بإيجاب وقبول وبرضا الأطراف، فهناك شروط تسمى شروطًا شرعية اشترطها الشارع، وهناك شروط تسمى شروطًا وضعية التي نحن نشترطها على الطرف الآخر في أثناء المعاملة، مثل: والله بدي أشتري منك هذه الثلاجة بس بشرط أن تنقلها إلى بيتي، أو بشرط أن تكون مواصفاتها كذا وكذا، هذه شروط وضعية أنت الذي اشترطتها على الطرف الآخر.
امرأة نكحت زوجًا واشترطت عليه أن يعطيها كل المهر معجلاً، قالت أنا ما بدي معجلاً، هذا شرط شرعي ولا بشري؟ بشري، هذه منها. فنحن لما تكلمنا عن قضية أن الحكم لا يتم إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع كنا نتكلم عن الشروط الشرعية، أما هذه القاعدة فهي تتعلق بالشروط البشرية التي يشترطها الإنسان على الآخرين.
فهنا ماذا يقول المصنف: «وكل شرط لازم للعاقدين»، إذا أنا اشترطت على الطرف الآخر شرطًا وهو وافق، يجب عليه أن يوفي بالشرط. اشترطت عليك تنقل السيارة إلى بيتي أو الثلاجة لبيتي، لازم توفي لي. اشترطت في السلعة مواصفات معينة، لازم توفيه للمواصفات، ما وجدت المواصفات بحق لي أن أرجع السلعة. فلذلك قال: «وكل شرط لازم للعاقدين من اشترط شرطًا في بيع أو نكاح أو غير ذلك من المعاملات»، فهذا الشرط يلزم الطرف الآخر أن يوفي به مادام قد رضي به.
طيب، هل يمكن أن يكون هناك شرط في العبادات؟ هذه فائدة سريعة، يعني نحن متصورين أني...
أنا أشترط شرطاً في ماذا؟ في المعاملات؛ في البيع، في الإجارة، في الشركة، في النكاح بالضبط. هل يمكن أن يكون الشرط في العبادة؟
أحسنت، الشرط في الحج: «إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»، هذا بالضبط الشرط في الحج، وهذا أنت تشترطه على ربك والله سبحانه وتعالى يقبله. أما الشرط الثاني، كالنذر، لكنه ليس النذر؛ لا نسميه ابتدائياً أو غير معلق، لكن يمكن أن أمنعه تماماً. لا، هذا ليس شرطاً في العبادة، هذا شرط المعاملة.
في عرف أداء العبادات، لا يسمى هذا شرطاً في العبادة، ليس شرطاً لنفس العبادة، وإنما هو إلزام له في أثناء الصدقة أن يقوم بشيء، فهذا أقرب إلى الشرط في المعاملة، هذه معاملة بينك وبين شخص.
أما في الاعتكاف، فيجوز للإنسان أن يشترط، فيقول: أعتكف وأشترط على ربي أن أخرج لعيادة مريض أو أداء حق لوالدي أو ما شابه ذلك. يجوز الاشتراط في الاعتكاف أيضاً، أن تدخل في الاعتكاف وتشترط أنني سأدخل يا ربي في الاعتكاف وأشترط أنني سأخرج لعيادة مريض أو شهود جنازة والقيام ببعض الأمور، فهذا يسمى اشتراطاً في العبادات، والله أعلم.
هذا ما قصده السعدي بقوله: «والمقاصد»، لأنه قال: «وكل شرط لازم للعاقد في البيع والنكاح والمقاصد». والمقاصد الذي يظهر لي أنه قصر بالمقاصد العبادات، باعتبار أن العبادة مقصودة لذاتها، وأما المعاملات فهي مقصودة لغيرها؛ لأنني لم أجد شرحاً واضحاً لكلمة المقاصد، والذي يظهر لي أنه قصر بالمقاصد العبادات لأن العبادة مقصودة لذاتها ويتجه إليها الإنسان.
فعموماً، إذا اشترطت شرطاً في عبادة أو في معاملة، فهذا الشرط ملزم ومن حقك أن تحصل على نتيجته لأنك اشترطته في بداية المعاملة أو النكاح أو ما شابه ذلك.
«وكل شرط لازم»، الذي يظهر لي قد تكون «وكل شرط لازم» أي ملزم للعاقد، لأنه يخبر أن الشروط ملازمة للعاقد، وكل شرط لازم أي ملزم للعاقد. قد تكون «لازم» أدق، و«كل شرط ملزم للعقد» يمكن أن تُؤول كما هي في بعض النسخ، و«كل شرط لازم» أي طبيعته ملزمة للعاقد، لكن أظن سيكون فيها تكلف وتحتاج إلى تأويل بعيد. كل شرط ملزم فيجب على العاقد أن يفي به. يمكن أن نقول: «وكل شرط لازم» لأن بعض الشروط قد لا تكون ملزمة، أنا أشترط عليك شرطاً لكن لا أشدد عليك فيه أو لا ألزمك به، لكن أظن هذا التفسير قد يكون فيه شيء من التكلف، فخلونا على: «وكل شرط لازم للعاقد أي ملزم له في البيع والنكاح والمقاصد».
ونفسر المقاصد والشروط؛ إذا كان البشر يشترطون في المعاملات، فيتصور وجودها في العبادات في الحج وفي الاعتكاف والنذر. لكن هنا استثنى فقال: ﴿إِلَّا شُرُوطًا تُحِلُّ حَرَامًا أَوْ تُحَرِّمُ حَلَالًا﴾. إذا أنا اشترطت شرطاً في بيع أو نكاح ولكنه شرط محرم، فهذا لا يقبل. مثلاً: تزوجت امرأة واشترطت عليها أن لا تكلم والديها، هذا حرام، فهذا الشرط لا عبرة به. وهل يلغى كل العقد أو لا؟ هذا فيه تفصيل بين المذاهب؛ فبعض الشروط الفاسدة تفسد كل المعاملة، وبعض الشروط الفاسدة تفسدها هي ولكن لا تفسد المعاملة التي اشترطت فيها، وهذا فيه تفصيل بين المذاهب الفقهية.
لذلك المهم أن نعرف أن الشرط الفاسد غير ملزم ولا عبرة به ولا يجوز الاعتداد به، وهو كل شرط حلل حراماً أو حرم حلالاً. ﴿إِلَّا شُرُوطًا تُحِلُّ حَرَامًا﴾ أو عكسه، أي حرمت حلاله. قال: «فباطلات»، فاعلم أن هذا النوع من الشروط باطل، وهل يؤثر على المعاملة فيبطلها بأكملها؟ المذاهب فيها تفصيل في ذلك.
قال رحمه الله تعالى: «تستعمل القرعة عند المبهم من الحقوق أو لدى التزاحم». هذه من القواعد الفقهية، وهي قاعدة: متى يجوز استعمال القرعة؟ حقيقة القرعة يجوز استعمالها عموماً في موضعين:
الموضع الأول: عند تزاحم الحقوق ولا مرجح. متى يجوز استعمال القرعة في الشريعة الإسلامية؟ يجوز استعمالها عند تزاحم الحقوق بين شخصين أو أكثر ولا يوجد مرجح. مثال ذلك: أكثر من شخص في المسجد يصلح للإمامة، كلهم حفاظ متقنون فقهاء، لن تعرف الأصل عن الإمام الأقرأ، فإن لم يكن الأحفظ الأفقه، وهناك ضوابط. إذا كان الجميع تتوفر فيهم كل الصفات، أو الجميع لا تتوفر فيهم ولا صفة، فهنا كيف نختار من يؤم؟ قالوا: يجوز استعمال القرعة، نضع اسم فلاناً في ورقة واسم فلان في ورقة ونرمي هذه الورقات وتختار.
لأن الأصل في القرعة أنها لا تستعمل في الشريعة، فكرتها قريبة من فكرة النرد والزهر والحظ، فهذا الأصل لا يستعمل إلا في حالات محددة جوزت الشريعة استعمال القرعة فيها. أولها عند تزاحم الحقوق بين شخصين فأكثر ولا يوجد مرجح من الصفات العلمية أو الفكرية أو الذهنية أو ما جاب ذلك، فلا حل للاختيار إلا بالقرعة. مثلما قلنا: أكثر من شخص يصلح للإمامة ولا مرجح من الصفات، فلا حيلة إلا أن نقرع بينهم. مثلاً: أكثر من شخص يريد أن يؤذن، واحد يقول لك أنا في الأردن أنا بدي أقيم، لا أنا بدي أقيم، طيب كيف سنرجح؟ الأصل الإتقان، طيب إذا كانوا متساويين في الإتقان أو متساويين في عدم الإتقان، فالأصل هنا لا يوجد مجال إلا القرعة، فالقرعة هي الحل.
قالوا: عند تزاحم شخصين فأكثر في الحق ولا يوجد مرجح بينهم، وهذا أيضاً ممكن أن يحدث في المواريث؛ أن اثنين من الورثة يريدان هذه الدار، الولد يقول لك أنا أريدها، ويقول الآخر أنا أريدها، طيب كيف سنرجح؟ ما في مرجح، فنقول: نقرع بينكم، فمن خرجت له الدار في القرعة يأخذها. مثلاً في أرض وفي دار، والاثنان مصران يأخذان الدار، وأهل كل واحد منهم يريد الأرض، وكل واحد منهم يريد الدار متوقعاً أن يرتفع سعرها، هذا شيء من الأشياء. طيب كيف الآن سنرجح بينهم؟ لازم واحد يأخذ الأرض والثاني يأخذ الدار، فإذا اختلفوا ولا مرجح، فالترجيح يكون بأن نقرع بينهم. فهذه هي الحالة الأولى للقرعة.
الحالة الثانية التي يجوز فيها القرعة هي عند حصول الإبهام؛ إذا الإنسان حدد شيئاً وأبهمه ولا وسيلة للتعيين إلا بالقرعة، فيجوز استعمال القرعة عند وقوع الإبهام. مثال ذلك: لو أن رجلاً عنده أربع نسوة فقال: «زوجتي طالق»، ولم يحدد ولم ينوِ واحدة بعينها، شخص عنده أربع نسوة فقال هكذا: «زوجتي طالق»، ولم ينوِ. الآن إذا نوى نرجع لنيته، لكن بما أنه لم ينوِ، فهنا قال شيئاً ولم يحدد، وهذا الشيء لازم يقع.
حكمه خالص هو طلق، يعني ليس هناك مجال نقول خلاص ليس هناك طلاق ما دام لم يحدد؛ لقد تلفظت بكلمة يترتب عليها حكم لكنك أبهمت.
فالطريقة في تحديد المبهمات والقرى قالوا: نأتي بأسماء النساء الأربع نضعها في الورق، وكل واحدة نضع نصيبها، ثم يخرج اسمها في الورقة ونقول لها: خلص، الطلاق سيقع عليك. فهذه حالة أخرى يجوز فيها تطبيق القرعة؛ تطبيق القرعة يكون إما عند تزاحم الحقوق ولا مرجح، أو عند حصول حكم ولم يُعين وحصل إبهام.
فالطريقة في إزالة الإبهام تكون بالقرعة. هل ورد عن النبي ﷺ أنه استعمل القرعة؟ نعم، مثلاً كان يقرع بين نسائه في السفر، وهذا مثال على الأولى، أي عند تزاحم الحقوق؛ لأن كل واحدة تقول أنا أريد السفر معك، فكيف سيختار؟ يريد أن يسافر بـ 11، هذا صعب، فلا بد أن يختار واحدة منهن، فكانت الطريقة في اختيار الزوجة هي القرعة.
هل ورد مثال آخر؟ نعم، نقل الحجر الأسود. لا، هنا ليس قرعة، وإنما هو أعطى كل طرف لقبيلته، ثم هو في النهاية حمل الحجر الأسود ووضعه. تقصد هذه الحادثة؟ لا، هذه لم يقع فيها شيء من القرعة.
نعم، هذا مثال من شرع من قبلنا. لما اقترعوا على ماذا؟ على مريم عليها السلام، وإن كان البعض يقول هي ليست قرعة، وإنما هم ألقوا أقلامهم فالقلم الذي وقف هو الذي أخذ. ونعم، قرعة يونس، هذه واضحة؛ من الذي يُلقى من السفينة؟ فمن الذي ظهر عليه أن يُلقى من السفينة؟ يونس عليه السلام. هذا كله من أمثلة شرع من قبلنا، والأمثلة كثيرة.
أحسنت، لما أن رجلاً في مرض الموت أعتق ستة مماليك، وهذا كان أكثر من ثلث ماله، فالنبي ﷺ رفض هذه الوصية لأنها تجاوزت ثلث المال، فكان لا بد من أن يعتق اثنين من الستة؛ فماذا فعل؟ جعل كل اثنين اسمهم في ورقة، ورما الأوراق واختار ورقة من الأوراق، فمن ظهر اسمه منهم هو الذي أعتقهم. وكانوا ستة وكانوا هم كل ماله، والإنسان معروف أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، فثلث الستة كم؟ اثنان. كان عليه أن يخرج اثنين من الستة فقط، فكيف أخرج الاثنين من الستة من خلال القرعة؟ إذاً حقيقة النبي ﷺ استعمل القرعة، فهي جائزة مشروعة عند جماهير الفقهاء، وهذا موطن جوازها: عند تزاحم الحقوق ولا مرجح، وعند حصول حكم يترتب عليه أثر وكان هناك إبهام.
بقيت بعض المسائل نتركها إلى ما بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه حمداً للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
مرحباً بكم مرة أخرى، ونشرع في الجلسة الثانية في ختام تعليقنا على منظومة القواعد الفقهية للعلامة السادة رحمه الله تعالى، وبقي علينا ثلاث قواعد أظن ختامية نختم بها إن شاء الله، أو أربع قواعد ختامية بإذن الله. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن تساوى العمل إن اجتمع وصح فعل واحد». هذه القاعدة تسمى قاعدة التداخل في العبادات. وهذه القاعدة مفهومها باختصار: إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد، وكانت إحدى العبادتين ليست مقصودة لذاتها، فهنا يجوز تداخلهما معاً بفعلهما بصورة واحدة، ولكنك لا تأخذ ثوابهما إلا إذا نويتهما. أعيد مرة أخرى: إذا فعلت عبادتين من جنس واحد؛ صلاة صلاة، غسل غسل، وضوء وضوء، وكانت إحدى العبادتين ليست مقصودة بذاتها، فهنا يجوز أن تفعل العبادتين بفعل واحد تنوي به كلا العبادتين.
لنأخذ أمثلة على قاعدة التداخل. المثال الأول: قالوا السنة الراتبة وتحية المسجد؛ قالوا السنة الراتبة للظهر مثلاً ركعتان، وتحية المسجد لمن دخل كم؟ ركعتان. الآن السنة الراتبة مقصودة لذاتها، لكن تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها؛ أي المطلوب مني إذا دخلت المسجد أن أصلي أي صلاة قبل الجلوس، سواء كانت ركعتين مستقلتين راتبة أو فرضاً، المهم أنني إذا دخلت المسجد لا أجلس حتى يكون هناك صلاة، فلذلك قالوا تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها أن تكون ركعتين خاصة، وإنما المطلوب أن أوقع صلاة قبل أن أجلس. فبالتالي لو أنني صليت ركعتين نويت بهما راتبة الظهر وتحية المسجد، فهنا تجزئ هاتين الركعتين عن هاتين العبادتين وتأخذ ثوابهما بشرط أن تنوي كلا الأمرين. أما إذا نويت فقط الراتبة ولم تنوِ التحية راح ثواب تحية المسجد، وإذا نويت التحية والراتبة راح ثواب الراتبة، لكن إذا نويت كلا النيتين وركعت فقط ركعتين، هذا تداخل، أدخلت تحية المسجد في السنة الراتبة، وضربت عصفورين كما يقولون بحجر واحد.
نأخذ مثالاً آخر على التداخل؛ الآن أحبابي الكرام في يوم الجمعة شخص عليه جنابة ويريد أن يذهب إلى صلاة الجمعة، وهناك غسل مشروع أيضاً ليوم الجمعة قبل الصلاة؛ فهناك اغتسال شرعه النبي ﷺ يوم الجمعة قبل الصلاة، المقصد منه ما هو حصول النظافة وحسن الرائحة قبل الذهاب إلى صلاة الجمعة. فلو أن شخصاً استيقظ جنباً يوم الجمعة، هل عليه أن يغتسل للجنابة ثم يغتسل الغسل الآخر يوم الجمعة، أو يمكن أن يداخلهما معاً؟ قالوا: يمكن أن يداخلهما معاً، بأن يغتسل غسلاً واحداً ينوي به رفع الجنابة وينوي به غسل الجمعة. لماذا قالوا ذلك؟ لأن إحدى العبادتين هنا ليست مقصودة لذاتها وهي غسل الجمعة، ليس المقصود أن تحقق استحماماً على أي صورة وقع، فلما كان غسل الجمعة ليس مقصوداً لذاته أمكن دخوله في غسل الجنابة، وضربت عصفورين بحجر واحد.
لكن إذا كانت كلا العبادتين مقصودة لذاتها هنا لا يجوز إدخال هذه العبادة في عبادة أخرى؛ فمثلاً زكاة الفطر وزكاة الثمار، هل يجوز أن أجمعهما بشيء واحد، أخرج زكاة فطر وأقول هذا الصاع هو زكاة ثمار وزكاة أيضاً للفطر؟ قالوا: لا، إن زكاة الفطر مقصودة لذاتها، وزكاة الثمار التي خرجت من محصولك أيضاً مقصودة لذاتها، فهذه لا تدخل تحت هذا. من المسائل التي وقع فيها خلاف، أحياناً يقع خلاف بين المذاهب في بعض الصور هل فيها تداخل أو لا، المسألة الشهيرة التي مرت معنا قبل أيام، العقيقة والأضحية، هل...
يجوز أن أضحي أضحية أنوي بها الأضحية وأنوي بها العقيقة عن ولدي، أو لا يجوز؟ الجمهور قالوا: العقيقة مقصودة لذاتها، والأضحية مقصودة لذاتها، فلم يجوزوا التداخل بينهما. الحنابلة خالفوا، فقالوا: العقيقة وإن كانت مقصودة، والأضحية وإن كانت مقصودة، لكن المطلوب -أحبابي الكرام- في العقيقة أن توقَع ذبحًا عن الولد سواء جمعتها مع الأضحية في وقتها أو لم تجمعها. رأوا أن المطلوب أن يذبح شيء عند حصول الولد وأن ينوي به عن الولد، فالحقيقة الحنابلة قالوا: العقيقة ليست مقصودة لذاتها، فإذا جمعتها مع الأضحية جاز في نفس الوقت باعتبار أن العقيقة ليست مقصودة أن تستقل بذاتها كعبادة مستقلة، فالحنابلة جوزوا التداخل، الجمهور ما جوزوا؛ رأوا أنه كل واحدة مقصودة لذاتها.
الاستخارة وصلاة الضحى، هل يجوز التداخل بينهما أو لا؟ الأكثر على أنه نعم يجوز التداخل بينهما؛ باعتبار أن الاستخارة ليس مطلوبًا لها صلاة معينة، وإنما أي ركعتين حتى ولو كانت راتبة أو ضحى، يجوز أن تقرأ بعدهما دعاء الاستخارة. فإذاً في بعض المسائل اتفق العلماء على جواز التداخل فيها، وبعض المسائل وقع فيها خلاف، وسبب الخلاف وفي اختلاف التقدير: هل هذه العبادة مقصودة لذاتها أو ليست مقصودة لذاتها؟ وهنا بالتالي يحدث تداخل بين المذاهب.
وهنا نحن فقط أردنا أن نشير إلى القضية العامة وهو جواز التداخل بين العبادات على تفصيل تختلف فيه المذاهب. لكن ما شرط التداخل؟ هناك شرطان: أن تكون العبادات من نفس الجنس، يعني ما فيش واحد بيقول الصلاة تُجزئ في الصيام، خلاص بدخل صيام رمضان في صلاة الظهر. والشرط الثاني: أن تكون إحدى العبادتين غير مقصودة لذاتها؛ فإذا كانت كل عبادة مقصودة لذاتها ومطلوب أن أوقعها مستقلة، لا يجوز التداخل. فهذان شرطان في قاعدة التداخل في العبادات.
أما في حقوق الناس فلا يوجد تداخل؛ الشيخ بده مني ألف دينار، والشيخ بده مني ألف دينار، يقول: يلا خلص، ألف دينار بنية عنك وعنك، ما حداش بيرضى، لا، بدي أعطي هذا الألف وبدي أعطي هذا الألف. فقالوا: لا تداخل في حقوق الناس لأنها مبنية على المشاحنة، بخلاف حقوق الله يجوز فيها التداخل لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، والله يخفف فيها. فتم هذا معنى قوله في هذا البيت: «وإن تساوى العمل إن اجتمع وصح فعل واحد».
نذهب إلى القاعدة التي تريد، قال رحمه الله تعالى: «وكل مشغول فلا يشغل مثاله ... المرهون والمسبل» المسبل طبعًا بفتح الباء، هذه قاعدة أيضًا من القواعد الصغرى وهي قاعدة: «المشغول لا يُشغل». هكذا يقولون؛ إذا كان هناك عين من الأعيان شُغلت بتصرف من التصرفات، فلا يصح شغلها بتصرف آخر يعارض التصرف الأول.
نعيد: إذا كان هناك عين مشغولة أو شخص مشغول بشيء من التصرفات، فإنه لا يجوز أن تشغل هذه العين أو يشغل هذا الشخص بتصرف آخر مناقض للتصرف الأول. نأخذ أمثلة الآن: أنا استأجرت شخصًا من الساعة الثامنة صباحًا حتى الساعة الرابعة مساءً، فهذا الشخص مشغول لي، هل يجوز لهذا الشخص أن يعقد عقد إجارة على نفس المدة مع شخص آخر؟ لا، أنا استأجرتك من الساعة الثامنة إلى الساعة الرابعة، خلال هذه المدة أنت مطلوب منك تكون عندي، فلا يجوز أن تعقد عقد إجارة آخر مع شخص آخر؛ لأن هذه المدة لي، أنت مشغول بها عندي، فلا يجوز أن تشغل نفسك بعقد آخر خلال نفس هذه المدة.
ناخذ مثالًا في الأعيان: عين رهنتها للبنك الإسلامي مقابل سيارة أو شقة تم شراؤها بالمرابحة، مش لازم لما يبيعوك شقة أو سيارة بالمرابحة تبقى الشقة أو السيارة مرهونة. هل يجوز أن أجعل هذه العين أو السيارة أيضًا مرهونة في دين آخر عليه؟ قالوا: لا؛ ليه؟ لأنها مشغولة بالرهن الأول، فلا يجوز إشغالها برهن آخر. بعض الناس يريد أن يجعل كل ديونه نفس الرهن، لا يا عمي؛ الرهن على دين واحد، مش أنا بده مني ألف بقول له هاي الرهن سيارة، يريد أن يشغل هذه العين لكل الناس، لا يصح؛ العين إذا اشتغلت برهن لا يجوز إشغالها برهن آخر. كذلك المسبل، المسبل هو العين التي وقفت على شيء، لا يجوز وقفها على شيء آخر، كولر ماء وقف للشاربين في المسجد، حتى ينفك الرهن الأول، والعين الموقوفة لا يجوز وقفها على جهة أخرى؛ لأنها مشغولة بالوقف الأول.
قال رحمه الله تعالى: «ومن يؤدي عن أخيه واجبًا له الرجوع إن نوى يطالب». نعم، هذه قاعدة: من أدى عن غيره واجبًا من الواجبات المالية، فهل له أن يرجع فيطالبه بما دفع عنه؟ لا، يا جماعة، هذا اتعودوا شوية تربطوا أنفسكم؛ من أدى عن غيره حقًا ماليًا، هل له أن يعود عليه فيطالبه بما دفع عنه؟ نقول هنا فيه تفصيل.
الحالة الأولى: إذا دفع عن غيره حقًا ماليًا، يعني مثلاً أنا علي نفقة عن زوجتي، وما معي أنفق عليها، جاء الشيخ قال لي خلاص أنا بدفع عنك نفقة الزوجة، أو علي دين لشخص ما معي أسدّه، فإذا الشيخ سالم قال أنا بسد عنك الدين، هل يستطيع سالم أن يعود علي ويطالبني بنفقة الزوجة التي دفعها عني أو يطالبني بسداد الدين الذي دفعه عني؟ نقول له: إذا لم تنوِ الرجوع، يعني إذا دفعت بنية التبرع ولم تنوِ الرجوع، فليس لك أن تعود علي وتغير نيتك بعد ذلك وتقول والله اندمت، دفعت عنك لوجه الله بس والله بدي أتراجع خلاص بدي أرجع أطالبك، لا؛ بنقول راحت. إذا أنت دفعت عني تبرعًا ليس لك أن تعود علي بعد ذلك وتطالبني بما دفعت عني بإجماع العلماء.
الصورة الثانية: إذا دفع عني بنية الرجوع وكان قد استأذنني بالدفع قبل أن يدفع، يعني هو الشيخ سالم جاء علي قال: يا شيخ أنا بدي أدفع عنك الدين تسمح لي؟ قلت له: اسمح لك. إذا هو قبل أن يدفع ماذا عمل؟ استأذنني فأذنت له، ونوى الرجوع، حتى لو لم يقل لي هو، لو هو ناوي في نفسه الرجوع، بهذه الحالة بإجماع العلماء له أن يرجع فيطالبني بما دفع؛ هو استأذنني أن يدفع الدين عني فأذنت له، وكان في نفسه ناوياً أن يرجع علي، هل له أن يرجع يطالبني؟ نعم بالإجماع.
الحالة التي وقع فيها الخلاف هي الصورة الثالثة: إذا دفع عني بنية الرجوع لكن لما دفع ما استأذنني، وهذا يعملوه كثير من الناس، بيروح يسد دين عنك بدون ما يخبرك، صح؟ يسد دين عنك بدون ما يخبرني، ورجع يقال: يلا أعطيني، بقول: إيش أعطيك؟
سداد دين عنك، فبقول له: أنت ما استأذنتني؟ أنت سددت الدين عني، بقول لي: خلاص أنا سددته عنك، وستدفع لي بدلاً من أن تدفع لذاك الشخص. هل له أن يعود فيطالب أم لا؟ هنا وقع الخلاف، هذه المسألة فيها الخلاف.
الحنابلة عندنا في المذهب، نعم، له أن يرجع فيطالبني حتى ولو لم يستأذنني. بعض المذاهب قالت: لا، ما دام لم يستأذنك ولو نوى الرجوع ليس له أن يرجع عليك، هذه مسألة هي محل خلاف بين الفقهاء. إذاً هكذا نقول: من أدى عن غيره واجباً مالياً، هل له أن يرجع عليه فيطالب أم ليس له ذلك؟
تقول هكذا ثلاث صور للمسألة: الصورة الأولى إذا لم ينوِ الرجوع؛ هنا مباشرة ليس له، بعد ذلك أن يغير نيته ويرجع. الصورة الثانية إذا نوى الرجوع وكان قد استأذنني قبل الدفع؛ له أن يرجع بالإجماع. الصورة الثالثة إذا نوى الرجوع ولم يكن استأذنني بالدفع؛ فهنا اختلف الفقهاء، فمنهم من قال له أن يرجع، ومنهم من قال ليس له أن يرجع، وهذه مسائل خلافية، فأن تتبنى المذهب الذي تدرسه.
نذهب إلى النقطة التي قال رحمه الله: «والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران». والوازع الطبعي عن العصيان، طبعاً هنا فقد تعليق على البيت السابق، وماذا قال السابق: «ومن يؤدِّ عن أخيه واجبه له الرجوع إن نوى يطالب». يعني ماذا يقول؟ طبعاً هو حنبلي، بالتالي الحنابلة عندهم سواء استأذن ولا لم يستأذن، إذا نوى الرجوع له أن يرجع عندنا. فلذلك الشيخ السعدي مشى على طريقة الحنابلة فقال: «من أدى عن أخيه واجباً مالياً وكان قد نوى أن يعود عليه فله أن يعود بالمطالبة سواء استأذنوا أو لم يستأذنوا»، وهذا مذهبنا، فلذلك قال: له الرجوع إن نوى يطالب، يطالب بالدفع.
طيب، القاعدة الأخيرة قال: «والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران». ما معنى هذا الكلام؟ المحرمات التي حرمتها الشريعة على نوعين: هناك محرمات حرمتها الشريعة والوازع الطبعي -يعني طبيعة الإنسان- ينفر منها، وهناك محرمات حرمتها الشريعة وطبيعة الإنسان تميل إليها.
الآن نأخذ مثالاً على الأول؛ أشياء حرمتها الشريعة وطبيعة الإنسان ينفر منها، قالوا: كشرب النجاسات، شرب البول، شرب الدم؛ مش هذا حرام حرام، والطبيعة أيضاً تنفر منها. لكن النظر إلى النساء، أو معاشرة النساء والاختلاط بهم أو الزنا؛ الشريعة حرمته لكن الطبيعة -الرجل- يميل إلى المرأة، والمرأة تميل إلى الرجل. فهناك محرمات حرمتها الشريعة والنفس البشرية تنفر منها أصلها، وهناك محرمات حرمتها الشريعة والنفس البشرية تميل إليها.
فهنا يقول: المحرمات التي حرمتها الشريعة والنفس البشرية تنفر منها، الشريعة لم تضع لها حداً دنيوياً أو عقوبة دنيوية ارتكازاً على الوازع الطبعي؛ فمن شرب بولاً وفعل حراماً، لكن هل عليه حد؟ نقطع رأسه؟ نجلده مئة جلدة؟ ما في أحد في الشريعة. أما الأمور التي حرمتها الشريعة وفي العادة يميل الإنسان إليها، فهنا الشريعة تضع لها ماذا؟ عقوبات. فالشريعة وضعت عقوبة على الزنا رادعة، وعلى شرب الخمر رادعة، وعلى السرقة رادعة، لأن النفوس تميل إليها، فوضعت الشريعة عقوبة حتى تحسم هذا الباب.
فهذا معنى قوله: «والوازع الطبعي عن العصيان كالوازع الشرعي بلا نكران»، يعني الشريعة اعتبرت الوازع الطبعي كما أنها اعتبرت الوازع الشرعي. فالأمور التي يزعج الطبع عنها وحرمتها الشريعة، الشريعة اعتمدت فيها على الوازع الطبيعي ولم تضع عقوبة دنيوية عليها، وأما الأمور التي يميل الطبع إليها من المحرمات فالشريعة اعتمدت فيها على الوازع الشرعي وليس على الوازع الطبعي، لأنه ليس هناك وازع طبعي، بالعكس، النفس تميل طبعياً إليها، فوضعت لها عقوبة دنيوية.
لكن لما نقول إن المعاصي التي اعتمدت فيها الشريعة على الوازع الطبعي لم تضع عليها الشريعة عقوبة دنيوية؛ لو أن السلطان رأى اختلاف فطرة الناس فيها وأصبح الناس يتلذذون بشرب البول، هل له أن يوقع عليهم عقوبة تعزيرية؟ نعم، يجوز أن يوقع عليهم عقوبة تعزيرية لأن الفطرة والطبيعة انتكست. ونحن اليوم للأسف في زمان غريب عجيب، تجد كثيراً من الفطر انتكست في كثير من البلدان، شوف بعض البلدان يشربون الدم كما تشربون أنتم العصير، هذا انتكاس فطرة، فهنا يعني الشريعة ستقول لا، الوازع الطبعي اختل، فالحاكم الفقيه يضع من العقوبات التعزيرية.
فمعنى هذه القاعدة: إذاً الشريعة في الأمور التي حرمتها أحياناً تعتمد على الوازع الطبعي وتعتبره، فلا تضع عقوبة دنيوية اكتفاءً بالوازع الطبيعي، وهناك أمور لا يوجد فيها وازع طبعي فنضطر أن نضع وازعاً شرعياً من العقوبات الدنيوية كالحدود والتعازير، فنعتماد على الوازع الشرعي؛ فكل شيء اعتبرته الشريعة له حظ.
نعم، وهذا ختام القواعد الفقهية التي نظمها السعود؛ اقرأ، قال رحمه الله تعالى: «والحمد لله على التمام، في البدء والختام والدوام، ثم الصلاة مسللة، من شائعة على النبي وصحبه والتابع عليه الصلاة والسلام». ختم بالحمد لله سبحانه كما أنه بدأ بالحمد، وختم بالصلاة كما أنه ابتدأ بالصلاة.
سريعا يا أحباب الكرام، دعونا نقرأ المنظومة قراءة كاملة لنستذكر مجمل القواعد. طبعاً المتوقع منك بعد أن تخلص من هذا المتن ليس أن تصبح إماماً في علم القواعد الفقهية، المطلوب منك أن تحفظ جملة من القواعد الفقهية وتعرف مباني الشريعة، يعني أظن أن كثيراً منكم الآن أصبح يفهم نوعاً ما فلسفة الشريعة في بناء العديد من الأحكام.
التابع تابع، مشغول لا يشغل، من أدى عن غيره حقاً له أن يطالب أو لا، قضية الخطأ والإكراه والنسيان، أصبحت تعي كثيراً من مباني الأحكام، لكن في النهاية عليك أن تدرس علم القواعد الفقهية دراسة مستوفاة من الكتب المخصصة لهذا العلم. لكن سريعا حتى لا تفوتنا الفوائد، نقرأ هذه المنظومة ونتذكر كل بيت ما هي القاعدة الفقهية التي يشير إليها، فقط قراءة سرد سريع.
نعم، قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلي الرفيق، وجامع الأشياء والمفرق، للنعم الواسعة الغزيرة، والحكم الباهرة الكثيرة. ثم الصلاة مسللة، من دائمية على الرسول القرشي الخاتمي، وآله وصحبه الأبرار، الحائزين مراتب الفخار. اعلم هُديت أن أفضل المنن، علم يزيل الشك عنك والظنن، ويكشف الحق لذي القلوب، ويوصل العبيد إلى المطلوب. فاحرص على فهمك للقواعد، جامعة الشوارد، لترتقي في العلم خير مرتقى، وتقتفي سبل الذي قد وفق. وهذه قواعد نظمتها من كتب أهل العلم، قد حصلتها، جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو مع غفرانه. والبر والنية شرط لسائر العمل، بها الصلاح والفساد للعمل.
«النية شرط لسائر العمل بها الصلاح والفساد للعمل»، هذه تشير إلى أي قاعدة؟ «النية شرط لسائر العمل» هذه قاعدة الأمور بمقاصدها، أو نعبر عنها بـ «إنما الأعمال بالنيات».
نعم، «الدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للقبائح»، هذا يدل على قاعدة الدين مبني على جلب المصالح وعلى درء المفاسد.
«ازدحام عدد المصالح يقدم الأهم من المصالح»، تدل على قاعدة تندرج تحت القاعدة السابقة، إذا تزاحمت المصالح ولم...
يمكن الجمع بينها يقدم أعلاها، وضدها تزاحم المفاسد؛ حيث يرتكب الأدنى من المفاسد الفرعية الأخرى إذا تزاحمت المفاسد ولم يمكن دفعها جميعًا، فيرتكب أدناها. والشرع من أصوله التيسير في كل أمر، فالمشقة أو العسر تجلب التيسير، وليس واجبًا بلا اقتدار ولا محرمًا مع اضطرار.
تحت القاعدة السابقة، والقاعدة الأولى التي تقول: «الواجب يسقط عند عدم القدرة»، والقاعدة المقابلة تقول: «لا محرم مع اضطرار»، أو بالعبارة الأخرى: «الضرورات تبيح المحظورات»، وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة. هذه قاعدة ضابطة لقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وعنوانها: «الضرورة تقدر بقدرها».
وترجع الأحكام إلى اليقين، فلا يزيل الشك اليقين؛ هذه قاعدة كلية كبرى: «اليقين لا يزول بالشك». فالأصل في مياهنا الطهارة، والأرض، والثياب، والحجارة، والأصل في الأوضاع، واللحوم، والنفس، والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل، فافهم هداك الله.
هذه كلها مندرجة تحت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، وكلها ضوابط فقهية: الأصل في المياه الطهارة، الأصل في الثياب الطهارة، الأصل في الأراضي الطهارة، والأصل في الحجارة الطهارة. وأما في الفروج، واللحوم، والنفس المعصومة، والمال المعصوم، فالأصل فيها التحريم -على خلاف في اللحوم على ما بيناه-.
والأصل في العادات الإباحة حتى يجيء خلاف الإباحة، هذه أيضًا مندرجة تحت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»؛ من الأصل في الأمور العادية الإباحة، وأما في العبادات فالتحريم أو التوقيف كما يعبر عنها البعض، وكل فعل ليس مشروعًا من الأمور.
وقرأوا هذا البيت: هذا البيت مشغول أصله، وليس مشروعًا من الأمور، غير الذي في شرعنا مذكور... ما عندكم هذا البيت؟ شيخنا هذا في نسخ مكتوب عندنا في نسخ، لأن أنا عندي نسخة أخرى.
أكمل: قال رحمه الله: «وكل فعل طاعة محظور، سوى الذي في شرعنا مذكور... وسائل الأمور كالمقاصد». وأحكم بهذا الحكم للزوائد من القواعد الفرعية، وهي أن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، والشطر الثاني: التتمات تأخذ أحكام المقاصد. والوسائل تأخذ أحكامًا على التفصيل الذي ذكرنا، وأحكم بهذا الحكم للزوائب؛ هذه شرحناها على أن قاعدة أخرى: الزوائد والتتمات تأخذ حكم المقاصد أيضًا.
«والخطأ والإكراه والنسيان، وأسقطه معبودنا الرحمن... لكن مع الإتلاف يثبت البدل، وينتفي التأثير عنه والزلل». إذا كان الخطأ والإكراه والنسيان، يسقط المؤاخذة، والمراد بالمؤاخذة الإثم الأخروي، وأما الإتلاف الدنيوي فهذا فيه تفصيل في الخطأ وفي الإكراه وفي النسيان.
ومن مسائل الأحكام: «التابع يثبت لا إذا استقل، فوقع». هي قاعدة التابع، التابع يأخذ حكم متبوعه، وأما المستقل فلا يأخذ حكم متبوعه. «والعرف معمول به» إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يضبط، وهذا مثال لهذه القاعدة: «العادة محكمة». وقصد بهذا البيت أن أي لفظ ورد في الكتاب والسنة لم يضبط شرعًا ولا لغة، يرجع في مفهومه إلى العرف.
«نعاجل المحظور قبل أنه قد، باء بالخسران مع حرمانه». معنى هذه القاعدة: من استعجل الشيء قبل أوانه عُقب بحرمانه، إن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد وخلل. تعدّد الشيء إذا نهي عنه بذاته أو لشرطه أو لصفته الملازمة له فهو فاسد لا يترتب عليه أي أثر شرعي.
«ومتلف مؤذية ليس يضمنوا، بعد الدفاع بالتي هي أحسن». هذه قاعدة ماذا؟ من أتلف شيئًا لدفع أذاه لا يضمنه. «والكل في العموم في الجمع والإفراد، كالعلم والنكرة في سياق النفي... أو سياق النهي كذا من وما تفيدان مع كل العمومية». أخي فاسمعا، ومثله المفرد إذا يضاف فافهمه.
هذه كلها قواعد أصولية تتعلق بباب العام، وهي صيغ العموم، إلا إذا دخلت على مفرد أو جمع: «من» وأسماء الاستفهاميات، أو الموصوليات، أو الشرطيات، والنكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري. وما قلنا أخيرًا: المفرد والجمع إذا أضيف إلى معرفة فهو من صيغ العموم.
«ولا يتم الحكم حتى تجتمع الشروط، والموانع ترتفع». هذه قاعدة أن الحكم لا ينبني عليه آثاره حتى تجتمع الشروط وتنتفي الموانع. «ومن أتى بما عليه من عمل، قد استحق ماله على العمل». وهذه مبنية على القاعدة السابقة؛ من أتى بالعمل مستوفيًا لأركانه وشروطه نافيًا لموانعه، ترتبت عليه أحكامه الدنيوية والأخروية.
«ويفعل البعض من المأمور، إن شق فعل سائر المأمور». هذه قاعدة: «الميسور لا يسقط بالمعسور». «وكل ما نشأ عن المأذون، فذاك أمر ليس بالمضمون». الإذن ينافي الضمان، سواء كان إذنًا شرعيًا أو إذنًا بشريًا. إذا أذن لك في شيء وحدث إتلاف على وجه الخطأ، هذه قاعدة تضبط أن الإذن الشرعي أو الشخصي ينافي الضمان في حال عدم وجود تقصير منك.
هذا لا بد منه حتى نفهم القاعدة. «وكل حكم دائر مع علته، وهي التي قد أوجبت لشرعته». الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعلة هي التي تولد الحكم.
«وكل شرط لازم للعقد، في البيع والنكاح والمقاصد... إلا شروطًا حللت محرمًا، أو عكسه فباطلات فاعلما». الشرط ملزم للعاقد، أو الشروط شريعة المتعاقدين، كما يمكن البعض أن يقول سواء كانت في العبادات أو في المعاملات، إلا الشروط التي حللت حرامًا أو حرمت حلالًا فلا عبرة بها.
«تستعمل القرعة عند المبهم، من الحقوق أو لدى التزاحم». هذا بيّن فيه محل استعمال القرعة؛ يجوز استعمال القرعة في صورتين: عند حصول الإبهام، وعند تزاحم الحقوق.
«وإن تساوى العمل إن اجتمع، وصح فعل واحد فاستمع». إذا اجتمع عملان من جنس واحد وكان أحدهما مقصودًا لغيره، فإنهما يتداخلان باختصار. «وكل مشغولين فلا يشغلوا»، مثاله المرهون والمسبل. قاعدة: «المشغول لا يشغل بفعل آخر حتى ينتهي شغله الأول».
«ومن يؤدي عن أخيه واجبًا له، الرجوع إن نوى يطالبًا». من أدى واجبًا عن غيره له أن يعود فيطالبه إذا نوى الرجوع ابتداءً، سواء استأذن أو لم يستأذن عند الحنابلة.
«والوازع الطبيعي عن العصيان، كالوازع الشرعي بلا نكراني». الأمور التي حُرمت شرعًا اعتبر فيها أحيانًا الوازع الطبيعي، واعتبر فيها أحيانًا الوازع الشرعي، فرتبت عقوبة في بعض الأحيان ولم ترتب عقوبة في أحيان أخرى.
والحمد لله على التمام في البدء والختام والدوام، ثم الصلاة والسلام على النبي وصحبه والتابعين. وبارك على سيدنا محمد، ونجوزكم بهذه المنظومة بأسانيدنا المتصلة إلى العلامة السادة رحمه الله تعالى عليه.
القاعدة الخامسة والأخيرة من القواعد الفقهية الكبرى هي قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار». ومعنى هذه القاعدة: لا يجوز للإنسان أن ينشئ الضرر بغيره، وإذا أضره غيره فلا يجوز أن يتعدى في مقابلة الإساءة بالإساءة. لا يجوز للإنسان أن ينشئ تصرفًا من عنده يوقع ضررًا على الآخرين ابتداءً؛ هذا «لا ضرر»، أما «لا ضرار» فإذا أضر بي فلا يجوز في معاقبته.
أن أتجاوز الحد الشرعي في العقوبة فأقابل ضرره بما يناسبه بدون تعدٍ على هذا المقدار، وهذه قاعدة مهمة جداً في أبواب المعاملات ولها فروع كثيرة تندرج تحتها.
لقد نبهنا الأخ عليها أن القاعدة الأخيرة التي هي من القواعد الكلية الكبرى، ولم يذكرها شيخنا السعدي رحمه الله تعالى، هي قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار». ومعنى هذه القاعدة باختصار: لا يجوز للإنسان أن ينشئ فعلاً ضاراً بغيره؛ فشخص بنى بيتاً وفتح في بيته قوة أو شباكاً يطل على بيت جاره، هل يجوز هذا؟ ضرر بالآخرين. شخص يريد يبني شيئاً وهذا البناء سيؤثر على بناء العمارة التي بجانبه، في علم الهندسة المعمارية يجوز أم لا يجوز؟ وعلى ذلك فقس.
لا يجوز للإنسان أن ينشئ تصرفاً يوقع الضرر بغيره، وإذا أضرني غيري فلا يجوز عند معاقبته أن أتجاوز الحد في ماذا؟ في الضرر عليه. هذه القاعدة باختصار، ولها فروع كثيرة تدرس إن شاء الله في المطولات وفي دورات أكثر تفصيلاً.
نشرع إن شاء الله في الكتاب الثالث، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى كتاب الكبائر للعلامة الذهبي رحمه الله تعالى. كتاب الكبائر حقيقة يركز على فكرة مهمة؛ ما هي الكبائر؟ ولماذا نهتم بدراسة الكبائر؟ أولاً: لأن كثيراً من الناس يقع في كبائر وهو يتوهم أنها صغائر، وستجدون عندما تقرأون هذا الكتاب أن ربما كثير من طلاب العلم وطالبات العلم يقعون في كبائر وهم يتوهمون أنها من الصغائر.
ثانياً: الشيء الذي يدفعنا لدراسة الكبائر والتعرف عليها بالتفصيل، أن الله تكفل لمن اجتنب الكبائر أن يغفر له الصغائر ولا يعاقب عليها يوم القيامة. ماذا قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. يعني الصغائر، بالتالي لما يكون عندك وعد بهذا الحجم، أنه إذا أنا في حياتي ما ارتكبت ولا كبيرة، فكل الصغائر التي فعلتها سيتجاوز الله عنها.
إذن، هذا يقتضي مني ماذا؟ أن أتعرف على الكبائر حتى أجتنبها، بحيث إذا وقعت في الصغائر لضعف نفسي -ليس لأني أصير أعمل الصغائر طبعاً لا، المراد إذا وقعت في الصغائر- أكون الحمد لله أنا في الحيز الآمن، لم أقع في الكبائر. لأنه من وقع في الكبائر ليس له وعد من الله أن ينجيه من النار. فبالتالي فرصة مهمة جداً أن تتعرف على الكبائر حتى تجتنبها ولا تقع في حيزها، فكم من كبيرة للأسف بعض المتدينين والملتزمين يقعون فيها وهم يتوهمون أنها من الأمور الهينة.
فدراسة الكبائر والوقوف عليها أمر ممتاز، ومن أفضل الكتب التي عُنيت لهذا الباب كتاب الكبائر للعلامة الذهبي. لكن مما استفدنا منه في التحضير لهذه الدورة، أن هذا الكتاب له نسخ كثيرة منتشرة في الأسواق، وأغلبها ليست صحيحة. كتاب الكبائر أكثر من حققه في هذا الزمان، حققه على نسخ خطية غير دقيقة؛ ولذلك يخرج الكتاب في بعض النسخ 300 أو 400 صفحة وينسب كلاماً للذهبي كثير فيه وهو غير صحيح، وإنما هو كلام محشّين ومعلقين على الذهبي نُسب إلى الذهبي خطأً.
بالتالي عليك أن تكون متحققاً من النسخة التي تقتنيها لهذا الكتاب، والأخوة تعبوا حتى وصلوا إلى تحقيق هذه النسخة بالشكل الصحيح الجيد على ما هو أوضح أنه للإمام الذهبي وليس مما نُسب إلى لسانه، فعليك أن تعتني حتى لا تخطئ في اقتناء نسخة غير دقيقة لهذا الكتاب.
نشرع إن شاء الله في هذا الكتاب مستعينين بالله سبحانه وتعالى، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: «الحمد لله على الإيمان به وبكتبه ورسله وملائكته وأقداره، وصلى الله على نبينا محمد وآله وأنصاره صلاة دائمة تحلنا دار المصافاة جواره. هذا كتاب نافع في معرفة الكبائر إجمالاً وتفصيلاً، رزقنا الله اجتنابها برحمته، آمين آمين».
قال الله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. فهنا الذهبي أتى بهذه الآية ليبين قيمة دراسة هذا الكتاب، والقيمة المرجوة من دراسة هذا الكتاب أن أتعرف على الكبائر حتى لا أقع في حيزها؛ لأن الله وعدني أنني إذا اجتنبت الكبائر أن يتجاوز لي عن الصغائر.
قال الله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. فقد تكفل الله بهذا الوعد لمن اجتنب الكبائر بأن يدخله الجنة. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 70]. هذه الآية ذكرها الله في سياق بيان أهل الإيمان، فقال: «فأهل الإيمان الذين يجتنبون كبائر الإثم»، ولم يقل «الذين يجتنبون المعاصي»؛ ليه؟ لأن المعاصي مكتوبة علينا، ولو لم نعصِ لأتى الله بقوم يعصون ويتوبون، فالمعاصي مقبولة في النهاية، إنها فرضت علينا والمطلوب منا أن نستغفر منها.
لكن الشيء غير المقبول أبداً هو أن تقع في الكبائر. المعاصي والضعف الإنساني متصور، ولا يعصم إلا من عصمه الله من الأنبياء، وأما سائر البشر فالمعاصي متوقعة، وقصدي مقبولة ليس أنها مطلوبة، إنما هي مستحملة متوقعة منك، فلذلك لما وصف الله أهل الإيمان لم يقل «الذين لا يعصون» لأن هذا يحملنا فوق طاقتنا، وإنما قال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾. فمن مصلحتك إذاً أن تعرف ما هي كبائر الإثم والفواحش حتى تكون من أهل الإيمان. والذي يقع في الكبائر ويصر عليها لا يستحق اسم المؤمن بحد ذاته.
وكلمة كبيرة، يعني بعض يقول: خلاص إذاً سأصير الآن أعمل الصغائر وأترك الكبائر! لا، هو أصلاً الإصرار على الصغيرة، أن تصر عليها ولا تتوب منها، هو بحد ذاته كبيرة، فانتبه حتى لا تخطئ في هذه الزاوية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن ما لم تُغشَ الكبائر». وهذه أيضاً أمر يدفعك لدراسة الكبائر، وهي أن كثيراً من أمور المغفرة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث مرتبطة بالمغفرة فيها باجتناب الكبائر. فلما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما»، هذا له شرط أن تجتنب الكبائر، أما إذا لم تجتنب الكبائر فلا تحصل لك المغفرة من رمضان إلى...
رمضان، ولا من الجمعة إلى الجمعة، ولا من صلاة إلى صلاة. بالتالي كل هذه الأمور يذكرها الذهبي في البداية حتى يخبرك يا بني: لابد أن تعرف الكبائر، ما ينفع فقط أن تدرسها، لابد أن تقف عليها بالتفصيل وتعرف ضوابطها حتى لا تكون واقعًا في شيء منها وأنت غير ملتزم.
قال رحمه الله: «فتعين علينا بعد قراءتنا لهذه النصوص...»؛ هذه الفاء تفريعية، يعني إذا عرفت كل هذه النصوص فيتعين عليك أيها المسلم أن تدرس الكبائر بالتفصيل لتعرفها ولتشتربها. قال رحمه الله: «فتعين علينا الفحص عن الكبائر»، ما هي؟ لكي يجتنبها المسلم.
فوجدنا العلماء قد اختلفوا فيها، فقيل هي سبع، واحتج العلماء في عدد الكبائر: هل الكبائر هي فقط السبع الموبقات التي ذكرها النبي ﷺ في حديث «اجتنبوا السبع الموبقات»؟ هذا أضعف الأقوال، وهو قول خطأ، والصحيح أن الكبائر أكثر بكثير من السبع الموبقات، ليست فقط سبعًا.
فقيل هي سبع واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر الشرك، والسحر، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات؛ يعني قذف العفيفات الطاهرات اللواتي لم يقعن في الفاحشة. فهل الكبائر هي فقط الشرك والسحر والقتل العمد وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي من المعركة وقذف النساء الطاهرات؟ هل هي فقط هذه الكبائر؟ ذكر ذلك بعض أهل العلم، لكن هذا قول ضعيف، والكبائر أكثر من ذلك.
لذلك سيأتي عن ابن عباس أنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، هكذا يقول ابن عباس؛ هي أن تكون سبعين أقرب من حيث الصحة من أن تكون فقط سبعًا. قال: وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع». إن عدد الكبائر سبعين، هذا أصح من كونها سبعًا، وهذا يدل على أن الكبائر... فينتبه المسلم.
صدق والله ابن عباس، والحديث فما فيه حصر الكبائر. هنا الذهبي يرد على القول الأول، يقول: هذا الحديث «اجتنبوا السبع الموبقات» لم يحصر الكبائر في سبع، وإنما قال اجتنبوا سبعًا معينة، هل هذا أسلوب حصر؟ لا، فبالتالي لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على أن الكبائر فقط سبعة. والذي يتجه ويقوم عليه الدليل أن من ارتكب حوبًا من هذه العظائم مما فيه حد في الدنيا...
سيذكر الذهبي ضابط الكبير؛ حقيقة العلماء اختلفوا في ضابط الكبيرة، وهناك أكثر من عشرة أقوال في تعريف الكبير، لكن هنا الذهبي يختار ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الكبير، وهي: «أدنى الكبيرة: كل ما جاء فيه نص بعقوبة دنيوية أو تهديد أخروي».
كل معصية جاء فيها نص بعقوبة دنيوية مثل الرجم أو قطع اليد، أو تهديد أخروي، فهذه تصنف تحت الكبائر. هذا تعريف الكبيرة، بالتالي كيف سنعرف الكبائر باستقراء النصوص؟ تنظر كل معصية وجدت فيها عقوبة دنيوية أو تهديدًا أخرويًا فهذه كبيرة تجتنبها.
قال: «مما فيه حد في الدنيا كالقتل والزنا والسرقة، أو جاء فيه وعيد في الآخرة، أو من فعل كذا فسا... من الكبائر، أو لعن فاعله على لسان نبينا محمد ﷺ فإنه كبيرة». ولا بد مع تسليم ذلك أن بعض الكبائر أكبر من بعض، إذ هل الكبائر كلها في مرتبة واحدة أم هي متفاوتة؟
هي متفاوتة؛ فالشرك من الكبائر وهو أكبر الكبائر، وقد ورد في بعض الأحاديث مصطلح «أكبر الكبائر». بالتالي الكبائر عرفنا ضابطها: كل ما فيه عقوبة دنيوية أو تهديد أخروي، وهي متفاوتة فيما بينها في شدة العقوبة عليها، فهذا يجب أن يكون عندك.
ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام عدَّ الشرك من الكبائر مع أن مرتكبه مخلد في النار ولا يغفر له أبدًا؟ فهذا يدل على أنه أكبر الكبائر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72]. ولا بد من الجمع بين النصوص.
قال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالها ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله. قال ﷺ واستعمل مصطلح «أكبر الكبائر»، إذًا هذا يدل على أن الكبائر متفاوتة فيما بينها: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
الكبائر متفاوتة، فبين عليه الصلاة والسلام أن قول الزور من أكبر الكبائر وليس له ذكر في السبع الموبقات، وكذلك هذا تأكيد أن الكبائر ليست فقط السبع الموبقات، بدليل أنه ﷺ ذكر أن شهادة الزور من أكبر الكبائر مع أنها لم تذكر في حديث «اجتنبوا السبع الموبقات»، إذًا الكبائر أكثر من ذلك. سنبدأ الآن بتعدادها واحدة واحدة.
قال رحمه الله تعالى: «فالكبيرة الأولى: الشرك بالله تعالى»، وهي أعظم الكبائر، والسبب في تخليد الإنسان في النار إذا لم يتب قبل موته، وهو أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك وتعبد معه غيره من حجر أو بشر، أو شمس أو قمر، أو نبي أو شيخ أو جني أو نجم أو ملك أو غير ذلك؛ أي شيء عبدته مع الله أو عبدته من دون الله فهذا شرك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. ستلاحظون طريقة الذهبي، كل كبيرة يأتي بها سيأتي بالأدلة التي تدل على وجود عقوبة دنيوية أو تهديد أخروي، هذه طريقته في الكتاب؛ كل الكبائر سيهتم بجمع النصوص التي تدل على وجود عقوبة دنيوية أو تهديد أخروي، لأن هذا هو ضابط الكبير، فهو سيثبت لك بالدليل أن هذه كبيرة من خلال استقرائه للنصوص.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. والآيات في ذلك كثيرة، فمن أشرك بالله تعالى ثم مات مشركًا فهو من أصحاب النار قطعًا، كما أن من آمن بالله ومات مؤمنًا فهو من أصحاب الجنة وإن عذب، وحتى ولو دخل النار، فكل من مات موحدًا لله يخرج من النار ولو دخلها.
فقال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله»، على أن الشرك من أكبر الكبائر. وقال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر منها الشرك، فهذا دليل أيضًا على أن الشرك من الكبائر، وقال: «من بدل دينه فاقتلوه»، صح، هذا تهديد دنيوي وعقوبة على...
المرتد، وهذا يدل على أن الكفر والشرك من الكبائر.
قال رحمه الله: الكبيرة الثانية قتل النفس؛ أن تقتل نفساً معصومة، ولا بد أن نقيد هذا بـ "قتل النفس المعصومة"، أما النفس مهدرة الدم فقتلها ليس من الكبائر. قتل النفس المعصومة عمداً، أما إن قتلها خطأً فليس كبيرة. أيضاً من الكبائر قتل النفس المعصومة عمداً.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. وتهديدات واضحة مما يجعل قتل النفس من الكبائر. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69].
العذاب ومضاعفة العذاب يدل على أن هذه الأمور الثلاث من الكبائر، ومنها قتل النفس؛ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، من قتل نفساً من دون قصاص، لأنك ممكن تقتل شخصاً متعمداً قصاصاً فهذا لا إشكال فيه، «ولكم في القصاص حياة». أما من قتل نفساً بدون نفس، أي غدر بنفس لم تفعل شيئاً يستحق القتل والقصاص، منها نعم. وقال تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فهذا لفظه «كأنما قتل الناس جميعاً» يدل على عظم الاعتداء على النفس المعصومة وأن قتلها كبيرة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، هي التي تقتل وهي صغيرة كما كان يفعل الجاهليون مع البنات.
فقال النبي ﷺ: «اجتنبوا سبعاً موبقات»، فذكر قتل النفس التي حرم الله. وقال عليه الصلاة والسلام، وقد سئل: «أي الذنب أعظم؟» قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم»، فجعل قتل الولد -وهو قتل لنفس معصومة- من أكبر الكبائر ومن الذنوب العظيمة. قيل: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك».
وقال ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، هنا توعد القاتل بالنار وكذلك المقتول، والتوعد بالنار يجعل هذه المعصية من الكبائر. أنا أريدك أن تفهم فلسفة في إيرادات الأدلة وما الذي يقصده من أرادها؛ إما أن يكون فيه كما قلنا تهديد أخروي أو عقوبة دنيوية، ولذلك تولد هذه الأدلة. إذاً التفهم يجعل الكتاب سهلاً، لذلك لا أظن أننا سنحتاج وقتاً طويلاً في القراءة، لكن أريدك أن تفهم لماذا يورد هذه الأنواع من الأدلة.
«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه». وقال ﷺ: «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً»، ما زلت في سعة وفي خير وفي دينك حتى تصيب دماً حراماً؛ يدل على أهمية أن يتقي المسلم الله سبحانه وتعالى في الدماء المعصومة، وألا يجازف في قتل النفوس ويتساهل فيها، وفي تكفيرها وفي استحلال الدماء، فإن هذا الموضوع كبير جداً عند الله سبحانه. القضية ليست لعباً ولا مزاحاً، قضايا التكفير وقضايا استحلال الدماء التي يعتبر الإنسان هذا الكلام يقال في المجالس فيستحل دماً ويقتل، هذا يا إخواني أمر عظيم جداً.
فليتق الله الإنسان المسلم ويعرف حجم هذه المسائل، فإن قد تكون تريد خدمة الدين، فإذ أنت توبق نفسك بالهلاك والخسران عند الله لأنك تستعجل في قضايا ليس لها إلا العلماء الثقات من يتكلم فيها، وليس الناشئة والنابتة.
وقال ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، ربما قال: اضربوا بعضكم رقاب بعض. وقال بشير بن مهاجر عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا». هذا يعني أن قتل نفس معصومة أعظم عند الله من زوال الدنيا، وهذا أهمية التروي والتمحص والتفحص، وأن الأمر ليس شيئاً سهلاً أن تحكم أن شخصاً مهدر الدم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» لفظه لفظ البخاري. وقال عليه الصلاة والسلام: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء». وقال فيما عندنا في القواعد الفقهية: «إن الأصل في الأنفس المعصومة والآموال المعصومة التحريم».
وقال: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء». وفي حديث آخر: «أول ما يقضى على العبد ماذا؟» قالوا: الصلاة، قال: «فأول ما يقضى بالصلاة في أمور، وأول ما يقضى بالدماء في أمور الحقوق البشرية». أما نقول أول ما يقضى بين الناس في الدماء فهذا في أمور حقوق الناس، وأما في حقوق الله فأول ما يقضى هو الصلاة، حتى نفهم الأحاديث نجمع بينها.
وعن الشعبي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «أكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين». وقال حميد بن هلال أنبانا نصر بن عاصم، أنبانا عقبة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله أبى على من قتل مؤمناً» قالها ثلاثاً، وهذا على شرط مسلم؛ أي: أبى عليه الشفاعة.
وقال النبي ﷺ: «ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها»، لأنه أول من سن هذه السنة السيئة، أول من أراق دماً على الأرض، ابن آدم؛ لأنه أول من سن القتل، متفق عليه. وعن ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة»، هذه الدماء التي يسفكها أعداء الأمة وفي النفوس المعصومة كلها، على ابن آدم الأول نصيب من إثمها، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً، أخرجه البخاري والنسائي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ألا من قتل نفس المعاهد لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله»، ولا يرح رائحة الجنة. والنفس المعاهدة والذمي الكافر المعصوم الدم، الذي عاهدنا وعقد معنا عهداً، أو المستأمن الذي دخل بلادنا بأمان وأخذ عهداً بالأمان، فهذا لا يجوز قتله أو لمسه، ومن قتله لم يرح رائحة الجنة. «فقد أخفر ذمة الله»؛ أي خان ذمة الله، لأنك عندما تعطي شخصاً الأمان أنت أعطيته عهد الله، فلا يجوز أن تخفر الله في ذمته، هذا عهد الله. «ولا يرى رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفاً»، صححه.
الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعان على قول كافر بشطر كلمة، لقي الله مكتوبًا بين عينيه أيس من رحمة الله». الإمام أحمد وابن ماجه ذكرا هذا، أنت إذا كفرت مسلمًا وكنت سببًا في قتله، أنت مسؤول عن هذا القتل يوم القيامة حتى ولو لم تباشر القتل، إذا كنت سببًا في قتل نفس معصومة من خلال تكفيرها أو القول بأن دمها هدر يجوز أن تقتلوه، فقد أعنت على قتل نفس معصومة فستلقى الله وأنت أيس من رحمته. وهذا كله يدل على أن قتل النفس أو المشاركة في قتلها ولو بكلمة من الكبائر.
وعن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا». أخرجه النسائي.
قال رحمه الله: الكبيرة الثالثة السحر؛ لأن الساحر لا بد أن يكفر. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 102]. فلا بد أن يكفر في أغلب أحواله، لأن هناك بعض السحر هو حرام لكنه لا يكفر، قالوا إذا لم يكن فيه ارتكاب ما هو مكفر من سب الله أو المصحف أو الإهانة. السحر حرام كله، لكن هل كله مكفر؟ الصحيح أن هذا فيه تفصيل؛ بعض أنواعه الذي فيه سب الله أو القرآن أو الاستهانة بالشرائع يكفر صاحبه، وبعضها ليس فيه شكل من الكفر لكنه محرم من الكبائر، فهو من الكبائر بجميع صوره، لكن ليس كما قال الذهبي: لابد أن يكفر، ليس كل السحر يصل بصاحبه إلى الكفر، حتى الفقهاء الشافعية قالوا في ذلك كثيرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]. لماذا كفروا؟ لأنهم يعلمون الناس السحر، فهذا سبب كفرهم، قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فهذه أكثر صورة فيها كفر، ولكن ليس في جميع صوره.
﴿وَمَا لِهَٰذَا الشَّيْطَانِ الْمَلْعُونِ غَرَضٌ فِي تَعْلِيمِ الْإِنْسَانِ السِّحْرَ إِلَّا لِيُشْرِكَ بِهِ﴾ [البقرة: 102]. وقال الله تعالى عن هاروت وماروت: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102]، إلى أن قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102]. وهذا فيه أكبر تهديد وأكبر بيان على الوعيد على السحر، سواء كفرت أو لم تكفر، وهو كبير.
الآيات تشير إلى أن هناك خلقًا كثيرًا من الضلال يدخلون في السحر ويظنونه حرامًا فقط، وما يشعرون أنه الكفر، فيدخلون في تعليم السيمياء وعملها وهي محض السحر، وفي هذا عند زمانهم كانوا يسمون بعض الأشكال الكيمياء، كانوا يعتبرونها من السحر. وفي عقد المرء عن زوجته وهو سحر، وفي محبة الزوج لامرأة عن زوجته، بعض أنواع السحر تفرق بين الرجل وزوجته، للأسف حتى اليوم جهال السحرة يفعلون ذلك، في محبة الزوج لامرأته وفي بغضها وبغضه وأشياء ذلك بكلمات مجهولة أكثرها شرك وضلال.
نعم، أكثر هذا السحر شرك، لكن قد يكون بعض صوره -وأنا أقول قد وأستثني دائمًا حتى لا يستعجل الإنسان أن يخشى أن تأخذ هذه العموميات وتصبح تسقطها على الناس مستعجلاً- لذلك ننبه على الاستثناء، وإلا فالسحر من أعظم الكبائر باتفاق الأمة.
قال رحمه الله: وحد الساحر القتل لأنه كفر بالله. لم يكفر، حد الساحر القتل كفره أو لم يكفر، يقتل. قال رحمه الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فالسحر من بينها، أي قارب الكفر وإن لم يكفر حقيقة. فليتق العبد ربه ولا يدخل فيما يخسر به الدنيا والآخرة.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حد الساحر ضربة بالسيف»، وصحيح أنه من قول جندب، وهذا الحديث الصحيح أنه ليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول الصحابي جندب بن سفيان. وقال مجال بن عبده: أتانا كتاب عمر رضي الله عنه قبل موته بسنة أن اقتل كل ساحر وساحرة.
وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه في عقوبته، هو أيضًا من أدلة أن الفعل كبيرة كما قلنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر» رواه أحمد في مسنده. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «الرقى والتولة شرك» رواه أحمد وأبو داود. والتولة نوع يفعلونه من السحر، كانوا يصنعونه يفرقون به بين المرء وزوجه أو ما شابه ذلك.
قال رحمه الله: أتيه ولا نوع من السحر وهو تحبيب المرأة إلى الزوج، والتميمة خرزة ترد العين. واعلم أن كثيرًا من هذه الكبائر، بل عامتها إلا الأقل، يجهل خلق كثير من الأمة تحريمه. انتبهوا لما يقول الذهبي هنا: إن الكبيره -أحبابي- إذا كان الإنسان يجهل أنها كبيرة أو يجهل أنها محرمة لا يقع عليه أنه ارتكب الكبيرة. لو أن إنسانًا أسلم جديدًا ولا يعرف أن هذا الشيء حرام في الإسلام، لا نقول إن فلانًا يقع عليه الوعيد عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة لأنه جاهل، لا يقع عليه الوعيد حتى يعلم، أو يكون شيء معلوم من الدين بالضرورة.
هذه فكرة يريد الذهبي أن يركزها حتى لا تستعجل على المسلمين الجدد؛ بعض الناس مسلم جديد لا يعرف أن الخمر كبيرة يشربها، هل نقول أنت ملعون وأنت يوم القيامة لن تدخل الجنة؟ لا، لأنه لم يعرف علمهم بعد، فإذا علم توقع عليه الحكم.
واعلم أن كثيرًا من هذه الكبائر، بل عامتها إلا الأقل، يجهل خلق كثير من الأمة تحريمه وما بلغه الزجر فيه ولا الوعيد، فهذا الضرب فيهم تفصيل؛ فينبغي للعالم ألا يستعجل على الجاهل، ينبغي أن لا يستعجل على الجهلاء، بل يرفق بهم ويعلمهم مما علمه الله.
وإذا كان قريب العهد بجاهليته، كمن نشأ بالجاهلية ثم أسلم جديدًا، أو نشأ في بلاد الكفر وانتقل حديثًا إلى بلاد الإسلام، متوقع أن يقع في كبائر وهو لا يعرف أنها معصية. قد نشأ في بلاد الكفر البعيدة وأُسر وجُلب إلى أرض الإسلام، لما كانوا يستجلبون من الحروب السبايا من العبيد، والإمام قال وهو تركي كافر أو كردي مشرك لا يعرف العربي، فاستراه كثير من السبايا الأعاجي، أي السبي العجم الذي كان يحصلون عليه في المعارك، يسلمون وهم لا يعرفون أحكام الإسلام، فيجب أن يعلموا وأن يرفق بهم قبل أن يستعجل عليه. قال: فاشتراه أمير تركي لا علم عنده ولا فهم، فبالجهد أن تلفظ بالشهادتين، فإذا مسكين.
هو عبد أُسر من بلاد الكفار، يجنب الجهد، يعني يا دوب تلفظ بالشهادتين. ومن فائدة الرق قديما من المعارك، ما هو أنه نستجلب هؤلاء الآثاري ليعيشوا في بلاد الإسلام، أتعرفوا على الإسلام ويسلموا عندنا فنستفيد من ذلك، هذه فائدة الرق. فيقول بالجهد أن تلفظ، يعني يا دوب استطعنا نقنعه أنه يسلم، فحبّة حبة هكذا.
قال الذهبي: «فإن فهم بالعربية حتى يفقه معنى الشهادتين بعد أيام وليال». بدك تفهم العربي وتفهم شو معنى الشهادتين، وشوي شوي حتى يعرف شو يعني لا إله إلا الله. فباختصار هو الذهبي يعطيك معلومة: لا تستعجل في إيقاع الأحكام. قال: «فإن فهم بالعربية حتى يفقه معنى الشهادتين بعد أيام وليال»، فبها ونعمة.
ثم قد يصلي وقد لا يصلي، وقد يلقن الفاتحة. ومع طول أن كان أستاذه في دين ما، إذا كان أستاذه وسيده عنده دين ممكن والله يتفرغ ليعلم هذا العبد، ويمكن لا يشتغل بتعليمه فيبقى العبد جاهلا بكثير من أمور الإسلام. قال: «فإن كان أستاذه شبيها به»، يعني إذا كان سيده زيه لا يعرف أحكام الإسلام، مسكين هذا العبد أنه وقع مع سيد جاهل.
قال: «فمن أين لهذا المسكين أن يعرف شرائع الإسلام والكبائر واجتنابها والواجبات وإتيانها؟». فإن عرف هذا، عرف موبقات الكبائر وحذر منها، وأركان الفرائض واعتقادها، فهو سعيد؛ هذا يكون سعيدا إذا وفق إلى شيخ أو سيد يعلمه الكبائر ليجتنبها، ويعلمه الفرائض ليقوم بها. هذا نصيبه جميل، يعني قال: «وذلك نادر أن يوفق إلى سيد يهتم به». نعم، قال: «فينبغي للعبد أن يحمد الله تعالى على العافية».
الحمد لله. فإن قيل: هو فرّط لكونه ما سأل عما يجب علينا؟ هذا العبد لا هو محاسب على الكبائر لأنه لم يسأل عنها، فماذا نجيب؟ هل هو مفرط لأنه لم يسأل عن الكبائر أول ما أسلم؟ ماذا يقول الذهبي؟ قيل: هذا ما دار في رأسه ولا استشعر أن السؤال من يعلمه يجب عليه. يعني هو أصلا بخاطر باله أن هذا الشيء حرام حتى يروح يسأل عنه، فكيف نحاسبه على شيء لم يدر في ذهنه ابتداء؟ فهمت ماذا يقول؟ ما تقول والله لا هو مسؤول لأنه لم يسأل، لأنه حتى ولو لم يسأل الجواب هو لم يخطر في باله أن الشيء حرام حتى يسأل عنه، فكيف تحاسبه على شيء لم يخطر في ذهنه؟
فباختصار الذهبي يريد أن يقول لك: يعذر بالجهل في هذه المسائل، هذا ما يريد باختصار. يعذر بالجهل في هذه المسائل حتى يعلم، إذا علم بعد ذلك خلاص لا نعذره. قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: 40]. فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه. إذا فلا يأثم أحد إلا بعد أن يتعلم وتقام عليه الحجة، بعد ذلك نحكم عليه، ونحكم عليه بأن الكبيرة وقعت عليه وأنه مهدد بها يوم القيامة، والله لطيف بعباده رؤوف بهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، والواجب والتحريم ينزل على النبي ﷺ فلا يبلغهم تحريمه إلا بعد أشهر، هذا استدلال منه على العذر بالجهل في الكبائر. أنتم كثير من الصحابة كانوا في الحبشة، أليس كذلك؟ والإسلام ينزل بأحكامه في المدينة. هؤلاء الذين في الحبشة ما كان لا في تليفونات ولا اتصالات ولا أقمار صناعية، فبالتأكيد كانوا يقعون في محرمات وهم لا يعرفون أنها محرمة؛ كانت النساء تتبرج، كانوا يشربون الخمر ولا يعرفون أنها حرمت لأنهم كانوا في الحبشة ولا يوجد عندهم وسيلة تنقل لهم أن الإسلام حرم هذه الأمور.
قال رحمه الله: «فهم في تلك الأشهر معذرون بالجهل». حتى في تلك الأشهر أثناء إقامتهم في الحبشة، الصحابة كانوا معذورين بالجهل بالتحريمات التي وقعت في المدينة. قال: «معذرون بالجهل حتى يبلغهم النص». فكذا يعذر بالجهل كل من لم يعلم حتى يسمع النص، والله تعالى يسمع النص أو يكون الشيء علم تحريمه بالضرورة وهو يعيش معنا في بلادنا. يعني مستحيل شخص في الأردن صار له عايش معنا عشرين سنة ما يعرف أنه الخمر حرام، حتى ولو لم يسمع النص فهو ليس ضرورياً أن يسمع النص، يكتفي أن يكون يعيش في بلاد الإسلام منذ فترة طويلة بحيث يعلم من الضرورة تحريم كثير من الأمور. أما من هو قريب وعاد بالإسلام أو نشأ في ديار الكفر وجاء عندنا، فهذا من يعذر بالجهل حتى يعلم.
ونقف اليوم عند هذا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل