دخولتسجيل الدخول

المجلس السادس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حياكم الله معاشر طلبة العلم في المجلس السادس من مجالس هذه الدورة المباركة، مدارج العلم لعامها الثاني، لعام أربع وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ونحمد الله عز وجل أن ما زال يمدنا بالأنفاس والهمم والإرادات لعقد هذه المجالس وجمع طلبة العلم عليها، فهذا من النعيم المعجل.

وهذا المجلس نعقده في يوم الجمعة، وحتى لو كان يوم الجمعة فهو يوم علم وطلب ودراسة؛ فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عليه: يا إمام متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم نضعها في الجنة. هذه هي سياسة طالب العلم لنفسه في الحياة، لا توجد راحة في هذه الحياة أيها الأحبة، وإنما الحياة ملؤها العلم والمعرفة والخير.

وطالب العلم من مجلس إلى مجلس، ومن كتاب إلى كتاب، ومن فائدة إلى فائدة. هذا الذي عودوكم إياه أن يوم الجمعة لا طلب فيه ولا دراسة من أسوأ الأمور التي يمكن أن يتعلمها الإنسان؛ فيوم الجمعة كسائر الأيام من حيث الجد والاجتهاد والتعلم والمثابرة على الخير والمنفعة. نعم هو يوم عظيم مقدم من أيام الله سبحانه وتعالى، لكنه ليس يوماً للبطالة والكسل، بل هو يوم للجد والعمل، ومن هنا عقدنا هذا المجلس بهذه الساعات المباركة بحضور هذه الأنفاس المباركة، نسأل الله سبحانه أن يبارك في هذه الهمم، وأن يزيد من عزمها ومضيها إلى الله سبحانه وتعالى.

ومما يأنس به الإنسان، وأيضاً بعض القرائن التي تأتي في مثل هذه الأيام، فقد أخبرني أحد الإخوة الذين أحسبهم على خير، أنه رأى فيما يرى النائم هذا الجمع الطيب المبارك وهو على بركة ماء عذبة ينهل منها، وأول من ينهل هذان الأخوان اللذان يقرآن معنا، فقال: رأيتهما أول من ينهلان من هذه البركة العذبة، وجميع من في هذا المجلس محتلق حولها، وأولناها بالعلم.

فهذا الذي نحن فيه أحبابي مجلس من مجالس الله، مجلس من مجالس الخير والبركة، تقرأ فيه عقيدة أهل الحديث، وتقرأ فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويتعلم فيه الفقه، ويتعلم فيه الأصول؛ كل شيء نتعلمه في هذه المدارس يدنينا من ربنا سبحانه وتعالى ويقربنا منه. فإياك أن تحتقر أو تزدري مجلس علم تحضره، إياك أن تتعب، إياك أن تنهك، إياك أن تفطر، فهذه خطوات نخطوها إلى الله سبحانه وتعالى.

ودائماً تذكر ساعات المعصية حتى تهون على نفسك ساعة الطاعة. تذكر كم من معصية عصيت فيها الله سبحانه وتعالى، وأدمنت فيها النظر إلى الحرام أو جلست فيها مجالس الحرام واستمرت ساعات وساعات؛ تذكر كم من صلاة لم تصلها كما يحب ربنا ويرضى، كم من عبادة لم تؤدها كما يريد الله منك، وها أنت تعوض وها أنت تجبر العثرات من خلال هذه المجالس. فنحن نريد هذا الخير حتى نرمم به أخطاء الحياة وذنوب السنين، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا التعب وهذه الساعات التي نجلسها في هذه الدورة المباركة كفارات للذنوب والخطايا والمعاصي والآفات ورفعة لنا في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نبدأ مجلسنا اليوم أحبابي الكرام، وما زال حديثنا قائماً في التعليق على رسالة العقيدة الواسطية. وقلنا هذه العقيدة لماذا سميت بالعقيدة الواسطية؟ لأن من طلبها رضي الدين العراقي الواسطي رحمه الله تعالى عليه، وكتبها الإمام ابن تيمية كما قلنا في وقت سريع ما بين العصر إلى المغرب، وضمنها أصول مسائل الاعتقاد التي وقع فيها خلاف بين الإسلاميين.

وبدأ شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يتعلق بالإيمان بالله بمسألة الأسماء والصفات، فذكر قاعدتين أساسيتين في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة. القاعدة الأولى هي أن الأسماء والصفات توقيفية، كيف عبر عنها ابن تيمية؟ أن أهل السنة يثبتون لله ما أثبته من الأسماء والصفات لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقلنا خلاصة هذه القاعدة أن مصدر الأسماء الحسنى والصفات العلا هو التوقيف من النص، وهذا لا يعني أن بعض الأسماء لا تدرك بالعقول، أو أن بعض الصفات لا مدخل للعقول فيها؛ لا، بعض الصفات أيضاً تدرك بالعقول، فإننا ندرك بعقولنا أن الله حي وأن الله موجود حتى لو لم يأتِ النص فيها، لكن أليس الإله ينبغي أن يكون حياً وينبغي أن يكون ذاتاً موجودة؟ فعندما نقول أن الأصل في باب الأسماء والصفات هو النص، لا يعني هذا أنه لا مدخل للعقول بشكل من الأشكال، بل بعض الصفات دل عليها العقل والنص، وبعض الصفات توقف النص فيها ولا مدخل للعقول فيها؛ فهذه القاعدة الأولى.

القاعدة الثانية في باب الأسماء والصفات التي نص عليها أبو العباس هي أننا هذه النصوص التي تتكلم في الأسماء والصفات كيف نتعامل معها؟ أهل السنة والجماعة يتعاملون معها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وقلنا والتحريف معناه هو التلاعب بلفظ النص أو معناه. التعطيل ما هو؟ إفراغ النص من المعنى الذي دل عليه. التكييف ما هو؟ الدخول في حقيقة الصفة في الخارج، وقلنا نحن لا ندخل في حقيقة الصفة في الخارج، وإنما قولنا قول الأئمة الكبار: الاستواء معلوم والكيف غير معقول. وأما التمثيل فما معناه؟ قياس الخالق على المخلوق، وهو شكل من أشكال التكييف من خلال قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين، وهذا لا يجوز أيضاً.

وأردفنا ذلك بذكر بعض القواعد المتعلقة بالصفات، وأيضاً قد يكون ابن تيمية أشار إليها؛ فمما ذكرناه من قواعد الأسماء والصفات أيضاً أن الأسماء والصفات غير محصورة، هذه القاعدة الثالثة، لا حصر لها، وحديث التسعة والتسعين ليس حاصراً، وإنما ينبه على أن هناك تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، لكنه لم يقل أنه لا يوجد إلا التسعة والتسعين.

أيضاً من القواعد التي أخذناها في باب الأسماء والصفات أن الصفات تنقسم إلى صفات ذات وصفات فعل. وصفات الذات هي الملازمة لا تنفك بحال من الأحوال، وأما صفات الفعل فهي التي تظهر بالإرادة والمشيئة كالخلق والكلام والرزق والإتيان والنزول والكلام الإلهي ونحو ذلك.

القاعدة التي تليها وقد أشار إليها ابن تيمية أنه في باب الأسماء والصفات هناك نفي وهناك إثبات، وأن الأصل أن النفي في باب الأسماء والصفات يكون في الغالب مجملاً، وأما الإثبات فيكون مفصلاً. القاعدة الأخيرة التي أخذناها هي أن النفي لا يراد منه قصد النفي، وإنما المراد منه إثبات كمال الضد؛ إذا ذكر الله النفي في باب الأسماء والصفات، فإنما يقصد منه إثبات كمال ضده، فهذه القواعد ينبغي أن تكون حاضرة لذاكرتكم.

ثم بعد ذلك ذكر ابن تيمية أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الاعتقاد، وذكر الوسطية في مجموعة من المسائل. فقال: أولاً أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الأسماء والصفات بين المعطلة النفاة الجهمية وبين المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه. ثانياً الوسطية الثانية قال: في باب أفعال الله أننا وسط بين القدرية والجبرية؛ القدرية الذين يقولون أن العبد يخلق فعله بنفسه، والجبرية الذين يقولون أن الله أجبر العبد على فعله والعبد ليس له إرادة، وسنأتي إلى هذه المسألة بالتفصيل اليوم بإذن الله. ثالثاً أهل السنة وسط في باب الوعيد بين الخوارج والمعتزلة من جهة وبين المرجئة من جهة أخرى؛ فالخوارج والمعتزلة قالوا أن فاعل الكبيرة مخلد في نار جهنم، وأما المرجئة فقالوا بالعكس أن فاعل الكبيرة كامل الإيمان، وكلاهما مخطئ، وعقيدة أهل السنة أن فاعل الكبيرة ليس مخلداً في النار ولكنه في نفس الوقت ليس كامل الإيمان.

رابعاً في باب الأسماء والأحكام أهل السنة أيضاً وسط بين المعتزلة والحرورية وبين المرجئة؛ فإن المعتزلة والخوارج جعلوا مرتكب الكبيرة كافراً أو في منزلة بين منزلتين، وأما المرجئة فجعلوه كامل الإيمان. أخيراً قال: وسطية أهل السنة بين الروافض والخوارج؛ فإن الروافض يعظمون علياً وآل البيت تعظيماً فوق الحد الزائد المطلوب، وبعضهم أوصله إلى مرتبة الألوهية، وأما الخوارج فإنهم يشتمون علياً وأهل البيت ويكفرونهم، وأهل السنة وسط، وهم يحبون علياً وآل البيت ويعظمون الصحابة الكرام، لكنهم في نفس الوقت لا ينزلونهم منزلة لم ينزلهم الله والنبي صلى الله عليه وسلم فيها. فهذه الأمور الخمسة أهل السنة وسط فيها، عليك أن تضبطها من العقيدة الواسطية.

بعد ذلك شرعنا في مجموعة من الآيات القرآنية التي تتكلم عن الأسماء الحسنى والصفات العلا، وتطرقنا أيضاً في قضية الأحاديث النبوية التي تتكلم في الأسماء والصفات، وبينا أن السنة يقبلون الأحاديث الصحاح في العقائد، سواء كانت أحاديث متواترة أو أحاديث آحاد، ولا نفرق ما دام تلقاه أهل المعرفة بالقبول فالحديث مقبول في أصول الديانات.

ثم بعد ذلك شرعنا في الأصل الثاني من أصول الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر، فذكر ابن تيمية مجموعة من المسائل ومراحل اليوم الآخر بدءاً من فتنة القبر وعذاب القبر، انتقالاً إلى البعث، إلى دنو الشمس، إلى قضية الحساب والميزان والدواوين، ووصلنا إلى الحوض، وأظن أن الحديث انتهى هنا إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دخلنا الصراط، أخذنا حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شرعنا في الصراط المنصوب على جهنم ووقفنا عند كيف يمر المؤمنون على الصراط، كيف تكون سرعة أهل الإيمان عندما يمرون على الصراط، وعرفنا أن التباين في سرعة المرور على الصراط تكون متوقفة على حسب أعمالك الصالحة؛ فكلما حسن عملك في الدنيا كلما كنت أسرع في مرورك على الصراط، وكلما كنت بطيئاً عن الخير كلما أبطأ بك المسير وأنت على الصراط، فمن مستقل ومستكثر، أعمالك في الدنيا هي التي ستحدد مسيرك على الصراط يوم القيامة، أظن أنا وقفنا عند هذه الجزئية.

اقرأ.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف رحمه الله تعالى: "والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم".

هذه قاعدة، أن الناس يمرون على الصراط على قدر أعمالهم، فهناك من سيسقط عن الصراط من أهل الكبائر من سيسقط عن الصراط ويقع في قعر جهنم والعياذ بالله، وهناك من تخدشه النار والكلاليب كما سيأتي معنا، وهناك المسلم، وهذا المسلم تختلف درجة سرعته في مروره على الصراط كما سيأتي بعد.

قال رحمه الله: "فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل".

منهم من يمر كركاب الإبل؛ لأن سرعة الإبل ليست كسرعة الخيل، أبطأ من الفرس نعم.

قال: "ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً ويلقى في جهنم".

لأن الكلاليب كما سيأتي معنا، فإن الجسر عليه كلاليب، والكلاليب هي الحديدة التي تعلق عليها الشاة عندما تسلخ، أظنكم رأيتم في عيد الأضحى الكلاليب التي توضع عليها الشاة عند السلخ؛ فهذه الكلاليب تخطف من يمر على الصراط ممن كتب عليه أنه سيعذب في جهنم من أهل الكبائر، يسقطون في قاع جهنم والعياذ بالله، نسأل الله أن يسلمنا وإياكم منها.

قال رحمه الله: "فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة".

يعني من تجاوز الصراط خلاص هذا دخل الجنة، كل من يتجاوز هذه المحطة محطة الصراط هذا خلص يدخل الجنة، ولا بد، يعني ما في رجعة.

قال رحمه الله: "فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار".

هذه القنطرة هل هي من تتمة الصراط أم هي جسر آخر بعد الصراط؟ أهل السنة والجماعة في تفسيرها: هل هذه القنطرة هي المنطقة الأخيرة من الصراط أم هي صراط آخر؟ رجح القرطبي رحمه الله تعالى عليه أنها جسر آخر بعد الصراط، الصراط جسر ثم بعده جسر آخر، هذا الجسر الآخر يسمى القنطرة، وهذا لأهل الإيمان خاصة، وفيه يتم القصاص من بعضهم البعض حتى يدخلوا الجنة وقد سلمت قلوبهم على بعضهم. يقتص أهل الإيمان مما كان بينهم في الحياة الدنيا، أنا أكون شتمت وهو يكون شتمني، أنا أكون آذيت وهو يكون آذاني، فنختص من بعضنا ونفرغ ما عندنا في القنطرة لندخل الجنة كما قال الله وقد سلمت قلوبنا، سلب الله ما فيها من الغل والحقد؛ فهذه قنطرة خاصة بأهل الإيمان وهي ليست بين الجنة والنار، هي بعد الصراط، يعني أحياناً قد تكون بعض العبارات هنا غير دقيقة في توصيفها، هي بعد الصراط المنصوب على متن جهنم، وعليها يمر أهل الإيمان ليفرغوا ما كان بينهم من حزازيات وخصومات في الحياة الدنيا.

قال رحمه الله تعالى: "فيقتص بعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة".

إذاً هكذا، لن يدخل أهل الجنة الجنة حتى تصفى القلوب، كل هذه الخلافات بين الجماعات الإسلامية والفرق، وأنتم تعرفون هذه الأمور، إن شاء الله نسأل الله أن يجمعنا جميعاً في جنات النعيم، من كان من أهل الإيمان والخير، ولا بد من أن تهذب القلوب وتصفى ما فيها من الغل والحسد والتنافس، لنكون إخوة متحابين على سرر.

قال رحمه الله تعالى: وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم. فيذهب عليه الصلاة والسلام بعد القنطرة، يذهب نبينا فيطرق باب الجنة، فيسأله خزنة الجنة: من أنت؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم، فيقولون: أمرنا أن نفتح لك. يعني أول من ستفتح له الجنة هو نبينا الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، فهو الذي يستفتح لنا الباب؛ الاستفتاح وطلب الفتح. قالوا: أول من يستفتح، ما معنى يستفتح؟ أن يطلب الفتح، محمد صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله: وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته. فالحمد لله، نحن الآخرون الأولون يوم القيامة؛ نحن الآخرون في التاريخ، الأولون يوم القيامة في دخول الجنة، نسأل الله جميعا أن نكون من أهلها.

نعم، قال رحمه الله: وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات. أيضا من المسائل المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر أن نؤمن بشفاعة النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، وهذه الشفاعة أنكرها بعض أهل البدع، ولكن أهل السنة والجماعة مجمعون على ثبوتها، والأحاديث فيها متواترات عن الرسول الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. وهناك مجموعة من الشفاعات، اقتصر ابن تيمية على أشهرها بقوله: وله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات؛ حقيقة له أكثر من ذلك، لكنه اقتصر على أشهرها وأشهر ما وقع فيه الخلاف.

فالشفاعة الأولى التي تسمى الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي نسأله له صلى الله عليه وسلم عند كل أذان، أليس نقول: «اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا»؟ الأشهر أن المقام المحمود الذي ندعو به للنبي صلى الله عليه وسلم هي الشفاعة العظمى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهلها.

نعم، قال رحمه الله: أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وهذا عندما يطول الزحام ويطول وقوف الناس في أرض المحشر، يذهب الناس مؤمنهم وكافرهم إلى الأنبياء العظام يطلبون منهم أن يشفعوا عند الله ليبدأ الحساب، فيتراجع آدم، آدم يتراجع ويقول الله: نفسي نفسي، وكذلك نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، كلهم يتراجع ويقول: نفسي نفسي. فمن الذي يتصدر لها بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه؟ في هذه الساعة المباركة بعد العصر نكثر من الصلاة والسلام عليه، النبي الأعظم هو الذي يتصدر لها ويقول: أنا لها. فيذهب فيسجد بين يدي الرب، ويفتح الله عليه من حامده ما لا يفتحه قبل ذلك، ويسأل ربه عز وجل أن يبدأ الحساب. فالشفاعة الأولى هي شفاعته أن يبدأ الله الحساب، هذه طبيعتها شفاعته أن يبدأ الله الحساب للبشرية جمعاء المؤمن والكافر.

قال رحمه الله: وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهذا عندما يشفع في فتح باب الجنة التي ذكرناها قبل قليل، شفاعته لأهل الجنة أن يدخل الجنة عندما يشفع بفتح باب الجنة ليدخلها من يستحقونها. قال: وهاتان الشفاعتان خاصة له لا يشركه فيها أحد.

أيضا من الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم شفاعته لبعض الكفار في تخفيف العذاب عنهم، بشفاعته لعمه أبي طالب. هذا أيضا ما ذكره العلماء من الشفاعات الخاصة بالنبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: وهذه الشفاعة له وسائر النبيين والصديقين وغيرهم. هذا النوع من الشفاعة ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم على أهل الكبائر، يشفع فيهم النبيون وصالحو هذه الأمة والملائكة، كلهم يشفعون لأهل الكبائر. قال: فيشفعون فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفعون فيمن دخلها أن يخرج منها. فالشفاعة لأهل الكبائر على نوعين: شفاعة لبعضهم ألا يدخل النار، وشفاعة لبعضهم بعد أن يدخل النار أن يخرجوا منها.

ذكر هاتين الشفاعتين لأهل الكبائر، وإن كان البعض نازع في النوع الأول وهي من استحق النار ألا يدخلها؛ البعض نازع في ثبوتها لعدم وجود الأحاديث الصريحه فيها، وإنما الأحاديث الصريحة أنه يشفع في بعض من دخل النار أن يخرج منها. لكن ابن تيمية وبعض السلف أثبتوا أنهما شفاعتان: شفاعة لبعض أهل الكبائر ألا يدخل النار أساسا، وشفاعة لبعض أهل الكبائر ممن دخلوا النار أن يخرجوا منها.

قال رحمه الله: ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة بل بفضله ورحمته، وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجا، هم أهل آخر أهل النار خروجا؛ أقوام يخرجون بدون شفاعة أحد، وإنما بمجرد فضل الله ورحمته بشرط أن يكونوا ماتوا على الإيمان والتوحيد.

قال: ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا الفاضل؛ يعني بعد أن يدخل أهل الجنة هل تصبح الجنة مزدحمة؟ لا، يبقى هناك مساحة من الفراغ في الجنة، ينشئ الله أقواما بفضله وكرمه يدخلهم الجنة مباشرة يعبئون هذا الفراغ، ويا بختهم هؤلاء القوم.

قال رحمه الله: وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكوره في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا ابن تيمية هنا يجمل ويقول: وتفاصيل الدار الآخرة وما فيها من مراحل ومحطات هذا كله وارد في القرآن الكريم والسنة النبوية والآثار المروية عن الصحابه الكرام، فمن أراد البحث عنها فلينظر في مصادرها ومراجعها الأساس.

ينتقل إلى موضوع آخر نعم، قال رحمه الله: وعن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده.

قال رحمه الله: وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. إلى الركن الثالث من أركان الإيمان؛ تكلمنا عن الإيمان بالله في مسألة الأسماء والصفات، وتكلمنا عن اليوم الآخر، ننتقل الآن إلى الركن الثالث من أركان الإيمان وهو الإيمان بماذا؟ بالقدر خيره وشره.

والقدر إذا فيه خير وشر، وهذا التقسيم للقدر إلى خير وشر إنما هو بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة للخالق فكل أفعاله خير. تقسيم القدر إلى خير وشر فهذا بالنسبة للمخلوق، بعض الاقدار لك خير وبعض الاقدار لك شر، لكن أما بالنسبة لله فحتى ما هو شر لك، فعل الله له خير؛ لأن فيه حكمه وغاية علمها من علمها وجهلها من جهلها. فإذا عندما نقول أن أقدار الله فيها الخير وفيها الشر هذا لمن؟ للمخلوق.

المرض بالنسبة لك شر، والمال والرزق بالنسبة لك خير، لكن بالنسبة لله كلاهما خير، حتى مرضك بالنسبة لله كله خير؛ لأن لله فيه حكمة، والله لا يفعل شيئا بدون حكمة وغاية جل في علاه. فهنا مهم أن نفهم هذه القضية عندما نقول: وبالقدر خيره وشره، أن هذا التقسيم متعلق بالمخلوق وليس بالخالق جل في علاه.

سيتطرق الآن مفهوم القضاء والقدر وإلى بعض المسائل المرتبطه به. وعندما نعرف القضاء والقدر أحباب الكرام، ما تعريف القضاء والقدر؟ إذا اردنا أن نعرفه فإنما نعرفه بمراتبه، فنقول: القدر أفضل تعريف له هو تعريفه بمراتبه، أن تؤمن بعلم الله السابق أن الله علم كل شيء بعلمه السابق، وكتبه، وأراده، وخلقه. هذه النقاط الأربع: أن تؤمن أن الله علم كل شيء، وكتبه، وأراده، وخلقه. إذا حققت هذه المراتب فأنت حققت مفهوم القدر. إذا حققت هذه المراتب فأنت حققت مفهوم القدر، يعني عرفت ما المراد به، وإن كان البعض يعطيه تعاريف متعدده، لكنني أجد هذا التعريف من أجمع التعاريف؛ لأنه يعطيك الخلاصه المطلوبه منك.

قال رحمه الله تعالى: والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين. الآن ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه سيقسم الإيمان بالقدر إلى درجتين، كل درجة فيها مرتبة، فهو اعتمد التقسيم الثنائي، وفي داخل كل مرتبة هو نفسه التقسيم الرباعي الذي ذكرناه: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. لكن ابن تيمية جعل العلم والكتابة في مرتبة، وجعل المشيئة والخلق في مرتبة، وهذه كلها تقاسيم اصطلاحية لا اشكال فيها. يعني هذه التقاسيم تقاسيم العلماء لا اشكال فيها، ما أحد يقول: الله تقسيم مبتدع! هذا يقوله الجاهل كما يقول بعض الناس: تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية وأسماء وصفات تقسيم مبتدع؛ اذهب، لا، يقولون جاهل لا يعرف نصوص الكتاب والسنة. لا يشترط في التقاسيم والتصانيف أن تكون منصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم، يكفي أن تكون مستقرا ومفهومة من وحي الكتاب والسنة؛ فمن قرأ الكتاب والسنة يجد أن الله أخبرنا عن علمه السابق وعن الكتابة، وأخبرنا عن المشيئة وعن الخلق، فكله وارد في الكتاب والسنة.

فخلاصه إذا الإيمان بالقدر أن نؤمن بعلم الله السابق بالاشياء قبل وقوعها، وأن الله كتبها في اللوح المحفوظ، وأنه شاءها وأرادها كونا، وأنه هو الذي خلقها. فلا يوجد شيء في الكون لم يخلقه ربنا، لا يوجد شيء في الكون ما سوى الله لم يخلقه ربنا، هناك خالق آخر؟ وسناتي إلى هذه المراتب بالتفصيل.

قال رحمه الله: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي علمه السابق، بعلمه القديم أي بعلمه السابق سبحانه وتعالى. قال: بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، أي قبل أن يخلق، وأبدا إلى ما لا نهاية. فهذا هو المراد بالأزل؛ أي الأزل كل ما كان قبل الخلق، فسبحانه وتعالى.

إذا المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله علم كل شيء بعلمه السابق الذي هو علم أزلي قبل أن يخلق الخلق ويوجدهم. قال: وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، فلا يوجد شيء يحدث في هذا الكون كان ربنا جاهلا به جل في علاه، لا يوجد شيء في هذا الكون يحدث كان ربنا جاهلا به، فهو سبحانه بعلمه العظيم يعرف تفاصيل كل شيء لكل مخلوق من المخلوقات. فهذه مرتبة العلم؛ أول مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر مرتبة العلم، أول مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله علم تفاصيل كل شيء قبل أن يخلقه.

قال رحمه الله: ثم كتب الله في اللوح المحفوظ. انتقل للمرتبه الثانيه وهي الكتابة، وجعلهما معا في درجة العلم والكتابة، قرنهما في مرتبة واحدة، لكن أنت تستطيع أن تجعلهما مرتبتين؛ المرتبة الأولى مرتبه العلم، ثم بعد أن علم ماذا كتب؟ علم الله لا يسبقه جهل هذا عليك أن تفهمه، بخلاف علم المخلوق، المخلوق قبل علمه كان جاهلا، وأما علم الله حاشاه سبحانه أن يسبقه جهل بشيء.

قال رحمه الله: ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. إذا كتب الله في اللوح المحفوظ، هذا مكان الكتابة العظيم، اللوح المحفوظ هو مكان الكتابة الأول، فإن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض في لوحه المحفوظ بخمسين ألف سنة. والذي كتبه هو القلم كما جاء في الحديث.

نعم قال رحمه الله: فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. نعم أول ما خلق الله القلم؛ الصحيح أن أول ما خلقه الله من المخلوقات... وأما هنا: أول ما خلق الله القلم، ليس المراد إثبات أن القلم أول مخلوق من المخلوقات، وإنما المراد: أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب؛ يعني لما خلق الله القلم أول شيء قال له: اكتب، وليس المراد أن القلم هو أول مخلوق من المخلوقات؛ لأن الصحيح أن أول مخلوق من المخلوقات هو العرش، هذا هو الصحيح عند جماهير أهل العلم. والمراد: أول ما خلق الله القلم أي في بداية خلق الله للقلم قال له: اكتب، هذا معنى هذا الحديث.

فقال القلم: ماذا أكتب؟ فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. لذلك القلم كتب كل الأحداث التي ستجري إلى يوم القيامة. طيب بعد القيامة، بعد أن تقوم الساعة وما سيحدث في الجنة والنار، هل القلم كتبه؟ لم يأت لنا دليل في ذلك. فالقلم كتب كل ما سيحدث إلى قيام الساعة، من قيام الساعة فصاعدا هل كتبه القلم؟ لم يأت نص في ذلك، فنقف عندما وقف عنده النص، فالقلم كتب فقط إلى هذه المرحلة هذا ظاهر النصوص، كتب إلى قيام الساعة، أما ما بعد قيام الساعة إلى ما لا نهاية اللي هو الخلود الأبدي فلم يأت نص أن القلم كتبه.

قال رحمه الله: فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وهذا ورد في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». فإذا آمن الإنسان بهذه العقيدة فانه يرضى عن الله سبحانه وتعالى في أقدارها التي يجريها، فهذه من أركان الإيمان أحبابي، أن يؤمن الإنسان ويجزم أن كل ما يجري عليه في هذه الحياة من بلاء، من فقر، من مرض، من فقد، إنما هي أقدار الله سبحانه التي فرغ منها وكتبت، وأن لله فيها الحكم الباهرة والمقاصد العالية، فعلى الإنسان أن يرضى عن الله سبحانه وتعالى.

وكما قال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». ولماذا المسلم يصبر ويشكر؟ لأنه يعلم في النهاية أن كل شيء بعلم سابق وكتابة سابقه. وهنا وننبئكم أحبابي أن دراسة العقيدة لا ينبغي أن تكون دراسة جافة؛ فإنه للأسف غلب على الدرس العقدي في هذه الأيام المناوشات بين الفرق الإسلامية، فأصبحت العقيدة تفقد بهجتها ورونقها في قلوب الشباب. هذه العقيدة إنما تدرس ليعمل بها وليس لترد.

ليست ابتداء للمناطحات والخلافات وإنما تدرس ليطمئن القلب ويستريح الفؤاد ويستريح الإنسان ويرتقي في مدارج العبودية لله سبحانه فيتعرف على الله توحيداً وربوبيةً وأسماءً وصفاتٍ ويتعبد. تعرف غايته وثمرتها وتصل إليها بإذن الله.

قال رحمه الله: فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف. كما قال الله، فرغ من القدر كنايةً أن خلاص ما كتب كتب، حتى الدعاء مكتوب، يعني بعض الناس يقول: طيب إذا كان ما كتب كتب فما الفائدة من الدعاء؟ لا، ما هو مكتوب الدعاء أيضاً يعني مكتوبةً أنك ستدعو، وأن هذا الدعاء سيكون سبباً في صرف هذا الشر عنك وفي دفع هذا الخير إليك، فكل التفاصيل مكتوبة حتى الدعاء، وأنك في هذه الساعة سترفع يديك.

لذلك عمر بن الخطاب كان يقول: أنا لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم السؤال؛ لأنني إذا سألت عرفت أنه كتب لي أن أسأل، وإذا كتب لي أن أسأل إذا كتب أن يستجاب لي، فعرفت بذلك القدر.

كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: 70]. هذه الآية ذكرها ابن تيمية؛ لأنها تجمع بين مرتبتي القدر؛ العلم والكتابة. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، فهذه الآية مهمة ومحورية؛ لأنها تدل على المرتبتين الأوليين من مراتب القدر، ألا وهو مرتبة العلم ومرتبه الكتابة، نعم، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.

وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22]. والكتاب هو اللوح المحفوظ كما مر، نعم.

وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في تقدير والتابع، يقصد بالتقدير هنا الكتابة، وهذه الكتابة يعني التابعة لعلمه تعلمون أنها على مراتب، لذلك قال: يكون في مواضع جملةً، وفي مواضع يكون تفصيلا.

فهناك التقدير الكوني الذي كان في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهناك الكتابة إذا بيسموها الكتابة الكونية وهي أول أنواع الكتابة التي كتبها الله بالقلم عندما أو عندما خلق الله القلم فقال له: اكتب ما هو كائن. هذه تسمى الكتابة الكونية، وهذه كانت قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

لكن هناك كتابة تفصيلية بعد ذلك، النوع الأول منها الكتابة العمرية، وهو أن الله سبحانه وتعالى قدر على كل إنسان منا إذا كان جنيناً في بطن أمه، بعد أن كما جاء في الحديث يكون نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم يرسل الله إليه الملك ينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فهذه كتابة تفصيلية تسمى الكتابة العمرية لكل مخلوق من.

أيضاً هناك كتابة تكون متى؟ حوليةً. وهذه الكتابة الحولية تكون في ليلة القدر من كل عام، يكتب الله في ليلة القدر من كل عام ما هو سيحدث خلال هذا العام، لكن الكتابة العمرية والكتابة الحولية لا تكون في اللوح المحفوظ وإنما تكون في صحف الملائكة.

ما الفرق بين الكتابة الكونية والكتابة العمرية والكتابة السنوية التي تسمى الحولية؟ الكتاب الكوني هذه في اللوح المحفوظ، وأما الكتابة العمرية التي تكون عند نفخ الروح فيك أو في ليلة القدر من كل عام هذه تكون في صحف الملائكة، وهذه يمكن أن يمحو الله ما يشاء منها ويثبت بناءً على ما في اللوح المحفوظ، فالكتابة التي في صحف الملائكة كما جاء في الآيات: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: 39].

فالمحو والإثبات إنما هو في صحف الملائكة، وأما ما في اللوح المحفوظ فهو إذا صح التعبير الكتابة النهائية التي لا تقبل المحو ولا الإثبات، وأما الملائكة فيمكن أن تكتب في صحائف السنة من الأقدار ما يعلم الله أنه سيتغير في اللوح المحفوظ وأنه لن يكون.

فالملائكة هل هي مطلعَة على كامل التفاصيل في اللوح المحفوظ؟ لا، الملائكة يأمرها الله بأشياء فتفعل، يأمره الله أن يكتب رزقك وأجلك وعملك، يأمره الله بالكتابة السنوية، لكن هذه الكتابات يمكن أن يمحو الله منها ما يشاء ويثبت بناءً على ما في اللوح المحفوظ، والملائكة ليست على دراية تفصيلية بكل شيء في اللوح المحفوظ وما كتب الله له في نهاية الأمر.

فلذلك هذا معنى قوله: وهذا التقدير أي الكتابة التابعة لعلمه يكون في مواضع جملةً، جملةً يقصد بها الكتابة الكونية، وتفصيلاً يقصد بها الكتابة العمرية والكتابة السنوية فهذه تفصيلية، نعم.

قال: فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكان فيؤمر بأربع كلمات. الحديث بعث إليه ملك، مش ملكان. قال: وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملك.

قال: وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحن ذلك، الكتابة الحولية وهذه لم ينص عليها ابن تيمية، نعم.

قال رحمه الله: فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً ومنكره اليوم قليل. نعم، هاتان المرتبتان؛ مرتبة العلم والكتابة، غلاة الفرقة القدرية كانت تنكرهما، وكان السلف يعتبرون منكر العلم والكتابة خاصة العلم كافر بعينه، الذي ينكر العلم الإلهي والكتابة الإلهية كانوا يعتبرونه كافراً بعينه، لذلك اعتبرهم غلاة القدر.

قال: فهذا القدر أي من علم القدر وهي مرتبة العلم والكتابة، كان ينكره غلاة الفرقة القدرية وهؤلاء كفار بأعيانهم، وأول من دخل في هذه الفتنة من هو؟ معبد الجهني، ظهر في آخر زمن الصحابه معبد الجهني البصري وتلقف، كان ينكر العلم الإلهي ويقول إن الأمر أنف، وتلقى هذه الفتنة عن غيلان الدمشقي، وهؤلاء حكم ابن عمر وابن عباس بكفرهم عيناً، حكم ابن عمر بن عباس وغيرهم من متأخري الصحابة أن من أنكر العلم الإلهي فهو كافر عيناً.

ماذا بقيت إذا ذكرت الله بالجهل والعياذ بالله؟ فمنكر هذه المرتبة يعتبر كافراً عند متأخري الصحابة وهو الصحيح، نعم.

قال رحمه الله: واما الدرجة الثانية فهي مشييئة الله. ثانيةً تتضمن أيضاً مرتبتين؛ المشيئة والخلق. فأنت أولاً عليك أن تؤمن بأن علم الله سابق لكل شيء، وأن الله كتب تفاصيل كل شيء، وعليك ثالثاً ورابعاً أن تؤمن بأن كل شيء بمشيئة الله الكونية وإرادته، لا يمكن أن يحدث شيء في هذا الكون بدون مشيئة الله، سواء من الخير أو من الشر؛ طاعة الطائع بمشيئة الله، وكفر الكافر بمشيئة الله، وصلاة المصلي بمشيئة الله، وزنا الزاني بمشيئة الله.

فهل يشاء الله كوننا الكفر والمعاصي؟ نعم، كوناً يشاؤها لكن لحكم ومقاصد، يبتلي المؤمنين بالكافرين، يبتلي الطائعين بالعاصين، فهذه مشيئة الله سبحانه.

فإذاً عليك أن تعرف أن الله كما شاء الإيمان كوناً شاء الكفر، وكما شاء الطاعة شاء المعصية، هذا من حيث المشيئة الكونية. هل يعقل أنه إنسان كفر ولم يشأ إلا ذلك؟ مستحيل. هل يعقل إنسان يعصي ولم يشأ إلا كوناً ذلك؟ مستحيل، معناتها في عجز عند الإله.

فإذاً يؤمن أهل السنة والجماعة أن طاعة الطائع ومعصية العاصي كلها بمشيئة الله الكونية. وأما مشيئة الله الشرعية أو ما يسمى الشرعية فهذا أمر آخر، وقد بينا ذلك سابقاً أن المشيئة تنقسم إلى مشيئة كونية ومشيئة شرعية، والمشيئة الشرعية في العادة لا يعبر عنها بالمشيئة الشرعية، عادةً يعبر عنها بالإرادة الشرعية، يعني الأغلب أن يقال مشيئة كونية وإرادة شرعية، لكن يجوز أن تقول أيضاً المشيئة الشرعية، المشيئة الشرعية أو الإرادة الشرعية معناها الأوامر والنواهي.

فكل ما أمر الله به من الطاعات أراده شرعاً، وكل ما نهى عنه من المعاصي لم يرده شرعاً. صح، كل طاعة أمر الله بها كالصلاة والصيام وطلب العلم أرادها شرعاً أن توجد منك، وكل معصية من الزنا والكفر والشرك والكبائر التي ندرسها لم يردها الله شرعاً.

لكن هل يمكن شيء لا يريده الله شرعاً كالكفر والسحر والزنا يشاؤه كوناً أن يحدث بأمر ولا حكمه؟ نعم يمكن، يمكن شيء لا يريده الله شرعاً كالكفر والمعاصي والذنوب لكن يشاء وقوعها كوناً أو يشاء وقوعها كوناً لحكمة أرادها سبحانه وتعالى.

فيجب أن لا تخلط بين الأمرين؛ لأن بعض الفرق خلطت بين الأمرين، بعض الفرق ألغت الإرادة الشرعية وبعض الفرق ألغت الإرادة الكونية، وأهل السنة والجماعة يثبتون ماذا؟ الأمر ين؛ يثبتون إرادة شرعية وإرادة كونية.

حتى وصل الحال ببعض الفرق وهذا هو ضائر معتقد الأشاعرة أن الأشاعرة يثبتون فقط الإرادة الكونية، وبالتالي ماذا يقولون؟ يقولون إن الكفر والمعاصي شاءها الله كوناً وأرادها وأحبها، وهذا مشكلة. كيف نقول إن الكفر والمعاصي -طبعا هم قد لا يصرحون بذلك بهذا التصريح المفجع- لكن هو لازم العقيدة الذي لا هرب منه ما دمت تلغي الإرادة الشرعية وتثبت فقط الإرادة الكونية.

إذاً معنى هذا الكلام وهذا صرح به بعضهم: أن الكفر من الكافرين شاءه الله وأحبه ورضيه، وهذا خطأ. الله شاء الكفر من الكافرين لكنه لا يحبه ولا يرضاه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7]. إذاً هو لا يرضى وإن كان شاءه. فلا بد إذاً من اثبات المشيئتين والإرادتين حتى لا تخلط يا طالب العلم فتقول إن الله شاء الكفر وأحبه. الله شاء الكفر لكن لا يحبه.

طيب لماذا شاءه؟ لحكم وإرادات ومقاصد يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها.

قال رحمه الله: وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشامله، ويقصد هنا المشيئة الكونية. يتحدثون عن المشيئة الكونية، نعم.

قال: وهو الإيمان بأن ما شاء الله ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات، ما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه. هنا ذكر أيضاً الخلق، ما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه، مشيئة والخلق، وهكذا يكتمل عناصر القدر؛ فالقدر علم وكتابة وخلق ومشيئة، علم وكتابة وخلينا نقول ومشيئة وخلق حتى نحافظ على الترتيب الذي ذكرناه.

فاذاً الدرجة الثانية جمع فيها ابن تيمية بين المشيئة الكونية والخلق، وكلاهما يرسل النوب والجماعة أن الله صاحب الأمر فيهما.

قال رحمه الله: ما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه، هذه علينا أن نركز فيها؛ لماذا؟ لأننا عرفنا في بداية الدرس اليوم، نراجع في الدرس السابق أن أهل السنة وسط في باب القدر، قلنا بينما بين الجبرية والقدرية، قلنا ما معنى الوسطية هنا؟

لا لا يعني وسط في ماذا؟ يعني في أفعال العباد، لما قال ابن تيمية عندكم في بداية العقيدة: وهم وسط في أفعال العباد بين الجبرية والقدرية. وسطي ماذا؟ عليك أن تفهم ماذا تقول الجبرية وماذا تقول القدرية.

القدرية يوم المعتزلة ماذا يقولون؟ يقولون إن العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم، فمعصيتك وطاعتك أنت من يخلقها، وهذا والعياذ بالله كمعتقد من أعظم الكفر؛ ليه؟ لأنك جعلت هناك خالق غير الله، أصبحنا نحن كلنا نخلق، قلت: العبد يخلق فعله إذاً كل إنسان خالق كما أن الله يخلق نحن لنا أيضاً أن نخلق، وهذا معتقد كفري.

لكن مقابل القدرية جاء الجبرية، والجبرية هنا يمثلهم يعني الجهم بن صفوان وهو من غلاة الجبرية، والأشاعرة وهم من المتوسطين جبرية، الذين يقولون بالعكس: إن الله هو الذي خلق فعل العبد والعبد ليس له إرادة ولا مشيئة على فعله، وهذا أيضاً خطا. يعني احنا يا هيك يا هيك، يعني البعض إذا المعتزلة والقدرية ماذا قالوا؟ العبد يخلق فعله بنفسه والعبد له إرادة والله لا يتدخل في أفعالنا، هذا خطأ.

في المقابل الفرق الجبرية ماذا قالت؟ قالت: الله خلق أفعالنا ونحن ليس لنا إرادة ولا تدخل فيها البتة، وهذا أيضاً خطأ. طب ما هو معتقد أهل السنة في هذا؟ معتقد أهل السنة أحباب الكرام أن الله خلق أفعالنا لكنه أعطانا حرية.

إيش يعني؟ يعني أنا لي إرادة أنني أشرب هذا الكاس وأنزله، يعني أنا الآن قررت أرفع ورفعته، وقررت أنزل وأنزله، هذا الاختيار هذا الشيء فطري إياك أن تجحده؛ لأنك تجحد الضروريات. اليوم لما أجيت على الدرس في حدا أجبرك على الدرس؟ في إشي هيك عم نكهرب على أعصابك وعضلاتك أتحكم فيك ريموت كنترول ووصلت عندي؟ لا، أكيد أنت أتيت باختيارك وعقلك وبأني بدي أروح وأحضر، فهذا شيء لا ينكره إلا معاند، هو ثابت في الفطر السوية، لا ينكره إلا معاند وجود الإرادة للإنسان.

لكن هذه الإرادة الله علم مسبقاً كيف ستكون، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، فهو علم مسبقاً ماذا سأختار. ممتاز، فإذاً أنا عندي إرادة، عندي إرادة حرة، وبناءً على هذه الإرادة سيقع الحساب والثواب والعقاب، وإلا كيف يعاقبني الله على شيء أجبرني عليه؟ هل هذا عدل؟ ليس عدلاً أن يعاقبني على شيء أجبرني عليه.

فبماذا سيكون الثواب والعقاب؟ على الإرادة التي عندك والاختيارات التي عندك، فالله أعطاك إرادة وأعطاك اختيار، لكن لأنه الله بأنه يعلم كل شيء هو يعرف ماذا ستقرر وما هي اختياراتك يعلمها مسبقاً، لكنه لم يكشفها لك، خلاص خلاك أنت تمشي في الحياة، خلاك أنت تمشي، أنت هل تعرف ما كتب لك؟ لا، هذا صندوق مغلق أنت تختار، والله يقول لك كل شيء ستختاره وتفعله ساحاسبك عليه.

فأهل السنة إذاً لا يقولون أن العبد مجبور، بل يقول: العبد له إرادة واختيار، لكن هذا الاختيار يعلمه الله مسبقاً، تمام. وعندما أقرر أن أفعل، الله هو الذي يخلق فعلي وأنا.

سبب في هذا الخلق يعني الآن الله عز وجل هناك أشياء يخلقها بدون واسطة، وهناك أشياء يخلقها بتوسط أشياء؛ مع أنه سبحانه قادر على أن يخلق كل الأشياء بكلمة كن فيكون، لكنه أراد سبحانه أن يكون الكون يسير على هذه الفلسفة.

هناك أشياء يخلقها الله بدون سبب، وهناك أشياء يخلقها الله بواسطة السبب. يعني الشبع من أين يأتي؟ كيف يخلقه الله؟ بواسطة الطعام، يعني أنت بتكون جالس وحدك، بتشبع وحدك؟ تأكل تشبع، عندما تكون ظمآن مباشرة بترتوي، ولا لازم تشرب حتى تشعر بالري؟ فالري يخلقه الله بسبب الشراب، والشبع يخلقه الله بسبب ماذا؟ الطعام، والاحتراق يخلقه الله بواسطة ماذا؟ النار، صحيح.

فهناك أشياء شاء الله وأن يخلقها بواسطة أكل أو شرب أو نار أو ما شابه ذلك، مع أنه سبحانه نركز هو قادر على أن يخلق هذه الأشياء بدون السبب، لكن لماذا خلقها بالسبب؟ قالوا: لينتظم نظام الكون، حتى يعرف الناس الأسباب ويكتشفوها. كل علم الفيزياء والكيمياء والفلك والطب الشيء كلها أسباب تنتج مسببات، لو كان الكون كله يقوم بدون السبب لاختل نظام العالم، ولم تصلح حياة الناس، صحيح.

فوجود نظام الأسباب ليس لعجز الله أن يخلق الشيء بدون سببه، بل لتنتظم حياة الناس. ومن جملة الأسباب التي خلقها الله أنا وانت، أننا أسباب في وجود أفعالنا، فالله يخلق أفعالنا بسببنا، كما أنه يخلق الشبع بسبب الطعام، ويخلق الحريق بسببية النار، يخلق فعلك بواسطتك وبسببك؛ مع أنه قادر أن يجعلني أفعال أفعال بدون سبب ولا تدخل في الموضوع، كالافعال الارتعاشية التي تحدث مع البعض ورمش العين، هل هذا أنت تتدخل فيه؟ لا، رمش العين هذا فعلا أنت مجبر عليه، تنفسك هذا أنت شيء تفعله ولا مجبر عليه؟ مجبر عليه؛ لأنك إذا كتبت متت.

لكن الأفعال الاختيارية هذا نعم أنت سبب في وجودها، وإن كان الله هو الذي خلقها بواسطتك، ولا أشكال أن تقول إن الله يخلق أشياء بواسطة أشياء، في المقابل يخلق أشياء بدون واسطة، فالله خلق آدم وخلق كثيرا من الأشياء بكلمة كن فيكون، وخلق أشياء بواسطة أسبابها.

فإذا أهل السنة، إذا عليك أن تعرف، يثبتون للعبد إرادة حرة بها يختار فعله، ويثبتون أن الله هو الذي يخلق أفعالنا بسببيتنا. هاتان ميزتان لأهل السنة نفترق بهما عن أهل البدع من القدرية والجبرية، فالقدرية يقولون: العبد يخلق فعله بنفسه، والله ليس خالقا لافعالنا. والجبرية بالعكس، يقولون: الله خلق أفعالنا ونحن ليس لنا إرادة. وكلاهما مخطئ، نحن لنا إرادة لكن الله خلق أفعالنا. نحن لنا إرادة واختيار، لكن الله هو الذي خلق أفعالنا بسببيتنا، هكذا يؤمن أهل السنة والجماعة.

نعم، قال رحمه الله تعالى: ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعه رسله، ونهاهم عن معصيته. هنا قوله ومع ذلك، أراد أن يبين أنه وإن الله يخلق أفعالنا، فهذا لا يتنافى مع قوله أمرنا بالطاعه ونهانا عن المعصيه. فإن الفرق القدرية والجبرية خلطوا في هذا الباب، ولم يستطيعوا الجمع بين المشيئة الشرعية والمشيئة الكونية، وبين أن العبد الله يخلق فعله، وبين أن الله أمرنا بأشياء ونهانا عن أشياء. أكثر الفرق ضاعت وغرقت في هذه البحور لأنها خاضت فيها بعقولها. أهل السنة والجماعة يقولون هذه مواضيع شوي دقيقة بدك تركز فيها؛ لأنها يعني فيها جوانب فكرية.

الله أمرنا بالطاعة، صحيح، أمرنا بالإسلام، أمرنا بالتقوى، أمرنا بالصلاة، والله نهانا عن الكفر ونهانا عن الزنا وعن شرب الخمر. لكن لما أصلي من الذي خلق صلاتي؟ الله بسببيته. ولما يزن الزاني من الذي خلق الزنا؟ الله بسببيته. فهل قولنا إن الله خلق الكفر في الكافر والزنا بالزاني مع قولنا إنه سبحانه حرم الكفر والزنا والسرقة لا تنافي؟

الفرق الأخرى خلطت في هذا الباب ولم تستطع الجمع، لذلك ابن تيمية ماذا يقول: فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه وتعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله، ونهاهم عن معصيته.

لماذا أتى بقوله ومع ذلك؟ حتى لا يختلط الأمر عليك، فتقول: إذا كان الله خلق الكفر في الكافر وخلق الزنا في الزاني، إذا كيف يكون نهى عن الكفر والزنا؟ نقول: هذا نهى عنه شرعا، لكنه شاءه كونا وخلقه كونا. الشيء الشرعي يختلف عن الشيء الكوني، مهم جدا أن تفصل بين البابين. الله لا يريد شرعا الكفر ولا يرضاه، الله لا يريد شرعا الزنا ولا يرضاه، لكن إذا زنى زان في بلادنا فالله سبحانه شاء زناه كونا، نعم، خلق زناه، نعم.

طب لماذا فعل الله ذلك؟ لحكمه، أراد سبحانه وتعالى أن ينتشر شيء من الزنا والفسق والفجور لحكمه، لينظر من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لينظر من سيجاهد الكافرين ويقاتل المعاندين، لينظر من سيضحي ويبذل من أجل هذا الدين، لو لم يكن هناك كفر، لو لم يكن هناك معاصي، هل سيكون هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؟ هل سيكون قتال ومجاهدة وبذل؟ ما راح يكون. فإذا وجود المعاصي لحكم وغايات عظيمة، وما ذكرته فقط شيء نزر يسير منها، وإلا فحكم الله جل أن يعصيها مخلوق، جل أن يعصيها، نعم.

قال رحمه الله: وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، وأنه خلق كفرهم. ركز. ولا يرضى عن الفسقة.

طبعا طب لماذا اختار فلان عن دون فلان؟ هذه دخول تعمق في بعض مسائل القدر، لا أريد أن أدخل فيه الآن؛ لأن بعض مسائل القدر كما قال أهل العلم سر الله في خلقه، يعني القدر أحبابي شوي باب خطير والتعمق فيه كما قال الطحاوي في عقيدته: ذريعة الخذلان وسلم الحرمان. فالقدر نحن نقف عند رؤوس أقلامه، لكننا لا نتعمق فيه؛ ليه؟ لأنه إذا بدك تفكر كثير رح تتعب كثير وراح تدخل في أمور فعلا هي باب مغلق لن تفهمه، فنحن عندنا الخطوط الأساسية أهل السنة والجماعة، بعد ذلك دع الأمر للخالق واعمل على إرادتك التي أعطاك إياها وسر في درب الخير.

لذلك الصحابة لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: فيما العمل يا رسول الله؟ إذا كان الله قدر من يدخل الجنة ومن يدخل النار؟ قالوا: فيما الأمر؟ خلاص، إذن ليش نعمل ما دام كل شيء قد كتب وجفت الأقلام ورفعت الصحف؟ شوف الإجابة النبوية المعبرة ايش قال: «فكل ميسر لما خلق له».

يعني أنت خلاص ما تتدخل في القدر، أنا أؤمن بالقدر لكنه صندوق مغلق أضعه في الخلف، أنا أؤمن به لكنني لا أنظر إليه، لا، خلاص أنا اعمل، فكل ميسر لما خلق له. أنا مؤمن أنه في صندوق مغلق اسمه القدر، لكنني لا استجلبه في حياتي، اللهم إلا إذا جاءت مصيبة أو فرض علي أمر كوني أقول: قدر الله وما شاء فعل. لكن في أفعالي واختياراتي وخططي، يعني أنت لما تخطط تفتح شركة، هل تقعد تفكر والله هو في القدر مكتوب لأفتح شركة ولا لا؟ ما في حدا بيعمل كدة، صح؟

لما تفكر تدرس دراسة معينة في الجامعه، طبيعتنا وجبلتنا أننا نعتمد على اختياراتنا وأفكارنا وخواطرنا، هكذا خلقنا الله مع أننا نؤمن أن هناك قدر. فالقدر سر الله في خلقه كما قال: سر الله في خلقه، نؤمن به جملة ونترك تفاصيله ونكرها إلى الله سبحانه وتعالى، ونأخذ إجابة النبي صلى الله عليه وسلم الشافعية الكافية: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. خلاص، افهموا بس لا تبلش فيه ولا تخوض فيه بعقلك حتى لا تغرق في أمور لا تستطيع الخروج منها.

قال رحمه الله: ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، وإن كان هو الذي خلقها كونا، هذا الذي يركز عليه ابن تيمية في هذه القضايا.

نعم قال رحمه الله: والعباد فاعلون حقيقة والله خلق أفعاله. هنا نص ابن تيمية على العقيدة الواضحة: والعباد فاعلون حقيقة وليس مجازا كما يقول الجبرية، لكن لا يمنع هذا أن الله خلق أفعالهم. هنا ابن تيمية يركز على مسألة عندما خلط فيها البعض من أهل الأهواء، عندما نقول إن الله يخلق فعلي، ممتاز، من الذي أكل ومن الذي شرب؟ أنا الآن شربت هذا بسم الله، من الذي شرب؟ أنا الذي شربت. فالشرب ينسب إلي ولا ينسب إلى الله، وإن كان الله هو الذي خلقه، لأنه في العربية في لسان العرب الفعل ينسب إلى من قام به وليس إلى من خلقه، لأن هذا الفعل وهو الشرب قام بمن؟ قام فيّ أنا، فأنا الذي شربت حقيقة، وأنا الذي أكلت حقيقة، وأنا الذي أتكلم حقيقة، وإن كان الله هو الذي خلق عملية الشرب هذه وخلق عملية الطعام.

فالبعض وين خلط؟ لما قال إن الله هو الذي خلق، صار يظنون أن الله هو الذي يأكل ويشرب، والعياذ بالله، وهذا فهم خاطئ. لذلك قال ابن تيمية: والعباد فاعلون حقيقة، فالفعل ينسب إلى من قام به، فالله لم يقم به الأكل والشرب، الله خلقها فيّ وفيك، فالله ينسب إليه ايش مشايخ؟ الخلق، واما الفعل ونفسه فقد قام فيك، أنت من شاركت وأنت من نمت وأنت من أكلت وأنت من قمت وأنت من جلست، فلا تخلط في هذه القضية، لذلك ركز عليها ابن تيمية قال: العباد فاعلون حقيقة لأن الفعل ينسب إلى من قام به.

وأما علاقة الله بأفعالنا فهي علاقة ماذا؟ المشيئة والخلق، المشيئة أنه شاءها أن تحدث، وانه خلقها، وليس أنها قامت فيه جل في علاه، الذي قام في ذات الله هو الخلق، والذي قام فيك أنت هو الفعل الذي خلقه الله. فهمتم؟ حتى لا تخلط الأمور ببعضها البعض. إذن والعباد هم الفاعلون للأكل والشرب والنوم والحديث، والله إنما أثره في المشيئة والخلق لهذه الأفعال فيهم.

قال رحمه الله: والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، أنت المصلي وأنت الصائم، ليس الله هو المصلي، الله خلق الصلاة خلق الصيام فيك، فالله قام به الخلق، وانت قام بك الصوم، الله قام به الخلق وأنت قامت بك الصلاة، وقس على ذلك سائر الأفعال.

قال رحمه الله: وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم. العباد لهم قدرة على الفعل وإرادة ربنا وضعها فينا، نعم، نحن نؤمن أن الله منحنا قدرة ومنحنا إرادة حتى نفعل بها الأفعال، وليس كما يقول الجبرية إن الإنسان ليس له قدرة وليس له إرادة. وهذا حقيقة يعني بعض المعتقدات هي فلسفة مخالفة للفطر، أنا أحيانا أستغرب من بعض العقول الكبيرة كيف يمكن تقتنع أن العبد ليس له إرادة؟ يعني لو واحد سرق بيتك وقال لك: أنا مجبر ليس لي إرادة في سرقة البيت، بالله تقبل منه؟ لو انسان بحرمة من حرماتك وقال لك: أنا مجبر، هل تقبل منه؟ ما حد يقبل هذا.

فبعض العقائد هي مخالفة للفطر، وإن كانت ابتلي بها بعض عظماء الأمة، لكن ما سبب ابتلي بهم بها؟ يعني أنت بتقول: طب معقول هذا فلان عالم من العلماء من أصحاب ابتلي بهذه العقيدة؟ نعم، ليه؟ لأن الأهواء متى تشربت سبحان الله غلبت على العقول. الأهواء متى تشربت غلبت على عقول الأذكياء، فلا تجرب نفسك في أمور العقائد هذه نصيحة مني لك، لا تجرب نفسك في أمور العقائد، وإنما اتبع طريقة السلف حتى تسلم وتغنم.

وأما إذا جربت نفسك فإن من قبلك من أذكياء الدنيا ومن أذكياء العلماء جربوا أنفسهم، فأتوا كما قال ابن تيمية في درء التعارض: مما تضحك منه العقول. يعني في بعض المواطن كان يعلق ابن تيمية على بعض مقولات ابن رشد، طبعا ابن رشد فيلسوف ضخم وفقيه كبير، لكن لما يدخل في مناقشات الفلسفية يقول ابن تيمية: وبعض مقولاته تشبه مقولات المجانين. مع أنه ابن رشد، لماذا قال؟ لأن صاحب البدعة عندما لا يهتدي بنور الكتاب والسنة ياتي مما تضحك منه العقلاء.

فلا تستغرب وجود بعض الأفاضل الاكابر ممن نترحم عليهم ونسال الله لنا ولهم المغفرة، لا تستغرب أن يقع في شبهة أنت تشوفها بسيطة، تقول: معقول فلان من الأكابر؟ نعم، معقول. السبب في ذلك أنه قدم عقله على الوحي، وأراض أن يأخذ القضية بمنحى فلسفي، مع أن الكتاب والسنة بين يديه، فالله سبحانه جعله يقول قولا لا تقبله الفطر السليمة.

قال رحمه الله: وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]. فهذه الآية في سورة التكوير تثبت ماذا؟ تثبت أمرين: وجود الإرادة للبشر، ووجود الإرادة الإلهية، وجود إرادة بشرية ووجود إرادة إلهية: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.

قال رحمه الله: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم، الدرجة من يقصد درجة المشيئة والخلق؛ لأنه كما قلنا ابن تيمية قسم القدر إلى درجتين، كل درجة فيها مرتبتها، فالدرجة الثانية بمرتبتيها المشيئة والخلق يكذب بها وأهل السنة والجماعة لم يكفروهم بأعيانهم فيها، يعني هذه الدرجة الثانية ليست كالدرجة الأولى، الدرجة الأولى من أنكر العلم كفروهم بأعيانهم أهل السنة والسلف، لكن من أنكر المشيئة والخلق لشبهات عرضت لهم كانوا يقولون إن من قال كذا كافر، لكنهم لم ينزلوها. مقولة الرنة لا ينبغي أن يتتابع فيه الإنسان ولا أن يتجرا عليه الشاب بمجرد قراءات هكذا عامة في الكتب، هذا باب يترك للعلماء إلا ما هو معلوم من الدين بالضرورة، لكن كثير من مسائل التكفير التي بسببها البدع والمنكرات هذا لا أنصحك أن تقتحمه ولو رايت من رايت على السوشيال ميديا وسائر التواصل يتبايع في هذا الباب ويستعجله، فكما قال القرطبي رحمه الله عليه.

والتكفير باب السلامة فيه لا يعدلها شيء، وأنا أفتق مع القرطبي: التكفير باب من سلم منه يسلم، ولا تقتحم نفسك فيه ولا تدخل نفسك فيه في الأمور التي وقع فيها خلاف بين الإسلاميين، اللهم إلا كما قلنا ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

قال رحمه الله: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم السلف مجوس هذه الأمة.

هؤلاء أغلب المعتزلة، والجبرية المتأخرون وقعوا في أخطاء في المرتبة أو الدرجة الثانية.

قال: ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره.

هو لما قال: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية، قصد بالقدرية هنا المعتزلة؛ لأنهم يكذبون بماذا؟ بأن الله خالق أفعال العباد، ويقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه. فقول: هذه الدرجة يكذب بها عامة القدرية، أي أن مرتبة المشيئة ومرتبه الخلق أنكرها عامة المعتزلة من الذين يلقبون بالقدرية. وغلا فيها الجبرية، لذلك قال: ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، يعني ممن يثبت أن الله خلق فعل العبد، لكنه يغلو في هذا الإثبات لدرجة أنه يسلب إرادة العبد، فهذا غلو في إثبات خلق الله لأفعال العباد، وهؤلاء هم الجبرية، إذاً: ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات الجبرية. قال: حتى سلبوا العبد ماذا؟ قدرته واختياره. وهؤلاء الجبرية الذين يسلبون العبد الإرادة، للأسف أيضاً نفوا الحكمة الإلهية، قال: ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها.

فالأشاعرة والماتريدية أصل عقيدتهم نفي الحكمة الإلهية ونفي المصالح. طب ماذا يقولون؟ يقولون: الله عز وجل فعل هذا الفعل فقط لأنه يريد أن يفعله، ولم يفعل هذا الفعل فقط لأنه لا يريد أن يفعله، وهذا خطأ. الله فعل هذا الفعل ليس فقط لأنه يريد أن يفعل، بل لأن فيه حكماً ومصالح شاؤها. الفرق الجبرية، طبعا أحياناً بدك تفهم بعض القضايا، كلمة الجبرية هذا عنوان لفكرة عقدية يندرج تحتها أكثر من اسم من أسماء الفرق، يعني نقول: قدرية، جبرية، هذه مش اسم فرقة معينة، هذه اسم لفكرة القدر والجبر. القدر والقدرية يدخل تحتها مجموعة من الفرق كالمعتزلة ونحوهم. الجبرية نفس الأشي فكرة عقدية يدخل تحتها مجموعة من ماذا؟ من الفرق. نفس الشيء عندما نقول: المشبهة والمعطلة، الآن التشبيه هذا اسم لفكرة عقدية، التعطيل هذا اسم لفكرة عقدية يندرج تحتها مجموعة من الفرق، فاحياناً تجد مثلاً في باب التعطيل نذكر المعتزلة والأشاعرة معاً كلاهما يدخل تحت المعطلة بعد اختلاف مراتبهم، لكن في باب القدر لا، المعتزلة عكس الأشاعرة، المعتزلة قدرية والأشاعرة جبرية. فعليك أن تفرق بين اسم الأفكار العقدية واسم الفرق، اسم الفكرة العقدية هذا شيء واسم الفرقة هذا شيء آخر؛ لأنه بعض الإخوان الجدد معنا بتدخل عندهم الأمور ببعض، الجبرية، قدرية، مشبهة، أشياء، دخلنا، الشيخ لا، هي الفكرة إخواني مش كذا، الفكرة انك تفهم أنه في هناك مصطلحات عقدية، مشبهة، معطلة، قدرية، جبرية، هذه أسماء لأفكار، وهناك فرق تندرج تحت هذه الأفكار، وعليك أن تدرس يعني من أحب التعمق يدرس كل فكرة وما أسماء الفرق التي تندرج تحتها.

فهنا عندما نقول القدرية نقصد المعتزلة، ويقابلهم الجبرية، والجبرية يدخل فيها هنا الجهم بن صفوان جهمي، ويدخل فيها الأشاعرة والماتريدية، فهنا عندما قال ابن تيمية: ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، أي الجبرية الذين سلبوا العبد الإرادة والقدرة ويقولون إن أفعال الله ليس لها حكم ولا مصالح وإنما هي فقط لمحض المشيئة، شاء الله من فلان الكفر لأنه شاء، ما في حكمة، شاء الله من فلان الطاعة شاءها، ما في حكمة، وهذا غير دقيق.

طبعا هون لهم فلسفة في ذلك، هم يقولون إننا إذا قلنا إن الله له حكم ومصالح فهذا يعني أن الله محتاج ومفتقر، وهذا كلام فاسد، ليس تعليل أفعال الله بالعلل والمصالح معناها أنه محتاج، وإنما هذه الحكم والمصالح تعود إلينا، مصالحه وتعود إلينا وليس إلى الله أنه والله فقير لا يكمل إلا بمصالح معينة. فبعض القضايا المناقشة فيها يطول وفيها جدليات كثيرة، لكننا هنا نحن نريد نشير إلى يعني قصورها العامة.

قال رحمه الله تعالى: فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل.

الآن بعد أن انتهى من الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، نلاحظ أنه لم يتطرق إلى الإيمان بالكتب والملائكة والرسل، صحيح؟ لماذا؟ لم يقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية، يعني ما في فرقة إسلامية بتقول ما في كتب أو ما في رسل أو ما في ملائكة، فلأن الفرق الإسلامية متفقه في باب الكتب والرسل والملائكة لم يتطرق ابن تيمية إلى تقرير هذا الباب. الخلاف وقع في الإيمان بالله وتفاصيله، والإيمان بالقدر، والإيمان باليوم الآخر في بعض تفاصيله، طبعا اليوم الآخر الفرق الإسلامية متفقه على أصله، ولا أصل للآخر كافر، لكن وقع خلاف بين الفرق الإسلامية في بعض تفاصيل الدار الآخرة كالشفاعة والميزان ونحو ذلك والرؤية الإلهية في الدار الآخرة.

بعد أن انهى كلامه إذاً عن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، انتقل إلى مفهوم الإيمان نفسه. انتقل إلى ايش؟ نفس مفهوم الإيمان، ما هو الإيمان أصلاً؟

لانه أيضاً وقع فيه خلاف، فالفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة أكثرهم يقولون إن الإيمان هو مجرد تصديق القلب، وبعضهم يقول هو تصديق القلب واقرار اللسان، ولا يجعلون أعمال الجوارح من مفهوم الإيمان. واما أهل السنة والجماعة ماذا يقولون؟ يقولون: الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، فكل ذلك داخل في مفهوم الإيمان. والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قوله لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى»، إذا جعلها إماطة الأذى من شعب الإيمان.

إذاً، القول بأن الإيمان هو فقط شيء في القلب هذا خطا. الإيمان هذا كثير من اليوم حتى عوام المسلمين، مثلك لا بصوم ولا بصلي ولا بعمل طاعة شو بقول لك؟ الإيمان بالله يرضى عليك! هذا خطا. مين قال لك الإيمان القلب بس؟ الإيمان بالقلب ولا بد أن تظهر آثاره على اللسان والجوارح، ما فيش اسمه أنا مؤمن في القلب ولا أعمل أي عمل صالح، معناته أنت كاذب غير صادق الإيمان. بل هذا يقوم على فلسفة الإنسان، الإنسان إخواني إذا اعتقد شيئاً لابد وأن تظهر آثار اعتقاده عليه.

يعني مثلاً الإنسان إذا أحب شخصاً لابد أن يعبر عن هذا الحب بطريقة من الطرق، بابتسامة، باستقبال، برسالة، ما في حب ولا يظهر أي اثر عليه، هذا صعب نادر ولا هو غير واقعي، فالإنسان هكذا طبيعته، إذا اعتقد شيئاً لابد وأن تظهر آثاره عليه، فإذا أنت اعتقدت بالله إذاً لابد أن يظهر آثار هذا الاعتقاد على جوارحه. فإذاً الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان.

البعض يعرف بتعريف مختصر كما سلك ابن تيمية أن الإيمان قول وعمل. البعض ايش يقول كتعريف مختصر؟ الإيمان قول وعمل. ولما يأتي يفسر يقول: هو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. يختصره بكلمتين فيقول: الإيمان قول وعمل. بيجي بفصل شو قصدك الإيمان قول وعمل؟ شو بقول؟ قول القلب وقول اللسان وعمل القلب واللسان والجوارح. فصارت القسمة عند التفصيل خماسية وعند الإجمال ثنائية، قول وعمل، وعند التفصيل قول القلب واللسان، قول القلب هو التصديق الاعتقاد، وقول اللسان يقصدون به شهادة التوحيد. وعمل القلب: أعمال القلوب من الخشية والتوكل والإنابة والخوف والرجاء. وعمل اللسان: كل عمل اللسان سوى شهادة التوحيد، من قراءة القرآن، من الذكر، من التسبيح، من الأمر بالمعروف، هذا عمل اللسان. وعمل الجوارح: هذا معروف من الصلاة والزكاة وإلى غير ذلك.

فإذاً ما نقول الإيمان قول وعمل هذا مختصر، سنفصله الآن مع ابن تيمية رحمه الله عليه. يقرا، قال رحمه الله: ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قولاً وعمل. قال: إن الإيمان قول وعمل. الآن سيفصل ما معنى هذا، نعم. قال: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. فقول القلب نكتب فوقه هو التصديق بوجود الله. وقول اللسان هو شهادة التوحيد بالتحديد. وعمل القلب: أعمال القلوب العامة من الحب والخوف والرجاء والإنابة إلى غير ذلك مما يدرس في علم التزكية. وعمل اللسان: كل عمل اللسان سوى شهادة التوحيد من قراءة القرآن والتسبيح والامر بالمعروف والكلمة الطيبة ونحو ذلك. وعمل الجوارح: هذا يعني معروف، صلاة وزكاة وطلب علم إلى غير ذلك.

قال رحمه الله: وإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. إذاً من أيضاً هذا بعد أن عرفنا مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة وأنه يشمل القلب واللسان والجوارح، علينا أن نعرف أن معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بخلاف الفرق الأخرى الذين قالوا إن الإيمان يعني خلص باكيج واحد عندهم، لا يزيد ولا ينقص، لا، الإيمان كلما فعلت طاعة ازددت إيماناً، وكلما فعلت معصية نظرت إلى حرام، تكلمت حرام، ينقص إيمانك.

والأدلة على ذلك كثيرة، خاصة الأدلة على زيادة الإيمان: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]، وكثيراً هي الآيات التي تدل على الزيادة، وإذا كان يزداد، فاذا هو ينقص؛ لأن الزياده يقابلها عقلياً النقصان، فعقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وليس كما يقول أهل البدع إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، أما أن يكون إيمان أو كفر فش عندهم هذه المنتصف.

قلنا إن أهل السنة وسط بين الوعيدية الحرورية والمرجئة، في باب الأسماء، فإن الخوارج ماذا قالوا عن فاعل الكبيرة؟ كافر. وكذلك المعتزلة جعلوه في منزلة بين منزلتين. وأما المرجئة ماذا قالوا؟ هو كامل الإيمان ترى، مع أنهما فرقتان متقابلتان، لكن أصلهما واحد في هذا الباب، ما هو؟ أن الإيمان باكيج واحد يا بيروح يا هو كامل، أنتم ملاحظين؟ فالمرجئة شو اختاروا؟ أنه دائماً كامل، الخوارج شو اختاروا؟ أنه دائماً كافر وريحوا حالهم، لا، فاحنا ما بزبط، الإيمان شيء يقبل الزيادة والنقصان، فليس كما يقول الخوارج أنا عملت معصية كفرت، وليس كما يقول المرجئة أنا إذا عملت معصية لا يتاثر إيماني، بل الإيمان يزيد وينقص، إذا ارتكبت ناقداً من نواقض الإيمان نعم يكفر، وإذا لم أرتكب ناقضاً فهو يبقى تحت التفاوت زيادته ونقصانه.

نعم، قال رحمه الله: وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج. أحبابي، إذا مزة وأنهم أهل السنة بالمعاصي ويستحلون الدماء بناء على التكفير، هذان ضابطان في فرقة الخوارج، الخوارج عندهم خصلتان: التكفير بما ليس بمكفر زائد استحلال الدم بناء على هذا التكفير. يعني هسه ممكن شخص يكفر، لكن يقول لك والله هذا التكفير مختلف فيه فانا لا استحل الدم، متوقف. لا، الخارجي مستعجل هو يكفر بما ليس بمكفر ويبني على هذا التكفير استحلال الدم مباشرة، فهذان صفتان أبرز صفات الخوارج، نسأل الله أن يعافينا من هذه الطريقة.

قال رحمه الله: بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه وتعالى. الشيخ سليمان باطي جائزة، يلا من يعطيني الدلالة في هذه الآية؟ ما الدليل في هذه الآية على ثبات الأخوة الإيمانية مع وجود الكبائر والمعاصي؟ خلينا ناخذ أيدي مبكرة. طيب، أحسنت، أن الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] مع أن هذا قاتل متعمد وسفك دماً حراماً، لكنه جعله أخاً لأولياء المقتول، مع ذلك جعله أخاً لأولياء المقتول، يعني إذا سامحك أولياء المقتول بشيء من الدية فأدي ما بقي عليك بإحسان، هذا معنى الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ إذا سامحك أولياء المقتول بشيء من الدية عفي له فأدي الباقي بإحسان ولا تنشف ريقك وأنت بتدفع الدية، هذا هو المراد. فالفكرة أن الله سبحانه جعل القاتل المتعمد أخاً لأولياء المقتول مع أنهم في خصومة ونزاع، إذاً لا تنتفي الأخوة الإيمانية حتى مع وجود الكبائر والذنوب والمعاصي.

نعم، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَيكُمْ﴾ [الحجرات: 9-10]. وموطن الشاهد أنه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَيكُمْ﴾ فسماهم إخوة مع أنهم مقتتلون. قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ مشرك؟ في أول الآية قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَيكُمْ﴾. فحتى في قتال الفتنة عندما يقتل المسلمون بعضهم بعضاً يبقى الإيمان الأخوة الإيمانية حاضرة. هذه طريقة أهل السنة، طريقة الحمد لله دي مبنية على السماحة والسهولة وليس على التنافر والبغضاء والشحناء والتكفير والتفسيق وهذه الأفكار التي للأسف البعض يزرعها بطريقته في التعامل مع إخوانهم. الدين الحمد لله عظيم جميل، حتى في لحظات الاقتتال سماكم إخوة، وأن المفروض تتصالحوا وتتعاونوا على البر والتقوى.

نعم، قال رحمه الله تعالى: ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية. الفاسق الملي هو الفاسق الذي ما زال في ملة الإسلام. الفاسق الملي هو الشخص المصر على فعل الكبائر باختصار، من هو الفاسق الملي؟ هو الشخص المصر على فعل الكبائر، نسميه ماذا؟ فاسقاً، لكنه من ملتنا، ما طلعش من الإسلام، هو فاسق ملياً.

الآن الفاسق الملي وهو الشخص المصر على الكبائر، هل هذا الشخص مسلوبة اسم الإيمان بالكلية؟ لا؛ لأني إذا سلبته اسم الإيمان بالكلية أصبحت مثل الخوارج جعلته كافراً، وإنما أقول: الفاسق الملي الذي يفعل الكبائر ويصر عليها هو مؤمن ناقص الإيمان، نزل من مرتبة المؤمن إلى مرتبة المسلم. الفاسق الملي وهو المصر على فعل الكبائر عنده أصل الإيمان، لأنني لو نفيت عنه أصل الإيمان كفرته وهذا لا يجوز، وإنما أقول هو مؤمن ناقص الإيمان. ماذا يترتب على ذلك؟ على أنه نزل من مرتبة مؤمن إلى مرتبة مسلم. إخواني، كلمة مؤمن هذه لا تطلق إلا على شخص ليس فاسقاً؛ لأن هذا وصف تزكية فلا يطلق.

إلا على شخص ليس مصرا على الكبائر. إذا قلت فلان مؤمن، هذا يفهم منه شرعا أنه ليس مصرا على الكبائر. فإذا أصر على الكبائر، هذا لا يسمى مؤمنا على الإطلاق وإنما يسمى مسلما، والمسلم عنده شيء يسير من الإيمان ولابد، لكنه لا يعطى أنه مؤمن؛ لأنه كلمة مؤمن هي تزكية أنه انتقل من مسلم إلى مؤمن. والفاسق الملي المصر على الكبيرة هو ليس لا يستحق هذا المدح، فنقول: أنت نزلت إلى مرتبة مسلم، فعندك أصل الإيمان لكنك لا تستحق اسمها مؤمن، وإنما تستحق اسم مسلم. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]، يعني لسة بدكم شغل حتى توصلوا لمرتبة الإيمان.

قال رحمه الله تعالى: ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما يقول الخوارج والمعتزلة أن مرتكب الكبيرة خالد في النار، نحن لا نقول كذلك، فمرتكب الكبيرة إما أن يعفو الله عنه أو يشفع فيه أحد، وإما أن يدخل النار ويخرج منها ولا بد. صاحب الكبيرة لا يمكن أن يخلد في النار، لا يمكن أن يخرج في النار مادام مات على التوحيد.

قال رحمه الله: بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان كما في قوله تعالى. في كلمة محذوفه عندكم: بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق، يعني اسم الإيمان العام. حكينا مرتكب الكبيرة الفاسق عنده أصل الإيمان صحيح، فهو يسمى الإيمان المطلق عنده أصل الإيمان وهو يسمى الإيمان المطلق هذا عنده، لكنه كما قلنا نزل من مرتبة مؤمن إلى مرتبة مسلم.

نعم قال رحمه الله تعالى: بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]. فقلين في هذه الآية أن الله سبحانه في بعض الكفارات مثل الكفارة أو كفارة الجماع في رمضان، أول شيء تفعله في هذه الكفارة أن تحاول أن تعتق رقبة مؤمنة. مش في الفقه الإسلامي عليك أن تعتق رقبة؟ طبعا هذا مش موجود في زماننا، لكن في الزمن القديم كان موجودا. طيب اعتق رقبة مؤمنة، طب لو هذه الرقبة كانت هذا العبد الذي سأعتقه كان زانيا، هل يصدق علي أنه رقبة مؤمنة؟ نعم، وهنا وصفه بأنها مؤمنة باعتبار أصل الإيمان، باعتبار أصل الإيمان فهذا هو موطني الشاهد في الآية. أن الله لما قال: فتحرير رقبة مؤمنة، كلمة مؤمنة هنا يدخل فيها كل رقبة عندها أصل الإيمان، سواء عندها فسوق أو ليس عندها فسوق.

نعم، وقد لا يدخل. نعم قال رحمه الله: وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. فهنا إنما المؤمن لا يدخل فيها أصحاب الكبائر. المؤمنون هنا في هذه الآية لا يدخل فيها أصحاب الكبائر؛ لأنها حصلت أهل الإيمان في من هذه صفته: إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم. وهذا في العاده قالوا: لا يكون من أهل الكبائر. وهذه أصلا جاءت بعد ماذا في ترتيبها القرآن؟ بعد آية الأعراب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: 2]. فهذا دلالة أن الفاسق ومرتكب الكبيرة لا يدخل تحت اسم المؤمنين في هذه الآية. فالمراد أن الفاسق عنده أصل الإيمان لكن ليس عنده الإيمان الكامل، فهو مسلم وليس مؤمنا إيمانا كاملا. هذه الخلاصة.

نعم قال رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». ويقولونه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بايمان. يقول أهل السنة في الفاسق الملي المصر على الكبائر ماذا نصفه؟ نقول هو مؤمن. ونقول نقول يعني أهل السنة والجماعة.

نعم قال: أو مؤمن بايمانه فاسق بكبيرته. فلا يعبر أيضا بهذه الطريقه أنه مؤمن بايمانه عنده أصل الإيمان لكنه بكبيرته، تعبير آخر.

نعم قال رحمه الله: فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم. هذه قاعده هي الخلاصة. لا يعطى الاسم المطلق، لكنه لا يسلب مطلق الاسم. شو معنى هذا الكلام؟ لا يعطى الاسم المطلق أي لا يعطى الاسم الكامل، الاسم المطلق هو الاسم الكامل. أما مطلق الاسم أي مرتبة من مراتب الاسم، الاسم الكامل يعني أنه مؤمن إيمانا كاملا هذا لا يمكن نعطيه للمصر على الكبيرة، لكنه في نفس الوقت لا يحرم من مطلق الاسم أي من اصل الاسم، فهو عنده أصل الإيمان صحيح. هذه الخلاصة، أن مرتكب الكبيرة لا يعطى الاسم المطلق أي لا يعطى الاسم الكامل، فلا نقول إنه مؤمن إيمانا كاملا، لكنه في نفس الوقت لا يسلب مطلق الاسم يعني أصل الاسم، فلا نقول إنه كافر. نقول عنده أصل الإيمان، لكنه ليس عنده إيمان كامل، وهذا هو سبب إصراره على الكبيرة أنه ليس عنده إيمان كامل. لو كان عنده إيمان كامل لما أصر على كبيرة.

نعم قال رحمه الله تعالى: بإذن الله. وهي موقف أهل السنة والجماعة يعني أنتم لاحظوا بنتميها ترى هو دقيق في هذه العقيدة لما ذكر أن أهل السنة وسط في أبواب خمسة. فصل في هذه الأبواب الخمسة: لما قال وسط في باب الأسماء والصفات بين الوسطية فيها، لما بيننا وسط في باب أفعال العباد تطرق إلى التفصيل في ذلك، لما قال إنهم وسطوا في باب الأسماء واللاحكام وفي باب الوعيد بين الوسطية أخيرا. بقي أننا وسط في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج، صح؟ فاراد أن يبين هذه الوسطية. فعليك أن تشجر هذه العقيدة، أنا أنصحك بعد هذه الدوره أن تشجر هذه العقي على شكل تشجيرات أنت تفهم أنه بناها على خمس وسطيات، وفصل في كل وسطية من هذه الوسطيات. هذه طريقته: ذكر خمس وسطيات لأهل السنة والجماعة، وفصل في كل وسطية منها، وبين ما هي الفرق المخالفة، سواء إفراط أو تفريط، وكيف يكون أهل السنة وسط في كل باب من هذه الأبواب.

قال رحمه الله تعالى: فصل: ومن اصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الوسطية نتطرق إليهم بلمز أو عيب، ونعظمهم ونحترمهم ونجلهم، وهم على الرأس والعين دوما. نعم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. فالصحابه هم إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، الصحابه هم إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فندعو لهم كما أمرنا ربنا بهذه الآية.

نعم قال رحمه الله: وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدى أحدهم ولا نصيفه». يعني لو أن أحدا ممن ليس من الصحابه خير مثل أحد ذهبا تمام لن يبلغ مد صحابي واحد. المد كم هو أحبابي؟ المد تقريبا يعني إذا قلنا الصاع عن اثنين كيلو ونصف، المد ربع الصاع. يعني تقريبا 400 غرام، يعني 400 أعلى شوي أقل شوي. لو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا -أنت بتكلم عن آلاف الكيلو غرامات- لم يبلغ 400 غرام لصحابي واحد؛ لصدق الصحابه وصفاء قلوبهم وشرف رؤيتهم للنبي لأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. هذه الفضيله لا يمكن أن تدركها أي فضيله مهما فعلت في هذه الحياة.

قال رحمه الله: ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح وهو صلح الحديبية وقاتل، على من أنفق من بعد وقاتل. وردت في سورة الحديد: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: 10]. واختلف في المراد قبل الفتح: فتح مكة أو صلح الحديبية؟ ويرجع ابن تيمية أن المراد صلح الحديبية.

قالوا: يققدمون المهاجرين على الأنصار. الآن إذا نحن أولا نعظم الصحابه في الجملة، ثم الصحابه أيضا هم على مراتب في داخلهم على مراتب؛ فمن المهاجرون أعلى من الأنصار، ومن أسلم وأهل بدر مقدمون على من بعدهم، ومن أسلم قبل صلح الحديبية مقدم على من بعدهم. وقد صنف ابن سعد في طبقاته وغيره من العلماء ما بين فيه طبقات الصحابة في الفضل، فالصحابه كلهم أصحاب فضل، لكن بينهم في تفاوت.

نعم، أبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، أفضل من علي، ثم هم متفاوتون بعد ذلك على حسب سبقهم وبذلهم وعطائهم لهذا الدين.

قال رحمه الله: ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثة وبضعة عشرة: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». هذا يدل على فضيلة أهل بدر وأنهم أسبق من غيرهم من الصحابة.

نعم قال: وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة. بايع ايش هذه البايعة تحت الشجرة؟ بيعة الرضوان التي كانت في صلح الحديبية، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة بايعوا بيعة الرضوان، ألف وأربعمائة تقريبا قالوا.

يشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة. صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة. نعم، هناك عشرة جمعهم في الحديث، لكن الذين شهد لهم بالجنة أكثر من عشرة؛ فمنهم ثابت بن قيس بن شماس شهد له النبي صلى الله عليه بالجنة، عبد الله بن سلام شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وغيرهم كثر.

نعم قال رحمه الله: ويقرون بما توافر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. شوف الذكاء في ابن تيمية لما قال: ويقرون بما نقل عنهم عن علي، يعني ما حداش يقول لك علي أفضل من غيره، يعني هو نفسه علي بن أبي طالب أقر أن أبابكر أفضل منه، فهو رد على الروافض بلسان علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

نعم قال رحمه الله: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة في بيعة في البيعة يعني في الخلافة، يعني لما استشهد عمر رضي الله عنه اختلفوا من سيل الخلافة بعده، ثم يجمع الصحابة على البيعة لمن؟ لعثمان مع وجود علي دليل على أن عثمان أفضل من علي رضي الله تعالى عنه. هذا وجه الاستدلال.

نعم قال رحمه الله: مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما. تقديم أبو بكر وعمر على سائر الصحابة هذا لا خلاف فيه. واما هل الثالث عثمان أو علي؟ وقع خلاف متقدم، وقع خلاف متقدم هل الأفضل بعد عمر عثمان أو علي؟ وقع خلاف بين أهل السنة، فإن بعضهم كان يفضل عليا. والشيعة الأوائل إنما يقال مثلا مثل الحاكم النيسابوري أو الطبري أو غيرهم كان عنده تشيع، المراد أنه كان يفضل عليا على عثمان، وهذا خلاف بين أهل السنة في الشيعة الأوائل ليس وصف يذم به العالم كثيرا، وإنما هو خلاف تحت دائرة أو في أهل السنة، وكان المراد بأنهم شيعة أن يتشيعون لعلي على عثمان.

يقول وأما الخلافة قال رحمه الله تعالى: مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل؟ فقدمون عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي، وقدم قوم علي بعضهم بعض أهل السنة قال: علي أفضل من عثمان، ويبقى تحت دائرة أهل السنة في الخلاف. هنا خلاف اجتهادي، ليست من مسائل التبديع أيهما أفضل عثمان أو علي، وإن كان أمر الأمة استقر بعد ذلك على تقديم عثمان رضي الله تعالى عنه.

قال رحمه الله: وقومه توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، قوم قدموا عثمان، قوم قدموا علي، قوم توقفوا وقالوا: احنا ما بدنا ندخل حالنا في هذه المسألة.

قال: وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعليا ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهورها، مسألة تقديم عثمان أو علي لا يضلل فيها، وإنما الضلال والتبديع في تقديم أحدهما على أبي بكر وعمر. الضلال والتبديع في تقديم أحدهما على أبي بكر وعمر، أما هل عثمان أفضل من علي أو علي أفضل من عثمان؟ هذه مسألة لا يضلل المخالف فيها، وإن كان مستقر أهل السنة أن عثمان أفضل من علي رضي الله عنه الجميع.

قال رحمه الله: لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة. وذلك أنهم يؤمنون الخلافة -يعني لو قال شخص إن علي أحق من خلافة من عثمان، هذه يضلل فيها- يعني أيهما أفضل عثمان أو علي دبر نفسك، لكن في الخلافة ما دام الصحابة اتفقوا على عثمان ليس لك أن تخطئ الصحابة في تقديم عثمان على علي في الخلافة، فالخلافة شيء والتفضيل شيء آخر.

قال رحمه الله: وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله. أبو بكر ابن تيمية: ومن طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهلي. وهنا يلب الروافض في هذه القضية، الذين يقولون إن أبابكر

غصب الخلافة، أو عمر أخذها من علي رضي الله عنه، بل هؤلاء كلهم اتفقت الأمة على هذا الترتيب واتفق الصحابة على هذا الترتيب؛ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ثم علي بن أبي طالب عليه أفضل، عليهم رضوان الله تعالى عليهم جميعا.

قال رحمه الله: ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. العقيدة أهل السنة والجماعة أننا نحب أهل البيت علي وفاطمة، وفاطمة ممنوعة من الصرف، والحسن والحسين، والبعض أدخل الأزواج في آل النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة الأزواج من أهل بيته أم ليس من أهل بيته؟ فأهل السنة والجماعة يعظمون عليا وفاطمة والحسن والحسين وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله: ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي». صلى الله عليه وسلم هو الذي أوصانا بأهل بيته، فتعظيمهم واحترام آل البيت هذا حق واجب على كل مسلم ومسلمة، لأنه أحيانا بتكون بعض ردات الفعل خاطئة من بعض الشباب فإنه يجد الروافض يعظمون أهل البيت فوق المنزلة فيذهب ويزدري أهل البيت، هذا خطأ. تعظيم أهل البيت هذا حق واجب على كل مسلم ومسلمة، لكن لا نضعهم في منزلة فوق المنزلة التي وضعهم الله فيها.

قال صلى الله عليه وسلم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي». وقال أيضا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبكم لله ولقرابتي»، لله ولقرابتي، وتعظيم أهل البيت هو تعظيم لله وتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا هن في الآخرة أيضا. خصوصا خديجة رضي الله عنها أم أكثر الأولاد وأول من امن به، وعاضدته على أن إbrahim هو الوحيد الذي قال وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، وقد عرفنا معنى الثريد يا شباب.

يتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. النواصب مقابل الروافض، النواصب هم الذين يتنقصون من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء مقابل الروافض الذين يضعونهم في منزلة فوق المنزلة التي يجب أن يضعوا فيها. فأهل السنة والجماعة لا يسيرون على طريقة الروافض ولا على طريقة النواصب، وإنما يعظمون أهل البيت ويوقرونهم لكنهم ينزلونهم المنزلة التي يستحقونها.

قال رحمه الله: ويمسكون عما شجر بين الصحابة. وهذا أصل مهم؛ الإمساك عما شجر بين الصحابة في فتنة الجمل ومعركة صفين وغيرها من الخلافات، لا يجوز للمسلم أن يستنقص أحدا من الصحابة بسبب الخلاف والشجار الذي وقع بينهم. الإمساك عما شجر بين الصحابة أصل مهم اليوم، للاسف على السوشيال ميديا واليوتيوب وغير ذلك، تجد البعض يحاول أن يقتحم هذه الأسوار المغلقة ويخوض فيها ويشوش على الناس في أمر دينهم، فهؤلاء لا تسمع لهم ولا تقيمهم للصراع. البعض يقول لك: أنا فقط بدي أقيم الصراع مين كان أصواب، ما لك علاقة، هذه فتنة سلم الله منها سيوفنا فنسلم منها ألسنتنا، ولا ينبغي لنا أن نخوض أو نستنقص أحدا من الصحابة الكرام لما شجر بينهم، فيكفي ما لهم من فضيلة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم.

كما نعظم عثمان وعليا نعظم معاوية بن أبي سفيان، ونعظم المغيرة بن شعبة، ونعظم كل صحابي من الصحابة الكرام، مهما كان موقفه ومهما كان خطؤه، فليس لك أنت في هذا القرن أن تقيم هؤلاء، ذاك الجيل الراقي الرفيع وهم بشر وليسوا معصومين من المعاصي، لكن لهم من الفضائل ما تغرق فيه أخطاؤهم، لهم من فضائل الخير والعطاء ما تذوب فيه هذه الأخطاء التي صدرت من بعضهم.

قال رحمه الله: ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، كذب البعض في مساوئ علي أو مساوئ عثمان أو مساوئ معاوية، أغلبها كذب موضوع للحط من قدر الصحابه فلا تلتفت إليها، وأكثرها مأخوذة من كتب الروافض. ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، وصحيح منه تم التلاعب ببعض النصوص من أجل الحط من بعض الصحابة، وغير عن وجهه، وصحيح منه هم فيه معذورون. الصحاح هذه النصوص التي فيها، هي صحيحة وفيها إثبات لأخطاء بعض الصحابة الكرام، هم معذورون فيه، نعذر الصحابة ونتأول لهم ونتجاوز عما صدر منهم، ما لنا علاقة أكثر من ذلك.

قال رحمه الله: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. فما وقع من خلاف بين الصحابة الكل مجتهد؛ عثمان مجتهد، علي مجتهد، معاوية مجتهد، المغيرة بن شعبة مجتهد، والمجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وليس أحد منهم مذنبا عاصيا والله أعلم.

قال رحمه الله: وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة. تجوز عليهم الذنوب في الجملة كما قال تعالى: ﴿إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوا﴾ [الحجرات: 6]، وهذا الفاسق كان أحد الصحابة، سمي فاسقا لكنه لا يموت على الفسق. فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم متصور منهم الكبائر، بعضهم زنى، مشم بعض الصحابة بعضهم زنى، بعضهم وقع في شرب الخمر، فالصحابة متصور منهم الكبائر ومتصور منهم الصغائر، لكن ما دام صحابيا فانه لا يموت فاسقا، ويتوب قبل موته من معصيته، أو يسخر الله له من البلاء ما هو سبب في تكفير خطيئته، فلا نقول إن هناك أحد الصحابة مات فاسقا، كل الصحابة ماتوا عدولا، وإن كان قد صدر منهم في الحياة من بعضهم بعض الفسق.

فهمتم الآن؟ بعض الصحابة هل يمكن أن يكون صدر منهم بعض الفسق؟ نعم، ما دام بعضهم قد شرب الخمر وبعضهم قد زنى وبعضهم قد أخطأ، يمكن أن يصدر من بعضهم، لكن في النهاية الجميع ماتوا عدولا مقبلين على الله سبحانه، والله شهد أنه رضي عنهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 100]، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فلو صدرت الذنوب والمعاصي من بعضهم يهيئ الله لهم ما يكفر بها الخطايا.

قال رحمه الله: ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر. هذا هو القاعدة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم من الأخطاء إن صدر ذلك من بعضهم. فكل ما هم فيه من الخير والجهاد يعني ساعة في غزوة الأحزاب تكفر كل ذنوب التي فعلها في حياته. الخوف الرعب اللي عاشوه الصحابة كبير جدا وثبتوا، مع ذلك فهذه المواقف والمشاهد التي شهدوها مع النبي صلى الله عليه وسلم تغرق فيها أخطاؤهم ممن صدرت منهم.

قال رحمه الله: حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم، وهذا مر معنا.

ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته.

هذه الفقرة مهمة، لأن هذه الشبهة تعرض لبعضكم، قد تجد شخص يقول لك: أليس بعض الصحابة فعلوا ما هو فسق فكيف تقول إن جميع الصحابة عدول؟ هذه شبهة نسمعها كثيرا تكرر، أن بعض الصحابة قد صدر منهم زنا أو خمر أو أو أخطاء، بل الله قال عن بعض الصحابة: ﴿إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: 6]، فكيف نقول إن جميع الصحابة عدول؟

هنا ابن تيمية يجيب عن هذه الشبهة بشكل واضح فيقول إذا كان، أقرأ هذه الفقرة مرة أخرى لأهميتها. فقال رحمه الله: إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، نعم فيكون إما تاب منه هذا احتمال، أو أتى بحسنات تمحوه فعل من الخير العظيم شارك في غزوة تبوك أحد ما يمحو هذا الخطأ الذي وقع فيه ولو كان كبيرا، أو قال: أو غفر له بفضل سابقة، أو غفر الله له من السابقين إلى الإسلام، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعتهم، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه.

وبالتالي نعم الجميع مات على الاختصار لواحد من هذه الخصال، لواحد من هذه الخصال الذي الصحابة هم أحق الناس بها. ذلك كما ذكر النووي وغيره، وأجمع أهل العلم على أن الصحابة جميعا ماتوا عدولا، وما ذكر من خلاف في ذلك أن بعضهم عدل خلافهم ضعيف شاذ لا يعتد به.

قال رحمه الله: فاذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالامور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور. يعني إذا كان في الذنوب المحققة يغفر لهم بسبب من الأسباب السابقة فما بالك في أمور هي ليست ذنوب واضحة بل هي من مساحات الاجتهاد التي يكون قد اجتهدوا فيها، مثل الاقتتال في معركة الجمل وصفين لسبب اختلافهم في ترتيب الأولويات.

قال رحمه الله: ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزرا مغمور في جنب فضائل القوم، نعم قال في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لكان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.

ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء. انتقل إلى فصل جديد من فصول هذا الكتاب المبارك، فهو فصل يتكلم عن إيمان أهل السنة والجماعة بكرامات الأولياء. والولي هنا هو المؤمن التقي ممن ليس، الآن الأولياء لهم مفهوم عام ولهم مفهوم خاص، الأنبياء يدخلون تحت مفهوم الأولياء بالمفهوم العام، لكن في العادة عندما نقول كرامات الأولياء المراد بالاولياء كل مؤمن تقي ليس نبيا. والدليل على هذا التعريف للأولياء قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. هذا تعريف إلهي للولي، من هم أولياء الله؟ الذين آمنوا وكانوا يتقون. فكل مؤمن تقي ليس نبيا هو ولي من أولياء الله، ويتفاوت الناس في هذه الولاية بحسب إيمانهم وبحسب تقواهم، بحسب ارتقائهم في مراتب الإيمان والتقوى.

فكل مؤمن له نصيب من ولاية الله، هذه افهمها، كل مؤمن له نصيب من ولاية الله سبحانه وتعالى، لكنهم يتفاوتون الولاية بحسب ماذا؟ الإيمان والتقوى لأنها تزيد وتنقص. فأهل السنة والجماعة كما يؤمنون بمعجزات الأنبياء يؤمنون بكرامات الأولياء، لكن أولا علينا أن نعرف أن الكرامة إنما يحصلها الولي بشرط اتباعه للنبي، وليس المبتدع الضال هو الذي يحصل الكرامة كما يروغ غلاة أهل التصوف. فالكرامة يحصلها الولي بفضل اتباعه للنبي، لذلك كانوا يقولون: كل كرامة للولي هي معجزة للنبي، من باب أن الكرامة إنما تحصل للولي بفضل اتباعه للنبي.

ثانيا عليك أن تعرف أن كرامة الأولياء هي من جنس معجزة الأنبياء، أن كليهما خرق للسنن الكونية. المعجزة هو أمر خارق للسنن الكونية أليس كذلك؟ خروج ناقة من الصخر، النار تصبح باردة، هذا كله خرق لماذا؟ للسنن الكونية. كذلك كرامات الأولياء هي أمور خوارق للسنن الكونية، لكن كرامات الأولياء في العادة لا تكون خرقا لأمور كبرى، هكذا ذكر ابن تيمية في كتاب النبوات أن كرامة الأولياء وإن كانت خرقا للسنن الكونية، لكنها تشبه معجزات الأنبياء الصغيرة.

في كتاب النبوات يقول هناك معجزات الأنبياء على نوعين: هناك معجزات كبرى مثل ماذا؟ انشقاق القمر، مثل نزول القرآن، قال هذه معجزات كبرى. وهناك معجزات صغرى قال مثلا انقلاب النار لإبراهيم إلى برد، تمام، فقال كرامات الأولياء تكون من جنس معجزات الأنبياء الصغرى ولا تصل إلى معجزات الأنبياء الكبرى. فلا يمكن لولي أن ينزل عليه قرآن ونقول الله كرامة أو نقول ولي تنشق له الشمس أو القمر، هذا لا يكون، إنما يكون للولي ماذا؟ خرق للسنن الكونية على مرتبة صغرى.

نعم يمكن للولي أن تصبح النار له باردة، يمكن، هذا حدث لمن؟ أبو مسلم الخولاني، وهذا كما قال له عمر: أنت شبيه إبراهيم، لما ألقي أبو مسلم الخولاني في النار جعلها الله بردا وسلاما عليه، هذه كرامة وهي تشبه معجزة إبراهيم لما جعل الله له النار بردا وسلاما. كذلك ما حدث مع ابن الحضرمي لما اجتاز البحر وجعله الله مستويا له كما حدث لموسى عليه السلام، فبعض كرامات الأولياء تشبه معجزات الأنبياء الصغرى، واما معجزات الأنبياء الكبرى فلا تصل إليها كرامات الأولياء، هذا ضابط مهم عليك أن تعرفه في باب الكرامة. فاذا نحن نؤمن بكرامات الأولياء وهي حق وهذا من

تأييد الله لهم، ومن الدلالة على صدقهم. لكنهم لا يحصلونها إلا إذا كانوا متبعين للكتاب والسنة؛ أما شخص مبتدع خارق يصنع عمامات وقصص ويقول لك بعد ذلك: أنا صاحب ولاية وكرامات، فهذا لا يصدق. وإنما ما يظهر على أيدي السحرة أو على من يزعمون أنهم أصحاب كرامات من المبتدعة، فهذا من إعانة الشياطين والجن لهم؛ كان يحمل بعضهم على الماء أو يرتقي في الهواء. فقد بين ابن تيمية أن هذا لا يكون خرقاً للسنن الكونية، وإنما يكون من إعانة الجن والشياطين لهم؛ فيحملونهم على الهواء؛ أنت مش شايف حاجة؟ شايف الوالي هذا تبعهم محمول ومحمول على أيدي الجن، وكذلك مشيه على الماء مشي على الجن، فالجن يعاونون بعض الكذبة والدجاجلة ليوهموك أن هذا سيدنا الوالي وسيدنا الوالي، لكن أنت أيها البصير عليك أن تعرف أن الولاية إنما تنال بالاتباع وليس بالابتداع. فمن كان عليه ظاهر الكتاب والسنة والاكتفاء بالحديث فهذا الذي يظن في مثله أن يكون ولياً، وكراماته تكون تأييداً له وتثبيتاً لأتباعه.

قال رحمه الله: ومن اصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتاثيرات، كماثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى قيام الساعة، موجودة إلى يوم القيامة.

قال رحمه الله: فصل ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة.

نحن لا نعظم من العلماء إلا بقدر تعظيمه للوحي، لا نعظم أحداً من العلماء إلا بقدر تعظيمه للوحي الإلهي، ويزداد العالم عندنا تعظيماً بقدر اقتباسه من مشكاة الكتاب والسنة. ولهذا سموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين. هي في الأصل مصدر بمعنى الاجتماع، وإن كانت تطلق أيضاً على نفس أفراد المجتمعين أنهم جماعة، فهذا تدقيق لغوي من ابن تيمية في مفردة الجماعة؛ أن كلمة الجماعة في الأصل مصدر بمعنى الاجتماع، ثم اصبحت تطلق على نفس الأفراد الذين اجتمعوا فيطلق عليهم أنهم جماعة، مشغول الجماعة الفلانية يعني الأفراد الفلانيين المنتسبين بطريقة أو شيخ، وإن كان أصله معنى الجماعة الانتساب، هذا كلام في اللغة طبعا.

قال رحمه الله: والأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزينون بهذه الاصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة في الاعتقاد؛ هو الكتاب والسنة والإجماع، والإجماع المعتبر كما قلنا سابقاً؛ إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ لأنه كما سيقول ابن تيمية هو الذي يمكن ضبطه فعلياً، وأما بعد ذلك عندما انتشر الصحابة والعلماء في الأمصار أصبح ضبط الاجماع أمراً فيه عسر وصعوبة. فعقيدة أهل السنة والجماعة مبناها الكتاب والسنة والإجماع السابق، والإجماع السابق هو الجماعة، ولذلك قلنا: لو أن انساناً في الأزمان المتأخرة كان يسير على خطى الجماعة الأولى ولا يسير أحد معه فهو الجماعة، ولو كنت وحدك أنت الجماعه، ولو كنت وحدك ما دمت تسير مكتفياً بآثار الجماعة الأولى من الكرام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

قال رحمه الله: والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر. عما يأتيني شخص في مسألة عقدية يقول: والله هذا أجماع عليه القرن الرابع والخامس وإن كانت مخالفة للقرن الأول والثاني، هذا لا عبرة به؛ لأنه غير منضبط. الاجماع المعتبر؛ إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين هذا يمكن ضبطه.

قال رحمه الله تعالى: فصل ثم هم مع هذه الاصول، وهذا فصل أخير ختم به ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه عقيدته، وهو فصل يبين أن العقيدة أيضاً عندنا تشمل الجانب الأخلاقي والسلوكي. هذا فصل فيه الجانب الأخلاقي والسلوكي في اهل السنة والجماعة، ليسوا قوم جفاة فقط يعرفون الأمور النظرية ولا يوجد عندهم أخلاق سلوكية، بل الأخلاق والسلوك عندنا من ضمن العقائد، وهذا من ذكاء ابن تيمية في تصنيفه أنه ادخل باب الأخلاق والسلوك في جملة عقيدته ليبين أن الأخلاق لا تنفك عن العقيدة، والسلوك وحسن السمت وحسن التعامل من العقيدة وليس فقط تزيناً تكميلياً كما يتوافق.

قال رحمه الله: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة؛ شو يعني على ما توجبه الشريعة؟ أي مع مراعاة قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. إن ابن تيمية له رسالة لطيفة في قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يقرأها طالب العلم ليفهم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبني على القواعد الفقهية التي أخذناها، قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وقاعدة إذا تزاحمت المصالح ولم يمكن جمعها يقدم أعلاها، وإذا تزاحمت المفاسد ولم يمكن دفعها يقدم أدناها، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة إذا استويا. كل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منسق مرتب على هذه القضية، فأحياناً يقول ابن تيمية: قد يكون انكارك للمنكر منكراً! تخيل! قد يكون انكارك للمنكر منكراً متى؟ إذا ترتب على انكارك مفسدة أعلى. تمام؟ قد يكون أسلوبك في الإنكار ترتب عليه مفسدة أعلى، فبالتالي ابن تيمية دقيق لما قال: على ما توجبه الشريعة. فإنكار المنكر والأمر بالمعروف ليس باباً اعتباطياً يفعله كل انسان على هواه ومزاجه كيفما يفعل، أولاً: عليك أن تكون عالماً بالمعروف الذي تأمر به أنه معروف، أو أن المنكر الذي تنهى عنه أنه منكر؛ فكم من انسان والله ينهى عن معروف ويأمر بالمنكر وهو يزعم أنه على العكس، فيجب أن تكون عالماً بما تقول، ثم عارفا بباب المصالح والمفاسد وما هي أعظم المصالح لتقدمها، وما هي أعظم المنكرات لتدراها. فباب الأمر بالمعروف ليس باب هكذا اندفاع حماسي كما يتوهم البعض، بل هو باب له قواعده وضوابطه وشروطه التي ينبغي أن تتعلمها وتتلقفها من العلماء، وليس تتبع فيها الشباب المتحمس المندفع الذي لم يضبطها على طريقه السلف.

قال رحمه الله: ويرون إقامة الحج والجهاد والجمعة والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات والجهاد وهذه المواسم العامة التي يشهدها الجميع. أهل السنة والجماعة عقيدتهم أنها تقام مع الأمراء كانوا أبراراً عادلين أو كانوا فجاراً، المهم أن تقام هذه المجامع والمشاهد ولا ينبغي تعطيلها.

قال رحمه الله: ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه. الأصل إذا نبت يقول: أنا من عقيدة أهل السنة والجماعة الحرص على الاجتماع، الحرص على التكاثف وكونوا عباد الله إخواناً، وعدم التفرقة بين الشعوب والأمم والفرق والأحزاب والجماعات، فهذا معنى قوله ويعتقدون معنى قوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً». أهل السنة هم أحرص الناس على الاجتماع، وأحرص الناس على التئام الكلمه وإيجاد خطوط الالتقاء والعمل المشترك، وليسوا حريصين على التفرق والتنابذ والافتراق وإنشاء المشاحنات والمباغضات داخل الصف المسلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». ويامرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، والرضا بالقضاء والقدر كما مر معنا، نصبر على بلاء الله ونشكر في الرخاء والعطاء الإلهي، والرضا بمر القضاء، بالقضاء المر الصعب نعم.

قال رحمه الله: ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك.

قال رحمه الله: وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق. والاستطاله يعني الافتخار، استطالة هنا بمعنى الأخلاق، وينهون عن سفاسفها. وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه المتبعون للكتاب والسنة.

طبعا هنا نركز على قضية وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، كيف يعني الاستطالة منهي عنها سواء كانت بحق أو بغير حق؟ يقول: الاستطالة بحق منهى عنها؛ يعني أن يكون الحق معك في مسألة شرعية أو وجهة نظر، ولكنك تستطيع مع ذلك تماماً تفتخر أنك صاحب الحق فتقول: والله أنا شايفين طلعت أنا الصح، فتفتخر بذلك على إخوانك وأقرانك، هذا حتى لو كان معك الصواب هذا لا يجوز لك أن تفتخر على الناس، وأن تتطاول عليهم، وأن تتصنع أمامهم، وأن تطلب المدح، فهذا معنى أن أهل السنة ينهون عن الاستطالة بحق أو بغير حق؛ سواء كان معك الحق أو عليك، الحق عليك أن تحذر من الاستطالة سواء كنت أنت المحق أو غيرك، عليك أن تحذر من الاستطالة والافتخار. وإنما الإنسان إذا كان على حق فهدفه أن ينشر هذا الحق وأن يعمل الناس به، كما كان الشافعي رحمه الله عليه يقول: إنه يود أن يظهر الحق على لسان غيره إذا ناظر أحداً، يحب أن يظهر الحق على لسان غيره شوف التواضع! المهم أن يعمل الناس بالحق، ليس المهم أكان معك ولا..

نعم قال رحمه الله: وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم عليه الصلاه والسلام. لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابه»، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة.

إننا جميعاً المسلمون، لكن لما حدث الاختلاف في الأمة وحدثت الفرق ودخلت الفلسفة وتأثر من تأثر بها، صار كما قال ابن تيمية: صار الأصل أو صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم الذين يلقبون بأهل السنة والجماعة. يعني الأصل في الفرق الأخرى أن الجميع مسلم صحيح، فلماذا الحاجة إلى مصطلح أهل الحديث أو مصطلح أهل السنة والجماعة؟ دافع لنشوء هذه المصطلحات هذا ما يريد يقول ابن تيمية. قال: لما كثرت الغربة وكثر وكثر أهل البدع وقل المتمسكون بالمنهاج القويم الصائب وبالاسلام الخالص احتجنا أن نعرف مصطلح من هم أهل السنة والجماعة ومن هم أهل الحديث، هذا مصطلح الحاجة هي التي دفعت إليه.

التوسع في الأسماء الحقيقة يعني ما دام هناك اسم لاهل العقيدة الحق لا ينبغي استحداث أسماء أخرى لهم والدعوة إليها والموالاة والمعاداة على هذه الأسماء، خلاص أهل الحديث أهل السنة والجماعة ويكفي هذه الأسماء تعبر عن الفكرة. ثم نتميز بأننا مسلمون: ﴿هوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: 78]، فما محونة التتميز باسماء أخرى كالجماعات السلفية وغيرها، هذه الأسماء لا نحتاج إليها، وإنما نكتفي بالأسماء التي مشى عليها سلفنا الصالح؛ لأنه كل يوم العقول تنتج أسماء جديدة، ما أسهل أنك تنتج جديدة! الأصل في الإنسان المسلم أن يفضل الاسم الذي سماه الله به أننا مسلمون انتهى الأمر. وعندما نحتاج إلى شيء لنميز عقيدتنا عن عقائد غيرنا وجدنا اسم أهل السنة والجماعة وأقرت عليه الأمة، فنبقى على هذا الاسم بعد ذلك لا نحتاج، وكل هذه الأسماء المستحدثة الخلاف فيها والنزاع عليها أكثر من الوفاق فيها كما تلاحظون، فالاصل في الإنسان لا..

نعم، قال رحمه الله: وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى وأولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال وفيهم أئمة الدين.

الآن، كلمة الأبدال المراد بالأبدال يا أحبابي الأولياء. ما المراد بالأبدال؟ الأولياء. طبعا كثير من الصوفية يعني يستحدثون مصطلحات كثيرة، كالقطب الفلاني والوتد الفلاني وما شابه ذلك، لكن نلاحظ أن ابن تيمية رحمه الله عليه استعمل لفظة الأبدال؛ ليه؟ لأنه وردت في حديث وإن كان فيه ضعف. مصطلح الأبدال هم الذين، يعني كما نقول، على رأس كل عام يرسل الله لهذه الأمة من يجدد أمر دينها، هؤلاء هم الأبدال، يبدل الله عز وجل كل سنة بشخص يجدد لهذه الأمة أمر دينها. فمصطلح الأبدال، لأنه ورد في بعض الأحاديث الضعيفة، أورده ابن تيمية رحمه الله عليه في مصنفه، وليس هذا من ألفاظ أهل البدع أو ألفاظ المتصوفة، حتى يعني يهاجم ابن تيمية في هذه القضية، بل لفظ له مستند وإن كان ضعيفا ممتاز.

لكن ما بعد ذلك من الألفاظ كالأوتاد والأقطاب، لا، هذه ليس لها مستندات تقوم عليها. نعم، قال رحمه الله: أول من استعملها أحمد بن حنبل، كما ذكر ابن مفلح في الآداب الشرعية، قال: وقد نص أحمد بن حنبل على أن لله. نص إمامنا، إمام أهل السنة والجماعة، أحمد بن حنبل، على أن لله أبدانا. فاستعمل أحمد بن حنبل لفظة الأبدال. قيل: من هم؟ قال: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أعرف لله أبدالا. قال: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أعرف لله أبدالا. فهذا مصطلح قديم منتشر حتى في دائرة أهل السنة والجماعة، مصطلح الأبدال، وليس مصطلحا حادثا.

نعم، قال رحمه الله: وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين يجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. أئمة الدين والهدى وشموس المعارف كأئمة المذاهب الفقهية من أبي حنيفة النعمان ومحمد بن إدريس الشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وابن عيينة ومكحول والشعبي والأوزاعي والليث بن سعد، وكل هؤلاء هم أئمة الدين والتقى. نعم، قد يكون عند بعضهم شيء من الأخطاء، لكن هذا لا ينسف إمامته ما دام تلقيت بالقبول جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن.

نعم، قال رحمه الله: وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق». مره أخرى: من هم أهل السنة والجماعة؟ من هم الفرقة الناجية؟ من هم الطائفة المنصورة؟ نعم، قال رحمه الله: وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة». نسأل الله أن يجعلنا منهم بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

وهذا نهاية معتقد الشيخ الأستاذ ابن تيمية العقيدة الواسطية، معتقد أهل السنة والجماعة، ونجيكم بهذه العقيدة الواسطية بأسانيدنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، ونشرع فيما بقي علينا من ورد كتاب الكبائر.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: الكبيرة السادسة عشرة شهادة الزور. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72]. وفي الآثار: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله. قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]. وفي الحديث الثابت: «لا تزول قدم شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار». وقال الثابت، لكن فيه ضعف عند أكثر أهل العلم: قلت: شاهد الزور قد ارتكب عظائم. أحدها، الذهبي رحمه الله عليه سيبين لك ما هي المشكلات التي جعلت شاهد الزور في مصنف أو في تصنيف أكبر الكبائر. ما هي العظائم التي ارتكبها شاهد الزور حتى تم تصنيفه في أكبر الكبائر؟ قال الذهبي رحمه الله عليه:

قال رحمه الله: أحدها الكذب والافتراء، هذه المشكلة الأولى أنه كذب، والكذب عظيمة من العظائم وحدها. نعم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28]. وفي الحديث: «يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب»، ما معنى شرح هذا الحديث سابقا؟ أن كل خصله يتوقع وجودها في المؤمن إلا هاتين الخصلتين، لا يتوقع ولا يقبل وجودها في المؤمن، وهي الخيانة والكذب. يعني عليك أن تحذر جدا أن تتصف بواحده منهما.

قال رحمه الله: وثانيها، المشكلة الثانية في شاهد الزور: ظلم الذي شهد عليه، حتى أخذ بششهادته ماله وعرضه وروحه. فأنت يعني جمعت الكذب والظلم. هذه مشكلة شهادة الزور، ليست أنها فقط كذب، أنها كذب وظلم، بأنه بناء على شهادتك سيظلم شخص، ويعتدى على نفسه أو ماله أو عرضه.

قال: وثالثها: أنه ظلم الذي شهد له بالساق الذي شهدت لصالحه، أنت ظلمته. طيب كيف ظلمته وأنا شهدت له صالحه؟ انظر، نعم، قال: بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته ووجبت له النار. أنت كنت سببا في استحقاق صاحبك للنار، ظلمت، قلت: إلى النار، جعلته ياكل مالا حراما بسبب شهادته. فأنت كاذب ظالم للمشهود عليه والمشهود له، فجمعت بين الكذب والظلم. نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قضي من مال أخيه بغير حق لا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار».

معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان مثلنا بشرا في باب القضاء. في باب القضاء كان بشرا مثلنا، فكان يسمع من الطرفين فيقول: إنما أقضي بناء على الظاهر، فإذا قضيت لك وأنت تعلم أنك لست صاحب حق، فاعلم أنني ما أعطيتك إلا قطعة من النار. إياك أن تأخذها ولا تقول: والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لي. الرسول صلى الله عليه وسلم في باب القضاء بشر من البشر، يقضي على ما يسمع كما أُخبر، وبذلك في الأحاديث الصحيحة.

نعم، قال رحمه الله: ورابعها: أنه أباح ما حرم الله وعصمه من المال والدم والعرض. نعم، فهذه النقطة الرابعة فيه أن شاهد الزور أباح الدماء المعصومة أو الأموال المعصومة. فانظروا ماذا جمع شاهد الزور من المصائب: الكذب، والظلم للشاهد والمشهود عليه، وإباحة الأنفس والاموال المعصومة على غير وجه حق؛ فلذلك جعلت شهادة الزور في مرتبة أكبر الكبائر. نعم، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: ماله ودمه وعرضه». وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». ألا وقول الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.

قال رحمه الله: الكبيرة السابعة عشرة اللواط. قد قص الله علينا قصة قوم لوط والفاحشة التي تكون بين الرجل والرجل. اللواط هي الفاحشة التي تقوم بين الرجل والرجل، اليوم يريدون أن يشرعنوها ويجعلوها مظهرا من مظاهر الحضارة الإنسانية، ومن أعظم الكبائر والشذوذ الفطري والعياذ بالله. نعم، قال رحمه الله: وقد قص الله علينا قصة قوم لوط في غير ما موضع من كتابه العزيز، وانه أهلكهم بفعلهم الخبيث، وأجمع المسلمون من أهل الملة على أن اللواط من الكبائر. قال الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعرا: 165-166].

واللواط أفحش من الزنا وأقبح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا الفاعل والمفعول به». اسناده حسن. وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط». إسناده حسن. معاملة الزاني: فإذا كان غير محصن جلد مائة، وإن كان محصنا رجم. هذا حكمه عند أكثر المذاهب الفقهية، وإن كان بعضهم يقول: إن اللائط يرمى من فوق شاهق من منطقة عالية. هذا رأي آخر لبعض الفقهاء.

قال رحمه الله: وقال ابن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه ثم يتبع بالحجارة. هذه فتوى ابن عباس، كما قلنا، أفتى أن اللائط يرمى من صدفة من سطح مكان مرتفع، ثم يرجم بالحجارة بعد ذلك، تشبيها بماذا؟ بقوم لوط لما رفعهم الله وقلبهم.

قال رحمه الله: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سحاق النساء زنا بينهن». وهذا الحديث فيه نظر، وهذا الحديث فيه نظر، لكن يدل على أن السحاق مثل مثل اللواط، نفس الفكرة. والسحاق الفاحشة بين المرأة والمرأة، فهي مثلها مثل اللواط الذي يكون بين الرجل والرجل؛ فالسحاق واللواط من أكبر الكبائر، وهو شذوذ. يعني الزنا من الكبائر، لكنه وفق الطبيعة الإنسانية من ميلان الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل، لكن السيء في اللواط والسحاق أنه فجور وشذوذ خلاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

نعم، قال رحمه الله: ومذهب الشافعي رحمه الله أن حد اللوطي حد الزنا سواء. وأجمعت الأمة على من فعل بمملوكه فهو لوطي مجرم. يعني الذي يفعل الفاحشة بعبده هو أيضا لوطي مجرم. اليوم بعض الناس ممكن يستغل الخادمة اللي عنده في البيت، أو امرأة تستغل خادما عندها في البيت، فهذا شكل من أشكال يعني الإجرام أنك استغليت ضعفه كونه يعمل عندك، فهذا أشد إجراما عند الله سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله: الكبيرة الثامنة عشرة قذف المحصنات. قذف المحصنات أي قذف العفيفات. المحصنات هنا ما معناها؟ العفيفات، لأن كلمة محصن تختلف دلالتها بحسب السياق الذي وردت فيه. فهنا كلمة المحصن معناها العفيفة. فقد تقذف امرأة عفيفة، ولو على وجه يعني المزاح أو الإشكال. بعض الناس يكون يعني يقذف امرأة مشكلة مع صاحبه، يقذف أمه، يقذف أخته، للأسف هذا مشتهر حتى في بلادنا اليوم. بعض الناس يتساهل في هذه القضية وهي من أكبر الكبائر عند الله، أن تتهم امرأة شريفة عفيفة بارتكاب الفاحشه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23]، أي العفيفات الغافلات، الغافلات عن المعاصي، اللواتي لا ياتي في هذه الدنيا فعل الفاحشة والعياذ بالله، لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيمه.

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]. وهذا هو حد القاذف، الذي يقذف المرأة المحصنة حده ثمانون جلدة. نعم، وقال صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر منها: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم». وقذف المحصنات هو من حصائد الألسنة، هذا موطن الشاهد في الحديث أن قذف المحصنات هو من حصائد الألسنة.

بعض الناس اليوم فكرها مزحة، أنه حكى مع صاحبه: أمك كذا، أخته كذا، وبيصير يسب ويشتم، يوم القيامة يكبا النار على وجهه من حصائد الألسنة. نعم، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال». متفق عليه. أما من قذف أم المؤمنين عائشه رضي الله عنها بعد نزول براءتها من السماء فهو كافر مكذب للقرآن خاصه.

نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161]. قال أبو حميد الساعدي رضي الله عنه: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد يقال له ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي على سبيل الرشوة أهدي له على سبيل ايش، صار يحكي للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا لكم، وهذا أعطوني إياه على الجماعة.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «اما بعد، فاني استعمل الرجل منكم فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تاتيه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حق إلا لقي الله يحمله يوم القيامة». يعني هذه الهدية هل أتتك لأنك ابن اللتبية، وإلا أتت لأننا استعملناك؟ أجلس في بيتك، ننظر هل ستاتيك هذه الهدية أو لا؟ آه، إذا هذه الهدية إنما أهديت ليس حبا فيك، وإنما لأنك موظف في الدولة والجماعة بدهم يرشوك حتى تمشي لهم المعاملات، أو تخفف عنهم، أو شيء من ذلك.

نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «يحمله يوم القيامة، فلا أعرف أن رجلا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاه، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر». شاة تيعر، تصيح، يعني من اخذ رشوة سيحملها يوم القيامة على ظهره، اللي اخذ ناقة راح يجي يحملها على ظهره، اللي اخذ شاة. وطبعا قديما هيك كانت الرشوة، اليوم احنا عندنا أشكال مختلفة من الرشوة، أموال نقدية، قطعة أرض، الأفلام، حطوها على جانب، هذه تعرف الرشا كل زمان، ولكن تختلف. الأخذ قطعة أرض رشوة راح يحملها يوم القيامة على الظهر وهكذا فقس، ثم رفع يديه صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم هل بلغت؟».

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا غنيمة، ولا فضة، الورق والفضة. قال: غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله صلى.

عبد الله ووهبوه له رجل من جذام، فلما نزل قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه. فقلنا: يعني رمي بسهم فقتله من العدو، سهم غادر يعني بسهم فمات عبده. النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله! فقال: «كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه ناراً أخذها». يعني مثل العباءة، هذا العبد باقي ماخذ عباءة من الغنيمة قبل أن تقسم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه الشملة تحترق عليه الآن في قبره».

وهذا يدل على أن من يسرق أو يأخذ من أموال الأمة وقع في أكبر الكبائر. قال صلى الله عليه وسلم: «أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم». قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكان. فقال النبي، فصار كل واحد اخذ له شغلة خفيفة من الغنيمة بدون أن تقسم يرجعها. فجاء رجل بشراكين أنا حبلين صغار. قال لك: يا عمي حتى الحبلين أنا مستغني عنهم مادام الأمر فيه هذا التهديد والوعيد. نحن قال صلى الله عليه وسلم: «شراك أو شراكان من نار». متفق عليه.

والحبل أخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. وهذا فيه خلاف، هل الغال له عقوبة دنيوية أم ليس له ذلك؟ الحديث بهذا الأثر فقالوا: إن الذي يأخذ من الغنيمه وييكتشف ذلك يحرق متاعه ويضرب، يحرق متاعه ويضرب. البعض ضعف هذا الأثر وقال: ليس له عقوبة دنيوية محددة، وإنما يعزر من قبل الحاجة. نعم.

قال عبد الله بن عمر: كان على ثقل عمرو. قال عبد الله بن عمرو: كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان على أمتعة النبي صلى الله عليه رجل يقال له كركره فمات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو في النار». فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها. إذا هو في النار بسبب عباءة، لا يعني هذا أنه سيخلد في النار، ولكن المعنى أنه سيدخل النار بسبب هذه الكبيرة التي وقع فيها. وما أكثر اليوم الذين ينتهبون خيرات هذه الأمة، ما أكثر الذين يعتدون على أموال الناس وأموال الشعوب على غير وجه حق. نعم.

قال رحمه الله: وفي الباب أحاديث كثيرة، ويأتي بعضها في باب الظلم. والظلم على ثلاثة أقسام: أحدها أكل المال بالباطل، وثانيها ظلم العباد بالقتل والضرب والكسر والجراح، وثالثها ظلم العباد بالشتم.

فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس بمنى فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وقال زيد بن خالد الجهني: أن رجلا غل في غزوة خيبر فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وقال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله». ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا ما يساوي درهمين. أخرجه أبو داود والنسائي.

وقال الإامم أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا الغال وقاتل النفس، يعني من قتل نفسه عمدا المنتحر والغال لم يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يصلي عليه خيار الأمة وعلماؤها تعزيرا للناس. يعني يصلي عليه باقي المسلمين، لكن صلحاء الأمة وخيارها لا يصلون على المنتحر ولا على الذي يسرق أموال الأمة حتى يعزروا الناس ولا يفعلوا مثل. نعم.

قال رحمه الله: الكبيرة العشرون: الظلم بأخذ أموال الناس بالباطل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوۡا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. وتدلوا بها، يعني هذه أعم من التي قبلها، قبلها كان الغلول، هذه عامة في كل أكل لأموال الناس بالباطل حتى في البيوع والأمتعة، كل أكل لأموال الناس بالباطل بأي شكل من الأشكال وكبيرة من الكبائر. نعم.

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42]. وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: 71]. وقال صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة». وقال صلى الله عليه وسلم: «من ظلم شبرا من الأرض طوقه إلى سبع أرضين يوم القيامة». وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]. وفي الحديث: «وديوان لا يترك الله منه شيئا وهو ظلم العباد». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يغفر الله فيه عن شيء». الله يعفو عن حقوقه يوم القيامة، لكن لا يعفو عن حقوق الناس بل يقتص بعضهم من بعض. نعم.

فقال عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم». ومن أي مماطله الغني في دفعه للدين ظلمه؛ أحيانا بعض الناس يستدين وهو عنده قدرة أن يسد دينه، غني عنده قدرة أن يسد دينه بس هو يؤخر الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مماطله الغني في سداد دينه ظلم» وتعتبر كبيرة من الكبائر لأنها شكل من أكل أموال الناس بالباطل. أصل عليك دين معك تسده تسده ولا تماطل الناس فيه.

قال رحمه الله: ومن أكبر الظلم اليمين الفاجرة على حق عليه. قال رسول الله يقول: والله ما علي حق وهو عليه، فيأكل أموال الناس بالباطل بهذه اليمين الفاجر، هذا أشد الكبائر لأنها يمين غموس، يعني جمع بين أكل الناس بالباطل واليمين الغموس والعياذ بالله فجمع شرا على شر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار». قيل يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: «وإن كان قضيبا من أراك»، حتى لو مسواك حلفت عليه أنه ليس لزميلك وهو له فإنك كما قال يتبوأ مقعده من النار، وأوجب الله له النار حتى ولو كان مسواك ولو كان قضيبا من أراك. فهذه القضايا ينبغي لا يتساءل فيها المسلم وطالب العلم خصوصا. نعم.

قال رحمه الله: وقال صلى الله عليه وسلم: «من استعملناه على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة». رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارا». فقام رجل فجاء بشيراكان كان أخذه لم تصبه المقاسم، فقال: «شراكان من نار». وقال رجل: يا رسول الله إن قتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أتکفر عني خطاياي؟ قال: «نعم، إلا الدين». رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة». يأكلون من أموال الوقف، من أموال الأيتام، من بيت المسلمين بغير حق، فهؤلاء تجب لهم النار يوم القيامة. نعم. وعن رواه البخاري.

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: «لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به». السحت هو الحرام الذي يأكل المال الحرام وجسده نبت من حرام لا يدخل الجنة. وهذا إذا كان له قدرة، لكن أحيانا ممكن يكون بعض الأطفال نبت من مال حرام لأن والده يأخذ الحرام، الله عز وجل لا يحاسبك على شيء ليس لك علاقة به، لا يحاسبك على شيء ليس لك علاقة به، لكن أنت يا من اكتسبت المال الحرام وأكلته أو أكلته مع شخص تعلم أن ماله حرام، فهنا جسدك ينبت من حرام، وبالتالي أفضل العلماء أنه لا يجوز تلبية الدعوة لشخص ماله كله حرام، يعني شخص أنا أعرف أنه كل ماله ربا ابن عمي عمي خالي جدي دعاني لوليمة وأنا أعرف أنه لا يوجد له مصدر رزق إلا الربا، هذا لا تجوز أكل وليمته ولا الاستجابة لها، وإذا أكلت فأنت أكلت من حرام وينطبق عليك الحديث نبات جسدك من حرام والنار أولى بك. فبدك تنتبه أنه أحيانا ممكن تكون مش أنت صاحب المال الحرام لكنك تأكل من مال شخص تعلم أن كل ماله وكل وركز كل كل ماله حرام، لا يجوز تلبية دعوة هؤلاء ولو كانوا أقارب أو أعمام أو إخوان أو أصدقاء، النار أولى به. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في التهديد وعيد شديد. نعم.

قال رحمه الله صحيح على شرط الشيخين. وقال عبد الواحد بن زياد، وقال عبد الواحد بن زيد قال عن أسلم الكوفي عن مرة الهمداني عن زيد بن أرقم عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام».

ويدخل في هذا الباب المكاس وقاطع الطريق، ويدخل في باب الاكل الحرام المكاس والمكاس كما قلنا سابقا ومن يفرض الضرائب على الناس بغير وجه حق هذا داخل في أكل المال الحرام، وقاطع الطريق. نعم. وقاطع الطريق والسارق والبطاط والخائن والزغلز والذي يعني يعني نوع من أنواع الانتهاء في السوق الذي يفتح جيوب الناس ويشقها فيأخذ المحافظ باحترافية. هذا يفترق عن السارق عرفتم هذا يفترق عن السارق، السارق هو الذي يذهب إلى الحرز فيأخذ منه، البطاط لا هذا في الأسواق في الأماكن العامة بيدخل إيده بخفية يفتح جد. فالبطاط هو الشق، هذا معنى بطاط، البطاط هو الذي يشق على شنطة امرأة غافلة يبطها وياخذ محفظتها، شكل من أشكال السرقة وإن لم سرقة بالمعنى الفقهي. قال والخائن والزغل ومن استعار.

اللي بحط مثلا فوق فراولة ضابطة وتحت خربانة وحط لك رأس صخارة جيد وتحت خربان. نعم. قال: ومن استعار شيئا فجحده ومن طفف في الوزن.

أنا استعرت منك شغلة وأنت نسيتها بعد فترة أجتني بتقولي والله كأنك استعرت مني أنت شغلة بقول لك لا لا ما استعرت وأنا عارف إني استعرت، هذه خيانة وأكل لأموال الناس بالباطل. ومن استعار شيئا فجحده بعد أن طلب به قال: لا أنا ما استعرت وهو يعلم أنه استعار، هذه سرقة عند الحنابلة هذه سرقة وفيها القطع. نعم.

قال: ومن طفف في الوزن والكيل، يعني يتلاعب في الموازين والمكاييل الكثير من البائع والتجار. قال: ومن التقط مالا فلم يعرفه، يعني وجدت أنا على محفظة في الطريق فيها ألف دينار حطيتها في جيبتي ورحت ولم أعرفها، لازم تعرفها قضاء إعلان يا من فقد محفظة في طريق كذا بدون ما تخبر طبعا المبلغ الموجود، من وجد محفظة في طريق أنا وجدت محفظة من أداه يراجعني أو تبلغ من يمكن أن فعلا يعني يهتم بهذه القضية ويوصل المال إلى مستحقه. أما أن تجد نقطة لها أثر ولا تعرفها فهذه سرقة، أن تجد نقطة ولا تعرفها مع أنها ذات أثر فهذا حرام وأكل لأموال الناس بالباطل.

قال رحمه الله: ومن باع شيئا فيه عيب فغطاه. نعم، يعني باعك سيارة باعك شاة فيها عيب هو يعرفه وغطى عشان يغطاه كتمه ما أخبرك بالعيب التي في السلعة. نعم. قال: والمقامر الذي يعني يدخل في القمار لأنه القمار من أكل أموال الناس بالباطل. ومخبر المشتري بالزائد السرقة.

قال رحمه الله تعالى: الكبيرة الحادية والعشرون: السرقة. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله السارق يسرق الحبل فتققطع يده». فقال صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». ولكن التوبة معروضة بعد. صحيح.

وعن منصور عن هلال بن يساف عن سلامة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنما هن أربع: ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا». قلت: ولا تنفع السارق توبته؟ «ولا تنفع السارق توبته إلا بأن يرد ما سرق». بأن يرد ما سرقه فإن كان مفلسا تحلل من صاحب المال.

قال رحمه الله تعالى: الكبيرة الثانية والعشرون: قطع الطريق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقْتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]. فمجرد إخافته السبيل هو مرتكب الكبيرة، فكيف إذا أخذ المال؟ وكيف إذا جرح أو قتل أو فعل عدة كبائر عمى غالبهم عليه من ترك الصلاة وإنفاق ما يأخذونه في الخمر والزنا؟

قال رحمه الله تعالى: الكبيرة الثالثة والعشرون: اليمين الغموس، اليمين الكاذبة، أن تعرف على شيء أنه لم يكن وكان أو العكس. أنه هناك يمين اللغو وهناك اليمين المنعقدة وهناك يمين الغموس. يمين الغموس هو اليمين على الماضي بأنه وقع وهو لم يقع أو العكس، أما اليمين على المستقبل أنك تفعل شيء ثم لا تفعله أو العكس هذا لا يسمى غموسا وإنما يسمى اليمين المنعقدة. فإذا يمين اللغو أثناء الكلام: والله رحت وجيت، لا والله لا والله الآية التي تاتي بدون قصد أي تسمى يمين لغو. يمين المنعقدة وأن تعرف على شيء في المستقبل أنك تفعل أو لا تفعل.

النوع الثالث هو اليمين الغموس، واليمين الغموس هو المقصود هنا لأنه كذب صريح وحلفت فيه بالله أن تعرف على شيء في الماضي أنه كان ولم يكن أو العكس. نعم. قال رحمه الله تعالى: قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إخواننا الكرام نستغل الوقت بدعاء قبيل الغروب في هذه الساعة المباركة ونكمل إن شاء الله بعد صلاة المغرب.

يا رب عاش عبد الرحمن قول يا رب، لا الشيخ عبد الرحمن. يلا قول يا رب. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على

اللهم صل وسلم وبارك، اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق.

اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.

اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أن تنزل علينا رحمتك في هذه الساعة المباركة، اللهم ارحمنا في هذه الساعة المباركة أجمعين، اللهم اغفر لنا في هذه الساعة المباركة أجمعين، وهب المسيئين منا للمحسنين.

إلهنا وخالقنا ورازقنا وغاية رغبتنا ومنتهى قصدنا، لا غنى لنا عن رحَمَاتك، اللهم لا غنى لنا عن رحَمَاتك، فانزل علينا رحَماتك يا رحمن يا رحيم، اللهم ارحمنا برحمتك، واشملنا بعفوك، وقوينا بقدرتك، واحفظنا بحفظك يا حفيظ، اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من غضبك والنار، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، ونسألك قلباً سليماً ولساناً ذاكراً، ونسألك من كل خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم.

اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لنا مغفرة من عندك وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنا قد أشرَفنا على أنفسنا بالذنوب والخطايا، اللهم إنا قد تجرأنا على محارمك وتعدينا حدودك، ولكننا نطمع برحمتك وحلمك وعفوك يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك بحسن ظننا بك أن تغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا ولا تردنا خائبين، ولا تردنا خائبين يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها؛ دقها وجلها، صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، ما علمنا منها وما لم نعلم، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، وعيناً دافعة يا أرحم الراحمين.

اللهم أحينا على التوحيد والسنة، وتوفنا على التوحيد والسنة، اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، عليها نحيا وعليها نموت وعليها نلقى الله.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم ثبتنا على دينك، اللهم ثبتنا على دينك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

اللهم اهدنا واهد بِنَا واعلنا هداة مهتدين، اللهم اهد قلوبنا، اللهم اهد قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا وزك نفوسنا، وزك نفوسنا يا رب العالمين، اللهم املأ قلوبنا بخشيتك، واملأ قلوبنا بالخوف منك، واملأ قلوبنا برجائك، واملأ قلوبنا بالتوكل عليك، واملأ قلوبنا بالاعتماد عليك يا رب.

أمين، اللهم طهر قلوبنا من التعلق بأحد سواك أو التوجه لأحد غيره، اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل صالح يقرب إلى حبك، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا يستجاب لها.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم كن لإخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم كن لإخواننا المسلمين في فلسطين، اللهم كن لهم عوناً ونصيراً ومؤيداً وظهيراً يا رب العالمين، اللهم احقن دماءهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم رص صفوفهم، اللهم سدد رميهم، اللهم عليك بعدوك وعدوهم، اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك وأنت الله رب العالمين.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا ومن له حق علينا، اللهم من كان منهم حياً فأطل في عمره وأحسن في عمله واختم لنا وله بخاتمة الإحسان، اللهم ومن كان منهم ميتاً فانزل على قبره شابيب الرحمن، واجمعنا به في جنتك يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك اللهم من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182]، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الله أكبر.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبه في الجلسة الثانية التي نعقدها اليوم للتعليق على كتاب الكبائر للعلامة الذهبي رحمه الله تعالى عليه، وصلنا إلى اليمين الغموس.

لكن قبل قضية اليمين الغموس، حتى لا يسالني أحد بعد الدرس في قضية: ما معنى ومخبر المشتري بالزائد؟ يعني بعض الألفاظ الغريبة أتوقع أن يكثر سؤال عنها فأنهيها، ولما قال: ومن باع شيئاً فيه عيب فغطاه؛ تغطية العيب في السلعة هذه كبيرة، كما أن إخبار المشتري بشيء زائد في السلعة ليس فيها هو كبيرة، فمخبر المشتري بالزائد هو الذي يقول لك: والله هذه السلعة موديل السنة فغشك، وإنما هي أعطاك صفة زائدة وهي ليست موجودة فيها، فهذا شكل من أشكال الخداع، وهو كبيرة من الكبائر كما يقول الذهبي.

فهذا معنى قول الذهبي ومخبر المشتري بالزائد، كما أن من كتم عيباً في السلعة غشك، كذلك السلعة لو ما فيها عيوب لكن أخبرت بصفة زائده فيها هي ليست موجودة، كذلك هذا شكل من أشكال الغش.

فهمنا ما معنى ومخبر المشتري بالزائد؟ أعطى صفة في السلعة ليست فيها، فهذا شكل من أشكال الغش، وهو بالتالي سيترتب عليه زياده في الثمن، وسيترتب عليه أكل لأموال الناس بالباطل.

نعود إلى فكرة اليمين الغموس، وعرفنا مفهوم اليمين الغموس؛ سواء يقسم الإنسان على شيء في الماضي أنه وقع ولم يقع، أو بالعكس، وهذه من أكبر الكبائر لأنك جعلت الله شاهداً على شيء أنت تعلم أنه كذب، أدخلت الله وعظمت الله في شيء وجعلت الله مؤكداً على شيء أنت تعلم أنه كذب.

قال المصنف رحمه الله تعالى: الكبير الثالثة والعشرون اليمين الغموس.

قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». رواه البخاري.

واليمين الغموس التي يتعمد فيها الكذب، سميت غموماً لأنها تغمس الحالف في الإثم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألًّى عليَّ أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك». فأحبط عمله لأنه حلف يميناً كذبا، حلف يميناً كذبا.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وهذا الشاهد؛ البائع الذي يكثر الحلف كذباً: والله اشتريتها بكذا، طلعت عليَّ بكذا، وهو يكذب في ذلك.

قال رحمه الله تعالى: وعن الحسن بن عبيد الله النخعي عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر». وفي لفظ: «فقد أشرك».

وهذا شرك أصغر، الحلف بغير الله شرك أصغر وكفر أصغر، وليس المراد أنه كفر أكبر. إسناده على شرط مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». قيل: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: «وإن كان قضيباً من أراك».

فصح تغليظ إثم الحالف كاذباً بعد العصر وعند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني وحلف الكذب بعد صلاة العصر وعند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد منه من الحلف الكاذب في غير هذه الأماكن، بعد صلاة العصر الحلف كذباً أشد من الحلف كذباً في سائر الأوقات، والحلف كذباً عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد كذباً من الحلف في سائر الأوقات.

فقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله». يعني من أخطأ فحلف بغير الله عموماً باللات والعزى أو بغير الله، فكفارة هذه اليمين أن يقول ماذا؟ لا إله إلا الله.

وهنا نلاحظ أن الذهبي في باب اليمين الغموس أدخل فيه الحلف بغير الله، أدخل في باب اليمين الغموس صور الحلف بغير الله، وإن لم تكن هي من صور اليمين الغموس، لكنها من صور الشرك الأصغر.

وكان من الصحابه رضي الله عنها من هو حديث عهد بالحلف بها، فربما سبقه اللات والعزى كان لأن بعضهم كان حديث الإسلام فكان بالخطأ يحلف باللات والعزى، لأنه متعود يحلف بها في الجاهلية، فدعي إلى هذه الكفارة، ربما سبقه لسانه إلى الحلف بها فليبادر بقول لا إله إلا الله.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أي انسان حلف بغير الله حتى في الوقت المعاصر فكفارته أن يقول لا إله إلا الله».

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلف عبد عند هذا المنبر على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار». رواه أحمد في مسنده.

قال رحمه الله تعالى: الكبيرة الرابعة والعشرون الكذاب في غالب أقواله، فالكذب كذبة أو كذبتين لا تدخل تحت الكبيرة، لكن الذي يغلب الكذب عليه هذا الذي يقع فيه الكبيرة، لذلك قال: الكذاب في غالب أقواله، لأنه ما منا إلا وقد كذب كذبة أو كذبتين أو ثلاث، فمثل هذا لا نقول إنه سقط في كبيرة من الكبائر إلا إذا كان الكذب غالباً عليه.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28].

وقال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: 10]، قتل بمعنى لعن، لعن الخراصون، والخراصون هم الذين يكثرون الكذب.

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، فهذه لعنة الله على الكاذبين. وعرفنا أن الكبيرة ما عليها وعيد في الدنيا، عذوبة في الدنيا أو وعيد في الآخرة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً». متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».

وقال صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من تحلم بحلم لم يره كُلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة، ولن يفعل». الذي يقول إنه راى شيئاً في المنام وهو لم يره هو كذاب، وعقوبته يوم القيامة أن الله يكلفه أن يربط بين حبتين شعير، وبالتالي يجلس طوال الوقت يوم القيامة ويحاول يربط بين حبتين شعير، وهذا شكل من أشكال العقوبات التي ينزلها الله بعباده مقابل هذه الكذبة التي كذبها.

وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة ولن يفعل». رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تر» يقول: إنه راى شيئاً وهو لم يره.

وأخرج حديث سمرة بن جندب بطوله في منام النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: «أما الرجل الذي رايته يشرشر شدقه إلى قفاه». ومن هذه الرؤيا راها النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل أنه راوا ناساً يعذبون في قبورهم، ومن هؤلاء الذين يعذبون في قبورهم هذا الرجل، كيف يعذب؟ قال: يشرشر الشدق في هذه المنطقة، يشرشر إلى قفاه هكذا كلوب أو الشيء إلى القفا أين الرقبة.

«يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب». وهذا مر معنا روي بإسنادين ضعيفين.

عنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب». يعني إذا اضطررت أن تحكي كلاماً ليس واقعاً لا تكذب كذباً صريحاً، وإنما استعمل المعاريض، والمعاريض هي الجمل التي لها معنى بعيد ومعنى قريب، الشخص الذي أمامك يفهم المعنى القريب منها وأنت تكون تقصد المعنى البعيد.

كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر يعني سأل رجلاً عن جيش المشركين فأخبره، طبعا هذا الرجل كان وراء طريق فهذا الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أين أنت؟ فقال: من ماء.

فالرجل ماذا قال؟ من أي ماء هم؟ الماء المعنى القريب لماء غدير، عين معينة، فالرجل بدأ يفكر هم من أي ماء؟ هل من الماء الذي في القرية الفلانية والقرية الفلانية؟ وإنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم من ماء أننا من مني، فالنبي إذا قال من ماء قصد المعنى البعيد، والرجل فهم المعنى القريب من ماء من بئر معينة.

طبعا لماذا استعمل النبي صلى الله عليه وسلم المعاريض؟ لأنه في غزوة، وفي الغزوة ما بصير تعطي أي معلومة ليست في مكانها، الأصل أن تكتم معلوماتك باختصار، نحن نحتاج أن لا يصرح بمعلومات صادقة، لا يستعمل الكذب الصراح وإنما يستعمل المعاريض، فإن في المعاريض مندوحة، يعني كفاية عن الكذب، هذا معنى مندوحة المعاريض، تكفيك بدل من أن تكذب كذبا صريحا.

نعم وقال صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يححدث بكل ما سمع» رواه مسلم، أي من اعظم الإثم أن تكون كذابا، وهذا ورد معنا البارحة أن الملك الأصل أنه لا يحتاج الكذب، فكذبه جريمة على جريمة.

قال رحمه الله: الكبيرة الخامسة والعشرون قاتل نفسه، وهي من أعظم الكبائر، قال الله تعالى ناصحا عن المنتحر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 29-31]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مع اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68].

وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان ممن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقا الدم حتى مات، قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة»، يعني بقي ينزف حتى مات، نعم قال فما رقا الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة بدون وجه حق فانني ساحرم عليه الجنه، هذا معنى بادرني بنفسه، قتل نفسه قتل نفسه، فأنا ساحرم عليه الجنة.

نعم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» متفق عليه.

وفي الحديث الصحيح الذي آلمه الجراح فاستعجل الموت فقتل نفسه بطرف سيفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو من أهل النار»، وعن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابه عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن المؤمن كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله»، الذي يقذف المؤمن بالكفر فهو كمن قتل مؤمنا عند الله، أن تتهم أخاك بأنه كافر هذا كقتلك إياه.

نعم «ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به يوم القيامة» حديث صحيح، الشاهد في الحديث: ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به بهذا الشيء الذي قتلت به نفسك يوم القيامة.

قال رحمه الله: الكبيرة السادسة والعشرون القاضي السوء، الذي يتولى منصب القضاء ولا يقوم بحقه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

وقد روى الحاكم في صحيحه بإسناد لا أرضاه أنا عن طلحة بن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة إمام حكم بغير ما أنزل الله»، وصحح الحاكم أيضا والعهدة عليه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قاض في الجنة وقاضيان في النار؛ قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمدا فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار».

قلت: فكل من قضى بغير هذا الذهبي، فكل من قضى بغير علم ولا بينة من الله ورسوله على ما يقضي به فهو داخل في هذا الوعيد، وروى شريك عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاضيان في النار وقاض في الجنة» وذكر الحديث.

قالوا: فما ذنب الذي يجهل؟ لماذا القاضي الجاهل أيضا هو في النار؟ ماذا قال؟ قال ذنبه ألا يكون قاضيا حتى يعلم، ذنبه أنه لا يجوز أن يتولى منصب القضاء حتى يعلم، فإذا أنت توليت منصب القضاء أو الإفتاء وأنت جاهل فانت تستحق النار، لا تولى منصبا أنت لست أهلا له بعد.

نعم قال: إسناده قوي، وأقوى منه حديث معقل بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلا يعدل فيهم إلا كتبه الله في النار»، وروى عثمان بن محمد الأخنسي وهو صدوق عن المقبوري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جعل قاضيا بين الناس فكأنما ذبح بغير سكين»، يعني الذي يتولى القضاء وقع في مصيبة مسؤولية كبيرة، كأنك ذبحت بس مش ذبحت بالسكين، ذبح معنوي، كأنه ذبح بغير سكين، ذبح معنوي لأن مسؤولية كبيرة أن تتولى قضاء الناس.

قال رحمه الله: وأما إذا اجتهد الحاكم وقضى بمقام به الدليل على صحته، ولم يحكم برأيه فقيه وقد لاح ضعف ذلك القول فهو مأجور ولابد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فاصاب فله أجران»، واجتهد الحاكم وكان من أهل الاجتهاد هذا الفرق أن يكون من أهل الاجتهاد، فإما له أجران وإما له اجر، «وإن اجتهد فاخطا فله أجر» متفق عليه، فرتب النبي صلى الله عليه وسلم الأجر إذا اجتهد في الحكم لما إذا كان مقلدا فيما يقضي به فلم يدخل في الخبر.

ويحرم على القاضي أن يحكم وهو غضبان لا سيما من الخصم، وإذا اجتمع القاضي معروف لا يجوز أن يحكم في حالة غضب أو حالة اندهاش حتى لا يكون الحكم غير متزن، خصوصا قال خصوصا إذا كان سبب الغضب هو أحد الخصوم، هسا ممكن يكون القاضي جائز عليه من زوجته مشكلته خارجية لا يجوز يقضي وهو غضبان، لكن إذا كان غضبه من أحد الخصوم فهنا بده ينتبه أكثر حتى ما يجور عليه.

نعم إلا رحمه الله: وإذا اجتمع في القاضي قلة علم وسوء قصد وأخلاق زعر وقلة ورع فقد تمت خسارته، ووجب عليه أن يعجل نفسه ويبادر بالخلاص من النار، أخلاق يعني يرعون في الأخلاق.

قال رحمه الله عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» صححه الترمذي، وذكره هنا لأن الرشوة عادة ما تدخل في منصب القضاء، بيروح بيرش القاضي مشان يزبط له الحكومة تكون لصالحه.

قال رحمه الله: الكبيرة السابعة والعشرون القواد المستحسن على أهله، القواد هو الذي المستحسن على أهله، الذي يأتي بالرجال إلى أهله ولا يغار على أهله، يرى ابنه تخرج متبرجة أمام الناس ينظرون إليها وغير ساحر غير مبالي ويستحسن، يعني بالعكس هو يدعو الناس أن ينظر إلى أهله، بعضهم تجد في الإعلام خاصة في عالم الفن وتجده يخرج زوجته ترقص أمام الرجال وتعاشر الرجال وتمثل مع الرجال وتحضن الرجال في الأفلام والمسلسلات وما عنده أي مشكلة، هذا هو مثال القواد المستحسن على أهله، وهذه من أكبر الكبائر.

نعم قال الله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرَِِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]، وعن سليمان بن بلال عن عبد الله بن يسار الأعرج قال: حدثنا سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة؛ العاق والديه، والديوث، ورجلة النساء»، رجلة النساء رجل النساء هي المرأة المسترجلة في لباسها وهيئتها ومزاحمتها للرجال في كل مكان، وهذا حديث اسناده صحيح كما قال الذهبي.

قال لكن بعضهم يقول عن أبيه عن عمر مرفوعة: فمن كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبه فيها، أو لأن لها عليه دين وهو عاجز، أو صداق ثقيل، أو له أطفال صغار ترفعه إلى القاضي وتطلبه بفرضهم، فهو دون من يعرس عليها، ولا خير في من لا غيرة له، وهو كان الذهبي يفرق بين شخص يعرف في أهله الفحشاء لكنه يتغاضى عن ذلك لأنه خايف ولا زوجته ترفع عليه قضية لأنه ما بينفق عليها أو ما بينفق على الأولاد، بقول لك فرق بين هذا الذي يتغاضى عن فاحشتها هو عارف انها خطا بس يتغاضى خوفا من القضاء، وبين شخص لا هو يعرس عليها.

إيش يعني يعرس عليها؟ يعني يدعو الرجال يعاشروا زوجته ويعانقوها ويستحسن منها، فيقول لك فرق بين هذا وهذا، قال فمن كان يظن بأهله الفاحشة لكنه يتغافل أما لأنه يحبها، أو لأنه يخشى أنه والله عليه دين تجاهه وخائف تروح تطالبه بهذا الدين أو تطالبه بالانفاق فتغاضى عن فاحشتها من هذه الجهة مخطئ وإنسان فاشل ولا غيرة له، لكنه في النهاية أخف حالا من المعرس عليها من المعرس عليها اللي لا هو اصلا يدعو الرجال يقتربوا من زوجته ويرقص معها أو يمثل معها، فهذا والعياذ بالله في قمة الفجور والفحش.

قال رحمه الله: الكبيرة الثامنة والعشرون الرجلة من النساء والمخنث من الرجال، الرجل كما قلنا من النساء أيضا المرأة المسترجلة في لباسها في هيئتها في طريقة كلامها وأسلوبها، هذه واقعة في كبيرة، والعكس والعكس المخنث من الرجال الشاب الذي يتشبه بالنساء في لباسه في هيئته إلى غير ذلك.

نعم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى: 37]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء صحيح، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله الرجل من النساء» رجل نعم من مسيرة كذا وكذا.

الحديث على عموم التبرج وإن لم يكن فيه تشبه بالرجال، لكن النساء العاريات اللواتي يضعنا على رؤوسهن مثل البخت هكذا، سواء عقدت عليه الحجاب أو لم تعقد هذه مشكلة، لا يجوز للمراه أن تفتن الرجال في طريقت خروجها، نعم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا هلك الرجال حين أطاعوا النساء»، فمن الأفعال التي فمن الأعمال طبعا هذا الحديث فيه كلام، هذا الحديث فيه كلام في صحته وإن كان صحيحا في معناه إلا هلاك الرجال حين أطاعوا النساء.

الأصل أن الرجل لا يخضع للمرأة ولا يخضع، طبعا الفرق بين خضوع الرجل المرأة وبين حسن العشرة، حسن العشرة والتعامل بالمعروف هذا مطلوب، لكن لا يكون ذليلا لها، بعض البيوت تشعر أن الرجل هو تابع للمرأة والمرأة هي تقود المنزل، فلذلك أتى بهذا الحديث هنا، أن تكون المرأة مسترجلة في البيت والرجل تبع لها، هي تقود منزله وترتب أموره وهو خادم لزوجته، هذا ليس برجل بل يراجع رجولته.

قال رحمه الله: فمن الأفعال التي تلعن عليها المرأة اظهار الزينة والذهب واللؤلؤ من تحت النقاب وتطيبها بالمثل، ويتكلم في الزمن الجميل لما كان في نقاب وشعار يوم نتناقش فيه.

قال رحمه الله: وتطيبها بالمسك والعنبر ونحو ذلك، ولبسها الصباغات والمداس إلى ما أشبه ذلك من الفضائح، المداس ذهبي، المداس نعل كانوا يلبسونه قديما من الذهب، وهذا لا يجوز لأن المرأة لا تتحلى بالذهب في قدمها إلا الخلخال، وليس من العرفة أن المرأة تلبس لباسا ذهبيا، المرأة لا يجوز لها تلبس حذاء ذهبي وتقول ما هو الذهب يا شيخ جائز للنساء، لا، جائز للنساء فيما هو العرف فيه، أما أن تلبس نعلا ذهبيا هذا يعني إسراف وتبذير لا يقره الشرع أبدا.

قال رحمه الله يعني من أسباب جذب الرجل للمرأة، يعني من الزينة الظاهرة التي تغري الرجل، نعم قال رحمه الله: الكبيرة التاسعة والعشرون المحلل والمحلل له.

المحلل هو الشخص الذي يتزوج المرأة المطلقة ثلاثا من أجل أن يرجعها لزوجها السابق، تعرف المرأة إذا طلقت ثلاثا خلاص لا تحل لزوجها السابق حتى تنكح زوجا جديدا ويعاشرها ثم يطلقها فيحل لها حينئذ أن تعود لزوجها الأول.

فبعض الناس وكثارهم اليوم بكون طلق زوجته ثلاث تطليقات، والمحكمة قالت له خلص ما يجوز لك انك تتزوجها طلقتها ثلاثا، فبيروح بيتفق مع صديقه بيقول له شو رايك تتزوج زوجتي التي طلقتها ثلاثا وتطلقها حتى تعود لي؟ بكم بينهم اولاد وكذا فبتصير صعب القضية.

فهذا ملعون لا يجوز ذلك أن تتفق وتتواطئ مع صديق وزميل أن يتزوج زوجتك التي طلقتها ثلاثا حتى يحللها لك، سمي المحلل لأنه حللها له، هذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم التيس المستعار، هذا اسمه في الشريعة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسمه التيس المستعار، استعرت صاحبك ليعاشر زوجتك ولو كان بعقد من أجل أن يحللها لك، فكلاهما ملعون الزوج والصديق، والمراه إذا كانت موافقة لهما أيضا وتتعلم بتواطئهما هي داخلة في اللعنة.

نعم قال رحمه الله: صح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له والصديق المحلل له الزوج السابق، نعم رواه النسائية والترمذي وإسناد جيد.

وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه أهل السنن إلا النسائي، ولكن فاعل هذه القذارة مقلد عامل برخص.

المذاهب لم يبلغه النهي فلعل الله يعذره ويسامحه، للاسف ضعفوا هذه الاحاديث أو تساهلوا فيها، فقد يقوم رجل بهذا الفعل متبعا لرخص بعض المذاهب فيقول الذهبي: لعل الله يسامحه لأنه لم يبلغه صحة هذا الحديث. أي انسان كبره وهو لم يعرف صحة الحديث، أو ظن أنها جائزة لعدم بلوغ صحة الحديث، أو شيخ أفتاه، اليوم للاسف ممكن بعض الشيوخ يتساهل، فالشخص هذا مسكين لا يحاسبه الله كما يحاسب الشخص العالم.

نعم، قال رحمه الله: الكبيرة الثلاثون: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]. فمن تعمد فعل ذلك لغير ضرورة فهو من المجرمين، وما أحسب أن مسلما يتعمد أكل لحم الخنزير وربما يفعل ذلك الجبلية واللتامنة والخارجة، التي قالوا أنها من فرق الروافض.

نعم، قال: الخارج يعظمون أو يؤلم يعني بعض الفرق التي لها اعتقاد في الله سبحانه وتعالى باطل. نعم، قال: الخارجين من الإسلام. وفي نفوس المؤمنين أن أكل لحم الخنزير أعظم إثما من شرب الخمر، فصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت النار أولى به». وقد أجمع المسلمون على تحريم اللعب بالنرد، ويكفيك من نرد هو حجر الزهرة هذا حجر الزهر، فأجمع المسلمون على تحريم اللعب بالنرد، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من لعب بالنرد فكانما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه.

هذا يدل على أن استقباح لحم الخنزير ودمه مستقر في الفطر، لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم بالنرد كما صبغ يده. ويكفيك من حججهم على تحريمه قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبت عنه: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». وبلا ريب أن غمس المسلم يده في لحم الخنزير ودمه أعظم من اللعب، فما الظن بأكل لحمه وشرب دمه؟

أراد أن النبي شبهه بمن صبغ يده في لحم الخنزير ودمه، فما بالك بمن أكل أصلا لحم الخنزير والدم؟ فهذا أقبح وأقبح. نعم، عافانا الله من ذلك بمنه وكرمه.

قال رحمه الله: الكبيرة الحادية والثلاثون: عدم التنزه من البول. وهذا للأسف يقع فيها حتى بعض المتدينين، عدم التنزه من البول والاحتراز من وصول رشاش البول إليه. النبي صلى الله عليه وسلم قال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه أو لا يستبرئ من بوله. فعدم الاهتمام بقضية وصول البول إليك هو كبيرة من الكبائر، كبيرة من الكبائر، لأن بعض الناس خلاص حاط في باله الكبائر الزنا والسرقة، لا، أنت قد تكون واقع في كبيره وأنت تظن نفسك طالب علم، فلذلك قلنا دراسة الكبائر والتعرف عليها مهم لعموم المسلمين ليتحرزوا منها.

نعم، قال رحمه الله: وهو شعار النصارى. قال الله، النصارى لا يتنزهون من البول، يبول ويلبس مباشرة، كما تنظرون حتى في حماماتهم تجدون حمامات متقاربة ومكشوفه على بعضها البعض، يقول: ويلبس مباشرة ما يهتم، فهو من شعار النصارى. نعم، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو مر بقبرين: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» متفق عليه. ولكن أكثر الطرق التي في الصحيحين لهذا الحديث: فكان لا يستتر من بوله. وعن أن لا يستتر، لا يحتاط من وصول البول إليه ورشاش البول أثناء عملية التبول.

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الدارقطني. ثم إن من لم يحترز من البول في بدنه وثيابه فصلاته غير مقبولة، فهذا سيؤثر بالتالي على الصلاة أصلا، وهذه المشكلة الأعظم.

قال رحمه الله: الكبيرة الثانية والثلاثون: المكاس. عقد لها بابا خاصا بالمكاس، وقلنا هو الذي يفرض الضرائب على غير وجه حق. نعم، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42]. فرض الضرائب بغير وجه حق هو ظالم للناس، فهو داخل في عموم هذه الآية.

نعم، قال: وفي الحديث في الزانية التي طهرت نفسها بالرجم: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». قال: لقد تابت هذه الزانية توبة لو تابها صاحب ضرائب لغفر له. والمكاس والذي يتعامل أصلا في هذه الأمور مثل المحاسبين أو الشركات التي هي وظيفتها جدول الضرائب هذا كله ابتعد عنه، لأنك داخل في الظلم، لا تقول له والله أنا بشتغل محاسب أجودل الضرائب للشركات، هذا كله لا يجوز.

نعم، قال رحمه الله: والمكاس فيه شبه من قاطع الطريق، وهو شر من اللص، فإن من عسف الناس وجدد عليهم ضرائب فهو أظلم وأغشم ممن أنصف في مكاسه ورفق برعيته، وجاب النفس وكاتبه، وأخذه من جندي وشيخ وصاحب زاوية. قال: ركز هنا في هذه الجملة، قال: وجاب المكس، يعني لوظيفته يقول: أنا ما فرضته، أنا فقط وظيفتي أروح أليف وآخد من الشركات الضرائب. قال: جاب المكس، كاتبه المحاسبين في هذه الشركات، قال: وأخذه سواء من جندي أو شيخ أو صاحب زاوية قديماً حتى الظاهر كانوا عندهم مكوس، قال: كلهم شركاء آكلون للسحت. فلذلك الإنسان يحذر العمل في أي شيء يتعلق بهذه الدائرة، دائرة الضرائب، حاول أن تبتعد عنها بالكلية.

فنسأل الله العافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه إنه على كل شيء قدير.

قال رحمه الله: الكبيرة الثالثة والثلاثون: الرياء. وهو من النفاق. قال الله تعالى: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. وقال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه واعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيه لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار».

جريمتهم كانت الرياء. المجاهد في سبيل الله وقارئ القرآن ومعلم الناس الخير والكريم كلهم دخلوا النار، وأول من سعرت بهم نار جهنم وجريمتهم الرياء، بما يدل على أن الرياء من الكبائر.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ناسا قالوا له: أنا ندخل على أمرائنا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم. قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ندخل على السلطان فنمدحه ونشكره ونثني عليه، وإذا خرجنا من عنده سببنا وشتمنا. يعني الكلام في الداخل يختلف عن الكلام في الخارج، فابن عمر قال: هذا نفاق، هذا كذب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع الله به ومن سمّع أي من فعل يرائي به الناس، سمّع الله به» أي فضحه الله يوم القيامة. من فعل فعلا يريد أن يسمع وأن يعرف بين الناس، ما معنى سمّع الله به؟ فضحه الله يوم القيامة أمام الناس. قال صلى الله عليه وسلم: «ومن يرائي يري الله به». الذي يرائي يفضحه الله يوم القيامة.

نعم، وعن عتبة بن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليسير من الرياء شرك أصغر».

قال رحمه الله: الكبيرة الرابعة والثلاثون: الخيانة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: 52]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». والخييانة في كل شيء قبيحة، وبعضها شر من بعض، وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم. الخيانة مراتب، ليس من خان الأمة كمن خان في فلس، هذه الفكرة.

نعم، قال رحمه الله: الكبيرة الخامسة والثلاثون: التعلم للدنيا وكتمان العلم. التعلم للدنيا ولو لم تقصد الرياء، يعني الذي يحضر مجالس العلم من أجل دنيا، من أجل شهادة فقط يتوظف بها، لو لم يكن ريا، هذا لا يجعلها من الرياء، الذي يتعلم العلم الشرعي لأجل الدنيا، من أجل وظيفة أو تكسب، ولا يقصد وجه الله، فهذا وقع في كبيرة من الكبائر، وقع في كبيرة من الكبائر، فعليك أن تفتش نيتك وأصلحها من الآن.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: 174]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن تعلم علما مما يبتغى به وجه الله» وهو العلم الشرعي، وهو العلم الشرعي علم يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا؛ شهادة، منصب، وزارة، وظيفة، هذا مقصده. إذا، إذا أردت الدنيا تبعاً لا إشكال، لكن أن تكون تطلب العلم ابتداء من أجل الدنيا، هنا الإشكال، هذا لا يجد عرف الجنة، يعني مش راح يشم رائحة الجنة، ما راح يشمها، عسا الله العافية. قال صلى الله عليه وسلم: «لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني ريحها رواه أبو داود بإسناد صحيح.

وقد مر عن أبي هريرة رضي الله عنه في الثلاثة الذين يسحبون إلى النار، أحدهم الذي يقال له: إنما تعلمت إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل.

وعن يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر مرفوعا قال: «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، وأن تجادلوا به السفهاء»، نعم، «ولتحيزوا به المجالس»، فمن فعل ذلك يعني تصبح الرؤوس في المجالس تحوزون بها انصراف الناس إليكم، نعم، فمن فعل ذلك فالنار النار رواه ابن وهب عن ابن جريج، فرسله روى إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتغى العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو تقبل أفئدة الناس إليه فالنار»، وفي لفظ: «أدخله الله النار» أخرجه الترمذي، ولكن إسحاق واهن، إسحاق بن يحيى ضعيف.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار»، وهو الذي يوضع على فم الفرس ليمنعه من الأكل فيوضع على فمك جزاء وفاقا أنت كتمت العلم فكتم الله أنفاسك يوم القيامة. نعم، إسناده صحيح، رواه عطاء عن أبي هريرة. وقال عبد الله بن عياش القتباني قال عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» على الحاكم على شرطهما ولا أعلم له علة.

الحديث، نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع». وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار» حسنه الترمذي.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «من تعلم علما لم يعمل به لم يزده العلم إلا كبرا». وروي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالعالم السوء يوم القيامة فيقذف في جهنم فيدور بقصبه كما يدور الحمار بالرحا بأمعائه تخرج أمعاؤه من بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى». قال: كما يدور الحمار بالرحى. فيقال، كان قديما يطحنون عليها الحنطة والشعير، فيلف الحمار فتلف الحجارة، وهكذا حال هذا عالم السوء. نعم، فيقال: يا ويلاه، بما لقيته هذا، وأنما اهتدينا بك. فيقول الشيخ المتعلمنا وبتدرسنا واحنا اهتدينا بك واختفينا أثرك لماذا نراك في النار على صورة وأسوء هيئة؟ شوف قضية العلم كيف ينبغي أن يخلص الإنسان في لله سبحانه، فيقول: كنت أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. أنصحكم نصيحة وأنا أول من يخالفها. هذه قضية تجعل الإنسان يخشى الله سبحانه ويراقب هذه المجالس. هذه المجالس ليست مكسب لمن لن يقوم بحقها، هذه المجالس ليست مكسبا لمن لا يقوم بحقهم، تبقى مغمورا لا يعرفك الناس أفضل من أن تعلم الناس الخير وأنت منافق كذاب.

نعم، وقال هلال بن العلاء: طلب العلم شديد، وحفظه أشد من طلبه، والعمل به أشد من حفظه، والسلامة منه أشد من العمل به، والسلامة منه أشد من العمل به. فهذا العلم خطير صحيح، وأرفع الدرجات، لكن يمكن يدخلك في قاع جهنم إذا لم تقم بحقه. نعم، اللهم إلهنا بمنك وكرمك.

أمين، قال رحمه الله: الكبيرة السادسة والثلاثون: المنان. طبعا تعرفون المنان الذي يفعل شيء ويمن به من

صدقة أو معروف، نعم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]. وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».

عن عمر بن يزيد الشامي عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً: عاق، ومنان، ومكذب بالقدر». صرفاً أي توبة، ولا عدلاً ولا فداء، هذا معنى هذه العبارة: لا يقبض الله منهم صرفاً ولا عدلاً، أي لا يقبل منهم يوم القيامة توبة ولا فداء. العاق لوالديه، والمنان، والمكذب بالاقدار.

نعم، قال رحمه الله: عمر صويلح، صويلح الحديث، مش صويلح، صويلح الحديث يعني مش قوي كثير في الحديث لكنه بمشي حاله، هذا معنى صويلح رحمه الله.

الكبيرة السابعة والثلاثون: المكذب بالقدر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]. وقال تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186]. وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]. وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]. والنصوص في ذلك كثيرة، ولعل كلامنا في العقيدة الواسطية قبل قليل يغني في قضية التكذيب بالقدر وما مر من مراتب القدر ومن كذب فيها، حتى لا نستهلك الوقت في ذلك.

نعم، قال رحمه الله: وهو في الصحيحين حديث جبريل عليه السلام قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره». فقال عبد الرحمن بن أبي الموالي قال: حدثنا عبيد الله بن موهب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب: المكذب بقدر الله، والزائد في كتاب الله، والمتسلط بالجبروت، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله -عترة أهل بيته، نعم- والتارك لسنتي». صحيح لكن حقيقة فيه نظر، في ثبوته.

نعم، قال رحمه الله: سليمان بن عتمة الدمشقي حدثنا عن ميسرة قال -حتى سليمان بن عتمة الدمشقي حدثنا يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا مكذب بالقدر، ولا مدمن خمر». سليمان ضعف، رواه عن جماعة. قال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم». القدرية كما قلنا هي الفرق التي تكذب بالقدر، سواء المرتبة الأولى والثانية أو الثالثة والرابعة، كلهم يدخلون فيها.

نعم، قال رحمه الله: رواته ثقات لكنه منقطع. وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر». وهذا على شرط مسلم، وصحح من حديث أبي صخر عن نافع، إخباره بالغيب صلى الله عليه وسلم كان يعلم انه ستخرج فرق تتلاعب بقضايا القدر وتنكر مراتبها. نعم، نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما جاءه رجل فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام. فقال: إنه بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد يعني بدعته كانت في القدر -نعم، قال- فإن كان أحدث فلا تقرئه مني السلام، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون في هذه الأمة خسف ومسخ أو قذف في أهل القدر». وعرفنا أن ابن عمر أدرك غلاة القدرية، أدرك معبد الجهني وغيلان الدمشقي.

وعن منصور عن ربعي بن حراش قال عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويؤمن بالبعث، ويؤمن بالقدر». أخرجه الترمذي وسنده جيد، وبعضهم يقول: عن ربعي عن رجل عن علي.

وعن بقية قال: حدثنا الأوزاعي عن ابن جريج عن أبي زبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم». عموماً في التعالم مع عتقولات أهل البدع هذا ليس فقط خاص بغلاة القدرية، وإنما خاص بغلاة أهل البدع أنهم لا يسلموا عليهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ولا يعادون إذا مرضوا، هجراً لهم وحرصاً على إماتة بدعتهم.

نعم، قال رحمه الله: رواه أبو بكر بن أبي عاصم في السنة، له كتاب اسمه السنة، هو من أفضل كتب الأحاديث في العقائد، السنة لابن أبي عاصم من أفضل كتب المسندة في عقيدة أهل السنة والجماعة بالاحاديث.

نعم، قال رحمه الله: وفي الباب عدة أحاديث فيها مقارنة أوردها ابن أبي عاصم، قال: قوله بقية عن أبي العلاء الدمشقي عن محمد بن جحادة عن يزيد بن حصين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبياً قط إلا وفي أُمّته قدرية ومرجئة، إن الله لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً». وحديث ضعيف.

نعم، قال رحمه الله: بقية عن أرطاة بن المنذر عن أبي بسر عن أبي مسعود عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم: المكذب بالقدر، والمدمن في الخمر، والمتبرئ من ولده» فلا يجوز إنساناً من ولده ويقول هذا ليس لي إذا كان يعلم أنه أتى بالطريقة الشرعية.

نعم، وقال رحمه الله: سفيان الثوري عن عمر مولى غفرة عن رجل عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يزعمون لا قدر». وهذا ضعيف فيه إبهام واضح، الرجل عن حذيفة من هو الرجل؟ مبهم، فهذا يضاعف الحديث.

وعن الحسن عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «القدرية مجوس هذه الأمة». وهذه الأحاديث لا تثبت لضعف رواتها عن جل الأحاديث التي سبقت أنها فيها ضعف بشكل من الأشكال.

نعم، قال المعافى بن عمران وغير واحد عن نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: «صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب، القدرية والمرجئة». قال نزار تكلم فيه ابن حبان، وقد تابعه في الحديث السابق مضارب حيان ضعفه ابن حبان رحمه الله عليه. وقد تبعه غيره من الضعفاء. قال محمد بن العبدي حدثنا سلم بن أبي عمرة قال عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. أبو عاصم النبيل عن محمد بن مصعب القرقساني قال عنبسة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر كلام في القدر لشرار هذه الأمة». يعني أن الله جعل بعض البدع في القدر لشرار هذه الأمة الذين سيخرجون في آخر الزمان، آخر كلام في القدر أي بعض الكلام البدعي في القدر سيخرج في آخر الزمان من شرار هذه الأمة تكذيب بالقدر وتلاعب به إلى غير ذلك.

أبو مالك الأشجعي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله كل صانع وصنعتَه». وهذا من أصح الأحاديث إثبات أن الله خالق أفعال العباد، أن الله خالق لافعال العباد، أن الله خالق كل صانع وايش وصنعته يعني وفعله، إذاً من الذي خلق الفعل؟ الله كما خلقني خلق فعلي. نعم وهذا كثيراً ما يستشهد بها السنة في الرد على المعتزلة الذين يقولون أن العبد يخلق فعله بنفسه كما مر معنا قبل قليل في العقيدة الواسطية.

قال رحمه الله: الكبيرة الثامنة والثلاثون: المستمع على الناس ما يسرونه. نعم من الكبائر أن تستمع حديث قوم هم يكتمونه عنك حتى تسمع كلامهم يحاولون أن يسر، هذا من كبائر الذنوب.

نعم، قال رحمه الله: ولعلها ليست بكبيرة هنا، كان الذهبي شك قال الكبيرة الأمر محتمل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استمع إلى حديث قوم هم له كارهون صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة». ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس ليرسم أو يصور ذوات الارواح، يؤمر يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح فان لم ينفخ سيعذب ولن ينفخ.

طبعا قال رحمه الله: رواه البخاري، والآنك الرصاص والمذاب. نعم صب في أذنيه الآنك أي الرصاص المذاب، نسأل الله العافية.

قال رحمه الله: الكبيرة التاسعة والثلاثون: اللعان. اللعان الذي يكثر اللعان، انظر الحديث: لعان المؤمن كقتله. قال رحمه الله: اللعان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعان المؤمن كقتله». متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلمين فسوق وقتاله كفر». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار». صححه، لعنة الله عليه أو غضب الله عليك أو نار الله عليك لا يجوز أن تسب بهذه السباب.

وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». رواه، يحرمون من الشفاعة يحرمون من الشفاعة لا يجعلهم الله في منصب الشفاعة.

فقال صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً». وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». حسنه الترمذي. وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد -تحاول اللعنة أن تذهب يميناً وشمالاً تجد مساحة تخرج منها تنفذ منها إلى السماء- فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن إن كان لذلك أنت شيئاً لا يستحق اللعن ترجع اللعنة عليك، ترجع اللعنة عليك فتطرد أنت من رحمه الله». لأنه ما معنى اللع่น الطرد من رحمه الله، بالتالي لا يستخف الإنسان بهذه القضية لأن من لعن شيئاً لا يستحق اللعن ترجع اللعنة عليه فيطرده الله من رحمته والعياذ بالله.

نعم قال: «فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن إن كان لذلك أهلاً لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها». إذا كان الذي لعن أهلاً اللعن خلاص نزلت عليه، لكنك لعنت رجل ليس أهلاً للعن تعود عليك أنت اللعن. رواه أبو داوود.

وقد عقب النبي صلى الله عليه وسلم التي لعنت ناقتها بأن سببها إياها، فقال عمران بن حصين وأبو برزة والحديث لعمران: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك من الناقة، الظاهر الناقة كانت بطيئة فهذه المرأة لعنت ناقتها، فالنبي صلى الله عليه وسلم منعها أن تركبها قال: خلاص مش أنت لعنتيها لا تركبيها. فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة». لذلك بعض الناس لم يركب سيارته سياره يلعن سيارته هذه السيره لا تركبها، إذا لعنت سيارتك لا تركبها كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لعن ناقته حرمها من هذه الناقة كذلك أنت بالقياس عليها إذا لعنت سيارتك العجال بنشرت الا جرت، هذا الأصل أن لا تركبها لأنها مطرودة من رحمة الله.

نعم قال عمران: فكاني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد مسلم.

وعن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن يحيى بن النضر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم». أي سبّه وشتمه ولعنه، فبذلك ذكره هنا جعله من الربا، المعروف أن الربا في المال لكن هذا ربا في الأعراض، هذا ربا في ماذا؟ في الأعراض، فجعله كربا الأموال في الكبائر.

قال رحمه الله: الكبيرة الأربعون: الغادر بأميره وغير ذلك. قال الله تعالى: الغادر بأميره أو بصديقه أو بأي شيء الغادر في أي أمر. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: 91]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقاً حقاً: من إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». متفق عليه.

وقال: «لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه يقال: هذه غدرة فلان». دبره يرفع له راية جهة دبره، نعم يقال هذه غدرة فلان. ألا ولا غادر أعظم، وأعظم غدراً من أمير عامة، من أعظم الناس غدراً أمير العامة يعني الأمير أو السلطان أو الحاكم إذا غدر برعيته هذا من أعظم الغدر. رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل عاهد بالله ثم غدر» -أعطى بي يعني عاهد بالله ثم غدر بعد ذلك- «ورجل باع حراً فأكل ثمنه» -ورجل باع حراً الأصل لا يجوز بيع الإنسان الحر وإنما الذي يباع العبيد فإذا بعته حراً على أنه عبد وأكلت ثمنه فأنت خائن- «ورجل استأجر أجيراً فسوف منه ولم يعطه أجره» حرم الأجير من أجرته، وهذه كلها كبائر.

فقال صلى الله عليه وسلم: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

مات ميتة جاهلية رواه مسلم. خلع اليد من الطاعة هو غدر، لذلك ذكر الحديث هنا أن تكون بايعت إماماً ثم خلعت اليد من طاعته، فهذا شكل من أشكال الغدر. فقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتاته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إاماً فأعطاه صفقة».

الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، يعني يفعل مع الناس كما يحب أن الناس يعاملوه، هذه من أخلاق أهل الإيمان. قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر». يعني إذا جاء، إذا كان هناك حاكم والحكم له، فخرج رجل آخر ينازع حاكماً في حكمه، يقتل الثاني حفاظاً على الأمن والاستتباب.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئاً فليصبر، فانه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية» متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». وهذا صحيح من وجوه عدة صحاح. وأي جرم أعظم من أن تبايع رجلاً ثم تنزع يدك من طاعته وتنکث الصفقة وتقاتله بسيفك أو تخذله حتى يقتل؟ وقال صلى الله عليه وسلم: «من حمل علينا السلاح فليس منا» صحيح.

قال رحمه الله: الكبيرة الحادية والأربعون: تصديق الكاهن والمنجم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. والكاهن والمنجم هو يقفو ما ليس له به علم، ويخوض في الغيب رجماً بالغيب. وقال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12] والكهانة هي ظن كاذب.

وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26-27]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» إسناده صحيح. رواه عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «صبيحة ليلة مطيرة يقول الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا». مطرنا بنوء كذا، أي من جعل المطر بسبب النجوم هي المؤثرة بنفسها، فهذا كافر بالله مؤمن بالكوكب. فالذي يؤثر في هذا الكون هو الله، والباقي أسباب كما قلنا، فمن جعل السبب هو المؤثر بذاته فقد كفر بالله.

قال: «فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب» رواه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً» رواه مسلم. وقال: «من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر» أبو داود بسند صحيح.

قال رحمه الله: الكبيرة الثانية والأربعون: نشوز المرأة، وهو خروج المرأة عن طاعة زوجها. وهذا للأسف ابتلي به أيضاً كثير من النساء المتدينات اليوم، أنها تعصي زوجها في كثير من الأمور وتعتبر أن هذا من حقها ومن استقلاليتها، وتكون تأثرت بشيء من الخطابات النسوية أو الفكرية اليوم. فهذه ينتبه له النساء المحافظات أنه قد تكون المرأة من أهل النقاب والجلباب وطالبة للعلم وتكون واقعة في كبيرة لأنها مخالفة لزوجها خارجة عن طاعته التي أمرها الله بها.

إذا هذا الزوج لا يعجبك يطلب الخلاق تمام، لكن أن ترفض الانصياع لأوامره وتعانديه وتحاديه بحجه أنه ليس جيدا فهذا ليس من حقك. الله عز وجل جعل لك حظا في الخلع إذا كان الرجل ليس حسن العشرة، لكن إذا كان هذا الرجل حسن العشرة وأي الرجال المهذب وفيه شيء من السلوكيات الخاطئة، فليس للمراه أن تحاده أو تعانده أو أن ترفع صوتها عليه أو ما شابه ذلك، ومن فعل ذلك وقعت في كبيرة من الكبائر. فلتتق الله المرأة المسلمة في هذه القضية فإنها من الكبائر.

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 34]. فجعل الغاية الإطاعة، قال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، إذا مفهوم المخالفة في حال عدم الطاعة هي ناشز. أنه جعل الغاية فإن أطاعنكم، فإذا في حال عدم الطاعة هي ما زالت ناشز، وعليها من الله اللعنة التي ستأتي في الأحاديث.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» متفق عليه. وفي لفظ في الصحيحين: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة». وفي لفظ قال: «والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبي عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها». الذي في السماء هو الله، ومر معنا هذا المصطلح، «من في السماء» كما مر معنا في العقيدة، يفهم كما فهمناه سابقاً.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» رواه البخاري. يجوز أن تسمح لصديقتها أو حتى لأهلها أن يدخلوا إلا باذن الزوج، وإذا خالف ذلك فقد وقعت في كبيرة. وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» صححه الترمذي.

وقالت أميمة بنت محسن، وذكرت زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم، زوجها يعني ذكرت فيه شيئاً من العيوب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال صلى الله عليه وسلم: «فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك». شوف الحديث هذا ما أعظم! قال: «زوجك جنتك أو نارك»، إذا أطعت الله فيه وخفت الله في حقوق الزوج فهذه جنة، وإذا عصيتيه وخالفت أمر الزوج وتجاوزت حدود الله في الزوج فهو نار ستذهبين إليها. فهذا الحديث اختصر على المرأة المسافة، فهو جنتك أو نارك، أنت طريقة تعاملك مع الزوج تجعلك من أهل الجنة أو من أهل النار.

بالطبع هذا ليس أن بعض النساء لم يسمعوا هذا الخطاب يقول لك طب يا شيخ لماذا لا تقول للزوج يحسن العشرة؟ هذا خطاب في مكانه، لكن هنا نحن في معالجة خطأ معين. لكن الزوج مطلوب منه أن يححسن عشرتها وحسن معاملتها، هذا معلوم في مساقات أخرى.

أروى رحمه الله النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه». يعني المرأة تعرف أنها لا غنى لها عن زوجها ومع ذلك كلما أتى بمعروف لا تقول الله يعطيك العافية، والله خاصة لما يروح من الدوام والأمور هذه بعض النساء لا تعرف شيئاً من هذا المعروف، ولا تقل جزاك الله خير يعطيك العافية. لا، هي أهمها أن تأكل وتشرب وإذا أخطأ الرجل في شيء لابد أن تعيبه وتنزع في ساحته، فهذه قال: «لا ينظر الله إليها». ففي بعض الأمور يجب على المرأة المسلمة أن تفهمها وتعرف ما الذي قالته الشريعه في هذا الباب.

قال رحمه الله: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرجت من بيت زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع أو تتوب». خرجت بدون إذن زوجها لعنتها الملائكة. وفي الباب أحاديث كثيرة.

قال رحمه الله: الكبيرة الثالثة والأربعون: قاطع الرحم. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]. أنه قديما كانوا يتساءلون بالأرحام فيقول: بالرحم الذي بيني وبينك تفعل كذا. وهذا ليس حلفاً وإنما هو سؤال بحق الرحم. وقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع». وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة. قال: نعم، ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى» متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يبسط له في رزقه ونسأله في أثره فليصل رحمه». نسأله في أثره، أي أن يطيل الله عمره. نسأ أن يؤخر له في أثره أن يطيل الله عمره. متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». وفي لفظ يقول الله: «وصلته، ومن قطعها بتته».

فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25]. والرحم مما أمر الله أن يوصل، وما أمر الله به أن يوصل ومنها يعني الرحم يدخل تحت هذه الجمله.

وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها اسما من اسمي». رحم مأخوذ من الرحمن لذلك سميت رحماً، هي مشتقة من ماذا؟ من الرحمة ومن الرحمن، فهي من الله سبحانه وتعالى. فينبغي لطالب العلم أن يحترز، لا يكون بينه وبين أقاربه قطيعة أو أعمامه وأخواله قطيعة، بل يتقي الله سبحانه وتعالى في هذا حتى لا يكون واقعاً في كبيرة من الكبائر وهو يظن نفسه على خير. «من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته».

فنقول من قطع رحمه الفقراء وهو غني فهو مراد ولابد، وكذا من قطعهم بالجفاء والإهمال والحمق. قال: من قطع رحمه الفقراء وهو غني بالصلة، إذا عندك أقارب فقراء وأنت غني يجب أن تصلهم بالمال وليس فقط بالزيارة تمام. فلذلك قال من قطع رحمه الفقراء بأنه لم يعطيهم المال فهو قاطع للرحم، لذلك قال: فهو مراد ولابد بالحديث السابق، من قطعته قطعته أو من قطعها قطعته. وكذا من قطعهم بالجفاء والإهمال. فصلة الرحم إذا كانوا فقراء أن تعطيهم من المال، وإذا كانوا أغنياء ببشاشة الوجه وحسن التعامل والاطمئنان عليهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام». صلوا أرحامكم والحد الأدنى كما قال بعض أهل العلم بالسلام، ما هو الحد الأدنى الذي إذا نزلت عنه تعتبر قاطعاً؟ أنك لا تسلم علي. بالتالي لو أنا بالهاتف كل فترة تكلمت مع أقاربي السلام عليكم. هو ماذا؟ أن تقرأه السلام وتطمئن على حاله.

قال رحمه الله: الكبيرة الرابعة والأربعون: المصور في الثياب والحيطان ونحو ذلك. المصور الذي يرسم صور ذوات الارواح. والمراد برسم الصورة أن ترسم الصورة كاملة. قال ابن قدامة المقدسي: إذا رسم من الصورة وقطع منها ما لا تبقى معه الحياة فلا أشكال في ذلك. من رسم الرأس ولم يرسم الجسد لا أشكال، من رسم الرأس وحذف الأنف والفم لا أشكال، من رسم رأساً مفصولاً عن جسد لا إشكال في ذلك.

الإشكال بالتحديد هو أن ترسم الصورة كاملة أو تحذف منها شيئاً يمكن بقاء الحياة عند عدمه. أما إذا رسمت من أدوات الأحياء ما لا تبقى معه الحياة عند حذفه فهذا لا أشكال فيه. المهم جداً ضبط هذا الباب لكثرة الخلط واللبس فيه عند طلاب العلم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صور صورة كلفت أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ». والصور قد تكون تمثالاً، قد تكون رسم يدوي، قد تكون رسم إلكتروني، كل هذا يدخل تحت التصوير المنهي عنه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيو ما خلقتم» متفق عليه. وقالت عائشة رضي الله عنها: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فهتكه وتلون وجهه. مثل برداي، القرام تقريباً هي سوق بروداي، قال فيها تماثيل أي فيها صور ذوات أرواح جمال وخيول وكذا، قديماً هكذا كانوا يرسمون على الستورات أرواح لا تجوز. قالت: فهتكه وتلون وجهه، وقال: «أشد الناس عذابة يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله». يضاهون خلق الله أن يحاولوا أن يصنعوا ذوات أرواح كخلق الله سبحانه وتعالى. متفق عليه.

قال رحمه الله: السهوة كالمجلس والصفة في البيت، والقرام الستر الرقيق. وفي السنن بإسناد جيد: «يخرج عنق من النار فيقول: إنّي وكلت بكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين». يعني يخرج لهيب من نار بإرادة الله يذهب يأخذ هؤلاء الثلاثة ويعود بهم إلى جهنم والعياذ بالله. صححه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: «الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يققال لهم: أحيو ما خلقتم» متفق عليه. وقال ابن عباس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس فيعذبه». فيعذبه في جهنم. رسمة ترسمها من ذوات الأرواح كأنها روح جديدة لك ستعذب بها في جهنم، كل صورة ترسمها هي نفس من الأنفاس ستعذب بها.

وقال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلق حبة، أو ليخلق شعيرة، أو ليخلق ذرة». دعونا ننظر هل يستطيع أن يخلق حبة أو شعيرة أو ذرة؟ دعونا ننظر في هؤلاء الذين يتحدثون اليوم.

الكبيرة الخامسة والأربعون النمام. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: 10]، والذي ينقل الكذب بين الناس، فلان حكى عنك كذا وكذب، وفلان حكى عنك كذا للتحريش بين الناس. وقال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» متفق عليه.

ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» متفق عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تجد من شرار الناس ذا الوجهين، هو الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه». وفي لفظ: «تجد شرار الناس ذو الوجهين» وهو متفق عليه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يمدحك في وجهك وإذا ذهب إلى غيرك ذمك وانتقصك وذكر عيوبك»، كان شكلاً من أشكال النميمة أيضاً.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، أن لا يستعيب أحد في مجلسه أو يعيبه عليه الصلاه والسلام، رواه أبو داود وغيره. وعن كعب قال: اتقوا النميمة فإن صاحبها لا يستريح من عذاب القبر، صلى الله العفو.

وروى منصور عن مجاهد: حمالة الحطب، قالت: كانت تمشي بالنميمة، هذا من التفاسير التي قيلت في سورة المسد، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4]، البعض فسرها أنها تمشي بالنميمة، وعن النميمة بأنها تحمد الحطب؛ ليه؟ لأنه النميمة توقد بين الناس المعارك فكانها توقد اللهيب من خلال نميمتها، فقيل أن هذا معنى حمالة الحطب.

الكبيرة السادسة والأربعون النياحة واللطم، قال النبي صلى الله عليه وسلم يكثر في النساء عند فراق الأحبة، فلتنتبه المرأة والرجل عموماً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثنتان هما بالناس كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت» رواه مسلم. وفي الحديث الصحيح، البكاء وإنما هي الصراخ مع اللطم وما شابه ذلك، أما مجرد البكاء فهذا شيء طبيعي لا حرج. وفي الحديث الصحيح لمسلم أن النائحة إذا لم تتب، البس درعاً من جرب وسربالاً من قطران يوم القيامة، من قطران أي من نحاس مذاب يوم القيامة والعياذ بالله.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهليه»، ليس على طريقة أهل الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه». وبرئ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالقة والحالقة والشاقة، اتفق على الأحاديث الثلاثة.

قال رحمه الله الكبيرة السابعة والأربعون من هي الصالقة؟ التي تصرخ عند المصيبة هاي تسمى صالقة. والحالقة هي التي تفتت شعرها في المصيبة، بتشد شعرها حتى يخرج من مكانه. والشاقة هي التي تشق جيبها عند المصائب، الجيب في هذه المنطقة.

قال رحمه الله الكبيرة السابعة والأربعون الطعن في الأنساب، قد صح أن ذلك كفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثنتان هما بالناس كفر»، الطعن في النسب والنياحة على الميت. أي كفر أصغر، أي من خصال الكفار، وليس المراد أن الذي طعن في نسب شخص كفر وخرج من الملة، إنما المراد أنه كفر أصغر، ومر معنا هذا في تعليقنا على الأعلام المنشورة.

قال رحمه الله الكبيرة الثامنة والأربعون البغي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد» رواه مسلم.

وفي بعض الآثار: لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكّاً، لو أن جبلاً اعتدى على جبل لجعل الله الباغي منهما دكّاً، فما بالك بإنسان يبغي على انسان وما شابه ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: «من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر الله له في الآخرة من البغي وقطيعه الرحم».

وقال ابن عون عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: قال مالك الرهاوي: يا رسول الله قد أُعطيت من الجمال ما ترى، وما أحب أن أحدا يفوقني بشراكي، أنا لا أحب أنه أحد يكون متميز حتى بنعله أو شراك معي وهو رباط الحذاء يعني خلص هو يحب أن يكون متميز في لباسه. قال: أفذاك من البغي؟ قال: ليس هذا يعتبر من صور البغي، قال: لا، إذا رميول شخصي يحب التميز في ملابسه قال ليس ذلك من البغي، ولكن البغي بطل الحق، أو قال: سفه الحق، سفه الحق وغمط الناس قوي. ما معنى سفه الحق؟ أي رده، قلنا البارحه رد الحق وعدم قبوله، وغمط الناس أي احتقار الناس، هذا هو البغي المنهي عنه.

وقد خسف الله بققارون لبغيه وعقوبته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمَتْها وسقَتْها إذ حبستها، ولا هي تركتْها تأكل من خشاش الأرض» متفق عليها. بيان أن البغي حتى على الحيوانات كبيرة يعني احذر أن تبغي على هرة، احذر أن تبغي على حصان، على ناقة، على نمل، حتى هاي الحشرات لا يجوز البغي عليها، لذلك ذكر الحديث هنا امرأة عذبت في هرة، فالبغي ليس فقط بالانسان أو على الانسان، والخشاش والحشرات.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً، ما بيصير قضى دجاجة أو عصفور وتلهو بالطخ عليه فقط من أجل العبث، هذا معنى اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً فقط يلعب يضع عصفور ويصير يطخطخ عليه ويموت ولا يأكله، إذا اردت تأكل ما في مشكله في الصيد، لكن فقط من أجل أن تلعب تضع حيوان من الحيوانات وتضرب أو ترمي عليه فهذا ملعون صاحبه، وصور من صور البغي يعني.

قال رحمه الله وقال أبو مسعود: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول: «إن الله أقدر عليك منك عليه»، يعني انتبه لا تضرب غلامك ضرباً غير شرعي، الله أقدر عليك منك على غلامك. فقلت: لا أضرب لي مملوكاً بعدها. وفي لفظ: فسقط السوط من يده من هيبته، وفي رواية السوط خوفاً من هذه الجمله يعني جمله فعلا مرعبه. فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله. فقال: «أما انك لو لم تفعل لفحتك النار» اخرجه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «من ضرب غلاماً له حداً لم ياته أو لطمه، فان كفارته أن يعتقه» رواه مسلم، حد الزنا وهو لم يزني وإنما خلص اتهمه وحده، هذا يوم القيامة يقام عليه الحد يوم القيامة ولكن إذا أراد أن يكفر عن هذه الخطية فليعتقه مباشرة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» رواه مسلم، الناس في الدنيا بالسجون وما شابه ذلك، هؤلاء يعذبهم الله يوم القيامة. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمار قد وُسِم في وجهه يعني وضعت علامة وهذا قديماً كان يقوم بالنار وهذا لا يجوز فيه أذية للحيوان أن تسمه في وجهه بالنار، فقال: «لعن الله من وسمه».

وقال صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفساً معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام». فحتى المعاهد والذمي والمستأمن من الكفرة لا يجوز البغي عليهم وسفك دمائهم، هذا من البغي المحرم.

قال رحمه الله ونقرا ما بقي في المجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.