بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في المجلس التاسع من الدورة العلمية المكثفة «مدارج العلم» في موسمها الرابع لعام 1447 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. هذا اليوم قبل الأخير بإذن الله من هذه الدورة، وقد مرت هذه الأيام التسع سريعة كما تمر الحياة هكذا. والسعيد من وفقه الله سبحانه وتعالى ليحضر هذه المجالس بأيامها، وليستفيد من هذا المرور السريع على المصنفات العلمية، ويغتنم مواسم الخير ومواسم العلم النافع؛ فإن الحياة فرص، وما هو موجود الآن قد لا يوجد غداً.
فالمسلم أيها الكرام يستغل الفرص العلمية الموجودة في بلاده، ويسارع إليها ويبادر. وإياك من المثبطين؛ دائماً ستجد بعض الكسالى أو بعض الذين في قلوبهم مرض أو ما شابه ذلك يثبط همتك عن حضور مثل هذه المجالس، ويقول لك: يا فلان ماذا ستجني في الأيام العشر؟ ولو أنك حضرت خلال سنة لربما كان أفضل، ولماذا تضغط نفسك في مواسم مكثفة؟ وهذه همة الكسالة وهمة الضعفاء، وكلما نبغ علم وكلما وُجد مجلس ستجد من يثبط عنه، وستجد من يحاول أن يزهد فيه. وإياك من هؤلاء، فما أكثر الكسالى، وما أكثر الذين في قلوبهم مرض، وما أكثر المثبطين، ومن استمع لهؤلاء قيدوه وحرموه ومنعوه من الوصول إلى معالي الأمور.
معالي الأمور أيها الشباب -وهذه نصيحة لكم- تحتاج في هذه الأيام خصوصاً أن تقلل الاستماع إلى الناس إذا أردت أن تصل إلى معالي الأمور العلمية والسلوكية والأخلاقية، وتكون ذا أثر، ويكون لك نصيب في خدمة هذه الأمة. عليك أن تقلل الاستماع لجل الناس، ضع أصبعك في أذنيك وامضِ في طريقك؛ لأن أكثر الناس لا يملكون الهمم ولا يملكون النظر إلى معالي الأمور، وللأسف حتى بعض من يشتغل في البيئات العلمية تدخل أمراض القلوب، ويدخل التحدي والتنافس. فإذا أردت أن يكون لك أثر فامضِ في طريقك، واشتغل في البناء العلمي والمعرفي، وكلما دعا داعٍ إلى مجلس علم أنت تحب أن تحضره ومادة علمية تحب استماعها فاذهب واستمع وتعلم واكبر. أما كلما جاءك داعٍ وثبطك قلت: سأذهب إلى مكان آخر؛ ستبقى في مكانك، لأنك إذا ذهبت إلى مكان آخر سيأتي من يثبطك، وإلى المكان الثالث والرابع، فيمضي مشوار العمر وأنت لم تنجز إلا النزر اليسير.
وهكذا هي حبال الشيطان، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. الشياطين يدفعون بعض الناس ليثبطوا الشباب الصالح عن حضور مجالس العلم، ويهول لك: تسعة أيام أو عشرة أيام وساعات طويلة، ولعلك لا تفهم بعض المواد؛ يهول لك الأمور ليمنعك من الخير. وها أنت رأيت كيف مضت هذه التسع سريعة بكل لحظاتها وأيامها، وحصلت فيها بإذن الله من أصول المعرفة الشرعية في العقيدة والسيرة وعلوم القرآن، فضلاً عن المعرفة السلوكية والأخلاقية، فضلاً عن بركة المجالس وإشعال الهمم. كثيرة هي المناقب التي تحصل من الدورات العلمية المكثفة، وهذه مواسم للخيرات.
فعليك دائماً أن تنوي الخير، وأن تسأل الله سبحانه وتعالى أولاً أن يديم علينا هذا الخير الذي نحن فيه، وأن يستمر لنا هذا الانفتاح العلمي والمعرفي، وأن نبقى نلتقي في مجالس العلم النافع ونستطيع الدراسة والتحصيل. هذه نعمة عظيمة، كم من إنسان وكم من بيئة محرومة منها! ثم تسأل الله سبحانه وتعالى دوماً أن يمنحك الهمة العلية لحضور هذه المجالس، وأن يصرف عنك الشواغل والقواطع، ووساوس الشيطان وخطراته، والمشاغل التي تحول بينك وبين الاجتماع في هذه الحلقات والمجالس.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ هذا الخير، فإنك ستبكي عليه إذا فقدته؛ ما قيمة حياة الإنسان إذا يمر عليه السنة والسنتين وهو لا يجلس مجلس علم، ولا يختم كتاباً، ولا ينظر في مسائل الشريعة؟ هذه اللذائذ المعنوية العقلية الشريفة إنما يعرف مرارة فقدها من اعتاد على تناولها. من اعتاد على تناول العلم يعرف كم هو مر عندما تحرم من قراءة الكتب، ومن سماع كلام العلماء، ومن بركة التحلق في نعيم الجنة المعجل في هذه الحياة الدنيا.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا وعليكم هذا الخير، وهذه الهمة وهذا الإقبال وهذا السعي، وأن تبقى دائماً مشرئباً إلى معالي الأمور، وألا تنظر في سفاسفها، وألا تشتغل بالكلام في العلماء، وألا تشتغل بتصنيف الناس، وألا تشتغل بإسقاط المخالفين، وألا يكون علمك في هذه الجهات. وإنما يكون علمك علماً مثمراً يفيد الأمة، ويصوب بوصلتها، ويحيي الشباب، ويعيد لهذه الأمة خضراءها؛ تصحح عقائد الناس، تفتيهم في مسائل الفقه، تعلمهم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، تصوب لهم بوصلة الأخلاق والهوية، تعيد الشباب المسلم إلى انتمائه وفكره وأصوله. هذه العلوم النافعة التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيها، وأن يجعلكم مقبلين عليها.
واحذر أن تشتغل ببنيات الطريق وبما لا ينفع من القيل والقال، فإن هناك أناساً يتكلمون ويخوضون، وإذا سمعت كلامهم تظن أنهم تجاوزوا القنطرة حتى يخوضوا في الكبار؛ وصدقني أنهم لم يتجاوزوا المصنفات العشر التي درستها أنت في هذه الأيام العشر، لم يتجاوزوها دراسة وتحقيقاً ونظراً وتعليقاً. فهذه نعمة «مدارج» ونعمة الدورات العلمية المكثفة التي يعقدها عموم المشايخ والأساتذة في ربوع هذا البلد الطيب المبارك وفي غيرها من بلدان المسلمين ممن يشغلون الشباب بالعلم النافع؛ هذا هو ضابط المجلس الذي تحضره: المجلس الذي فيه علم نافع، علم يقودك إلى الله، علم لا يجعل قصارى همك أن تشتغل بالناس والجماعات والطوائف والأسماء والرموز.
أما الكلام في الرجال والأحزاب والجماعات والطوائف فإنما له بابه وأنيسه على قدر الحاجة وله مقاصده، وأما أن تبقى طول عمرك يلبس عليك الشيطان ويجعلك تظن أن ذاك هو العلم، وتبقى مغفلاً في كل علوم الشريعة أو في جلها لا تعرف إلا القشور، فهذا والله دلالة الحرمان. البعد عن الله سبحانه وتعالى؛ دائماً العلم النافع هو الذي يصنع الأمم، يعيد صياغة التاريخ، هو الذي يبني العقول والأجيال، هو الذي يبنيك أنت من داخلك، وتشعر بلذة العلم وثمرته؛ أنني أتكلم في العقيدة بهدوء، أتكلم في الفقه باتزان، أتكلم في مصطلح الحديث وفي القرآن؛ أنني أخذت علماً نافعاً أنفع به نفسي وأسرتي وعائلتي وعموم المسلمين. فالله أسأل أن يبارك في ملتقانا، وأن يجعل فيه ثماراً يانعة تخطف ثمارها الأمة في أجيالها اللاحقة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مجلسنا أيها الكرام سيبدأ في التعليق على رسالة لطيفة خفيفة مختصرة، بل هي أولى ما ينصح به المشايخ أن يبتدئ به الطلاب في علم مصطلح الحديث، وهي «التذكرة في علوم الحديث» لإمام عظيم وحبر كبير، الإمام ابن الملقن. الإمام ابن الملقن من علماء القرن التاسع الهجري، وهو أحد الكبار والعلماء الأفذاذ الذين تعلم على أيديهم الكبار؛ وقد كان مقارناً للبلقيني ومقارناً للحافظ العراقي، وهؤلاء الثلاثة نجوم عاشت في نفس الفترة، وقيل إن كل واحد منهم مجدد؛ الحافظ العراقي صاحب ألفية السيرة التي أخذناها سابقاً، والامام البلقيني الفقيه، وابن الملقن المحدث، الإمام الكبير الذي اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية وحكماً وتخريجاً.
هذه الرسالة كما قلنا هي رسالة مختصرة جداً، هدفها أن يعرف الطالب أبرز المصطلحات والمواضيع التي يتطرق إليها في علم مصطلح الحديث؛ يعني هي فقط تمر على المصطلحات والأفكار، لا تشرح، لا تفصل، لا تبوب. ستشعر أن ابن الملقن إنما أراد، كما قال هو في البداية، أن تكون تنبيهاً للمبتدي وتبصرة للمنتهي؛ فقط تراجع ما هي أبرز المصطلحات الواردة في علم الحديث، والتي ينبغي على طالب العلم أن يكون ملماً بها، بحيث إذا قرأ في شروح الفقه أو شروح الحديث هذه المصطلحات ستمر معك.
عفواً، أي كتاب في شروح الفقه أو شروح الحديث سيمر معك: حديث صحيح، حديث حسن، حديث ضعيف؛ والله هذا الحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاه والسلام، هذا حديث موقوف، هذا حديث مرسل، هذا حديث فيه راوٍ مدلس، هذا الحديث منقطع، هذا الحديث في صحيح البخاري معلق، هذا الحديث أخذه بالإجازة، هذا الحديث فيه رواة. هذه المصطلحات هل أنت تعرف دلالتها؟ ما معنى فلان مدلس؟ ما معنى حديث مرفوع؟ ما معنى مقطوع؟ ما معنى أن الحديث مرسل؟ هذه مادة علمية مهمة؛ حتى وأنت تقرأ في شروح العلماء الحديثية والفقهية ستمر عليك؛ فعيب أن الإنسان يشتغل في كتب كبيرة وهو ما زال يفقد أساسيات المصطلحات. هذا كيف طالب طب مثلاً يدرس في الطب ويقرأ الكتب الكبيرة لكن لا يعرف المصطلحات الأساسية في علم الطب؟ هل هذا سينتفع من الكتب أم ستبقى هناك فجوات معرفية؟
أي علم فيه مفاتيح أساسية له وكلمات مفتاحية ينبغي أن يكون المسلم عموماً لديه هذه الثقافة، بحيث إذا سمع شيخاً أو سمع مناظرة أو سمع إنساناً يتكلم، يستطيع أن يستوعب طبيعة المصطلح ودلالته ضمن السياق الذي ورد فيه؛ فهذه فائدة التذكرة. لذلك ما اسمها؟ التذكرة؛ كأنه يريد أن يذكرك، سماها «التذكرة» لأن الهدف هو فقط تذكر: ما معنى الصحيح؟ ما معنى الحسن؟ ما معنى موقوف؟ ما معنى مرفوع؟ ما معنى مدلس؟ ما معنى المرسل الخفي؟
ونحن بحمد لله في رحلة «مدارج العلم» في كل سنة في العادة يكون لدينا كتاب في المصطلح حتى نتذكر؛ كانت السنة الماضية «الموقظة» للذهبي، والتي قبلها كان عندنا «نخبة الفكر» لابن حجر العسقلاني رحمه الله عليه. ففي كل سنة في موسم «مدارج» لا بد من هذه التذكرة، والموفق من علّق ومن كتب حتى تبقى فعلاً هذه المصطلحات كمصطلحات علمية معرفية حاضرة معه في حياته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك وينفع.
بدأنا التعليق على هذه الرسالة، طبعاً هذه الرسالة من أبرز من شرحها من المتقدمين الإمام السخاوي رحمه الله عليه في كتابه «التوضيح الأبهر»؛ «التوضيح الأبهر» شرح حقيقة يليق بحجم هذا المصنف؛ لأنها رسالة مختصرة فتحتاج إلى شرح مختصر، والامام السخاوي عليه رحمه الله في «توضيح الأبهر» نص في مقدمة كتابه أنه تلقى هذه التذكرة عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن حجر صاحب «نخبة الفكر» سمعها مباشرة من ابن الملقن. فابن حجر سمع هذا المتن من شيخه ابن الملقن وعلمها للسخاوي؛ السخاوي تلميذ ابن حجر العسقلاني، وابن حجر تلميذ ابن الملقن، وكل هؤلاء أسماء مهمة وأسماء بارزة في علم الحديث والرجال، فلذلك أحب السخاوي أن يضع عليها تعليقاً خفيفاً لطيفاً يليق بمستواها.
طبعاً هذه الرسالة اختصرها ابن الملقن من كتابه الكبير «المقنع»، وهو كتاب اختصر فيه «مقدمة ابن الصلاح» في مصطلح الحديث؛ أبرز كتاب تاريخي في علم مصطلح الحديث هو «مقدمة ابن الصلاح» رحمه الله تعالى. هذا الكتاب من جاء بعد ابن الصلاح اهتم باختصاره وتهذيبه وشرحه؛ يعني عليه أعمال علمية كثيرة، ومن هذه الأعمال أن ابن الملقن وضع اختصاراً له في كتاب سماه «المقنع»، ثم أتى هو نفسه ابن الملقن بعد أن وضع المقنع في اختصار مقدمة ابن الصلاح فوضع «التذكرة» اختصاراً للمقنع؛ فالمقنع هو مجلد في الاختصار، ثم جاءت التذكرة اختصاراً للاختصار، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
نبدأ التعليق مستعينين بالله: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجِّ إخواننا المستضعفين، آمين.
رحمه الله تعالى: قال الإمام سراج الدين أبو حفص عمر بن علي ابن الملقن رحمه الله: «أحمد الله على نعمائه وأشكره على آلائه، وأصلي على أشرف الخلق محمد وآله، وأسلم. وبعد: فهذه...» هذه كلها الديباجات التي مرت معنا خلال هذه الدورة؛ الحمد لله والشكر لله والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد. شوف هذه دائماً تتكرر عند العلماء؛ فحري بطالب العلم أن يتأدب بأدب العلماء، ألا يبدأ كلامه مباشرة بالدخول بالموضوع.
لأني أكرر هذا لأنني أجد بعض الإسلاميين اليوم في خطاباتهم الدعوية متأثرين بالحالة الغربية؛ أنه يقابل على التلفاز أو يقابل في بودكاست أو شيء من ذلك فيبدأ مباشرة الكلام، وهذا لماذا؟ ولماذا نخالف نهج القرآن ثم سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل تظن أنه سيقال: هذا شيخ بده يحكي الحمد لله والصلاة والسلام؟ لا، عادي؛ هذه هويتك وانتماؤك، لا تستحي. لو خرجت في الجامعة تتكلم أمام الطلاب في محاضرة، أو أخرجك الدكتور المحاضر عندك تقدم له عرضاً (بريزنتيشن) أو شيئاً، إذا قال بسم الله والحمد لله حتى لا يُنسب بأنه يريد أن يتكلم بالدين، لا، حافظ على هويتك، هذا انتماء، هذا أنا؛ نعم أنا متمسك بديني. الذي عنده مشكلة أمام الثقافة الغالبة والمنهزمة أنا لست منهزماً، فأنا أبتدئ كلامي كما يبتدئ العلماء الكبار.
بالحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك أشرع في الموضوع، فهذه بركة الكلام، بركة الكلام أن تحافظ على آدابه وسننه. قال رحمه الله: فهذه تذكرة في علوم الحديث يتنبه بها المبتدي ويتبصر بها المنتهي.
علوم الحديث أيها الكرام، هذا أحد علوم الشريعة، اسمه علم الحديث، ويسمى أيضاً علم مصطلح الحديث. وهذا علم الحديث يعرف بتعريفين: علم الحديث دراية وعلم الحديث رواية. علم الحديث من حيث الدراية مثل علم التجويد، من درس فيكم التجويد أليس عرف علم التجويد دراية وعلم التجويد رواية؟ علم التجويد رواية هو أن تطبق قواعد التجويد على الآيات، هذا تذهب للشيخ وتقول له: بدي أقرأ عليك سنداً متصلاً، هذا اسمه علم التجويد رواية. علم التجويد دراية هو أن تدرس قواعد التجويد، أحكام كامل، غنن، وما هو الإدغام، وما هو الإخفاء، وما حروفه. نفس الشيء هنا؛ علم الحديث دراية هو أن تدرس القواعد المتعلقة بالحكم على الإسناد والمتن. أما علم الحديث رواية فهو أنني آتي إلى الأحاديث النبوية في البخاري ومسلم والكتب وأقوم بدراستها، ومعرفة الصحيح والضعيف منها، اللي هو التطبيق. علم الحديث رواية هو التطبيق، وعلم الحديث دراية هو النظرية والتقعيد. فإذاً علم الحديث من حيث الدراية هي القواعد التي تتحدث عن أحوال السند والمتن.
أي حديث يتكون من ركنين يا مشايخ: سند ومتن. السند ما هو؟ سلسلة الرجال الناقلين، حدثني فلان عن فلان عن فلان حتى أصل إلى المتن. الآن أنت تريد أن تأخذ إجازة في كتاب، ما هي الإجازة في كتاب؟ أنه أنا أنقل لك عن شيخ عن شيخ عن شيخ حتى تصل إلى نص الكتاب. فأي حديث يتكون من ركنين: السند وهي سلسلة الرجال الناقلين له، والمتن، والمتن هو النص المحكي الذي يصل إليه السند. عن البخاري عن شيخه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». فـ«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ماذا نسميه؟ متناً. وسلسلة الرواة ما بين البخاري إلى النبي ﷺ ماذا نسميهم؟ سنداً. فإذاً علم الحديث هي القواعد التي تدرس أحوال السند والمتن.
إيش يعني أحوال السند والمتن؟ الآن علم الحديث يجي بيدرس لك السند أولاً من حيث الرواة، يمسكهم واحداً واحداً: هل هم عدول؟ هل هم ضابطون؟ بعدين بيشوف لك: هل هذا السند فيه انقطاع أم لا؟ يوجد فيه انقطاع؟ طيب ما طبيعة الانقطاع؟ ولا بد أن يمسك كل الرواة من حيث درجة قوته في الحفظ، ما درجة ضعفه؟ طب ما سبب الضعف؟ هل في هناك علة خفية في السند؟ أو يدرس كل ما يتعلق بالسند من الإشكاليات التي يمكن أن تطرأ عليه. ثم بعد ذلك يمسك المتن، فينظر هل المتن والله فيه شذوذ؟ هل المتن ينسجم مع قواعد الشريعة؟ هل المتن تم إدراج لفظة فيه ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؟ طب هذا المتن هل هو أصلاً من كلام النبي عليه الصلاة والسلام أم الصحابة أم التابعين؟ فيبدأ أيضاً يدرس المتن وما يمكن أن يطرأ عليه من إشكالات.
فإذاً علم الحديث هو العلم الذي يعطيك قواعد كيف أدرس السند وكيف أدرس المتن لأعطي للأمة حديثاً صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو سألتك ما هي الثمرة من علم الحديث؟ هو الحفاظ على نقاء السنة، وألا تروج الأحاديث المكذوبة أو الضعيفة على الناس، وأن الأحاديث الصحيحة لا يتم تضعيفها أيضاً في المقابل، فنبين الضعيف ونبين الصحيح، ونحافظ بالتالي على هذا المعقل العظيم من معاقل الإسلام. المصدر الثاني من مصادر التشريع، أنت كفقيه كأصولي تحتاج إلى علماء الحديث؛ ليه؟ لأنه أنا كفقيه أو كأصولي أنا أتعامل مع الحديث بعد إثبات ماذا؟ صحته. أنا لا أستطيع أن أستنبط من الحديث فقهاً إلا بعد أن أتأكد أن الحديث صحيح. وإذا أخبرني أهل الحديث أن الحديث ضعيف فالاصل أنني لا أستطيع أن أستنبط منه، أقول إذاً ضعيف، إذاً لا أبني فيه أحكاماً. فبالتالي الفقيه والأصولي يأتي تعاملهم مع الحديث بعد المحدث. المحدث يفرز، يقدم لك الحديث، يقول لك: تفضل، الحديث صحيح، تعامل معه. وإذا قال لك المحدث الحديث ضعيف وأنت طبعاً مش متخصص لتحكم مثله، تقول له: خلص، معناته لن أدخل على فرازة استنباط الأحكام الفقهية منه.
فعلم الحديث علم خطير ومهم، وبه تم صيانة الإسلام، وبالتالي يأتيك شخص اليوم حتى لو كان يتكلم باسم الدين ويتفلسف على الجرح والتعديل وعلى علماء الحديث، ويتكلم في أحاديث في البخاري أنها لا توافق دماغه، وأحاديث في مسلم أنها لا تأتي على مزاجه، وأحاديث سنن أبي داود، ويستهتر بهذه، هذا لا يُسمع له ولا يُصغى له، وتسقط هيبته؛ لأن هذا العلم علم رعته الأمة وحافظت عليه سنوات، العلماء بعد العلماء يأخذونه، ينقحون، ينظرون، حتى وصلت إلينا بحمد الله السنة منقحة في أعلى درجات قوتها، فلا نقبل أحداً لا يعرف هذا العلم ويأتي يضعف الأحاديث على هواه، ويرى ما الذي لا يوافق دماغه فيلقي به عرض الحائط. هذا الدين حُفظ ببركة علماء الحديث بحمد الله سبحانه وتعالى. فهذا تعريف علم الحديث من حيث الدراية، ما هي كما قلنا: القواعد التي تدرس أحوال السند والمتن.
ثم نص فقال: ينتبه بها المبتدي. قال: فهذه تذكرة في علوم الحديث، لماذا وضعها؟ قال: ينتبه بها المبتدي، يعني طالب العلم المبتدئ ينتبه بها على أبرز المصطلحات التي ينبغي أن يتعرف عليها في هذا العلم. قال: ويتبصر بها المنتهي، أيضاً المنتهي وهو طالب العلم المتقدم يعتمد هذا الكتاب ككتاب مراجعة لمعلوماته السابقة التي قام بدراستها. ثم قال: اقتضبتها، ما معنى اقتضبتها؟ أقرأ، قال رحمه الله: اقتضبتها من المقنع تأليف... إذا قال: اقتضبتها، الاقتضاب هو الاختطاف، فقصده طبعاً: اقتضبتها أي أخذتها مستعجلاً، أخذتها على وجه العجلة والاختصار من أي كتاب؟ من كتاب المقنع، إذاً هو نص في مقدمته على أن التذكرة مأخوذة من كتابه المقنع، في طبعاً كتاب المقنع اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، قال: من كتاب المقنع، تأليفه نعم. قال رحمه الله: وإلى الله أرغب في النفع بها، إنه بيده والقادر عليه. نعم.
قال رحمه الله: أقسام الحديث. أقسام الحديث؛ الحديث النبوي من حيث الرواية، ما تعريفه؟ إحنا عرفناه من حيث الدراية، علم الحديث عرفنا الحديث من حيث الرواية نقول: هو كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول -أقوال عليه الصلاة والسلام- أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خُلُقية. الحديث هو كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ما هو التقرير؟ أن يفعل أمامه شيء من المسلمين ويسكت صلى الله عليه وسلم، هذا تقرير، أو وصف ما ورد في أوصافه؛ شجاعته، كرمه، أخلاقه، أو صفة خُلُقية أو خَلْقية. الصفة الخَلْقية تكلمنا، الصفة الخُلُقية مش مر معنا في ذات الشفاء عند ابن الجزري أوصاف الخُلُقية؟ وأنه كان ربعة من الرجال، وأن لونه أبيض مشرب بحمرة، وأنه أزج الحواجب، وكل ما وأنه كان أدعج العينين، هذه الصفات الخَلْقية هل تعتبر من الحديث النبوي؟ نعم، فالحديث النبوي يشمل أقواله، أفعاله، تقريراته، ما ورد من صفاته الأخلاقية وما ورد من صفاته الخَلْقية الشكلية صلى الله عليه وسلم.
طب سؤال، هل كلمة الحديث أيضاً يدخل فيها أقوال الصحابة وأقوال التابعين؟ الآن يعني هناك نقاشات اصطلاحية، يعني لا إشكال في ذلك، لكن كثير من العلماء يقولون كلمة الحديث إذا لم تقل الحديث النبوي، قلت الحديث، نعم يجوز أن يدخل فيها أيضاً أقوال الصحابة وأفعالهم، وأقوال التابعين وأفعالهم، وإن كان في العادة إنما تدخل أقوال الصحابة وأقوال التابعين في مصطلح الأثر. عادة ما يقولون الأثر، الأثر هو الأشهر أنه يدخل فيه كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة وكلام التابعين، لكن بعض العلماء أيضاً رأى أن كلمة الحديث لا إشكال أن ندخل فيها أقوال الصحابة كما صح عن عمر وأبي بكر، وأقوال التابعين كالحسن البصري وغيرهم، أنها كلها مشمولة تحت مفهوم الحديث، نعم.
قال رحمه الله: وأقسام الحديث ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف. هذا الآن سيقسم الحديث باعتبار ماذا؟ هذا التقسيم باعتبار قبوله ورده، الحديث باعتبار هل هو مقبول أو مردود، أو حبيت تحكي باعتبار قوته وضعفه بيزبط برضه. الحديث باعتبار هل هو مقبول أو مردود أو قوي أو ضعيف ينقسم إلى كم قسم؟ ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف. طبعاً هذه القسمة الثلاثية أول من ابتدأ بها الترمذي عليه رحمة الله، قبل الإمام الترمذي كان العلماء عادة يتعاملون مع لفظين: صحيح وضعيف. قول شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء أن أول من أضاف لفظة الحسن وأدخلها الإمام الترمذي عليه رحمة الله، أول من استعمله كمصطلح وقدم لها أيضاً تعريفاً، وإن كان الترمذي استعمل الحسن في كتابه الجامع كما مر معنا في دورة، استعملها بمعنى الحسن لغيره حقيقة وليس بمعنى الحسن لذاته، لكن هو أول من أدخلها في القسمة فأصبحت القسمة بعد ذلك عند العلماء ثلاثية: صحيح وحسن وضعيف.
والا قبل الترمذي البخاري وأحمد بن حنبل وسفيان ماذا كانوا يقولون؟ صحيح وضعيف، كانت القسمة فقط، وكان الحسن قسماً من أقسام الصحيح، ما كانوا يعني يستعملونه، كان قسماً من أقسام الصحيح وبعضهم كان يعتبره قسماً من أقسام الضعيف. ولذلك تجد البعض مثلاً يقول إن مذهب الحنابلة أن أحمد احتج بالحديث الضعيف، ماذا يقصد بالضعيف؟ الحسن؛ لأنه قبل الترمذي الحسن هذا منزلة بين منزلتين، بعضهم كان يدخله مع الضعيف لكن يقبله، وبعضهم كان يدخله مع الصحيح إلى أن جاء الترمذي، ثم من جاء من الترمذي قالوا: يا عمي خلينا نعملها قسمة ثلاثية بدل قسمة ثنائية حتى تكون الأمور أوضح، فيكون عندي صحيح وحسن وضعيف. سنبدأ الآن بتعريف كل واحد منهم.
قال رحمه الله: وأقسام الحديث ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف، فالصحيح ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه. هنا أي الإمام ابن الملقن ستجد أنه يعتمد على التعاريف البسيطة، يعني أو السهلة، خلينا نقول أنه كلمة البسيطة في اللغة الواسعة، الك التعريف السهلة المختصرة. فقال مثلاً الحديث الصحيح ما تعريفه؟ ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه، يعني كل حديث السند والمتن ما في أي مشكلة، أي طعن، نسميه صحيحاً. وهذا حقيقة تعريف عام، لكن التعريف الأدق ما هو؟ أن الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده برواية عدل تام الضبط وخلا من الشذوذ والعلة القادحة. هذا هو التعريف المشهور الصحيح الذي يذكر شروطه. الحديث الصحيح نعيده هو كل حديث اتصل سنده، ما في أي انقطاع في السند، وكل رواته ما صفاتهم؟ برواية العدل كلهم عدول، تام الضبط أي أعلى درجات الضبط، ولم يوجد شذوذ في السند أو المتن ولا علة قادحة في السند أو المتن. بالتالي حتى يكون الحديث صحيح كم معيار عندنا؟ خمسة: اتصال السند، وأن يكون جميع الرواة عدولاً، وأن يكون تام الضبط، وأن يكون الحديث لا يوجد فيه شذوذ -وسنعرف بعد قليل ما معنى الشذوذ- وألا يوجد فيه علة قادحة -وسياتي معنا بعد قليل ما معنى العلة-. فما اجتمعت فيه العناصر الخمس يسمى حديثاً صحيحاً.
قال رحمه الله: ومنه المتفق عليه، وهو ما أودعه الشيخان في صحيحيهما. الآن الحديث الصحيح هو أيضاً ترى مراتب في داخله، هناك صحيح في أعلى أعلى درجات الصحة، ما هو الصحيح الذي في أعلى درجات الصحة؟ هو حقيقة المتواتر، قبل ما ندخل في البخاري ومسلم. الحديث الصحيح اللي أعلى درجات الصحة هو ايش؟ المتواتر، بحد ذاته متى ثبت تواتره لا يمكن أن يكون ضعيفاً يعني لا يفتش وراءه. ثم بعد ذلك من غير المتواتر من الآحاد، ما أعلى درجات الحديث الصحيح من الآحاد؟ المتفق عليه. المتفق عليه ما هو المتفق عليه؟ ما رواه البخاري ومسلم، هذا أعلى درجات الصحيح من الآحاد. ثم بعد ذلك ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه في كتابيهما؛ لأن البخاري ومسلم أكيد فاتتهما بعض الأحاديث الصحيحة على شرطهما ولم يخرجاها، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم. المهم الحديث الصحيح هو أيضاً متفاوت، فأعلاه من حيث الآحاد المتواتر عفواً المتفق عليه، وهذا ما ذكره ابن الملقن. فقال: ومنه المتفق عليه وهو ما أودعه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، ثم نقول: ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرط البخاري ومسلم، ثم ما كان على شرط البخاري فقط، ثم ما كان على شرط مسلم فقط وهكذا، تمام.
قال رحمه الله: والحسن ما كان إسناده دون الأول في الحفظ والإتقان. طب الحسن، قال متى نقول أن الحديث حسن وليس صحيحاً؟ قال: إذا كان إسناده دون الأول، يعني دون إسناد الصحيح، إذا كانت سلسلة الرجال دون الأول في ماذا؟ بالضبط، مش في العدالة، في الحفظ والإتقان. لذلك ما تعريف الحديث الحسن؟ يقولون هو ما اتصل سنده برواية العدل الذي خف ضبطه، فهو جيد لكن خف ضبطه، فالحديث الحسن يكون أحد رواته أو جميعهم -ما عندنا مشكلة- أحد رواته أو جميع رواته خف ضبطه عن ضبط رواة الصحيح. مجرد واحد فقط يخف ضبطه، واحد في الإسناد ضبطه ليس في أعلى الدرجات، ينزل الحديث من.
درجة الصحيح إلى درجة الحسن، انظر، الفرازة عند العلماء هي أننا لا نمزح هنا؛ أنت ومستواك في الضبط، تام الضبط حديثك يكون من درجة الصحيح، أنت ما شاء الله حافظ وما شاء الله عليك، لكن والله تخطئ قليلًا. ثبت بالتجربة أن فلانًا يخطئ كثيرًا، أي حافظ جيد لكنه يخطئ كثيرًا، فهذا ينزل من درجة تام الضبط إلى درجة خفيف الضبط، لكنه لم يصل بعد إلى درجة سيئ الحفظ؛ لأنه إذا وصل إلى درجة سيئ الحفظ أو لين الحفظ، فهذا لا يعتبر أصلًا من ضمن الحديث المقبول، بل ينزل للحديث الضعيف. فإذا الحديث الحسن مشكلته أن بعض رواته خف ضبطهم، لذلك قال: ما كان إسناده دون الأول، أي دون الصحيح من حيث الضبط والإتقان.
لكن هناك يا إخواني، بعد أن عرفنا الصحيح والحسن، ما يسمى الصحيح لغيره، وهناك ما يسمى الحسن لغيره. الآن الصحيح عرفناه وهذا يسمى الصحيح لذاته، الذي عرفناه قبل قليل هو الصحيح لذاته. والحسن الذي عرفناه ما اتصل سنده برواية العدل الذي خف ضبطه هو الحسن لذاته. طيب ما هو الصحيح لغيره والحسن لغيره؟
الصحيح لغيره هو عبارة عن حديث حسن لذاته لكن روي من عدة طرق كلها حسن لذاتها، يعني عندي حديث روي من أكثر من إسناد، كل إسناد حسن لذاته، اجتمعت، والاجتماع قوة؛ أليس يقال إذا حديث روي من عدة أسانيد كلها حسن لذاته، باجتماعها يصبح الحديث تصنيفه صحيح، لكن ليس لذاته بل نسميه ماذا؟ صحيح لغيره. لماذا سمي لغيره؟ لأنه هو أخذ درجة الصحة من الاجتماع وليس لأن نفس الإسناد صحيح، هو الإسناد حسن لكن لأنه تكرر واجتمع، فبالاجتماع انتقل من الحسن إلى الصحيح لغيره.
ونفس الشيء الحسن لغيره، ما هو؟ هو حديث روي بإسناد ضعيف، لكن سبب الضعف ليس وجود كذابين في الإسناد أو وجود من يتهم بالكذب أو وجود فاسقين، وإنما سبب الضعف وجود أي راوٍ سيئ الحفظ أو لين الحفظ أو روايته يكثر فيها الغلط، فهذا الحديث روي من عدة أسانيد، كل إسناد فيه سيئ الحفظ، فيه مجاهيل، لكن لما هذا الحديث روي بعدة أسانيد كلها ضعيفة، لكنها ليست في قمة الضعف، فيقوي هذه الأسانيد بعضها بعضًا، فيصبح الحديث ينتقل من درجة الضعيف إلى درجة الحسن لغيره. إذا الصحيح لغيره والحسن لغيره فكرتهما تقوم على فكرة الاجتماع. الصحيح لغيره حديث حسن روي بأسانيد كلها حسنة فارتقى إلى درجة الصحيح لغيره، والحسن لغيره حديث ضعيف لكنه ليس شديد الضعف روي بأسانيد كلها فيها ضعف لكنها ليست شديدة الضعف فانتقل إلى درجة الحسن لغيره.
بالتالي أيها الكرام، ماذا قال؟ اقرأ، قال رحمه الله: ويعمه والذي قبله اسم الخبر القوي. قال: ويعمه والذي قبله الخبر القوي. إذًا الخبر القوي أو الخبر المقبول يشمل ماذا يا جماعة؟ الصحيح والصحيح لغيره والحسن والحسن لغيره، كل هذا يسمى خبرًا قويًا مقبولًا، يقبل الاحتجاج به على الأحكام الفقهية والأحكام العقائدية. تمام، فالخبر القوي لا بد أن يعرف طالب العلم والمسلم أنه يشمل الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره.
نعم، قال رحمه الله: والضعيف ما ليس واحدًا منهما. طيب بعد أن عرفنا الصحيح والحسن ننتقل إلى تعريف الضعيف؛ ما هو الحديث الضعيف؟ اعتمد على تعريف مختصر سهل قال: كل ما ليس صحيحًا أو حسنًا سيكون ضعيفًا، بس هكذا. الضعيف ما ليس واحدًا منهما، أو بعبارة أخرى يمكن تقول: الضعيف هو ما اختل فيه شرط من شروط الخبر القوي، حتى أجعل الضعيف يخرج منه الحسن لغيره؛ لأن الحسن لغيره لا يصنف ضعيفًا، بل يصنف قويًا. فحتى أقول حديث ضعيف هو كل حديث اختل فيه شرط من شروط الخبر القوي، عندئذ تحكم على الحديث بأنه ضعيف. شروط الخبر القوي هي التي قلناها: اتصال السند برواية العدل تام الضبط -إذا كان صحيحًا- أو خف ضبطه -إذا كان حسنًا-، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة، ونضيف بعد ذلك: ولم يأتِ من طرق متعددة تنقله إلى درجة الحسن لغيره على الأقل. فكل ما خلا من شروط الخبر القوي سيكون خبرًا ضعيفًا ولا يحتج به، اللهم إلا أنه يحتج في بعض صوره في فضائل الأعمال، وقضية الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لها شروط يمكن أن تبين لاحقًا إن شاء الله.
قال رحمه الله: طبعًا الضعيف أيضًا مراتب كما أن الصحيح مراتب يا شباب، مش قلنا أعلاها الصحيح المتواتر ثم المتفق عليه وهكذا، كذلك الضعيف دركات، أليس الجنة درجات والنار دركات؟ نفس الشيء الصحيح درجات والضعيف دركات، فما هو أسوأ أشكال الضعيف؟ الموضوع، ثم المتروك، ثم المنكر، ثم يذكرون مراتب. فالضعيف حتى ولو كان ضعيفًا ليس كله في مرتبة واحدة في الضعف، وهذا أيضًا مهم أن تفهمه.
قال رحمه الله: وأنواعه زائدة على الثمانين. طيب الآن انتهى من التقسيم الأول وهو تقسيم الحديث باعتبار قبوله ورده، سننتقل الآن إلى سرد المصطلحات، الآن من هنا إلى آخر الكتاب كله سرد لمصطلحات، ينبغي أن تفهمها. فيقول: وأنواعه، يعني مصطلحاته، مصطلحات هذا العلم كم؟ قال: تزيد عن 80 مصطلحًا، بل حتى السخاوي يقول: بل تزيد عن 100 مصطلح، فعلًا هي مصطلحات كثيرة، وكل مصطلح يتكلم عن موضوع ويغطي فكرة من أفكار علم الحديث. ابدأ الآن، بدك ترقم المصطلحات حتى تفهم الكلام، سرد الآن مصطلح ثم الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا.
المصطلح الأول قال رحمه الله: المسند، وهو ما اتصل إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسمى موصولًا أيضًا. طيب أول مصطلح المسند، إذا قرأت في أي كتاب وهذا الحديث مسند، ماذا يقصد علماء الحديث بأن الحديث مسند؟ كلمة مسند ما معناها؟ كلمة المسند هو ما اجتمع فيه شيئان، الحديث يوصف بأنه مسند إذا اجتمع فيه شيئان: أن يكون متصل السند ولو في الظاهر، وممكن يكون فيه انقطاع بس ليس مبينًا معي، وأن يكون منتهاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث متى يسمى مسندًا؟ إذا اجتمع شرطان: اتصال السند ولو على الأقل ظاهريًا، وأن يكون الحديث مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. إذا اجتمع الشرطان نقول الحديث هذا اسمه مسند. إذا اختل أحد الشرطين لا يسمى مسندًا، كيف سيختل أحد الشرطين؟ أن يكون حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام لكن في الإسناد انقطاع، خلص لا يسمى مسندًا، أو السند متصل لكن المتن ليس من كلام محمد عليه الصلاة والسلام، المتن من كلام عمر أو من كلام أبي بكر، فهذا ما يسمى مسندًا. المسند فيه وصف في السند ووصف في المتن؛ ما وصف المتن؟ النبي صلى الله عليه وسلم، ما وصف السند؟ أن يكون متصلًا لا انقطاع فيه، إذا اجتمعت الخصلتان قلنا الحديث مسند.
قال رحمه الله: والمتصل وهو ما اتصل إسناده مرفوعًا كان أو موقوفًا، ويسمى موصولًا أيضًا. طيب ماذا؟ لما عرف المسند بأنه ما اجتمع فيه الشرطان أراد أن يعطي المصطلح الثاني، ما معنى كلمة متصل، وما معنى كلمة مرفوع؟ هو ذكي في ترتيبه، حاول يرتب الكتاب بطريقة مهندسة، يقول لك أنا عرفت لك أول شيء المسند، ما هو المسند؟ ما اتصل والحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام مرفوع، فخليني أعرف لك المصطلح الثاني وهو ما معنى المتصل، والمصطلح الثالث ما معنى المرفوع.
طيب الاتصال أيها الكرام، هذا وصف من أوصاف السند، الآن ستلاحظ أن التعاريف التي سنعرفها، هناك مصطلحات تختص بالإسناد وهناك مصطلحات تختص بالمتن، أو يقولون مصطلحات هي وصف للسند ومصطلحات هي وصف للمتن. فلما أقول حديث مرفوع، كلمة مرفوع وصف للسند ولا للمتن؟ اختلف العلماء، هو وصف للمتن أنه من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، حديث موقوف كلمة موقوف وصف للسند ولا للمتن؟ وصف للمتن أنه من كلام الصحابي، سيأتي معنا إن شاء الله. لما نقول حديث متصل، هذا وصف للسند، انتبه للمدى؛ لأنه دائمًا ركز وأنا أريدك أن تصير عندك هيك خارطة: الحديث سند ومتن، شو قلنا من بداية الدرس؟ هناك مصطلحات تصف المتن أنه مرفوع موقوف، وهناك مصطلحات تصف السند أنه متصل، منقطع، معضل، معلق، فأنت بدك تكون عارف ما المصطلحات التي تصف السند وما المصطلحات التي تصف المتن، وما دلالة كل مصطلح.
فالآن لما قال المتصل اكتب جنبه: هذا مصطلح يصف سند الحديث مش متن الحديث، أن هذا السند متصل. طيب ما معنى متصل؟ قال: وهو ما اتصل إسناده مرفوعًا كان أو موقوفًا، ويسمى موصولًا أيضًا. طيب فقال الحديث المتصل هو ما اتصل إسناده، يعني بين سلسلة الرجال الناقلين ما في عندي أي شكل من أشكال الانقطاع، البخاري عن شيخه وشيخه عن شيخه عن شيخه حتى وصلنا إلى الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أحد سقط؟ في أحد غير موجود؟ لا، الكل موجود؛ والله يا شيخ في الإسناد إذًا نقول الإسناد هذا متصل. بغض النظر هو كان الحديث عن النبي عليه الصلاه والسلام أو ممكن يكون الحديث عن صحابي، يعني يروي البخاري عن شيخه عن شيخه قال عمر بن الخطاب كذا وكذا، وهذا اسمه الموقوف. فإذا الحكم على الإسناد بأنه متصل ليس له علاقة بالمتن؛ هل هو عن النبي عليه الصلاه والسلام أو عن الصحابة أو حتى عن التابعين. أنا ممكن أروي لك الآن سندًا متصلًا للحسن البصري، تابعي ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، فهذا وصف للسند بغض النظر هل المتن عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن أي صحابي. لذلك قال: وهو ما اتصل إسناده سواء كان المتن مرفوعًا أو كان المتن موقوفًا، أنا ما لي علاقة بالمتن، ويسمى موصولًا أحيانًا. في بعض الكتب تلاقيه يسميه متصل، بعض الكتب تسميه موصول، بعضها يسموه مؤتصل، وهذا ورد عند الشافعي في رسالته الأصولية سماه مؤتصل حتى، وهذه يعني غريبة شوي. طيب وضده؟ ما ضد المتصل؟ المفصول، يعني إذا قلت شيء متصل ماذا سيكون ضده؟ منفصل أو مفصول، متصل عكسه منفصل، أو موصول عكسه مفصول، وسياتي معنا أنواع المفصول بعد قليل إن شاء الله.
قال رحمه الله: والمرفوع وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة متصلًا كان أو غيره. قال والمرفوع؛ بعد أن عرف الاتصال عرف الرفع؛ لأنه يريد أن يبني على كلمة المسند، قلنا المسند ما اتصل سنده وكان مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء المصطلح الثاني؛ ما معنى ما اتصل سنده فعرف لك المتصل، طب ما معنى مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فبده يعرف لك ما هو المرفوع، فقال المرفوع هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. نحن قلنا قبل قليل إن الحديث يشمل كلام محمد صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة وكلام التابعين، هذا في المصطلح المشهور، فعندي حديث من كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو أفعاله أو تقريراته فهذا ماذا يسمى عند المرفوع، بدك تعرف هذا مصطلح مهم. حديث مرفوع يعني هو من كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو من أفعاله أو من تقريراته بغض النظر هل السند متصل أو لا، فهمتم؟ يعني الحديث يسمى مرفوعًا سواء كان السند متصلًا إليه أو فيه انقطاع وانفصال، فأنا لما أحكم هذا الحديث بأنه مرفوع هذا وصف للمتن كما أن المتصل وصف للسند، فكلمة مرفوع وصف للمتن، فأنا أحكم على الحديث بأنه مرفوع باعتبار المتن، طب السند فيه اتصال ولا لا؟ هذا موضوع آخر. لذلك قال: والمرفوع وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، بمعنى ليس من كلام الصحابة ولا من كلام التابعين، متصلًا كان إسناده أو منفصلًا، ما لي علاقة في الإسناد، فهذا مهم جدًا أن تدرك من الآن أن هناك مصطلحات تصف المتن وليس لها علاقة بالسند، وهناك مصطلحات تصف السند وليس لها علاقة بالمتن.
قال رحمه الله: والموقوف هو المروي عن الصحابة قولًا أو فعلًا أو نحوه، متصلًا كان أو منقطعًا. جيد، لما عرف المرفوع أراد الآن أن ينتقل للخطوة التي تليها؛ طب إذا المرفوع هو ما كان من كلامه عليه الصلاة والسلام أو من أفعاله أو تقريراته، فما هو الموقوف؟ اكتب الموقوف أيضًا وصف للمتن. الموقوف هو الحديث الذي متنه أقوال الصحابة أو من أفعالهم أو حتى من تقريراتهم، لمن أجاز اعتبار تقريرات الصحابة، هل الصحابة يؤخذ بتقريراتهم؟ يعني لو عمر فعل رجل من المسلمين أمامه شيء وسكت عمر، هل تقريرات الصحابة تعتبر تشريع أو ليست تشريع؟ هذه محل خلاف حقيقة بين أهل العلم، وكثير منهم يقول لك لا، الصحابي لا يوجد فيه العصمة التي في النبي صلى الله عليه وسلم، فتقريرات النبي عليه الصلاة والسلام نعم تشريع، أما الصحابة فإنما التشريع في أقوالهم وأفعالهم فقط، وأما تقريراتهم فلا نقبلها، طبعًا هي محل نقاش ونزاع ولا لست هنا في صدد مناقشة هذا الموضوع.
لأنه قال الموقوف، وهو المروي عن الصحابة قولا أو فعلا أو نحوه. ايش يعني أو نحوه؟ قال السخاوي: كالتقرير، إذا السخاوي كأنه اعتبر تقريرات الصحابة شكلا من أشكال الحديث عن الصحابة، لكن ستبقى القضية محل نزاع عند علماء أصول الفقه، هي المسألة على نزاعها عند الأصوليين، هل يعتبر مصدرا تشريعيا أو لا؟ والموقوف يسمى موقوفا بغض النظر كما قلنا، هل الإسناد متصل أو منقطع؟ خلاص أنا ما لي علاقة بالإسناد، أنا هنا أتكلم عن المتن فقط، أما الإسناد متصل أو منقطع فهذه مسألة أخرى، نعم.
قال رحمه الله: ويستعمل في غيرهم مقيدا، فيقال: وقفه فلان على عطاء مثلا ونحوه. هل يستعمل الموقوف في حديث التابعي؟ هل يسمى حديث التابعي موقوفا؟ هل يجوز أنك حتى أحاديث التابعي أو أحاديث أصحاب المذاهب، يعني نص عن أحمد بن حنبل قال أحمد بن حنبل كذا وكذا، أحمد بن حنبل ليس تابعيا ولا أحد ممن هو من بعده، هل يجوز أن نقول عن أقوال غير الصحابة أيضا أنها موقوفة؟ ماذا يقول ابن الملقن: ويستعمل هذا المصطلح في غيرهم، في غيرهم أي في غير الصحابة من التابعين وعلماء الأمة مقيدا. ايش يعني مقيدا؟ بصير آجي أقول هذا الكلام موقوف عن أحمد، ايش يعني موقوف عن أحمد؟ يعني موقوف عن أبي حنيفة، موقوف عن مالك، فيجوز أن تقول عن كلام الأئمة وتصفه بأنه موقوف بس بقيد أن تذكر عمن، فتقول موقوف على عطاء بن أبي رباح مثلا، هنا ذكر مثال، أو موقوف على مالك بن أنس، فالموقوف وإن كان في الأصل أنه لكلام الصحابة لكن يجوز استعماله في كلام غيرهم من علماء الأمة بشرط التقييد، أن تقول موقوف على فلان، أما موقوف وتسكت بدون أن تقول على فلان، هذا لا يكون إلا في الصحابة الكرام، نعم.
قال رحمه الله: فالمقطوع وهو الموقوف على التابعي قولا أو فعلا. المصطلح الثالث وهو يتناسب مع المصطلحات السابقة المقطوع، المقطوع أيضا من أوصاف المتن وليس من أوصاف السند، ما هو المتن المقطوع؟ هو الذي يكون من أقوال التابعين وأفعالهم. لما أقول لك فعل الحسن البصري كذا وكذا، أو قال الحسن البصري كذا وكذا، أو قال فلان الفلاني ابن سيرين كذا وكذا، أو قال مكحول كذا وكذا، أقوال التابعين تسمى ماذا؟ مقطوعة. عندي سلسلة إسناد والكلام في النهاية مش كلام النبي عليه الصلاة والسلام ولا كلام الصحابة، وإنما هو كلام التابعين، فهؤلاء تسمى أقوالهم ماذا؟ مقطوعة. والسخاوي يقول: والمقطوع ليس فقط كلام التابعين بل حتى كلام أتباع التابعين ومن بعدهم، فالسخاوي يقول كلام أحمد بن حنبل يسمى مقطوع، كلام ابن تيمية بالنسبة لنا يسمى ايش مقطوع، كلام العلماء في القرن الرابع والخامس الهجري، عبد الغني المقدسي مقطوع، كلام الشيخ المعلم مقطوع. فالمقطوع هو كل قول، كل كلام أو فعل لأحد العلماء بعد الصحابة، إذا فكلام النبي عليه الصلاة والسلام وأفعاله مرفوعة، كلام الصحابة وأفعالهم موقوفة، كلام التابعين ومن بعدهم من علماء الأمة نسميها ماذا؟ مقطوعة، لذلك قال والمقطوع هو الموقوف على التابعي قولا أو فعلا، الموقوف على التابعي يعني ما كان من كلام التابعي أو فعله، نعم.
قال رحمه الله: والمنقطع وهو ما لم يتصل إسناده. خشي ابن الملقن أن يلتبس عليك مصطلح المقطوع بمصطلح آخر مختلف تماما، هو ايش المنقطع؟ فقال لك المنقطع ما تعريفه؟ أولا عليك أن تعرف أن المقطوع وصف للمتن، مش هيك حكينا؟ أما المنقطع وصف لإيش؟ للسند، هذا فرق جوهري، أنا في المقطوع أنا أصف المتن، أما لما أقول منقطع أنا أصف سند الحديث وليس متن الحديث، فأقول سند الحديث منقطع. فيقول ما تعريف المنقطع؟ قال: وهو ما لم يتصل إسناده من أي وجه كان. المنقطع، شوفوا شباب، هناك تعريف عام للمنقطع وهناك تعريف خاص، التعريف العام للمنقطع: أي شكل من أشكال عدم الاتصال في السند تسمى انقطاعا بالمعنى العام، أي حديث لم يتصل سنده سواء من البداية أو من النهاية أو من المنتصف، سواء سقط منه واحد ولا اثنين ولا ثلاثة، أي شكل من أشكال فقدان الاتصال في السند يسمى ماذا؟ منقطعا. يكون مباشرة يسمى السند منقطعا، هذا هو التعريف العام للمنقطع، وهو كل إسناد لم يتصل من أي وجه كان، شو يعني من أي وجه كان؟ قد يكون الانقطاع من أول السند، وقد يكون الانقطاع من آخره، يعني ممكن مثلا أبو داود، طبعا أول السند لما نقول كلمة أول السند نقص من عند صاحب التصنيف، أصحاب المصنفات اللي هم البخاري ومسلم، أصحاب السنن الأربعة أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، البيهقي، الدارقطني، الحاكم، هذول أصحاب السنن، أصحاب المصنفات هم يعتبروا أول الإسناد، وآخر الإسناد مين هو؟
الصحابي ممتاز، فلما نقول والله هذا انقطاع من أول الإسناد يعني صاحب الكتاب أسقط شيخه، أو شيخه وشيخ شيخه ما عندنا مشكلة، وسياتي معنا أن هذا النوع من الانقطاع يسمى التعليق، وقد يكون الانقطاع في الآخر، أنه لا البخاري روى الحديث لآخره بس التابعي أسقط من نقل عنه، يقول الحسن البصري قال صلى الله عليه وسلم ويحذف لنا الواسطة، هذا انقطاع من الأخير، قد يكون الانقطاع من المنتصف وهذا كثير، فلذلك نقول المنقطع هو كل حديث إسناده لم يتصل من أي وجه كان، من البداية أو من النهاية أو من المنتصف، سواء سقط منه راو واحد ولا اثنين ولا ثلاث ولا أربعة، كله يسمى منقطعا بالمعنى العام. أما المنقطع بالمعنى الخاص سأؤجله، طب هذا الانقطاع، المنقطع ما دام بالمعنى العام ويشمل أي شكل من أشكال الانقطاع، سيقسم لنا المنقطع إلى أنواع، فبدأ بالمرسل، ثم سيذكر لك المعضل، ثم سيذكر لك المعلق، الآن المنقطع عند ابن الملقن يدخل تحته المصطلحات الثلاثة القادمة: المرسل والمعضل والمعلق، هذه الثلاثة كلها تعتبر تحت أيش أو شكل من أشكال المنقطع. فالمنقطع إذا كان الانقطاع في آخره يسمى مرسلا، وإذا كان الانقطاع في أوله يسمى معلقا، وإذا كان الانقطاع في منتصفه باثنين فأكثر على التوالي يسمى معضلا، إذا المنقطع بتقسمه لمرسل، معلق، معضل، هذه القسمة الثلاثية، وسنعرف ما هو المرسل والمعضل والمنقطع، نعم.
قال رحمه الله: والمرسل وهو قول التابعي وإن لم يكن كبيرا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. جميل، متى نسمي الحديث المنقطع مرسلا؟ هذا ما نريد أن نعرفه، فقال الحديث المنقطع يسمى منقطعا ومرسلا إذا كان الانقطاع من عند الصحابي، ايش يعني من عند الصحابي؟ أن يقول التابعي، وإن لم يكن كبيرا. هناك كبار التابعين وهناك صغار التابعين، مثلا ابن شهاب الزهري يعتبر من صغار التابعين، ابن شهاب الزهري 124 متوفى يعتبر من صغار التابعين. المهم المرسل هو أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحذف لنا الواسطة. التابعي، سؤال لكم، هل التابعي رأى النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا، فلما يجي ابن شهاب يقول لك قال ابن شهاب قال صلى الله عليه وسلم، الآن أنا متأكد 100% أنه ابن شهاب ما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، ليه؟ لأنه ما عاش معه صح، فأنا متأكد أنه لم يسمع منه. طب إذا كان لم يسمع منه سييبقى عندي شك، ابن شهاب الزهري ممن سمع هذا الحديث؟ يعني أنت لم تدرك زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ممن سمعته؟ الآن سيكون عندي احتمالين، يا إما سمع من صحابي، يا إما سمعه من تابعي آخر والتابعي سمعه عن صحابي، صح؟
لما يقول لك ابن شهاب قال صلى الله عليه وسلم ذهنيا عندي احتمالين، يا إما ابن شهاب سمع الحديث من صحابي ولكنه أسقط من هو الصحابي الذي سمع منه، أو أنه ابن شهاب سمع من تابعي والتابعي سمع من صحابي وابن شهاب أسقط لي كل الحفلة هذه التي سمع منها، أليس كذلك؟ فما دام في عندي أنا عدة احتمالات وشكوك، أنا لو أنا ضامن أنه ابن شهاب سمع فقط من صحابي الحديث سيعتبر صحيحا مباشرة، لأنه إسقاط الصحابي لا يؤثر على صحة الحديث لأن الصحابة كلهم عدول أثبات، لكن المشكلة لو كان ابن شهاب باقي سمعه من تابعي آخر والتابعي الآخر هو اللي سمعه من الصحابي، راح تصير عندي مشكلة، ايش مين هو التابع الذي سمع منه ابن شهاب وهل هو ثقة ولا هذا هو حافظ ولا سيء، راح أدخل في دوامة احتمالات، فلذلك جعلوا المرسل من أقسام الضعيف، لأن المرسل فيه انقطاع، وإذا الانقطاع أن التابعي يقول قال صلى الله عليه وسلم ولا يذكر الواسطة التي تلقى منها الحديث فهذا اسمه المرسل، قال رحمه الله: وهو قول التابعي وإن لم يكن كبيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ومنهما خفي إرساله.
طيب ومنهما خفي إرساله، حقيقة أنا كنت أتمنى أنه ما جاب هذا المصطلح هنا، لكن لأنه الظاهر كلمة مرسل مع مرسل جرت هذا المصطلح. هناك مصطلح منفصل تماما عن المرسل اسمه المرسل الخفي، هذا حفلته مختلفة تماما، ما له علاقة ابتداء أنه التابعي يقول قال صلى الله عليه وسلم، لكن أنا مضطر أني أعرف لك إياه لأنه ذكره في مصطلح عند علماء الحديث اسمه المرسل الخفي. ما هو المرسل الخفي؟ هو أن الراوي بغض النظر مين هو الراوي من أول الإسناد أو من منتصفه أو آخره، يروي عن شيخ أدركه، يعني عاش في عصره لكنه لم يلقه أبدا. تمام؟ يعني أنا الآن بعيش في عصري هذا، صحيح في مشايخ في المغرب، أنا عمري ما رحت على المغرب فانا أعتبر أدركتهم زمنيا، لكن هل التقيت فيهم؟ لا. فإذا أنا في الأردن رويت عن شيخ في المغرب، الجيل الثالث اللي راح يجي بعدينا بقول والله الشيخ إبراهيم كان عايش في الزمن اللي كان عايش فيه ذلك الشيخ في المغرب، آه إذا هو أنا أدركته زمانيا لكن أنا في الواقع أنا ما لقيته، عمري ما شفته، أو احتمال ثاني أكون لقيته، أنا ممكن ربنا أعطانا عمر أزور المغرب في يوم من الأيام وأشوف ذلك الشيخ، بس أنا زرته زيارة خفيفة، وقعدت أنا وياه وعزمني على الأكل وروحَت ما سمعني أي حديث، فهذا اسمه قال: أو لقيه لكنه لم يسمع منه.
فالآن تخيلوا أنني أنا إبراهيم سأروي حديثا عن ذلك الشيخ المغربي، هناك طبعا يا إني أدركته زمانيا بس ما لقيته، أو لقيته بس في زيارة خفيفة وأبدا ما سمعت منه أي حديث، إذا أنا رويت عنه حديثا الجيل الذي سيأتي بعدي ماذا سيظن؟ رايك الشيخ إبراهيم كان عايش زمن الشيخ المغربي، فوالله بجوز سمع منه، إذا ليش ما نحمد الحديث على أنه أيش متصل؟ فبيجي واحد ناقد وفهمان بيقول طيب استنوا شوي يا جماعة خلونا نطلع على حياة إبراهيم رفيق وأدرس لكم حياته تفصيليا، لأكتشف هل هو فعلا سمع من ذلك الشيخ ولا لا، هو ماشي عاش في زمنه، فبيجي بيدرس حياتي فبيكتشف أنه هو صحيح عاش في زمنه لكن هو عمره ما زار المغرب والشيخ المغربي عمره ما زار عمان، بالتالي لما إبراهيم قال عن فلان عن الشيخ المغربي هو أخفى علي الموضوع، وهمني وهمني أنه سمع منه الحديث مباشرة، والواقع ليس كذلك. طيب مين بده يكتشفها؟ واحد يأتي بعدي بس يكون ابن أبوه زي ما بيحكوا، يعني واحد عارف بالضبط حياة إبراهيم الرفيق بالتفصيل وأنه مستحيل يكون سمعه من الشيخ المغربي، وهذا شكل من أشكال العلة الخفية القادحة، مش راح تجي معنا، قلنا شرط الحديث الصحيح أو الحسن عدم وجود علة خفية قادحة، هذا شكل من أشكال العلل الخفية القادحة التي يدركها الجهابذة، وإلا يجينا اليوم في القرن الخامس عشر بده يحكم لي على مرسل خفي بين عالمين اثنين في القرن الثاني الهجري، يرحم والديك، يعني حاول أنك ما تتهور، لأنه أنت شو أدراك في العلماء في القرن الثاني الهجري؟ أنت ممكن تأخذ بعض المعلومات الأساسية عن حياتهم، لكن أحمد بن حنبل هو اللي بيعرف المرسل الخفي، العلماء في ذاك القرن هم أقدر، أما شخص بعد عشرات القرون بده يعرف أنه فلان اللي عاش في زمن.
فلان ما زاره أبداً وما تلقى منه ما بدي أقول مستحيل، بس بدي أقول إنها صعبة جداً جداً؛ فالمرسل الخفي هذا خليه لأهل التخصص من علمائنا الأقدمين رحمهم الله تعالى عليهم.
هناك مرسل فقط للفائدة اسمه مرسل الصحابي، مرسل الصحابي هذا مقبول ويعتبر من قبيل الحديث الصحيح، وهو أن صحابياً يروي واقعة هو لم يكن على قيد الحياة في زمنها أو كان صغيراً جداً جداً، مثلاً عائشة روت لنا حديث كيف بدأ الوحي مع النبي عليه الصلاة والسلام. سؤال: هل عائشة كانت مولودة لما بدأ الوحي؟ لا. فإذاً لما عائشة تروي كيف بدأ الوحي وكيف نزل جبريل، هي قطعاً لم تشاهد هذه الواقعة، لكن بالتأكيد ممن سمعتها إما من زوجها عليه الصلاة والسلام أو من صحابي آخر أخبرها. فإذاً الصحابي لم يشاهد واقعة ونقلها لنا، نحن نعرف أن هناك حلقة مفقودة في الإسناد، لكن الصحابي يُعطى ما لا يُعطى غيره، يعني الصحابة وضع التعامل معهم خاص؛ فالصحابي إذا أسقط الواسطة بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام يسمى مرسل صحابي، لكنني أقبله ولا أناقش الصحابي لأن الله زكاهم وعدلهم.
قال رحمه الله: «والمعضل وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر، ويسمى منقطعاً أيضاً، فكل معضل منقطع ولا عكس». عرفنا المرسل، خل الآن أنتم ضيعكم شوي المرسل الخفي، خلص المرسل الخفي حط لي إياه على الرف، حط لي إياه على الرف، الآن خلينا في المرسل، قلنا ما هو المرسل؟ أن التابعي يقول: «قال صلى الله عليه وسلم»، ويحذف الواسطة، فهذا منقطع. وأي شكل من أشكال الانقطاع، انقطاع إرسال؛ لأن الإرسال يكون فقط من أعلى الإسناد من بين التابعي والنبي صلى الله عليه وسلم. نيجي الآن على القسم الثاني المعضل، وهذا شكل آخر من أشكال الحديث المنقطع. أولاً كلمة معضل ما معناها؟ الشيء المعضل مش أقول والله هي معضلة، شو يعني معضلة؟ يعني مشكلة عويصة، صح؟ فكلمة المعضل معناها قالوا الشيء المستغلق. متى يوصف الإسناد بأنه معضل؟ إذا سقط اثنان فأكثر على التوالي. تمام على التوالي، أي إسناد يسقط منه راويان فأكثر، ممكن ثلاثة، ممكن أربعة، بس بشرط على التوالي، يسمى الإسناد إيش معضل؛ لأنه والله في مشكلة كبيرة في اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة سقطوا على التوالي، بالتالي صار عنا فجوة كبيرة في الإسناد، عشان هيك سموه معضلاً. والمشكل هذا قد يكون في أول الإسناد، وفي وسطه، وفي آخره، أنا العبرة عندي أن يسقط اثنان فأكثر على التوالي، فيسبب كأنه في فجوة كبيرة في منتصف الإسناد ما حدا عارف يرقعها فسمي معضلاً، وهو شكل من أشكال المنقطع، فكما قال لك كل معضل منقطع، ولا حديث معضل هو منقطع؛ لأن المنقطع هو الرأس، المنقطع منه مرسل، منه معضل، منه معلق، فأكيد كل معضل منقطع، كل مرسل منقطع، كل معلق منقطع.
قال: «والمعلق هو ما حذف مبتدأ إسناده واحد فأكثر». طيب الآن نجي على النوع الثالث من المنقطع، ما هو المعلق؟ هسا كلمة معلق أنت بتعرف في اللغة شيء معلق، المعلق من عند مصطلح الحديث ما هو؟ أنه صاحب التصنيف كالبخاري ومسلم يحذف شيخه الذي سمع منه، ويمكن يحذف شيخه وشيخ شيخه فأكثر. كما قال لك: «وما هو ما حذف من مبتدأ إسناده»، ما هو مبتدأ الإسناد؟ قلنا مبتدأ الإسناد من عند المصنف؛ أنه أنا أبو داود بدي أروي حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن صحابي أو شيء، فأحذف شيخي، ممكن أحذف بس شيخي وأقول قال فلان، ويكون هذا فلان اللي قلت قال فلان هو شيخ شيخي، وممكن أحذف شيخي وشيخ شيخي وأبتدئ من الثالث، ممكن أحذف شيخي وشيخ شيخي وشيخ شيخ شيخي وأبتدئ من الرابع، وممكن أحذف وأحياناً فعلها البخاري كثيراً، يحذف كل الإسناد ويقول البخاري مباشرة قال صلى الله عليه وسلم. هنا حذف كل الإسناد وهذا معلق؛ لأنه التعليق أساسه أن يبتدئ الحذف من عند شيخ المصنف. ممكن تحذف بس شيخك، ممكن تحذف شيخك ومن هو أكثر منه، بل ممكن تحذف كل الإسناد، وحقيقة كل نحن رواياتنا اليوم للحديث معلقة، كل ما تسمعني بقول لك قال صلى الله عليه وسلم، هذا معلق، ليه؟ لأنه أنا حذفت سلسلة الإسناد مني إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن اليوم فعلياً كل ما نفعله لما نروي حديث هو كله معلقات؛ لأنك لا تذكر من الشيخ الذي تلقيت منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ممتاز، إذاً هكذا نكون انتهينا من أنواع المنقطع. فالمنقطع متى يكون مرسلاً؟ إذا كان الحذف من آخر الإسناد؛ قال التابعي قال صلى الله عليه وسلم. متى يكون معلقاً؟ إذا كان الحذف من أول الإسناد طبعاً فصاعداً. متى يكون معضلاً؟ إذا سقط اثنان فأكثر على التوالي. إذاً بالتالي هل يمكن يا شيخ حديث يكون معلقاً ومعضلاً في نفس الوقت؟ إيه طبعاً، ممكن يكون الحديث المنقطع منقطع ومعلق ومعضل، لما أحذف شيخي وشيخ شيخي هي اثنين على التوالي، خلص صار معلق وفي نفس الوقت معضل، فبالتالي هي الأنواع تتداخل، ممكن يكون مرسل ومعلق، مرسل ومعضل إذا اكتشفنا أنه بين التابعي والنبي عليه الصلاة والسلام في اثنين سقطوا، ممكن يعني، فهي تقبل التداخل.
قال رحمه الله: «والمعنعن وهو ما أُتي فيه بلفظة عن كفلان عن فلان، وهو متصل إن لم يكن تدليس وأمكن اللقاء». طيب هذا المصطلح رقم كم؟ مين فيكم عم بيحضر مصطلحات؟ طبعاً إخواني مصطلح الحديث علم جامد، أنا بعرف بصير واحد ينعوس معه، بصير له حالة إخفاء، فبدك شوي هيك تنهض وتجدد النية والعزيمة. هو العلم جامد بس تحتاجه، يعني في بعض العلوم مش كلها الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، يعني بعض الشباب بده كل شيء الوسائل المفيدة، لا في علوم دسمة شوي، وبدك تركب وتصحصح لأنها بتفيدك ومرة واحدة تفهمها خلص بتمشي هالسفينة زي ما بقولوا.
المعنعن أيضاً هذا وصف للسند، كما أن المنقطع وصف للسند، المعنعن وصف للسند. متى نقول هذا السند معنعن؟ إذا كان فيه بين أي طبقة من الطبقات استعمال لفظ عن أو ما شابه، مثل أن أو قال. المعنعن هو ما استعمل في الإسناد فيه ولو في طبقة واحدة، هسا ممكن يكون كله معنعن؛ عن فلان، عن فلان، عن فلان، عن فلان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ممكن تكون العنعنة فقط بين اثنين، يعني البخاري يقول حدثني شيخي، حدثه شيخه، حدثه شيخه عن فلان، فتقع العنعنة وين؟ في طبقة واحدة. فالسند المعنعن هو الذي استعملت فيه لفظة عن ولو في طبقة واحدة من الطبقات، لو كله حدثني حدثني حدثني بس بين شيخين عن، صار معنعناً ممتاز. فليس شرط حتى يوصف الإسناد بأنه معنعن أن تكون العنعنة من أوله إلى آخره، يكفي وجودها في طبقة واحدة ممتاز. طبعاً مثل عن، أن، أو قال، لو قال عن، أخبرني فلان، أخبرني فلان، قال فلان، لفظة قال وعن متشابهة، ويسمى أيضاً وعن عن. طيب خلونا الآن في العنعنة، شو مشكلة العنعنة؟ مين يخبرني إيش مشكلة العنعنة؟
يعني لماذا وضعوا له عنواناً مستقلاً؟ إذا أنا قلت عن سليمان شو المشكلة يعني؟ أنتم عاملينها كبرتوها يا مشايخ، تفضل، ممكن أنه يكون عن الشيخ أخذوا. أحسنت، يعني لما أقول أنا عن سليمان أنا أوهم الجمهور أنني سمعته منه مباشرة، ولكن يمكن يكون في الواقع أن هذا شبيه بفكرة المرسل الخفي، شبيه بفكرة المرسل الخفي اللي شرحناها قبل شوي، أنه أنا لما أقول عن سليمان أنا ما كذبت، أنا ما قلت حدثني سليمان، ما حدا يقول إنني كذبت، أنا إيش قلت؟ عن، هل أنا قلت سمعت؟ لا، قلت حدثني؟ لا، قلت أخبرني؟ لا، قلت عنه، هسا أنت افهمها زي ما بدك، هيك أنت افهمها زي ما بدك. أنا لما قلت عن سليمان أنا أوهمتك أنني سمعت منه، لكن ممكن في الواقع أكون لا، أنا ما سمعت منه وحذفت الواسطة بيني وبينه. ليش يا شيخ حذفت الواسطة؟ زي ما قلنا قبل شوي في المرسل الخفي، قد يكون هناك عذر مبرر وقد يكون عذر غير لطيف، ولذلك تبدأ المشاكل هنا في من يمارس هذه الممارسة.
فقال المعنعن هو ما يعني إسناد أتي فيه بصيغة عن كفلان عن فلان. طيب ما هو الأصل في المعنعن؟ ما حكم العلماء فيه؟ هل المعنعن ندخله تحت أنواع المنقطع ولا ندخله تحت المتصل؟ قال: الأصل فيه أنه متصل إلا إذا كان من عنعن موصوف بالتدليس. إذاً الأصل في الحديث المعنعن أنه من أقسام المتصل إلا إذا كان الشخص الذي عنعن عن شيخه معروفاً بالتدليس. يعني حتى، وشوف التدليس سيأتي معنا تعريفه بعد قليل، تمام؟ وهو أنني، طبعاً ما الفرق بين التدليس والمرسل الخفي؟ التدليس والمرسل الخفي الفرق الدقيق بينهما أنه في التدليس أن أروي عن شخص مش بس أدركته، أدركته وزرته وسمعت عنه، أروي حديثاً واحداً أنا ما سمعته عنه. هسا في الفرق، المرسل الخفي مين يذكر شو تعريفه اللي شرحناه قبل شوي؟ يعني أروي عن شخص أدركته بس ما لقيته أصلاً في حياتي، أو لقيته بس ما سمعت منه. التدليس هو الأسوأ؛ لأنه أكثر خفاء، لا، أنا مش بس عاصرتك، أنا عاصرتك ولقيتك وسمعت عنك، بس هذا الحديث بالتحديد حديث ما سمعته عنك، فهون أنت ليش سميت تدليس؟ لأنه أنت فعلاً ورطت الجيل الجاي أنه أنا كيف بدي أعرف أن الشيخ إبراهيم ما سمع هذا الحديث من سليمان؟ لأنه في سيرة الشيخ إبراهيم شو موجود؟ أنه شيخ سليمان وجلس معه وسمع منه، بس هذا الحديث بالتحديد هو الوحيد اللي ما سمعوش منه، ها مين بده يعرفها؟ إلا واحد شغال بالنقاشة، يعرف أن هذا الحديث سليمان رواه مرة واحدة في حياته في مسجد دمشق وفي هذا اليوم ما كان إبراهيم موجود، هي مين بده يعرفها؟
هي ليش أنا قلت لكم أنه في جوانب في علم الحديث هي خلوها للجهابذة، يعني هذه لا أنا ولا أي شخص غير متخصص في الحديث بيقدر يحكم فيها، مشان هيك ما يجي إخواني شخص هو لم يتعامل مع رواة الحديث ولم يعرف تواريخ حياتهم ووفياتهم ياتي يتكلم في علم الأحاديث، والله علمائنا الكبار تعبوا والله تعبوا إخواني بالنقاشة كانوا يشتغلوا، هذا الحديث متى سليمان رواه؟ وين كان إبراهيم؟ هذا الزمان كان في عمان ولا كان في مدينة أخرى لما سليمان روى الحديث؟ هذه من أعقد الأمور ومن المعضلات اللي الجي بي تي نفسه ما بيجيبها، تمام؟ شايفين الجي بي تي قديش هو ذكي وشاطر وعامل حاله فهمان، ما راح يجيب لك إياها، هي بدها واحد فهمان وعاقل ويتتبع زمنياً التواريخ بالنقاشة. إذاً هذا هو التدليس، إذاً لو سألتك أيهما أسوأ التدليس ولا المرسل الخفي؟ التدليس، لأنه أصعب؛ لأنه أنت مش بس أدركته، أدركته ولقيته وسمعت منه بس هذا الحديث ما سمعته منه. فلما قلت لي عن فلان، الناس البسيطة وطلاب العلم المبتدئين أمثالي راح يقول لك إيش؟ هذا أكيد سند متصل، بيجي عالم نحرير بيقول لك لا يا شيخ ترى الشيخ إبراهيم لف عليك هذا الحديث ما سمعه منه، أنا متأكد بطريقة من الطرق.
إذاً الحديث المعنعن هو ما يعني إسناد أتي فيه بصيغة عن، ولو في طبقة واحدة، والأصل فيه أنه متصل إلا إذا كان الذي عنعن مدلساً. إذا كان الذي عنعن مدلساً لا نقول سامحنا، أنت معروف أنك مدلس، فلا نقبل عنعنتك حتى يثبت لنا أنك سمعت. حتى يثبت لنا أنك سمعت، بدك تثبت لي أن أنت سمعت هذا الحديث مباشرة. ليش يا شيخ؟ أنا إنسان محترم، والله يا شيخ ثبت أنك دلست مرة واحدة، من ثبت أنه دلس مرة واحدة لا تقبل عنعنته مطلقاً. ترى يعني أحياناً بدك تفهم التدليس لا يعني أنك تهاجم العالم؛ لأن هذه مارسها بعض العلماء الكبار، يعني سفيان بن عيينة مارس التدليس، مش أنه اللي مارس التدليس واحد سيء لا بده يهدم الدين مش شرط، بعض العلماء الكبار كان لهم مقاصد محترمة لكن مارسوا التدليس، ومع ذلك قلنا لهم سامحونا سفيان بن عيينة ثبت أنك دلست مرة، لا تقبل عنعنتك، لا تقبل عنعنتك، بدك تروي بماذا؟ بالتحديث، بدك تروي بالتحديث. أحياناً قد يكون دلس فقط عن شخص معين، فالبعض لا يقبل عنعنته عن هذا الشخص حتى يصرح بالسماع، فيها تفاصيلها، لكن المهم أن السند المعنعن متصل وهو صحيح، ولذلك البخاري يخرج في صحيح البخاري أسانيد معنعنة، بس البخاري لا يخرج في المعنعنة إلا عمن لا يعرف بالتدليس، ففي صحيح البخاري في عنا أسانيد معنعنة فيها رواية فلان عن فلان، لكن هذه المعنعنة.
البخاري متأكد أنها لم تصدر من شخص مارس التدريس.
فيقول المعنعن هو ما أتي فيه بصيغة عن، وهو متصل بشرط ما هو: أن لم يكن الشخص الذي عنعن مدلسا، وشرط ثانٍ حتى يكون متصلًا وأمكن اللقاء. إذا السند المعنعن متى نحكم عليه أنه متصل؟ نحكم أنه متصل بشرطين: إذا كان الذي عنعن ليس مدلسا -يعني لم يثبت أنه دلس مرة في حياته- وإمكانية اللقاء الزمني.
لأنه لو أنا الآن قلت لكم مثلًا عن الإمام أحمد أنه قال هيك، لو أنا جئتكم الآن عن الإمام أحمد أنه قال؛ أكيد أنا مش مدلس؛ لأن معروف طبيعي أن الشيخ إبراهيم في القرن الخامس عشر، وأنه أحمد بن حنبل قبله بعشر قرون، فأنا لما أقول لك عن أحمد أنه قال ما أظن أنه في حدا بالغ عاقل سيشك، معقول الشيخ إبراهيم كان قاعد مع أحمد بن حنبل؟ في حدا راح يفكر هيك إلا واحد عاد سعيدها ما بيعرف أحمد بن حنبل، تمام؟ ليش أنت ستعرف مباشرة؟ لأنه في فرق عشر قرون بين إبراهيم رفيق وبين الإمام أحمد بن حنبل، فلذلك قال وأمكن اللقاء؛ لأنه إذا أنا رويت بـ عن ولم يمكن اللقاء تاريخيا، أيضًا العنعنة هنا لا تحمل على الاتصال بل يكون السند منقطعًا.
فحتى تكون العنعنة تدل على الاتصال لا بد من إمكانية اللقاء زمنياً، وأن يكون مع هذه الإمكانية الذي عنعن ليس مدلسا، لأن المدلس من حيث إمكانية اللقاء هو أدرك وجلس وسمع فإمكانية اللقاء موجودة وانتهت، بس هو مشكلته أنه يمارس ممارسة مش لطيفة أحيانًا زي ما بدنا نسميها.
البخاري حقيقة اشترط شرطًا أقسى من إمكانية اللقاء حتى يحكم على الحديث المعنعن أنه متصل؛ تعرفوا في خلاف بين البخاري ومسلم، مسلم والجمهور هم الذين قالوا المعنعن متصل إذا أمكن اللقاء مع عدم التدليس. البخاري لا، قال: أنا لا أكتفي بإمكانية اللقاء، البخاري قال: لا بد أن يثبت اللقاء فعليًا بالنسبة لي، ولماذا هذا؟ يقولون ليش صحيح البخاري أعلى من صحيح مسلم، هي معلومة حلوة تعرفها: ليش صحيح البخاري أعلى من صحيح مسلم؟ لأن البخاري لا يقبل المعنعن إلا إذا ثبت اللقاء بين الراوي وشيخه، أما مسلم فيقبل السند المعنعن فقط إذا أمكن اللقاء ولو لم يثبت لديه، مجرد في إمكانية؛ يعني أنا إبراهيم في الأردن وفي شيخ في المغرب، إمكانية اللقاء زمنياً موجودة ولا لا؟ فعند مسلم خلص بمشيها، فإذا أنا رويت عن الشيخ المغربي بـ عن ولم يثبت أني مدلس مسلم يقول لك امشي، البخاري يحكي لا لا تعال، ماشي في إمكانية لقاء بين إبراهيم والشيخ المغربي، بس أنا لا أكتفي بإمكانية اللقاء، لازم يثبت لي أن إبراهيم ولو مرة واحدة على الأقل التقى بالشيخ المغربي، غير أنه مش مدلس هي قضية ثانية، لازم يثبت اللقاء فعلاً بينهم، فلذلك شرط البخاري في قبول المعنعن أعلى من شرط مسلم. فمسلم اكتفى ألا يكون مدلساً مع إمكانية اللقاء، والبخاري قال لا، بده يكون مش مدلس مع ثبوت اللقاء، وفرق كبير بين إمكانية اللقاء وبين ثبوت اللقاء نعم.
قال رحمه الله: والتدليس وهو مكروه لأنه يوهم اللقاء والمعاصرة بقوله قال فلان وهو في الشيوخ، التدليس قال وهو مكروه، بل أحيانًا يكون محرمًا، يعني هو مكروه إذا لم يكن فيه تعمية للدين، أما إذا وصل أن الراوي الذي دلس بده يمشي حديث ويسوقه على الناس، لا سعيدها بده يكون محرماً؛ فالتدليس ما بين الكراهة والتحريم هذا حكمه الشرعي. طب وهو من اسمه تدليس، التدليس ما هو التعمية؟ هذا معنى كلمة دلس في اللغة، كيف يقولك والله فلان بيدلس عليّ؟ شو بيدلس؟ بلف وبدور، هذا معنى التدليس التعمية، لكن التعريف الذي قدمه ابن الملقن حقيقة تعريف اعتقادي ليس محررًا، فهو ماذا قال في التدليس؟ قال وهو مكروه لأنه يوهم اللقاء والمعاصرة بقوله قال فلان، إننا هو لا يوهم اللقاء والمعاصرة ما هو نحن أصلاً قلنا هو عاصر ولقي، يعني التدليس هو يوهم ماذا؟ يوهم السماع أنه سمع حديثًا وهو لم يسمع، وليس فقط يوهم هو أصلاً لقيه وعاصره، فكيف يقول إن التدليس يوهم اللقاء؟ هو لا يوهم اللقاء لأنه أنا أصلاً فعلاً لقيته وأنا فعلاً عاصرته، ولذلك السخاوي لما شرح هذه العبارة شعرت أنه عدل عليها، فقال السخاوي لأنه يوهم السماع، عدلها السخاوي للسماع، لأنه حتى يكون هناك فرق بين المرسل الخفي والتدليس لازم يكون التعريف محررًا، فقوله لأنه يوهم اللقاء والمعاصرة سامحوني بدنا نعدلها نقول: التدليس مكروه لأنه يوهم أن الراوي سمع هذا الحديث من شيخه وهو لم يسمع هذا الحديث من الشيخ، وأما اللقاء والمعاصرة فهي ثابتة تلقائياً، فالعبارة حقيقة ليست في أعلى درجات تحريرها، فنقول المكروه لأنه يوهم أنك سمعت الحديث من الشيخ وأنت لم تسمع هذا الحديث من الشيخ مع أنك طبعاً عاصرته وأدركته ولقيته.
قال رحمه الله: وهو في الشيوخ اخف، التدليس الذي شرحته لكم قبل قليل أن أروي عمن لقيته وسمعت منه حديثاً لم أسمع منه اسمه تدليس إسناد، في نوع آخر من التدليس اسمه تدليس شيوخ، تدليس شيوخ لا، هذا الإسناد متصل ١٠٠% بس أنا شو عملت؟ أنا مش بروي عن سليمان، الآن أنا عارف أنه سليمان في ناس ما بتحبه، وفي ناس غضبانة عليه، وفي ناس تعتبره ضعيف، وفي ناس عندها مشاكل، وأنا هذا الحديث الذي رويته عن سليمان أنا أعرف أن سليمان في هذا الحديث صدق ١٠٠% وأنه عارف شو الذي حكاه في هذا الحديث، فخشيت على الحديث أن يقبل بسبب موقف الناس من سليمان، شو بحكي؟ بحكي حدثني أبو تميم، هسا الناس مين بتعرف أنه سليمان أبو تميم؟ هيكم عرفتوا هسا يضبطنا تمام، أي ما حدا فيكم بيعرف أنه سليمان أبو تميم، فلما أقول لكم حدثني أبو تميم أنت ستضيع إذا من هو أبو تميم؟ روى عن الشيخ إبراهيم، أنتم بتعرفوا أني أنا بروي عن سليمان عادي بس لما قلت حدثني أبو تميم أنت ضعت وحست حي، أبو تميم ليكون هذا شيخ ثاني عظيم الشيخ لقيه وكذا بتصير يروح ذهنك ويأتي، لا هو نفسه سليمان، بس أنا بدل أن أسميه باسمه المشهور أتيت بكنيته، لماذا؟ أيضاً هدف التدليس هدفي أنك تضيع وما تعرف من هو، لعل وعسى يمشي الحديث؛ لأني إذا قلت لك حدثني سليمان أنت ما راح تقبله لأنه سليمان بالنسبة لك ضعيف، فأقوم بتعمية شيخي، تدليس الشيوخ هو تعمية الشيخ من خلال تلقيبه أو تسميته باسم لا يعرف به في أوساط الناس، الهدف أني أروج الحديث، والعلماء طلعوها واكتشفوا من الذي يلعب بهذه الألاعيب ومن يمارسها، وقد يمارسها ترى بعض الكبار، بعض كبار المحدثين مارسها ونحن نعذرهم لكن في النهاية بنوقف بنقول غير مقبول.
قال رحمه الله: والش، بس هو يبقى إيش أخف، لماذا تدليس الشيوخ أخف؟ يقول لك ابن الملقن ليش تدليس الشيوخ أخف من تدليس الإسناد؟ لا هو نفسه، لأنه فعلاً أحسنت أنه هنا الإسناد متصل قطعاً بس أنا بس بدي أخبي أعمي اسم شيخي، أما في تدليس الإسناد أنا ما سمعت الحديث، في حلقة مفقودة من الإسناد بل ممكن تكون حتى أحياناً، فتدليس الشيوخ الإسناد متصل قطعاً، أنا فقط خبيت اسم شيخي من خلال تكنيته، أما في تدليس الإسناد أنا حذفت من الإسناد ناس الإسناد فيه سقط، فلذلك تدليس الإسناد أسوأ من تدليس الشيوخ، ولأني في تدليس الشيوخ أنا فعلاً لما قلت حدثني أبو تميم أنا صادق ولا مش صادق؟ أنا صادق حدثني، بس أنا ما بدي أحد يرد حديث أبو تميم فقط، فلذلك تدليس الشيوخ يبقى أسهل من تدليس الإسناد نعم.
قال رحمه الله: والشاذ وهو ما روى، المصطلح الجديد هو الشاذ مر معنا في تعريف الحديث الصحيح، صحيح ما اتصل إسناده برواية العدل تام الضبط وخلا من الشذوذ والعلة القادحة، طيب فالآن ما معنى الشذوذ؟ ما معنى الشاذ؟ الآن الشاذ يا أيها الكرام، اكتب قد يكون وصفاً للسند وقد يكون وصفاً للمتن، هي أول فائدة، إذا بعض مصطلحات علم الحديث تكون وصفاً للإسناد، بعضها وصف للمتن وبعضها يمكن أن يوصف به السند ويمكن أن يوصف به المتن، فيجوز أن نقول سند شاذ ويجوز أن نقول متن شاذ، فهذا يوصف به الإسناد أحياناً ويوصف به المتن، ما تعريفه؟ قال وهو ما روى الثقة مخالفاً لرواية الثقات، عندك لرواية الناس، طيب في النسخ في إذا ظاهر هناك نسخ عندنا لرواية الناس وهذه التي شرح عليها السخاوي، ليش أنا أقول هذه أعدل؟ لأنه السخاوي شرح عليها وهي مخطوطة كانت عند السخاوي وبنى عليها، اكتب ورد في نسخة السخاوي وهو ما روى الثقة مخالفاً لرواية الناس، إذا الحديث الشاذ ما هو؟ حقيقة الشاذ له سببان للشذوذ وبالتالي سيكون له تعريفان.
التعريف الأول: شاذ أن يروي إمام ثقة مثل شعبة أمير المؤمنين في الحديث، أن يروي الحديث سنداً أو متناً بطريقة مخالفة لما رواه الجم الغفير من الناس ولو كانوا أقل منه في الحفظ، أن يروي إمام ثقة حديثاً بس هو يخالف في متن الحديث بلفظه أو في سنده بلفظه، جمهور من روى هذا الحديث من الناس الجيدون أو من الناس الجيدين ما نقلوا هذه اللفظة التي نقلها شعبة، طبعاً هذه اللفظة التي خالف فيها شعبة الناس قد تكون في السند وقد تكون في المتن، المهم أن شعبة لما روى الحديث خالف فيه جمهور علماء عصره، كلهم رووه بطريقة وهو رواه بطريقة أخرى، فنقول رواية شعبة رواية شاذة. نقول رواية شعبة رواية إيش؟ هسا شعبة ثقة ولا مش ثقة؟ ثقة لكن شو مشكلته أن روايته للحديث في السند أو المتن مخالفة لجمهور علماء عصره ولو كانوا أقل منه في الحفظ؛ لأنه هم ايش الذي يقويهم على شعبة؟ الكثرة، يعني لما يكون عندك ٤٠ شخص حفظهم ٨٥%، وعندك واحد حفظه ٩٠%، هذا أبو ال ٩٠% خالف ال ٣٠ شخص اللي حفظهم ٨٥%، من راح تقدم؟ ٨٥ يا شيخ كيف بدك تقدم ٨٥ ما هو بيقول ماشي هذول صح ٨٥ بس هذول ١٠٠ واحد وهذا صح ٩٠ بس هذا واحد، ففي الاحتمالات العلمية أيهما أكثر قرباً من الصواب؟ الجمهور أكثر قرباً منه ولو كانوا أقل حفظاً منه، فهذه هي السبب الأول للشذوذ ما رواه الثقة مخالفاً لرواية الناس، ممكن نقول مخالفة لرواية الناس الثقات ولو كانوا دونه في الحفظ لأنهم يفضلون عليه بكثرة العدد.
السبب الثاني للشذوذ هو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه، وهنا ستكون المقارنة بين واحد مقابل واحد، بس الاثنين ثقات بس في واحد أوثق من الثاني، فإذا روى شعبة وحفظه ٩٠ حديث خالف رواية شخص من أهل زمانه سفيان ولا غيره وسفيان ٩٥، من ستتقبل روايته؟ سفيان؛ لأنه سفيان أوثق منك أدق منك، فإذاً الحالة الثانية للشذوذ ما رواه الثقة مخالفاً للأوثق، هنا المنافسة ستكون بين ثقة وأوثق، الحالة الأولى لا المنافسة بين واحد وعدد وكلاهما سبب للشذوذ، فالحديث يكون شاذاً وإن كان راويه ثقة.
إذا قلنا لما شعبة خالف في رواية الجمهور سمينا رواية شعبة شاذة صحيح، رواية الجمهور ستسمى عندئذ إيش؟ محفوظة، الشاذ الرواية الشاذة يقابلها في علم مصطلح الحديث الرواية المحفوظة، فيقولون رواية شعبة شاذة ورواية الجمهور محفوظة، فالرواية الشاذة يقابلها الطرف الآخر نسمي الرواية المقابلة لها محفوظة، نجي الآن للمنكر.
قال رحمه الله: والمنكر وهو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ، طيب أما المنكر هو أن يخالف الضعيف في الحفظ للعلماء الثقات، هيك الشاذ ما رواه الثقة مخالفاً لرواية الناس الثقات أو لمن هو أوثق منه، أما المنكر هو ما رواه الضعيف ما تفرد به الضعيف عن رواية الناس الثقات، فلذلك هو أسوأ من الشاذ؛ لأنه المنكر رواية من؟ شخص ضعيف، ضعيف أما في العدالة أو ضعيف في الضبط، وهذا الضعيف تفرد وخالف روايات الثقات من العلماء، فقال المنكر هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ، وهذا واحد ضعيف واحد غير متقن وغير مشهور بالحفظ، إذا بتتكلم عن واحد لين ضعيف تفرد وخالف بالتالي رواية الثقات المنكر.
الآن هذا الضعيف الذي خالف الثقات سنسميه رواية إيش منكرة ورواية الثقات التي تقابله سنسميها إيش معروفة، فالمحفوظ يقابل الشاذ، والمعروف يقابل المنكر، طبعاً هناك تعريف آخر للمنكر وقد يكون هو يعني أنا مشيت مع شرح السخاوي لكن قد يكون الحديث أيضاً إذا رواه شخص ضعيف حتى ولو لم يخالف الثقات فقط شخص ضعيف تفرد بروايته يسمى أيضاً منكر، فالمنكر لفظ يطلق على ما تفرد به الضعيف سواء.
خالف الثقات أو تفرد به الضعيف ولم يروه ثقة أصلاً؛ يعني ما في مخالفة فعلياً هو بس حديث شفنا مين رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم شخص ضعيف فهذا أيضاً يسميه البعض منكراً. لكن المنكر الذي يقابله المعروف هو المنكر الذي رواه الضعيف مخالفاً للثقات، أما المنكر الذي رواه الضعيف ولا توجد مخالفة أصلاً لأنه لم يروِه غيره أصلاً، فهذا فقط يسمى منكراً ولا يوجد له مقابل بالمعروف.
قال رحمه الله: والفرد وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة أو جهة خاصة، كقولهم تفرد به أهل مكة ونحوه.
الآن سيبدأ بذكر مصطلحات الحديث المتعلقة بعدد الرواة. الحديث إخواني باعتبار وصوله إلينا، أكيد أنتم تعرفون أنه ينقسم إلى متواتر وآحاد، صح؟ والآحاد ينقسم إلى مشهور وعزيز وغريب. الآن سيبدأ بهذه المصطلحات، أن الحديث باعتبار عدد الرواة في كل طبقة من طبقاته ينقسم إلى حديث متواتر، وهو ما رواه جمع كبير عن مثلهم عن مثلهم عن مثلهم، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وهذا متواتر. أما إذا رواه جمع لا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب فهذا يسمى آحاداً، والآحاد قد يكون مشهوراً وقد يكون عزيزاً وقد يكون غريباً. والغريب يسمى الغريب ويسمى الفرد أيضاً. الآن سيبدأ بأقلها حالاً، سيبدأ بالفرد الذي هو الغريب، ثم سينتقل للعزيز، ثم للمشهور، ثم للمتواتر، ثم المستفيض، وسنعرف كيف نعرف هذا. فمن هنا دخلنا في مجموعة وزمرة أخرى من مصطلحات علم الحديث، هي المصطلحات المتعلقة بعدد الرواة في كل طبقة من الطبقات حتى نعرف كيف وصل الحديث إلينا، فنبدأ بالفرد. وهذه أيضاً إخواني من أوصاف السند، متى يسمى الإسناد فرداً، متى يسمى عزيزاً، متى يسمى مشهوراً وهكذا، فقال الفرد: اقرأ.
قال رحمه الله: والفرد وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة أو جهة خاصة كقولهم تفرد به أهل مكة ونحوه.
الحديث الفرد، نحن قلنا الحديث المنكر ما هو في تعريفه الثاني؟ إذا شخص ضعيف هو وحده روى حديثاً عن النبي عليه الصلاه والسلام، يسمى منكراً حتى ولو لم يخالف غيره. قلنا إذا راوٍ ضعيف هو وحده فقط ورد عنه حديث عن النبي عليه الصلاه والسلام نسمي حديثه منكراً. أما إذا شخص ثقة هو وحده روى حديثاً عن النبي عليه الصلاه والسلام وما خالف غيره، بس هو وحده، هذا يسمى حديثه فرداً وهو صحيح لا إشكال فيه ما دام الراوي ثقة. فنقول الثقة هو ما تفرد به الراوي، طبعاً هنا حتى أكون دقيقاً حقيقة لا يشترط أن يكون ثقة أو ضعيفاً، يعني الفرد هو ما تفرد به الراوي سواء كان الراوي ثقة أو ضعيفاً، فإذا كان الفرد ضعيفاً اسمه منكر، إذا كان الفرد الذي تفرد رجل قوي وثقة يبقى من قسم الصحيح. فالفرد هو ما تفرد الراوي به عن جميع الرواة، يعني راوٍ هو وحده روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مثلاً حديث وجدنا أن الحسن البصري هو الوحيد الذي رواه عن النبي عليه الصلاه والسلام، أو وجدنا أن شعبة هو الوحيد في طبقته الذي رواه عن النبي عليه الصلاه والسلام، فنقول هذا الحديث اسمه فرد.
طيب سؤال، هل التفرد لازم يكون في جميع الطبقات ولا يكفي ولو كان في طبقة واحدة؟ يكفي ولو كان في طبقة واحدة. كيف يعني؟ يعني هو الفرد مش معناته أنه بس البخاري سمعه عن شيخه عن شيخ شيخه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل طبقة واحد، لا؛ يكفي التفرد في طبقة واحدة. يعني مثلاً حديث رواه عشرة من الصحابة، بس ما سمعه منهم إلا تابعي واحد، وهذا التابعي رواه لعشرين واحداً، وهؤلاء رووه لخمسين، والخمسون رووه لألف، هذا الحديث فرد؛ ليه؟ لأنه في طبقة من طبقاته لا يوجد فيها إلا راوٍ واحد، حتى ولو كانت الطبقة التي فوقه فيها عشرة واثنان والطبقة التي تحته فيها عشرة واثنان. حتى يسمى الحديث فرداً أو تفرد به الراوي يكفي أن يكون التفرد ولو في طبقة واحدة من الطبقات، ممكن يكون التفرد في طبقة التابعين، ممكن يكون في طبقة تابعي التابعين، ولكن في العادة يكون التفرد في التابعين أو تابع التابعين، لأنه بعدين تتوسع قاعدة الانتشار فيصعب أن يكون حديث في الطبقة الثالثة أو الرابعة ما رواه في العالم الإسلامي إلا واحد، بتصير صعبة الشغلة. إذاً الفرد هو ما تفرد الراوي به عن جميع الرواة ولو في طبقة واحدة من الطبقات، هذا اسمه الغريب المطلق.
قال رحمه الله: والفرد وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة أو جهة خاصة. في نوع ثاني من الفرد اسمه الفرد النسبي، هناك الفرد المطلق وهناك الفرد النسبي. الفرد المطلق هو الذي عرفناه، أنه فقط واحد هو الذي تفرد برواية هذه السنة عن النبي عليه الصلاه والسلام ولو في طبقة واحدة من الطبقات. الفرد النسبي لا، حديث حقيقة في كل طبقة من الطبقات مشهور ورواه عدد كبير، لكن وقع التفرد من جهة ماذا؟ أنه مثلاً تفرد بروايته أهل مكة، يعني في كل طبقة من الطبقات عندي خمسة أو ستة رووا هذا الحديث لكن كلياتهم يكونون من أهل مكة، فيقول مثلاً هذا الحديث لم يخرج إلا عن أهل مكة، طبعاً ليس ضرورياً في كل الطبقات مكيين، المهم أنه في إحدى الطبقات لم يخرج إلا عن أهل مكة. مثلاً حديث ينقل من الصحابة إلى التابعين، التابعون الذين سمعوه أين كانوا مقيمين؟ في مكة، فلا يعرف تابعي روى هذا الحديث إلا تابعي مقيم في مكة، ثم بعد ذلك انتشر هذا الحديث في أمصار الإسلام الأخرى، فنقول هذا الحديث لم ينتقل ولم يشتهر إلا عن أهل مكة، فهو غريب أو فرد من هذه الجهة؛ من جهة أن مخرجه مكي، وهذا كثير موجود في كتب الحديث، يقول لك والله هذا حديث شامي، شو يعني شامي؟ يعني لم يخرجه إلا أهل الشام، ثم أهل الشام هم الذين صدروه للدول الأخرى، حديث بصري لم يروه إلا البصريون، ايش يعني لم يروه إلا البصريون؟ يعني هو الحديث نشأ عندهم هم أخذوه عن عبد الله بن مسعود وحدث عندهم ثم نقلوه إلى الأمصار الأخرى، فهذا فعلياً في كل طبقة فيه عشرة أو عشرون بس التفرد وقع من جهة نسبية، من جهة أنه تفرد به أهل الشام عن باقي المدن، هذه اسمها تفرد نسبي وليس هو التفرد المطلق الحقيقي الذي يقصده العلماء ابتداء.
قال رحمه الله: والغريب وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يجمع حديثه. أنا ما أريد أن أدخلك في دوامات التفريقات، أنا أريد أن أعتبر الآن أن الغريب والفرد هو نفس المصطلح، وهذا إطلاق لبعض العلماء أن الغريب والفرد نفس الشيء، نفس تعريف الفرد تعريف الغريب. في عندنا فرد مطلق وفرد نسبي، هو نفسه الغريب المطلق والغريب النسبي. نحن ماذا قلنا؟ الفرد المطلق هو ما تفرد به راوٍ عن كل علماء الإسلام ولو في طبقة واحدة، هذا أيضاً هو تعريف الغريب المطلق. طيب ما تعريف الفرد النسبي؟ هو ما حصل فيه التفرد من جهة ما، من جهة أنه روي عن الشاميين أو من جهة أخرى مثلاً ستأتي معنا وهي التي عُرف بها الغريب، أن يكون التفرد كيف يكون التفرد النسبي أو الغريب النسبي؟ أن يكون هذا الحديث رواه عن الصحابة مجموعة من التابعين، الذين رووه ابن شهاب الزهري، الآن فرضاً هذا الحديث رواه عن الصحابة خمسة من التابعين، كل واحد فيهم روى هذا الحديث، هذا التابعي رواه لخمسة من طلابه، وهذا رواه لخمسة، وهذا لخمسة، إلا ابن شهاب الزهري لم يروِ هذا الحديث إلا لتلميذ واحد تمام، عمر بن دينار مثلاً أو سفيان بن عيينة، فنقول ماذا؟ نقول هذا الحديث تفرد به سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري، ايش يعني؟
يعني ابن شهاب لم يروِ هذا الحديث إلا لتلميذ واحد من تلامذته وهو ابن عيينة، لكن الذين في طبقة ابن شهاب باقي التابعين، لا، كل واحد رواه لخمسة أو ستة، بس التفرد هنا بالنسبة؛ يعني بالنسبة إلى ابن شهاب فقد تفرد بهذا الحديث سفيان، وأما بالنسبة لتابعي آخر روى هذا الحديث، لا الحديث ما شاء الله مشهور، إذاً في الغريب النسبي أو الفرد النسبي يكون الحديث في كل طبقة عدداً لا بأس به من الرواة، لكن في طبقة معينة زي ما قلنا طبقة التابعين، في خمسة من التابعين واحد منهم فقط رواه لشخص واحد وباقي زملائه رووا الحديث لتلاميذهم بكثرة، فنقول تفرد به عن ابن شهاب سفيان، أما عن الحسن أو تابعي آخر عن عمرو بن دينار أو غيره لا، ما شاء الله رواه عدد كبير، فهذا اسمه الغريب النسبي، أي بالنسبة إلى ابن شهاب، وأما إلى أصل الحديث لا، ما شاء الله الحديث في كل طبقة فيه عندك ثلاثة وأربعة وخمسة وستة وما في تفرد. فلذلك قال: والغريب وهو ما تفرد به واحد عن ابن شهاب أو شبه ابن شهاب مثلاً، ما تفرد به واحد عن مالك أو ما تفرد به واحد عن أي عالم من العلماء ممن يهتم بجمع أحاديثه، فالغريب النسبي هو نفسه الفرد النسبي، والغريب المطلق هو نفسه الفرد المطلق.
قال رحمه الله: فإن تفرد اثنان أو ثلاثة سُمي عزيزاً. طيب الآن خلصنا الفرد والغريب، ننتقل للعزيز، ما هو العزيز؟ هو الحديث الذي لم يقل رواته في جميع الطبقات عن اثنين فصاعداً، من البخاري إلى النبي عليه الصلاه والسلام، لم يقل الرواة في جميع الطبقات عن اثنين فصاعداً، مع وجود اثنين فقط في طبقة واحدة من الطبقات، يعني في جميع الطبقات ما في أقل من اثنين، ما في طبقة فيها واحد، لأنه إذا في طبقة واحدة فيها واحد مباشرة صار غريباً، فلازم في جميع طبقاته ما يقل عن اثنين، والشرط الثاني: وفي طبقة واحدة على الأقل لازم يكون بالتحديد. هو قال: أو ثلاثة، حقيقة هذا ليس التعريف المشهور، كما قال السخاوي المعتمد أن العزيز ما كان فيه في طبقة واحدة على الأقل اثنان وجميع الطبقات بده تكون الباقية فيها اثنين أو أكثر من اثنين، هذه هي الفكرة. إذاً الحديث العزيز في طبقة على الأقل فيها اثنان وباقي الطبقات فيها اثنان فأكثر عندئذ يسمى عزيزاً وهو صحيح.
قال: فإن رواه جماعة سُمي مشهوراً. طيب الآن بعد العزيز يأتي الأعلى منه المشهور. الآن هو حقيقة جعل المشهور مفهوماً عاماً، يعني ابن الملقن لم يعرف المشهور بالطريقة الاصطلاحية المشهورة لا، ابن الملقن جعل المشهور مفهوماً واسعاً يدخل فيه المتواتر والمستفيض، لذلك قال: فإن رواه جماعة أو الجماعة سُمي مشهوراً، ومنه المتواتر ومنه المستفيض. هذه طريقة لابن الملقن، لكن المعتمد عند علماء الحديث أن المشهور ما رواه ثلاثة فأكثر في جميع طبقات السند ولم يبلغ حد التواتر، هذا تعريفه، المشهور ما رواه ثلاثة فأكثر في جميع الطبقات لكنه لم يبلغ حد التواتر. طب ما هو حد التواتر؟ حد التواتر أن يروي في كل طبقة من الطبقات جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، الحديث متى يسمى متواتراً عندهم؟ إذا في جميع الطبقات روى عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، الآن إذا في جميع الطبقات فيه ثلاثة فأكثر، فيه ثلاثة فأكثر لكن لا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، لا، ممكن يتواطؤوا على الكذب، فهنا في هذه الحالة يسمى حديثهم ماذا؟
مشهوراً. لذلك قلت في تعريفه للعزيز لما قال اثنان أو ثلاثة كلمة ثلاثة هذه غير محررة. البيقوني مشى على تعريف ابن الملقن للعزيز، الذي فيكم حافظ البيقونية هو مشى على تعريف ابن الملقن أنه جعل العزيز ما رواه اثنان أو ثلاثة، لكن هذا ليس محرراً، العزيز عند المحققين ما رواه اثنان ولو في طبقة واحدة من الطبقات، أما المشهور أن يكون في جميع الطبقات ثلاثة فصاعداً ولم يبلغ حد التواتر، طب إذا بلغ حد التواتر أصبح متواتراً، إذا كفى في جميع الطبقات ثلاثة فأكثر لكنه وصل إلى حد التواتر بأنه في كل طبقة ثلاثة فصاعداً وفي كل طبقة هؤلاء الثلاثة فصاعداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، في كل طبقة ثلاثة فصاعداً وهؤلاء الثلاثة فصاعداً الذين في كل طبقة تحيل العادة أن يتواطؤوا ويتفقوا على الكذب، في هذه الحالة ينتقل الحديث من كونه مشهوراً إلى كونه متواتراً، لكن هنا جعل المشهور ابن الملقن جعله مفهوماً أعم يشمل المتواتر والمشهور الذي لم يصل إلى حد التواتر.
قال رحمه الله: ومنه المتواتر وهو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه.
هذه الإضافة موجودة في النسخة، بالتأكيد الشباب الذين حققوا الكتاب قالوا: المتواتر وهو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم. المتواتر كما قلت لكم تعريفه المشهور هو ما رواه جماعة، ثلاثة فأكثر في كل طبقة من الطبقات، ثلاثة فأكثر في كل طبقة وتحيل العادة تواطؤهم على الكذب. والمتواتر يفيد العلم، ما معنى العلم؟ العلم بمعنى اليقين والجزم. قلنا المتواتر هل يفيد الظن؟ لا، يفيد العلم الجزمي؛ الحديث إذا أصبح متواتراً يفيد العلم الجزم، فهو يقول المتواتر خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه، أي بمجرد ما أنت تسمعه تحصل على الجزم والقطع، ولا يمكن أن يتسرب إليك شك في مصداقية الخبر لأنه هذا متواتر في كل طبقة ثلاثة فصاعداً وتحيل العادة تواطؤهم على الكذب، فإذا سمعته جزمت به جزماً يقينياً أنه لا يمكن أن يكون فيه خطأ أو كذب أو سهو. فهذا تعريف المتواتر.
قال رحمه الله: والمستفيض وهو ما زاد رواته في كل مرتبة على ثلاثة. طبعاً المستفيض هو ما زاد رواته في كل مرتبة على ثلاثة، طبعاً هذا حقيقة تعريف خاص لابن الملقن ومن مشى على مدرسته، وإلا ليس هو التعريف المشتهر للمستفيض، لأنه جعل المستفيض، لا أقول ابن الملقن أول من أتى به لأنها تحتاج إلى تتبع لتاريخ هذا التعريف، لكن هو ماذا يقول؟ يقول: ومن المتواتر، لما عرف المشهور يقول: ما رواه ثلاثة فأكثر، طيب المستفيض ما هو؟ ما زاد رواته في كل مرتبة على ثلاثة.
الآن ما زاد رواته في كل مرتبة على ثلاثة، وكما يسمى مستفيضاً هو يسمى مشهوراً، لأننا نقول المستفيض ما زاد رواته على ثلاثة ولم يبلغ حد التواتر، إذاً المستفيض والمشهور حقيقة في هذا لا فرق بينهما. نعم البعض يقول، حتى أعطيك استعمالات مصطلح المستفيض: البعض يقول المشهور ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة من الطبقات مع وجوب أن يكون في طبقة واحدة على الأقل ثلاثة فقط، يعني زي العزيز. والمستفيض ما رواه في كل طبقة أكثر من ثلاثة، لازم في كل الطبقات أكثر من ثلاثة ولم يبلغ حد التواتر. هذا هو التفريق الأصوب، إذا أردت أن تعترف بالمشهور والمستفيض وأنهما نوعان مختلفان ماذا ستفعل؟ ستقول المشهور ما رواه ثلاثة فصاعداً في كل طبقة من الطبقات مع وجوب أن يكون في طبقة واحدة على الأقل ثلاثة فقط، والمستفيض ما رواه في جميع الطبقات أكثر من ثلاثة، ولا توجد طبقة واحدة فيها ثلاثة فقط، وكليهما المشهور والمستفيض لازم يقيدان: ولم يبلغ حد التواتر، ويصبح المتواتر ما رواه ثلاثة أو أكثر من ثلاثة في جميع الطبقات وكان يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، فهنا يصبح المشهور شيئاً والمستفيض شيئاً والمتواتر شيئاً. هي مشكلة المصطلحات في علم مصطلح الحديث تغلب شوي، لأنه تجد أن بعض العلماء له منهج خاص في المصطلح، بيجي عالم آخر يعطي المصطلح دلالة أخرى، فالطالب الذي لا يعرف اختلاف مذاهب العلماء تضيع الأمور عنده، يقول لك بطلنا نعرف يا شيخ شو الفرق بين المستفيض والمشهور، السبب اختلاف المذاهب، وهذا بده تحري دقيق.
قال رحمه الله تعالى: والمعلل وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته مع السلامة عنها ظاهراً. نحن قلنا في تعريف الحديث الصحيح ما هو؟ نرجع لتعريف الحديث الصحيح: ما اتصل سنده برواية العدل تام الضبط وخلا من الشذوذ والعلة. ما هي العلة؟ العلة هي سبب خفي لا يطلع عليه إخواني إلا الجهابذة، زي المرسل الخفي والمدلس؛ سببه خفي لا يطلع عليه إلا الجهابذة يقدح في صحة السند أو في صحة المتن. فالشذوذ كما قد يكون في المتن يكون في السند، العلة القادحة قد تكون في السند وقد تكون أيضاً في المتن، فيقول والمعلل وهو ما اطلع فيه، ما اطلع فيه من؟ العلماء، على علة قادحة في صحته مع أن ظاهره السلامة منها. يعني لو واحد مبتدئ مثلي ينظر في السند والمتن يقول ما شاء الله الحديث صحيح، لكن بيجي أحمد بن حنبل بيقول أنا عارف إنه أنت شايفه صحيح بس تعال أقول لك هذا الحديث فيه تدليس هنا، هذا الحديث فيه علة هنا، الحديث شعبة زاد فيه هذه اللفظة لم يزدها غيره وأشكلت. فالعالم الناقد المتشرب للصنعة ليس مثل الشاب الغشيم الذي أول مرة يدخل صنعة الحديث ويرى الأمور بظاهرها، فالعلة هو ما اطلع فيه على علة، هو الحديث الذي اطلع فيه في سنده أو في متنه على علة قادحة في صحته مع السلامة عنها ظاهراً. في الظاهر أنت تراه سليماً لكن النقاد أثبتوا أنه مريض، ولذلك سمي معلل من العلة، والعلة هي المرض، الحديث مريض بس أنت شايفه صحيح، فاترك الأمر للطبيب حتى يجد لك هذه العلة.
قال رحمه الله تعالى: والمضطرب وهو ما يروى على أوجه مختلفة متساوية. طيب الاضطراب أيضاً قد يكون في السند وقد يكون في المتن، هذه فائدة متى يوصف الحديث بأنه مضطرب في إسناده أو في متنه؟ إذا روي الحديث على أوجه مختلفة في الإسناد أو على أوجه مختلفة في المتن، وهي لا يمكن الجمع بينها. لا بد هذين الشرطين: لا يمكن الجمع بينها، ولا يمكن الترجيح بينها، متساوية في القوة. ولا يمكن الجمع، الآن لو أمكن الجمع خلص ما عاد مضطرباً. الاضطراب أن هذا الحديث روي إسناده بطرق متعددة أو روي متنه بطرق متعددة، حاولنا نجمع ما ضبط الجمع، حاولنا نرجح والله يا شيخ ما شاء الله كلها في نفس القوة، فسنقول عندئذ الحديث مضطرب في إسناده أو في متنه، وهذا في الأصل سبب من أسباب التضعيف إلا أحياناً يكون الاضطراب في شيء غير مؤثر. إذا كان الاضطراب في شيء غير مؤثر مثلاً زي حديث الإسراء والمعراج، هناك اضطراب في بعض الألفاظ الواردة فيه، لكن أصل الحديث ثابت قطعاً فلا يؤثر هذا على أصل صحة الحديث، وإنما يكون الاضطراب في بعض الألفاظ. أحياناً قد يكون الاضطراب في راوي معين ما اسمه أو والده، بعضهم قال زيد بن خالد وبعضهم قال زيد بن سعيد، نحن عارفين من هو بس نحن مش عارفين مين أبوه، هذا الاضطراب مش مهم، عادي يعني خليه مضطرب لأنه هو زيد بن خالد ولا زيد بن أبوه ولا زيد بن سعد، نحن عارفين زيد وعارفين من هو وثقته، إذاً الاضطراب ليس دائماً يلغي الحديث، لكن الأصل أنه نوع من أنواع الضعف فيه.
قال رحمه الله، لذلك قال: ما يروى على أوجه مختلفة، شو يعني مختلفة؟ يعني لا يمكن الجمع بينها، متساوية، أيش يعني متساوية؟ يعني لا يمكن الترجيح، لا يمكن الجمع ولا يمكن الترجيح، إذاً هذا اضطراب.
قال: والمدرج وهو زيادة تقع في المتن ونحوه. الإدراج أيضاً من مصطلحات علم الحديث، الإدراج هو أن تتم زيادة لفظة في الإسناد أو لفظة في المتن من قبل أحد رواة الحديث. الآن إذا كان الإدراج واضحاً بينّاً لا إشكال فيه، لكن أحياناً يكون خفياً ويحتاج إلى الحذاق. مثلاً حديث مشهور قال حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل». الآن النقاد ماذا يقولون في هذا الحديث؟ إن الجزء الأول منه هو كلام النبي عليه الصلاة والسلام «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء»، والجملة الثانية «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل» هذه من كلام أبي هريرة وليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعض الرواة أخطأ فظنها من كلام النبي عليه الصلاة والسلام فأدخلها في الحديث. هذه والله فرق مهم، لأنه أصبحت هنا مسألة مهمة: هل يسن أن أزيد على المرفق في غسل اليد وأدخل في العضد؟ إذا قلنا فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله، فهم منها البعض مشروعية الدخول في العضد ومشروعية الدخول فيما فوق الكعبين في الرجلين. والعلماء الذين رفضوا هذا قالوا الحديث مش صحيح، هذه الزيادة «فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل» هذا من اجتهاد أبي هريرة ولم يقلها النبي عليه الصلاة والسلام فأدخلها في الحديث. والله فرق، فرق بين أن تكون من اجتهاد أبي هريرة وبين أن تكون من كلام محمد صلى الله عليه وسلم. فالإدراج هو زيادة تقع في المتن أو في السند، هسه إذا كان واضحاً أنها مدرجة ما عندنا مشكلة، لكن وين المشكلة؟ تصبح إذا كان خفي إدراجها، لأنه إذا خفي إدراجها أنا ابتداءً فكرتها من الحديث النبوي، طلعت من كلام صحابي أو من كلام راوٍ، وستؤثر جداً في الحكم الشرعي.
قال رحمه الله تعالى: والموضوع وهو المختلق المصنوع. المختلق يعني المكذوب الذي تم اختلاقه على النبي صلى الله عليه وسلم. قال وقد يلقب بالمردود والمتروك والباطل والمفسد. نعم هذه كلها أسماء للحديث الموضوع وهو أن يُكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» قال عليه الصلاة والسلام. والحديث الموضوع يسمى المردود، ويسمى المتروك وإن كان المشهور أن المتروك هو الحديث الذي يتهم راويه بالفسق أو الكذب ولم يثبت قطعاً أنه موضوع. المشهور في مصطلح المتروك أن المتروك هو الحديث الذي راويه متهم بالكذب أو متهم بالفسق ولم يثبت أنه وضع، فالمتروك أصلاً غير الموضوع، لكن تبقى في النهاية مصطلحات والعالم ممكن يصطلح شيئاً آخر، هو جعل الموضوع والمردود والمتروك والباطل والمفسد بفتح السين جعله من أسماء الحديث الموضوع.
قال رحمه الله: والمقلوب وهو إسناد الحديث إلى غير راويه. المقلوب، ما هو المقلوب أيها الكرام؟ المقلوب أن يسند الحديث، المراد المتن، أن يسند المتن إلى غير راويه، مثلاً حديث رواه أبو هريرة، أقلب فأقول لك عن أنس بن مالك، وحديث أنس بن مالك أعطيه لأبي هريرة، قلبت الطاولة، فهذا يسمى ماذا؟ الحديث المقلوب، الذي أعطي المتن لسند آخر ليس له. وأحياناً قد يفعل ذلك امتحاناً، تعرف القصة الشهيرة للبخاري لما دخل بغداد أو أي مدينة فأخذوا يمتحنونه، فأيش فعلوا؟ قلبوا عليه الأحاديث، جابوا له عشرة أحاديث، جلسوا عشرة، كل واحد معه عشرة أحاديث وقالوا لكل هؤلاء العشرة: اقلبوا الأسانيد والمتون، حط هذا المتن لهذا السند وهذا السند لهذا المتن ونشوف البخاري حافظ ولا ضحك على الناس؟ وفعلاً جلس الإمام البخاري أمام العشرة وهؤلاء العشرة كل واحد منهم معه عشرة أحاديث، قلب السند مع المتن، أعطى السند هذا للمتن هذا والمتن هذا للسند هذا، فالبخاري رجع صفّط لهم الأحاديث تماماً، قال مع الأول هذا المتن هذا سنده، وهذا المتن هذا سنده وهذا المتن. الآن إذا فعلت ذلك اختباراً للطالب ما في مشكلة، أما أن تفعل ذلك تشويهاً لحديث النبي عليه الصلاة والسلام فالقلب يكون حراماً، إذاً المقلوب هو إسناد الحديث إلى غير راويه.
قال رحمه الله: والعالي وهو فضيلة مرغوب فيها. وأحياناً قد يكون ترى القلب، فقط للفائدة المقلوب قد يكون القلب في السند وقد يكون القلب في المتن يعني داخل المتن. القلب في السند أنك تعطي الحديث إلى غير إسناده. القلب في المتن مثل حديث «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، بعض الرواة قلبوا بالخطأ فقال: «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال»، عكس المتن داخله، هذا يسمى قلباً في داخل المتن، وهذا أيضاً يكون من السهو لبعض الرواة.
قال رحمه الله: والعالي وهو فضيلة مرغوب فيها. العلو في الإسناد والنزول هذه من الأمور التي نسميها نحن الاستئناسية، دائماً يقول لك طالب العلم عليه أن يحصل السند العالي. يعني عندك شيخين في البلد، واحد بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام سند في القرآن في 20 شخص، وواحد بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام في سند القرآن 30 شخص، أيهما أولى أن تأخذ عنه الإسناد؟ أبو العشرين، وبين النبي عليه الصلاة والسلام عدد أقل، لذلك أحمد بن حنبل يقول: طلب العلو في الإسناد سنة السلف، أحمد يبين أن سنة السلف هي طلب العلو، ومحمد بن أسلم الطوسي يقول: إن القرب في الإسناد هو قرب من الله وقرب من رسول الله. أنت لما يكون بينك وبين النبي عليه الصلاة والسلام 20 ليس كأن يكون بينك وبينه 30، فطلب العلو هو المقدم، إلا إذا كان الشيخ الذي إسناده أطول والله فيه منقبة أفضل، يعني صح هذا الشيخ إسناده أطول بس والله يا شيخ بيعلمني أكثر أو بستفيد منه أكثر، هنا لا ما بدي العلو في الإسناد إذا كان الشيخ الذي إسناده أطول أكثر فائدة وأكثر علماً ويقدم لي معلومات أكثر من الشيخ الذي إسناده عالٍ، لكن عموماً قال: الإسناد العالي فضيلة مرغوب فيها.
قال: ويحصل بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أحد الأئمة في الحديث. طيب الآن طلب العلو في الإسناد قد يُراد طلب العلو إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يُراد طلب العلو ليس إلى النبي عليه الصلاة والسلام بل إلى إمام من أئمة الحديث. يعني في شيخ بينه وبين الإمام البخاري 10، وفي شيخ بينه وبين الإمام البخاري إلى صحيحه 7، أيهما يقدم؟ أبو السبعة. أنا هنا أطلب العلو ليس إلى النبي عليه الصلاة والسلام بل إلى صحيح البخاري، فالعلو قد يكون للنبي عليه الصلاة والسلام وقد يكون إلى أئمة الحديث.
يحصل صلب القرب من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أحد الأئمة في الحديث بتقدم وفاة الراوي والسماع. وتقدم وفاة الراوي: ماذا يعني؟ الآن هنا في هذا المجلس مثلا، أو في أي مجلس من المجالس، سمع مني طالبان. في طالب ربما يموت غداً خاصة إذا كان كبير السن على حافة قبره، وفي طالب ممكن يموت بعد هذا المجلس بمائة سنة، صح؟ الاثنين سمعوا مني في مجلس واحد لكن بين وفاتهما كم؟ مائة سنة.
فالآن يقول من صور طلب العلو: أني أسمع من هذا الأخ الذي سيموت قريباً، فيكون إسنادي أعلى من لو سمعت من الأخ الذي سيموت بعد مائة سنة. كلاهما في الإسناد موجود؛ كلاهما جلسا في المجلس، وكلاهما في الإسناد يوجد إبراهيم رفيق كطبقة، لكن من العلو أن تأخذ ممن مات أولاً، أن تأخذ ممن تقدمت وفاته؛ هذا يكون أعلى من أن تأخذ ممن تأخرت وفاته، وهذا شكل من أشكال العلو.
يعني أنت تريد فرق مائة سنة بين الاثنين، فلماذا ذاك الشخص يبقى يعيش مائة سنة ويعلم الناس ما أخذه؟ الآن في شخص ممكن يأخذ منه السند بعد ثمانين سنة من الآن، ولكن الشيخ الذي يموت قريباً ممكن شخص يأخذ منه السند متى؟ بعد الأسبوع الجاي، فأيهما أعلى؟ من العلو أن تأخذ الإسناد ممن مات مبكراً. طبعاً هذا سنعرفه لما تحصل الوفاة وتنتهي، أنه في النهاية ما حدا ميت الآن، لكن بس تحصل الوفاة وتنتهي، بنقول كلاهما سمع من نفس الشيخ لكن هذا مات مبكراً وذاك مات بعده بمائة سنة، خاصة لما يكون شاب صغير سمع ورجل كبير. الآن في هذا المجلس شباب أصغر مني بسنوات وعقود، وفي مشايخنا أكبر مني بعقود، كلاهما يسمع، فإذا سمعت من الكبير الذي هو أكبر مني بعقود سيكون إسنادك أعلى من لو سمعته من الصغير الأصغر مني بعقود؛ هذه الفكرة مع أن الاثنين الكبير والصغير سمعوا مني في نفس المجلس.
قال رحمه الله: والنازل وهو ضد العالي. وكذا تقدم السماع، ذكرت تقدم وفاة الراوي، والسماع تقدم وفاة الراوي هذا شكل، وتقدم السماع هذا شيء آخر. تقدم السماع ما هو؟ أنه أنا مثلاً درست في عام 2016 متن الآجرومية في طلاب درسوه عندي، إذا ربنا أعطاني عمر في 2050 ودرسته، في طالب كمان سمعوا مني. الآن الجيل الذي يليه يأخذ متن الآجرومية عمن سمع مني الآجرومية في 2050 ولا عمن سمع الآجرومية في 2016؟ أيهما أعلى؟ أن يسمع الآجرومية من الشخص الذي سمعه مني في 2016، هذا يعتبر علواً في السماع؛ أن هذا الكتاب سمعه من الشيخ طالبان، بس مش في نفس المجلس، هذا الفرق بينه وبين الحالة الماضية، سمعه طالبان؛ واحد سمعه من الشيخ في 2016 وواحد سمعه من الشيخ في 2050. من العلو في الإسناد أن تسمع ممن سمع الكتاب من الشيخ مبكراً وليس من سمعه منه متأخراً، وإن كان أحياناً أن تسمعه ممن سمعه متأخراً يكون أفضل، ليه؟ من يحكي لي؟ أحسنت، الشيخ صار أعلى ونقح شرحه وصار عنده معلومات أكثر، فاللي سمع في 2050 بجوز عنده معلومات أكثر ممن سمع من الشيخ في 2016، فلذلك أحياناً قد يكون النزول أفضل من العلو.
قال رحمه الله تعالى: والمختلف وهو أن يأتي حديثان متعارضان في المعنى ظاهراً، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما على الآخر. هذا ليس مبحثاً لعلماء الحديث، هذا مبحث لعلماء أصول الفقه، لكنهم يذكرونه في علم الحديث، طبعاً ويسمونه مختلف الحديث، ومن أوائل من صنف فيه الإمام الكبير الإمام الشافعي رحمه الله عليه، صنف كتابه مختلف الحديث، وكذلك الإمام ابن قتيبة تأويل مشكل الحديث. ما هو مختلف الحديث؟ مختلف الحديث هذا يتعلق في المتن، حديثان متناهما متعارضان؛ مر معنا في منظومة الشيخ حافظ الحكمي إذا تعارض المتنان واختلف في الظاهر ماذا نفعل؟ نحاول أن نجمع بينهما، عام خاص، مطلق مقيد، نحاول نجمع. طب إذا لم يصلح الجمع وعرفنا المتأخر زمنياً، المتأخر زمنياً ناسخ للمتقدم، طيب إذا ما عرفنا التأخر الزمني نحاول أن نرجح، إذا ما عرفنا المتقدم من المتأخر نرجح، وعرفنا بعض قواعد الترجيح، تذكرون بعض قواعد الترجيح حكاه الشيخ حافظ الحكمي؟ إيش قد ذكرنا؟ أن الحاظر مقدم على المبيح، والمثبت مقدم على النافي، صحيح؟ ما تكون ذاكرتكم السمك إخواني، كلها تسع أيام، تمام؟ مش تنسوا جوهر الفريدة، حاول أن تكون ذاكرتك جيدة، أنك تستحضر المعلومات لبعد خمس أشهر، بعدين بسامحك انسى عشان تيجي مدارج الراقي بعدها، إن شاء الله بنرجع نراجع، طيب فالمختلف الحديث هو أن يأتي حديثان متعارضان، فإنك تحاول أن توفق بينهما، تجمع، الجمع ما استطعت، تحاول أن تنظر أيهما المتأخر فتنسخ، ما عرفت المتأخر تستخدم قاعدة من قواعد الترجيح، طب لم يصلح الترجيح ما عرفت شيء أرجح، قالوا يتوقف، خلص تتركهما على جنب، بيجي شيخ غيرك إن شاء الله أعلم منك بحل المشكلة.
قال رحمه الله تعالى: والمصحف وهو تغيير لفظ أو معنى، وتارة يقع في المتن وتارة في الإسناد. وهو تغيير في لفظ الحديث اسمه تصحيف، أن تغير في لفظ الحديث أو معناه، تمام؟ طبعاً هنا حقيقة الذي يهمنا تغيير الألفاظ، أما تغيير المعنى هذا يدخل في تفسيره وشرحه، أنه أنت حملت الحديث على معنى ليس هو المعنى المقصود منه، هذا اسمه تصحيف المعنى، هذا ليس لنا علاقة به هنا؛ هنا يهمنا ماذا؟ تغيير اللفظ، أن الحديث ورد بلفظ معين، أنت بالخطأ أثناء نسخك للحديث وضعت النقطة في مكان مختلف فاختلف اللفظ تماماً. إذاً هذا التصحيف قد يكون في لفظة وردت في المتن، مثلاً حديث: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال»، مش هيك الحديث؟ بعض نساخ الحديث الأقدمين نسخه بالخطأ فغيره، ماذا قال؟ كتبه: من صام رمضان ثم أتبعه شيئاً من شوال، هسا "ستاً" و"شيئاً" في الشكل قريبة، صح؟ شيئاً ستاً، بس هي العلماء المحققون تتبعوا هذه النسخ، وجدوا أن الذي كتبوا شيئاً صار عنده تصحيف ووضع النقط بشكل خاطئ، وضع النقط بشكل خاطئ؛ فست حط على السين ثلاث نقط، ستاً والتاء حط النقطة تحت بتصير إيش؟
شيئاً، هذا بسموه تصحيف أي تم تغيير اللفظ بالخطأ، طبعاً إذا كان بالعمد هذه جريمة، بس هو الأصل أنه يكون بالخطأ فهذا تصحيف في المتن، وقد يكون في الإسناد؛ قد يكون التصحيف في الإسناد بأن يغير اسم الشخص، قال مثلاً هنا السخاوي كمثال: ابن البذر بالموحدة والمعجمة بدل ابن النذر بالنون المهملة، هو الراوي اسمه ابن النذر لما صحف إيش خلوه ابن البذر، حطوا النقاط في المكان الخاطئ فاختلف اسم الراوي تماماً، هذا تصحيف في الإسناد يجب تعديله. طبعاً من أبرز من صنف في هذه المصحفات الإمام الدارقطني وكذلك الإمام العسكري له كتاب في تصحيفات المحدثين، وكذلك الإمام الخطابي له كتاب اسمه إصلاح غلط المحدثين، إصلاح غلط المحدثين تتبع فيه هذه التصحيفات، وهذه جميلة أنك تراجع مثل هذه الكتب يعني تنظر كيف بعض الأحاديث صحفت.
قال رحمه الله تعالى: والمسلسل وهو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حال، وقل فيه الصحيح. المسلسلات، ها مش بتشوفوها على التلفزيون يا شباب، المسلسلات هو أن يكون الإسناد نقله الشيخ لتلميذه، ثم التلميذ لتلميذه، ثم التلميذ إلى تلميذه على هيئة معينة، هيئة معينة في الألفاظ أو هيئة معينة في الشكل. تمام؟ كان يقول هذا الحديث، مثل حديث معاذ: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: يا معاذ إني أحبك، إذا صليت فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، فمعاذ لما رواه لتلميذه معاذ بن جبل أخذ بيد تلميذه وقال له: إني أحبك، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلميذ معاذ لما رواه لمن بعده أخذ بيده؛ فأصبح مسلسلاً بالمصافحة. صار كل شيخ يروي هذا الحديث لتلميذه يلتزم بهذه الهيئة، طبعاً يا شيخ طيب إيش فائدة هذا؟ هذا يزيدك توثقاً من اتصال السند، أن كل شيخ روى لتلميذه بنفس الهيئة التي هو تلقى فيها الحديث. ومن أشهرها حديث المسلسل بالأولية، وهذا أظن أعطيناه في إحدى الدورات في مدارج رقم واحد اثنين، أنه يقول: أول حديث سمعته من الشيخ حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته من حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه حدثني فلان، وهو بقول أنا عن شيخي عن شيخي عن شيخي، بس حتى يقبل هذا لابد أن تكون إيش أول حديث أنتم تسمعونه مني، حتى تكون المسلسل صحيحاً بده يكون أول حديث سمعتموه مني ويكون أنا هذا أول حديث سمعته من شيخي وشيخي يكون أول حديث سمعته من...
طبعاً هذه أمور تزيينية كما قلنا استئناسية، ولكن للأسف من حيث الواقع والتتبع خاصة إخواننا الله يكرمهم الصوفية شوي زودوها، فدخل المسلسلات في كل شيء، فلذلك أكثر الأحاديث التي فيها مسلسلات ضعيفة، أكثرها فيها مسلسلات ضعيفة؛ المسلسل بالخرقة والمسلسل بالمسبحة، فصارت قصص وحكايات وسواليف؛ فقل للأسف المسلسل الصحيح كما قال لك ابن الملقن: وقل فيه؛ يعني أكثر المسلسلات ضعيفة، طبعاً ضعيفة من حيث إيش إخواني ننتبه؟ من حيث نفس التسلسل، أما أصل المتن بكون صحيح ما عندي مشكلة، بس بهذا الإسناد المسلسل لا ما بكون مش ثابت، وإنما هي قصة اخترعها بعضهم وحاولوا أن يروجوها.
قال رحمه الله تعالى: والاعتبار وهو أن يروي حماد بن سلمة مثلاً حديثاً لا يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، والمتابعة أن يرويها. الآن عندنا ثلاث مصطلحات مشتبكة مع بعضها البعض؛ الاعتبار والمتابعة والشاهد. الاعتبار ما هي؟ هو أن يروى حديث، يظن أن هذا الحديث تفرد به مثلاً حماد بن سلمة، يظن أن هذا الحديث لم يتابع أحد حماد بن سلمة على روايته، فأنا حتى أتأكد من ظني هل هو صحيح أو لا؟ أقوم بعملية ماذا؟ الاعتبار. الاعتبار ما هو؟ التفتيش، اكتب الاعتبار ما معناه التفتيش والبحث والتنقيب. حديث في الظاهر مبدئياً أنه تفرد به حماد بن سلمة، فأنا بدي أتأكد هل فعلاً تفرد به حماد؟ معقول ما رواه شخص آخر؟ فأتي ماذا أفعل؟ أفتش وأنقب في بطون الكتب، عملية التفتيش والتنقيب إيش اسمها؟ اعتبار. طيب فتشت ونقبت فوجدت لا، في شخص شارك حماد بن سلمة في رواية هذا الحديث عن شيخه، أنه مش حماد هو الذي تفرد به، وجدت بالحمد لله أنه في شخص شارك حماد في رواية هذا الحديث عن شيخهما، إذا وجدت شخص شارك حماد في رواية الحديث عن شيخهما حتى وصلنا إلى نفس الصحابي فهذه الرواية التي اكتشفتها اسمها المتابعة.
اسمها إيش؟ المتابعة. أنا اكتشفتها بعد الاعتبار يعني بعد التفتيش، فقال: والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهي المتابعة التامة. إذا حماد روى حديث عن شيخه أيوب بن أبي تميمة، ومبدئياً الذي كان يظهر لي أنه حماد هو الوحيد الذي رواه عن أيوب، رحت فتشت في بطون الكتب، الحمد لله ظفرت أن هناك رجل سمع هذا الحديث من أيوب أيضاً، من هو؟ هنا ذكر مثالاً، ذكر هنا ما ذكر، المهم أحد الرواة شارك حماد في سماع الحديث عن أيوب، إذا وجدت راوياً شارك حماد في سماع الحديث عن أيوب نقول هذه الرواية التي اكتشفتها إيش اسمها متابعة، تابع حماد فلان الفلاني في رواية الحديث عن أيوب.
قال رحمه الله: والشاهد أن يروى حديث آخر بمعناه. أما إذا لم أجد متابعة ممكن أحاول أبحث عن إيش؟ عن شاهد، ما هو الشاهد؟ هسا حديث حماد عن أيوب عن النبي عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، قال عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، بعد التفتيش حقيقة فعلياً لم أجد متابعاً، لكني ماذا وجدت؟ وجدت صحابياً آخر روى حديثاً مشابهاً لحديث الصحابي الأول، مشابهاً في الجملة لحديث الصحابي الأول، مشابهة قد تكون المشابهة تامة وقد تكون المشابهة في الفحوى، هذا الحديث الذي رواه صحابي آخر يشابه الصحابي الأول يسمى هذا الحديث شاهداً، والبخاري كثيراً ما يعتمد على المتابعات والشواهد في صحيحه، الذي يقرأ صحيح البخاري بده يفهم شو يعني متابعة وشو يعني شاهد؛ الشاهد حديث عن صحابي يشهد لحديث رواه صحابي آخر، يعني هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام رواه كم صحابياً؟ فبتكون رواية أنس تشهد لرواية أبي هريرة، ورواية أبي هريرة تشهد لرواية أنس. وأما المتابع لا، التابع هو يكون نفس الحديث بنفس الصحابي، ولكن في ثناياه أنا كنت أظن أن حماد هو فقط الذي رواه عن أيوب عن فلان عن أبي.
لا، اكتشفت أنه في هناك شخص شارك حماد في روايته عن أيوب عن فلان عن أبي هريرة، فالمتابعة في نفس الحديث، والشاهد هو حديث آخر يشهد للحديث الأول.
قال رحمه الله: وزيادة الثقات والجمهور على قبولها. زيادة الثقات ما هي؟ أن يزيد الراوي الثقة في الإسناد أو في الحديث في المتن لفظًا لا يزيده الآخرون. أن يزيد بعض الرواة الثقات هذا الشرط في الإسناد أو في المتن لفظًا لا يزيده الآخرون. تمام؟ هل هذه مقبولة ولا لا؟ إذا لم تكن منافية لرواية الآخرين تكون مقبولة، إذا كانت منافية يعني متعارضة مع رواية الآخرين شو بكون اسمها؟ شاذة، أحسنت؛ لأنه نحن الشاذ شو عرفناه؟ أن يتفرد الراوي عن عموم الثقات، أو أن يتفرد الراوي بشيء يخالف الأوثق منه. هسا التفرد متى يسمى شذوذًا؟ الشذوذ لم يمكن الجمع بين رواية الثقة ورواية الأوثق منه، أما إذا أمكن الجمع بين ما رواه الثقة وتفرد به عن الأوثق منه، هنا لا نسميه شاذ، نسميه زيادة الثقات، وهذا مقبول ما عندنا مشكلة؛ لأنه أحيانًا بعض الثقات قد يروي الحديث ناقصًا، يأتي ثقة يروي الحديث على تمامه، فهذا الثقة الذي روى الحديث على تمامه هو فعليًا روايته لا تتنافى مع رواية الثقات الآخرين بل يمكن الجمع بينهما. فالثقة إذا خالف من هو أوثق منه أو خالف ثقات زمانه إذا لم يمكن الجمع فهو الشاذ الذي مر، وإذا أمكن الجمع بين ما تفرد به الثقة عن من هو أوثق منه فهذا الذي يسمى زيادة الثقات، وهي مقبولة عند جماهير العلماء.
قال رحمه الله تعالى: والمزيد في متصل الأسانيد، وهو أن يزاد في الإسناد رجل فأكثر غلطًا. المزيد في متصل الأسانيد فكرة شبيهة بزيادة الثقات، لكنها تعتبر من قبيل الضعيف المردود. ما هو؟ هو أن يزاد كما عرفوا أن يزاد راو في سند الحديث. ممتاز. يعني حتى أفهمك إياه، عندي حديث له إسناد، هذا الإسناد جاي من طريقين، من طريق مثلًا سفيان ومن طريق أي آخر، عن طريق شعبة. ممتاز، حديث له إسناد ولكن هذا الإسناد له مخرجان، عن طريق سفيان وعن طريق شعبة. طيب، في أحد الإسنادين شعبة أو سفيان زاد في سلسلة الإسناد راويًا، الطرف الآخر لم يزد؛ يعني سفيان رواه عن شيخه عن شيخه عن النبي عليه الصلاة والسلام، شعبة متفق معه، لكن شعبة زاد في إحدى حلقات الإسناد راويًا زائدا. طيب، الآن هل نقبل زيادة شعبة لهذا الراوي الزائد أو لا؟ إذا حديث جاء بإسناد لكن من طريقين ووجد في أحد الطريقين زيادة راو لم توجد في الطريق الآخر، الآن إذا تترجح عندي أن من زاد أوثق ممن لم يزد، أن شعبة اللي زاد هو حقيقة أدق من سفيان، هنا سأقبل زيادة شعبة وسأعتبرها من زيادة الثقات التي مرت معنا الآن. أما إذا ظهر لي بالقرائن أن الذي زاد هو الذي أخطأ، وأن الذي لم يزد هو الأدق وهو الأوثق، فعندئذ نسمي زيادة هذا الشخص في الحديث المزيد في متصل الأسانيد، وحقيقة هو نوع من أنواع الشذوذ، الشاهد أن الثقة خالف من هو أوثق منه في المتن -عفوًا في السند- فهذا زاد شيئًا لم يزده الآخرون، فالمزيد في متصل الأسانيد هو أن يزيد راو في السند ذكر شخص والذي لم يزده يكون أتقن منه، فنقول المزيد في متصل الأسانيد هو نوع من أنواع الشذوذ، وهو شذوذ في السند حيث إن الثقة خالف من هو أوثق فزاد شخصًا في السند لا يزده الثقات.
انتقل الآن إلى ما يشترط في الراوي فقال: قال رحمه الله: وصفه الراوي، وهو العدل الضابط، ويدخل فيه معرفة الجرح والتعديل. الآن راوي الحديث نحن قلنا الحديث الصحيح، نرجع نعرفه: ما اتصل سنده -وعرفنا كل الألفاظ المتعلقة بانقطاع السند: المنقطع وفروع المعضل والمرسل والمعلق والمعنعن- وأُخْبِر برواية العدل الضابط من غير شذوذ ولا علة، وعرفنا شو معنى الشذوذ وأشكال الشذوذ وشو معنى العلة ودخلنا في هذه الحفلة، بقي علينا أن نعرف ما معنى العدل الضابط. فقال: الراوي للحديث حتى تقبل روايته يجب أن يكون عدلًا في دينه، ضابطًا في روايته. والضبط إما أن يكون ضبط كتاب إذا كان يروي من كتاب، أو ضبط صدر إذا كان يروي من حفظه. ويدخل فيه معرفة الجرح والتعديل؛ أي يدخل في معرفة الرواة وهل هم عدول ضابطون علم عظيم اسمه علم الجرح والتعديل، حتى أعرف أن هذا الراوي عدل أو ليس بعدل، ضابط أو ليس بضابط، أحتاج أن أنظر في كلام علماء الجرح والتعديل فيه؛ كلام أحمد، كلام البخاري، كلام يحيى بن معين، كلام سفيان وغيره.
قال: وبيان سن السماع وهو التمييز، ويحصل له في خمس غالبًا، وكيفية السماع والتحمل. من الأمور التي تهمنا في معرفة الرواة أن نعرف سن سماعهم، متى بدأ سماعهم للحديث؛ لماذا؟ لأننا لا نقبل الآن في عندنا إخواني مصطلحين في علم نقل الحديث: مصطلح التحمل، ومصطلح الأداء. التحمل هو أن أسمع الحديث من شيخي، والأداء هو أنني لما أكبر أروي الحديث لتلاميذي؛ أنتم الآن شو بتمارسوا؟ التحمل، وغدًا إن شاء الله ماذا تمارسون؟ الأداء. فالتحمل أن تتلقى المعلومة، والأداء أنك تنشرها، فهل هناك سن معين للتحمل؟ لو معنا في المجلس مع إحدى الأخوات طفل رضيع عمره سنة سنتين، هل بنقول والله هذا الطفل عم بيتحمل قاعد من إبراهيم الرفيق؟ لا؛ لأنه غير مميز. لكن لو معنا ما شاء الله، بشوف بعض الشباب شكلهم سبع ثمان سنين، هل هؤلاء يسمون يتحملون؟ إن شاء الله أنهم يتحملون. فالمتحمل لا بد يكون مميزًا، حتى لو ما كان بالغًا ما عندنا مشكلة، المهم تكون مميز، يعني قادر على الفهم والسماع وتحمل أمانة العلم، حتى ولو لم تكن بالغًا، قالوا حتى ولو كان كافرًا، ممكن الشخص يسمع مني الآن كافر بس بكرة يسلم ويصير يحدث عني، ما عندي مشكلة. ففي لحظة التحمل لا يشترط البلوغ ولا يشترط الإسلام، يشترط التمييز، ولذلك قالوا ويحصل في خمس غالبًا، شو يعني في خمس؟ ما هو أقل سن للتمييز؟ هو قال خمس، الآن حقيقة رقم خمسة ليس رقمًا ثابتًا، والصحيح أن التمييز نسبي، في بعض الشباب بصير عمره 12 سنة وهو مش مميز، وفي ناس عمرها أربع سنين ممكن ثلاث وبنقول لا ربنا معطيه قدرة ذهنية بيلقط ممكن.
قال رحمه الله: وكتابة الحديث، وهو جائز إجماعًا، وتصرف الهمة إلى ضبطه. كتابه الحديث في بداية الإسلام النبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة أن يكتبوا عنه الحديث حتى يشتغلوا بضبط القرآن، ثم لما استقرت الأمور أذن لطائفة منهم أن يكتبوا، ثم بعد ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز أمر ابن شهاب الزهري ببدء كتابة الحديث وتدوينه وجمعه، فتدوين الحديث في الكتب جائز بالإجماع، وتصرف الهمة إلى ضبطه؛ يعني من يكتب الحديث يجب أن يصرف همته إلى ضبط ما يكتب متنًا وسندًا حتى ما يعمل تصحيف.
قال: وأقسام طرق الرواية وهي ثمانية. أنت لما تروي الحديث لما تصير شيخ إن شاء الله وتروي الحديث لطلابك أو تروي الكتاب لطلابك، هناك طرق. من طرق الرواية التي هي نفسها طرق التحمل، هي حقيقة اسمها طرق الرواية وطرق التحمل، أعلاها ما هي؟ قال هي ثمانية، أولها وأعلاها: السماع من لفظ الشيخ، أني أروي وأنتم تسمعون. الثانية: القراءة عليه، أحدكم يقرأ وأنا أعلق. الثالثة: الإجازة بأنواعها؛ كما قلت الإجازة أنه لا أنا قرأت ولا أنتم قرأتم، لقيتكم في طريق من طرقات عمان فقلت لكم أجزتكم بالكتب. الآن الإجازة بأنواعها، لأن هناك إجازة عامة في كل مروياتي وهناك إجازة خاصة أن أجيزك في كتاب معين، أقول يا فلان أنا أجيزك تروي عني فقط هذا الكتاب، فهناك أنواع للإجازة تعرف في المطولات. الرابعة: المناولة؛ المناولة أن أناول كتابًا من الكتب التي عندي فيها إسناد أو أنا ألفتها وأقول لك تناول هذا الكتاب وارو عني، فالمناولة هي إجازة مع تسليم الكتاب لك. الخامسة: المكاتبة، أن شخصًا في المغرب من طلابنا أكتب له أنا رسالة يا فلان أجيز لك أن تروي عني هذا الكتاب، وتصله الرسالة وهو في المغرب، فهنا يصير يروي عني بإجازة المكاتبة. السادسة: الإعلام، وهو أن أعلمكم هكذا أقول لكم هذا الكتاب، أعلمكم أنني سمعته من شيخي، هل بمجرد أن أعلمك أنني سمعت الكتاب من شيخي هذا يعني أني أجيزك أن ترويه عني؟
لا، الصحيح أن مجرد الإعلام إذا أعلمت تلاميذي أن هذا الكتاب من مروياتي هذا لا يعني أنني أجيزكم فيه، بل لا بد أن أصرح بالإجازة بأن أقول: أعلمكم أن هذا الكتاب من مروياتي وأنا أجيزكم أن ترووه لمن بعدكم، هنا يصبح الإعلام طريقة من طرق التحمل. السابعة: الوصية، وهو أنني أكتب وصية وأوصي بعد موتي أن كتبي التي ألفتها يذهب بها إلى الشيخ عثمان، الآن إذا قلت يذهب بها إلى عثمان أوصيت أن تذهب إليه، هل الوصية بحد ذاتها إجازة لعثمان بأن يرويها عني؟ ليست إجازة إلا إذا نصصت في الوصية على أنني أجيزه، بأن أقول أوصي بكتبي أن تكون لعثمان وأجيزه بروايتها، فالوصية طريقة من طرق التحمل إذا اقترنت بإجازة الرواية. الثامنة: الوجادة، الوجادة أنه بعد ما أموت واحد من هالشباب يتصفح مكتبتي والله لقى كتابًا ألفه الشيخ، فيصبح يمسك هذا الكتاب ويجلس يدرسه ويقول والله وجدت في مكتبة الشيخ هذا الكتاب الذي ألفه وها أنا أرويه لكم، هون بدنا ننتبه أنه هو ما بيقدر يجيز فيه عن الشيخ؛ لأنه فقط وجد الكتاب في مكتبة الشيخ وما أجازه أحد به، إذا وجدت أنت كتابًا من كتب مشايخك وصرت تدرسه هل هذا يعني أن الشيخ أجازك فيه؟ لا، فالوجادة يذكرونها لكن الصحيح أنها ليست طريقة من طرق التحمل إلا إذا فرضًا ثبت أن الشيخ أجازك في هذا الكتاب.
قال: وصفة الرواية وأدائها، ويدخل فيه الرواية بالمعنى واختصار الحديث. من الأمور التي يهتم بها في علم الحديث صفة الرواية، أنه الراوي لما روى الحديث كيف أداه؟ ممكن تكون رويت الحديث كاملًا، لما رويته ممكن تكون رويت الحديث مختصرًا، ممكن تكون رويت الحديث بألفاظه وممكن تكون رويت الحديث بالمعنى، صحيح أنت في محاضراتك وخطبك ما بتروي الحديث باللفظ لأنك مش حافظه لكن ممكن تروي الحديث بالمعنى وتقول أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فمعرفة علوم الرواية وكيف أحيانًا يروى بالمعنى وأحيانًا يروى باللفظ وأحيانًا اختصار الحديث، ألا يروى مثلًا الحديث كاملًا، مثل كتب بلوغ المرام وعمدة الأحكام، هذه الكتب في العادة لا تذكر الحديث كاملًا وإنما تذكر موطن الشاهد فيه، فأنت إذا رجعت إلى أصل الحديث في البخاري ومسلم تجد الحديث صفحة لكن ابن حجر في بلوغ المرام اختصر على موطن الشاهد فيه، هذا اسمه اختصار الحديث وهذا له ضوابط وقواعد.
قال رحمه الله تعالى: وآداب المحدث وطالب الحديث. من الأمور التي ينبغي أن يهتم بها آداب المحدث وآداب طالب الحديث، وهي آداب طالب العلم عمومًا، وأن المحدث ينبغي أن يخلص لله سبحانه وتعالى وأن يبتدئ كلامه بحمد الله والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يكون المحدث قد لبس أفضل ثيابه وتعطر لمجلس الحديث، وأما الطالب فيجلس بين يدي شيخه جلسة المتعلم المتأدب ولا يعبث بجواله.
ولا ينظر إلا في كتابه، ويفعل أشياء كثيرة مفيدة.
ومعرفة غريب الحديث ولغته: من الأمور أيضاً التي يهتم بها علماء الحديث معرفة غريب الحديث ولغته. غريب الحديث هي الألفاظ الموجودة في المتن ولا يُعرف معناها، كقوله: الجار أحق بصقبه، ما معنى بصقبه؟ هي لفظة غريبة على كثير منكم، أليس كذلك؟ فتروح تبحث في الكتب ما معنى كلمة الصقب. هذا يسمى غريب الحديث، وكذلك معرفة لغته، اللغة يعني الإعراب، والله هذه اللفظة مرفوعة ولا منصوبة ولا مجرورة، هذه مجزومة ولا فاعل ولا مفعول به، هذا أيضاً يهتم به في علم الحديث، وتفسير معانيه واستنباط أحكامه.
وعزوه إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأيضاً عليك أن تعزوه، تعرف هذا الحديث من حديث ابن مسعود ولا من حديث أبي هريرة؟ طيب من روى عن ابن مسعود؟ علقمة ولا شخص آخر؟ وهكذا. ويحتاج في ذلك إلى معرفة الأحكام الخمسة، وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، وهذا يحتاجه الفقيه وليس المحدث، معرفة الأحكام الخمسة هذه من يحتاجه عموماً الفقيه الذي يريد أن يستنبط من هذه الأحاديث، خاصة أن هذه الألفاظ الوجوب والندب والتحريم والكراهة أحياناً قد ترد في ألفاظ هذا الحديث النبوي، أحياناً كقوله صلى الله عليه وسلم: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». ما معنى واجب؟ هل الواجب هنا مثل الواجب عند المتأخرين أم لها معنى آخر؟ «إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال»، ما معنى كره؟ هل كره بمعنى حرّم أو بمعنى الكراهة عند الأصوليين؟ فهذه الألفاظ موجودة في الحديث النبوي، وتحتاج أنت أن تعرف ما مقصد النبي صلى الله عليه وسلم فيها ومقصد العلماء فيها.
ومتعلقاتها من الخاص وهو ما دل على معنى واحد، والعام وهو ما دل على شيئين من جهة واحدة. والمطلق وهو ما دل على معنى واحد مع عدم تعيين فيه ولا شرط. والمقيد وهو ما دل على معنى مع اشتراط آخر، والمفصل. هذه كلها مرت معنا في منظومة الجوهر الفريدة، أنه ينبغي على المحدث الفقيه الذي يريد الاستنباط أن يكون على دراية بمفهوم العام والخاص؛ هناك ألفاظ عامة، هناك ألفاظ خاصة، هناك ألفاظ مطلقة، كقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92]، هذا دل على ضرورة تحرير الرقبة في الكفارة ولم يشترط فيها شرطاً، في المقابل في آيات أخرى ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، آه والله هذه صارت مقيدة. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] مطلقة، ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] هذه مقيدة، فلا بد أن تكون على قدرة ومعرفة ببعض القواعد اللغوية، طبعاً قاعدة العام والخاص والمطلق والمقيد هي قواعد لغوية قبل أن تكون قواعد أصولية.
والمفصل وهو ما عرف المراد من لفظه ولم يفتقر في البيان إلى غيره، عليك أن تعرف أيضاً المفصل، المفصل اللي هو ما يسمى المبين، والمفصل هو نفسه المبين، وهو ما عُرف المراد من لفظه، يعني آية أو حديث واضح ولم أحتج إلى أن أستعين بنصوص أخرى أو بكتب أخرى حتى أعرف معناه، فهذا يسمى المفصل المبين والمفسر.
والمفسر وهو ما ورد البيان بالمراد منه في مدلوله، هو لفظ كان مجملاً وتم شرحه في آية أخرى أو في حديث آخر فأصبح مفسراً. أما المجمل فهو ما لا يُفهم المراد منه وما زال غير مفهوم ويفتقر إلى غيره. فهذه ثلاثة ألفاظ مع بعضها: المفصل والمفسر والمجمل. المفصل هو لفظ مفهوم ابتداءً في نفسه ولم يحتج أبداً إلى تفسير، واضح، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مفصلة، مش محتاجة أن تبحث عن توضيح لها. المفسر هو لفظ كان مجملاً لك ثم بعد ذلك فُسّر فأصبح اسمه إذاً مفسراً، مثلاً: أقيموا الصلاة، أقيموا الصلاة الآن بالنسبة لنا هي مجمل ولا مفسر؟ هي ابتداءً كانت مجملة، لكنها فُسّرت وعرفنا ما معنى أقيموا الصلاة حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرفنا هيئة الصلاة ركوعاً وسجوداً، فأقيموا الصلاة أصبحت مفسرة بالنسبة لنا وإن كانت ابتداءً مجملة للصحابة في أول الأمر. وأما المجمل فهو اللفظ الذي الآن غير واضح، ولم يأتِ بالنسبة لك أنت لم تقف على تفسير وتفصيل له، فعندك مفصل ومفسر ومجمل؛ المفصل الواضح بذاته، المفسر ما وضح بغيره، المجمل هو الذي ما زال إلى الآن غير واضح.
والترجيح بين الرواة من جهة كثرة العدد مع الاستواء في الحفظ، ومن جهة العدد أيضاً مع التباين فيه وغيره، عليك أيضاً أن تعرف كيف ترجح بين الرواة، وهذا له علاقة بعلم الحديث أن يرجح بين الرواة، مثلاً الترجيح من حيث كثرة العدد إذا استووا في الحفظ والفهم والضبط، أرجح بكثرة العدد، هذا رواه خمسة وهذا رواه عشرة، وأحياناً قد يُرجح من جهة العدد مع التباين في مستويات الحفظ والضبط، وما هي قواعد الترجيح في هذا، وهذا باب كبير.
ومعرفة ناسخه ومنسوخه، هذا أيضاً يهتم به علماء أصول الفقه أن يعرفوا الحديث الناسخ من المنسوخ حتى لا يعمل بحديث المنسوخ. ومعرفة الصحابة وأتباعهم، وهذا مهم، بعض الناس يظن أن الحديث متصل لأنه لا يعرف أن الراوي تابعي وليس صحابياً، يعني بعض الناس اليوم لو سألته من الحسن البصري يفكروا صحابياً مش عارف أنه تابعي، فإذا وجد حديثاً قال الحسن البصري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يظن الحديث متصل، لماذا؟ لجهله بأنه هذا تابعي مش صحابي، فلا بد أن يكون طالب الحديث عنده دراية من هم الصحابة وأسماؤهم، ومن هم التابعون ومن أتباع التابعين.
ومن روى من الأكابر عن الأصاغر، معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر، أن الشيخ يروي عن تلميذه، وهذه ثبتت في رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن الصحابي تميم الداري، حديث الجساسة التي رآها تميم الداري في قرية من القرى وأخذته إلى المسيح الدجال، تميم الداري شاف المسيح الدجال وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وقص النبي صلى الله عليه وسلم خبره للصحابة، فرواية النبي صلى الله عليه وسلم حديث الجساسة عن تميم الداري يسمونها رواية الأكابر باعتبار أن تميم الداري منزلته أصغر من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن تميم الداري والصديق وغيرهما، نعم روى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأخبار عن الصديق، وروى عن عمر الفاروق، يعني يذكرون بعض الأحاديث وإن كان فيها ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثني عمر أن ما سبق أبا بكر إلى خير قط إلا سبقه به»، هذا الحديث حقيقة رواه الديلمي في مسند الفردوس وليس بصحيح، لكن الفكرة أظن واضحة أن الشيخ يروي عن تلميذه هذه تسمى رواية الأكابر عن الأصاغر، ويلقب أيضاً برواية الفاضل عن المفضول، وتسمى أيضاً رواية الفاضل عن المفضول، رواية الأكابر عن الأصاغر لها اسم آخر.
ورواية الشيخ عن التلميذ، إذاً رواية الأكابر عن الأصاغر، فاضل مفضول، شيخ عن التلميذ، كلها بنفس المعنى، كرواية الزهري ويحيى بن سعيد وربيعة وغيرهم عن مالك، تمام مع أن مالك يعتبر في طبقة تلاميذهم، يعني رواية الزهري حديث عن مالك ورواية ربيعة الرأي حديث عن مالك، مالك شيخه ربيعة الرأي وشيخه ابن شهاب، ومع ذلك العلماء قديماً كانوا متواضعين ممكن يستفيد من طالب معلومة ويرويها، يقول حدثني طالبي عن كذا وكذا، والله استفدت منه، ما في مشكلة.
ورواية النظير عن النظير، كالثوري وأبي حنيفة عن مالك حديث: «الأيم أحق بنفسها من وليها»، الآن في رواية أكابر عن أصاغر، في رواية الأقران والنظراء، أنه أنا أروي عن صديقي، بعض الشباب تكبر نفسه: لا، أنا ما بحكي عن صديقي، يا بروي عن شيخ يا بروي عن حد، لا، العلماء لسماحة أنفسهم كان الأصدقاء يروون عن بعضهم، فالثوري سفيان الثوري وأبو حنيفة رووا عن مالك حديث «الأيم أحق بنفسها من وليها» مع أن سفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك كلهم أقران، صح في واحد أكبر من الثاني مو أكيد أبو حنيفة أكبر من مالك لكن كلهم أقران بمعنى عاشوا في نفس الحقبة الزمنية، مالك ولد 93 هجري، أبو حنيفة ولد 80 هجري، يعني فهم تقريباً جيل.
ومعرفة رواية الآباء عن الأبناء، ورواية الآباء عن الأبناء هي جميلة أنه الأب يروي حديث عن ابنه، هذا يهتمون بها، طبعاً لماذا يهتمون بهي التفاصيل إخواني؟ مين يحكي لي لماذا يهتمون بموضوع رواية الأكابر عن الأصاغر والآباء عن الأبناء والشيخ عن التلميذ؟ لأنه يتعلق بها، أحسنت حتى لا تعتقد أن الحديث مقلوب، أنت الوضع الطبيعي أنه التلميذ يروي عن شيخه، لما تشوف شيخ يروي عن تلميذه أنت شو ممكن يجيك؟ والله شكله في غلط في الحديث، تمام تخيل أن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن تميم الداري، شو بتيجي تحكي؟ شكله الراوي قال معاذ الله، أكيد تميم الداري هو اللي روى عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا، عادي أحياناً قد يروي الشيخ عن تلميذه وقد يروي الأب عن ابنه بس هذه بدها تفتيش قليلاً، كرواية العباس عن ابنه الفضل وعكسه، سيدنا العباس بن عبد المطلب روى أحاديث عن ابنه الفضل ما عنده مشكلة.
وكذا رواية الأم عن ولدها، مثلاً أم تروي عن ولدها، مثل رواية أنس، قالوا أنس بن مالك كان يروي بعض الأحاديث عن ابنته أمينة، ورد أن أنس بن مالك روى أحاديث عن ابنته أمينة.
ومعرفة المدبج وهو رواية الأقران بعضهم عن بعض، إذا رويت أنت عن قرينك عن نظيرك عن صديقك حديث وهو يروي عنك، هذا يسمى مدبج، المدبج أنه أنا أروي عن سليمان وسليمان يروي عني، إذا نحن أقران وكل واحد فينا بيروي عن الآخر، هذا ماذا يسمى في علم المصطلح؟ المدبج.
أما إذا كنت أنا أروي عنه بس هو ما بروي عني، صديق يروي عن صديقه بس صديقه ما بروي عنه، هي اسمها رواية الأقران، النظير ينقسم إلى مدبج وأقران، رواية النظراء تنقسم قسمين: مدبج وأقران، مدبج كل واحد بيروي عن الآخر، أقران واحد بيروي عن الثاني بس الثاني شوية كبّر حاله. فإن روى أحدهما عن الآخر ولم يروِ الآخر عنه فغير مدبج، تكتب تسمى رواية الأقران.
ومعرفة رواية الإخوة والأخوات، عليك أيضاً أن تعرف رواية الإخوة الأشقاء عن بعضهم البعض، ورواية الإخوة والأخوات عن بعضهن البعض، كعمر وزيد ابني الخطاب، إيه أنه عمر وزيد بن الخطاب إخوان.
ومن اشترك عنه في الرواية اثنان تباعد ما بين وفاتيهما، اللي حكيناها قبل شوي، أنه أنا في مجلس، في ما شاء الله شاب عمره خمس سنين وفي شيخ عمره 60 سنة، جيد أنك تعرف من سمع من الشيخ وإن تباعد سنهما من حيث العمر والوفاة، كالسراج فإن البخاري روى عنه، وكذا الخفاف وبين وفاتيهما 137 أو أكثر. محمد بن إسحاق السراج روى عنه البخاري وروى عنه الخفاف، بين وفاة البخاري وبين وفاة الخفاف أكثر من 137 سنة، محمد بن إسحاق السراج روى عنه مين؟ البخاري، وروى عنه من؟ الخفاف، تمام أبو الحسين الخفاف، بين وفاة البخاري متى توفي 256، الخفاف ظل عايش لـ 395، تمام 137 سنة، وهذا مهم حتى ما تفكر زي ما حكى، لأنه في غلط في الرواية.
ومن لم يروِ عنه إلا واحد من الصحابة فما بعدهم، كحميد بن صفوان لم يروِ عنه غير الشعبي، جيد أنك تعرف بعض الصحابة الذين لم يروِ عنهم إلا راوٍ واحد، مثلاً هناك صحابي اسمه محمد بن صفوان الأنصاري صحابي مش معروف كثير روى عنه فقط الإمام الشعبي، بس هذا يهم أن تعرف، وحتى لا تظن أنه هذا رجل مجهول أو غير موجود لا يا عم هذا صحابي بس أنت الذي لا تعرفه وليس مشهوراً في الوقائع، وكم من إنسان لا يعرف لكن الله يعرفه.
ومن عُرف بأسماء أو نعوت متعددة، كمحمد بن السائب الكلبي المفسر، أيضاً من المعلومات المهمة في علم الحديث لمن يريد أن يشتغل بالحديث لابد أن يعرف ألقاب الرواة، لماذا؟ حتى في شغله حكينا بتصير يا عمر، حتى ما يصير تدليس شيوخ عليك، قلنا تدليس الشيوخ أنك تسمي شيخك باسم مش مشهور، سليمان أبو تميم، فجيد أنك تعرف أسماء وألقاب الرواة، بعض الرواة له 50 لقب، قد ما بده يحاول يخفي اسمه حطوا له 50 لقب، كل ما ينعرف بيجيبوا له لقب جديد.
بدك تعرف الـ 50 لقب، محمد بن السائب الكلبي حطوا له 50 لقبًا وهو مستبي ضعيف الراوي. مثلاً محمد بن السائب الكلبي هذا مفسر، لكنه متفق على ضعفه، يعني هذا لا تأخذ منه حديثًا حتى تجد شاهدًا أو معتبرًا، متفق على ضعفه تمامًا.
أحيانًا في بعض الكتب يكنونه بأبي النضر، وفي بعض الكتب يكنونه بأبي سعيد، وفي بعض الكتب يكنونه بأبي هشام، الظاهر عنده 15 ولدًا فبناءً على هذا واحد يقول لك: خليني أكنى أبا سعد، نعرف خلص ابنه الثاني شو اسمه؟ أبو هشام، ابنه الثالث، فيضيع الواحد معهم. فبدك تعرف طبعًا هو عالم، لكن يحاول أن يخفي اسمه ليش؟ لأنه متفق على ضعفه فكانوا يحاولون إخفاء اسمه حتى لا يعرف أنه في السند.
ومعرفة الأسماء والكنى والألقاب ومعرفة مفردات ذلك، ومن معرفة مفردات ذلك يقصد معرفة بعض الألقاب المفردة الغريبة أو بعض الأسماء الغريبة، مثلاً عندك غندر، عندك بندار، عندك سندر، طيب مين هذا؟ هي ألقاب غريبة مفردة يلقب بها شخص معين، علي أن أعرف أن محمد بن بشار بندار، وأن هناك من يسمى سندر، وهناك من يسمى بأبي السنابل، وراوي اسمه مش كدانه، عاد خذ عاد دور، بعض الأسماء غريبة تسمى مفردة، يعني أنت مستعجب كيف يلفظ أصلاً الاسم.
ومن اشتهر بالاسم دون الكنية وعكسه، أيضًا من المعارف الجيدة أن يعرفها المحدث أن يعرف من اشتهر باسمه دون كنيته، يعني بعض الرواة مشهور باسمه لكن مش مشهور بكنيته، مالك بن أنس أنت بتعرفه باسمه ولا بكنيته؟ باسمه، فهو مشهور باسمه ولكنه مش مشهور بكنيته. بعض الناس بالعكس هو مشهور بكنيته، أبو حنيفة، ماشي أبو حنيفة النعمان، ماشي بتزبط تمام، لكن أبو، عادت تكنية بماذا؟ بكنيته، أبو بكر الصديق، أبو بكر، في حدا فيكم بيعرف اسمه؟ بعض الناس لا، مش عارف اسمه، أبو بكر بس خلص مشهور بماذا؟ بكنيته.
ومن وافق اسمه اسم أبيه، بعض الناس مثلاً اسمه اسم والده، الحسن بن الحسن، هسه هذا مهم تعرفه حتى لا تظن أنه هناك تصحيف، أنه بعض الناس يقول لك الله يسامحه هذا اللي نسخ كرر الاسم، لا، مش عارف أنه هذا اسم أبوه، الحسن بن الحسن، ابن الجزري ايش مر معنا اسمه؟ محمد بن، بعض الناس يقول لك والله هذا تصحيف شكله كرر الاسم بالغلط، لا هو محمد بن محمد بن محمد، هكذا اسمه، ايش أسوي لك؟
والمؤتلف والمختلف، عليك أن تعرف المؤتلف والمختلف، اسمان يتفقان خطًا ويختلفان من حيث النقط ومن حيث اللفظ، المؤتلف والمختلف اسمان لراويين من حيث الخط متفقان بس من حيث أماكن النقط واللفظ مختلفان، مثل جرير وحريز، هسه جرير وحريز شيل النقط، نفس الشكل، لأنه أنت في الزمن القديم إخواني ما كان في نقط، قليلًا كان ينقط، فجرير وحريز نفس الشكل، حط النقط تكتشف أنه هذا جرير وهذاك اسم آخر مختلف تمامًا اسمه حريز، فهذا سموه المؤتلف والمختلف، الرواة اللي أسماؤهم متفقة من حيث الخط ومختلفة من حيث التنقيط واللفظ أيضًا.
والمتفق والمفترق، أنت تعرف المتفق والمفترق، المتفق والمفترق هذه أسماء لراويين اتفقت خطًا ونطقًا، وافترقت جدًا أو نسبة أو أبا أو ما شابه ذلك، راويان اسمهما متفق لكنهم اختلفا من حيث الجد أو النسبة أو غير ذلك من الفروق، مثلاً كالخليل بن أحمد البصري اللي هو الفراهيدي صاحب علم العروض، وآخر اسمه أيضًا الخليل بن أحمد البصري، الفرق بينهم أن الخليل بن أحمد اسم جده عمرو، والخليل بن أحمد الثاني المحدث اسم جده بشر، يعني هذا اسمه الخليل بن أحمد الفراهيدي، بس كيف ينقل في الكتب؟ قال: الخليل بن أحمد البصري، هسه كلمة الخليل بن أحمد البصري تطلق على رجلين، الفرق بينهم اسم الجد، اليوم أنت ممكن ترفع عليه قضية وأنت بريء ولا شغلي، شو السبب؟ أنه تلاقي تشابه الجد، فأخونا المحامي بدل ما يأخذ اسمك اسم المتهم أخذ اسمك، فهذه قضية مهمة أنه تعرف الفرق بين أسماء الأجداد لأنه قد يتفق الراوي مع اسم أبيه ويختلفون في اسم الجد أو في النسبة.
وما تركب منهما، يعني ما تركب من المؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق، مثل محمد بن عقيل ومحمد بن عقيل، هسه كلمة عقيل وعقيل هذه تعتبر من قبيل المؤتلف والمختلف، أنه هذه تلفظ عقيل وهذه تلفظ عقيل، لأنه حكينا المؤتلف والمختلف الاتفاق خطًا والاختلاف نطقًا، فعقيل وعقيل هذا مؤتلف ومختلف، طيب ومحمد بن عقيل ومحمد بن عقيل؛ واحد نيسابوري وواحد فريابي، هذا اسمه نيسابوري نسبة إلى نيسابور في إيران، وفي الفريابي نسبة إلى مصر، وبالتالي هذا يسمى أيضًا متفق، اتفقا في اسمهما واختلفا في نسبهما، فأحيانًا ممكن الاسمين يكون فيهم مؤتلف ومختلف ومتفق ومفترق، محمد بن عقيل النيسابوري ومحمد بن عقيل الفريابي، هذا يطبق عليه كليهما، عقيل وعقيل مؤتلف ومختلف، وهذا محمد النيسابوري وذاك الفريابي هذا متفق ومفترق.
والمتشابه، ومنه مما هو ضده يقول المتشابه كعباس وعياش، اسم أبي كل منهما الوليد، عباس بن الوليد وعياش بن الوليد وهما بصريان، شو الفرق بينهم؟ لو أن شلت النقط عباس وعياش نفس الحفلة، صح؟ لكن النقط هي اللي فرقت بينهم فهذا يسمى ماذا؟ مؤتلف ومختلف.
والمنسوب إلى غير أبيه كبلال بن حمامة، بلال بن حمامة، الآن من الجيد أن تعرف أن بعض الصحابة والتابعين في الشهرة لم ينسبوا إلى آبائهم بل إلى أمهاتهم، وأحيانًا قد لا تكون شهرة لكن في بعض الأحاديث ينسب إلى أمه، مثل سيدنا بلال بن رباح أحيانًا تجد بعض الروايات يقول بلال بن حمامة، مين حمامة؟ هي أمه، تمام، شرحبيل بن حسنة الصحابي الجليل، شرحبيل بن حسنة نسبه إلى أمه، في صحابي يشتبه كثير، يعلى بن أمية ويعلى بن منية، مرة ينسب إلى أبوه فيسمى يعلى بن أمية، ومرة ينسبونه إلى أمه فيقولون يعلى بن منية، والبعض يظن هذا تصحيف ومش تصحيف، أمه اسمها منية وأبوه اسمه أمية، ومرة ينسب إلى أبيه ومرة ينسب إلى أمه.
والنسبة التي يسبق إلى الفهم منها شيء وهي بخلافه، كأبي مسعود البدري، فإنه أيضًا جيد أن تعرف كإنسان مشتغل بعلم الحديث الأنساب التي يفهم منها شيء والمراد منها شيء آخر، كالصحابي الجليل أبي مسعود البدري، الناس تظن أن أبا مسعود البدري سمي بدريًا لماذا؟ لأنه شارك في غزوة بدر، وهذا مش صحيح، سمي بهذا لأنه كان بيته بجنب موقعة بدر فسمي البدري، خالد الحذاء سمي بذلك، قالوا البعض هؤلاء أنه كان يشتغل في صنع الأحذية، لكن لما تتبعوا اكتشفوا أنه كان يجلس مع صانعي الأحذية فصار اسمه يلقب بإيش أو ينسب إلى الحذاء، فكثير من الألقاب على غير شهرتها، في هناك رجل نسيت اسمه هو حقيقة يلقب بالضال، لما أنت تسمع الاسم أعوذ بالله شو الضال؟ لكن هذا طلع قصة أنه ضل الطريق في سفر من الأسفار فصار اسمه الضال، وهو إمام ثقة من كبار العلماء، فأحيانًا النسب قد لا يعطيك الواقع هذا الذي يقصده.
والمبهمات، المبهمات هذا أيضًا فن اشتغل به بعض المحدثين وهو أنه يرد في كثير من نصوص الحديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أقبلت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعض العلماء كان شغلته الشاغلة يعرف من هو هذا الرجل ومن هي المرأة، المبهمات هي ألفاظ مبهمة وردت في متن الحديث، جاء رجل، وغادر رجل، وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعض العلماء جعل شغله الشاغل أن يعرف من هو الرجل المبهم ومن هي المرأة، فيتتبع طرق الحديث لعله يعرف اسمه، اسمه المبهمات، علم المبهمات.
والتواريخ والوفيات، أيضًا طبعًا هذا لا بد منه، ما في محدث أو طالب علم يشتغل بعلم الحديث لا يعرف متى توفي البخاري ومتى توفي مسلم ومتى توفي سفيان بن عيينة، لأنه إذا أنت بتعرف التاريخ والوفيات ما رح تعرف التدليس ولا المرسل الخفي ولا المتصل ولا المنقطع، لأن هذه مبنية على معرفة متى مات الراوي ومتى ولد.
ومعرفة الثقات والضعفاء ومن اختلف فيه فيرجح بالميزان، ومن اختلف فيه منهم، في ناس اتفق على توثيقهم وفي هناك أناس اتفق على تضعيفهم، وهناك من رجحه ووثقه بعض العلماء وضعفه بعض العلماء، فهؤلاء أنت تحاول أن ترجح وتجتهد ما هو رأيك، هل هو ضعيف أو ثقة؟ طبعًا هذا للمتخصص مش لطالب العلم الذي لا يعرف أسباب الجرح والتعديل، فترجح بميزان العدل والإنصاف.
ومن اختلط في آخر عمره من الثقات وخرف منهم، أيضًا يجب أن تعرف من الرواة الذين اختلطوا في آخر عمرهم فضعفت محفوظاتهم أو بعضهم أصابهم الخرف، لأن هؤلاء الذين اختلطوا قد يكون روى أحاديث قبل أن يختلط وقد يكون روى أحاديث بعد أن اختلط، فأحاديثه التي رواها قبل أن يختلط مقبولة، لكن أحاديثه التي رواها لتلاميذه بعد أن ثبت اختلاطه تصبح مردودة، فمن روى قبل ذلك عنهم قبل وإلا فلا، مثل سعيد بن أبي عروبة تلميذ قتادة، هذا إمام كبير لكنه اختلط في آخر عمره فما رواه قبل الاختلاط مقبول.
ومن احترقت كتبه أو ذهبت فرجع إلى حفظه فساء، مثل ابن لهيعة، أنا قلت هشيم، ابن لهيعة، احترقت كتبه قالوا وضاعت، فأصبح يروي من حفظه، كان في العادة يروي من كتبه، ضاعت كتبه أو احترقت فأصبحت روايته ضعيفة، فكل ما رواه قبل أن تحترق كتبه نقبله، كل ما رواه بعد أن احترقت كتبه يضعف.
ومن حدث ونسي ثم روى عمن روى عنه، تمام، طبعًا هنا من الطرف الجميلة يقولون يعني ذكرها السخاوي ممن احترقت كتبه قال: كالمصنف اللي هو ابن الملقن، يقولون احترقت كتبه فضعف علمه في آخر عمره، فمثال هذا أكبر مثال حي يقول السخاوي على من احترقت كتبه كالمؤلف ابن الملقن، أو ذهبت كتبه كابن لهيعة فرجع إلى حفظه فساء، ومن حدث ونسي ثم روى عمن روى عنه، هذه فكرة جميلة أن بعض المشايخ يروي حديثًا لتلميذه وبعد ما أكبر ينسى الحديث، فأنت بتقول لي والله يا شيخ أنا سمعت الحديث منك، بقول لك والله أنا ناسي، خلص بصير أنا أروي الحديث عنك، حدثني طالبي أنني حدثته في زمن مضى عن هذا الحديث، وهذا وقع في حديث سهيل، حديث اليمين والشاهد.
ومعرفة طبقات الرواة والعلماء والموالي، معرفة طبقة الصحابة، طبقة التابعين، طبقة أتباع التابعين، متى تقريبًا تبدأ كل طبقة ومتى تنتهي وأبرز أسماء العلماء، معرفة أيضًا الموالي، الموالي يطلق على العبد المعتق أنه مولى، ويطلق على الرجل الأعجمي أنه مولى بالنسبة للرجل المسلم، ويطلق على من أسلم على يد رجل أنه مولى له، وهذه قصة الموالي قصة كبيرة، ومعرفة القبائل والبلاد والصناعات والحلى، الحلى هي ألقاب الرواة، مش عنا الأعمش، لماذا لقب الأعمش بالأعمش وهو اسمه سليمان بن مهران، الأعرج عبد الرحمن بن هرمز لماذا لقب بالأعرج، هي اسمها الحلى، يعني الألقاب وما أسبابها.
وآخر ذلك والله أعلم بالصواب، وهذه آخر التذكرة، قال: هذا آخر التذكرة وهي عجالة للمبتدئ فيه ومدخل للتأليف السالف المشار إليه، أولًا فإنه مدخل للتأليف، يعني هذه التذكرة هي مدخل حتى تدخل في كتاب المقنع لابن الملقن الكتاب الأوسع، فإنه جامع لفوائد هذا العلم وشوارده ومهماته وفرائده، ولله الحمد على تيسيره وأمثاله. قال رحمه الله: فرغت من تحرير هذه التذكرة في نحو ساعتين من صبيحة يوم الجمعة السابعة جمادى الأولى عام 733، أحسن الله بعضها وما بعدها في خير منها، آمين، أحسن الله بعضها، عندك بعضها يعني أظن هذه فيها تصحيف، وجزى الله الإمام ابن الملقن عنا خير الجزاء على هذه التذكرة، هي اسمها تذكرة يعني مراجعة سريعة لبعض مصطلحات المحدثين، نسأل الله أن يفيدنا وأن يعلمنا، وصلى الله على سيدنا محمد.
حياكم الله أيها الكرام إلى المجلس الثاني في هذا اليوم، وأعيد التذكير بما نبه عليه الشيخ أبو رقية قبل قليل بالنسبة لما يتعلق بمواضيع الإجازات، خاصة الإخوة والأخوات الذين دخلوا متأخرين، والإخوة والأخوات الذين يتابعون أيضاً عبر البث المباشر. غداً سيتم تسليم الإجازات بالأسانيد المتصلة لمن حضر وجاهياً. الرابط الذي سينزل الليلة هو رابط لمن سيستلم الإجازات وجاهياً غداً بإذن الله في المجلس الختامي، وهذا الرابط سينزل بعد انتهاء مجلس اليوم، وسيستمر إلى الساعة السابعة صباحاً.
للأسف بعض الطلاب يستيقظ الساعة العاشرة ويقول: والله يا شيخ ما سجلت. الإخوة الإعلاميون يشتغلون مع الشيخ منذر ومعهم، فالله يكرمك استيقظ مبكراً أو نم متأخراً، أنت بين حلين، أو الموضوع ينزل الساعة 11 أو 12 ليلاً؛ فأرجو من الجميع أن يتعامل مع الموضوع بمسؤولية حتى لا يتعب إخوانه. حقيقةً إدخال الأسماء بعد الساعة السابعة سيكون متعباً ويشغل الإخوة، ومن لا يعرف طبيعة هذه الأمور يظن القضية سهلة، ولا يعرف أن بعض الإخوة أرسلوا مشوار 2 كيلو لأن حضرتك لا تريد التسجيل في الوقت المناسب. فالله يرفع قدركم، من هو محب للإجازات عليه أن يلتزم بضوابطها، الساعة السابعة الإخوة يغلقون التسجيل وعليك أن تلتزم بذلك.
الإخوة الذين يتابعون عبر الأونلاين سيتم إنزال رابط لهم إن شاء الله بعد يوم الثلاثاء إذا كان في العمر بقية؛ ينزل الرابط الثاني لأن إجازتهم أونلاين ترسل لهم عبر العالم، فيسجل بريده الإلكتروني ومعلوماته ويتم التعامل معهم وفق ما يقتضيه الموقف.
بقي علينا أيها الكرام في رحلة مدارج العلم لهذا العام رسالتان لطيفتا. الرسالة الأولى رسالة في شرح حديث «إنما الأعمال بالنيات»، وهذه الرسالة لأبي العباس ابن تيمية الحفيد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عليه. وهي رسالة في شرح حديث عظيم من أصول الإسلام، وهو حديث «إنما الأعمال بالنيات»، حتى قال بعض العلماء إن مدار الإسلام على هذا الحديث؛ لأن مدار التقرب إلى الله إنما يكون بالنية، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، أي أخلصه وأصوبه، فالنية هي أساس السير إلى الله سبحانه وتعالى، والإنسان قبل أن يسير إلى الله ببدنه يسير إلى الله بقلبه.
وهذه الرسالة خفيفة قصيرة، ولعل البعض ربما يقول: لماذا لم تضعها في بداية الدورة؟ كنا نتوقع أنه في بداية الدورة نبدأ بحديث «إنما الأعمال بالنيات» حتى نصوب النوايا، فلماذا أخرت؟ حقيقةً الرسالة فيها نوع من الصعوبة في بعض مفرداتها، ومن قرأها منكم يرى أنها ليست سهلة؛ لا يغرنك قصرها ففيها بعض القواعد الأصولية. فأكون صادقاً معكم أني خشيت أن أبتدئ بها فينفر الطلاب الجدد، لكن لما تكون آخر يوم في مدارج تكون سهلة نوعاً ما. ارتأينا أن من الحكمة أن تكون في ختام الدورة، والإنسان يصوب نيته في البداية وفي الختام أيضاً، تصوب النيات في البدايات وفي الختامات. وأما الرسالة الأخيرة، اليوم سنقرأ جزءاً من الرسالة وغداً إن شاء الله نكمل رسالة ابن تيمية مع قراءة كتاب فضائل الشام للإمام ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى عليه، وبه يكون الختام. فلنشرع مستعينين بالنظر فيما علقه شيخ الإسلام في هذه الرسالة اللطيفة على حديث الأعمال بالنيات.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: الحمد لله المستوجب لصفات المدح والكمال، المستحق للحمد على كل حال، لا يحصي أحد ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه بأكمل الثناء وأحسن المقال. فهو المنعم على العباد بالخلق، وبإرسال الرسل إليهم، وبهداية المؤمنين منهم لصالح الأعمال. وهو المتفضل عليهم بالعفو عنهم وبالثواب الدائم بلا انقطاع ولا زوال. له الحمد في الأولى والآخرة، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه متصلاً بالاتصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي هدى به من الضلال، وأمر المؤمنين بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، ووضع عنهم الآصار والأغلال، فصلى الله عليه وعلى آله خير الآل، وعلى أصحابه الذين كانوا نصرة للدين حتى ظهر الحق وانطمست أعلام الضلال.
أما بعد، فإن الله تعالى خلق الخلق لما شاء من حكمته، وأسبغ عليهم ما لا يحصونه من نعمته، وكرم بني آدم بأصناف كرامته، وخص عباده المؤمنين باصطفائه وهدايته، وجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس من بريته، وبعث فيهم رسولاً من أنفسهم يعلمون صدقه وأمانته وجميل سيرته، يتلو عليهم آياته ليخرجهم من ظلمة الكفر وحيرته، ويهديهم إلى صراط مستقيم ويدعوهم إلى عبادته. وأنزل عليهم أفضل كتاب أنزله إلى خليقته، وجعله آية باقية إلى قيام ساعته، معجزة باهرة مبدية عن حجته، وبينة ظاهرة موضحة لدعوته، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويدلهم على طريق جنته.
والسعيد من اعتصم بكتاب الله واتبع الرسول في سنته وشريعته، والمهتدي بمناره المقتفي لآثاره هو أفضل الخلق في دنياه وآخرته. والمحيي لشيء من سنته له أجرها وأجر من عمل بها من غير نقصان في أجر طاعته، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة بل يضاعف الحسنات بفضله ورحمته. وإحياء سنته يشمل أنواعاً من البر لسعة فضل الله وكرامته، فيكون بالتبليغ لها والبيان لأجل ظهور الحق ونصرته، ويكون بالإعانة عليها بإنفاق المال والجهاد إعانةً على دين الله وعلو كلمته.
هذه قاعدة مهمة جداً؛ كيف ننصر دين الله سبحانه وتعالى اليوم؟ كيف ينصر المسلم دين الله؟ هناك أناس يوفقهم الله سبحانه وتعالى لنصرة هذا الدين كما قال شيخ الإسلام بالتبليغ والبيان وتعليم الناس الخير وممارسة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وهناك أناس قد لا يكون أعطي مقالاً ولكنه أعطي مالاً، فيقول شيخ الإسلام: ويكون نصرة السنة بالإعانة عليها بإنفاق المال إعانةً على دين الله وعلو كلمته. إذاً القسم الأول من يكون بالتبليغ والبيان؛ طلبة العلم، الدعاة، المصلحون، هناك أناس هذا ثغرهم: أن يبينوا ويشرحوا ويدرسوا ويعلموا ويشتغلوا بالدعوة في أي مكان رزقه الله بيئة دعوية أو علمية يشتغل فيها. وفي المقابل هناك أناس ثغرهم الذي ادخرهم الله له أن ينصروا هذه الدعوة بالمال. والله سبحانه وتعالى كما ذكرنا البارحة لما ذكر عن الجهاد ونصرة الدين ماذا قال؟ جاهدوا بماذا؟ بأموالكم وأنفسكم. أنت عندما تعلم وتدرس أنت تجاهد بماذا؟ بنفسك. لكن قبل أن تجاهد بنفسك أنت تحتاج مالاً حتى تقيم مشروعاً وحتى تدرس وحتى يتم هذا الأمر ويكون له الخير والبركة؛ فلذلك قدم المال على النفس في جل آيات القرآن، لأن المال يقيم جهاد النفس، وجهاد النفس لا يقام بدون جهاد المال.
فلذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قال: وإحياء سنته يشمل أنواعاً من البر، أنت تريد أن تحيي الدين؛ هناك أنواع وكل على حسب ثغره. فهناك من يكون بالتبليغ والبيان، وهناك من يكون بالمال. ولذلك الصحابة الكرام تنوعت مشاربهم؛ فخالد بن الوليد نصر الدين بنفسه، محارب صنديد، وعثمان بن عفان شارك في القتال بنفسه لكن أعظم ملامحه النصرة بالمال، وعبد الرحمن بن عوف النصرة بالمال؛ لأن ذاك ثغره الأعظم. لكن هنا ننبه أيضاً أنه إذا استعملك الله في نصرة الدين بنفسك وتعليم الناس الخير أو شيء من ذلك، لا بد أن يكون لك سهم أيضاً في الجهاد بالمال، يعني لا تقل أنا فقط الجهاد بالنفس أما الجهاد بالمال لا؛ أنت ممكن تعلم وتنشر ويكون ربنا وسع عليك قليلاً فتجاهد بمالك على قدر استطاعتك. وذاك الشخص الذي يجاهد بماله وهذا أعلى ما عنده، لا يعني أنه لا يجاهد بنفسه في تعليم الناس الخير وإرشادهم، ولو على مستوى أسرته ومسجده وأهل بيته. فدائماً أنت تحاول أن تضرب بسهم في أكثر من جهة، لكن بالتأكيد هناك سهم سيكون أعلى، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال رحمه الله: فالجهاد بالمال مقرون بالجهاد بالنفس، قد ذكره الله تعالى قبله وفي غير موضع لعظم منزلته وثمرته. فقد ذكره الله قبله، أي ذكر الله الجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس في أكثر من آية في كتاب الله؛ لعظيم ثمرة المال في إقامة العلم ونشره.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازياً فقد غزا». انظر هذا الاستدلال الجميل؛ «من جهز غازياً فقد غزا». هناك غزو نعم بقتال المشركين يدوياً، وهناك غزو بالعلم، وهذه كما كانوا يسمونها غارات العلم وغارات الفكر، هي غزوة أن تغير على الشبهات فتكبحها وتهاجمها وترفضها، وتصلح ما أفسده الكفار في عقول الشباب، هذه غزوة. «ومن جهز غازياً فقد غزا»، لما تجهز المراكز العلمية وتجهز القيام بها والكتب والمصنفات، وتكون سبباً؛ أنت تجهز غازياً في سبيل الله. قال صلى الله عليه وسلم: «ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا».
وأخبر أن من فطر صائماً فله مثل مثوبته، لا سيما ما يبقى نفعه بعد موت الإنسان ومصيره إلى تربته؛ العلم الوقفي. أفضل أنواع بذل المال في العلم هو العلم الوقفي الذي يبقى أثره بعد وفاتك. أنت اليوم حتى أسباب الوقف تنوعت؛ اليوم الوقف الإلكتروني، اليوم محاضرة واحدة ترفع على الشبكة يتابعها الناس ليس في بلد، عبر العالم، ويستفيد منها أناس في أفريقيا وآسيا وماليزيا وأوروبا وأنت جالس هنا، أنت فقط دفعت مالاً من أجل محاضرة إلكترونية؛ تخيل كم هذا العلم الذي سينشر كم سيكون ثوابه لك يوم القيامة؟ قال: لا سيما ما يبقى نفعه بعد موت الإنسان، أنت تموت ويوم القيامة عندما تلقى الله تجد حسنات جاءت لك من أناس في أفريقيا أنت لست عارفاً عنهم، تقول هؤلاء ايش علاقتي فيهم؟ تجد أن هذا الرجل أنت بمحاضرة إلكترونية كنت سبباً في دعمها وقيامها ذاك الرجل تعلم منها فأصلح قبيلة، وذاك الرجل في إندونيسيا أسلم شعب، وتجد حسنات عجيبة كلها ربما بمبلغ أنت ما خطر في ذهنك أن يقع عند الله هذا الموقع وأن يكون له ذلك الأثر الممتد عميق الأثر. فلذلك هناك أناس ربنا يوفقهم لهذا الفكر ولهذا الجهاد المالي في نشر العلم وإحياء سنته، وكان ابن تيمية يدفع الناس للتفكير بهذا البعد ولا تبقى حاصراً نفسك في أوجه محدودة من أوجه البر.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، فهذه الثلاث هي من أعماله الباقية بعد ميتته، التي هي صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. فهذه الثلاث الصدقة الجارية، أو العلم الذي ينتفع به، أو الولد الصالح، هذه الثلاث يبقى ثوابها لك بعد موتك لأنها من أعمالك أصلاً، أنت الذي عملتها وبقي ثوابها ممتداً حتى بعد انتهاء الحياة.
قال رحمه الله: بخلاف ما ينفعه بعد موته من أعمال غيره من الدعاء والصدقة والعتق، فإن ذلك ليس من سعيه بل من سعي غيره وشفاعته. الآن وهو أراد أن يفرق شيخ الإسلام؛ الآن في هناك أناس يموتون، صحيح أنت مثلاً والدك توفاه الله تحب تعمل عنه صدقة، تحب تهدي له ثواب صلاة، تحب تهدي له ثواب صيام. إهداء الثواب للأموات، هذا ثواب أنت تحصله ليس من سعيك بل من سعي غيرك؛ هذا الحي قرأ ختمة وأهدى ثوابها للميت، الميت يأخذ الثواب لكن ياخذ هذا الثواب من سعيه ولا من سعي الأحياء؟ من سعي الأحياء. وأما الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به، لما الميت يأخذ ثوابها بعد موته هذا ليس من سعي غيره بل هذا من سعيه هو؛ لأنه أنت تسببت في هذا الوقف واستمر من ينتفع به إلى ما بعد موتك، فأنت تحصل من سعيك.
وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ. بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْإِنسَانَ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ يَنْتَهِي سَعْيُهُ، لَا، وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ. أَنْتَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَمِرَّ سَعْيُكَ بَعْدَ مَوْتِكَ، وَأَنْتَ مَنْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ؛ كَيْفَ؟ بِصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتَ سَبَبًا فِي انْتِشَارِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. فَإِنَّ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ سَعْيَ الْإِنسَانِ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ مَوْتِهِ، بَلْ سَعْيُكَ سَيَبْقَى لَكَ إِذَا كَانَ سَعْيُكَ بِطَرِيقَةٍ اسْتِثْمَارِيَّةٍ اسْتِيرَاتِيجِيَّةٍ بَعِيدَةِ الْمَدَى؛ يُمْكِنُ يَسْتَمِرُّ سَعْيُكَ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِكَ. وَأَمَّا إِذَا مَا كَانَ عِنْدَكَ أَعْمَالٌ وَقْفِيَّةٌ فَإِنَّ سَعْيَكَ سَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِكَ، وَيَبْقَى ثَوَابُ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُهْدِيهَا الْأَحْيَاءُ لَكَ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ سَعْيِكَ بَلْ سَعْيُ غَيْرِكَ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُوصِلُ هَذَا الثَّوَابَ إِلَيْكَ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَكَمَا يَلْحَقُ بِالْمُؤْمِنِ مَا يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ". وَكَمَا يَلْحَقُ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21]. هَسَّة ذُرِّيَّتُكَ تَكُونُ مَثَلًا تَحْتَكَ فِي الْجَنَّةِ، لَمَّا اللَّهُ يَرْفَعُهُمْ لَكَ يَرْفَعُهُمْ لَكَ لِمَنْزِلَتِكَ بِسَعْيِهِمْ وَلَا بِسَعْيِكَ أَنْتَ؟ بِسَعْيِكَ أَنْتَ، فَأَحْيَانًا الْإِنسَانُ قَدْ يُرْفَعُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ قَدْ يَصِلُ إِلَيْهِ ثَوَابٌ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ سَعْيِهِ بَلْ مِنْ سَعْيِ غَيْرِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ، وَهِيَ فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ. كَيْفَ أَنَّ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يَعْنِي أَوْلَادَكَ مَا فَعَلُوا فِيهِ أَعْمَالًا صَالِحَةً مِثْلَكَ، لَكِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِسَعْيِكَ، فَيُعْطِيهِمْ مَنْزِلَةً لَمْ يَحْصُلُوهَا بِسَعْيِهِمْ وَلَكِنْ بِبَرَكَةِ سَعْيِ وَالِدِهِمْ، انْتَفَعُوا هُمْ بِبَرَكَةِ سَعْيِ وَالِدِهِمْ. فَانْتِفَاعُ الْإِنسَانِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ هَذَا وَارِدٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، سَوَاءٌ إِهْدَاءُ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ أَوْ فِي مَوْضُوعِ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَنَّ الذُّرِّيَّةَ تَلْحَقُ آبَاءَهَا وَأَجْدَادَهَا مِنَ الصَّالِحِينَ، فَهَنِيئًا لِمَنْ كَانَ لَهُ وَاللَّهِ وَالِدٌ شَهِيدٌ وَلَا وَالِدٌ عَالِمٌ وَلَا وَالِدٌ مُصْلِحٌ؛ لِأَنَّهُ حَتَّى لَوْ حَسَنَاتُكَ مَا كَمَّشَتْ كَثِيرًا يَعْنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تُرْفَعُ فِي الْجَنَّةِ إِلَى مَرْتَبَةِ الصَّالِحِينَ بِبَرَكَتِهِمْ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَأَصْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ إِخْلَاصُ الْعَبْدِ لِلَّهِ فِي نِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَخَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَهِيَ دَعْوَةُ الرُّسُلِ لِكَافَّةِ بَرِيَّتِهِ". الْأَصْلُ هُنَا بِمَعْنَى الْأَسَاسِ وَالْجِذْرِ، الْجِذْرُ الَّذِي يَنْطَلِقُ مِنْهُ فِكْرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي حَيَاتِكَ، مَا هِيَ؟ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ. يَعْنِي الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي تَفْعَلُهَا لَا تُصَنَّفُ أَنَّهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ وَلَا تَأْخُذُ هَذَا اللَّقَبَ إِلَّا إِذَا كَانَ جِذْرُهَا صَحِيحًا، وَجِذْرُهَا مَا هُوَ؟ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَصِحَّةُ النَّوَايَا، فَصِحَّةُ النَّوَايَا هُوَ الْجِذْرُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.
كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بِأَوْضَحِ دَلَالَاتِهِ. وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَفْتَتِحُوا مَجَالِسَهُمْ وَكُتُبَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَبِدَايَتِهِ، فَنَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ؛ إِذْ كَانُوا أَفْضَلَ جِيلِ الْإِسْلَامِ وَمُقَدِّمَتَهُ. فَنَقُولُ مُسْتَعِينِينَ بِاللَّهِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَأَحِبَّتِهِ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ. لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ أَسَاسَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ النِّيَّةُ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ، وَلَمَّا كَانَتِ النِّيَّةُ هَكَذَا يَقُولُ عِنْدِي فِي نُسْخَتِي: وَلَمَّا كَانَتِ النِّيَّةُ أَسَاسَ الْأَعْمَالِ كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْتَفْتِحُوا بِهَا مَجَالِسَهُمْ وَكُتُبَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ كَانُوا عَادَةً مَا يُحِبُّونَ أَنْ يَسْتَفْتِحُوا مَجَالِسَهُمْ وَكُتُبَهُمْ، حَتَّى الْبُخَارِيُّ مَا أَوَّلُ حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ؟ حَدِيثُ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». لِمَاذَا الْعُلَمَاءُ حَرَصُوا عَلَى ذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ إِنَّمَا يُبَارَكُ فِيهِ بِمَاذَا؟ عَلَى مِقْدَارِ صَوَابِ نِيَّتِهِ. فَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْتَفْتِحُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ مَجَالِسَهُمْ وَكُتُبَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَمَشَارِيعِهِمْ، فَيَسْتَحِبُّونَ الِاسْتِفْتَاحَ بِحَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَبِدَايَتِهِ. قَالَ: فَنَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ؛ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ هَذِهِ الرِّسَالَةَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَضَعَهَا إِمَّا فِي ابْتِدَاءِ كِتَابٍ أَوْ لِابْتِدَاءِ مَجْلِسٍ، لِأَنَّهُ قَالَ: فَنَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ عَلَى مِنْهَاجِ السَّلَفِ أَنْ نَسْتَفْتِحَ كَلَامَنَا وَكُتُبَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَنَقُولُ مُسْتَعِينِينَ بِاللَّهِ، اقْرَأْ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»".
هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ، أَوَّلًا سَنَدْرُسُ سَنَدَهُ؛ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، هَذَا هُوَ السَّنَدُ الْوَحِيدُ الصَّحِيحُ لِهَذَا الْحَدِيثِ. يَعْنِي رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى وَبِأَسَانِيدَ أُخْرَى لَكِنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ، هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ لَهُ هُوَ هَذَا الْإِسْنَادُ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ مِنْ قَبِيلِ الْحَدِيثِ الْغَرِيبِ، مَش ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الْغَرِيبَ مَا تَفَرَّدَ فِي طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِهِ وَاحِدٌ؟ هَذَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْقَبِيلِ الْغَرِيبِ، إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ، السَّنَدُ لَمْ يُرْوَ بِحَدِيثٍ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ؛ بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. طَبْعًا بَعْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعَهُ مِنْهُ الْمِئَاتُ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ خَلَصَ رَوَاهُ لِلْمِئَاتِ وَسَمِعُوهُ مِنْهُ، لَكِنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عُمَرَ بِهَذَا التَّفَرُّدِ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ الصَّحِيحُ، ثُمَّ بَعْدَ يَحْيَى أَسْمَعَهُ لِلْكَثِيرِ وَانْتَشَرَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أُمَّةِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ". لَاحِظْ مَاذَا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَعَ أَنَّهُ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ، يَعْنِي هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ غَرِيبٌ. لِمَاذَا غَرِيبٌ؟ فِي أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ لَا يُوجَدُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ؛ طَبَقَةُ يَحْيَى وَالطَّبَقَةُ الَّتِي فَوْقَهُ وَالَّتِي فَوْقَهُ إِلَى الصَّحَابَةِ، فِي أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ لَا يُوجَدُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ صَحِيحٌ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَا جَمَعَهَا ابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، فَأَهْلُ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا إِلَّا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ، وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ". يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إِذًا قَاضِي الْمَدِينَةِ، فَهُمْ إِذًا أَهْلُ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ غَرِيبٌ وَلَكِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ أَيْضًا؛ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ، يُقَالُ إِنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْ عَالِمٍ". كَمَا قُلْنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ رَوَى الْحَدِيثَ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ عَالِمٍ، يَعْنِي بَعْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ خَلَصَ أَصْبَحَ مَشْهُورًا فِي الْأُمَّةِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "مِثْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ وَأَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ وَزَائِدَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا، مِنْ شُيُوخِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَطَبَقَتِهِمْ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَلِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَائِرُ مِنْ غَرَائِبِ الصِّحَاحِ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ".
يَقُولُ: هَلْ هُنَاكَ أَحَادِيثُ فِعْلًا صَحِيحَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَهِيَ أَيْضًا غَرِيبَةٌ؟ مِثْلُ حَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»؟ هَلْ هُنَاكَ أَحَادِيثُ تُشْبِهُ حَدِيثَ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، يَعْنِي حَدِيثًا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَكِنَّهُ غَرِيبٌ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا طَرِيقٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ. إِذَا بِتَذْكُرُوا فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ لِلنَّيْسَابُورِيِّ قُلْنَا أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ يُصْبِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ عَلَاقَةٌ اسْمُهَا عَلَاقَةُ إِيشْ؟ الْوَلَاءِ، وَهِيَ إِيشْ بِتُفِيدُهُ؟ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْحُرُّ وَلَيْسَ عِنْدَهُ وَارِثٌ أَنَّ سَيِّدَهُ بِيَأْخُذُ الْمِيرَاثَ. طَبَّ هَذَا الْوَلَاءُ شَيْءٌ مَعْنَوِيٌّ صَحَّ؟ هُوَ حَقٌّ مَعْنَوِيٌّ، بَصِيرُ السَّيِّدُ يَرُوحُ يُزَاوِدُ عَلَيْهِ فِي السُّوقِ، يَرُوحُ يَا جَمَاعَةَ أَنَا عِنْدِي وَلَاءُ هَذَا الشَّخْصِ، مِينَ يَشْتَرِي مِنِّي الْوَلَاءَ؟ حَقٌّ مَعْنَوِيٌّ، لِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَبِيعَهُ أَوْ أَنْ تَهَبَهُ أَوْ أَنْ تُتَاجِرَ فِيهِ، فَهَذَا مَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ. وَلَاءُ عَبْدِكَ الَّذِي أَعْتَقْتَهُ لَكَ، مَا بَدَّكَ تَنْتَفِعَ فِيهِ، بَيْرْجَعُ لَكَ، لَكِنْ مَا حَقٌّ مَعْنَوِيٌّ هَذَا لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى وَلَا يُسَاوَمُ عَلَيْهِ. هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَقَالُوا تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، يَعْنِي لَمْ يُرْوَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ هَذَا التَّابِعِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَمِثْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ". فَقِيلَ إِنَّ.. الْمِغْفَرُ الَّتِي هِيَ الْخُوذَةُ، دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ خُوذَةٌ. نَعَمْ. فَقِيلَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". ابْنُ خَطَلٍ هَذَا أَحَدُ الَّذِينَ أَهْدَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِمَاءَهُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، قَالَ: "اقْتُلُوهُ". الْآنَ جَاي يَتَمَسَّحُ بِالدِّينِ بَعْدَ مَا الْفَضَائِعَ، وَهَجَوْهُ لِلنَّبِيِّ؛ هَذَا كَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَشْتِمُ وَيُلْقِي قَصَائِدَ فِي هِجْوِهِ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَصْفِيَتِهِ حَتَّى وَلَوْ رَأَيْتُمُوهُ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَخْرَجَهُ، تَفَرَّدَ بِهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَقِيلَ تَفَرَّدَ بِهِ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. فَالْحَدِيثُ الْغَرِيبُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ.. هَذَا مَثَلًا أَيْضًا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ غَرِيبٌ، لِمَاذَا؟ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَالِكٌ، طَبْعًا هِيَ فِيهَا نِقَاشٌ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الشُّهْرَةَ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ إِلَّا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، فَهَذَا تَفَرُّدٌ. إِذًا كَوْنُ الْحَدِيثِ فِيهِ تَفَرُّدٌ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ يَا إِخْوَةُ، فَقَدْ يَكُونُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ: "فَالْحَدِيثُ الْغَرِيبُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ وَاحِدٌ، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيبَ الْمَتْنِ أَوْ غَرِيبَ الْإِسْنَادِ، وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَتْنُهُ صَحِيحًا مِنْ طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَرِيبَةٍ". تَمَامٌ، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيبَ الْمَتْنِ، غَرِيبُ الْمَتْنِ هُوَ الَّذِي أَخَذْنَاهُ قَبْلَ شُوَيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ الَّذِي هُوَ الْغَرِيبُ الْمُطْلَقُ، أَنَّهُ فِعْلًا لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا وَاحِدٌ، غَرِيبُ الْإِسْنَادِ الَّذِي يُسَمَّى إِيشْ سَمَّيْنَاهُ قَبْلَ شُوَيٍّ؟ الْغَرِيبُ النِّسْبِيُّ، الَّذِي لَهُ أَكْثَرُ مِنْ إِسْنَادٍ لَكِنْ لَمْ يَرْوِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا فُلَانٌ، أَوْ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَثَلًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا الْبَصْرِيُّونَ أَوِ الْمَكِّيُّونَ، هَذَا الْغَرِيبُ النِّسْبِيُّ يُسَمُّونَهُ غَرِيبَ الْإِسْنَادِ، وَالْغَرِيبُ الْمُطْلَقُ يُسَمُّونَهُ غَرِيبَ الْمَتْنِ. قَالَ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَتْنُهُ صَحِيحًا مِنْ طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ وَلَكِنَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَرِيبَةٍ، الَّذِي هُوَ هَذَا يُسَمَّى الْغَرِيبَ النِّسْبِيَّ وَيُسَمُّونَهُ غَرِيبَ الْإِسْنَادِ أَيْضًا. شُفْتَ شُو فَائِدَةَ أَنَّكَ تَقْرَأُ أَكْثَرَ كِتَابٍ فِي أَكْثَرَ مِنْ عِلْمٍ، تُصْبِحُ الْآنَ هُوَ الْآنَ يَقْرَأُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ مَش دَارِسٌ مُصْطَلَحَ حَدِيثٍ، يَقُولُ لَكَ: شُو بِيسْوِلِف الرِّجَالُ هَذَا؟ تَمَامٌ غَرِيبٌ وَمَشْ غَرِيبٌ وَمُطْلَقٌ وَنِسْبَةٌ، لَكِنِ الَّذِي عِنْدَهُ مُصْطَلَحَاتٌ مَبْدَئِيَّةٌ خَلَصَ، أَنَا أَخَذْتُ دَوْرَةً فِي مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا آتِي أَقْرَأُ كُتُبَ الْكِبَارِ لَا، أَنَا عَارِفٌ الْمُصْطَلَحَاتِ وَلُغَةَ الْعِلْمِ، فَلَنْ يُشْكِلَ عَلَيَّ فَهْمُ كَلَامِهِمْ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا هُوَ صَحِيحٌ". وَأَحَادِيثُ الْغَرَائِبِ يَقُولُ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ غَالِبُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لَكِنْ كَوْنُ الْحَدِيثِ غَرِيبًا لَا يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، هَذَا أَهَمُّ شَيْءٍ نَفْهَمُهُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "كَمَا قَالَ أَحْمَدُ: اتَّقُوا هَذِهِ الْغَرَائِبَ فَإِنَّ عَامَّتَهَا عَنِ الْكَذَّابِينَ". يَعْنِي أَحْمَدَ كَانَ يُحَذِّرُ مِنَ الِاسْتِعْجَالِ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ الْغَرِيبِ، أَحْمَدُ كَانَ يَقُولُ: اتَّقُوا الْغَرَائِبَ، يَعْنِي احْذَرْ أَنْ تَسْتَعْجِلَ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثٍ غَرِيبٍ، لَازِمٌ تَتَأَكَّدَ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ عَادَةً مَا يَكُونُ فِيهَا كَذِبٌ أَوْ وَضْعٌ أَوِ افْتِرَاءٌ.
وَلِهَذَا يَقُولُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: إِنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. لِذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ لَمَّا كَانَ يُعَلِّقُ عَلَى بَعْضِ الْأَحَادِيثِ يَقُولُ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، يَعْنِي مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، حَتَّى يَنْفِيَ عَنِ الْحَدِيثِ تُهْمَةَ الْغَرَابَةِ الْمُطْلَقَةِ وَأَنَّهُ فَقَطْ هُوَ غَرِيبٌ نِسْبِيٌّ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالتِّرْمِذِيُّ أَوَّلُ مَنْ قَسَّمَ الْأَحَادِيثَ إِلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ". هَذِهِ ذِكْرُ لَا كَلِمَةَ غَرِيبٍ اشْطُبْهَا، هَذِهِ غَلَطٌ فِي النُّسْخَةِ عِنْدَكَ، التِّرْمِذِيُّ أَوَّلُ مَنْ قَسَّمَ الْحَدِيثَ إِلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ، هِيَ ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ شُوَيٍّ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَتَى بِالْقِسْمَةِ الثُّلَاثِيَّةِ التِّرْمِذِيُّ.
قَالَ: "وَلَمْ يُعْرَفْ قَبْلَهُ هَذَا التَّقْسِيمُ عَنْ أَحَدٍ، وَلَكِنْ كَانُوا يَقْسِمُونَ الْأَحَادِيثَ إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ، كَمَا يَقْسِمُونَ الرِّجَالَ إِلَى ضَعِيفٍ وَغَيْرِ ضَعِيفٍ، وَضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ نَوْعَانِ: ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ الضَّعِيفُ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ، وَالثَّانِي ضَعِيفٌ يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ الْحَسَنُ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ". كَمَا قُلْتُ التِّرْمِذِيُّ لَمَّا عَرَّفَ الْحَسَنَ حَسَنٌ عَرَّفَهُ بِتَعْرِيفِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ ضَعْفٌ.
لكن تعددت طرقه فارتقى إلى درجة الحسن لغيره. فيقول عند الأقدمين الذين قبل الترمذي من العلماء، كانوا يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف، والحديث الضعيف عند المتقدمين يشمل الضعيف الذي لا يحتج به وهو الضعيف قطعًا، والضعيف الذي يحتج به وهو الحسن لغيره الذي سماه الترمذي الحسن. فالترمذي حاول أن يقسم الضعيف في مصطلح الذين قبله إلى قسمين: ضعيف لا يحتج به فأبقاه على اسم الضعيف، والضعيف الذي يحتج به الترمذي قال هذا أريد أن أنقله ما أريد أن أخليه ضعيفًا، أريد أن أسميه حسنًا.
قال رحمه الله: كما أن ضعف المرض في اصطلاح الفقهاء نوعان؛ نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث كما إذا صار صاحب فراش، ونوع تكون تبرعات صاحبه من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقعد صاحبه. هذا قياس جميل، يقول كما أن المرض نوعين؛ في مرض لا يرجى برؤه وصاحبه يعد في عداد الموتى، فهذا إذا أوصى تعتبر وصيته من الثلث، وهناك مرض يسير، والله واحد فلوزه، نقول له تعال يا عمي أنت وصيتك من الثلث، الله يرضى عليك، الفلوزه مش مرض مقعد حتى تصبح وصيتك من الثلث. فكما أن الأمراض مرض مزمن وغير مزمن، كذلك الضعف؛ هناك ضعف قاتل وضعف يمكن أن يُجبر ويصبح الحديث معه حسنًا لغيره.
قال رحمه الله: ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف كحديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفًا هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحًا، والترمذي قد فسر مراده بالحسن أنه ما تعددت طرقه ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذًا.
قال رحمه الله: والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث. انتهينا الآن من السند، نأتي الآن على شرح حديث «إنما الأعمال بالنيات». قال ابن تيمية؛ إخواني شوف الذي يريد أن يقرأ لابن تيمية يجب أن يكون نفسه طويلًا، لأن ابن تيمية رجل استطرادي، بكون في فكرة يدخلك في ثلاثين فكرة جنبها بعدين يرجع للفكرة الأصلية بعدين يرجع يدخلك في ثلاثين فكرة. ابن تيمية هناك أسلوب لمن يريد أن يقرأ له، ليس أي شخص يصلح لأن يقرأ لابن تيمية، لا يغرنك أنك قرأت الواسطية ولا كتبًا صغيرة، مش هي الرك عليها؛ ابن تيمية أنت بدك تقرأ الكتب الكبرى وموسوعاته، هذه لا يقرأها إلا مع شيخ، هذا الأصل حتى تتمرس على أسلوبه الذي هو كثرة الاستطراد الجانبي.
قال رحمه الله: والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل، ولهذا قالوا مدار الإسلام على أحاديث يجعلون هذا منها. لذلك كان العلماء يقولون مدار الإسلام على أحاديث، ومن هذه الأحاديث حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ما هي الأحاديث الأصول في الإسلام؟ البعض يقول الإسلام مبني على أربع أحاديث، البعض يقول الإسلام مبني على ثلاث أحاديث، البعض يقول الإسلام كله مبني على هذا الحديث «إنما الأعمال بالنيات». قال رحمه الله كقول أحمد بن حنبل رضي الله عنه: الإسلام يدور على ثلاثة أحاديث: حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، و«الحلال بين والحرام بين». ووجه هذا الحصر أن الدين؛ أحمد بن حنبل ماذا يقول؟ الدين الإسلامي أصوله تقوم على ثلاثة أحاديث: حديث «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات».
لماذا أحمد يقول الدين الإسلامي يقوم على هذه الثلاثة؟ يقول ابن تيمية: ووجه هذا الحصر أن الدين فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه. يقول لك الدين الإسلامي ما هو؟ أوامر مطلوب منك تفعلها، ونواهي مطلوب منك تتركها. قال: فحديث «الحلال بين» فيه بيان ما نهى عنه، والذي أمر الله به نوعان؛ أحدهما العمل الظاهر. قال: فحديث «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» يركز على جانب المنهيات، أن الأشياء المطلوب منك تتركها هي المحرمات والشبهات. أما جانب المأمورات والذي أمر الله به نوعان؛ أحدهما العمل الظاهر وهو ما كان واجبًا أو مستحبًا، والثاني العمل الباطن وهو إخلاص الدين لله، فقوله «من عمل عملاً» إلى آخره ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به، أمر إيجاب أو أمر استحباب.
الآن كما قلنا الدين الإسلامي مأمورات ومنهيات، المنهيات أصولها وردت في حديث «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ومن اتقى الشبهات»، وأما المأمورات فهي على قسمين: أشياء تفعلها بالظاهر وأشياء تفعلها بالباطن. الأشياء التي تفعلها في الظاهر سواء كانت واجبة أو مستحبة، ما ضابطها؟ ضابطها كل عمل «ليس عليه أمرنا فهو رد»، الذي هو الاتباع وأنه لا يجوز الابتداع، فالذي يضبط الأعمال الظاهرة هي قاعدة الاتباع، والذي يضبط الأعمال الباطنة حديث «إنما الأعمال بالنيات». فصح إذًا أن الإسلام مداره على هذه الأحاديث الثلاث من حيث التقعيد وليس المعنى أن الأحاديث فيها تفاصيل الأحكام، لا، أنه هذه الأحاديث هي منطلقات التفكير في باب المنهيات ومنطلقات التفكير في باب المأمورات. المنطلقات، هذا معنى أن مدار الإسلام عليها.
قال رحمه الله: وقوله «إنما الأعمال بالنيات» إلى آخره يبين العمل الباطن، وأن التقرب إلى الله إنما يكون بالإخلاص في الدين لله، كما قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. قال رحمه الله: فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل. قالوا يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: نعم، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل. الآن العمل الذي تتقرب به إلى الله، إذا كان فيه إخلاص لكن لم يكن صوابًا يعني كان بدعة، هل يقبل؟ لا. قال: وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. وكذلك العمل إذا كان صوابًا على السنة لكنك لم تكن مخلصًا فيه، كنت مرائيًا منافقًا، هل يقبل؟ إذًا شرط قبول الأعمال الصالحة ما هو؟ الصواب والإخلاص، إخلاص في القلب وصواب في الظاهر.
قال: والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، وعلى هذا دل قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله، أمر إيجاب أو أمر استحباب، وألا يشرك العبد بعبادة ربه أحدًا وهو إخلاص الدين لله. وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 112]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]. ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ تدل على أي أصل؟ الإخلاص. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الإحسان هو الاتباع، فهذه الآيات دلت أيضًا على هذين الشرطين.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِم وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [لقمان: 22]. فإن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان هو إحسان العمل لله وهو فعل ما أُمِر به فيه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. فإن الإساءة في العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالأمر به والاستهانة بنفس العمل والاستهانة بما وعده الله من الثواب.
فإذا أخلص العبد دينه لله وأحسن العمل له، كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قال رحمه الله تعالى: لفظ النية في كلام العرب. الآن سيبدأ يحلل ألفاظ الحديث ويبدأ بتحليل لفظ النية، طيب ما معنى النية؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات»، ما معنى النية؟ قال: لفظ النية في كلام العرب من جنس لفظ القصد والإرادة ونحو ذلك. الآن كلمة النية في كلام العرب هناك كلمات ترادفها، مثل أي؟ كلمات تشبه كلمة النية: القصد، صح، أقول قصدت كذا شو يعني؟ نويته. الإرادة، أقول أردت كذا، فالقصد والإرادة والنية كلمات نوعًا ما مترادفة متقاربة. تقول العرب: نواك الله بخير، أي أرادك الله بخير. مثلًا العرب تقول نواك الله بخير، ما معنى نواك الله بخير؟ يعني قصدك بخير أو أرادك بخير. ويقولون: نوى منوية وهو المكان الذي يقصده الإنسان في السفر، أو "نوى غربه" هذا مثال عند العرب، ما معنى النوى هنا؟ هو المكان الذي يقصده الإنسان في السفر. "نوى غربه" أي يقصد مكانًا بعيدًا، طبعًا النوى هنا هي بمعنى المكان المنوي، فكأنك تقول "نوى غربه" أي مكان تنوي الذهاب إليه غربه يعني بعيد.
قال: وهو المكان الذي ينويه يسمونه "نوى". كما يقولون قبض بمعنى مقبوض. والنية يعبر بها عن نوع من إرادة، ويعبر بها عن نفس المراد. فإذًا النية لها مرادفات في كلام العرب: نية، إرادة، قصد. طيب والعرب لما استعملت لفظة النية يقول شيخ الإسلام: استعملتها على إطلاقين، العرب تطلق النية بمعنى عمل القلب، وهو أنه أنا الآن أنوي عملية أن تفكر بماذا تريد أن تفعل، عملية التفكير بماذا تريد أن تفعل، الآن بدي أروح أصلي، عملية التفكير أنني أريد أصلي الظهر، هذه عملية التفكير تسمى نية، فالنية تطلق على عملية التفكير. وتطلق أيضًا النية عند العرب على الشيء الذي أفكر به، فأنا الآن مثلًا بدي أصلي الظهر، أنني أريد أن أصلي الظهر، عملية التفكير تسمى نية، والشيء الذي نتج من عملية التفكير وتوصلت إليه يسمى أيضًا نية. فالنية تطلق على عملية التفكير، وتطلق على النتيجة التي نتجت عن عملية التفكير وهو المنوي.
أعطيك مثالًا أكثر حتى تتضح القضية: اللفظ يطلق حقيقة على عملية إخراج الكلمات، عملية إخراج الكلمات تسمى لفظًا، والكلمات المخرجة نفسها شو تسمى؟ لفظًا، فاللفظ يطلق على العملية وعلى النتيجة التي تنتج، فكذلك النية. حتى مثلاً كلمة القبض بما أنه ذكرها، القبض يطلق على عملية التسليم ويطلق أيضًا على نفس الشيء المقبوض، يسمى والله هذا الشيء "قبض" يعني مقبوض. فكذلك النية، النية تطلق على عملية التفكير في الشيء، وتطلق على النتيجة التي أفرزتها عملية التفكير، فأنا الآن بفكر أنني بدي أصلي الظهر، عملية التفكير هذه تسمى نية، والنتيجة التي وصلت إليها أنه خلص الآن سأشرع في الصلاة، هذه النتيجة التي وصلت إليها تسمى أيضًا نية. فلذلك يقول: النية يعبر بها عن نوع من الإرادة، يقصد بذلك عمل القلب اللي هي عملية التفكير، ويعبر بها عن نفس الشيء المراد اللي هو المنوي النتيجة التي وصلت إليها.
قال رحمه الله: كقول العرب هذه نيتي، يعني هذه البقعة التي نويت. العرب كان أحدهم إذا وصل إلى بقعة معينة، واحد مسافر من عمان للعقبة لما وصل العقبة شو قال؟ هذه نيتي، يشير للعقبة ويقول هذه نيتي، وماذا قصد؟ لماذا جعل العقبة نية؟ لأنه هو فكر أن يذهب إليها، ثم بعد ذلك وصل، الوصول هو نتيجة التفكير، فكما أن عملية التفكير تسمى نية، النتيجة التي تنشأ عن عملية التفكير -يعني العمل- سميه حتى العمل الذي نتج عن عملية التفكير يسمى أيضًا نية تمامًا، فصلاة الظهر التي هي المنوية يصح أن تسمى نية، وعملية التفكير فيها تسمى أيضًا نية. فالنية تطلق على عملية التفكير وعلى النتيجة التي أفرزتها من الأعمال الظاهرة أو الباطنة.
قال رحمه الله: يعني هذه البقعة هي التي نويت إتيانها، ويقولون نيته قريبة أو بعيدة، أي البقعة التي نوى قصدها. لكن من الناس من يقول أنها أخص من الإرادة، فإن إرادة الإنسان تتعلق بعمله وعمل غيره، والنية لا تكون إلا لعمله، فإنك تقول أردت من فلان كذا، ولا تقول نويت من فلان كذا. هذه فرق جميل لغوي، البعض يقول إن هناك فرقًا لغويًا دقيقًا بين لفظ النية ولفظ الإرادة، أن لفظ النية لا يستعمل إلا لأشياء أنت تريد أن تفعلها، أما لفظ الإرادة أوسع يطلق على أشياء أنت تريد أن تفعلها وأشياء أنت تريد من غيرك أن يفعلها، فأنا أقول والله أريد من الشيخ أحمد أن يقرأ، ما أقول أنوي من الشيخ أحمد أن يقرأ، صح؟ أقول أريد من الشيخ أحمد أنه يقرأ، فكلمة الإرادة أوسع من النية، الإرادة إما شيء أنت تريد أن تفعله بنفسك أو شيء تريد من غيرك أن يفعله، أما النية فلا تطلق إلا على.
شيء أنت تريد أن تفعله ولا يصلح إطلاقها على شيء تريد من غيرك أن تفعله.
قال رحمه الله: وقد تنازع الناس في قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» هل فيه إضمار أو تخصيص أو هو على ظاهره وعمومه؟ فذهبت طائفة من المتأخرين إلى الأول، قالوا: لأن المراد بالنيات الأعمال الشرعية التي تجب أو تستحب، والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات. وحقيقة شيخ الإسلام تركيزه سيكون على شرح العبارة الأولى، حقيقة «إنما الأعمال بالنيات»، الخلاف هو حقيقة في شرح هذه العبارة خلاف طويل؛ أنت تقرأها سريعاً بس الخلاف فيها حف كبيرة.
الخلاف يعود حقيقة إلى ما هو المقصود بلفظ النية هنا؟ النبي صلى الله عليه وسلم لما قال «إنما الأعمال بالنيات» هل قصد النية بالمعنى الشرعي المحمود، أم قصد النية بالمعنى العام الذي يشبه النية المحمودة والنية المذمومة؟ يعني الآن لما الإنسان يريد يسرق مش عنده نية؟ اللي بفكر يسرق وتفكيره في السرقة نية، مش قلنا النية بمعنى الإرادة؟ لما شخص يريد يسرق مش بدو نية يعني إرادة؟ الشخص الذي يريد يزني مش فيه هناك نية يعني إرادة؟ أي معصية أنت بدك تعملها، بدك تنظر إلى الحرام، مش أنت لما تنظر للحرام هو بناء على إرادة؟ أنت تريد أن تنظر إلى الحرام، والإرادة بمعنى النية.
الآن اختلف الشراح في شرح الحديث، البعض قال المراد بالنية هنا النية بمعناها الشرعي، النية بمعناها الشرعي وهي نية التقرب إلى الله، وبالتالي سيفهم الحديث على ماذا؟ إذا قلنا النية هنا النية المحمودة النية الشرعية، فسيكون الحديث مقتصر على ماذا؟ إنما الأعمال قبولها عند الله على حسب وجود النية، النيات الشرعية.
أما إذا قلنا النية لا ليس المراد النية الشرعية، إنما مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي قاعدة عامة للبشرية، وهذا من جوامع الكلم، والله هذا التفسير الثاني من جوامع الكلم؛ أنه النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يخبر عن طبيعة الجنس البشري، أن الجنس البشري هو كائن لا يعمل إلا مع وجود نية وإرادة. الإنسان العاقل المختار، أي تصرف من تصرفات حياتك سواء إيجابية أو سلبية، أنت تتصرفه بناء على وجود إيش؟ نية وإرادة مسبقة. إذا كانت نية محمودة فالعمل يكون جيد، وإذا كانت نية سيئة فالعمل سيكون سيء؛ من نوى السرقة، من نوى الزنا، من نوى شرب الخمر، من نوى النظر إلى النساء، هذه نيات سيئة، والأعمال التي ستنتج هي إفراز لهي النيات السيئة. ومن نوى الصلاة، ومن نوى قراءة القرآن، ومن نوى حضور مجالس العلم، هذه نيات جيدة، والأعمال التي ستنتج بالتالي ستكون أعمال جيدة في الأصل.
فإنما الأعمال بالنيات، كان محمداً صلى الله عليه وسلم يقول لك: الأعمال التي تفعلها يا أيها الإنسان هي انعكاس لنياتك وإراداتك، فالنيات الجيدة تفرز أعمال جيدة، والنيات الفاسدة تفرز أعمال فاسدة، وبالتالي أهم شيء عليك أن تبتدئ النظر إليه هو قلبك نيتك؛ نية جيدة تفرز عمل جيد، ونية فاسدة تفرز أعمال فاسدة. إنما الأعمال بالنيات، الأعمال هي ثمار النوايا، شوف هي القاعدة العظيمة اللي بتخلي الإنسان يفكر ببعد عام، أنه حتى الفاسق والفاجر والزاني ترى هو عنده نية بس نية فاسدة، والمصلي والقائم عنده نية لكنها نية حسنة. وهذا هو الصواب الذي يختاره شيخ الإسلام وهو ما يختاره المحققون، أن الحديث لا يتكلم فقط عن النية المحمودة النية الشرعية، يتكلم عن النية باعتبارها محرك لكل أعمال البشر «إنما الأعمال بالنيات».
الآن من اختار القول الأول، وهو أن المراد بالحديث فقط النية بالمعنى الشرعي اللي هي النية المحمودة، اضطر أن يجعل أن الحديث فيه إضمار لكلمة محذوفة أو تخصيص لعمومه. الذي جعل النية فقط بمعنى النية الشرعية المحمودة، اضطر أن يمارس في شرحه للحديث إحدى ممارستين؛ إما أن يضمر كلمة في السياق حتى يكون السياق صحيح، فيقول: إنما ثواب الأعمال أو قبولها عند الله بالنيات؛ يعني إذا أردت أن تحصل ثواب على عملك تحتاج إلى نية شرعية، إذا أردت أن يقبل الله عملك تحتاج إلى نية شرعية، هؤلاء اللي اضطروا لهذا الإضمار أن أضمر كلمة محذوفة حتى يكون الكلام صحيح، أو التخصيص بأنه إيش قال؟ البعض قال ما بدنا نضمر، البعض قال لا، بدنا نحمل النية على النية الشرعية وسنقوم بتخصيص العموم.
هسا كلمة الأعمال هذه لفظة من ألفاظ العموم؛ ليه؟ لأنه فيها أل الاستغراقية، فالتقدير أن كل عمل بنية شرعية على طريقة هؤلاء، بس هيك الكلام مش صح؛ هسا كل الأعمال تحتاج إلى نية شرعية؟ هسا أنا ممكن كثير من الأعمال بدون وجود نية شرعية، بوجود نية عامة بس مش نية شرعية. أنا الآن ممكن أنت تستأمني على سيارتك وأرجعها لك بدون وجود نية شرعية، بس في نية إرجاع السيارة إلى صاحبها. فقالوا إذاً البعض قال: لا بد من إضمار كلمة محذوفة، والتقدير: إنما ثواب الأعمال بالنيات الشرعية. والبعض قال: لا ما في حاجة للإضمار، ممكن نحمل كلمة الأعمال اللي هي عامة على خصوصها، والمراد ليس عموم الأعمال، المراد الأعمال الشرعية وهي العبادات، هي التي تفتقر إلى نية، ويكون التقدير: إنما الأعمال الشرعية كالصلاة والصوم والوضوء ونحو ذلك، إنما تكون بالنيات الشرعية، وأما الأعمال العامة كأكل الطعام والشراب، الأعمال التي ليست تعتبر تعبدات، هذه أنت لا تحتاج فيها إلى النية.
كل هذا ما الذي ألجأهم إليه الإضمار إلى التخصيص؟ أنهم فسروا النية بمعنى النية الشرعية. أما إذا فسرنا النية بأن معناها المحرك للأعمال عموماً، فحتى تناولك للطعام يحتاج إلى نية، حتى ذهابك للنوم، أنت متى بتروح للنوم؟ لما تريد تنام صح؟ أنت تذهب للنوم لما تريد تنام، فكل الأعمال تحتاج إلى نية على رأي الطائفة الثانية. الطائفة الأولى لما حملوا النية على المعنى الشرعي اضطروا إلى الإضمار أو التخصيص. الطائفة الثانية لما حملت النية على المعنى العام أن كل عمل يحتاج إلى محرك، لم يحتاجوا لا لإضمار ولا إلى تخصيص، وأصبحت العبارة واضحة: كل عمل بشري يحتاج إلى نية سابقة، دون أن أقدر أن ثواب الأعمال، ولا أخص الأعمال بالأعمال الشرعية؛ أي عمل إيجابي ولا سلبي، الصلاة تحتاج إلى نية، والسرقة تحتاج إلى نية، والزنا يحتاج إلى نية، وقيام الليل يحتاج إلى نية. ولذلك الفهم الثاني أفضل؛ لأنه حتى خلصني من الإضمار والتخصيص، أنا ليش أدخل في دوامة إضمار وتخصيص؟ خلي لي الحديث على عمومه، بس إذا بدك تخلي الحديث على عمومه أنت مضطر أن تفسر النية بالمعنى العام الذي يشمل النية الإيجابية والنية السلبية.
قالت: فذهبت طائفة من المتأخرين من شراح الحديث -يقصد- إلى الأول، إلى الأول يعني أن المراد بالنية المعنى الشرعي فقط، فقالوا: إن المراد بالنيات الأعمال الشرعية التي تجب أو تستحب، والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات. دقيقة دقيقة فقط أنا بدي مضطر الآن أن أتابع مع نسختكم، لأن المراد بالنيات إيش؟ الأعمال الشرعية التي تجب أو تستحب، والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات، فإن قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية.
خلينا نعدل شوي، قالوا: لأن المراد بالنيات النيات الشرعية مش الأعمال الشرعية؛ هنا سيسبب خلل في الفهم. فذهبت طائفة من المتأخرين إلى الأول، قالوا: لأن المراد بالنيات في الحديث النية الشرعية، والنية الشرعية قد تكون واجبة إذا كان العمل واجباً، وقد تكون مستحبة إذا كان العمل مستحباً. طيب قال: والاعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات، فإن قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية. إذاً هل كل الأعمال تفتقر إلى نية شرعية؟ نية شرعية وهي النية التي يترتب عليها الوجوب أو الاستحباب كما قال؟ لا، في هناك أعمال لا تحتاج إلى نية شرعية مثل رد الودائع؛ واحد حط عندي وديعة، أنا لما رديت الوديعة له أنا ما نويت آخذ ثواب من الله وجوباً أو استحباباً، وإنما فقط بدي أخلص منها وخلص خلصت منها، هل رد الوديعة بدون نية شرعية صح ولا غلط؟ صح. فيقول شيخ الإسلام: وليست كل الأعمال تفتقر إلى نية شرعية، النية الشرعية هي النية التي يترتب عليها وجوب أو استحباب، هل كل الأعمال تفتقر إلى نية شرعية؟
يقول لك لا، فإن قضاء الحقوق الواجبة، بعض الناس الفجار ينفق على زوجته وهو لا ينوي أي نية، بعض الفجار ينفق على زوجته هل هو ناوي الثواب؟ لا، بقول لك زوجتي بدي أنفق عليها، هل نفقته صحيحة ولا غير صحيحة؟ صحيحة، وإن كان لا يثاب عليها لعدم وجود النية الشرعية. فباختصار صحة العمل ليست دائماً متوقفة على وجود النية الشرعية، لكنها تتوقف على وجود نية بالمعنى العام، صح طبعاً هيك من حيث المنطق؛ أي عمل يحتاج إلى نية بالمعنى العام، لكن هل كل عمل يحتاج إلى نية شرعية؟ لا، في أعمال تحتاج إلى نية شرعية وهي العبادات، الوضوء الغسل الصلاة الزكاة هي تحتاج إلى نية شرعية، بس البيع النكاح النفقات مساعدة الناس لا تحتاج إلى نية شرعية، بس إذا بدك تثاب بدك نية شرعية، ما بدك تثاب تكتفي بالنية العامة اللي هي الإرادة للعمل.
قال رحمه الله: بل تبرأ ذمته منها من غير فعل منه، كما لو تسلم المستحق عين ماله. الله يعينكم، هي الرسالة فيها مشكلة في النص. لا هي عين يا شيخ، المشكلة فيه، عين خلص خوفتني يعني اعترفت. طيب الآن قال الدليل على أن رد الودائع لا يفتقر إلى نية شرعية، أنه اللي حط عندك وديعة لو شافها لحاله وأخذها وروح فيها على البيت مش بكون استرد وديعته وخلص وخلصنا والعمل صحيح؟ فيقول لك والدليل على أنه ليس كل الأعمال تحتاج إلى نية، لو أن إنساناً يستحق حقاً فأخذه بنفسه بدون ما ينتظر منك أن أنت تعطيه إياه مش انتهى الأمر وصار الفعل صحيحاً؟ انتهى مع أنه ما في نية أصلاً منك، بل أنت بجوز أصلاً مش عارف أنه فلان دخل بيتك وأخذ حقه وروح أنت مش عارف أصلاً، ومع ذلك ردت الوديعة، إذاً ليس كل عمل يحتاج إلى نية شرعية.
قال رحمه الله: أو أطارت الريح الثوب المودع أو المغصوب فأوقعته في يد صاحبه ونحو ذلك. رجل واضع عندي ثوبه وديعة، أجت ريح حملت ثوبه ورجعته لبيته، رجعت الوديعة لصاحبها ولا لا؟ رجعت، احتاجت لنية شرعية؟ فإذاً هي قاعدة عامة، ليس كل الأعمال تحتاج إلى نية شرعية، لكن كل الأعمال تحتاج إلى إرادة ومحرك حتى يعتبر عمل صادر منك.
قال رحمه الله: ثم قال بعض هؤلاء تقديره أنما ثواب الأعمال. الآن أراد أن يخبر أن الذين حملوا النية على النية الشرعية كما قلنا اضطروا إلى الإضمار أو التخصيص، فالآن الذين أضمروا ماذا أضمروا؟ قالوا: إنما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات أو إنما تقبل بالنيات. إذا قالوا إنما ثواب الأعمال أو إنما تقبل الأعمال بالنيات، اضطروا أن يقدروا كلمة إيش؟ ثواب أو قبول. فصار عندهم هكذا: إنما ثواب الأعمال عند الله بالنيات الشرعية أو قبول الأعمال عند الله بالنيات الشرعية. طيب ليش احتجتوا أن تقدروا هذا اللفظ؟ قالوا لأننا فسرنا النية بأنها النية الشرعية. والطريق الآخر هو طريق التخصيص، ماذا قالوا؟ وقال بعضهم تقديره إنما الأعمال الشرعية، أو إنما اكتب هؤلاء الطرف الثاني الذين قالوا بالتخصيص، قالوا نحن ما بدنا نضمر كلمة لكن نريد أن نقول إنما الأعمال بالنيات، أن المراد بالأعمال ليس عمومها، المراد بالأعمال الأعمال الشرعية اللي هي التعبدات، وضوء صلاة زكاة صيام حج جهاد، غير هيك الحديث لا يتكلم عنها. وهذا حقيقة تحجيم للحديث، لما تقول هذا الحديث فقط يتكلم عن العبادات ولا يتكلم عن المعاملات، أنت حجمت الحديث، وصار الحديث فقط بدو يخبرني أنه الأعمال التعبدية تحتاج إلى نية شرعية، حجمته.
قالوا مش غلط بس أنا حجمته، يعني هي الفكرة صح بس أنت حجمت الحديث. قالوا أو إنما صحتها أو إنما أجزاؤها ونحو ذلك، أو إنما صحة الأعمال الشرعية. هذول اللي قالوا صحة الأعمال الشرعية اضطروا إلى تقدير كلمة الصحة، وإلى تخصيص الأعمال بأنها شرعية، إلى غير ذلك. وقال الجمهور يريد به جمهور المتقدمين ماذا قالوا؟ قالوا بل الحديث على ظاهره وعمومه، فإنه لم يرد بالنيات النية الصالحة وحدها. اكتب النية الصالحة الآن الجمهور يقول المتقدمين ماذا قالوا؟ هذا التفسير للنية بأنها النية الشرعية المحمودة الصالحة هذا غير صحيح، بل النية هنا أعم، فليس المراد بالحديث النية الصالحة وحدها بل أراد النية بالمعنى العام الذي يشمل النية الإيجابية والنية السلبية.
قال: والعمل المحمود والمذموم، ولهذا قال في تمامه، طيب ما الدليل على أن هذا الفهم هو الأصوب؟ ختام الحديث شو ختامه؟ «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» هي نية منيحة ولا سيئة؟ إيجابية، «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها» هي نية إيش؟ مذمومة، إذاً الحديث نفسه بقول لك أنا بتكلم عن النية بنوعيها، النية الإيجابية وما ثمارها، والنية السلبية وما ثمارها، فإذاً الأصل أن يبقى الحديث على عمومه: إنما الأعمال محركها النيات. فالنتيجة مربوطة بالنية، نية إيجابية العمل إيجابي، والنية سلبية العمل سلبي، طبعاً يبقى أنك تركز على البعد الآخر ليش.
إنه قال لك إنه لا يجوز أن تبني الدين كله على هذا الحديث، بل لا بد أن تربطه أيضاً بحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». فالنية المنيحة تنتج عملاً منيحاً، ولكن حديث عائشة أخبرنا أن العمل المنيح يجب أن يكون أيضاً على السنة، فدائماً لا بد أن تجمع حديث «إنما الأعمال بالنيات» مع حديث «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» حتى يلتئم المشهد.
قال رحمه الله: فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط، والنية المذمومة وهي الهجرة إلى امرأة أو مال. وهذا ذكره تفصيلاً بعد إجمال؛ فقال: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ثم فصل ذلك بقوله: فمن كانت هجرته إلى آخره. وقد رُوي أن سبب هذا الحديث أن رجلاً كان قد هاجر من مكة إلى المدينة لأجل امرأة كان يحبها تدعى أم قيس. الحقيقة هذا لم يثبت بسند صحيح، لكنه يروى أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» كان سببه قول النبي صلى الله عليه وسلم له إن رجلاً من المهاجرين هاجر من مكة إلى المدينة ليس هجرة بنية الله ورسوله، بل من أجل أن يتزوج امرأة كان يحبها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من هاجر من أجل الله ورسوله، فهجرته من حيث الثواب والواقع لله ورسوله. والذي هاجر مشان امرأة يتزوجها، فهجرته من حيث النتيجة والمآل هي ما تحصله منها، امرأة تتزوجها، هذا كل ما ستحصده منها.
قال رحمه الله: فكانت هجرته لأجلها فكان يسمى مهاجر أم قيس، فلهذا ذكر فيه أو امرأة يتزوجها، وفي رواية ينكحها، فخص المرأة بالذكر لاقتضاء سبب الحديث لذلك. لماذا ذكرت المرأة في الحديث؟ لأنه أصلاً سبب قول هذا الحديث هو أن رجلاً راح يتزوج امرأة، فلذلك ذكرت قضية الزواج فيه، إن صح طبعاً ذلك السبب.
قال: والسبب الذي خرج عليه اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه باتفاق الناس. ما معنى هذا؟ هذه قاعدة أصولية؛ يقول إذا ورد الحديث على سبب معين أو نزلت آية قرآنية بسبب واقعة معينة، هل يجوز أن تكون هذه الواقعة ليست مقصودة في الحديث؟ من حيث المنطق، فكر في حديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم تعليقاً على واقعة، هل يمكن أن تكون هذه الواقعة ليس لها دخل في الحديث؟ مستحيل؛ فأنا عندما أرى مشهداً أمامي وأعلق عليه، فأول شيء يدخل في كلامي هو المشهد والواقعة نفسها. فيقول: ما دام النبي صلى الله عليه وسلم ورد أنه قال هذا الحديث بسبب نية سيئة، إذاً لا يمكن أن تكون النيات السيئة ليست داخلة في معنى الحديث.
هو يرد على من يرى أن الحديث يتكلم فقط عن النيات الشرعية، ويقول لهم: أصلاً سبب ورود هذا الحديث هو نية سيئة، فكيف تكون النية السيئة غير واردة وغير مشمولة في الحديث؟ لا بد أن تكون النية التي قصدها بقوله «إنما الأعمال بالنيات» تشمل الصحيحة والسيئة، لأنه أصلاً سبب ورود الحديث نية سيئة. فمعقول النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم عن فضيلة النية الحسنة تعليقاً على حادثة رجل فعل نية سيئة؟ يقول هذا لا يتناسب.
قال رحمه الله: والهجرة في الظاهر هي سفر من مكان إلى مكان، والسفر جنس تحته أنواع مختلفة تختلف باختلاف نية صاحبه. السفر هو عمل من أعمال الجوارح، انتقال من مكان إلى مكان، لكن في الإسلام متى نقول والله هذا سفر معصية وهذا سفر طاعة؟ إذا ذهب واحد إلى مدينة من المدن، متى نقول سفر طاعة؟ والله رايح يبر والديه، رايح يعمل ملهوفاً. متى نقول سفر معصية؟ رايح يشرب خمر، رايح سياحة يتطلع على النساء. النية هي التي ستحكم سفرك؛ هل هو سفر طاعة أم سفر معصية.
قال: فقد يكون السفر واجباً كحج أو جهاد متعين، وقد يكون محرماً كسفر العادي لقطع الطريق. والسفر العادي يعني قطاع الطرق الذين يريدون أن يعتدوا على الناس، هذا سفر محرم. قال: والباغي على جماعة المسلمين والعبد الآبق والمرأة الناشز. كذلك العبد الآبق، سفره وهو الهارب من سيده، لما عبد يهرب من سيده سفره هذا سفر حرام؛ لأنه نوى به الهروب. المرأة التي تهرب من زوجها سفرها الآن سفر حرام؛ لأنها ماذا تنوي؟ ماذا تريد من هذا السفر؟ الهروب والنشوز. بخلاف امرأة مثلاً استأذنت زوجها وخرجت للحج لحجة الإسلام، فهذا سفر واجب؛ لأنها نوت به أن تبرئ ذمتها من ركن من أركان الإسلام. فالنية هي التي تجعل السفر واجباً أو مستحباً أو مكروهاً أو حراماً أو مباحاً؛ فالنية هي المحرك وراء كل الأفعال.
قال رحمه الله: ولهذا تكلم الفقهاء في الفرق بين العاصي بسفره والعاصي في سفره. مثلاً الفقهاء يفرقون بين العاصي بسفره والعاصي في سفره، شو الفرق بين أن أقول فلان عصى بسفره وفلان عصى في سفره؟ العاصي بسفره -شايفين هذه الباء- هي باء السببية أو باء النية. العاصي بسفره يعني قصد بسفره المعصية، يعني هو لماذا سافر؟ مشان يعصي. أما العاصي في سفره، فهذا الشخص ممكن رايح على مكة يعمل عمرة أو حج، لكن دخن في الطريق؛ هذا نسميه عاصياً في سفره. أما الذي رايح أصلاً إلى بلد ليعمل محرمات، هذا نيته من البداية حرام. ففرق بين العاصي بسفره والعاصي في سفره؛ العاصي بسفره نيته من السفر ابتداء الحرام، العاصي في سفره نيته من السفر شيء مشروع لكن وقع في معصية أثناء السفر. فالعاصي بسفره الذي نيته من السفر أصلاً الحرام، هذا لا يجوز له أن يأخذ بالرخص عند جمهور الفقهاء؛ لا يقصر ولا يجمع ولا يفطر في رمضان. بخلاف العاصي في سفره، هذا يطلع له يجمع ويقصر لأنه نيته من السفر منيحة، ليس غلطاناً بنية السفر بس مشكلته أنه أثناء السفر يقع في بعض المعاصي.
قال رحمه الله: فقالوا إذا سافر سفراً مباحاً كالحج والعمرة والجهاد جاز له فيه القصر والفطر باتفاق الأئمة الأربعة وإن عصى في ذلك السفر. وأما إذا كان عاصياً بسفره كقطع الطريق وغير ذلك، فهل يجوز له الترخص برخص السفر كالفطر والقصر؟ فيه نزاع بين الجمهور والحنفية. الجمهور هم الذين قالوا إن العاصي بسفره لا يأخذ الرخص، والسادة الحنفية قالوا لا؛ فهذا موضوع وهذا موضوع.
قال: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه لا يجوز له القصر والفطر، ومذهب أبي حنيفة يجوز له ذلك. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر هذا السفر وهذا السفر، علم أن مقصوده ذكر جنس العمل مطلقاً، لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة والصيام، ومقصوده ذكر جنس النية. وحينئذ يتبين أن قوله «إنما الأعمال بالنيات» مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم.
يريد أن يقول: ما دام النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ذكر نموذجاً على سفرين، سفر هجرته إلى الله ورسوله، وسفر إلى دنيا يصيبها، علم أن مقصوده في أول الحديث «إنما الأعمال بالنيات» ذكر جنس العمل مطلقاً، سواء كان عمل شرعي أم غير شرعي، وليس مقصوده فقط ذكر الأعمال الشرعية كما يرى الطرف الآخر. هو أراد أن يبين أن جنس العمل -سواء كان عمل شرعي أو غير شرعي- ما الذي يقيم العمل أنه شرعي أو غير شرعي؟ ابتداءً النية. فقصد «إنما الأعمال» جنس الأعمال، منيحة ولا مش منيحة محركها النيات. لم يقصد نفس العمل الذي هو قربة، ولم يقصد الكلام فقط عن الأعمال الشرعية كالصلاة والصيام. ومقصوده أيضاً ذكر جنس النية، النية الإيجابية أو السلبية، وليس مقصوده ذكر النية الإيجابية فقط. إذاً شيخ الإسلام يريد أن يؤكد -وهذا جيد أن تضبط هذه المسألة، وكل هذه الرسالة ضبطت منها هذا المعنى- فانا أعتقد أنه شيء ممتاز أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» يتكلم عن مبدأ إنساني بشري وليس فقط عن معنى يختص بالعبادات الشرعية. أن الأعمال إنما هي انعكاسات النوايا؛ فالكلام من النبي عليه الصلاة والسلام الذي أُعطي جوامع الكلم إنما المراد به أن جنس الأعمال مرتبط بجنس النوايا إيجاباً أو سلباً.
قال رحمه الله: وحينئذ يتبين أن قوله «إنما الأعمال بالنيات» مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم. لذلك شيخ الإسلام يقول لك بهذا المعنى العميق أصبحت الكلمة من الجوامع. النبي صلى الله عليه وسلم من خواصه أنه أعطي جوامع الكلم، أنه يتكلم كلمات قليلة لكن تعطي قواعد بشرية فخمة. اليوم بعض الشباب يندب على أفكار فلاسفة الغرب، انظر كيف حكى هذه الكلمة! أنت لو تتبعت كلام النبي عليه الصلاة والسلام وأحسنت تدبره، ستجد أنه أعطى من قواعد الحكم ومن قواعد الحياة البشرية ما لا تحتاج فيه إلى كلام مفكري الشرق والغرب. هذا من جوامع الكلم بشرط أن تفهم الحديث بهذه العمومية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت بجوامع الكلم». وهذا الحديث من جوامع الكلم التي بعث بها؛ فإن كل عمل يعمله عامل من خير وشر، هو بحسب ما نواه؛ فإن قصد بعمله مقصوداً حسناً كان له ذلك المقصود الحسن، وإن قصد به مقصوداً سيئاً كان له ما نواه.
خلاص، ثبتنا اليوم هذه المعلومة، ممتاز. بكره إن شاء الله بنكمل ما بقي من هذه الرسالة. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل