دخولتسجيل الدخول

المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

حياكم الله آل غراس، حياكم الله طلبة العلم في ملتقى جديد، وفي عام جديد، في مدارج العلم في موسمها الثالث لعام ألف وأربعمائة وخمس وأربعين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. يتجدد بنا اللقاء في هذا الزحام وعند ثني الركب في مكان يحبه الله سبحانه وتعالى؛ في مجالس العلم حيث يصنع الرجال، وحيث تصنع العقول والأفكار، وحيث نصنع للأمة شباباً يحملون هم الدين ويرفعون لواءه، شباباً صحوا عَقدهم وأعلنوا العهد مع ربهم سبحانه وتعالى على الرغم من كثرة المفسدات والفتن التي تحيط بهم. إننا هنا لا نقيل ولا نستقيل، إننا هنا نحب ربنا سبحانه وتعالى ونحب شرعته ونحب الانتماء لهذه الأمة المباركة؛ أمة اقرأ باسم ربك الذي خلق، أمة العلم، أمة الهدى والنور، أمة ترتبط بوحيها وتعتز بمنهج نبيها صلى الله عليه وسلم.

حياكم الله أيها الرجال أبناء الرجال، وحيا الله النساء الكريمات طالبات العلم، حي الله كل من زاحم وكل من دافع وكل من أتى وتحمل عناء الطريق وحره، وكل من يتحمل معنا إلى نهاية هذه مجالس زحام هذه الأيام المباركة. مدارج العلم أيها الكرام، تلك الأيام العشر التي تعاهدنا على أن نحياها بإذن الله ما دام هذا العهد باقياً وما دامت هذه العروق تنبض بالحياة، وما دام هذا العلم قائماً في بلادنا المباركة؛ فنحن نجدد العهد في هذه المجالس: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. استحضر وأنت في خضم هذا الزحام وفي خضم هذا التعب، نعم يمكن أن تفصل كثير من المكيفات ويمكن أن يشتد زحامنا علينا بهذا العدد الطيب المبارك مع هذه الوجوه المتوضئة، لكننا لا نمل، ومن أارد جنة عرضها السماوات والأرض فعليه أن يبذل.

ومن أراد العلم النافع فعليه أن يتذكر مآثر الأوائل، حيث كان مالك بن أنس يجلس في حر الظهيرة أمام بيت شيخه إلى أن يأتي الظهر لا يطرق بابه استحيَاء حتى يخرج الشيخ ليعلمه وهو في حر المدينة النبوية. هكذا تعلمنا من مشايخنا وعلمائنا، وهكذا تعلمنا من الراسخين في العلم من الجيل الأول رضوان الله تعالى عليهم؛ التعب والنصب، لكن الراحة التي تاتي بعدها ولذة العلم والمعرفة لذة لا يعادلها شيء تهون أمامها كل هذه الساعات وكل هذه الأتعاب التي تبذلونها في حر المصيف. نعم أيها الكرام، مدارج العلم ملتقى لكل محب للعلم، ولكل من يريد أن يجدد عهده مع الله سبحانه وتعالى أنه سيبقى يطلب من العلم ما مكنه الله.

مدارج العلم ليست خاصة فقط المتخصصين في العلوم الشرعية، مدارج العلم لكل طبيب ومهندس ومزارع ونجار وحداد، لكل أب وأم، ولكل صغير وكبير، ولكل ذكر وأنثى. في هذه الدوره المباركة نمر على كليات العلوم الشرعية نصحح العقد ونتعلم من الفقه ما يتيسر، نمر في أفياء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وننهل من الأصول والحديث والفقه ومكارم الأخلاق ما يمكن أن ينهل. عشرة أيام قليلة لكنها بإذن الله عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، فإن العبادة في زمن الفتنة كبيرة عند الله.

وأنتم في زمن الفتن، فالعبادة وطلب العلم والاصرار على التمسك بهذا الطريق هذا أجره أجر خمسين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابه: أجر خمسين من الصحابة. فقالوا: لما يا رسول الله؟ فقال: إنكم تجدون أعواناً على الخير وهم لا يجدون. نعم أيها الكرام، كثير من الشباب والفتيات في هذا الزمن يضيعون أمام موجات الإلحاد والاعلام والشهوات والشبهات، أمام السوشيال ميديا والمجالس الفارغة، الشبهات كثيرة والشهوات أخاذة، وبريق العلم خفت وكادت معالمه أن تدرس لولا هذه الوجوه المتوضئة التي ما زالت تصر أن هناك طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي وعد الله سبحانه وتعالى.

ايها الكرام، نعم نقيم مدارج العلم في هذا العام وعيننا على إخواننا في غزة قائمة، وعيننا على إخواننا في السودان قائمة. نعم أيها الكرام الجرح كبير والأمة مكلومة بكثير من الشهداء ممن قدموا أرواحهم نحسبهم والله حسيبهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم ضعفنا وعجزنا. نعم ايها الكرام نحن نجتمع هنا في هذا المكان الطيب المبارك، وهناك من يتحمل حر المصيف على أرض غزة العزة يقاتلون، ليس دفاعاً عن أرض معينة وإنما دفاعاً عن عقيدة وعن أمة سلبت كثيراً من كرامتها وما زال أبطال غزة يسطرون الملاحم ويسطرون العقائد؛ هنا نحن ننظر وهناك التطبيق، هنا نحن نتكلم وهناك العمل.

أيضاً إخواننا في أرض السودان الطيبة المباركة الذين يسامون سوء العذاب تحت تكتيم إعلامي شديد لا يعلم بحالهم إلا الله سبحانه وتعالى؛ أعيننا ترمقهم بالدعاء، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا المجلس بركته وخيره يا رب نصرة لهم وإعانة على تفريج كرباتهم. فاللهم يا رب ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين.

طيب، طبعا إخواننا عبر البث المباشر نعتذر قد يكون هناك مشكلة في الكهرباء داخل المجمع، يعني تعذرونا إن شاء الله إلى أن يتم حلها. طيب، حتى لا نطيل أيها الكرام ولنبدأ جلستنا الأولى بإذن الله، هذه الدورة فيها أحد عشر مصنفا وأضفنا أخاً لهم، هذا الأخ دائما نتركه إذا كان في الدورة سعة لذلك، لا نعلن عنه وإنما نعلن عما بإذن الله نسعى إلى أن يختم خلال هذه المجالس، وقد تم وضع الجدول الذي سيتم التدريس بناء عليه. الكتاب الذي بين أيديكم ايها الكرام رتب بحسب العلوم ولم يرتب بحسب العطاء، رتب بحسب العلوم فبدأنا بالعقيدة ثم بالفقه وأصوله ثم بالتفسير.

ولذلك ما سنبدا به الآن وهي منظومة أبي إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى عليه ستجدونها المتن قبل الاخير في هذا الكتاب. فالإخوة في هذه المرة أحبوا أن يكون تعظيماً لعقيدة الله سبحانه وتعالى أن تكون العقيدة في بداية الكتاب ثم الفقه ثم التفسير، فالكتاب بين أيديكم إذاً رتب بحسب العلوم. ونبدا مستعينين بالله بالكتاب الذي ستجدونه، الكتاب الحادي عشر تائية أبي إسحاق الألبيري؛ لأن عادتنا في مدارج العلم أننا نبدأ الدورات بذكر شيء مما يحث على طلب العلم، ويحفز طالب العلم في مجلسه الأول على المداومة إلى نهاية المجلس.

فعندنا المنظومة الأولى؛ منظومة الإمام الفقيه الزاهد الأديب المرابط الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الألبيري الغرناطي رحمه الله تعالى عليه. هذا الإمام كان فقيهاً مالكياً، وكان أديباً بارعاً، وكان وقافاً عند حدود الله سبحانه وتعالى حامياً لحمى الشريعة لمن يقرأ في سيرته، وقد ترجم لها ابن الأبار ومجموعة من المؤرخين صنفوا في ترجمة هذا الفقيه البارع الأديب. وإن كان هذا الرجل لم يعطى حقيقه حقه في التراث، حتى إنك تتعجب أن ديوانه في الشعر -لأنه عرف بشعره اللطيف- ديوانه في الشعر حققه مؤرخ إسباني ليس مسلما، هو الذي أخرج تراثه فيما يتعلق بالشعر ثم بعد ذلك بدأ يتداول.

أبو إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى كتب هذه التائية أيها الكرام وصية لطلبة العلم عموماً ولأبي بكر خصوصاً: أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلته. من هو أبو بكر؟ هل هو ابنه أو ابن أخته أو طالب علم أراد أن يوجهه؟ الله أعلم، لا يهمنا الشخص وإنما يهمنا النصح. هذه المنظومة أيها الكرام كان المشايخ والعلماء منذ انتشارها يحرصون على أن يحفظوها لطلبتهم منذ انشغالهم بطلب العلم؛ لما فيها من المعاني الشريفة التي تحفز أصحاب النفوس الشريفة على الاهتمام بتلقي العلم وتحصيله، وسيظهر لكم قيمتها وجمالها ورونقها عندما نباشر بإذن الله في قراءتها ومدارستها.

أبو إسحاق الألبيري عليه رحمه الله توفاه الله عام أربعين وستمائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو من علماء القرن الخامس الهجري، وتخيل هذه المنظومة أكثر من عشرة قرون، يعني بيننا وبينه عشرة قرون، وما زالت هذه المنظومة تدرس وتعلم وتقرا، ودائماً النظم إذا انتشر واحتفى به العلماء فاعلم أن في صاحبه شيئاً من الإخلاص كما نحسبهم والله حسيبهم، وأنه كتبها بمداد القلب قبل أن يكتبها بمداد اليد، ولذلك نحسبه والله حسيبه كتب له القبول في منظومته، فنتشرف بقراءتها وننهل من معينها ونسأل الله أن ينفعنا بها.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونج المستضعفين من المؤمنين. قال الإمام أبو إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى:

تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا

يقول الألبيري رحمه الله عليه: تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا. بدأ بتذكير الإنسان أنه بنيان يهدم، بدأ بتذكيرك أنك أيها الإنسان إنما أنت بنيان يهدم، وكما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى عليه: أيها الإنسان إنما أنت أيام، أنا واياكم ما نحن أيها الكرام؟ نحن ساعات تمضي، إذا ذهب جزء من هذه الأيام ذهب بعضك، وقليل من ينتبه لمرور الساعات أيها الكرام، قليل من وفقه الله سبحانه وتعالى فيعرف شرف الزمان، ويعرف شرف الأوقات التي إذا ذهبت لن تعود، وأن اليوم الذي تغرب شمسه إذا غربت فقد ذهب إلى الله سبحانه وتعالى شاهداً لك أو شاهداً عليك. قليل هم الذين ينتبهون أن اليوم الذي يمضي بدون زيادة في العلم وبدون تقرب من الله، يوم غبنت فيه وخدعت فيه.

فأراد أن ينبه ابتداءً لماذا يحرص الإنسان على طلب العلم وحضور مجالسه وتحمل الزمان والمكان؟ إنما هو استغلال لشرف الزمان. أيها الإنسان كما قال الألبيري: تفت فؤادك. ما معنى تفت؟ تفت يعني تكسر، فالشيء الذي يكسر يسمى هذا شيء يفتك، أنت تفت الخبز إيش تفته؟ تكسره. وكما قال امرؤ القيس في معلقته وهو يصف بيضة الخدر:

وتضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

فتيت المسك يعني المسك المكسر، وأبو القيس يصف بيضة الخدر أنها منعمة. إذاً: تفت فؤادك الأيام فتا تكسرك الأيام، مرور الساعات وعقارب الساعة هو يكسر هذا البنيان القائم، اليوم أنت بعمر العين، غداً بومضة عين ستجد نفسك على عمر الستين وبعدها بأيام إذا أنت داخل القبر. انتبه ايها الإنسان على مرور الزمان: تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا. جعلك كالصخرة التي تنحت أيضاً، وتنحت جسمك الساعات نحتا، كأن هذا الجسم صخرة وهذه صخرة عم تنحت من خلال مرور الساعات وعقارب الساعة؛ مرور الساعات ينحت من أجسامنا وتنحت جسمك الساعات نحتا. إذاً البيت الأول هو تنبيه على مرور الزمان.

طيب كيف استغل الزمان؟ كيف استغل هذه الفرصة الفريدة الوحيدة التي منحني الله اياها؟ أستغلها بما يقرب من الله وبما يوصل إليه فقال:

وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاحِ أنت أريد أنت

وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاحِ أنت أريد أنت. ما هي المنون أيها الكرام؟ المنون يطلق على الموت، ويطلق على الدهر أيضاً، كما جاء في عينية أبي ذؤيب:

أمن المنون وريبها تتفجع والدهر ليس بمفزع من يفجع

فالمنون ما هو أيها الكرام؟ المنون هنا في هذا السياق الموت، وتدعوك المنون دعاء صدق، يعني الموت كأنه يطاردك في كل مكان، يبحث عنك يريد أن يلاقيك، لذلك قال: دعاء صدق، يعني دعاء صادقاً جاداً. المنون والموت لا يرحم أحداً، هل يوجد إنسان لا يموت؟ إنك ميت وإنهم ميتون. فمن كان يعرف أن الموت يطلبه بصدق، هل له أن ينام؟ هل له أن يغفل؟ هل له أن يشتغل بالدنيا ويشتغل بالشهوات والملذات عما يوصله إلى الله سبحانه وتعالى؟ من عرف أن الموت يدعوه دعاء جاداً صادقاً، لا يتوانى الموت عن البحث عنك ومحاولة الوصول إليك، وأنت تعلم أنه سيصل إليك في يوم ما.

إذاً انتبه، استغل الأوقات قبل أن يفاجئك الموت: ألا يا صاحِ أنت أريد أنت. صاحِ هذا ترخيم لكلمه صاحبي، وهذه الكلمة الوحيدة التي ترخمتها العرب وهي مضافة؛ لأن العرب لا ترخم المضاف، فالترخيم هو التدليع بلغتنا، ترخيماً نحذف آخر المنادى كيسعى في منادى سعاد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة ماذا كانوا ينادونها؟ يا عائش. هذا ترخيم، يعني سمي احنا في اللغة العامية تدليع، فيا صاحبي العرب ترخمها فتقول يا صاحِ كأنها نوع يعني دلع هكذا، لكنها على خلاف القاعدة: ألا يا صاحِ، يعني ألا يا صاحبي، أنت أريد أنت، المنون يقول لك: أنت دون غيرك، نعم أبحتث عنك، لا تظن أنني أبحتث عن غيرك، فكل منا مخاطب بهذا.

أراك تحب عرساً ذات خدر أبت طلاقها الأكياس بتّ

أراك تحب عرساً ذات غدر، نعم هو قرأ الرواية الأخرى التي يحفظها، تمام هذه فيها روايتان: أراك تحب عرساً ذات غدر، وفي نسخة من نسخ الألبيري: أراك تحب عرساً ذات خدر، لكن هذه النسخة أفضل وهذه الرواية أعلى؛ لأن العرس هنا العرس هي العروس، لكن هنا لا يتكلم عن عروس من الإناث إنما العرس هنا الدنيا كناية بها عن ماذا؟ أو استعار لها الدنيا أو استعارها للدنيا. فيقول يا بني يا طالب العلم: أراك تحب عرساً، هذه الدنيا كالعروس، لماذا هي كالعروس؟ لأنها تتجمل لك بشهواتها وملذاتها، أراك تحب عرساً، لكن هل هذه العرس صادقة؟ هذه العرس غداره ذات غدر، هي تغدر بك، تتزين لتلقفك، لتأخذك بعيداً عن المقصد الذي خلقت من أجله: أراك تحب عرساً ذات غدر أبت طلاقها الأكياس بتّ. أبت الطلاق يعني قطعه، والطلاق البات هو الطلاق بالثلاث، هذا يسمى بت الطلاق، ما معنى بت فلان؟

الطلاق يعني قطع علاقته بزوجته تماماً. متى تقطع علاقتك بزوجتك تماماً؟ بالطلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة؟ الثالثة، فهذا معنى أبت طلاقها، يعني حسم وقطع طلاقها. والأكياس، والأكياس جمع كيس، مش جمع كيس يا مشايخ، جمع ماذا؟ كيس. والكيس هو الذكي الفطن. فيقول: الأكياس، الأذكياء تفطنوا للدنيا ولهذه العروس الغدارة فطلقوها بالثلاث. الأذكياء الذين انتبهوا لشرف الزمان وانتبهوا أن الدنيا تسحر بشكلها وهيئتها وشهواتها، تفطنوا قبل أن يلدغوا، فحكموا فحسموا علاقتهم بالدنيا فطلقوها بالثلاث. نعم.

تنام الدهر ويحك في غطيط بها حتى إذا مت انتبهت.

هذا حال أكثر الناس، هم في غفلة في هذه الدنيا. تنام الدهر ويحك في غطيط، والغطيط هو الصوت الذي يخرج أثناء النوم. فيقول: أنت لست نائماً فقط في الدنيا، بل أنت مستغرق، أغرق في النوم. تنام في غطي بها، الباء بمعنى الفاء، بمعنى في عفواً، الباء حرف الجر هنا بمعنى في. يعني تنام الدهر ويحك في غطي بها، يعني فيها، في هذه الدنيا، حتى إذا مت انتبهت. وكان القديما ماذا يقولون؟ الناس موتى فإذا ماتوا انتبهوا. أغلب الناس هذا حالهم، موتى. انظروا إليهم في الملاهي، في المقاهي، أمام شاشات السوشيال ميديا والتلفاز، في المجالس الفارغة. الناس موتى، موتى العقول والقلوب. متى يستيقظون؟

فبصرك اليوم حديد لما تأتي سكرة الموت، فأنت أيها الذكي كن فطناً، استيقظ قبل أن تأتي هذه السكرة، استيقظ قبل فوات الأوان. تنام الدهر ويحك في غطي، يعني أنت نائم، بل تغط في نومك، نوم فيه صوت وشخيط. بها، أي فيها، حتى إذا مت انتبهت، أي حتى إذا ما جاءك الموت انتبهت وعرفت الحقيقة. تريد شيء؟ نعم. دقائق.

لا استنى شوي، إذا فصل القاطع إخواني من وقف، يعني يأتي وحده، إذا ما فصل نمشي. طيب الأخوة يريدون تركيب قاطع جديد فيقولون: وقف عشر دقائق، احنا بنقول: إذا فصل فصل، حتى لا نقطع الدرس، أكمل.

فكم ذا أنت مخدوع وحتى متى لا ترعوي عنها وحتى.

فكم ذا أنت مخدوع، فكم ذا اسم إشارة، وهنا وهناك أداة نداء محذوفة، التقدير فكم يا هذا أنت مخدوع. وحتى، حتى حرف جر بمعنى إلى. فكم يا هذا أنت مخدوع بمرور العمر وأنت في سباتك وغفلتك، وحتى متى، يعني إلى متى لا ترعوي، أي لا تكف عن غفلتك وتصا بيك وانشغالك بملذاتك وشهواتك؟ متى تستيقظ لتعيش حياة شريفة؟ متى تستيقظ لتكون رجلاً بحجم الأمة، وتستيقظ من تلبية شهواتك لتلبي نداء ربك سبحانه وتعالى؟ وقفت الأنفاس واللحظات لله رب العالمين، متى تتخذ هذا القرار؟ فيقول: فكم ذا، أي فكم يا هذا أنت مخدوع، وحتى متى، يعني إلى متى لا ترعوي، أي لا تكفوا عن هذه الغفلات والسكرات التي ضيعت بها شبابك وأنت اصبحت على درجات الكهولة. وحتى متى لا ترعوي عنها، عنها أي عن الدنيا. وحتى كرر حتى مرتين للتأكيد. نعم.

أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك إن عقلت.

أبا بكر هنا صرح بمن يخاطب والله أعلم، قيل هو ابنه وقيل ابن أخته وقيل غير ذلك، ولا يهمنا شخصه ولكن يهمنا المضمون. أبا بكر دعوتك لو أجبت، هذه التكنية فيها نوع من التلطف والترحم، يعني يا بني يا طالب العلم الناشئ في هذا الطريق، دعوتك لو أجبت، بعد أن خوفك من مرور الزمان وساعات العمر وأخبرك أن تحذر من هذه الدنيا الغدارة وأن الأكياس انتبهوا لمرور الزمان، شرع الآن فيما يريد أن تشغل به الزمان. يريدك أن تشغل الزمان بأشرف الأشياء، أشياء بطلب العلم النافع، فبدأ هنا في سياق الدعوة إلى طلب العلم. أبا بكر دعوتك لو أجبت، لو للتمني تمام وللحث، كأنه يحث، لو أجبت، يعني يا ريتك ترد علي، يا ليتك ترد علي. أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك، حظك يعني شرفك وعزك في الدنيا وفي الآخرة، لو عقلت، لو تفكر بشكل منطقي، ما هو هذا الشيء الذي فيه العز في الدنيا والآخرة؟

إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرت.

يريدك أن تطلب هذا العلم الشرعي النافع. قال إلى علم، المراد هنا علم الشريعة. إلى علم تكون به إماماً سيداً مطاعاً. قال إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرت. شوفوا هنا سيحثك على طلب العلم بذكر عزه في الدنيا وعزه في الآخرة، ولا أشكال، أشكال حقيقة أن يذكر عز طالب العلم في الدنيا، ولا أشكال أن يذكر عز العلم في الدنيا وإن كنت أنت لا يجوز أن تقصده ابتداءً، صحيح. يعني هل يجوز أن أطلب العلم والمقصد من طلبي للعلم أن أصبح إماماً مطاعاً؟ هل هذا هدفك من طلب العلم؟ لا، لكن العلماء يذكرون هذه الغايات لأنهم يدركون أن بعض طلبة العلم قد لا ينهضهم الكلام عن الثواب الأخروي، وإنما يحمسهم شيء من ذكر عز الدنيا بالعلم. فقالوا: نذكر له عز الدنيا وعز الآخرة، لكن انتبه أن المقصود ابتداءً هو عز الآخرة ومرضاة الله سبحانه وتعالى. إذا يدعوك الألبيري إلى علم إلهي شرعي تسود به أهل زمانك، تكون به إماماً. لذلك إذا قرأت سير العلماء تجد عجباً عجاباً والله في خدمة التلاميذ لعلمائهم، يسخنون لهم ماء الوضوء، تخيلوا كانوا يسخرون لاساتذتهم ماء الوضوء في البرد القارص، لاحترامهم وتبجيلهم ومعرفتهم بقدر مشايخهم. أي عز هذا؟ كما قال هارون الرشيد لمؤدب أولاده: من أعز أهل الدنيا؟ فقال له المؤدب: بالتأكيد أنت يا أيها الخليفة. قال: بل من يتنافس أولاد الخليفة في حمل حذائه؟ يقصد أنت أولادي يتنافسون في حمل حذائك. هذا هو العز الذي لو عرفه الأمراء والسلاطين لقاتلوكم عليه، عز لا ينال بالترهيب ولا بالتخويف ولا بالجلد ولا بالقهر، وإنما شيء يوقره الله في قلوب التلاميذ إجلالاً واحتراماً لمشايخهم وأساتذتهم. إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرت، فإذا نهيت انتهى الناس، وإذا أمرت ائتمر الناس. هذا هو العز الحقيقي، ينتهون عند قولك تشريفاً وتعظيماً لا خوفاً، وإذا أمرتهم يفعلون تشريفاً لا خوفاً. هذا هو العز الحقيقي أيها الكرام. نعم.

ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك السبيل إذا ضللت.

ويجلو، يعني يزيل ما بعينك من عشاها، النسخة التي عندكم غشاها، والاصل أن تكون بكسر الغين، ولكن هناك نسخة أجود عشاها، والعشاء ما هو ضعف البصر، ومنه لقب الشاعر الأعشى. ويجلو ما بعينك من عشاها، العلم تستفيد منه أيضاً ما زال يذكر فوائد التعلم للعلوم الشرعية، يزيل ضعف البصر، والمراد ليس الضعف الحسي وإنما المراد الضعف المعنوي، يريد أن العلم يرزقك البصيرة فتمشي في حياتك بثقة. طيب قال الناظم عليه رحمه الله تعالى: ويجلو ما بعينك من عشاها، ويهديك السبيل إذا ضللت. من فوائد العلم أيها الكرام، كما قلنا، إنه يورث الإنسان البصيرة فيجعلك واثقاً في خطواتك إلى الله سبحانه وتعالى. وقلنا العشا ما هو ضعف البصر، الأعشى هو ضعيف البصر، فمعنى يجلو ما بعينك أن يزيل ما بعينك من الضعف فتصبح ترى الطريق إلى الله واضحاً. قال: ويهديك السبيل إذا ضللت، وفي حال انك حت أصلاً عن السبيل وابتعدت وكنت مبتدعاً ضالاً صاحب شبهات، فتعلمك للعلوم الشرعية يعيدك إلى السكة إلى الصراط المستقيم. قال: ويهديك السبيل إلى الله في حال أنك ضللت وابتعدت عن هذا السبيل، فالعلم خير كله ولا يأتي إلا بخير بإذن الله. نعم.

قال رحمه الله وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا اغتربت.

إذا كنت في النادي، والنادي هو المكان الذي يجتمع فيه الناس للحديث، أنت يا طالب العلم بما رزقك الله من العلم والمعرفة والاطلاع إذا كنت تجلس في نادي أو في مجتمع أو في مجلس عام، كأنك بهذا العلم تحمل تاجاً على رأسك، يعرفك الناس بحسن الراي وسداد الكلام، والأعين تروقك والكل ينتظر كلمتك، لأن كلمتك حاسمة، كلمة طالب علم وليست كلمة تائهة حائرة لا تخرج من ثقاف جيد. إذاً وتحمل يحمل منه في ناديك، عرفنا ما هو النادي المكان الذي يجتمع الناس فيه للحديث، تحمل منه تاجاً، تاج الوقار والعلم والهيبة والحكمة. قال: ويكسوك الجمال إذا اغتربت. النادي هو المكان الذي يكون في بلدك، لكن من فوائد العلم أيضاً أنك إذا اغتربت عن بلدك، والغريب كما يقولون ضعيف، الإنسان إذا ذهب إلى بلد لا يعرف فيها أحداً يكون ضعيفاً هكذا، يخشى الحديث مع الناس، يخشى منطق طباعاتهم وردة فعلهم. وأما طالب العلم والعالم ففي أي مكان حل لا يخشى شيئاً، حتى لو جلس في مجلس وهو غريب أو سافر إلى بلد واقترب عن وطنه، يجد الجمال معه، والجمال هو العلم الذي أنت طلبته وتعبت في تحصيله. قال: ويكسوك الجمال إذا اغتربت وكنت بعيداً عن وطنك. نعم.

ينالك نفعه ما دمت حياً ويبقى ذخره لك إن ذهبت.

من فوائد العلم أيضاً أيها الكرام أنك تنتفع منه ما دمت على قيد الحياة. تنتفع منه أنك تعرف ما يقربك إلى الله وأنت على قيد الحياة. الأقوال التي تقربك إلى الله، الأفعال التي تقربك إلى الله. تنتفع به أنه يزيل عنك الشبهات ويقيك من الشهوات ويعرفك بالسير ويرزقك البصيرة. فأنت ما دمت على قيد الحياة العلم نافع لك، وإذا مت أيضاً يبقى ذخره لك. والذخر، ما هو الذخر أيها الكرام؟ هو الشيء الذي يخبئه الإنسان إلى وقت الحاجة. كل شيء تخبئه إلى وقت الحاجة يسمى ماذا؟ ذخراً. فيقول: ويبقى ذخره لك، أي ويبقى نفعه لك. النفع المدخر، النفع المدخر هو الذخر. ويبقى ذخره لك إن ذهبت. لماذا؟ كيف يبقى ذخره لك إن ذهبت؟ أنك إذا مت فعلمك الذي علمته للناس هو صدقة جارية. كل إنسان علمته الفاتحة، علمته التوحيد، علمته الفقه، علمته الأخلاق وهو يعمل به، كل هذه صدقة جارية لك ولو كنت تحت التراب. تخيلوا كل هذه العلوم التي ندرسها الآن، هذه المنظومة، ذخرها في ميزان أبي إسحاق الألبيري رحمه الله عليه. منظومة واحدة ربما كتبها بساعات معدودة، لكن نفعها بقي عشرات القرون. وكذلك كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعمالها الصالحة وخيرها في ميزان النبي عليه الصلاة والسلام، وكل عالم مع طلبته أعمالهم وكل ما علمه للناس في ميزانه. فهذا والله أجر عظيماً وخير عميم. ماذا تريد أفضل مجلس علم تعلم فيه الناس ثم تموت وترحل إلى الله فتجد الحسنات تعمل لك وأنت في قبرك؟ والله لو لم يكن للعلم إلا هذه المنقبة لكفى بها شرفاً أن ينافس في طلبه وتعلمه وتعليمه للناس، لأن أكثر الناس إذا ماتوا انقطعت أعمالهم، خلص، ما في شيء يغذي حسناتك. طيب أنا أريد شيء يغذي حسناتي بعد أن أموت، لا أريد ينتهي أثري وينتهي ميزاني، فأقول: عليك بالعلم فإن تعليم الناس الخير هو ميزان لا يقف أو عداد لا يقف إلى يوم القيامة. نعم.

هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من ضربت.

أيضاً من فوائد العلم أنه تستطيع المناظرة به وترد به على الشبهات وعلى أصحاب الأقوال الفاسدة والمعتقدات البدعية. فقال: هو العضب، أي العلم. العضب، العضب هو السيف القاطع. المهند، والعرب إذا أرادت أن تصف سيفاً بالجودة وصفته بأنه مهند. والمهند نسبة إلى الهند، لأن الحديد الهندي كان يصنع منه أجود أنواع السيوف عند العرب. الحديد الهندي كان يستجرب إلى جزيرة العرب ويصنع منه أجود أنواع السيوف. فيقول: العلم الشرعي بمنزلة السيف القاطع الهندي. قال: ليس ينبو. إيش ينبو؟ يعني إذا ضربت به لا يخطئ. السيف متى ينبو؟ إذا كان ضربه ضعيفاً فاضرب به لكن لا يجرح لا يعمل. فيقول لا، العلم سيف قاطع ضربته قاطعه، إذا وقعت في مقتل قتلت. هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من ضربت. صور العلم بالسيف الذي يقطع، والمراد به أنك إذا ناظرت به ملحداً أو مبتدعاً أو ضالاً أو صاحب ضلالة، فتصيب به مقاتله إن استعملت العلم بالشكل الصحيح. صحيح. نعم.

وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنت.

الكنز الوحيد الذي لا تخاف أن يسرق منك هو العلم. الكنز الوحيد الذي لا تخاف أن يسرق منك هو ماذا؟ هو العلم الذي بين أضلعك. لذلك قال: وكنز لا تخاف عليه لصاً. ليه؟ لأنك لما تح عندما تكون واضع كنز في البيت بتضلك خايف كلما خرجت أن يأتي شخص يدخل إلى البيت ويسرقه. الشيء الوحيد هو كنز ولكنك لا تخشى عليه، علمك الذي بين أضلعك من أين سيسرق منك؟ لا يستطيع أحد أن يسرقه. وكنز لا تخاف عليه لصاً، قال: خفيف الحمل. أيضاً الكنز الحسي إذا حملته في جرة أو في صندوق يكون ثقيلاً، أما العلم فهو في الصدر خفيف، لا تشعر بثقل حمله. خفيف الحمل يوجد حيث كنت، هذه الميزة الثالثة لهذا الكنز، حيثما كنت يكون معك. الكنز الحسي إذا غادرت البيت فقدته ليس معك، وأما العلم كنز يوجد مع الشخص في أي مكان كان، في بلده، في غير بلده، في المسجد، في الشارع، في المنزل، العلم معك يجول بجوالانك. نعم.

يزيد بكثره الانفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا.

ومن ميزات هذا الكنز الذي يخالف بها غيره أن الكنز الحسي إذا أنفقت منه فانه ينقص بمرور الزمان، لكن العلم الشرعي كنز على خلاف المعتاد بالعكس، العلم الشرعي هو كنز إذا أنفقت منه زاد، وبالعكس إذا مسكته وادخرته نقص. كيف؟ لماذا العلم الشرعي أيها الكرام إذا أنفقت منه يزيد؟ من يعطيني جواباً؟ كلما أعطيت هذا تعلم بجه. جميل. أيضاً لما تعطيه منه تتذكر يعني أحسنت، لأنك كلما أنفقت من العلم كلما استحضرت بالمذاكرة أشياء كنت نسيتها. واحد.

اثنين، كلما وقفت على مسائل جديدة قد ينبهك عليها أحد الطلبة. ثالثاً، قد يسألني طالب سؤالاً فلا أجد جواباً فيحفزني ذلك إلى أن أبحث في الكتب، فأمر أثناء بحثي على العشرات والمئات من الفوائد الجديدة، فسبحان الله! تعليم الناس والانفاق من علم يزيدك علماً على علم.

وفي المقابل إذا أمسكت العلم ولم تدرس ولم تعلم، ماذا سيحصل؟ سينقص، ونقصانه نسيانه، وآفة العلم النسيان. الذي لا يعلم الناس ما علمه الله مع الوقت سينسي العلم الذي تعلمه، ومع الوقت يجد نفسه يتناقص ولا يزداد في هذا الطريق وينقص، وإن به كفاً شددت والمراد عدم تعليمك للناس.

فلو قد ذقت من حلواه طعماً لأثرت تعلم واجتهدت. فلو قد ذقت من حلواه طعماً، لو ذقت لذة العلم والله لجاهدت في طلبه، ولم يشغلك عنه لا حر مصيف، ولا برد شتاء، ولا يبس خريف، ولا زهرة الربيع.

إخواني الكرام، من وفقه الله ومنحه الشعور بطعم العلم ولذة العلم ولذة الظفر بالمسائل وحل العويص منها، والله يستعد أن يجلس سنوات وسنوات في المكاتب وبين بطون الكتب. تستغرب من ابن عقيل الحنبلي وهو في الثمانين من عمره وهو يقول: أجد في نفسي الهمة في طلب العلم ما لا أجده في أيام العشر! عمره في الثمانين يقول: همتي الآن في طلب العلم أعلى من همتي عندما كنت في العشرين. لماذا يا ترى؟ لأن هؤلاء من توفيق الله لهم أنهم رزقوا لذة العلم وحلاوته.

وهذه اللذة أيها الكرام أكون صادقاً معكم، لا تأتي في بداية الطلب. أول سنة، سنتين، ثلاث، أربع، يمكن أن تطلب العلم لما تعلمت من شرفه، لكنك تشعر بالثقل، تشعر بسرعة الملل والفتور السريع. لكن إذا جاهدت وواظبت وكنت صادقاً، واطلع على قلبك فرأى صدقاً، يمنحك سبحانه وتعالى لذة وجمالاً تصبح تطلب العلم نهماً وشوقاً إلى تلك ذاك الطرب عندما تظفر بالمسائل وتقف على الحقائق.

كيف بعض الشباب يشتهي الطعام والشراب؟ أنت كيف شهوتك للطعام والشراب؟ كيف شهوتك للنكاح؟ كيف شهوتك؟ كذلك هناك أناس رزقهم الله شهوة للعلم، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله. لذة بالمعنى الحقيقي، يعني سعادة وفرح، كلذة المتزوج ليلة دخلته، وكلذة الطاعم إذا أكل طعاماً لذيذاً.

إذاً، هناك نوع من اللذات لا يعطيه ربنا إلا أصحاب النفوس الشريفة لمن جد واجتهد. فإذا نلت هذه اللذه فاعلم أنك موفق، لأن هذا يعني أنك ستنفق ساعات العمر بين الكتب وعلى شواطئ مجالس العلم وفي حلقاتها، ولن يثقلك كما قلت الزحام، ولا طول المسافات، ولا بعد المشيخة، ولا طول الدرس.

لن تصبح تفكر بهذا أصلاً، لأن هناك لذة أنت تطعمها في كل دقيقة، بل في كل ثانية. فلو قد ذقت من حلواه طعماً لأثرت التعلم على كل لذات الدنيا واجتهدت، نعم. ولم يشغلك عنه هوى مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنت.

نعم، ولو ذقت هذه الحلاوة لم يشغلك عنها الهوى المطاع. الهوى وهو الميل إلى الشهوات والملذات، الهوى الذي تطيعه وهو الذي يردك الموارد وهو الذي يهلكك، ولم يشغلك عنه هوى مطاع ولا دنيا بزخرفها أي بزينتها فتنت، ولا ألهاك عنه أنيق روض ولا خضر ربرب كَلِفتا. فقلت هذا كله يعود إلى ولو قد ذقت من حلواه طعماً، أيضاً ولو ذقت من حلوى العلم لم يلهيك عنه الروض الأنيق، أنيق روض هذه من إضافة الصفة إلى موصوف، أي لم يشغلك عنه الروض الأنق.

كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]. من اشتغل بالعلم وملا العلم عقله وفكره وحياته، لم يشتغل بما يشتغل به الناس بالفرجات والسياحة والسفر والجلوس على ضفاف الأنهار والساعات الطويلة التي تذهب هدراً، لأن هناك ساحة من الجمال وواحة من الروعه ينتظرها بين كتبه وعلى مجلس العلم.

قالوا ولا خضر أيضاً، ولم تنشغل بالخضر ولا خضر ربرب كلفتا. الخضر إخواني هو الستر، والربب هو قطيع الغزلان، يسميه العرب ماذا؟ ربرباً. فيقول ولا خدر أي ولا ستر بربرب بغزلانه كلفتا. ما المراد بالغزلان هنا؟ أراد بالغزلان الفتيات الجميلات الصغيرات، فيقول ولا خدر بالغزلان المتخبيين خلفه، والمراد الفتيات اللي كانوا زمان أيام أبو اسحاق الألبيري كانوا وراء الستر، ولو اجا زماننا ما في ستر! لو اجا زماننا وما شاف طرقاتنا، ما شاف الستر هذا، بس هو بيتكلم في زمانه أن الفتاة البكر الصغيرة ما كانت تخرج إلى الطرقات وتعارك الرجال، كانت تجلس في خدرها وفي بيتها. فيقول ولا خدر بغزلانه الجميلة كلفتا، كلفت يعني تعلقت. فيقول من ذاق حلاوة العلم انشغل حتى عن التفكير بالنساء الجميلات وبالفتيات الصغيرات اللواتي يتعلق بهن من كان عقله فارغاً لهن، نعم.

فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت وإن شربت. شوف هذا البيت من أجمل الأبيات قال: فقوت الروح أرواح المعاني. غذاء الروح، القوت هو الغذاء، الغذاء الحقيقي للروح ما هو؟ ليس الشهوات والملذات ولا الطعام ولا الشراب، وإنما الغذاء الحقيقي للروح هو العلم النافع والمسائل الرائقة.

قال فقوت الروح، أي غذاء الروح، أرواح المعاني. كأن المعاني الشرعية التي تتعلمها هي أرواح. جعل المعاني الشرعية والمسائل التي تتعلم بمثابه الأرواح وليست روحاً واحدة، فكلما تعلمت مسألة أنت تنال روحاً جديدة، وكلما وقفت على حل معضلة شرعية أنت تأخذ روحاً جديدة.

قال فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت وإن شربت. هذه دنيا طعام شراب، هذا كله يذهب، وإنما الذي يبقى هو العلم النافع: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

فواظبه وخذ بالجد فيه، فان أعطاكه الله أخذت. فواظبه اجتهد في طلب العلم، قال فواظبه وخذ بالجد فيه، فان أعطاك فان أعطاكه الله أخذته وفي رواية انتفعت. فواظبه، إذاً بعد أن حثك على طلب العلم حثك على المواظبه في تحصيله واخذه بالجد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12].

إخواني، الذي يأخذ العلم بالهوينة والضعف ولا يأتي إلى مدارس العلم إلا في مدارج العلم في كل عام ثم يختفي طوال العام، والذي ما عنده همة، هذا كيف يحصل العلم؟ هذا لا يمكن أن يصبح شيئاً. نعم هناك أناس يعني هم إخواننا وأحبابنا ليسوا متخصصين في العلوم الشرعية فيعتذر لهم، لكن طالب علم يريد أن يكون طالباً ويقول أنا طالب علم، لا تسمي نفسك بهذه النسبة ولا تدعيها إلا إذا كنت طالب علم بحق في نهارك ويومك وليلك دائماً في طلب للعلم تحصيلا وسماعا وحضورا ومذاكرة. أما هذا الذي يغيب عن العلم أشهر ثم يعود إليه أيام ثم يغيب أشهر، هذا كيف يدعي أنه طالب علم ويسمي نفسه بذلك؟

إذاً فواظبه وخذ بالجد فيه فان أعطاك الله انتفعت، وفي نسخة وفي نسخة أخذت، أي أخذت خيراً عظيماً ونلت كرما جزيلا من الله فاقبله وإياك أن ترده، نعم.

وإن أوتيت فيه طول باع قال الناس إنك قد سبقت. قال وإن أوتيت فيه طول باع، الباع إخواني هو ما بين الكفين إذا مدته هكذا، إذا مددت يدي هكذا الباع هي المسافة من هنا إلى هنا، هذا يسمى باعاً. فيقول وإن أوتيت فيه طول باع، كان باعك طويلاً، وقال الناس إنك قد سبقت، يعني إذا أصبح يشار إليك بالبنان ويقال فلان عالم، أو يقال فلان سبق أهل زمانه، أو فلان طالب علم محقق، هل تفتخر بنفسك وتستعلي على قومك وعلى أقرانك؟ كلا.

وإن أوتيت فيه طول باع وقال الناس إنك قد سبقت، إيش قال؟ فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملت؟ فلا تأمن أن الله يسألك، العبرة ليست بكثرة المسائل، وإنما العبرة العمل بالعلم. العبرة ليس أن تحفظ كثير متون ومصنفات، ولا أن تكون كثير المطالعه والقراءات، وإنما العبرة أن تعمل بالعلم الذي آتاك الله إياه، وهذه من عظيم النصح.

قال فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ في حال كونك لم تعمل، يوبخك الله ويقول: علمت فهل عملت بعلمك؟ أين ذهب علمك؟ هل فقط أردت أن تماري به العلماء وتباها به السفهاء وتصرف به وجوه الناس إليك؟ هل هذا كان قصدك؟ فهذا من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والعياذ بالله.

فرأس العلم تقوى الله حقاً وليس بأن يقال لقد رئست. جميل، فرأس العلم، حقيقة العلم، زبده العلم أن تحصل تقوى الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28]. وكما قال ابن مسعود وغيره: العلم ما أورثك خشية.

إذا ازددت من العلم ووجدت نفسك تزداد بعداً عن الله وتزداد دخولاً في المعاصي، فاعلم أنك مستدرج بالعلم. إذا وجدت نفسك تزداد في طلب العلم لكن في المقابل أيضاً تزداد في المعاصي والذنوب وتغرق في أوحال الآفات، فاعلم أنك مستدرج بالعلم ولست منعماً به.

فرأس العلم حقيقة العلم تقوى الله حقاً، وليس بأن يقال لقد رئست، ليس بأن يقال فلان دكتور شريعة أو فلان رئيس قسم كلية شريعة أو بروفيسور في الشريعة، هذا كله يذهب عند الله ولا يسوى شيء عند رب العالمين. ألقاب مملكة في غير موضعها، وإنما العبرة ولا فضيلة الشيخ ولا سماحة ولا ما شابه ذلك من كل هذه الألقاب، إنما العلم الحقيقي الذي ينجيك عند الله سبحانه وتعالى، وليس بأن يقال لقد رئست، دنيا تذهب، نعم.

وضافي ثوبك الإحسان لا ترى ثوب الإساءة قد لبست. الثوب الضافي هو الثوب السابغ، الثوب الساتر، الثوب الحسن. فقوله وضافي ثوبك هذا من إضافة الصفة إلى موصوف، يعني وثوبك الضافي، وثوبك السابغ. وهذا ثوب معنوي ما هو؟ هو ثوب الإحسان أن تتقن، ما هو الإحسان؟ أن تتقن في تعبدك لله أن تعبد الله كأنك تراه، ألم يفسر النبي عليه الصلاة والسلام الإحسان بذلك؟ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

فيقول وضافي ثوبك، الثوب الكامل الثوب السابغ وهو ثوب الإحسان، هذا الثوب هو الذي عليك أن تلبسه في حياتك، وليس ثوب الإساءة والذنوب والرياء، وأن تتظاهر بشيء وأنت في الباطن منافق أو خطاء أو بعيد عن الله سبحانه وتعالى. وضافي ثوبك الإحسان لا أن ترى ثوب الإساءة قد لبسته، نعم.

إذا لم يفدك العلم خيراً فخير منه أن لو قد جهلت. إذا ما لم يفدك العلم خيراً، طبعا ما إخواني إذا جاءت بعد إذا فهي زائدة، كما كان علماؤنا يقولون: يا طالبا خذ فائدة، ما بعد إذا زائدة، هذه قاعدة ما إذا وقعت بعد إذا فهي زائدة، فلا تحسب في السياق إلا للتوكيد.

فهو يقول إذا لم يفدك العلم خيراً، بعض الناس إخواني يطلب العلم ويجلس ويحفظ المنظومات، لكن كما قلنا مع الوقت يبتعد عن الله أكثر وأكثر وتزداد ذنوبه وخطاياه. فيقول إذا ما لم يفدك العلم خيراً، إذا كان كل مجالستك للعلماء ودراستك في كلية الشريعة وتعلمك بين يدي المشايخ، إذا ما لم يفدك العلم خيراً فخير منه أن لو قد جهلت. يا ريتك ضليت جاهل! يا ريتك ضليتك جاهل ولم تتكثر من حجج الله عليك يوم القيامة.

إخواني، من يريد أن يطلب العلم عليه أن يستعد لمخالفة الهوى، وعليه أن يستعد للإقتراب من الله. لأن من طلب العلم ولم يقترب يوماً بعد يوم من الله فهو يتكثر من حجج الله عليه والعياذ بالله، وخير له لو أن جهل ولم يتكثر من هذه الحجج. فطلب العلم ليس مجرد مسائل تتعلم، بل عمل يقربك من الله، عليك أن تفهم ما هو العلم، قرب من الله وليس مجرد متون تحفظ وشهادات تؤخذ، نعم.

وإن ألقاك فهمك في مهاو فليتك ثم ليتك ما فهمت. نعم، وإذا تعلمت العلم ولكن للأسف لم تتعلمه بالشكل الصحيح فأصبحت رأساً من رؤوس البدع وألقاك فهمك في مهاو أصبحت تدعو إلى بدعة بدلاً من أن تدعو إلى سنة، فليتك ثم ليتك ما فهمت! والله لو كنت عامياً على عقيدة عجائز نيسابور لا تعرف إلا الفروض الخمس وتعمل بها، خير لك عند الله من أن تتعلم فتصبح صاحب بدعة تدعو لها، أليس كذلك؟ فيقول وإن ألقاك فهمك في مهاو في بدع وضلالات وأصبحت تحرف الناس عن الصواب والخير، فليتك لم تتعلم وليتك لم تفهم يوماً وبقيت عامياً، فهذا أعذر لك عند الله.

ستجني من ثمار العجز جهلاً وتصغر في العيون وإن كبرت. عاد ليحذرك من الكسل، سيقول لك ستجني من ثمار العجز، عجزك وكسلك وحبك دوماً أن تكون في البيت تتابع المشايخ فقط أونلاين، ما بدك تحضر الحضور الوجاهي، وما بدك تتعب في المواصلات، وما بدك تشعر بحر المصيف، ولا تريد تنزل إلى مكتبة تشتري كتاباً.

هذا العجز وهذا الكسل وتسوف دوماً في حضور الدورات وقولك إن شاء الله السنة القادمة أتسجل معهم أو بعد أن أتفرغ ولن ياتيك الفراغ فالحياة مشغلة. ستجني من ثمار العجز جهلاً، سيزداد جهلك بمرور الأيام، حالة العجز والكسل الذي أنت فيه لن يورثك خيراً، بل إخوانك سيسبقونك وتجد طلبة العلم أصبحوا قد درسوا المصنفات والكتب وأتقنوا، وأنت في مؤخرة الصف وقعدت بين الزحام.

ستجني من ثمار العجز جهلاً وتصغر في العيون وإن كبرت، يعني ممكن يصير عمرك خمسين ستين، لكن ستبقى صغيراً في أعين الناس، ليه؟ لأنك جاهل! إخواني، بعض الناس عمره خمسين وستين لا يعرف كيف يتوضأ، لا يعرف كيف يمسح على الخفين، لا يعرف أحكام الحج والصيام، أليس معيباً برجل يدعي أنه مسلم لا يعرف الأحكام الأساسية في حياته؟ لذلك قال: وتصغر في العيون وإن كبرت، حتى لو أصبحت كبيراً سيشهد الناس عليك بالجهل، معيب بالإنسان أن يكبر ويصغر علمه.

وتفقد إن جهلت وأنت باقٍ وتوجد إن علمت وإن فقدت.

جميل هذا البيت؛ وتفقد إن جهلت وأنت باقٍ وتوجد إن علمت وإن فقدت. يقول الإنسان الجاهل يفقده الناس مع أنه موجود بينهم؛ هم كيف يفقدك الناس وأنت موجود بينهم؟ كيف؟ لا أحد يحتاجك، ولا أحد يلتفت إليك، ولا أحد يعبأ بحضورك، ولا يسأل عنك، دائماً في مؤخرة الصف؛ هذا الجاهل أخواني لا أحد يعبأ به حتى ولو كان حاضراً. قال وتفقد إن جهلت وأنت باقٍ، مع أنك موجود يعني أنت حاضر، لكن تعرفوا الحاضر الغائب؛ الحاضر الذي لا يستفاد منه شيئاً. وفي المقابل وتوجد إن علمت وإن فقدت؛ إذا كنت عالماً ستبقى حياً بين الناس ولو كنت مفقوداً، ولو كنت ميتاً تحت التراب. اليوم نحن نقول رحم الله أحمد بن حنبل والشافعي ومالك، رحم الله أبا حنيفة والأوزاعي والثوري، وما زلنا ننهل من علومهم، هم موجودون بيننا وإن فقدنا أجسادهم؛ هذا هو العز، هذا هو الشرف الذي ينافس فيه، أن تبقي ذكرك خالداً، وتبقي لك لسان صدق في الآخرين، نعم.

وتذكر قولتي لك بعد حين وتغبطها إذا عنها شغلت. ستذكر كل هذه النصائح من الألبيري في يوم من الأيام، وتذكر قولتي لك بعد حين وتغبطها؛ ما معنى وتغبطها؟ يعني ستتمنى لو أنك عملت بها إذا تشاغلت عنها في يوم من الأيام. نحن اليوم اجتمعنا هنا سبعمائة طالب علم اجتمعنا، سمعتم كلكم كلام الألبيري، هناك من سيعمل بنصيحة الألبيري ويفوز، ومنكم من سيكسل ويغادر هذه المجالس، وهذا سيعض أصابع الندم في يوم من الأيام؛ أنه سمع النصائح التي توجهه نحو العز والشرف ولم يعمل بها، وأصر أن يبقى عبيداً للدينار والدرهم، وعبيداً للسوشيال ميديا، وعبيداً للشهوات والملذات. إذاً وتذكر قولتي لك بعد حين وتغبطها؛ يعني ستتمنى لو أنك عملت بها، إذا عنها شغلت ولم تأخذ بها، نعم.

لسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمت. نعم في يوم من الأيام إذا لم تعمل بهذه النصائح، سوف تعض أصابع الندم على تفويت ساعات العمر في ماذا؟ في السوشيال ميديا، ست ساعات أمام الفيسبوك وتقلب اليوتيوب، ومن صفحة إلى صفحة في ماذا؟ في ألعاب وملاه ومقاه وجلسات عامة وجلسات فارغة ومطاعم ومشارب تطارد حولها؛ هذه حياة أكثر الناس اليوم، نسأل الله العافية من هذه الحياة. لسوف تعض من ندم عليها، يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني؛ كنت في مجالس العلم في يوم من الأيام كنت أحضر مع رفقة الخير، فمنذ أن تعرفت على فلان أخذني بعيداً بعيداً، وأشغلني بالدنيا وشهواتها وملذاتها، ستعض أصابع الندم إن أخطأت البوصلة بعد هذا المجلس، نعم.

إذا أبصرت صحبك في سما قد ارتفعوا عليك وقد سفلت. نعم، عندما تبصر إخوانك، إخوانك الذين كانوا معك الآن أنت مثلهم تحضر، أصبحوا علماء أو طلبة علم وأصبح يشار إليهم، وأنت وجدت نفسك عبد للدينار والدرهم والشهوات بعد سنوات. نعم اخواني بعد سنوات ستكبرون بإذن الله، منكم من سيتعلم ويصبح عالماً بإذن الله يخدم أمته ودينه، وهناك أناس يعودون لدنياهم ويتركون هذه النصائح؛ هذا الذي عاد إلى الدنيا سينظر إلى أقرانه الذين كانوا معه في مجلس العلم، أصبحوا في سماء يعني في علو ارتفعوا وأصبحوا شامة، وهو ما زال في نزول وهبوط. إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت، هم يصعدون في مدارج العلم وأنت تنزل في سفولة، نعم.

ولا تحفل بمالك وله عنه فليس المال إلا ما علمت. يحذرك هنا من الاشتغال بالمال، وأن يكون أقصى منيتك في هذه الدنيا أن تجمع المال والدينار والدرهم. ولا تحفل، لا تهتم، لا تتعلق، نعم اكسب الرزق لكن لا تتعلق بالمال؛ هذا معنى لا تحفل. ولا تحفل بمالك وله عنه، انشغل عنه بطلب العلم، فليس المال إلا ما علمته. طيب، إيش اللي علمناه؟ فليس المال إلا ما علمته؛ إيش اللي علمناه عن المال؟ إنه يغني صاحبه عن ماذا؟ يغنيه يعني عن حاجة الناس. لا ما هو، ليس في مقام مدح، هو الآن في مساق ذم، ومن الدنية يأتي ويذهب. جيد، سياتيك حتى لو فررت عنه، أحسنت؛ فتنة.

كما قالوا باختصار فليس المال إلا ما علمته، وانه لحب الخير لشديد، من شريك رددنا قال ما هو الخير؟ المال، فالمال فتنة، نعم المال الصالح للرجل الصالح الذي يحسن استعماله، لكن عموماً المال فتنة لأكثر الناس ويتساقطون أمامه، نعم.

وليس لجاهل في الناس معنى ولو ملك العراق له تاتى. الجاهل سيبقى ساقطاً حتى ولو أصبح ملكاً على العراق، والعراق يعني قديماً من يملكها فكان يعتبر يملك شيئاً عظيماً في دولة الإسلام تمام، فيقول الجاهل سيبقى رثياً لا يحتفل به حتى ولو كان ملكاً على العراق؛ تعرفون العراق البصره والكوفه ومدنها، لو كان ملكاً عليه وهو جاهل سيبقى غير معبوء به، نعم.

سينطق عنك علمك في نادي ويكتب عنك يوماً إن كتبت. جميل هذا الكلام؛ سينطق عنك علمك في نادي، النادي قلنا هو النادي الذي تجلس فيه، إذا كنت تجلس في نادي وطرحت مسألة وكل الناس جوخان لا يجيبون وأنت تعرف إجابتها؛ علمك سينطق عنك وسيخبر عنك. سينطق عنك علمك في نادي، في اجتماع للناس أو في المحافل العظمى، عندما يجهل الناس الأحكام ولا يعرفون أين يذهبون وأنت طالب علم محكم هناك سينطق علمك. طيب، معذرة يا إخوانا على البث المباشر هناك مشكلة اليوم عويصة في موضوع الكهرباء، نسأل الله التيسير والاعانة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

طيب وصلنا إلى البيت الثاني والثلاثين؛ سينطق عنك علمك في نادي، ابدأ يا شيخ مؤيد الصوت واصل، سينطق علمك، سينطق عنك علمك في نادي، ويكتب عنك يوماً إن كتبت، أي إذا كتبت العلم وزحمت بالركب وأنت شاب صغير؛ غداً بإذن الله عندما تصبح كبيراً يكتب الناس عنك وينقلون عنك، وأما من لم يتعب في الصغر في طلب العلم وتحصيله لن يكتب عنه في الكبر، وكما تدين تدان. سينطق عنك علمك في نادي، ويكتب عنك يوماً إن كتبته؛ يعني أن كتبت صغيراً سيكتب عنك كبيراً، إن تعلمت صغيراً سيتعلم منك كبيراً، وأما إذا لم تتعب ولم تعط العلم حظه في الصغر فلا تنتظر أن يتعلم منك في الكبر، نعم.

وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت. وما يغنيك تشييد المباني؛ قيمتك ليس بالبيت الذي تسكنه، وليس بالجدران التي تبنيها، قد تكون عندك قصور عظيمة وبساتين واسعة، لكنها لا تعني شيئاً إذا كنت هدمت نفسك بالجهل. يقول وما يغنيك تشييد المباني، ماذا يغني عنك أنك عندك قصر كبير وحديقة جميلة وعندك من الأزهار والأشجار ما عندك؟ وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت، إذا هدمت نفسك بالجهل ولم تتعلم في حياتك وبقيت عبداً للدنيا، نعم.

جعلت المال فوق العلم جهلاً لعمرك في القضية ما عدلت. يا أيها المسكين جعلت المال أفضل من العلم، جعلت المال فوق العلم جهلاً لعمرك في القضية ما عدلت، لعمرك هذا قسم، احنا بنقول وحياتك تمام بهذا المعنى. وهل يجوز هذا النوع من القسم؟ البعض يعني أكثر أهل العلم على عدم جوازه، والبعض قال من يقول لعمرك هو لا يقصد به القسم، وإنما يقصد به مطلق التوكيد؛ فلهذا جاز أو استعمل في كلام بعض العلماء على معنى التوكيد وليس على معنى القسم. جعلت المال فوق العلم جهلاً لعمرك في القضية ما عدلت، يعني في هذا الحكم اللي أصدّرته أنك قدمت المال على العلم أنت لم تعدل في هذا أبداً، نعم.

وبينهما بنص الوحي بون ستعلمه إذا طه قرأت. بين العلم وبين المال بون شاسع، ستعرف هذا البون إذا قرأت سورة طه؛ أين في سورة طه؟ أحسنت، النبي عليه الصلاة والسلام طلب الزيادة من ماذا؟ أو من المال؟ من العلم، فقال في سورة طه ربنا ماذا قال لنبيه؟ ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. وهذا يدل على أن العلم أعلى من المال؛ وقل ربي زدني علما. وفي المقابل في ختام سورة طه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ [طه: 131]. ومن قرا وقل رب زدني علما مع قوله ولا تمدن عينيك عرف البون الشاسع بين العلم والمال في النظر الإلهي، نعم.

لئن رفع الغني لواء مال لانت لواء علمك قد رفعت. إذا الغني افتخر بماله وأشهر بين الناس بدنياه، وأصبح ينزل لكم المقاطع أنه من أصحاب الأموال والثروات وجمعت المال وحصلت ما حصلت؛ لئن رفع الغني لواء مال، فأنت افتخر وارفع لواء علم، قل أيها المسكين بماذا تفتخر؟ برزق أعطاك الله إياه ثم سينتقل إلى ورثتك، بأيش تفتخر؟ أنا أفتخر بالععلم الذي يعلمه للناس، وأنت تفتخر بدنيا تجمعها. لئن رفع الغني لواء مال راية الدنيا والمال، أنت ترفع راية العلم وافتخر بعلمك.

وإن جلس الغني على الحشايا لانت على الكواكب قد جلست. إذا جلس الأغنياء على الفرش المحشوة والوسائد الفارهة، فأنت تعلم أنك جلست على الكواكب الدرية في السماء، نعم.

وإن ركب الجياد مسومات لانت مناهج التقوى ركبت. وإذا ركب الجياد يعني الخيل، الجياد المسومة، المسومة المعلمة، والخيل إذا كانت مميزه عند العرب علموها تماماً. وإن ركب الجياد مسومات، فأنت طبعا هنا الجياد المسومات مثل السيارات الحديثة عندنا؛ يعني إذا شفت الغني راكب سيارات فارهة حديثة لا تأسف ولا تقول ضيعت وقتي في طلب العلم بدلاً من أن أجمع الدنيا، وهيك بعض الناس بتهتز ثقته بالطريق الذي شرع فيه، إياك أنك تقول في يوم من الأيام أضعت وقتي في طلب العلم، وها هم أصدقائي ما شاء الله شوف إيش عندهم قصور وسيارات وأموال؛ مسكين إذا كانت هذه مقارنتك. وإن ركب الجياد مسومات، لانت مناهج التقوى ركبت، أنت ركبت المناهج، منهج والمنهج هو الطريق الواضح الواسع، فانت ركبت مناهج التقوى المناهج العظيمة الموصلة إلى الله سبحانه، وهو ماذا ركب؟ ركب سيارة، ركب شيء حديث دنيا وتذهب، نعم.

قال رحمه الله ومهما افتض أبكار الغواني فكم بكر من الحكم افتضدت؟ نعم افتضدت؛ إذا هو اشتغل بالزواج والنساء، يقول مهما افتض أبكار الغواني، الأبكار جمع بكر، والبكر هي الفتاة التي لم تتزوج مسبقاً، الفتاة الشابة الصغيرة، والغواني، والفتاة الغانية هي التي استغنت بجمالها عن التزين؛ يعني إذا كان الأثرياء يشتغلون بالزواجات يوماً بعد يوم، يطلق ويتزوج ويفتض أبكار الغواني، فأنت بماذا تفتض؟ قال فكم بكر من الحكم افتضدت؛ يعني كم فائدة جديدة نبيهة لم يصل إليها أحدك، أنت أول من وصل إليها. فكم بكر الفائدة البكر ما هي؟ متى تسمى الفائدة العلمية بكر؟ إذا كنت أنت أول من وصل إليها تمام، فيقول كم من فائدة جديدة لم يصل إليها غيرك، أنت أول من افتضها وتعلمها وعلمها للناس؛ فذاك يشتغل بالزواجات وافتضاض أبكار الغواني، وأنت تشتغل بزواج آخر وافتضاض آخر بافتضاض العلم والوصول إلى معادنه الجميلة. شيخنا أحسن الله إليكم عندنا بالقافية مهما اقتضى في نسخة المعادن هي خطأ. لا افتضدت أفضل، نعم. فكم بكر من الحكم افتضدت.

قال رحمه الله تعالى وليس يضرك الإقتار شيئاً إذا ما أنت ربك قد عرفت. وليس يضرك الإقتار، الإقتار يعني لو كان هو غني وأنت فقير كطالب علم؛ إياك أن تشعر بالهزة الداخلية أنك تقول أنا طالب علم وأنفع الناس ولكن دخلي محدود، وفي المقابل الجهال وأصحاب الشهوات انظر إلى ما عندهم؛ إياك أن تضعف يا طالب العلم، إياك أن تهتز ثقتك بهذا الطريق. فاعلم أن سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم اختار طريق الفقر مع أنه عرضت عليه الدنيا بمفاتيحها، واعلم أن طريقك هو طريق الصحابة في جلهم، وطريق التابعين في جلهم، كلهم اختاروا هذه الحالة ولم يختاروا الدنيا وابتعدوا عنها؛ فلا يضرك هذا. وليس يضرك الإقتار أي قلة المال شيئاً إذا ما أنت ربك قد عرفت، إذا كنت عرفت الله وعرفت شرعه وعرفت الوحي وعرفت الأصول والحديث، على ماذا تحزن؟ ما الذي فاتك؟ إياك أن تحزن على قلة دخلك، فهي دنيا ستذهب عما قريب.

فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنخت. فماذا عنده لك من جميل؛ انتظر ما خبأه الله لك من الجميل في جنات النعيم عندما تنزل وتنيخ ببابه سبحانه وتعالى في عرصات القيامة، فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنخت. والسعادة ليست فقط في الآخرة بل حتى في الدنيا؛ راحة البال، الطمانينة، السكينة، والله انها لتاتي على طالب العلم الصادق ساعة من الجمال والروعه يباهي بها الأغنياء، ويقول لو عرف الأغنياء ما أنا فيه لجالدوني عليه. ويقول إن في الدنيا ساعة من الجنة لو كانت في الآخرة لرضيت بها. إخواني أيها الكرام، إن ساعات طلب العلم هي أجمل الساعات لمن عرف شرفها وقيمتها ووزنها بميزانها. فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنخت؛ أي أنخت مطاياك ببابه، فقابل بالقبول صحيح نصحه فإن أعرضت عنه فقد خسرت.

فيقول إذا الألبيري استعجل في قبول هذه النصائح وتمسك بها؛ لأنك إن أعرضت عنها ولم تعمل بها فقد خسرت.

وإن راعيته قولاً وفعلاً وتاجرت الإله به ربحت. وأما إذا اتبعت كلامي بالحذافير قولاً وفعلاً، وتاجرت الإله وبعت نفسك لله؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: 111]، وبيع النفس لله كما يكون بالجهاد بالسيف يكون بالجهاد بالعلم. فهناك أقوام من طلبة العلم باعوا أنفسهم لله حقاً، فأوقفوا ساعات العمر لربهم سبحانه وتعالى بين المصنفات والكتب وبين الدروس والمسائل ومع المشايخ، من حلقة إلى حلقة ومن مجلس إلى مجلس؛ هؤلاء أيضاً باعوا أنفسهم لله.

فليست هذه الدنيا بشيء تسوءك حقبة وتسر وقتًا. يقول هذه الدنيا لا تستحق أن تحزن عليها، فهي بطبيعتها تسوءك أزمانًا وتسرّك أحيانًا. فعلى ماذا تقاتل؟ حتى الغني يبني بيتًا ويموت ابنه، ويبني بيتًا وإذا به جلطة، ويشتري سيارة جديدة فيصير حادث. هل تظن أن الغني مسلم من الآفات والعاهات والنكبات؟ كلا والله، هي الدنيا جُبلت على كدر.

وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إن حلمت. غاية هذه الدنيا إذا فكرت في حقيقتها كفيء، والفيء هو ظل الزوال، الظل الذي يكون عندما تزول الشمس عن كبد السماء. كم مدة ظل الزوال؟ خمس دقائق، هي الدنيا غمضة عين، كفيء كظل الزوال خمس دقائق ليست أكثر، كفيئك أو كحلمك إن حلمت؛ يعني كأنها حلم جميل ستستيقظ منه عمّا قريب لتجد نفسك على عتبات الآخرة.

سجنت بها وأنت لها محب، فكيف حب ما فيه سجنت؟ سبحان الله، الدنيا أيها الكرام ماذا كانوا يقولون؟ سجن المؤمن الدنيا، سجن المؤمن وجنة الكافر. الدنيا مقارنة بما خبأه الله لك في الجنة الدنيا سجن. يقول: سجنت بها، سجنت في هذه الدنيا يا طالب العلم وأنت لها محب، غريب حالك! فكيف تحب ما فيه سُجنت؟ في واحد يحب السجن؟ إخواني، ما في أحد عاقل يحب السجن، وأنت أيها المؤمن في هذه الدنيا في سجن. هل نظرت إلى إنسان يدخل السجن فيفكر: بدي أبني في هذا السجن فيلا، وأشتري في هذا السجن سيارة؟ ما أحد يفكر إلا بالخروج من السجن، فأنت مسكين إذا كنت تفكر بالتشييد في الدنيا ويغمك ذهاب نصيبك منها. أنت تغتم على فوات نصيبك داخل السجن، والعاقل إنما يفكر بما هو خارج الأسوار وليس بما هو داخل الأسوار.

وتطعمك الطعام، وعن قريب ستطعم منك ما منها طعمت. نعم، هذه الدنيا الآن تطعمك الطعام، لكن بعد أيام وبعد سنوات عندما تنزل في قبرك ستصبح الدنيا هي التي تأكل منك، عندما تتسلط الديدان على جسدك لتنهش هذا الجسد. اليوم أنت تأكل وتطعم، لكن غدًا عندما تنزل في القبر من الذي يطعم من الآخر؟ الدنيا هي التي تأكل جسدك، لذلك قال ستطعم منك؛ يعني ستأكل منك ما منها أكلتَه. أنت أكلت الآن، غدًا في قبرك الدنيا هي التي ستأكل منك، وتطعم منك ما منها طعمت؛ يعني الذي طعمته الآن ستأخذه الدنيا منك غدًا.

وتعرى إن لبست لها ثيابًا، وتكسى إن ملابسها خلعت. إن لبست ملابس الدنيا ستكون عاريًا، كيف يكون ذلك؟ كيف يكون عارٍ من لبس ملابس الدنيا؟ اللباس هنا معنوي إخواني، لما يقول إن لبست لها ثيابًا المراد إن اشتغلت بالدنيا؛ فهو لا يقصد أنك لبست ثيابًا حقيقية، هذا نوع مجاز. يقصد أن لبست ثياب الدنيا ستبقى عاريًا في الدنيا من الفضائل والمكارم، وعاريًا في الآخرة من الحسنات والفضائل. وأما بالعكس، إن خلعت ملابس الدنيا يعني لم تتعلق بها، فإنك ستُكسى بإذن الله في الدنيا العز والكرامة عند الله سبحانه وتعالى والراحة والطمأنينة، وستُكسى أيضًا في الآخرة الثواب الجميل والجزيل على عدم تعلّقك بها. فهنا التعبير باللباس كما قال تعالى في النساء: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، فهذا تعبير مجازي. فيقول: وتعرى إن لبست لها ثيابًا؛ يعني إن لبست ثياب الدنيا وتعلقت بها ستعرى، ستكون عاريًا من الفضائل في الدنيا وفي الآخرة، وفي المقابل الذي يخلع ملابس الدنيا لا ينشغل بها ويفكر فيها على قدر الحاجة وأقبل على الله بكليته، فهذا يُكسى في الدنيا بهاءً ونورًا وإقبالًا على الله، ويُكسى في الآخرة ثوابًا جزيلًا في جنات النعيم.

وتشهد كل يوم دفن خلّ، كأنك لا تُزاد بما شهدت. يعني مسكين أنت يا طالب العلم الذي لا تنشغل بالعلم، فأنت في كل يوم ترى أحبابًا لك قد غادروا ودفنوا، بل قد دفنتهم بيديك. وتشهد كل يوم دفن خلّ، كل يوم تدفن حبيبًا من أخ أو صديق أو قريب أو أب أو ابن، وكأنك تحسب أنك لا تُزاد لهذا الموقف لا، ستُزاد! وفي يوم من الأيام كما حملت الناس على المناكب والأكتاف ستحمل أنت، وستأتي ساعتك، لكن أنت الآن لا تتوقع أنك تُزاد لما شهدته. ما معنى كأنك لا تُزاد لما شهدت؟ كأنك لست أحدهم في يوم من الأيام، بل أنت أحد الموتى وستنزل في قبرك كما نزلوا.

ولم تُخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فجد لما خُلقت. فأنت لم تُخلق في هذه الدنيا لتعمرها ولكن خلقنا في الدنيا لنعبرها، فهمنا الفرق؟ هناك من يعيش في الدنيا كأنه خلق من أجلها، وهناك من يعيش في الدنيا وهو يعلم أنه مسافر عمّا قريب، كما قال النبي ﷺ: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». هكذا هي الدنيا، أنت إنسان نزل في ظل شجرة ثم ستغادر هذه الشجرة مرتحلًا إلى الدار الآخرة. ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فماذا أفعل؟ فجد لما خُلقت؛ يعني اجتهد واشتغل للغاية التي خُلقت لها للوصول إلى الله سبحانه وتعالى.

وإن هُدمت فزدها أنت هدمًا، وحصّن أمر دينك ما استطعت. وإن هُدمت في قلبك أو هُدمت ولم تنل منها شيئًا كبيرًا، فزدها أنت هدمًا؛ يعني لا تأسف على فواتها، بل إذا رأيت الدنيا ليست مقبلة عليك فاهرب منها. بعض الناس الدنيا ليست مقبلة عليه وهو يلاحق وراءها، فقير ووضعه المادي ومع ذلك متعلق بها يلهث وراءها، فيقول: إذا هدمت الدنيا، إذا ابتعدت عنك، فأنت لا تلهث خلفها فلن تزدها هدمًا، وابتعد عنها. وإن هُدمت فزدها أنت هدمًا، واشتغل بماذا؟ قال: وحصّن أمر دينك بتعلم العلم الشرعي، حصّن أمر دينك بحضور مجالس العلم النافع، وحصّن أمر دينك ما استطعت ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. تعلّم، تعلّم، فإن الدين أغلى ما تملك في هذا الوجود، دينك أغلى ما تملك، وللأسف الناس كثيرًا أو أكثرهم جعلوا الدين أزهد ما عندهم، مستعدون يقدمون الدنيا والأشغال المحرمة والأموال المحرمة على دينهم، وأما الإنسان العاقل فبالعكس، يشتغل بدينه وبمصلحة لقاء ربه على تقديم أمور الدنيا.

ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فُزت. وهذا واضح؛ يعني لا تحزن على ما يفوتك، ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: 23]، لا تأسَ على ما فاتك من الدنيا بشرط إذا كنت فزت في آخرك. إذا خسرت في الآخرة، آه والله أحزن لأنك خسرت دنيا وآخرة، لكن إذا فزت في الآخرة لا تحزن على ما فاتك من الدنيا، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافرًا شربة أبدًا.

فليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذا الباقي حُرمت. تمام، لا ينفعك ما نلت منها إذا كنت حُرمت عند الله سبحانه وتعالى. يريد أن يقول لا ينفعك ما نلت منها من الفاني؛ لأنه كل ما تناله منها هو شيء فانٍ، اليس كذلك؟ فقوله من الفاني هذا للبيان؛ يعني ليس ينفعك ما نلت منها من الأشياء الفانية، إن كل ما ستناله من الدنيا هو شيء سيفنى، هل أحد يستطيع أن ينال من الدنيا شيئًا محسوسًا سيبقى؟ كلا، سيارات، قصور، أزهار، ورود، بساتين، زوجات، كل الجمال سيذهب. إذا فليس بنافع ما نلت منها من الأشياء الفانية إذا الباقي حُرمت. الباقي ما هو؟ الباقي ليوم القيامة، نعيم الجنة باقٍ ونعيم الدنيا فانٍ، فيقول: إذا حُرمت الباقي وهو نعيم الجنة فماذا يفيدك أن حصلت شيئًا من الفاني؟ هذا معنى الكلام، إذا حرمت النعيم الباقي وهو نعيم الجنة، ما فائدة أن تحصل النعيم الفاني؟ لا شيء.

ولا تضحك مع السفهاء لهوًا، فإنك سوف تبكي إن ضحكت. نعم، لا تضحك مع أهل الدنيا ولا تكن حياتك معهم، طبعًا هو لا يقصد أن الإنسان طالب العلم لا يبتسم، يريد أن يقول: لا تجعل حياتك كلها ضحك، لا تجعل حياتك كلها لهو، لا تجعل حياتك كلها مزحًا وسوشيال ميديا وكلامًا فارغًا. عش من أجل غاية شريفة، واجعل ابتسامتك وضحكك على قدر الحاجة. ولا تضحك مع السفهاء لهوًا، ليه؟ لأن الذين يضحكون كثيرًا في الدنيا سيبكون كثيرًا يوم القيامة، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: 82]. ولا تضحك مع السفهاء لهوًا، فإنك سوف تبكي إن ضحكت؛ يعني إن ضحكت في الدنيا والمراد ضحك الغافلين، ستبكي يوم القيامة وتعض أصابع الندم.

وكيف لك السرور وأنت رهن، ولا تدري أتُفدى أم غُلقت؟ وكيف لك السرور؟ يعني بماذا تسر؟ على ماذا تضحك وأنت رهن؟ أنت كالرهن المحبوس، لا تدري هل ستُفك عنقك ورهنك يوم القيامة أم ستلقى في نار جهنم؟ كل واحد فينا إخواني هو مشروع رهن يوم القيامة، أما أن يفك هذا الرهن ويعود إلى صاحبه، وأما أن يحكم على هذا الرهن بالإغلاق. ما معنى إغلاق الرهن؟ إغلاق الرهن هو عدم قدرة صاحبه على فكاكه وعدم عودة العين المرهونة إلى صاحبها، يعني عجز أن يفك رهنه. أنت الآن مش بتروح على البنك بتحط عنده رهن؟ يا بتدفع اللي عليك فبتفك رهنيتك، يا إنه خلص البنك بيستحوذ على الرهن وانتهى الموضوع. يوم القيامة ستكتشف هل هذا الرهن كان ناجحًا فاستطعت استرداده وأعتقت نفسك من النار، أم أنك خسرت هذا الرهن وأوبقت نفسك في جهنم؟ فإنسان لا يعرف إلى أين سينتهي رهنه على ماذا يضحك وعلى ماذا ينشغل بالمزاح والضحك؟

وسَل من ربك التوفيق فيها، وأخلص في السؤال إذا سألت. إذا التجئ إلى الله واعتصم بحبل الله، واسأل من ربك التوفيق فيها في رحلة الحياة، وأخلص في السؤال إذا سألت؛ يعني فليكن سؤالك وتضرعك وافتقارك إلى الله بقمة الإخلاص، فإنك تحتاج أن يفك الله رقبتك من نار جهنم.

ونادِ إذا سجدت له اعترافًا بما ناداه ذو النون ابن متى. إذا سجدت ووضعت جبهتك على الأرض فاعترف بين يدي الله بخطيئتك، واعترف بين يدي الله بحاجتك، واعترف بين يدي الله بأنه لا حول ولا قوة إلا به. ونادِ إذا سجدت له اعترافًا، ناده بما ناداه ذو النون. من ذو النون؟ يونس، بماذا نادى ربه؟ ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. اعترف والتجئ وافتقر بين يدي مولاك، ونادِ إذا سجدت له اعترافًا بما ناداه ذو النون ابن متى، بما ناداه يونس ابن متى عندما كان في بطن الحوت: ﴿وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144].

ولازم بابه قرعًا عساه سيفتح بابه لك إن قرعت. لازم باب الدعاء، الزم باب الالتجاء، الزم يا طالب العلم باب القرب من الله، فإن من أكثر قرع الباب أوشك أن يفتح له. من لزم قرع باب السماء، من لزم قرع باب الإله، سيفتح الله. ادعُ ربك أن يفتح عليك في طلب العلم، ادعُ الله أن يرزقك لذة العلم، ادعُ الله عز وجل أن يرزقك الصبر على طلب العلم والجد، ادعُ الله أن يبعد عنك العجز والكسل والملل والفتور، هذا كله تحتاج فيه إلى دعاء واستعانة، وليس بذكائي ولا بذكائك ولا بقدرتي ولا بقدرتك، وإنما هو فتح من الله على قلبك. إذا ولازم بابه قرعًا عساه سيفتح بابه لك إن قرعت، من أكثر قرع الباب فُتح له.

أيها الكرام، وأكثر ذكره في الأرض لتُذكر في السماء إذا ذكرت. وأكثر ذكر الله في الأرض دأبًا، ايش يعني؟ يعني متواصل، ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: 47]؛ يعني واصل ذكر الله في خاص وفي عام، فإذا ذكرت الله في نفسك ذكرك الله في نفسه، وإذا ذكرت الله في ملأ ذكرك الله في السماء في ملأ أفضل من الملأ الذين ذكرت الله أنت فيهم، هكذا هو العدل والفضل والكرم من الله سبحانه وتعالى.

ولا تقل الصبا فيه مجال، وفكر كم صغير قد دُفنت. نعم، لا تقل: والله أنا ما زلت شابًا يا شيخ، في ريعان شبابي، خفّ عليّ شوية، بدي أعيش الشباب، بدي أعيش هذه الفترة، بدي ألهو، لا أريد أن أثقل على نفسي. لا، ولا تقل الصبا فيه مجال، لا تقل أنا ما زلت في بداية العمر، فكر كم زميل لك مات في العمر؟ كم فقدنا من أحباب في مجالس العلم الذين كانوا يحضرون معنا؟ فكّر أن هناك إخوانًا كانوا معنا في هذه المجالس في يوم من الأيام هم الآن تحت الثرى. أحد الإخوة الكرام كان معنا في مدارج العام الماضي هو الآن تحت الثرى أيها الشباب، هو الآن تحت الثرى، حضرها معنا كاملة وحضر معنا مجالسهم، ثم غادر قبل أشهر إلى الله سبحانه وتعالى. لا تقل لي إذًا معي مجال يا شيخ. بعض الناس عندما يرى إعلان دورة أو برنامج يقول: بإذن الله السنة هي ما راح أحضر بس السنة القادمة سأحضر، ويا مسكين لا تدري هل يسعفك العمر إلى عام قادم أو لا، إياك أن تسوّف في العلم وفي الخير عمومًا. ولا تقل الصبا فيه مجال، وفكر كم صغير قد دُفنت، كم شاب صغير قد دُفنت بيدك من إخوانك وزملائك، وقل لي يا نصيح لأنت أولى.

قل لي يا نصيح أنت أولى باستماع هذه النصائح. أنت أولى بهذه النصائح لو أنك تفكرت بحالك، وقد شخت وشبت. تقرعني على التفريط لومًا، وبالتفريط دهرك قد قطعت. تعنبني على أنني فرطت وأنا ما زلت شابًا، وأنت أصبحت شيخًا كبيرًا هرمًا وما زلت تفرط.

طبعًا إخواني أبو إسحاق عالم أديب فقيه، فهو يتكلم كأنه يؤنب نفسه؛ وإلا لا تظن به أنه كان يلهو في شبابه ولا في كبره، ولكن العلماء دائمًا يجلدون ذواتهم ويحملون أنفسهم أننا كنا نستطيع أن نقدم الأفضل. إذا تقرعني على التفريط، يعني تلومني يا أبا إسحاق على التفريط، وبالتفريط ظهرك قد قطعت؛ أنت صار عمرك سبعين سنة وقد قطعت ظهرك في التفريط.

وفي صغري تخوفني المنايا وما يجري ببالك حين شخت؟ تخوفني المنايا والموت وأنا ما زلت شابًا صغيرًا، ماشي كلامك صحيح، كم من صغير دفنا، لكن الموت في الكبار أكثر منه في الصغار، فاستعد يا أبا إسحاق، استعد. أنت تذكرني وأنا شاب وكلامك حق، لكن أنت حري أن تتعظ به، وقد قاربت على مشارف القبر. وكنت مع الصبا أهدى سبيلاً، فما لك بعد شيبك قد نكست؟ يا أبا إسحاق عندما كنت صغيرًا مثلي كنت أفضل همة في طلب العلم، فما بالك عندما كبرت نكست همتك وانتكست، وعدت إلى الاشتغال باللهو.

طبعًا إخواني كل هذا من جلد الذات، ولا تعتقدوا هذا في أبي إسحاق؛ فإنه مات منفيًا وهو مجاهد في سبيل الله، يجاهد باللسان في مدينة "البيرة" التي نسب إليها. نشأنا نقول الألبيري، الألبيري نسبة إلى مدينة إيش؟ "البيرة"، وهي منفاه؛ نفاه حاكم غرناطة إليها لأنه رفض وجود اليهود في حكم غرناطة، فنفي إليها ثابتًا صابرًا مجاهدًا.

وها أنا لم أخض بحر الخطايا كما قد خضت حتى غرقت. يا أبا إسحاق أنا لم أخض بعد في أوحال الذنوب والمعاصي، وأنت يا أبا إسحاق سبعين سنة وقد غرقت في أوحال الذنوب والمعاصي، انتبه قبل أن تنصحني. ولم أشرب حميا أم دفر، وأنت شربتها حتى سكرت. الحميا هو ثوران كأس الخمر إذا ثارت الكأس وفارت، و"أم دفر" أيها الكرام هو لقب من ألقاب الدنيا، الدنيا تسمى عند العرب أم دفر لكثرة مصائبها، والدفر هي المصيبة. فيقول وأنا لم أشرب من كأس الدنيا هذه الكأس الفائرة التي تهيج حميا كأنها كأس خمر، أنا ما شربت، أنا لسه عمري خمسة عشر أو ستة عشر؛ أبو بكر الظاهر كان عمره صغيرًا، فيقول أنا لساتي بخطواتي الأولى يا أبا إسحاق، وأما أنت ستون سنة وأنت تشرب من هذه الدنيا ومن لهوها وعبثها. طبعًا برجع بقول هذا جلد للذات.

ولم أحلل بوادٍ فيه ظلم، وأنت حللت فيه وانهملت. يعني أنا لم أنزل ولم أظلم الناس بعد، ما زلت شابًا في ريعان الشباب، وأما أنت فقد غرقت في وديان الظلم وانهملت فيها وغطست فيها، فأنت أحرى بالنصح مني. ولم أنشأ بعصر فيه نفع، وأنت نشأت فيه وما انتفعت. يعني أنا الزمان الذي نشأت فيه لا أجد علماء كثيرًا حولي أنتفع بهم، وأما أنت يا أبا إسحاق فقد كان في زمنك الكثير من العلماء، فلماذا لم تنتفع بهم؟ فلماذا تنصحني وتؤزني لطلب العلم وأنت لم تنتفع بالعلماء الذين كانوا في زمنك عندما كنت شابًا؟

وقد صاحبت أعلامًا كبارًا، ولم أرَك اقتديت بمن صحبت. وناداك الكتاب فلم تجبه، ونهنهك المشيب فما انتبهت. وناداك الكتاب فلم تجبه، الكتاب لعله الأجل هنا، وقد يكون محتمل القرآن ناداك لتعمل به فلم تجب. "ونهنهك" يعني أنذرك، أنذرك المشيب وأخبرك باقتراب ساعتك، لكنك لم تنتبه ولم تتعظ لمرور الزمان.

ليقبح بالفتى فعل التصابي، وأقبح منه شيخ قد تفتى. جميل هذا البيت، يقول إذا كان الفتى يقبح منه فعل التصابي والضحك والمزح، فالأدهى والأمر أن تجد شيخًا كبيرًا يتفتى؛ أن تجد شيخًا كبيرًا يقلد الفتيان الصغار. أليس هذا أسوأ يا أبا إسحاق؟ وكأنه يرسل رسالة لأبي إسحاق يقول: أنا شاب نعم يعيبني التفتي، لكن على الأقل معذور يقال شاب صغير، لكن رجل كبير مثلك يتفتى، أن يتصرف تصرف الصبيان فينشغل بالشهوات، أليس هذا عيبًا؟

فأنت أحق بالتفنيد مني. التفنيد ما هو التفنيد أيها الكرام؟ التسفيه. فيقول فانت أحق بالتفنيد، يعني أنت أحق أن تُسَفَّه مني، أنت أنبتني وأثقلت علي النصح وأخبرتني بمرور الزمان وتفت فؤادك الأيام وتنحت جسمك الساعات، وأحذر من الغواني، وكل هذا الكلام وجهته لي وحذرتني من كثرة اللهو والضحك ودفعتني لطلب العلم، أنت أحق بأن تُسَفَّه مني.

إذا رأيت مني شيئًا من اللهو والعبث، فأنت كل حياتك قضيتها لهوًا وعبثًا. طبعًا هذا كله مجاز، كان هنا أبو إسحاق يلوم نفسه وكان يتمنى أن يكون أفضل في المستوى العلمي الذي وصل إليه، وهذا حال كل من كبر، ولو حصل علمًا لكن يعلم أن هناك ساعات من العمر ذهبت. وكل واحد فيكم يعرف ذلك، لو نظرت في شريط حياتك أظنك الآن تعض أصابع الندم على ساعات وأشهر وسنوات مضت بدون علم نافع، خاصة الشباب الكبار منكم يعلمون جيدًا ما أقول. كيف تسرق ساعات العمر منا سرقة، وكيف تغمض عينًا وتفتحها فإذا أنت على ظهر الأربعين أو الخمسين أو الستين؛ العمر يركض، انتبه واستيقظ.

ولو سكت المسيء لما نطقت. يعني لو كان المسيئون يسكتون، فأنتم ستكونون منهم ولن تنطق، لو كان المسيء يجب عليه أن يسكت ولا يتكلم، فأنت لن تنطق شيئًا لأنك من هؤلاء المسيئين. ولو سكت المسيء لما استطعت أن تنطق بأنك أحدهم. ونفسك ثم لا تذمم سواها بعيب، فهي أجدر من ذممت. اشتغل بنفسك، ذم نفسك يا أبا إسحاق، لا تذمم غيرك، لا تشتغل بعيوب غيرك. اشتغل بعيوب نفسك، بتقصيرك، بحجم الساعات التي أضعتها من حياتك؛ نفسك هي التي تستحق اللوم والنظر في عيوبها قبل أن تنظر في عيوب الآخرين وقبل أن تنشغل بلومهم. ونفسك ثم لا تذمم سواها بعيب، فهي أجدر من ذممت؛ نفسك أجدر نفس تستحق أن تُلام وأن تُذم وأن تُعاب لكثرة التفريط الذي ظهر منها.

فلو بكت الدماء عيناك خوفًا لذنبك، لم أقل لك قد أمنت. وهذا أيضًا من جلد الذات، يقول لو بكت عيناك الدم بسبب ذنوبك، أستطيع أن أجزم لك أنك أمنت عند الله؟ تخيل كأنه يقول ذنوبك كثيرة، لو أنك بكيت دمًا عليها لا أجزم لك بالأمان عند لقي الله سبحانه وتعالى. فلو بكت عيناك الدماء خوفًا من الله لذنبك، أي بسبب ذنبك، لا أستطيع أن أقول لك خلاص ما دام والله أنت بكيت معناته أمورك طيبة، لا، لا آمن عليك عند الله شيئًا. ومن لك بالأمان وأنت عبدٌ أُمرت فما ائتمرت ولا أطعت؟ ومن أين يأتيك الأمان وأنت عبدٌ لإله، هذا الإله أمرك فلم تأتمر ودعاك فلم تطعه، من أين ستحصل الأمان بعد ذلك؟

فقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت. نعم، ثقلت عليك ذنوبك، كثرت ذنوبك، ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت؛ أي ألا تخشى إذا وضعت في الميزان ووضعت أعمالك في الميزان ووضعت صحائف أعمالك في الميزان، ألا تخشى أن تجد الميزان يطيش وتجد أعمالك خفيفة ووزنك خفيف عند الله، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]. نسأل الله السلامة والعافية. فعلاً إخواني هذه الأمور ينتبه لها الإنسان في حياته، أنه هل أنت ثقيل عند الله؟ هل وزنك ثقيل؟ اعمل أعمالك، ما قدمته إلى الله لله عز وجل، في خدمة هذا الدين، في طلب العلم، في تحصيل المعاني النافعة، في البذل والعطاء، هل أنت ثقيل أم خفيف لا تزن شيئًا عند الله؟ بعض الناس معه أموال كثيرة ومعه قصور كثيرة ولا يزن عند الله جناح بعوضة أيها الكرام، فانظر في ميزانك عند الله ولا تنظر في وزنك عند الناس، فإن المهم الميزان الأخروي.

وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمت. أنت تشفق علي وأنت حريص علي، تشفق على كل إنسان مصر على المعاصي، طيب هلا أشفقت على نفسك؟ فأنت واحد منهم، أنت من الناس المصرين على المعاصي. أحيانًا تجد طالب العلم يذم المجتمع يقول والله المجتمع تبرج كثير وملاهي كثيرة، ويشفق عليهم ويشد في الكلام ويقسو، ولو نظرت في حاله هو نفسه تجد عنده كثير من المعاصي هو مصر عليها. فقبل أن تكون شديدًا في الكلام على أهل المعاصي، انظر في نفسك لعلك أحد المصرين، لعلك أحد المصرين وأنت تتظاهر وتتصنع، دائمًا أو قد تكون صادقًا أنك تلوم المجتمع على فساده وشهواته وفتنه، وأنت جزء من هذه الشهوات. وأنت أحدهم ولست بعيدًا عنهم، قد تكون مدمنًا للحرام، قد تكون مدمنًا للنظر الحرام، تذم السوشيال ميديا وأنت مدمن عليها، تذم العلاقات المحرمة وأنت تخوضها، تذم أشياء كثيرة ومظاهر اجتماعية فاسدة وأنت واحد منهم. فيقول وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمت؛ طيب ارحم نفسك قبل أن تنظر بعين الشفقة إلى غيرك، انظر بعين الشفقة على نفسك المصرة على الذنوب والمعاصي، فأنت توردها المهالك.

رجعت القهقرى وخبطت عشواء، لعمرك لو وصلت لما رجعت. رجعت القهقرى، ما هو رجوع القهقرى؟ أن ترجع على عقبيك يعني أن ترجع وأنت تنظر إلى الأمام، هذا يسمى رجوع القهقرى. فيقول أنت عدت أدراجك إلى الوراء مع أنك تقدمت في يوم من الأيام، ولذلك كانوا يقولون دائمًا: استعيذوا بالله من الحور بعد الكور، ومن الإحجام بعد الإقدام. قد تكون مقدماً على الخير في فترة من فترات الحياة، قد تكون مقبلاً على مجالس التعلم، ثم بعد سنوات يفقدك إخوانك من مجالس التعلم يبحثون عنك: يا فلان ألم تكن معنا تحضر مع المشايخ؟ ونذهب سويًا إلى حلق العلم ونحفظ المتون والمصنفات؟ لماذا تغير حالك؟ لماذا رجعت القهقرى؟ لماذا عدت أدراجك بعد أن تقدمت؟ نسأل الله الثبات حتى الممات.

رجعت القهقرى وخبطت عشواء، "العشواء" هي إخواني الناقة التي في بصرها ضعف، فإذا مشت لا تبصر ولا تهتدي فتجدونها تتخبط هكذا يمينا وشمالًا، هذه تسمى العشواء، ناقة في بصرها ضعف لا تحسن البصر في أثناء سيرها فهي تتخبط. رجعت القهقرى وخبطت عشواء، يعني خبطت خبط العشواء، تخبطت في سيرك بعد أن كنت على استقامة وهداية وصاحب بصيرة، وتسير إلى الله على بصيرة أصبحت متخبطًا. أحيانًا هنا وأحيانًا هنا، يوم في مقهى ويوم في علاقة محرمة ويوم في فتن ويوم في مصائب ودواهي، هذا هو تخبط العشواء. بينما المؤمن طالب العلم يسير إلى الله على وضوح، عرف الطريق فلزمه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]، ثبت ولم يتخبط خبط العشواء. لعمرك لو وصلت لما رجعت، لو وصلت يعني لو قد ذقت طعم الوصول إلى الله حقًا ولو عرفت نهاية المسير حقًا لما رجعت، لكن رجوعك هو دلالة وأمارة على أنك لم تصل وأنك إنما خضت بدايات الطريق ولم تصل إلى نهايتها، لأن من عرف الله حق المعرفة لا يمكن أن يرجع، ومن عرف شرف العلم حق المعرفة لا يعود أدراجه، لكن الذي لم يعرفه حقًا ولم يعرف الله حقًا أمثال هؤلاء يتصور منهم الانتكاسات ويتصور منهم خبط العشواء.

ولو وافيت ربك دون ذنب وناقشك الحساب إذاً لهلكت. لو أنك قابلت الله يوم القيامة بدون ذنب، ولكنه ناقشك الحساب ستَهْلِك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عُذِّب». فإذا أنت لو فرضا - يعني هذا على سبيل التنزل - لو فرضا قابلت الله بدون ذنب ولكن الله ناقشك فقط بهذه المناقشة ستَهْلِك، فما بالك وأنت غارق بالذنوب؟ فما بالك وأنت كلك ذنوب وخطايا في يومك وفي نهارك وفي ليلك؟ يا أخي استيقظ انتبه استغفر يا رب.

ولم يظلمك في عمل، ولكن عسير أن تقوم بما حملت. نعم، ولم يظلمك في عمل، الله سبحانه وتعالى هو لم يظلمك إذا ناقشك الحساب وعذبك، حتى لو لقيته بدون ذنوب، لماذا؟

إخواني، لو نفرض أن إنساناً ما عنده ذنوب، يعني ذنوب معصية فعلها، ما فعل معصية، لكن هل سيدخل الجنة بأعماله؟ لا، صحيح. لو فرضاً أنت لقيت الله ما عندك ذنوب، فهل تستطيع أن تقول: يا رب، أنا أريد أدخل الجنة لأني يا رب لقيتك وما عندي ذنوب؟ نقول لك: لا تستطيع أن تقول ذلك. لماذا؟ لأنه حتى الطاعات التي قمت بها قمت بها بتقصير؛ صلاتك التي تمن على الله بها فيها تقصير، صيامك الذي تمن على الله به فيه تقصير، زكاتك، ذكرك، قراءتك للقرآن، طلبك للعلم، كله فيه دخن. فحتى لو لم تفعل معصية، زنا، نظر إلى نساء، فرضاً لم تفعل شيئاً من هذه الذنوب، اعلم أنك لن تستطيع أن تقوم بحق الله سبحانه وتعالى. فلو ناقشك -مع أنك لم تذنب- لو ناقشك وعذبك، لعذبك وهو عادل لم يظلمك أبداً؛ لأنك لو فتشت في أعمالك الصالحة لوجدت أنها معيبة، وأن فيها دخلاً؛ لذلك قال: ولم يظلمك في عمل، ولكن عسير أن تقوم بما حملته. صعب أن تقوم بالتكاليف التي أمرك الله بها كما أراد الله أن تقوم.

يعني ربنا أمرك بالصلاة بخشوع، صعب أنك تسلمها كما أمرك بها تماماً بدون نقص؛ ألا تجد في صلاتك خلل ونقص؟ كذلك أمرك بصيام تام، ستجد أن فيه خللاً ونقصاً، أمرك بزكاة، بحج، بقراءة، كله فيه خلل، فلذلك أنت في النهاية رهن رحمة الله، أنت في النهاية كإنسان رهن رحمة الله سبحانه. ولو لقيته بدون ذنب، ها ولو لقيته بدون ذنب، لأن أعمالك الصالحة أنت لا تستطيع أن تحملها وأن تقوم بها كما أراد الله أن تقوم بها؛ لذلك قال: ولم يظلمك في عمل، ولكن عسير، يعني يصعب أن تقوم بالتكاليف كما يريد الله أن تقوم بها، وأن تؤديها كما هو حق الله فيها. فاحترم ضعفك أيها الإنسان، احترم ضعفك، واحترم تقصيرك، واسأل الله أن يرحمك.

نعم، ولو قد جئت يوم الفصل فرداً، وأبصرت المنازل فيه شتى، لأعظمت الندامة فيه لهفاً، على ما في حياتك قد أضعت. ولو قد جئت يوم الفصل فرداً، وكلكم آتيه يوم القيامة فرداً إخواني، أليس كذلك؟ فيقول: لما تأتي يوم القيامة وحدك، وأبصرت المنازل، منازل أهل الجنة وهم يتفاوتون فيها، ومنازل أهل النار وهم يتفاوتون فيها، منازل شتى كما أن سعينا في الدنيا شتى ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]، فكذلك تنوعت المنازل يوم القيامة على حسب سعي الساعين في هذه الحياة الدنيا. ولو قد جئت يوم الفصل فرداً، وأبصرت المنازل شتى متنوعة بسبب تنوع السير إلى الله، قال: لأعظمت الندامة وعضضت أصابع الندم لهفاً. ما معنى لهفاً؟ أسفاً وتحسراً على ما في حياتك قد أضعته، على ما أضعت من ساعات العمر، من الاجتهاد، من المواظبة على الخير، من السعي في المصالح، والابتعاد عن المفاسد. نعم، ستعض أصابع الندم عندما ترى أهل المنازل العليا في الجنة قد نزلوا منازلهم، وأنت ما زلت في عرصات القيامة، لا تدري هل يغفر لك أم تسقط في نار جهنم والعياذ بالله.

تفر من الهجير وتتقيه، فهلا عن جهنم قد فررت؟ تفر من الهجير ووقت الظهر حيث تكون الشمس حارقة، نحن إخواني نفر من الحر، حتى في هذا المجلس نفر من الحر، أليس كذلك؟ تفر من الهجير وتحاول أن تبتعد عن الحرارة، لكن هل فكرت في هجير جهنم أن تفر منه؟ هل أعطيت هذا الهجير حظه من النظر والتفكر والتدبر؟ يقول: تفر من الهجير في الدنيا، تفر من الحرارة، حرارة الشمس وحرارة الجو، وتتقيه أي تحاول أن تتقي ذلك مكيفات، مبردات، بكل الوسائل المتاحة، فهلا عن جهنم قد فررت؟ لا، فكرت أيضاً، يعني ما عندنا مشكلة فر من حر الدنيا، بس الحر الأعظم الذي عليك أن تفكر بالفرار منه هو حر الآخرة. نعم، ولست تطيق أهونها عذاباً، ولو كنت الحديد بها لذبت. أنت لست تطيق أخف عذاب في النار، وأخف عذاب في النار ما هو؟ جمرة إخواني توضع تحت الأرجل فيغلي منها الدماغ، هذا أخف عذاب في نار جهنم، جمرة توضع تحت الأرجل فيغلي منها الدماغ، فيقول: ولست تطيق أهونها عذاباً، يعني أنت لا تطيق أخف عذاب في نار جهنم، ما بتطيقه. ولو كنت حديداً ووضعوك في نار جهنم لذبت مباشرة. قال: ولو كنت الحديد بها لذبت من حرها ووهجها، ونار الدنيا إنما هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم.

فلا تكذب، فإن الأمر جد، وليس كما حسبت ولا ظننت. هي أظنها فلا تكذب تمام، أي لا تقل هذا الكلام فيه كذب، فلا تكذب، فإن الأمر جد، لا إياك أن تكذبني، إياك أن تقول: والله يا أبا إسحاق الألبيري أنك عم تبالغ شوي، يعني الأمور ليست هكذا، الأمور أسهل، لا، إنه لقول فصل وما هو بالهزل. إخواني، هذه النصائح باستغلال ساعات العمر، بطلب العلم النافع، والانشغال بهذه الموارد، وتحذير الإنسان من مرور ساعات العمر عليه عبثاً وغفلة وضحكاً ومزاحاً، هذا مش مبالغة؛ لأنه أكثر الناس لما يسمع مثل هذه القصائد أو المواعظ أو النصح، كيف يستقبلونه؟ نصيحة، يعني موعظة: والله ذكرتنا بالله يا شيخ، يعني جميل، هيك يعني يأخذ الأمر على أنه مجرد يعني ساعة من الترويح عن القلب أو التذكير، ووالله الأمر أعظم من ذلك بكثير، والأمر خطير، جد خطير. لكن أكثرنا أو أقول أكثرنا لن يعي ذلك الآن، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، وإنما سيعون مثل هذه الكلمات ودقتها يوم القيامة. تقول: يا والله سمعت قصيدة لأبي إسحاق الألبيري ذكرني بشرف الزمان وضرورة الانشغال بأعمار الزمان بما يقرب من الله، وأنا بقيت مصراً على حياة التفاهة، بقيت مصراً أن أعيش حياتي لنفسي ولذتي، ولم أعيش لأمتي. نعم، عندئذ يقول لك: فلا تكذب، لا تكذب كلامي، لا تقل فيه مبالغة، فإن الأمر جد، الأمر ما فيه مزح، وليس كما حسبت ولا ظننت، أي ليس كما تتوقع أنه سهل ولا إشكال، وأن الأمور يوم القيامة خفيفة. يوم القيامة الأنبياء يبهتون، الكل يقف، الكل يقول: سلم سلم، فماذا سأقول أنا وأنت يوم القيامة؟ ماذا سنقول إذا وقفنا بين يدي الله؟ فهذه النصائح إخواني تكتب بماء الذهب ويعمل بها.

طيب، الآن انتهى أبو إسحاق الألبيري من لوم نفسه أو نصح نفسه على لسان ابنه، سيعود يكلم هو ابنه الآن، سيعود ليحدث ابنه فيقول له: أبا بكر كشفت أقل عيبي، وأكثره ومعظمه سترت. نعم يا أبا بكر يا بني، والله فعلاً كلامك صحيح، ترى أنت كشفت أقل عيوبي، كل كلامك وهالبهدلة هي اللي سمعت منك هذا كله جزء يسير من عيبي، وأعلم أنك سترت أكثر عيوبي ولم تفضحني فيها. أبا بكر، شوف طبعاً زهد العلماء وتواضعهم وجلدهم لأنفسهم. اليوم إخواني ترى كثير من طلاب العلم لا يقبل أن ينصح، ولا يقبل أن يوجه، ولا يحاسب نفسه. من أنت حتى لا تحاسب نفسك؟ العلماء يحاسبون أنفسهم يوماً بعد يوم، وعمر بن الخطاب وأبو بكر والصحابة الكرام كانوا يحاسبون أنفسهم. متى آخر مرة جلدت نفسك وراقبتها وحاسبتها وعددت عيوبها؟ من أنت حتى لا تنصح ولا يقال لك أخطأت؟ بعض المشايخ إذا حصل شهادة أو موقع جامعي أو الأسماء المناصب الدكتور أو السماحة، يصبح يعني أعلى من النقد وأعلى من أن يعيب نفسه وأن يحاسبها. انتبه فإن دأب العلماء أن يعيبوا أنفسهم ليصلحوها، ولا يعيبوها ليدمروها، لا هو يعيب نفسه لينتبه ويستيقظ. نعم.

فقل ما شئت في من المخازي، وضاعفها فإنك قد صدقت. يقول: فقل ما شئت في من المخازي، تكلم والله يا أبا بكر في عيوبي، فقل ما شئت من مخازي، وضاعفها يعني وزدها ضعفاً، فإنك قد صدقت، فعلاً أنا قصرت في شريط العمر في شريط الحياة، لم أستغل الحياة كما ينبغي أن تستغل، فأنت صادق في تأنيبك لي. نعم، ومهما عبتني فلفرط علمي بباطني، كانك قد مدحت. جميل هذا الكلام، يقول: ومهما عبتني يعني مهما ذكرت من عيوبي، فلفرط علمي أي فلكثرة علمي بماذا؟ بباطني، أي بذنوبي التي لا يعلمها إلا الله، ومهما عبتني فلفرط علمي أي لكثرة علمي بباطني وما فيه من الخزايا وما فيه من القبائح، كأنك والله بكل بهدلتك السابقة كأنك قد مدحتني، وبهدلة بس هو يقول: كأنك قد مدحتني؛ لأنك لم تتكلم إلا بنزر يسير من عيب كثير. طبعاً، أرجع أعود فأقول هو يؤنب نفسه، يبحث عن صلاحها، ويحاول إظهار التقصير؛ لأن من نظر إلى نفسه بعين الكمال ضعف. انظر دائماً يا طالب العلم إلى نفسك بعين التقصير، لا تقل أنا ممتاز، لا تقل الحمد لله، لا أموري طيبة، لا، عندك نقص، عندك نقص، اعترف بنقصك، اعترف بضعفك؛ لأنك متى قلت أن أمورك طيبة، وأن علاقتك مع الله ممتازة، وما في في مشاكل، أعلم أن كل المشاكل فيك، عندئذ أعلم أن كل المشاكل فيك، عندئذ دائماً الإنسان ينظر إلى نفسه بعين النقص والعيب، ويعرف أنه لم يعبد الله حق العبادة، ولم يؤدي حق مولاه سبحانه وتعالى كما ينبغي.

فلا ترضى المعايب، فهي عار عظيم يورث الإنسان مقتاً. فلا ترضى المعايب، يعني الآن إخواني سؤال، إذا كان إنسان فيه عيوب، هل معنى هذا أنه لا ينصح غيره؟ ينصح، صحيح، وهل معنى هذا أن الذي نصحته يقول لي: أوعك تنصحني لأنه أنت فيك عيوب؟ لا، لأنه لو كان هذا قانون النصيحة لما نصح أحد أحداً. يعني لو كنت أنا سأنصحك وأنا كامل فإنا أضحك عليك حتى تفهم، تمام. أنا أنصحك وأنا في عيوب، ولكن إذا كانت النصيحة شرطها السلامة من العيوب، لما نصح أحد أحداً. لكن أنا في عيوب وأنصحك لعلي أكمل نفسي وأكملك، وأن تقبل نصحي ولا تقول لي: لا أنا ما بقبل نصيحتك لأنه أنت فيك في كذا من العيوب، ترى بعض الناس هذا ديدنه، إذا جاء شيخ أو زميل ينصحه ايش يقول لك؟ يا أخي لا تنصحني، ويبدأ يذكر مخازي صاحبه، يا أخي أنت ايش علاقتك؟ هو نصحك في حق أم في باطل؟ إذا نصحك بحق فقل له جزاك الله خيراً، حتى لو كان الناصح فيه عيوب، إذا نصحك بحق وفي عيب قائم فيك قل له جزاك الله خيراً فقد أهديت إلي عيوبي، وأما أن تبدأ بمعركة: أنت كيف بتنصحني؟

طب أنت ها، وأبلش أنشر غسيله قدام الناس، هذا ليس منهج العلماء ولا من منهج أهل الخير والصلاح، بالعكس، رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي، حتى لو كان هو كل عيوب، جزاه الله خيراً. نعم، النصيحة لها أسلوب ولها وقت ولها ظرف يجب أن يراعى، وآداب النصيحة معلومة، لكن المقصد أن لا يظن من هذا الكلام أن أبا بكر لم يقبل نصيحة والده والله؛ لأن والده فيه عيوب، لا بده يقبلها، فلذلك ماذا يقول له أبوه: يا أبا بكر، إذا كان أنا في معايب، فلا ترضى أنت المعايب، يعني لو أنا كنت مليئاً بالعيوب أنت كشاب كن أحسن مني، فلا ترضى المعايب فهي عار عظيم، هي عار عظيم يورث الإنسان مقتاً، أي بغضاً بغضاً من الله وبغضاً من الناس، المقت هو أشد البغض، يبغضك الله ويبغضك الناس. نعم.

وتهوي بالوجيه من الثريا، وتبدله مكان الفوق تحت. نعم، قد يكون الإنسان وجيهاً شيخاً مطاعاً وعالماً متمكناً وصاحب مكانة اجتماعية، تمام، ولكن تكتشف له فضيحة أو يكتشف له عيب فيهوي به بعد أن كان في الثريا؛ الثريا مجموعة نجوم سماوية معروفة سلسلة نجمية عالية، تمدحها العرب، فهو يقول قد يكون الشخص عند الثريا، شخص معروف مرموق بعلمه وبسالته وفضله وكرمه، بمجرد أن يفتضح بين الناس بفضيحة ماذا يحصل به؟ يخر مباشرة، يسقط. فبالتالي انتبه يا بني، المعايب إذا فضحت أسقطت، المعايب إذا فضحت أسقطت، فانتبه لا تقع في المعايب ابتداء. نعم.

كما الطاعات تنعلك الدراري، وتجعلك القريب وإن بعدت. وأما الطاعة والخير والأعمال الصالحة، تجعلك، تنعل الدراري، الدراري هي الكواكب المضيئة، ومعنى تنعلها يعني تكون في رجليك، تخيل! إذا أنت عصيت ستسقط من الثريا، وإذا واظبت على الطاعة ستكون لست أنت فوق الدراري، لا، الكواكب في رجليك. فماشي، تنعل، يقول ستكون الدراري نعلاً لك وأنت فوقها، دلالة الرفع والسمو لمن واظب على صلاح نفسه وصلاح قلبه، وواظب على تحصيل ما ينفعه، وراقب أنفاسه وحياته، قال: كما الطاعات تنعلك الدراري، أي تجعلك تنتعل، أي تلبس في قدميك الدراري وهي الكواكب المضيئة، وتجعلك القريب وإن بعدت، أي تكون قريباً من الناس وقريباً من الله، وتجعلك القريب وإن بعدت، ولو كنت نائياً بعيداً عن الناس تكون قريباً منهم لأن الناس تحبك، الناس تقترب منك لأنك بالصالحات التي معك أحبك الناس وجعل الله لك قبولاً، وتحبك الملائكة وإن كنت بعيداً عنها، ويحبك من فوق العرش سبحانه وتعالى، وتجعلك القريب وإن بعدت بذاتك، يعني نعم.

وتنشر عنك في الدنيا جميلاً، فتلقى البر فيها حيث كنت. نعم، أعمالك الصالحة تنشر ذكراً لك حسناً في الدنيا، من يعطيني آية تدل على ذلك؟ الأعمال الصالحة تجعل لك ثناءً حسناً بين الناس في الدنيا؟ أحسنت، في آخر سورة مريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]، ما معنى وداً؟ المفسرون: ثناءً حسناً بين الناس، الذين يواظبون على الطاعة، على الخيرات، وينافسون في تحصيلها، سيجعل لهم الله ثناءً حسناً؛ لذلك قال: وتنشر عنك في الدنيا جميلاً، تنشر، والنشر هو يكون للرائحة الطيبة الذكية، أي أعمالك الصالحة ستنشر لك عبقاً طيباً وثناءً جميلاً، فتلقى بسببه البر، الإحسان، من الناس حيث كنت. ما تيجي على واحد، تفضل.

يقترب منا، وهذا بده يعزمك، وهذا بده يزورك، وهذا بده يذهب، وهذا كذا، تجد الناس، وهذا بده يخدمك، بتكون في دائرة حكومية بده يشيل عنك، بتكون في كذا، تجد الناس تحب أن تخدمك وتحب أن تتقرب إلى الله بخدمتك. هذا أثر أعمالك الصالحة إذا كنت مخلصاً فيها لله. طبعاً أنت ما بيصير تعمل الأعمال الصالحة مشان يخدمك الناس، لا، أنت تعملها لله أخي، تمام. لكن من الثناء الحسن ومن الأثر الجميل أن الله يسخر الناس لك، فتجدهم يحبون الإحسان إليك لما كتب الله لك من القبول في قلوبهم. نعم.

وتمشي في مناكبها كريماً، وتجني الحمد مما قد غرست. في هذه الدنيا إذا واظبت على الطاعة، على العلم النافع، ستمشي في مناكبها، ما هي المناكب؟ هي الطرقات، كما قال في سورة تبارك: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15]. قال: وتمشي في طرقات الدنيا عزيزاً كريماً شريفاً، فالكرم هنا بمعنى الشرف، الكرم هنا بمعنى الشرف والجلال. وتمشي في مناكبها معززاً شريفاً عظيماً، وتجني الحمد هو الثناء، مما قد غرست؛ الشيء الذي غرسته بيدك أنت، غرست العلم النافع، غرست الأعمال الصالحة، غرست أعمالاً طيبة في الناس، ستجني الحمد وهو الثناء من الله ومن الناس؛ من الله أولاً، ثم من الناس ثانياً، وتجني الحمد أي الثناء من الناس ومن الله، مما قد غرست، أي من الشيء الذي غرسته.

وكما تدين تدان، والله إخواني يجازي الإنسان على حسناته كما أنه يجازي على السيئات، فإنه سبحانه يجازي على الحسنات أضعاف أضعاف ما يتصور. فاغرس خيراً في عقول الناس، واغرس خيراً في قلوبهم، واغرس خيراً، واترك أثراً طيباً في حياتهم حتى يترك الله لك ثناءً جميلاً. وطلب الثناء الجميل ليس مذموماً، فسيدنا إبراهيم ماذا قال؟ ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]؛ يعني اجعل لي ثناءً حسناً، واجعل صيتي طيباً، واجعل صيتي طيباً، ولا تجعل سمعتي سيئة. وهذا ليس من الرياء، لكن بشرط أن تقوم بالعمل لله. نعم.

وأنت الآن لم تعرف بعاب، ولا دنست ثوبك منذ شتات. يعني يا أبا بكر كلامك صحيح، أنا غرقت في العيوب، غرقت في المعاصي والآفات، كلامك صحيح، لكن أنا بدي أنصحك قبل ما أنت تغرق زيي. أنت الآن ما زلت شاباً في ريعان شبابك، ولم تغرق في العيوب، ولم تدنس ثوبك، فأنا نصيحتي لك هدفها ألا تخطئ مثل خطئي، ولا تكرر ما وقعت فيه أنا، لذلك قال: وأنت الآن لم تعرف بعاب، عاب يعني بعيب، العاب هنا بمعنى العيب، ولا دنست ثوبك منذ شتات. الظاهر أن أبا بكر هذا عمره 13 سنة، 12 سنة، شيء من ذلك، يعني لسه ما صحصح على الدنيا، فهو بيقول له: من الآن أنت ثوبك نقي، خليه نقي، سجلك نظيف، خليه نظيف، وإياك أن تضع فيه نقاطاً سوداء. نعم.

ولا سابقت في ميدان زور، ولا أوضعت فيه ولا خببت. نعم، لم تسابق في ميادين الزور، وميادين الزور هو الظلم. الزور هو الظلم، والبعض يقول الزور كل ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى فهو زور لأنه ليس حقيقة، البعض يقول الزور كل باطل، فكل باطل زور؛ ليه؟ لأن الزور هو خلاف الحق، وكل ما لا يرضي الله هو زور. فيقول: ولا سابقت في ميدان زور، يعني في ميدان باطل، ولا أوضعت فيه ولا خببت. الإيضاع إخواني هو نوع من السير السريع، والخبب أيضاً نوع من السير للجمال فيه سرعة، فيقول: ولا أوضعت، يعني لم تسرع فيه، ولم تخبب. وهذا تأكيد، ولكن هذا سير وهذا سير آخر، فهو يقول: أنت ما زلت شاباً في ريعان شبابك، لسه لم تسابق إلى المعاصي وإلى الظلم، ولم تسرع في تلك الميادين بأي شكل من أشكال الإسراع، لا أوضعت ولا خببت؛ يعني لم تسرع بأي شكل من أشكال الإسراع. ما زلت شاباً صغيراً، مستيقظاً على الدنيا، انتبه، لا تخطئ أخطاء من مضى. نعم.

فإن لم تنأ عنه نشبت فيه، ومن لك بالخلاص إذا نشبت؟ فإن لم تنأ عنه، إذا لم تنأ عن الزور، الضمير في «عنه» عن الزور. أنت ما سابقت في ميدان الزور صح، لم تسابق في الظلم ولا في البطلان، فإذا لم تنأ بنفسك عن الزور، عن الظلم، عن الآفات، نشبت فيه؛ يعني ايش؟ علقت وغرقت في أوحال الزور، في أوحال الظلم، في أوحال المعاصي. فكما يقولون: الوقاية خير من قنطار علاج، يعني قبل ما تسقط في الأوحال، ابتعد عنها، اجتنب المحارم. فإن لم تنأ عنه، لأنك إذا لم تجتنب، وسولت لنفسك التذوق من عسيلة الدنيا بذنوبها ومعاصيها، ستنشب وتتعلق بالمعاصي. كثير من الشباب الصالح سبب إدمانه على معصية ما هو؟ نظرة سمح بها لنفسه، صح، كان شاباً صالحاً من طلاب العلم، ما عنده مشاكل، لكن أين جاءت سقطته التي ما استطاع أن يخرج منها إلى الآن؟ نظرة أورثت حسرة، مقطع فيديو شاهده، أورثه نكبات وأورث القلاقل والبلابل في قلبه.

فالفكرة كما قال أبو إسحاق من البداية ابتعد، لأنك بمجرد أنك تسمح لنفسك بأول خطوة ستنشب، ايش يعني تنشب؟ تعلق. كيف الشبكة، المصيدة، إذا نشبت فيها العصفور خلص علق، ما يستطيع يفك إلا أن يشاء الله. فهو ينصحك نصيحة معلم صاحب خبرة، المعاصي من سمح لنفسه أن يطرق أول باب ويدخله يسحبه، فمن البداية، اللهم سلم سلم، من البداية ابتعد عن أبوابها، وانأ بنفسك عنها طلباً للنجاة. ومن لك بالخلاص إذا نشبت؟ من أين لك الخلاص إذا أصبحت مدمناً للنظر الحرام؟ من لك بالخلاص إذا أصبحت مدمناً للأفلام والمقاطع والمسلسلات؟ من لك بالخلاص إذا أصبحت مدمناً لعلاقات محرمة؟ من لك بالخلاص إذا أدمنت على الدخان أو ما شابه ذلك من السيئات؟ طبعاً كل شيء له علاج، لكن أيهما أسهل؟ أن تعالج نفسك بالابتعاد ابتداءً أو أعالجك بعد أن تسقط؟ يعني عملية خلاصك عملية صعبة جداً مقارنة بعملية ابتعادك ابتداءً، فإذا أنت ابتعدت ابتداءً وصبرت ساعة، فإنت تريح نفسك من معالجة نفسك لسنوات. واسمعوا من أخبار من سقط في أوحال الذنوب والمعاصي، وهو يريد الخير ويريد الخلاص، كيف يعاني من ويلاتها وبالكاد بالكاد ينجو منها شهر شهرين فإذا به يعود يسقط مرة أخرى. فيقول: فإن لم تنأ عنه نشبت فيه، علقت في الصنارة أو في الشبكة، ومن لك بالخلاص؟ صعب. فهذه نصيحة أب للجميع، يا طالب العلم احذر أن تسمح لنفسك بساحة المعصية. الآن في معصية غير مقصودة تأتي عرضاً الله عز وجل يعينك على تجاوزها، لكن في معاصي هي بسبق الإصرار والترصد، بتعرفوها، هي هذه المعاصي بسبق الإصرار والترصد، دير بالك منها، لأنه ربنا عز وجل كما أنه كريم لكنه شديد العقاب، وكما أنه حليم لكن أخذه شديد. إذا رآك تتهاون وعندك سبق إصرار وترصد كثير، قد يبتليك بإدمان معصية من المعاصي وتعقد حياتك وتدمر عليك، ولا تستطيع البوح بها حياءً، لكن هي فعلاً نشبت في حياتك وفي قلبك وما عدت تذوق طعم الحياة ولا طعم العلم بسببها. نعم.

ودنس ما تطهر منك حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت. نعم، إذا دخلت في أوحال الذنوب والمعاصي والزور فإنها تدنس طهارتك، يعني أنت يا بني ما زلت شاباً صغيراً، ثيابك نظيفة، سجلك التاريخي نظيف، لا تدنسه، لا تضع عليه بقعاً سوداء. ودنس ما تطهر منك حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت، يعني كأنك لم تتطهر، لأن سبحان الله المعصية تتبعها معصية، وإذا عصى الإنسان نكت على قلبه نكتة سوداء، فإذا كثرت النكت السوداء بعد أن كان الثوب أبيض يصبح الثوب أسود، فلذلك ذلك يقول كأنك قبل ذلك ما طهرت، يعني بسبب تراكم البقع السوداء كان هذا الثوب لم يكن طاهراً في يوم من الأيام، الناظر فيه يقول: لا لا، هو هذا الثوب أسود، هو مش عارف أنه كان في يوم من الأيام أبيض، مثل الحجر الأسود، مش يقولون الحجر الأسود ماذا كان؟ أبيض، وإنما سودته خطايا بني آدم. هل أحد فيكم يتوقع أو يتخيل أن الحجر الأسود كان أبيض في يوم من الأيام؟ كذلك أنت أيها الإنسان، قلبك وأنت صغير غير مكلف أبيض، ما عندك معاصي، لكن كثير من الناس أصبح قلبه الآن أسود، لو كشفت عن قلبه قبل البلوغ وبعد البلوغ، كان أبيض أصبح أسود. فيقول: كأنك قبل ذلك ما طهرت، لكثرة ذنوبك التي تراكمت، فالناظر إلى قلبك يقول: مستحيل هذا القلب كان في يوم من الأيام نظيف، شوف قديش في سواد، مستحيل كان نظيف، هو كان نظيفاً نظيفاً لكن تزاحمت فيه الخطايا والذنوب والنكت السوداء، فما عاد يتصور أن مثله كان نقياً. نعم.

وصرت أسير ذنبك في وثاق وكيف لك الفكاك وقد أسرت؟ وصرت أسير ذنبك، وهذا معنى الإدمان إخواني. هم زمان ماذا يسمونه؟ فلان أسير لذنوبه، إحنا اليوم بنسميه مدمن على الذنوب. وصرت أسيراً للذنوب والخطايا التي سقطت فيها بسبب ساعة الغفلة التي أذنت فيها لنفسك، وصرت أسير ذنبك في وثاق، موثق في وثاق، وثقت يديك ووثقت رجليك، وكيف لك الفكاك وقد أسرت؟ مين بده يفكك الآن؟ مين اللي وثقك؟ أنت اللي وثقت نفسك، ومسكين إنسان يوثق نفسه بنفسه، يعني ما جاء شخص من الخارج وثقك، أنت من حبست نفسك، أنت من وثقت نفسك، أنت من سقطت في الإدمان بقدميك ورجليك، ما أحد قال لك انظر إلى الحرام وما أحد أجبرك على أن تفعل وتفعل، أنت من خط هذه البحار من الخزايا والمعاصي والذنوب ودنست ثيابك وطهرتك ووضعت نفسك في داخل هذا السجن، دعنا نرى كيف ستخلص نفسك الآن ومن الذي سينقذك؟ نعم.

وخف أبناء جنسك واخشى منهم كما تخشى الضراغم والسبنت. يقول لك حاول أن تخالط زملائك بحذر، خاصة الزملاء الذين عندهم إقبال على الدنيا وانهماك بها ولا يذكرونك بالله، فامثال هؤلاء كيف تكون مخالطتك لهم بحذر؟ فيقول: وخف أبناء جنسك، خف أبناء زمانك الغارقين في بحور الغفلة والشهوات، واخشى منهم كما تخشى الضراغم والسبنت. الضراغم هي الأسود، والسبنت هي النمور، اسم من أسماء النمور، وقيل هي السباع عموماً تسمى سبنتاً تمام، فيقول لك خف من أبناء جنسك كما تخشى الأسود والنمور، كيف إذا شفت أسداً بتهرب، كذلك إذا شفت رجلاً من الناس ممن هو من أهل الغفلة اهرب منه، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، ما عنده شيء يفعله، لا تطع هؤلاء، احذرهم، اخشى منهم واهرب منهم، وفر منهم فرارك من الأسد والنمور.

وخالطهم وزايلهم حذاراً وكن كالسامري إذا لمست. جميل هذا الكلام، يقول: خالطهم وزايلهم. الآن أنت لا تستطيع أنك تعيش بمعزل عن البشر جميعاً، فالإنسان مدني بطبعه، يحتاج أن يعيش مع المجتمع ويتواصل معه، فيقول: خالطهم هم ما داموا على خير وطاعة، وزايلهم إذا رأيتهم في معاصي وذنوب، هذا معنى زايلهم يعني فارقهم. طيب، فستقول لي: أليس يوجد تناقض؟ كيف بيقول لك خالطهم وزايلهم؟ يقول: خالطهم ما دام اللقاء على خير، فإذا اجتمعوا على غير طاعة الله زايلهم وابتعد عنهم، وهذا أصلاً هو من كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، كان يقول: خالط الناس وزايلهم، هكذا كان يقول ابن مسعود، خالط الناس وزايلهم. خالطهم ما داموا على خير، والله مجلس علم نخالط، ساعة دعاء نخالط، مجلس معصية نزايل، ساعة غيبة ونميمة نزايل، هكذا تكون الحياة. قال: وكن كالسامري إذا لمست. جميل هذا الكلام، يقول: خالطهم وزايلهم، من السامري هنا الذي كان في قصتي؟ اه ماذا كانت قصة هذا الرجل السامري؟ ماذا كانت قصته؟ بماذا عوقب؟ إذا شخص لمس جسده السامري يزداد مرضاً، واللامس يصاب بالمرض. السامري عاقبه الله بمرض غريب الله أعلم ما هو، كان إذا لمس جسده هو يزداد مرضاً، واللامس تنتقل إليه العدوى، فكان يقول: لا مساس لا مساس. كذلك أنت كن كالسامري، كن كالسامري -مش طبعاً في عبادة العجل لا- كن كالسامري أنك تقول للناس: يا عمي لا ألمسكم ولا تلمسوني، خلوني على يعني بيني وبينكم مسافة، خلي بينك وبين الناس مسافة كما كان السامري يحرص أن يبقي مسافة بينه وبين الناس حتى لا يؤذى ولا يؤذي، كذلك أنت كن على مسافة بينك وبين الناس حتى لا تؤذى ولا تؤذي، هذا معنى وكن كالسامري، إذا لمست، ما أحد يمسني ولا أمس أحداً، يعني أبعده، خلي في مسافة بيني وبينكم، بحبكم بتحبوني في علاقات اجتماعية لكنها منضبطة، ولا أسمح لها أن تتعدى على حياتي وقيمي ومنهجي وطريق العلم الذي أسلكه. نعم.

وإن جهلوا عليك فقل سلاماً لعلك سوف تسلم إن فعلت. وإن جهلوا عليك، يعني إذا آذوك وسبوك، هذا معنى جهلوا، ما معنى جهلوا هنا؟ السباب والشتام، يعني آذاك الناس وسبوك وقالوا: أنت والله لا تخالط الناس، أنت معقد نفسياً، أنت لا تعظم العادات الاجتماعية ولا توقر الأمور الوقتية، ونزلوا في ساحتك ماذا تقول؟ قال: وإن جهلوا عليك فقل سلاماً، ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55]، مش هيك ربنا قال في القرآن؟ سلام عليكم، لا أبتغي الجاهلين. وإن جهلوا عليك فقل سلاماً لعلك سوف تسلم إن فعلت، يعني لعلك إن أعرضت عنهم لعلك تسلم، تمام. وإن كان بالسلامة صحبة في الدنيا، نعم. ومن لك بالسلامة في زمان؟ لذلك عاد استدرك هو، قال: لعلك، ها إن شاء الله تسلم منهم إذا أعرضت عنهم، بعدين رجع قال: هو معقول في سلامة من الناس؟ الناس تبقى تلومك وتنتقدك، فيقول: ومن لك بالسلامة في زمان ينال العصم إلا أن عصمت؟ هذه «ينال العصمة»، العصم هي الأوعال والغزلان الوحشية التي تكون على الجبال ولا يصل إليها البشر، هذه تسمى عند العرب ماذا؟ العصم. تمام، ماذا قال؟

امرؤ القيس في معلقته يقول: «فينزل منه العصم من كل منزل». العصم هي نوع من الوعول من الظباء، وهذا النوع يسكن على رؤوس الجبال بعيداً عن الناس، ولا يسكن في مناطق إلا وهو متأكد تماماً أن البشر لا تصل إليه فيها، فهي غزلان متوحشة جداً عن الناس. فيقول: «ومن لك بالسلامة»، وفي زماننا هذا وصلنا لمرحلة من الزمان حتى العصم التي لا أحد يصل إليها، الناس تنتقدها والناس تصل لها. فهمت ماذا يريد أن يقول؟ يريد أن يقول إن هذا الزمان لكثرة الفساد فيه وكثرة أذية الناس فيه لبعضهم البعض، حتى لو كنت مثل العصم في أعلى الجبل وما أحد داري عنك، والله سيصل إليك الناس وينتقدونك، كحال العصم التي تكون برية متوحشة ثم يصل إليها الناس، كيف؟ لا تعرف.

كذلك حال زماننا لكثرة الفساد وشر الناس فيه، فيقول: «ومن لك بالسلامة»، أي من أين تحصل على السلامة في زمان مثل هذا الزمان؟ هذا الزمان ينال العصمة، أي يصل إلى العصم -عرفت ما هي العصم؟ الظباء على رؤوس الجبل- هذا الزمان يصل إليها، والمراد أن شر الناس في هذا الزمان يصل حتى إلى الإنسان الجالس وحده، فيبدؤون فيه وينتقدونه: هذا لماذا جالس وحده؟ ماذا يفعل وحده؟ يا أخي أنا جالس وحدي وكافٍ شري عنك، حتى وأنا جالس وحدي تريد أن تنتقدني! وهذه فكرة تواطأ عليها الأدباء، حتى ابن الوردي ذكرها في قصيدته.

«ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا أن قبلت». أي بيئة اجتماعية أو محضر فيه ظلم وفيه معاصٍ، حاول أن تخرج منه؛ كما أن الرجل الذي قتل مائة نفس أُوصي أن يخرج من بيئته إلى الأرض الصالحة، كذلك أنت يا طالب العلم، أي بيئة اجتماعية أو صحبة أو مكان فيه ضيم -الضيم أصله الظلم لكن هنا نريد أن نعممه- فيه معاصٍ، فيه قبائح، بيئة غير داعمة لالتزامك، بيئة غير داعمة لتوجهك إلى الله سبحانه، حاول أن تتخلص منها وتنتقل إلى بيئة أخرى. بعض الناس قد لا يكون الأمر فردياً، خاصة الأخوات، قد يكون الخروج من البيئات وتغييرها صعباً عليهن، فهذا يكون بلاءك وقدرك فتصبر عليه، لكن الأصل أن تحاول قدر المستطاع أن تغير البيئة غير الداعمة التي تسكن فيها.

لذلك قال: «ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب»، لأنه سبحان الله إخواني، الإنسان إذا كان في عائلة أو أسرة أو رفقة لا تهتم بالدين ولا تهتم بالصلاح، ترى قلبه يموت في هذه البيئة، يضعف؛ لأنه يحتاج إلى بيئة داعمة، بيئة تحفز على الخير وعلى الصلاح. فلذلك هو يخبرك أن الحي الذي فيه ضيم وظلم ومعاصٍ يميت القلب والحياة فيه حياة متعبة، قال: «إلا أن قبلت»، يعني إلا إذا مُنعت من الانتقال من هذه البيئة، فماذا تفعل؟ تستعين بالله وتصبر إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، لأن تغيير البيئات ليس سهلاً على الجميع، بعض الناس قد يستطيع وبعضهم قد لا يستطيع.

«وغرب، فالغريب له نفاق، وشرق، إن بريقك قد شرقت». يقول: طيب ماذا أفعل؟ أنت تريد مني أن أغادر هذه البيئة التي فيها ضيم، يقول لك: غرب أو شرق. غرب، فالغريب له نفاق -أحياناً الإنسان الغريب يجد رواجاً في بيئة أخرى- النفاق هو الرواج، ما توقع أن يجد فيها رواجاً، قد تكون أنت في بلدك لا أحد يعبأ بك وبيئة غير داعمة حولك، غرب، اذهب باتجاه الغرب، اذهب باتجاه الغرب، فالغريب له نفاق، قد تجد لك رواجاً عند قوم آخرين يحترمون إنجازك ويحترمون فكرك ويحترمون توجهاتك، وليس المراد غرب اذهب إلى الغرب بلاد الكفار -الله يرضى عنكم يا جماعة- هو لا يقصد الذهاب إلى الغرب بلاد الكفار، يقصد الغرب أي جهة المغرب، فيقول لك حاول أن تذهب إلى جهة المغرب إلى بلد إسلامي هناك، فقد تجد من يستقبلك هناك ويحتفي بك وإن كان بلدك ومجتمعك لم يقبلك، ما بتعرف وين يُكتب لك الرزق.

قال: «وشرق إن بريقك قد شرقت». ما معنى يشرق بريقه؟ دلالة على أنه نَشِفَ، لا في رزق ولا في حياة، يعني حتى ما في طعام في فمه يشرق فيه، ما ظل شيء يشرق فيه إلا ريقه، لا في عنده طعام ولا عنده شراب؛ فمن كثرة العجز والفقر ما وجد شيئاً يشرق به إلا ريقه، فيبلع ويصير يشرق فيه؛ فهو كناية عن أنك إذا افتقرت جداً جداً وضعف حالك حتى وصلت على سبيل المبالغة أنك تشرق بريقك، يا أخي سافر، قد تجد رزقك في بلد آخر غير البلد الذي أنت فيه، وهذه فكرة السفر للبحث عن العلم وعن الرزق إذا ضاقت بك السبل في بلدك، هذه فكرة متواترة عند العلماء والنظار وأصحاب الفكر، فكم من إنسان كانت رزقته في بلد آخر في غير بلده، لكن بشرط أن يكون بلداً فيه انضباط بأحكام الإسلام.

«فليس الزهد في الدنيا خمولاً؛ لانت بها الأمير إذا زهدت». ليس الزهد في الدنيا معناه أنك تكون إنساناً خاملاً كسولاً عاجزاً، بعض الناس نائم في بيته ما بيشتغل ولا يقدم للأمة ولا للتاريخ ولا للحياة، فتقول يا فلان لماذا لا تعمل ولا تشتغل؟ يقول: يا شيخ أنا زاهد في الدنيا، لا يا شيخ أنت مش زاهد، أنت كسول وبطال، هذا هو الواقع. فيقول هنا الألبيري: الزهد في الدنيا لا يعني الخمول والكسل وتنام في بيتك للساعة الثانية عشر ظهراً، ويقولون يا فلان قم اشتغل، فيقول: يا أخي أنا زاهد في الدنيا! لا، أنت ما عرفت الزهد، هذا كسل وعجز، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من العجز والكسل، فإنه يدمر طموحاتك وحياتك وإنجازاتك.

إذاً يقول: «فليس الزهد في الدنيا خمولاً؛ لانت بها الأمير إذا زهدت». يعني هل يمكن أن يكون أمير أو ملك أو حاكم زاهداً؟ نعم، لأن الزهد هو عمل قلبي وليس صورة جسد، يعني الزهد ليس معناه أن تكون ثيابك مقطعة وحذاؤك مرقعاً، والدنيا معك وأنت تمشي -ما معك سيارة- ترى ليس هذا هو الزهد، الزهد سلوك قلبي، أن تكون الدنيا في يدك حتى ولو ملكتها كلها، أن تكون الدنيا في يدك. قال: «لانت بها الأمير إذا زهدت»، بل الزهد قد يجعلك فوق الأمير، فقال: «ولو فوق الأمير تكون فيها سمواً وافتخاراً كنت أنت». يعني بل الزهد إذا زهدت حقاً وهو زهد القلب، أنت لا تكون فقط أميراً بل يمكن أن تكون أعلى من الأمير والسلطان، يقول: ولو فوق الأمير تكون فيها سمواً وافتخاراً، تكون في هذه الدنيا بسموك وافتخارك وعزتك وكرامة نفسك ومروءتك تكون حتى أعلى من الأمير وأعلى من سلطان الزمان، «ولو فوق الأمير تكون فيها سمواً وافتخاراً كنت أنت».

«وإن فرقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت». إذا فرقت هذه الدنيا ووزعتها، والمراد أنك لم تتعلق بها، وخرجت منها إلى دار السلام وهي الجنة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]، إذا فرقتها وتركتها وخرجت منها سالماً إلى دار السلام إلى الله سبحانه وتعالى، فقد سلمت ونجوت إذا وصلت إلى الله بأمان.

«وإن كرمتها ونظرت فيها بإجلال فنفسك قد أهنت». وأما إذا كرمت الدنيا يعني عززتها وأحببتها وتعلقت بها ونظرت فيها بإجلال، أي نظرت إليها بعين الإجلال والاحترام، فهنا في الحقيقة أنت أهنت نفسك؛ باختصار: إذا زهدت في الدنيا رفعت نفسك، وإذا أجَلْتَ الدنيا وأحببتها وأعطيتها مكاناً في قلبك، أنت أرخصت نفسك، هي معادلة عكسية، من زهد في الدنيا ارتفع، ومن أجَلّ الدنيا وأكرمها ذل.

«جمعت لك النصائح فامتثلها، حياتك فهي أفضل ما امتثلت». الآن بدأ يختم هذه القصيدة فيقول لابنه لأبي بكر: جمعت لك النصائح، أي جمعت لك كل ما أراه فيه نصح وخير لك من أصول النصائح. طبعاً هنا ليس المراد أنه جمع كل النصائح، وإنما جمع أصولها وما يحتاج إليه أبو بكر في هذه السن العمرية الصغيرة، يقول: جمعت لك أصول النصائح فامتثلها. ما هي خلاصة النصائح؟ الانتباه لمرور الزمان، ضرورة الانشغال بطلب العلم وتحصيله ففيه شرف الدنيا والآخرة، الحذر من المال أن يكون أعلى في قلبك من العلم النافع، الحذر من الذنوب والمعاصي والانهماك في الدنيا وملذاتها، هذه في الحقيقة هي أعظم النصائح التي يحتاج كل شخص منا أن يذكر نفسه ويذكر إخوانه بها، فيقول: جمعت لك النصائح فامتثلها حياتك، أي مدة حياتك، فهي أفضل ما يمكن أن يمتثل. ماذا تريد أفضل من إنسان أيها الكرام عرف قيمة الدنيا وعرف شرف الزمان، فاشتغل بما ينفع بالعلم النافع والعمل الصالح؟ ماذا تريد أفضل من هذا الوعي واليقظة؟ ترى إخواني هذا الكلام الآن يقال باللسان، لكنني أعلم صدقاً وواقعاً وحقاً أن شرف الإنسان بهذه اليقظة وانتباهه أن الأعمار تمر وأن شريط الحياة يأتي سريعاً، فكلما كنت أكثر حرصاً على هذه الساعات، كلما حرصت أن تكون كل ساعة في عمل صالح وكل ساعة في خير، وكلما قل إدراكك لشرف الزمان ولطبيعة الإنسان، كلما كان من الطبيعي عندك أن يمر عليك يوم ويومان وثلاثة لم تزدد علماً ولم تزدد صلاحاً ولم تزدد قرباً من الله سبحانه وتعالى، فأي الرجال أنت؟ هذا أنت تجيبه لنفسك.

«وطولت العتاب وزدت فيه؛ لأنك في البطالة قد أطلت». هو يعذر لماذا القصيدة طالت -يعني 112 بيتاً أو 113 بيتاً- فهو يعتذر لنفسه فيقول لابنه: أنا طولت العتاب، يعني زدتها شوي، وطولت العتاب وزدت فيه، لكن لي مبرر، قال: لأنك في البطالة قد أطلت، يعني يا بني أراك أنت أيضاً زودتها شوي في البطالة في النوم في اللعب في الضحك في المزح، فلما أنت طولت في البطالة واللعب، أنا طولت في العتاب واللوم، لعلك تستيقظ وتنتبه.

«فلا تأخذ بتقصيري وسهوي، وخذ بوصيتي لك إن رشدت». فلا تأخذ بتقصيري وسهوي -يعني غفلتي عن مرور حياتي- أنت ماذا يهمك فيّ؟ أنت اشتغل لحياتك ولتاريخك ولصحيفتك ولسجلك عند الله سبحانه وتعالى، فلا تأخذ بتقصيري وسهوي وخذ بوصيتي لك إن رشدت، خذ بنصيحتي وتوصيتي لك، دعك مني وخذ بما أرشدتك إليه من الأعمال الصالحة والأقوال النافعة، وخذ بوصيتي لك إن رشدت، يعني إن عقلت، إذا كنت رشيداً عاقلاً ستأخذ بهذه الوصايا وتتمسك بها.

«وقد أردفتها ستاً حساناً، وكانت قبل ذا 106». يعني هذه القصيدة كانت 106، فهو زاد عليها ست أبيات حتى تكتمل، لعله زادها بعد ذلك فأصبحت 112 بيتاً. قال: وقد أردفتها، يعني اتبعتها، ستاً حساناً، مع أنها كانت قبل ذا -أي قبل هذه الكمية قبل 112- كانت 106. هذه نهاية القصيدة، طبعاً هناك في بعض النسخ بيت ختامي: «وصلِّ على ختام رسل ربي، وعترته الكريمة ما ذكرت»، ما ذكرته، البعض قال هذا ذكره، وإن كان رقم 113 لكنه لا يشكل على الرقم الذي ذكره، لأن مثل هذا لا يحسب في الأبيات. البعض يقول هناك بيت ختم به، يعني قالوا معقول الرجل ما صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في النهاية؟ فالبعض قال وجدوا في بعض النسخ قوله: «وصلِّ على ختام رسل ربي، وعترته الكريمة ما ذكرت»، وهذا لا يشكل ما تقول، طيب هكذا صارت 113؛ لأنه هذا لا يحسب من ضمن الأبيات التي عدها، فهو لما يقول 112 حتى هذا البيت، وأما هذه الزيادة فهي ختام للصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً هذه إخواني قصيدة نافعة، وحقيقة حري بطالب العلم أن يحفظها، لأن الإنسان إذا حفظ الكلام المحفز على طلب العلم وحفظ قواعد الحياة على شكل بيت، يسهل عليه أن يستحضرها في مواقف الحياة: «دائماً أبا بكر دعوتك لو أجبت، إلى ما فيه حظك لو عقلت»، كلما فترت همتك في هذه الأيام العشر، أو فترت همتك في مشوار طلب العلم، تذكر قول الألبيري: «أبا بكر دعوتك لو أجبت، إلى ما فيه حظك لو عقلت، إلى علم تكون به إماماً، مطاعاً إن نهيت وإن أمرت»، خاصة المقاطع الأولى منها، فإنها عظيمة النفع في تحفيز الإنسان على طلب الخير والسعي إلى مكارم الأمم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، حياكم الله على مدارج في المجلس الثاني لهذا اليوم، والآن إن شاء الله بدأت الدسامة، يعني نحن دائماً أول كتاب وفتحة العداد نحب أن يكون خفيفاً لطيفاً سهلاً، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بدأ بقيام الليل بدأ بركعتين خفيفتين ثم بعد ذلك يشرع فيما هو أعلى، وكانت فرصة جيدة أيضاً فحصنا كهرباء وأشياء كثيرة، فإذا استقام أمرنا إن شاء الله ندخل في الدسومة، ونسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة، مجلسنا الثاني اليوم أيها...

هذه المنظومة هي سلم الوصول في علم أصول الفقه، للعلامة إبراهيم بن أبي القاسم بن عمر بن مطير الحكمي اليمني رحمه الله تعالى. ولاحظوا أن مجلسنا الأول كان مع إبراهيم -البينِي، ماذا كان اسمه؟ إبراهيم بن إسحاق- ومجلسه الثاني أيضًا مع إبراهيم، فصاحبنا صاحب سلم الوصول اسمه إبراهيم، وأنا الذي أشرح اسمي إبراهيم، فكلها إبراهيمات اجتمعت في هذا المكان. لكن إبراهيمنا هذا في القرن العاشر الهجري، توفي سنة 959 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إبراهيم بن أبي القاسم بن عمر بن مطير الحكمي رحمه الله تعالى.

هذه المنظومة أيها الكرام، سلم الوصول، منظومة مختصرة خفيفة لطيفة مميزة حقيقة في علم الأصول؛ مميزة من حيث اختصارها للمسائل ومن حيث جمعها للمسائل أيضًا بطريقة سلسة سهلة تصلح للطالب المبتدئ أن يعتني بها وأن يقف على معانيها، فقد أشغلك فيها بما ينفعك. حقيقةً بعض المنظومات المبتدئة تشغل الطالب في أمور قد لا تنفعه في بعض التفاصيل، خاصة الإغراق في المقدمات المنطقية في بداية طلب الطالب لعلم الأصول قد يكون مشوشًا، فهذه المنظومة، سلم الوصول، ميزتها أنها مختصرة، فهي 99 بيتًا، جمع فيها أصول المسائل التي يحتاجها الأصولي في حياته العلمية، لكنها كما قلنا للمبتدئين، ولا بد بعد ذلك أن تتبعها بمتن ثانٍ أو ثالث.

صاحبنا الحكمي ابن مطير هو على مذهب الشافعية، وبالتالي منظومته هذه في أصول الفقه في جلها أو في كثير من مسائلها على طريقة الشافعية. لكن قد يقول قائل: أنتم يا شيخ حنابلة، فكيف تشرحون متنًا أصوليًا على طريقة الشافعية؟ الحقيقة في علم أصول الفقه العلماء استفادوا بعضهم من بعض؛ كان الشافعية يشرحون للمالكية، والمالكية يشرحون للشافعية، والحنابلة يشرحون للشافعية، فهناك تلاقح فكري دعونا نقول في علم أصول الفقه.

فمثلًا تجد القرافي المالكي يشرح في ست مجلدات كتاب المحصول للرازي الشافعي، وكتاب المحصول في أصول الفقه أعظم شروحه حقيقة أو من أعظم شروحه شرح القرافي المالكي. كذلك تجد المازري المالكي يشرح كتاب البرهان للجويني، وهو من أعظم شروحه وإن كان مفقودًا. كذلك تجد التفتازاني الشافعي يشرح التلويح على التوضيح على أصول الحنفية، وأنتم تعرفون أن مدرسة الحنفية أبعد عن مدرسة الجمهور؛ فالجمهور المالكية والشافعية والحنابلة طريقتهم في أصول الفقه تختلف في طريقة التدوين والتصنيف والتقعيد عن طريقة الحنفية.

وبالتالي ستلاحظون أيها الكرام أن في علم أصول الفقه هناك نوع من التشارك بين المذاهب، وإن كان الأصل فعلًا أن يلتزم الطالب بكتاب على مدرسته الفقهية التي يتمذهب عليها، لكن لا إشكال في المتون المبتدئة خصوصًا أن يدرس الطالب متنًا ولو لم يكن على مذهبه. فمثلًا الورقات للجويني ومع نظمه كثيرًا ما يشرحه المالكية والحنابلة ويهتمون بتعليقه، والسبب في ذلك أن بدايات علم أصول الفقه أغلب المذاهب تشترك فيها؛ تعريف علم أصول الفقه، مصادر التشريع المتفق عليها، ما يتعلق بالأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين، فالتعاريف العامة والقواعد العامة نوعًا ما مشتركة بين المذاهب، فلا تجد فرقًا واضحًا بينهم، فضلًا أن الأقوال الأصولية مختلف فيها في المذاهب الفقهية بذاتها.

يعني نفس المسألة الأصولية تجد للشافعية فيها أقوالًا، ونفس المسألة تجد للحنابلة فيها أقوالًا، فبالتأكيد كل قول عند الشافعية في كثير من المسائل ستجد له رواية عند الحنابلة توافقه، وقولًا عند المالكية يوافقه؛ لأن علم أصول الفقه تحرير الأقوال فيه ليس كعلم الفقه. في علم الفقه تجد المذاهب حررت مذهبها بشكل عالٍ جدًا جدًا عند المتأخرين، أما أصول الفقه فحقيقة في نسبة الأقوال ستجد شيئًا من عدم الوضوح أو حتى من عدم الوصول إلى قرار معين في كثير من المسائل، هل هذه هي قاعدة المذهب؟ نعم بعض المسائل قد يكون هناك شيء رسخ في المذهب، لكن أقول كثير من المسائل تجد داخل المذهب الشافعي أقوالًا عدة بين الأصوليين، فيقولون: هذا رأي فلان، وهذا رأي الشيرازي، وهذا رأي بعض المتأخرين.

فحتى البحر المحيط للزركشي عندما أراد أن يذكر الأقوال المنسوبة إلى المذاهب، تجده يذكر الشافعية في كل الأقوال وأفرادًا منهم، ويذكر الحنابله في كثير من الأقوال، والمالكية في كثير من الأقوال، مما يجعل تحرير القول الأصولي للمذهب عملية ليست سهلة وليست متفقًا عليها. وبالتالي يصبح المطلوب منك في النهاية أن تدرس علم الأصول على قواعد مذهبك وتحاول أن تتحرى قدر المستطاع لتصل في غلبة الظن ما هو المعتمد عند علماء مذهبك، والسبب في ذلك أن قواعد أصول الفقه لما نقول والله هذه قواعد أصول الفقه لأحمد بن حنبل، هل يكون أحمد بن حنبل نص عليها حرفيًا أم استنبطت من فتاويه؟ أكثرها يكون استنباطيًا اجتهاديًا.

كذلك نقول هذه قواعد مالك في أصول الفقه، هل للإمام مالك كتاب في أصول الفقه؟ هل ترك كتابًا؟ لا. طب كيف أقول هذه قواعد مالك؟ هذه استنبطت من فتاويه وكلامه. كذلك قواعد أبي حنيفة؛ أكثر ما يذكر من قواعد مذاهبهم إنما هي استنباطات من تلاميذهم وتلاميذ التلاميذ وجرّ إلى المتأخرين، وهذه الاستنباطات اجتهادات في النهاية، ولذلك سهل أن يقع فيها الخلاف؛ فتجد بعض الشافعية يخالف بعضهم بعضًا، النووي قد يخالف الرافعي وغيره، وتجد خلافات كثيرة عندهم في تحرير ما هو أصل الشافعي في هذه المسألة، مع أنهم قد يكونون متفقين على أن المعتمد في الفتوى عندهم قول معين، لكن لما يأتي ليحرر القاعدة الأصولية التي ينطلق منها المذهب في هذه المسألة أحيانًا تجد وفاقًا وكثيرًا ما تجد خلافًا.

خاصة أيها الكرام أن أصول الفقه حقيقة في مدوناته الحضور الأكبر فيه هو للسجال الأشعري المعتزلي؛ الحضور الأكبر في كتب أصول الفقه أصبحت مسرحًا للعراك الأشعري المعتزلي في الرد بين بعضهم البعض على كثير من المسائل؛ في تعريف الأمر، وفي تعريف النهي، وفي التحسين والتقبيح، وفي التكليف وشروطه، فتجد أن هناك صراعات كبيرة خارج دائرة المذاهب الفقهية تدور رحاها في كتب أصول الفقه، حتى صنف كثير من المتأخرين الكتب في المسائل المشتركة بين أصول الدين وبين أصول الفقه، مما يدل على أن علم أصول الفقه يعاني من العديد من الإشكاليات، فهو وإن كان أُلّف فيه، لكن كما يقال هو من العلوم التي لم تنضج بعد بسبب كثرة ما يقع فيها من الأمور العقدية والفكرية والنقاشات.

لكن دعوا لي هذا كله على جنب؛ أصول الفقه هو محور الشريعة ومركزها، لأن أصول الفقه أيها الكرام يعني المنهج في التفكير الشرعي. الآن بعد أن أعطيتكم الإشكالات هذه سآتي إلى ما أهمية أن يتعرف الطالب أصول الفقه؛ لا يمكن أن تشكل منهجًا علميًا سواء في مسائل العقائد أو في مسائل الفقه أو في مسائل ما يسمى اليوم بالفكر الإسلامي أو ما يسمى بالسياسة الشرعية بدون وجود أصول فقهية واضحة تنطلق منها وأنت تعلم صحتها ودقتها.

ولذلك كثيرًا ما نجد اليوم فتاوى عشوائية فوضوية، أسبابها إذا أعدت تحريرها أن من أطلق هذه الفتاوى لا يمتلك منهجًا أصوليًا ينطلق منه في تحريره للمسائل ونظرته فيها، فأصول الفقه إخواني هو محور الشريعة. نعم هو من علوم الآلات والوسائل بلا شك، ليس من علوم المقاصد، فإن علوم المقاصد هي العقيدة والفقه، لكن أصول الفقه هو المحور؛ لماذا هو محور؟ لأنه يعني المنهج، يعني أنك تستطيع أن تفكر وتعرف ماذا أراد الله في كتابه، وماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا في السنة.

من لا يمتلك منهجًا يتعامل به مع الوحي الإلهي فساده أكثر من صلاحه وشره أكثر من خيره؛ فقضية اكتساب المنهج هذه قضية يجب أن تحتفي بها وتهتم بها في حياتك العلمية. احذر ألا تكون على مدرسة أصولية معتمدة من المدارس، وإياك أن يأتيك شخص ويقول لك: أصول الفقه ما هو إلا بعض المسائل السريعة التي تُقرأ من متن مختصر ويكفي. من يزهد في أصول الفقه هو لا يعرف عظمة هذا العلم، لذلك كان بعض المشايخ يقول: هو ليس فقط أصولًا للفقه، بل هو أصول الشريعة؛ يعني تسميته أصول الفقه قد يكون فيها اختزال شوي، بل هو في الحق أصول الشريعة؛ لأنه حتى العقيدة في قراءتها من الوحي تحتاج إلى أصول ومنهج، حتى الأخلاق والقيم كله يحتاج إلى أصول ومنهج.

فتعلم أصول الفقه والاحتفاء به ومعرفة كيف يُقرأ الوحي الإلهي وكيف تُستنبط المسائل في النوازل والمستجدات هو مركز الشريعة، وهو سر استدامتها. اليوم إخواني تمر على الأمة الإسلامية كثير من النوازل، أليس كذلك؟ كثير من المستجدات، سواء في النواحي السياسية ولا الاجتماعية ولا الاقتصادية ولا الثقافية أو حتى العولمة المعاصرة؛ من الذي يستطيع أن يسقط الشريعة على واقعنا المعاصر؟ الأصولي الذي يمتلك منهجًا من خلاله يفهم مراد الله ويفهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يستطيع أن يأتي بالوحي الإلهي الذي نزل قبل 15 قرنًا ليسقطه في واقع اليوم، ليبقى مستدامًا، ليبقى حيًا، لتبقى الشريعة في كل زمان ومكان هي نبض الأمة وروحها.

أما من لا يمتلك منهجًا أصوليًا، هذا من أين سيتكلم؟ أقول لك من أين سيتكلم؟ من جيبه، كما يحصل اليوم مع كثير ممن يتصدر للفتوى بدون مذهب يعتمد عليه وأصول ينطلق منها. ما الذي سلق الفكر الحداثي والعلماني والليبرالي على مواجهة أو انتقاد كثير من الأحكام الشرعية؟ إخواني الفكر الحداثي والليبرالي والعلماني هو فكر لا يملك أصولًا ولا منهجًا، لذلك قد تجد شخصًا يتصنع أنه إسلامي لكنه ينطلق عن طريق الفكر الحداثي في الكلام في الدين اليوم، عندك الحداثيون العرب، هؤلاء ماذا يقولون؟ يقولون علينا أن نعيد قراءة النص الشرعي، ربما سمعتم هذه العبارات؛ إعادة قراءة الشريعة، إيش يعني إعادة قراءة الشريعة؟ ما معنى تجديد الخطاب؟ أحيانًا البعض يغني بهذا الغناء، هو باختصار إذا سمعت شخصًا يقول لك: أريد أن أجدد الخطاب الإسلامي، أريد أن أعيد قراءة النص الشرعي؛ معناه هو يريد أن يؤلف منهجًا أصوليًا هوائيًا يضرب به المنهج الأصولي المنقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

فإياك أن تبقى في حياتك العلمية بدون أصول، لأنه إذا بقيت بدون أصول سيغزوك الحداثي وسيغزوك الليبرالي والعلماني، ولن تستطيع أن تدافع عن النص الشرعي؛ لماذا؟ لأنك لا تمتلك أصلًا من خلاله تقرأ النص، أنت لا تعرف العام ولا الخاص ولا المطلق ولا المقيد، ولا كيف تخصص العام ولا كيف تقيد المطلق، ولا تعرف القياس ولا مسالك العلة، ولا تعرف كيف تستنبط ولا تعرف نقض العلة ولا تعرف الاستحسان ولا الاستصلاح. طب كيف ستواجه هجمة علمانية ليبرالية حداثية تستهدف أصول الدين وكلياته؟ أي نقاش ستدخل فيه مع هؤلاء، سيبدأ يحرف الكلم عن مواضعه ويستهدف نصوص القرآن والسنة ويحملها هو على مزاجه على طريقته، وإذا كان ذكيًا فطنًا في الكلام يُحسن رصف الكلام سيورطك؛ لماذا سيورطك؟ لأنك لا تمتلك أصولًا.

أما لو كنت محكمًا لأصول الفقه ضابطًا لها، يصعب على أي حداثي أو ليبرالي أو علماني أن يقلب نصًا شرعيًا عليك أو أن يستدل به أمامك، لأنك تعرف مواقع النصوص وكيف تنزلها وكيف تتعامل معها؛ فتعرف العام متى يبقى على عمومه والخاص متى خُصص، وتعرف متى يُحمل المطلق على المقيد، وتعرف الأقيسة، وتعرف مقاصد الشريعة وكلياتها، لا يستطيع أحد مواجهتك. فباختصار طالب علم بلا أصول كمجاهد بدون سلاح، ماذا يحصل بالمجاهد بدون سلاح؟ يقتل. كذلك أنت بدون أصول تنطلق منها ستُؤتى في مقتل ولن تستطيع أن تدافع لا عن أصول الدين ولا عن فروعه، فتعلم هذا العلم مهم جدًا جدًا، وهذه فقط لمحة يسيرة في هذه المنظومة، وإلا فهو علم عميق جليل لكنه يحتاج إلى ذكاء ويحتاج إلى ممارسة ذهنية، لأن هذا العلم يعتبر من العلوم العقلية السمعية، وليس علمًا عقليًا سمعيًا فقط، فيحتاج إلى شخص نبيه يُحسن فهم كلام أهل العلم وإسقاطه.

نبدأ إن شاء الله القراءة لهذه المنظومة والتعليق عليها بما يسمح به الوقت اليوم.

بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين وارحم إخواننا المستضعفين في كل مكان.

قال الإمام ابن مطير الحكمي رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي عَلّمنا .. والاكتساب شرعَه أَلْهَمَنا

بدأ رحمه الله عليه منظومته على عادة أهل العلم بالبسملة، فإن القرآن الكريم مفتتح بماذا؟ بالبسملة، والحديث وإن كان فيه ضعف لكن لعله يحسن بمجموعه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»، وفي رواية: «فهو أجذم»، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ رسائله إلى الملوك بالبسملة، فهذه عادة وسنة عند العلماء تلقوها من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تبع البسملة بالحمدلة فقال: الحمد لله.

والحمد ما هو أيها الكرام؟ هو الثناء بالجميل على الله سبحانه وتعالى. وسأبتعد نوعًا ما في هذا التعليق السريع عن المصطلحات أو التعاريف العميقة حتى لا أشوش عليكم، فسأقتصر على تعاريف سهلة المنال. والبعض يقول: الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، كما ذكر ذلك أبو العباس بن تيمية وابن القيم، الحمد ما هو؟ ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، وكذلك التعريف الآخر كما قلنا هو الثناء بالجميل مع المحبة والتعظيم، فالحمد لا بد وأن يكون فيه محبة وتعظيم، وهذا هو الفرق بين الحمد وبين المدح؛ أنت تمدح شخصًا قد لا تحبه.

ممكن أمدح عدوي أقول: والله شجاع، قوي، بس بكرهه؛ فما الفرق بين الحمد والمدح؟ الحمد لا بد أن يكون فيه محبة للمحمود وتعظيم له، عندما أثني عليك أثني عليك وأنا أحبك وأنا أجلك تمام. وأما المدح فهو أعم؛ فلا يشترط أن يكون فيه محبة وتعظيم. إذاً الحمد كما قلنا: ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، أو الثناء بالجميل مع المحبة والتعظيم.

الحمد لله ذكر نعمه، نعمه من نعم الله علينا، فقال: الحمد لله الذي علمنا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿عَلَّمَ الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]، وقال في سورة اقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. فنعمة العلم إخواني نعمة عظيمة، وما أنتم فيه في هذا المجلس المبارك مجلس عظيم؛ لأنه مجلس علم، وهذا سر من أسرار عظمته، قال: الحمد لله الذي علمنا.

ولاكتساب شرعه ألهمنا، ألهمنا يعني وفقنا تمام ووجهنا، أي ووجهنا لاكتساب أي لتعلم شريعته. فالله عز وجل علمنا عموماً، ومن نعم الله عليك أن يوفقك لتعلم العلم الشرعي بالتحديد. الله علمنا الطب والهندسة وعلوم كثيرة، لكن أخص العلوم التي يُحمد ربنا على تعليمنا إياها هو تعلم العلم الشرعي، فأولاً أطلق ثم خص، فقال: الحمد لله الذي علمنا؛ هذا كل العلوم؛ العلوم الإنسانية والطبية والاجتماعية والشرعية، ثم خص العلوم الشرعية بالذكر فقال: ولاكتساب شرعه ألهمنا، يعني وفقنا ووجهنا إلى مجلس علم نكتسب نتعلم فيه علوم الشريعة.

من جملة ما علمنا ربنا سبحانه علمنا كيف نفرع وكيف نؤصل، يعني كيف نأتي بأصول نفرع عليها فروعاً، كيف نستخرج المسائل الفقهية من أصولها الجلية التي تنبني عليها. علمنا التفريع، أي للمسائل الفرعية، والتفريع يحتاج إلى ماذا؟ إلى تأصيل، ما هو هذان متلازمان. كيف الابن هل هناك ابن بدون أب إخواني في العرف والعادة؟ ما في، أليس كذلك؟ الابن يحتاج إلى أب، والأب لا يسمى أباً إلا إذا كان له ابن، فالأبوة والبنوة مترابطان. كذلك التفريع والتأصيل كالأبوة والبنوة، أي فرع يحتاج إلى أصل. حتى الأب في علم الميراث ماذا يسمى؟ أصلاً، والابن ماذا يسمى؟ فرعاً، هذا حتى في علم المواريث. فالتفريع والتأصيل متلازمان، فيقول: الحمد لله الذي علمنا أيضاً كيف نفرع وكيف نؤصل وكيف نصل إلى الحكم وإلى العلة وإلى الدليل.

ذكره للحكم والعلة والدليل هنا يسمى ماذا؟ براعة الاستهلال. ما معنى براعة الاستهلال؟ أن يأتي الناظم أو المصنف في مقدمة القصيدة بكلمة أو كلمات تشعر بطبيعة الفن الذي سيصنف. يعني أنت الآن بدي أعتبر أنك ما بتعرف إيش موضوع هذه القصيدة، هي في العقيدة يا شيخ؟ ولا في الأخلاق؟ ولا في الآداب؟ ولا في الفقه؟ أنا مش عارف شو موضوعها. ممتاز، بلشت أقرأ أول بيتين وصلت إلى قوله: علمنا التفريع والتأصيل والحكم والعلة والدليل. شو تتوقع الآن يكون موضوعها؟ أصول فقه، ليش؟ لأن مصطلح الحكم، العلة، الدليل هي مصطلحات في العادة أين تذكر؟ في علم اللغة العربية؟ لا، في علم الآداب والأخلاق؟ لا، عادة تذكر في علم أصول الفقه، حتى مصطلح التفريع والتأصيل. فلما ذكر هذه المصطلحات في البيت الثاني هذا نسميه براعة الاستهلال، الاستهلال هو البدء، يعني براعة البدء، من براعة البدء أن يذكر الناظم كلمات توحي بطبيعة العلم الذي سيصنف فيه.

إذاً يقول: علمنا التفريع كيف نفرع المسائل وكيف نؤصلها أي نبنيها على أصولها، وعرفنا الحكم، وسنأتي بعد قليل لنعرف ما هو الحكم، والمراد هنا الحكم الشرعي. فالله علمنا أن الصلاة واجبة، وأن الوضوء شرط لها، وقس على ذلك كل الأحكام في الطهارة والصلاة والصيام إلى غير ذلك والعبادات والمعاملات. وعلمنا العلة، وسيأتي العلة، العلة أبرز ما تذكر فيه باب القياس، والعلة هي وصف ظاهر منضبط، ينبني على تعليق الحكم بها مصلحة أو أمر ظاهر معتبر عقلاً فيه مصلحة أو درء مفسدة، وسيأتي معنا تعريفها في مكانه.

مثل ماذا العلة؟ مثل ماذا وصف ظاهر منضبط؟ مثل السفر، السفر علة لقصر الصلاة، أليس كذلك؟ فنقول: قصر الصلاة سنة، طيب ما علته؟ متى يأتي هذا الحكم؟ في السفر، فالسفر وصف ظاهر منضبط؛ لأنه عمل بشري ظاهر الكل يعرف ما هو السفر، ومنضبط؛ لأن مسافته منضبطة، أليس كذلك؟ 81 كيلو عند الجمهور، فالسفر وصف ظاهر منضبط يصلح تعليق الحكم عليه؛ لظهور مصلحة. فلما ربنا سبحانه وتعالى علق قصر الصلاة على السفر لمسافة 81 كيلو والله يظهر لنا في ذلك مصلحة، وهي أن هذه المسافة هي مظنة حصول المشقة، فناسب ذلك أن يخفف على الإنسان فتقصر الصلاة. هذا فقط كلام سريع هنا، وإلا لنا عودة إلى هذا الموضوع في باب القياس.

إذاً علمنا التفريع والتأصيل والحكم والعلة والدليل، الدليل سيأتي تعريفه معنا هو المرشد إلى الحكم. فلو سألتك في موضوع قصر الصلاة ما هو الدليل؟ نعم، فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خرج مسيرة أربعة برد قصر الصلاة، فلاحظ: الحكم سنية القصر، العلة السفر، الدليل فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فإذاً عندك حكم، عندك علة، وعندك دليل على هذا الحكم، وهذه كلها يبحث فيها من ابتداء الأصول ليوظفها الفقيه بعد ذلك في تفريع المسائل.

ثم الصلاة والسلام سرمداً على الذي زحزحنا عن الردى محمد. بعد أن حمد الله اتبع ذلك بالصلاة والسلام على نبيه، والصلاة هي في الأصل العطف، وتطلق أيضاً على معنى الدعاء، وإن كان الأصل فيها العطف. والصلاة من الله بالتحديد هي ثناؤه على عبده، والصلاة من الملائكة الاستغفار، والصلاة من البشر تعني الدعاء تمام. إذاً الصلاة في اللغة معناها العطف، وأما في الاصطلاح الشرعي فالصلاة من الله ثناؤه على عبده، والصلاة من الملائكة تعني استغفارها، والصلاة من البشر تعني دعاؤهم. وأما السلام فهو طلب السلامة من العيوب، وهذا قرن بين الصلاة والسلام؛ لأن الله قرن بينهما في كتابه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. إذاً ثم الصلاة والسلام سرمداً أي دائماً وأبداً نعم، على الذي زحزحنا عن الردى، أي عن الذي كان سبباً جعله الله سبباً في إبعادنا عن الردى، الردى أي الهلاك، فما زحزح عن النار نعم، الردى هو الهلاك.

محمد وصحبه والآل فهم نجوم في دجى الليالي. إذاً صلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم على أصحابه، ثم على الآل. والآل في مقام الدعاء هم كل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولا تختص بأهل بيته في باب الدعاء، يقول العلماء: آل النبي عليه الصلاة والسلام أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، فهم نجوم لهذه الأمة في دجى الليالي، محمد وصحبه وأنصاره هم نجوم في هذه الدجى في هذه الليالي.

وبعد فالأصول خير مكتسب، وبعد الآن تعرف دائماً الإنسان يقول: بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يقول: أما بعد، فهذا قول وبعد كما تقول أنت في الخطبة أما بعد، فالواو هي نائبة مناب أما، والتقدير: ووأما بعد فالأصول، يعني مهما يكن من شيء بعد، أي بعد الحمد والصلاة والسلام فالأصول. بدأ يذكر علم الأصول بالتحديد فيقول: فالأصول خير مكتسب، يعني علم أصول الفقه خير علم تكتسبه، كما قلنا قبل قليل هو لب الشريعة ومركزها وروحها؛ لأنه المنهج.

وقد يكون كسبه فيما وجب. وقد يكون كسبه فيما وجب، قد هنا للتحقيق وليست للتشكيك كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: 63]، قد هنا للتوكيد، يعني قد يكون 100% يكون كسبه فيما وجب، بمعنى أن تعلم أصول الفقه فرض كفاية، تعلم علم أصول الفقه داخل في الواجبات، لكن في أي الواجبات؟ هل هو واجب عيني ولا واجب كفائي؟ واجب كفائي. ما هو فرض الكفاية؟ هو الذي إذا قام به من يكفي من الأمة سقط الإثم عن الباقين مثل صلاة الجنازة، وإذا لم يقم به أحد أثمنا جميعاً، فإيجاد الأصوليين في الأمة فرض كفاية، لذلك قال: وقد يكون كسبه، يعني قد يكون تعلم هذا العلم داخل في الواجبات. وقد تحقيقية مش قد يعني ممكن، لا، هنا قد تحقيقاً ليس إمكانياً، 100% تعلمه داخل في الواجب الكفائي.

فهذه منظومة مختصره. فهذه الفاء هذه تسمى الفاء الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، يعني إذا علمت هذا، إذا علمت أن الأصول خير مكتسب، وإذا علمت أن تعلمها فرض كفاية فهذه منظومة، فإذاً هناك شرط محذوف وهذا جوابه. إذا علمت أنت ما سبق عن فضل هذا العلم فهذه أي هذه المنظومة التي بين يديك فهذه منظومة مختصره في علمه، أي في علم أصول الفقه نظمتها لك يا طالب العلم محررة، يعني دقيقة، مختصره، ممتازة، فاحفظها، وحقيقة أنا أنصح بحفظها خاصة للشافعية فهي ممتازة للمبتدئين.

تهدي إلى مطولات كتبه وتدخل العارف بها في حزبه. تهدي يعني توصل الطالب، يعني ما أنتم تعرفون العلم سلم إخواني مدارج، فهذه المنظومة المختصرة تعينك بإذن الله على الوصول إلى الكتب المطولة في أصول الفقه، تهدي إلى مطولات كتبه، لازم تسكن التاء هنا، تهدي إلى مطولات كتبه، أي إذا تعلمتها فإنك ترتقي من خلالها إلى الوصول إلى الكتب الكبرى، فإن الإنسان لا يستطيع أن يبدأ بكبار العلم قبل صغره، ابدأ بالصغير المختصر ثم تتدرج إلى الكبير، قال: وتدخل العارف بها في حزبه، وتدخل العارف بها في حزبه، يعني من عرف هذه المنظومة دخل في حزب الأصوليين، فأنتم إن شاء الله تدخلون في حزب الأصوليين، ونعم الحزب.

سميتها بسلم الوصول لكل من يرقى إلى الأصول. سميتها وهذا من آداب المقدمات أن يسمي الناظم منظومته، فيقول هذه المنظومة ما اسمها؟ سلم الوصول، طبعاً كثير من الطلاب يشتبه عليهم هذا الاسم بمنظومة أخرى أخذناها سابقاً وهي سلم الوصول لحافظ الحكمي في العقيدة، الحافظ الحكمي سمى منظومته في العقيدة سلم الوصول، تمام، لكن هنا هذه سلم وصول آخر إخواني، هذه سلم وصول في أصول الفقه، إذاً سلم الوصول لكل من يرقى إلى الأصول، أي لكل من يريد أن يرقى ويصل إلى علم أصول الفقه.

أبياتها كعدد الأسماء، والحمد لله على النعماء. أبياتها كعدد الأسماء، أي كعدد أسماء الله الحسنى، لكن ننتبه هل أسماء الله الحسنى هي فقط 99؟ لا، هو المراد الأسماء التي وردت في الحديث أو أشار إليها الحديث: أن لله 99 اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس المراد أن أسماء الله هي 99 فقط، فإن أسماءه لا نحصيها، وإنما المراد بعدد الأسماء التي أشار إليها الحديث، أن لله 99 اسماً من أحصاها دخل الجنة، فهذه المنظومة 99 بيتاً.

ملتمساً من ربنا النفع بها، ودعوة من كل من يحفظها. يعني فهو يلتمس من الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها الناس وطلبة العلم، ودعوة من كل من يحفظها ويدرسها، فنحن ندعو لابن مطير، أسأل الله أن يرحمه وأن يتغمده بواسع فضله، وأن يجزيه عن أمة الإسلام خير الجزاء. كل من خدم الإسلام إخواني ولو بمنظومة جزاه الله عنا خيراً، ولو بمنظومة، ولو بفكرة، ولو بكتيب؛ لأنه على الأقل فكر اشتغل لهذا الدين. وأما أنت ماذا قدمت للإسلام؟ أنت ماذا قدمت لهذا الدين؟ قدمت كتاباً، قدمت فكرة، قدمت خطبة، قدمت تعليم فكر، إياك أن تموت كما قال الألبيري وأنت لم تقدم شيئاً.

وها أنا أشرع في المطلوب ليحصل الإسعاف بالمحبوب. أي وها أنا أشرع لكم في المطلوب، أي في هذه المنظومة، أي في معانيها ليحصل الإسعاف، الإسعاف يعني الإعانة بالمحبوب. دائماً يقول لك: إذا بدك تقدم شيء استعجل في تقديمه، فأقول أنا الآن خلص ما راح أطول عليكم، سأستعجل حتى أسعفكم بما تحبونه؛ فإن ما نحبه ليس الإطالة في المقدمات وإنما الدخول في المعاني والأفكار، فقال: تعريف الأصول قال رحمه الله.

سيبدأ الآن بتعريف هذا العلم، سيبدأ بتعريف هذا العلم. قال رحمه الله: أصوله الأدلة الإجمالية، وحال مستدلها والكيفية. تمام، هنا كما قلنا إخواني هذه منظومة مختصره، فيصعب علينا أن نلتزم بالشروح الطويلة وتفكيك العبارات؛ لأن أصول الفقه كما يقولون يعرف باعتبار جزئيه ثم يعرف باعتباره لقباً؛ يعني في الكتب المطولة يعرفون الأصول أولاً ثم يعرفون الفقه ثم يعرفون أصول الفقه، هنا نحن في منظومة مختصره فنشرع مباشرة بالتعريف اللقبي. ما هو أصول الفقه باعتباره علماً من العلوم؟ يقولون: أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. اكتب عندك هذا الكتاب سريعاً في هذه الدورة إخواني، بدنا كتابة سريعة حتى لا أحتاج أن أكرر كثيراً التعاريف والمصطلحات؛ لأننا نهتم كما قلنا بضبط كليات العلوم، فأصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها أي من هذه الأدلة الإجمالية، وحال المستفيد، لاحظوا ماذا قال في البيت: أصوله يعني أصول الفقه الأدلة الإجمالية، وحال مستدلها والكيفية.

طبعا البيت أنت محكوم فيه بوزن معين، فبدك تقدمه وتؤخر حتى يمشي معك، فقوله: وحال مستدلها، هو حال مستفيد، والكيفية التي هي ما ذكرناه، كيفية الاستفادة منها. فعلم أصول الفقه يتكون من كم ركن؟ ثلاثة: أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

ما معنى أدلة الفقه الإجمالية؟ أدلة الفقه الإجمالية هي المراد بها الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، الاستصحاب. سيأتي أيضاً هناك الاستحسان، المصلحة المرسلة، التي تسمى بمصطلح آخر: مصادر التشريع. أدلة الفقه الإجمالية بإمكانك تسميتها باختصار: مصادر التشريع. منها ما هو متفق عليه بين المذاهب: كتاب، سنة، إجماع، قياس، استصحاب، ومنها ما هو مختلف فيه، مثل الاستحسان، المصلحة المرسلة، شرع من قبلنا، وما شابه ذلك.

فأصول الفقه إذاً هو يدرس أولاً ما هي الأدلة الإجمالية، لازم يثبت لك الأصولي أن الكتاب حجة ومصدر تشريعي، وأن السنة حجة ومصدر تشريعي، وأن الإجماع حجة ومصدر تشريعي، وأن القياس حجة -وهذا موضوعنا- وأن الاستصحاب حجة، المصلحة المرسلة حجة ولا لا، شرع من قبلنا حجة أو لا؛ هذا كله يعتبر دليلاً إجمالياً، يعني دليلاً كلياً. الأصولي ما له علاقة بتفاصيل الآيات، ما يبحث في ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذا شغل الفقيه. الأصولي يقول لك: أنا بس شغلتي أثبت لك ما هي المصادر التي ستعتمدها، ثم أنت أيها الفقيه تأخذ هذه المصادر مع القواعد التي سأعلمك إياها وتبلش تطبق وتعطيني الفروع. فهمتم؟ إذاً الأصولي هل يبحث في تفاصيل الأدلة ولا في أصولها؟

شو يعني أصولها؟ يعني إثبات حجيتها. إيش يعني يبحث في الأدلة الإجمالية؟ يثبت حجيتها. نحن مش قلنا بدنا نشكل منهجاً؟ مش قلنا الأصول شو هو؟ منهج يا عمي، تعال أنت شو منهجك؟ كيف تستنبط الأحكام؟ والله بتقول عندي كتاب، طيب شو دليلك أن الكتاب حجة؟ طيب عندي سنة، بيطلع لك اليوم ناس يسمون حالهم قرآنيين ولا هم بالقرآن، يقول لك يا أخي أنا السنة لا آخذ بها، أنت دورك كأصولي تثبت حجية السنة. إجماع الأمة، هل الإجماع حجة ولا لا؟ القياس، تثبت، بيطلع لك مثلاً إخواننا الظاهرية يقول لك يا أخي أنا القياس لا أعترف به، بيجي دورك تتأكد هذا المنهج، هل أنت تأخذ بالقياس ولا لا؟ الاستصحاب، شو منهجك؟ هل تعتبره طريقة من طرق التشريع؟

طبعاً في مصطلحات سامحوني الآن عم بطلقها بجوز بعضكم يقول شو يعني استحسان، استصلاح، مش مشكلة، بنجي عليه، مش المطلوب الآن تفهم كل ما أقوله، لكن أنا أريدك تفهم ما معنى الأدلة الإجمالية، يعني ما هي مصادر التشريع التي أنت ستستعملها في إنتاج الفروع. أيضاً يدخل تحت الأدلة الإجمالية أنواع الأدلة الإجمالية، ما معنى أنواع الأدلة الإجمالية؟ يعني الكتاب تحت أنواع، ستأتي معنا، شو يعني أنواع؟ طبعاً الكتاب والسنة أنواعه: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين. فبيجي الأصولي بيجي يقول لك الأمر نوع من أنواع الكتاب والسنة، يعني موجود في الكتاب والسنة، طيب الأمر يفيد الوجوب ولا الندب؟ فتقول الأمر يفيد الوجوب إلا إذا جاءت قرينة. نفس الشيء النهي، يفيد التحريم ولا الكراهة؟ فهذا أيضاً يعتبر من الأدلة الإجمالية.

فالأدلة الإجمالية باختصار: مصادر التشريع وأنواعها. رح تقول لي شو أنواعها؟ يعني الأمر والنهي، والعام والخاص، فهذا أيضاً شغل الأصولي يثبت المنهج فيه، أنه هذا منهج؛ برضه أنت إذا قرأت أمراً في القرآن كيف تفسره؟ إذا قرأت نهياً كيف تتعامل معه؟ إذا قرأت لفظة عامة، لفظة خاصة، لفظة مطلقة، لفظة مقيدة، لفظة طب بدي أقيس، تعال شو أنواع الأقيسة؟ عندي قياس علة، طب قياس دلالة، عندي قياس شبه، وهذه أنواع الأقيسة. طيب كيف أتعامل مع كل نوع من أنواع الأقيسة؟ طيب كيف بدي أستنبط العلة؟ هذا كله يسمى أنواع الدليل. فإذاً الأدلة الإجمالية باختصار يا أيها الطالب: ما هي مصادر التشريع وأنواعها؟ أنا بعطيك أمثلة على أنواعها، اكتب أنواعها: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الأقيسة، وأنواع الإجماعات، سكوتي، صريح، وهكذا.

إذاً أدلة الفقه الإجمالية، اثنين: كيفية الاستفادة منها. فالأصولي ما بيعطيك بس الدليل الإجمالي، بقول لك خذ يلا الكتاب حجة وأنت يا فقيه دبر حالك؛ أنت دائماً تخيل أنه عندي أصولي وعندي مقابله فقيه، هسا الأصولي بده يحط المنهج، والفقيه بده يطبق. فهل الأصولي فقط يقول للفقيه الكتاب حجة والأمر يفيد الوجوب وخلص؟ لا، هو يعلم الفقيه كيف يستفيد من هذه القواعد، كيف يستفيد من مصادر التشريع بالتفصيل. بتعرفوا لما تروح على شركة، مش لما تشتري من عندهم سيارة ولا غسالة ولا شيء بيكون معه كتالوج؟ بتعرفوا الكتالوج؟ هذا اللي بيعمله الأصولي مع الفقيه، بعطيه كتالوج معين، ها السيارة هي تفاصيلها روح أنت سوقها واستعملها. نفس الشيء الأصول بيحط الكتالوج الذي هو كيفية الاستفادة، بعطيه للفقيه بقول له هي أعطيتك كيف والله ترجح إذا تعارضت النصوص، إذا لم تتعارض كيف، متى تحمل المطلق على المقيد، متى لا تحمله، بعطيك كل التفاصيل كاملة، ثم الفقيه إيش شغلته؟ التطبيق. الفقيه لا يؤصل، الفقيه يفرع، الفقيه يفرع وليس عمله التأصيل، فهذا معنى كيفية الاستفادة منها، يعني كيف أستفيد من مصادر التشريع، كيف أستفيد من أنواعها، كيف أوظفها لإنتاج الفروع الفقهية والأحكام الجزئية.

طيب هذا الموضوع الثاني في علم أصول الفقه: كيفية الاستفادة من الأدلة الإجمالية. الموضوع الثالث: حال المستفيد، والمراد بالمستفيد هنا المجتهد. إيش يعني هذا الكلام؟ الأصول يا إخوان أيضاً من أعماله علم أصول الفقه أن يحدد معايير الشخص الذي يجوز له استعمال المصادر الإجمالية وأنواعها. يعني هل يجي عامي اليوم يقول لك أنا بدي أروح أستعمل مصادر التشريع الإجمالية وأستنبط؟ شو بتقول له؟ أنت روح الله يسهل عليك، لا تقرب، إياك أنك تقرب يا أيها العامي من مصادر التشريع الإجمالية وأنواعها، أوعك تطبق أنت، ليه؟ لأنه أنت ليس على المعايير والمواصفات التي تؤهلك لتطبيق والاستفادة من هذا الكتالوج ومن هذا المنتج. اليس كذلك؟ تمام.

كيف اليوم شخص معه رخصة سيارة بنسمح له يسوق سيارة، بقول لك يا شيخ والله قرأت الكتالوج كله؟ بتقول له يا أخي ما معك رخصة قيادة، أوعك تقرب من السيارة. نفس الشيء اللي مش طالب علم أصولي تمام، ولم تجتمع فيه التفاصيل التي يسمونها شروط الاجتهاد، باختصار هذا المستفيد التي هي شروط المجتهد، الأصولي بيحط المعايير للفقيه الذي يحق له يقرب وينتج، فبقول لك لا بد يكون الذي بده يستعمل هذه القواعد وهذه المصادر أن يكون عالماً باللغة، عالماً بالحديث، عالماً بالناسخ والمنسوخ، عالماً بالإجماعات، عالماً بمقاصد الشريعة، عارفاً بالرجال، عارفاً بالخلاف والوفاق، بحط لك عشر مواصفات التي نحن نسميها شروط الاجتهاد. فهذه المعايير مين اللي بيضعها؟ الأصولي برضه. فعلم أصول الفقه إذاً أصبح يبحث في كم موضوع؟ ثلاثة: يبحث لك أولاً شو هي مصادر التشريع وأنواعها، كيف تستفيد من مصادر التشريع وأنواعها، ومن الذي يحق له الاستفادة من هذا المنتج.

ولذلك اليوم للأسف تجد كثير من الناس يفتي في دين الله خبط عشواء، زي ما قال لي قبل شوي، لماذا؟ هو ليس مؤهلاً ليستعمل المنتج الأصولي. أنت مش مؤهل، أنت ما فيك شروط الاجتهاد، بناءً على إيش اقتحمت هذه الأسوار المغلقة؟ الهوى والتجاسر على الشريعة. لذلك قررنا إن شاء الله في هذه الدورة أن نقرأ كتاب تعظيم الفتيا لابن الجوزي رحمه الله عليه، حتى تعرف أنه الفتيا مش شيء سهل، وأن علماء الأصول وضعوا صفات لحال المستفيد، يعني من الذي يحق له الاستفادة من مصادر التشريع. هذا معنى قولنا: أصوله الأدلة الإجمالية، وحال مستدلها، عرفتم شو يعني حال مستدلها؟ يعني ما صفات المجتهد الذي يحق له الاستفادة من الأدلة الإجمالية، والكيفية يعني كيفية الاستفادة منها. واضح مشايخ؟ طيب.

قال رحمه الله: والفقه أن تدري من الأحكام شرعيها بالاجتهاد السامي. جميل، بعد أن عرف أصول الفقه أراد أن يعرفك ما هو الفقه، تمام، لأنه الفقه هو المنتج النهائي صح؟ لأنه أنا ليش بدي أصول فقه أصلاً حتى أخرج لك فقه؟ تمام، أنت الآن بتستطيع تقول إنه أصول الفقه هو الآلة الماكينة، وأنت في النهاية أنت يهمك الماكينة ولا الذي يطلع منها؟ أنا يهمني الذي يطلع من الماكينة، الطحين. فالفقه هو الطحين الذي رح يطلع من ماكينة أصول الفقه، التي هي ماكينة المنهج، فيقول لك ما هو الفقه؟ لا بد تكون تعرف الفقه، لأنه هو المنتج الذي أنت تطلبه وهو المقصد، لأنه علم أصول الفقه علم وسائل، وعلم الفقه هو علم مقاصد وغايات، فهو يريد أن يعرف هذا وهذا.

فقال: والفقه أن تدري، أن تدري يعني أن تعرف، طبعاً هنا أنا سأعتمد على شرح الناظم نفسه، لأن الناظم أصلاً له شرح موجود، الدرة الموسومة في شرح المنظومة، فبعض الأمور سيفصلها هو لأنه أدرى الناس بكلامه الناظم. فمعنى قول أن تدري يعني أن تعرف الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد السامي، يعني الاجتهاد الرفيع. وهذا التعريف موافق لتعريف أبي المعالي الجويني في الورقات، ولكنه مشكل؛ لأن هؤلاء ماذا يقصدون رحمهم الله عليهم؟ يقصدون أن الفقه هو خاص بمعرفة الأحكام الشرعية الاجتهادية، لأنه إيش قال؟ معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. طيب الأحكام الشرعية اليقينية، مثل الصلاة واجبة، هسا هي محتاجة لاجتهاد؟ بتعرفوا الصلاة واجبة. طيب أن الزكاة فرض، فيها محتاجة لاجتهاد؟ لا، هي أحكام معلومة من الدين بالضرورة. طيب هذه الأحكام الفقهية المعلومة من الدين بالضرورة، هل تدخل في تعريف الفقه؟ حقيقة كثير من المتكلمين لا يعتبرونها داخلة في الفقه، فالفقه خاص بالمسائل التي تحتاج إلى اجتهاد، أما المسائل الشرعية التي لا تحتاج إلى اجتهاد مثل وجوب الصلاة، وجوب الزكاة، وجوب الحج، قالوا هذه لا نسميها فقهاً، وهذا خطأ. بل الأحكام الشرعية سواء كانت يقينية قطعية معلومة من الدين بالضرورة، أو اجتهادية تحتاج إلى اجتهاد، كله يدخل في مسمى الفقه. يعني كلمة الصلاة واجبة، شو المانع يكون هذا فقهاً؟ ما الذي يمنع أن تكون هذا الحكم الشرعي يسمى فقهاً، شو المشكلة؟ تمام.

فهذا اصطلاح ليس بسديد، والصواب أن الأحكام الشرعية، معرفة الأحكام الشرعية القطعية أو التي تحتاج إلى اجتهاد كله داخل في مسمى الفقه، لذلك عادة ما يعرف الفقه عند المتأخرين: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. هذا الأشهر وهذا كلام صحيح، أن الفقه هو أن تعرف الأحكام الشرعية بماذا؟ ليس بالتقليد، بل بالأدلة التفصيلية. كل إنسان إخواني يعرف حكماً شرعياً بدليله، سواء كان حكماً شرعياً قطعياً ولا حكماً شرعياً ظنياً، الذي يعرف الحكم الشرعي بدليله التفصيلي هذا يسمى علمه فقهاً، وأما من يعرف الأحكام الشرعية لكن بالتقليد لأئمة المذاهب بدون المعرفة بالأدلة التفصيلية، يعني بأدلة المسألة، لا هذا لا يسمى عندهم فقيهاً. ولذلك أغلب طلاب الفقه اليوم ليسوا بفقهاء، لماذا؟ لأنكم مقلدون، أنتم تعرفون الأحكام الشرعية بأدلتها بجوز 20 أو 30 حكماً التي تعرفوه بدليله، لكن مسائل البيوع والمناكحات والأقضية أكثرها أنتم تعرفونها بدون أدلتها، فقط تقليداً لأئمة المذاهب، فهذا لا يسمى فقهاً عند المتوسطين والمتقدمين. عند المتأخرين جعلوا حتى من يحفظ المسائل ولو لم يعرف أدلتها يجعلونه فقيهاً.

طبعاً أنت رح تقول لي يا شيخ يعني هذا البحث شو فائدته؟ لا بقول لك له فائدة، لو أن شخصاً قال بدي أوقف هذا المبنى على الفقهاء، من سيدخل في هذا الوقف؟ واحد عامل وقف خيري قال: أريد أن أقف هذا المبنى على الفقهاء، من سيدخل فيه؟ على رأي المتوسطين والمتقدمين، من سيدخل؟ فقط الذي يعرف الأحكام الشرعية بالأدلة، أما الذي ما يعرف الأحكام الشرعية بالأدلة كحال أكثرنا هذا ما بيدخل في الوقف. لكن على رأي المتأخرين الكل بيدخل، لأن عند المتأخرين الفقيه يشمل من يعرف الحكم الشرعي ولو بالتقليد ولو لم يعرف دليل التفصيل الذي يدل عليه. فهذه مناقشة سريعة في هذا التعريف وانتقاد لما ذكره وهو أنه قال: الفقه أن تعرف الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. فنحن اعترضنا فقلنا الصواب أن الفقه يشمل الأحكام الشرعية الاجتهادية واليقينية، المهم أنك تعرفها بالدليل، وعلى طريقة المتأخرين إذا بدك تقول فقط بالحفظ ولو بدون دليل بيمشي الحال.

قال رحمه الله: والحكم إن عوقب تارك وجب، أو فاعل فهو حرام. شرع الآن في بيان الأحكام الشرعية، لأن المقصد كما قلنا من ماكينة أصول الفقه هي إنتاج الفقه، والفقه هو في الحقيقة ما هو؟ إيش تعريف الفقه؟ العلم بالأحكام، هو إيش نفسه؟ قال العلم بالأحكام التي طريقها الاجتهاد. إذاً العلم بالأحكام، فإذا تحتاج في بداية طلبك لهذا العلم أن تعرف ما معنى الحكم الشرعي، ما تقول الفقه معرفة الأحكام طيب شو معنى الحكم؟ فأراد أن يبين لك ما معنى الحكم، ولكنه عرف الحكم بذكر أنواعه وأقسامه، وإلا فالأصوليون في مصنفاتهم الكبرى يقولون الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً. تمام هكذا يقولون، إن الحكم الشرعي كتعريف عام هو خطاب الشارع، أي خطاب الله وما يتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، يعني طلباً، طبعاً طلب فعل أو طلب ترك.

يكون على وجه الإلزام وعلى غير وجه الإلزام، أو تخييراً أو وضعاً، وهذا أذكر لك فقط سريعاً ولا يهمني أن تضبطه، ولكن يهمني أن تعرف أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي. الحكم الشرعي التكليفي خمسة أحكام: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة. أريد منك أن تخرج اليوم من هذا المجلس وتقول لي الحكم الشرعي التكليفي خمسة، وهي: إيجاب -سمِّه واجباً أيضاً، أسامحك في هذه الفترة- ومندوب ومحرم ومكروه ومباح. هو الآن شرع في ذلك فقال لك، ودخل مباشرة في الأحكام التكليفية فقال:

والحكم إن عوقب تارك وجب، أو فاعل فهو حرام يجتنب.

في هذا البيت عرف الواجب والحرام، فقال: الواجب هو ما يعاقب تاركه عمداً. هذه أضفتها: ما يعاقب تاركه على وجه العمد؛ لأن من ترك الواجب ليس على وجه العمد، خطأ، لا يعاقب. فنقول: تعريف الواجب هو ما يعاقب تاركه عمداً، هذه هي الخصيصة الأساسية فيه. الآن البعض يضيف: ويثاب فاعله امتثالاً، لو أردت أن تضيف هذا يضبط، ولو أردت أن تقتصر على الأول ترى يكفي، لأنه كل ما يعاقب تاركه عمداً هو الواجب. هذه خصيصة الواجب: أن من ترك الصلاة عمداً يعاقب، صح؟ ومن ترك الزكاة عمداً يعاقب، فهذا دلالة على أنها واجبة. كل ما يعاقب تاركه عمداً هذا يسمى واجباً. في المقابل، كل ما يعاقب فاعله عمداً فهو حرام. لذلك قال: والحكم إن عوقب تارك وجب، والحكم إن عوقب فاعل فهو حرام يجب اجتنابه.

قال رحمه الله: واندب إذا أثيب من قد فعله، أو تارك ممتثلاً فاكرهه له.

الآن انتقل إلى تعريف المندوب والمكروه. أخذنا الواجب والحرام، الآن ننتقل للمندوب والمكروه، فماذا قال؟ واندب إذا أثيب من قد فعل. ما هو المندوب؟ هو الذي يثاب فاعله امتثالاً. وأحياناً أقول امتثالاً؛ لأن بعض الناس قد يفعل الشيء المندوب وهو ليس قاصداً الامتثال لله، يعني واحد يتسوّك وهو غير منتبه أنه في يده سواك، هذا لا يثاب؛ لأنه لم يقصد الامتثال بالسواك. إذاً، المندوب ما يثاب فاعله إذا فعل امتثالاً، والبعض يضيف: ولا يعاقب تاركه. لو اقتصرت على ما يثاب من قد فعل يكفي، لكن الحقيقة لا، الكمال هنا في هذا المقام أن تزيد القيد الآخر حتى يتضح الأمر: المندوب هو من يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه. المكروه بالعكس؛ المكروه كما قال: أو تارك ممتثلاً فاكرهه له.

يعني إذا أثيب التارك على وجه الامتثال فهذا يسمى المكروه. فالمكروه ما هو؟ ما يثاب تاركه إذا ترك الشيء امتثالاً، يعني إذا قلنا إن شرب الماء قائماً مكروه على رأي بعض المذاهب، فأنت إذا تركت شرب الماء وأنت قائم وجلست، فأنت هنا ماذا فعلت؟ تثاب، تثاب بشرط أن يكون جلوسك ليس سهواً بل لقصد الامتثال. فالمكروه إذاً ما يثاب تاركه امتثالاً إذا قصد بتركه لهذا الشيء أن يمتثل لأمر الله، ولا يعاقب فاعله. دائماً تعريف المندوب عكس تعريف المكروه بالضبط. إذاً، المندوب ما يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه، والمكروه بالعكس، ما يثاب تاركه امتثالاً ولا يعاقب فاعله. لذلك قال: واندب إذا أثيب من قد فعل، أو تارك ممتثلاً فاكرهه له.

قال رحمه الله: أولاً ولا فهو المباح باستوى، وقد يصير طاعة إذا نوى.

أولاً ولا، ماذا يعني؟ هنا يعني إذا كان لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه فهذا ماذا يسمى؟ الحكم الشرعي المباح باستواء، أي يستوي طرفاه؛ فلا يثاب فاعله في الأصل ولا يعاقب تاركه أصلاً، هذه هي الحالة الأصلية له. لكن المباح قد يصير طاعة تثاب عليه إذا نويت به الاستعانة على فعل الخير. المباح ما هو وضعه الطبيعي؟ لا تثاب على فعله ولا تعاقب على تركه، مثل الأكل، الشرب، النوم، الراحة، الاستجمام؛ هي مباحات لا تثاب على فعلها ولا تعاقب على تركها. لكن هل ممكن تصبح هذه طاعة أثاب عليها؟ نعم، إذا أصبحت وسيلة إلى طاعة، مثلاً لو قال شخص: أريد أن أنام لأستيقظ لصلاة الفجر، والله هنا أصبح النوم، كان مباحاً في الأصل، لكن الآن أصبح طاعة تثاب عليه. واحد قال: آكل لأتقوى على طاعة الله، أريد أن أستريح حتى ألعب الرياضة لأنشط عقلي لطلب العلم؛ هذه مباحات، لكنها أصبحت هنا قربات وطاعات.

وبالعكس أيضاً -وإن كان هو لم يذكره- يمكن أن يصبح المباح معصية إذا جعلته وسيلة إلى محرم. كما أن المباح يصبح طاعة إذا كان وسيلة إلى طاعة، كذلك يصبح معصية إذا كان وسيلة إلى معصية. شخص أتى بطعام قال: أريد أن أتقوى لأفعل معصية معينة حتى أصبح لصاً قوياً، ونقول له: والله هذا الطعام كلياته رايح حرام في حياتك. أي إنسان أو شخص قال: أريد أن أنام حتى أستيقظ مبكراً لأخرج مع أصحابي في رحلة فيها معصية الله، هذا النوم أصبح ماذا؟ بده يتقوى بالنوم على معصية الله. فكما أن النوم والمباحات عموماً إذا جعلتها وسيلة للطاعات أصبحت طاعة، كذلك المباحات إذا جعلتها وسيلة للمحرمات أصبحت معصية.

الآن شراء جوال ما حكمه؟ الأصل أن شراء الجوال مباح، لكن إذا اشتريته لتنتفع به، والله اشتريت جوال أريد أن أحضر به محاضرات شرعية وأنتفع بما فيه، أصبح شراؤك هذا طاعة. لو شخص قال: أريد اشتري الجوال لأتصفح وسائل التواصل الاجتماعي في الاستغراق في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي معصية؛ وبعضها حرام زي التيك توك، هذا أفتي بحرمته أصلاً، لا يجوز فتحه، والذي يفتحه آثم. لكن عموماً أي شخص قال: أريد أشتري جوالاً حديثاً لينظر في المعاصي في الذنوب، أصبح شراؤه معصية. شوفوا يا إخواني، هذه قاعدة عظيمة في الشريعة، إياك أن تفكر أن المسألة سهلة، ترى كثيراً من أمور حياتك قائمة على هذا. أنت شخص بياع جوالات، تقول لي: يا شيخ، جاءني شخص بده يشتري جوال مني، أبيعه ولا ما أبيعه؟ أقول: أخي الكريم، إذا عرفت أنه يريد الاستعانة به على حرام، قال لك: أنا والله بدي جوال فيه أصوات موسيقى ومعازف، هو صرح، يحرم أن تبيعه. الجوال يا شيخ، مش بيع الجوال حلال مباح؟ هو من حيث الأصل مباح، لكنك الآن تعلم يقيناً أنه وسيلة إلى حرام، فأصبح بيع الجوال حراماً. شخص قال لك: أنا بدي أشتري هذا الستلايت، ليش؟ والله أحب أتابع أفلاماً ومسلسلات، طبعاً أنت تعرف شو قصده، يعني مش أفلاماً خيرية. فأنت بيعك له الآن، تقول لي: بيع يا شيخ الستلايت مش حلال؟ هو من حيث الأصل مباح، لكن هذا الشخص صرح بمقصده فاصبح وسيلة إلى حرام فلا يجوز. لو لم يصرح بمقصده أنت مش مطلوب منك تفتش.

قال رحمه الله: وإن يكن على الشروط اشتملا، فنافذ صح وإلا بطلا.

الآن انتقل إلى ذكر -وهذه كما قلت منظومة مختصرة- الأحكام الوضعية، ذكر ما يسمى بالصحيح والباطل. الصحيح ماذا عرفه؟ الصحيح نقول: كل عبادة أو معاملة استجمعت شروطها المطلوبة شرعاً، والباطل كل عبادة أو معاملة لم تستجمع شروطها الشرعية. كل عبادة أو معاملة استجمعت شروطها الشرعية ايش نقول عنها؟ عبادة صحيحة. الوضوء له، طبعاً كلمة الشروط هنا تشمل الأركان؛ لأن هنا استعمل الشرط بالمعنى العام، أقول: كل عبادة أو معاملة استجمعت شروطها، أقصد بالشرط بمعناه العام الذي يشمل الأركان. فأنت إذا صليت صلاة بأركانها وشروطها شو بنقول؟ صلاتك صحيحة، وإذا صليت صلاة أخللت فيها بشرط أو بركن؟ باطلة، صح. كذلك البيع، أنت بعت بيعاً استجمعت شروط البيع وأركانه، فالبيع صحيح، بيع لم يستجمع شروطه ولا أركانه، يعني فقد أحد شروطه أو أركانه، فالبيع باطل. إذاً هذا كلام صحيح، كما قال: وإن يكن على الشروط اشتمل -يعني وإن يكن الفعل سواء كان عقداً أو عبادة على الشروط الشرعية مشتملاً- فهذا يسمى صحيحاً، ويسمى نافذاً. له اسم آخر، ايش يسمونه؟ ولكن في العادة كلمة النافذ تستعمل في المعاملات، لكن يجوز أن تقول عبادة نافذة وعقد نافذ، وعبادة صحيحة وعقد صحيح، فنافذ وصحيح يعني مترادفان في هذا المقام، وإلا بطل؛ أي إن لم يستجمع العقد أو المعاملة للشروط المعتبرة شرعاً، فماذا يسمى؟ باطلاً، وبالتالي لا تترتب عليه آثاره الشرعية.

قال رحمه الله: الآن انتهى من ذكر الأحكام الشرعية، عادة العلماء بعد ذكر الأحكام الشرعية يتبعونها بذكر الأحكام العقلية، وهي خمس أيضاً. مش قلنا الأحكام التكليفية خمس، الأحكام العقلية خمس؟ ما هي؟ العلم والجهل والظن والوهم والشك. الآن لماذا يذكرون الأحكام العقلية بعد الأحكام الشرعية؟ قالوا: أولاً حتى تميز بين الحكم الشرعي وبين الحكم العقلي، ما دمت عرفتك على الأحكام الشرعية بدي أعرفك أنه في هناك ما يسمى بأحكام عقلية أيضاً، وأن الأحكام الشرعية كثيراً ما تتداخل مع الأحكام العقلية؛ لأن إدراكك للحكم الشرعي قد يكون جزماً فيسمى علماً، وقد يكون إدراكك للحكم الشرعي على وجه الظن وهو الأكثر، وقد يكون إدراكك على وجه الشك، وقد يكون وهماً، وقد لا تدركه أصلاً فتكون جاهلاً، فالأحكام الشرعية مرتبطة بالأحكام العقلية؛ لأن كل حكم شرعي إما أن تكون عالماً به، أو ظاناً، أو شاكاً، أو واهماً، أو جاهلاً، فذكر الأحكام العقلية بعد الأحكام الشرعية مقصود ومطلوب في بداية طلبك لأصول الفقه.

قال رحمه الله: تصور المعلوم فيما هو به علم، وإلا فهو جهل فانتبه.

قال العلم: ما هو؟ أن تتصور الشيء المعلوم على ما هو عليه في الواقع. بس بدي أضيف كلمة، هو أضافها في شرحه: تصوراً جازماً. كلمة الجزم لازم توضع. قال العلم: تصور المعلوم فيما هو به -أي إدراكك للمسألة على ما هي عليه في الواقع- إدراكاً جازماً. هذا يسمى علماً، يعني أنا أدرك أن هذا الأخ أمامي، إدراكي لهذا الأخ أنه أمامي، هذا إدراك مطابق للواقع، صح؟ وأنا مش شاك في هذا ولا ظان، أنا جازم مائة بالمائة، فهذا الإدراك يسمى علماً. كذلك وجوب الصلاة، إدراكي لهذه المسألة، أنا أدركها أنها واجبة، إدراكي لوجوب الصلاة علم؛ لأنني مدرك للمسألة على ما هي عليه في الواقع وأنا جازم بذلك. فالعلم لا يسمى علماً حتى يكون على وجه الجزم والقطع. طيب وإلا، وأما إذا لم تدرك الشيء على ما هو عليه فهذا جهل. لكن بدنا ننتبه، إدراك الشيء -اكتبوا هذا التفصيل- إدراك الشيء متى يسمى جهلاً؟ أو خلوني أعرفكم الجهل بطريقة أخرى: نقول الجهل جهلان، هناك جهل بسيط، وهناك جهل مركب. الجهل البسيط هو أنني لا أدرك المسألة أصلاً، يعني أنا مش عارف أصلاً المسألة ولا عمري سمعت فيها، هذا يسمى جهل بسيط أنني ما سمعت بالمسألة.

هناك نوع ثانٍ من الجهل وهو الجهل المركب، ما هو؟ أن أدرك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع. يعني إذا قلت والله الشيخ هذا موجود الآن في بيته، طيب هل هذا مطابق للواقع ولا هذا الإدراك مخالف للواقع؟ هو أمامي، كيف ببيته؟ لا هو ببيته يا شيخ، هذا أمامك! إلا إذا كان من أهل الخطوة، هذا ممكن يكون في البيت -إخواننا بعض الصوفية الله يجزاهم الخير- لكن الوضع الطبيعي أنه هنا جالس أمامي، فإدراكي أنه في البيت هذا إدراك للشيء على خلاف ما هو عليه، وأي مسألة شرعية واجبه أنت تفكر أنها حرام، هذا اسمه جهل مركب. مسألة مندوبة أنت طول حياتك تفكر أنها مكروهة، ايش يسمى هذا؟ جهل مركب. فأي إدراك للشيء على خلاف ما هو عليه يسمى جهلاً مركباً. إذاً الجهل جهلان: بسيط، هو عدم الإدراك أصلاً، ومركب، وهو أن.

تدرك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع. لذلك قولنا "وإلا فهو جهل" نقول: هذا يشمل الجهل البسيط والجهل المركب.

قال رحمه الله: "والعلم إن لم يفتقر إلى نظر ضروري كما بسمع وبصر". عرفنا قبل قليل تعريف العلم، قلنا العلم ما هو؟ أن تدرك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكاً جازماً. الآن يقولون هذا العلم، هذا الإدراك للشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً له طريقتان، إما أن يكون إدراكاً ضرورياً، أي لم يحتج مني إلى جهد ولا إلى تأمل، مثل إدراك أن الشيخ أمامي. هل أنا والله اجتهدت وفكرت كثيراً حتى أدركت أنه أمامي؟ لا؛ لأنه يقولون ما يدرك بالحواس الخمس هذا ضروري، ليس محتاجاً لجهد ولا لتأمل ولا لشيء من ذلك. فهذا نوع من العلم الجازم، علم ضروري. العلم الضروري ما تعريفه؟ هو كل إدراك جازم لا يحتاج لا إلى نظر ولا إلى تأمل ولا إلى اجتهاد.

يقابله العلم النظري، وهو علم جازم لكنني وصلت إليه بعد نظر وتأمل. مثلاً معرفتي في ميراث الأب، أنه متى يأخذ الثلث ومتى يأخذ السدس ومتى يكون عصبة، هذه مسائل مجزوم بها متفق عليها بين المذاهب، لكن الوصول إليها ليس سهلاً. لو سألتك عنها أنت لا تعرفها أو أكثركم لا يعرفها، السبب أنها محتاجة لنظر وتأمل في النصوص الشرعية حتى أعرف ما هو ميراث الأب، وإن كان حكمه مجزوماً قاطعاً لا خلاف فيه بين العلماء. فإذاً العلم المجزوم به نوعان: علم وصلت إليه بدون نظر ولا اجتهاد فهذا يسمى علم ضروري، وعلم جازم لكنني وصلت إليه بعد نظر وتأمل وتفكير واجتهاد فهذا يسمى علم نظري كسبي.

فهنا ماذا قال: "والعلم إن لم يفتقر بلا نظر" يعني ما احتاج لا لنظر ولا إلى تأمل فهذا ضروري كما بسمع وبصر. ذكر مثالاً الأمور التي تدرك بالحواس الخمس، والله أنا ذقت الطعم هذا فوجدته حلواً أو وجدته حامضاً، هذا لا يحتاج إلى نظر ولا تأمل، أدركته بحاسة الذوق. لكن هنا طبعاً يشترطون أن الحواس الخمس إذا كانت سليمة من العاهات؛ لأنه قد يكون واحد عنده انحراف في العين فلا يبصر الشيء على ما هو عليه، فتقول كيف هذا علم ضروري؟ أقول هذه حاسة فيها عطل فلا عبرة بها. فلما نقول إنه ما يدرك بالحواس هو ضروري بشرط سلامة الآلات، أن تكون حاستك سليمة، فإذا كان عندك ضعف بصر أو طول نظر أو شيء، وكذلك بعض الناس قد يكون الشم عنده مضطرباً، فلا يقل لي أنا والله مش ضروري؛ لأنه أنت أصلاً الشم عندك فيه مشكلة، نحن نتكلم عن الشخص الذي أوضاعه سليمة ليس عنده أي مشاكل.

كذلك من الضروريات، ما يدخل في الضروريات الأمور التي أدركناها منذ الصغر بدون تعليم، كإدراكنا أن الجزء أصغر من الكل، وأن المتناقضين لا يجتمعان. فهذه أيضاً مسائل ضرورية، إنما حصلناها منذ الصغر، وهل هي تكون مع الولادة أو حصلت منذ الصغر بطريقة أنت لا تذكرها؟ هذه مسألة أخرى فيها خلاف بين النظار.

قال رحمه الله: "وغيره مكتسب، والنظر في كل مطلوب هو التفكر". وغيره يعني وغير الضروري ماذا يسمى؟ المكتسب، ويسمى النظري، وأيضاً يسمونه مكتسباً ويسمى نظرياً لأنك اكتسبته بالاجتهاد والنظر وإعمال الذهن. فعندما نقول إذاً العلم النظري ما هو؟ العلم المجزوم به الذي احتجت فيه إلى نظر، لهذا سمي نظرياً؛ احتجت فيه إلى نظر واستدلال وتأمل. فلما كان العلم النظري يحتاج إلى نظر أراد أن يعرف لك ما هو النظر.

فقال: "وغيره مكتسب، والنظر في كل مطلوب هو التفكر". يقول النظر في المطلوب ما معناه؟ التفكر فيه. هذا تعريف النظر وهو طبعاً تعريف مختصر يليق بهذا المختصر، إذاً النظر في المطلوب هو أن تفكر فيه، والتفكير هو حركة النفس في المعقولات، هو أن تحرك ذهنك وقوتك الذهنية في الشيء حتى تصل إلى حكمه. لذلك قال هو التفكر ليحصل الدليل.

قال رحمه الله: "ليحصل الدليل، فهو المرشد إلى المراد". أنا لما أفكر بالشيء أحصل على دليله، طب ما هو الدليل؟ هذه كلها مصطلحات أساسية لازم تكون في جعبتك قبل ما تتعمق في أصول الفقه. ما هو الدليل؟ قال الدليل هو المرشد إلى المراد، والصحيح أن كل مرشد إلى مراد هو دليل سواء كان إرشاده على وجه الجزم أو على وجه الظن. الآن صاحبنا ابن مطير هو يرى أن الدليل هو فقط الذي يرشد إلى مجزوم به، وهذا رأي كثير من المتكلمة، أنهم يفرقون بين الدليل والأمارة، فيقولون الدليل هو كل ما يوصلك إلى قطع، والأمارة كل ما يوصلك إلى حكم ظني. الصحيح الذي نرى أن الدليل هو كل ما يوصل إلى حكم سواء حكم قطعي أو كان حكم ظني، لكن طريقة ابن مطير وكثير من المتكلمة أن الدليل خاص بما أرشد إلى المراد بشرط أن يوصلني إلى حكم قطعي؛ لذلك ذكره مع أقسام العلم القطعي.

أن العلم المجزوم به قسمناه إلى ضروري ونظري. العلم النظري يحتاج إلى نظر، طب ما هو النظر؟ النظر الفكر في المطلوب، يعني حركة العقل في المطلوب حتى أحصل دليله. طب ما هو دليل المسألة؟ هو المرشد إلى المراد، سواء كان قطعياً أو ظنياً على الصحيح. ثم الذي يحصل بالتصور بغير جزم فمؤدى النظر تردد.

الآن انتقل إلى الحالة الثانية، إذا تصورت الشيء على ما هو عليه لكن ليس تصورا جازماً، تصورت على ما هو عليه لكن على غلبة الظن، يعني 90% أو 80% فهذا يسمى عنده ظناً. كثير من الأحكام الشرعية أنت تجتهد فيها وتنظر لكنك لا تجزم بها، خاصة المسائل المذهبية، كما يقول الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". فهنا الشافعي هل هو جازم ولا عنده غلبة ظن؟ غلبة ظن. فيقول أما التصور للمسألة إذا كان بغير جزم، إذا لم يوصلك إلى الجزم فأنت متردد، لكن التردد أحوال، قال: فمؤدى النظر تردد، تردد فراجح الأمرين ظن، وشك مستوي الوجهين.

إذا قال من أدرك الشيء إدراكاً غير جازم، فمؤدى نظره واجتهاده وصل إلى حالة من التردد. هذا التردد إن كان أحد الطرفين أرجح عندك من الآخر فالراجح ماذا نسميه؟ ظناً. الطرف المرجوح يسمى وهماً. يعني أنا لما أقول أنا أظن أن حكم هذه المسألة مكروه، إذاً الرأي الآخر في المسألة ماذا أعتبره أنا؟ وهماً؛ لأني غلب على ظني أن المسألة على الكراهة، فلو قال شخص لا المسألة على الإباحة أقول كلامك وهم. متى أعتبر كلامه وهماً؟ إذا كنت أنا لست جازماً في المسألة، فإذا غلب على ظني أنه مكروه أقول يغلب على ظني أنه مكروه، فرأيك الآخر أعتبره وهماً. أما إذا استوى عندي الأمران يعني 50%، يعني أنا لست متأكداً حقيقة، فهذا شك، محتمل أن يكون مكروهاً ومحتمل أن يكون مباحاً، فهذه نسمي التردد هنا شكاً.

إذاً إدراك المسألة إذا لم يكن أي مسألة شرعية، إذا أنت مش جازم فيها فأنت أحد ثلاثة؛ إما صاحب ظن وبالتالي الطرف الآخر ستعتبره وهماً، أو أنت شاك. فعندك ظن ووهم وشك، وكل ظن يقابله وهم، احفظها كل ظن يقابله وهم؛ لأن الظن هو الراجح والوهم هو المرجوح، فرأيي أنا مظنون وأعتبر رأيك المخالف لي وهماً. أما إذا كنت لم أصل إلى غلبة الظن، يعني المسألة عندي ما زالت مشكوكاً فيها، وهنا يتوقف العلماء؛ إذا وصل الإنسان لمرحلة الشك يفتي؟ لا، ما بصير، إذا كنت شاكاً تتوقف، فالشك أيضاً هو شكل من أشكال الأحكام العقلية.

لكن كما قال "فراجح الأمرين ظن"، ومقابل الظن وهم، ثم قال "وشك مستوي الوجهين". الشك أن يستوي عندك الوجهان 50%. هذه عبارة الأصوليين والمتكلمين أن الشك هو ما استوى عنده الوجهان 50%. لكن سؤال عند الفقهاء، الشك عند الفقهاء يشمل الظن، بدليل ماذا قالوا؟ لو كان شخص متوضئاً وشك في أثناء صلاته هل انتقض وضوئي أو لا، ماذا يقولون؟ الحكم هنا يطرح الشك ويكمل، أنا متيقن أني متوضئ وأثناء وأنا بصلي شككت هل أحدثت ولا ما أحدثت، يقول وشك هل انتقض وضوءه أو لا، ماذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا شك أحدكم في صلاته" ماذا يفعل؟ فيطرح الشك، اطرده وتستمر في صلاتك. ما معنى الشك هنا؟ الشك هنا يشمل حتى الظن، يعني حتى لو غلب على ظني أن وضوئي انتقض، لا أقطع الصلاة لأني كنت متيقناً أنني على طهارة فلا أقطع الصلاة لطروء الشك. الشك عند الفقهاء هذا فقط للإخوة الذين يدرسون فقه حتى ما يلتبس عليهم، الشك عند الفقهاء يشمل الظن، وأما الشك عند الأصوليين فهو خاص بحالة استواء الوجهين 50%.

وأما إذا ترجح أحد الطرفين فلا يسمى شكاً عند الأصوليين ويسمى عندهم ظناً، وإن كان يسمى شكاً عند الفقهاء. فإذاً الأحكام العقلية خمسة؛ إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً هو علم، إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً غير جازم -حبه حبة غير جازم- نقول هذا تردد وفيه ثلاث احتمالات: إذا ترجح أحد الأمرين فرأيي ظن والرأي الآخر وهم، وإذا استوى عندي الأمران شك، وأما إذا لم أتصور الشيء فهذا جهل بسيط، أو تصورته على خلاف ما هو عليه في الواقع فهذا جهل مركب. تحفظوا لي هذه المسائل وتأتون غداً متحمسين أقوياء إن شاء الله حتى نكمل.