دخولتسجيل الدخول

المجلس العاشر والأخير

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الختامي للدورة العلمية المكثفة «مدارج العلم» في موسمها الرابع لعام 1447 من هجرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله أن سارت بنا سفينتنا حتى انتهينا إلى مرساها في هذا المجلس المهيب، وهو مجلس الختام. والإنسان عند الختام دائماً يتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى أن وفقه في هذا البلد المبارك لعقد مثل هذه المجالس النافعة الطيبة، ويحمد الله سبحانه وتعالى أنه يعيش في حقبة زمنية ما زال يسمع فيها الخير، وما زال يسمع فيها قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعيش بين ثنايا الكتب.

يعيش الإنسان في هذه الفترة بين كلام علمائنا الأقدمين الذين توفاهم الله سبحانه وتعالى، وما زال يجد فرصة للنظر في هذه المصنفات، ولتصحيح السلوك وتقويمه، ولينقل هذه الأفكار للأجيال اللاحقة من هذه الأمة. هذه نعمة عظيمة أيها الشباب، ولعلكم تكبرون في يوم من الأيام وتطول أعماركم في الخير بإذن الله، فتعرفون قدر هذه النعمة التي منحكم الله سبحانه وتعالى إياها؛ نعمة أنكم في ريعان الشباب وتجدون مجالس تسمعون فيها الخير.

فكم من مسلم في أصقاع الأرض يتمنى مجلس علم يسمع فيه الخير، يتمنى أن يجد من يوجهه، ومن ينصحه، ومن يذكره بمعالم الشريعة، يتمنى أن يجلس بين طلبة علم وإخوان ومشايخ يسمع ويرتقي ويصحح البوصلة ويقترب من الله سبحانه وتعالى. هذا الخير العظيم الذي منحكم الله إياه عليك أن تقابله بالشكر أولاً باللسان وبالاعتراف لله بالقلب وبالعرفان، ثم بعد ذلك بالعمل. والعمل إنما يكون بالاستمرار أولاً على هذا الطريق؛ فإن من أثر الطاعة أن يستمر الإنسان عليها، وإن الطاعة تجر طاعة. فإذا وفقك الله أن تحضر مجالس العلم في هذه الدورة فإياك أن تنقطع بعدها بأيام وشهور، بل اجعل هذه الطاعة تثمر في حياتك مداومة واستمرارية على حضور مجالس العلم النافع والانتفاع بها.

ثم إن عليك أن تعمل بما علمت؛ فإن هذا بركة العلم وهذه زكاة العلم، وإياك أن تستكثر من حجج الله عليك. أنت سمعت في هذه الدورة في مختلف الفنون وفي أشكالها؛ سمعت في العقيدة والفقه والسير والسلوك والأخلاق والقرآن، مررت على طائفة كبيرة من المعلومات. هذه المعلومات إما أن تكون حجة لك وإما أن تكون حجة عليك؛ إذا عملت بها وتدثرت بها وسلكت بها رفعك الله سبحانه وتعالى بهذا العلم وجعل لك شأناً، وأما إذا كان قصار ما عندك في العلم أن تحصل به السند المتصل، ثم الله عز وجل ينظر إلى أعمالك وسلوكياتك وأخلاقك فيجدك بعيداً عن سمت العلماء وعن سمت العلم الذي تعلمته وعن سمت مجالس العلم التي تربيت بها، فهذا خسران كبير. خسران أن تخرج من هذه الدورة العلمية المكثفة ولم يزدد إيمانك، خسران أن تخرج ولم تزدد معارفك الشرعية، خسران أن تخرج ولم تكسب الكثير من الأخلاقيات والسلوكيات.

الأصل أيها الكرام أننا في كل عام في مدارج نرتقي إلى العام القادم، هي اسمها «مدارج»، والأصل أننا نصعد درجاً ونرتقي في السلوكيات والأعمال. في مواسم «مدارج» المتعددة أنهينا أكثر من 35 كتاباً خلال 40 يوماً؛ شهر وعشرة أيام، أنهيت ما يزيد عن 35 كتاباً علمياً في مختلف العلوم. لربما لو لم يوفقك الله سبحانه وتعالى لحضور مثل هذه الدورات لم تنه كتاباً أو كتابين أو ثلاثة. تخيل أن خلال 40 يوماً فقط استطعت أن تنهي ما يزيد عن 35 كتاباً بمعدل كتاب ونصف في اليوم الواحد. هذه نعم إخواني، لكن عليك أن تقابلها بالشكر والعمل، وأيضاً عليك أن تقابلها بالمراجعة والمدارسة؛ فهذه المناهج نحن نأخذها هنا على وجه الإجمال، ثم أنت بعد ذلك تنقلها إلى المراكز وإلى مساجدكم وإلى أحيائكم ومنازلكم فتطوروا شرحها وتتوسعوا في معرفتها.

إنما هنا نحن تعرفنا على هذه الكتب؛ من منكم كان يعرف منظومة «ذات الشفاء» قبل هذا المجلس؟ من منكم كان يعرف «الجوهرة الفريدة»؟ من منكم كان يعرف كتاب «الإجماع» للنيسابوري، ومن كان يعرف كتاب «الإتمام» للعصيمي، ومن كان يعرف رسالة «الأعمال بالنيات»؟ أنت هنا تتعرف على الكتاب والكاتب والأسلوب والنمط والمنهج والفكر وطريقة العرض، هنا أنت حصلت العديد من الفوائد العظيمة الجمة لو أنك ركزت وأتقنت حضور هذه الدورة بقلبك قبل أن تحضرها ببدنك.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه المجالس مجالس مستدامة في هذا البلد المعطاء، وأن نرى خيرها وبركتها واستدامتها بحضور هذه الثلة الطيبة الكبيرة من طلبة العلم وطالبات العلم، وأن يصبح هذا المحفل العلمي معلماً بارزاً للعلم، وأن تبقى هذه الأمور منتقلة كالعدوى بين شبابنا ونسائنا، أن تصبح عدوى العلم هي التي تصنع ثقافة المجتمع. هذا المجتمع أيها الإخوة إذا نحن نقلنا عدوى العلم فيه يرتقي ويقل الفساد، وعلى الأقل نزاحمه. أما إذا لم تنتقل العدوى العلمية ويصبح حديث الناس في مجالسهم العامة والخاصة أصول المسائل الشرعية وأصول المسائل العلمية والسؤال عن الحلال والحرام والبحث عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، سيبقى الشر ينتشر وسيبقى المستوى يتدنى. فنحن هنا نعلي من شعيرة من شعائر الله وهي شعيرة مجالس العلم ومجالس السماع؛ هذه الشعيرة إذا أنتم لم تشاركوا في إحيائها فأنتم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى عن حال الأمة. هذه الأمة كيف تنهض؟ إنما تنهض باجتماعنا، لا تنهض بالمعلم فقط ولا تنهض بالطالب فقط؛ لا بد من معلم ومن طلبة ومن اهتمام ومن استمرار ومن مواظبة، هكذا نحيي شعائر الدين ويبقى هذا الدين محفوظاً بحفظ الشريعة الإلهية، ويبقى هناك من طلاب العلم وطالبات العلم من ينقل هذه الشريعة ويرويها ويحكيها ويسمعها، ويبقى الناس ما زالوا يعرفون معالم الدين ومعالم العبادات والصلاة والزكاة والقيم والعقائد.

سياتي على الناس زمان أيها الكرام هذه الأمور التي تعلمتموها غير موجودة أصلاً، ولا يوجد من يعلمهم العقيدة ولا الفقهيات ولا السلوكيات؛ فنحن نبادر أيها الكرام، نبادر هذه الأزمنة من خلال التعلم ونشره، وإلا فما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. لا يأتي على الأمة زمان إلا والذي بعده شر منه، فاحمد الله أنك ما زلت تعيش في زمان كما قلت تسمع فيه الخير، وأن الله سبحانه وتعالى لم يجعلك تعيش تلك الأزمنة وتلك الحقب التي لا يعرف الناس فيها إلا «لا إله إلا الله» لعلها تنجيهم عند الله، فالحمد لله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً.

والإنسان يعترف لله بالنعمة والفضل والثناء الحسن على هذا الخير الذي ونحن في أعماركم ما كنا نشهده في هذه البلاد؛ عندما كنا في أعماركم كنا نتشوف ونتشوق إلى حضور محافل علمية تقرأ فيها الكتب وتثنى فيها الركب، ويجلس الإنسان فيها بين يدي العلماء وبين يدي طلبة العلم المتقدمين ليسمع، ما كنا نجد هذا الخير. لكن الله سبحانه وتعالى فتح لكم باباً، فعضوا عليه وتمسكوا به، وأعود فأقول: لن تعرف نعمة هذا المجلس إلا بعد أن تفقده وإلا بعد أن تحرمه، وأسأل الله ألا تحرمه، لكنك لن تعرف هذا الخير إلا بعد أن لا تراه في حياتك؛ ستعرف كم كنت في خير عظيم ونعمة عظيمة في سن الشباب وفي ريعانه عندما هيئت لك مثل هذه المجالس الطيبة، ومثل هؤلاء الإخوة الذين يعملون ويسهرون من أجل فقط أن تصل الصورة والفكرة ويعقد المجلس وترتب أعلامه وأفكاره؛ هذا جهد لا يقوم به شخص بل مؤسسة، وإخوة يعملون ليلاً ونهاراً من أجل استدامة هذا العمل حفاظاً على أجيال هذه الأمة وحفاظاً على دينها. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في جهود جميع الإخوة الذين يعملون خلف الستار من أجل استدامة هذا الخير لهذه الأجيال، لأجيال بلدنا الحبيب خاصة ولأجيال الأمة عامة في كل زمان ومكان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك، لا أطيل أكثر من ذلك، نشرع في التعليق على ما بقي من رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمه الله في التعليق على حديث «إنما الأعمال بالنيات». كنا البارحة قد قررنا قاعدة وهي أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» ما معنى هذه الجملة كما يقدرها شيخ الإسلام؟ هناك وجهة نظر؛ صحيح هناك من يخص النية هنا بالنية الشرعية المحمودة، وبالتالي هؤلاء اضطروا أن يخصصوا العبارة أو يضمروا فيها وفهموها أن الأفعال الشرعية إنما يتقبلها الله بالنيات الشرعية وما شابه هذه التقديرات، لكن شيخ الإسلام يقول: هذا الفهم ليس هو الفهم الأعظم للحديث، بل الحديث يشكل قاعدة كلية من قواعد السلوك البشري، وهو أن كل عمل يسلكه الإنسان في خير أو في شر فلا بد له من نية، وهذه النية هي العمل؛ العمل يعكس النوايا، فالنية الصالحة تنتج عملاً صالحاً، والنية الفاسدة تنتج عملاً فاسداً. فعليك أن تنظر في قلبك؛ هنا نقطة البداية، هنا نقطة الإصلاح، هنا نقطة الانطلاق: النوايا والمقاصد والإرادات. فمن أحسن التعامل مع النوايا حسنت مخرجاته بإذن الله.

وصلنا إلى قوله: «ولفظ النية».

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين وللمستضعفين من المؤمنين. قال أبو العباس رحمه الله تعالى: «ولفظ النية يراد بها النوع من المصدر، يراد بها المنوي واستعمالها». هذه مرت معنا البارحة؛ قلنا النية في اللغة العربية تستعمل باستعمالين، تطلق النية على حركة القلب، عملية التفكير في الشيء الذي تريد أن تنويه. قال: «ولفظ النية يطلق عند العرب على المصدر»، فالنية في أصلها مصدر أي حدث. ما هو الحدث الذي تدل عليه؟ هي عملية الاستحضار، عملية التفكير. وتطلق النية أيضاً على النتيجة كما قلنا أيضاً؛ فالنية تطلق على الشيء المنوي وهو نتيجة التفكير، فالتفكير في الشيء يسمى نية، والنتيجة التي وصلت إليها من التفكير هي الشيء المنوي وتسمى أيضاً نية. فأنا الآن أفكر ماذا أريد أن أفعل؟ والله أريد أن أصلي، عملية التفكير هذه واستحضار القلب نسميها ماذا؟ نية. والنتيجة التي توصلت إليها وهو الشيء المنوي الذي عقدت قلبك عليه يسمى أيضاً نية. عرفتم؟ فالشيء الذي عقدت القلب عليه نية، وعملية العقد هذه نية، كلاهما يسمى نية. لذلك قال: «ولفظ النية يراد به النوع من المصدر» يقصد عملية التفكير عملية العقد، «ويراد بها النتيجة» الشيء المنوي وهو المعقود في القلب.

طيب وأيهما أكثر في الاستعمال؟ لما أقول لك: ما نيتك؟ شو معنى «ما نيتك»؟ يعني ما الذي عقدت عليه في قلبك؟ فنحن أكثر استعمالنا لكلمة النية في الشيء المنوي، في الشيء المعقود. أقول لك: ما نيتك في هذا التصرف؟ يعني ماذا عقدت قلبك؟ وهذا يعني أن النية أكثر ما نستعملها في النتيجة في المنويات وليس في نفس العملية. نعم.

قال رحمه الله: «ويراد بها المنوي، واستعمالها في هذا لعله أغلب في كلام العرب؛ فيكون المراد: إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل، أي بحسب منوي وجه، ولهذا قال في تمامه: ﴿فَمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البخاري: 1]، فذكر ما ينويه العامل ويريده بعمله وهو الغاية المطلوبة له، فإن كل متحرك بالإرادة لا بد له من مراد».

كل كائن حي يتحرك بإرادته وليس بالإجبار فلا بد له من ماذا؟ من مراد. كل كائن حي متحرك، حتى الحيوانات؛ كل كائن حي متحرك بإرادته لا بد له من مراد. حتى الحيوان، لما الشاة تمشي من هنا إلى هنا لها مراد، البقرة لما تتحرك من مكان إلى آخر يكون لها مراد. فأي كائن متحرك، الإرادة من لوازم كل كائن متحرك باختياره. ولذلك «أصدق الأسماء» كما جاء في الحديث: «حارث وهمام»، لماذا هذه أصدق الأسماء؟ لأنها تبين طبيعة الجنس البشري؛ أنه أي إنسان في هذه الحياة الدنيا هو حارث أي كاسب ساع، وهمام أي صاحب هم وإرادة ونية، هكذا هو الإنسان. نعم.

قال رحمه الله: «ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارث وهمام». وأصدقها ما معنى أصدقها؟ يعني ما يمثل الواقع، يعني أصدق الأسماء أقرب اسم يمثل واقع الإنسان. أصدق ما يمثل واقع الإنسان اسم «حارث» واسم «همام»؛ لأن الإنسان من الصباح إلى المساء، من لما تستيقظ إلى أن تضع رأسك على الوسادة، أنت حارث وهمام. صحيح، لما تستيقظ همام، أي عندك هم نية، وهذا الهم يتبعه حرث، فالهم يتبعه حرث، فهكذا الإنسان إلى أن ينام يهم بالشيء ويريده ثم يحرث عليه، ثم يهم بشيء آخر ثم يحرث عليه، فهذا أصدق ما يمثل واقعنا في الحياة البشرية. نعم.

قال رحمه الله: «فإن كل آدمي حارث وهمام. قال: والحارث هو العامل الكاسب، والهمام الذي يهم ويريد. قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]».

لاحظ في هذه الآية جمع الله بين الإرادة والحرث؛ «من كان يريد حرثه»، فالحرث هو النتيجة، والإرادة هي التي في القلب ابتداءً، النية. نعم.

قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾، وقوله تعالى: «حرث الدنيا أي كسب أي كسبها وعملها، أي كسبها وعملها». كسبها، «من كان يريد حرث الدنيا» أي كسبها وعملها. نعم.

قال: «ولهذا وضع الحريري مقاماته على لسان الحارث بن همام لصدق هذا الوصف على كل أحد».

لو فتحت مقامات الحريري ستجد أن الحريري جعل الشخصية البارزة في قصصه شخصاً اسمه الحارث بن همام، لماذا سماه الحارث بن همام؟ ليجمع بين الحرث والهم، فهذه فيها إيحاء معين.

قال رحمه الله: ولفظ النية يجري في كلام العلماء على نوعين؛ فتارة يريدون بها تمييز عمل عن عمل وعبادة عن عبادة، وتارة يريدون بها تمييز معبود عن معبود، ومعمول له عن معمول له.

النية أيها الكرام يختلف معناها بحسب العلوم، ففي علم العقيدة ما معناها؟ النية معناها الإخلاص، وأنه أنت بهذا العمل من تقصد؟ الله سبحانه وتعالى، أم تشرك به أحداً؟ وأما النية في باب الفقه ماذا يقصد بها؟ تعيين العبادات. فالنية لما يتكلم علماء العقيدة عن النوايا ماذا يقصدون فيها؟ يتكلمون عن أنت تعمل لصالح من؟ ما نيتك؟ أنت تعمل لله أم للبشر؟ فهذا موضوع النية عند علماء العقائد: من هو المقصود بالعمل؟ وأما النية عند علماء الفقه ماذا يريدون بها؟ ما هو العمل المقصود؟

أقول مثلاً أنا كفقيه لما أتكلم عن النية أقول: نيتي الآن أصلي الظهر، نيتي الآن أصلي العصر، نيتي الآن أصلي سنة الظهر. ما الذي يفرق بين سنة الفجر وفرض الفجر؟ النية، أنت تصلي ركعتين سنة فجر ثم تصلي ركعتين فرض الفجر، ما الفرق بينهما كشكل وهيئة؟ نفس الشكل، لكن المختلف هو النية. فالنية إذاً عند الفقهاء كما قال شيخ الإسلام، يريدون بها تمييز عمل عن عمل، وعبادة عن عبادة، سواء فرض عن نفل، ظهر عن عصر، وما شابه ذلك. وتارة يريدون بها تمييز معبود عن معبود، هذه النية عند علماء العقيدة. فإذاً النية عند علماء العقيدة تختلف عن النية عند علماء الفقه؛ فالنية عند علماء العقيدة تركز على من هو المقصود في العمل، والنية عند علماء الفقه يراد بها ما هو العمل.

قال رحمه الله: فالأول كلامهم في النية، هل هي شرط في طهارة الأحداث؟ وهل تشترط نية التعيين والتبييت في الصيام؟ وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل تجزئه عن الواجب؟ أو أنه لا بد في الصلاة من نية التعيين ونحو ذلك؟

إذاً فالأول إطلاق النية عند الفقهاء هذا مثاله، قال كتكلم العلماء في النية، مثلاً هل النية شرط في طهارة الأحداث؟ يعني لو أردت أن تتوضأ هل الوضوء يحتاج إلى نية؟ هل الغسل يحتاج إلى نية؟ وهل تشترط نية التعيين والتبييت في الصيام؟ يأتي العلماء ويسألونك: أنا أريد أن أصوم رمضان، متى لازم أنوي؟ فتجد الفقهاء يقولون في رمضان يجب أن تنوي كل ليلة قبل أن يطلع الفجر، وهو التبييت. طيب وإذا نوى بطهارته ما يستحب هل تجزئ عن الواجب؟ لما نأتي ونقول: أنا شخص اغتسلت يوم الجمعة بنية اغتسال يوم الجمعة، هل يجزئ هذا عن نية الغسل من الجنابة أم أحتاج إلى نية أخرى؟ من الذي يسأل هذه الأسئلة في النية؟ الفقيه، هذه ليست شغلة علماء العقيدة، تفاصيل النوايا بهذه الأسئلة يجيب عنها علماء الفقه.

قال رحمه الله: والثاني كالتمييز بين إخلاص العمل لله وبين أهل الرياء. الإطلاق الثاني للنية وهو إطلاق علماء العقيدة، وهو إطلاق النية بمعنى من هو المقصود بالعمل؟ فهل العمل والله فيه إخلاص أم فيه رياء؟ ما نيتك بهذا العمل؟ أن الناس تثني عليك؟ والله هذا رياء، نيتك بهذا العمل أن يكون لله خالصاً؟ هذا إخلاص. من الذي يبحث النية من هذا المنظور؟ علماء العقيدة وليس علماء الفقه.

قال رحمه الله: كما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». مثلاً هذا الحديث يتكلم عن النية، الرجل يقاتل شجاعة، يقاتل حمية، الشجاعة أو الحمية هذه نوايا؛ أنت لماذا دخلت المعركة؟ والله بنية الفزعة على عشيرتي، هي نية. أنت لماذا دخلت المعركة؟ ليُثنى عليَّ وليقال شجاع، هذه نية أخرى. وفلان دخل المعركة لتكون كلمة الله هي العليا، هذه نية ثالثة. هذا النوع من النقاش في النوايا يدرس في علم العقيدة والسلوك.

قال رحمه الله: وهذا الحديث يدخل فيه سائر الأعمال، وهذه النية تميز بين من يريد الله بعمله والدار الآخرة وبين من يريد الدنيا مالاً وجاهاً ومدحاً وثناءً وتعظيماً وغير ذلك. والحديث دل على هذه النية بالقصد، وإن كان قد يقال إن عمومه يتناول النوعين؛ فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله وبين من يريد دنيا.

الآن هذا الحديث، شيخ الإسلام يقول: هذا الحديث الذي معنا «إنما الأعمال بالنيات» يتكلم عن النية بالمعنى الفقهي ولا النية بالمعنى العقدي؟ فهمتم الآن هو لماذا طرح هذه المسألة؟ لما يقول صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات»، هل المراد بالنية النية بالمعنى الفقهي وهو تمييز عبادة عن عبادة؟ أو المراد بالنية المعنى العقدي وهو من هو المقصود بالعمل؟ يقول شيخ الإسلام: ظاهر الحديث للوهلة الأولى أن النية هنا بالمعنى العقدي، لأنه ما المثال الذي ضربه؟ «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها». فالحديث بيتكلم عن الإخلاص والرياء أو حب الدنيا، فهناك من ينوي بعمله ويكون مقصوده الله، وهناك من يقوم بعمل ويكون مقصوده الدنيا، هذا البحث هو بحث عقدي. لذلك ماذا قال؟ قال: والحديث «إنما الأعمال بالنيات» دل على هذه النية بالقصد، أي أن هذا الحديث يتكلم عن هذه النية اللي هي النية الثانية، النية بالمعنى العقدي، والدليل على هذا المثال الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث. لكن ماذا يقول شيخ الإسلام؟ قال: وإن كان قد يقال إن عمومه يتناول النوعين.

لو شخص قال: لا يا شيخ، هذا الحديث بعمومه يتناول النية بالمعنى العقدي وبالمعنى الفقهي، شيخ الإسلام يقول: ما صعب أقول لك خطأ، ممكن نقول هذا، لكن أنه يتناول النية بالمعنى العقدي هذا الأساس، وتناوله للنية بالمعنى الفقهي هذا يكون تبعاً.

قال رحمه الله: فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله وبين من يريد دنيا أو امرأة، ففرق بين معمول له ومعمول له، ولم يفرق بين عمل وعمل.

يعني هذا تأكيد على أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» يتكلم عن النية بالبعد العقدي. ما هو؟ قال: فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله وبين من يريد دنيا أو امرأة، ففرق إذاً بين معمول له ومعمول له، بين مقصود ومقصود، ولم يأتِ بمثال يفرق بين عمل وعمل. النية بالمعنى الفقهي هي التي تميز بين عمل وعمل، أما النية بالمعنى العقدي هي التي تميز بين معمول له ومعمول له، فهذا يؤكد طبيعة المثال، يؤكد أن المقصود أساساً بالحديث النية بمعناها العقائدي وليس النية بمعناها الفقهي، وإن كان لا مانع كما قلنا من إدخال النية بالمعنى الفقهي تبعاً، ولكن ليس بالقصد الأول.

قال رحمه الله: وقد ذكر الله تعالى الإخلاص في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2]، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: 14]، وغير ذلك من الآيات. وإخلاص الدين هو أصل الإسلام.

نعم، النية بالمعنى العقائدي هي أصل الإسلام، النية بالمعنى العقائدي وهو أن تحدد أنت من تقصد بأعمالك، هذا أصل الإسلام ومادته، وهو الذي نسميه الإخلاص. فأنت النية بالمعنى العقائدي هي التي تعني أنك مخلص أو مرائي، مخلص أو مشرك، وهذا أصل مادة الإسلام.

قال: ولذلك ذم الرياء في مثل قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ [الماعون: 4-6]، وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]، وقال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: 38]. قال رحمه الله: وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها، إذاً الآن سينتقل إلى قاعدة ثالثة أيضاً من قواعد النوايا، هذا الكتاب هو في قواعد النية.

إذاً أول شيء استفدناه أن الحديث يتكلم عن أن كل عمل يفتقر إلى نية، الفائدة الثانية التي استفدناها من شيخ الإسلام أن الحديث يتكلم عن النية بأي معنى أساساً؟ بمعنى تمييز مقصود عن مقصود، اللي هي النية بالمعنى العقائدي، وتدخل النية بالمعنى الفقهي تبعاً. القاعدة الثالثة قال: وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام والحج لا تصح إلا بنية.

طيب الآن قاعدة من قواعد النوايا، اتفق علماء الأمة على أن العبادات المشروعة المقصودة لنفسها، يعني المقصود لنفسها أن تكون تعبداً، أن تكون هي بذاتها متعبد بها متقرب بها إلى الله، كل عبادة مقصودة لنفسها أن يكون تقرباً إلى الله، لا بد أنها تحتاج إلى نية ولا تصح إلا بنية. مثلاً الصلاة عبادة أنزلها الله مقصودة لنفسها أن تكون تعبداً، الزكاة عبادة أنزلها الله مقصودة لنفسها أن تكون تعبداً، الحج وقس عليها. فهذه العبادات التي أنزلها الله علينا وهي مقصودة لذاتها أن تكون تقرباً إلى الله، اتفق العلماء على أن هذا النوع لا يصح إلا بنية. فلو شخص صلى بدون نية، لو زكى بدون نية، لو حج بدون نية، أبداً لا تصح شيء من عباداته.

وإنما يقع الخلاف بين العلماء في بعض الأمور التي أمرنا الله بها، هل أمرنا الله بها لأنها عبادة مقصودة لذاتها أم فقط لأنها وسيلة؟ لذلك ستجد خلافاً بين الحنفية والجمهور في مثلاً: هل الطهارة تحتاج إلى نية؟ هل الوضوء والغسل يحتاج إلى نية؟ الحنفية نظروا إلى أن الوضوء والغسل ليس عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هي فقط وسيلة للعبادات، فلذلك رأوا أنها لا تحتاج إلى نية فصححوا الوضوء والغسل بدون نية. أما الجمهور ماذا قالوا؟ قالوا: صحيح أن الطهور مفتاح الصلاة، وأن الطهارة هي وسيلة، لكن هي وإن كانت وسيلة لكنها أيضاً مقصودة لنفسها فتحتاج إلى نية. إذاً من هنا يختلف العلماء في بعض العبادات، هل تفتقر إلى نية ولا لا، في توصيفها: هل هي مجرد وسيلة أم هي وسيلة وفي نفس الوقت مقصودة لذاتها؟ فإذا قلت أنها وسيلة ومقصودة إذاً تحتاج إلى نية، إذا قلت هي فقط وسيلة إذاً لن تحتاج إلى نية.

لو سألتك سؤالاً: لو نزل على ثوبك نجاسة، وأخذت ثوبك ووضعته في الغسالة وغسلته بالماء وطلع الثوب ممتاز وهي مش عارفة أنه عليه نجاسة، هل تزول النجاسة ولا نقول لا ما بتزبط لأنها ما نوت إزالة النجاسة؟ تزول النجاسة، لماذا؟ إزالة النجاسة شبه اتفاق أنها لا تحتاج إلى نية لأنها ليست مقصودة لذاتها، يعني ما في عبادة مقصودة لذاتها اسمها عبادة إزالة النجاسات، صح أنت في عندك عبادة اسمها الصلاة، عبادة اسمها الزكاة، بس ما في عبادة هي مرادة ابتداءً من الله اسمها عبادة إزالة النجاسات، فلذلك إزالة النجاسات هي مجرد وسيلة، صح هي شرط لصحة الصلاة، لكن هي فقط ضمن الوسائل وليس مقصود التعبد بها لذاتها، فكل ما كان من هذا القبيل لا يحتاج إلى نية.

قال رحمه الله: وتنازعوا في الطهارة، مثل من يكون عليه جنابة فينساها ويغتسل للنظافة، فقال مالك والشافعي وأحمد: النية شرط لطهارة الأحداث كلها. وقال أبو حنيفة: لا تشترط في الطهارة بالماء، بخلاف التيمم. نعم، أبو حنيفة قال النية ليست شرطاً في الوضوء ولا في الغسل، بخلاف التيمم، هو رأى أن التيمم عبادة خاصة استثنائية، فجعلها مقصودة لذاتها وإن كانت وسيلة، بخلاف الوضوء والغسل اعتبره أقرب إلى أن يكون مجرد وسيلة وليس مقصوداً لذاته.

وقال زفر: لا تشترط لا في هذا ولا في هذا. زفر قال لا تشترط النية لا في الوضوء والغسل ولا في التيمم، ألغاها من كل الطهارات، وهذا يدلك على أن العالم يختلف طريقة تقييمه للمسألة.

قال: وقال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد: تشترط لإزالة النجاسة، وهذا القول شاذ. زي ما قلت لكم، شبه اتفاق على أن إزالة النجاسات لا تحتاج إلى نية، هذا القول قاله بعض المتأخرين من الشافعية والحنابلة، أنه حتى إزالة النجاسة تحتاج إلى نية، هذا قول شاذ.

قال: فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل العابد، بل تزول بالمطر النازل والنهر الجاري ونحو ذلك، فكيف تشترط لها النية؟ يعني الذي يؤكد أن إزالة النجاسة ليست عبادة مرادة لذاتها هو أن الله يقبل إزالة النجاسة ولو أنك لم تتدخل في إزالتها، لو فجأة نزل مطر من السماء على أرض وصارت طاهرة، ألا تصبح طاهرة؟ مع أنه هنا لا يوجد أي إنسان فعل شيئاً، مما يدل على أن إزالة النجاسة ليست عبادة مقصودة بذاتها.

قال رحمه الله: وأيضًا فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال. الملاحظ أن إزالة النجاسة هو شيء مطلوب منك أن تتركه، وليس شيئًا مطلوبًا منك أن تفعله. النجاسة شيء مطلوب منك أن تجتنبه، فإذا وقعت تُزيلها، ولا هي ابتداءً من علاقتي بالنجاسات؛ فما هي إلا أنني أتركها وأجتنبها، فإذا وقعت فقط فعلي أن أزيلها لأعود إلى الحالة الطبيعية، وإلا فهي ليست من باب الأعمال المقصودة لذاتها.

بخلاف الوضوء؛ فالوضوء عمل مطلوب أن أفعله، والغسل عمل مطلوب أن أفعله، أما علاقتي بالنجاسات فهي فقط شيء مطلوب أن أتركه، فإذا وقعت فقط أزيلها. فهذا معنى أن إزالة النجاسة هي فقط من باب التروك، بخلاف الطهارة فهي من باب العمل.

قال رحمه الله: ولهذا لو لم يخطر بقلبه في الصلاة أنه مجتنب للنجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنبًا لها. ولهذا قال مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه: لو صلى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم يُعِد، لأنه من باب التروك. وقد ذكر الله عن المؤمنين قولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].

وإن لم تكن هذه هي الرواية المعتمدة في المذهب عندنا -لأن المعتمد في المذهب أنه إذا صلى ولم يعلم أن عليه نجاسة ثم اكتشفها بعد الصلاة فإنه يعيد- لكن شيخ الإسلام أخذ الرواية الثانية لأنه ينصرها ويراها هي الأوفق والأقعد.

قال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال: «قد فعلت». فمن فعل ما نُهي عنه ناسيًا أو مخطئًا فلا إثم عليه، بخلاف من ترك ما أُمِر به؛ كمن ترك الصلاة فلا بد من قضائها. ولهذا فرّق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسيًا وبين من ترك الواجب ناسيًا.

يقول: ولهذا فرّق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسيًا، ومن ترك الواجب ناسيًا. الآن الذي يفعل محظورًا من محظورات الإحرام ناسيًا يُعفى عنه في الجملة، لكن الذي يترك واجبًا من واجبات الصلاة ناسيًا لا يُعفى عنه، بل يجب عليه أن يجبره بطريقة من الطرق. هو شيخ الإسلام يريد أن يعطيك قاعدة استطرد فيها قليلًا، يريد أن يعطيك قاعدة ما الفرق بين المنهيات والمأمورات، وهي قاعدة عامة جيدة أن تفهمها.

في باب المنهيات، المنهيات المطلوب منك أن تتركها، والمأمورات المطلوب منك أن تفعلها. فالمنهيات مثلاً مثل محظورات الإحرام؛ هي أمور مطلوب منك أن تتركها، فإذا فعلت القاعدة تقول: إذا فعلت شيئًا من المنهيات على وجه النسيان أو الخطأ فأنت معفو عنك ولست مطالبًا بشيء. وأما المأمورات فهذه أشياء مطلوب منك أن تفعلها، فإذا تركت شيئًا من المأمورات بالنسيان أو الخطأ، فالمطلوب منك أن ترجع وتعوّض.

فهي قاعدة عامة شيخ الإسلام ينتهجها حتى في مذهبه الفقهي؛ أن الله عز وجل ينهاك عن أمور ويأمرك بأمور، الأمور التي نهاك الله عز وجل عنها -مثل محظورات الإحرام أو النجاسات في الصلاة- إذا وقعت فيها نسيانًا أو خطأ فأنت معفو عنك ولا تعوّض بشيء، بخلاف إذا وقعت فيها متعمّدًا. وأما المأمورات إذا تركت شيئًا مما أمرك الله أن تفعله نسيانًا أو خطأً، فالمطلوب منك أن تذهب فتتداركه وتصلح هذا الخطأ، وهذه قاعدة بالاستقراء العام سواء في باب الطهارات أو في باب الصلوات أو في الحج وما شابه ذلك.

ولهذا يقول: ولهذا فرّق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسيًا، فالمحظور هذا من باب المنهيات إذا فعلته ناسيًا ما عليك شيء، وبين من ترك الواجب ناسيًا، فالذي يترك واجبًا من واجبات الحج ناسيًا ماذا عليه؟ دم، فلا بد من أن تأتي بالدم إن تركته ناسيًا. قال: كمن تكلّم مثلاً في الصلاة ناسيًا، ومن أكل في الصيام ناسيًا.

إذا شخص تكلّم في الصلاة ناسيًا، الآن الكلام في الصلاة لو سألتكم هل هو من باب المأمورات ولا من باب المنهيات؟ من باب المنهيات، فلو شخص بالغلط تكلّم في الصلاة ناسيًا، شيخ الإسلام يختار القول الفقهي أن هذا معفو عنه، إن طلعت منه كلمة بالنسيان. أو ذكر مثالاً آخر: من أكل في الصيام ناسيًا، الأكل أثناء الصيام من باب المنهيات، فمن أكل ناسيًا وهو صائم فقد أطعمه الله وسقاه وما عليه شيء، وكذلك من تطيب أو لبس في الإحرام لباس المخيط ناسيًا، عفا الله عنه.

والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على أبي حنيفة. والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث وهم الجمهور؛ الآن سيدخل في نقاش بين أيهما أصوب: رأي الجمهور ولا رأي الحنفية في أنه هل الطهارة فعلاً تحتاج إلى نية ولا لا؟

قال رحمه الله: والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على أبي حنيفة، وأبو حنيفة يسلّم أن الطهارة غير المنوية ليست عبادة ولا ثواب فيها. الآن الجمهور الذين يقولون إن الطهارة تحتاج إلى نية، وإن الغسل والوضوء يحتاج إلى نية، يحتجون على الحنفية بهذا الحديث، ماذا يقولون له؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات»، يحتجون بهذا الحديث.

قال: والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على أبي حنيفة. طيب أبو حنيفة ماذا يرد عليهم؟ قال أبو حنيفة يسلّم أن الطهارة غير المنوية ليست عبادة ولا ثواب فيها، هو يقول لك: أنا ما عندي مشكلة، أنا ما أقول لك إن هذه عبادة إذا أنت لم تنوها، ولا ثواب فيها. ولكن النزاع بيني وبينكم يا أيها الجمهور في ماذا؟ هل تصح الصلاة بطهارة غير منوية، أم لا تصح الصلاة إلا بطهارة منوية؟ فأبو حنيفة وجهة نظره أن الماء أن الوضوء والغسل هو مجرد وسائل، مثلها مثل إزالة النجاسة، فبالتالي يرى أبو حنيفة أن الصلاة تصح مع الوضوء والغسل غير المنوي، أما الجمهور فيعتقدون أن الوضوء والغسل ليس فقط وسيلة، بل هو أيضًا عبادة مقصودة لذاتها، فتفتقر إلى نية وداخلة في عموم حديث «إنما الأعمال بالنيات».

قال رحمه الله: وإنما النزاع في صحة الصلاة بها، فقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» لا يدل على محل النزاع إلا إذا ضُمَّت إليه مقدمة أخرى، وهو أن الطهارة لا تكون إلا عبادة، والعبادة لا تصح إلا بنية. هكذا يحكي أبو حنيفة؛ أبو حنيفة يقول لهم: لا تحتجوا عليَّ بهذا الحديث «إنما الأعمال بالنيات» إلا بعد أن تضموا مقدمة ثانية لدليلكم وهي أن تقولوا: إنما الأعمال بالنيات، والطهاره لا تكون إلا عبادة مقصودة لذاتها، والعبادات لا تصح إلا بالنيات، عندئذ ماشي، يكون كلامكم صحيحًا. أما أنا فأبو حنيفة أعتقد أن الطهارة بالمياه هي مجرد وسيلة من الوسائل وليست عبادة مقصودة لذاتها.

قال رحمه الله: وهذه المقدمة إذا سُلِّمت لم تحتج إلى الاستدلال بهذا؛ فإن الناس متفقون على أن ما لا يكون إلا عبادة لا يصح إلا بنية. لأنه إذا اتفقنا أن الوضوء لا يكون إلا عبادة، فكما بدأنا في أول الفصل نحن متفقون أن العبادة لا تصح إلا بنية، بس المشكلة كما قلت أن الخلاف بين الجمهور والحنفية: هل الوضوء فعلاً لا يكون إلا عبادة، أم يمكن أن تفعل وضوءًا وتمشي أمور الصلاة فيه مع أنه ليس عبادة؟ هذه منطقة النقاش.

قال: فإن الناس متفقون على أن ما لا يكون إلا عبادة لا يصح إلا بنية، بخلاف ما يقع عبادة وغير عبادة؛ كأداء الأمانات وقضاء الديون. مثلاً أداء الأمانات؛ أنت ممكن تفعلها على أنها عبادة، وممكن تفعلها فقط من باب تبرئة ذمتك مع أنك لم تنوِ التعبد بأداء الأمانات، ففي الأول ستنال الثواب، وفي الثاني لن تنال ثوابًا، لكن في كلا الحالتين سواء أديت الأمانة بنية أو بدون نية الفعل يقع صحيحًا.

قال رحمه الله: وحينئذ فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع غير عبادة؟ هل الوضوء إذا يمكن أن يقع على غير وجه التعبد؟

قال: والجمهور يحتجون بالنصوص الواردة في ثوابه، كقوله: «إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء»، وأمثال ذلك، فيقولون: ففيه الثواب لعموم النصوص، والثواب لا يكون إلا مع النية، فالوضوء لا يكون إلا بنية. الجمهور استدلوا بعموم الأحاديث التي ذكرت ثواب المتوضئين؛ أنت لن تنال هذا الثواب إلا بنية، فالوضوء لا يكون إلا مع النية. طبعًا أبو حنيفة سيرد، ماذا سيقول؟ وأبو حنيفة ما عندي مشكلة في ثواب المتوضئين، لكن أنا عندي مشكلة، طب أنا توضيت بدون نية، ماشي أنا ضاع عليَّ ثواب المتوضئين، لكن نقطة أبو حنيفة: هل يصح ولا لا؟ فهمتم كيف سيناقش أبو حنيفة؟ أبو حنيفة رجل عاقل ويعرف أصول الاستدلال والنظر والحوار والنقاش.

قال: وأبو حنيفة يقول: الطهارة شرط من شرائط الصلاة، فلا تشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة. وأولئك يقولون: اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة. أبو حنيفة ماذا يقول لهم؟ أبو حنيفة يقول لهم: أنا أرى أن الطهارة هي شرط للصلاة، فمثلها مثل شروط الصلاة الأخرى، مثل ماذا؟ شروط الصلاة، قال: ستر العورة؛ سؤال هل ستر العورة يحتاج إلى نية؟ لا، استقبال القبلة هل يحتاج إلى نية؟ لا، إزالة النجاسة هل يحتاج إلى نية؟ لا. إذا قال فالطهارة من الحدث مثل شروط الصلاة لا تحتاج إلى نية. طيب ماذا رد عليه الجمهور؟ اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة. الجمهور ماذا قالوا؟ قالوا: لا، ستر العورة هي مسألة يمكن أن يفعلها الإنسان على وجه التعبد، ويمكن يفعلها على غير وجه التعبد، كذلك استقبال القبلة، فهي مثلها مثل رد الأمانات، بالتالي لذلك لا تحتاج إلى نية، بخلاف الوضوء والغسل فلا يتصور الوضوء بالصفة المخصوصة والغسل بالصفة المخصوصة إلا أن يكون على وجه التعبد، هكذا يقول الجمهور.

قال: ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء. وأبو حنيفة يقول: النصوص وردت بالثواب على الوضوء المعتاد، وعامة المسلمين إنما يتوضؤون بالنية، والوضوء الخالي عن النية نادر، لا يقع إلا لمثل من أراد تعليم غيره ونحو ذلك.

قال: والجمهور يقولون: هذا الوضوء الذي اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعي الذي تصح به الصلاة، وما سوى هذا لا يدخل في نصوص الشارع كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، فإن المخاطبين لا يعرفون الوضوء المأمور به إلا الوضوء الذي أثنى عليه وحث عليه، وغير هذا لا يعرفونه، فلا يُقصد إدخاله في عموم كلامه، ولا يتناوله النص.

إذا الجمهور باختصار -حتى لا أطيل عليكم- يعتقدون أن الوضوء لا يكون إلا على صورة شرعية وهي صورة التقرب إلى الله، وبالتالي هو عبادة مقصودة لذاتها فيفتقر إلى نية، بخلاف أبو حنيفة، فهو يعتقد نعم أن الوضوء المعتاد هو الذي يكون قربة إلى الله، لكن يتصور وجود شكل من أشكال الوضوء لا يُفعل بنية ويكون صحيحًا أيضًا، مثل ستر العورة وما شابه ذلك، المهم نذهب إلى النقطة التي تليها.

قال رحمه الله: وأما النية التي هي إخلاص الدين لله، فقد تكلّم الناس في حدها وحد الإخلاص؛ كقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه. نرجع للنية التي بالبُعد العقدي، وهي أصلًا المقصودة بهذا الحديث، النية بالبُعد العقدي؛ «إنما الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها». الحديث يبيّن أنه لا بد وأن تكون نيتك، يعني مقصودك في العمل؛ الشخص الذي أو الذات التي تقصدها بالعمل هي الله سبحانه وتعالى دون ما سواه. فالآن ما معنى الإخلاص، ما معنى الإخلاص في النوايا؟ قال بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو سقط كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه. إذا المخلص الذي لو أن الناس.

ما عادت تهتم به ولا تلتفت إليه، ولا يهتم بنظر الناس إليه. المهم عنده صلاح قلبه، وأن ينظر الله إلى قلبه فلا يرى في قلبه إلا هو سبحانه. قال: ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله. من فينا يقوى على هذا؟ من فينا من الذين لا يحبون أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عملهم؟ للأسف كثير منا يفشل في اختبار الإخلاص.

البعض اليوم خاصة مع عالم السوشال ميديا صار إذا أراد أن يدعو يصور يديه وهو يدعو حتى تنتشر صورته على السوشال ميديا. إذا أراد قراءة كتاب، بعد ما يقرأ الكتاب بده يصور الكتاب وينشر أنه يا جماعة الخير أنا خلصت الكتاب، بس كتاب تمام. إذا أعطى درساً: صوروني يا جماعة أنا هيني خلصت الدرس. نحن للأسف أصبحنا مع عالم السوشال ميديا لا نعرف أن نكتم أي عمل. والمخلص يقول هو الذي لا يحب أن يطلع الناس على أيسر أعماله. نحن البوصلة اختلفت تماماً؛ في بعض الشباب هو بده الناس تطلع على عمله الدسم، بس الأعمال اليسيرة يا أخي بقول لك مش مستاهل الناس تطلع عليها. لا، مع عالم السوشال ميديا حتى الأعمال التافهة أصبحنا لا بد وأن نستعرضها أمام الناس. كتاب نقرؤه، مجلس علم ننهيه، صلاة صليناها، دعاء دعونا به. ثقافة: لازم أتكلم ولازم الناس تعرف كل شيء صالح فعلته. أين هذا وأين المخلص؟ شتان بين المخلصين حقاً وبين حال هؤلاء القوم.

قال وأمثال ذلك من كلامهم الحسن. قال: لكن كلامهم يتضمن الإخلاص في سائر الأعمال، وهذا لا يقع من سائر الناس، بل لا يقع من أكثرهم، بل غالب المسلمين يخلصون لله في كثير من أعمالهم؛ كإخلاصهم في الأعمال المشتركة بينهم، مثل صوم شهر رمضان، فغالب المسلمين يصومونه لله. وكذلك من داوم على الصلوات فإنه لا يصلي إلا لله عز وجل، بخلاف من لم يحافظ عليها، فإنما يصلي حياءً أو رياءً أو لعلة دنيوية. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18].

هو يقول إن العبادات المشتركة بين الناس التي كل المجتمع يفعلها عادةً ما يكون فيها رياء. صحيح، يعني أنك تروح تصوم رمضان، صعب أن يكون عندك رياء: والله هيني بصوم رمضان، ليه؟ لأنه كل المجتمع يفعل مثل فعلك. عادة الرياء متى يأتي؟ في العبادات التي أنت تختص بها عمن سواك، اللي هي قيام الليل، قراءة القرآن، حضور مجالس العلم، التي تشعر فيها بنوع تميز. أما العبادات المشتركة ولا الصلوات الخمس، يعني ما حدا رح يرائي أنه الحمد لله صليت الظهر اليوم، لأنه هذا شيء الكل يفعله عموماً في المجتمعات المسلمة.

قال رحمه الله: ومن لم يصلِ إلا بوضوء واغتسال فإنه لا يفعل ذلك إلا لله. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان عنه أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»؛ فإن الوضوء سر بين العبد وبين الله عز وجل. أحسنت، لأنه أيضاً عمرك شفت واحد يراي أنه يتوضأ؟ شفت واحد عامل رياء أنه أنا أتوضأ؟ أنت لأن الكل يتوضأ. عموماً قال: ومن لم يصلِّ إلا بوضوء واغتسال فإنه في العادة مخلص؛ ليه؟ لأنه هو لا يشعر بقيمة الرياء في هذه الأمور، لأنه الوضع الطبيعي أن الصلاة لا تُصلى إلا بوضوء واغتسال، فصعب يكون هناك رياء في الوضوء، صعب يكون هناك رياء في الغسل من الجنابة. عادة هذا شيء تفعله بينك وبين الله سبحانه لأنك لا تشعر بحظ النفس في المراءاة فيه.

لو سألتك سؤالاً: أنت لماذا في رمضان لا تفكر تتخبى وراء خزان وتأكل سراً؟ لماذا؟ بتشعر أنك أنت تحافظ على الصيام، فعلاً صادق، أنا بدي أحافظ على الصيام. بس في نفس الوقت لا تشعر أن الرياء يحضر فيه؛ مع أني أنا صادق يا شيخ أنني أريد أن أحافظ على الصيام، بس سبحان الله، صيام رمضان لا أشعر أنني أجد نفسي تدعوني إلى الرياء فيه. لماذا؟ لأنه عبادة مشتركة، فأنت سبحان الله ما في حظ نفس. الشيء الوضوء: إيش اللي بخليك تتوضأ؟ أنت لو صليت بدون وضوء، في حدا عارف؟ طيب إيش اللي بخليك تتوضأ؟ فعلاً أنك صادق مع الله، ودخول الرياء في الوضوء صعب لأنها عبادة لا يوجد حظ للنفس فيها، بخلاف طلب العلم أو أنك تعطي درساً مميزاً، أو أنك تفعل أشياء مميزة في الحال.

لماذا يدخل هناك حظ الرياء؟ لأنك تشعر أن هذه العبادة ليس كل الناس يقواها وليس كل الناس يتقنها، فالشيطان يعرف أين يبذر بذور الرياء في العبادات الخاصة والعبادات التي تقوم على فكرة التميز. الشيطان ما رح يجيك على الصيام والوضوء والغسل يقول لك راي فيها؛ لأنه يعرف أنها عبادة مشتركة، فحظ النفس فيها محدود جداً. ولذلك جاء في الحديث: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»؛ ليه؟ لأنه أنت الوضوء ما عندك حظ نفس فيه، فإذا رحت توضأت إذا أنت أكيد تتوضأ لله، إذا أنت فيك أصل الإيمان، لأنه أنت لا يمكن أن ترائي في الوضوء. أنا عمري ما شفت حدا يراي في الوضوء، ما شفت واحد يراي في العلم، واحد يراي في الجهاد، واحد يراي في الصدقة، بس عمري ما شفت واحد يراي أنه يتوضأ. فحظ النفس فيه يكاد يكون غير موجود، وبالتالي إذا أنت توضأت في السر -وعادة الواحد يتوضأ وحده داخل دورة المياه- حفاظك على الوضوء هو بعد إيماني بحت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».

قال رحمه الله: وقد ينتقض وضوءه ولا يدري به أحد، فإذا حافظ عليه لم يحافظ عليه إلا لله سبحانه. نعم، أنت ممكن تصلي وينتقض وضوءك، شو اللي بخليك تروح تعيد الوضوء؟ ديانةً بس، ما في شيء آخر، وإلا لو انتقض وضوئي وصليت الناس من حولي تعرف؟ الناس لا تعرف ذلك. قال: ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمناً. والأخلاص في النفع المتعدي أقل منه في العبادات البدنية.

آه، إذاً متى ما هي الأماكن التي يكثر فيها الرياء؟ هنا قاعدة ابن تيمية: الرياء يكثر في الأعمال التي نفعها متعدٍ. يعني الأعمال البدنية: صوم، صلاة، كذا، التي يشترك فيها الناس، الرياء فيها رديء جداً والإخلاص هو الغالب على الناس. وين فشلنا في تطبيق الإخلاص؟ قال: في الأفعال التي نفعها متعدٍ؛ مثل إيش؟ تعليم الناس العلم، الجهاد في سبيل الله، إغاثة الملهوفين، دفع الصدقات، أي شيء نفعه يتعدى. آه هون بيجينا الشيطان ويكبر رؤوسنا ويصير يحاول أن يزرع فينا بذور الرياء، وأنه اجعل الناس تراك وأنت تفعل. فالإخلاص في الأعمال الصالحة التي نفعها متعدٍ أقل مساحة من الإخلاص في الأعمال البدنية البحتة مثل الصوم والوضوء والطهارات.

قال: ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». قال رحمه الله: والنية محلها القلب باتفاق العلماء. فإن القاعدة التي تليها -إذا القاعدة السابقة ماذا كانت تقول؟- أن الإخلاص في العبادات البدنية كثير، والإخلاص في العبادات التي نفعها متعدٍ قليل، فيجب أن تجاهد نفسك في الإخلاص في العبادات التي نفعها متعدٍ، لأنه هناك محك الإيمان. القاعدة التي تليها: أين محل النية؟ القلب.

قال رحمه الله: والنية محلها القلب باتفاق العلماء، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم. قال: وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجهاً من كلام الشافعي غلط فيه على الشافعي؛ فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلام، فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية، وإنما أراد التكبير. يعني بعضهم يخطئ فظن أن الشافعي يعتقد أن نية الصلاة لا بد من الجهر بها، لأن الشافعي ماذا يقول: الصلاة أولها كلام، فظن أن الكلام ما هو النية؟ أنه أريد أن أصلي الظهر في المسجد الفلاني أربع ركعات؟ وإنما قصد الشافعي بقوله الصلاة أولها كلام تكبيرة الإحرام، هذا الكلام الذي في أول الصلاة، ولم يقصد أن أولها كلام أي النية.

قال: والنية تتبع العلم؛ فإن من علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة. قاعدة النية إخواني، شيخ الإسلام أراد أن يبين أن النية أمر سهل، يقول النية مش شيء متعب تتوسوس فيه، بعض الناس عنده وسواس في النية. النية تتبع العلم، شو يعني النية تتبع العلم؟ بمجرد أن تعلم ماذا تريد أن تفعل هذه نية؛ يعني أنا ذاهب إلى دورة المياه ليه؟ عشان أتوضأ، خلص هذه النية. مجرد علمك في الشيء الذي تريد أن تفعله هذا بحد ذاته نية، ولا يحتاج الأمر إلى شيء أكثر من ذلك.

قال رحمه الله: كمن قدم بين يديه طعاماً ليأكله، فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه، وكذلك الركوب وغيره. بل لو كلف العباد أن يعملوا عملاً بغير نية كلفوا ما لا يطيقون. أصلاً لو أنك قلت لشخص اعمل عملاً بدون نية، هذا أصلاً تكليف ما لا يطاق. نقول لك: كيف أعمل عملاً بدون نية؟ ما هي النية والإرادة ملازمة للعمل، إذا أنا عارف إيش بدي أعمل إذا النية حاصلة تلقائياً. يقول هذا ابن تيمية لأن بعض الفقهاء صنع وسواساً في النوايا، فأراد أن ينفي هذا، فيقول لك: أنت رايح صلاة الظهر؟ آه والله رايح، خلص هي النية، ما دمت تعرف ماذا تريد إذا أنت نويت، بدون الحاجة إلى الوسواس فيها أكثر من ذلك.

قال: فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملاً مشروعاً أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه، وذلك هو النية. وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلا بد أن ينويه؛ إذا علمه ضرورة. وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد؛ مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد، أو من يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أنه يتوضأ لنفسه، أو من لا يعلم أن غداً من رمضان فيصبح غير ناوٍ للصوم. هذا الذي يتصور أنه ما عنده نية، شخص ما بيعرف، عرف أنه غداً واحد رمضان، فلما جاء غد طبعاً شرع في شيء وهو لا يستحضر فيه شيئاً، فلا تصح عمله بهذه الطريقة.

قال رحمه الله: وأما المسلم الذي يعلم أن غداً من رمضان وهو يريد صوم رمضان فهذا لا بد أن ينويه ضرورة ولا يحتاج أن يتكلم به. أما المسلم اللي عارف أنه بكرة واحد رمضان، وهو معتاد أن يصوم، خلص مجرد ما عرفت أنه بكرة رمضان وأنه أنا معتاد أصوم، ما عندي نية فسخ يستصحب هذا فيه، فلا يحتاج الأمر إلى أن يتكلم ويصرح.

قال رحمه الله: وأكثر ما يقع عدم التبييت والتعيين في رمضان عند الاشتباه، مثل من لا يعلم أن غداً من رمضان أم لا فينوي صوماً مطلقاً، أو يقصد تطوعاً ثم يتبين أنه من رمضان. ولو تكلم بلسانه بشيء وفي قلبه خلافه كانت العبرة بما في قلبه لا بما لفظ به. لو أنك قلت أنا عارف إني بدي أصلي الظهر وبالخطأ قلت نويت أصلي العصر، العبرة بما في القلب، هذا يدل على أن النية محلها القلب وأن اللسان لا تحتاج إليه.

قال: كانت العبرة بما في قلبه لا بما لفظ به، ولو اعتقد بقاء الوقت فنوى الصلاة أداءً ثم تبين خروج الوقت، أو اعتقد خروجه فنواها قضاءً ثم تبين له بقاؤه أجزأته صلاته بالاتفاق. كذلك لو أن الشخص صلى صلاة الفجر وهو يعتقد أن الوقت ما خرج، بعد ما أنهى اكتشف أنه الوقت باقي خارج وأنا مش منتبه أنه الساعة 8، صلاته صحيحة ولا غير صحيحة؟ صحيحة، انتهت، يعني سواء لا تحتاج حتى أن تتصور أنه هي أداء ولا قضاء، مجرد أنك عارف أنها صلاة الفجر فصلاتك صحيحة، حتى ولو ظن لك أنك أديتها بعد الوقت، فلا تحتاج أن تقول نويت أصلي الظهر أداءً. بعض الناس فكر أنه لازم يستحضر نية الظهر وأنها أداء وأنها داخل للوقت، لا، النية أمرها أسهل من ذلك بكثير، ومن عرف سعة الإسلام في النوايا طُرد عنه هذا كثير من الوساوس التي تأتي إلى بعضه.

قال رحمه الله: ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر، لا تحتاج إلى وسوسة وآثار وأغلال. ها هي القاعدة: قال ومن عرف هذا تبين له أن النية مرتبطة بمجرد العلم بالشيء فهي في غاية اليسر، لا تحتاج إلى وسوسة ولا أثقال، ولا تحاول استحضاراً ذهنياً في دقيقة معينة وإلا فشلت في النية، أنت لست في صراع مع النية.

قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع أو خبل في العقل. هذه قاعدة في الوسواس، الوسواس يقول بعض العلماء إنما يحصل إما من جهل بالشرع فأنت توسوس حالك، أو مشكلة في العقل، عافى الله ليشفيهم ويعافيهم إخواننا. قال رحمه الله: وقد تنازع الناس هل يستحب التلفظ بالنية، فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي.

وأحمد يستحب لي أكون أبلغ، وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد: لا يستحب ذلك، بل التلفظ بها بدعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لم ينقل عن واحد منهم أنه تكلم بلفظ النية، ولا في صلاة ولا طهارة ولا صيام. قالوا: لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة، مجرد أن تعلم بالفعل أنت نويت، فلماذا أتكلم بالنية لا تحتاجها.

قال: فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان، هذا الرأي الثاني، أن التكلم بالنية هو نوع عبث وهوس وهذيان، أنت فقط تضيع وقتك، والأصل بالتالي الإنسان أن لا يتكلم بها ولا يوسوس نفسه في هذا الموضوع، يكفي حضور الفعل في قلبه.

قال: والنية تكون في قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصيل الحاصل محال. النية تكون في قلب الإنسان وهو عارف شو بده يسوي، طيب أنت ليش تتكلم؟ بقول لك أنا بتكلم مشان أجيب النية، طيب ما هي النية موجودة، أنت الآن جاي تصلي الظهر، فلما تيجي تقول في المسجد: نويت أن أصلي الظهر، أنت لما تتكلم، لماذا تتكلم؟ بقول لك أنا مشان أنوي، طيب أنت كيف تنوي ما هي موجودة النية سابقاً، فهذا اسمه تحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل محال.

قال: فلذلك يقع كثير من الناس في أنواع من الوسواس. حقيقة فعلاً كثير من الشباب تراجعنا في أنواع من الوساوس، كما قال سببها الجهل في الشرع وبعض الأقوال الفقهية التي تسبب الوسواس، والتي يجب الانتباه منها.

قال رحمه الله: واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية لإمام ولا لمأموم ولا لمنفرد، ولا يستحب تكديرها، وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سراً، هل يكره أو يستحب؟ هو النقاش بين العلماء هل يستحب النطق بها سراً بينك وبين نفسك تقول: نويت أن أصلي الظهر، أما الجهر بالنية بصوت مرتفع فهذا باتفاق جميع المذاهب الفقهية أنه ليس مشروعاً.

قال رحمه الله: لفظة إنما للحصر. الآن سيعود إلى الحديث، ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، إنما تفيد في اللغة العربية ماذا يا جماعة؟ الحصر، شايفين كل هذا الكلام، هذا كله في شرح حديث واحد، هذا يعطيك إخواني أن العلم عالٍ، وأنه ما زال شيخ الإسلام طبعاً بيتسلى معك يعني، هو لساته ما دخل في عمق ما يريد أن يصل إليه، وأنت تنظر كيف يحلل وينظر هل الحديث فيه أكثر من فهم، وما المراد بالنية والمعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، هذا كله يجعلك على الأقل تعرف حرمة العلم، وأنه أنت أيها الشاب المسكين الذي ما شاء الله يقنعك بعض الناس أنك تصبح مفتياً ولا عالماً ولا شيء، وأنت ما زلت رسالة قصيرة من رسالات ابن تيمية وتأتي فيها وأنت لا تعرف ما يقصده كثير من العلماء بدلالتهم، ثم بعد ذلك وضعت نفسك مفتياً في تكفير العلماء وتبديعهم وتفسيقهم ونصبت نفسك حاكماً، يا أخي اربأ بنفسك، ترى أنت جاهل، والله أنك جاهل ومسكين، ولا تعرف أكثر كلام العلماء، وما زال أمامك مشوار كبير وتريد أن ترتقي مرتقاً صعباً، يجب الإنسان يعني يعرف قدره في العلم، لما يقرأ يقرأ مثل هذه الكتب ويعرف أنه هذا علم، هذا علمه وحرمته، وإذا أنا لست أهلاً لهذه العلوم على الأقل أن أعرف رتبتي مساحتي الطبيعية ولا أنصب نفسي على السوشيال ميديا كأنني أبو جدها، وأنني صاحب الفكر والعقل والتنظير وأخدع الشباب الصغار الذين لا يعرفون حرمة العلم، ما هؤلاء الجهال الذين يتصدرون على السوشيال ميديا، ومن يصدرهم يجدوا شباباً صغاراً مغفلين لا يعرفون حرمة العلم، يظن هذا الشاب الصغير أن هذا الشيخ المصدر على س أنه ما شاء الله بحر العلوم، ولا أعرف أن هذا الشيخ يخطئ في فهم أساسيات العلوم الشرعية، لكن الجهل بالشيء يعني مرض.

قال رحمه الله: لفظة إنما للحصر عند جماهير العلماء، وهذا مما يعرف بالاضطرار من لغة العرب، كما تعرف معاني حروف النفي والاستفهام والشرط وغير ذلك. نعم إنما عند جماهير العلماء لغة أسلوب حصر، لما أقول: إنما جاء زيد، ماذا تفهم منها؟ أنه ما حدا دخل إلا.. شو الفرق بين أقول جاء زيد وبين جملة إنما جاء زيد؟ لما أقول جاء زيد هل معنى هذا أنه لا يوجد أشخاص آخرون حضروا؟ لا، لكن لما أقول إنما جاء زيد أنت فهمت أنه اللي أجا فقط زيد ولا غيره، إذاً إنما تفيد عند العربي الحصر، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» الحصر، أن الأعمال لا يمكن أن توجد إلا بالنيات، هذا أسلوب حصر قصده النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يوجد وسيلة أخرى لإنتاج الأعمال، الأعمال المعتبرة لا وسيلة لها لإنتاجها إلا بالنوايا، سواء أعمال إيجابية أو سلبية.

قال رحمه الله: لكن تنازع الناس هل دلالتها على الحصر بطريق المنطوق أو المفهوم؟ هذه مسألة لغوية لا تهمكم، هل أسلوب الحصر فيها بالمنطوق أو بالمفهوم، هذا يناقش في أصول الفقه.

قال: على قولين، والجمهور على أنه بطريق المنطوق، والقول الآخر قول بعض من نفات المفهوم، كالقاضي أبي يعلى في أحد قوليه وبعض الغلاة من نُفاته، وهؤلاء زعموا أنها لا تفيد الحصر، واحتجوا بمثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾. بعض الغلاة من نفاه المفهوم هكذا زعموا أنها لا تفيد الحصر. إذاً جماهير علماء اللغة وأصول الفقه أن إنما تفيد ماذا؟ الحصر، طيب في حدا قال أنها لا تفيد الحصر؟ قال بعض الغلاة من نفاه المفهوم، بتعرفوا الكلام له منطوق وله مفهوم، كثير من الأصوليين خاصة الحنفية يرفضون مفهوم المخالفة ولا يعتبرونه، المهم بعض العلماء زعموا أن إنما لا تفيد الحصر واحتجوا بقوله تعالى.

قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، احتجوا بهذه الآية، طب ما وجه احتجاجهم في أن إنما لا تفيد الحصر؟ أنه لو قلنا أن إنما تفيد الحصر أصبحت الآية ما معناها أنه لا يوجد مؤمن إلا من فعل هذه الخصال: إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون، لا يوجد مؤمن إلا من فعل هذه الخصال، فإذا كان الإنسان لا يفعل هذه الخصال إذا هو ليس مؤمن. طيب في كثير من الناس اليوم ما عندهم هذه الخصال، فإذا قلنا أن إنما تفيد الحصر أصبح في إشكال في هذه الآية، لأنه هذه الآية معناها إذا قلتم أنها تفيد الحصر يحصر المؤمن في من يمارس هذه النقاط الثلاث، المؤمن إنما المؤمن الذي يفعل كذا وكذا وكذا، فإذا أنت لم تفعل هذه الأمور إذاً أنت لست مؤمن إذاً أصبحت كافراً، هل هذا صحيح؟ فقالوا هذه الآية تدل على أنه لا، إنما ليست للحصر، كيف سيجيب ابن تيمية عن هذا؟

قال: واحتج طائفة من الأصوليين على أنها للحصر بأن حرف إن للإثبات وحرف ما للنفي، فإذا اجتمع حصل النفي والإثبات جميعاً، وهذا خطأ عند العلماء بالعربية، فإنما هنا هي ما الكافة، ليست ما النافية، صحيح إنما هي ليست مركبة من إن وما النافية كما ظن البعض، بل هي مركبة من إن وما الكافة عند من يعرف العربية. المهم قال: وهذه الكافة تدخل على إن وأخواتها فتكفها عن العمل، وذلك لأن الحروف العاملة أصلها أن تكون للاختصاص، فإذا اختصت بالاسم أو بالفعل ولم تكن كالجزء منه عملت فيه، فإن وأخواتها اختصت بالاسم فعملت فيه وتسمى الحروف المشبهة للأفعال لأنها عملت نصباً ورفعاً وكثرت حروفها، وحروف الجر اختصت بالاسم فعملت فيه، وحروف الشرط اختصت بالفعل فعملت فيه بخلاف لما تدخل عليها ما الكافة تصبح إنما، وعندئذ تصبح إن، هي في الأصل بتعرفوا إن وأخواتها التي تدخل على الجملة الاسمية، إن وأخواتها لا تدخل إلا على الجملة الاسمية فتنصب الاسم وترفع الخبر، لكن إن وأخواتها إذا دخلت عليها ما الكافة تصبح غير مختصة بالجملة الاسمية، تصبح تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية وعندئذ يبطل عملها، إن وأخواتها يبطل عملها إذا دخلت عليها ما الكافة فتصبح غير مختصة بالجملة الاسمية، تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية وعندئذ يبطل عملها، فإنما هي أصلها إن مع الكافة، أصبحت إنما، هذا خلاصة ما نريده في هذا السياق.

قال: بخلاف أدوات الاستفهام فإنها تدخل على الجملتين ولم تعمل، وكذا ما مصدرية، ولهذا القياس في ما النافية ألا تعمل أيضاً على لغة تميم، ولكن تعمل على اللغة الحجازية التي نزل بها القرآن، في مثل قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2]، و﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31]، لمشابهتها، ليس وهنا لم ولما دخلت ما الكافة على إن أزالت اختصاصها، فصارت تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية فبطل عملها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: 16]، وقد تكون ما التي بعد إن اسماً.

قال: وقد تكون ما التي بعد إن اسماً لا حرفاً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69]، ليس دائماً ما التي بعد إن ما الكافة، أحياناً قد تكون ما الموصولية بمعنى الذي وعندئذ لا تفيد الحصر، مثلاً إنما صنعوا كيد ساحر، هي إنما ثاني هي معناها أن الذي صنعوه كيد ساحر، هنا ما بمعنى اسم الموصول الذي.

قال: بالرفع أي أن الذي صنعوه كيد ساحر، خلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72]، فإن القراءة بالنصب لا تستقيم إذا كانت ما بمعنى الذي، وفي كلا المعنيين إنما تقضي هذه الحياة الدنيا هل ما هنا ما الكافة ولا ما بمعنى الذي؟ قال لا تصلح أن تكون ما بمعنى الذي لأنها لو كانت بمعنى الذي لكان إن الذي تقضيه هذه الحياة، لو كانت بمعنى الذي لكان يجب الرفع أن أن الذي تقضيه يا فرعون هذا مبتدأ والخبر هذه الحياة، أما مع قراءة النصب إنما تقضي هذه الحياة فالحياة لا تصلح إلا أن تكون مفعولاً به لتقضي، وعندئذ إنما أكيد هي أسلوب حصر أو أداة حصر.

قال رحمه الله: وفي كلا المعنيين الحصر موجود، لكن إذا كانت ما بمعنى الذي فالحصر جاء من جهة أن المعارف هي من صيغ العموم، فإن الأسماء إما معارف وإما نكرات، والمعارف من صيغ العموم والنكرة في غير الموجب كالنفي وغيره من صيغ العموم. النكرة إذا جاءت في سياق غير الإيجاب النكرة في سياق النفي أو النهي تفيد العموم.

قال: والنكرة في غير الموجب كالنفي وغيره من صيغ العموم، فقوله تعالى ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ تقديره أن الذي صنعوه كيد ساحر، وأما الحصر في إنما فهو من جنس الحصر بالنفي والاستثناء، كقوله تعالى: ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ﴾ [يس: 15]. ركز على الخلاصات، إذاً إنما الصحيح أنها تفيد الحصر، ومعنى إنما مثل معنى ما وإلا، لما أقول إنما جاء زيد كأنني أقول ما جاء إلا زيد، فيقولون إنما هي بمعنى النفي والاستثناء النفي والاستثناء يعني استعمال ما وإلا، لما أقول إنما جاء زيد كأنني أقول ما جاء إلا زيد، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] كأنني أقول أيش؟ لا إله إلا الله، وهكذا فإنما تفيد الحصر كما يفيده أسلوب ما وإلا.

قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]، والحصر قد يعبر عنه بأن الأول محصور في الثاني، وقد يعبر عنه بالعكس والمعنى واحد، وهو أن الثاني أثبته للأول ولم تثبت له غيره، ما أقول إنما جاء زيد أنا أثبتت أن زيد هو الذي جاء لا غيره.

قال: وهو أن الثاني أثبته للأول ولم تثبت له غيره مما يتوهم أنه ثابت له، وليس المراد أنك تنفي عن الأول كل ما سوى الثاني، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ أي أن، طيب فلما نقول إنما أنت منذر هل معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو فقط صفته الوحيدة في الحياة أنه منذر؟ لا، وإنما هذا يسمى أنه صفة الإنذار هي الصفة الملازمة لك للصفة الأخرى التي يدعونها، فيقول لست، فانت إنما أنت منذر أي فأنت لست رباً لهم ولا مجازياً ولا محاسباً. فلما دائماً كل حصر لا بد وأن يفهم ضمن سياقه، لما أقول لك إنما أنت طالب هل معناه أنه أنت مش بشر؟ لا، بس لما أقول لك إنما أنت طالب إذا أقولها في سياق إذا أنت شايف حالك شيخ وبدك تكبر بقول لك أيش: إنما أنت طالب، لأنفي عن ذهنك توهم أنك عالم، لكن هذا لا ينفي وجود صفات أخرى لك، فكل حصر يجب أن يفهم في سياقه وضمن الاعتراض الوارد عليه.

قال: أي أنك لست رباً لهم ولا محاسباً ولا مجازياً ولا وكيلاً عنهم، كما قال تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]، وقوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75]، ليس هو إله ولا أمه إله، بل غايته أن يكون رسولاً كما غاية محمد. يعني مثلاً هذا أسلوب حصر باستعمال ما وإلا، ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾، هل المسيح ابن مريم عليه السلام هو فقط رسول، ما عنده أي صفة أخرى؟ هو عنده صفات أخرى، طب ما معنى الحصر هنا؟ الحصر هنا للرد على من زعم أنه إله، ففائدة الحصر من زعم.

إنه رسول، لكن هذا لا يعني مثلاً أنه ليس له صفات أخرى في حياته العادية. قال: كما غاية محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون رسولاً، وغاية مريم أن تكون صديقة، وهذا مما استدل به على بطلان قول بعض المتأخرين أنها نبية.

مريم الله عز وجل قال: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75]، ولم يقل أمه نبية. فمريم عليها السلام الصحيح أنها ليست نبية كما زعم بعض المتأخرين.

قال: وقد حكى الإجماع على عدم نبوة أحد من النساء القاضي أبو بكر بن الطيب، قال: لا يوجد نبي من النساء، لا يوجد امرأة أرسلها الله نبياً، وهذا نقل عليه الإجماع كثير من أهل العلم. وقال القاضي أبو يعلى والأستاذ أبو المعالي الجويني وغيرهم.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]. هذا الحصر في سياق غزوة أحد لما أعلن مقتله صلى الله عليه وسلم. ما فائدة هذا الحصر؟ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ هو فقط للرد على من يرى أنه كالإله يكون مخلداً لا يموت، فأراد أن ينفي هذا، فقال: ما هو إلا رسول، مثله مثل باقي الرسل، يقبل الموت. ولكن هذا الحصر لا يعني عدم وجود صفات أخرى له، أي ليس مخلداً في الدنيا لا يموت ولا يقتل، بل يجوز عليه ما جاز على إخوانه المرسلين من الموت أو القتل. قال تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144].

نزلت يوم أحد لما قيل إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل، وتلاه الصديق يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلى هذه الآية، فكان الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه، فكان لا يوجد أحد إلا يتلوها في ذلك الموقف لما مات.

الآن خلونا نرجع للآية التي استدل بها نفاة الحصر الذين قالوا إن «إنما» لا تفيد الحصر، استدلوا بأي آية؟ بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. هذه الآية كما قلنا قال نفاة إن «إنما» للحصر: هي فيها دليل على أن «إنما» ليست للحصر.

إذا قلنا إن «إنما» للحصر، فإنك لن تكون مؤمناً إلا إذا فعلت هذه الخصال الثلاث، فإذا لم تفعلها فأنت لست مؤمناً، هكذا سيكون مفهوم الحصر. بماذا سيجيب ابن تيمية؟ قال: فهذه الآية أثبت فيها الإيمان لهؤلاء ونفاه عن غيرهم. ففعلاً هذه الآية أثبت الله أن الإيمان لهؤلاء الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى آخره، ونفى الإيمان عن غيرهم.

هل هناك نماذج لنفي الإيمان عن غيرهم حقيقة؟ نعم، هل هناك نماذج لأناس مسلمين نفى الله عنهم الإيمان؟ عندنا أحاديث، مثل قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». هذه المسألة في كتاب من كتب مدارج؟ أخذناها في الجوهرة الفريدة، لما نظم الشيخ حافظ الحكمي شرح حديث «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، وذكرنا أقوال أهل العلم في فهم هذا الحديث، وأنه ليس المراد به التكفير. هي نفس المسألة، أن نفي الإيمان عن بعض الناس ليس شرطاً يدل على تكفيرهم.

فالله سبحانه وتعالى حصر المؤمنين بأنهم الذين يقومون بهذه الأفعال الثلاث، ونفى الإيمان عمن لا يقوم بهذه الأفعال الثلاث، لكن نفي الإيمان عنهم هل يدل على أنهم كفار؟ لا، لكن يدل على أنهم في مقام مسلم وليس في مقام مؤمن. زي حديث «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، هو نفى عنه أنه مؤمن، لكن هل هذا يعني أنه كافر؟ لا، يعني أنه ما عاد مؤمناً لكنه ما زال مسلماً. فهي نفس الطريقة في التفكير؛ فابن تيمية يقول: الحصر في الآية صحيح، والله نفى الإيمان عمن لم يقم بهذه الخصال الثلاث، لكن نفي الإيمان عنهم لا يدل على أنهم كفار، لكن يدل على أنهم لم يحققوا الإيمان الواجب الذي يرتقون به من مسلم إلى مؤمن، فهم من لم يفعل هذه الخصال الثلاث فهو ليس مؤمناً الإيمان الواجب، هو مجرد مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له». مثلاً هذا الحديث: «لا إيمان لمن لا أمانة له»، هل بتيجي على واحد خائن بتقول له أنت كافر؟ ليش؟ لأنه النبي عليه الصلاة والسلام قال لا إيمان لمن لا أمانة له، إذاً من يخون الأمانة كافر؟ بنقول لا، نفي الإيمان لا يستلزم دائماً بالضرورة الكفر. وكيف نعرف هذا؟ المعنى أن ترجع إلى كلام السلف، وتعرف كيف فهموا هذه النصوص وأسقطوها. لو بدك تيجي على شاب متحمس اليوم يقول لك يا شيخ: الذين يخون في الأمانة كفار، ليش يا ابني؟ قال: النبي عليه الصلاة والسلام يقول لا إيمان لمن لا أمانة له. هذه فائدة أولاً أنك تدرس اللغة العربية، وفائدة أنك تنظر كيف فسر السلف هذه الأحاديث حتى لا تستعجل في إنزال النصوص على غير معانيها.

قال: كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: 62]. إذاً عندنا أكثر من آية في القرآن هكذا صدرت، «إنما المؤمنون الذين يفعلون كذا وكذا»، زي آية الحجرات، وإنما المؤمنون الذين إذا كانوا معه على أمر جامع آية النور. إذاً لا بد أن أفهم تفسير هذه الآية وما وجه الحصر هنا.

فيقول: وهذه المواضع تنازع الناس في نفيها، والذي عليه جماهير السلف وأهل الحديث وغيرهم أنه نفي الإيمان لانتفاء بعض الواجبات فيه. إذاً جمهور السلف كيف تفسر هذه الآيات وهذه الأحاديث؟ يعني لماذا نفي الإيمان؟ جمهور السلف أن متى نفي الإيمان فليس معناه أنك كفرت، لكن معناه أنه نقص شيء واجب من الإيمان، فنفي الإيمان في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث لانتفاء بعض الواجبات، وإخلالك بشيء مهم، فأجوز أن أنفي الإيمان عنك، لماذا؟ لأنك أخللت بشيء واجب، ولكن هذا لا يعني أنك خرجت دائرة الدين بالكلية.

قال رحمه الله: والشارع دائماً لا ينفي المسمى الشرعي إلا لانتفاء واجب فيه. هذه قاعدة الشارع الحكيم سبحانه، الشارع يعني الله عز وجل ونبيه لا ينفي الاسم الشرعي إلا إذا كان هناك خلل في واجب من واجباته. «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»، نفى الصلاة عند عدم قراءة أم القرآن، يدل على ماذا؟ على أنها واجبة فيه. فهذه قاعدة من قواعد فهم النصوص. «لا صيام لمن لم يبيته من الليل»، إيش معنى الحديث؟ إذاً أن النية من الليل واجبة، فمن لم يفعل ذلك فقد ترك واجباً، وقس على ذلك. فالشارع الحكيم إذا نفى اسم الصلاة أو اسم الإيمان أو اسم الزكاة على من لم يفعل فعل شيء، فهذا يعني أن هذا الشيء الذي أخللت به واجب، فإخلالك به ينفي عنك اسم الشيء، لكن لا يعني أنك صفر تماماً، لا يمكن يبقى أثر لك.

قال رحمه الله: وإذا قيل المراد بذلك نفي الكمال، فالكمال نوعان واجب ومستحب. البعض يقول هنا لا إيمان مثلاً، أو إنما من أراد به نفي كمال الإيمان، بقول أيضاً هذا التعبير يمكن أن يفهم فهماً صحيحاً، فنقول: نفي الكمال ماذا تقصد بنفي كمال الإيمان؟ فهناك كمال للإيمان واجب لا بد وأن تحققه، وهناك كمال للإيمان مستحب، فنفي الكمال الذي يقع في هذه النصوص إنما هو نفي للكمال الواجب.

قال: فالمستحب كقول بعض الفقهاء: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ، أي كامل بالمستحبات، وليس هذا الكمال هو المنفي في لفظ الشارع. يعني لا خذها قاعدة: الشارع لا يقول «لا صلاة»، «لا صيام»، ويكون المنفي هو شيء فقط من المستحبات، مثلاً لا صيام لمن لم يستك أثناء الصيام، لا يأتي يقول هكذا لأن الاستياك سنة، «لا وضوء لمن لم يتسوك»، لم يأتِ بهذا، لماذا؟ لأن السواك في الوضوء من الكمال المستحب. الشارع إذا نفى اسم الإيمان أو اسم الصلاة أو اسم الزكاة فلا ينفيها عن شيء إلا إذا كنت مخلاً بشيء واجب.

قال: بل المنفي هو الكمال الواجب، وإلا فالشارع لم ينفِ الإيمان ولا الصلاة ولا الصيام ولا الطهارة ولا نحو ذلك من المسميات الشرعية لانتفاء بعض المستحبات، لا يوجد نص بهذه الطريقة أبداً أن ينفي عنك الله أنك صليت فقط لأنك أخللت بمستحب، هذا لا يوجد في نصوص الكتاب والسنة. إذ لو كان كذلك لو كان اسم العبادة ينتفي عنك لمجرد أنك أخللت بمستحب، معناته إحنا كلياتنا لا صلينا ولا صمنا ولا كذا، لأننا نخل بكثير من المستحبات. إذ لو كان كذلك لانتفى الإيمان عن جماهير المؤمنين، هل يمكن تأتي آية أو حديث يقول لا إيمان لمن لم يذكر أذكار المساء؟ ليه؟ لماذا جاء «لا إيمان لمن لا أمانة له» بينما لم يأتِ «لا إيمان لمن لم يذكر أذكار المساء»؟ لأنه أذكار المساء مستحبة، فلا ينفى الإيمان عن الشخص لإخلاله بالمستحب، لكن ينفى الإيمان عن الشخص لإخلاله بالواجب، وهذه قاعدة مهمة في فهم الأحاديث والآيات القرآنية.

قال: وإنما نفاه لانتفاء الواجبات، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بأم القرآن». وقد رويت عنه ألفاظ تنازع الناس في ثبوتها عنه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»، و«لا صلاة إلا بوضوء»، و«لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».

لذلك لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، لماذا قال جمهور الفقهاء إن التسمية في الوضوء واجبة؟ ما الدليل؟ لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، لما نفى الوضوء عمن لم يسمِّ، والوضوء، وعرفنا أن القاعدة لا ينتفي الاسم الشرعي إلا عند انتفاء واجب من واجباته، عرفنا بهذا النفي أن التسمية واجبة وأنها ليست مستحبة، وإلا لو كانت مستحبة لا يمكن أن ينتفي اسم الوضوء فقط لترك مستحب من المستحبات، شوف فائدة هذه القاعدة في الاستدلالات.

قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». ومن ثبت لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، تدل على أن ترك الجماعة ترك لواجب، وأن الصلاة من واجباتها صلاة الجماعة.

قال: من ثبتت عنده هذه الألفاظ، يعني هذه الأحاديث فيها خلاف، البعض يقول إنها أحاديث صحيحة والبعض يقول إنها أحاديث ضعيفة، لكن إذا أنت رأيتها صحيحة أو حسنة فعليك أن تقول بموجبها، وهو أن صلاة الجماعة واجبة وأن التسمية واجبة وما شابه ذلك.

قال: من ثبتت عنده هذه الألفاظ فعليه أن يقول بموجبها، فيوجب ما تضمنته من التبييت وذكر اسم الله وإجابة المؤذن ونحو ذلك. وإذا ترك الإنسان بعض واجبات العبادة، هل يقال بطلت كلها فلا ثواب له عليها؟ أم يقال يثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه؟ وهل عليه إعادة ذلك؟ يكون بحسب الأدلة الشرعية. هذه قاعدة، إذا الإنسان أخل بواجب من واجبات العبادة أو أخل بواجب من واجبات الإيمان، هل بمجرد الإخلال بالواجب تبطل العبادة؟ أحياناً قد تبطل وأحياناً قد لا تبطل على حسب الأدلة الشرعية والقرائن الخارجية، هكذا يتعامل العلماء مع النصوص. فالإيمان قد تترك بعض أشياءه فتكفر، وقد تترك بعض أشياء الواجبة لكن لا تكفر، الصلاة قد تترك بعض أشياءها اللازمة فتبطل، وقد تترك بعض أشياءها اللازمة فتجبرها بسجود السهو، فليس كل ترك لواجب يعني بطلان، ولكن أحياناً قد يكون فيه بطلان على حسب الأدلة.

قال: فمن الواجبات في العبادة ما لا تبطل العبادة بتركه ولا إعادة على تاركه، بل يجبر المتروك كالواجبات في الحج التي ليست أركاناً، مثل رمي الجمار وأن يحرم من الميقات ونحو ذلك.

وكذلك هذه مثلاً واجبات إذا أنت أخللت بها لا يبطل الحج، لكن عليك كفارة.

قال: وكذلك الصلاة عند الجمهور كمالك وأحمد وغيرهم، فيها واجب لا تبطل الصلاة بتركه، كما يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمأنينة، وكما يقول مالك وأحمد في التشهد الأول، لكن يعني التشهد الأول عند الحنابله لو تركته سهواً لا تبطل صلاتك وعليك سجود سهو فقط.

قال: لكن مالك وأحمد يقولان من تركه من هذا سهواً فعليه أن يسجد للسهو، وأما إذا تركه عمداً فتبطل صلاته، كما تبطل الصلاة بترك التشهد الثاني عمداً في المشهور من مذهبيهما، لكن أصحاب مالك يسمون هذا سنة مؤكدة ومعناه معنى الواجب عندهم. قال: وأما أبو حنيفة فيقول من ترك الواجب الذي ليس...

بفرض عمداً أساء أو لا، أساء ولا إعادة عليه. والجمهور يقولون: لا نعهد في العبادة واجباً يتركه الإنسان إلى غير بدل ولا إعادة عليه؛ فلا بد من وجوب البدل أو الإعادة. الجمهور يخالفون أبا حنيفة؛ أبو حنيفة مذهبه: من ترك واجباً من واجبات الصلاة التي ليست بفرض، وهذا عند الجميع عموماً؛ أبو حنيفة يقول: من ترك الواجبات أساء لكن لا إعادة عليه ولا سجود سهو. فالجمهور يقولون: نحن لا نعهد في عبادة من العبادات واجباً يترك بدون وجود بدل أو إعادة.

قال: ولكن مع هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك واجباً في الحج ليس بركن، ولم يجبره بالدم الذي عليه، لم يبطل حجه ولا تجب إعادته، ولكن الجمهور يوجبون الكفارة وأنها تبقى في ذمته. فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث.

الآن خلينا نجعل المضمون: فجمهور السلف وأهل الحديث يقولون بهذه القاعدة، أن من ترك واجباً من واجبات الإيمان الذي لا يناقض أصول الإيمان، فعليه أن يجبر إيمانه، إما بالتوبة وإما بالحسنات المكفرة. فالكبائر يتوب منها، والصغائر تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه. هي القاعدة؛ إذاً فجمهور السلف ماذا يقولون؟ من ترك واجباً من واجبات الإيمان بشرط أن يكون هذا الواجب لا يناقض أصول الإيمان؛ هذا الواجب الذي لا يناقض أصول الإيمان إذا تركته فعليك أن تجبر إيمانك من خلال فعل الحسنات المكفرة والتوبة إلى الله. لكن لو لم تجبر هذا النقص الواجب، فأنت لم يحبط إيمانك، لأن طبيعة الواجب الذي تركته ليس مناقضاً لأصل الإيمان. أما من ترك واجباً من واجبات الإيمان المناقضة لأصوله، لا، هذا إذا فعلته خرجت من الإيمان بالكلية؛ فليس كل ترك لواجب من واجبات الإيمان كفراً، على حسب طبيعة الواجب.

قال رحمه الله: وأصلهم أن الإيمان يتبعض، فيذهب بعضه ويبقى بعضه، وهذه قاعدة أهل السنة: أن الإيمان يمكن أن يزيد وينقص، ويذهب بعضه ويبقى بعضه، بخلاف الخوارج والمعتزلة الذين قالوا إن الفاسق، كما قلنا المعتزلة والخوارج عنده بمجرد أن ترتكب كبيرة كفرت. لماذا؟ لأنه يرون أن أي إخلال بواجبات الإيمان كفر، وهذه ليست قاعدة أهل السنة. أهل السنة الإيمان يزيد وينقص، ويمكن أن ينقص الإيمان ولكن يبقى شيء منه، ما عندنا مشكلة في هذا.

قال كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان». هذا يدل على أن الإيمان متفاوت، في ناس عندهم مثقال ذرة، في ناس عندهم أكثر من مثقال ذرة. إذاً حجم الإيمان حجم يزيد وينقص؛ يعني الإيمان ليس مغلفاً، يوجد أو لا يوجد، لا، ممكن إنسان يوجد منه 10%، فلان عنده 20% إيمان، فلان عنده 50% إيمان، هذا ترك واجباً وهذا ترك واجباً، لكن في النهاية بقي عنده شيء من الإيمان ينجيه يوم القيامة.

قال: ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وأما الذين أنكروا تبعضه وتفاضله، فإنهم قالوا: متى ذهب بعضه ذهب سائره، ثم انقسم الخوارج ثم انقسموا حزبين؛ فماذا هؤلاء رؤوسهم الخوارج والمعتزلة؟ ماذا قالوا؟ فقالت الخوارج والمعتزلة: فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله، فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلاً بحال. فعندهم شارب الخمر والزناة كلهم كفار؛ لأنه خلص زال جزء من الإيمان فزال كله، هذه قاعدة الخوارج والمعتزلة.

قال ثم قالت الخوارج: هو كافر، وقالت المعتزلة: ليس بكافر ولا مؤمن. المعتزلة في الدنيا قالوا: في منزلة بين منزلتين، بس في الآخرة خلص هم مع الخوارج أنه مخلد في نار جهنم. ليس بكافر ولا مؤمن، بل هو فاسق، ننزله منزلة بين المنزلتين؛ فخالفوا الخوارج في الاسم ووافقوهم في الحكم، وقالوا إنه مخلد في النار لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها.

والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان. القسم الثاني هم المرجئة، وهؤلاء ترى هم يتفقون مع الخوارج والمعتزلة في فكرة ماذا؟ أن الإيمان لا يتفاضل، تمام، لكنهم للاسف ماذا فعلوا؟ أخرجوا العمل من مفهوم الإيمان، فصار الإيمان هو التصديق فقط، وأعمال الجوارح واللسان ليست داخلة في مفهوم الإيمان، وبالتالي مهما فعلت من الفسق والفجور وكل هذا لا يؤثر على إيمانك. ليه؟ لأن الإيمان هو مجرد أن تصدق بقلبك بلا إله إلا الله، خلص مصدق، كل ما تفعله لا يؤثر عليه. فإذاً هم متفقون مع الخوارج والمعتزلة أن الإيمان هو شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، لكن الخوارج والمعتزلة رأوا أن الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يدخل فيه مفهوم العمل؛ فإذا أنت قصرت في العمل كفرت. وأما المرجئة فيرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكن الإيمان عندهم لا يدخل فيه العمل، وإنما هو فقط تصديق القلب، فمهما فعلت من المعاصي والذنوب هذا لم يؤثر على الإيمان لأن الإيمان هو فقط القلب، وبالتالي جعلوا إيمان أفجر فاجر على كوكب الأرض من المسلمين مثل إيمان أبي بكر الصديق، ما عندهم فرق في ذلك؛ لأنه هذا مصدق وهذا مصدق، وهذا أيضاً مشكلة.

قال: ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان، لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما يقصدون بالإيمان تصديق القلب فقط. وقالوا: إنما تفاضل في غير الإيمان من الأعمال، وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان، وقالوا: أعمال الجوارح ليست من الإيمان؛ لأن الله فرق بين الإيمان والعمل في كتابه، فالله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. آه إذاً العمل شيء والإيمان شيء، شوف الشبهة.

قال: ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول إن الإيمان هو تصديق القلب. أهل هذا القول يعني من المرجئة، الفقهاء المحسوبون على المرجئة، ماذا قالوا؟ قالوا: إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان. هذول مرجئة الفقهاء اللي منهم أبو حنيفة النعمان وغيرهم، هؤلاء يقولون إن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان. قال: وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان ومن وافقه كأبي حنيفة وغيره. فقال جهم والصالحي ومن وافقهم -اللي أخذناه في العقيدة ابن صفوان والصالحي ومن وافقهما- من أهل الكلام كأبي الحسن الأشعري، فهؤلاء قالوا: لا، الإيمان هو حتى قول اللسان لا ندخله، إنما الإيمان هو فقط تصديق القلب؛ يعني مرجئة الفقهاء اللي هو إرجاء أبي حنيفة هذا أفضل من إرجاء الأشعري، لأنه إرجاء الأشعري ما هو أن الإيمان فقط القلب، وأما أبو حنيفة فهو عنده القلب واللسان، وأخرج أعمال الجوارح.

فصل الخطاب في هذا الباب: أن اسم الإيمان قد يذكر مجرداً، وقد يذكر مقروناً بالعمل أو بالإسلام. اسم الإيمان في الكتاب والسنة قد يذكر مجرداً دون أن يعطف عليه شيء، وقد يذكر الإيمان ويعطف عليه العمل الصالح، أو يذكر معه الإسلام في نفس السياق. فإذا ذكر لفظ الإيمان مجرداً في نصوص الكتاب والسنة فإنه -يقول ابن تيمية- يتناول أعمال الجوارح قطعاً، كالحديث: «الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة»، ماذا قال؟ «أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فجعل إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، إذاً العمل داخل في الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان، وكما في الصحيحين.

وفيهما أنه قال لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس مما غنمتم». لاحظ، أتدرون ما الإيمان؟ بماذا فسر الإيمان النبي عليه الصلاة والسلام؟ فسره بأعمال جوارح، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. هذا يدل على أن الإيمان إذا ذكر وحده في نصوص الكتاب والسنة يشمل أعمال الباطن وأعمال الظاهر. وأما إذا ذكر الإيمان مع الإسلام، أو ذكر الإيمان مع العمل الصالح، مثلاً ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فهنا الإيمان يكون المراد به الباطن فقط، لا إشكال عندنا في هذا القول.

وإذا ذكر مع الإسلام كما في حديث جبريل، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان ففرق بينهما، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...» إلى آخره. وقال في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب»، فلما ذكرهما جميعاً ذكر أن الإيمان في القلب، والإسلام ما يظهر من الأعمال. وإذا أفرد الإيمان أدخل الإسلام علانية والإيمان في القلب، لما ذكر الإسلام والإيمان في نفس الحديث فسر الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة، وفسر الإيمان بما في القلب. إذاً مهم جداً إخواني تكون عندك خبرة التعامل مع النصوص، أنك تفهم أن أحياناً الإيمان يطلق في نصوص الكتاب والسنة فقط على الأعمال الباطنة، وأحياناً يطلق الإيمان في نصوص الكتاب والسنة على ما يشمل الباطن والظاهر؛ إذا أنت كطالب علم لا تحسن استعمال أو معرفة هذه الدلالات ستجني على الأمة جناية كبيرة، وستفسر نصوص الكتاب والسنة بالهوى.

وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأن أعمال الجوارح هي لوازم ما في القلب. القلب، ما الذي يعكس أنك مؤمن ولا لا في قلبك؟ ظاهرك. اليوم بيجيك واحد ما بيصلي ولا بصوم ولا شيء، بس بقول لك: يا شيخ ترى الإيمان في القلب، الله يرضى عليك. قل له: لا، الله يرضى عنك، أعمال الجوارح هي انعكاس لما في القلب. هكذا الإنسان الطبيعي، إذا أنت بتحب فتاة يا شيخ شو بتسوي لها؟ واحد بقول لك أنا بحب فتاة وبعشقها تماماً، بس طول الوقت يشتمها ويسبها ولا بيتواصل ولا شيء، بتقول والله هذا غير صادق، صحيح؛ أنه من أحب فعل، هكذا الإنسان الطبيعي. فإهداؤك لها وتواصلك بالطريقة الشرعية تروح تتزوجها مش تمام، عداؤك لها دليل على صدق ما في قلبك؛ فإذاً الأعمال الظاهرة هي لوازم ما في القلب. وهذا مصداق الحديث: «ألا وإن في القلب مضغة، إذا صلحت صلح وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، لأنه القلب ما فيه ينعكس على الجوارح.

وهذا أنت معيار لك في حياتك: إذا شفت نفسك قوياً على قيام الليل، قوياً على العبادات، قوياً على طلب العلم، قوياً على الأعمال الصالحة، هذا يدل على أن قلبك في حالة جيدة، قلبك في حالة جيدة. إذا شعرت أنك فاتر عن الأعمال الصالحة، لا، اعرف أنه قلبك في العناية المركزة، وفي ناس قلبهم ميت وانتهى أصلاً، هو لا يفعل الأعمال الصالحة والعياذ بالله. فأعمالك الظاهرة تعكس حالتك القلبية، خذها قاعدة. كما قال شيخ الإسلام: الأعمال الظاهرة لوازم ما في القلب، يعني هي تعكس ما في القلب.

لأنه متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما أخبر به الرسول، وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة؛ متى ثبت الإيمان في القلب وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، ما هو مقتضى ذلك؟ العمل على الظاهر. متى حصل تصديق القلب وإقراره بلا إله إلا الله، لا بد وأن يحصل ضرورة ما يعكس ذلك ويقتضيه، وهو الأعمال في الظاهر.

فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. إي والله، ما أسر أحد سريرة، المنافق ماذا قال الله عن المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾، يعني هم قد ما حاولوا يكبتوا نفاقهم بس ما بتزبط، لأنه في شيء في القلب لا بد وأن ينعكس، لذلك حتى نحن في مجتمعاتنا في الإعلام، شو اللي بيخلينا نعرف أنه في هناك بعض المنافقين في الإعلام؟ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، يعني مهما حاول يعمل حاله ويخبي حاله وأنه محب للإسلام ومنتمي، واضح كلماته شوية يضرب له حكم شرعي، يستهزئ بمشايخ، يستهزئ بالدين، لا تقول لي أنه هذا مؤمن في كامل الإيمان وجالس على التلفزيونات يشتم ويسب ويستهزئ، هذا لا يمكن، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾.

فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر. ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازم أعمال الجوارح، فإذا انتفت الإيمان اللي في القلب يلزم في الظاهر أعمال جوارح صح؟ إذا أنت ما بتقوم بهذه الأعمال، إذاً حقي أن أنفي عنك ماذا؟ وجود الإيمان في القلب؛ لأنه انتفاء أعمال الجوارح دليل على انتفاء ملزومها؛ أعمال الجوارح هي دليل على وجود ما في القلب، فإذا انتفت بالنسبة لي أقول أنك في مشكلة، ما عندي الآن دليل على أنك في قلبك صادق.

فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 81]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيماً إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب». وعن عمر.

لمن رآه يعبث في صلاته لو خشع قلبه هذا لخشعت جوارحه. رجل يعبث في الصلاة بيلعب في لحيته بيلعب في شعره، فأيش قال عمر؟ لو خشع قلبه هذا لخشعت جوارحه. عمر لماذا عرف أن هذا الرجل مش خاشع يا خليل، شققت عن قلبه؟ يا شيخ هو ما شقش عن قلبه، لكن هو ايش لما شافه بيلعب في الصلاة، شوي بينشط شعره شوي بيحكي، عرف قال لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، لأنه هذا تلازم. فلما لم تخشع الجوارح دل هذا على عدم خشوع القلب.

قال: وفي الحديث: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه». ولهذا كان الظاهر لازماً للباطن من وجه وملزوماً له من وجه، وهو دليل عليه. الظاهر يعني يقولون علاقة الباطن والظاهر في الإيمان علاقة عكس من طريقين، الظاهر يلزم الباطن والباطن يلزم الظاهر. أحياناً بعض التلازمات من جهة واحدة، لكن في باب الإيمان لا، التلازم من جهتين، فصدق القلب يلزم منه صدق ظهور ذلك على الجوارح، وعدم وجود شيء على الجوارح يلزم منه عدم وجود شيء في القلب. فالتلازم بين الباطن والظاهر هو مش تلازم من جهة واحدة، لأنه أحياناً يكون إذا وجد هذا الشيء وجد الآخر، بس إذا لم يوجد الآخر قد لا يدل هذا على عدم وجود الشيء، لكن في الإيمان لا، إذا وجد إيمان القلب لابد وأن توجد أعمال الجوارح، وإذا لم توجد أعمال الجوارح فهذا يلزم منه عدم وجود شيء في القلب، فالتلازم من كلا الجهتين.

قال: ولهذا كان الظاهر لازماً للباطن من وجه وملزوماً له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوماً لا من جهة كونه لازماً؛ فإن الدليل ملزوم، المدلول يلزم منه، بمعنى أن الظاهر هو دليل على الباطن من جهة كون الظاهر ملزوماً والباطن لازم له. يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه، ولكن الدليل هو ملزوم المدلول. صحيح؛ فيلزم من وجود الدليل وجود مدلوله، ولا يلزم من عدم وجود الدليل عدم وجود المدلول. والدليل يطرد ولا ينعكس بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس.

قال: وتنازعوا في العلة هل يجب طردها بحيث تبطل بالتخصيص والانتقاض؟ قال: والصواب أن لفظ العلة يعبر به عن العلة التامة، وهو مجموع ما يستلزم الحكم، فهذه يجب طردها. ويعبر به عن المقتضي للحكم الذي يتوقف اقتضاؤه على ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، فهذه إذا تخلف الحكم عنها لفوات شرط أو وجود مانع لم يبطل، بل يجبر النقص بالفرق، وإن تخلف عنها لغير ذلك بطلت. هذه مسألة استطرادية جداً يتكلم فيها شيخ الإسلام؛ أسلوبه لما يتكلم في الدليل والملزوم قال: خليني أتكلم عن العلة وأحكامها، لكنها لا تعنيك في فهم الكتاب. وكذلك تنازعوا في انعكاس العلة، وهو أنه هل يلزم من عدم العلة عدم وجود الحكم؟ فقيل: لا يجب انعكاسها لجواز تعليل الحكم بعلتين، وقيل: يجب الانعكاس؛ لأن الحكم متى ثبت مع عدم وجود علته لم تكن مؤثرة فيه بل كان غنياً عنها، وهذا يدل على أن الانعكاس شرط، قال: وعدم التأثير مبطل للعلة.

كثير من الناس يقول بأن عدم التأثير يبطل العلة ويقول بأن العكس ليس بشرط فيها، وآخرون يقولون هذا تناقض. والتحقيق في هذا أن العلة إذا عدمت عدم الحكم المتعلق بها بعينه، لكن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة أخرى، فإذا وجد ذلك الحكم بدون علة أخرى علم أنها عديمة التأثير وبطلت، وأما إذا وجد نظير ذلك الحكم بعلة أخرى كان نوع ذلك الحكم معللاً بعلتين، وهذا جائز. كما إذا قيل: المرأة المرتدة كفرت بعد إسلامها فتقتل قياساً على الرجل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً فقتل بها». فإذا قيل له لا تأثير لقولك "كفر بعد إسلامه"؛ فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر، وحينئذ فالمرأة لا تقتل بمجرد الكفر؛ فيقول هذه علة ثابتة بالنص وبقوله: «من بدل دينه فاقتلوه». وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وحرابه.

نعم، الكافر لا يقتل لمجرد كفره بل يقتل إذا حارب؛ لذلك نحن لا نقتل الراهب ولا نقتل الزَمِن من الكفار، فالكفار لما نقاتلهم ونقتلهم أنت لا تقتله لأنه كافر، أنت تقتله لأنه محارب، هذه علتها عند الجمهور بخلاف الشافعية الذين قالوا علة القتل هي الكفر بحد ذاته. ولهذا لا أقتل من كان عاجزاً عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه، وأما الكفر بعد الإسلام فعلة أخرى مبيحة للدم، ولهذا أقتل بالردة من كان عاجزاً عن القتال كالشيخ الكبير، وهذا قول مالك وأحمد، وإن كان ممن يرى أن مجرد الكفر يبيح القتال كالشافعي. الكفر وحده علة، والكفر بعد الإسلام علة أخرى، وليس هذا موضع بسط هذه الأمور وإنما ننبه عليها.

هيك شيخ الإسلام بدك تتعود معه، يعني بدخلك في الدوامة بعدين برجعك لأصل الموضوع، هذا كله ما له علاقة في كل بحثنا، ما له علاقة حتى في حديث «إنما الأعمال بالنيات»، بس مشكلة ابن تيمية بدك تستفيد منه بدك تستحمل. لذلك أنا سأقتصر فقط على التعليق على ما نحتاجه.

فقال: والمقصود أن لفظ الإيمان تختلف دلالته بالإطلاق والاقتران. لفظ الإيمان تختلف دلالته لما يكون وحده، بينما لما يكون مع لفظ الإسلام أو لفظ الأعمال الصالحة. فإذا ذكر مع العمل أريد به أصل الإيمان المقتضي للعمل، وإذا ذكر وحده دخل فيه لوازم الأصل. فإذا ذكر الإيمان مع العمل الصالح ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يقصد بالإيمان الأصل وهو التصديق، وإذا ذكر وحده دخل فيه الأعمال الصالحة.

وكذلك إذا ذكر بدون الإسلام كان الإسلام جزءاً منه، وكان كل مسلم مؤمناً، فإذا ذكر لفظ الإسلام مع الإيمان تميز أحدهما عن الآخر كما في حديث جبريل، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. ولهذا نظائر كلفظ المعروف والمنكر والعدل والإحسان وغير ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ يدخل في لفظ المعروف كل مأمور به، وفي لفظ المنكر كل منهي عنه. المعروف والمنكر إذا ذكر المعروف والمنكر في سياق واحد، فالمعروف يدخل فيه ماذا؟ المأمورات، والمنكر يدخل فيه المنهيات، وأما إذا ذكرت المعروف وحده فقلت لك: اؤمر بالمعروف، فهنا يكون المعروف يشمل الأمر بالواجبات والأمر بترك المنهيات، فالعلاقة بين لفظ المعروف والمنكر مثل العلاقة بين لفظ الإيمان والإسلام.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ جعل الفحشاء غير المنكر، وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ جعل الفحشاء والبغي غير المنكر. وإذا قيل هذا من باب عطف الخاص على العام والعام على الخاص، فللناس هنا قولان: منهم من يقول الخاص دخل في العام وخص بالذكر فقد ذكر مرتين، ومنهم من يقول تخصيصه بالذكر يقتضي أنه لم يدخل في العام. وقد يعطف الخاص على العام كما في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾. نعم، تخريج آخر لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إذا ذكر مع بعضهما أن الإيمان للباطن وعملوا الصالحات للظاهر، هناك من يقول: لا يا شيخ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الإيمان هنا يشمل الباطن والظاهر، وعملوا الصالحات هذا من باب عطف الخاص على العام كقولي: أكرم الطلاب وزيداً، وزيد هو من الطلاب.

وقد يعطف العام على الخاص كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. وأصل الشبهة في الإيمان أن القائلين أنه لا يتبعض قالوا: إن الحقيقة المركبة من أمور متى ذهب بعض أجزائها انتفت تلك الحقيقة. يعني المعتزلة والخوارج والمرجئة من الجهة الأخرى الذين يقولون إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وين الشبهة عندهم؟ لماذا فكروا بهذه الطريقة؟ قالوا: الإيمان مركب من أشياء، مثلاً باطن وظاهر، والشيء المركب من أشياء بمجرد زوال قسم من هذه الأشياء يزول كله. مثلاً الكرسي مركب من خشب ومسامير، فإذا أزلنا المسامير كلها فرط الكرسي كامل. فكذلك قالت الخوارج: الإيمان مركب من باطن وظاهر، إذا فرط الظاهر فرط الإيمان، أو فرط جزء من الظاهر فرط الإيمان. لا، نقول: هو مش مسبحة إذا فرط جزء منه فرط كامل، هذا التصور غير صحيح وليس هكذا فهم السلف والصحابة.

قال: كالعشرة المركبة من آحاد، فلو قلنا أنه يتبعض لازم زوال بعض الحقيقة مع بقاء بعضها. فيقال لهم: إذا زال بعض أجزاء المركب تزول الهيئة الاجتماعية الحاصلة بالتركيب، لكن لا يلزم أن يزول سائر الأجزاء، والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة والأعمال الواجبة الباطنة والظاهرة هو المجموع الواجب الكامل، وهذه الهيئة الاجتماعية تزول بزوال بعض الأجزاء. فنقول: نحن نعم الإيمان مركب من باطن وظاهر، وهذه الهيئة الاجتماعية لها صورة كمال، إذا ذهب جزء منها هذا لا يعني أنها كلها ساحت وذهبت، بل ذهب جزء مهم يسبب نقصاً في الصورة المجتمعة، لكن لا تقول إن الصورة كلها ذهبت. مثل قطعة البازل مركبة من قطع، لما الطفل يزيح قطعة من قطع البازل، هل معنى أنه الصورة كلها راحت؟ ولا نقول إن صورتها الكاملة تشوهت لكن ما زالت 80% من الصورة موجودة، هكذا مفهوم الإيمان عندما تفعل أنت بعض المعاصي أو تخل ببعض الواجبات.

قال رحمه الله: وهذه هي المنفية في الكتاب والسنة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني...» إلى آخره، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ الآيات. ولكن لا يلزم أن تزول سائر الأجزاء؛ ولأن سائر الأجزاء الباقية لا تكون من الإيمان بعد زوال بعضه، كما أن واجبات الحج من الحج الواجب الكامل، وإذا زالت زال هذا الكمال ولم يزل سائر الحج. مثلاً الحج مركب من أركان وواجبات، لو جاءك شخص قال لك: أنا يا شيخ في الحج ما بت في مزدلفه، بتقول له: خلاص اكس لي على كل الحج، ولا بتقول إنه في عندك خلل بدك تروح تجبره؟ بس صورة الحج نوعاً ما ما زالت موجودة، بخلاف عرفة، لا عرفة من النوع الذي إذا زال فرط الحج كامل، ففي عندك أركان في الصورة بعضها يكون مفصلياً بزواله تزول الصورة وبعضه لا يكون بزواله زوال لكل الصورة. طيب كيف بدي أعرف وين الركن المفصلي وين الركن الذي ليس مفصلياً؟ كما قال لك بالأدلة الشرعية هي التي ستخبرك ما الجزء الذي إذا زال زالت الصورة كلياً وما هو الجزء الذي إذا زال لم تزل الصورة كلياً.

قال رحمه الله: وكذلك الإنسان الكامل يدخل في مسماه أعضاؤه كلها، ثم لو قطعت يداه ورجلاه لم يخرج عن اسم الإنسان. ممتاز هذا المثال الجميل، الإنسان لو شفت إنساناً مقطوعة يده بتقول والله هذا مش إنسان؟ لا، إنسان بس مش كامل، فإزالة اليد لا تبطل مفهوم الإنسان، لكن لو رأيته أخرج قلبه، زالت الإنسانية بمعنى الحياة الكاملة عنه. ففي هناك أجزاء في الإنسان زوالها لا ينفيه، وهناك أجزاء في الإنسان إذا ذهبت راح، مثل القلب إذا ذهب راح، لكن اليد لو ذهبت، والله ركن أساسي في الإنسان، لكن لا نقول إن الإنسان ذهب بالكلية.

قال: ثم لو قطعت يداه ورجلاه لم يخرج عن اسم الإنسان، وإن كان قد زال منه بعض ما يدخل في الاسم الكامل، وكذلك لفظ الشجرة والباب والبيت والحائط وغير ذلك يتناول المسمى في حال كمال أجزائه وبعد ذهاب بعض أجزائه، وبهذا تزول الشبهة التي أوردها الرازي ومن اتبعه كالأصبهاني وغيره على الشافعي؛ فإن مذهبه في ذلك مذهب جمهور أهل الحديث والسلف، وقد اعترض هؤلاء بهذه الشبهة الفاسدة على السلف. فهذه الشبهة، شبهة أنه مركب من أجزاء إذا زال زال، هي شبهة طرحها الرازي واستدل عليها بكلام الشافعي، وابن تيمية يقول: هذه الشبهة التي طرحها الرازي ضعيفة جداً في تصور أن الإيمان هو مركب من أجزاء.

فإذا زال جزء فرط، هذا كلام غير صحيح في تصور حتى طبائع كثير من الأشياء. قال: «والإيمان يتفاضل». نعم، قال: «والإيمان يتفاضل من جهة الشارع؛ فليس ما أمر الله به كل عبد هو ما أمر الله به غيره». ولا الإيمان الذي يجب على كل عبد يجب على غيره، بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمناً كامل الإيمان مستحقاً للثواب إذا فعل ما أوجبه الله عليه ورسوله.

يعني الصحابة الذين كانوا في مكة اسم الإيمان الكامل يتحقق لهم مع أنهم لم يصوموا رمضان ولم يزكوا؛ لماذا؟ لأنه صيام رمضان والزكاة ما كانت واجبة عندئذ، لكن الصحابة الذين في المدينة الصورة الكاملة للإيمان لن تكتمل إلا مع الصلاة والزكاة؛ لماذا؟ لأنه الإسلام هنا زاد عليهم شرائع لم تكن موجودة ابتداء، فحتى صورة الإسلام الكامل ترى تختلف من شخص إلى آخر بحسب ما هو واجب عليه.

نعم، قال: «بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمناً كامل الإيمان مستحقاً للثواب إذا فعل ما أوجبه الله عليه ورسوله، وإن كان لم يقع منه التصديق المفصل بما لم ينزل من القرآن، ولم يصم رمضان، ولم يحج البيت». كما أن من آمن في زمننا هذا إيماناً تاماً ومات قبل دخول وقت صلاة عليه، مات مستكمل الإيمان الذي وجب عليه، كما أنه مستحق للثواب على إيمانه قبل وقت صلاة المغرب ليس كمن يموت بعد وقت صلاة المغرب؛ ليه؟ لأنه هذا لم تجب عليه صلاة المغرب، فهو مات كامل الإيمان، لكن الذي يموت بعد صلاة المغرب وما أداها، فعليه شيء زائد لم يقم بأدائه. فصورة الإيمان الكامل إذاً تختلف من شخص إلى آخر.

قال: «وأما بعد نزول ما نزل من القرآن، وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله من الواجبات، وتمكن من فعل ذلك، فإنه لا يكون مستحقاً للثواب بمجرد ما كان يستحق به الثواب قبل ذلك؛ فلذلك يقول هؤلاء: لم يكن هذا مؤمناً بما كان به مؤمناً قبل ذلك». وهذا لأن الإيمان الذي شرع لهذا أعظم من الإيمان الذي شرع لهذا. وكذلك المستطيع للحج يجب عليه ما لا يجب على العاجز عنه، وصاحب المال يجب عليه من الزكاة ما لا يجب على الفقير ونظائره.

يعني شخص الفقير هل تجب عليه الزكاة؟ صورة الإيمان الكامل للفقير ما فيها الزكاة، لكن الشخص الغني صورة الإيمان الكامل حتى يكتمل لازم فيه زكاة. الفرق بينهم أن هذا لم تجب عليه الزكاة وهذا وجبت عليه الزكاة، فإذاً صورة الإيمان الكامل هذه فكرة جميلة تعرفها تختلف من شخص إلى آخر على حسب الواجبات المتعلقة بذمته. إذاً هذا معنى تفاضل الإيمان من جهة الشرع، قصد به أن كل شخص صورة الإيمان الكاملة له تختلف من شخص إلى آخر.

قال: «وأما تفاضل الإيمان من جهة العبد». نعم، قال: «فتارة يقوم هذا من الإقرار والعمل بأعظم مما يقوم به هذا». أنه هذا الشخص قام بأعمال صالحة أكثر مما قام بها صاحبه الآخر. نعم، قال: «وكل أحد يعلم أن ما في القلوب من الأمور يتفاضل، حتى إن الإنسان يجد نفسه أحياناً أعظم حباً لله ورسوله، وخشية لله، ورجاء لرحمته، وتوكلاً عليه، وإخلاصاً منه في بعض الأوقات». إذاً فالتفاضل من جهة العبد هو الذي ينقسم إلى قسمين، هذا هو الكلام الصحيح أن التفاضل من جهة العبد هو الذي ينقسم: التفاضل بين عبد وعبد، والتفاضل داخل العبد الواحد من بين وقت إلى آخر.

وكذلك قال: «وكذلك المعرفة والتصديق تتفاضل في أصح القولين، وهذا أصح الروايتين عن أحمد». لما نقول إن الإيمان يتفاضل، إخواني هل الإيمان يتفاضل فقط بمجرد الأعمال الصالحة؟ يعني يتفاضل أنه هذا صلى ركعتين وهذا صلى أربعة؟ أم نفس التصديق بالله نفسه يزيد وينقص؟ ترى نفس التصديق بالله نفسه يزيد وينقص، أنت لما تباشر الأعمال الصالحة مستوى تصديقك بالله والدار الآخرة يزيد، وأكيد جاءت عليك فترات ربما في حياتك بعيد أنت عن الأعمال الصالحة، تشعر أن مستوى استحضارك وتصديقك بالدار الآخرة ينقص، إذاً حتى نفس التصديق نفسه هو يقبل الزيادة والنقصان بحسب مباشرتك للأعمال الصالحة أو تقصيرك فيها.

رحمه الله، وقد قال غير واحد من الصحابة كعمير بن حبيب الخطمي وغيره: الإيمان يزيد وينقص، فإذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه. ولهذا سن الاستثناء في الإيمان. وهذا يسن الاستثناء في الإيمان، ما معنى الاستثناء في الإيمان؟ أنه إذا شخص سألك "أنت مؤمن؟" أن تقول "أنا مؤمن إن شاء الله". لماذا تقول إن شاء الله؟ لأنك هل أنت مستكمل لكل خصال الإيمان الواجبة؟ أنت لست جازماً بذلك، فيجوز الاستثناء بل ينبغي عند جماهير العلماء.

فإن كثيراً من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم استثنوا في الإيمان، وآخرون أنكروا الاستثناء فيه وقالوا هذا شك. والذي تقول إنه "أنا مؤمن إن شاء الله"، بعض العلماء قال ما بصير تحكي إن شاء الله لأنه هيك أنت بتكون شاك بإيمانك، لا، أنا ما بستثني وأقول إن شاء الله لأنني شاك في أصل الإيمان، أنا أستثني لأنني غير متيقن أنني أتيت بكل ما ينبغي أن آتي به، وأما أصل الإيمان لا، هذا أنا جازم به لا أشك.

والذين استثنوا فيه منهم من أوجبه ومنهم من لم يوجبه. الذين قالوا إنه يستثنى في الإيمان ويقال إن شاء الله، البعض أوجب هذا أصلاً، بعض العلماء قال يجب تقول إن شاء الله، والبعض قال يستحب. نعم، وهذا أصح الأقوال وهو الاستحباب. وهذان القولان في مذهب أحمد وغيره، فمن استثنى... قال: فمن استثنى لعدم علمه بأنه قائم بالواجبات، فهذا أحسن. وكذلك من استثنى لأنه لا يعرف بماذا سيختم له، البعض يقول "أنا مؤمن إن شاء الله"، تقول لماذا إن شاء الله؟ تقول لي إني مش عارف راح أموت على هذا ولا لا، فإن شاء الله أني مؤمن لأنني لا أعلم بالعاقبة، قال وكذلك من استثنى وأراد بالاستثناء عدم علمه بالعاقبة وبماذا سيختم له، فهذا أيضاً فهم صحيح.

وكذلك من استثنى تعليقاً للأمر بمشيئة الله تعالى لا شك، كذلك من يقول إن شاء الله أنا مؤمن ويقصد أن كل شيء بمشيئة الله، قصد إثبات المشيئة لله ولم يقصد الشك، فكل هذه المقاصد في الاستثناء في الإيمان صحيحة. إذاً أنا أستثني في الإيمان لعدم علمي وجزمي هل قمت بالواجبات المطلوبة أو لا، أنا أستثني في الإيمان لعدم إدراكي هل سأموت عليه أو لا، أنا أستثني في الإيمان لأن كل شيء بمشيئة الله، فهذه المقاصد الثلاث في الاستثناء في الإيمان جائزة، وأما إذا كنت تستثني شكاً في وجود الله أو شكاً في تصديقك بالله، لا، فهذا الاستثناء لا يجوز.

قال رحمه الله: «ومن جزم بما هو في نفسه في هذه الحال كمن يعلم من نفسه أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فجزم بما هو متيقن حصوله في نفسه فهو محسن في ذلك». يعني يقول: وأما من قال أنا لا أريد أن أستثني وأقول أنا مؤمن بدون إن شاء الله، إذا كان يقصد أنه لا يريد أن يقول إن شاء الله لأنه الآن في الوقت الحالي واثق بما عنده أنه يقول لا إله إلا الله وأنه ليس شاكاً في أصل التوحيد، من رفض الاستثناء لهذا البعد أيضاً هذا لا إشكال فيه.

قال رحمه الله: «وكثير من منازعات الناس في مسائل الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام هي منازعات لفظية، فإذا فصل الخطاب زال الارتياب». والله، تذهب الخلافات العقدية، خلافات فعلاً أسبابها عدم الاتفاق على المصطلحات المهم فصل قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ليس هو تحصيلاً للحاصل ولكنه إخبار بأن من نوى بعمله شيئاً فقد...

يقول لماذا تكرر الجملة مرتين؟ هذا تحصيل حاصل: من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، شو الفائدة من تكرار الجملة؟ الآن هو عاد لشرح حديث فيقول: لا، هذا ليس تحصيل للحاصل، لكن المعنى أنه إخبار بأن من نوى بعمله شيئاً نوى الله ورسوله، فقد حصل له ما نواه. هذا المعنى، يعني من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية، فقد حصل له ثواب الهجرة إلى الله ورسوله واقعاً.

قال: أي من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده، ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو امرأة فليس له إلا ذلك، فهذا تفصيل لقوله: «إنما الأعمال بالنيات»، ولما أخبر أن لكل امرئ ما نوى، ذكر أن لهذا ما نواه ولهذا ما نواه. والهجرة مشتقة من الهجر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». ما مفهوم الهجرة؟ والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، كما قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، و«المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم»، وهذا بيان منه لكمال مسمى هذا الاسم.

كما قال: ليس المسكين، يعني لما يقول المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، من أعظم مهاجر؟ الذي يهجر المعاصي. ما معنى هذا؟ هل هذا معناه نفي المهاجر عن من هجر من بلد إلى بلد؟ لا، أسلوب الأحاديث النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المفلس»، قالوا من ليس فيه دينار ولا درهم، قال لا، «المفلس من فعل كذا وكذا»، يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب أن يخبر ما هو أعلى معاني الإفلاس، وليس أن من ليس له دينار ولا درهم لا يسمى مفلساً. لما يقول المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، هو لا يريد أنه من هجر أي من بلد إلى بلد لا يسمى مهاجراً، لكن ما هو أعلى أنواع الهجرة؟ أن تهجر المعاصي. ما هو أعلى أنواع الإفلاس؟ أن تأتي يوم القيامة ليس معك، مثلاً: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، هو لا يقصد أن القوي الشديد الجسم ليس شديداً، لكن ما هو أعلى أنواع الشدة والقوة؟ أن تملك نفسك. فهذه فائدة جميلة، وهو أنه إنما يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب في النقاش مع الصحابة بيان ما هو الأعلى في مسميات هذه الأسماء.

قال وقد يشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون المفلس فيكم؟»، قالوا من ليس له درهم ولا دينار، قال: «ليس هذا بالمفلس، ولكن المفلس يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا لم يبقَ له حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». وقال: «ما تعدون الرقوب فيكم؟». الرقوب عند العرب هو الشخص الذي لا يولد له، وقال بعضهم والذي لا يعيش له ولد، الذي لا يولد له أو كلما ولد له ولد يموت يسمى رقوباً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخبرهم أنه أعلى أنواع الرقوب هو الذي لا يقدم ولداً من أولاده في سبيل الله.

قالوا من لا يولد له، قال: «الرقوب من لم يقدم من ولده شيئاً»، ومثله... يعني هم يقولون الرقوب من لا ولد له، فقال: بل أعلى أنواع الرقوب هو الذي لم يقدم ولداً له. فهذا كأنه يقول لهم: إنه أي إنسان يموت له ولد من أطفاله الصغار أو من الكبار ويصبر ويحتسب، هذا أعلى أنواع الرقوب.

قال ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». لكن في هذه الأحاديث مقصوده أن يبين... وقال: «الرقوب من لم يقدم ولداً»، فكل من لم يقدم ولداً يسمى رقوباً، هو المنقطع، وأما من كان يلد ويموت أولاده، فهذا وإن كنتم تسمونه رقوباً لكنه ليس رقوباً عند الله، الرقوب هو الذي لا يموت له ولد من أولاده، فهذا فيه تسلية على من يفقدون أولادهم.

قال لكن في هذه الأحاديث مقصوده أن يبين ما هو أحق بأسماء المدح والذم مما يظنونه، فإن الإفلاس حاجة وذلك مكروه، فبين... أن حقيقة الحاجة إنما تكون يوم القيامة.

الإفلاس الحقيقي والحاجة الحقيقية هي يوم القيامة وليس في الدنيا. قال: وكذلك عدم الولد الذي تكرهه النفوس لعدم الولد النافع. تكون المرأة مثلاً ما عندها ولد، تجدها تكرّه هذا؛ شيء مكروه، يحب الواحد أن يكون عاقرًا؟ ما عنده ولد، كل واحد يتزوج يحب أن يكون له أولاد، لكن قال: فبين أن الانتفاع بالولد حقيقةً إنما يكون في الآخرة لمن قدم أولاده بين يديه.

وكذلك الشدة والقوة محبوبة، فبين أن قوة النفوس أحق بالمدح من قوة البدن، وهو أن يملك نفسه عند الغضب، كما قيل لبعض سادات العرب: ما بال عبيدكم أصبح أصبر منكم عند الحرب وعلى الأعمال؟ قال: هم أصبر أجسادًا، ونحن أصبر نفوسًا.

يعني عبيدنا أصبر من حيث الجسد، لكننا امتدحوا أنفسهم، إحنا أصبر من حيث النفوس. هسه في واحد يكون من حيث الجسد يتحمل قتلاً، بس خليه يبتلى ببلاء صغير نفسي بيوقع، صح؟ وفي واحد نحيل ما يتحمل ضرباً، بس خليه يبتلى ببلاء نفسي جامد، فقالوا: نحن أقوى نفوساً، نحن نتحمل البلاء النفسي وهم لا يتحملون البلاء النفسي، يتحملون فقط البلاء الجسدي. فبهذا سدناهم؛ أنت تسود إذا كنت تتحمل البلاء النفسي، ولا تسود إذا كنت فقط تتحمل البلاء الجسدي. وهذا معنى الحديث: «ليس الشديد بالصّرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه»، هذا هو القوة الحقيقية.

أما قوله في اسم المسكين فهو من جنس قوله في المسلم والمؤمن والمهاجر والمجاهد، وهذا مطابق لما تقدم من أن الشارع لا ينفي مسمى اسم شرعي إلا لانتفاء كماله الواجب؛ فإن هجر ما نهى الله عنه واجب، وسلامة المسلمين من عدوان الإنسان بلسانه ويده واجب، وأمن الناس للمؤمن على دمائهم وأموالهم لا يكون إلا إذا كان أمينًا، والأمانة واجبة. والمسكين الذي لا يسأل ولا يُعرف هو أحق بالإعطاء ممن أظهر حاجته وسؤاله، وعطاؤه واجب. قال: وتخصيص السائل بالعطاء دون هذا لا يجوز، بل تخصيص الذي لا يسأل أولى وأوجب وأحب.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، وقال: «لا تنقطع الهجرة ما قُوتل العدو». وكلاهما حق؛ فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمنه. أراد أن يناقش حديثين متعارضين في الظاهر؛ حديث: «لا هجرة بعد فتح مكة»، والحديث الذي يعارضه: «لا تنقطع الهجرة ما قُوتل العدو». ظاهر الحديث الأول أنه انتهت الهجرة وفكرتها في الإسلام بمجرد فتح مكة، وظاهر الحديث أن الهجرة مستمرة إلى يوم القيامة، فكيف نجمع بينهما؟ قال: كلاهما حق، كلا الحديثين صحيح. فالأول حديث «لا هجرة بعد الفتح» أراد به الهجرة المعهودة في زمانه صلى الله عليه وسلم فقط، وهي الهجرة إلى المدينة من مكة أو إلى غيرها من أرض العرب.

فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدين. الهجرة من مكة إلى غيرها متى كانت مشروعة؟ لما كانت مكة معقل كفار قريش، عندئذ كانت الهجرة منها مشروعة، لكن لما أصبحت مكة من معاقل الإسلام، فلا هجرة بعد فتح مكة لأنها أصبحت منها، وهكذا كل بلد كفر تصبح من بلاد الإسلام لا حاجة للهجرة منها. هذا معنى حديث «لا هجرة بعد الفتح»، وليس كما يقول بعض المغفلين اليوم إن حكم الهجرة من بلاد الكفار إلى المسلمين انتهى بعد فتح مكة، ايش علاقة هذا بهذا؟

فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فُتحت مكة وصارت دار الإسلام، ودخلت العرب في الإسلام، صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: «لا هجرة بعد الفتح». وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها، بل هي صفة عارضة بحسب سكانها؛ كون الدار تسمى دار كفر أو دار إسلام هي صفة متنقلة، ليست صفة دائماً فيها؛ إذا كانت مع حكم الكفار كانت دار كفر، إذا أصبحت مع حكم المسلمين صارت دار إسلام، إذا رجعت بعدين لحكم الكفار صارت وهكذا.

فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت، فإن سكانها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم. وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يُشرك فيها بالله، كان بحسب سكانه. وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جُعلت مسجداً يُعبد الله فيه عز وجل كان بحسب ذلك؛ إذا صارت مسجداً صارت مكاناً لعبادة الله، وإذا جاء الكفار حولوا المسجد زي ما صار في آيا صوفيا، حولوه من مسجد لكنيسة بعد أن أصبحت داراً، صارت مكان مكروه، ليس مكاناً لعبادة الله.

وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقاً، والكافر يصير مؤمناً، أو المؤمن يصير كافراً، ونحو ذلك، كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال. وقد قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: 112]. الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر، وهي ما زالت في نفسها خير أرض الله وأحب أرض الله إليه. قال: وإنما أراد سكانها؛ فقد روى الترمذي مرفوعاً أنه قال صلى الله عليه وسلم لمكة وهو واقف بالحَزْوَرَة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت». وفي رواية: «خير أرض الله وأحب أرض الله إليّ». فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله، وكان مقامه بالمدينة ومقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم.

ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة، كما ثبت في الصحيح: «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً، جرى عليه عمله، وأُجري رزقه من الجنة، وأمن الفتّان». قال: والفتّان اللي هو فتنة القبر. وقال في السنن عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل». وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إليّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ولهذا كان أفضل في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله.

هذه قاعدة عامة؛ أي مكان تكون تشعر فيه أن إيمانياتك أعلى هي خير أرض لك، ولو كانت هي في ذاتها مفضولة. القاعدة تقول: والله يا شيخ أصلي في هذا المسجد ولا في هذا المسجد؟ والله التحق بالمركز العلمي هذا أو المركز العلمي هذا؟ المكان الذي تجد فيه قلبك وحماسك وإقبالك هو خير مكان لك شرعاً. يقول شيخ الإسلام: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله. أين تجد نفسك أكثر حماسة وأكثر همة وأكثر إقبالاً؟ هذا هو الخير لك حتى ولو كان مفضولاً وهناك فاضل. يعني شخص ممكن يكون من سكان مكة، بس إذا جاء على الأردن يتحمس أكثر ويصبح يقوم الليل، لكن إذا نزل على مكة يضعف. أيهما أفضل أن يقيم في مكة ولا في الأردن؟ في الأردن، لأنه كل أرض تكون فيها أطوع لله هي الخير لك بإذن الله.

هذا كان الرباط في الثغور أعلى من الرباط عند مكة، مع أنه أيها أشرف؟ أرض مكة ولا أرض الثغر؟ قطعاً أرض مكة أشرف، لكن هناك أنت تقوم بطاعة أنت لا تقوم فيها داخل مكة. وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور. لذلك دائماً يعلمنا المشايخ: لا تقارن نفسك بغيرك؛ يعني إذا شفت صاحبك منسجم في برنامج شرعي معين أو في مسجد معين وأنت مش منسجم فيه، لا تجبر نفسك، أخي أكيد هو منسجم، لازم أنسجم مثله! لا، قد تكون أنت منسجم في برنامج آخر أو مع شيخ آخر أكثر، وكل واحد له رزقه في هذه الحياة، فأين أنت تنسجم أكثر وتتحمس أكثر وتقبل على العمل الصالح أكثر، الزم الثغر ولا تقارن نفسك بغيرك.

لذلك ماذا كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي: "هلم إلى الأرض المقدسة"؟ فكتب إليه سلمان: "إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الرجل عمله". سلمان كان في العراق وأبو الدرداء كان في الشام، فأبو الدرداء كتب رسالة وقال له: يا سلمان تعال إلى الأرض المقدسة، ماذا تفعل في العراق؟ فبماذا أجابه سلمان الفارسي؟ وأبو سلمان الفارسي كان دائماً يعلم أبا الدرداء، حتى في المدينة كان يعلمه، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقي يعلمه، فماذا كتب سلمان؟ شوف هذه الفائدة: قال إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس العبد عمله.

كونها أرض فاضلة هذا لا يعني أنني سأكون فاضلاً فيها؛ هي فاضلة بذاتها، لكن هل فضيلتها يعني أنني سأكون أنا فاضلاً فيها؟ ممكن تكون خير أرض الله وأنا خلص فاقد فيها عنصر التقدم والعمل، فعلي أن أبحث عن مكان آخر أكون أكثر عطاءً أو أكثر خيرية فيه. إن الأرض لا تقدس أحداً، إذا كانت الأرض مقدسة هل معناها أن الشخص سيكون مقدساً المقيم عليها؟ قد تكون أرض مقدسة وعليها شخص من أرجس الناس. صحيح، الأرض لا تعني قداسة من يعيش عليها؛ قداسة الأرض لا تعني قداسة من يعيش عليها.

إنما يقدس العبد عمله. ما الذي يرفع قيمتك عند الله؟ عملك، مش الأرض؛ الأرض في النهاية هي لا تعكس نفسك. إذا كنت تستطيع أن تكون في أرض مباركة ويكون لك عمل مبارك فيها مثل الشام -والآن سنختم بفضائل الشام- فهذا خير وأعظم، لكن إذا شعرت أن المكان المبارك هذا لا أجد نفسي فيه ويمكن أن أقدم في مكان آخر، اذهب؛ لأن المهم عند الله والذي سيسألك الله عنه هو عملك وليس أرضك.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا. كان سلمان أفقه من أبي الدرداء، سلمان رجل ربنا أعطاه فكراً وعقلاً نقدياً، وأبو الدرداء رضي الله عنه رجل عابد، رجل زاهد، بس ما أُعطي من فقه الحياة ما أُعطي سلمان الفارسي.

وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾، وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين. ما هي دار الفاسقين؟ هي بيت المقدس، سماها دار الفاسقين لما كان من يسكن فيها العمالقة؛ لما كان يسكن فيها العمالقة كانت دار الفاسقين، ثم لما أصبحت لأهل الخير كانت بيت المقدس. فهي دار متنقلة، مكة كانت دار كفر لما كانت بيد كفار قريش، لما أصبحت بيد النبي صلى الله عليه وسلم أصبحت دار إيمان.

وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل، فأحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلماً وتارة كافراً، وتارة مؤمناً وتارة منافقاً، وتارة براً تقياً وتارة فاسقاً، وتراه فاجراً شقياً، وهذه المساكن بحسب سكانها، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باقٍ يوم القيامة. والله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: 75]. قالت طائفة من السلف: يدخل في هذا من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 110]، يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات، وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وإنما أراد شيخ الإسلام أن يبين أن أعظم أنواع الهجرة أن تهجر المعاصي إلى الطاعات، والكفر إلى الإيمان، ومن لوازمها أن تهجر دار الكفر إلى دار الإسلام، وإلا فأصل الهجرة هي هجرة الكفر إلى الإيمان والمعاصي إلى الطاعة. وهذا آخر تعليقنا على هذه الرسالة. نذهب ونختم مجلسنا المبارك في "مدارج" بكتاب لطيف خفيف في ذكر فضائل الشام التي أنتم عليها وتعيشون تحت شمسها وتعيشون على أرضها، وأنا أحث فيه على المقام في أرض الشام. سلمان الفارسي كان يقول إن خير أرض هي المكان الذي تجد فيه قلبك وعملك، لكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يبحث عن أفضل الأماكن إذا كان يستطيع أن يقدم فيها الأعمال الصالحة، وكلام سلمان كلام عام، لكن يُخصص إذا كانت البقاع الأخرى بقاع فتن. وأرض الشام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم هي مأوى المؤمنين في آخر الزمان، فإن الإنسان حتى ولو لم يجد قلبه في مكان ما، لكن يعتقد أن هذا المكان عصمة له من الفتن فإنه يبقى فيه، ولا يبحث عن مكان آخر يجد فيه نفسه إذا كان يخشى أن يكون المكان الآخر هو معقل للفتن. والشام المباركة يا أيها الكرام أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

عنها أنها معقل أهل الإيمان يوم القيامة. وكان شيخ الإسلام يستدل بهذا على أن العلم والجهاد والحمية والديانة في آخر الزمان ستكون في الشام، ولهذا لما كان الصحابة يستشيرونه في الفتن مع أي جند نكون، فأوصاهم بأن يكونوا مع جند الشام؛ فالشام هي خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها الخيرة من عباده خاصة في آخر الزمان.

دعونا نقرأ ماذا جمع لنا الإمام ابن عبد الهادي من الأحاديث في فضائل الشام؛ ليكون ختاماً لهذه الدورة العلمية المباركة. قال الإمام العالم بحر العلوم شمس الدين عفى الله تعالى عنه: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وصلى الله على آله وسلم تسليماً كثيراً.

فصل في بعض ما ورد في فضائل الشام: قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: 81]. وقال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 21]. وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].

والأرض التي وصفت في القرآن بأنها مبارك فيها في الآيات السابقة، وأنها مقدسة، هي بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وهذه أرض الشام. إذاً القرآن دل على أن هذه الأرض أرض مباركة، والبركة تحل بكل ما فيها من الأعمال والمشاريع والأفكار إذا كان المراد بها وجه الله سبحانه وتعالى. فالبركة تحل على من ينزل فيها مريداً الخير، بخلاف من ينزل فيها يريد بها الشر والإفساد، فالأرض كما قال سلمان لا تقدس أحداً.

وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالها مراراً، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله، ففي عراقنا؟ قال: «بها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان». هذا حديث صحيح رواه البخاري والترمذي والطبراني.

هنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك في شامنا وفي يمننا» مرتين وثلاثاً وأربعاً، فالصحابة قالوا: يا رسول الله، وفي عراقنا؟ فقال: «بها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان». ما هو قرن الشيطان؟ اختلف شراح الحديث، وبعضهم قال قرن الشيطان يعني جماعته وأولياؤه يخرجون من العراق، وقال بعضهم رؤوس الكفر وأهل البدع يخرجون من العراق، وهذا حق وقع في التاريخ أن أغلب أهل البدع خرجوا من البصرة والكوفة؛ الشيعة والمعتزلة، وأصول الفرق خرجت من البصرة والكوفة.

والبعض قال إنها قرن الشيطان بمعنى أنها منشأ للضلالات، فمنها يبرز قرن الشيطان؛ يعني بها تنشأ البدع والضلالات، وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة. لكن هذا لا يعني باللازم أن كل من يقيم في تلك الأرض هو يكون من أهل هذه الصفات؛ فإن العراق أخرجت من العلماء الكبار، أحمد بن حنبل من أين كان؟ من العراق، وأبو حنيفة وغيره من علماء الإسلام الكبار كلهم من العراق. دائماً لما تسمع الكلام عن بقعة، لا تظن أن هذا يلزم أن كل ما يخرج منها يكون هكذا، بل قد يخرج منها الأفذاذ والكبار، ولكن يعني أن هذه البقعة قدرها الذي قدره الله لها أنها ستكون مكاناً للصراعات، وليس مكاناً للفتوحات، وذلك أمر الله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

فالله أراد أن تكون الشام هي خيرة الله من أرضه في آخر الزمان، وقدر أن تكون العراق يخرج فيها أصول البدع والفتن، ولذلك سيأتي معنا في بعض الآثار أن خيرة أهل العراق ينتقلون إلى أهل الشام في آخر الزمان، وأسوأ أهل الشام ينتقلون إلى العراق في آخر الزمان.

قال عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام». بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب، العز بن عبد السلام فسر عمود الكتاب بأنه الإيمان، يعني رأى الإيمان يحمل من تحت رأسه صلى الله عليه وسلم، قال: فأردت أن أنظر أين سيأخذونه، فظننت أنه مذهب به، يعني أن الملائكة سترفعه إلى السماء، فإذا بهم يأتون بالإيمان إلى الشام، قال: فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام.

يعني أهل الشام سيكونون أصوب عقيدة وأصوب منهجاً وأصوب مسلكاً وسياسة في التعامل مع الفتن في آخر الزمان عندما تخرج الفتن في جزيرة العرب وفي العراق وأفريقيا ومصر وما حولها، أفضل البلاد في التعامل معها وأكثرهم إيماناً هم أهل الشام، وهذا من أفضل المناقب التي قيلت في فضائل العيش في الشام. رواه الإمام أحمد وغيره، وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله: هذا حديث مشهور وإسناده عندي على رسم البخاري والله أعلم.

وروى الطبراني عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في المنام أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتن فالأمن بالشام». وروى أيضاً عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد يهوى به، فعمد به إلى الشام، وإني أولت أن الفتن إذا وقعت أن الإيمان بالشام». الإيمان بمعناه الكامل؛ الإيمان العقدي والفكري والابتعاد عن الشبهات، وأن أهل الشام علماؤهم سيكونون أجلى عقيدة وفكراً وسلوكاً من غيرهم من المناطق عند وقوع الفتن.

وروى أيضاً عن عبد الله بن حوالة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي عموداً أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، قلت: ما تحملون؟ قالوا: عمود الإسلام، أمرنا أن نضعه بالشام. وبينما أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله قد تخلى عن أهل الأرض، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام». فقال ابن حوالة: يا رسول الله، خر لي. قال: «عليك بالشام». ابن حوالة أحد الصحابة يقول: يا رسول الله، خر لي أين أعيش بعد وفاتك؟ فقال: «عليك بالشام». إذاً هذا يدل على أن بعض المناطق تفضل لخيرها وبركتها، ولم ادخره الله عز وجل فيها لأهلها.

وروى أيضاً من رواية عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده، فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه، ومن دخلها من غيرها فبرحمته».

هذا الحديث أيها الكرام، الشام صفوة الله من بلاده إليها يجتبي صفوته من عباده، هذا المقدار من الحديث صحيح؛ أن الشام هي خير أرض الله سبحانه وتعالى في آخر الزمان فسيجمع إليها خير الناس. قال: «فمن خرج من الشام إلى غيرها»، يعني الذي يترك أرض الشام ويذهب إلى مكان آخر فبسخطه، يعني أن الله سخط عليه، ومن دخلها من غيرها، ومن كان من أهل العراق أو الجزيرة فدخل إلى الشام وعاش فيها فبرحمته؛ حقيقة هذا المقدار ضعيف يعني من حيث الرواية الحديثية، لا يعني أنه 100% لا يصح، لكن المهم أن تعرف أن هذا الجزء من الحديث ضعيف، حتى ما تشوف واحداً بكره مسافر من الشام تقول له: تعال يا عم أنت فبسخط الله خرجت؛ يعني هو الحديث فيه ضعف، فأنت لا تسخط على الناس الله يرضى عليك، وأحياناً قد يكون بعض الناس معذورين.

وقال الإمام أحمد وحدثنا عبد الصمد قال حدثنا حماد عن الجريري عن أبي المشاء وهو ابن المشاء عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالشام».

هذا قلناه قبل قليل، حديث أبي أمامة لا تقوم الساعة حتى ينتقل أفضل أهل العراق إلى الشام ويسكنون فيها، وأسوأ أهل الشام سينتقلون إلى العراق؛ هذا يعني أن الشام أيضاً فيها أناس سيئون، مش معنى أنها خيرة الله من أرضه معنى كل الناس الموجودين خير وبركة، لا، فيها منافقون وعملاء وخونة وأشياء كثيرة موجودة في الشام، لكن هؤلاء يا كرام في آخر الزمان ينتقلون إلى معسكرات أخرى، إلى أماكن أخرى. لذلك هذا الحديث طبعاً حسن بطرقه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره: «عليكم بالشام»، وهذا التحريض الشديد من النبي عليه الصلاة والسلام بضرورة المكث في الشام يدل على أن الشام لها شأن كبير في آخر الزمان. هذا لا يعني أنه لن تكن فيها ملاحم ولن تكن فيها معارك، لكن يعني أنك تصطف في الاصطفاف الصحيح، بغض النظر ممكن تستشهد في الشام، ممكن تموت في معركة في الشام، لكن على الأقل أنني أموت مع الاتجاه الصحيح ولا أموت مع أهل الباطل، هذا هو مراد المؤمن والذي يبحث عنه المؤمن.

وعن خريم بن فاتك الأسدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل الشام صوت الله في أرضه، ينتقم بهم ممن يشاء من عباده». صوت الله في الأرض يعني أن الله يسلطهم على قتال الفاجرين، وما القتال في غزة اليوم إلا شكل من أشكال هذا الصوت، أن أهل الشام هم صوت الله في الأرض يعني كأنه سيف يسلطه الله على الفاجرين والكافرين والظالمين. لذلك ما يسمونه اليوم الشرق الأوسط، وهذه تسمية افرنجية، هي محل الصراعات عبر تاريخهم، وأكثر ما يخيف الغرب والشرق هو بلاد الشام.

وقال صلى الله عليه وسلم: «وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم». يدل على أن أهل الشام فيهم منافقون، لكن حرام على المنافقين في الشام أن يغلبوا المؤمنين، وهذا وعد، لن يغلب منافقو أهل الشام مؤمنيها.

وقال: «ولا يموت إلا غماً وهماً وغيظاً وحزناً». إن المنافقين في الشام سيموتون بغيظهم وهمهم وكمدهم عندما يظهر الإيمان في الشام وأهل العلم وأهل الخير والصلاح، المنافق لن يجد إلا أن يموت غيظاً وكمداً عندما يرى أهل الإيمان وطلبة العلم والشباب الصالح وهو يقبل على تعلم العلوم النافعة وعلى الارتفاع العلمي والمعرفي وملء المساجد والخير، سيموت المنافقون كمداً وغيظاً بإذن الله.

رواه حديث صحيح موقوف، ولا يصح مرفوعاً، ولكن حتى ولو صح موقوفاً هو في حكم المرفوع لأن هذا لا يكون إخباراً عن آخر الزمان إلا لشيء ورثه، لا يمكن للصحابي أن يقول هذا باجتهاده. كذا رواه الطبراني مرفوعاً، ورواه أحمد وأبو يعلى الموصلي موقوفاً. وعن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين». فساد أهل الشام فساد للجميع، وهذا والله أعلم إنما المراد به أنه إذا حصل يعني كأنه يقول: إذا فسد أهل الشام فسد غيرهم من المسلمين، فمعناه أن صلاح أهل الشام هو صلاح لغيرهم، وأنهم يؤثرون على غيرهم نوعاً ما.

قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة». رواه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي وابن ماجه والترمذي، من هم هؤلاء الطائفة الذين لا يزالون منصورين؟ لا يضرهم من خالفهم من أعدائهم ولا من خذلهم منهم، المخالفة تكون من العدو والخذلان تكون من الصديق، فلا يضر من خالفهم من أعدائهم ولا من خذلهم من أصدقائهم.

والترمذي قال حديث حسن صحيح، وعن عمير بن هانئ عن معاوية بن أبي سفيان أنه خطبهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال عمير: قال مالك بن يخامر يا أمير المؤمنين: سمعت معاذ بن جبل يقول هم بالشام. رواه البخاري وغيره.

مالك بن يخامر يقول يا أمير المؤمنين يقول لمعاوية بن أبي سفيان الذي رواه الحديث على الخطبة، معاوية ذكر الحديث على الخطبة، طبعاً هو مالك بن يخامر يريد أن يرفع من معنويات سيدنا معاوية فيقول يا أمير المؤمنين أنا سمعت معاذ بن جبل يقول هؤلاء في الشام، لأنه معاوية كان زعيم معقل خلافة معاوية في الشام، فهو يريد أن يقوي طرف معاوية ويمدحه أنه هؤلاء أهل الشام وأنت يا معاوية في الشام، فأنت بإذن الله من الطائفة المنصورة.

وروى محمد بن كثير عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة»، وأومأ بيده إلى الشام. رواه الحافظ أبو عبد الله بإسناده، والمعروف رواية قتادة عن مطرف عن عمران والله أعلم. المعروف أنه من رواية مطرف عن عمران بن حصين.

لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، إذا لن يهزم الخير في الشام، هذا وعد لن يهزم الخير في الشام، ظاهرين إلى يوم القيامة، إلى يوم القيامة حتى تأتي آخر شيء الريح تقبض أرواح المؤمنين، خلص عندئذ تقوم الساعة. إذا قبض الأخيار في الشام معناه ما بقي إلا شرار أهل الأرض، وعليهم تقوم الساعة يوم القيامة. نعم.

قال عن أبي صالح الخولاني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة». رواه أبو يعلى.

لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في مكانين: على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها، هذا يدل على أن دمشق هي معقل من معاقل الرباط في آخر الزمان، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق، وهذا الحديث حسنه الهيثمي رحمه الله تعالى عليه، وقال بأن رجاله ثقات وإن كان البعض يضعف هذا الحديث. نعم.

قال رواه أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي، وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا هاشم قال حدثنا عبد الحميد قال حدثنا شهر بن حوشب قال حدثتني أسماء بنت يزيد أن أبا ذر الغفاري كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد فكان هو بيته يضجع فيه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبو ذر رضي الله عنه كان ينام في المسجد، يخدم النبي عليه الصلاة والسلام فإذا فرغ ذهب إلى المسجد، هذا بيته الذي يأوي إليه. نعم.

قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ليلة فوجد أبا ذر نائماً منجدلاً في المسجد، فنكته رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله. منجدلاً يعني متسطحاً في المسجد بترابه. نعم. قال فنكته رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله حتى استوى جالساً. النبي صلى الله عليه وسلم رآه متسطحاً في المسجد فضربه برجله، فقفز أبو ذر الغفاري وجلس، قال حتى استوى جالساً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أراك نائماً». شيخك نائم يا أبا ذر! فقال أبو ذر: يا رسول الله فأين أنام؟ هل لي من بيت غيره؟ أنا لا أنام إلا في المسجد، مالي بيت، كان فقيراً. نعم، خاصة أنه ليس من أهل المدينة، أبو ذر من قبيلة غفار، لم يكن من أهل المدينة. نعم.

قال فجلس إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «كيف أنت إذا أخرجوك منه؟». النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أبا ذر بما سيحصل معه في المستقبل، قال: كيف أنت إذا أخرجوك منه؟ إذا جاء زمان سيخرجونك من هذا المسجد جبراً عنك، لما تصبح الفتن في زمن عثمان، ويقصد ما سيحصل بعد ذلك من الفتن، أنك ستضطر أن تخرج من المدينة في يوم ما. فماذا قال له أبو ذر؟ قال: إذاً ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة وأرض المنشر. نعم. قال: يا رسول الله إذا أخرجوني من المدينة أذهب إلى الشام، نعم فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء، فأكون رجلاً من أهلها. قال له صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا أخرجوك من الشام؟». قال: إذاً أرجع إليك. قال: إذا رحت على الشام وطلعوك منها؟ قال: إذاً أرجع إليك، برجع للمسجد النبوي، برجع للمدينة. طيب.

قال فيكون هو بيتي ومنزلي. قال له صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية؟». طب إذا رجعوا طلعوك من المسجد النبوي مرة ثانية؟ فقال: قال إذاً آخذ سيفي فأقاتل عني حتى أموت. يعني خلاص إيش أسوي؟ سأحمل سيفي وأقاتل إلى أن ألقى الله عز وجل، وهذا دلالة إخواني على كثرة الفتن، ودلالة أن ما سيحصل في المستقبل فتن شديدة يخرج منها الرجل من مكان وينتقل إلى مكان. نعم. قال فكشر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثبته بيده، قال: «أدلك على خير من ذلك؟». قال: بلى، بأبي أنت وأمي يا نبي الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك حتى تلقاني وأنت على ذلك». قال: ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أن أبا ذر سيدرك حكاماً مسلمين يكون بينهم اقتتال وفتن، أنه لن يدرك أناساً كفرة يقاتلهم. قال: أدلك على خير من أن تحمل سيفك فتقاتل؟ تنقاد لهم أي لحكامك حيث قادوك وتنساق لهم حيث ساقوك، لا تقاتل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن أبا ذر سيدرك من الحكام مثل الأمويين، وهؤلاء حكام مسلمون، وإن وقع اقتتال، تعرفوا الاقتتال الذي وقع بين الأمويين والعراقيين، وبين الحجاج وعبد الله بن الزبير، وهذه الفتن التي أحاطت بتلك المناطق، وإن كنا لا نحبها لكن ليس وظيفة المسلم أن يشارك في الاقتتال بين المؤمنين، وإنما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك قتال الفتنة. نعم.

قال كذا رواه أحمد وإسناده حسن والله أعلم. قال وقال محمد بن يحيى الذهلي: قال حدثنا محمد بن كثير الصنعاني قال عن معمر عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: قام رجل يوم صفين فقال: اللهم العن الشام! فقال علي: مه، لا تلعن الشام جماً غفيراً؛ فإن فيهم الأبدال. كذا رواه الزهري عن صفوان موقوفاً. يعني هنا بعض أنصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانوا يلعنون أهل الشام لأن أهل الشام قاتلوا علياً، ومع ذلك علي شوف الإنصاف قال: لا، حتى لو قاتلوني لا تسب أهل الشام فإن فيهم الأبدال. طبعاً الأبدال حقيقة هذا الحديث ضعيف، وكلمة الأبدال تطلق على الأولياء، ما معنى الأبدال؟ يعني الأولياء، فإن الشام فيها الأولياء. لكن هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل لفظة الأبدال؟ لا يوجد حديث صحيح أنه استعمل لفظة الأبدال لإطلاقها على الأولياء، وإن كانت أحاديث ضعيفة قواها بعضهم. نعم.

وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من وجه آخر مرفوعاً، قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا صفوان قال حدثني شريح يعني ابن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو بالعراق، فقالوا العنهم يا أمير المؤمنين! قال: لا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الأبدال تكون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يُسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب». قال هذا أيضاً كما قلنا أحاديث الأبدال لا يوجد فيها حديث صحيح، وإن كان هذا يعتبر من أفضلها، هذا الإسناد يعتبر من أفضلها، وأن هؤلاء الأبدال الذين يكونون في الشام هم سبب في أن يُسقى أهل الشام المطر، وسبب في أن يُدفع عنهم البلاء، لكن عموماً من حيث الإسناد الحديث فيه ضعف. نعم.

قال رواه هذا الحديث ثقة لكنه منقطع؛ فإن شريح بن عبيد لم يدرك علي بن أبي طالب. قال الحافظ: هذا الحديث رواته ثقات لكنه منقطع، أخذنا المنقطع البارحة في درس علوم الحديث، فإن شريح بن عبيد لم يدرك علي بن أبي طالب، فهناك انقطاع في السند أصلاً. قال الحافظ أبو عبد الله: لم أرَ في ذكر الأبدال حديثاً متصلاً أحسن من إسناد هذا الحديث. قال: هو وإن كان منقطعاً لكنه من أفضلها إسناداً في أحاديث الأبدال. نعم، كذا قال والله أعلم.

وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريته». ورواه الطبراني. طبعاً حديث ضعيف، يقول: دخل إبليس العراق فقضى حاجته، كيف أنت تقضي حاجتك في الحمام؟ يعني دخل العراق فقضى حاجته، ثم أراد أن يدخل الشام فطرده أهل الشام، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، يعني عاش وقعد وانبسط، وبسط عبقريته، يعني بسط رداءه، والعبقري يطلق على كل شيء نفيس، يعني بسط طرقه وأفكاره ومناهجه بأريحية في مصر. لكن هذا الحديث رواه الطبراني وفيه ضعف. نعم.

قال عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام». رواه أحمد. نعم، هذه ملحمة ستكون في آخر الزمان بين المسلمين وبين الصليبيين، وفسطاط المسلمين يعني معسكر المسلمين سيكون أين؟ في مدينة الغوطة الموجودة حالياً بجانب دمشق، ومعسكر الصليبيين سيكون في دابق قرب حلب، معسكر الصليبيين سيكون في منطقة دابق، ومعسكر المسلمين سيكون في منطقة الغوطة لهذه الملحمة. نعم.

قال رواه أحمد وأبو داود والطبراني. قال عن عوف بن مالك قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في خباء له فسلمت عليه، فقال عوف بن مالك: فقلت نعم، فقال: ادخل. الخباء مثل يعني الخيمة الصغيرة. نعم. فقلت أكلي أو بعضي؟ قال: بل كلك. فقال يا عوف، قال له ادخل، قال: أدخل كلي يا رسول الله ولا يدخل بعضي؟ يعني أدخل رأسي فقط؟ قال: لا، بل كلك، ادخل كلك جوا الخيمة. نعم. فقال: يا عوف، اعدد ستاً بين يدي الساعة، أولاهن موتي. فاستبكيت حتى جعل يسكتني. قال: اعدد ستاً بين يدي الساعة يعني من علامات الساعة، أولاً موت النبي صلى الله عليه وسلم. فجعل يبكي مجرد ما سمع موت النبي صلى الله عليه وسلم، لم يتخيل أنه سيفقد حبيبه عليه الصلاة والسلام. نعم. قال فاستبكيت حتى جعل يسكتني، ثم قال: قل إحدى، فقلت إحدى، والثانية فتح بيت المقدس. فتح بيت المقدس من علامات الساعة. قل اثنتان. قال: اثنتان. فقلت اثنتان، فقال: والثالثة موتان. موتان يعني موت كثير يكون في الأمة. نعم. والثالثة موتان تكون في أمتي تأخذهم مثل قعاص الغنم. مثل قعاص الغنم، قالوا هذا داء يصيب الغنم ويكون فيه عدوى شرسة فتموت منه الغنم، يعني كيف بعض الأمراض المعدية، فقعاص الغنم هذا مرض قالوا يكون في الغنم يسبب هلاكاً في القطيع كاملاً، وهكذا سيكون بعض الطواعين التي تكون في الأمة يكون فيها هلاك كبير.

نعم. قل ثلاث، فقلت ثلاث، فقال: والرابعة فتنة تكون في أمتي وعظمها. ثم قال: الرابعة فتنة ستكون في الأمة، أسأل الله السلامة والعافية. ثم قال: فعظمها، يعني فتنة شديدة. ثم قال: قل أربع، فقال: أربع. والخامس: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل لا يعطى المئة دينار فيسخطها. قل خمس. الخامسة كثرة المال، وهذا يدل إخواني أنه ليست الفتنة هي الفقر، بعض الناس هو خائف في المستقبل أنه يفتقر، ترى بعض العلامات تدل على أن المال سيكثر، لا تخاف الفقر خاف على دينك تسلبه، هذه الفتنة التي يخشاها النبي صلى الله عليه وسلم، أنك تصبح غنياً مش مهم، لكنك تخسر دينك هذه الكارثة. آخر شيء فقال: سيفيض المال في الشام وفي غيرها حتى إن الرجل تعطيه مئة دينار، اليوم تعطي شاباً مئة دينار ينبسط، فيأتي على ناس المئة دينار هي مثل الخمس قروش حالياً رح تصبح. نعم. قل خمس، فقلت خمس، فقال: والسادسة هدنة بينكم وبين بني الأصفر. فيسيرون، مصالحة بين المسلمين والروم، بنو الأصفر هم الصليبيون. نعم. قال: فيسيرون على ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً، فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها دمشق.

الآن في حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «ستصالحون الروم صلحاً آمناً، وتقاتلون أنتم وهم عدواً من ورائكم». إذا أردنا أن نجمع مع هذا الحديث، سنتصالح مع الصليبيين فترة، ونقاتل نحن مع الصليبيين عدواً من ورائنا، سنشترك معهم في مقاتلة عدو، اللي بيسموها التقاء المصالح، ستلتقي مصالحنا على قتال عدو، أنا لست مهووساً بإسقاط طبعاً أحاديث الساعة على طائفة معينة، لكن واضح أننا ستلتقي مصالحنا مع الصليبيين في دهر من الدهور على مقاتلة عدو مشترك الله أعلم منهم. قال: ثم بعد ذلك بعد أن نقاتل هذا العدو وننهيه سيغدر فينا الصليبيون، وسيأتون على اثني عشر ألفاً تحت ثمانين راية، قال: فيسيرون على ثمانين غاية، يعني ثمانين لواء، تحت كل لواء اثنا عشر ألفاً، ثمانون في اثني عشر كم؟ 360,000، يعني تقريباً 960 ألف يعني مليون، طيب مليون صليبي، طب من سيقاتلهم؟ جيوش الإسلام ستكون معسكرة كما قلنا في الغوطة، فسطاط المسلمين معسكر المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها دمشق. نعم.

رواه الطبراني بإسناد جيد. وعن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وفسطاط المؤمنين بالغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام». رواه الشيخ ابن حبان. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان قال حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: حدثنا رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستفتح عليكم الشام، فإذا خُيِّرتم المنازل فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة». ورواه ابن مردويه عن سماك عن عكرمة بن عباس.

هذا يدل على فضيلة مدينة دمشق وعلى ما فيها من الخير. وعن ابن عباس قال: ﴿رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قال: أنبئت أنها أنهار دمشق. ورد في بعض التفاسير أن ابن عباس فسر الربوة التي ذات قرار ومعين أنها دمشق وأنهارها.

فصل في ذكر أحاديث في أن الفتن نحو المشرق، من جهة العراق وما بعده. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان»، يعني المشرق. وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول: «ها إن الفتنة ها هنا، ها إن الفتنة ها هنا» ثلاثاً، «حيث يطلع قرن الشيطان». وفي لفظ آخر: «ألا إن الفتنة ها هنا» مرتين. وفي بعض طرق البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً، فأشار بيده نحو مسكن عائشة فقال: «ها هنا الفتنة» ثلاثاً، «من حيث يطلع قرن الشيطان».

أتوا إلى هذا الحديث عليهم من الله ما يستحقون، النبي صلى الله عليه وسلم أشار نحو مسكن عائشة وقال: «الفتنة ها هنا» ثلاثاً، فالرافضة ماذا شرحوا الحديث؟ أن الفتنة في حجرة عائشة، أن عائشة مصدر الفتنة والعياذ بالله! لا، وإنما أشار جهة حجرة عائشة لأنها جهة الشرق، أي أنها جهة العراق، مش لأنها حجرة عائشة؛ أصحاب الهوى عندهم أعاجيب في فهم الأحاديث.

وفي طريق أخرى قال: قام إلى جنب المنبر، وفي آخر: على المنبر. وعن ابن عمر رضي الله عنه أيضاً ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا»، قالها مراراً، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله ففي عراقنا؟ قال: «بها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان»، رواها البخاري والترمذي.

روى مسلم عن فضيل عن أبيه قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت عمر يقول لأهل العراق: كم تسألون عن الأشياء الصغيرة وتدققون في كل التفاصيل، وأركبكم من الكبيرة، في المقابل الجرائم الكبرى ترتكبونها؛ يعني تسألون هل دم القمل من محظورات الإحرام ولا لا، وتقتلون الحسين بن علي! ما في تلاؤم، ما أسألكم عن الصغيرة وتدققون في التفاصيل وترتكبون الكبائر وتقتلون المسلمين، ما في انسجام؛ فالأصل اللي بيدقق في الصغيرة أنه يكون ورع، أما أنك تسأل عن الصغيرة وترتكب الكبيرة، هذا يدل على خبل.

قال: سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الفتنة تجيء من ها هنا» وأومأ بيده نحو المشرق، «من حيث يطلع قرنا الشيطان». وروى الأعمش عن عبد الله بن ضرار الأسدي عن أبيه عن عبد الله قال: قسم الله الخير فجعل تسعة أعشاره في الشام وبقيته في سائر الأرض، وقسم الشر فجعل جزءاً منه في الشام وبقيته في سائر الأرض. رواه أحمد بنحوه.

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، أي نكتب القرآن في الرقاع ونجمعه، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى للشام». قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها». وهذا من أجمل الأحاديث والمناقب لأهل الشام من المناقب الصحيحة، لأنه في هناك أحاديث ضعيفة، لكن هذا من المناقب الصحيحة أن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام؛ ماذا تريد أماناً وخيراً أكثر من هذا الخير؟

رواه الإمام أحمد والترمذي والطبراني وإسناده على شرط الصحيح. وعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستخرج نار من حضرموت، أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس». قال: قلنا يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام». هذه آخر علامات الساعة الكبرى، خروج نار من اليمن تحشر الناس إلى أرض المحشر في الشام. رواه أحمد والترمذي وقال: حديث صحيح غريب.

وعن أبي إدريس الخولاني عن عبد الله بن حوالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً، جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن». فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله، قال: «عليك بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليسق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله». فكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث التفت إلى أبي عامر فقال: من تكفل الله به فلا ضيعة عليه. قال الحافظ: صحيح. وهذا الحديث أيضاً من أكثر الأحاديث القوية في مناقب الشام، وهو أن المسلمين في آخر الزمان سيكونون معسكرات، هناك معسكر سيكون في الشام، وهناك معسكر في اليمن، وهناك معسكر في العراق؛ فالصحابي يقول يا رسول الله أي معسكر تندبني إليه؟ قال: عليك بالشام، كن مع جند الشام ومع أهل الشام. طب فإن أبى، يعني إذا ما استطعت أو تعسر ذلك أو لأي ظرف، فاذهب إلى معسكر اليمن، قال: «وليسق من غدره». الآن وليسق من غدره، هل المراد وليسق من غدر اليمن ولا وليسق من غدر الشام؟ هذه محتملة حقيقة في شرح الحديث. الغدر اللي يشرب، الغدر جمع غدير وهو النهر والعيون، وليشرب من عيونه، والشام مشهورة بعيونها وأنهارها أكثر من اليمن، فلذلك يمكن خاصة أنه ماذا قال بعد ذلك: «فإن الله تكفل لي بالشام وأهله». فابو إدريس الخولاني الذي روى الحديث يقول لتلميذه: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه. إذا كان الله تكفل بالشام فالذي يعيش في الشام محتسباً، هذا الثواب لن يضيعك الله أبداً، ولن يضيع دينك وإيمانك ورباطك وثباتك بإذن الله.

قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: قال هذا حديث مشهور إسناده إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن عبد الله بن حوالة. وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: «ها هنا»، ونحى بيده نحو الشام. رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وهما يستشيرانه في المنزل، قال فأومأ إلى الشام، في المنزل يعني أين نذهب أين نسكن؟ فأومأ إلى الشام، ثم سأله فأومأ إلى الشام، ثم سأله فأومأ إلى الشام، قال: «عليكم بالشام، فإنها صفوة بلاد الله، يسكنها خيرته من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليسق من غدره، فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله». رواه الحافظ يحيى بن صعد بإسناده.

وعن فضيل بن غزوان قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة. سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الفتنة تجيء من ها هنا» وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، «وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض». وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأً، فقال الله عز وجل: «إن فتنة تجيء من ها هنا» وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، ثم قال: «وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض». وموسى عليه السلام ألم يقتل الرجل من بني فرعون من آل فرعون بالخطأ؟ ومع ذلك ماذا قال الله له؟ فقال الله عز وجل له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه: 40]، يعني أنت قتلت نفساً يا موسى بالخطأ، فنجيناك وتبنا عليك من هذا الغم، وأنتم يا أهل العراق، مش قتلتوا نفساً، قتل فيما بينكم في الفتن آلاف النفوس! إذا كان موسى يقول لهم ابن عمر، إذا كان موسى قتل نفساً واحدة خطأً والله يقول له فنجيناك من الغم والحزن والهم الشديد الذي أصابك بعد أن قتلتها بالخطأ، أنتم يضرب بعضكم رقاب بعض ولا تشعرون بأي حرج وبأي إشكال تجاه سفك الدماء، فهذا آخر ما نحن فيه؛ أخرجه البخاري من هذا الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه محطتنا الأخيرة أيها الكرام في مدارج العلم في موسمها الرابع لعام 1447 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً. نسأله سبحانه وتعالى أن يجعل كل كلمة تعلمناها في هذه المجالس الطيبة المباركة التي مرت سريعاً كمرور أعمالنا وحياتنا، أن يجعلها في ميزان حسناتنا يوم العرض الأكبر. نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا البركات والخيرات، وأن يجعل هذه الأعمال سبباً في ثباتنا على الدين، فإن الإنسان أيها الكرام يبحث عن مثبتات الدين في آخر الزمان، والعلم النافع والعمل الصالح من أعظم مثبتات الدين. إذا تريد الثبات على دين الله سبحانه، الثبات لن يأتي إلى منزلك، بل عليك أنت أن تطرقه وأن تذهب إليه، إياك أن تظن أنك ستثبت بدون عمل، وأنك ستثبت على دين الله بدون سعي، حتى ولو كنت في الشام، حتى ولو كنت في الشام، فإن الأرض لا تقدس أهلها.

إذا أردت أن تثبت على دين الله يا أيها الشاب ويا أيتها الشابة، يا أيها المسلم ويا أيتها المسلمة، عليك بمعاقل العلم، وعليك باجتماعات الصالحين، حتى ولو فهمت الأربعين، ليس إشكالاً، فأنت هنا تبحث في بعض الأحيان عن شيء أعظم من مجرد معلومة تستوعبها من كتاب؛ أنت هنا تبحث عن مكان آمن تأوي إليه بقلبك وبروحك وبإيمانك، مكان ينجيك من فتن الحياة وشهواتها، مكان لا يوجد فيه اختلاط ولا فحشاء ولا كلام يغضب الله سبحانه وتعالى، كلام ليس فيه التجريح والقدح والذم، وليس فيه الغلو والتمييع، وإنما فيه فيما نحسب والله أعلم الوسط والتوازن والسعي دوماً لأن نصل إلى مراد الله سبحانه وتعالى؛ هكذا نتعلم من مدارج، لأننا هنا نتعلم على موائد العلماء الكبار. في مدارج أنت لا تسمع كلامي وإنما تسمع كلام من سبق، تسمع كلام ابن المنذر وكلام أبي سعد المؤذن، تسمع كلام ابن تيمية وتسمع كلام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى عليه، تسمع كلام الأفذاذ وكلام الكبار وكلام العلماء، فعقلك يطبخ على موائدهم، وهم الذين يصوغون هذا الفكر، ويصوغون هذا المنهج، ويصوغون هذا القلب، وليس كلام الضعاف والصغار وأصحاب الذنوب والمعاصي.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في سعينا وفي عملنا، وأن يبارك في جهودكم وفي ثباتكم، وعلى ما أطلت عليكم في مثل هذه المجالس والدورات، لكنكم سترون أثر هذا بإذن الله، سترون أثر هذا في قلوبكم وفيما يبقى من أعمالكم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون أعمار خير، وأسأل الله سبحانه أن تكون هذه المجالس ثوابها وبركتها خيراً عميماً على جميع المسلمين، فإن هذا الخير والبركة يجد آثاره أيضاً من لم يحضره من عموم أهل بلدنا خاصة وعموم بلاد المسلمين عامة. ونسأل الله سبحانه أن تكون بركة هذه المجالس سبباً في تفريج الكرب عن إخواننا في غزة خاصة، أن يجعل الله سبحانه وتعالى لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً. نحن أيها الكرام نجلس هنا محر الصيف، ولكن هناك المكيفات والمبردات وأحياناً يشق علينا شيء من الزحام، وهناك إخوان لكم يقتلون ليلاً ونهاراً، أنت هنا تجلس وهناك من يقتل، أنت هنا تأكل وتشرب وهناك من يجوع ويعرى، أنت هنا بين أهلك آمناً وهناك من فقد أهله وأحباءه، وأنت لا تقدم شيئاً، على الأقل قدم نية صالحة، قدم هذا الثواب أن يكون سبباً في تفريج الكربات، فإن من أسباب التوسل الصحيح التوسل بالأعمال الصالحة، نعلم ضعفنا وقلة إخلاصنا، لكن نرجو في لحظة صفاء أحدنا أن يكون عمله الصالح في حضور هذه المجالس نتوسل به إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع الكربات والنكبات عن أهلنا في غزة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً، أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعذرنا على ضعفنا وقلة ما نقدمه لإخواننا الذين يقاتلون بالنيابة عن هذه الأمة وعن شرفها، وهم طليعة أهل الشام الذين قرأنا عنهم وعن سيرهم وأحوالهم ومن خيرهم فيما نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً. اللهم بارك لنا في هذه المجالس الطيبة المباركة، وخير ما يختم به هذا المجلس هو الدعاء والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الدعاء يرجى بركته واستجابته في ساعة الختام.

الحمد لله الذي هو دائم أبداً وليس لما سواه دوام. الحمد لله الذي لجلاله ولحكمته تتصاغر الأحلام. الحمد لله الذي لم يزل لا يستقل لعلمه الأفهام. سبحانه ملك تعالى جده ولوجهه الإجلال والإكرام. الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لك شكراً. إلهنا وسيدنا ومولانا، وجهك أكرم الوجوه، وجاهك أعظم الجاه، وعطيتك أفضل العطايا وأهناها، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، وتجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتغفر الذنب العظيم، وتقبل التوبة، ولا يجزي بأحد، ولا يبلغ مدحتك قول قائل. الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت.

والأمر أمرك والنهي نهيك، وأنت الله الرؤوف الرحيم. اللهم إن حسناتنا من عطائك، وسيئاتنا من قضائك، فجد يا إلهنا بما أعطيت على ما به قضيت.

اللهم إنا نسألك بكل اسم من أسمائك، وكل صفة من صفاتك، ألا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وأعنتنا عليها. اللهم املأ قلوبنا بحبك حتى لا يشغلنا عنك شيء. اللهم يا ربنا ثبتنا، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك. اللهم لا تسلبنا الإيمان وقد عرفتنا.

اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، خلقتنا ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نبوء لك بنعمتك علينا، فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. اللهم اغفر لنا يا غفار، واقهر أعداءنا يا قهار، واجعلنا من ذوي الأيدي والأبصار، وحرم وجوهنا ووجوه آبائنا وأمهاتنا على النار.

اللهم يا ربنا إنا نسألك بكل اسم من أسمائك وكل صفة من صفاتك أن تبارك لنا في هذا الختم المبارك. اللهم تقبله منا يا رب العالمين، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وانفعنا يا ربنا بما علمتنا يا رب العالمين. اللهم يا ربنا إننا قد درسنا خلال هذه الفترة على العلماء الربانيين في هذه المصنفات المباركة، اللهم اغفر لهم ما قدموا يا ربنا وما أخروا، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم يا ربنا ارفع درجاتهم في عليين، اللهم ثقل موازينهم بما كتبوه وعلموه يا رب العالمين.

اللهم بارك لنا في شيخنا يا رب العالمين، اللهم بارك لنا في شيخنا إبراهيم، اللهم بارك لنا فيه فإنه قد شرح وأوضح وبين، اللهم فجازه عنا خير الجزاء، اللهم عظم له أجره، اللهم كفر عنه سيئاته، اللهم امدد عمره في طاعتك، اللهم أحسن خاتمته يا رب العالمين. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولجميع موتى المسلمين يا رب العالمين.

إلهنا وسيدنا ومولانا، اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم ألقِ في قلوبهم حبك وحب نبيك صلى الله عليه وسلم وحب العمل الصالح، اللهم ثم ألقِ في قلوبهم بغض المنكرات والفواحش والسيئات ما ظهر منها وما بطن. اللهم اهدِ بنات المسلمين، اللهم اجعلهن هاديات مهديات، راضيات مرضيات، حافظات للغيب بما حفظ.

اللهم يا ربنا إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. إلهنا وسيدنا ومولانا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى من تكلنا؟ إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى قريب ملكته أمرنا؟ اللهم إنا نسألك أن تعفو عن تقصيرنا، إلهنا ما أحلمك على من عصاك، وما أقربك على من دعاك؛ من الذي دعاك فحرمته؟ ومن الذي توكل عليك فأسلمته؟ ومن الذي فر إليك فطردته؟ أنت الحليم الذي لا يعجل، والكريم الذي لا يبخل. اللهم ارحم ذل وقوفنا بين يديك، نرفع إليك أكف الضراعة، فاجعلنا من أهل الحوض والشفاعة، ولا تخزنا يوم تقوم الساعة.

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.

إلهنا وسيدنا ومولانا، إنا نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في غزة، اللهم كن معهم عوناً ونصيراً ومؤيداً وظهيراً. اللهم كن معهم ولا تكن عليهم، اللهم مكن المرابطين والمجاهدين من رقاب الصهاينة والصليبيين، اللهم مكنهم بتمكينك وأكْلِئهم بعينك التي لا تنام. اللهم إنهم بك يصولون وبك يجولون، ويعظمون أمرك ويكبرون اسمك، اللهم لا تخيب هذه الخطوات، اللهم سدد رميهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم ارحم ضعفهم، اللهم تولَّ أمرهم. اللهم إنا نستودعك غزة أرضها وسماءها، شيبها وشبابها، رجالها ونساءها.

وعليك باليهود الغاصبين، اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم اجعل الدائرة تدور عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم يا قوي يا متين، اللهم مزق الدماء في عروقهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم. اللهم ورحماك بأمة محمد، اشتد عليها البلاء واشتدت عليها الفتن، رحماك بها، رحماك بالضعفاء والمساكين والأسرى والمشردين يا رب العالمين. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولجميع موتى المسلمين يا رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد عدد ما أحاط به علمك، وخط به قلمك، وأحصاه كتابك، وارضَ اللهم عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

بارك الله فيك على هذا الدعاء الطيب المبارك، وحقيقة أود أن فقط أنبه على قضية، وأن هذا المكان ليس لي، هذا المكان ينبغي أن يكون فيه العلماء والصادقون من هذه الأمة. أنا أقول هذا الكلام أيها الإخوة؛ لأنه في عادة هذه الدورات بعد أن تُختم يأتي الإخوة يتصورون ويقبلون الرأس أو ما شابه ذلك، وإنني والله لست أهلاً لذلك. أنا أعرف من نفسي ومن حالي أنني لست أهلاً لأن يتصور معي أحد أو أن يقبل الرأس أحد، وإنما هذا المكان إنما جلست فيه لقلة من يجلس فيه، وإلا فالحق به أن يكون للعلماء الربانيين الراسخين الورعين الزاهدين. أما حال من أصحاب الذنوب والمعاصي ومن كثر خطؤه وغلطه وقل حياؤه، فإنما يجلس هنا لقلة الزاد، وإنما يبحث عن الثبات، وإنما نحن نتدارس هنا، فارحموا ضعف هذا الإنسان الذي يجلس بين أيديكم.

لا غبار مجاهد من مجاهدي غزة خير من الآلاف من أمثاله؛ هذا المجاهد الصادق الذي لا يبحث عن شيء من الدنيا، وإنما يبحث عن رضا ربه سبحانه وتعالى، ويخوض الغمار ولا يجلس أمام الكاميرات والشاشات، ولا يعرفه أحد إلا أن ربه هو الذي يعرفه. إن غبار أقدام هؤلاء لهو خير من الآلاف من أمثال من كثرت ذنوبهم وخطاياهم وقل زادهم، وإنما يبحثون في ثنايا هذه المجالس عن شيء يثبتون فيه إيمانهم وعلاقتهم بربهم سبحانه وتعالى، فلا تتبعوا، فإن الاتباع فتنة للمتبوع ومذلة للتابع.

اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. أحسن ختامنا، ويمن كتابنا، ونسألك كما جمعتنا في هذا المجلس الطيب المبارك أن تجمعنا في الفردوس الأعلى في مستقر رحمتك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، ونسألك ألا تجعل هذا آخر العهد بمجالس العلم، وقوموا إلى صلاتكم.

بسم الله، وعلى رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربي ذي الجلال، أكرم هذه الجموع بمدارسة الوحي علومه وآياته والوسائل إليه، فله الحمد تعظيماً وإجلالاً. سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب، وهبنا ونحن العبيد المفتقرون وصل السماء، فالصفحات شريفة، والهمم عالية، والمقاصد متجردة، فله الحمد إيماناً وإذعاناً.

اجتهاد النهار والليل أنسي، اذكر لي الشفاء وساعات درسي، صف لي نداوة من كتاب جاء في الشام في فضائل إرثي، وسل المقدسي للغير عنها، عن وصية هدي وإجماع أنسي. جمع الأحكام شيخ همام، تراه العصيمي يا حظ نفسي، وجواهر معقودة في فريد من سليم العقيدة من غير لبس. هل حلال من العيش يصفو لسعد، ووسائل تنجو بها كل نفسي؟ وعظ الدمشقي فهم النوايا، وشفتني الأربعين وعظاً مؤسي، كلما مرت الساعات تقضي مدارج فيها لنفع وغرس.

سبحان ربي علام الغيوب، كتب في اللوح منذ الأزل لأهل عمان ومن شاركهم خيراً كثيراً، فتعاهدهم بمن يصلحهم بالعلم ويربيهم بالتنزيل ويفقههم بالسنة، ولكم نقول هنيئاً. هنيئاً، هنيئاً، هنيئاً، هنيئاً، هنيئاً آل قرآني، حفظتم آية رحماني، وفضلتم تلاوته بحين الآن والآي. هنيئاً آل قرآني، حفظتم آية رحماني.

ويشرف المجلس ويطيب الكلام بذكر الحبيب المصطفى الإمام، فإليك منا يا سيد الخلق أزكى الصلاة وأتم السلام، صلوا عليه يا مشايخ، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، دكتورنا الشيخ المعلم المربي الجليل إبراهيم الطويل، أساتذتنا ومشايخنا الكرام من الضيوف ومن أهل الدار، طلبة العلم الفضلاء الأخيار، حضورنا الكريم، لما عز الختام تناقلت الذكريات مشاهد أيام الوصل، وسجلت الشاشات لنا ما سجلت من أسرار مجالسنا العشر المباركات، وراحت تحكي لنا قصة الموسم العلمي الرابع من مدارج العلم. وكان من تمام الوصل أن نقف معاً على ما أعده فريق مدارج العلم من مادة مرئية لختام هذا الموسم المبارك، نترككم مع هذه المادة.

قلب يملأه الشوق مستحضراً سؤال الله ملائكته عن المدارج، يا لهنائي ويا فوزي! توقفت عند قوله سبحانه: "وهل رأوني؟" فهمس قلبي: أي ربي هذا مناي، وتلك أعظم آمالي. تابعت المشهد بقلب اضطربت نبضاته حتى بلغت قوله جل جلاله: "أشهدكم أني قد غفرت لهم"، فهدأ قلبي، وسكنت روحي، وأزهرت في صدري جنة من اليقين لا تبلى.

خمس ساعات في ضيافة الرحمن، أه ليت شعري كيف يكون حال القلب إذا دام له هذا المقام؟ كيف به لو خالطته نسائم الرضا في كل حين؟ في كل مرة آتي إلى الدرس لا تفارقني تلك المعاني التي لطالما بثها فينا شيخنا عن مجالس العلم، أن الله معنا، مطلع علينا، ناظر إلينا، يسمع كل كلمة تتلى، وكل آهة ترجى. جليس من ذكره لا يرضى أن ننصرف من مجلسنا إلا بذنب مغفور وسكينة تملأ الأركان والقلوب. فهل بعد هذا الفضل أفرط في الدر المنضود لأجل دنيا تغر وتضر وتمضي؟

وأذكر نفسي أن هذا السعي تُحمد عقباه، وكيف بيوم نلقى الله وقد يقال لنا: "أنتم خاصتي وأهل مجالسي ومحبتي، ولكم ما شئتم من كرامتي"، فأي نعيم بعد هذا النعيم؟ وبأي وجه أتذمر أو أتكاسل أو أبحث عن الذرائع؟ لا، لن أسمح لوساوس الغفلة أن تتسلل إلى قلبي، لن أرضى أن يفوتني مجلس لله فيه نظر، ولروحي فيه عمر جديد. ومع كل هذا الخير ينبغي لي أن أحذر مفسدات الأعمال، فكم من ساعٍ خاب سعيه، وكم من عامل ضيع الأجر بالرياء أو العجب أو الغفلة، فلا أنا نلت لذة المجاهدة، ولا أُثبت في ديوان العاملين.

وها قد مضت عشرة كاملة، خرجت منها بقلب غير القلب، ونفس طهرتها العبرات وغسلها الذكر. وخاتمة القول، أما أنا فلا أطلب من الدنيا كثيراً إلا أن أكون من أولئك الذين جلسوا للعلم فشهدهم الله، وذكرهم في ملأ خير من هذا الملأ، ولا أرجو من الآخرة إلا أن أحشر مع أهلها، فإن كان في القلب بقية حياة فذاك من أثرها، وإن تنفست روحي في طرق العلم فذاك من أنفاس الجنة.

يا رب ما أعظم رحمتك إذ لم تجعل طريقك موحشاً، بل جعلت من عبيدك رفقاء، ومن مجالس جناناً، ومن وصلك فوزاً، ومن رضاك حياة، فمن وجدك فماذا فقد؟ ومن فقدك فماذا وجد؟ وهكذا طويت صفحة من رحلتي في مدارج العلم، وما كانت إلا محطة أثرت وبدلت ورفعت. لكن نور مدارج لم ينطفئ، بل سرى كالنور في الدروب فبلغ قلوباً في أقاصي البلاد، جاء أصحابها من وراء الحدود لا لشيء إلا ليشهدوا المجلس ويجاوروا الشيخ، ويعيشوا حلاوة اللحظة التي تذكر فيها الأرواح في الملأ الأعلى، فاستمعوا إليهم، إلى أولئك الذين لم تقطعهم عن المجلس المسافات.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اسمي فاروق بن أنوار بن حاجي شافعين من الفلبين. اسمي إدريس من جمهورية السنغال. اسمي مالك المصري، ومولود في أستراليا والأصول من فلسطين غزة.

بالنسبة لي المدارج ليست مجرد أيام عشرة من الدراسة، بل هي علم، بل هي عمر مكثف من العلم ومحراب تتزكى فيه العقول والقلوب. فالمدارج يتسع فيه الأفق، وتعرف وتترتب المعرفة، ويُستضاء به نور الوحي، فمن أراد الإفادة والاستفادة فعليه بالمدارج، لأن لها مصالح كثيرة المعنوية والحسية لطالب العلم. من الفوائد التي استفدناها من هذا المجلس تصحيح بعض المفاهيم حول بعض المسائل التي ربما أخطأنا في فهمها، ومن أعظم الفوائد تزكية النفس وتغذية الروح، إذ إن هذا المجلس لم يكن مجلس تعليم فقط، بل كان مجلس إيماني وتزكية، ومن أعظمها التمرن على المصابرة والمثابرة في سبيل التعلم، فجزى الله قائميها، وخاصة فضيلة شيخنا.

أثرت فيّ مدارج العلم تأثيراً كثيراً، فمنهم أنه أجبرت نفسي على القراءة الطويلة باللغة العربية، فبذلك اكتساب العديد من المفردات والمصطلحات، لله الحمد. إن خير ما تُقضى فيه الأعمار والأوقات مجلس علم ينتفع فيه من علم الشريعة، حيث تحفك الملائكة، وتتعلم الصبر، وتتعلم الرحمة بين الإخوة هنا في مدارج العلم، حيث نصبر الساعات والساعات في تعلم شيء من الفقه والعقيدة والتزكية.

وإن مما أثر فينا وصية الإمام الموفق ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى عليه، وهنا حيث تعلمنا شيئاً جديداً في العقيدة لمنظومة الشيخ الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى عليه. أي أثرت فيّ مدارج كندوة علمية، ما شاء الله تبارك الله بقوة الإيمان، بقوة العلم، وقوة الإدراك والفقه الإسلامي. مدارج ما شاء الله من اسمها تتدرج، تبني الطالب بدائياً ثم إلى أن يصل إلى القمم إن شاء الله. جزاه الله كل خير دكتورنا الحبيب الدكتور إبراهيم الطويل، الله يجزيه عنا كل خير، وأن يجزي عنا إخواننا في مدارج كل خير، الله يبارك فيه ويرفع قدره في الدنيا والآخرة. الشيخ إبراهيم حفظه الله، لقد أتيت من أستراليا لكي إن شاء الله تعالى أتعلم العلوم الشرعية عنده.

فمستعد لذلك بإذن الله تعالى. ماذا أقول في مدحكم شيخنا يا ترى؟ هل بقي للمدح أحرف وكتاب؟ كل الذي قيل في مدحكم ناقص، فأنتم العلى والباقيات. شيخنا نجمكم ساطع، لولاكم ما كان للعلم تلسم وحجاب. جعلتم لنا كل شيء بسيط، لن يبقى لنا بعد هذا اليوم.

أما شيخنا الفاضل فدائماً أقول: هذه الثمار التي جنيناها من مدارج تؤتي أكلها لولا فضل الله سبحانه وتعالى، والجهد المبارك، والأسلوب الحكيم، والتوجيه الرصين لشيخنا الفاضل الدكتور إبراهيم رفيق الطويل حفظه الله جل وعلا. وإلى شيخنا إبراهيم الطويل حفظه الله، نسأل الله العظيم أن يبارك في علمه وعمله الصالح، وأن يعيننا على ملازمته والانتفاع بما عنده من علم في الدارين.

جزاكم الله خير على حضوركم، شكر الله لكم. وختمنا مع الشيخ ونقول: قضينا مع شيخنا ومعلمنا عشرة أيام زادت على الخمسين ساعة، شرح لنا من المتون ما فتح الله به عليه، وأجزل لنا من عطايا العلم ما عرفنا به ربنا ونبينا وأمهات شريعتنا. فالله مولانا الودود نسأل أن يقبلكم ويتم نعمته عليكم، ويجزيكم خير ما جزى الصالحين المصلحين، والعلماء الصادقين الربانيين. فهم للطريق مشاع الأنوار، هم للنسيم عبيره الفوار، هم قادة رفعوا التميز راية، هم في العزيمة همة الأنصار.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. يا إخوان، كلمات معدودة، ما بقي شيء عندنا نقوله بعد الخمسين ساعة التي تفضل فيها الشيخ، إنما هي وصايا سريعة. طبعاً جزاهم الله خيراً، أنا هذا الفيديو لا أعرفه، وإنما جزاه الله خيراً أخونا المبدع أخونا منذر، بارك الله فيه وفي حرصه على الأداء الإعلامي المتميز. وإن كنت لا أقبل هذا المدح الذي قيل فيّ، خاصة شعر الأخ الفلبيني، فإنما قلت لكم: إنما أنا متشبع بما لم أُعطَ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من هؤلاء، وإنما نحن طلبة علم نبحث عن الثبات في ثنايا هذه المجالس. وإلا فهذا المقام كما قلت قبل الختام، هذا المقام ليس لي، هذا المقام للعلماء الكبار. هذا المقام الأصل أن يكون فيه علماء راسخون يعلمون الناس الخير، وإنما نحن متطفلون على موائد الكبار. إنما نحن أناس حصلنا معلومات قليلة ورافقنا المشايخ، فكثرت ذنوبنا وخطايانا، ولكن فاض الله علينا بشيء من بركة علمائنا من أصحاب الصدق، وممن تربينا على أيديهم. وها نحن اليوم نشكرهم من علماء المدينة وأهلها، وممن تربينا على أيديهم في مختلف البقاع. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم مشايخنا وأساتذتنا ومن علمونا وربونا. وإنما نحن ندرج ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا علماً، وما نجهله أكثر بكثير مما نعلم. ومن قال قد علم فقد جهل، ومن ظن أن العلم إنما يكون بمجرد التدريس وبمجرد التصدر فقد خاب، وإنما العلم هو الخشية. العلم هو الخشية، وكثرة ذنوبنا وخطايانا تجعل الإنسان يستحيي، والله أيها الكرام، أن يقف بين أيدي هذه الوجوه المتوضئة وبين حضرة مشايخنا وأساتذتنا من الدعاة المبدعين، ولكن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجبر العثرات وأن يغفر الذنوب.

إخواني أيها الكرام، علمتني مدارج قضية، وهي أن الإنسان عليه أن يبدأ ولا ينتظر الفرص. إذا أردت أن تقيم أي مشروع في الحياة، وإذا أردت أن تبدأ في أي برنامج علمي مع إخوانك في الله سبحانه وتعالى، لا تنتظر أن تأتي الفرصة المناسبة، بل عليك أنت أن تصنعها. ظروف الحياة ومقومات الحياة التي نمر بها اليوم متسارعة، الحياة اليوم ثقيلة إخواني، بل الحياة متسارعة أستطيع أقول بشكل مرعب. لو أردت أن أنظر في حياتنا وحياة السابقين، تسارع الحياة المعاصرة وطبيعة الناس والنفوس والبشر تجعل الإنسان يضيع بين هذا الزحام، ويضيع بين كثرة الأشغال، ويضيع بين كثرة المناهج والفرق والرجال والآراء والأحزاب والجماعات. فتجد نفسك يا من تبحث عن الثبات في ثنايا هذه الحياة ضائعاً بين دوامة: مع من أذهب؟ وإلى أين أذهب؟ وكيف أبدأ مشروع العلم؟ وهل الحياة ستسعفني أن أصبح أكبر وأكبر؟ علمتني مدارج أن أبدأ، وأن أخطو ولو بالعدد القليل، فالله سبحانه وتعالى يبارك. لا تنتظر أن يتزاحم الناس عليك، ولا تنتظر أن يقال فلان عالم حتى تعلم، وإنما ابدأ بما عندك من الخير القليل وحاول أن تترك أثراً طيباً. لو أننا فكرنا بما يمكن أن يحصل وبتبعات إقامة مثل هذه المجالس في يوم من الأيام، لما خاض الإنسان هذا المعترك. لو أن الإنسان سيفكر كثيراً بالمخاوف والتحديات والأمور المالية والمعنوية وأشياء كثيرة، لما وصلنا إلى مدارج في موسمها الرابع. نحن اليوم نسدل الستار على موسم مدارج العلم في نسختها الرابعة بعد أعوام أربعة مضت، شرحنا فيها كما قلنا ما يقارب أكثر من 35 مصنفاً، أنت تتكلم في 40 يوماً هي مدة مدارج في مواسمها، نتكلم عن 35 مصنفاً بمعدل مصنف أو أقل من مصنف في اليوم، وهذه بركة عظيمة في حياتكم.

إذاً أيها الكرام، هذا للأجيال اللاحقة أقوله ولمن سيحمل لواء الدعوة من هذه الوجوه المتوضئة: لا تنتظر الفرص، امضِ في أي باب سخرك الله عز وجل فيه، أي أثر طيب تستطيع أن تتركه في جامعة، في مسجد، في حي، مع أي إنسان، لا تشترط أن تكون عالماً؛ فنحن لسنا علماء، هذا هو الواقع والحقيقة، نحن لسنا علماء، إنما نحن طلبة علم ندرس الكتب ونتعلمها على مشايخنا، ثم نكبر قليلاً ونحاول أن نعلمكم لعل الله عز وجل يخرج من أصلابكم العلماء الكبار الذين يحملون هم هذا الدين ويرفعون رايته. أيها الكرام، غداً لن تجدوا مجلساً هنا، اليوم المكان ممتلئ، هذه القاعة ممتلئة والقاعة التي بجانبنا ممتلئة وفي الأعلى النساء، امتلأنا الحمد لله يسر به الإنسان، لكن غداً ربما تجد فجوة نفسية في حياتك بعد ضغط الأيام العشر وهذه المجالس المطولة. واعتدت عادة جيدة أن تجلس ست ساعات، هو الموضوع أربع ساعات بس إحنا قعدنا ست ساعات تمام، تجلس ست ساعات يومياً تقرأ في مختلف العلوم، أنت بدأت تكتسب العادة، هذه العادة إياك أن تذبل. كثير من الشباب يبدأ اكتساب العادات الحميدة في حياته، لكنه عندما يفقد من يتابع معه تذبل هذه العادة. لا، العلم والقراءة والاهتمام عادة، أنت بدأت تعلمها هنا، وأنت بعضكم من الموسم الأول معنا وبعضكم من الموسم الثاني، الأصل أن غداً أيضاً يوم للعلم وما بعده يوم للعلم، ولا يوجد عندنا راحة، الراحة كما قال أحمد بن حنبل: عند أول قدم تضعها في الجنة، ما في الحياة الدنيا لا يوجد فيها راحة، ومن أراد المعالي عليه أن يثبت وعليه أن يصبر.

الأسبوع القادم إن شاء الله سنبدأ دورتنا الجديدة صمام أمان يوم الأحد والأربعاء في محركات الأفكار والشبهات الفكرية، ونبدأ نتكلم في موضوع آخر. لا تبقَ تفكر في قضية أنني انتهيت من دورة لا أحتاج إلى شهر حتى أعود من جديد إلى دورة أخرى، تعرف هذا الشهر ستموت أجل البركات التي تعلمتها أنت هنا، بدأت تشكل حياة جديدة وصحيحة ومستقيمة، لا تجعل هذه البذرة أو هذه الفسيلة تذبل، رزقها بالاستمرار في حضور مجالس العلم، إياك أن تسوف وأن تؤجل وأن تعتقد أن في الحياة مساحة للراحة، لا راحة لمن يريد أن يصل بهذه الأمة إلى المعالي ولمن يريد أن يترك اسمه في ديوان الأكابر. أيها الكرام: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. أنا حريص في نهاية كل دورة مكثفة أن نقيم مجلس الختام حتى أشعر -خاصة الشباب الجدد في هذه الميادين- قيمة أن يفرح الإنسان حتى بالمنجز اليسير حتى بالأيام العشر، شيء ممتاز، علينا أن يحفز بعضنا بعضاً، وأن ينمي بعضنا بعضاً هذا الخير في داخلنا وفي داخل الجيل. ما كنت أتوقع أن أمثال هؤلاء الشباب الصغار والكبار يحضرون مثل هذه المجالس، وهذا أقوله من داخلي أنا، ما أعلم أن مثل هذا بلد كان فيه مثل هذا، لكن الله سبحانه وتعالى يقودكم ويسوقكم بفضله هو وبمنته هو وبكرمه هو، ويسخر للشام هذه الأرض المباركة، يسخر فيها مجالس علم لعلها تصنع في قلوبكم شيئاً، فأنتم قادة للمستقبل ودعاة للجيل. رغم التحديات ورغم الصعوبات والعقبات، سيخرج من أصلابكم بإذن الله من يوحد الله سبحانه ويحمل هم هذا الدين، ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته.

أختم بشكر أيضاً كل من دعم ووقف مع هذه البرامج العلمية، فإنني أعلم أن هناك رجالاً من بينكم يقفون بالدعم المادي والوقوف الحقيقي وراء استمرار هذا الخير، فهذا الخير لا يستمر بالجسد بل يحتاج إلى المال قبل الجسد أيضاً. أشكر كل من عمل من الفريق الإعلامي جزاهم الله خيراً، عشرة أيام متوالية قطعوا أعمالهم وأعمارهم وأتوا ليكونوا حاضرين بينكم. الإخوة جمهورية القوقاز الله يكرمهم، والإخوة أيضاً ممن يعملون في تنظيم هذا المجلس وإدارته من الأمور المالية والأمور اللوجستية والطعام والشراب وما شابه ذلك، حقيقة هم رجال وشباب أفذاذ قطعوا من أعمارهم وحياتهم ليكونوا في مستوى عالٍ جداً في تقديم هذه الدورة الطيبة المباركة التي تواعدنا عليها، جزاهم الله كل خير. ولا أطيل فنحن في شوق للسماع من مشايخنا وأساتذتنا لنتعلم منهم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تكبير، الله أكبر.

هم للطريق مشاع الأنوار، هم للنسيم عبيره الفوار، هم قادة رفعوا التميز راية، هم في العزيمة همة الأنصار. هم للطريق مشاع الأنوار، هم للنسيم عبيره الفوار، هم قادة رفعوا التميز راية، هم في العزيمة همة الأنصار.

الله يحفظكم، جزاكم الله خير شيخنا، كتب الله أجركم.

بسم الله، جزاكم الله خير شيخنا وكتب الله أجركم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلتم، اللهم آمين. حل علينا الليلة من أضيافنا أصحاب الكلمة الطيبة وأهل العلم والفضل وفرسان الميادين الفكرية والدعوية، ونحن إذ نشرف بهم وبحضورهم، أفسحنا لهم من صدر الكلام متسعاً، وقدمناهم لعل الله قد كتب لنا حظاً من النور نقتبسه مما يجودون به علينا. شيخنا الداعية الدكتور محمد الطرايرة، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم، تفضلوا فالكلمة لكم.

السلام عليكم. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. والله أنا وددت أني أثني على شيخنا الشيخ إبراهيم بما يستحقه، وأجعل ثناء موصولاً لكم على هذا الصبر والجلد، وأثني على فضيلة الأستاذ قصي الله يحفظه صاحب القلم السيال، ولكني أتجاوز هذه الفكرة بعد إذنكم؛ فأنا أحب أن الشيخ إبراهيم لا يحب ذلك، وكل واحد فينا هو أدرى بنفسه، وإنما المرء فينا بتوفيق الله أولاً وآخراً، وانتهى، نقطة خلاص. والتزاماً مني بالوقت، أنا والله حضرت كم عبارة عن ترجمة عبد الله بن المبارك بعون الله تعالى عشان ألتزم بالوقت وما أطول، أستأذنكم في أن تكون القراءة سردية ما استطعت. عبد الله بن المبارك هو مولود سنة 118 للهجرة، متوفى سنة 181 للهجرة، يعني عاش 63 سنة، وهو من خراسان، أبوه وأمه من تركمانستان وأوزبكستان، الأب تركمانستاني والأم من أوزبكستان، وهو علم من الأعلام في الحديث، صاحب كتاب الجهاد وصاحب كتاب الزهد، وله مسند ابن المبارك. قال الإمام الذهبي روى بروايته عن ابن المبارك أنه قال: حملت العلم عن 4000 شيخ، فرويت عن 1000 منهم. سمعت نعيم بن حماد يقول: أبو نشيط، قلت لابن مهدي: أيهما أفضل ابن المبارك أم سفيان الثوري؟

-مين أفضل؟ تعرفوا سفيان الثوري علم- فقال ابن مهدي: ابن المبارك أفضل. يقول: قلت إن الناس يخالفونك يقولون لا سفيان الثوري أفضل، فقال: إنهم لم يجربوا، ما رأيت مثل ابن المبارك. يقول سفيان الثوري نفسه: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام بس ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر. لو بدي أعيش عيشة ابن المبارك ثلاث أيام في السنة ما بقدر. وأخرج الخطيب البغدادي بإسناده إلى الحمادين حماد بن سلمة وحماد بن زيد، قال: كان ابن المبارك يتجر في البز، يعني في تجارة الثياب، وكان يقول: لولا خمسة ما اتجرت. ابن المبارك من صفاته أنه كان غنياً جداً، يعني أمواله تقدر في أيامنا بالملايين، وكان يتجر وربي يبارك له في تجارته مباركة عجيبة، وكان ينفق على المشايخ والعلماء في مختلف بلاد العالم الإسلامي، لأنه صاحب رحلات كثيرة، فيقول: لولا خمسة ما اتجرت، قيل من الخمسة؟ قال: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ومحمد بن السماك وإسماعيل بن علية.

قال الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، قال: ذهبت لأسمع من ابن المبارك فلم أدركه، وكان قدم بغداد فخرج إلى الثغر، ولم أره؛ لأنه من خصاله أنه ما كان يجلس عن ثغر أيضاً، ثغر من ثغور الجهاد المقصود. طلبوا للعلم، وهذه العبارة السريعة يا شباب، قال أبو صالح الفراء: سألت ابن المبارك عن كتابة العلم -يعني أنا وأنا جالس والشيخ إبراهيم يعلق عن كتابة العلم- فقال: لولا الكتابة ما حفظنا. قال ابن المبارك: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، وأشار إليها شيخنا في كلمته. قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك إذا أنت صليت لما لا تجلس معنا؟ -كان ما يقعد مع الناس كثير- فقال: أجلس مع الصحابة والتابعين أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس. سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة وأصحابه، مين خزيمة هذا؟ من أمراء.

الظلمة أعوان الظلمة. قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم، يستأكلون بدينهم؛ يأخذون دينهم للدنيا حتى يصيروا يمدحونني وأكون في الصدر وهكذا. قيل لابن المبارك: إلى متى تكتب العلم؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع منها لم أكتبها بعد. وقيل له بالشام، وكان صاحب رحلات: إلى كم تطلب العلم؟ قال: أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت، أليس يقال إن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في الماء؟ أفلي ما ترك؟ معقول أترك شيئاً زي هيك أنا؟ وقال أيضاً: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.

قال ابن المبارك: حب الدنيا في القلب والذنوب احتوشته، فمتى يصل الخير إليه؟ ومن فقهه قبل أن أختم، قال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة، هذا واحد جاء لابن المبارك، أنا قرأت القرآن في ركعة قمت الليل. فقال رحمه الله: لكني أعرف رجلاً -طبعاً يقصد نفسه- لم يزل البارحة يكرر ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] إلى الصبح، ما قدر أن يتجاوزها. يعني نفسه وهو يقف مع ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، آية تدبر، تدبر.

كان ابن المبارك كما يقول نعيم بن حماد، كان إذا قرأ كتاب الرقاق يعني الرقائق والمواعظ، كان يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء. لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه. رؤي في المنام لما مات، لما مات رؤي في المنام يقول صخر بن راشد: رأيت عبد الله بن المبارك في منامي بعد موته فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى. قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب. قلت: فسفيان الثوري؟ قال: بخن بخن، ذلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وقال الفريابي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله، ما فعل ابن المبارك؟ قال: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. قلت: فما فعل وكيع؟ فحرك يديه فقال: أكثر وأكثر، يعني رفع في المقام عند الله أكثر وأكثر. لما مات ابن المبارك بلغ هارون الرشيد الخبر فقال: مات سيد العلماء، مع أن ابن المبارك وهارون الرشيد ما كانا على وفاق، ولكنه مع ذلك قال: سيد العلماء مات. لن أعلق كثيراً على هذه العبارات، فأظنها وحدها قد وصلت.

سلام عليكم أهل العلى من أظنكم خلائق أن تحلوا كراماً وتنصروا. مضى زمن التنويم يا قومي وانقضى، ففي الحي إيقاظ على الحي تسهروا. صحوتم وأدركتم وباتت نفوسكم من العيش إلا في ذرى العز أنتم. الآن مجالس العز لا تنزلوا للدون، أنتم الآن في ذرى العز تسهروا. شباب العلى الميمون إني أناشدكم بالله أن تتذكروا. عليكم حقوق للعباد أجلها تعهدكم بالعلم، فالروض يقفر. ولا تياسوا ما خاب أصحاب ملة إذا ما تواصوا بينهم ثم شمروا. وما ضاع حق لم ينم عنه أهله، ولا ناله في العالمين مقصر. إذا الله أحيا أمة لن يردها إلى الورى قهار ولا متجبر. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله يجزيكم الخير.

جزاكم الله خير دكتور محمد، وأحسن الله إليكم، شكر الله لكم. معنا مشايخ فنون الكلام تستميل القلب ولذيذ الإيقاع تطلبه النفس، ولنا في توليف الكلمة إلى الكلمة سوق وباع، وعندنا من جميل النغم ما يأسر فتندى به الأسماع، ففريق روح مجلسنا وأنسنا يقدمون أعذب ما نسجته حناجرهم وأجمل ما حملته السطور من الكلمات. تفضلوا مأجورين.

قلبي ينادي يا رب، صاح يا هادي يا رب قلبي ينادي يا رب، صح يا هادي يا رب ربي. يا ربي يا رب أنت عوني، أنت حصني، أنت غوثي، أنت أمني، لست أرجو غير أني في القيامة تعف عني. ففي القيامة ما أرجو السلام، وفي الختام جنة عدني، ففي القيامة أرجو السلام، وفي الختام جنة عدني. ربي ربي قلبي ينادي يا رب، صاح يا هادي يا رب قلبي ينادي يا رب، صح يا هادي يا رب ربي ربي ربي ربي يا ربي يا رب رحماك يا رب العباد، رجائي رجائي ورضاك وصلي فاستجب لدعائي. رحماك يا رب عبادي رجائي رجائي ورضاك قصدي فاستجب لدعائي، وحماك أبغي يا إلهي راجياً منك الرضا فجد بولائي.

الله الله الله، ما لنا مولى سوى الله، كلما ناديت يا رب قال يا عبدي أنا الله. آه يا سريع الغوث غوثاً منك يدركون سريعاً، يهزم العسر ويأتي بالذي نرجو جميعاً. الله الله، ما لنا مولى سوى الله، كلما ناديت يا رب قال يا عبدي أنا الله. قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري، فدعائي وابتهالي شاهد لي بافتقاري، قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري.

سيروا هداة يا منا العدا، تعالوا نعد ماضياً سيداً. ألسنا الدعاة ننير المدى؟ بنا لطه مددنا يداً. فهيا نعد ماضياً مشرقاً، ألسنا الذين دعانا الورى فكنا إليها كنور سرى؟ وتوجنا الدهر لما درى، فعم هدانا جميع الورى، فهيا نعد ماضياً مشرقاً.

يا أهل غزة تكبيروا، نعم الجهاد جهادكم، شرف قدراكم، سيف للقدس سيفكم، أهل الكرامة أنتم، ما يضام شهيدكم، النبي محمداً في كل غزو سيفكم، يلقى المهانة كل من شهر العداوة ضدكم، أهل الجهاد أحباتي، الله أعظم أجركم. شهدائنا تشفعوا علينا، يا مكرمين بجنات، فيض الوجوه وجوهكم، جنات عدن زخرف، النبي شرابكم، عين النعيم تهيأ، الثياب ثيابكم، شهدائنا تشفعوا علينا.

يا رب البرية هذا افتقاري، قل اصطباري زاد اضطراري، طال انتظاري فمتى فرج الله؟ حال المسلمين يدمع العينين، غزة وفلسطين يعلوها الأنين، يا رب الكونين ارحم يا الله. إن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما نتمنى، وتهب للدرجات العليا يا ذا المنة يا ربي. لا حول ولا قوة إلا بك يا ذا القوة قوتي يا مولى، أبعد واصرف عني الجهلة يا ذا المنة يا ربي.

يا يائي حين ألاقي في الجنة صحبي ورفاقي، فرحين بنعم الخلاق. يا ذا المنة يا ربي إن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما نتمنى، وتهب للدرجات العليا يا ذا المنة يا ربي. قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري، فدعائي وابتهالي شاهد لي بافتقاري. يا إلهي ومليكي، أنت تعلم كيف حالي، وبما قد حل قلبي من همومي واشتغالي، فتركني بلطف منك يا مولى الموالي، يا كريم الوجه غثني قبل أن يفنى اصطباري.

سوف نبقى هنا كي يزول الألم، سوف نحيا هنا سوف يحلو النغم. فضلكم يا والدي عمّني حتى اللجم، كل هم قد أصابنا زادكم بالطبع هم، إن كل ما جنينا من جهودكم نجم، ووالدي خير عون كان لي عند المحن. أنت يا من تملكين جنة تحت القدم، كل ألفاظ لساني كل شكر قدره، اجمعوا كل المعاني من عراب أو عجم، لا توافي شكركن لا تجاوز العدم.

طيب مشايخ جزاكم الله خيراً، روقتم وانبسطتم، بس الصوت الله يجزيكم خير ما شاء الله، جزاكم الله خيراً يا شباب، أبدعتم نسأل الله أن يكتب أجركم ويبارك فيكم. ننتقل الآن إلى الفقرة التالية، حضورنا الكريم هي الفقرة التي ترتجف لها قلوبكم شوقاً، ولا زال جيدها يعلو ويعلو في انتظار سيدها وصاحبه بها، فللكلمة أرباب والصدق ميدان التنافس، ولا نحسبكم صاحب فقرتنا إلا على خير وصدق. عسى الله أن يقبلكم وينفع بكم، أستاذنا قصي العسيلي، وعسى الله أن يجعل اسمكم علماً على فعلكم كما هو علم عليكم، فقد أخصبتم الشباب عما لا يليق بهم، وعسلتموهم بما يرضي ربهم عنهم، نفع الله بكم، تفضلوا فالكلمة لكم.

السلام عليكم ورحمة الله، الصوت واضح؟ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ومن سار على دربه وتمسك بخطاه إلى يوم ألقاه. صلوا على رسول الله. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقه قولي. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

حياكم الله، لن أطيل عليكم بعد كل هذه الكلمات ما شاء الله تبارك الرحمن، صدقاً ليس للإنسان أن يتكلم في هذا الموضع وهو ليس أهلاً لأن يتكلم فيه، لكن يحاول الإنسان أن يتكلم بضع كلمات لعلها تترك أثراً في قلب أحدكم فيحيي هذا القلب قلوباً، لأن الواحد منكم إن صدق الله فهو أمة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120]. نسأل الله أن يتقبل منكم هذه الأيام وهذه اللحظات وهذا الطلب، لأنكم صدقتم الله في قلوبكم لعلكم تجدون ثمار ما صدقتم الله به، ولعلكم تجدون بعد كل هذا التعب جزاءً يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفرح به في هذه الجهود الطيبة المباركة.

نشكر شيخنا، نشكر دكتورنا على ما قدموا الشباب على ما أبدعوا بارك الله بكم، لكن هنا الآن ليس ميدان مجاملة ولا كلام ولا مديح ولا أن نصف الكلمات كلمة بعد أخرى، إنما هنا لنحمل الواحد منكم مسؤولية ما فعل ومسؤولية ما عمل وما أنجز، اليوم تبدأ المكابدات واليوم تبدأ المجاهدة حتى نصل بإذن الله إلى المشاهدة، أن يشاهد الإنسان نتاج هذا الثمار وهذا التعب وهذا البذل، وهذا البذر الذي بذرتموه اليوم ترون حصاده غداً حصاداً يسركم بإذن الله تعالى.

كونوا على علم أن الآن بدأت مدارج، تذكرون في اللقاء الماضي كما قلت لكم أن اللقاء يبتدئ في اللحظة الأخيرة منه، هنا بدأ الآن يذهب الواحد منكم لميدانه وثغره وحياته وتفاصيله، لكن تبدأ مرحلة المكابدات، كل ما أخذتموه واقتبستموه وكتبتموه اليوم هنا مرحلة مكابدة بين صدر ونفس وخلوة وإخلاص. اليوم تكابدون المعاني التي أخذتموها طوال أيام ماضية، هي ليست قبسات تكتب على الدفاتر، وليست خواطر تحفظ في العقول، وليست كلمات مؤثرة ترقق الدمع وتنزله على الوجنتين، إنما هي كلمات محركة كاتبة ليعلم الواحد منكم أنه على ثغر، فاسألوا الله أن تكونوا على ثغر يحبه الله ويرضاه، فاليوم تحملون مسؤولية وأنتم حمال الرسالة، وما كان لحامل الرسالة أن تكون له يد متراخية، وما كان له أن يكون صاحب كتف مائل، إنما أنتم الأمل بإذن الله تعالى لهذه الأمة.

الأمة التي تحتاج إلى شبابها، وأكتافهم، وصبرهم، وصدقهم، وإخلاصهم في زمن قل فيه ما نطلب وقل فيه ما نجد، فكونوا أنتم الأمل لأمة تنتظر خطاكم. اليوم تبدأ المكابدات يا شباب، ما أخذتموه وفاتنا، ما سجلتموه وضاع علينا أنتم سبقتمونا فيه، وأنتم أهل السبق، وليس بجديد على أهل غراس. لكن هذه المسؤولية التي حملتموها اليوم هي مسؤولية المكابدة، ما أخذتموه تنزلونه على أرض الواقع، يجب أن يظهر على ملامحكم وفي تفاصيل حياتكم وفي بيوتكم؛ لأن طالب العلم أول تأثير يؤثره على أقرب الناس إليه، على أهل بيته، على من يحب، ثم تتبع ذلك دوائر التأثير تتسع ثم تتسع.

فأنتم اليوم في ميدان مكابدة، ثم ميدان المجاهدة: أن تجاهدوا أنفسكم على إخلاص سألتم الله عليه، أن تجاهدوا قلوبكم على صدق طالما رجوتموه، أن تجاهدوا أنفسكم على أن لا يفتن الواحد منكم بمجلس تابعه، وكلمة كتبها وكتاب حصل عليه. إنما أنتم الله أعلم بصدوركم وقلوبكم وما فيكم، فجاهدوا أنفسكم حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، تخيل أن تكون في ميدان الثبات ثم تزل قدمك. وختامًا لأنه الهدايا دخلت فالآن العقول فصلت.

صلوا على رسول الله، بعد مكابدة ومجاهدات تكون المشاهدة؛ ألا وهي ثمار هذا التعب. تعرفوا شو الشيء الذي يعجبني جدًا في غراس؟ غير 100 شيء أجاوزها، أذكر شيء: ما في راحة، صدقًا ما في راحة، هذا من مميزات هذا الزمن الذي يمل الإنسان من متابعة الريلز والتقلب بين مقطع وآخر. أنتم اليوم تثبتون لذواتكم أن من أراد استطاع، ومن صدق وصل، ومن أخلص نال. فأنتم اليوم تعدون من حيث لا تعلمون، فاسألوا الله أن تعدوا نعم الإعداد، وأن تستعدوا نعم الاستعداد؛ لأن الأمة ستستمد من قواكم غدًا، ومن أكتافكم غدًا، ومن ثباتكم غدًا. فأسأل الله أن تكونوا نعم الجند، ونعم من يعد، ونعم من يستعد.

كونوا غراسًا للناس يا غراس، كونوا نباتًا للناس يا غراس، كونوا ثباتًا كما تثبتون اليوم غدًا. أمتكم تحتاج إلى أكتاف صلبة فلا تتراخوا، وأنتم في أمة تحتاج إلى خطاكم. كما قالوا: كيف تطمع في نيل الحكمة وأنت على حصير الاسترخاء في زمن الشدة؟ فعدوا العدة واستعدوا، ونسأل الله أن يبارك قلوبكم وما حوت، ونسأل الله أن يطلع على قلوبكم نظرة رضا فيقبل ما فيها. ونسأل الله أن هذه اللحظات والأيام أن تستمر وتستمد، واستعدوا لغد ينتظر خطاكم كما نقول دائمًا، وكونوا لله كما يريد يكن لكم فوق ما تريدون. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

الله أكبر.

أنا جهزت حالي والله، ضليت كل ما بدي أختم بتذكر أنه في واحد على يميني. الله يجزاكم الخير ويرضى عليكم يا رب. جزاكم الله خير أستاذ قصي وكتب الله أجركم ونفعنا الله بما قلتم، آمين. حضورنا الكريم، مدارج العلم ذلك المعين الذي لا ينضب، والشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فلم تفرغ جعبتنا بعد، وقد حلت الأيام العشر تمامها، ولم تنجز كنانتنا كل أسهمها، وإن قام الأجل الموعود لنهاية الدورة يطالبنا بالقضاء. والآن مع عرض لإحصائيات المواسم الأربعة لمدارج العلم.

بفضل الله سبحانه وتعالى، هذا البرنامج من برامج أكاديمية غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، وكانت هذه إحصائيات مدارج العلم في موسمها الأول بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه. وكما لا يخفى عليكم أن في هذه الدورة المباركة في الأربع مواسم تم شرح أكثر من 35 مصنفًا بواقع أكثر من 200 ساعة علمية. وكان عدد المشاركين في الموسم الأول أكثر من 800 طالب وطالبة، وكان عدد المصنفات كما تظهر أمامكم -ركزوا فيها يا مشايخ احتمال يكون في عليها سؤال أغشكم من هسا- سبع علوم وفنون مختلفة، وكان عدد المجازين بفضل الله سبحانه وتعالى قرابة 500 طالب وطالبة سواء عبر الحضور الوجاهي أو عن بعد. وكان من كتب الموسم الأول: كتاب خلاصة تعظيم العلم، إعلام السنة المنشورة، الأربعون النووية، الآجرومية، وتفسير الفاتحة وقصار السور، واللامية لابن الوردي.

وكان في الموسم الثاني عدد المشاركين بفضل الله سبحانه وتعالى أكثر من 1100 طالب وطالبة في ثمان مصنفات في فنون مختلفة، وكان عدد المجازين سواء حضور الوجاهي أو عن بعد أكثر أو قرابة 1000 طالب وطالبة، وتم شرح هذه المصنفات التي تظهر أمامكم. وأما في الموسم الثالث فكان عدد المشاركين بفضل الله سبحانه وتعالى 2200 طالب وطالبة في 11 مصنف في علوم وفنون مختلفة، وكان عدد المجازين بفضل الله سبحانه وتعالى قرابة 1200 طالب وطالبة، وتم شرح هذه المصنفات التي تظهر أمامكم على الشاشة. وأما في الموسم الرابع الذي نحن الآن في حفل ختامه، فكان عدد المشاركين بفضل الله سبحانه وتعالى وكرمه 2500 طالب وطالبة سواء حضور وجاهي أو عن بعد، وعدد المصنفات 11 مصنف في علوم وفنون مختلفة، وكان عدد المجازين بفضل الله سبحانه وتعالى 1200 طالب وطالبة، وهذه الكتب التي تظهر أمامكم.

ننتقل الآن إلى فقرة أسئلة بإذن الله سبحانه وتعالى حتى أنشطكم شوي، من شارك في هذه المواسم الأربعة يرفع يده، من شارك في المواسم الأربعة كاملة؟ ما شاء الله تبارك الله، الموسم الثالث، الموسم الثاني، ما شاء الله موسم أول، ما شاء الله نفع الله بكم. طيب الآن نسأل سؤال، يبدو الوضع نايم شوي فجوائز إن شاء الله حتكون خمسات لكل سؤال الله يحفظكم. السؤال الأول أنا غششتكم إياه قبل شوي، أو خلينا نبلش بسؤال سهل، طيب مايك السؤال الأول: اذكر الكتب السبعة في الموسم الأول، رفع اليد مشايخ.

الشيخ بيقول يأتي هنا، لا سهم أربعة من خمسة ياض. برفع اليد ويتفضل عندنا هون. كاملات كاملات، هذا حاسب على كل واحد ليرة. طيب مشايخ من يأتي بهم كاملات تفضل. اسمك؟ سليمان علي، حياك الله. إيش الكتب كانوا؟ الآجرومية، إعلام السنة المشهورة، مختصر السيرة لابن المقدسي، الأربعون النووية، خلاصة تعظيم العلم، إعلام السنة المشهورة، نعم، لامية ابن الوردي، وتفسير المفصل. يا سلام الله يعطيك العافية ما شاء الله، جزاك الله خير بدك شي؟ تفضل يا حبيبي الله ينفع بك.

نسهل شوي، سؤال كتب الموسم الخامس هذا بس الشيخ إبراهيم جاوب عليها. طيب جزاكم الله خير، كتب الموسم الثاني، من يذكر كتب الموسم الثاني؟ كتب الموسم الثاني مشايخ. نرجع الشاشة لا طيب خلينا نتساعد فيهم وآخر واحد بجيبهم كاملات هو الذي يأخذ الجائزة تمام. شيخ مهند بس المايك، طيب كل واحد يعطينا واحد اثنين مما فتح الله عليه. السؤال حيكون موزع، آخر واحد بيجيبهم كاملات هو الفائز إن شاء الله. طيب نبدأ من عند الشيخ مهند، أيوه في حد حوالينا الشيخين بعيد والله يا شيخ بتمونوا. القواعد الفقهية، صح، ما سمعنا إيش شيخ؟ القواعد الفقهية. القواعد الفقهية كانت في الموسم الثاني، صحيح نعم. أيوه، في غيرهم شيخ؟ واحد بس؟ يلا كمان واحدة، يلا هسا بيجي أيوه.

كتاب الكبائر، هي صاروا ثنتين كتاب الكبائر والقواعد الفقهية، أيوه الشمائل المحمدية والعقيدة الواسطية، هي صاروا أربعة باقي أربعة. لفتة الكبد وفضول الأدب في ضمنيًا في فصول الأدب ومكارم الأخلاق. طيب مشايخ رح نوقف الله يرضى عنكم بس نسمع بعض. الشيخ بيحكي معلش نسمعه الله يكرمكم أسلم يا شيخ، فصول الأدب ومكارم الأخلاق فيه فصول في الآداب، مكارم الأخلاق، لا لا باقي ثلاث. نخبه الفكر في مصطلح أهل الأثر، أيوه باقي كمان واحدة، يلا حاول حاول. منظومة بخته أو شيء زي هيك، بغية الإخوان، لا حكيناها هي.

شباب الله يحفظكم بس نركز مع بعض نسمع الشيخ. نخبة الفكر، إيوة في مصطلح أهل الأثر، إيوة باقي كمان واحدة. الشمائل المحمدية لا حكيناها، العقيدة الواسطية صح لا حكيناها برضه. لفتة الكبد، لفتة الكبد أحسنت نعم ممتاز جزاك الله خير، يلا روح الشيخ.

جزاكم الله خير مشايخ الله يحفظكم. شيخ نختم الأسئلة، شيخ الصوت يا شباب والله خلصنا هدايا وخلص عشان هسا الجزاء. ننتقل للفقرة التالية، حضورنا الكريم، أبواب الطاعات جمة كثيرة فأيها ستطرق؟ والميادين فسيحة فأيها ستسابق؟ سبق الخيرون الصالحون، وأنت متى تختار ميدانك؟ فبين أيدينا طائفة من الموفقين والموفقات ممن ركب أجاويد الخيل في ميدان حفظ القرآن في برنامج أوعية العلم، ذلك البرنامج الذي يسعى إلى تخريج النخبة التي تحمل العلوم والمتون حفظًا واستظهارًا. فبدأت بحفظ أعلاها وأشرفها كتاب ربي عز وجل، وحيث أننا في مقام الثناء على صنيعهم وانتظام جهودهم فإننا نتقدم باسم أكاديمية غراس العلم وبرنامج أوعية العلم بأحر التهاني وأذكاها وأجملها للحافظة التي سبقت وألهمها الله رشدها وواظبت فبلغها اجتهادها بفضل الله مرادها، فأتمت حفظ كتاب الله كاملاً حفظًا متقنًا واستظهارًا طيبًا، ووصلت له جهد الليل بالنهار، الحافظة الكريمة الأخت أديان محمد. فهنيئًا لكم ما أحرزتم، وهنيئًا لكم صحبتكم لكتاب ربكم، وهنيئًا لكم اختياره لكم، مبارك لكم ما أنجزتم، حفظكم الله بكتابه وأتم نعمته عليكم وعلى والديكم.

الله أكبر.

الله أكبر.

جزاكم الله خير، حضورنا الكريم والآن مع الفقرة الأخيرة، فقرة التكريم. ومن جماليات العمل لدين الله سبحانه وتعالى وفي المشاريع الدعوية هو حرص الإخوة على بعضهم البعض، فباسم فريق أكاديمية غراس العلم وطلاب وطالبات العلم، أحب آل غراس أن يكرموا شيخهم وأستاذهم بهدية متواضعة لا تليق بالمقام، مقدمة من طلاب وطالبات مدارج العلم. تفضلوا شيخنا الله يحفظكم وجزاكم خير شيخ محمد.

طبعًا الشيخ لا يعلم عن هذا التكريم، وأيضًا الآن نكرم الركن الأساسي والجندي المجهول وهو الشيخ عبد الرحمن الحسن، وهو أيضًا لا يعرف عن هذا التكريم. طبعًا إخواني الكرام، أي تكريم أخونا عبد الرحمن الحسن هذا واجب علينا جميعًا، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35]. حقيقة منذ انطلقت هذه الأكاديمية وأخونا الشيخ عبد الرحمن الحسن صاحب فضل كبير، دائمًا بقول لك الرجل الثاني في المشاريع، ولا يعني الرجل الثاني، والأخ الكبير والإنسان الذي يستحمل العمل رغم ضغوطاته الكبيرة. أكاديمية غراس لا تتوقعوا أنه 1000 موظف و2000 موظف الدنيا قائمة، أحيانًا بعض الأعمال تكون اثنين أو ثلاثة والأمور ماشية، عز وجل يرعاها. لكن عندما يكون لك أخ صاحب همة وصاحب نفس أبية ويستحمل ضغط العمل، تعرف ما معنى سنشد عضدك بأخيك.

أخونا الشيخ عبد الرحمن الحسن منذ انطلقت هذه الأكاديمية وهو صاحب عمل كبير، ربما هو لا يحب الأضواء أنا أعرف هذا، ولا يحب الظهور في منصات التكريم، لكن حقه كبير على الأكاديمية وعليكم جميعًا. أحيانًا الإنسان قد لا تراه بعينك لكنني أعلم كم حجم التعب والضغوطات والإرهاق والإلحاح الشديد، واللي بيشتغل مع إبراهيم رفيق بيعرف شنو الإلحاح الشديد والتعب الكبير والتدقيقات في أدق التفاصيل التي تجعل قليل من يصبرون على العمل معنا. فجزاه الله عني كل خير شخصيًا، وجزاه الله عن غراس وعن آل غراس خير الجزاء، ولا بد أن يكرم في هذا اليوم. الشيخ عبد الرحمن أدق التفاصيل التي ترونها أنتم سهلة أمامكم يكون اشتغل عليها، وسهر عليها أحيانًا للفجر إخواني، حتى تصل القضية إلى ما نحن عليه، حتى المادة التي أنتم بها الشيخ يشرف عليها، حتى أدق الأمور في مناهج إرواء الشيخ كتبها، في التفاصيل شهادات والإجازات والأعمال، الشيخ عبد الرحمن ركن عظيم من هذا العمل الطيب المبارك فجزاه الله عنا كل خير، وحق أن تعرفوا حق هذا الرجل على هذا الصرح الكبير، ولا بد أن يكرم تكريمًا يليق بقدره.

الله أكبر.

الله أكبر.

يا رب جزاك الله خير يا شيخ عبد الرحمن، الله يرضى عليك بارك الله فيك الله يجزاك الخير، طبعًا أنتم ما تطلعوا على الحجم اطلعوا على المضمون تمام الله يرضى عليك جزاك الله عنا كل خير.

يلا بسم الله.

جزاكم الله خير شيخ، طبعًا الشيخ لا يعرف عن تكريمه والشيخ عبد الرحمن أيضًا لا يعرف عن تكريمه، فهذا من جماليات العمل لدين الله حرص الإخوة على بعضهم البعض، أسأل الله أن يحفظهم اللهم آمين. أعلام خير صحبونا في رحلتنا الطيبة، ورجال المهمات الصعبة، الجنود المعروفون في السماء المشكورون في الأرض، المجزيون من ملكهم رب السماوات والأرض خيرًا بإذنه، ونحن نستأذنكم في فقرة التكريم لهم لما قاموا في ثغورهم، لا يفترون ولا يترددون. أصحابنا من القراء الأكابر أكرمهم الله برضوانه، الشيخ الحبيب سليمان الحراحشة، كتب الله أجركم تفضل شيخ سليمان.

الله أكبر، الله أكبر.

ونتقدم بالشكر أفضله وأدومه لأصحابنا من العاملين في الإخراج والبث والصوتيات، بارك الله لهم في سعيهم وصنيعهم، الأفاضل الأستاذ محمد الشيشاني.

مقامي وتسمو للعلا أسمى مقامي، أنيري يا غراس فأنت مجد يجدد في القلوب مدى الزمان. حروفك سطرت ميثاق حب، وتثمر قادة في كل نادٍ تجدد، وتسمو في البلاد بخير زاد، تعانق في العلا شمساً ومنها يشع الخير في أحلى مكان، يشع الخير في أحلى مكان. هنيئاً يا غراس فأنت بحر مليء بالجواهر والأماني، تسطر لي كل حرف كطيف في السماء مدى الزمان، كطيف في السماء مدى الزمان.

غراس بالمحبة والوفاء، تسري في الدنى أحلى وسام، تنير لنا الطريق بكل صوبنا الحبيب الأستاذ منذر اللوانسة. وتسمو للعلا أسمى مقامي، يا غراس فأنت مجد يجدد في القلوب مدى الزمان. حروفك سطرت ميثاق حب وتثمر قادة في كل، طبعاً أخونا منذر من أمس لم ينم جزاه الله خيراً، الله أن يكتب أجره وجهده مبارك، وتسمو في البلاد بخير زاد، تعانق في العلا شمساً ومنها يشع الخير في أحلى مكان، يشع الخير في أحلى مكان. هنيئاً يا غراس فأنت بحر مليء بالجواهر والأماني، تسطر لي كل حرف كطيف في السماء مدى الزمان، كطيف في السماء مدى الزمان.

جزاكم الله خيراً وكتب ربي أجركم، وهنا وصلنا لختام موسمنا الرابع، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يكون له ما يكتب لكم الأجر. نترككم مع الإجازات، والسلام عليكم ورحمة الله مشايخنا الكرام. بس دقيقة واحدة حتى يجي الشيخ عبد الرحمن حتى يعطي آلية توزيع الإجازات، العدد كبير، إخواننا وعم إخواننا عبر البث المباشر. طبعاً شكراً لكم الذين تابعونا عبر الأونلاين خلال هذه الدورة الطيبة المباركة، ستصل الإجازة لكم عبر البريد الإلكتروني. الآن سنقطع البث ونقتصر على الكلام هنا، إخواننا الله يكرمكم، الترتيب والتنظيم هذا من الأخلاق.