بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في اليوم الخامس من دورتنا المباركة "مدارج العلم" بنسختها الثانية لعام 1440 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونحمد الله سبحانه وتعالى أن ما زال يمتنا بهذه الأنفاس، وبهذه الهمم، وبهذه المقاصد الشريفة، أنه يتم علينا ختم كتاب بعد كتاب، وختم مصنف بعد مصنف، والوقوف على كليات هذه الشريعة وجمليتها؛ فهذه من النعم العظيمة في زمن قل فيه العلم، وانتشر فيه الجهل، وقل فيه من يقبل على دراسة العلوم الشرعية.
فإقبالكم وانشغالكم بهذه العلوم هو خير عظيم ومقام رفيع استعملكم الله سبحانه وتعالى به، ويجب عليكم أن تواظبوا على هذه الهمم وعلى هذه المقاصد الشريفة في هذه الحياة؛ فإن العمر اقتناص، وإن الحياة لحظات وتنقضي. فإذا عرفت أن العيش اقتناص، فإن خير العيش هو عيش قربك من الله سبحانه وتعالى، وخير مجلس جلست فيه في هذه الحياة هو مجلس علم انتفعت به، وازددت به معرفة بدينك ومعرفة بشريعة إلهك سبحانه وتعالى.
ونحمد الله سبحانه وتعالى أن ما زال العدد كما هو، وأن ما زالت تتوافدوا، ويصرف الله همتها إلى هذا الخير؛ فهذا إذن من الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة بالفرج، ووعد لها أنه سبحانه وتعالى لن يعدمها من الخير ما دامت فيها مثل هذه الوجوه النضرة، التي تجلس أمام هذه الوجوه المتوضئة الطاهرة التي ما جاءت هنا لطلب الدنيا، ولم تأتِ من أجل شهوة أو لذة دنيوية، وإنما همها أن ترضي ربها سبحانه وتعالى وأن تتفقه في دينه.
فالحمد لله أنه ما زال يغرس في هذه الأمة غرساً يستعملهم في طاعته. الحمد لله أننا لم نصل إلى زمن تندرس فيه معالم الخير، ما زلنا على ما في هذه الأمة من فتن وشهوات، ما زال الخير قائماً، وما زلنا نعيش في زمن يذكر فيه ربنا سبحانه، ويذكر فيه الفقه، ويذكر فيه العقيدة، ويذكر فيه التفسير. فقد جاء في الآثار أنه يأتي على الناس أحبابي الكرام بالكاد تذكر فيه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
فالحمد لله أننا لم ندرك هذا الزمن، والحمد لله أننا نجلس ونتعلم؛ اليوم عندنا درس في العقيدة، وبالأمس درس من القواعد الفقهية، ووقفنا على الشمائل المحمدية عليها صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وغداً عندنا الفقه، وهكذا فنحن بحمد الله في خير. فاحمد الله أنه لم يجعلك في زمن يجهل فيه الناس أمر دينهم، وأنك توفق إلى مجالس الخير، وأنك تسمع من طلبة العلم ومن دعاة الخير ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى ويرفع الجهالة عن نفسك؛ فهذا والله نعمة الزاد الذي تتزود به إلى رحلة الدار الآخرة. فالحمد لله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً.
مجلسنا اليوم أحبابي الكرام مع كتاب جديد من كتب هذه الدورة، وهو كتاب في علم الاعتقاد، هذا الكتاب اشتهر بين أهل العلم باسم "العقيدة الواسطية" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ويسمى أيضاً بـ "اعتقاد أهل السنة والجماعة"، هذا اسم آخر له، وإنما شهر باسم العقيدة الواسطية؛ لأن قاضي منطقة واسط في العراق الإمام رضي الدين الشافعي رحمه الله تعالى خرج في رحلة حج فمر ببلاد الشام ومر بدمشق، والتقى بشيخ الإسلام ابن تيمية، وشكى إليه عموم الجهل في العراق وفي بلاد واسط بأمور اعتقاد أهل السنة والجماعة، فطلب من شيخ الإسلام أن يكتب له هذه العقيدة مختصرة ليقرأها على عامة المسلمين في بلاد واسط في العراق.
فاعتذر إليه شيخ الإسلام في بادئ الأمر وقال له إن كتب أهل الحديث في الاعتقاد كثيرة، لكن رضي الدين الشافعي أصر أن يكتب شيخ الإسلام معتقداً مختصراً يحسم به الخلاف بين المسلمين، فكتب شيخ الإسلام هذه العقيدة وأصبحت تشتهر بالعقيدة الواسطية. إذن هذه قصة تسميتها بالعقيدة الواسطية؛ لأن من طلبها هو القاضي رضي الدين الواسطي الشافعي، وهو من منطقة واسط من العراق، طلب من شيخ الإسلام أن يكتب له هذا المعتقد المختصر ليقرأه على الناس في تلك البلاد، خصوصاً مع انتشار التتار واحتلال العراق في تلك المرحلة أو خضوعها لحكم التتار.
فكتب شيخ الإسلام هذه العقيدة ما بين العصر إلى المغرب؛ كل هذه العقيدة التي سنقرأها إنما كتبت من بعد صلاة العصر إلى قبيل المغرب. أحبابي، عليك أن تعرف مقصدها؛ ليس مقصد شيخ الإسلام أن يكتب في هذا المعتقد جميع المسائل العقدية، وإنما ما تدارسه أو ما نص عليه شيخ الإسلام في هذه الرسالة هو أصول المسائل العقدية التي وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية.
أعيد مرة أخرى هذه المعلومة لأهميتها: في العقيدة الواسطية لم يهتم شيخ الإسلام بتفصيل كل مسائل الاعتقاد، وإنما اهتم بذكر أصول المسائل التي وقع فيها خلاف بين المسلمين؛ من أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة ونحو ذلك من الفرق، فتم شيخ الإسلام أن يبرز عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة أهل الحديث، في هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف. لذلك لن تجد شيخ الإسلام يتطرق لتوحيد الألوهية والربوبية هنا، ليس هذا موضوعاً لأن هذه الأمور قل فيها الخلاف بين المسلمين، وإنما يتطرق للخلاف في الأسماء والصفات، يتطرق للخلاف في مسائل القضاء والقدر، ولبعض أمور اليوم الآخر؛ المسائل التي اشتهر فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية.
بخلاف العقيدة التي درسناها في مدارج العلم، "أعلام السنة المنشورة" للحافظ الحكمي، فهذه لا يقصد صاحبها أن ينص على مسائل الاعتقاد عموماً من أولها إلى آخرها، أما العقيدة الواسطية فإنك ستلاحظ أنها اقتصرت على أبرز وأهم المسائل التي وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية، وبين شيخ الإسلام معتقد أهل الحديث في هذه المسائل واضح.
أحبابي الكرام، طبعاً هذه العقيدة ابتلي بسببها شيخ الإسلام ابتلاء شديداً؛ ادعوا أن شيخ الإسلام في زمنه خالف معتقد الأمة، وفي الحقيقة هو لم يخالف معتقد الأمة وإنما قال فمعتقد أهل الأهواء في زمانه. فعقدوا له ثلاث مجالس مناظرات على العقيدة الواسطية، واضطر أن يذهب إلى منزله ويأتي بالنسخة الأصلية من العقيدة ويقرأها بحضرة السلطان، وكان السلطان قد جمع له الفقهاء والقضاة، وكان مجلساً مهيباً استطاع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية أن يدافع عما ذكره من معتقد أهل الحديث في هذه العقيدة ويناظر عليها، مع أنه جمع له في مجلس السلطان قضاة الزمان وفقهاء الزمان ورؤساء الفرق.
الأشاعرة وغيرهم الكل اجتمع ليناظر شيخ الإسلام، وانقض المجلس وظهر الحق وانتصر شيخ الإسلام في مناظراته الثلاث دفاعا عن هذه العقيدة؛ عقيدة أهل السنة والجماعة. بالتالي، يحتم على طالب العلم الذي له معرفة سابقة بالاعتقاد أن يطلع على ما نص عليه شيخ الإسلام في هذه العقيدة، فإنك ستجده نص على المسائل بدون ذكر الخلاف، وإنما نص عليها جملة. ونحن إن شاء الله في شرحنا نذكر شيئا من الخلاف الذي وقع فيها، لكنها مسائل سردية.
على طالب العقيدة الحق في هذا الزمن أن يعرفها، خاصة أن شيخ الإسلام ضمنها كثيرا من أحاديث النبي ﷺ وكثيرا من الآيات القرآنية التي نصر بها معتقده؛ فإن معتقد أهل السنة والجماعة ليس مبناه على العقول، وإنما مبناه على النقول. عقيدة أهل السنة والجماعة مبناها على ماذا أحبابي؟ ليس على عقول الرجال وهواهم وما يشتهيه فلان وفلان حتى ولو كان من الأئمة الكبار.
إنما اتبعنا شيخ الإسلام في هذه العقيدة ليس لأنه شيخ الإسلام، بل لأن هذه العقيدة مستندها الوحي ونصوص الكتاب والسنة. فهذا الذي يجعلنا نعتقد أن ما ذكر فيها هو عقيدة أهل السنة والجماعة؛ مبناها النقل الصريح والعقل الواضح الصريح، وليس مبناها على عقول الرجال وما استنبطته العقول، وليس مبناها على كتب الفلسفة ولم تؤخذ من أقوام آخر، وإنما منهلها كما سيظهر معنا ما جاء في الكتاب والسنة، وما اتفق عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين -رضوان الله تعالى عليهم- من سلفنا الصالح.
لذلك سنشرع إن شاء الله في مدارسة هذا الكتاب في هذه الأيام، ويحسن بك أن تفقهها وأن تعقل مقاصدها؛ فإنها من أهم ومن أعظم ما كتب في عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن كانت قد سبقت بكتب أخرى عظيمة أيضا لأهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. لكن كما قلنا، بسبب انتشار الخلاف العقدي حتى في زمننا، المسائل التي ذكرها في هذه العقيدة ما زال الخلاف فيها قائما إلى الوقت الذي نحن فيه، حتى في بلادنا الخلاف فيها قائم. فينبغي عليك أن تتدثر بها وأن تعتذر بها، وأن تعرف أنها صافية أخذت من المنبع الصافي من معين الكتاب والسنة. رحم الله مصنفها وأجزل له المثوبة.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا». عاشت أهل العلم في مصنفاتهم المنثورة والمنظومة يبتدئون بالبسملة، ثم بحمد الله سبحانه وتعالى، وبشهادة التوحيد.
قال: «وأشهد أن لا إله إلا الله». هذا هو الأدب في كتابه، أي مصنف منظوما كان أو منثورا، أن يبتدأ بالبسملة ثم بالحمد لله ثم بالشهادتين، ثم بالصلاة والسلام على النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه؛ فهذا مما تواتر عليه طرائق أهل العلم.
قال رحمه الله: «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما مزيدا». إذا هذه هي الديباجة، هذه ديباجة هذه الرسالة، وعرفنا أنها اشتملت على المقدمات الأربع التي لا ينبغي أن يغفل عنها مصنف وكاتب، وهي: البسملة، والحمد لله، والتشهد، والصلاة على النبي الأعظم وآله. هذه الأمور الأربع لابد وأن تكون في بداية كل مصنف أو رسالة علمية تكتبها يا طالب العلم.
قال رحمه الله تعالى: «أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة». في مطلع هذه الرسالة، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ثلاثة أسماء لأصحاب العقائد الحق، هذه الأسماء أخذت من معين الكتاب والسنة.
الاسم الأول: ما هو؟ قال: «الفرقة الناجية». والفرقة الناجية، ومعنى أنها ناجية أنها نجت من الشرور والهلاك في الدنيا والآخرة، وأنها سارت على طريق السعادة وهو الخير. والدليل على هذا الاسم ما ورد في قوله ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة».
فلما قال النبي ﷺ إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، أخذ من هذا الحديث اسم «الفرقة الناجية»؛ هي الفرقة التي لن تدخل النار. طبعا هل معنى هذا أن الفرق الأخرى التي تدخل النار هي فرق كفرية خرجت من دائرة الإسلام؟ لا، وإنما المعنى أنها اعتقدت عقائد يستحق عليها النار، لكن لا يستلزم من هذا أنها كفرت بهذه العقائد، وإنما هي عقائد خاطئة لا ينبغي أن يعتقد بها، لكن ليس معناه أن كل من اعتقد هذه العقائد هو كافر مخلد في نار جهنم، وإنما هو تهديد ووعيد على أن كل ما ليس على طريقة أهل السنة والجماعة فهو عقيدة منحرفة يستحق صاحبها النار، لكن هذا وعيد، والوعيد الله سبحانه وتعالى قد لا ينفذه إذا كان الإنسان معذورا أو متأولا، وقد يعفو الله سبحانه وتعالى عن أصحاب العقائد الباطلة كانوا متأولين أو لعذر من الأعذار.
فما يهمنا أن نعرف من أين أخذ هذا الاسم الأول «الفرقة الناجية»؟ إنما أخذه العلماء من هذا الحديث: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة» لوجود خلاف في الحديث لذلك شك في الرواية، «وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وبين في رواية أخرى من هي هذه الفرقة الواحدة قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي».
الاسم الثاني: «الفرقة المنصورة» أو «الطائفة المنصورة». هذا الاسم الثاني الذي ذكره ابن تيمية لأهل الحديث. ولماذا سموا بالطائفة المنصورة؟ لقوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم». وجاء في بعض الروايات -وإن كان فيها ضعف-: «أين هم يا رسول الله؟» فقال: «هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس».
فعموما قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين» استنبط منه العلماء أن أصحاب العقيدة الحق هم الطائفة المنصورة؛ لذلك البخاري في تعليقه على هذا الحديث قال عن هذه الفرقة الذين لا يزالون ظاهرين لعدوهم قاهرين: «هم أهل العلم». وقال أحمد بن حنبل في شرحه لهذا الحديث: «إن لم تكن هذه الطائفة أهل الحديث فلا أدري من هم».
أصحاب عقيدة أهل الحديث، فلا أدري من هم. لا يوجد إلا أهل الحديث من ينطبق عليهم هذا الوصف، أنهم لا يزالون ظاهرين لعدوهم قاهرين؛ إذاً هذا هو المستند الثاني لهذه التسمية أو المستند للتسمية الثانية.
وقال: «المنصورة إلى قيام الساعة»، وفي الحقيقة هي إلى قبيل قيام الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، فالمراد أنها منصورة إلى قيام الساعة، أن هذه العقيدة، عقيدة أهل الحديث، ستبقى حية مهما حوربت ومهما وُجدت، ستبقى هذه العقيدة حية إلى قبيل قيام الساعة، حيث يقبض الله أرواح المؤمنين فلا يبقى إلا الأشرار، فإن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق؛ فهذا ينبغي عليك أن تعرفه، وإن قولهم: «إلى قيام الساعة» أي إلى قبيل قيامها.
الاسم الثالث لأهل الحديث هم أهل السنة والجماعة. وإنما سموا بأهلها، والأهل هم المستحقون للشيء، كما تقول أهل القرآن، أهل الله، يعني هم المستحقون للقرب من الله. فلما نقول أهل السنة، أي هم الذين يستحقون أن يلقبوا بأهل السنة أو بأصحاب السنة والجماعة.
والمراد بالسنة هنا طريقة النبي ﷺ في مسائل أصول الدين. المراد بالسنة هنا الآن، السنة في علم الاعتقاد يقابلها ماذا؟ البدعة. والسنة في علم أصول الفقه يقابلها ماذا؟ الكتاب. والسنة في علم الفقه تطلق على المستحب، فعليك أن تعرف أن مصطلح السنة يختلف باختلاف العلم الذي تدرسه.
ففي علم العقيدة، إذا قلت السنة ماذا يقابلها؟ السنة يقابلها البدعة. وفي علم أصول الفقه، إذا قالوا السنة يقصدون بها الكتاب. والسنة في علم الفقه، إذا قال وهذا الشيء سنة أو هذا الفعل سنة، يعني مستحب، فيقابله الفرض؛ فمصطلح السنة تختلف دلالته باختلاف العلوم.
وهنا نحن في علم الاعتقاد، بالتالي يكون المقصود بالسنة طريقة النبي ﷺ في مسائل أصول الدين، فأهل السنة هم الذين ساروا على النبي ﷺ في أصول الدين أو في مسائل الاعتقاد. وأما الجماعة، فالمراد بها الجماعة الأولى؛ ما اتفق عليه أصحاب محمد ﷺ. والمراد بالجماعة هنا من الجماعة الأولى؛ أصحاب محمد ﷺ، فما اتفق عليه أصحاب محمد ﷺ في مسائل الاعتقاد فهو حق، وبالتالي كل من جاء بعد الجماعة الأولى ووافق اعتقاده اعتقاد الجماعة الأولى فهو الجماعة، ولو كان وحده.
كثير ما كان السلف يقولون لأصحابهم: «أنت الجماعة ولو كنت وحدك». ما معنى هذا الكلام؟ أن الجماعة الأولى هم أصحاب محمد ﷺ، فهؤلاء إجماعهم المنضبط المعتبر -كما سيكون شيخ الإسلام على أي مسألة شرعية- هو الإجماع الصحيح الذي لا نقاش فيه. فمن اتفق عليه الصحابة في مسائل الاعتقاد فهو حق، وكل من جاء من بعد الصحابة كان اعتقاده على مثل اعتقادهم فهو الجماعة ولو كان وحده.
لذلك عندما يأتي أهل البدع ويقولون لك: إن أكثر الأمة ليسوا على معتقدكم، أو أكثر العلماء ليسوا على معتقدكم، فأنتم لستم جماعة؛ ماذا نقول لهم؟ المراد بالجماعة الجماعة الأولى، المراد بالجماعة أصحاب محمد ﷺ. فحتى لو قل أهل السنة أو أهل العقيدة الحق في زماننا، فهم الجماعة؛ لماذا؟ لأنهم وافقوا في اعتقادهم اعتقاد الجماعة الأولى، لأن الجماعة الأولى هي المعيار.
وأما الكثرة، هل الكثرة دائماً محمودة في كل زمان ومكان؟ لا، ليس المعتبر كثرة أهل الباطل، اليوم المعتبر ما كان عليه السلف، وعندما نقول السلف أي أصحاب محمد ﷺ والتابعون لهم بإحسان، فهؤلاء هم الجماعة عندما يقال أهل السنة. إذاً أنت في زمن أو في بلد لا يوجد غيرك على عقيدة أهل الحديث، فأنت الجماعة ولو كان كل الناس على عقائد أهل الأهواء وهم ليسوا الجماعة. فهمتم هذا المعيار؟
إذاً هذا معنى قولهم في الاسم الثالث: أهل السنة والجماعة. فهذه أسماء ثلاثة لأصحاب العقيدة الحق: الاسم الأول الفرقة الناجية، الاسم الثاني الطائفة المنصورة، الاسم الثالث أهل السنة والجماعة.
نعم، قال رحمه الله تعالى: «وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره». بدأ بذكر العقيدة على وجه الإجمال، فذكر أركان الإيمان الست؛ ما هي أركان الإيمان الست؟ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر -وعبر عنه بالبعث بعد الموت- والإيمان بالقدر خيره وشره. فهنا شيخ الإسلام ذكر العقيدة جملة، أن هذه أركان عقيدة أهل السنة والجماعة، الطائفة المنصورة؛ يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمنون بالقدر خيره وشره.
الآن ذكرها جملة، الآن سيفصل في هذه المسائل؛ سيفصل في الإيمان بالله، والإيمان بالقدر، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسل والكتب. سيفصل ليس في كل تفاصيلها، وإنما كما ذكرنا في المسائل التي وقع فيها خلاف بين المسلمين.
فسنبدأ بالركن الأول وهو الإيمان بالله. طبعاً الإيمان بالله يدخل فيه الإيمان بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، لكن لأن الربوبية والألوهية قل فيها الخلاف بين المسلمين لم يتطرق إليها، وإنما تطرق للخلاف الأشهر فيما يتعلق بالإيمان بالله وهو الإيمان بأسمائه وصفاته. فإن أشد الخلاف وقع بين الأمة وقع في هذا النوع من أنواع التوحيد، وهو توحيد الأسماء والصفات، وأما توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية لم يتطرق إليه ابن تيمية؛ ليس لعدم أهميته، بل هو عظيم وهو الأصل، لكن لقلة -ولا أقول لعدم- لقلة الخلاف فيه بين المسلمين.
قال رحمه الله تعالى: «ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه»، أي من الأمور التي يتحقق بها الإيمان بالله الإيمان بأسمائه وصفاته، وإنما ذكرها من التبعيض كما قلنا ليبين أن الإيمان بالله مفهوم كبير يشمل الإيمان بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، لكن كابن تيمية سأتطرق في العقيدة الواسطية فقط لموضوع الأسماء والصفات لأنه انتشر فيه الخلاف أكثر من غيره.
قال رحمه الله: «ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ». بدأ الآن يقرر في باب الأسماء والصفات لشدة الخلاف فيها بين الفرق الإسلامية، فذكر أول قاعدة من قواعد الإيمان بالأسماء والصفات. القاعدة هي -طبعاً أنا سأترجمها على شكل قاعدة لكن هو يسرد سرداً-: «ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله محمد ﷺ».
هذه الجملة تعطينا القاعدة الأولى من قواعد أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وهو أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي. ما معنى باب توقيفي؟ أي لا يؤخذ من عقول الرجال ولا بالأهواء، فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، ولا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ. هل معنى هذا أن العقل لا يمكن أن يدرك صفة من الصفات؟ لا.
فالعقل يمكن أن يدرك أن الله حي، بل هذا لازم، فصفة الحياة لله العقل يدركها ولو لم يأتِ نص، لكن مع ذلك كل ما ورد من الأسماء والصفات فقد ورد فيه النص الكافي الشافي. لذلك يقول أهل السنة والجماعة إن أسماء الله وصفاته توقيفية.
ما معنى توقيفية؟ تؤخذ من الكتاب والسنة، لكن لا يستلزم من هذا أن العقل لا يستطيع أن يدرك شيئًا منها. وبما وصف الله تعالى نفسه، وبما وصفه الله تعالى، لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ؛ لا يتجاوز القرآن والسنة. هكذا قال أحمد بن حنبل: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث». ونص ابن القيم رحمه الله تعالى في "البدائع" قال: «ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي».
فأهل السنة قاعدتهم الأساسية أن باب الأسماء الحسنى وباب الصفات العلى باب يؤخذ من الكتاب والسنة، ليس من كلام الصحابة ولا من كلام غيرهم ولا من عقول الرجال، وإنما أساسه الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: «الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل».
هذا انتقال منه للقاعدة الثانية لأهل السنة والجماعة في باب الأسماء، وهي أن أهل السنة والجماعة إذا وجدوا في الكتاب أو في سنة النبي ﷺ يتكلم عن اسم من الأسماء الحسنى أو صفة من الصفات العلى، كيف يتعاملون معهم؟ يتعاملون مع هذا النص من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. هذه هي القاعدة الثانية.
إذا وجدنا نصًا في الكتاب أو السنة يتعلق بالأسماء الحسنى أو الصفات العلى، فما طريقتنا في التعامل معه؟ طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يتعاملون معه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. هي الألفاظ الأربعة، عليك أن تفهمها جيدًا.
نبدأ باللفظ الأول: «من غير تحريف». ما هو التحريف؟ التحريف هو التلاعب في ألفاظ النصوص أو معناها. فمما فعله أهل البدع أو بعض أهل البدع من تلاعبهم في ألفاظ النصوص قول بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ يجب أن يقرأ بالنصب: «وكلَّ اللهُ موسى»، فيجعل الفاعل موسى وليس الله، لنفي كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا النوع كفر مخرج من الملة؛ لأنك غيرت لفظ الآية، فالآية هي: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ﴾، وهذا تحريف للآية في لفظها، وهذا كفر مخرج من الملة.
لكن أكثر أهل البدع حقيقة لم يسلكوا هذا المسلك، لم يتلاعبوا بالألفاظ، وإنما تلاعبوا بالمعاني، وسموا تلاعبهم بالمعنى تأويلًا؛ فقالوا: «استوى على العرش» أي استولى، وقالوا: «خلق بيدي» أي بقدرتي، فجعل الاستواء بمعنى الاستيلاء، وجعلوا اليد بمعنى القدرة، وجعلوا الرحمة بمعنى الإرادة. فهذا تحريف، لكنه ليس تحريفًا للفظ وإنما هو تحريف للمعنى، وكلاهما مردود عند أهل السنة والجماعة.
أما أهل السنة إذاً كيف يتعاملون مع نصوص الأسماء والصفات؟ من غير تحريف للمعنى، لا يتلاعبون لا باللفظ ولا بالمعنى، بل يثبتون اللفظ بمعناه كما أراده الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: «ولا تعطيل». التعطيل هو إفراغ النص من معناه، كما يفعل المفوضة الذين يقولون: هذا النص نحن نفرغه من معنى، لماذا أتى به ربنا ليختبرنا به؟ الله أعلم بمعناه! المهم لا يثبتون به اسمًا ولا صفة لله. وهذا أيضًا من طرائق أهل البدع؛ تعطيل دلالة النصوص على معانيها الحقيقية، فيقولون: "استوى على العرش" لا نعرف ما معناه. وهل هذه طريقة أهل السنة؟ لا، نحن نعرف كما قال مالك: «الاستواء معلوم والكيف مجهول»، فنحن لا نفرغ النص من معناه، بل نثبت المعنى على وجه يليق بجلال الله سبحانه وتعالى. إذًا هذا الشيء الثاني: لا نحرف النص لفظًا ولا معنى، ولا نعطل النص؛ لا نفرغه من معناه الذي دل عليه، بل نثبت النص على معناه الظاهر الذي يفهمه العرب الأصحاء منه.
الشيء الثالث: «لا تكييف». ما معنى لا تكييف؟ أي أننا بعد أن نثبت النص بمعنى، لا ندخل في كيفية الصفة الإلهية في الخارج، كما قال مالك: «الاستواء معلوم والكيف غير معقول». أي لا يجوز لإنسان مسلم أن يدخل في كيفية اتصاف الله بصفاته؛ فالله له استواء على عرشه، كيف؟ الله أعلم. الله موصوف بالوجه والعين واليد، كيف؟ الله أعلم. الله يأتي يوم القيامة لفصل الخطاب، الله يتنزل في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، كيف؟ الله أعلم.
فلا يجوز أن ندخل في الكيف؛ لأن الدخول في الكيف متوقف على معرفتك بالذات، وذات الله نجهلها نحن، نثبت وجودها لكننا نجهل الذات. فإذا كنا نجهل طبيعة الذات، إذاً سنجهل طبيعة الصفات، كما قال شيخ الإسلام في "التدمرية": «الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات». فإذا كنا نجهل طبيعة ذاته، إذاً لا يجوز لنا أن ندخل في طبيعة صفاته، فنحن نثبت الاستواء ونجهل الكيفية، ونثبت العلو ونجهل الكيفية، ونثبت اليد ونجهل الكيفية، وعلى ذلك فقس. فهذا معناه: لا تكييف، لا ندخل في كيفية الصفة في الواقع الخارجي.
ثم قال: «ولا تمثيل». أي لا يجوز أيضًا أن ندخل في تمثيل صفات الله بصفات المخلوق، فنقول: لله سمع كسمع، أو بصر كبصري، أو يد كيدي؛ فهذا التمثيل أيضًا ممنوع، وهو شكل من أشكال التكييف حقيقة؛ التمثيل هو شكل من أشكال التكييف، لكنك تشبه الخالق بالمخلوق، هذا هو التمثيل، أن تشبه الخالق بالمخلوق في صفاته أو أسمائه، وهذا أيضًا باطل محرم لا يجوز.
فإذاً هذه القاعدة الثانية. بعد أن عرفنا القاعدة الأولى أن باب الأسماء والصفات توقيفي، ونص عليها ابن تيمية بقوله: «نثبت ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله»، كيف نثبته؟ طريقة الإثبات هي هذه القاعدة الثانية: «من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». عرفنا ما معنى التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل، فطريقتنا أننا لا ندخل في شيء من ذلك، وإنما نجري نصوص الأسماء والصفات على معناها الظاهر على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وكل من دخل بالتمثيل أو التكييف فهو مبتدع، وكل من دخل في التحريف أو التعطيل فهو مبتدع أيضًا.
قال رحمه الله تعالى: ﴿بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذه الآية، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، هو الدليل على القاعدة الثانية.
لو سألك سائل: ما دليل القاعدة الثانية، أن الصفات لا تثبت من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟ نقول: دليلها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. لماذا ليس كمثله شيء؟ هو نفي للتكييف والتمثيل؛ فليس كمثله شيء، بالتالي لا يجوز أن نكيف ولا أن نمثل. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ دلالة على عدم جواز التحريف والتعطيل، بل يجب التعامل مع النصوص على ظاهرها وعلى معانيها الحقة التي دلت عليها.
إذًا هذا هو دليل القاعدة، لذلك ذكره ابن تيمية: «بل يؤمنون أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». بما أننا ذكرنا شيئًا من قواعد الأسماء والصفات، دعونا نذكر أيضًا من باب الإضافة والاستطراد شيئًا من قواعد هذا الباب. فمن القواعد في باب الأسماء والصفات، وهذه هي القاعدة الثالثة التي نذكرها اليوم، أن أسماء الله الحسنى وصفاته العلا لا حصر لها.
هل أسماء الله فقط 99 اسمًا كما يتوهم البعض خطأ؟ أسماء الله الحسنى وصفاته العلا لا حصر لها، منها ما علمناه، ومنها ما لا نعلمه، ومنها ما لم نعلمه. والدليل على ذلك ما جاء في الأثر: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من رسلك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». فهذه إذًا هي القاعدة الثالثة: أن الأسماء الحسنى والصفات العلا لا حصر لها.
القاعدة التي تليها هي القاعدة الرابعة: أن الصفات لا تنقسم إلا إلى نوعين؛ هناك صفات ذات، وهناك صفات فعل. صفات الذات هي التي لا تنفك عن الله في حال من الأحوال، كالوجه، واليدين، والقدم، والعين، والحياة، وإلى غير ذلك. وصفات الأفعال هي الصفات التي تحدث آثارها بالإرادة والمشيئة، كالكلام، والنزول، والمجيء، والغضب، والحب؛ فهذه صفات تفعل متى شاء الله أن يفعلها فعلها.
إذًا صفات الله على نوعين: هناك صفات ذات ملازمة له في كل وقت وحين، كالوجه واليد وما شابه ذلك، وهناك صفات فعل تظهر آثارها متى شاء الله سبحانه وتعالى وأراد. فالله متكلم بالأصل، لكن يتكلم متى شاء، فهو ليس متكلمًا في كل الأوقات. الله ينزل إلى السماء الدنيا ينزل متى شاء الله سبحانه وتعالى، ويخلق متى شاء. فهناك إذًا صفات اسمها صفات ذات ملازمة دائمة، وهناك صفات تسمى صفات فعل إنما تحدث إذا شاء وأراد.
القاعدة الخامسة هي أن أسلوب النصوص في الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات هو الاعتماد على النفي المجمل في الغالب، والإثبات المفصل. طريقة الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات أن الإثبات يكون مفصلاً غالبًا، والنفي يكون مجملًا. فمن النفي المجمل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ هذا يسمى نفيًا مجملًا.
أما الإثبات فيكون مفصلًا، وهو: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾؛ هذا كله تفصيل. ففي باب الإثبات يعتمد على التفصيل في العادة، وفي باب النفي يعتمد على الإجمال؛ لأنه ليس من الكمال في المدح أن تفصل في النفي، أن تقول: الله ليس كذا، وليس كذا، وليس كذا، وليس كذا. إن تفصيل النفي هذا لا يعتبر أسلوبًا جيدًا في المدح والثناء، وإنما الأسلوب الجيد في المدح والثناء أن تفصل في باب الإثبات، وأن تجمل في باب النفي.
القاعدة السادسة: كل نفي في باب الأسماء والصفات المراد به إثبات كمال ضده. كل نفي في باب الأسماء والصفات المراد منه ليس مجرد النفي، بل المراد إثبات كمال الضد. فعندما يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، المراد إثبات كمال القدرة. وعندما يقول: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، المراد إثبات كمال القيومية، وعلى ذلك فقس.
فكل نفي ورد في الأسماء والصفات المراد إثبات كمال ضده؛ مثلاً لما نقول: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، هذا نفي صحيح في باب الأسماء والصفات، المراد به إثبات كمال غناه، وعلى ذلك فقس. إذًا كل نفي ورد في نصوص الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات المراد منه إثبات كمال الضد، وليس المراد مجرد النفي؛ لأن مجرد "لم يلد ولم يولد" ليست شيئًا كبيرًا في المدح إذا لم تثبت كمال ضده، وعلى ذلك فقس.
إذًا هذه قواعد ست ذكرناها، مع قواعد شيخ الإسلام التي ذكرناها. دعونا نقتصر على هذه القواعد الست، من يعيدها لنا سردًا سريعًا؟ من مستعد يعيد الست سريعًا؟
بسم الله، باب الأسماء والصفات باب توقيفي. نعم، إن أهل السنة لا يكيفون، ولا يمثلون، ولا يعطلون، ولا يحرفون. القاعدة الثالثة: الأسماء الحسنى والصفات العلا لا حصر لها. الصفات تنقسم إلى صفات ذات وصفات فعل وعرفنا الفرق بينهما. القاعدة الخامسة: الإثبات المفصل في الغالب، والنفي المجمل.
القاعدة الأخيرة، أربع جمل سيذكرها؛ الأولى قال رحمه الله: «فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون». ينبني أن أهل السنة لا ينفون عنه ما وصف به نفسه، لأننا نثبت ما أثبته في كتابه أو على لسان رسوله. ثانيًا: «ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها»، وهذا ليس "ولا يلحدون في أسماء الله وآياته"؛ وهذا نفي للتعطيل.
الله عز وجل لما وصف السنة والجماعة في كتابه قال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي اسْمَائِهِ ۚ لَهُم مَّا كَسَبُوا مِنَ الْإِثْمِ﴾ [الأعراف: 180]. ما معنى الإلحاد هنا؟ الإلحاد المراد به هنا في هذا النص ليس الإلحاد المعروف اليوم، لا، المراد بالالحاد الميل بها عن الحق والصواب فيها. فأهل السنة لا يلحدون في الآيات والأحاديث التي تتكلم عن الصفات، بل يثبتونها على مراد الله منها الظاهر.
كما قال الشافعي في رسالته: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله ﷺ وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله». هذا هو معنى عدم الإلحاد، وهو مقابل لقضية أنهم لا يعطلون؛ لأننا قلنا لا نحرف ولا نعطل، فلا يحرفون نفي للتحريف، ولا يلحدون نفي للتعطيل؛ لأن التعطيل هو إلحاد، أن تفرغ النص من دلالته على المعنى، وهو عدول عن الصواب في الأسماء والصفات. قال: «ولا يكيفون ولا يمثلون»، وقال: ﴿وَاجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيَضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ﴾ [البقرة: 22]، فمن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا، فهذا كله بمضمونه نفي وجود الند لله.
يقاس على خلقه، ماذا قال؟ ولله المثل الأعلى. صحيح، هذه وأي مرض؟ في أي سورة؟ مثلاً الأعلى، أين وردت؟ في سورة النحل في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17]، لا، بل هي في سورة النحل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النحل: 60].
الآن الآيات التي وردت في ذكرهم للإناث، أنا غابت عني، نعم، للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل: «ولله المثل الأعلى». ما معنى المثل الأعلى؟ الصفة العليا، وبالتالي ما دامت صفة عليا، إذاً هي لا يقاس على خلقه فيها. فهذه أدلة أنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه. كل واحد لها آية تدل عليها.
فبما أنه لا سمي له ولا كفء له ولا ند له ولا يقاس على خلقه، إذاً لا يجوز تمثيل أسماءه وصفاته بالخلق، ولا يجوز أن يقاس عليهم أو أن يمثل بهم بشكل من الأشكال. فهذا كله نفي للتمثيل وللتكييف.
قال رحمه الله: «فإنه أعلم بنفسه وبغيره». وأما قوله هنا: «فإنه أعلم بنفسه وبغيره»، هذا دليل القاعدة الأولى. لماذا نثبت لله ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله؟ هذا دليل القاعدة الأولى؛ لأنه سبحانه أعلم بنفسه وبصفاته من غيره. بالتالي أنت كبشر ما دخلك في أن تحدد صفات الله، ما علاقتك بهذا الموضوع؟ هو أعلم، وما علاقتك أن يصف الله نفسه بشيء وأنت تنفيه؟ بناءً على ماذا؟ هو قال: ﴿اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾، أنت ما علاقتك أن تقول: لا ما استوى، أليس هو أعلم بنفسه منك؟ أليس ورسوله أعلم به منك؟ فما دامه أعلم بنفسه ورسوله أعلم منك به، فليس لك علاقة أن تعترض على شيء من أسمائه وصفاته ما دامت وردت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة.
قال رحمه الله: «فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيل وأحسن حديثاً من خلقه». وبالتالي الله لم يكن عاجزاً. يعني البعض يقول إن كل هذه الآيات مؤولة، وعن الله أولها، الله سبحانه ما عنده حصر، ما عنده عجز أن يؤول أو أن يأتي بكلام واضح مفهوم. فبما أنه تكلم بهذه الآيات على ظاهرها، فظاهرها هو المعتبر. ما دام أنه تكلم بالآيات على ظاهرها، هو كان قادراً أن يقول لك بدل «استوى» «استولى»، وكان عاجزاً عن ذلك، سبحانه لا يعجز شيء. فبما أنه تكلم بهذه الآيات صراحة بهذا المنطوق، إذاً هو قصد هذا المنطوق، وقصد أن يعرفك عليه من خلال هذا المنطوق، فلا تعوج هذا المنطوق ولا تحرف الكلمة عن مواضعها.
قال رحمه الله: «ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون». يقولون عليه ما لا يعلمون أهل الأهواء والبدع، الذين يصفون الله أو ينفون عن الله بأهوائهم وبدعهم من دون علم ولا هدى ولا كتاب منير. نعم، قال ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182]. فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، سبحان ربك نزه نفسه عما وصفه به المخالفون لطريقة الأنبياء، ممن وصفوا الله بالعجز والحل والحصر.
وقال: «وسلام على المرسلين»، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. لماذا قال: «وسلام على المرسلين»؟ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب في حق الله.
قال رحمه الله: «وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات». إذاً هذه قاعدة عامة كما قلنا قبل قليل، هي القاعدة التي ذكرناها؛ أن الله سبحانه وتعالى في باب الأسماء والصفات جمع بين أسلوب النفي وأسلوب الإثبات، لكن النفي يكون مجمل في الغالب، والإثبات يكون مفصلاً. هذا واحد، اثنان: كل نفي في باب الأسماء والصفات المراد منه إثبات كمال ضده. فعليكم أن تتذكروا هاتين القاعدتين عندما نتكلم عن النفي في باب الأسماء والصفات.
فالله جمع -أعد العبارة- قال: «وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون». الآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، «هل تعلم له سمياً؟» لنرى، استفهام إنكاري فهو نفي. ﴿لَا يَأُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. ومثال الإثبات هو الأكثر كما ذكرنا قبل قليل: «الرحمن الرحيم»، «الملك»، «القدوس»، «السلام»، «المؤمن».. أغلبها إثبات. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 1-3]. فهمتم؟ فالنفي ما كان فيه أداة نفي، والإثبات ما كان على صورة الإثبات.
قال رحمه الله: «فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون». إن أهل السنة والجماعة مبناهم في الاعتقاد الوحي وليس الفلسفة. أساس أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد هو ما جاء به المرسلون، وليس اعتمادنا على ما استنبطه الرجال بعقولهم.
قال: «فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين». فكنت تقول في كل صلاة: «اهدنا الصراط المستقيم»، فالصراط المستقيم ما جاءت به الرسل وما نطق به القرآن، وليس ما جاء به الفلاسفة وأهل الأهواء. هذا هو الصراط المستقيم الذي تسأل الله أن يهديك إليه في كل ركعة من ركعات صلاتك.
قال رحمه الله: «وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص». سيبدأ يعطيك الإثبات والنفي في الكتاب والسنة لموضوع الأسماء والصفات، بعد أن ذكر القاعدتين العامتين لأهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. هذا من جميل هذه العقيدة أنه ذكر عشرات النصوص الدالة على الأسماء والصفات نفياً أو إثباتاً. فالآن سنبدأ نسرد ونعيش مع كل آية.
فبدأ أولاً بماذا؟ قال رحمه الله: «وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص». أولاً سورة الإخلاص التي جاء في الأحاديث الصحيحة أنها تعدل ثلث القرآن. لماذا تعدل ثلث القرآن؟ لما فيها من عظيم الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى. اقرأ سورة الإخلاص حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].
فيها إثبات لأي صفة؟ أولاً فيها اسمان من أسماء الله الحسنى: لفظ الجلالة «الله»، و«الأحد». وهذا يدل على وحدانيته، لذلك سورة الإخلاص بدأت بالتوحيد وتسمى سورة التوحيد لأنها بدأت بتوحيد الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لا نظير له، لا سمي له، لا كفء له، أحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله في كل شيء أحد. إذاً الآية الأولى ذكرت اسمين من الأسماء الحسنى: الله والأحد.
طيب، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2]، هنا صفة أخرى: «الصمد». والصمد هو السيد المقصود في الحوائج. فهذه اسم وصفة من صفات الله، وأسماء الله الحسنى كلها تدل على صفاته؛ عليك أن تفهمها، كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته، فليس هناك اسم لا يدل على صفة.
نعم، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]، وهذا وصف على طريق النفي. والمراد..
إثبات كمال ضدها؛ ما هو كماله ضدها؟ إثبات وكمال الغنى، لأن من كان يحتاج إلى والد أو ولد فهو مفتقر، فما دام الله ليس له والد ولا ولد، فالمراد إثبات وكمال الضد، وهو كمال الغنى الإلهي. لذلك كان من أعظم السبه لله، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيُّهَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: 160] (بمعنى يزعم أن له ولد)، لأنك إذا قلت الله له ولد فمعناه الله مفتقر ومحتاج، فمن كمال غناه ليس له والد ولا ولد.
قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. هذا أيضًا من نصوص الصفات لكن على طريقة النفي المجمل، ما هو كمال ضده هنا؟ كمال التفرد، كمال تفرده ووحدانيته، هذا هو كمال الضد الذي نثبته هنا، كمال تفرده ووحدانيته. فلاحظ سورة الإخلاص كم جمعت من معاني الأسماء والصفات: إثبات لفظ الجلالة، وإثبات الأحدية، وإثبات الصمدية، وإثبات الغنى، وإثبات الأحدية مرة أخرى على طريقة النفي، بدأ بها «أحد» وختم «لم يكن له كفوا أحد»، فهي سورة التوحيد الخالص، لذلك جعلها الله تساوي ثلث القرآن.
قال رحمه الله: «وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه»، ما هي أعظم آية في كتاب الله؟ لماذا كانت هي أعظم آية؟ لشدة ما اشتملت عليه من الأسماء والصفات، أو لكثرة ما اشتملت عليه من وصف ربنا سبحانه وتعالى. دعونا نحلل هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255].
من الأسماء إلى لفظ الجلالة «الله»، «لا إله إلا هو»، «الحي»، «القيوم». القيوم هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، هو القائم بشؤون نفسه والمقيم لشؤون غيره. قال تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، هذا وصف على طريق النفي، ومعناه إثبات كمال ضده؛ فكما لقيومته إذا كانت لا تأخذه سنة، وهي النوم السريعة أو الغفلة السريعة، ولا نوم، أي لا يأخذه نوم مستغرق، فسبحانه وتعالى كامل في قيومته.
قال تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255]. هذا من نصوص الصفات أيضًا، ويدل على صفة الملك. ليس دائمًا الصفة تأتي صريحة، أحيانًا تأخذها من مفهوم الآية ومن مضمونها. قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]؛ هذا يدل على صفة من صفات الله وهي الإذن والمشيئة، فمن صفات الله أنه يأذن، قد تستغرب لكن كل شيء كان الله فاعله هو صفة له، فمن صفات الله أنه صاحب الإذن، هو الذي يأذن.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ صفة العلم. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾؛ صفة المشيئة، وهذه المشيئة كونية، وسياتي معنا أن المشيئة كونية وشرعية، وهنا إثبات أنه صاحب المشيئة الكونية سبحانه، فكل شيء في الكون بإرادته ومشيئته.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255]، وإثبات صفة الكرسي، وهي ليست الكرسي وإنما هو شيء متعلق به، والكرسي كما قال ابن عباس: «موضع قدمي الرب وهو إمام العرش». ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]، وهذا وصف على طريق النفي، أي لا يعجزه ولا يثقله، فما المراد؟ إثبات كمال ضده وهو القدرة، أحسنتم، إثبات كمال قدرته.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]. «العلي» و«العظيم» هنا اسمان من أسماء الله، وللعلو ثلاث مراتب: علو ذات، فهو عالٍ على خلقه؛ وعلو قدر، وعلو قهر. والعظيم عظمته سبحانه في ذاته أيضًا، وفي أسمائه وصفاته وأفعاله. فلك أن تنظر كم اشتملت هذه الآية من أولها إلى آخرها من أسماء وصفات، لذلك جعلت أعظم آية في كتاب الله.
قال رحمه الله: «لا يكرثه ولا يثقل عليه»، هذا معنى «لا يؤوده»، أي لا يكسره، لا يصعب عليه، لا يثقل عليه. هذا التفسير وجد في بعض النسخ فقط، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. عرفنا لماذا هذه الآية دائمة التكرار بعد الصلوات وفي الليل وفي أغلب الأفعال؟ أمرنا أن نكرر هذه الآية لأنها من أولها إلى آخرها حديث عن الله، أسماء وصفات.
قال رحمه الله تعالى: «وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾»، هذا يتضمن ماذا؟ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ فيه إثبات ونفي، «الحي» هذه صفة الحياة واسم الله «الحي»، و«الذي لا يموت» نفي والمراد به إثبات كمال حياته.
وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]. كم اسم في هذه الآية؟ خمسة: الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي هو فوق كل شيء، والباطن الذي هو قريب منا فيعلم ما في ذوات صدورنا فهو أقرب إلينا من كل شيء، ثم ختم «وهو بكل شيء عليم». وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، وهذا فيه اسمان، وفي بعض النسخ «وهو الحكيم الخبير».
«الحكيم» هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب، و«الخبير» الذي يدرك اللطائف. الفرق بين العليم والخبير أن الخبرة هي إدراكك لللطائف والأمور اللطيفة التي لا يتفطن لها إلا بدقة، فهو خبير باللطائف والدقائق والسرائر.
وقوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: 2]؛ بهذه الآية سياتي بها أكثر من مرة، هنا أتى بها في كلامه عن صفة العلم، وسياتي بها أيضًا عند كلامه عن صفة المعية. فقوله «يعلم» إثبات لصفة العلم، وأن علمه وسع كل شيء. وقوله «وهو معكم» إثبات لصفة المعية، وهي الإحاطة والدراية بك، فهو معك محيط بك يدركك مع أنه على عرشه فوق سماواته، فالمعية لا تعني معية الذات وإنما تعني معية العلم والإحاطة، وستأتي معنا.
قال: «﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾»، إذن في هذه الآية كم صفة لله؟ ثلاث: العلم (يعلم)، والمعية (وهو معكم)، والبصر (وهو الله بما تعملون بصير). كل آية يجب أن تستخرج منها ما فيها من الأسماء والصفات حتى تعرف كيف تتعامل مع القرآن في باب الأسماء والصفات. وقوله سبحانه: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، في هذه النصوص سينركز على صفة العلم والآيات التي تتكلم عنها، ويعلم ما في...
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. فهذه الآية كلها تدور حول صفة العلم الإلهي، ومدى إحاطة علم الله بكل التفاصيل. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، إذاً هذا أيضًا كله متابعة لإثبات صفة العلم.
وقوله سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فيها إثبات صفة القدرة وإثبات صفة العلم، وإحاطة علم الله بكل شيء. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، هذه الآية فيها ثلاثة أسماء: الرزاق، وذو القوة، والمتين، والمتين هو شديد القوة.
وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، هذه فيها نفي وإثبات؛ «ليس كمثله شيء» نفي، والمراد ليس كمثله شيء إثبات وكمال تفرده، مثل «لم يكن له كفواً أحد» نفس الفكرة. «وهو السميع البصير» إثبات لصفتين: السمع والبصر. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
فما هي الصفة الأولى؟ الوعظ من صفات الله أنه يعظ كل فعل فاعله، فهو صفة تمام، فالله من صفاته أنه يعظ، والمراد بالوعظ الأمر والنهي، كما قال شيخ الإسلام في مواطن أخرى؛ المراد بالوعظ هو الأمر والنهي، وإثبات صفة السمع والبصر.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، من بدء هذه النصوص دخل في صفة أخرى وهي صفة المشيئة. سيسرد الآن الآيات التي تثبت صفة المشيئة لله سبحانه وتعالى، والله له مشيئة كونية وله مشيئة شرعية. فالله شاء أن تولد وأن تكون حاضرًا هنا، وشاء لأبي جهل، هذه كونية. والله عز وجل شاء للكفار الإسلام ولكن لم يشأ لهم ذلك كونًا، وإنما شاءه شرعًا.
فالمشيئة الشرعية معناها ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويبغضه. الآن قد يكون الشيء يحبه الله لكن لا يقع كونًا لأنه له حكمة في ذلك، وقد يكون شيء يكرهه الله ومع ذلك يشاء وقوعه لحكمة يعلمها. فهل الله يحب الكفر ويرضاه -والعياذ بالله-؟ لا يرضى، لكن هل شاء وجوده كونًا؟ نعم لحكمة، فالكفار مليئون في الأمم والشعوب. وفي المقابل، الله عز وجل شاء الإيمان من كثير من الكفار، معنى أحب ذلك وأراده، ولكن هل وقع منهم؟ لا. فالمشيئة الكونية شيء والمشيئة الشرعية شيء.
وأهل السنة يثبتون كلا المشيئتين بخلاف أهل البدع؛ فبعض أهل البدع يثبتون المشيئة الكونية فقط، وأهل السنة والجماعة يثبتون الكونية التي يقع فيها القضاء والقدر، ويثبتون مشيئة شرعية معناها ما يحبه الله ويقبله وما يبغضه ويسخطه.
نعم، وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ما موطن الشاهد؟ «ما شاء الله»، إذاً هناك مشيئة، إثبات المشيئة لله. «ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن». وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، هذه إثبات لأي صفة؟ لصفة المشيئة أيضًا. «ولو شاء الله» إثبات، وأحيانًا بلفظ المشيئة وأحيانًا بلفظ الإرادة؛ «ولكن الله يفعل ما يريد»، فالإرادة هنا هي نفسها المشيئة، الإرادة الكونية هي المشيئة الكونية.
وقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، هنا الذي يظهر أنها إرادة شرعية، أن الله يريد ما يريده شرعًا، لأن الآية تتكلم عن أحكام عن أمر ونهي. فما الفرق بين «يريد» في هذه الآية والآية التي قبلها «ولكن الله يفعل ما يريد»؟ الأولى إرادة كونية، وأما في هذه الآية «إن الله يحكم ما يريد» فالأظهر أنها إرادة شرعية، ما يحبه الله يحكم ما يحبه. الآن هل يقع هذا الحكم من البشر أو لا يقع؟ فهذا حسب مشيئة الله الكونية.
وقوله سبحانه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾، هذه إرادة كونية، إثبات للإرادة الكونية. ومن يرد أيضًا هناك بعض الصفات؛ قوله سبحانه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، الشرح من صفات الله، أنه يشرح صدور المؤمنين. و﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ إثبات مرة أخرى للإرادة، «أن يضله» يجعل الإضلال، فالله هو الذي يهدي وهو الذي يضل، وهذا من أفعاله ومن صفاته.
﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، ما دام الفاعل هو الله إذاً «الجعل» من صفات الله؛ جعله للأشياء وخلقه لها. «يجعل صدره ضيقًا حرجًا» هنا «يجعل» معناها «يصير»، فالجعل بمعنى التسيير من صفات الله، أن الله يسير الأشياء من صورة إلى صورة. ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
وقوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، بعد أن انتهى من إثبات صفة المشيئة لله ذهب إلى إثبات صفة المحبة. وهو يركز على الصفات التي وقع فيها خلاف، فإننا شاعرة ومن نحوهم لا يثبتون صفة المحبة، وإنما يقولون المحبة هي إرادة الإنعام. وأهل السنة لا يوافقونهم على ذلك، بل المحبة معنا قائمة في نفس الله وفي ذات الله على ما يليق بجلال الله، هو صفة قائمة في ذات الله، معلومة المعنى والكيفية، نفوض الكيفية إلى الله سبحانه وتعالى.
الآن سيركز ابن تيمية على صفة المحبة. ستلاحظون من فيكم يتأمل كل مجموعة من الآيات أنها تركز على فكرة وعلى صفة من الصفات، فإياك أن تنتبه على هذه القضية. فهنا ستلاحظ عدة آيات تركز على صفة المحبة؛ أولها قوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، الله يحب، هذه من صفة المحبة أيضًا. وقوله سبحانه: ﴿وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، صفة المحبة. وقوله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، أيضًا هذا إثبات لصفات المحبة.
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه؛ «يحبهم» إثبات لصفات المحبة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾، صفة المحبة. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، يحببكم الله. وقوله سبحانه: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
انتقل الآن إلى صفة الرضا، الكلام عن صفة الرضا؛ فالله أيضًا يرضى.
وأهل البدعة ينفون صفة الرضا عن الله، ويقولون الرضا مثل المحبة، إرادة الإنعام فقط. والحقيقة لا، هي ليست الإرادة، هو معنى اسمه الرضا، كلكم يعرف ما معنى الرضا في عقله كما قال مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». الرضا كلنا نفهم ما معنى الرضا، وهي صفة من صفات الله على ما يليق بجلال الله.
وقوله سبحانه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا إثبات للرحمة، وكذلك الأشاعرة ينفون هذه الصفة ويجعلونها كلها تعود إلى صفة الإرادة؛ أن أي صفة اختيارية تتعلق بالمشيئة عموماً كالمحبة والرضا ينفونها ويردونها. الأشاعرة يثبتون سبع صفات، وكل الصفات التي فيها أن الله يرحم ويحب كلها ترد إلى صفة الإرادة، ونفس الشيء كل ما ورد فيه أن الله يسخط ويغضب كلها يردونها إلى صفة الإرادة، فالحب إرادة الإنعام، والغضب إرادة الانتقام، كل شيء واحد وهو صفة الإرادة، وهذا خطأ؛ فالإرادة شيء، والحب شيء، والغضب شيء، كل صفة منفصلة عن الأخرى.
وقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾، إثبات لصفات الرحمة والعلم. ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، إثبات لصفة الرحمة. ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، كتب يعني ألزم؛ وهذا يدل على أن الله من صفاته أنه يلزم، تستطيع أن تقول كتب، من الذي كتب؟ الله، إذاً من صفاته أنه يكتب، ومعنى الكتاب هنا الإلزام وليست الكتابة التي هي باليد، ألزم نفسه بالرحمة لعباده. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، إثبات للمغفرة، وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، إثبات لصفة الحفظ وصفة الرحمة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، هذا مقابل صفة الرحمة وصفة الرضا، صفة الغضب واللعن. الله من صفاته أنه يغضب على من يستحق الغضب، وأنه يلعن من يستحق اللعن، هذا كله من صفاته. وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ «أسفونا» هنا معناها أسفوا، أي شدة الغضب، ما معنى أسفنا؟ ليس أي غضب بل هو شدة الغضب، فمن صفاته سبحانه وتعالى أنه يغضب غضباً شديداً وأنه ينتقم؛ ﴿إِنَّا انتَقَمْنَا﴾، إذاً من صفاته وأسمائه المنتقم.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾، إذاً من صفاته أيضاً كما أنه يغضب ويسخط ويلعن فهو سبحانه أيضاً يكره، كره الله صفة تليق بجلاله. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾، إذاً من صفاته أيضاً أنه يثبط من يستحق ذلك. وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ﴾، إذاً الله سبحانه يبغض من يستحق البغض. وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾، إلخ.
إنه يركز على صفات معينة لأن الخلاف مع الفرق الأخرى وقع فيها، وأغلبها الصفات الاختيارية والصفات الخبرية. الصفات الاختيارية التي سميناها قبل قليل صفات الفعل؛ فالأشاعرة والماتريدية ونحوهم ينفون صفات الفعل ويردونها للإرادة، لا، نحن نثبت صفات الفعل كالغضب والرضا والحب، ومنه أيضاً المجيء والإتيان، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾، من صفاته أنه يأتي إتياناً يليق بجلاله. وقوله سبحانه: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أو ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، صفة الإتيان؛ ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، المجيء.
والفرق بين الإتيان والمجيء أن الإتيان يكون حضوراً مع اهتمام وإقبال، أما المجيء فهو مجرد حضور؛ هذا فرق في اللغة بين «أتى فلان» و«جاء فلان»، أتى يعني جاء وأقبل على الشيء واهتم به، جاء خلاص مجرد أنه جاء في طريق وذهب، فالإتيان أبلغ من المجيء، الإتيان هو حضور مع إقبال واهتمام.
وقوله سبحانه: ﴿وَنَزَّلَ الْمَلَائِكَةَ تَنزِيلًا﴾، برأيكم هذه الآية كيف تدل على صفات الله؟ هل فيها ذكر ربنا؟ لماذا ذكرها؟ «تنزيل» إيش الملائكة التي نزلت؟ أين صفة الله هنا؟ ليست صريحة هنا، وحتى لا أطيل عليكم، الآية تدل على الصفة بمفهومها فقط، وهو أن تشقق السماء بالغمام كما جاء في الأحاديث إنما يكون لمجيء الرب، فهي تتمة للآيات السابقة في موضوعها، تشقق السماء بالغمام هو استعداد لمجيء الرب، دلت على صفة المجيء والإتيان. لماذا بمفهومها وليست صريحة في ذلك؟ لأن جاء في الآثار أن الله إذا جاء تأتي معه الغمائم وتتشقق السماء، فإتيان الغمام هو مقدمة لمجيء الإله، فهي إذاً ليست نصاً وإنما بالمفهوم تدل على صفة المجيء.
ويبقى وجه من الكلام عن صفة الإتيان والمجيء، ثم سينتقل للكلام عن الصفات الخبرية؛ صفة الوجه واليد والعين، وركز عليها ابن تيمية لوقوع الخلاف فيها أيضاً من الأهواء. وقوله سبحانه: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، ففي هذه الآية إثبات صفة. هل يجوز أن يقال الوجه أريد به الذات؟ لا إشكال أن يقال أريد بالوجه الذات، لكن مع ذلك تبقى الآية تدل على صفة الوجه. وكما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح الآيات، يجوز أن يقال إن المراد بها الذات كما يقول بعض الأشاعرة والماتريدية في تفاسيرهم، لكن حتى لو قلنا إن المراد بها الذات، هذا لا يعني أنه نلغي صفة الوجه، فهنا أطلق الوجه وأراد الذات لأن الوجه صفة من صفاته، وهذا كثير كما سيأتي معنا هذا النوع من الاستدلال على إثبات الصفات الخبرية.
وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، هنا واضح كل شيء هالك إلا ذاته، لكن هل هذا يعني أن الوجه فقط هي الذات وليس له وجه؟ لا، لا يقال فلان هلك إلا وجهه، أو كل شيء سابق إلى وجهه إلا إذا كان له وجه، فإثباته الوجه هنا هو من مستلزماته.
وقوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وهذه لفظ مثنى، والتثنية نص في العدد لما قال «بيديه»، وخلق آدم؛ ربنا كيف خلق آدم؟ ربنا سبحانه وتعالى خلق آدم بيديه، التثنية تدل على ماذا؟ على التنصيص أن لله يدين حقيقتين اثنتين، لذلك أتى بصفة المثنى. وكلمة اليد وردت في القرآن لله مفرداً ومثنى وجمعاً؛ فالإفراد للدلالة على الجنس، والتثنية للدلالة على العدد، والجمع إنما جاء للمشاكلة: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، أو ﴿لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلْنَا﴾، أَيْدِينا؛ هل هذا في إثبات أكثر من يدين اثنتين؟ لا، وإنما لأن الضمير ضمير جمع «أيدينا»، فالعرب تشاكل بين ضمير الجمع وما يضاف إليه.
قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَقَطَ مَثَلًا﴾. مع أنهما قلبا؛ قلب عائشة وحفصة، فهذا لا يشكل عليه، وإنما يثبت أهل الجماعة لله حقيقتين تليقان بجلاله، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَدَىٰ مَبْسُوطَةٌ﴾، والنصوص في إثبات اليد كثيرة.
وقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ الْيَدُ﴾ ينفونها ويقولون اليد بمعنى النعمة، والبعض يقول اليد بمعنى القدرة؛ يقولون ليس لله يد حقيقية وإنما اليد هي القدرة، وهذا خطأ؛ لله يد حقيقية تليق بجلاله. وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، جاءت اليد بالإفراد للدلالة على الجنس وليس على العدد، أنها واحدة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ينفق كيف؟ مبسوطتان دلالة على العدد، أنهما يدان اثنتان.
وقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، ينتقل إلى صفات العين، وأن الله موصوف بعينين اثنتين، فهنا ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ المراد حقيقة الحفظ والرعاية، لما يقول أنت إن شاء الله بعيني، يعني بحفظي ورعايتي، لكن هذا لا يستعمل إلا إذا كان هناك عين حقيقية؛ ما يقول فلان تحت عيني، أي تحت حفظي ورعايتي، إلا إذا كانت هناك عين حقيقية أصلًا.
والآية وإن كان يناقشون الأشاعرة في هذه الآية بأن ليس المراد إثبات صفة العين وإنما معنى هذه الآية تجري بأعيننا أو فإنك بأعيننا إثبات الرعاية والحفظ، نقول: صحيح الآية تتكلم عن الرعاية والحفظ، لكن لا يستعمل هذا التعبير "إنك بعيني" إلا إذا كانت هناك عين حقيقية، فأصح أن أقول أنت تحت عيني أي رعاية وحفظ؛ لأن هناك عينًا حقيقية موجودة، والدلالة على أنهما عينان اثنتان.
قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم ليس بأعور، وإن الدجال أعور»، فهذا نص في أن لله عينين؛ لأن العور المفهوم فيه عند العرب هو فقد إحدى العينتين، فلما قال: «إن ربكم ليس بأعور»، المفهوم أنه له عينان حقيقيتان سالمتان كاملتان.
وقوله سبحانه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ جزاء لمن كان كافرًا. هذا المجاز هو أصلًا لا بد منه قبل ذلك من وجود حقيقة العين كما ذكرنا قبل قليل. ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾، والعين مثل اليد؛ وردت مفردة، ووردت مثناه، ووردت مجموعة؛ فمتى وردت مفردًا المراد بها إثبات جنس العين، ومتى وردت مثنى إثبات العدد، ومتى وردت مجموعة فالمشاكلة لضمير الجمع فقط، وليس المراد أن له أكثر من عينين اثنتين.
وقوله سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلًا﴾، الآن إلى صفة السمع والبصر؛ قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، إثبات صفات السمع. نعم، لقد سمع الله قول الذين قالوا: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. وقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾، إذاً مفهومها إثبات صفة السمع.
«إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ»، إثبات صفة المعية والسمع والبصر، وإن كان مقصوده هنا موضوع السمع والبصر بالتحديد، والمعية جاءت من مفهوم القول. وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾، إثبات صفة الرؤية، الآن سياتي إلى صفات أن الله يرى. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، يراك، إذاً من صفة الله أنه يرى.
ترى القرآن إخواني واضحًا سهلاً، نحن عقدنا الأمور، التراث الإسلامية هي التي تعبت الأمة بهذه الجدليات، والقرآن واضح في دلالته؛ فالمعنى واضح للإعرابي والمسكين وعجائز نيسابور. نحن من عقدنا أنفسنا في تأويل الآيات وتحريفها وتطبيق قواعد الفلاسفة عليها. نقول سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، الرؤية أيضًا نعم، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، الآن ذهب إلى الصفات التي تسمى صفات المقابلة، والتي لا تطلق على الله إلا مقابلة لفعل الآخرين؛ فشديد المحال هو القوة مع الكيد والمكر، قوة مع كيد ودهاء، وهذا إنما يفعل مع الذين يمكرون ويكيدون. فهناك صفات تسمى صفات المقابلة، ولا تثبت لله إلا على وجه المقابلة، ولا تثبت مباشرة؛ يعني ليست صفة مستقلة أو ليس شيئًا يطلق أن نقول الله من صفاته أنه ماكر، لا يجوز ذلك، وإنما نقول الله يمكر بالماكرين ويكيد بالكائدين. ولا يوصف الله بهذه مطلقًا أنه ماكر أو كائد أو ما شابه ذلك، فهذه تسمى صفات مقابلة لا تطلق إلا على الله مع المقابلة مع فعل الكافرين، مثل ما سيأتي معنا الآن إن شاء الله.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، ما في آية في القرآن هكذا ابتداء؛ الله يمكر، وإنما المكر من الله يكون عقابًا لمن مكر بالمؤمنين من الكفار ونحوهم. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾، جاء مقابلًا لفعلهم، فهذا هو الكمال فيها؛ المكر لا يكون كمالًا إلا إذا كان مقابلة لما فعله الغير، أما ابتداءً أن تكون ماكرًا، فهذا ليس كمالًا، فلا يوصف الله بالمكر ابتداءً. فهمتم؟ المكر لا يكون كمالًا في الذات إلا إذا كان على وجه المقابلة، أما أن تكون أنت أصلًا ماكرًا بطبيعتك فهذا ليس كمالًا فيك.
قوله سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، نفس صفة الكيد لله إنما هي على سبيل المقابلة، أما أن يكون الشخص أو الذات فيها كيد ابتداء فهذا ليس كمالًا فيها.
وقوله سبحانه: ﴿إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، إلى صفة العفو والمغفرة، ففي هذه الآية إثبات لصفة العفو. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، واضحة صفة العفو والمغفرة. وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي الغلبة والقهر، «فبعزتك لأغلبنهم أجمعين». وإنما نستدل بماذا؟ بإقرار الله لهذه اللفظة في كتابه، وقوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقد وصف الله بما أنه ذو جلال وإكرام، من أسماء الله وصفاته ذو الجلال والإكرام، هذا موضع الشاهد.
وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۗ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، سيأتي بالآيات التي تدل على النفي الإجمالي؛ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، هل هنا استفهام استنكاري المراد به الإنكار، والمراد به إثبات كمال ضده. وما المراد؟ ما الصفة التي نثبتها لله كمالًا؟ وحدانيته؛ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا * هَلْ تَعْلَمُ لَهُ نَظِيرًا﴾ حاشاه، فالمراد إثبات كمال وحدانيته. وقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، من الصفات المنفية والمراد إثبات كمال ضدها، وهو إثبات كمال أحاديته وفردانيته. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، إذاً من صفات الله كمال الوحدانية، هذه كلها صفات نفيًا المراد بها الإثبات.
إثباته كمال الوحدانية، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾، كمال الوحدانية. وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، كمال الغنى.
كمال الغنى نفي مراد به إثبات كمال ضده، وهو كمال الغنى. ولم يكن له شريك في الملك، فكماله ملكه. ولم يكن له ولي من الذل، وتكبيره، ولم يكن له ولي أي معين بسبب ذل فيه، فهذه دلالة على كمال قوته. عليك دائما أن تعرف ما هو الإثبات الذي يدل عليه النفي؛ «لم يتخذ ولدا» كمال الغنى، «لم يكن له شريك في الملك» كمال الملك، «ولم يكن له ولي» كمال القوة والعزة.
وقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. له الملك إثبات صفة الملك، وله الحمد إثبات صفة الحمد، وهذا أيضاً صفة أنه سبحانه أهل للحمد.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾. لما عرفنا كمال الغنى، ولم يقل له شريك في الملك، «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا».
وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ﴾؛ لأن الولد دائماً هو افتقار، فهنا يركز على الآيات التي فيها نفي الولد لإثبات كمال الغنى. ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلا تضربوا لله الأمثال؛ لوجود الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. كأنه أتى بهذه الآية لبيان أن الإنسان لا يقول على الله ما لا يعلم، وأن أهل الأهواء الذين نفوا الأسماء قالوا على الله سبحانه وتعالى بغير علم. لا يظهر لي ما هو موطن الصفة في هذه الآية إلا صفة التحريم؛ «قل إنما حرم ربي»، إن الله يحرم، لكن لا أعتقد أن ابن تيمية أتى بهذه الآية لإثبات صفة التحريم، وإنما أتى بها لإثبات أن أهل الأهواء الذين نفوا هذه الصفات تكلموا في الله بغير علم؛ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالآية ليست من نصوص الصفات في هذا الموطن، وإنما بيان أن الإنسان يحترس أن ينفي عن الله صفة أو أن يثبت له صفة لم يتكلم بها ربنا سبحانه وتعالى.
وقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. انتقل ابن تيمية الآن لإثبات إحدى المسائل العظمى التي وقع فيها خلاف مع الفرق الإسلامية، وهي مسألة العلو والاستواء على العرش. فبدأ بمسألة الاستواء على العرش التي قال فيها مالك: «الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».
«على العرش» وردت في القرآن في مواضع سبعة؛ آيات الله نص فيها على أنه استوى على العرش. وكلمة «استوى على» تختلف عن كلمة «استوى إلى»، وتختلف عن كلمة «استوى» وحدها. لما نقول: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، ما معنى الاستواء هنا؟ التمام والكمال. «استوى إلى» معناها قصد، «استوى على» معناها جلس. فلا يلبس عليكم بعض أهل البدع في هذه القضية فيقول لك: «استوى» تأتي بمعانٍ متعددة؛ قل نعم هي تأتي بمعانٍ متعددة، لكن «استوى» وحدها ليست مثل «استوى إلى» وليست مثل «استوى على»، فـ«استوى على» تفهمها العرب بمعنى العلو على الشيء والاستقرار عليه والجلوس عليه كما فسره أحمد بن حنبل وطائفة من كبار السلف رحمه الله.
في سورة الأعراف، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾. ورد إثبات صفة الاستواء على العرش في سبعة مواضع، ولم يقل الله في موضع من المواضع «استولى»، ولو كان المراد «استولى» لبين ذلك في آية واحدة، أما سبع مرات يقول «استوى» ثم أنت بعد ذلك تقول أراد «استولى»! هذا فيه تعجيز، وكأنه أراد أن يلغز علينا ولا يظهر لنا مقصده. «استوى» في سبعة مواضع والتكرار يؤكد الحقيقة، وأن الاستواء بمعناها المطلوب هو «استوى على الشيء استقر عليه».
في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقال في سورة يونس، الموطن الثاني: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقال في سورة الرعد، والموطن الثالث: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقال في سورة فصلت: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾. والحديث السابع هو: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾.
لننتقل إلى النصوص التي تدل على علو الله؛ فكما قال أهل العلم: ثبت بالعقل والنقل علو الله على خلقه بذاته. فقول أهل البدع إن الله ليس في داخل العالم ولا في خارجها، وإن الله في كل مكان، هذا قول فاسد باطل لا حقيقة له. فهنا: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ إذاً الله في جهة العلو، لأنه قال «ورافعك إلي»، إذاً أين هو؟ هو في العلو سبحانه. ويجوز أن يسأل عن الله بالأين كما سأل النبي ﷺ الجارية: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾؛ إذاً الله في جهة العلو. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾؛ إذاً الله في جهة العلو لأن الكلام يصعد إليه، إذاً هو في جهة علو سبحانه. أما قولهم: «اقتضى السيما ولا التحيز»، ولا نحو ذلك من الترهات التي يتكلم بها أهل البدعة، لأن علو الله لا يعني أن هناك مخلوقاً من مخلوقاته قد حاز عليه، وأن الله في داخل جزء من المخلوق؛ فعلوه علو يليق بجلاله، أنه فوق العالم، جهة العلو فوق العالم، وهذا لا يقتضي تحيزاً أو تجسيماً أو أن شيئاً من مخلوقاته أحاط به بشكل من الأشكال.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾؛ فرعون كان يسمع من موسى أنه يقول إن ربي فوق السماء، يعني فرعون ما الذي جعله...
يستهزئ ويقول: «يا هامان، ابنِ لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى». ما الذي جعله يقول ذلك؟ إذا كان موسى يخبر عن ربه أنه فوق السماء، فأراد فرعون أن يستهزئ ويبني صرحًا ليفتش عن الله في السماء كما هو يزعم بكبره وجبروته، فقصه الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿أَأَنْتُمْ فِي السَّمَاءِ أَمِنْتُمْ﴾ [الزخرف: 87].
هذه الآية لها طريقتان في الفهم؛ إما أن نقول "في" بمعنى "على"، ويكون المعنى: أمنتم من على السماء، أي فوقها. أو نقول إن السماء هنا ليس مرادًا بها السماء المبنية، والمراد بها العلو؛ فالعرب إذا أرادوا جهة العلو يقولون "السماء"، وللسماء عدة معاني في اللغة، منها السماء المبنية ومنها العلو، فيقولون: فلان جهة السماء، والمراد بالسماء أي العلو.
فإما أن نقول إن المراد بالسماء هي السماء المبنية، وفي هذه الحالة تكون "في" بمعنى "على"، والمعنى: أمنتم من على السماء المبنية؛ لأن الله على سماواته المبنيات. وإما أن نقول إن "في" بمعنى "في"، وهنا تكون السماء بمعنى العلو، فيكون معنى الآية: أمنتم من في العلو أن يخسف بكم الأرض.
قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ فِي السَّمَاءِ أَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسَفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: 16]، ثم: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17]. وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4].
بهذه الآية لمقصد آخر، ليس إثبات صفة الاستواء ولا فكرة العلو، وإنما إثبات المعية؛ وهو أنه وإن كان عاليًا فوق سماواته على عرشه، لكنه مع عباده في أي مكان وفي أي زمان، فعلوه لم يمنع معيته. فإذا فهمتها علوه، لا يعني أنه بالتالي بعيد لا يعرف ماذا يحدث معنا، هو معكم أينما كنتم، فهو وإن كان مستويًا على عرشه، لكنه معنا في كل مكان وزمان، فهنا سيسرد النصوص التي تدل على صفة المعية.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: 7]، "معهم" إثبات لصفة المعية، أينما كانوا. ثم: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7].
وقوله سبحانه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. والمعية نوعان: معية عامة ومعية خاصة. فالمعية العامة هي معيته لكل مخلوقاته دراية وعلمًا، والمعية الخاصة هي معية الحفظ والكلاءة والرعاية، وهذه تكون للمؤمنين فقط؛ فقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذه معية خاصة، معية الحفظ والرعاية والنصرة.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، هذه معية خاصة لموسى وهارون، معية الحفظ والرعاية والنصرة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، والذين اتقوا أي: ناصر لهم وحافظ لهم. وقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، مع الصابرين نصرة وتأييدًا وحفظًا. وقوله سبحانه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]، هنا بدأ بإثبات الصفة من أعظم الصفات التي وقع فيها خلاف، وهي صفة الكلام الإلهي. فهل أهل السنة والجماعة يؤمنون أن الله يتكلم بحرف وصوت؟ نؤمن أن الله يتكلم بحرف وصوت، وليس كلام الله كما قال المبتدعة "معنى قائم في النفس"، وإنما هو كلام يجمع بين اللفظ والمعنى، وهو بصوت وعرف تكلم به ربنا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
فهنا كيف دلت الآية على صفة الكلام؟ قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، إذاً الله يتحدث، وهذا كلام. وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، القيل والقول المصدران للفعل "قال"، إذاً الله يقول وهذا كلام. وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾، إذاً صفة القول. وقوله سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، كلمة ربك هنا هل مراد بها المفرد؟ نرى القواعد الفقهية شغالة معكم أم لا؛ مراد بالكلمة هنا هو الكلمات، لماذا؟ لأننا قلنا إن المفرد إذا أضيف إلى معرفة أفاد العموم، فالمراد "كلمات ربك"، إذاً الله يتكلم وله كلمات.
وقوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، ولما جاء "كلم الله" وهو موسى، فالله هو الذي فعل الكلام هنا. وقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، إذاً الله يتكلم. وقوله سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾، من الذي نادى؟ الله، والنداء كلام، فبعد إثبات صفة النداء. وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [طه: 11].
وقوله سبحانه: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمَا أَنْ لَا تَسْكُنَا هَذِهِ الْوَادِيَ * وَأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمَا أَنْ لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَأَقُولَ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [طه: 11-12]. وقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأحقاف: 5]، كل ما جاء فيه نداء فهو كلام. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأحقاف: 5]. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، إذاً الله له كلام يقول سبحانه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75].
وإذا كان الكلام مسموعًا، فلا بد أن يكون هذا الكلام صوتًا، فكيف سيكون مسموعًا إذا لم يكن صوتًا؟ وقول سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: 115]. إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل، الآن أراد أن يبين أن القرآن الذي يتلى هو كلام الله. إن بعضهم يقول القرآن مخلوق، فالقرآن الذي نزل، والقرآن الذي يحفظ، والقرآن الذي يكتب، كله كلام ربنا سبحانه.
"إن هذا القرآن يقص"؛ كيف القرآن يقص؟ من خلال ما تقرأه أنت وتتلوه منه، هذا معنى أنه يقص على بني إسرائيل. القرآن هو الذي يتلى، وليس القرآن هو المعنى القائم في النفس، فالقرآن هي الألفاظ والحروف التي تتلى، وليس القرآن هو فقط المعنى القائم في النفس كما هو. قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الأعراف: 164]، وقوله سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾. فالقرآن هو المنزل، وهو أراد أن يرد على أهل البدع ممن يقولون إن القرآن هو فقط المعنى القائم في نفس الله، وأن هذا الذي بين أيدينا نقرأه اليوم هو عبارة عن كلام الله أو حكاية عن القرآن؛ لا، هذا كلام أهل البدع، ما بين أيدينا هو القرآن، ما نزل، القرآن الذي يتلى، القرآن الذي يحفظ، القرآن.
حكاية عنه أو عبارة عن، كما قال ابن كلاب وأبو الحسن الأشعري، وقوله سبحانه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ﴾.
هو نفسه، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۘ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، قالوا نزلها الله والله أعلم بما ينزل. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۘ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: 101-102]. الضمير في «نزله» يعود على القرآن.
فكما قال أحمد بن حنبل: القرآن هو المنزل، هو المقروء بالألسنة، هو المكتوب في المصاحف، فكل ما يكتب بالأيدي؛ بالتالي لا أحد يلبس عليك في هذه القضية، يقول لك القرآن شيء والمكتوب شيء، أو الذي تتلوه شيء. كل ما نتلوه ونحفظه ونكتبه ونزل هو القرآن بدون أي معنى آخر.
قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 102]. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۘ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]. هذا على قول من قال إن الإشارة ذا القرآن، وهذا القرآن هو لسان عربي مبين، يعني القرآن هو كلمات عربية واضحة، فالقرآن هو الكلمات، هي هذه الألفاظ التي نقرأها بألسنتنا.
أول من تكلم بهذه الكلمات من الله، وسمعها جبريل، وجبريل أعطاها لمحمد ﷺ. فنحن ما نقوله وما نتكلم به تكلم به ربنا سبحانه وتعالى قبلنا، فهو كلامه جل في علاه.
وقوله سبحانه انتهى من الإثبات، صفة الكلام، سينتقل إلى إثبات مسألة عقدية كبرى: إثبات رؤية الله في الدار الآخرة. هذه مسألة خالف فيها المعتزلة فقالوا إن الله لا يرى في الدار الآخرة، وقالوا إذا أثبت أن الله يرى إذن هو جسم. هي نفس الشبهات التي يطرحها المعتزلة، يأخذها الأشاعرة فقط بشيء أخف منها، وياخذها الماتريدية بشيء من التحسين، لكن كلها نفس الشبهات الفاسدة.
أهل السنة والجماعة يثبتون أن الله يرى، والذي يرى هو وجهه وليس كمال ذاته. رؤية الله في الدار الآخرة هي رؤية وجه وليست رؤية لكمال الذات، لأن الله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، أي لا تحيط بذاته، وإنما ما يراه المؤمنون من ربهم يوم القيامة في عرصات القيامة وفي الجنة هو وجه ربنا سبحانه.
وهناك أربع آيات دلت على إثبات الرؤيا في الدار الآخرة سيسردها ابن تيمية تباعًا. ومن أنكر رؤية الله في الآخرة قال أهل العلم: حُرم الله من رؤيته عقابًا له ولو دخل الجنة. الذي يعتقد أن الله لا يرى حُرم الله من رؤيته في الآخرة ولو أدخله الجنة؛ قياسًا على من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها، لم يشربها في الجنة. قال إن الله لا يرى في الآخرة واعتقد هذا، يستحق أنه لا يرى ولا يحصل على هذا النعيم العظيم.
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. وهذا استعجل فأنكر ما أثبته الله لنفسه من رؤيته. والآيات هي أصرحها في الدلالة على رؤية الله أو رؤية وجه الله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ واضحة. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾، الآية الثانية التي تدل على رؤية الله. قال المفسرون: ينظرون إلى ربهم، أهل الجنة على الأرائك ينظرون، ينظرون إلى ماذا؟ إلى وجه الله. وقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]، وجاء تفسير الزيادة في الأحاديث الصحيحة أنها رؤية وجه الله. وقوله تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]، وجاء تفسير هذا المزيد أيضًا بأنه رؤية وجه الله.
آيات أربع في القرآن تدل على رؤية الله، وأما في السنة فأحاديث رؤية الله متواترة تواتراً معنويًا. في السنة أحاديث رؤية الله متواترة تواتراً معنويًا عن عشرات من الصحابة. قال رحمه الله: «وهذا الباب في كتاب الله كثير».
انتهى ابن تيمية من سرد كثير من آيات الصفات والأسماء الحسنى، وأراد أن يرسخ الفكرة العامة، أن هذا الباب في القرآن كثير. بالتالي أحبابي، الله تعرف إلينا في كتابه، لما تقرأ القرآن كل آية حاول أن تستخرج منها اسمًا أو صفة إن كانت تحتمل ذلك. تعرف على ربك من خلال قراءة كتابه، فإن الله تعرف عليها. لاحظوا كم صفة أخذنا الآن، عشرات الصفات، وهذا مرور سريع، فما بالك بمرور المتأمل لكامل القرآن من أوله إلى آخره.
قال رحمه الله: «وهذا الباب في كتاب الله كثير، ومن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق». هذه قاعدة، اكتب هذه قاعدة: من تدبر القرآن طالبًا للهدى تبين له طريق الحق.
يأتيني بعض الشباب يقول: والله يا شيخ إحنا سمعنا كلام بعض مشايخنا الأشاعرة والماتريدية، وسمعنا كلامكم، وفي الحقيقة مش عارفين نحدد مين الصح. والله أنتم ما شاء الله أفاضل، والأمور صعبة. فأقول لك ما قال ابن تيمية: اقرأ القرآن وحدك. مش أنت عربي وتقرأ القرآن؟ يقول ابن تيمية: «من قرأ القرآن بعقل سليم وقلب سليم طالبًا الهدى سيعرف الحق».
إذا كانت الأمور تشوشت عليك وما عاد يظهر لك طريق الحق، فمن قرأ القرآن طالبًا للهدى، باحثًا عن الهدى مستقلاً، حاول أن يبعد المؤثرات الخارجية. يا أخي إذا مغلبك، ابعد ابن تيمية عن المشهد، ابعد ابن القيم، ابعد الغزالي والرازي وهؤلاء، واقرأ القرآن بقلبك واقرأه بعقلك وافهم ماذا يقول القرآن. فمن قرأ القرآن قراءة صافية واضحة ونظر في تفاسير السلف سيعرف الحق في هذا الباب، ولا بد من الرجوع إلى القرآن لأن القرآن واضح.
القرآن كتاب هداية ونور، أحبابي، الله لم يجعل هذا القرآن كتاب ألغاز وكتاب غير مفهوم: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. القرآن واضح وليس ابن تيمية أول من فسره، وليس ابن القيم أول من بينه، القرآن واضح للأعرابي ولعوام الصحابة، فلا تظن أنك أول من سيقرأ القرآن ويفهم، لكن اقرأ بقلب يبحث عن الهدى وليس بقلب مليء بالشبهات والشكوك.
من قرأ القرآن أو من تدبر القرآن طالبًا للهدى، بعض الناس يقرأ بالطريقة التي يقرأ بها شيخه، يقرأ بالطريقة الفلسفية. لا، اقرأ وأنت تحاول أن تستخلص الهدى من داخل القرآن، وليس بخلفية سابقة ومقررات سابقة. الذي يقرأ القرآن وعنده مقررات سابقة سيتعب، لكن اقرأوا على أنني أريد الهدى منه الآن، هذا يريحك بإذن الله وتعرف الحق في هذه المسائل، والله هو الهادي أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «فصل، ثم سنة رسول الله ﷺ تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه». ما ورد في بعض النصوص السنة من الأسماء والصفات، وأراد أن يؤكد لك ابن تيمية ماذا يفعل من خلال...
هذا السرد يؤكد لك أن نصوص القرآن والسنة كافية في باب الأسماء والصفات، ويسلط كل هذا السرد حتى يؤكد لك أن كل المعتقد الذي يعتقده ابن تيمية وغيره من السلف، من أين أخذوا؟ ليس من عقولهم، بل من ظواهر الكتاب والسنة. فانظر الآن في الأحاديث النبوية التي هي مفسرة لكتاب الله ومؤكدة لما ورده من محتوى ومضمون في باب الأسماء والصفات.
قال رحمه الله تعالى: «ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وسنة هي ترجمان القرآن كما يقول، هي المعبرة للمضامين الجملية التي وردت في القرآن؛ القرآن يجمل والسنة تفصل وتبين وتعمق وتجذر».
قال رحمه الله: «وما وصف الرسول به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها». كذلك هذه قاعدة؛ تعلق أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في باب الاعتقاد، أهل السنة والجماعة يقبلون الأحاديث الصحاح سواء كانت متواترة أو آحادًا، بخلاف أهل البدع الذين يقولون: لا نقبل من الأحاديث إلا المتواتر في باب الاعتقاد، خصوصًا في باب ما يسمى أصول التوحيد.
هم يقولون -أهل البدع والأهواء-: نقبل أحاديث الآحاد في أبواب السمعيات، يعني في باب الدار الآخرة وتفاصيل الحشر والحساب وأهوال القبور، نقبل الآحاد، لكن في أمور التوحيد والأسماء والصفات وأصول العقائد لا نقبل أحاديث الآحاد، نقول هذا باطل. بل أهل السنة والجماعة يقبلون الحديث الصحيح في أصول العقائد وفي فروع العقائد، لا فرق عندنا بين المتواتر والآحاد، فما دام الحديث صحيحًا وصح سنده قبلنا، نثبت به أصول العقائد ونثبت به فروع العقائد.
وإن كان في الواقع أصول العقائد لم تثبت بأحاديث آحاد فقط، بل ثبتت بالمتواترات المعنوية، يعني لا توجد مسألة خطيرة في الاعتقاد ثبتت فقط بحديث واحد، هذا غير واقعي. فالتوحيد؛ الألوهية والربوبية والأسماء والصفات كأصول جملة دلت عليها مئات وآلاف النصوص، لكن بعض الصفات وردت في حديث واحد، هل أقول له: اثبت الصفة هذه حتى يأتي حديث متواتر؟ الصفة الواردة تثبت بحديث واحد، والمسألة الواحدة في العقيدة تثبت بحديث واحد ما دام صحيحًا.
لذلك ماذا قال ابن تيمية؟ هذه قاعدة عامة، قال رحمه الله مرة أخرى: «وما وصف الرسول به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول». فالمعتبر في دراية الحديث الصحيح من غيره هم المتخصصون في علم الحديث؛ أهل المعرفة، ليس واحدًا ما له علاقة بالحديث يجيء يحكم لنا على الحديث. أهل المعرفة بالحديث ما داموا قالوا هذا الحديث صحيح إذن هو مقبول لا نقاش، ما داموا تلقوه بالقبول إذن هو مقبول لا نقاش.
إذا وجد خلاف، فالمسألة هل نثبت الحديث أم لا، لكن ما دام أهل المعرفة تلقوا الحديث بالقبول فلا عبرة بقول الفقهاء ولا الأصوليين ولا العقديين ولا غيرهم، لأن الكلام كلام أهل التخصص، هذا هو التخصص بالصنعة. قال رحمه الله: «وجب الإيمان بها»، كذلك مثل قوله لابن النجار الفتوحي عندنا من أصحابنا الحنابلة: «وأحاديث الآحاد مقبولة»، هكذا قال ابن النجار الفتوحي في مختصر التحرير؛ وأحاديث الآحاد مقبولة في ماذا؟ أو يعمل بأحاديث في أصول الديانات؟ هذه عقيدة الإمام أحمد بن حنبل وعقيدة أهل السنة والأثر.
قال رحمه الله تعالى مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ونحن وأما هو فوق الزمان وفوق المكان سبحانه وتعالى». فقال صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» متفق عليه. وقال بقوله صلى الله عليه وسلم: «للهِ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ»، أيضًا التي ينكرها أهل الأهواء، قال الله: ﴿لَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ» متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجل»، وإن الله يضحك ضحكًا يليق بجلاله. نعم، قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما في سبيل الله، كلاهما يدخل الجنة»، قتال في فتنة كما وقع بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ويقول صلى الله عليه وسلم: «عجب ربنا من قنوط عباده»، العجب إثبات صفة العجب على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. قال: «ينظر إليكم أزليين قنيطين فيظلوا يضحك»، يعلم أن فرجكم قريب، حديث حسن.
قال قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله، عليها»، يدل على إثبات صفة القدم لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله، وفي رواية: «عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط» متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «يقول تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك»، صفة الكلام لله من الأحاديث النبوية. يقول الله تعالى: ﴿يَا آدَمُ﴾، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت؛ إن الله دلت الأدلة أن كلام الله بصوت، بصوت، إذاً الله كلامه صوت وليس مجرد معنى قائم في النفس كما يقول أهل الأهواء.
«إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار» متفق عليه. وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبين ربه ترجمان»، صفة الكلام ليس بينه وبينه ترجمان. وقوله في رقية المريض: «ربنا ربنا، الله الذي في السماء»، فلسفة العلو مثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، تفصل بنفس الطريقة، وإن كان هذا الحديث فيه ضعف عند كثير من أهل العلم، وابن تيمية اختار تحسينه، يعني في خلاف تحسين أو تضعيف هذا الحديث.
قال: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت الرب الطيب، أنزل من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع»، فيبرأ، هذا من أحاديث الرقية، هذا الحديث من أحاديث الرقية، من الوجع حسنه ابن تيمية وضاعفه من أهل العلم، لكن غيره مما هو واضح يغني عنه، حديث حسن رواه أبو داود وغيره.
وقوله: «ألا تأمنونني وأنا أمين؟ من في السماء؟» رواه البخاري؛ الله استأمنني على شريعته وقال: «وأنا أمين من في السماء»، وهذا صريح في أن الله على سماواته، إثبات صفة العلو لله سبحانه، «من في السماء» من هو؟ الله، والمراد فيه بمعنى «على»، أو على ما ذكرناه سابقًا. وقوله: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه»، حديث حسن، النبي صلى الله عليه وسلم، والبعض ضعف المرفوع وقال الصحيح إنه موقوف على ابن مسعود، ولكن حتى لو كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يمكن أن يقول ابن مسعود قاله من عنده، هذا ليس شيئًا يقال بالرأي.
والاجتهاد فهو له حكم الرفع على كل حال. نعم، حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
وقوله للجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء»، على النبي ﷺ. الجارية أين الله؟ إذاً يجوز أن يسأل عنه بالأيم، يجوز أن تسأل: أين الله؟ ما في إشكال. قالت: «في السماء»، أي في العلو. نعم، قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله»، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، رواه مسلم.
وقوله: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» حديث حسن. وقوله: «إذا قام أحدكم من الصلاة أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك» إثبات صفة المعية.
وقوله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، فإن الله قبل وجهه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه»، واتفق عليه. أن يكون أمامك، فقد يكون هو في جهة العلو، فالله قبل وجه المصلي وإن كان في علوه، وهذا كما قلنا إن الله وإن كان في علوه لكنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وإن كان في علوه لكنه قريب من كل واحد منا، يعلم حال مضجعه ومتقلبه.
وقوله ﷺ: «اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء». وليس المعنى القرب بالذات، لا، هذا ننتبه حتى لا نقطع في فمه.
فقوله ﷺ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: «أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائب، إنما تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا»، بعلمه وإحاطته ودرايته. «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»، متفق عليه.
وقوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» نصوص رؤية الله وهي نصوص متواترة كما قلنا. قال ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته»، لا تتزاحمون في رؤيته. لما نشوف القمر، هل في أحد يزاحمك؟ القمر فوق، يعني كل هذا نستطيع أن ننظر إليه في نفس الوقت بدون زحام، فهذا المعنى "لا تضامون"، أي عندما نرى ربنا يوم القيامة سنراه في جهة العلو فلا يحدث زحام، والله واحد قادر، يشوف واحد، مش قادر يشوف؟ لا، لأنه في جهة العلو فالكل يراه وهو في مكانه، لا يحدث تضام وتزاحم في رؤيته.
قال: «فإن استطعتم»، من لا تغلبوا على صلاة قد طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا، متفق عليه. صلاة الفجر وصلاة العصر، هؤلاء أهل لأن يحصل لهم هذه الفضيلة، فضيلة رؤية الله في الدار الآخرة. قال: «فإن استطعتم»، ذكرها بعد حديث الرؤيا يدل على أن الذي يحافظ على صلاة الفجر في وقتها والعصر في وقتها أهل لأن يرى وجه ربه ويتنعم بهذا النعيم يوم القيامة.
قال رحمه الله: إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به من سرد هذه الأحاديث، وكما قلنا هو هدفه أن يعطي أمثلة ونماذج، ليس هدفه أن يستقرئ، يعني ليست فقط هذه النصوص صفات، لكن هذا ماذا يعني؟ نماذج وأمثلة على نصوص الصفات، وكيف يتعامل أهل السنة والجماعة معها، وكيف يستنبطون منها الأسماء والصفات.
قال رحمه الله: فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. أعاد ذكر السابقة أننا أولاً هذه ما إنها نصوص صحيحة، إذاً القاعدة الأولى أننا نثبتها لأن الله وصف بها نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، وكيف نتعامل معها من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. أعاد ذكر الصفات أو هاتين القاعدتين مرة أخرى لأهميتهما.
قال رحمه الله تعالى: «بل هم الوسط وفي فرق الأمة». أي أهل السنة والجماعة هي الفرقة الوسط، والوسط بمعنى ما معنى أنهم الوسط؟ هم العدول كل فرق الأمة من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والكرامية والجهمية والروافض والخوارج، أهل السنة هم الوسط في كل أبواب العقائد والعدول فيها، وسيبين هذه الجملة. كما أن أمة الإسلام هي الوسط في الأمم الأخرى مع اليهود والنصارى والمجوس، فأهل السنة هم الوسط مع فرق الإسلامية. فهمتم المقارنة؟ أي كما أن أمة الإسلام هي الوسط في مقابل اليهود والنصارى والمجوس وكل الديانات، فأهل السنة والجماعة هم الوسط داخل فرق الأمة الإسلامية.
قال رحمه الله، فهم سيعطيك تفصيل ما معنى الوسطية عند أهل السنة والجماعة، قال: فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى. أهل السنة وسط بين من ومن؟ وسط بين النفاة وبين غلاة المثبتة. وسط بين النفاة ممن ينفون الأسماء والصفات كالجهمية الذين ينفون كل شيء أسماء وصفات، والمعتزلة الذين ينفون كل الأسماء، والأشاعرة الذين يثبتون فقط سبع صفات وينفون باقيها، فأهل السنة وسط بين النفاة وبين غلاة المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه. فنحن لسنا مع هذا ولسنا مع هذا، بل نحن وسط، نثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله، لكننا لا ندخل لا في التشبيه ولا في التمثيل ولا في التكييف، فهذا معنى وسطيتنا في هذه القضية.
قال: فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة. وهو أول من ابتدع بدعة النفي في الأسماء، وتبعته بعد ذلك الفرق الأخرى على شيء من التحسين عندها، فلذلك يقولون إن المعتزلة والأشاعرة والماتريدية جهمية في باب الصفات، ليه؟ لأن الجهم بن صفوان هو أول من دخل في بدعة النفي، والفرق الأخرى تابعت، وإن كانت هي أفضل من وقدمت محسنات لفكرها، لكن أصل هذا المبدأ، مبدأ النفي في الأسماء والصفات، هو نشأ من الجهم بن صفوان الذي ذبح ذبحاً، ذبحه المسلمون ذبحاً لكفره، تمام حتى تعرفوا أن أهل السلف قديماً ما كان عندهم مزح في مثل هذه الأمور.
قال رحمه الله: وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية والجبرية. طيب، قال: وهم وسط في باب أفعال الله، هذه مسألة ستأتي معنا في القضاء والقدر، وهي: هل العبد يخلق فعله أم لا؟ مسألة وقع فيها خلاف بين الجبرية والقدرية. القدرية هم المعتزلة الذين يقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه، والجبرية هم الأشاعرة والماتريدية ومن سار على فكرهم الذين يقولون إن الله هو خالق فعل العبد والعبد ليس له أي تأثير، وأهل السنة وسط يقولون الله هو خالق فعل...
العبد لكن العبد له إرادة حرة وله سببية وتأثير، فنحن لسنا مع القدرية المعتزلة الذين يقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه، ولسنا مع الجبرية الذين يقولون إن الله قهرنا على الفعل وليس لنا اختيار فيه، بل نحن نثبت أن الله هو الذي خلق الفعل لكنه منحنا إرادة وقدرة تابعة لإرادته ومشيئته، وسنبين ذلك في حينه. فهذا معنى أننا وسط بين الجبرية والقدرية.
قال رحمه الله: وفي باب وعيد الله بدن المرجئة في باب العقاب؛ الوعيد خلاف، شو الفرق بين الوعد والوعيد؟ الوعد يكون بالثواب والوعيد يكون بالعقاب. في باب العقاب نحن وسط بين المرجئة والوعيدية من الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن فاعل الكبيرة مخلد في نار جهنم لا يخرج منها، والمرجئة عكسهم تمامًا يقولون إن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، والكبيرة لم تنقص من إيمانه. فنحن نقول: لا، فاعل الكبيرة يخرج من النار لكنه ليس كامل الإيمان. نحن لا نوافق الوعيدية الذين يقولون إنه مخلد في النار، لكننا لا نوافق المرجئة فنقول إنه كامل الإيمان، فاعل الكبيرة ناقص الإيمان لكنه ليس مخلدًا في النار، وهذه هي العقيدة الوسط في هذا الموضوع.
قال وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، باب المسائل الأسماء والأحكام، وهذه متعلقة بالمسألة السابقة. إن الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، والحرورية، وما الخوارج؟ الوعيدية من الخوارج والمعتزلة يقولون إن فاعل الكبيرة -قلنا قبل شوي في الآخرة شو وضعه؟- مخلد في النار. طيب في الدنيا؟ في الدنيا الخوارج يقولون فاعل الكبيرة كافر، ولذلك سموا خوارج أنهم يكفرون بالمعاصي. فالخوارج يقولون إن فاعل الكبيرة كافر، والمعتزلة يقولون إنه منزل منزلة بين منزلتين، لكن المهم أن الخوارج والمعتزلة اتفقوا أن فاعل الكبيرة خرج من الإيمان؛ كخوارج سموه كافرًا، والمعتزلة قالوا منزلة بين منزلتين.
في المقابل المرجئة ماذا قالوا؟ المرجئة قالوا فاعل الكبيرة لا يعذب في النار وهو مؤمن كامل الإيمان، وفي الدنيا فاعل الكبيرة عند المرجئة مؤمن كامل للإيمان، وكلاهما مخطئ سواء المرجئة أو الخوارج؛ فاعل الكبيرة ليس مؤمنًا كامل الإيمان بل هو ناقص الإيمان، لكنه هل هو كافر؟ لا ليس كافرًا. فنحن وسط في باب الأسماء، فلا نجعل مرتكب الكبيرة كافرًا، ولكننا لا نجعله في نفس الوقت كامل الإيمان، فنقول فاعل الكبيرة عنده أصل الإيمان لكنه ناقص. في باب الإيمان هذه وسطيتنا، ما خلينا كافرًا، بل جعلناه في المنتصف.
كما يقول، قال رحمه الله: وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة وبين الخوارجية، وهي أننا وسط بين الروافض والخوارج. فالروافض عظموا علي بن أبي طالب وأهل البيت، وجعلهم بعضهم آلهة، والخوارج بالعكس كفروا عليًا وأهل البيت وتبرؤوا منهم. ونحن لا نحب أهل البيت ونواليهم ونحب عليًا ونعظمه، لكننا لا نبرئه من المعاصي والذنوب ولا نجعله إلهًا أو معصومًا من الخطأ والزلل. فأهل السنة وسط بين الروافض الذين جعلوا آل البيت في منزلة فوق المنزلة التي جعلهم الإسلام فيها، وبين الخوارج الذين كفروا أهل البيت وأبغضوهم. فنحن نحب أهل البيت ونواليهم وننصرهم، وهم على الرأس والعين، لكن لا نجعلهم في منزلة فوق المنزلة التي وضعهم الإسلام فيها، فهذه وسطيتنا بين الروافض والخوارج في باب أصحاب رسول الله ﷺ.
قال رحمه الله تعالى: فصل، وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق عرشه. سيبدأ يعالج بعض الصفات لشدة الخلاف فيها. سيبدأ الآن، نحن الآن قررنا عقيدة أهل السنة في باب الأسماء والصفات من خلال القواعد، وصح وصح ومررنا على كثير من الآيات والأحاديث التي تتكلم عن الأسماء والصفات، الآن سيبدأ ابن تيمية يعالج بعض الصفات التي وقع فيها جدل كبير بين الفرق الإسلامية، وأبرزها صفة الاستواء والعلو، خصها بالذكر. بدي إياك تفهم ليش؟ لشدة الخلاف فيها مع أهل زمانه خصوصًا مع الأشاعرة والماتريدية.
فالدليل على هذه الصفة الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهذه مصادر أهل السنة في باب الاعتقاد؛ الكتاب والسنة وإجماع السلف، وليس فلسفة أرسطوطاليس ولا مقالة فلان أو علان، ماذا قالوا؟ قالوا إنه سبحانه فوق السماوات على عرشه. من تعبد الله وهو لا يؤمن بهذه العقيدة؟ أحيانًا تحصل على هؤلاء أهل الأهواء، كيف يؤمنوا برب ليس في علو؟ يعني أنت ماذا تتخيل في نفسك عندما تخاطب الله وتدعوه؟ أنت كأهل الأهواء الذين تقول إن الله ليس فوق السماوات، إلى أين تتجه في الدعاء؟ أين يتجه قلبك؟ مسكين، قلبه ضائع حائر تائه. وإن صنع أمامك لا عندك مشاكل، لكنك لا تستطيع أنت وهو بها؛ لأن هذا يهدم عقيدتك.
نعم، قال رحمه الله: علي على خلقه وهو سبحانه معهم أينما كانوا. فنحن نثبت أن الله على سماواته فوق عرشه، وفي نفس الوقت هو في معيته لخلقه، معية عامة ومعية خاصة. فعلوه لم يمنعه من المعية لخلقه، والإحاطة بهم، والدراية بذواتهم وصدورهم وخطراتهم وأفكارهم. قال رحمه الله: وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون.
كما جمع بين ذلك في قوله عز وجل، انلاحظ هذه الآية في سورة الحديد التي جمعت بين العلو والمعية؛ آية واحدة جمعت بين العلو وبين المعية في سياق واحد لإثبات أنه لا تنافي بين الأمرين. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: 5-4]. استوى على العرش هو علو واستواء، هذا إثبات للعلو والاستواء، ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم؛ إثبات للمعية والإحاطة، فهو إذا استوى وهو معكم هذا لا يعارض هذا. فهمتم الاستدلال بالآية؟ وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير.
وليس معنى قوله وهو معكم أنه مختلط بالخلق. ويرد ابن تيمية على بعض غلاة التصوف مثل ابن عربي وابن الفارض وغيرها ممن قالوا إن الله معنا أي بذاته، فاتخذت ذات الله بذات المخلوق، وأصبح الله موجودًا بذاته في كل مكان، وهذا من أكثر الكفر؛ أن تقول إن الله بذاته في كل مكان، لما يلزم عليه حتى من اللوازم الباطلة من أنه سبحانه في دورات المياه والحشوش وإلى غير ذلك من اللوازم التي لا يجوز لمسلم أن يبوح بها. طيب ابن تيمية أراد أن ينبه؛ إذا قلنا الله معكم لا يعني أنه بذاته مخالط لنا، وإنما هي معية دراية وحفظ وعلم وإحاطة، وليست معية ذات في ذات كما يقول أصحاب عقيدة الاتحاد أو الحلول. عقيدة الاتحاد هي قول من قال إنه ذات الله اتحدت بالكون.
الذين يقولون إن ذات الله حلت في مخلوقاته، وهذا كله من الكفر المبين.
قال رحمه الله تعالى: «فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق». اللغة؛ إذا قلنا: «أنا معك»، وإنما أقول لك أنا معك، هل هذا يعني أن ذاتي ستكون معك؟ لا أقول لك أنا معك وقصدي أنني أساعدك، فلا اللغة توجب اتحاد الذات، ولا العقل السليم يوجب اتحاد الذات، ولا الفطرة السوية تقول إن هذه الآية تدل على اتحاد ذات في ذلك، وإنما هو مما أخذ من الهند والفرس ونحو ذلك من الفلسفات الباطلة، كما نص على ذلك البيروني فيما أخذ من الهند من مقولاته.
وبيننا كثير من عقائد المتصوفة أخذت من فلاسفة الهند، ومنها عقيدة الاتحاد والحلول، وكيف أن روح الإله وذات الإله تحل في المخلوق؛ هذا كله أخذ من فلاسفة الهند والفرس.
قال رحمه الله: «بل القمر من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان». هذا مثال؛ مش أنا أقول لك القمر معك، ما معنى القمر معك في سفرك؟ يعني أنه يصحبك مع أنه بعيد عنك، لا هو حل فيك ولا أنت حللت فيه، فهو مع الناس في الأردن في كل مكان كانوا فيه من شماله إلى جنوبه، هل معيّة القمر معنا تدل على حلوله فينا أو اتحاده بنا؟ فأمر الله أعظم من ذلك، إذا كان هذا مخلوق مع مخلوق، فما بالك بخالق مع مخلوق؟ فالأمر أعظم من ذلك.
قال رحمه الله: «وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم» إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة؛ مثل أن يظن أن ظاهر قوله في السماء أن سماء تظله أو تقله. أراد أن يدفع بعض الشبهات كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]، كما قلنا البعض أن الله داخل السماء وأن السماء احتوت على الله، هذا خطأ، وإنما المراد إما أن السماء بمعنى العلو، أو المراد بـ «في» بمعنى «على»، فلا يظن أن الله قد حوي داخل مخلوق من المخلوقات، هذا لا يمكن أن يكون لله جل في علاه.
قال رحمه الله تعالى: «وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا». وكرسي الله هو موضع قدميه، وسع السماوات والأرض، فكيف يكون الله داخل السماء وحواوته السماء إذا كان الكرسي أكبر من السماوات والأرض؟ وكرسيه وموضع قدميه، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في صحراء، فما بالك بالعرش؟ وما بالك بمن هو استوى على العرش جل في علاه؟ ففهم أن الله احتوتة السماء هذا فهم ضعيف فاشل، لا يصدر إلا من إنسان لا يعرف دلالات نصوص الكتاب والسنة.
وحقيقة هذا من أكبر الأسباب التي ظهرت بسببها البدع؛ أن كثيراً ممن دخل في القرآن والسنة لم يكن من أهل العرب، ولم يكن ممن يتقنون العربية، ففهموا القرآن بعجمتهم، فسبب ذلك فساداً في الاعتقاد. من لا يعرف العربية لا يقود في العلم الإلهي، أتقن العربية حتى تفسر القرآن والسنة بالشكل الصحيح.
قال: «ويمسك السماوات والأرض أن تزولا وأن تقعا على الأرض». بالتالي كيف يكون هو داخل السماء والسماء احتوت؟ أراد أن يبين أن هذه الآيات تبطل ذلك الفهم الخاطئ أن السماء احتوت على الله وأن الله في داخلها؛ الله يمسك السماء أن تقع والكرسي أكبر من السماوات، فإذاً لا يمكن أن يكون الله داخل السماوات. قال: «ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره».
قال رحمه الله تعالى: «فصل، وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب». كما جمع بين ذلك الإيمان بأن الله قريب من عباده، كما قلنا، مجيب لدعائهم، وهذا القرب إجابة قرب خاص. قال رحمه الله: «وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب»، كما جمع بين ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، جمع بين القرب والإجابة؛ قريب، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». والمراد القرب بالعلم والعناية والإحاطة والدراية.
قال: «وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته». ويؤكد على هذه الفكرة ما ذكر من القرب والمعية لا ينافي العلو والفوقية؛ فهذا شيء وهذا شيء آخر، فالعلو والفوقية هو علو ذات، والقرب قرب علم ودراية وإحاطة، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في علوه قريب في قربه.
ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وأيضاً من الصفات التي سيناقشها مناقشة خاصة تفصيلية صفة الكلام عموماً، والقرآن شكل من أشكال الكلام الإلهي، لأن كلام الله أوسع من القرآن؛ فالله كلم موسى، وكلم آدم، وكلم ملائكته، فكلام الله أوسع من القرآن. لكن عادت هذه الصفة لشدة وقوع الخلاف فيها، حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي علم الكلام لأن أهم مسألة ناقشوها مسألة الكلام الإلهي، لذلك يسمونه علم الكلام.
ذكروا ابن خلدون في مقدمته. قال رحمه الله: «ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله». كلام القرآن الذي بين أيدينا، أي كلام تكلم به ربنا بصوت وحرف، فتلقاه جبريل من الله ثم نزل به جبريل، قال: «منزل نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم». فالقرآن ليس شيئاً مخلوقاً، بل هو كلام الله؛ لأنه بما دام القرآن كلام الله، وكلام الله صفته صفة الله، لا يجوز أن تكون مخلوقة. كل اسم لله وصفة من صفات الله لا يجوز أن تكون مخلوقة، فبما أن القرآن كلام الله، إذاً القرآن صفة لله، وهل يجوز أن نقول إن هناك صفة لله مخلوقة؟ حاشاه ربنا سبحانه وتعالى أن تكون صفة من صفاته مخلوقة. هكذا تفهمها: القرآن كلام الله، والكلام وصفة لله، وصفات الله ليست مخلوقة ولا يجوز القول بأنها مخلوقة.
قال رحمه الله: «لا يوجد شيء يقوم في ذات الله مخلوق»، قال رحمه الله: «القرآن كلام الله منزل غير مخلوق».
تواترت عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن منه بدأ وإليه يعود. منه بدأ، أي بداية صدوره من الله، لأنه أول من تكلم به هذا. ومعنى منه بدأ وإليه يعود في آخر الزمان عندما يقبض القرآن من قلوب الرجال ويرفع، فلا يبقى أحد متذكراً لآية من القرآن، فإليه يعود في آخر الزمان كما دلت النصوص؛ أن من علامات الساعة أن يُرفع القرآن فلا يبقى شيء منه في قلوب الرجال.
وإن الله تكلم به حقيقة؛ إذ نؤمن أن الله تكلم بالقرآن كلاماً حقيقياً بصوت وحرف يليق بجلاله، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره. ليس لأحد كما يقول الأشاعرة وغيرهم أن هذا القرآن هو تعبير جبريل عما في نفس الله.
نركز على الفكرة؛ لأن بعض الأشاعرة قالوا: هذا الذي بين أيدينا ونقلوه ليست كلمات من الله، الله عنده معنى، هذا المعنى خلقه في جبريل وجبريل هو الذي عبره، فالكلمات كلمات جبريل. والبعض قال: لا، هذه كلمات محمد ﷺ هو الذي عبر، وهذا كله والعياذ بالله كأصل فكرة؛ فهو مناقض للتوقيف، ومناقض للإمام، ومناقض لمئات وآلاف النصوص التي وردت في أن القرآن كلام الله. فالقرآن كلام الله، هذه الألفاظ أول من تكلم بها الله، إياك أن تشك في ذلك أو أن يشكك أحد في ذلك.
قال رحمه الله: «ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة». هذا الأشعري ابن كلاب ماذا قال؟ قال: «القرآن الذي نقرؤه هو محاكاة لما في نفس الله». هو حكاية، محاكاة، هكذا يقول ابن كلاب. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ هذه الكلمات محاكاة للمعنى الذي قام في نفسه.
طيب، مَن أتى بها؟ اختلفوا؛ بعضهم قال جبريل، وبعضهم قال محمد ﷺ، وبعضهم كما قال المعتزلة: هذا شيء خلقه الله في شجر، وكل هذا كلام فارغ. ولا يصح أن نقول إن القرآن الذي تلوه محاكاة، بل هو كلام الله، هو الذي تكلم بهذه الكلمات. أبو الحسن الأشعري لم تعجبه كلمة محاكاة واعترض عليها، فقال: «القرآن الذي نقرؤه عبارة عن كلام الله»، يعني فقط تغيير تكتيكي، وكلاهما مخطئ؛ لا يجوز أن نقول إن القرآن حكاية عن كلام الله أو عبارة عن كلام الله، بل القرآن هو كلام الله.
القول بأن القرآن الذي نقرؤه محاكاة لما في نفسه أو عبارة عن ما في نفسه هذا خطأ من أقوال أهل البدع، بل هو كلامه بنفسه، نطق به بصوت وحرف كما يليق بجلاله. قال رحمه الله: «بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك على أن يكون كلام الله تعالى حقيقة». الكلام إنما ينسب حقيقة إلى أول من تكلم به؛ يعني أنا الآن أعطيتك كلمات وأنت أصبحت تنقلها عني، هل منقول أنه هذا الكلام خلص الشيخ ما تكلم به لأنك تكلمت به بعده؟ لا، بل أول من تكلم به أنا، وأنت أخذته وأصبحت تتلوه وتقرأه، فكوننا نقرأ كلمات الله ونقرأ القرآن هذا لا يخرج أن يكون أول من تكلم بالقرآن هو الله.
أحياناً بعض الشبه تكون بسيطة، لكن سبحان الله كيف تتشربها النفوس وتحدث في وضعنا، والأمر بسيط بالتأكيد. الكلام ينسب حقيقة إلى أول من صدر منه، والقرآن صدر ابتداءً من الله، ونحن نتلو ما تلاه ربنا ونتحدث بما تحدث به ربنا قبلنا، ليس أكثر. قال رحمه الله: «فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، إلى أول من أنشأ». فالقرآن أول من أنشأه الله، صحيح، فنقول كلام الله، ما نقول كلام فلان وفلان أو كلام النبي ﷺ، لا، هو كلام الله وإن كنا نحن نتلوه؛ لأن أول من تكلم به هو الله، فالكلام يضاف حقيقة إلى أول من تكلم به وإن كنا نحن نعيده ونكرره.
قال رحمه الله: «لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه». ليس كلام الله للحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. عندما نقول إن القرآن كلام الله، ألفاظه ومعانيه؛ ليست المعاني فقط من الله والألفاظ من غيره، وليست الألفاظ من الله والمعاني من غيره، القرآن هو الألفاظ والمعاني معاً، كلاهما صدر من الله.
قال رحمه الله تعالى: «فصل، وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وملائكته وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً». انتقل أيضاً للكلام عن صفة حدث فيها خلاف؛ يا مسألة رؤية الله في الدار الآخرة، هل المؤمنون يرون ربهم؟ والخلاف مع المعتزلة في ذلك، والأشاعرة وإن كانوا في الظاهر أثبتوا رؤية الله في الدار الآخرة، لكنهم لم يثبتوها رؤية حقيقية على طريقة أهل السنة. بل كما قال الرازي وهو من الأشاعرة، إن كلام الأشاعرة لا يخرج عن كلام المعتزلة؛ لأنهم لم يثبتوا رؤية عين لله، وإنما جعل الأشاعرة رؤية الله في دار الآخرة إنما هو إدراك قلب، وهذه ليست رؤية، أنك تدركه إدراكاً في قلبك ولكن ليست رؤية عين، وهذا هو نفسه ما نص عليه الرازي أن كلامهم لم يخرج عن كلام المعتزلة في مسألة الرؤية العينية لله سبحانه وتعالى.
أما أهل السنة والجماعة، فعقيدتنا أننا نثبت رؤية الله رؤية عين، تراه بجلاله ولكنها رؤية لا تحيط بذاته، وإنما هي رؤية لوجهه الكريم. قال رحمه الله: «وإن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم مباشرة»، أي مباشرة، ليس في حواجز بأبصارهم وليس بقلوبهم كما زعم الأشاعرة، رؤية بصر بالعين كما يرون الشمس صحواً ليس بها سحابة، ليس بينك وبينها حجاب يسترك، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضام في رؤيته؛ وعرفنا معنى لا يضام، التزاحم في الرؤية، ولها معاني أخرى تجدونها في شروح الحديث.
قال رحمه الله: «يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى». هناك خلاف بين أهل السنة والجماعة وهو: أين يرى الله سبحانه وتعالى؟ بعض أهل السنة قال: رؤية الله إنما تكون بعد دخول الجنة، ولا يرى الله في عرصات القيامة قبل دخول الجنة. وابن تيمية وبعض أهل السنة قالوا: لا، دلت الأحاديث أن الله يرى في موضعين؛ يرى في عرصات القيامة قبل دخول الجنة، ويرى عند دخول الجنة. عند دخول الجنة يراه المؤمنون فقط، وهي رؤية تشريف وتكريم وتلذذ، وأما في عرصات القيامة فيراه الجميع؛ المؤمنون والكافرون والمنافقون، وليست هذه رؤية تشريف ولا تنعم، وإنما هي رؤية حساب وميزان، أي مؤاخذة بالأعمال. لذلك ابن تيمية قال: يرى ربنا في موضعين: عرصات القيامة، والعرصات جمع عرصة وهي الساحة، أي في ساحات الحساب والميزان، يرى ربنا ويراه الجميع: المؤمن والكافر. لكن هل...
هذه رؤية تشريف وتلذذ لا؛ هذه رؤية حساب ومؤاخذة، فلا يتلذذ بها. وإنما الرؤية التي امتدح الله بها عباده أو جعلها من نعيم الجنة هي الرؤيا التي تكون داخل جنات النعيم، وهذه خاصة بأهل الإيمان فقط، كما يشاء الله، إنها رؤية تكون كما يريد ربنا ويشاء ويرضاه.
قال رحمه الله تعالى: فصل، ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ. وهو ركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان بماذا؟ بالله. وعرفنا أنه خاض في جزء من هذا الموضوع أو الجزء المتعلق به الأسماء والصفات، ولم يخط في توحيد الألوهية والربوبية؛ لأن هذه العقيدة ليست مخصصة لهذا الأمر.
انتقل إلى الثاني من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر. أولًا أعطاك تعريفًا: ما معنى الإيمان باليوم الآخر؟ متى يبدأ اليوم الآخر؟ يبدأ من موت الإنسان، اليوم الآخر لا يبدأ عندما تقوم الساعة بل يبدأ من موت الإنسان. لذلك ما ذكره هو أجود تعريف للإيمان باليوم الآخر؛ فقال رحمه الله: «ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ بما يكون بعد الموت»، أن تؤمن بكل ما أخبر به الكتاب والسنة وما يكون في عرصات القيامة، كل هذا داخل تحت الإيمان باليوم الآخر، فالإيمان بالحياة البرزخية باختصار هو داخل تحت مفهوم الإيمان باليوم الآخر وليس شيئًا آخر منفصلًا عنه.
لذلك سيفصل الآن ابن تيمية، قال: «فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر». بماذا؟ بفتنة القبر. فتنة القبر هي سؤال الملكين منكر ونكير للإنسان في قبره عن ربه ودينه ونبيه، أما المؤمن فيجيب إجابات موفقة، الذي عاش على هذه القضايا، وأما المنافق والكافر فيقول: «لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته».
قال رحمه الله: فإما الفتنة، أيضًا يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه؛ ففتنة القبر شيء وعذاب القبر ونعيمه شيء آخر. قال: «فإن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟»، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبي.
ورد في تفسيرها: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27]، التثبيت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قالوا التثبيت في الآخر المراد به التثبيت في القبر عند فتنة الملكين، فهذه الآية دليل على الفتنة. فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيه، وأما المرتاب فيقول: «لا أدري»، الذي كان شاركًا في هذه المعتقدات من المنافقين والكفار، فيقول: «سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»، فيضرب بمرزبة من حديد، لكنها مطرقة ليست كما تعودتم، شيء عظيم جدًا، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، وفي رواية: «يسمعون كل شيء إلا الجن والإنس»، ولو سمعها الإنسان لصعق.
ثم بعد هذه الفتنة، إما نعيم أو عذاب حسب النتيجة؛ إذا نجحت في الامتحان فبكون وضعك إن شاء الله نعيم، وإذا أخطأت فإنك في عذاب والعياذ بالله، نسأل الله أن يرحمنا. قال رحمه الله: «ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى».
وعذاب القبر ونعيمه، والأدلة على ذلك كثيرة في القرآن ومتواترة في السنة، وليس كما يزعم أهل البدع بأنه لا يوجد شيء في القبر من عذاب أو نعيم. قال: «إلى أن تقوم القيامة الكبرى»، فالقيامة المشهورة هي القيامة الكبرى، أما القيام الصغرى فهو موتك، كل واحد منا له قيامة خاصة به تسمى القيامة الصغرى، أما القيامة الكبرى فهي المشتركة بين الجميع عندما ينفخ إسرافيل في الصور للقيامة لرب العالمين.
قال: «فتعاد الأرواح إلى الأجساد»، إذًا البعث يوم القيامة هو بعث للروح والجسد، فينبت منها، ينزل الله ماء من السماء فتنبت منها عظمة تسمى "العجب"، وفي رواية "العصعص"، ما يبقى من الإنسان في قبره عظمة صغيرة من الظهر بعد أن نتحلل. المهم هذه العظمة الصغيرة ينزل الله مطرًا من السماء فينبتها، فنعود إلى يوم القيامة أرواحًا وأجسادًا.
قال رحمه الله تعالى: «الأرواح إلى الأجساد»، وليس كما يقول الفلاسفة إن البعث أرواح فقط، وهذا كلامنا أصلاً، طبعًا ليس كل الفلاسفة، البعض ينكر منهم البعث أصلاً، لكن الصحيح أن البعث يوم القيامة هو بعث للأرواح والأجساد. قال: «فتعاد الأرواح إلى الأجساد التي كانت فيها في الدنيا»، لكنه جسد بنفس المواصفات التي كانت في الدنيا لكن بنبات جديد.
قال رحمه الله: «وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون»، القضية الأخرى دل عليها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون ودلت عليها العقول، فإن الله سبحانه لن ينهي هذه الحياة هكذا، بل لابد أن يقتص للمظلوم من الظالم، وأن يحاسب المسيء ويثيب المحسن؛ فمن زنى ومن شرب الخمر، لا يستويان عند الله، لابد من يوم يكون فيه الفصل والجزاء، فيوم الآخر دل عليه العقل والكتاب والسنة والإجماع.
قال رحمه الله: «فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة»، وتدنو منهم الشمس، كيف يكون التفصيل؟ كيف يخرج الناس من قبورهم؟ «حفاة» أي ليس في أقدامهم شيء، «عراة» رجالًا ونساءً، حتى إن عائشة سألت النبي ﷺ: «يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟»، فقال النبي ﷺ: «يا عائشة، الأمر أصعب من ذلك». ما عاد هناك أحد فاضي يتطلع على أحد من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، هذه الشهوات التي في الدنيا تطير ما عاد لها وجود أصلاً من شدة الهول والمطلع لرب العالمين. «غُرْلًا» أي غير مختونين، ما معنى غرل؟ لا توجد القطعة التي على الفروج، يخرج الإنسان كما يخرج من بطن أمه في الدنيا.
قال رحمه الله: «وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق»، يلجمهم العرق على حسب السيئات، فمنهم من يلجمه العرق إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق لجامًا، فالعرق على حسب سيئاتك. وهناك من يكون في ظل الله، فلا تقترب منه الشمس؛ «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، فنسأل الله أن يكون منهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
قال رحمه الله: «فتنصب الموازين فتوزن بها الموازين». الميزان عند أهل السنة والجماعة هو ميزان حقيقي له كفتان، وليس كما يقول بعض المعتزلة إن الميزان في قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ هو رمز للعدل. والبعض قال إن الميزان في القرآن إذا ورد في الدار الآخرة هو رمز للعدل، لا؛ الصحيح أنه ميزان حقيقي له كفتان.
وما الذي يوزن في الميزان؟ اختلف أهل العلم، منهم من قال الذي يوزن هو نفس الإنسان، يوضع في الميزان فيوزن، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 47]. والبعض قال الذي يوزن هي الأعمال، والبعض قال الذي توزن صحائف الأعمال. وفي الحقيقة، كما قال بعضهم، لا مانع أن يكون الذي يوزن هو الجميع؛ أن أعمالًا توضع في الصحائف فتوزن، ثم أنت توضع فتوزن، ما دامت النصوص وردت بالجميع، فلا مانع من أن نقول إن الذي يوزن هو الإنسان وعمله الذي يكون داخل صحائف العمل.
لكن ابن تيمية هنا خصص الميزان بالأعمال فقط، فقال: «فتوزن بها أعمال العباد»، خاصة الوزن يكون للأعمال فقط ولم يذكر أن الإنسان نفسه يوزن. فهذه مسألة من فروع العقيدة، يعني المجال فيها سهل، لا يبدع المخالف فيها. بعض فروع العقائد -أحبابي- لا يوجد فيها نص حاسم، بالتالي بعض مسائل الاعتقاد الفرعية هي محل الاجتهاد، ولا يبدع المخالف فيها لعدم وجود نص حاسم فيها.
قال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 102-103]. هذه المعادلة يوم القيامة؛ المعادلة يوم القيامة ليس مالًا ولا جسدًا ولا ابن فلان ولا ابن علان، وإنما الحساب يوم القيامة، ومن ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، هذا هو العدل الإلهي الذي سيكون فيه الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، والصغير والكبير، والظالم والمظلوم، عند الله سواء.
قال رحمه الله تعالى: «وتنشر الدواوين»، وهي صحائف الأعمال، تطير وكل إنسان يأخذ إما بيمينه وإما بشماله أو من وراء ظهره. الذين يأخذون بالشمال، البعض قال يأخذ بالشمال مباشرة، والبعض قال يأخذون بجمالهم من وراء ظهرهم. فالذين يأخذون بالشمال على نوعين: بعضهم يأخذ بالشمال -وهذا أحسن حاله من غيره- وبعضهم يأخذ بالشمال وراء يده من وراء ظهره.
قال رحمه الله: «وتنشر الدواوين»، وهي صحائف الأعمال؛ صحائف عملك، هذا تعريف الدواوين. «فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه»، وبشماله فيقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 25]. فهي الدواوين، صحائف الأعمال، وهي كتاب الإنسان الذي: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13] إلى نحو ذلك.
قال رحمه الله: «فأخذوا كتابه بيمينه وأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره»، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، طائره أي عمله؛ الطائر هنا بمعنى العمل، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه أي عمله سيكون مرتهنًا به يوم القيامة. وهذا فيه دليل على أن صحيفة عملك ستذهب وتقرأها بين يدي رب العالمين، وإن كان فيها خير سررت به، وإن كان فيها فضائح سيتصبب العرق منك، فأنت من سيحدد طبيعة المحاور التي ستكون بينك وبين الله يوم العرض الأكبر بما ستتضمنه صحيفة عملك. والله، مجلس علم، حماية الأمة، جهاد في سبيل الله، إنفاق صدقة، أنعم به وأكرم! والله، نظرة حرام، علاقات محرمة، غيبة، نميمة؛ عاذ بئس الصحيفة هذه، والله نعم.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]. ويحاسب الله الخلائق؛ ستقرأ أنت الصحيفة بنفسك بين يدي الله، أنت ستقرأها، وهنا يعرف الإنسان ماذا فعل في الحياة الدنيا، ويعرف قيمة كل ساعة أين ذهبت وعن عمره فيما أفناه.
قال رحمه الله تعالى: «ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه»، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة. أيها المؤمن، إذا خلو بك الله وقرأ صحيفة العمل ماذا سيكون؟ يقول الله: «تذكر هذا الخطأ؟»، فستقر بذنوبك وتقول: «نعم يا رب أنا أخطأت أنا فعلت»، فيقول الله: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك في الآخرة». وأما الكافر... نعم.
قال: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة منتوزنا وحسناته وسيئاته فإنه لا حسنات لهم». ومن مسائل الخلاف: هل أعمال الكافر ستعرض في الميزان؟ الكافر له حسن ولا ما له حسنات؟ ما دام كافرًا ما له حسنات، فهل ستوزن أعماله؟ ظاهر كلام ابن تيمية أن الكافر ليس له ميزان، وأن الميزان فقط للمؤمنين الذين لهم حسنات وسيئات. وبعض السلف قال: لا، حتى الكافر توزن أعماله وإن كانت كلها في ميزان السيئات، حتى يظهر العدل الإلهي أنه «ها هي كل أعمالك ستجدها في ميزان السيئات»، لأنه لا تقبل حسنة إلا بالتوحيد، فما دام ليس لك توحيد بالتالي ما لك حسنات محسوبة عند رب العالمين. فهل الكافر سيوزن أعماله أو لن توزن؟ مسألة فيها خلاف بين أهل العلم وليست من مسائل التبديع. ظاهر الكلام ابن تيمية أنه قال: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة منتوزنا وحسناته وسيئاته فإنه لا حسنات لهم»، لأنه ليس له حسنات، فماذا سنضع في الكفة الأخرى؟ ولكن الذي يظهر أنها توزن حقيقة سيئاته فقط لكمال العدل الإلهي.
قال: «ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها». تعد له سيئات وربنا يقول له: «عملت هيك، عملت هيك»، ويبدأ الجزاء عليه. لكن كما قلت، كثير من السلف قال: «بل لهم ميزان أيضًا»، بل لهم ميزان، هذه مسألة خلاف.
قال رحمه الله: «وفي عرصات القيامة الحوض المورود». وفي ساحات القيامة، ولو في عرصات القيامة، الحوض المورود للنبي ﷺ. إذ من مشاهد يوم القيامة أن يذكر لك المشاهد التي عليك أن تؤمن بها؛ فعليك أن تؤمن بالبعث، عليك أن تؤمن بالحساب، عليك أن تؤمن بالميزان، عليك أن تؤمن بصحائف الأعمال، كلها وردت فيها الأحاديث والآيات، عليك أن تؤمن بالحساب. ومن الأمور التي ينبغي أن تؤمن بها قضية الحوض الذي خصه الله لنبينا ﷺ.
قال رحمه الله: «أشد بياضًا من اللبن». قال: ما هو؟ أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، أنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر. هذا الحوض طوله شهر وعرضه شهر، مسافة طويلة جدًا. من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. المراد مسيرة شهر، وهل هو بمسيرة الراكب أو بمسير الماشي؟ الظاهر أنه بمسير الماشي، يعني لو أنت مشيت شهر كم كيلو تقطع؟ ممكن تقطع مسافة كبيرة، فهذا طوله وعرضه. قال رحمه الله: «من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا». أسأل الله أن أكون ممن يشرب هذه الشربة حتى لا نظمأ بعدها أبدًا.
الصراط منصوب على متن جهنم، وهو أدق من الشعرة، يمر عليه المؤمنون والمنافقون، وأما الكفار فقيل إنهم يمرون عليه ويسقطون عنه، وقيل الكفار لا يمرون عليه بل مباشرة تلقيهم الملائكة في جهنم.
فهل الكفار يمرون على الصراط؟ يوجد خلاف. وأما المؤمنون والمنافقون فيمرون عليه؛ فأما أهل الإيمان فيمرون عليه بحسب أعمالهم الصالحة، وبالتالي هناك من يكون كالبرق، وهناك من يكون كالريح، وهناك من يكون كجواد الخيل، وهناك من يركض ركضًا، وهناك من يزحف زحفًا على حسب عملك، ولكن المهم أن كل أهل الإيمان ممن لم يدخل النار سيجتازونه.
أما المنافق فإنه يكون معه نور؛ لأن الصراط منطقة مظلمة يحتاج إلى نور، فالمنافق أول شيء يأخذ نورًا ثم ينطفئ معه، فيذهب مرة أخرى ليأخذ النور، فيضرب بينه وبين الصراط بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه العذاب، ويلقى به في قاع جهنم. وأما أهل الإيمان فيستمرون، لكن نور أهل الإيمان على حسب أعمالهم؛ واحد نوره عالي، وواحد نوره ينطفئ، وكل واحد على حسب اجتهاده وعمله في الدنيا.
قال رحمه الله: «والصراط منصوب على متن جهنم»، وهو جسمه بمعنى الظهر. قال: «وهو الجسر الذي بين الجنة والنار يمر الناس بين الجنة والنار بهذا المعنى الدقيق»، لأنه المراد أنه يقع في هذا البعد حتى لا تفهم أن هنا النار وهون الجنة وفي جسر، لا، هو النار تحت الجسر، ثم بعد الجسر تأتي القنطرة ثم الجنة.
قال رحمه الله: «يمر الناس عليه على قدر أعمالهم»، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر في بصر. إن شاء الله عند هذا المقدار ونكمل غدًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن غدًا في محاضرة في دروس العطلة يوم السبت وليست الجمعة، لأن هنا إخواننا في مدارس عندهم أنشطة الصبح، فاضطررنا أن نأخذ الجمعة بدل السبت لإلقاء الدروس، غدًا الجمعة هناك موعد قائم، والسبت هو الوقت الذي سيكون فيه الإجازة، ونكمل بعد السبت الأيام المتبقية بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في الجلسة الثانية التي نعقدها اليوم، وموضوعنا إتمام كتاب الكبائر للعلامة الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى عليه.
وقد بينا في جلسة البارحة أهمية هذا الكتاب في أن يتعرف الإنسان على الكبائر؛ لأنها موضوع مهم في حياته من عدة زوايا ومن عدة جوانب، فإن الله سبحانه قد تكفل لمن اجتنب الكبائر -حتى ولو وقع في الصغائر- أن يكفر عنه الذنوب والخطايا الصغائر ويتجاوز عنه مادام مجتنبًا للكبائر. وإن كثيرًا من أشكال المغفرة التي ذكرها النبي ﷺ، من رمضان إلى رمضان ومن الجمعة إلى الجمعة، مرتبط التكفير فيها بترك الكبائر أيضًا.
وبالتالي يجب على المسلم والمسلمة -وليس هذا خاصًا بطالب العلم- أن يدرس في حياته الكبائر، وأن يتعرفها، وأن يفهمها، ولماذا هي كبائر؛ حتى يجتنبها بإذن الله ويجاهد نفسه قدر المستطاع ألا يقع في شيء منها طوال حياته، ليظفر بوعد الله: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31].
في المحاضرة السابقة أخذنا ضابط الكبير، فقلنا إن الكبيرة مختلفة في تعريفها، هناك تعاريف عديدة، لكن ما هو التعريف الذي اختاره الذهبي للكبيرة؟ من يتذكر ما هو التعريف الذي اختاره الذهبي للكبيرة؟ أحسنت، كل معصية ورد في الكتاب والسنة عليها عقوبة دنيوية أو تهديد أخروي، فإنها تصنف عند جماهير العلماء من الكبائر.
وأخذنا في المحاضرة السابقة مجموعة من الكبائر، ثلاثة تقريبًا؛ أخذنا أولًا الشرك بالله، ثم أخذنا قتل النفس، ثم أخذنا السحر. اليوم إن شاء الله نشرع في قسم آخر منها، وطريقة الذهبي كما قلنا إنه يذكر الكبيرة ثم يذكر نصوص الكتاب والسنة الدالة على أن هذا الفعل كبيرة؛ لأنه حتى تصنف الشيء كبيرة أو لا تحتاج إلى دليل، فالرجل يذكر لك إما تهديدًا دنيويًا أو عقوبة دنيوية، أو تهديدًا أخرويًا، حتى تتأكد أن هذا الفعل الذي يصنفه من الكبائر هو فعلاً من الكبائر. لذلك ستجدون بعض المعاصي الذهبي شك فيها، قال: «ويحتمل أن تكون صغيرة»، يعني بعض المعاصي ليست واضحة جدًا أنها من الكبائر.
فدعونا إن شاء الله نعيش مع الذهبي رحمه الله تعالى عليه في هذا الكتاب المبارك. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «الكبيرة الرابعة: ترك الصلاة». قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. هذا غير التهديد على إضاعة الصلاة، ومقصود الذهبي هنا بترك الصلاة: الترك الكامل، لا يسجد لله سجدة ولا يركع لله ركعة.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]، فويل هذا دعاء بماذا؟ أو تهديد أخروي، وهذا يدل على أن السهو عن الصلاة بمعنى تركها يستحق الوعيد، إذاً تركها كبيرة من الكبائر. وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 42-43]، إن كان أحد موجبات دخولهم إلى سقر -والعياذ بالله- فهو ترك الصلاة: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾.
وقال ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، وهذا من أشد الوعيد؛ أن يقال عن تارك الشيء إنه كافر، هذا من أشد الوعيد، ذلك تارك الصلاة بالكلية، أحبابي، الذي لا يسجد ولا يركع، هذا ظواهر النصوص أنه كافر، الذي لا يسجد أبدًا لا جمعة ولا جماعات ولا يعرف هذا الأمر، هذا لا يمكن أن يكون مسلمًا، وهذا ما عليه اتفاق السلف، ودعكم من الخلافات المذهبية بعد ذلك. لكن من لم يركع ولم يسجد لله سجدة أبدًا في حياته فهذا ليس بمسلم بظواهر نصوص الكتاب والسنة.
وقال ﷺ: «من فاتته صلاة العصر حبط عمله»، هذا في صلاة واحدة، فما بالك بمن يفوت كل الصلوات؟ هذه صلاة العصر وحدها. وقال ﷺ: «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة»، وعنه ﷺ قال: «من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله». قال مكحول عن أبي ذر -ولم يدركه- وهذا يدل أن...
هذا الحديث فيه انقطاع، لذلك لم يدرك مكحول أبو ذر؛ إذاً هناك شخص سقط بين مكحول وبين أبي ذر في رواية الحديث.
قال عمر رضي الله عنه: «أما إنه لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة». لاحظوا ماذا قال: «لا حظ له في الإسلام»، كل الحظ نفاه، إذاً يدل على أن من ترك الصلاة بالكلية ليس بمسلم. فقال إبراهيم النخعي: «من ترك الصلاة فقد كفر»، وقال أيوب السختياني مثل ذلك.
وروى الجرير عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركُه كفر غير الصلاة»، أخرجه الحاكم في المستدرك وأخرجه الترمذي. الزكاة، تارك الصيام، تارك الحج، كل هؤلاء لا يكفرون إلا شيئاً واحداً؛ كانوا يرون أن تاركه بالكلية كافر، ما هو أصل هذا؟ مفهوم الحديث.
قال رحمه الله: وقال ابن حزم: «لا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها»، وقتل مؤمن بغير حق؛ فقتل المؤمن وترك الصلاة حتى يخرج وقتها جعلهم ابن حزم الظاهري في نفس المرتبة.
قال: روى همام، نبأنا قتادة عن الحسن عن حريث بن قبيصة قال: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر».
وقال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم»، إلا به. ترك القتال موقوف على ماذا؟ ليس فقط على الشهادتين، بل على الشهادتين وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فمن لم يقم الصلاة يقاتل، ومن لم يؤت الزكاة يقاتل. سيأتي معنا أيضاً أن الزكاة واقعة في كبيرة من الكبائر. قال: «فإذا فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»، متفق عليه.
وعن أبي سعيد أن رجلاً قال: يا رسول الله اتق الله، فقال: «ويلك، ألست أحق أهل الأرض أن أتقي الله؟». وقال له اتق الله لما لم يعطه من الغنيمة، هذا الخارجي قال لرسول الله اتق الله، فقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه: ألا أضرب يا رسول الله؟ فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي». جعل عدم ضرب العنق موقوفاً على ماذا؟ لأنه كان يصلي؛ مفهوم المخالفة أنه إذا لم يكن مصلياً لا حرج في أن تضرب عنقه. هذا يدل على شدة الوعيد، والظاهر كما قلنا أن تارك الصلاة بالكلية ليس مسلماً.
ويروى أن يترتب عليه للاسف أحكام كثيرة، يترتب عليه علاقة الزوجة بزوجها وهل تقيم معه، إلى غير ذلك، والمسألة ليست هينة حقيقة في هذا الموضوع.
قال: وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يحافظ على صلاته لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي بن خلف»، وهؤلاء رؤوس الكفر. وهنا تعليق: ولماذا جعله الله مع هؤلاء؟ قال: لأن الإنسان الذي يترك الصلاة إما أن تشغله رئاسته وهذا مثل فرعون، وإما العمل والوظيفة وهذا مثل هامان، وإما المال وهذا مثل قارون، وإما العناد والكفر والإصرار وهذا مثل أبي جهل وأبي بن خلف.
قال رحمه الله: إسناده بذلك، هذا الحديث فيه مقال في إسناده، هذا رأي الذهبي. وهذه النصوص تشعر بكفر تارك الصلاة، هذا ليس من كلامي، ماذا يقول الذهبي؟ هذه النصوص التي تقدمت تشعر ماذا يفهم منها كفر تارك الصلاة بالكلية. الكلام عن تارك الصلاة بالكلية.
قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار»، متفق عليه. فلو أخذنا هذا الحديث، يفهم منه العكس أن تارك الصلاة بالكلية ما دام يشهد أن لا إله إلا الله ليس بكافر.
دعونا نقرأ: فمؤخر الصلاة عن وقتها صاحب كبيرة، وتاركها بالكلية -أعني الصلاة الواحدة فقط- كمن زنى وسرق؛ لأن ترك كل صلاة أو تفويتها كبيرة، فإن فعل ذلك مرات كان من أهل الكبائر إلا أن يتوب، فإن لازم ترك الصلاة فهو من الأخسرين الأشقياء المجرمين، وهو أقرب إلى الكفر منه.
وحديث «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله» لا يرد الأحاديث السابقة، لماذا؟ لأن هذه الأحاديث قد تكون متقدمة في بداية الإسلام، ثم جاءت الأحاديث السابقة التي تدل على أن تارك الصلاة كافر؛ فلا ينبغي أن نقول إن حديث «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار» يقضي بأن تارك الصلاة ليس كافراً، هذا خطأ. نقول هذه النصوص، كما قال ابن شهاب، نزلت في أول الإسلام ثم جاءت نصوص تارك الصلاة بعد ذلك، وإنما يؤخذ بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر.
قال رحمه الله تعالى: الكبير الذهبي جعل مجرد تأخير صلاة واحدة عن وقتها كبيرة، وتاركها -يعني تأخير الصلاة عن وقتها ولو كنت ستقضيها- تأخير الصلاة عن وقتها عمداً بدون عذر، هذا الكلام حتى ننتبه. ولما قال: «فمؤخر الصلاة عن وقتها»، أي من جعل صلاة تخرج عن وقتها عمداً بدون عذر، هذا ولو كان سيقضيها فهو فاعل كبيرة، فما بالك إذا كان لا ينوي تقضيتها؟ هذه الصلاة الواحدة فهذه أشد وأشد، فما بالك إذا كان لا يصلي أبداً أبداً؟ فهذا أشد وأشد. فهمتم المراتب الثلاث؟ والظاهر أن الذي لا يصلي أبداً أبداً كما قلنا هذا كافر، أما الذي يقطع في صلاته فهذا تختلف فيه المذاهب والأنظار ولا ينبغي أن يستعجل فيه تكفيرياً.
قال رحمه الله تعالى: الكبيرة الخامسة منع الزكاة، عدم إخراج الزكاة. قال الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: 36-37]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]. هذا تهديد، إذاً هذه كبيرة، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم.
«وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون». الكنز هو أن تجمع المال ولا تخرج زكاته، هذا هو الكنز المنهي عنه والمتوعد عليه، ليس أن تجمع المال وأنت تؤدي الزكاة. الكنز الذي توعد عليه، ومن يجمع ويكنز ماله في البنك ولا يخرج زكاته، فهذا واقع في كبيرة من الكبائر، والبعض يكفر على ترك الزكاة وهي رواية في مذهب الحنابلة.
قال النبي ﷺ: «من صاحبه إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي منها زكاتها، أتلته يوم القيامة بقاعٍ قرقر». والقرقر هي الأرض المستوية، يجهزونها أرض مستوية حتى هو يجلس عليها وهي تدوس بأقدامها. قال رحمه الله: «تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفذت عليه أخرى عادت عليه أولاها». يعني يبقى هكذا حاله إلى أن يقضى بين الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وقوله: «إما إلى الجنة وإما إلى النار» هو دليل على أن تارك الزكاة -تخاذلاً أو عناداً وليس جحوداً لها- ليس كافراً، لأنه قال: «ثم يرى سبيله»، فممكن يدخل الجنة وإن كان سيعذب طول يوم القيامة بهذا العذاب الشديد؛ فالصحيح أن تارك الزكاة ليس جاحوداً لها وإنما بخيل، ليس كافراً لكنه واقع في كبيرة من الكبائر.
قال ﷺ: «وما من صاحبه كنز لا يؤدي زكاته إلا مثل له كنزه يوم القيامة شجاعاً». وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مانعي الزكاة وقاتلهم، واختلفوا في قتاله: أقتال ردة؟ ولا قتال الطائفة الممتنعة؟ والصحيح أن قتاله لمن لا يزكي، بعضهم قال قتال ردة لأنهم استحلوا ترك الزكاة ولم يعتقدوا أنها واجب، وبعضهم قال قتال طائفة ممتنعة وليس قتال ردة.
وقال رضي الله عنه: «والله لو منعوني عِناقاً -والعنقة هي صغيرة الإبل- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها». قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]. هذا المال الذي لم تدفع زكاته سيكون كالطوق كالقيد عليك يوم القيامة، وهذا وعيد يدل على أن ترك الزكاة ولو لم يكن كفراً لكنه من أكبر الكبائر، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180].
وعن النبي ﷺ فيما منع الزكاة قال: «من منعها فإن أخذوها وشطر إبله، عزمه من عزمات ربنا». كان في بداية الإسلام من منع الزكاة تؤخذ منه ويؤخذ منه شطر المال، عقوبة كالغرامة، مثل الحكومة عندما تفرض غرامة إذا تأخرت؛ ففي بداية الإسلام الذي لا يخرج الزكاة، تؤخر الزكاة ويؤخذ شطر ماله عقوبة على ذلك، ثم نسخ هذا الحكم. أخرجه أبو داود والنسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وعن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عامر العقيلي أن أباه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «أول ثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط، وذو ثروة لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور». والفقير الفخور هو الذي يتبجح بشيء ليس عنده، يرى نفسه كبيراً، فالفكرة أن المتشبع بما لم يعطَ يحاسب حساباً شديداً.
وعن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: «أمرتم بالصلاة والزكاة، فمن لم يزكِ فلا صلاة له»، وهذا يدل على أن ترك الزكاة يؤثر على قبول الصلاة.
قال رحمه الله: الكبيرة السادسة: عقوق الوالدين. للأسف أن الكثير حتى من طلاب العلم وطالبات العلم يقعون فيها، لذلك عندما نقول اجتنبوا الكبائر؛ قد تكون صرخة على والدك وقعت كبيرة عليك عند رب العالمين، صرخة عناد أو محادة أو سوء أدب، فينتبه الإنسان؛ فقد يكون واقعاً في كبيرة وهو لا يعلم. هذه الكبائر ليست للناس خارج القاعة فقط، بل أنا وأنتم وكل شخص منا قد يقع في شيء منها، وكثير منها في متناول يد الجميع.
قال الله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24]. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8].
وقال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» فذكر منها عقوق الوالدين، متفق عليه، ومن أعلى الكبائر تصنيفاً. وقال ﷺ: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين». وعنه ﷺ: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع فإِن شئت فاحفظ». صححه الترمذي، والحديث هكذا انتهى، وقول "فإن شئت فأضع" هو من قول الراوي أبي الدرداء يوصي به من سمع الحديث منه، وليس من قول النبي ﷺ، هذا هو الصحيح.
وقال ﷺ حين جاءه رجل يستأذنه في الجهاد ومعه والديه: «عليهما وأخوتك وأخواتك، فأنت من يعولهم وينفق عليهم ويدير شؤونهم». وروي عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر». والمنان هو الذي يمن على الناس، الذي يفعل المعروف ويقول: أنا فعلت لك وأنا عملت لك.
وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله»، قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم عقوق الوالدين»، قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس». ومن عظم عقوق الوالدين أنها تقرأ بالشرك بالله: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. للأسف كثير من الناس المحافظين على أمور الدين يتجاسرون على حقوق الوالدين بسهولة ويعتبرون الأمر هيناً، وقضية الوالدين قضية كبيرة، ينبغي أن ينتبه لها الإنسان المسلم.
وعنه ﷺ قال: «لا يدخل الجنة عاق». ولا يهم أن يكون والدك ليس جيداً أو أن أمك ليست جيدة، عليك أن تحافظ على بر الوالدين. إن بعض الشباب يسيء الأدب بحجة أن الوالد ليس جيداً أو يخطئ في حقي، حتى لو كان ذلك، عليك أن تصبر وتحتسب حتى لا تقع في الكبيرة.
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يدخل الجنة عاق ولا مكذب بالقدر». وروى عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت إن صليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، وأديت الزكاة، وحججت البيت، فماذا لي؟ قال: «من فعل ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء، إلا أن يعق والديه»، شوف، إلا أن يعق والديه فيضيع أجر كل هذا التعب، يضيع أجر كل هذا التعب الذي فعله.
وبكر بن عبد العزيز بن أبي بكر قال: حدثنا أبي، قال عن أبي بكرة مرفوعاً: «كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإنه يعجل لصاحبه في الدنيا». إذا عققت والديك يعاقبك الله بأن أولادك يعقونك، كما تدين تدان في الدنيا قبل الآخرة. فعقوق الوالدين عقوبته معجلة في الدنيا، فانتبه؛ ممكن يكون قلة توفيق في الحياة، أو عدم وجود رزق. بعض الناس يقول لك: يا شيخ الحياة مغلقة في وجهي، انظر، لربما عققت والديك وهذا السبب أن الحياة مغلقة في وجهك، والدك أو والدتك دعوا عليك وأنت السبب في هذه الدعوة، فالإنسان يُبتلى بأحبابه، فكثيراً من أسباب التوفيق يُغلق من هذا الباب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعقه». هذا اليوم صعب أن تجد أباك عبداً عند الناس فتشتريه منهم وتبيعه، هذا طبعاً صعب اليوم لأنه ما عندنا لا عبيد ولا إماء اليوم.
وعنه عليه الصلاة والسلام بإسناد حسن قال: «لعن الله العاق لوالديه». فقال عليه الصلاة والسلام: «الخالة بمنزلة الأم»، صححه الترمذي. وعن وهب بن منبه قال: إن الله قال يا موسى: «وقر والديك، فإنه من وقر والديه مددت في عمره ووهبت له ولداً يبره، ومن عق والديه قصرت عمره ووهبت له ولداً يعقه». وقال كعب: «والذي نفسي بيده، عمره ووهبت له ولداً يعق»، وهذا ورد في الكتب السابقة، ووهب بن منبه يروي الإسرائيليات، فهذا ورد في الكتب السابقة والإسرائيليات كما قلنا لا نصدقها ولا نكذبها ولكن نأخذ منها العبر والحكم.
وقال كعب -وهذا كعب الأحبار- وهذا أيضاً يأخذ عن الكتب السابقة: «والذي نفسي بيده، إن الله لا يجعل حين العبد -أي هلاك العبد- إذا كان عاقاً لوالديه إلا يعجل له العذاب، وإن الله لا يزيد في عمر العبد إذا كان باراً بوالديه إلا ليزيد براً وخيراً». إن بر الوالدين سبب في زيادة العمر وعقوق الوالدين سبب في اختصار العمر، وهذا من الإسرائيليات مما ينتبه له الإنسان عموماً وإن لم يكن ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو بكر بن أبي مريم: قرأت في التوراة: «من يضرب أباه يقتل»، يعني هذا كان الحكم في التوراة، من يضرب أباه كان في التوراة يعدم. اليوم بعض الشباب ما عنده مشكلة، التوراة كان مكتوباً من يضرب والده يتم إعدامه لعظم حق الوالد. وقال وهب: في التوراة على من صك والده الرجم، صك والده أي ضربه، الرجم؛ هذه نص آخر عن وهب بن منبه.
قال رحمه الله: الكبيرة السابعة: أكل الربا. أكل الربا من أكبر الكبائر التي ينبغي أن يحذر منها المسلم، ولا يتحجج بضيق الحياة. بعض الناس تضيق عليه الحياة فيأخذ قرضاً ربوياً من البنك، انتبه ترى الموضوع ليس مزحة أبداً، كبيرة من الكبائر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279]. هذا يدل على أنه من أكبر الكبائر، فالحرب إذاً من الله ورسوله، وهذا يدل على أنه كبير، هذا أكبر تهديد يمكن أن يقال في هذه المسألة.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]. فهذا وعيد عظيم بالخلود في النار كما ترى لمن عاد إلى الربا بعد الموعظة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نحن نعرف أن من يخلد بحيث لا يخرج من النار أبداً هو المشرك الكافر، وأما آكل الربا فالمراضي بخلوده في النار طول مكثه فيها، وإن كان في النهاية مات مسلماً يخرج ولو بعد حين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا وموكله». الكبيرة، رواه مسلم والترمذي.
وهذا مثال، وكثير من الموظفين في البنوك الربوية اليوم يقول لك: أنا موظف، أنا بس أكتب العقد الربوي الذي يأمرني به البنك، أنت ملعون، ما في قضية أنه أنا فقط كاتب أو شاهد. كل من يعمل في البنوك الربوية في أمور متعلقة بالربا، ولو طباعة على الكمبيوتر وإدخال الحسابات الربوية، ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فالقضية ليست سهلة، قضية الربا.
قال رحمه الله، وإسناده صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: «أكل الربا وموكره وكاتبه»، إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد يوم القيامة. كانوا يعلمون أن هذا العقد ربوي، وإن بعض الناس يجهل بعض تفاصيل العقود الربوية، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، عرفنا العذر بالجهل في مسائل الكبائر إذا كانت خفية أو غير واضحة. أخرجه النسائي.
وقال رحمه الله: الكبيرة الثامنة: أكل مال اليتيم ظلماً. إذا جعلك الله ولياً على مال أيتام، وهذا كثير كما يقع فيه الناس اليوم. يموت الأب، المال يقول ورثته، فيأتي الأعمام والأخوات يريدون أن يعملوا عزاءً، وبدهم يطعموا عن المتوفى ويعملوا مناسف عن روح المتوفى، وكله من ماله؛ هذا أكل لأموال الأيتام وهو من الكبائر. ما يجوز للأعمام أو الأخوال أو الأقارب أن يأخذوا من ماله ليعملوا غداءً وعشاءً إذا كان الورثة كلهم صغاراً، لكن ما دام الورثة صغاراً لا يجوز أخذ أموالهم لإقامة العزاء أو بيوت أجر أو خيم.
كبيرة أو إطعام، فهذا كله من الكبائر التي يجب على المسلم أن يتق الله فيها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. وهذا من أكبر الوعيد: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
وقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر منها أكل مال اليتيم. وكل ولي ليتيم كان فقيراً فأكل بالمعروف فلا بأس عليه. إذا كان المسؤول عن اليتيم أحياناً تكون الأم بعد وفاة الأب، فتكون الأم مسؤولة عن مال أطفالها، مال الأيتام، فإذا أكلت من مالهم بالمعروف إذا لم يكن لها مصدر دخل، فالأم لها أن تأكل من مال أطفالها إذا كانت هي المسؤولة عن إدارته وإصلاحه، لها أن تأكل بالمعروف.
وكذلك كل ولي مال اليتيم وكان فقيراً، له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف بما هو متعارف ومتعاهد عليه، وإنما الوعيد ورد فيمن يتجاوز الحد. لذلك نبه الذهبي على ذلك قال رحمه الله: «وكل ولي ليتيم كان فقيراً فأكل بالمعروف فلا بأس عليه، وما زاد على المعروف فسحت حرام». والمعروف يرجع فيه إلى عرف الناس المؤمنين الخالين من الأغراض الخبيثة، لذلك هذه قاعدة؛ العادة محكمة، لكن عرف من؟ عادوا الناس الأسوياء، مش عادة المريضين نفسياً الخبيثين.
قال رحمه الله تعالى: الكبيرة التاسعة: الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم كفر ينقل من الملة. الأصل أن من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم متعمداً أن هذا كفر ينقل عن الملة. إياك أن تمزح أو تلعب في هذا الموضوع وتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً وأنت تعلم أنه لم يقله من باب المزاح، هذا كفر ينقل عن الملة.
قال رحمه الله: «ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض». وإن شخصاً يرى خطورة لطلبة العلم ومن يتصدرون في القضاء، لو أن شخصاً يعلم أن حكم الله ليس كذا لكن قال: حلل حلالاً أو عرفاً، أو حرم حراماً إرضاءً لفلان أو لفلان، قال هذا كفر ينقل عن الملة. انظروا ماذا قال: «ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض». أن تقول شيئاً حلالاً وأنت تعلم أنه حرام، أو تقول عن شيء حرام شرعاً وأنت تعلم أنه حلال إرضاءً لفلان أو فلان، هذا حكمه الكفر.
قال رحمه الله: «وإنما الشأن في الكذب عليه سوى ذلك». يقول الذهبي: أنا ما قصدته هنا الكذب الذي سوى ذلك، يعني أن تقول شيئاً وأنت غير متأكد أنه قاله، أو أن تروي حديثاً موضوعاً من باب ترغيب الناس في الخير، فهذا الذي قصده هنا. أما الكذب المحض؛ تحليله حرام أو تحليل حلال، هذا كله كفر محض، أصلاً مش داخل معنا هنا، يدخل تحت الكبيرة الأولى التي هي الشرك والكفر الناقل عن الملة. فهنا يتكلم عن الكذب الذي لا يصل إلى مرتبة الكفر، مثلما كان يفعل بعضهم يضع أحاديث موضوعة للترغيب في فضائل الأعمال، فيقول لك: أنا ما قصدت الكذب على النبي وإنما قصدت ترغيب الناس، هذا ليس كفراً لكنه كبيرة من الكبائر. أما من يحلل حراماً أو يحرم حلالاً، فهذا ينقل عن الملة.
قال رحمه الله تعالى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كذباً علي ليس ككذب على غيري»، فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وإن تنقل عنه شيئاً لم يقله، أليس ككذب على أي شخص؟ لكن يختلف المرتبة: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». فليتبوأ مقعده يعني يجهز مقعداً له في نار جهنم ينتظره. وقال صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي بني له بيت في جهنم». وقال: «من يقل عني ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».
وقال عليه الصلاة والسلام: «يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب». يعني المؤمن يمكن تكون فيه من الخصال الذميمة كل الصفات، إلا صفتين لا تكون في المؤمن ولا يطبع عليها: الخيانة والكذب. المؤمن يتصور في أي صفة، مثلاً غلظة، جفاء، استهتار، ممكن تكون فيك كل صفة ذميمة إلا صفتين غير مقبولات أبداً في المؤمن، ما هما؟ الخيانة للأمانة والكذب، هذه غير مقبولات أبداً في المؤمن، فمن وجد في هاتين الصفتين فليراجع إيمانه، هذا المراد.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين». بالتالي الحديث إذا عرفت أنه موضوع الأصل أن لا ترويه إلا مبيناً لضعفه، ولا يصح أن ترويه بحجة ترغيب الناس في الخير؛ ما يجوز، ما دام الحديث موضوعاً. أما الضعيف فيختلف. قال رحمه الله: «فلاح لك بذلك أن رواية الموضوع لا تحل». فظهر لك بذلك أن رواية الحديث الموضوع لا تحل إلا إذا رويته مبيناً لكذبه لهذا المقصد، أما أن ترويه ترغيباً بالخير فلا يجوز أبداً.
قال رحمه الله: الكبيرة العاشرة: إفطار رمضان بلا عذر ولا رخصة. كل من أفطر يوماً في رمضان بدون عذر ولا رخصة فقد فعل كبيرة من الكبائر ولو يوماً واحداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك -من يفطر مثلاً بالاستمناء أو ما شابه ذلك- هذا أفطر بدون عذر ولا رخصة فوقع في كبيرة من الكبائر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر ولو صامه»، وهذا الحديث طبعاً ضعيف في قضية لم يقضه صيام الدهر، كما قال الذهبي إن الحديث هذا لم يثبت.
فقال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر». وقال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، متفق عليه. من أركان الإسلام، فالذي يخل بذلك أخل بركن من الأركان، وبالتالي يعتبر كبيرة من الكبائر. وقال حماد بن زيد عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: «عُري الإسلام وقواعد الدين ثلاثة: شهادة أن لا إله إلا الله، وصوم رمضان، فمن ترك واحدة منهن فهو كافر». وهذا اجتهاد ابن عباس، يرى أن من ترك الصلاة...
أو الصيام فهو كافر، وهو رواية في المذهب، وعند بعض أهل العلم أن من ترك صوم رمضان تكاسلاً كافر، لكن ليس هذا هو المشهور عند أهل العلم. قال: وتجده كثيراً المال ولم يحج ولم يزك، ولا يحل دمه؛ فهو يرى أن تارك الزكاة وتارك الحج لا يحل ولا يكفر، لكن تارك الصلاة وتارك الصيام يكفر.
هذا قول، لنقرأ عن ابن عباس، قال: هذا خبر صحيح عن النبي ﷺ صحيح الإسناد إلى ابن عباس. وعن النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فلا حاجة لله بأن يدع طعامه وشرابه».
وعن النبي ﷺ أن الإنسان الذي يكون صائماً فيقول الزور ويعمل بالزور، أي الكذب، ويرتكب الأخطاء والجهل، أي الإساءة والأخطاء والآثام أثناء رمضان، من لم يدع قول الزور أي القول الكذب والعمل بالكذب، والجهل أي الإساءة والأخطاء والكذب أثناء الصيام، فلا حاجة لله بأن يضع طعامه وشرابه. وبالتالي نحن نعرف أن الصيام ليس فقط صياماً عن الطعام، بل حتى هو صيام عن الذنوب والمعاصي؛ فمن الذي يصوم عن الطعام والشراب فقط؟ ما المقصد؟ الصيام التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فلا بد أن يكون صيامك حتى عن الذنوب والمعاصي.
وعن النبي ﷺ قال: «رغم أنف امرئ أدرك شهر رمضان فلم يغفر له». هذا يقول إن رمضان شهر خير وبركة وفيه الخير العظيم، وبالتالي من يفرط فيه فرط في نفحات الله، وبالتالي تعرض لوعيد الله فكان في الكبائر، هذا مراده.
قال رحمه الله: وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض، إنه شر من الزاني والمنافق ومدمن الخمر وصاحب الضرائب الذي يفرض الضرائب على الناس. وهي كبيرة، ستأتي معنا أن فرض الضرائب على الناس بغير وجه حق كبيرة من الكبائر. وقال: ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال؛ هو يقول للذهب هذا ما اعتاده الناس، يعني أنت إذا شفت واحداً في رمضان مفطراً، أي سيكون انطباعك عنه نفسياً؟ أنه فعلاً شر من الزانية، شيء عظيم جداً، فهذا لما جبلت عليه طبائع الناس.
قال رحمه الله: الكبيرة الحادية عشرة: الفرار من الزحف. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]. الفرار يعني من المعركة، والمعركة كبيرة من الكبائر بنص الكتاب والسنة.
وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا فر من الزحف لمصلحة شرعية معتبرة إلا متحرّفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة أخرى فلا إشكال في ذلك»، أما إظهار الضعف أمام العدو فهذا كبير من الكبائر، لا يجوز للمسلم أن يظهر الضعف أمام أعداء الأمة، لذلك جعلت كبيرة؛ أنك إذا فرطت من الزحف أظهرتهم علينا وصاروا يقولون مسلمون جبناء، فالإسلام لا يسامحك إذا كنت سبباً في العار، إذا كنت سبباً في العار على المسلمين واتهامهم بالجبن. وقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر منها التولي يوم الزحف.
قال رحمه الله: الكبيرة الثانية عشرة: الزنا، وبعضه أكبر إثماً من بعض. قال الله تعالى: الزنا له مراتب وبعض الزنا أسوأ من بعض كما سيأتي في الأحاديث. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68]، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]. ففعل الزنا عليه عقوبة دنيوية وعقوبة أخرى.
وأيضاً من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ۖ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]. قال النبي ﷺ، وسئل أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، قال: الشرك بالله، ما علمك بأن الله هو الذي خلقك وحده. قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»، وهذا يدل على أن الزنا أعظم من البعض، أما الزنا مراتب، فالزنا بزوجة الجار أعظم من الزنا بغيرها؛ لذلك قال في الترجمة: باب الزنا وبعضه أكبر إثماً من بعض، يقصد هذه الحالة؛ أن النبي ﷺ لم يجعل الزنا بامرأة جارك كالزنا بغيرها؛ ليه؟ لأن جارك استأمنك على بيته وحرمته فتخون في زوجته، أعظم من أن تزني بأي فتاة أخرى. فالزنى فعلاً مراتب، ليس كله كله حرام طبعاً، لكن اسمه أكبر من بعض، هذا الذي قصده؛ فزنا بزوجة الجار أعظم من الزنا بأي امرأة أخرى.
وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن؛ لأن الإنسان لا يزني إلا وقد نقص إيمانه، وهذا معنى «وهو مؤمن»، ونزل عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإسلام، لا يكون الإنسان في مرتبة الإيمان المطلق الكامل وهو زانٍ أو سارق، هذا لا يمكن، لا يكون إلا لمن ضعف إيمانه فنزل إلى مرتبة الإسلام.
وقال عليه الصلاة والسلام: «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة، فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان». هذا زنى الإنسان ارتفع عنه الإيمان وأصبح كالغيمة عليه، فإذا أقلع عن هذه المعصية وتاب وأناب عادت إليه مرتبة الإيمان، لذلك قلنا الذي يزني ولا يتوب خلاص ارتفع عنه الإيمان ونزل إلى مرتبة الإسلام، إذا أقبل وتاب وأناب يعود إلى مرتبة الإيمان مرة أخرى. ونحن لسنا كالخوارج والمعتزلة الذين نقول إن فاعل الكبيرة في النار كما مر معنا قبل قليل وأنه كفر، هو لم يكفر لكن نزل من مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإسلام.
وروي عن النبي ﷺ قال: «من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه»، إسناده جيد. الإيمان المطلق، الإيمان الكامل الممدوح، لا يمكن أن يوصف به شخص زانٍ أو معاقر للخمر.
وقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومانع زكاة، وعائل مستكبر»، رواه مسلم. هذا أيضاً يدل على أن الزنا مراتب، فالشيخ الذي يزني أعظم إثماً من الشاب الذي يزني؛ ليه؟ الشاب متفهمون أن عنده شهوة وبالتالي الخطأ أقرب لتصوره، لكن شيخ شايب ومضابط العمر زناه دلالة خبث نفس وقبح شديد، فلذلك هذا الزنا أعظم من زنا الشاب. وقال عليه الصلاة والسلام يركز على أن الزنا ليس مرتبة واحدة بل...
هناك زنا أعظم من غيره، فهنا النبي ﷺ يشدد على حرمة نساء المجاهدين الذين هاجروا بلادهم وأوطانهم دفاعًا عن هذا الدين، فموقفنا حماية نسائهم ورعايتها، وأما الخيانة فيها والزنا بها فهذه مصيبة من المصائب العظيمة والعياذ بالله.
فقال عليه الصلاة والسلام: «أربعة يبغضهم الله: البياع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر»؛ أخرجه النسائي وإسناده صحيح. والبياع الحلاف هو الفقير الذي يحلف على كل سلعة: والله اشتريتها بكذا، والله طلعت عليه بكذا، هذا يبغضه الله. والفقير المختال عرفنا لأنه لا معنى لاغتياله.
وأعظم الزنا الزنا بالأم والأخت وزوجة الأب وبالمحارم، فالزنا بالمحارم أيضًا أشد من الزنا بأي امرأة، فهذا أيضًا من أكبر وأشد وأقبح أنواع الزنا، اليوم للأسف يروضون له في الإعلام في المسلسلات القبيحة زنا المحارم والعياذ بالله. وقد صحح العهد عليه، دخل الحاكم يدبر حال من وقع على ذات محرم فاقتلوه، وفي الباب أحاديث، منها أحاديث؛ إما على جهة التعزير أو إذا وقع استحلالًا له.
إذن الأصل أن الشاب إذا زنى، حتى لو زنى بالمحرم، يوجد كم جزء؛ الشاب غير المحصن إذا زنى بمحرم حكمه وحكم الزاني مئة جلدة وليس يقتل، لكن يمكن قتله تعزيرًا. أما الشيخ المحصن فهذا يرجم على كل الأحوال، زنا بمحرم ولا بغير محرم، لكن هنا قال: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه»، إما أن يكون تعزيرًا لبشاعة هذا النوع من أنواع الزنا، أو يكون استحل الزنا بالمحارم فيكون مرتدًا؛ لأنه استحل ما حرم الله.
قال: وفي الباب أحاديث، منها حديث البراء أن خاله بعثه النبي ﷺ إلى رجل عرس بامرأة أبيه؛ يعني تزوج امرأة أبيه، أبوه عنده اثنتان، أمه واحدة والثانية هو ماذا بعد ما مات أبوه؟ زنى بامرأة أبيه، فأمره أن يضرب عنقه. وهنا اختلف أهل العلم، هل لأنه استحل ذلك، أو لأنه أصلاً ارتد قبل أن يفعل؟ يعني في خلاف في فهم الحديث، قال: «أن يقتله ويخمس ماله»، والذي يظهر أنه ارتد وأنه استحل ذلك، لذلك عومل معاملة المرتد وليس معاملة فاعل كبيرة فقط.
قال رحمه الله: الكبيرة الثالثة عشرة: الإمام الغاش لرعيته، الظالم الجبار، أن تكون إمامًا وحاكمًا أو سلطانًا في أي مكان وتغش الرعية وتظلم وتتجبر بغير وجه حق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42].
معنى السبيل هنا المؤاخذة والعقاب، إنما السبيل هي المؤاخذة على الظلمة الذين يظلمون الناس، أما من ينتصر لظلم وقع عليه فما عليه من سبيل، ليس مؤاخذًا، إنما السبيل على الذين يظلمون ويبغون في الأرض بغير الحق. وقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79]؛ زجرهم الله عز وجل وحاسبهم وعاتبهم على عدم أخذهم على يد صاحب المنكر.
إذن هذا يدل على أن الذي يفعل هذه المنكرات من الحكام والظلمة إنهم واقعون في كبائر. وقال النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا»، وأعظم الغش أن يغش الحاكم رعيته، فليس منا؛ فيها نوع من التهديد، ليس المراد الكفر ولكن المراد ليس على طريقة وأخلاق أهل الإسلام.
وهذا يدل على أن غش السلطان أو الإمام أو أي شخص مسؤول لرعيته الذين تحته يعتبر من الكبائر. يعني أنت ممكن تكون مديرًا على شركة وأنت واقع في كبائر لأنك تظلم الموظفين، يمكن تكون طالب علم ومسؤول عن أناس وغير أمين معهم. فالإمام هنا لا يعني فقط حاكم البلد، لا، ممكن أي شخص مسؤول ويغش من هو تحته، هذا واقع في كبيرة من الكبائر، حتى تعرفوا أن الكبائر كثيرة ويمكن أن تكون أنت واقعًا فيها وأنت تظن أنك من أهل الخير والصلاح.
وقال ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، وقال ﷺ: «أيهما غش رعيته فهو في النار»، وقال ﷺ: «من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصح إلا حرم الله عليه الجنة»، وفي لفظ: «يموت حين يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»، متفق عليه، وفي لفظ: «لم يجد رائحة الجنة». وهذا يدل على أن غش الراعي من الكبائر.
وقال ﷺ: «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولة يداه إلى عنقه، أطلقه عدله أو أوبقه جوره»، ما من أمير عشرة يعني لو كنت مسؤولًا عن عشرة موظفين فأنت أمير ومسؤول عنهم، وإذا خنتهم أو غششتهم فأنت في كبيرة من الكبائر. وقال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر هذه الأمة شيئًا فرفق بها فرفق به، ومن شق عليها فاشقق عليه» رواه مسلم، ومن شدد على الأمة اللهم شدد عليه.
وقال ﷺ: «سيكون أمراء فسقة، جوهرتهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض». فالحديث والوعيد الشديد لمن يقف مع الظلمة ويساندهم ويشرع لهم ظلمهم وفسادهم وبغيهم، فهو ليس مني ولا أنا منه ولن يرى حوضي. كن شيخ دين، كنت مسؤولًا في إذاعة، كنت من المطبلين والمزمرين، ليس لهم عند الله مكان.
فقال عليه الصلاة والسلام: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله ثم لم يغيروا إلا عمهم الله بعقاب». يعني إذا كان في بلدة من البلدان أو قرية من القرى يعمل بالمعصية ويجاهر بها، وأهل الخير والصلاح أكثر ممن يعمل بالمعصية ومع ذلك أهل الخير والصلاح سكتوا ولم ينكروا إلا عمهم الله بالعقاب. لذلك أعيد الحديث: ما من قوم بالمعاصي، أن يجهر أهل المعاصي من فجورهم مع أن الذين هم من أهل الخير والصلاح في القرية أو البلد أكثر من أهل المعاصي ومع ذلك ما أنكروا عليهم، فهنا يعاقب الجميع ويستحقون؛ لأنكم يا أهل الخير أنتم كثر تستطيعون أن تجتمعوا أن تتوحدوا على إنكار هذا المنكر لأن أهل الفساد قلة، فسكتكم غش بهذه الأمة فبالتالي وقعتم في كبيرة من الكبائر.
قال رحمه الله: وروى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر، ولا تأخذون على يد المسيء، ولا تطرونه على الحق إطراء، ولا تقطرونه، ولا تجبرنه على أن يفعل الحق غصبًا عنه، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم، ثم يلعنكم، كما لعنهم»؛ يعني بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم. فهذا يدل أحبابي أن...
إذا كان الذي لا ينكر المنكر ولا يجبر الإمام على ترك المنكر ملعونًا وواقعًا في كبيرة، فما بالك بمن يفعل المنكر نفسه؟ لماذا تأتي هذه الأحاديث؟ إذا كان الله لعن الذين لا ينهون عن المنكر، ولعن الله الذين لا يأخذون على يد الظالم، فما بالك بالظالم نفسه؟ أليس هو من باب أولى أحق باللعن وأنه وقع في كبيرة؟ فهذا استدلال بدلالة الأولوية كما يقولون.
قال رحمه الله: وعن أغلب بن تميم قال: حدثنا المعلب بن زياد، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: «من ثاني أمتي لا تنالهما شفاعتي: سلطان ظلوم، وغالٍ في الدين، يشهد عليهم ويتبرا منهم».
أيضًا الغالي في الدين يتبرا منهم يوم القيامة. قاسم ثاني من أمتي لا تناله شفاعتي؛ شفاعة النبي ﷺ؛ الظلوم الغشوم من السلاطين، والذي عنده غلو في دين الله ويحمل الناس فوق طاقتهم في أمور الأديان، فهؤلاء النبي ﷺ يشهد عليهم أنهم كانوا ظلمة أو غلاة ويتبرا منهم، يقول: «أنا لا أشفع لكم». هذا معنى يشهد عليهم أن يثبت أمام الله أن هؤلاء ظلمة وغلاة، ثم يتبرا منهم النبي ﷺ ولا يشفع لهم. قال رحمه الله: وأغلب ضعيف، وقد رواه ابن المبارك فقال: حدثنا منيع، قال: حدثنا معاوية بن قرة بنحوه، ومنيع لا يدرى من، بالتالي كان الذهبي يضعف هذا الحديث.
وقال رحمه الله: وقال محمد بن جحاش عن عطية عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر». وعن النبي ﷺ قال: «أيها الناس، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم؛ إن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عمهم بالبلاء، فهم لعنوا على تركهم الإنكار على الظلمة، فما بالكم بالظلمة أنفسهم؟».
فهذا يدل على أن الظالم واقع في كبيرة. فقال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد»، والظلم للرعية وهذا كله شكل من أشكال الإحداث في دين الله. وقال ﷺ: «من أحدث حدثًا أو أوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا». والحدث هنا بمعنى الجرائم التي يفعلها المنكرات أو الجرائم أو يحمي، قال: «أوى محدثًا» يعني حمى صاحب الجريمة، شرعنا له، أوى، منع إيقاع العقوبة عليه، فهذا أيضًا واقع في كبيرة من الكبائر.
وقال عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم لا يرحم»، وقال ﷺ: «لا يرحم من لا يرحم». فإذا كان السلطان أو الإمام الذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله، إذن هذا وعيد، هذه كبيرة. هكذا طريقة التفكير. قال ﷺ: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». أي مسؤول كان، كما حكينا، مدير في شركة، مدير في مدرسة، في أي مكان كنت أنت مسؤولًا ومديرًا عليك أن ترحم الناس حتى يرحمك الله، وإلا وقعت في كبيرة.
وقال عليه الصلاة والسلام: «ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم وينصح لهم»؛ يعني لا يتعب نفسه من أجلهم، لا يجتهد لهم، لا يتعب نفسه من أجل راحتهم وحياة مستقرة لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة معًا، وهذا وعيد يدل على أن خيانة الرعية وعدم القيام بما يصلحهم كبيرة من الكبائر. وعنه ﷺ قال: «من ولي شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة»، وهذا وعيد رواه أبو داود والترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام: «الإمام العادل يظله الله في ظله». وقال ﷺ: «إن الإمام الجائر يتعرض يوم القيامة للحساب الشديد». وقال ﷺ: «المقسطون على منابر من نور، العادلون العادلون». قال: «المقسطون على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم». تفرق بين المقسط والظالم؛ المقسط هو العادل، والقاسط هو الظالم، أما ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15]. حتى لا تدخل عليك اللغة؛ المقسطون هم العادلون، والقاسطون هم الظالمون، الأحرف متقاربة. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا، أي مكان وضعوا فيه عدلوا فيه.
وقال ﷺ: «شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، نقاتلهم؟ هل نخرج عليهم؟» قال: «لا، ما في داعٍ، ما أقاموا فيكم الصلاة وأذنوا لكم فيها». رواهما مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت». يعني لا يأخذه مباشرة، يمهله، يعطيه فرصة، حتى إذا أخذه لم يفلت، فإذا جاء العقاب لم يتركه سبحانه، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. متفق عليه. فقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إياك وكرائم أموالهم»، واتق دعوة المظلوم. الحاكم والمسؤول عن الزكوات يأخذ من الأموال دائمًا الوسط، ولا يأخذ كرائم الأموال لأنه فيه إجحاف، إذا أخذت من الرجل أفضل ما عنده من المال في الزكاة. وقال: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، متفق عليه، وهذا يدل على أن ظلم الرعية فيه كبيرة من الكبائر.
وقال ﷺ: «إن شر دعاة الناس يوم القيامة...» الذي يهلك الناس ويتعبهم بتحطيمهم، هذا شر الولاة والسلاطين، وطبعًا الحديث ليس متفقًا عليه، الحديث رواه مسلم فقط. وقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله»، فذكر منهم الملك الكذاب، فقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]. وأما الذين يريدون علوًا في الأرض وفسادًا فليس لهم في الدار الآخرة في الجنة نصيب، وهذا موطن الشاهد أنه كبيرة من الكبائر. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال النبي ﷺ: «إنكم تحرسون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة»، رواه البخاري لكثرة ما...
يقع من الأمراء من الظلم، وقال ﷺ: «أنا والله لا أولي هذا العمل أحدا سأله، أو أحداً حرص عليه واتفق عليه»، أن الذي يولي هو إنسان صادق لم يطلب الإمارة بنفسه، أما الذي يطلب الإمارة بنفسه فهذا الأصل في الحاكم أن لا يجعله أميراً على منطقة من المناطق.
قال ﷺ: «يا كعب بن عجرة، أعاذك الله من إمارة السفهاء»، أمراء يكونون من بعدي ولا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي.
وقال ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». وسنده قوي، فالإنسان لا يدعو على ولده مهما كان، حان بعض الناس يستعجل ويكون ولده شقياً ومتحداً فيستعجل في الدعوة عليه، وهذه الدعوات تستجاب؛ بالتالي كم من إنسان ابتلي ولده بسبب دعوة خرجت من أبيه أو من أمه في لحظة غضب، فاصبروا على أخطاء أبنائكم، لأن دعوة الأم ودعوة الأب مستجابة، فلعلك تدعو عليه في ساعة إجابة فتحطم تماماً.
قال رحمه الله: الكبيرة الرابعة عشرة: شرب الخمر وإن لم يسكر منه. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
وثبت عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر مشى الصحابة بعضهم إلى بعض وقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلاً للشرك، أي جعلت مساوية للشرك. وذهب عبد الله وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾، فالأنصاب ما هي إلا الأصنام، هذا معنى أن الله قارن بين الخمر وبين الأصنام فجعلهما في مرتبة واحدة في هذه الآية، فلما قارن بينهما عرف ذلك بأن شرب الخمر من الكبائر.
وذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى أن الخمر أكبر الكبائر، وهي أم الخبائث، وقد لعن شاربها في غير ما حديث، فقال ﷺ: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن شربها الرابعة فاقتلوه»، وهذا منسوخ، قتل شارب الخمر في المرة الرابعة هذا منسوخ وإن كان الحديث صحيحاً.
وقال عمرو بن الحارث: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: «من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكانما كانت له الدنيا وما عليها، ومن ترك الصلاة أربع مرات سكرًا كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال»، قيل: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل جهنم».
وعن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال»، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار» أو قال: «عصارة»، الذي يشرب الخمر يشرب يوم القيامة في نار جهنم عرق أهل النار والصديد الذي يخرج من أهل النار، يعني قمة الأشياء القذرة ستشربها مقابل أنك شربت الخمر في الدنيا.
وقال رحمه الله: أخرجه مسلم، وقال ﷺ: «من شرب الخمر في الدنيا حرمها في الآخرة» متفق عليه. المعاصي الأخرى التي يدمن عليها الإنسان ولا يتوب منها يحرمها في الآخرة إذا كان فيها نعيم في الجنة. وعنه ﷺ قال: «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن»، رواه أحمد في مسنده، عابد الوثن معتكف على عبادته، وهذا مدمن الخمر عاكف على إدمانه، فالمراد أنه بالصورة والهيئة، وليس المراد أن هذه المعصية كهذه المعصية لا يمكن أن يسوى بينهما، لكن المراد أي كما أن عابد الوثن هو عاكف عند هذا الوثن ملازم له ومتعلق به، كذلك مدمن الخمر هو مدمن أصبح فهو يلقى الله في صورته عابد الصنم في الإدمان والعكوف.
قال رحمه الله: الكبيرة الخامسة عشرة: الكبر والفخر والخيلاء والعجب والتيه. قال الله تعالى: ﴿وَالْمَحْجُوبُونَ﴾، والمحسوبون على العلم عنده عجب بنفسه ويظن نفسه ما وقع في كبيرة وهو وقع في كبيرة. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بَالِغِيهِ﴾ [غافر: 56].
هذا كله على ذم الاستكبار والفخر، وأن صاحبه غير محبوب لله، وكل هذا يدل على أن الكبر في النفس وعلى الناس من الكبائر، فاستعذ بالله، فهو السميع البصير. فقال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر» رواه مسلم. وقال ﷺ: «بينما رجل يتبختر في برديه إذ خسف الله به الأرض»، يعني رداء ولابسه ماشي شايف حاله فيها، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، أي ينحدر فيها إلى يوم القيامة. وقال ﷺ: «يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يطأهم الناس»، يعني يعاقبون بنقيض قصدهم، أرادوا أن يتكبروا فيجعلهم الله مثل النمل يدعس عليهم الناس في أرض المحشر، معاملة لهم بنقيض ما طلبوا من الاستكبار في الدنيا، فأذلهم الله يوم القيامة.
فقال بعض السلف: أول ذنب عصي الله به الكبر، لأن إبليس عصى الله ورفض أن يسجد لآدم كبرًا: «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»، فأول المعاصي الكبر والحسد، هذه أول معاصٍ عصي بها الرب. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]. فمن استكبر على الحق كما فعل إبليس فلم ينفعه إيمانه.
وعن النبي ﷺ قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، أي ازدراء الحق، هذا تعريف الكبر: أن تزدري الحق وتحتقر الناس. وفي لفظ لمسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، وبطر الحق أي رد الحق وعدم قبوله، فانت يمكن تقع في الكبيرة كيف؟ يأتيك شخص يعلمك مسألة شرعية فانت خلص عرفت أن كلامه صح ولكن لا تريد أن تقول، فتَرد الحق الذي معه إعجابًا برأيك أو بشيخك أو بطائفتك أو بالحزب الذي تنتمي له، وقعت فيه كبيرة من رد حق مع أنه ظهر له بطلانه، وهذا من الكبائر. لذلك دائمًا أقول: الكبائر ما أسهل أن يقع الإنسان فيها وهو يتوهم أنه على خير وصلاح، انتبهوا لهذه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]. وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار». حقيقة الإزار والرداء وإنما هي كناية عن الاختصاص، أي أنا فقط من يحق له العظمة والكبرياء، فالإزار والرداء يستعمل كناية عن الاختصاص بالشيء، أنا فقط من يستحق العظمة والكبرياء، فمن نازعني فيهما أدخلته في نار جهنم.
قال رحمه الله: المنازعة المجاذبة. وقال صلى الله عليه وسلم: «اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب، ما لي يدخلني ضعفاء الناس وسقاطهم»، أي المساكين، «وقالت النار: أثْرَتْ بالجبارين والمتكبرين». الواقع في كبيرة لأنه من أهل النار.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]. هذه الآية كما استُدل بها على أن ظلم الناس كبيرة في الباب السابق، يستدل بها هنا أيضًا على أن التكبر على الناس كبيرة، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]. أي لا تميل خدك للناس معرضًا متكبرًا، هذا معنى لا تصعر خدك للناس، يعني تميل خدك استهزاء واحتقارًا بهذا الشخص وما يقوله، والمرح التبختر.
وقال صلى الله عليه وسلم: «أقوى رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، ما منعه إلا الكبر»، لأنه قال لا أستطيع لكنه غير صادق، ويستطيع لكنه متكبر، ما بده يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ «إذا استطعت فلا تستطع». إذا أنت متكبر الله لا يردك. رواه مسلم.
وإياك أن تستهزئ بشيء من الشريعة، إياك أن تعطي حكماً يا فلان ترى هذا منكر اتركه، اترك مباشرة، لأنه من رفض حكماً شرعياً استكباراً فهذا يخشى عليه في دينه، ليس فيه مجال للعب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍّ جوّاظ مستكبر» متفق عليه.
فقال عمر بن يونس اليمامي: نبا خالد أنه لقي ابن عمر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يختال في مشيته ويتعاظم في نفسه إلا لقي الله وهو عليه غضبان»، هذا على شرط مسلم وصح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأول ثلاثة يدخلون النار: أمير متسلط، وغني لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور.
أشر الكبر من تكبر على العباد. نختم بها كلام الذهبي عن أشر أنواع الكبر، الكبر الذي يقع فيه بعض المنتسبين إلى العلم والمعرفة. ماذا يقول الذهبي؟ قال رحمه الله: قلت وأشر الكبر من تكبر على العباد بعلمه، وتعظم في نفسه بفضيلته، فإن هذا لم ينفعه علمه. فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه، وخشع قلبه، واستكانت نفسه، وكان على نفسه بالمرصاد فلم يفتر عنها، دائم المحاسبة، مراقبة لكلماته وتصرفاته.
هذا طالب العلم الصادق، بل يحاسبها كل وقت ويثقفها، أي يهذبها، فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكته. ومن طلب العلم للفخر والرياسة، ونظر إلى المسلمين شجرة وتحامى عليهم وازدرى بهم، فهذا من أكبر الكبر، «ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر». فلا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل