دخولتسجيل الدخول

المجلس الثامن - الإتمام بجمع آيات الأحكام(الجزء2 والأخير)+الوسائل المفيدة للحياة السعيدة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الثامن من الدورة العلمية المكثفة مدارج العلم في موسمها الرابع لعام 1447 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وها هي سفينتنا قاربت الوصول إلى نهايتها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الختام، وأن يجعل هذه المجالس من القربات العظيمة التي نقدمها إلى ربنا سبحانه وتعالى يوم العرض الأكبر.

وهذا التعب الذي أنتم فيه وطول المجلس والساعات التي يجلسها الإنسان، هذه أيها الكرام تعود الإنسان على أنماط حميدة في حياته. كثير من الجيل المعاصر أو الأجيال التي تظهر اليوم عندها نوع من الهشاشة في قراءة الكتب والمصنفات، وضعف الهمم في مجالسة أهل العلم أو الحضور في المجالس العلمية. كيف يكتسب الإنسان العادات الجديدة؟ كيف يمكن أن أكتسب عادة القراءة الطويلة؟ كيف يمكن أن أكتسب عادة التحمل في طلب العلم وأنا أكون ملولاً؟ عادة ما نجلس مع كثير من الشباب الذين يدخلون البرامج العلمية، فالشاب نفسه يصرح بأنه ملول، كسول، ضعيف الهمة، ما عنده شغف، وسرعان ما تنكسر همته ويأتيه الفتور بمجرد أن يقرأ عشرين صفحة أو أن يجلس ساعة على كتاب ثم يمل، وهذا أفضلهم حالاً الذي يجلس ساعة وهو يقرأ.

حقيقة اكتساب العادات الجيدة في التعلم يحتاج إلى صبر، وأعتقد أن مثل هذه المجالس والدورات المكثفة خلال عشرة أيام يعتاد فيها الطالب الجلوس خمس أو ست ساعات دون أن يشعر بمرور الساعات إلا ربما من آلام الأقدام، هذه حقيقة طريقة من الطرق الممتازة لاكتساب عادة التعلم. فهنا أعود فأقول في مدارج، نحن لسنا فقط نتعلم معلومة من داخل كتاب، نحن نكتسب عادات جيدة في حياتنا. كيف أجلس ست ساعات لا أنظر في الهاتف؟ اليوم بعض الشباب أصبح عنده مرض مسك الهاتف، ليس فقط حالة طبيعية، هو كل عشر دقائق تلقائياً يده تمتد إلى جيبه، لا بد يخرج الهاتف وينظر فيه كتصرف لا إرادي بسبب كثرة مسكه للجوال. كيف ألغي هذا التصرف الرديء وأكتسب عادة أنني يمكن أجلس ست ساعات دون أن أنظر في الجوال؟ هذه فرص، هنا تتعلم وتتربى وتكتسب العديد من الخصال.

كذلك عادة الصبر والتحمل؛ التحمل في الجلوس، التحمل لضيق المجلس، التحمل لجفاء بعض الإخوة، التحمل لكثير من الأمور، هنا أنت تكتسب العادات وهنا تتعلمها. اصبر وتعلم ضبط النفس وتعلم الأخلاق الرفيعة إلى أن يوفقك الله سبحانه وتعالى. مع كثرة حضور مثل هذه المجالس تصبح مع الوقت أنت قادراً على التعلم الذاتي، قادراً أنت نفسك تجلس ساعتين أو ثلاثاً تقرأ؛ لأنك تتذكر أنني كنت أجلس وأنظر مع المشايخ وأسمع الساعتين والثلاث، فلماذا أنا لا أكتسب هذه العادة حتى في منزلي أو في حياتي الخاصة؟ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الدورة لها أثر طيب على حياتكم وأنماطكم، وتجعلكم ممن يكسبون الوسائل الحميدة لحياة جيدة مفيدة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نكمل اليوم إن شاء الله كتاب الإتمام بجمع آيات الأحكام للشيخ العصيمي حفظه الله تعالى، واليوم تحتاج إلى تركيز إخواني؛ سنمر على الآيات، آيات كلها مليئة بالأحكام، فعلق ما تستطيع واستدرك من الفوائد بقلمك ما تستطيع حتى تحصد أكثر كمية ممكنة من المعلومات. طبعاً هذا الكتاب لو أردنا أن نجلس عليه كدورة كاملة يستحق وحده أنك تجلس على كل آية آية وتمحص ما فيها من الأحكام ونتدارسها، هذا يمكن يطبق في وقت لاحق، لكن هنا نحن سنعلق الآيات تعليقاً جملياً ونصطاد الفوائد اصطياداً بما يتعلق بين الآية وترجمة الباب.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين والحاضرين، ونجّ إخواننا المستضعفين.

قال المؤلف نفعنا الله بعلمه، كتاب الجهاد. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

هذه أعظم آية في كتاب الله تتكلم عن ثواب المجاهدين الشهداء في سبيله، ومن أعظم الآيات في كتاب الله التي تتكلم عن فضيلة الجهاد وشرف هذه الشعيرة العظيمة، وأنها صفقة بين العبد وبين ربه؛ أنت تبيع والله يشتري. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، وأخبر الله سبحانه وتعالى أن هذه صفقة ليست فقط في ملة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي صفقة في التوراة والإنجيل والقرآن، فاستبشر بهذا البيع وهذه الصفقة مع الله سبحانه وتعالى.

الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]. في هذه الآية الله سبحانه وتعالى يأمرنا بإقامة هذه الشعيرة على مختلف أحوالنا، خفافاً وثقالاً، سواء كنا في خفة وسعة من الحياة ورغد، أو حتى لو كنا في ضيق وشدة، علينا أن نحافظ على هذه الشعيرة العظيمة.

وفيها أيضاً ملحظ فقهي، وهو أن الجهاد ليس فقط بالنفس، بل في أكثر آيات القرآن قدم الله الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، فقال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾، إذاً الجهاد بالمال وبالنفس، وفي الحديث: «جاهدوا بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، وهذا جهاد الكلمة؛ لأن الجهاد بالنفس لا يقوم له سوق إلا بعد وجود المال؛ لأنك بدون مال لن تستطيع أن تصنع أسلحة ولا تستطيع أن تصنع قدرات ولا جيوش وما شابه ذلك، فالمال ثم النفس، هكذا هي مسيرة أي عملية قتالية.

الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. هذه الآية تدل على حكم فقهي، وهي أنه يجب على الأمة المسلمة وعلى ولاة أمورها أن يعدوا لقتال العدو ما استطاعوا من قوة، هذا واجب ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، والقوة هنا بكل معاييرها؛ القوة السياسية والفكرية، القوة الاقتصادية، القوة العسكرية، القوة التخطيطية، هذا كله يدخل تحت مفهوم القوة بمعناها الشامل. فلا يجوز أن تخوض معركة وأنت لا تملك الإعداد المناسب، ليس المطلوب أن أصل إلى قدرة العدو في الإعداد، بل المطلوب أن آخذ بوسعي واستطاعتي، قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾، فعلق الأمر على ماذا؟ أن تفعل أكثر ما يمكن أن تستطيعه. هل يعني هذا بالضرورة أن أصل في معداتي وقدراتي لقدرات العدو؟ لا، لكن على الأقل أكون أخذت بالسبب.

ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير القوة هنا قال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»، ففسر النبي عليه الصلاة والسلام القوة هنا بأنها تعلم الرماية وتعلم التصويب. أما أن أخوض معركة بشباب لا يعرفون يصيدون عصفوراً، هذا ماذا أفعل به في المعركة؟ هذا يكون وباله خيراً من خيره ومن وجوده، فالاعداد واجب على الأمة وعلى ولاة أمورها.

الآية الرابعة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]. هذه الآية تدل على حكم، وهو أن الإمام إذا استنفر الناس للجهاد في سبيل الله يصبح الجهاد فرض عين، وهذه الآية نزلت في غزوة تبوك لما استنفر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة للخروج إلى غزوة تبوك فتقاعس البعض، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ وَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، فدلت الآية على حكم شرعي وهو أن الإمام إذا استنفر الرعية إلى القتال والدفاع والجهاد أصبح الجهاد فرض عين على من استنفر.

فصل في وجوب الطاعة. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

نعم، فصل في وجوب طاعة ولاة الأمر في المعارك وفي غيرها. فقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، إذاً فطاعة أولي الأمر واجبة فيما أطاعوا الله فيه؛ لذلك لم يقل: وأطيعوا أولي الأمر معهم، وإنما جعل طاعتهم تبعاً لطاعة الله ورسوله، فحيث أطاعوا الله ورسوله وجبت طاعتهم، وحيث عصوا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، أمر الله سبحانه ولاة الأمر بمشاورة أصحاب الرأي والعقل، فهذه الآية يخاطب بها ولاة الأمر في هذا المقام، أن ولاة الأمر عليهم أن يطبقوا مبدأ الشورى مع أصحاب الرأي والفكر والسياسة والاستراتيجية من المثقفين والمفكرين، وألا يستبدوا بالرأي وحدهم. هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا سنة الجهاد، ولذلك في باب الجهاد في الفقه يقول: ويسن للإمام أن يشاور، يسن لإمام المسلمين أن يستشير.

الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 45-46]. موطن الشاهد، طبعاً الآية فيها العديد من الأحكام، لكن أنا سأركز على موطن الشاهد: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، وهذا أمر بلزوم جماعة المسلمين، وأن الإنسان لا يتنازع مع إخوانه ولا يتنازع مع رئيس جيشه، بل يلزمه الطاعة والسمع؛ لأنه متى اختلفنا وتنازعنا هزمنا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، ريحكم يعني قوتكم، عندما نكون أقوياء نكون إعصاراً، ولكن لما نتشرذم ويختلف الأمير مع الرعية والرعية مع الأمير تذهب قوتنا ويستبد بنا عدونا.

الآية الرابعة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]. هذه الآية تدل على حكم مهم من الأحكام الفقهية، وهو أن من الكبائر أن يفر المسلمون من الزحف. إن الفرار من الزحف من الكبائر بشرط: إذا لم يزد العدو على ضعف المسلمين، يعني إذا كان المسلمون ألفاً والعدو لم يزد عن ألفين، فالفرار من الزحف كبيرة. إذا زاد العدو عن الضعف، نحن ألف وهم ثلاثة آلاف، لا هنا يجوز المغادرة من هذه المعركة كما فعل سيدنا خالد بن الوليد في غزوة مؤتة.

فالفرار من الزحف كبيرة إذا كان العدو لا يزيد عن ضعف المسلمين. إلا إذا كان الفار لا يقصد الفرار، في الآية قال: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ﴾؛ إذا فر المجاهد من المعركة بنية التحرف للقتال، ما معنى التحرف للقتال؟ هو فر من أمام العدو يريد أن يغير موقعه في القتال، متحرفاً لقتال أنه كان في الميمنة يريد ينتقل للميسرة، كان في المقدمة يريد أن يعود للمؤخرة، فإذا هربت من أمام العدو لتذهب إلى جهة أخرى تقاتل فيها فهذا لا يسمى هروباً ولا إشكال فيه.

قال: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ﴾، ما معنى أو متحيزاً إلى فئة؟ يكون مثلاً هناك أكثر من معركة في نفس الوقت، معركة في الشمال ومعركة في جنوب البلد ومعركة في شرقها، فأنت غادرت المعركة التي في الشمال تريد أن تتحيز إلى فئة أخرى من المسلمين تقاتل في الشرق، أو غادرت المعركة في الجنوب تريد أن تتحيز إلى فئة أخرى من أهل الإسلام تقاتل في مكان آخر، فهذا أيضاً لا إشكال فيه ولا يعتبر من الكبائر. إذاً الفرار من العدو كبيرة إلا إذا كان المقصود تغيير الموقع في المعركة يعني نوع من المكر والخديعة، أو الانضمام إلى فئة أخرى من المسلمين تقاتل في ميدان آخر من الميادين، فهذا لا إشكال فيه.

فصل في الغنيمة. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: 69]. هذه الآية تدل على أن الجيوش المسلمة يحل لها أن تأخذ من الغنائم وتقتسمها، وهذه من الأحكام الخاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، ومنها: وأحلت لي الغنيمة». ففي عند الأنبياء السابقين الغنائم لم تكن تحل للجيوش، وإنما كانت في بني إسرائيل تأتي نار من السماء تأكل الغنائم إذا قبلها الله، فأحل الله الغنيمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا أول حكم فقهي وهو جواز توزيع الغنائم على الجيش، ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، إذاً توزيع الغنيمة على الجيش حلال.

الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]. هذه الآية جاءت تبين كيفية تقسيم الغنائم، وهو أن الغنائم أربعة أخماسها للجيش، وخمس لا يكون للجيش. هذا الخمس الذي لا يكون للجيش يتم تقسيمه إلى خمسة أسهم.

سهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا سهم عار كان يوضع في بيت مال المسلمين؛ النبي صلى الله عليه وسلم يوزعه للأمراء أو لمصالح المسلمين أو ما شابه ذلك. وسهم لذوي القربى لبني هاشم؛ سهم لذوي القربى لأن ذوي القربى لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة، فعوضهم الإسلام فأعطاهم سهماً من الغنيمة، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]. طبعاً ذكر الله هنا قالوا ليكون توطئة وبركة، وإلا فالمقصود ما بعد ذلك وهو: وللرسول السهم الأول، ولذي القربى السهم الثاني، واليتامى الفقراء السهم الثالث، والمساكين السهم الرابع، وابن السبيل السهم الخامس. هذه خمسة أسهم يقسم لها خمس الغنيمة، وأربعة الأخماس تكون للجيش.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 161]. هذه الآية دلت على تحريم الغلول، والغلول هو أن يأخذ شخص من الغنيمة قبل أن يقسمها الإمام، وهذا ورد فيه الوعيد الشديد أن يأخذ أحد الجنود من الغنيمة قبل أن يقوم الإمام بتوزيعها على الجنود. ومن غل شيئاً وخبأه دون أن يعرفه الإمام يأتي بما غل يوم القيامة ولو كان شراكاً؛ يعني ولو كان حبل للحذاء ستأتي به يوم القيامة.

فصل في الفيء. ما الفرق بين الغنيمة والفيء؟ الغنيمة هو المال الذي نأخذه من العدو بعد معركة وقتال، أما الفيء فهو المال الذي نأخذه من الكفار بدون قتال؛ بأن نكون صالحناهم مثلاً، يكون مثلاً أتينا وصالحناهم على أراضيهم مقابل أن يدفعوا لنا سنوياً مئة ألف دينار، هذا المال يدخل إلى بيت مال المسلمين ويسمى ماذا؟ فيئاً. وعموماً أي مال أخذ من الكفار مصالحة يسمى فيئاً، وهذا ليس كالغنيمة؛ هذا لا يوزع على الجيش. الفيء هذا يوزع على مصالح المسلمين، فيعطى منه أولاً الرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كما سيأتي في الآية، ثم يعطى ويوزع أيضاً على جميع المواطنين الذين في الدولة المسلمة على حسب معايير يحددها النظام المالي. والدليل على أن مال الفيء هو لجميع المسلمين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6].

الآية الأولى فيها بيان ما هو الفيء، قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي من الكفار، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي ما حركتم عليه خيلاً ولا ركاباً. يعني كل مال لم تأخذوه بالحرب والخيول والركاب والمعارك فهذا يسمى فيئاً. ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: 6].

﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7]. الآن في هذه الآية بين الله على من يوزع الفيء؛ أولاً قال: كل مال أفاءه الله على رسوله من قرية من قرى الكفار بعد مصالحتها، فأولاً يقسم لمن؟ طبعاً ﴿فَلِلَّهِ﴾ ذكر الله هنا كما قلنا هو توطئة أن كل الملك لله رب العالمين، ثم بعد ذلك ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. هؤلاء هم أنفسهم الذين ذكروا في آية الغنيمة؛ هم أنفسهم الذين يعطون أو يوزع عليهم خمس الغنيمة. هل الفيء فقط خاص بهؤلاء الخمسة؟ لا، بل بعد أن يقضي الإمام حاجات هؤلاء، أيضاً يعطي من الفيء لجميع المواطنين في النظام الإسلامي. انظروا ماذا قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 7-8].

هنا قال ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، فقال الله عز وجل أيضاً: مال الفيء يستحقه المهاجرون الفقراء الذين خرجوا من مكة وتركوا ديارهم وأموالهم، فهؤلاء أعطوهم من أموال الفيء أيضاً.

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. القسم الثاني أيضاً هنا، من هم؟ الأنصار؛ يعني يقول وللأنصار الذين تبوؤوا الدار، دار الهجرة، كانوا فيها قبل المهاجرين وهي بلادهم أصلاً. وللأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فهؤلاء الأنصار الذين وقفوا مع الدعوة وآثروا وبذلوا أيضاً مواطنون يستحقون من الفيء.

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. أيضاً ولكل من جاء من بعدهم من المؤمنين؛ كل مسلم بعد المهاجرين والأنصار من التابعين وأتباعهم إلى يوم القيامة بشرط ماذا قال؟ ﴿الَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إذا كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. لذلك قال: الرافضة ليس لهم من الفيء شيء؛ لماذا؟ لأنهم لا يقولون اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، الرافضة يشتمون الصحابة ويكفرونهم، فليس لهم من الفيء شيء، وإنما يعطى الفيء لمن اتبع الصحابة بإحسان وترضى عنهم، فهؤلاء الذين يستحقون إلى يوم القيامة.

لذلك عمر بن الخطاب ماذا يقول في الفيء؟ يقول: ما من أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا العبيد. قال عمر في مال الفيء: ما من أحد من المواطنين إلا وله في هذا المال نصيب. هذا طبعاً يوزع بحسب تراتبية معينة: الأكثر أثراً، الأكثر سابقية إلى الإسلام، الأكثر إنتاجية، ولا يوزع بالسوية، وإنما يوزع على حسب الفضل والسبق والأثر والتقدم، لكن في النهاية كل مواطن له منه حظ ونصيب إلا العبد لأن العبد لا يملك أصلاً.

باب الأمان. هل يجوز شرعاً أن نعطي الأمان لكافر يدخل إلى بلاد المسلمين ويشتري ويتاجر ثم يعود إلى بلده، أو يدخل إلى بلاد المسلمين يتعلم ونعلمه ثم يعود إلى بلده؟ هل يجوز إعطاء الأمان؟ قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]. هذه أول آية تدل على جواز إعطاء الأمان للكافر إذا كان هناك مصلحة. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أي طلب منك الأمان، أعطه الأمان حتى يسمع كلام الله، حتى يدخل عندك ويسمع الكتاب والسنة وتشرح له معالم الدين، فإن أسلم أسلم، وإن رفض الإسلام يعود إلى بلده، ونتفاهم معه على أنه حربي بعد أن يعود إلى بلده.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61]. هذه الآية تدل على أنه يجوز للمسلمين أن يقبلوا المسالمة والمهادنة مع الكفار بشرط أن يكون في هذه المهادنة مصلحة للإسلام والمسلمين؛ كأن يكون المسلمون في ضعف أو يحتاجون إلى إعداد عُدّة ولا قدرة لهم على مواجهة الكفار. فالله يقول لهم: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ إذا أعداؤكم عرضوا المصالحة والمسالمة، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ يقبل المصالحة والأمان وتوكل على الله. لكن علينا أن نفهم أن هذه ليست هي الحالة الأصلية في علاقة دار الإسلام بدار الحرب؛ فالمذاهب الأربعة المتبوعة على أن الأصل في علاقة دار الإسلام بدار الحرب هي المعركة، يعني الأصل في علاقتك مع الكفار باتفاق المذاهب الأربعة هي الحرب، وأن الجنوح للسلم إنما يكون كما في حال صلح الحديبية إذا كان هناك مصلحة مؤقتة، فعندئذ نجنح إلى السلم حتى يتقوى المسلمون أو يحصلوا مصلحة معينة أو ما شابه ذلك. أما إذا لم يكن هناك مصلحة من المسالمة فلا تجوز، إذاً فقط المسالمة من أجل المسالمة، هذا لا يجوز باتفاق المذاهب الأربعة.

لماذا لا يجوز؟ من باب الفائدة؛ لأن الله أمرنا أن نبقى نقاتل حتى يكون الدين كله لله، لأن الله أمرنا أن نبقى نقاتل حتى يعم حكم الإسلام على الأرض كافة، فليس لك أن تعقد مهادنة بدون فائدة؛ لأن هذا يناقض مقصود الله في أننا مستخلفون لإقامة الإسلام على الأرض كافة، وأننا نقاتل حتى نوصل حكم الله إلى كل العالم.

قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]. هذه الآية تبين لنا، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، أن العهود، عهود الأمان مع الكفار، على نوعين: هناك عهود مطلقة، أي لم تقيد بمدة، عهد الأمان أو عقد الأمان إذا كان مطلقاً فهو عقد جائز، يمكن لأحد الطرفين أن يفسخه بإخبار الطرف الآخر. وهناك نوع آخر من العقود هي عقود أمان مؤقتة بمدة محدودة، فهذه ملزمة وليست جائزة، ملزمة لكلا الطرفين حتى تنتهي المدة. يعني ممكن اليوم أنت كدولة مسلمة تكون لك دولة كافرة تكتب أنت وإياها معاهدة، هذه المعاهدة في نوعين من المعاهدات؛ يقول شيخ الإسلام: في هناك معاهدات مطلقة، يعني لم تحدد بمدة زمنية، "نحن وإياكم الآن متسالمون"، كم المدة؟ "خليها مطلقة"، لا بدنا نحدد، هذه اسمها معاهدة مطلقة، هذا عقد جائز، ايش يعني جائز؟ غير ملزم؛ فأنا كدولة مسلمة أو هو كدولة كافرة يمكن أن يخبر أنها انتهت المعاهدة، وبعد ذلك نباشر القتال ضد بعضنا البعض، بمجرد الإخبار تنتهي المعاهدة ونبدأ القتال.

النوع الثاني لا، معاهدة أمان مؤقتة، كتب فيها بين محمد صلى الله عليه وسلم والمشركين صلح الحديبية، كم كانت مدته؟ 10 سنوات؛ نص على مدة، هذه تكون ملزمة؛ فأنت كدولة مسلمة خلال العشر سنوات مثلاً إذا طلع في ذهنك فكرة أنه خلاص بدي أنهي المعاهدة، ما يطلع لك، ليه؟ لأن الله ماذا قال في هذه الآية في سورة التوبة: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾. إذاً عهد المسالمة له مدة أنت ملزم فيه وهو ملزم فيه. طيب يا شيخ هو نكث؟ لا، خلاص إذا هو نكث معناتها قاتل، لكن أنا كدولة مسلمة ملزم فيه وهو ملزم فيه، بخلاف الذي ليس له مدة هذا مفتوح، فهذا أستطيع أن أتخلى عنه في أي لحظة، لكن لازم أول ما أتخلى أخبر العدو أني تخليت عن معاهدة الأمان بيني وبينك، وهذا فقه هذه الآية. فهذه الآية تتكلم عن معاهدات الأمان المقيدة بمدة.

باب عقد الذمة. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. ما الفرق بين عقد الأمان وعقد الذمة؟ عقد الأمان أنا أفعله مع دولة كافرة أو مع مواطن في الدولة الكافرة بده يدخل على الدولة المسلمة كم يوم يتاجر، يعمل له شيء، ويرجع إلى الدولة الكافرة. أما عقد الذمة فهو العقد الذي ننشئه مع الكفار من اليهود والنصارى والمجوس الذين يعيشون في البلاد المسلمة، ويدفعون مقابل هذا كما قلنا مبلغاً سنوياً، فهذا اسمه عقد الذمة لمواطنين يهود أو نصارى أو مجوس يعيشون في الدولة المسلمة. فمقابل أن يعيشوا في بلاد المسلمين سيدفعوا شيئاً اسمه عقد الذمة، هذا ليس عقداً، يعني هو شكل من أشكال الأمان بس اسمه عقد الذمة، ودلت عليه هذه الآية. فهذه الآية تتكلم أن أهل الكتاب بالتحديد والمجوس يقاسون عليهم بالسنة، نقاتلهم حتى إما أن يسلموا وإما أن يدفعوا الجزية، قال: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، هكذا علاقتنا معهم في الدولة المسلمة. أما غير أهل الكتاب والمجوس من الوثنيين والبوذيين والهندوس وما شابه ذلك، لا، هؤلاء عند جماهير الفقهاء ليس لهم عقد ذمة؛ هؤلاء يا بيسلم يا بنقتل، إلا أن يهرب إلى بلاد الكفار عاد يدبر حاله معهم.

كتاب البيع. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]. إذاً الأصل في البيع ما هو؟ أنه حلال.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. تدل هذه الآية على أن الأصل في البيع أنه يشترط فيه التراضي بين المتعاقدين، ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾، فهل يجب الرضا في البيوع؟ نعم، فأي بيع كان على وجه الإكراه فهو باطل، هذا هو الحكم الفقهي من الآية. طبعاً إذا كان إكراهاً بغير حق.

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]. هذه إلى هنا نحتاج الآية، ما بعد ذلك سنأتي إليه في مواطن أخرى. لماذا أتى بهذه الآية هنا الشيخ القاسم؟

ليخبر من هو جائز التصرف الذي يحل له إجراء العقود المالية. هذه الآية تدل على أن من يحل له إبرام العقود المالية هو من اجتمع فيه أنه بالغ عاقل رشيد. هذا هو الذي يجوز له أن يمارس البيع والإيجارات والشركات وكل العقود. ما الدليل على ذلك من الآية؟ أن الله قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ﴾ [النساء: 6]، يعني الأطفال، قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6]، يعني إذا بلغوا، ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]. فاليتيم متى يدفع إليه ماله ليتاجر فيه؟ بشرطين أو بثلاثة ضمنيًا: إذا بلغ عاقلًا، ولم يكن سفيهًا يضيع ماله، بل كان رشيدًا، ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]. فدلت هذه الآية على أن من يجوز له ممارسة العقود المالية هو البالغ العاقل الرشيد.

لأنه قد يكون هناك بالغ عاقل، بس فيه ضياع لأمواله، هذا لا يعطى. البالغ العاقل الرشيد هو الذي يجوز له أن ينشئ البيوع والإيجارات والشركات، وهذا هدف ذكر الآية في هذا السياق.

الآية الرابعة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. هذه الآية قاعدة عظيمة من قواعد البيوع، وهو أن كل بيع فيه خديعة أو غش أو تغرير بالطرف الآخر فهو بيع باطل وحرام. لأن الله قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، لا يجوز أن أعمل معك معاملة فأكل مالك بالغش والخداع والضحك والاحتيال، فكل معاملة مالية تضمنت ذلك فهو عقد باطل، هي قاعدة عامة في البيوع.

الآية الخامسة: قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119]. هذه الآية تدل على فكرة معينة، ما هي؟ على أن الأصل في المعاملات المالية الحل. من يخبرني كيف استنتجنا هذا من الآية؟ أحسنت، قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119]، إذاً كل ما لم يفصل سيبقى على الأصل وهو أنه حلال. وهذه يا إخواني أحد أبرز القواعد المهمة في باب البيوع، أن الأصل في العقود المالية الحل، وما خرج عن هذا فحرم، هو ينص عليه. لذلك لم يقل وقد فصل لكم ما أحللت لكم، قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119]، ليش ما قال ما أحللت لكم؟ لأنه الأصل فيها الحل، فإذا هناك شيء محرم سأخبركم بقواعد التحريم. فهذه قاعدة في البيوع.

الآية السادسة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91]. الميسر هو أيضاً أحد العقود المحرمة، هو عقود القمار. ذكر هذه الآية ليخبر أن الله عز وجل حرم علينا الخمر والميسر. ما هو الميسر؟ هي العقود التي فيها القمار، وهذه عقود كثيرة للأسف اليوم في المعاملات المعاصرة، العقود المبنية على القمار، ومن أبرزها التأمين، التأمين التجاري، التأمين على السيارات والتأمين التي تقوم بها شركات التأمين التجارية، هي عقود ميسر، عقود ميسر لأنها تقوم على القمار والمخاطرة وليست على تكافؤ الأطراف، وهذا يطول شرحه.

فصل فيما نهي عنه. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9]. متى نهي عن البيع؟ الانشغال بالبيوع والمعاملات في أوقات الصلوات، هذا حرام. فالله سبحانه وتعالى نهى عن ممارسة البيع عند الأذان الثاني للجمعة، وكذلك إذا ضاق وقت أي صلاة مكتوبة، قال الفقهاء: إذا ضاق وقت أي صلاة مكتوبة الظهر العصر وقارب أن يخرج، يحرم أن تمارس البيوع وأي عقد آخر؛ لأنه هذا انشغال بالدنيا عن الآخرة.

باب الشروط في البيع. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. هذا موطن الشاهد من الآية. ما علاقة هذا بالترجمة باب الشروط في البيع؟ ما هو الشروط في البيع؟ هو أن أحد المتعاقدين يضع شرطاً يريد أن يلزم به الطرف الآخر واتفقنا عليه، أنا أريد أن أشتري منك سيارة لكن اشترطت تكون موديل الـ 2025، أو اشترطت تكون فحصها كامل، أو اشترطت أي شيء من الشروط ووافق الطرف الآخر البائع، هل هو ملزم بأن يوفي بالشرط؟ نعم، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والشرط عقد، والشرط عقد؛ لأن العقد هو الشيء الذي نتعاقد عليه أنا وإياك، فالبيع وشروطه كلها تعتبر من العقود والله قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر يفيد الوجوب.

باب الربا. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]. هذه الآية تدل على تحريم الربا، وأن الربا ليس كما قال كفار قريش أن الربا مثله مثل البيوع الحلال، لا، الربا حرام. وسبب تحريمه وعلة ذلك طبعاً تدرس في المجالات الفقهية، فالبيع حلال والربا حرام. فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، يعني كل من تعامل بالربا قبل نزول الآية، الله لم يطالبهم بإفساد أموالهم. كل من تعامل بالربا قبل أن تنزل هذه الآية عليه، فعفا الله عما سلف. ومثل هذا في الوقت المعاصر لو جاءك كافر فأسلم وكان هذا الكافر طوال حياته وهو كافر تعامل بالربا، وشاري بيت بالربا وأسلم، هل نقول له الآن يلا شيخ تبيع كل سيارتك وبيتك وأمورك؟ ولا نقول فله ما سلف؟ تقول فله ما سلف. هذا رجل كافر والإسلام يجب ما قبله. فالكافر إذا أسلم لا يطالب بأن يتخلص من أمواله التي جناها بالربا لأنه كان كافرًا. قال: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275]، أي فله ما سلف وأمره إلى الله.

هذه الآية فيها خلاف في التفسير، لأنه ما معنى فله ما سلف؟ قالوا إن ما فعله قبل أن يسلم أو قبل أن تنزل الآية معفو عنه. طيب ما معنى أمره إلى الله؟ إذا قلنا أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء تاب عليه، قد يكون في مشكلة في السياق، لأنه كيف تقول فله ما سلف فكيف أمره إلى الله إن شاء عذبه؟ ما هو ربنا عفا عما سلف. فأظهر كما قال كثير من المفسرين أن معنى ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] أي أنه إذا ترك الربا انتقل إلى رحمة الله. كيف أقول لك أنا "إلى الله أني ذاهب إلى ربي سيهدين"؟ فمعنى ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] يعني انتقل إلى شرع الله ورحمة الله والخير الذي سيفتحه الله عليه.

الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ [البقرة: 278-279]. ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]، أي شخص أسلم إذا كان أسلم كما قلنا، وهناك عقود ربوية قبضها وانتهى لا يطالب بها، لكن إذا أسلم وهناك بعض العقود الربوية لم يقبضها بعد، يطالب بتركها بدليل قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]. ما هو الذي بقي؟ الربا الذي لم تقبضه بعد، يعني واحد كان تاجر مرابي كافر أسلم، العقود الربوية التي قبضها خلص عفا الله عما سلف، العقود الربوية التي بقيت ولم يقبضها بعد نطالبه بإلغائها بدليل قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278].

الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]. لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة، كانوا أبرز أشكال الربا في الجاهلية أن الرجل كان يدين الرجل يقرض مال، فإذا جاء موعد السداد ولم يستطع السداد يضاعف عليه المال الربوي. مثلاً 100 بتصير 200، طيب تأخر المرة الثالثة بتصير 400، وهكذا يصبح ماذا؟ في مضاعفة مستمرة. فالله يقول لا تأكلوا الربا على هذه الصورة، فهذا بيان للحال، يعني حالهم في أكلهم الربا أنه كان أضعافاً مضاعفة تتضاعف مع مرور الوقت، فنهاهم الله عن أكل أموالهم بالباطل بهذه الطريقة.

باب السلم. الآية الأولى: قال الله تعالى، ما هو السلم أيها الكرام؟ مر معنا شرح السلم. السلم أن المشتري يدفع الثمن معجلاً، والبائع يسلم البضاعة بعد شهرين أو ثلاث عندما تتوفر. فعقد السلم هناك أحد العوضين في الذمة، ما هو؟ البضاعة، وأما المال معجل. هو عكس بيع الدين، البيع بالدين ما الذي يكون معجلاً؟ السلعة، وما الذي يكون مؤجلاً؟ الثمن. فعقد السلم هو عكس عقد البيع بالدين، وهل هما جائزان سواء البيع بالدين أو عقد السلم؟ نعم، قال تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: 20].

الحقيقة هنا في مشكلة، الآية التي وضعت ليست هي الآية المطلوبة، اكتبوا الآية التي في هذا المقام، هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. الآية هنا وقعت بالخطأ في هذا المكان، ليست هي الآية. الآية الصحيحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. هذه الآية يقول ابن عباس تدل على أو نزلت هذه الآية في مشروعية السلم، لأن السلم في النهاية هو دين، لكن دين في ماذا؟ في الثمن ولا في السلعة؟ في السلعة. فهذه الآية حقيقة عند المفسرين تدل على جواز أن يكون أحد العوضين ديناً. سواء السلعة تكون دين وهذا بيع السلم، أو الثمن يكون دين وهذا بيع بالدين، فهذه الآية: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة: 282] تدل على جواز هذين العقدين.

باب القرض. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]. سمى الله سبحانه وتعالى إقراض الناس ومساعدتهم كأنه إقراض لله، والله غني ونحن الفقراء. لكن هذا كالحديث القدسي: «مرض عبدي فلم تعدني»، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: «لو أنك عدت مريض فلان لوجدتني عنده». فالله سبحانه لكرمه وجوده وهو الغني ونحن الفقراء، يجعل ما ندفعه من الأموال لمساعدة الناس سواء بالقرض أو بغير القرض يجعله كأنه إقراض له، وإن كان في الواقع هو الغني عنا. فهذا يدل على مشروعية مساعدة الناس بإقراضهم أو بالصدقة عليهم، ولكنه ذكره في باب القرض هنا خاصة أن الآية فيها لفظة ﴿وَأَقْرِضُوا﴾ [المزمل: 20]، فإقراض الله يدخل فيه أن تقرض العبد وهذا فيه مساعدة للناس.

باب الرهن. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. الرهن هو أن توثق الدين من خلال سلعة توضع عند المرتهن. أنا داينتك مال قلت لك جيب لي رهن تخليه عندي، حتى إذا جاء وقت السداد وحضرتك لم تسد، أستطيع أن أحافظ على حقي. فالرهن جائز بنص كتاب الله قال سبحانه: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. هذه فيها أكثر من تعليق، التعليق الأول هل الرهن جائز فقط في السفر؟ لا. طب الله قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ [البقرة: 283]، هذا ذكر في الآية على وجه الأغلبية، أن الأغلب في زمن الصحابة أن الناس متى كانت تحتاج للرهن؟ إذا كانوا مسافرين ولا يوجد مجلس فيه شهود وكتاب ليسجلوا الدين. إذا كنت في الحضر وبإمكانك تعمل مجلس وتوثق الدين عند المحكمة ويكون في شهود وكتاب، في داعي للرهن؟ لكن لما تكون أنت وصاحبك مسافرين في حافلة وفي طريق السفر صاحبك قال لك بتقدر تدينني 1000 دينار؟ طيب الآن ما في حدا يشهد وما في محكمة هون في الطريق، فهنا كان الأولى والأفضل اختيار الرهن وسيلة للحفاظ على الحق. إذاً فقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ [البقرة: 283] هذا ليس قيداً، ليس مفهوم المخالفة معتبراً هنا، فنقول يعني إذا كنت لم تكن على سفر فلا يجوز الرهن؟ بل ذكر هذا الشرط نقول من باب أنه الأغلب. لذلك قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283] كاتب قاضي يعني أو كاتب توثقون عنده عقد الدين، وهذا الذي كان في السفر قديماً. فالله أرشدهم إلى وسيلة لحفظ حقوقهم في السفر فقال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283].

توثقون بها عقودكم، الرهان. طيب لماذا قال مقبوضة؟ هي ذكرناها في كتاب الإجماع، لماذا قال فريال مقبوضة؟ في كتاب الإجماع ذكرناها، أحسنت؛ لأن الرهن لا يلزم الراهن إلا بالقبض. فالله سبحانه وتعالى أراد أن يخبرنا، لو أنا قلت لك ارهن لي سيارتك، أنت قلت لي ماشي برهنها، بس لسه ما سلمتني إياها، بعدين غيرت رأيك حكيت معي والله يا شيخ غيرت رأيي بطلت بدي أرهن، بيطلع لك؟ نعم، لأنك لم تسلم الرهن بعد. فالرهن متى يكون ملزماً للراهن؟ بعد إقباضه للمرتهن، فلذلك قال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، فدلت الآية على أن الرهن إنما يلزم إذا تم قبضه.

باب الضمان. الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72]. الضمان أن يأتي شخص فيضمن شخصاً أمام البنك، فيقول خلص أو أمام شخص إذا هو ما سدك أنا بسدك. فالضمان هو أن يأتي شخص يتحمل ما على شخص آخر من المال تجاه مؤسسة مالية أو شخص آخر. هل هناك دليل في القرآن على جواز الضمان؟ نعم، هناك دليل من شرع من قبلنا وهي قوله في قصة يوسف لما وجدوا الصاع في جمل أخيهم، قال يوسف: نادى مناد نفقد صواع الملك، الصاع الذي به يوزن، ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72]، اللي بطلع لنا صواع الملك رح نعطيه مكافأة، إيش؟ حمل بعير، وستأتي هي الآية في عقد الجعالة، ثم قال: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72].

ما معنى زعيم؟ يعني ضامن. أي واحد بلاقي لنا صواع الملك يا جماعة رح أعطيه هدية مقابل جهده حمل بعير كامل. طيب مين بيضمن لنا يلا إنك رح تعطيه؟ قال: أنا بضمن لكم إني رح أعطيكم، أنا ضامن لهذا حمل البعير. فدلت هذه الآية على مشروعية عقد الضمان.

فصل في الكفالة: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: 66]. الكفالة ما هي؟ شو الفرق بين الكفالة والضمان؟ الضمان أن أضمن أن أدفع عن هذا الشخص إذا هو لم يدفع. الكفالة هو أن أضمن إحضار هذا الشخص وليس الدفع عنه.

الكفالة في الإسلام ما الفرق بينها وبين الضمان؟ أنه في الكفالة أنا أكفل ماذا؟ إحضار هذا الشخص للمحكمة أو إحضار هذا الشخص للبنك، إذا لم أحضره ساعتها بدفع عنه. أما الضمان لا، هو ليس أنني أضمن إحضار الشخص، أضمن دفع المال إذا هو لم يدفع. ولذلك هنا في هذه الآية أيضاً وهي في قصة يوسف ماذا قال يعقوب؟ قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ موثقاً يعني ميثاق تتكفلوا لي، يعني حتى تأتوني بكفالة أنكم ماذا ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ هذا موطن الشاهد، إيش يعني لتأتني به؟ أنكم رح ترجعوا لي ابني. فإذن هو طلب يعقوب من أبنائه، لأنه هو شاك في أولاده، صح؟ بعد ما فعلوا ما فعلوا في يوسف، هو أصبح في موطن الشك فيهم، قال: أنا ما راح أرسل معكم حتى تجيبوا لي كفيل، كفالة أو تقدموا لي كفالة أنكم سترونه لي. إذاً هو طلب كفالة بإحضار شخص ولا إحضار مال؟ إحضار شخص. إذاً هذا استدلال جميل ولطيف على مشروعية الكفالة من خلال شرع من قبلنا: أعطني ميثاق وكفالة أنك ستحضر لي ابني.

باب الصلح: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 9-10].

الصلح أحد العقود التي يذكرها الفقهاء، وهو أن تأتي لرجلين مختلفين في مال أو مختلفين في جناية أو مختلفين في زواج فتصلح بين الأطراف. فهنا ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ هذا إذا صار بينهم اقتتال، فمن المشروع أن يأتي شخص يتدخل للإصلاح بين المتنازعين. كذلك في الزواج، ماذا قال الله؟ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. يعني أنك تصلح بين المرأة وزوجها، أيضاً هذا من العقود التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وقال في آية أخرى: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].

باب الحجر: الحجر هو أن تأتي على شخص. الحجر نوعين: هناك حجر لحظ الآخرين، وهناك حجر لحظ النفس. الحجر لحظ الآخرين هو أن يأتي شخص عليه ديون تكاثرت عليه ولم يستطع سدادها، ولكن بقي عنده كمية قليلة من المال، فهنا الغرماء يرفعون للقاضي للمحكمة أنه نريد تحجر على فلان ما بقي من أمواله حتى نستطيع أن نأخذ ما يمكن أن نأخذ من ديوننا، هذا اسمه حجر لمصلحة الآخرين. وهذا صورته كما قلنا إذا شخص غرق بالديون ما عاد يستطيع السداد، ولكن عنده بعض الأملاك، فيرفع الغرماء إلى القاضي يقولون: يا قاضي، احجر على أملاكه حتى نحصل ما نحصل من ديوننا، ولو 20% خير وبركة. هل هناك دليل في القرآن على هذا الحجر، الحجر على المديونين؟ نعم، شوف الآية الجميلة، قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280].

هذه الآية تقول إذا كان الذي عليه دين ذو عسرة، ما هو ذو العسرة عند الفقهاء؟ الذي لا يملك شيئاً، صفر، لا يملك أي شيء يمكن يسد منه، فهذا أوجب الله أن ينظر إلى ميسرة، وألا يتم الحجر عليه وحبسه. إذا كان اللي عليه ديون صفر مالياً، صفر بمعنى الصفر، فهذا أصلاً لا يجوز رفع قضية عليه للمحكمة، بل بنص القرآن يجب إنظاره إلى ميسرة. طيب وين موطن الشاهد على جواز الحجر والحبس للي عليه ديون للآخرين؟ مفهوم المخالفة، أحسنت، أنه إذا لم يكن ذو عسرة، إذا كان مش ذو عسرة، لا عنده قدرة يسد بعض الديون، فهذا ربنا ما قال ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾، بل أجاز لغرمائه أن يرفعوا قضية للمحكمة ليحجروا على أملاكه، إذاً مفهوم المخالفة هو الدليل على جواز الحجر والحبس لأصحاب الديون. لأنه ربنا قال: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ هذا اللي صفر، طيب اللي مش صفر؟ فهل هذا ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾؟ لا، اللي مش صفر، والله حق الغرماء يرفعوا قضية عليه حتى يتم الحجر والحبس ليأخذوا ما يأخذوا.

النوع الثاني من الحجر هو الحجر على أناس لمصلحتهم هم، وهذا يكون على من؟ يكون على الصغير والسفيه. الصغير الذي لم يبلغ يتم الحجر على أمواله خاصة إذا أبوه مات، مش بتيجي المحكمة بتحجر حتى ما يبدد أمواله، وكذلك السفيه البالغ الذي ما بيعرف يتصرف في أمواله، نحجر عليه لمصلحته حتى لا يبدد أمواله. الأدلة على الحجر على الصغار والسفهاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: 59]. طبعاً هذه الآية إنما أتى بها ليخبر أن الأطفال بماذا يبلغ؟ بالاحتلام. الطفل متى يبلغ ويصبح بالتالي أهلاً أن يتصرف بماله؟ بالاحتلام. والدليل أيضاً سيكمله في الآية الأخرى، الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]. إذاً الله عز وجل متى أذن لنا أن ندفع أموال الأيتام إليهم؟ قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ﴾، إنه أولاً لازم نختبرهم قبيل البلوغ، حتى إذا بلغوا النكاح، النكاح ما هو؟ البلوغ. لأنه إذا بلغ أصبح يطيق النكاح، فالنكاح هنا هو الاحتلام المذكور في الآية السابقة. مش قال في الآية السابقة: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾؟ هنا قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فالنكاح ما هو الحلم والاحتلام المذكور في الآية السابقة. فباختصار: اليتيم إذا بلغ الاحتلام صار بالغاً وشعرنا أنه رشيد مش سفيه، ندفع إليه ماله. مفهوم المخالفة: أنه إذا لم يبلغ النكاح، أو بلغ النكاح ولكن لم نأنس منه رشداً كان سفيهاً وهو بالغ، فلا يجوز دفع أمواله إليه. إذاً لازم نحجر عليه، فهنا استفاد الفقهاء مفهوم الحجر لمصلحة الأيتام والسفهاء.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]. قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، فربنا بيخبرنا أن السفيه والضعيف، والضعيف هذا يدخل فيه من الأطفال الذين لم يبلغوا، فالسفيه والضعيف هؤلاء من يكون مسؤول عن أموالهم وإدارتها؟ وليه، ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾، يجب وضع ولي هو يشرف على أمواله، إذاً هو محجور عليه لسفهه أو ضعفه.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]. هذه واضحة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ حتى لا يبددوها ويضيعوها. إذاً السفيه لا يعطى المال عموماً، هو صحيح قال أموالكم لكن هو لا يعطى المال عموماً بسبب سفاهته فيُحجر عليه.

الآية الخامسة قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 34]. قالوا: هذا العلماء فيه دلالة على وجوب وضع ولي على اليتيم، لأنه ما معنى ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟ لا يجوز أن تقرب مال اليتيم إلا إذا أردت أن تستثمر له أمواله وتحفظ له أمواله وتنمي له أمواله، وهذا يعني أنك أصبحت ولياً على مال اليتيم تصلح أمواله له، ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فإذاً هذا يدل على أن اليتيم يُحجر عليه ويتصرف الولي في أمواله بما هو لصالحه. يجب على أولياء الأيتام أن يتصرفوا في أموال الأيتام وينموها بما يعود إلى صالحهم.

الآية السادسة قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220]. مطلع الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾، فأمر أولاً بأن نصلح أموال اليتامى وأن نتولاها وأن نشرف عليها، ثم قال: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. الآن كان اليتيم يكون في حجر وليه عمه أو ابن عمه، وكان أحياناً يصبح اختلاط بين مال اليتيم ومال العم، فالصحابة تحرجوا، قالوا: تحرجوا من أن يخلطوا أموال الأيتام بأموال أوليائهم خشية أن يأكلوا شيئاً من مال اليتيم بالخطأ، فالله سبحانه رخص للصحابة ولاولياء الأيتام إلى يوم القيامة، يجوز لك إذا أنت مشرف على مال أيتام وكان يعسر عليك فصل أموالهم عن أموالك أنك تخلط مالهم بمالك، مثلاً أنا بربي يتيم عندي في المنزل واشتريت لهذا اليتيم 5 كيلو لحم وأربع حبات جبنة من أمواله، واشتريت لأولادي 4 كيلو لحم و5 كيلو جبنة، طيب طبخنا ما في الدار طبخة لحمة، طيب بدي أحط لحمة اليتيم وأحط عليها علامة هي لحمته اللي جبت له إياه، وهي لحمة أولادي، بتصير القضية فيها صعوبة، الحياة ما بتزبط هيك.

أنا كل شيء بدي أجيبه لليتيم بدي أطبخ له طبخة لحاله، بدي أحط له لحماته على جنب، رزاته على جنب، خبزاته على جنب، صعب. فالله قال للصحابة: ما في مشكلة أن تخالطوا أموالهم بأموالكم، حط لحماته مع لحمات أولادك، حط دجاجاته مع دجاجات ولادك، بس بشرط أنه ما يكون قصدك بهي المخالطة تضيع ماله وتستغله، تقول: يلا يا أولاد كلوا كلوا من لحم اليتيم. لا، يكون هدفك أنه يثقل علي أن أفصل، فحتى ما يكره الناس تولي أموال للأيتام، لأنه أنا إذا شعرت بمشقة في إدارة مال اليتيم رح أتركه، الشريعة سهلت حتى تحفز الناس على رعاية أموال الأيتام: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، بس شو القاعدة؟ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يعني ربنا عارف اللي بيخلط مال اليتيم بماله عشان يأكل منه بالعقل ومن الذي يخلط لمشقة الفصل.

الآية السابعة قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]. نعم، كان الرجل تكون عنده اليتيمة مثلاً، يكون هو ابن عمها وكبير ومشرف عليها وعلى أموالها، وهو رباها كبرت اليتيمة، وهو حلال أن يتزوج منها لأنه في النهاية من هو وليها؟ في بعض الحالات يكون ابن عمها، فكان بعضهم يستغل أنها هي اليتيمة هو رباها، فيقوم ويرغب في نكاحها فيتزوجها دون أن يعطيها مهراً مناسباً لها، ولا "أنا ربيتك أصلاً وأنا اللي تعبت عليك، يلا بدك تتزوجيني بدون ما أعطيك إلا مهر يسير"، هل هذا يجوز؟ هذا استغلال. فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾ يعني ألا تعدلوا مع اليتيمات اللواتي ربيتموهن فتريدون الزواج منهن بدون مهر مثيلاتها، فإياكم أن تتزوجوهن، وانكحوا غيرهن من النساء مثنى وثلاث ورباع. فالله عز وجل هنا ينهى الولي عن استغلال حاجة اليتيمة، وينهى الولي أن يبسط استبداده على اليتيمة، كما نهى أيضاً في الآية السابقة عن خلط مال اليتيم بماله إذا كان يقصد إفساده واستغلاله. فالولي على اليتيم باختصار دل القرآن على أن عليه أن يتقي الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُم بِالْأَمْوَالِ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]، فهذا نعم دل على أن ولي اليتيم يُحجر عليه، لكن في نفس الوقت يحرم على أوليائهم استغلال حاجتهم.

باب الوكالة: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: 19]. هذه الآيات التي تدل على جواز عقد الوكالة. هل يجوز لشخص أن يوكل شخصاً في قضاء أموره؟ نعم، أولاً استدل بقصة أصحاب الكهف لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة، هذا توكيل، وكلوا أحدهم، الورق هو الفضة، وكلوا أحدهم أن يشتري لهم طعام، أعطوا الأموال قالوا: على السوق اشتري لنا طعام، هذه وكالة، وهذا استدلال بشرع من قبلنا. قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. أيضاً يوسف عليه السلام ماذا قال لملك مصر؟ ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يعني وكلني، وكلني أن أشرف على وزارة المال، الوزارة المالية، خليني أشرف على وزارة المال والمؤنة، وأنا بإذن الله... فهذه وكالة، هذا نوع من التوكيل.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]. العاملين عليها في الزكاة، لما ربنا قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، من هم العاملون على الزكاة؟ هم الذين يتولون جمعها وحفظها ودفعها إلى الفقراء بالنيابة عن أصحاب الأموال، يعني أنا بدل ما أدفع كصاحب مال أدفع بنفس الزكاة للفقير، بعطيها لصندوق الزكاة، وللعاملين عليها هم بالوكالة عني بالنيابة عني يدفعونها إلى الفقراء، إذاً هذا دلالة على جواز عقد الوكالة.

باب الشركة: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24]. واضح الآية، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الخلطاء هم الشركاء، يقول سيدنا داوود كثير من الشركاء في أثناء الشركة يبغي بعضهم على بعض ويجور بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم يختلطون ويتشاركون لكن لا يبغي بعضهم على بعض، هكذا ينبغي. فإذاً دل هذا من خلال شرع من قبلنا على جواز الشركة.

فصل في المضاربة: الآية الأولى قال الله تعالى:

وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ما هي المضاربة؟ شرحناها في الإجماع: أن أدفع مالاً لشخص وهو يعمل ويتاجر فيه، ويكون الربح بيننا. هل هناك آية في القرآن تدل على جواز عقد المضاربة؟ قال: نعم، قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]. ما هو الضرب في الأرض؟ السفر فيها للتجارة، حيث تأخذ مالاً من أصحاب الأموال وتذهب تتاجر بهذا المال وتأتي بالربح بينك وبينه. فالضرب في الأرض هو من أبرز صور المضاربة في أموال الناس للاتجار بها، يبتغون من فضل الله أي بالتجارة.

باب الإجارة: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]. عقد الإجارة ما الدليل على مشروعيته من القرآن؟ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ إذا أنت أب وأديت طفلك لمرضعة لترضعه، فعليك أن تعطيها ماذا؟ أجرها: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. إذاً هذا يدل على جواز عقد الإجارة.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]. وعلى المولود له، الأب المولود له من هنا الأب؛ مثلاً أب كان عنده امرأة طلقها، ولكن لما طلقها كان عنده منها أطفال صغار، فالأم قالت للأب بعد ما طلقها: أنا لا أرضعهم إلا بأجرة. هل للأم بعد أن يطلقها الأب أن تطالب بأجرة مقابل الإرضاع؟ نعم، فلها رزقها وكسوتها، لها أن تطالب بماذا؟ برزقهن وكسوتهن بالمعروف مقابل أنها ترضع لك. طبعاً إذا أنت ما طلقتها، ما أنت برضه في المقابل لو كانت عندك زوجتك الحمد لله أنك مش مطلق، أيضاً مقابل ما زوجتك عم بترضع أولادك وبتدير بالها عليهم، أنت في المقابل بدك تقوم برزقها وكسوتها وتحقيق الاحتياجات لها. طبعاً هذا قد لا يسمى إجارة بالمعنى الدقيق، بس هو شكل من الأشكال؛ يعني كأنه في معنى أنه هي بتقدم خدمات الزوجة وأنت مقابل ذلك مطلوب توفر لها المال، فهذا كأنه شكل من أشكال الإجارة. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: 26-27]. هذا أيضاً من الاستدلال بشرع من قبلنا؛ بنت شعيب -إذا صح أنه شعيب- ماذا قالت؟ ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وفعلاً الرجل الصالح استأجر موسى عليه السلام وموسى وافق. إذاً عقد الإجارة عقد جائز في شرع من قبلنا وجاء في شرعنا موافقة لذلك.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77]. موسى ماذا قال للخضر لما كان الجدار يريد أن ينقض فأقامه؟ طبعاً الخضر رفع الجدار وأصلحه دون أن يطلب أجرة من أصحاب البيت، فموسى قال للخضر: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، يعني كان أخذت أجرة من أصحاب البيت مقابل أنك أصلحت جدارهم. إذاً هذا باستدلال بشرع من قبلنا يدل على جواز الأجرة. هذا النوع من القراءة إخواني في آيات القرآن يفتح آفاق الإنسان لما يقرأ، أن الآية ممكن أنت تستنبط منها أفكاراً جميلة، وألا تتعامل معها فقط بظاهرها. الآية يمكن تفتح لك آفاقاً في استنباط أحكام ومسائل ودلائل تحتاج إلى شيء من إعمال الذهن والعقل.

باب السبق: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: 17]. مثلاً هل تجوز المسابقة في الإسلام؟ نعم تجوز بضوابط. هل هناك آية في القرآن تشير إلى المسابقة؟ استدل بقصة أولاد يعقوب: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾، كانوا بدهم يتسابقوا، وهذا استدلال بشرع من قبلنا أن يعقوب ما أنكر عليهم المسابقة، إذاً هذا يدل على أنها كانت موجودة في شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأتِ في شرعنا إبطاله.

باب العارية: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2]. عقد العارية، العارية أن أعيرك شيئاً تنتفع منه مدة ثم ترده إليّ. هل هناك آيات قرآنية تدل على عقد العارية؟ قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، عمومها تدخل فيه عقد العارية، لأن العارية هي مساعدة لإخوانك. أيضاً: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]. الماعون ما هو؟ جاء في التفسير أن الماعون هي إعارة الدلو والقدر لجارك؛ بيجي جارك بيدق عليك الباب: السلام عليكم، عندك شاكوش؟ عندك فاس؟ عندك ملعقة؟ أو أخت تدق على أختها: عندك طنجرة؟ عندك قدر؟ وما شابه ذلك. فالماعون هو إعارة الدلو والقدر والصينية لبعضكم البعض، فالله ذم في سورة الماعون من يمنع هذه العارية. إذاً ماذا تدل الآية بمفهومها؟ على أن الله يحب عقد العارية لأن فيه إعانة للناس.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. هذه الآية تدل على أن من استعار شيئاً فهو مستأمن عليه، فعليه بعد أن ينتهي منه أن يرده إلى صاحبه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾، العارية لما تأخذها مش أمانة عندك؟ إي نعم، ما بصير تتلفها أو تعيرها لشخص آخر، لازم بعد ما تنتهي منها تردها لأنها أمانة، وهذا يشمل العارية وأي أمانة أخرى تكون عندك.

باب الغصب: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. هل يجوز أن أغصب أرضاً لرجل من المسلمين أو أغصب بيته أو سيارته أو أي حق له وآخذ جبراً عنه؟ لا يجوز، والدليل في القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، أنت لما تعتدي على حق أخوك بالغصب أنت أكلت ماله بالباطل.

باب الوديعة: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283]. الوديعة: لأكون أنا سأسافر أو أغادر البلد مثلاً، فآتي عندك وأضع عندك أمانة وأقول لك: هذه وديعة عندك لما أرجع بأخذها. هذا عقد جائز والله سبحانه يقول: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾، إذا أنا أمنتُك فوضعت عندك أشياء لي على سبيل الأمانة والوديعة، ثم أتيت أطالب بها، قال: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فالمودع يجب أن يرد الوديعة إذا طُولِب بها.

باب الجعالة: الآية الأولى، الجعالة هو أن أقول لشخص: إذا فعلت لي هذا الشيء سأعطيك عوضاً. يعني أقول هذا فرق بين الجعالة والإجارة، الجعالة هو حصول نتيجة؛ أقول لشخص مثلاً: أنا ضيعت سيارتي أو محفظتي، أقول: يا أنس، الذي يجد سيارتي ومحفظتي راح أعطيه 5000 دينار. تمام؟ أو من يأتيني مجموعة من الطلاب فأقول هؤلاء الطلاب: من يحل الواجب أعطيه كذا وكذا من المال. إذاً هذا اسمه عقد جعالة. هسه ممكن ناس كثيرة تروح تشتغل، ما راح أعطيهم إلا لما واحد فيهم يجي يحقق لي، لو اشتغل سنة كاملة بدون ما يحقق النتيجة ليس له أن يطالبني بشيء. ما الدليل على جواز عقد الجعالة؟ مرت معنا الآية: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72]. أن سيدنا يوسف ماذا قال لما سرق صواع الملك؟ طبعاً هي مش سرق، هي حيلة كانت ووضعوه في جمل بنيامين، قال: ﴿إِنَّا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ يا جماعة، نحن مضيعين صاع الملك، صاع ومكيال، ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ وَيَظْفَرُ بِهِ وَيُرْجِعُهُ رَاحَ نَعْطِيهِ حُمُولَةَ الْجَمَلِ﴾. هذا عقد جعالة؛ من سيأتينا به سنعطيه حمل الجمل، وهذا استدلال بشرع من قبلنا.

باب اللقيط: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2]. اللقيط كما قلنا: أن تجد طفلاً ملقىً في الشارع في مهده عند سلة مهملات أو في أرض، وتركته أمه وأبوه، فأنت تلتقطه وتربيه، هذا من أفضل الأعمال عند الله، بدليل قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، فهذه الآية تشمل كل عقد فيه معروف وإحسان.

باب الوقف: الآية قال الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]. الوقف هو أيضاً مشروع خيري، أنت تحبس الأصل، وكل مثلاً تقول: والله هذه العمارة وقف للفقراء، أو هذه المكتبة وقف لطلاب العلم، فهذا داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، أنك أخرجت الشيء من ملكك وتركته للفقراء أو المساكين أو لطلاب العلم أو للمصلين ينتفعون منه.

فصل في شرط الواقف: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. هنا سيأتي بأمور تحتاج إلى نظر قليلاً؛ أن الإنسان له أن يشترط في الوقف ما يشاء، أنا ممكن أقول هذا الوقف أريد ينتفع منه فقط أولادي، أنا كواقف حُر أين أضع وقفي، بشرط ألا أفعل إثماً، فأنا في الوقف أستطيع أن أشترط أي شرط شئت في كيف يُصرف هذا الوقف، المهم ألا يكون هذا الشرط في معصية. فهنا مثلاً يقولون: لو أن الإنسان اشترط أن يكون الوقف على أولاده، فقال: هذه العمارة وقف على أولادي، من يدخل في كلمة الأولاد؟ الذكور أم الإناث أم كليهما؟ كليهما. ما الدليل على أن كلمة الولد تصدق على الذكر والأنثى؟ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، لما بيّن الله من هم الأولاد إيش قال؟ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. فدلت الآية على أن كلمة الولد إذا أطلقت في الوقف تشمل الذكر والأنثى. نحن بجوز في عرفنا، نحن عارف يقول لك: جاك ولد ولا بنت؟ نحن عادة نطلق الولد على مين؟ على الذكر، بس هي في اللغة الولد تشمل الذكر والأنثى، في اللغة الولد تشمل؛ أما الابن هذه خاصة بالذكر، كلمة ابن غير كلمة ولد، ابن للذكر، ولد تشمل الذكر والأنثى.

الأصل في ألفاظ العقود أن يتبع فيها العرف قبل اللغة، يعني لو واحد قال: هذه وقف على أولادي، والعرف أنه يقصد بالأولاد الذكور، فهنا سنتبع العرف وستحمل الولد على الذكور، إلا إذا لم يحدد شيئاً في ذلك.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84]. ومن ذريته ضع تحت كلمة من ذريته خط، لو قال شخص: هذه العمارة وقف على ذريتي؛ بسموها حتى اليوم في الأوقاف: الوقف الذري. لو واحد قال: هي العمارة وقف على ذريتي، كلمة ذريتي من يدخل فيها؟ كل أحفادك، صح؟ طيب كل أحفادك اللي بيكونوا من الذكور ولا برضه أحفاد بناتك المتزوجات من قبيلة أخرى؟ يعني أنا هسه أولادي أولادهم محسوبون على قبيلة قبيلتي، فهم ذريتي. طب أنا مزوّج بنتي لواحد من قبيلة أخرى، ابنها محسوب على أي قبيلة؟ الولد بيتبع أبوه، محسوب على القبيلة الأخرى، فهل هو يعتبر من ذريتي أنا ويدخل في الوقف أم لا يحسب من ذريتي؟ اختلف الفقهاء، خلينا نشوف الآية القرآنية ماذا ستشير لنا، قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۗ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام: 84-86]. في الآية اسم نبي من الأنبياء النظر فيه أحسنت، عيسى بالتحديد هو اللي حل لكم المشكلة. لماذا عيسى هو من ذرية إبراهيم؟ قالوا: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعني من ذرية إبراهيم. عيسى هل اعتبر باعتبار أبيه من ذرية إبراهيم؟ ولا من طريق أمه؟ أمه، إذاً هذا يدل على أن الولد يعتبر من ذريتك ولو من جهة أمه، حتى ولو كان من جهة أبيه من قبيلة أخرى. فهمتم الاستدلال؟ عيسى هو من ذرية إبراهيم بنص الآية، طيب هو من ذرية إبراهيم من خلال أمه ولا أبوه؟ ما له أب، إذاً هو قطعاً جُعل من ذرية إبراهيم من جهة أمه، إذاً ولد ابنتك هو من ذريتك.

باب الوصايا: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]. في بداية الإسلام أوجب الله الوصية، قبل أن ينزل الله أحكام المواريث كان يجب على الإنسان أن يوصي لوالديه ولأقاربه؛ أبناؤه، إخوانه. ثم لما جاءت المواريث، نسخ الله وجوب الوصية للوالدين والأقرباء الوارثين، وبقيت مشروعية الوصية للأقارب غير الوارثين. فلما قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، خيراً يعني مالاً، كتب عليكم أن توصوا لآبائكم، للوالدين والأقربين، هذه الآية منسوخة عند جماهير العلماء، فلما نزلت آية المواريث ما عادت الوصية للوالدين والأقربين واجبة، بل أصبح أصلاً لا تجوز الوصية لوارث، وبقيت مشروعية الوصية على سبيل الاستحباب فقط لغير الوارثين من الأقارب أو من غيرهم.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12]. أيضاً الله سبحانه وتعالى في سورة النساء أخبرنا أن المواريث إنما يتم تقسيمها بعد قضاء الديون ودفع الوصايا: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، أي لم يقصد بهذا الدين أو الوصية الإضرار بالورثة. فالوصية التي لم يقصد بها الإضرار، والدين الذي لم تُقصد به الإضرار، فيجب سداده، إذاً هو مقبول شرعاً الدين أو الوصية.

فصل في الموصى له والموصى إليه: الموصى له هو الشخص الذي أقول: أعطوه بعد موتي من مالي كذا وكذا، هذا يسمى موصى له، أقول: والله أعطوا بعد موتي للشيخ 300 دينار، 500 دينار، فهذا يسمى موصى له. الموصى إليه هو الشخص الذي أوصي بأن يكون مشرفاً على إدارة أموالي بعد موتي، هذا يسمى موصى إليه، فهمتم الفرق بينهما؟

الموصى له والموصى إليه، وكلاهما دل عليه القرآن. فقال: ﴿إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6]. الآن هو الحقيقة كان ينبغي أن يُذكر الآية من أولها، قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6]. هذه الآية في سورة الأحزاب، في بداية الإسلام كان المهاجر إذا تولى الأنصاري؛ عقد يسمونه عقد الولاية، كانوا يتوارثون فيه، فإذا المهاجري مات يرثه أخوه الأنصاري، وإذا الأنصاري مات يرثه أخوه المهاجر بعقد الولاية، فنسخ الله ذلك وقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: 6].

قال: ﴿إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6]. أنت حابب تقدم شيء لأخوك الأنصاري، أو أنت كأنصاري حابب تقدم شيء بعد موتك لأخوك المهاجر، معك مجال أنك توصي له. فلذلك هذه الآية المراد بها أن توصي لمن بينك وبينه تحالف وتناصر بأن يأخذ من التركة الثلث فما أقل على سبيل الوصية. أي أن توصوا لأحد أوليائكم من إخوانكم في الله وأصدقائكم وأنصاركم، فهذا فيه دلالة على الموصى له.

طب بدنا آية تدل على الموصى إليه؟ قال الله تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 181]. هذه تتكلم عن الموصى إليه؛ أنه إذا أنت شخص في مرض الموت قال لك: تعال فلان بدي أعطيك وصية تنفذها، فالله عز وجل يقول لهذا الموصى إليه: احذر بعد موت الموصي أن تغير نص الوصية. قال: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ من غير نص الوصية؛ موصى إليه إذا غير نص الوصية بعد ما سمعه ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: 181]. إذاً هذه فيها دلالة على مشروعية وجود شخص موصى إليه، ولكن الآية تحذر هذا الموصى إليه من التلاعب بنص الوصية.

كتاب الفرائض: سيتكلم عن بعض الآيات التي تكلمت في المواريث. قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]. طبعاً لن أشرح الآية من باب المواريث لأن هذا يطول وتحتاج إلى خلفية مسبقة عندكم في أحكام المواريث.

الآية الثانية تكلمت عن ميراث الأزواج والزوجات: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12].

﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12]. ما هو الكلالة؟ هو الذي ليس له أصول ولا فروع له، فقط إخوة. إجماع أن الأخ والأخت المراد به مر معنا في كتاب ابن المنذر، المراد بهم هنا الإخوة لأم؛ في الآية هذه إذا كان رجل ليس له أصول ولا فروع وكان له إخوة لأم، فالإخوة لأم إذا كان واحد أخوك لأمك يأخذ السدس، إذا كانوا اثنين فصاعدًا فهم شركاء في الثلث.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176]. هذه الآية الأخيرة في سورة النساء، وهذه أيضاً تتكلم عن الكلالة، لكن هنا أي نوع من الكلالة؟ هو الذي يموت ليس له أصول ولا فروع ولكن ترك إخوة أشقاء أو إخوة لأب؛ فلا تتكلم عن الإخوة الأشقاء والإخوة لأب التي في آخر سورة النساء. ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: 176].

باب التعصيب: العصبة هم الذين يأخذون من الميراث بعد أخذ أصحاب الفرائض فرائضهم. في الميراث عندنا أصحاب فروض وأصحاب عصبات، أولاً في تقسيم الميراث نبدأ بإعطاء أصحاب الفروض وهؤلاء جُلهم من النساء، ثم بعد ذلك نعطي العصبات. والعصبات أشهرهم الابن مع البنت، البنت مع الابن عصبه، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، والأخ مع الأخت عصبه، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. هؤلاء يأخذون بالتعصيب، وكذلك الإخوة الذكور وحدهم إذا كانوا عصبات، والأبناء الذكور وحدهم بدون البنات أيضاً يعتبروا عصبات.

الآية قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176]. فهذه قاعدة، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، هذه أصلاً قاعدة إنما تطبق في باب العصبات وليس في باب الفرائض؛ أصحاب الفروض قاعدة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] هذه تطبق بين العصبه والعصبه هنا، أما الأولاد الذكور مع البنات أو الإخوة الذكور مع الأخوات الإناث.

باب ميراث ذوي الأرحام: بعد أن تعطي أصحاب الفروض وبعد أن تعطي أصحاب التعصيب إذا بقي مال زائد ماذا نفعل به؟ عند بعض الفقهاء يعطى لذوي الأرحام الذين ليسوا من أصحاب الفرض ولا التعصيب، مثل من؟ مثل أخوالك وخالاتك وعماتك، هؤلاء ليسوا من أصحاب الفرض ولا التعصيب، ما لهم أصلاً في الميراث ابتداءً. لكن إذا زاد مال بعد أن وزعنا على أصحاب الفروض أو عصبات، أو أحياناً قد لا يوجد عصبات، ممكن ما في، واحد مات مقطوع من شجرة، ما عنده لا أصحاب فروض ولا عصبات بس وُجد عنده خالة على قيد الحياة، هي تسمى ذوي أرحام هكذا تسمى، فهل يُعطى هؤلاء؟ عند حنابلة وكثير من أهل العلم يعطون، وعند طائفة أخرى من أهل العلم لا يعطون.

الدليل على إعطائهم قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]. قال عموم قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]، في المواريث في كتاب الله يعني في شرع الله، تدل بعمومها أن ذوي الأرحام وإن لم يكونوا من أصحاب الفروض والعصبات، فالأصل أن لهم نصيب من الميراث، طبعاً في حال عدم وجود أصحاب فروض وعصبات.

الآية الثانية: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7]. كلمة للرجال تشمل عموم الرجال حتى ولو لم يكونوا من أصحاب الفروض والعصبات، فيدخل فيها الخال، وكذلك وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، تشمل عموم النساء أن لها نصيب، وهذا يدخل فيه حتى النساء اللواتي لسن من أصحاب الفرض والتعصيب كالخالة والعمة.

باب العتق: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]. الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13]. هذه آيات تدل على الندب على إعتاق العبيد.

باب الكتابة: الكتابة مرت معنا كثيراً في الإجماع عند ابن المنذر، وهو أن يكاتب السيد عبده على مبالغ يدفعها سنوياً أو شهرياً ثم يشتري العبد حريته. هل ذكر هذا العقد عقد المكاتبة في القرآن؟ نعم في سورة النور، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَةَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]. إذاً الله يقول في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ يعني يطلبون الكتابة مما ملكت أيمانكم يعني من عبيدكم، فالله ماذا يأمرنا؟ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، إذاً عقد المكاتبة هو عقد مسنون ليس فقط مباحاً، يُسن للسيد أن يكاتب عبده إذا علم فيه خيراً، إذا علم أن هذا العبد سيؤدي ووجوده حراً في المجتمع سيكون فيه خير للمجتمع، بدل ما يظل عبد عندي خليه يشتري حريته ويمارس حياته ويخدم المجتمع والبلد.

كتاب النكاح: الآية: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]. الله عز وجل يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، فهذا الأصل تعدد الزوجات ولا عدم التعدد؟ أيش رأي السادة العلماء، هذا الأصل تعدد الزوجات ولا عدم التعدد؟ فانكحوا ما طاب لكم، فإذا أنت تشعر أنك لن تعدل بين الزوجات عندئذ فاقتصر على واحدة وتزود من ملك اليمين، اليوم في ملك يمين؟ يعني راحت عليكم ملك اليمين، فتقتصر على واحدة. واختلف الفقهاء حقيقة في المسألة: هل الأصل تعدد الزوجات؟ فذهب بعضهم إلى أن الأصل التعدد وهذا فيه إكثار للنسل وتحصين للنساء، وذهب البعض إلى أن الأصل الواحدة خوفاً من الجور إلا لمن علم من نفسه العدل، عاد أنت اختر أي مذهب أين تريد.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]. الأيامى جمع أيِّم، والأيّم يطلق على الرجل غير المتزوج كحال أغلبكم الآن الشباب غير المتزوجين والنساء غير المتزوجات، فالله يحثنا على تزويج الشباب وتزويج النساء، ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: 32] زوجوا أولادكم غير المتزوجين وزوجوا بناتكم غير المتزوجات، وكذلك حثنا على تزويج العبيد والإماء إذا كان عندك عبد أو أمة، وهذا في الزمن القديم.

فصل في أركانه: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] هذا فيه إشارة أركان عقد الزواج: ما هو؟ العاقدان والصيغة. أركان عقد الزواج عريس وعروس وصيغة، هذا هو ولا غير كذا لن يتم زواج. هل هناك آية تدل على وجود الصيغة؟ قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. قالوا هذه فيها إشارة إلى أولاً وجود الزوج والزوجه، ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، كاف للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الزوج، وها تعود على زينب وهي الزوجة، و﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ هي لفظ العقد، فالآية بكلمة ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ دلت على الزوج والزوجة والصيغة، لأنه ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ هو لفظ التزويج، ولا بد بالتالي في دائماً بتعرفوا في الجاهات بيقوموا الرجل: والله نطلب ابنتنا فلانة منك على كتاب الله، فبيقوم أبو البنت شو بيحكي: زوجتك موليتي الفلانية، فهذه الصيغة لا بد منها.

فصل في اشتراط الرضا: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. وتكملة الآية ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن، أحياناً تكميل الآية بيساعدك على الفهم أكثر. هذه شرحتها لكم قبل قليل؛ أن الله سبحانه وتعالى نهى أولياء اليتيمات إذا كانت عندك يتيمة أنت ربيتها وكبرت وأنت حبيت تتزوجها، كان بعضهم يستغل أنها أنه هو رباها فيتزوجها ولا يعطيها المهر الذي تستحقه، فالله سبحانه وتعالى يخبر أنه لا يجوز أن تتزوجها بدون رضاها، ما بصير أن تتزوجها على شيء لا ترضى به. إذاً رضا البنت في الزواج بالمهر الذي تُعطاه وبالزوج الذي يأتيها مطلوب. لكن هذا كـ قال الجمهور هذا كلام في اليتيمات اللواتي ليس لهن أب. أما الأب فهل له أن يجبر ابنته بدون رضاها؟ مرت معنا مسألة في الإجماع إذا بتذكروا أن الأب يجبر ابنته الصغيرة البكر إذا جاءها الكفؤ، فهذه مسألة اشتراط الرضا من البكر حقيقة مسألة فيها خلاف شديد بين المذاهب لا أطيل فيها، وأما الثيب فثبت بالحديث النبوي وجوب اشتراط رضاها لا بد أن ترضى الثيب التي سبق لها الزواج.

فصل في الولي: يجوز أن تتزوج المرأة بدون ولي؟ أبوها فان لم يكن فجدها، فان لم يكن فابنها، فان لم يكن فابنها طبعاً من زوجها السابق، فان لم يكن أخوها، المهم المرأة لا تزوج نفسها بنفسها. ما الدليل على اشتراط الولي؟ الولي شرط مش ركن في الزواج يسمى شرطاً. ما الدليل على اشتراط الولي في القرآن؟ قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، والأيامى جمع أيِّم ويطلق على البنت، فربنا بقول لك زوج بنتك إذاً يستلزم هذا أنه أنا المسؤول عن تزويجها إذاً أنا ولي عليها إذاً لا بد من ولي، هكذا الاستدلال وإن لم يكن صريحاً.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]. ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، إذاً البنت تتزوج واحدة ولا لازم يستأذن أهلها؟ لازم يستأذن أهلها، إذاً أهلها أولياء عليها وليست هي تزوج نفسها بنفسها بدون إذن أهلها.

فصل في الكفاءة: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. الآن يشترط في الزواج الكفاءة، طبعاً يشترط إلا إذا تنازل، تنازلت البنت وأهلها عنها لكن في النهاية الكفاءة حق للبنت ولأهلها. وأساس الكفاءة في الزوج أن يكون ماذا؟ ذا دين، أساس الكفاءة الدين، فلا يجوز للأب أن يجبر ابنته على أن تتزوج من رجل فاجر. والدليل على أن أساس الكفاءة الدين قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، فهي أتى بها ليستدل على فكرة أن أصل الكفاءة إنما هو قبل المال وقبل أي شيء آخر؛ أساس الكفاءة الدين، وقال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه»، فهذا أساس الكفاءة في الزوج.

باب المحرمات في النكاح: الآية الأولى من النساء اللواتي لا يجوز لك أن تتزوج بهن، هذه وردت في آيات كثيرة تحريم مجموعة من...

قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 23].

أمهاتكم: الأم وإن علت، والجدة وإن صعدت. وبناتكم: بنتك وإن نزلت. وأخواتكم: أختك الشقيقة أو لأب أو لأم. وعماتكم: عماتك وإن علون، وعمات أبيك وعمات جدك. وخالاتكم: خالاتك وإن علون، خالة أبيك وخالة أمك وإن علت. وبنات الأخ: بنات أخوك وإن نزل. وبنات الاخت: بنات أخواتك. وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم: أمك من الرضاع. وأخواتكم من الرضاعة: أختك من الرضاع. وأمهات نسائكم: اللي هي حماتك.

وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، بنت زوجتك من زوجها السابق إذا أنت متزوج امرأة عندها بنت من زوج لها سابق، ما بصير تتزوج بنت زوجتك من زوجها السابق إذا دخلت بها. يعني أنت متزوج امرأة، إذا دخلت بهذه المرأة وعاشرتها تحرم ابنتها من زوجها السابق حرمة أبدية عليك، أما إذا تزوجت الأم وطلقتها قبل أن تعاشرها بصير تتزوج بنتها؛ لأن الله قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.

وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم: حلائل أبنائكم يعني زوجة ابنك، ما بصير تتزوجها حتى لو طلقها. وابنك وإن نزل برضه حفيدك نفس الشيء. وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، ولا يجوز أن تتزوج أختين شقيقتين حتى تطلق إحداهما فتتزوج الأخرى.

والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم. كلمة المحصنات بدك تنتبه عليها، لأن في القرآن تأتي بأكثر من معنى، هنا كلمة المحصنات معناها المتزوجات، أي امرأة متزوجة بالتأكيد حرام عليك تتزوجها، صح أنه معقود عليها، فقال مما يحرم عليكم الزواج من النساء المتزوجات؛ أي امرأة متزوجة يحرم عليك أن تعقد عليها، واستثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هي مرت معنا في كتاب الإجماع أنه إذا سبية جاءت في الحرب ودخلت في يدك ملك اليمين، وكان لها زوج في ديار الكفر، فينفصخ عقد زواجها مع زوجها الكافر وتصبح حلال لك، بس مش بالزواج، بإيش؟ بملك اليمين، بعدين لما تصير معك ملك يمين أنت بتقدر بعدين إنك تعتقها وتتزوجها إذا كانت طبعاً أسلمت.

كتاب الله عليكم، ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، إن الله كان عليماً حكيماً.

الآية الثانية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]. كذلك من المحرمات اللي ذكرت في القرآن، زوجة أبيك، أبوك متزوج اثنتين أمك وامرأة أخرى، زوجة أبيك تحرم عليك تحريم أبدي.

الآية الثالثة، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]. امرأة زانية لم تتب بعد ولم تظهر توبتها، الزانية التي لم تتب بعد لا يجوز لك يا أيها المسلم أن تتزوجها. ممن يحرم عليك الزواج منها الزانية التي لم تتب بعد وتظهر توبتها.

يقول ابن القيم: حرم الله في هذه الآية على المؤمنين نكاح البغايا، وأخبر أن الذي ينكح الزانية التي لم تتب هو إما رجل يخالف شرع الله ويستحل نكاح الزانيات فهو مشرك، وإما شخص لم يحلل نكاح الزانيات لكنه يهوى الزواج من الزانيات فهو في حكم الزاني، هذا خلاصة كلام ابن القيم. لذلك معنى قوله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ يعني شخص بطبيعته ما عنده مشكلة أن تكون زوجته معروفة أنها ممارسة للزنا، بشرط أن لا يستحل، إذا قال: لا بدي أتزوج الزانية واعتقد أن هذا حلال، هذا مش زاني صار، هذا أو في حكم الزاني صار مشرك لأنه يحلل ما حرم الله، فهذا معنى: ﴿لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ يحلل ما حرم الله سبحانه. فدل هذا على أن الزانية لا يجوز الزواج منها حتى تتوب.

الآية الرابعة، قال الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. أيضاً من النساء التي لا يجوز لك أن تتزوج بهم التي طلقتها ثلاثاً، لا يحل لك أن تتزوجها، لكن هذا تحريم مؤقت، مثل الزانية، تحريم مؤقت، أنه مر معنا أن المحرمات في هناك تحريم أبدي وهناك تحريم مؤقت. أي التي طلقتها ثلاثاً تحريمها مؤقت حتى تتزوج شخصاً آخر ويدخل بها ثم يطلقها زوجها الآخر، ثم تستطيع أن تعود إليها.

الآية الخامسة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]. أيضاً ممن لا يجوز الزواج بهن المشركات، ولكن ما المراد بالمشركات هنا؟ غير الكتابيات. المشركات غير الكتابيات مثل الوثنيات والبوذيات والملحدات.

الآية السادسة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]. كذلك المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج مشركاً، لكن هنا المشرك يعم الجميع حتى اليهودي والنصراني؛ لأن اليهودي والنصراني هل يجوز أن يكون زوجاً لمسلمة؟ فإذا فرقت بين الآية السابقة وهذه الآية، أن الآية السابقة يخرج منها اليهودي والنصراني، أما هنا ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يعني لا تزوجوا بناتكم لرجال مشركين، هذا يدخل فيه حتى اليهودي والنصراني.

الآية السابعة، قال الله تعالى في الكتابية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]. ما معنى المحصنات هنا؟ كلمة المحصنات معناها العفيفات، وليس المتزوجات. فالله أباح لنا أن نتزوج من اليهوديات والنصرانيات من أهل الكتاب بشرط أن يكونوا ماذا؟ عفيفات، مش فاجرات زواني؛ لأنه الزانية ما بصير تتزوجونها كما قلنا حتى تتوب. فالله أباح لنا نكاح نساء أهل الكتاب بشرط أن تكون امرأة من النساء العفيفات.

باب نكاح الكفار: هل أنكحة الكفار صحيحة؟ يعني كافر متزوج كافرة ويعيش في بلاد المسلمين، هل هذا الزواج صحيح؟ نعم، وأولادهم يحسبون إليهم حتى لو كانوا كفاراً، زواجات الكفار صحيحة.

قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: 11]. الله سبحانه دلنا على أن زوجة فرعون، وهي آسية رضي الله عنها، زواج فرعون زواج صحيح، آسيا وفرعون زواجهم زواج صحيح وعقدهم عقد صحيح، واستمرارهم على زواجهم صحيح بدليل أن الله قال: امرأة فرعون، نسبها إليه. إذاً هي طيب، يا شيخ في الإسلام ما بصير امرأة مسلمة تكون تحت كافر، نقول: هذا في شرعنا، وهذا أصلاً حتى في شرعنا لم يأت في البداية، بل جاء حرمة زواج المسلمة من الكافر متأخراً، لذلك زينب بنت النبي عليه الصلاة والسلام كانت مسلمة من البداية، من كان زوجها أبو العاص بن الربيع، وكان كافراً واستمرت على الزواج من سنوات حتى جاء القرآن فنهى أن تبقى المسلمة تحت عصمة الكافر، فأمره الله أن يأتي بها إلى المدينة، ثم جاء زوجها بعد ذلك فأسلم، وردها النبي صلى الله عليه وسلم إليه.

فزواجات الكفار بين بعضهم البعض جائزة. فلو جاءت امرأة من الغرب، جاءت تسلم وأخبرتك أن زوجها كافر، الآن أولاً نقول: زواجك قبل ما تسلمي هو أولاً زواج صحيح لا تخافي، وأولادك محسوبون عليكم، زواجاتكم صحيحة. أنت الآن أسلمت فتبدئين العدة من لحظة إسلامك، تبدئين العدة من زوجك الكافر، خلال مدة العدة إذا زوجك الكافر أسلم، حضرته خلص نصحح الزواج ويبقى، إذا هو ما أسلم وبقي كافراً بعد انتهاء العدة ثلاث حيضات، الله يعطيه العافية، يعتبر كل واحد في طريق.

الآية الثانية، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4]. مثلاً هذه تدل على صحة زواجات الكفار، أن الله سمى امرأة أبي لهب بأنها امرأته، وامرأته سماها الله امرأته، إذاً هو زواج صحيح بين أبي لهب وأم لهب، وهم في النار، لكن زواجهم صحيح.

الآية الثالثة، قال الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]. نعم، هذه الآية هي التي أنزل الله بها تحريم بقاء المسلمات مع الأزواج الكافرين والعكس، وتحريم بقاء المسلمين مع النساء الوثنيات. لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، هي في سورة الممتحنة، أمر الله سبحانه كل امرأة مسلمة زوجها كافر أن تتركه وتغادر، وكل رجل مسلم تحته امرأة وثنية كافرة أن يتركها تغادر، فلا هذا يحل لهذا ولا هذا يحل لهذا، هكذا نسخ الله هذا الحكم.

باب الصداق: الصداق هو المهر، والمهر معروف أنه في أي زواج لا بد أن يكون هناك مهر يدفعه الرجل للمرأة. قال سبحانه: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ﴾ [النساء: 24]. ما معنى تبتغوا؟ أي أن تطلبوا الزواج بأموالكم، هذا يدل على أنك يجب أن تدفع للمرأة مال، أن تبتغوا الزواج بأموالكم، فالزواج لا بد له من مال.

الآية الثانية، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4]. الله سماه صداقاً أيضاً، صدقاتهن يعني مهورهن، وآتوا النساء صدقاتهن يعني مهورهن، نحلة يعني هدية عن طيب نفس منكم.

الآية الثالثة، قال الله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24]. أيضاً سمى الله المهر في القرآن أجراً، فالمهر يجوز أن يسمى صداقاً ومهراً وأجراً. قال فآتوهن أجورهن فريضة، أعطوهن مهورهن وهذا فرض من الله.

الآية الرابعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]. وآتيتم إحداهن قنطاراً، وهذا فيه دلالة على المهر، وأنك إذا تزوجت امرأة ودخلت بها وكنت معطيها 200 ألف ولا مليون دينار وبعدين بدك تطلقها، المهر لها، وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، بعد الدخول بالزوجة تستحق المهر كاملاً.

الآية الخامسة، قال الله تعالى عن شعيب: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: 27]. هذه الآية تدل على جواز أن يكون المهر منفعة وخدمة وليس مالاً؛ لأنه شعيب ما المهر الذي أخذه من موسى؟ خدمة، وهي أن يرعى له الغنم 10 سنوات. قال له: أنا بزوجك واحدة من بناتي، المهر شو راح يكون؟ على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً. هل يجوز أني أنا يكون مهري خدمة؟ نعم، عند جماهير الفقهاء بصير أنك تتزوج بنتاً ويكون المهر الذي تقدمه أنك مثلاً تخدم أهلها، أو تقدم خدمة معينة لمدة أربع سنوات، خمس سنوات وما شابه ذلك، فهذه الآية تدل على جواز أن يكون المهر منفعة وخدمة.

فصل في المفوضة: المفوضة هي التي تتزوج دون أن يسمى لها المهر في العقد. الآن في الإسلام يجوز أني أعقد عقد زواج على امرأة دون أن أسمي لها المهر، لكن بعد ذلك هي ستطالبني؛ لأنه هذا حقها، فإذاً هي تسمى المفوضة. المفوضة هي المرأة التي تزوجت ولم ينص على مهرها في العقد، فهذه ما حكمها؟ بعد الزواج بتيجي بتتفق أنت وإياها: يا فلانة قدش بدك؟ 10، 20، 5، 6، 7، بعد الخمسة والستة والسبعة اختلفتوا، هي مش راضية، هي بتقول: أنا بدي 10 آلاف، وأنت بتقول: ما معي غير 1000 ليرة، فبتروح أنت وإياها على المحكمة، والمحكمة تحدد مهر المثل، بتيجي بتشوف هي البنت، أخواتها وبنات عمها وخالتها كم مهرهم في العادة، وبناء عليها بتحدد المحكمة مهراً اسمه مهر المثل. أما إذا اتفقت أنت وإياها وكفى الله المؤمنين القتال، فالله سبحانه وتعالى أين ذكر مهر المفوضة؟ قال: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236].

الله سبحانه وتعالى يقول: لا إشكال ولا مؤاخذة عليك ولا يترتب عليك إذا طلقت زوجتك، طلقتم النساء ما لم تمسوهن أي تجامعوهن أو تفرضوا لهن فريضة. مفهوم المخالفة أنه إذا حصل أحد الأمرين، إذا جامعت الزوجة ولم تكن سميت لها مهراً، أو العكس سميت لها مهراً ولم تكن جامعتها ثم حصل طلاق. الآية تتكلم عن الطلاق، رجل طلق النساء، لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة.

نيجي على الحالة الأولى، رجل تزوج امرأة وطلقها قبل أن يجامعها ولم يكن سمى لها مهراً، ما اتفقوا على المهر أصلاً، هي كانت مفوضة. ما حكمها في الإسلام؟ أنت رحت خطبت بنت ولسه ما صار العرس، أثناء الخطبة، طبعاً نحن ننبهكم على قضية إن شاء الله بعد قليل، أن الخلوة بالمرأة خلوة تامة في بيت أهلها والباب مغلق ويحصل تقبيل ولمس، هذا في حكم الجماع، يثبت المهر كاملاً، يعني ما يطلع الشاب يقول: أنا يا شيخ لسه ما تزوجت، الخلوة في بيت أهلها في غرفة مغلقة وحصل تقبيل أو لمس أو شيء تمام، هذا كله يجعلها كأنها في حكم الوطء، هذا حتى بس ننتبه على القضية هي. المهم، خلينا على الجماع بالمفهوم السهل، إذا أنت خطبت امرأة ثم طلقتها ولم تدخل بها، لم تمسها ولم تسمِّ لها مهراً، هذه مفوضة، لم يتم الدخول بها وتم طلاقها.

هذه ليس لها أن تطالبك بشيء إلا بهدية. قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. من طلق المرأة قبل أن يجامعها أو يخلو بها ولم يسمِّ لها مهراً، ما لها أن تطالبك بشيء إلا بشيء واحد، وهو الهدية التي هي المتاع، و﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أهدوا لهن هدية. كم مقدار الهدية؟ العرف بقدرها؛ إذا أنت ثري أعطها هدية محترمة، يعني جوال آيفون، وإذا أنت رجل أمورك مستوية مالياً ممكن تعطيها ثياب نوم أو شيئاً من ذلك، والله يعوض عليها. تمام، هذا في حال أنك طلقتها قبل الجماع ولم تفرض فريضة، يعني كانت مفوضة.

أما إذا حصل أحد الأمرين، نيجي على الحالة الأولى: إذا جامعت ولم تكن فرضت لها فريضة بعدين طلقت، لا هنا لها مهر المثل. بتروح عند القاضي بتقول يا قاضي هذا رجل مسَّني، يعني جامعني أو قبلني أو لمسني بشهوة، وهو طلقني ولم... وكنت مفوضة لم يسمِّ لي مهراً، فالقاضي يفرض لها مهر المثل كاملاً. الحالة المعاكسة ما هي؟ إذا لم تجامع وقد سميت لها مهراً من البداية، هذه مش مفوضة، لكنها طلقت قبل الدخول، فهذه لها نصف ما فرضت؛ أي نصف المهر. تمام، فالآية ذكرت المفوضة لكن أنا فصلت لك أحكامها الثلاث.

باب عشرة النساء، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. القاعدة: الرجل إذا تزوج فتاة، وهذا يجب أن ينتبه عليه طلبة العلم والمسلمون عموماً من أهل الالتزام، أنه يلزمك أن تعاشرها بالمعروف وأن تعاشرك بالمعروف، والله عز وجل جعل المعاشرة بين الزوجين تقوم على ماذا؟ على المعروف. المعروف هو المعتاد الذي لا يخالف الشريعة. يعني ما هو المعتاد في معاشرة المرأة لزوجها؟ فما هو المعروف أن المرأة ماذا تفعل في المنزل؟ والله أولاً الحاجة الجسدية، ثانياً موضوع الطعام والشراب، ترتيب المنزل، كوي الملابس وما شابه ذلك، هذه العشرة بالمعروف. كذلك أنت كزوج مطالب بأن تعطيها طبعاً حقها الجسدي، وبأن تحسن في معاملتها، وألا تضربها بدون سبب، وأن تنفق عليها، وأن تعطيها مهرها، وأن تقضي لها هذا العرف، فالمعاشرة بين الزوجين تقوم على ما هو العرف، بشرط أن يكون العرف منضبطاً بالشريعة.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: 228]. طيب، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، أيضاً هي تدل على قاعدة العشرة. ما معنى لهن؟ أي للنساء على الرجال، للنساء على الرجال من العشرة بالمعروف ما على النساء للرجال. المرة لها حق على الرجل كما أن الرجل له حق على المرأة، والضابط ما هو في هذه الحقوق؟ العرف الصحيح، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. هذه الآية دلت على أنه من أحكام العشرة يحرم للرجل أن يجامع زوجته في أثناء حيضها، هذا حكم من أحكام العشرة ذكرنا.

فصل في القسم، هذا للمتزوجين اثنتين فصاعداً. الآية الأولى: يجب أن يعدلوا بين النساء في القسم، يعني في المبيت وفي تحقيق الحوائج الأساسية. قال سبحانه: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]. نهى الله المتزوج المعدد أن يميل كل الميل إلى إحدى الزوجات دون الأخرى فيقصر في حقوق زوجاته الأخريات، هذا جور في القسم.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3]. قال سبحانه: فإن خفتم ألا تعدلوا فاقتصروا على واحدة، مفهومه أن العدل بين النساء لمن يعدد واجب، ولكن هذا العدل الواجب عدل في القسم الظاهر، وأما في القسم الباطن فـ «اللهم لا تلمني فيما تملك ولا أملك»، هكذا كان دعاء النبي ﷺ.

فصل في النشوز، النشوز هو طبعاً يوصف به الرجل والمرأة، وإن كان الأغلب أن توصف به المرأة. النشوز أن تقوم المرأة بأداء الحقوق لزوجها أو تؤديها وهي كارهة متبرمة، فتسمى امرأة ناشزة. فما حكمها في القرآن؟ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]. هي على الترتيب: إذا الرجل ظهرت من امرأته أمارات النشوز، يبدأ بوعظها وتخويفها بالله، فإن أبت وأصرت يهجرها في المضاجع، وهذا معناه أن يترك جماعها، ويكون على سبيل الهجر والتأديب، فإن أبت وأصرت على النشوز ضربها لكن ضرباً غير مبرح، وهذه على الترتيب. ويجب أن ينظر إلى المآلات، يعني أحياناً بعض الناس يظن أن الضرب مقصود لذاته، لا، هو الوسيلة الثالثة. إذا شعرت أنه مفاسدها رح تدخل العشيرتين ببعض، لا، ما بدنا، خلص رجعها على بيت أهلها وريح دماغك. فهذه أمور ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي وسائل للتأديب. إذا شعرت أنه هي رح تصير فيها دماء بين العشيرتين يصبح هذا حراماً؛ لأنه أصبح مفسدته أكثر من مصلحته. فهذا الحكم بعض الشباب يأخذ الأحكام خلص حافظ مش فاهم، أنه بدي أحفظ الحكم خلص، لازم الخطوة الأولى مع الثانية هجر، ثالث ضرب، فبده يجي يطبق الليست، لا هو هذا الحكم على حسب المصلحة المرجوة.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128]. فان امرأة خافت من بعلها، أي من زوجها، نشوزاً. إذاً من هو الناشز هنا؟ الزوج. إذاً النشوز يوصف به الزوج، وهو أن ينفر من المرأة ويكره معاشرتها. فإذا المرأة وجدت من زوجها أنه ما عاد يحب معاشرتها وأصبح يكره، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، يعني امرأة شافت خلص زوجها بده يطلقها، يا أخي خلص المحبة انتزعت من قلبه، هل لها أن تساوم على بعض حقوقها؟ تقول له: اسمع يا فلان، أنا بسمح لك تتزوج اللي بدك إياها، وأنا مسامحك في القسم، وبات عندهم، بس خلينا على ذمتك، هي بإرادتها تنازلت عن حقوقها من باب أنها ما بدها تطلق وتتشتت، بصير هذا الكلام ويجوز؛ لأنه أحياناً تصل بعض الحلول إلى الانتهاء وتكون المرأة مغتربة أو شيء، ويكون بقاؤها على اسم الزوج أفضل من أن تطلق، فقد تختار هذه الحلول وهذا سقف الممكن الموجود. فعرفنا كيف نتعامل مع نشوز المرأة وكيف تتعامل المرأة مع نشوز الرجل، تعمل صلح إذا هي راغبة في البقاء معه فتتنازل عن شيء من حقوقها.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. علمنا الله في هذه الآية أنه إذا وقع خلاف زوجي، فالأصل في حل الخلاف الزوجي أننا نبعث واحداً من أهل الفتاة وشخصاً عاقلاً من أهل الشاب، ويجلسوا ويحاولوا أن يصلحوا بينهما، فإن أصلحوا أصلحوا، وإن تعذر ذلك ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130].

باب الخلع: الخلع هو أن المرأة هي التي تطلب فسخ عقد الزواج مقابل أن تدفع للزوج المهر، ترجع له المهر مقابل تشتري نفسها. الآية التي تدل على الخلع في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. قال سبحانه للأزواج: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن من المهر شيئاً، ما بصير تأخذ المهر من زوجتك إلا أن يخافا، خاف الرجل والمرأة خلص يريان أن العشرة بينهما أصبحت صعبة، والمرأة ترى في نفسها أنها ما عادت تطيق هذا الرجل وما عادت تطيق رؤيته ولا معاشرته، وتخشى مع الاستمرار في هذا العقد ألا تؤدي حق الله فيه، خلص بتقول يا شيخ أنا كرهته ولا أعتقد أنني قادرة على أن أؤدي حق الله فيه. قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾، هذا الكلام لأوليائهم وللأهل، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، لا حرج على الزوج والزوجة أنه الزوجة هي تطلب الفسخ، لأنه أحياناً ممكن الزوج هو اللي يبادر يطلق، وأحياناً ممكن الزوجة هي اللي تطلب الفسخ بالخلع، فتدفع المهر لزوجها مقابل تشتري حريتها.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]. هذه الآية ذكرت متى يكون الخلع حراماً. الخلع الحرام أنه امرأة هي ما بدها تخالع لكن يبقى زوجها يعاملها معاملة سيئة ويحشرها حتى يجبرها على أن تخالع وترد المهر، فهذا خلع حرام، ومر معنا الإشارة إليه في كتاب الإجماع. ولا تعضلوهن أي لا تمنعوهن من حقوقهن وتسيئوا في معاملتهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، يكون الرجل محتاج مصاري فبفكر كيف يجيب مصاري، بيقول ما في إلا هيك، بروح يسيء معاملة زوجته حتى يجبرها أنها تخالع وترد المهر له حتى يأتي بسيولة مالية، هذا حرام.

كتاب الطلاق: إلا حالة واحدة تصح هذه إذا زوجتك ارتكبت فاحشة مبينة، إذا زوجتك ارتكبت فاحشة أو ما هو في حكم الفاحشة، وأنت خلص ما بدك إياها، وأنا حقي يا شيخ ماشي، أنا ما بدي إياها بس أنا ما بدي أطلق يا شيخ، ليه؟ لأنه إذا طلقت رح تأخذ المهر كامل وهي ارتكبت الزنا، يعني أنا بدي أتركها لمبرر منطقي، الزوجة ارتكبت فاحشة وأنا ما بدي أطلق؛ لأنه إذا طلقت شو رح يصير؟ رح تأخذ المؤخر والمعجل وتظل مروحة هي مبسوطة، فهنا لي أن أسيء معاملتها حتى أجبرها أنها هي تخلع وترد المهر، هي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها العضل وإجبارها على أنه هي تخلع؛ لأنه هي التي ارتكبت الفاحشة.

كتاب الطلاق، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]. هنا موطن الشاهد، يقول سبحانه: إذا طلقت زوجتك الطلقة الأولى أو الثانية، ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني قاربت العدة أن تنتهي، فانت بين أمرين خلال الطلقة الأولى أو الثانية إذا بدك إياها وأنت صادق أنه بدك إياها، أمسكها بمعروف قبل ما تنتهي العدة بالضبط، إذا ما بدك إياها خلص سرحها بمعروف خليها ترجع لبيت أهلها. قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، هذا بعض الرجال اللئيمين يطلق زوجته الطلقة الأولى وتكون بلشت في العدة، قبل آخر يوم من انتهاء عدتها يرجعها يقول أرجعتك، فهي المسكينة بتفكر أنه زوجها بده إياها، بعد ما يقول لها أرجعتك بقول لها أنت طالق مرة ثانية، فتبلش حرام عدة جديدة كمان ثلاث أشهر، هذا اسمه إرجاع الضرر. قال سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ حتى تعتدوا وتجعلوها المسكينة تعتد كمان ثلاث حيضات كما يفعل بعض اللئيمين.

فصل في عدده، كم عدد الطلاق؟ الرجل الحر كم طلقة له؟ ثلاث طلقات. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. الآية الأولى هذه بينت ما هو وقت الطلاق وليس عدده. وقت الطلاق ما هو الوقت الشرعي للطلاق؟ أن يكون في الطهر الذي لم تجامعها فيه. قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ما معنى هذه الآية عند المفسرين؟ أي فطلقوهن وهن مستقبلات لعدتهن. المرأة بماذا تعتد عند الجمهور؟ بالحيضات، ثلاث حيضات. فيجب عليك إذا بدك تطلق فيجب أن يقع الطلاق في طهر قبل أن تستقبل الحيض، فطلقوهن لعدتهن أي في وقت استقبالهن للعده، وهي متى تستقبل العدة؟ لما تكون في الطهر هي تستقبل عدة الحيض وتنتظرها، فالله يقول: طلقوهن لعدتهن، أي في الطهر الذي لم تجامع فيه وهي مستقبلة مترقبة للعدة.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. طيب، أنا سامحني رح أقفز لموطن الشاهد؛ لأن موطن الشاهد في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]. الآن كم طلقة معك ابتداءً أولاً؟ طلقتين. هذول الطلقتين معك مجال ترجع فيهم زوجتك خلال العدة. طيب إذا طلقتها الطلقة الثالثة؟ قال في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، اللي هي الطلقة الثالثة. فانت معك ثلاث طلقات، طلقتين في مساحة ترجع زوجتك، إذا طلعت منك الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره. إذاً عدد الطلاق هو ثلاث كما بين.

فصل في الكنايات: الطلاق قد يكون بلفظ صريح، أن تقول لزوجتك أنت طالق، وقد يكون بلفظ فيه كناية، كان تقولي لزوجتك روحي على بيت أهلك. الكناية حتى تكون طلاقاً تحتاج إلى نية، أما الصريح فلا يحتاج إلى نية؛ يكفي أنك أطلقت اللفظ بقصد. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]. طيب، هنا موطن الشاهد، مين يخبرنا أين موطن الشاهد؟ ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ ايش يعني كيف هنا الكناية؟ أن من ألفاظ الطلاق الكنائي أن تقول لزوجتك أنت مسرحة، تمام يعني أنت مخلية، والتسريح التخلية في اللغة ما هو التسريح، فمن قال لزوجته أنا أسرحك أو أنا أخليك هي الطلاق بالكناية إذا نوى بهذه اللفظة الطلاق تقع طلقة.

فصل في الحلف: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]. الآن أي حلف طبعاً عموماً سواء الحلف بالطلاق أو بالأمور الأخرى، لو حلفت على زوجتك أنك ما تطأها أو حلفت عليها بأي حلف، فهذا يمين عليك أن.

تحلله بكفارة اليمين قد فرض الله لكم، شرع الله لكم تحلة أيمانكم وهو كفارة اليمين.

قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]. الأصل أن تحافظ على يمينك إلا إذا رأيت أن غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك وأتِ كما قال صلى الله عليه وسلم.

باب ما يختلف به عدد الطلاق. بوب له ابن القاسم قاصداً أن الحر له ثلاث طلقات وأن العبد له طلقتان. والدليل على أن الحر له ثلاث طلقات بنص كتاب الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال بعدها في الآية التي تليها: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ [البقرة: 230]، فدلت الآية على أن الحر ثلاث طلقات. وأما العبد فالذي دل على أن له طلقتين السنة النبوية.

باب تعليق الطلاق بالشروط. كان تقول لزوجتك: أنت طالق إذا رحتِ إلى بيت فلان، أو أنت طالق إذا طلعتِ من البيت، أو أنت طالق إذا عملتِ هذه الشغلة. هذا اسمه طلاق معلق. وأشار بهذه الآية لمسألة من مسائل الطلاق المعلق حقيقة، وهي هل يقع تعليق الطلاق قبل الزواج؟ لو واحد ما تزوج فتاة فقال لها: إذا تزوجتك ودخلتِ دار فلان فأنت طالق. هل يقع تعليق الطلاق؟ وهل يمكن أن تأتي بتعليق طلاق من فتاة أجنبية قبل أن تتزوجها؟ تأتي لفتاة أنت لسا مش متزوجها فتقول لها: أنا سأتزوجك بس إذا تزوجتك ودخلتِ دار فلان فأنت طالق. هل تعليق الطلاق يقبل قبل عقد القران؟ لا، فلو تزوجتها وبعدين دخلت دار فلان ما بتطلق. والدليل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49]. ففي هذه دليل على أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، لا يقع طلاق ولا تعليق طلاق إلا بعد النكاح. وهذا فيه رد على الحنفية، لأن الحنفية جوزوا تعليق الطلاق قبل أن تعقد النكاح، فالجمهور يردون عليهم بأن الله يقول: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فالطلاق ترتيبه الزمني يكون بعد النكاح، وهذا ظاهر عموماً.

باب الرجعة. الرجعة وهي أن زوجتك التي طلقتها خلال فترة العدة تقول لها: أرجعتك. إذا كنت تريدها خلال فترة العدة أن ترجع مطلقتك من الطلقة الأولى أو الثانية، أما الطلقة الثالثة قلنا ما بتقدر ترجع فيها. ما الدليل على الرجعة في القرآن؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]. قال سبحانه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾. فالمراة خلال فترة العدة هي زوجة، هذا مراد الآية أن المرأة خلال فترة العدة هي زوجة، ما بصير أنت تطلعها من بيتك تقول لها بدك تروحي على بيت أهلك، ولا بصير هي تطلع تقول لك أنا زعلانة منك بدي أروح على بيت أهلي. لا أنت بصير تطلعها ولا هي يجوز أن تخرج لأنها زوجة، فتبقى في بيت الزوجية. لماذا الله ألزمهم بذلك؟ ألزم أن تبقى المرأة خلال عدتها حتى نعطي فرصة للرجعة، هذا موطن الشاهد. لما تضلوا وجوه بعض الاثنين، هو اليوم طلقها وبكرة برضه بيرجعوا، بس لو هي راحت على بيت أهلها القلوب بتبعد والأجساد بتبعد. لكن من حكمة الإسلام أن المرأة خلال فترة عدة الطلاق تبقى في بيت الزوجية لعل وعسى تصبح هناك رجعة، بخلاف المطلقة ثلاثاً؛ فإن جماهير الفقهاء يرون أنها في العدة تخرج إلى بيت آخر لأنه لا يمكن أن يرجعها بشكل من الأشكال.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]. هذا موطن الشاهد: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، بعولتهن يعني أزواجهن أحق بردهن بإرجاعهن في ذلك، أي في خلال مدة العدة. وهذا يدل على أن الإرجاع جائز للرجل ولو كرهت المرأة، لأن حق الرجل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي في خلال مدة العدة. طبعاً ربنا بيقول: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، إذا ما بدك تصلح خلى العدة تخلص والله يسهل عليها.

باب الإيلاء. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]. الإيلاء معناه أن يحلف الرجل على عدم وطء زوجته. إذا حلفت على عدم وطئها أقل من أربعة أشهر ما في مشكلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهراً. أما من حلف على ترك وطء زوجته أربعة أشهر فصاعداً فهذا إيلاء محرم. ما الحل؟ رجل حلف ومصر على يمينه، حلف ألا يطأ زوجته أربعة أشهر فصاعداً، بعد الأربعة أشهر تستطيع الزوجة ترفع قضية للمحكمة أنه هذا الزوج لم يجامعني أربعة أشهر. فهنا القاضي يستدعيه ويأمره بالفيء، قلنا ما هو الفيء؟ الجماع. أجمعوا على أن الفيء هو الجماع، إلا إذا كان مريضاً، فإن الفيء يكون عندئذ بماذا؟ باللسان، وأن يعد القاضي أنه أول ما يروح المرض سأجامع. فإذا فجماع، أو بلسانه عند العذر خلص، عليه كفارة يمين طبعاً وترجع الزوجة. إذا أصر على الاستمرار على عدم الجماع يطلق القاضي عليه، يقول طلقت زوجتك عليك ويطلقها عنه. لذلك القاضي يقول له طلق، أنت إذا هو رفض أن يطلق يطلق القاضي عليه.

نأتي الآن للظهار، الظهار مر معنا ما هو؟ أن يقول الرجل لزوجته أنت علي كظهر أمي أو كأختي، ويقصد بذلك أنك محرمة علي، معاشرتك كما يحرم علي معاشرة أمي أو أختي أو بنتي أو ما شابه ذلك. هذا اللفظ حرام وهو كذب، لأن زوجتك ليست كأمك، سماه الله في سورة المجادلة: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]. فسماه الله منكراً من القول وزوراً، أي كذباً. ما كفارته؟ قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 2-3]. واحد ظاهر من زوجته، حكى لزوجته أنت علي حرام أو قال لزوجته تحرمي علي، وهذا أيضاً ظهار. مش لازم دائماً تقول أنت علي كظهر أمي، لو قلت لزوجتك تحرمي علي أو أنت علي حرام هذا ظهار. ما حكمه؟ أولاً ما بصير تقرب من زوجتك ولا تجامعها حتى تكفر. ما هي الكفارة؟ قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]. يعني من قبل ما تجامع. طب ما في رقاب اليوم؟ قال في الآية التي تليها: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4]. عليك أن تصوم 60 يوم متتابعات، صيام شهرين، قبل ما بصير تجامعها حتى تكفر. ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]. طيب مش قادر على الصيام لمرض، مش لأني متثاقل، لأنه بعض الناس بيقول لي يا شيخ طب 60 يوم كثار اعتبرني مش قادر شو عندك حل آخر؟ لا هو مش قضية مش عندي، هي تراجع الطبيب. إذا الطبيب قال عندك حالة صحية لا تستطيع، هذا مُقعد. أما غير كذا بدك تصوم. فإن كنت غير قادر صحياً فالإطعام. بدك تطعم 60 مسكين، كل شخص نصف صاع يعني تقريباً كيلو و10 غرامات أو كيلو و20 غراماً. ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 4].

باب اللعان. اللعان أن الزوج يقذف زوجته بالزنا وليس عنده شهود. فالزوج بالتحديد يعطيه الإسلام صلاحية أنه إيش؟ أن يلاعن. أربع أيمان أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم تستدعى الزوجة، فهل تعترفين؟ فإن اعترفت رجمت، وإن لم تعترف تشهد أربع أيمان أنه كاذب والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقاً. ثم بعد اللعان يفرق بينهما تفريقاً أبدياً، خلاص لا يمكن أن يجتمعوا في يوم من الأيام، ولو بعدين تصالحوا وجاءوا يا جماعة خلص بدنا نصلح، راحت أبد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 6-8]. ويدرأ عنها العذاب، يعني يسقط عنها الرجم، العذاب هنا الرجم. ما الذي يدرأ عن المرأة حد الرجم؟ أن تقوم فتلاعن، بس هي إذا كانت كاذبة فهذه أيمان مغلظة، يوم القيامة حسابها شديد. ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 8-9].

كتاب العدد. كم عدة المرأة المطلقة وكم عدة المرأة المتوفى عنها زوجها؟ في كتاب الله قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]. أول مسألة إذا طلقت زوجتك قبل أن تدخل بها وتخلو بها، فليس عليها عدة. أنت خطبت بنت ولم أجامعها ولم أخلو بها خلوة كاملة، هنا لا عدة لها، خلص بتقولها أنت طالق بتصير حرة مباشرة بدون عدة. قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾، إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، هذا يشمل الجماع واللمس بشهوة في الخلوة. فما لكم عليهن من عدة، ما في عليها عدة هي. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49]. الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. أما المطلقات بعد الدخول إذاً هي الآية في المطلقات بعد المسيس. أما المطلقة بعد المسيس فالأصل أن عدتها كم؟ ثلاث قروء وهي عند الجمهور ثلاث حيضات. هذا عدة المطلقة بعد المسيس.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]. إذا كانت زوجتك لا تحيض، بعض النساء لا تحيض أما لأنها كبيرة عمر في الستين، أو صغيرة لم تبلغ بعد، أو عندها مشكلة صحية. إذا كانت النساء لا تحضن، واللائي يئسن من المحيض من نسائكم هذول الكبيرات، واللائي لم يحضن كذلك ما عدتهن ثلاثة أشهر. قال: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. طب الاحتمال الثالث أن تكون زوجتك بتحيض بس هي الآن حامل، عدة الحامل المطلقة كم؟ قال سبحانه، أكمل الآية: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]. فالحامل أجلها أن تضع حملها.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. أما عدة الوفاة فإذا كانت المرأة غير حامل أربعة أشهر وعشرة أيام، أما إذا كانت حامل فنسقط عليه الآية السابقة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فالاية السابقة للطلاق وللوفاة قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾، اكتب عليها هذه عدة الطلاق وعدة الوفاة في نفس الوقت.

فصل في الإحداد. الإحداد هو أن تترك المرأة في خلال العدة الزينة والجمال والتطيب، وهذا في عدة الوفاة شبه مجمع عليه. أما في عدة الطلاق، فهل المرأة خلال عدة الطلاق مأمورة بالإحداد بأن تلزم بيتها وألا تخرج، هل هذا ملزم به؟ حقيقة عند جمهور الفقهاء أن المرأة إذا كانت في عدة الطلاق فإحدادها أن تخرج من بيت الزوجية، ولكن بالإجماع مر معنا، لكن هذا لا يعني أنها لا تتزين ولا تتجمل لزوجها في عدة الطلاق الرجعيه. هي زوجة، صحيح ذكرنا بالإجماع أنها تتزين وتتجمل، إلا ما شذ فيه الشافعي في بعض أقواله. لكن ما إحداد المرأة المطلقة خلال فترة العدة؟ إحدادها أنه لا يجوز لها أن تخرج من بيت الزوجية، وظاهر كلام الجمهور حتى ولو أذن لها زوجها، حتى ولو أذن لها زوجها إلا للحاجة، فهذا انتبهوا له. إن جمهور الفقهاء -طبعاً في خلاف في مسألة المطلقة- لكن جمهور الفقهاء أن المطلقة خلال عدة الرجعية خلال عدتها: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾. طب لو زوجها أذن لها أن تخرج خلال عدتها تروح مع صاحباتها على هيك مسبح أو تطلع أو شيء أو تتسلى في مكان معين أو ما شابه، استأذنت زوجها وزوجها أذن لها لتغير عن نفسها، مش بقول لك مضغوطة نفسياً خلال فترة؟ عند جمهور الفقهاء لا يجوز أن تخرج حتى بإذن الزوج وسموا هذا إيش إحداداً. أما المتوفى عنها زوجها فإحدادها ليس فقط أن تخرج إلا لحاجة، لا تخرج ولا تتطيب ولا تتزين ولا تتجمل. فإحداد المطلقة يختلف عن إحداد المتوفى عنها.

قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]. اكتب هذا إحداد المطلقة، أن يخرجها زوجها من بيتها ولا تخرج من بيت الزوجية، وعند الجمهور ولو أذن لها زوجها بالخروج. لكن هناك قول فقهي آخر يجوز لها الخروج خلال فترة العدة إذا أذن لها زوجها، وظاهر كلام الشيخ ابن عثيمين أنه يؤيد هذا القول الثاني.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 240]. آه هذه الآية الثانية في عدة الوفاة، أنه في عدة الوفاة إذا بلغنا... الآن بدي أقرأ.

فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف. مفهومه أنه قبل أن تبلغ الأجل، وقبل أن تنتهي العدة، لا يجوز عليها أن تفعل أي شيء في نفسها، فلا تخرج من البيت ولا تضع طيبًا ولا جمالًا ولا ما شابه. لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 234]. مفهوم المخالفة: إذا لم تبلغ أجلها، يعني إذا لم تنتهي العدة، هناك جناح أن تخرج وتتزين وتتجمل. متى ينتهي الجناح؟ إذا بلغت أجلها، يعني انتهت الأربعة أشهر، عندئذ لها أن تخرج وتتزين وتتجمل. فهذا ما يدل على الإحداد في عدة الوفاة.

باب الاستبراء. الاستبراء هذا كما قلنا يطلق على الأمة؛ إذا أنت أخذت أمة من الحرب فإن عليك أن تستبرئها بشهر، وإذا كانت حاملًا بوضع حملها ثم لك أن تعاشر. والدليل على ذلك: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]. هي الآية بعمومها قالوا تشمل الحرة الزوجة وتشمل الأمة التي أخذتها بملك اليمين؛ أنه إذا كانت الأمة التي أخذتها بملك اليمين حاملًا، فأجلها في الاستبراء أن تضع حملها، أما إذا لم تكن حاملًا فالاستبراء يكون بشهر.

باب الرضاعة. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]. تدل على أن الرضاع يحرم ما يحرم النسب.

باب النفقات. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]. الزوج ملزم بالنفقة على زوجته وأولاده. كم مقدار النفقة؟ على حسب عسر الزوج ويسره، وهناك بعض التفاصيل أكثر في بعض المذاهب، لكن عمومًا قال سبحانه: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾؛ الذي ربنا فاتح عليه إذا أنت موسر عليك أن تنفق على زوجتك على قدر إيسارك، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ الذي دخله محدود، ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ على قدرته. فالنفقة لا يوجد لها رقم معين، وإنما كل إنسان يحدد له القاضي مقدار النفقة على حسب يسره وعسره.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: 50]. يقول سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني ما فرضنا على الأزواج من الحقوق تجاه زوجاتهم، ومن هذه الحقوق التي فرضها الله على الأزواج تجاه زوجاتهم النفقة؛ فلذلك ذكرها هنا.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. ومن العشرة بالمعروف أن تنفق عليها، فلذلك ذكرها هنا؛ هل يعقل إنسان يكون جيدًا وحسنًا مع زوجته بس لا ينفق عليها؟ يعني هذه ألغيت أول أشكال العشرة بالمعروف.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. إمساك بمعروف أيضًا المعروف يدخل فيه هنا الإنفاق على الزوجة؛ بدك تمسكها وما بدك تطلقها بدك تنفق عليها. أما ما بتقول والله بمسكها بس ما بنفق عليها، لا، بدك تنفق عليها، عدا إلا إذا هي تخلت عن حقها في النفقة من أجل أنها ما بدها تطلق؛ فهذا شكل من أشكال الصلح، أن النفقة حق لها، إذا هي تنازلت، ربنا رازقها مال وما شاء الله ومش محتاجة تنفق عليها، فلها أن تسقط حقها.

الآية الخامسة قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. نعم كما قلنا لهن حقوق كما أن عليهن واجبات، ومن حقوقهن الإنفاق عليهن، فهذه الآيات كلها تدل على فكرة النفقة على الزوجات.

فصل في نفقة الأقارب. هل يلزمني أيضًا أن أنفق على أقاربي؟ على والدك ووالدتك إذا كانوا فقراء لا يستطيعون الكسب، نعم أنت ملزم أن تنفق عليهم. وأما إخوانك وأخواتك، فإذا كنت ترثهم إذا ماتوا فيلزمك أن تنفق عليهم وهم على قيد الحياة إذا كانوا فقراء. أما إخوانك أو أخواتك إذا كنت لا ترثهم إذا ماتوا بسبب وجود من يحجبك، فهنا لا يلزمك أن تنفق على إخوانك وأخواتك إذا كانوا فقراء حال الحياة. فالنفقة على الأقارب باختصار لها قواعدها في باب النفقات، لكن عمومًا الله عز وجل أرشدنا إلى الإنفاق على الأقارب فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36]. أمرنا الله بأن نحسن إلى الوالدين وإلى الأقارب، ومن الإحسان إلى الوالدين والأقارب الإنفاق عليهم إذا كانوا محتاجين للنفقة.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233]. فأخبر الله أن الأب عليه أن ينفق على زوجته التي ترضع ابنه، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، عليك أن تنفق على الزوجة التي ترضع ابنك. طب مات الأب وورثه سواء الابن، ممكن ما عنده ابن، ممكن يرثه إخوانه، ممكن يرثه أبواه، فالآية تقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ وارث الأب إذا مات وهو إخوانه أو أعمامه أو أبواه أن ينفقوا على الزوجة؛ فهذا يدل على أن هناك نفقة أيضًا تلزمك تجاه بعض الناس الذين ليسوا أولادك ولا زوجتك.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾ [الطلاق: 6]. إذا أنت وزوجتك اختلفتم، زوجتك بتقول لك أنا برضع بس بمبلغ ألف دينار شهري، وأنت تقول لا يا عمي شو ألف دينار؟ والله أموري صعبة؛ تعاسرتم ما اتفقتم، وهي فعلًا كانت مجحفة ولم تستطيعوا أن تتفقوا على مبلغ مقابل إرضاعها، قال الله: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾؛ شوف واحدة ثانية ترضع ابنك سواء من قريباتها أو من غير قريباتها، وهؤلاء عليك أن تنفق عليهم، اللي هي الأجرة، ستعطيهم أجرة مقابل أن يرضعوا ابنك.

فصل في نفقة المملوك. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. طب في نفقة المملوك لو كان عندك عبيد يجب عليك أن تنفق عليهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾؛ وما دام هو مولى لك ومحسوب عليك، إذا أنت المسؤول أن تنفق عليه، هو بيخدمك ويقوم بأربع وعشرين ساعة برعاية شؤونك، مولى لك، وبالتالي عليك مقابل أنه يخدمك ويقوم بشؤونك أن تنفق على العبد.

كتاب الجنايات. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]. انتقلنا للربع الأخير من أبواب الفقه ألا وهو الجنايات؛ تكلمنا عن العبادات في القرآن، المعاملات في القرآن، المناكحات في القرآن، الآن الربع الأخير هو الجنايات، ما يتعلق بالقتل والحدود والديات والأحكام المتعلقة بهذا الجانب. أولًا بدأ بالقتل فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسًا معصومة إلا بالحق؛ إلا إذا حصل أو فعل هذا الشخص شيء يستحق به القتل شرعًا، كأن يكون زنى وهو محصن، أو ارتكب جريمة حرابة أو شيء؛ ولا يجوز قتل النفس المعصومة التي حرم الله قتلها إلا بالحق، يعني ارتكب جرمًا يستحق القتل عليه.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]. هذه الآية بينت أحكام القتل الخطأ، أن مؤمنًا إذا قتل مؤمنًا خطأ، فما هي القضية الآن؟ أولًا بدك تدفع الدية إلى أولياء المقتول، وعليك أنت كفارة وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، والدية تسقط إذا تصدقوا، ما تصدقوا يعني عفوا عن الدية إذا أولياء المقتول عفوا عن الدية تسقط الدية.

والآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. أما من قتل مؤمنًا متعمدًا فهذا يطبق عليه القصاص في الدنيا من حيث الحكم الدنيوي، وإذا عفى أولياء المقتول عن القصاص إلى الدية يحق لهم الدية، ويحق لهم أن يعفوا مجانًا، لكن من حيث الكفارة لا كفارة عليه؛ لأن القتل المتعمد كبيرة من الكبائر، الله سبحانه وتعالى لم يجعل له كفارة؛ لأن الكفارة لا تساويه، يعني مجرد صيام شهرين متتابعين لا يمكن أن يعادل الجريمة الكبيرة التي فعلتها بقتل مؤمن، فجعل الله وعيدًا شديدًا على ذلك في الآخرة.

فصل في القصاص. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]. فإذا قتل الحر حرا، قتل العبد عبدًا، أو قتلت الأنثى أنثى فيجب القصاص. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ إذا عفى أولياء المقتول عن القصاص وطالبوا بالدية، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأولياء المقتول عليهم أن يطالبوا بالدية بالمعروف، والجاني عليه أن يؤدي الدية إليهم بإحسان بدون مماطلة ورفع ضغط كما يقولون، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.

﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]. فإذا رضي أولياء المقتول بالدية بدلًا من القصاص وأخذوا الدية، فليس لهم أن يقتلوا بعد ذلك الجاني، فمن قتل الجاني بعد أخذ الدية فهذه أصبحت جريمة، ما بصير أن تقتل الجاني إذا أنت رضيت أن تأخذ منه الدية ودفعها، ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]. هذه الآية كانت في القصاص في النفس. طب أما إذا كان الجرح فيما دون النفس، قطع العين أو الأنف ما شابه ذلك، فقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45]. كذلك العين بالعين والأنف بالأنف، فهناك قصاص في الأطراف حتى ولو لم يكن إزهاق للنفس، هناك قصاص في الأطراف.

فصل في الجراح. الآية الأولى قال الله: طب إذا تكلمنا عن القصاص في قتل النفس وعن القصاص في قطع الأطراف، بقي علينا نتكلم عن القصاص في الجروح فقط. الجرح في قطع أطراف بس في إخراج دم، فهل هناك قصاص في الجروح؟ قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. حتى الجروح فيها قصاص إذا كانت منضبطة يمكن القصاص فيها، أما الجرح الذي لا ينضبط فهذا ما في قصاص فيه، الدية زي ما قلنا البارحة في المأمومة والتي تصل الدماغ وما شابه ذلك.

الآية الثانية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، هذا بعمومه يدخل فيه الاعتداء بالنفس أو الأطراف أو الجراح بمثل؛ هي المثلية تشمل كل الصور الثلاث.

باب الديات. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]. إذا من قتل مؤمنًا خطأ فعليه أن يدفع دية كاملة إلى أولياء المقتول إلا أن يتصدق.

طب إذا كان المقتول مؤمنًا لكنه مؤمن أقاربه أعداء للإسلام والمسلمين؟ يعني واحد يهودي أسلم ومسلم قتله بالخطأ، الآن لمن ندفع الدية؟ لأوليائه. طب مين أولياؤه؟ نتنياهو وجماعته تمام. طب هسا كيف بدي أدفع لهم هذول الدية ما هذول إذا أعطيتهم الدية شو رح يعملوا فيها؟ رح يستعملوها في قتل الإسلام والمسلمين، فهذا المسلم اللي أولياؤه أعداء للإسلام والمسلمين لا يعطى أولياء الدية، فقط أنت عليك الكفارة بس هنا تسقط الدية. ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. أما إذا كان من دعسته أو دهسته بالخطأ أهله كفار، لكن أهله الكفار مسالمون لنا وموادعون لنا، ما بيننا وبينهم حروب، هنا يجب أن ندفع الدية لأهله الكفار لأنهم مسالمون لنا، وهنا كما قال ابن جرير هذا يشمل سواء الذي قتلته مسلم أو كافر أنه ماذا قال: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾، هل قال وهو مؤمن؟ هنا ما قال وهو مؤمن؛ فبإطلاقها تدل على ماذا؟ أنه إذا أنا بيني وبين قوم من الكفار معاهدة ومهادنة وبالخطأ دهست واحدًا منهم سواء الذي دهسته مؤمن ولا كافر بدي أدفع لأوليائه الدية؛ بس طبعًا دية المؤمن تختلف عن دية الكافر كما قلنا البارحة، يختلف مقداره.

﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 92]. فمن لم يجد أي أتى رقبة، فصيام شهرين متتابعين، وهذا هو الواقع اليوم.

كتاب الحدود. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]. الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]. طيب الحدود كلمة تطلق في القرآن على أكثر من مفهوم؛ الحدود تطلق أحيانًا على آخر مناطق الحلال، آخر مناطق الحلال تسمى حدود الله، آخر شيء في الحلال يسمى حد الحلال، فهذا يقول الله في تلك حدود الله.

فلا تعتدوها؛ فآخر حدود الحلال تسمى حدا. كذلك الحرام حرام، والمعاصي تسمى حدودا، ولذلك في الآية الأخرى ماذا قال؟ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]. شو الفرق بين الآية الأولى والثانية؟ إن الحدود في الآية الأولى ما هي؟ آخر حد الحلال؛ فهي من الحلال، لذلك قال: فلا تتخطوها. أما في الآية الثانية الحدود ما هي؟ هي المحرمات، فقال: فلا تقربوها، قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.

ويطلق الحد أيضا على ماذا؟ على عقوبات المعاصي، فعقوبة الزنا تسمى حدا، وعقوبة السارق تسمى حدا. إذا كلمة الحدود تطلق على آخر مناطق الحلال، وتطلق على نفس المعاصي والذنوب أنها حدود، وتطلق على العقوبات الشرعية التي وضعها الله على بعض الذنوب، تسمى أيضا ماذا؟ حدا. وهو في الحقيقة يقصد بالحدود المعنى الثالث، العقوبات التي وضعها الله على بعض المعاصي، وبدأ بحد الزنا. لكن هو أراد أن يخبرك في الآيتين السابقتين انتبه، كلمة الحد لها في القرآن أكثر من معنى وأكثر من دلالة.

باب حد الزنا، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. نهى الله عن ليس فقط الزنا، بل نهى عن الاقتراب منه، والاقتراب منه من خلال مقدماته من الخواطر والنظر الحرام وما شابه ذلك. طيب ما عقوبة الزنا؟ الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]. القرآن نص على أن الزاني إذا كان بكرا وليس ثيبا محصنا، أن الزاني غير المحصن يجلد كم جلدة؟ 100 جلدة، وزادت السنة النبوية التغريب سنة، وهو أن ينفى سنة من أرضه.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]. كلمة المحصنات هنا بمعنى الحرائر. إذا كلمة المحصنات مرت معنا في ثلاث معاني لها في القرآن، هون إخواني الخبرة في التعامل مع القرآن مطلوبة؛ أنت تمر على القرآن مرارا وتكرارا وأنت لا تعرف أن كلمة المحصنات أحيانا بمعنى المتزوجات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24]، وأحيانا بمعنى العفيفات لما قال في الزواج من أهل الكتاب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، وأحيانا تأتي كلمة المحصنات في القرآن بمعنى الحرائر، مثل هذه الآية، يقول الله إن الإماء إذا زنين فعليهن نصف ما على الحرائر من العذاب، العذاب اللي هو الحد. فالله يسمي هذه فائدة في القرآن، عقوبات الجرائم ما سماها الله حدودا سماها عذابا، قال: ويدرأ عنها العذاب، الحد، وهنا نفس الشيء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَّا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فالقرآن يسمي الحد الذي هو العقوبة يسميه عذابا.

فالأمة ومثلها العبد في الحقيقة، الإماء ومثلها العبيد، قلنا العبد والإماء هؤلاء يعتبرون غير محصنين تماما؛ العبد والإماء لا يمكن أن يكون محصنا حتى لو تزوج، وبالتالي دائما يعاملون معاملة غير المحصن، وحده نصف حد الحر، فالحر يجلد 100، الأمة أو العبد يجلد كم؟ 50 بنص كتاب الله.

فصل في حد اللواط، اللواط هو نسبة إلى فعل قوم لوط، طبعا ما بصير تقول نسبة إلى لوط؛ احذر، هذا نبي من الأنبياء، نسبة إلى فعل قوم لوط. والشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه "المناهي اللفظية" حتى استكره أن يسمى لواطا، قال الأصل أن يسمى فاحشة. الشيخ بكر أبو زيد في كتابه "المناهي اللفظية" ماذا يقول؟ قال: ولا يغرنك أن بعض العلماء عبر بهذا باللواط، قال: والأفضل أن يسمى ماذا؟ فاحشة، لأنه حتى لو قصدت قوم لوط في النهاية اسم النبي موجود، فالأصل أنك تسميها ماذا الفاحشة، أو المثلية الجنسية، يعني سمها عبارة أخرى ولا تسميها حتى لواطا، هذا رأيه، وإن كان بعض العلماء يخالف، لكن فعلا الأدب مطلوب حقيقة في بعض القضايا.

الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 80-81]. فهذه الفعل الشنيعة ما هي؟ أن يأتي الرجل في دبره. طب هذه ما عقوبتها؟ قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74]. قال طائفة من الفقهاء أن اللوطي يعاقب كما فعل في قوم لوط، نأخذه إلى أعلى مكان في البلد ونلقيه من أعلى شاهق، ونرمي عليه الحجارة من فوق الجبل، حتى يموت كما فعل الله بقوم لوط، قالوا قاسوه على هذه العقوبة. أصحابنا الحنابله وكثير من أهل العلم لا يقولون اللوطي مثله مثل الزاني، إذا كان غير محصن يجلد 100 وينفى سنة، وإذا كان محصنا يرجم حتى الموت.

باب حد القذف، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4]. ما معنى المحصنات هنا؟ أحسنتم، العفيفات. كلمة دائما السياق سيساعدك على فهم المقصود، والذين يرمون المحصنات هنا بمعنى العفيفات؛ لأنه حد القذف يقام عليك سواء رميت متزوجة ولا غير متزوجة، يعني إذا رميت بنتا مش متزوجة مش رح نقيم عليك الحد؟ لا، فالمراد بالمحصنات العفيفات. قال الله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].

فمن قذف امرأة محصنة بالزنا امرأة عفيفة ولم يأتِ بالشهود، فأولا حده 80 جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدا، وعرفنا في الخلاف أنه هل معنى أبدا حتى لو تاب، أو أنه إذا تاب تقبل شهادته، مر معنا الخلاف في كتاب الإجماع، وهذا يحكم عليه بالفسق، متى يزول عنه الفسق؟ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. نعم، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 5].

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23]. توعد الذين يرمون المحصنات، والمحصنات أيضا بمعنى ماذا هنا؟ العفيفات، ما معنى الغافلات؟ الغافلات اللواتي لا يفكرن في الحرام، يعني هي في غفلة عن الحرام، أنت تتهمها بالزنا وهي في قمة العفة حتى هي غافلة عن أي جريمة، مثلها لا تفكر في الزنا، ومع ذلك ترميها بالزنا، فهؤلاء لعنوا في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه.

باب حد المسكر، إذا أخذنا حد الزاني وحد من يفعل فعل الفاحشة وحد القذف، نأتي حد المسكر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]. إذا في القرآن لم يذكر الحد، وإنما ذكر تحريم الخمر، وأما السنة فهي التي ذكر فيها حد الخمر، والصحابة اتفقوا على أن يجلد شارب الخمر 80.

باب القطع في السرقة، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]. حد السرقة أيضا بينه الله في القرآن وهو قطع اليد. وللفائدة جميع الحدود بينت في القرآن إلا حد الخمر، جميع الحدود لأنها مسألة مفصلية، الحد بينت في القرآن، حد الزاني وحد القذف وحد السرقة، كل الحدود بينت في القرآن إلا حد الخمر، فوكل إلى السنة، ولذلك تجد أن الصحابة اختلفوا في حد الخمر إلى أن أجمعوا في زمن عمر على جلده 80، وإلا فكان في كثير من الفقهاء يرون أن الخمر عقوبتها ليست حدية، بعض الفقهاء يرى أن الخمر عقوبتها تعزيرية فالجلد 80 عقوبة تعزيرية تقبل اجتهاد الحاكم المسلم.

باب قطع الطريق، قطاع الطريق العصابات الإجرامية التي تكون في داخل البلد أو خارجها، وتعترض الناس في طرقها وتقتل أو تنهب الأموال، فهذا حدها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]. جمهور الفقهاء أن "أو" هنا ليست للتخيير، بل هي مسألة مرتبة؛ أن قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا الناس ولم يأخذوا أموالهم قتلوا فقط، وإذا أخذوا الأموال دون أن يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا الناس فقط تخويف بدون ما يفعلوا أي شيء لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، ينفوا من الأرض، يطاردهم الحاكم من قرية إلى قرية ولا يهدؤون في بال حتى يتوبوا إلى الله. وذهب الإمام مالك إلى أن "أو" هنا للتخيير، وأن عقوبتهم تخييرية على حسب ما يجتهد فيه الحاكم، فهذا رأيان لأهل العلم.

حد قطاع الطرق إذا تاب قاطع الطريق قبل أن يقدر عليه يسقط الحد عنه، ويبقى عليه ماذا؟ أن يرد الأموال التي أخذها إلى أصحابها، وإذا كان قتل فننظر إلى أولياء المقتول هل تريدون تطبيق القصاص أو لا؟ إذا تاب قاطع الطريق يسقط الحد ويبقى حق القصاص لأولياء المقتولين إذا طلبوا القصاص، ويبقى عليهم إرجاع الأموال. ما الدليل على أن حد الحرابة يسقط بالتوبة بخلاف الزنا؟ هسه الزنا لو تاب بعد أن انكشف هل يسقط حد الزنا؟ لا. السرقة لا. حد الحرابة يسقط إذا تاب ومكشوف، لماذا هذا الحد يسقط إذا تاب صاحبه؟ لأن الله استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34]. طب لماذا هذا الحد بالتحديد أعطي مساحة التوبة؟ أحسنت، حتى نشجع قاطع الطريق أن يتوب. هسه الزاني هذا رسب، السارق رسب، يعاقب حتى لو تاب يعاقب، لكن قاطع الطريق نحن عندنا نعاني مشكلة معه أنه هو إذا عرف أنه حتى لو تاب سيعاقب شو بيقول لك خربانة خربانة، وأظلني قاعد قاطع الطريق حتى يسقطوني هم، أما أنا لما أفتح له باب العفو لا بيقول لك في عفو شرعي، باجي وأتوب وتسقط عني الحد. لذلك قال في آخر الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ بشرط أنه يتوب هو يسلم نفسه، أما قاطع الطريق إذا أنا مسكته بعد ما سجنته تاب، لا ما بيزبط، بدك تتوب قبل ما نمسكك.

باب قتال أهل البغي، أهل البغي قلنا هم الذين يخرجون على الحاكم متأولين، ليسوا خوارج، لا يكفرون الحاكم لكن يخرجون عليه بالسلاح متأولين أن لهم حق يجب أن ينتزعوه بقوة السلاح، فهؤلاء يسمون بغاة. قال سبحانه: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]. موطن الشاهد: ﴿فَإِن بَغَتْ﴾، مفهوم البغي إذا طائفة بغت على طائفة الحاكم وعلى جند الحاكم، ونحن عارفين أنه الخطأ من هي الطائفة الباغية، فإننا نقاتل البغاة مع الحاكم المسلم حتى نرد البغاة إلى رشدهم وصوابهم، ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يعني إلى حكم الله وشرعه. الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. فالبغاة خرجوا على ولي الأمر بدون مبرر شرعي يجوز لهم ذلك، فلذلك خالفوا الله والرسول.

باب حكم المرتد، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217]. هذه الآية تبين أولا أن من ارتد لكنه لم يمت على الكفر أن الله يقبل منه الإصلاح؛ أنه قال: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ مفهومها ماذا؟ أن من ارتد ثم عاد للإسلام، يعني شخص كان يحج ويتصدق ويصلي، بعدين ارتد سب الله والعياذ بالله، وندم وتاب وعاد إلى الإسلام، هل أعماله التي فعلها قبل الردة تبطل وتذهب وعليه أن يعيد الصلوات والإسلام؟ لا، إذا المرتد تاب قبل أن يموت فالله يقبل منه أعماله الصالحة التي فعلها قبل ردته، لأن الله جعل على إحباط العمل متعلقة بالارتداد وبـ ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فهذا الذي حبط، مفهوم المخالفة أنه إذا لم يمت أنه لا يحبط الله عمله.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. إذا أول ناقض من نواقض التوحيد ما هو؟ الشرك، فالشرك يعتبر شكل من أشكال الردة. الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]. نفس الفكرة السابقة.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 150-151]. أين المكفر هنا؟ الإيمان ببعض الرسل وجحد بعض الرسل هو كفر، من جحد رسولا واحدا من رسل الله فقد ارتد عن الإسلام. ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ من جحد.

أحد معروف ارتد عن الإسلام. نعم.

الآية الخامسة قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9]. ما هو سبب الردة هنا؟ كراهية الشرع. من كره شيئاً من الشريعة ثابتاً منها، فقد ارتد. تمام، هذا ينتبه له. تمام، ينتبه له خاصة أخواتنا في موضوع تعدد الزوجات، سامحوني على هذا التعليق، هناك فرق بين أن غيرتك ما بدك زوجك يتزوج عليك، هذا متفهم، وما بين كراهيتك لشرع الله، هذه ردة؛ لأنه للأسف أحياناً الأمور تختلط عند بعض النساء. إنه أنت ما بتحبي زوجك يتزوج عليك شيء طبيعي، حتى نساء النبي عليه الصلاة والسلام كن يكرهن أن يتزوج أزواجهن عليهن، هذا بعد نفسي طبيعي. لكن أن تكرهي هذا الحكم، والله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، هذه يخشى أن تكون ردة، بدها تنتبه؛ لأنه ربنا قال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. بعض الفكر النسوي للأسف يأخذ بعض النساء الأخوات المحترمات إلى مساحة تحبط فيها العمل والعياذ بالله، بدنا ننتبه. نعم.

الآية السادسة قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]. أين سبب الردة هنا؟ الاستهزاء بالدين، أي شكل من أشكال الاستهزاء بالدين وشعائر الإسلام. بعض الناس للأسف بيكون بينكت مع أولاد عمه أو أقاربه في مجلس على الدين، وعلى سنة من السنن، على السواك؛ قال الله عز وجل سماها كفراً: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فالاستهزاء بأي شيء من شرائع الإسلام كفر وردة. نعم.

الآية السابعة قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]. واسجدوا لله، إذاً السجود لغير الله ردة، ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾. نعم.

الآية الثامنة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3]. وهذه هي الشرك نفسه، وهو اتخاذ أصنام أو بشر تعبدهم مع الله ليقربوك إلى الله، فهذا شكل من أشكال الردة أيضاً. طبعاً إخواني، أي شيء يسمى ردة هذا نحن نصف المسألة، لكن إنزالها على الأعيان هذا يكون للهيئات الشرعية تمام. الأصل أن إنزال الأحكام على الأعيان هذا يرجع فيه للهيئات الشرعية، وليس لحماس الشباب واندفاعهم، هذا فقط كقاعدة عامة. كمل الآية التاسعة.

الآية التاسعة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا * بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 137-140]. هذه موطن الشاهد، أن من يجلس مع الكافرين الذين يستهزئون بالآيات، أنت ما استهزأت بس أنت جلست معهم وابتسمت وضحكت معهم وجعلتهم جلاسك، فهذه ردة. ردة، وهذه ردة المنافقين أو من أسباب ردة المنافقين أنهم كانوا يجلسون مع من يستهزئ بالكتاب والسنة وبيضحك ومبتسم. بقول لك يا شيخ أنا ما حكيت، أنا بس ضحكت على النكتة، ضحكك على من يستهزئ بالدين ردة، حتى تعرف خطورة هذه المجالس، الناس تتساهل فيها.

الآية العاشرة قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102-103]. هذه تدل على أن السحر في كثير من صوره يعتبر ردة عن الإسلام إذا تضمن فعل مكفر من المكفرات.

الحادية عشر، قال الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. أراد أن يبين في هذه الآية متى يعذر من ارتكب مكفراً، هل هناك أعذار تمنع إنزال حكم الردة على الشخص؟ نعم، أن الإنسان إذا ارتكب مكفراً وهو مكره على ذلك، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فدل هذا على أن من ارتكب ما يوجب الردة ولكن عرفنا أنه معذور بالإكراه فهذا لا ينزل عليه الحكم ولا يعتبر مرتداً. نعم.

كتاب الأطعمة، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. دلت الآية هذه على أن الأصل في الأطعمة الحل، أي طعام أو نبات تكتشفه الأصل أنه حلال حتى يثبت بدليل تحريمه. نعم.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 168]. أيضاً دلت الآية على أن الأصل أن نأكل ما في الأرض من الحلال الطيب، أما إذا كان من المستخبث فدلت النصوص القرآنية على أن الأطعمة المستخبثة حرام، وخبثها إما لأن العرب استخبثتها بنفسها أو لما فيها من الضرر. ما الذي يجعل الطعام خبيثاً؟ إما لأن العرب استخبثته، ولذلك عند أصحابنا الحنابلة أن أي حيوان استخبثته العرب بطبائعها هو محرم، لأن العرب هم أعدل الأجناس فطرة في النظر، فكل ما استخبثته العرب يعتبر محرماً من الحيوانات. ثانياً، كذلك كل ما ثبت ضرره ضرراً غالباً يعتبر خبيثاً فيعتبر محرماً. فالضرر أو استخباث العرب أو النجاسة هي التي تجعل الطعام أو الشراب أو النبات خبيثاً، قال: كلوا مما في الأرض بشرط حلالاً طيباً. طيب، الآية التي بعدها.

﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96]. أراد أن يخبر أن صيد البحر وطعام البحر كله ماذا؟ حلال، هذا من ضمن مساحة الحلال. نعم.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. هذه القاعدة العامة، أن الإسلام يحل أن تتناول الطيبات ويحرم عليك أن تتناول الخبائث كما قلنا. والخبث إما لأن العرب استخبثت وإما لضرره، فالدخان خبيث ولا لا؟ خبيث، من أجل ماذا؟ الضرر الثابت يقيناً في استعماله أو لنجاسته، هذه أسباب الخبث الأساسية. نعم، الآية الخامسة.

الآية الخامسة قال الله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]. هذه الآية نزلت في أول الإسلام فحصرت المحرمات في الأطعمة في هذه الأمور، ثم نزلت بعد ذلك آيات أخرى وأحاديث أخرى أضافت عليها محرمات، هي الآية نزلت في أول الإسلام لأن بعد ذلك جاءت محرمات أخرى أضيفت. فذكرت تحريم الميتة وتحريم الدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، طبعاً هذه فقط هي المحرمات، يوجد محرمات أخرى أضيفت بعد ذلك، يوجد كما ذكرنا في الإجماع، أجمعوا على تحريم كل ذي ناب من السباع وهكذا. نعم.

فصل في المضطر، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]. أن الاضطرار يبيح أكل المحظورات، أن الاضطرار يبيح لك أن تتناول المحظورات. نعم.

فمن اضطر في مخمصة، في مجاعة، أن يأكل حراماً، غير متجانف أي غير مائل إلى إثم، يعني لا يقصد بأكله لهذا الميتة أو لهذا الطعام الحرام لا يقصد الإثم وتجاوز حدود الله، وإنما يقصد فقط أن يزيل عن نفسه المخمصة، بده يرفع عن نفسه الجوع، فالله يغفر للإنسان في الضرورة، فإن الضرورات تبيح المحظورات. نعم.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]. هذه شروط الاضطرار، قال فمن اضطر غير باغ، ما معنى غير باغ؟ البغي هو أن يترك الحلال إلى الحرام، يعني أنت الآن تشردقت في لقمة وفي أمامك شراب حلال وفي أمامك شراب حرام، بصير تقول والله يا شيخ لأني مضطر بدي أشرب الخمر؟ لا؛ لأنه أنت عندك حل آخر وهو إيش؟ الماء. لكن لو ما كان غير الخمر واللقمة بدها تشردك بدك تموت منها، خلص اشرب؛ لأنه حياتك بدنا نحافظ عليها. فالبغي قالوا أن يترك الحلال إلى الحرام مع وجود الحلال. قال ولا عاد، ما هو العدوان؟ يكون عنده إلا الطعام الحرام لكن يأخذ منه فوق قدر الحاجة، القاعدة الفقهية تقول الضرورة تقدر بقدرها، فإذا أنت في مخمصة كم بكفيك؟ يعني كيلو لحم أشبع يا سيدي على رأي بعض الفقهاء، لكن مش إنك تطعم الشباب والعشيرة والجماعة وزيد وعبيد، لا، أنت في النهاية بس تأكل على مقدار الضرورة. فقال سبحانه من اضطر غير باغ، أي متجاوز للحلال إلى الحرام، ولا عاد، أي أخذ من الحرام فوق ما يحتاجه، فهذا الذي يغفر الله له. نعم.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]. الله ذم من يمنع الماعون، والماعون ما يحتاج الناس إليه كما قلنا من عارية الدلو والقدر. ماذا أراد بالاستدلال بهذه الآية؟ إذا كان الله يذم من يمنع حوائج الناس، فمن باب أولى يذم الشرع من يمنع ما اضطر إليه الناس. هل يجوز أنا وجدت رجل مضطر يحتاج طعام، هل يجوز أن أمنعه من الطعام؟ الآن حال إخواننا في غزة الله يفرج كربهم وهمهم في قمة الاضطرار إلى الطعام والشراب، ما حكم أن يمنعوا من إدخال الطعام والشراب؟ جريمة، مش حرام بس جريمة من الجرائم وكبيرة من الكبائر. تمام، إذا كان الله يذم من يمنع الماعون، يعني إذا أنت منعت الماعون عن جيرانك والماعون مش ضرورة حادة، صح أنه دلو، فما بالك من يمنع الطعام والشراب؟ فأراد أن يستدل على أنه يجب على المسلم أن يساعد أخاه المضطر بما بين يديه. نعم.

فصل في الضيف، الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 24-27]. هذا يدل على استحباب الضيافة وإن كانت تجب في بعض الصور، لكن في الأصل أنها مستحبة، وسيدنا إبراهيم هو سيد الكرماء، وقصته في ضيافة قومه وما فيها من آداب الضيافة تحتاج إلى درس. الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. وهذا فيه حث على الضيافة وأنك لا تكون بخيلاً يا صاحب المنزل، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، الذي لا يضيف الناس ما سبب أنك ما بتضيف الناس؟ أنك بخيل تمام، البخيل الذي إذا أتاه ضيوف لا يقدم لهم طعاماً، فيقول: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، اللي ربنا بخلصه من الشح والحرص على المال فيضيف الناس ويكرم الناس، هؤلاء هم المفلحون. نعم.

باب الذكاة، الذكاة هي ذبح بهيمة الأنعام أو الحيوانات مأكولة اللحم ذبحاً شرعياً. الذكاة هي الذبح الشرعي لما يحل أكله. نعم.

الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]. المنخنقة، وهي الدابة التي تموت خنقاً، والموقوذة وهي الدابة التي رُميت بشيء فكسر فيها شيء وشارفت على الموت، والمتردية هي التي سقطت من سطح، والنطيحة هي الشاة نطحها ثور أو نطحها صاحبها. هذه الحيوانات التي تكون موقوذة أو نطيحة إذا وجدتها وفيها رمق لسه، ها في آخر أنفاسها وذكيتها وذبحتها يجوز لك أن تأكلها، أما إذا ماتت حتفها بدون أن تذكيها فهذه تأخذ حكم الميتة فلا يجوز تناولها. قال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، يعني جاء كلب ونهش من شاة، هسه الشاة إذا أنت لحقتها قبل ما تموت وذكيتها تأكلها، إذا ماتت بسبب نهش الكلب ولم تدركها فأصبحت ميتة. ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هذه تعود على من المنخنقة إلى وما أكل السبع، تشملهم جميعاً، ودلت على أن الذكاة الشرعية تحول الحيوان من ميتة إلى طعام يحل لك أكله. الذكاة الشرعية تحول الحيوان من ميتة إلى حيوان يباح لك أكله. نعم.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]. دلت الآية على أن الذكاة الشرعية يشترط فيها ماذا؟ ذكر اسم الله، أن الذكاة الشرعية يشترط فيها من شروط الذكاة الشرعية أن تذكر اسم الله، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. مفهوم المخالفة، أو على ماذا يدل عفواً؟ هذا عموماً بمنطوقه على حرمة أن تذكي دون أن تذكر اسم الله وأن هذا لا يجوز، وبالتالي من شروط التذكية الشرعية أن تذكر اسم الله على الذبيحة. طيب يا شيخ نسيت؟ عادي بتيجي خلافات الفقهاء في مسألة من نسي أن يسمي. نعم.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]. دلت الآية هذه أن الطعام يدخل فيه بهيمة الأنعام، دلت هذه الآية على جواز ذبائح أهل الكتاب.

وطعام الذين أوتوا الكتاب دلت على جواز ذبائح وذكاة اليهود والنصارى، بشرط أن يذبحها على اسم الله. أما إذا ذبحها لغير اسم الله، كأن يذبحها للمسيح أو لعزير أو لما شابه ذلك، فقد أصبحت مما أهل به لغير الله، فلا تجوز. أما إذا ذبحها على اسم الله، فإنه يجوز أكلها، وكثير من أهل العلم يجيزون ذبيحة النصراني حتى لو لم يذكر اسم الله عليها.

الآية الرابعة: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]. صيد البحر حلال أصلاً، وهو لا يحتاج إلى تذكية، فهل يحتاج إلى تذكية؟ لا يحتاج إلى تذكية.

باب الصيد، الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: 96]. دلت الآية على أن صيد البحر وطعامه حلال، فصيد البحر هو ما اصطدته أنت من البحر، وطعامه هو ما قذفه البحر دون أن تصطاده. قالوا: طعامه هو ما ألقاه البحر أو طفى من السمك على البحر بعد أن مات، وهذا يجوز أيضاً أن تأكله دون ذكاة شرعية. فصيد البحر وطعامه حلال عليك سواء كنت محلاً أو محرماً، أما صيد البر فهو حلال عليك بشرط أن تكون محلاً، أما إذا كنت محرماً فلا يجوز.

الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]. الأمر هنا يفيد الإباحة، إباحة الصيد؛ فالصيد إحدى وسائل التذكية. التذكية قد تكون بذبح الحيوان مباشرة، ومن صور التذكية الصيد، لكن بشروط وضوابط تذكر في كتب الفقه.

الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 4]. من وسائل الصيد المشروعة الصيد باستعمال الكلاب المعلمة. إذا كان عندك كلب أو فهد أو شيء من هذه الجوارح، وعلمتها وأحسنت تعليمها وأصبحت ترد عليك، فيجوز لك أن تستعمل هذه الوسيلة في الصيد بشرط: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، أي أن يمسك لي وليس لنفسه، وكيف أعرف ذلك؟ إذا لم يأكل من الصيد. ويجب أيضاً شرط آخر أن أذكر اسم الله عند إرساله، فإذا أرسلت الكلب دون أن أذكر اسم الله فصاد، لا يحل صيده، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: 4].

باب الأيمان، الحلف والأيمان، الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]. هذا يدل على كفارة اليمين؛ فهي مخيرة بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد مالاً لفعل هذه الأمور فصيام ثلاثة أيام، واختلف الفقهاء هل هي ثلاث أيام متتابعات أو غير متتابعات. هذه كفارة اليمين المنعقدة، أما اليمين الغموس واليمين اللغو فمر معنا أنه لا كفارة فيها.

قال الله تعالى: ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]. دلت هذه الآية على أن اليمين التي فيها الكفارة هي اليمين التي كسبتها في قلبك وعقدت عليها في قلبك، بخلاف اليمين اللغو أو اليمين الغموس، فهذه لا يوجد فيها كفارة، وإن كانت إحداهما معفواً عنها والأخرى كبيرة من الكبائر.

الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91]. الله يأمرنا إذا حلفنا يميناً أن نحاول الالتزام به قدر المستطاع، والأصل إذا حلفت على يمين أن تلتزم به ولا تنقضه، إلا كما قال صلى الله عليه وسلم: «حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير».

الآية الرابعة: قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: 23]. ستأتي آيات تدل على أن الله سبحانه استعمل القسم في القرآن، فهذا قسم، وأيضاً: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾، ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾، ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. ثم قال في الآية: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224].

ينهانا الله سبحانه في هذه الآية أن نحلف أيماناً على ترك البر والمعروف بين الناس؛ فلا تجعل غضبك وانفعالك يجعلك تحلف أيماناً ألا تفعل خيراً. بعض الناس عند الانفعال يقول: والله ما بروح على الدرس، أو والله ما بروح على المسجد، أو والله ما بقرأ قرآن. لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فكلما وقعت في موقف تم استفزازك فيه، لا تحلف ألا تفعل خيراً، وخاصة مع الزوجات؛ تختصم مع زوجتك فتقول: والله ما بزور بيت أهلك. لا تجعل الله دائماً على لسانك، لأن هذا يدل على عدم توقيرك لله حقيقة، فما بالك إذا جعلت حلفك وسيلة لترك معروف أو خير أو إصلاح بين الناس؟ فهذا يكون أكثر ذماً.

الآية التاسعة: قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النور: 22]. أي لا يحلف أولو الفضل منكم والسعة أن يمنعوا العطاء عن أولي القربى. نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد كان ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان مسطح ممن تكلم في عرض عائشة في حادثة الإفك. تخيل صعوبة الموقف؛ هذا الرجل صحابي غفر الله له، تكلم في عرض عائشة، وكان أبو بكر ينفق عليه لأنه فقير. فلما حصل ما حصل ونزلت براءة عائشة، حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح، فأبٌ غيور على ابنته. فأنزل الله آية يقول فيها لأبي بكر ولكل الفضلاء الذين يحلفون على ترك الخير بسبب استفزازهم: لا تحلف يا صاحب الفضل على ترك الإنفاق على أقاربك إذا صدر منهم ما يزعجك. قد يكون الرجل صاحب خير على أقاربه، فيؤذيه واحد منهم بموقف، فيقول: والله ما بنفق عليه. إذا أردت المقامات العظيمة عند الله، فلا تحلف وسامح بحقك، وأنفق على هذا الرجل ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.

الآية العاشرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77]. هذه الآية تذم من يعاهد عهداً في الله أو يحلف يميناً في الله ثم يخون فيها من أجل عرض من الدنيا بخس. إذا أعطيت يميناً لشخص أو عهداً لشخص فلا يجوز لك أن تنكثه من أجل لعاعة من الدنيا. من فعل ذلك، أولئك لا خلاق لهم، أي لا نصيب لهم عند الله يوم القيامة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. تخيل كل هذا لأنك خنت اليمين الذي أعطيته لشخص أو العهد الذي أعطيته لشخص من أجل لعاعة من الدنيا.

الآية الحادية عشرة: قال الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: 14]. هذا فيه تحذير من اليمين الغموس، لأن اليمين الغموس هي أن تحلف على كذب وأنت تعلم. إذا حلفت على شيء كذب لكن كنت جاهلاً بأنه كذب، فهذا لا يحسب يميناً غموساً. أنا ممكن أقول: والله زارني فلان، ويكون الكلام مخالفاً للواقع، لكن أنا ظننت أنه زارني في اعتقادي؛ فهذا سهو يصيب أي إنسان. لكن اليمين الغموس شرطها أن تحلف على شيء كذباً وأنت تعرف أنه كذب ولم يقع، فهذا هو اليمين الغموس.

فصل في الكفارة، الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89]. عرفنا كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، يعني الطعام الوسط المتعارف عليه الذي ترتضيه لزوجك وأبنائك وأهلك، ولا تطالب بالغالي ولا يجوز الرديء. أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد مالياً أن يفعل واحداً من الثلاثة السابقة فصيام ثلاثة أيام. واختلفوا هل يجب أن تكون متتابعات كما قال أصحابنا الحنابلة، أو يجوز أن تكون متفرقة كما قال بعض الفقهاء.

فصل في النذور، الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7]. الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]. الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]. هذه الآيات تدل على أن الله يوجب علينا الوفاء بنذر الطاعة، ويمتدح الذين يوفون بنذورهم، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً. وأخبر أنه يعلم كل نذر نذرته، فلا تظن أن الله غافل عن نذرك، ستحاسب عليه يوم القيامة إذا لم تؤده.

كتاب القضاء، الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]. الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]. الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42]. الآية الرابعة: قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

الآية الأولى والثانية تدلان على وجوب تنصيب القضاة لأن الحكم يحتاج إلى قضاء، ووجوب إقامة العدل بين الناس والحكم بما أنزل الله. وقال سبحانه لنبيه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾، وهذا يدل على أن أساس الحكم هو العدل، وأنه لا يجوز للحاكم إلا أن يقضي بالعدل حتى مع خصومه وأعدائه وأعداء الإسلام. والآية الرابعة تدل على أن من لم يرضَ بحكم الإسلام فإنه لم يحقق مقامات الإيمان، حتى يحكموك فيما شجر بينهم. فكما أن الآية تدل على وجوب أن ينصب الحاكم القضاة، فقوله: ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يدل على وجوب أن يتحاكم الناس إلى شرع الله. فالحاكم مأمور أن ينصب القاضي الذي يحكم بشرع الله، والرعية مأمورون بأن يحيلوا خصوماتهم ومنازعاتهم إلى شرع الله، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت؛ يجب أن ترضى بحكم الله وتسلم تسليماً مطلقاً: سمعنا وأطعنا. فهذا حال الرعية مع شرع الله سبحانه.

أدب القاضي، قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]. الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].

الله عز وجل يأمر القاضي بأن يحكم بشرع الله، ومن لم يحكم بشرع الله فسماه في الآية الأولى كافراً، وفي الثانية ظالماً، وفي الثالثة فاسقاً، وهذا يدل على خطورة عدم تحكيم شرع الله في القضاء. وعلينا أن نعرف أن القاضي إذا خالف شرع الله في مسألة أو مسألتين كقضايا فردية، فهذا يسمى كفراً أصغر، كفراً دون كفر. أما إذا ألغى القاضي شرع الله وبدله بشرع آخر، فهذا كفر أكبر. ففرق بين أن يخالف القاضي شرع الله في مسألة أو بعض المسائل، فهذا شيء قد يقع فيه كل شخص؛ فوجود مخالفات فردية في بعض الأمور مع التحاكم للشريعة كمرجعية هذا يسمى كفراً أصغر ولا يخرج صاحبه من الملة، وهذا الذي قاله ابن عباس للخوارج لما ناقشهم فقال: هو كفر دون كفر. أما إذا بدل الحكم نفسه وألغى الكتاب والسنة فهذه قضية أخرى. ثم قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فمن أدب القاضي أن يكون عنده من يستشيره من أهل الخير والعلم والصلاح والراي، خاصة في المسائل التي تحتاج إلى مشاورة، من أدب القاضي أن يستشير أهل الخير والصلاح من أصحاب العقل والحكمة.

قبل أن يصدر قرار خاصة في بعض المسائل التي تكون حساسة وتحتاج إلى أن تتلاقح الآراء فيها.

باب القسمة: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28]. القسمة مرت معنا في الإجماع للنيسابوري، وهو أن هناك شركاء في أرض أو في بيت يريدون أن يتقاسموا فيرتفعون إلى القاضي، ويطلبون منه أن يقسم بينهم، فالقاضي ملزم بأن يقسم بينهم، والدليل على وجود فكرة القسمة القرآن أشار إليها فقال سبحانه في قصة ناقة ثمود: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾، فهناك يوم لنا وثمود وهناك يوم لهم، وتعرف أن قوم ثمود للأسف اعتدوا على الناقة وقتلوها.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]. وهذه قسمة الميراث، وإذا حضر القسمة فالميراث هو شركة بين الورثة، إذا طالبوا بتقسيمه يجب على القاضي أن يقسمه بينهم فهذه قسمة شرعية.

باب الدعاوى والبينات: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57]. أي قضاء يبتدئ بماذا؟ بالدعوى، أن هناك مدعياً وهناك مدعى عليه، هل هناك آية قرآنية تشير إلى وجود الدعاوى؟ هنا استدل بآية، ربما قد يكون في بعد في الاستنتاج منها لكن يستأنس بها، وهي قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾، هي الآية تتكلم عن أهل الجنة لهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون، فيدعون يعني ما يطلبون، والدعوى هي ماذا؟ طلب، فهذه تدل على مشروعية الطلب عموماً، ما دام الله ذكر أن أهل الجنة يدعون بمعنى يطلبون، قال فهذا يستأنس به على مشروعية الطلب، وأن ترفع للقاضي طلباً بأن ينظر في قضيتك هو شكل من أشكال الطلب.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]. ما معنى الاستدلال بهذه الآية هنا؟ يريد أن يقول إن الدعاوى والبينات يرجع في تفسيرها إلى ماذا؟ إلى العرف، أن إذا شخص رفع دعوى أو جاب شهوداً أو أقام بينات، الألفاظ التي ترد في الدعاوى والبينات كيف تفسر؟ الألفاظ تفسر بما يتعارف عليه الناس، لأن الله يقول: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، على الناس أن يتحاكموا إلى العرف في مثل هذه الأقوال التي تدور بينهم والنزاعات التي تنشأ بينهم.

باب الشهادات: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]. هذا موطن الشاهد في الآية: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾، فدلت الآية على أنه في الأمور المالية يستشهد رجلان أو رجل وامرأتان، أن في قضايا المال أو ما له علاقة بالمال تقبل شهادة رجلين أو شهادة رجل وامرأتين.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]. هذا موطن الشاهد، أمر الله سبحانه، وهذا على سبيل السنية، يسن أن عند التبايع أن تحضر شهوداً يشهدون على عقد البيع حتى لا يحصل في الغد نزاع وخصومة بينك وبين المشتري، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ لكن هذا على سبيل الاستحباب.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. تدل هذه الآية على حرمة كتمان الشهادة، وأنه بالإجماع إذا كان عندك شهادة تنصر مظلوماً يجب أن تدلي بها إذا طلبت، يعني هناك رجل مظلوم وحقه ضائع وأنت عندك شهادة تخدمه، يجب عليك أن تخدم هذا الرجل وتدلي بالشهادة أمام القاضي، إلا إذا ترتب عليك ضرر كبير هذا يعذر فيه، فالأصل حرمة كتم الشهادة، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ جعل القلب آثماً لأن الشهادة مكانها القلب، لأنه أنت تدخرها في قلبك.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. هذا يدل على أن الإنسان إذا أقام الشهادة فعليه أن يقيمها لله خالصة، ولا يكن له فيها حظ أو نصيب من هوى النفس.

الآية الخامسة قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]. وهنا أيضاً في الآية التي تليها قال: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ في الآية السابقة، وهدفه في الشهادة أن ترضي الله، وفي الآية الثانية قال: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل.

الآية السادسة قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]. هذه الآية تدل على أن الإنسان عليه أن يشهد بالحق الذي يعلم أنه حق، عليك أن تشهد بالحق وأن تكون عندما تشهد عالماً أنه حق، يعني ممكن واحد يشهد بشيء لم يره، صحيح شهادة حق يعني طابقت الواقع بس هو لما شهد هو ما كان يعرف أنها حق، هذه أيضاً لا تجوز، لذلك قال ابن عباس للرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد، فالشهادة أمام القضاء يجب أن تكون على شيء حق، وأن تكون وأنت تشهد تعرف أنه حق، وليس أن تشهد بالحق مصادفة، بدك تكون عارف أنه حق.

الآية السابعة قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]. ومن قول الزور شهادة الزور التي تعتبر من كبائر الذنوب.

فصل في عدد الشهود: الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]. إذا كانت القضية قضية زنا فكم عدد الشهود المطلوب؟ أربعة.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ [البقرة: 282]. إذا كانت قضايا مالية فلا بد فيها من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: 2]. أيضاً في مسائل الزواج يستشهد ذوو عدل منكم، وأقيموا الشهادة لله، وكذلك في الطلاق يسن إذا أردت أن ترجع زوجتك المطلقة أن تشهد على رجعتها حتى لا يكون هناك تناكر ونزاع في المستقبل. يشهد على الزواج رجلين، واختلف هل تقبل شهادة النساء في الزواج كما تقبل شهادة النساء في الأموال؟ قلنا في الأموال رجل وامرأتان يضبط، لكن في الزواج هل تقبل شهادة النساء؟ عند كثير من أهل العلم لا تقبل وأنها مخصوصة فقط بشهادة الرجال، وجوز بعضهم قبولها.

الآية الرابعة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]. هذه الآية تدل على جواز إشهاد غير المسلمين في حالة واحدة، الأصل في الشاهد أنه يجب أن يكون مسلماً، متى يجوز أن تستشهد رجلاً غير مسلم؟ قالوا في الوصية في السفر، إذا شخص حضره الموت وهو مسافر ولم يجد من يستشهد من المسلمين، فوجد رجلين نصرانيين أو يهوديين، فقال لهما: تعالى وأنا الآن في مرض الموت، احفظوا وصيتي، هذا المال بترجعوه لفلان وفلان، فهذان الرجلان النصرانيان أو اليهوديان حفظا هذه الشهادة ثم أتيا إلى البلد الإسلامي، وأمام القاضي قالا: يا أيها القاضي، ترى في رجل شهدنا وحملنا شهادة أنه لفلان بد منه كذا، هل يقبل القاضي شهادة هذين النصرانيين أو اليهوديين؟ نعم، هذه الحالة الوحيدة التي تقبل فيها شهادة غير المسلمين، وهو شهادة أهل الذمة أو اليهود والنصارى عموماً على الوصية في السفر.

باب الإقرار: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81]. الله سبحانه وتعالى قال للأنبياء: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي﴾ عهدي وميثاقي، قالوا: ﴿أَقْرَرْنَا﴾، ما دام الله سبحانه وتعالى يقرر الأنبياء ويقبل إقرارهم، هذا يدل على أن فكرة الإقرار مشروعة في الإسلام، على أن فكرة الإقرار أمام القضاء مشروعة في الإسلام.

الآية الثانية قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102]. اعترفوا، الاعتراف هو إقرار، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، إذا اعترافك بذنبك أمام القاضي أنك سرقت أو زنيت أو فعلت، هل يأخذ القاضي بإقرارك؟ نعم، لأن الله امتدح المقرين المعترفين، فهذا يستأنس ويستنبط منه أن القاضي يؤاخذ بالإقرار ويعترف به.

الآية الثالثة قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. هذا موطن الشاهد، اشهد ولو كانت شهادتك على نفسك، والشهادة على النفس ما هي؟ إقرار، أن تشهد على نفسك أمام القاضي أنك فعلت كذا وأنك تقر على نفسك أنك فعلت كذا، فالله أمرنا أن نقر حتى لو كان الإقرار على أنفسنا أو كان الإقرار على والدينا أو على الأقربين.

الآية الرابعة والأخيرة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172]. الله أخرج ذرية آدم من ظهره في القدم، أخرجها من ظهره وأقرهم، هذا طبعا مسألة فيها خلاف طويل، وهل هذا إقرار هو الفطرة ولا هو إقرار حقيقي، وأن الله أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر؟ أنا خليني على ما يفهمه الشيخ ابن القاسم هنا لأن هذا رأيه هو، أن الله سبحانه وتعالى أخرج ذرية آدم من ظهره وكانوا كالذر، وأشهدهم يعني أقرهم على أنفسهم هل تشهدون بالتوحيد؟ فقالوا: ﴿بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾، فأقروا لله بالتوحيد والعبودية، وكلنا كنا في زمن الذر أخرجنا من ظهر آدم كالذر وأقررنا بهذا الميثاق، وإن كنا الآن نحن لا نتذكره، لكن هذا جاء فيه بعض الآثار أن الله أخذ ذرية آدم من ظهره وأقرهم على الشهادة بالتوحيد فأقروا بها، فاستدل بذلك على فكرة الإقرار.

هذا ختام هذا الكتاب أيها الكرام، وأنتم تلاحظون المادة حقيقة دسمة، وأنه الصنيع في هذا الكتاب في اعتقادي ممتاز، وهو أن الطالب يتعلم إسقاط الآيات القرآنية على الأحكام الفقهية، هذه فائدة هذا الكتاب، أن تتعلم كيف تسقط الآيات القرآنية على الأحكام الفقهية، وتستنبط منها الحكم الفقهي إما صراحة أو بإشارتها أو بضمنها، فأرجو أن هذا الكتاب يعتنى به أكثر وأكثر، وأن تهتم بتفسير آيات الأحكام والوقوف على فقهها واستدلالات العلماء بها، وهذا آخر حديثنا في هذا المقام، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أنت لماذا تفعل ذلك؟ تظن أنك تستمتع، أليس كذلك؟ فتبقى تتصفح الفيسبوك واليوتيوب وما شابه ذلك، تظن أنك تجلب لنفسك السعادة. فنحن نمارس في حياتنا أمورًا كثيرة نهدف من خلالها أن نكسب السعادة، ولكن هل فعلًا كل الطرق توصل إليها؟ أم أحيانًا قد نظن أننا نسلك طرقًا توصل إلى السعادة فإذا بنا نودي بأنفسنا إلى الشقاء؟ ونظن أننا في أنفسنا نسعد، وإذا بنا نشقى رويدًا رويدًا، وقد لا ننتبه أننا نشقى، وقد نستيقظ متأخرين.

كما استيقظ الرجل يوم القيامة فقال: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 28]. هو كان يظن أن صحبة هذا الرجل السيئ ستحقق له السعادة واللذة؛ هؤلاء الشباب الذين يسير معهم في المقاهي ويمارس معهم السفرات ويعصي معهم الله سبحانه، كان يظن أنها ستجلب له السعادة فإذا بها تجلب له الشقاء. ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 29].

علينا أن ننتبه إخواني لهذا الموضوع؛ ما هي الوسائل التي تحقق السعادة والحياة الطيبة فعلًا؟ لأن الشيطان أحد مصائده الكبرى أن يزين لك طرق الشقاء لتظهر في عينيك أنها طرق السعادة. إحدى حبائل الشيطان أنه يزين لك طرق الشقاء والتعاسة ليوهمك أنها طرق السعادة، فأنت تسلك طريق المعاصي والذنوب أو الفتور والملل أو كثرة إضاعة الأوقات أمام الشاشات؛ تسلك الطرق هذه وقد زينها الشيطان في عينيك، ويحاول أن يهمس في أذنيك أنك ستجد السعادة في هذه، ثم بعد مرور مشوار الحياة وطولها تجد أنك لم تحصل إلا السراب، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39]، وجدت أنك ضيعت حياتك وأعمارك ولم تسلك الطرق الحقيقية التي توصل للسعادة.

ومما نفهمه أهل الإسلام أن السعادة ليست كما يفهمها الغرب الماديون. ففي المفهوم الغربي المادي، السعادة هي سعادة الفرد في الحياة الدنيا فقط؛ أن تحصل كل ما تريد من الشهوات والرغبات. لكننا أهل الإسلام نمتاز، فنحن نعرف أن السعادة يمتد أفقها إلى الدار الآخرة، وأن أعلى أنواع السعادات هي أن أصل إلى الله بنجاح حتى أدخل جنة الخلد التي هي قمة السعادة. وبالتالي فهم المؤمن للسعادة يختلف تمامًا عن فهم الكافر والملحد والإنسان المادي؛ لأن بعض الناس هو مسلم بالشكل، لكن مضمونه وقلبه هو إنسان مادي، هو لا يؤمن بالسعادة إلا في مفهومها الدنيوي القاصر الذي لا يزيد على تلبية رغبات النفس وملذاتها وشهواتها.

لماذا يمتنع كثير من الشباب عن ترك المحرمات؟ لماذا لما تحاول أن تغض بصرك أو تمتنع عن رؤية الحرام تجد أن نفسك تمانعك؟ لأن النفس لقنها الشيطان واعتادت أن السعادة إنما تحصلها بهذه الطريقة. فعليك أن تعيد برمجة مفهوم السعادة في النفس؛ لأنك لن تستطيع أن تمنع نفسك عن الحرام وتغض طرفك عن الحرام وتحبس لسانك عن الحرام وتحبس أذنك عن الحرام إلا إذا أعدت تعريف السعادة. السعادة ليست بما تهواه النفس وترغبها، السعادة بما يأتي به الوحي ويفرضه الله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، الذي خلقك في أحسن تقويم ويعلم كل طرائق الإنسان وما يصلحه وما يفسده.

الوحي الإلهي هو الذي رسم لك مساحة السعادة، فأخبرك بالطرق التي إذا سلكتها وصلت إليها، ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. فالشريعة رسمت ملامح السعادة في منطقة التشريعات، وحتى في مساحة المباحات؛ الشريعة تعترف أن هناك سعادة للإنسان بممارسة المنكوحات وتناول المطعومات والمشروبات، فأعطت لك كمية السعادة التي تكفيك في الحياة الدنيا لتصل إلى ما تريده، وأرادت أن توجهك إلى السعادة العظمى التي تنتظرك عند الله، وأن تلك السعادة هي التي يجب أن تبذل لها وتعلي من شأنها، وأن عليك أن تتقلل من رغبات النفس وشهواتها حتى تصل إلى تلك السعادة الأبدية.

هذا كله ما يسمى أن نفهم السعادة من مفهوم الوحي الإلهي وليس من مفهوم الحياة المادية المعاصرة، وأن نفهم سبل السعادة في ثنايا الكتاب والسنة. هذه الفكرة هي التي أراد الشيخ السعدي، عبد الرحمن بن ناصر السعدي عليه رحمة الله، أن يدندن حولها في هذه الرسالة اللطيفة الخفيفة التي هي وريقات، سماها "الوسائل المفيدة للحياة السعيدة". أراد فيها أن ينبه الشباب والجيل والأمة إلى ضرورة سلوك الوسائل والطرق المرعية المعتبرة التي دلت عليها النصوص للوصول إلى السعادة، وأن من لم يسلك هذه الطرق وبحث عن السعادة من غير مسالكها فإنه يصل إلى الشقاء. فنسأل الله عز وجل أن يفقهنا ويبصرنا ويعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي له الحمد كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وبارك. أما بعد، قال رحمه الله: "فإن راحة القلب وسروره وزوال همومه وغمومه هو المطلب لكل أحد، وبه تحصل الحياة الطيبة ويتم السرور والابتهاج، ولذلك أسباب دينية وأسباب طبيعية وأسباب عملية، ولا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين".

إذاً راحة القلب وسروره وزوال الهموم والغموم والتعاسة هذا مطلب الناس جميعاً، وهذه أشار إليها أيضاً ابن حزم في كتابه "مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق" أن الكل يبحث عن السعادة. قال: فتشت عن مطلب تشترك فيه البشرية، فالمطلب الذي تشترك فيه البشرية، مسلمها وكافرها، برها وفاجرها، أن الكل يبحث عن السعادة. ثم قال: "ولذلك"، أي ولهذه السعادة والراحة، أسباب. بعضها أسباب دينية وهذه أساس اكتساب السعادة، وبعضها أسباب طبيعية في طبيعة حياة الإنسان من الطعام والشراب والنوم وما شابه ذلك، أسباب طبيعية في جبلة الإنسان يكتسب بها أيضاً أنواعاً من اللذات والسعادة، وأسباب عملية؛ يعني تقوم أنت بأنشطة معينة وبممارسات معينة تجلب لك السعادة.

إذاً السعادة لها أسباب دينية، ولها أسباب طبيعية في حياة الإنسان تتعلق بطبيعته وجبلته، ولها أسباب عملية من ممارسة أنشطة ومهارات ورحلات وسفرات وأشياء يمكن تجلب لك السعادة. هذه الأسباب الثلاث، الأسباب الدينية والطبيعية والعملية التي تجلب السعادة، لا يمكن أن تجتمع كلها إلا للمؤمن. الكافر قد يحصل على بعض السعادة اللحظية من خلال أسباب السعادة الطبيعية؛ الكافر ممكن يذهب إلى مطعم وفيه طعام شهي ويأكل ويشعر بشيء من السعادة، صحيح، ممكن يشاهد مباراة كرة قدم ويكون متحمساً وكذا ويفوز فريقه ويشعر بالسعادة تمام، ممكن يمارس أنشطة وينجح مشروعه التجاري ويشعر بالسعادة. فالكافر قد يشعر بشيء من السعادة، لكن اكتمال السعادة إنما هو باكتمال أسبابها، وأسبابها لا تكتمل إلا للمؤمن.

قال رحمه الله: "وأما من سواهم، فإنها وإن حصلت لهم من وجه وسبب يجاهد عقلائهم عليه، فاتتهم من وجوه أنفع وأثبت وأحسن حالاً ومآلاً". هؤلاء الكفار وإن كانوا يحصلون أحياناً قدراً من السعادة، فتراهم أنت في قمة سرورهم وهم يمارسون الزنا والفواحش وهم يحققون الرغبات، قد تراهم يحصلون بعد جهد وتعب وحيلة، لكنهم فاتتهم السعادة الكاملة التي هي أنفع وأثبت وأحسن. أنت تريد أنفع السعادة وأثبتها؛ يعني أكثرها ثباتاً، أنا ما أريد سعادة دقيقة أو دقيقتين ويتبعها شقاء، لذلك كان يقول ابن القيم: إن المعاصي ممزوجة بالقبح أثناء تناولها، مورثة للألم بعد تناولها. أنت لما تعصي الله بالنظر للحرام، أنت تريد ماذا؟ سعادة، صح، لكن ما قيمة هذه السعادة أو اللذة أو النشوة خلال دقائق إذا كان سيتبعها ألم وحسرة ونكد وتشعر أنك خبيث النفس؟ ما قيمة هذه السعادة؟ أنت تريد سعادة نافعة، ثابته، حسنة، مستقرة، فعليك أن تأخذ السعادة من بابها.

قال رحمه الله: "ولكني سأذكر برسالة هذه ما يحضرني من الأسباب لهذا المطلب الأعلى الذي يسعى له كل أحد، فمنهم من أصاب كثيراً منها فعاش عيشة هنيئة وحي حياة طيبة، ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء وحي حياة التعساء، ومنهم من هو بين بحسب ما وفق له، والله الموفق والمستعان به على كل خير وعلى دفع كل شر". آمين.

قال رحمه الله: "وأعظم الأسباب لذلك وأصلها وأساسها هو الإيمان والعمل الصالح". قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. إذاً السبب الأول والأعظم للسعادة هي ماذا؟ هي الإيمان والعمل الصالح. من أين أخذنا هذا؟ من كلام ربنا سبحانه، يعني هذه ليست رؤية فيلسوف عاش تجربة معينة فينقلها: "أنني وجدت السعادة في كذا"، لا، أنت تأخذ طريق السعادة مباشرة من القرآن من الوحي الإلهي الذي لا يزيغ ولا يبالغ ولا يخادع، الوحي الإلهي الذي فيه العصمة والصدق. الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فالايمان مع العمل الصالح ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.

أنت تبحث عن الحياة الطيبة، ولذلك سبحان الله بتجربتي واستقرائي أن أهل الإيمان والعمل الصالح، من أصحاب المساجد ومن أصحاب العمل الإسلامي ومن الناس الموفقين على غض أبصارهم عن المحارم، أجد في عيشهم من الهناء والسعادة والتوفيق والاستقرار ما لا أجده في تلك البيوت والفلل التي تدخل عليها أحياناً فترى ما فيها من المشاكل الأسرية والخصومات والنزاعات. أنت ترى البيت من الخارج ببهائه فتعتقد أن البيت حشى سعادة، تقول معقول هذه الفلل وهذه الأنهار وهذه القصور ما فيها سعادة؟ تدخل عليها، والله، فإذا هي مظلمة على أهلها حشيت بالتعاسة والخلافات واختلاف ذات البين وخصومة الرجل مع زوجته والأمراض والكآبة.

وترى ذاك الشاب المحافظ على صلاة الفجر في المسجد والمحافظ على حضور مجالس العلم النافع وبار بوالديه من أهل الخير والصلاح، ربما راتبه لا يتعدى 400 دينار ولكنه في قمة السعادة والاستقرار؛ لأن السعادة شعور، وهذا الشعور يخلقه الله فيك، فعليك أن تطلبه من مالكه وبالطريقة التي ترضي مالك هذا الشعور، وهو الله سبحانه وتعالى. ولذلك كن متيقناً أن ما يجده طالب العلم والمسلم المحافظ على صلواته ودينه والفتاة المحجبة المنتقبة التي قد تلبس السواد في حر الصيف، ما تجده من السعادة في تمسكها بدينها وشرعها ثم من الأنس مع زوجها وأولادها والطمأنينة، من أعظم أنواع السعادات وأحلاها.

وإنما تفوت السعادة في بيوت كثير من المتدينين والملتزمين بقدر تخليهم عن شرع الله أو تفريطهم فيه. إذا أردت أن تنظر تقول: يا شيخ أنا محافظ لكن والله لا أجد السعادة مع زوجتي، أو امرأة محافظة تقول: لا أجد السعادة في بيتي؛ ستجد لو فتشت أن ما ذهب عنها من قدر السعادة إنما هو بقدر تقصيرها أو تقصير زوجها وأولادها في أحكام الدين؛ تقصيرها في القرآن، تقصيرها في صلاة الفجر، تقصيرهم في الطاعات، دخول معاصي جديدة على حياتهم. الحياة تكتئب عندما تعصي الله سبحانه، ففتش نفسك يا أيها المسلم إذا شعرت بزوال حظك من السعادة، ما هي المعصية التي طرأت على حياتي؟ ما هو الخلل الذي بدأ يكثر في هذه الأيام؟ ستجد أن هذا الخلل هو الذي جعلك خبيث النفس. ممكن أنك ما عدت تصلي الفجر في وقتها، ممكن أنك كنت تحافظ على ورد من القرآن ما عدت تقرأ القرآن إلا في الأسبوع أو الأسبوعين، ممكن أنك كنت تحافظ على غض البصر فاستسهلت إطلاق البصر، كنت تحافظ على ألا تنظر على الجوال للحرام، والله صار لي فترة خربانة أموري يا شيخ، عيني تفلت، وهنا ستعرف لن يفوتك من السعادة إلا بقدر تفويتك لما يرضي الله سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله تعالى: "فأخبر تعالى ووعد من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار، وبالجزاء الحسن في هذه الدار وفي دار القرار. وسبب ذلك واضح؛ فإن المؤمنين بالله، الإيمان الصحيح المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والأخلاق والدنيا والآخرة، معهم أصول وأسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور والابتهاج وأسباب القلق والهم والأحزان". هذه قاعدة، يقول المؤمن: لماذا المؤمن هو المتحقق بالسعادة؟ لأن المؤمن عنده من مادة الوحي الإلهي ما يعلمه كيف يستقبل الأمور المفرحة المبهجة، وكيف يستقبل الأمور المحزنة التي تجلب الهموم والغموم، بخلاف الكافر.

الكافر قد يحسن استقبال الأمور المفرحة؛ لو قيل له: جاءك ولد، ارتقيت في الشركة، الكافر أو الفاجر قد يحسن استقبال الأمور المفرحة، لكن أين يفشل؟ في استقبال الأمور المحزنة. الحياة، هل هي دائماً تبتسم؟ الحياة لا تبتسم دوماً، الحياة فيها لقاء وفراق، فيها اقتراب وابتعاد، فيها أولاد يأتون وأولاد يفارقون، الحياة لا تسلم لأحد. فالسعادة المؤمن تكمن في ماذا؟ أن مادة الوحي الإلهي وضعت له أسس وقواعد كيف أستقبل المبهجات وكيف أتعامل مع المحزنات. هذه الأسس والقواعد التي تعلمك كيف تتعامل مع المبهجات والمحزنات تجعلك دائماً في توازن وهدوء، فلا تذهب السعادة عنك بالكلية.

أما الكافر والفاجر فيعرف كيف يستقبل المفرحات، لكن إذا جاءته محزنات وغموم وهموم تنقلب حياته رأساً على عقب. المؤمن الذي ما في عنده "إنا لله وإنا إليه راجعون" وما في عنده قضاء وقدر، هذا بالله عليكم من أين تأتيه السعادة؟ كيف تأتي السعادة لإنسان ما عنده أسس القضاء والقدر ولا يؤمن أن كل شيء بقدر الله، وأن كل شيء لصالح المؤمن، أنه حتى القدر الشر فيه خير بإذن الله؟ الذي لا يملك هذه العقائد يصعب جداً أن يبتسم في الحياة؛ لأنه لا بد أنه سيمرض، لا بد أنه سيفقد، لا بد أنه سيخسر، هي الحياة هكذا، لا بد سيفشل بعض الفشل في الحياة، وكلنا ذاك.

الرجل ما الذي يجعل الإنسان يستقبل المحزنات ويجعلها تنقلب إلى صور من الطمأنينة والسكينة؟ هي مادة الوحي الإلهي. فيقول الشيخ: إن المؤمنين بالله، الإيمان الصالح المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والأخلاق، معهم أصول وأسس من مادة الوحي الإلهي، يتلقون من خلال هذه الأسس ما يفرحهم، ويتلقون بها أيضاً ما يحزنهم.

قال رحمه الله: يتلقون المحاب والمسار بقبول لها وشكر عليها واستعمال لها فيما ينفع، فإذا استعملوها على هذا الوجه أحدث لهم من الابتهاج بها والطمع في بقائها وبركتها ورجاء ثواب الشاكرين أموراً عظيمة تفوق بخيراتها وبركاتها هذه المسرات التي هي ثمراتها.

ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته، وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه، والصبر الجميل لما ليس لهم عنه بد. وبذلك يحصل لهم من آثار المكاره من المقاومات النافعة والتجارب والقوة، ومن الصبر واحتساب الأجر والثواب أمور عظيمة تضمحل معها المكاره وتحل محلها المسار والآمال والطمع في فضل الله وثوابه.

إذاً فالمؤمن حتى وهو يستقبل المكاره؛ لأن مادة الوحي علمته كيف يستقبل الشر الذي يمكن أن يحصل في حياته؛ فالحياة فيها شر، أليس كذلك؟ كيف أتعامل مع هذا المرض، الفقر، السجن، البلاء؟ كل شيء، مادة الوحي الإلهي تعينك على استقبال هذه الشرور، وبالتالي كما قال: إما مقاومتها، وإما التخفيف من آثارها، وإما التعايش معها؛ هكذا تفعل لك مادة الوحي الإلهي.

إذا كنت أستطيع أن أزيله أزيله، وإذا كنت أستطيع أن أقلل من الشر أقلل، وإذا كان مفروضاً ولا بد، مثلاً الله خلقك فيك عيب معين أعرج أو عمى، الشريعة تعلمك كيف تتعامل معه؛ فلا يصبح هذا البلاء تعاسة. اليوم كثير من النساء مع ثقافة الحركات التجميل وعالم المتعة تجد كثير من النساء غير راضيات عن شكلها ومظهرها؛ صحيح بعضهم تقرأ بعض التقارير هناك انتحار؛ لأنه معايير الجمال والتقدم للزواج ارتفعت، فتجد أن الفتاة التي ترى شكلها الذي خلقها الله على هيئته لا تراه عالياً جداً، هل هذه تستطيع أن تدفعها؟ لا تستطيع. هل تستطيع؟ هي خُلقت هكذا، إذا لم تستطع أن تتعايش مع هذا الشكل الذي خُلقت فيه ستقنط، بل بعضهم سينتحر لأنها ترى أنه لا قيمة لها ولا وجود لها في الحياة.

مادة الوحي الإلهي تعينك على استقبال هذا الشر، فيقول: ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكن مقاومته، الشيء الذي يمكن أن أقاومه وأمنعه أشيله. علمنا الإسلام أن ندافع القدر بالقدر، إذا في قدر أستطيع أن أزاحمه وأقاومه أزاحمه بأقدار الله. قال: وتخفيف ما يمكن تخفيفه، إذا قدر لا يمكن أن أرفعه تماماً، لكن يمكن أن أقلل من أثره، أقلل من أثره؛ بعض الأمراض تكون مزمنة، لكن الإسلام يعلمك أن الدواء يمكن أن يخفف ويشرع لك أن تتداوى لتخفف من بعض الآثار، كذلك الصبر الجميل لما ليس له عنه بد؛ اللي هو إيش؟ ما لا يمكن مقاومته ولا يمكن التخفيف منه، يعلمك الإسلام كيف الصبر الجميل اللي نحن بنسميه التعايش مع هذا القدر الذي فرضه الله عليك، وبذلك يحصل لهم من آثار المكاره من المقاومات النافعة -بتصير عندك أنت مقاومة- والتجارب والقوة، ومن الصبر والاحتساب والأجر والثواب أمور عظيمة.

فالمؤمن وهو يقاوم البلاء يكتسب خبرات جديدة، يكتسب قوة شخصية؛ انظروا بعض الناس المبتلين كيف نجحوا في الحياة وقاوموا، تجد فعلاً في تجارب ناجحة لأناس قاوموا بلاءهم وتعايشوا معه وساعدوا. بينما تجد شاباً ما عنده بلاء حقيقي بس مشكلته أنه كان خاطب فتاة وتركته والدنيا قائمة قاعدة عنده ولا يعيش ولا يأكل؛ سبحان الله تتعجب بعض الناس بلاؤها شديد وعندها قدرة على التعايش معه وصناعة النجاح، وبعض الناس لما تجي تسمع بلاءه تضحك عليه وتقول: يا أخي أنت شو مشكلتك؟ تجد مشكلة بسيطة جداً هو مش عارف يتعايش معها ونكدت عليه كل معيشته؛ ففرق بين المؤمن وبين من لا يعرف معالم الصلاح والفلاح من الكتاب والسنة.

قال رحمه الله: كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا في الحديث الصحيح أنه قال: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». فأخبر صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يتضاعف غنمه وخيره وثمرة أعماله في كل ما يطرقه من السرور والمكاره، فأنت طرقك سرور أو طرقك مكروه أنت مطمئن. شوف هي الحياة السعيدة اللي يا إخوان ما عنده قضاء وقدر ما عنده إيمان يبقى خائف من المستقبل؛ وجل أنه أنا الآن سعيد بس ما بعرف بكرة ماذا سيحصل مع أبنائي، سيبقى يحسب كل شيء بخلاف المؤمن اللي هو يقول لهذه الحياة: سواء كان المستقبل أشياء مسرة أو كان المستقبل أشياء محزنة أنا سأستطيع أتعامل مع كلا الحالتين. شوف هذا الإيمان وكيف أنك أنت مش خايف من المستقبل، شو بده يكون في المستقبل؟ مهما كان أنت قادر أن تتعايش وتستقبله بعقيدة القضاء والقدر وعقيدة الإيمان بالله سبحانه والعمل الصالح.

ولذلك قال رحمه الله: لهذا تجد اثنين تطرقهما نائبة من نوائب الخير أو الشر فيتفاوتان تفاوتاً عظيماً في تلقيها؛ وذلك بحسب تفاوتهم في الإيمان والعمل الصالح. تجد اثنين نفس البلاء، هذا فزع وجزع يبكي ليلاً ونهاراً، وذاك حامد ذاكر شاكر صابر على ما رزقه الله سبحانه وتعالى؛ عجب عجاب هذه الدنيا. سواء في غرف المرضى هذا مريض سرطان وهذا مريض سرطان، هذا ذاكر مخبت مقبل على الله وذاك جزع خائف يبكي، في غرف السجون هذا سجين وهذا سجين، ذاك متوتر وخايف والدنيا قائمة قاعد عنده وجزع وذاك صابر ومحتسب ومتحمل، وبالعكس بتلاقيه بينتج ويذكر الله مبسوط وبيضحك وهو مسجون. شيخ الإسلام لما كان في سجنه كان يقول: وإنه لتمر عليّ ساعات أقول لو كان أهل الجنة فيما أنا فيه بذلك نعيماً؛ يعني هو في السجن عم بتمر عليه ساعات يشعر أنه هي الساعات لو كان مثلها في الجنة لكفى بها نعيماً. معقول واحد في السجن تمر عليه ساعات يعتقد أنها من الجنة؟ هذا هو الإيمان والعمل الصالح عندما يرسخ في قلب الإنسان يجعل منك إنساناً مذهلاً.

كذلك إخوانكم المرابطون في غزة وفي غيرها، ما الذي يجعل الإنسان يقاوم هذه المقاومة ويرابط هذه المرابطة؟ ما الذي يجعله أنه هو سعيد حتى وهو يقاتل؟ يعني هو ماشي ربما فقد أهله وعشيرته وقُصف بيته ولم يبقَ شيء، لكن في النهاية هناك لذة وسعادة هي لذة أنك تعمل لدين الله وترابط على ثغور المسلمين، وأنه حياتي ذات قيمة وذات معنى؛ تجعلك حتى وأنت تحت أزيز الطائرات وصوت المدافع تشعر أنه في نوع من الأنس، نوع من السعادة؛ ولذلك تسمع في قصصهم وأخبارهم وأحوالهم ما تجد فيه العجب العجاب وهكذا.

قال رحمه الله: وهذا الموصوف بهذين الوصفين يتلقى الخير والشر بما ذكرناه من الشكر والصبر وما يتبعهما فيحدث له السرور والابتهاج وزوال الهم والغم والقلق وضيق الصدر وشقاء الحياة، وتتم له الحياة الطيبة في هذه الدار. والآخر يتلقى المحاب بأشر وبطر وطغيان، فتنحرف أخلاقه؛ الفاجر غير المتدين كيف يتلقى المحاب؟ بأشر، بنوع من الكبر والبطر على الناس والطغيان والشعور أنه مستحق لهذا، أنه أنا أستحق هذه النعم، أنا أستحق هذه الثروة؛ يشعر بالاستحقاق وليس بالشكر لله.

قال رحمه الله: فتنحرف أخلاقه ويتلقاها كما تتلقاها البهائم بجشع وهلع، ومع ذلك فإنه غير مستريح القلب بل مشتت من جهات عديدة؛ مشتت من جهة خوفه من زوال محبوباته، ومن كثرة المعارضات الناشئة عنها غالباً. فالكافر والفاجر وهو يتلقى المحبوبات -الراتب العالي، السيارة الفارهة- أولاً فيه نوع من الجشع، يعني هو مقبل عليها كما تقبل الحيوانات على فرائسها بجشع وطمع، ثم هو وهو يتناول هذه المحبوبات هو مش مستريح؛ ليه؟ لأنه هو خائف من المستقبل ويدرك أن هذه النعمة قابلة أن تزول في أي لحظة، فهو يتناولها بجشع ويخشى من فواتها في المستقبل فلا يوجد استقرار حياتي حقيقي.

قال رحمه الله: ومن جهة أن النفوس لا تقف عند حد، بل لا تزال متشوفة لأمور أخرى؛ أيضاً أنه ما عنده قناعة، لو كان لابن آدم وادياً من ذهب أو واديان من ذهب لطلب ثالثاً أو لبتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ فاه إلا التراب. الجشع وعدم القناعة بتخليه دائماً ما يسمى قلق السعي، عنده قلق في السعي دائماً بده يسعى، دائماً بده مال أكثر، طب في مرحلة معينة ممكن تقف فيها وترضى بما عندك وتشتغل بالعبادة والذكر؟ قلق السعي، بعض الناس عنده ثروة لكنه بيشتغل 18 ساعة في اليوم، ليه قلق السعي؟ طب خلِ ليومك لله وأعمال خيرية وتطوعية، أنت ما شاء الله ثري يعني، هل تركت شيئاً لله؟ لا، هو قلق السعي والخوف بدي أكثر خائف أفتقر؛ يجعله هو غير سعيد وإن كان يسكن في أفضل فيلا وأفضل قصر وأفضل معالم.

قال رحمه الله: بل لا تزال متشوفة لأمور أخرى قد تحصل وقد لا تحصل، وإن حصلت على الفرض والتقدير فهو أيضاً قلق من الجهات المذكورة. قال رحمه الله: ويتلقى المكاره بقلق وجزع وخوف وضجر، فلا تسأل عما يحدث له من شقاء الحياة ومن الأمراض الفكرية والعصبية ومن الخوف الذي قد يصل به إلى أسوأ الحالات وأفضع المزعجات؛ لأنه لا يرجو ثواباً ولا صبر عنده يسليه ويهون عليه، وكل هذا مشاهد بالتجربة. ومثل واحد من هذا النوع إذا تدبرته ونزلته على أحوال الناس، رأيت الفرق العظيم بين المؤمن العامل بمقتضى إيمانه وبين من لم يكن كذلك؛ وهو أن الدين يحث غاية الحث على القناعة برزق الله وبما آتى العباد من فضله وكرمه المتنوع. فالمؤمن إذا ابتلي بمرض أو فقر أو نحوه من الأعراض التي كل أحد عرضة لها، فإنه بإيمانه وبما عنده من القناعة ورضا بما قسم الله له تجده قرير العين، لا يتطلب بقلبه أمراً لم يقدر له، ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، وربما زادت بهجته وسروره وراحته على من هو متحصل على جميع المطالب الدنيوية إذا لم يؤتَ القناعة.

هكذا كان يربي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك». شوف هذه القاعدة، لما تصبح عقيدة، هذه القاعدة لما تصبح عقيدة في قلبك، مش فقط مجرد كلام لا، أنت شيء وطنت عليه نفسك؛ كم تستريح في الحياة! الذي جاءني أنا راضٍ به، والذي لم يأتني لم أفزع عليه ولم أحزن، فأنا قنوع بما قسمه الله لي.

قال رحمه الله: كما تجد هذا الذي ليس عنده عمل بمقتضى الإيمان إذا ابتلي بشيء من الفقر أو فقد بعض المطالب الدنيوية تجده في غاية التعاسة والشقاء. ومثل آخر إذا حدثت أسباب الخوف وألمت بالإنسان المزعجات؛ تجده صحيح الإيمان ثابت القلب مطمئن النفس، متمكناً من تدبيره وتسييره لهذا الأمر الذي دهمه بما هو في وسعه من فكر وقول وعمل، قد وطن نفسه لهذا المزعج الملم. وهذه أحوال تريح الإنسان وتثبت فؤاده، كما تجد فاقد الإيمان بعكس هذه الحال؛ إذا وقعت المخاوف انزعج لها ضميره وتوترت أعصابه وتشتتت أفكاره وداخله الخوف والرعب واجتمع عليه الخوف الخارجي والقلق الباطني الذي لا يمكن التعبير عن كنهه. وهذا النوع من الناس إن لم يحصل لهم بعض الأسباب الطبيعية التي تحتاج إلى تمرين كثير؛ انهارت قواهم وتوترت أعصابهم، وذلك لفقد الإيمان الذي يحمل على الصبر خصوصاً في المحال الحرجة والأحوال المحزنة المزعجة.

أكيد، خاصة إخواني في النكبات والحروب وما شابه ذلك، على المؤمن أن يعد نفسه؛ فإن الذي لا يملك رصيداً كافياً من الإيمان لن يستطيع أن يتعامل مع الأزمات والنكبات. يعني أذكر قرأت قبل فترة أحد طلاب الثانوية العامة، أقول هذا أنه أضحكني في الأردن؛ قاموا يعملون معه مقابلة بعد امتحانات الثانوية قبل يومين ثلاثة، فيقول يشكو أنه قال: لم أستطع الدراسة جيداً. ليه؟ قال: الصواريخ كانت تأتي من إيران على إسرائيل. طب أنت يا أخي يعني أنت هل زارتك في بيتك؟ هذا بس كنت تسمع أنت صفارة الإنذار، كنت تجزع وتهلع وتصاب! هذا كيف لو نزل الصاروخ عندك؟ لأن بعض الناس إخواني هو فعلاً ضعيف لدرجة أنه فقط إذا سمع بالحرب قبل أن تدق طبولها يهرع ويجزع ويفزع؛ لأنه ما في إيمان يعبئ، يخشى من فوات الدنيا. وفي المقابل تجد المؤمن يستقبلها، لا أقول لن تبلغ القلوب الحناجر لأنها بلغت عند الصحابة، لكن يحسن التعامل مع حال الخوف بحيث لا يجعله يعطل حواسه وتركيزه وتفكيره وما شابه ذلك؛ فلا ينجز ولا يقدم في الحياة.

فرق بين إنسان يحسن التعامل كما قال السعدي في المحال الحرجة ويحسن سياسة المشاعر وقيادتها ولا يجعل التوتر والقلق شللاً في الحياة؛ بعض الناس مجرد امتحان يمكن يعمل له شلل في الحياة لمدة شهرين. بعض الناس ممكن حتى في الثانوية العامة والامتحانات عادي يتعايش مع الناس ويبتسم، يعني الظروف والأحوال الحرجة لا تسبب له شللاً في الحياة. ما الذي يجعلني إنساناً ناجحاً في إدارة الأزمات؟ الإيمان، الإيمان والقضاء والقدر والقناعة والرضا وعدم الاهتمام بماذا سيحصل؛ خلص أنا أخذت ما أستطيع أن أفعله، أتى هذا ولا أتى هذا أنا ما أنا حزين لأنني راضٍ عن ربي، راضٍ بما قسمه ربي لي؛ هذه العقيدة العظيمة.

قال رحمه الله: فالبر والفاجر والمؤمن والكافر يشتركان في جلب الشجاعة الاكتسابية، وفي الغريزة التي تلطف المخاوف وتهونها، ولكن يتميز المؤمن بقوة إيمانه وصبره وتوكله على الله واعتماده عليه واحتسابه لثوابه، أمور تزداد بها شجاعته وتخفف عنه وطأة الخوف وتهون عليه المصاعب، كما قال الله تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104].

فالكفار والفجار يحاولون استحضار الشجاعة بالتأكيد، وإلا لم يخوضوا هذه الحروب معنا؛ فالكافر هناك شجاعة مكتسبة يحاول أن يستحضرها في المعارك والأزمات. وهناك الغريزة التي تلطف المخاوف، فالكافر يحاول دائماً، ألا تلاقي عند رؤوس الكفار لما يتعاملوا مع جيشهم، يحاولوا فعل الروح المعنوية للجيش، حتى اليوم الجيش الصهيوني وهو يقاتل في غزة، أحياناً تجد رئيس الجيش يحاول يرفع الروح المعنوية، وهي ما نسميها اليوم محاولة استحضار الشجاعة، محاولة أن يقنع جيشه أن يخوض هذه المعركة وأن يقاتل، وأن الخوف الذي يدخل عليكم من ضربات المقاومين يجب ألا يمنعكم من القتال، هذا ما يسميه جلب الشجاعة الاكتسابية.

قالوا وفي الغريزة التي تلطف المخاوف، يجيئون بأطباء نفسيين يحاولوا إقناع الجنود أنه لا، الأمور سهلة وطيبة وأنت تستطيع وأنت أقوى، يشتغل على الغريزة والأمور النفسية. أما المؤمن، ليس فقط نحن نشتغل على الغريزة والأمور، أنا عندي إيمان، عندي شيء أعلى مما عند هؤلاء الكفار، أنا عندي إيمان يجعل مستوى الشجاعة عند المؤمن يربو بأضعاف عن مستوى الشجاعة عند الكافر، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104]. تشعرون بالألم بالمعنى العام، تشعرون بالخوف، تشعرون بالقلق أيضاً، فإنهم يألمون كما تألمون، هم أيضاً يخافون ويقلقون، لكنكم ترجون من الله، هذا الرجاء يجعلنا أكثر ثباتاً مع أننا نكون في قلق أحياناً، قد تكون أنت خائف، شيء طبيعي، لكن رجاءك من الله الثواب، عنصر ثبات لك في أوقات الأزمات.

قال رحمه الله: ويحصل لهم من معونة الله ومعينه الخاص ومدده ما يبعثر المخاوف، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. ومن الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف، وكلها خير وإحسان. السبب الثاني بعد أن ذكر الإيمان والعمل الصالح، سيذكر مجموعة من الأسباب تزيح الهم والغم والقلق عن حياتك، الإحسان إلى الخلق. الذي يحسن إلى الناس الله سبحانه وتعالى يعامله ويكافئه من جنس عمله، كما أحسنت إلى الناس الله يحسن إليك، فإذا أنت رفعت الهم والغم عن إخوانك، يسخر الله لك في لحظات بلائك من يرفع الهم والغم عنك، من يمسح دمعة يتيم، ومن يعين ملهوفاً، ومن يواسي شخصاً مصاباً. الجزاء من جنس العمل، يسخر الله لك من جنود السماوات والأرض من يرفع عنك الهم والغم عندما ينزل بك البلاء ويحل بك اللأواء.

قال رحمه الله: الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف وكلها خير وإحسان، وبها يدفع الله عن البر والفاجر الهموم والغموم بحسبها. ولكن الفاجر الله يدفع عنه بعض الهموم والغموم بسبب أعماله الصالحة، رجل فاجر لكن مثلاً بار بوالديه، بسبب بره بوالديه يدفع الله عنه بعض الشرور والهموم والغموم، الله يكافئ وهو عدل سبحانه.

قال رحمه الله: ولكن للمؤمن منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص واحتساب لثوابه فيهون الله عليه بذل المعروف لما يرجوه من الخير، ويدفع عنه المكاره بإخلاصه واحتسابه، قال تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. فأخبر تعالى أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت عنه، والخير يجلب الخير ويدفع الشر، وأن المؤمن المحتسب يؤتيه الله أجراً عظيماً، ومن جملة الأجر العظيم زوال الهم والغم والأكدار ونحوها.

قال رحمه الله تعالى: ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب واشتغال القلب ببعض المكدرات الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة. نعم، من أيضاً من أسباب دفع الهم والغم أنك إذا أصبت بهماً أو بغم لا تستسلم له. يقول لك الشيخ السعدي: إذا أنت ابتليت بهماً أو غم لا تبقَ جالساً فارغاً تفكر بهمك، حاول أن تطرده من خلال الاشتغال بعمل نافع. بعض الناس يبتلى بشيء أو بفقر في مال أو بفقد أو ما شابه ذلك من البلايا، من الخطأ أن يستسلم للفراغ ويقتله التفكير، حاول أن تفعل شيئاً نافعاً في لحظات الهموم والغموم، اذهب اعمل عملاً خيرياً، اطلب علماً نافعاً، تصفح كتاباً، احضر محاضرة، اخرج مع إخوانك لأي شيء، لا تبقَ حبيس الأفكار. سبحان الله، الإنسان لما يكون عنده بلاء ويبقى يفكر، هذه الأفكار تقتل همتك وتمرضك وتتعبك، حاول أن تشغل نفسك بأي نشاط مع إخوانك أو زملائك، هذا النشاط بإذن الله ينسيك ويشغلك، ما رح أقول إنه سيذهب الهم والغم تماماً، لكن على الأقل يخفف من شدة التوتر والقلق التي تمر بها، ولعل الوقت يمضي سريعاً، فإذا بها البلية تزول والغم يرتفع.

قال رحمه الله: فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه، وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه وزاد نشاطه. وهذا السبب أيضاً مشترك بين المؤمن وغيره، ولكن المؤمن يمتاز به، يعني كذلك الفاجر يمكن أن يستعمل هذه الآلية، أنه عند البلاء اشتغل بشيء نافع فانسى، هذه وسيلة ممكن يستعملها المؤمن والفاجر، ولكن المؤمن يمتاز بماذا في هذه الوسيلة؟

قال رحمه الله: يمتاز بإيمانه وإخلاصه واحتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه، وبعمل الخير الذي يعمله، إن كان عبادة فهو عبادة، وإن كان شغلاً دنيوياً أو عادة دنيوية، أصحبها النية الصالحة وقصد الاستعانة بذلك على طاعة الله، فلذلك أثره الفعال في دفع الهموم والغموم والأحزان. فكم من إنسان ابتلي بالقلق وملازمة الأكدار فأحلت به الأمراض المتنوعة، فصار دواؤه الناجع نسيانه السبب الذي كدره وأقلقه واشتغاله بعمل من مهماته، وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس وتشتاقه، فإن هذا أدعى لحصول هذا المقصود النافع، والله أعلم.

جميل، إذاً يقول كم من إنسان حلت به بلية ومصيبة، مثلاً كان إنسان مسجون، وفي السجن صنف من الكتب والرسائل والمصنفات ما أنسته سجنه وهمه، لما كان أشغل فترة السجن بمؤلفات ومصنفات وكتابة وتحرير، الوقت سيمر سيمر، لكنه بدل من أن يفكر في قضبان السجن متى ستفتح، حاول أن يطرد هذا الكابوس عنه من خلال القراءة النافعة. وهذه دائماً ما ينصح به السجين، أنه أنت إذا سجنت، إذا بدك تبقى تنظر متى سيفتح الباب ستجن؛ لأنه الشيطان سيبقى يضغط على دقيقة ودقيقتين وثلاث وأربع، طيب الموضوع بجوز بده سنة وسنتين، ستجن بالمعنى الحقيقي، فالحل في هذه اللحظات أنك تشتغل بشيء آخر، لا تفكر متى سيأتي السجان يفتح لك باب السجن، فكر بالقرآن، حاول أن تشتغل في معاني سورة معينة تشتغل بها. والله إذا سخر لك كتاب خذ كتاباً واقرأ وتعلم واستفد، حتى تمر هذه الساعات التي ستمر جبراً عنك، فلا حل إلا أن تعمل، اعمل برنامجاً لقيام الليل، أذكار الصباح والمساء، تعلم الشاب المسلم هذه الآليات. السجن يمكن أن يمر به أي شخص منكم، هذه التجربة أو القهر أو مرحلة من مراحل البلاء أو أي سبب من الأسباب القاهرة، فعليك أن تحسن التعامل مع مثل هذه الأزمات.

قال رحمه الله: وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس. يعني النشاط الذي تمارسه في ساعة البلاء ما يكون نشاطاً لا تحبه النفس، يعني واحد يحب الرياضة، فالنشاط في ساعة البلاء بقول مش تخليه الرياضة؛ لأنه ذهنك لا يحبها، فأنت تزداد هماً على هم به، خليه نشاطاً أنت تحبه؛ لأن النشاط الذي يحب الإنسان ممارسته يكون أكثر إقبالاً عليه.

قال رحمه الله: ومما يدفع به الهم والقلق اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل وعن الحزن على الوقت الماضي، ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن. من وسائل السعادة أيضاً، قال ومن ما يدفع الهم والقلق، أيضاً من وسائل السعادة أنك تفكر بيومك، تفكر بيومك، لا تبقى متخوفاً من المستقبل، والله بعد خمس سنوات إيش حال الاقتصاد في بلادنا، طيب بعد عشر سنوات كيف راح يكون شكل أولادي وأبنائي، طيب افرض واحد يوم مرض بعد عشر سنوات، يا أخي أنت إيش بدك في المستقبل وماذا سيحصل في أولادك وأشغالك وأعمالك، اشتغل ضمن ظرف الممكن؛ فلعلك لا تعيش بعد يومك، مش هكذا كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وهكذا كان الصحابة يقول: إذا أصبحت لا تنتظر المساء، وإذا أمسيت لا تنتظر الصباح، ما تبقى شايل هم الأمة، بمعنى أقصى تشايل هماً سيحصل في الأمة بعد 30 أو 40 سنة، وتبقى مهموم وقلق، وأولادي بعد ما أموت كيف بدهم يعيشوا، والأوضاع الاقتصادية والأزمات السياسية، هذه الطريقة في التفكير لن تجعلك تعيش، بل سيقتلك همك وغمك. اشتغل كما يقول الشيخ السعدي في حاضرك، ما بين يديك، وإن غداً لناظره قريب.

قال رحمه الله: فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جده واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن الهم والحزن. والنبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله، والتخلي عما كان يدعو لدفعه، لأن الدعاء مقارن للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده ويستعينه على ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله ما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان. فجمع صلى الله عليه وسلم بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال والاستعانة بالله وعدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار، وبين الاستسلام للأمور الماضية النافذة ومشاهدة قضاء الله وقدره.

قال: احرص على ما ينفعك، الحرص في كل وقت أن تفعل عملاً نافعاً، والحرص على ما ينفعك يحتاج إلى أن يعينك الله على أن تحرص على ما ينفعك، فأمر بالاستعانة بالله، ثم قال: وجمع بين الاستسلام للقدر، وإذا أصابك شيء على خلاف ما ينفعك ورأيت فيه ما يضرك، فاستسلم لقضاء الله وقدره، بهذه القواعد الثلاث، حرص الإنسان على ما ينفعه والاستعانة بالله على تحصيل هذا النفع واستسلامه لما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، يكون في ذلك اكتمال السعادة وذهاب الهموم والغموم.

قال رحمه الله: وجعل الأمور قسمين، قسماً يمكن العبد السعي في تحصيله أو تحصيل ما يمكن منه أو دفعه أو تخفيفه، فهذا يبدي فيه العبد مجهوده ويستعين بمعبوده، وقسماً لا يمكن فيه ذلك، فهذا يطمئن له العبد ويرضى ويسلم، ولا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور وزوال الهم والغم. كما قلنا الحياة فيها أمور قدرية مفروضة لا تستطيع أن تغيرها فهذا بابها الرضا عن الله، وهناك أمور يمكن تغييرها ومدافعتها فهذه عليك أن تحرص فيها على ما ينفعك وتستعين بالله، لذلك قال: احرص على ما ينفعك، هذا فيما يمكنك السعي فيه، وإن أصابك شيء، فلا تقل، هذا فيما نزل عليك من القدر ولا يمكن دفعه فعليك أن تتلقاه بالتسليم.

قال رحمه الله: ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله، فإن لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته. نعم، هذا السلاح، سلاح الذكر، لا يوجد عند الكفار ولا عند الفجار، هذا السلاح من أسباب السعادة، من أسباب الهناء، أنك سبحان الله والله تجد الإنسان يكون مهموماً في قمة الغم والضيق يقول لا إله إلا الله من قلبه، تجد أن كل هذه الغموم التي كادت تقتله ترتفع أو على الأقل يقل أثرها، فهذا سحر أو شيء عجيب أودعه الله سبحانه وتعالى في الذكر والذاكرين الله كثيراً، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وهذا من أعظم أسباب طرد الهم والغم أن تجلس تذكر الله عز وجل في لحظة البلاء والشدة، فيحقق لك من زوال الهموم والغموم ما لا يحصله غيره، وذلك الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أجعل لك من صلاتي؟ فذكر مراتب ثم قال: أجعل لك صلاتي كلها، قال: «إذاً تُكفى همك وتقضى حاجتك». يعني لو أن كل دعائك كان صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وثناء عليه، الله عز وجل يقضي لك أو يرفع عنك الهم ويقضي لك الحوائج، فالذكر وما فيه من.

المنافع والآثار على النفس والقلب هذا يحتاج إلى محاضرة، وانظر في كلام ابن القيم في كتابه "الكلم الطيب" وغيره من العلماء الذين صنفوا في فوائد الذكر وآثاره على حياة الإنسان.

قال رحمه الله: فإن لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته وزوال همه وغمّه. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فللذكر أثر عظيم في حصول هذا المطلوب، لخاصيته ولما يرجوه العبد من ثوابه وأجره.

وكذلك التحدث بنعم الله الظاهرة والباطنة؛ فإن معرفتها والتحدث بها يدفع الله به الهم والغم، ويحث العبد على الشكر الذي هو أرفع المراتب وأعلاها. حتى ولو كان العبد في حالة فقر أو مرض أو غيرهما من أنواع البلايا، فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه التي لا يحصى لها عد ولا حساب وبين ما أصابه من مكروه؛ لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة، بل المكروه.

أيضاً من أسباب دفع الهموم والغموم هو أن تستحضر نعمة الله عليك. فالإنسان للأسف ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51]؛ الإنسان مجرد بلاء يسير يصيبه ينسى كل نعم الله التي أنعم بها عليه من العافية في البدن، وربما حسن النسب، وربما حسن التعلم الشرعي، وربما الوالد والوالدة. لا تجعل بلاءً صغيراً ينسيك آلاف النعم التي أنت مغمور فيها، لا تجعل بعض التنكدات في الحياة تجعلك تنسى أعظم نعمة أنعم الله بها عليك وهي أنك مسلم. ماشي، الله يبتليك، لكن يبتليك وأنت مسلم، وكم من إنسان يبتليه ربك وهو كافر خسر الدنيا والآخرة. والله أعظم نعمة أنك تبتلى ولكنك مسلم، إن هذا البلاء في نتيجته شيء يرجى أن تعوض به، أعظم المصائب أن تبتلى وأنت كافر؛ فلا أنت في الدنيا فَلَحْتَ، ولا في الآخرة كسبت، فالحمد لله على نعمة الإسلام وأي نعمة بها من نعمة.

قال رحمه الله: بل المكروه والمصائب إذا ابتلى الله بها العبد وأدى فيها وظيفة الصبر والرضا والتسليم هانت وطأتها وخفّت مؤنتها، وكان تأميل العبد لأجرها وثوابها وتعبد لله بالقيام بوظيفة الصبر والرضا يجعل الأشياء المرة حلوة، فتنسيه حلاوة أجرها مرارة صبرها.

قال: ومن أنفع الأشياء في هذا الموضع استعمال ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حيث قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».

هكذا النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أساليب تعيننا على دفع الهم والغم، فيقول لك: إذا لما تبتلى ببلاء انظر إلى من هو أشد بلاءً منك. ﴿انظُرُوا إِلَىٰ مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي من هو أشد بلاءً منك؛ فإنك إذا نظرت لمن هو أسفل منك ولم تنظر إلى من هو فوقك فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. شوف النبي عليه الصلاة والسلام كيف يعلمك آلية حتى تخفف من مشاعر القلق. والله دخلك محدود؟ في ناس لا تجد طعاماً. فقدت ولداً؟ في ناس فقدت كل عائلتها. إلى الآن لم أجد عملاً؟ لكنك تأكل وتشرب وأمورك مستقرة، في ناس لا تجد عملاً ولا تجد طعاماً. الوظيفة تأخرت علي؟ في ناس مصيبتها أكبر من مصيبتك، دائماً في باب المصائب انظر إلى من هو أسوأ حالاً منك فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم.

قال رحمه الله: فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل رآه يفوق جمعاً كثيراً من الخلق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه مهما بلغت به الحال؛ فيزول قلقه وهمّه وغمّه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها. وكلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية رأى ربه قد أعطاه خيراً كثيراً ودفع عنه شروراً متعددة، ولا شك أن هذا يدفع الهموم والغموم ويوجب الفرح والسرور.

قال رحمه الله: ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال، وأن ذلك حمق وجنون.

هذه قاعدة من أنفع القواعد في طرد الهموم والغموم، وهو أن الإنسان عليه أن يسعى إلى إزالة الأسباب الجالبة للهم. أحياناً تُصاب أنت في مرحلة من مراحل حياتك ببلاء، وهذا البلاء قد يكون بسبب تقصير منك نوعاً ما أو عدم كمال رعاية أو ما شابه ذلك. امرأة قبل فترة تراسلني تقول أنها فقدت ابنها في حادث سير أمامها، وتشعر أنها قصرت قليلاً في رعايته؛ يعني هي تشعر أنها كان بإمكانها أن تكون أكثر احتياطاً، فهي تعيش اكتئاباً منذ سنوات بسبب هذه الحادثة، تبقى تستحضر صورة ابنها وهو يُدهس بالسيارة. حقيقةً كثير من الناس عنده مثل هذه القضايا لكن بأشكال متعددة؛ شخص مثلاً تأخر في أخذ والده للمستشفى وسبب ذلك أن ربنا عز وجل قبض روح والده، فيبقى يستذكر تلك الواقعة ويصبح يعض أصابع الندم: يا ليتني استعجلت.

الشيخ السعدي يقول لك: لمرحلة معينة عليك أن تنسى أسباب الهم، يعني لا تبقى تعيد الذكريات السلبية في حياتك. من أعاد استحضار اللحظات السلبية هو كجرح، هذا الجرح كلما حاول أن يندمل باستحضارك إياه نكأته، فتعود للألم من جديد، ثم حاول الجرح أن يندمل، فما كاد أن ينسى إلا وأنت تعيد فتحه مرة أخرى وهكذا. فعلينا أن ننتبه إخواني، مهم جداً أن الإنسان يتعود؛ هذه المصائب حصلت وانتهت، ولن تستطيع أن تعيد الماضي حتى لو كان فيه تقصير منك، الماضي حصل وانتهى، لم تستطيع أن تغير وقائع ومجريات قدرها الله، فعود نفسك أن تنسى الماضي ولا تفتح الجروح التي تندمل، وفكر في المستقبل وبتغيير الواقع إلى ما هو أفضل، هذا هو المساحة المتاحة بين يديك.

قال رحمه الله: فيجاهد قلبه عن التفكر فيها، وكذلك يجاهد قلبه عن التفكير لما يستقبله مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته. فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهول ما يقع فيها من خير وشر وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها ودفع مضراتها.

ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره واتكل على ربه في إصلاحه واطمأن إليه في ذلك، إذا فعل ذلك اطمأن قلبه وصلحت أحواله وزال عنه همّه وقلقه. ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر». وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».

إذاً ما يعينك على المستقبل حتى لا تخاف منه هو أن تلتجئ إلى الله بالدعاء والاستعانة بالله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. من استحضر الاستعانة بالله في قلبه فقد التجأ إلى ركن شديد، ومن كان متصوراً دوماً أنه ملتجئ إلى ركن شديد لن يخاف. إذا كنت متصوراً دوماً أنك ملتجئ في قضاء حوائجك إلى الركن الشديد، من استند إلى الله مماذا يخاف؟ فعلاً وهذه قاعدة، من استند إلى الله: «اللهم أسلمت نفسي إليك، وأسندت ظهري إليك». أن تسند ظهرك إلى الله وحياتك وروحك وكل شيء حقاً وصدقاً، لا يمكن أن تسند ظهرك إلى الله والله يتخلى عنك. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. هناك آيات وقواعد عظيمة في الكتاب والسنة تجعلك تثق تماماً أنني إذا استندت إلى الله فلا أخاف من المستقبل مهما كانت النتائج.

قال رحمه الله: فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله الديني والدنيوي بقلب حاضر ونية صادقة مع اجتهاده فيما يحقق ذلك، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همّه فرحاً وسروراً. قال رحمه الله: ومن أنفع الأسباب لزوال القلق والهموم إذا حصل على العبد من النكبات أن يسعى في تخفيفها بأن يقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر ويوطن على ذلك نفسه، فإذا فعل ذلك فليسعَ إلى تخفيف ما يمكن تخفيفه بحسب الإمكان.

يعني إذا ألمّت بك مصيبة وأصبحت آثارها في حياتك، عليك أن تتصور أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر. يعني مثلاً أنت فشلت في التوجيهي، تمام؟ الشباب اللي معنا خايف من هذه المصيبة، ماذا تفعل؟ يقول لك تصور شو أسوأ الاحتمالات، شو أسوأ الاحتمالات اللي ممكن تحدث؟ يعني أبوك يطردك من الدار؟ مش مشكلة. ما هي أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تحصل إذا فشلت في الثانوية العامة؟ تمام، تُطرد، تعيد سنة، يعني أسوأ شيء، ما حدا راح يغتالك، ما حدا راح يقتلك. ما حدا، هي قضية إذا نظرت إلى أسوأ الاحتمالات خلص عرفت أنه أسوأ شيء ممكن يحصل من هذا هو كذا، فأحاول أن أخفف من هذه الآثار. ابدأ من الآن أوطن نفسي أنه إذا خلص رسبت بدي أعيد، بجهز حالي نفسياً للموضوع، إذا الوالد طردني بشوف جارنا نتفاهم معه، ننام عنده هالليلتيّن ثلاث لحتى ربنا يفرجها.

فقال لك تصور أسوأ الاحتمالات، ثم ابدأ من الآن محاولة إيجاد حلول لها. يعني طردت من عمل، إيش أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تحصل؟ أنك تموت من الجوع؟ إن شاء الله ما راح تموت، ما هي والدك موجود وأهلك موجودون وأصحابك، أنك تموت من الجوع ما ممكن. نعم، تجوع لك شهرين ثلاث أربع، ممكن تنتقل من هذا البيت اللي أنت مستأجره ترجع لبيت أهلك، فتصير تحط دائماً أسوأ احتمال ممكن أن يحصل من أي بلاء ثم تحاول أن تعالجه. والله إذا وقع هذا الأسوأ كيف بدي أعالجه؟ حط حلول، حتى لا تبقى، الشيطان سبحان الله له قدرة على أن يجعلك سيال الذهن، ما معنى سيال؟ أنك تشعر أن الأمر فظيع ومخيف وتصير تقلق وتبكي، لأنك يعني طيب اهدأ شوي، حاول.. ما هو إيش أسوأ شيء راح يصير؟ يحاول أن يبقي الموضوع في هلامية في سيولة حتى أنت تبقى خائف، ولو ركزت قليلاً ستعرف أن الأمر لا يستحق كل هذه المساحة من الخوف، فدائما حدد آخر ما يمكن أن يصل إليه هذا البلاء حتى لا تبقى مع خطرات الشيطان وتتابع أفكاره.

قال رحمه الله: فبهذا التوطين وبهذا السعي النافع تزول همومه وغمومه، ويكون بذل ذلك السعي في جلب المنافع وفي دفع المضار الميسورة للعبد. فإذا حلت به أسباب الخوف وأسباب الأسقام وأسباب الفقر والعدم لما يحبه من المحبوبات المتنوعة فليتلقَّ ذلك بطمأنينة وتوطين للنفس عليها، بل على أشد ما يمكن منها، فإن توطين النفس على احتمال المكاره يهونها ويزيل شدتها، وخصوصاً إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره.

وهي فكرة التوطين النفسي التي يشير إليها الشيخ السعدي، أنه عود نفسك أنني قادر أن أتعايش مع البلاء. يعني ليس دائماً عليك أن تتكلم مع النفس أن هذا البلاء سيزول؛ لأنه بعض الناس هو فقط مراهن على أن البلاء سيزول، فإذا استمر البلاء، طب بعد سنتين إيه والله لساته موجود يا شيخ، طب بعد ثلاث، طيب أنتم حكيتوا لنا يا مشايخ أنه راح يزول البلاء. يا أخي أنت وطن نفسك أولاً أنه ممكن يبقى؛ لأنه بعض الناس الفقر بتقول لك الفقر راح يزول، وبعد بيأخذ بعض البرامج في تنمية الذات "سأصبح غنياً، سأصبح كذا"، طيب مش ضابطة يا شيخ سأصبح غنياً بضله يحكي مع نفسه، طيب مش ضابطة. لا، أنت وطن نفسك على هذا القدر وحاول أن تدفع الفقر بما آتاك الله. إقناع النفس أنني يمكن أن أعيش مع البلاء وأن هذا البلاء لو عشت معه لن يهلكني، هذا أول خطوات النجاح، ثم بعد ذلك تحاول أن تدفعه على قدر المستطاع. فأنت إذا لم تستطيع أن تدفعه عم ترجع لأرضية صلبة وهي أنني أصلاً متعايش معه، بخلاف اللي مش متقبل فكرة التعايش مع البلاء، هو فقط مراهن أنه سيزول؛ إذا لم يزل لبعد سنتين ثلاث ربما ينهار، لأنه هو لم يقنع نفسه أنني يمكن أن أتعايش معه.

قال رحمه الله: فيجتمع في حقه توطين النفس مع السعي النافع الذي يشغل عن الاهتمام بالمصائب، ويجاهد نفسه على تجديد قوته المقاومة للمكاره مع اعتماده في ذلك على الله وحسن الثقة به. ولا ريب أن لهذه الأمور فائدتها العظمى في حصول السرور وانشراح الصدور مع ما يؤمله العبد من الثواب العاجل والآجل. وهذا مشاهد مجرب، ووقائعه ممن جربه كثيرة كثيرة جداً.

قال رحمه الله: ومن أعظم العلاجات لأمراض القلب العصبية، بل وأيضاً للأمراض البدنية، قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجذبها الأفكار السيئة، لأن الشيطان الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: 175]. الشيطان ذكي في قدرته على أن يصنع خيالاً ووهمًا، أن يشعرك أنه هذا الموضوع فظيع وأنه الحرب التي ستحصل ستقطعك إرباً ويتقطع الناس، فأنت تبدأ ماذا؟ تبدأ تعيش في دوامة الخيال والأوهام اللي يصنعها الشيطان. فقط: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، فالله يعلمنا ألا نصغي.

لتخويفات الشيطان وتهويلاته لما يمكن أن يحصل، فإن أكثر ما يقوله الشيطان لا يقع، وأكثر ما تخافه لن يحصل؛ وإنما يحصل 10% منه أو 5% منه، أما ما يصوره لك فنادر جداً جداً جداً أن يحصل. هكذا فسفت الشيطان في التعامل.

قال رحمه الله: لأن الإنسان متى استسلم للخيالات وانفعل قلبه للمؤثرات من الخوف من الأمراض وغيرها، ومن الغضب والتشوش من الأسباب المؤلمة، ومن توقع حدوث المكاره وزوال المحاب؛ أوقعه ذلك في الهموم والغموم والأمراض القلبية والبدنية، والانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة. ومتى اعتمد القلب على الله وتوكل عليه ولم يستسلم للأوهام ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله وطمع في فضله؛ اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الأسقام البدنية والقلبية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه.

فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات الفاسدة! وكم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء فضلاً عن الضعفاء. كثير من الناس المرضى النفسيين الذين يراجعون العيادات، أحد أبرز المظاهر عند المرضى النفسيين ما هو؟ التوهمات والتخيلات؛ ولو فيسبب له اكتئاب وحزن وانفعالات نفسية، ولو أنه استطاع أن يزيح هذه التخيلات والأوهام لربما زاحت أكثر علته.

وكم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء فضلاً عن الضعفاء، وكم أدت إلى الحمق والجنون، والمعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب الدافعة لقلقه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، أي كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه. فالمتوكل على الله قوي القلب، لا تؤثر فيه الأوهام ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن يتوكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده فيزول همه وقلقه، ويتبدل عسره يسراً، وتراحه فرحاً، وخوفه أمناً. فنسأله تعالى العافية، وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته وبالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير ودفع كل مكروه وضير، اللهم آمين.

قال رحمه الله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر»، هذا فيه فائدتان عظيمتان في التعامل مع الحياة الزوجية حتى تستطيع أن تسعد بحياتك الزوجية. لا يفرك؛ أي لا يبغض. لا ينبغي للمؤمن أن يبغض زوجته من أجل تصرفات تصدر منها. إن كره منها خلقاً، النبي عليه الصلاة والسلام يعلمك كيف دائماً تنظر للجانب الممتلئ من الكأس؛ هذه الزوجة قد يصدر منها تصرفات سيئة: يوم نسيت تطبخ، يوم نامت عن كي الملابس، يوم معين كانت أخلاقها سيئة معك ولم تتكلم بشكل لبق وجيد. إن كره منها خلقاً، رضي منها آخر؛ يعني دائماً ركز على الجانب الجيد في شخصيتها وحاول أن تنميه.

لكن إذا دوماً بدك تنظر لسلبيات زوجتك كلنا سنطلق؛ من أراد أن ينظر للسلبيات الكل يطلق، لأنه أنت أيضاً فيك سلبيات. وهي ليست فقط نصيحة للزوج، بل هي نصيحة للزوجة أيضاً؛ إذا وجدتِ زوجك اليوم قسى عليك أو تصرف تصرفاً غير لبق أو شدد في أمور، انظري إلى جوانب إيجابية في حياة الزوج. ممكن والله الزوج مسؤول، والله الزوج رجل عنده قوامة، ماشي أساء لي كذا لكن عنده قوامة، والله الرجل لا يتدخل في خصوصياتي، إلا أنك تجدي بعض الخصال الإيجابية. من لا يرى الخير في الناس لا تصلح لأن تعيش معها، إذا أنت لا تستطيع أن ترى جانب خير في زوجتك وهي لا تستطيع أن ترى جانب خير فيك، لا تستطيع أن تتعايش معها.

ولذلك بعض الخصومات التي دخلت فيها بين بعض الناس كنت أبدأ معهم بهذه النقطة بالضبط، أقول للزوج: اذكر خمس نقاط إيجابية في زوجتك. لماذا أفعل هذا؟ أول ما أجلس معهم لأنهم يكونون محتقنين على بعضهم البعض، هو جاي بده يسولف لي وأنه عملت وسوت بده يعطيني محاضرة ويتعب دماغي، وهي نفس الشيء. فحقيقةً، أول شيء بحاول أمتص هذا الاحتقان، لأنه ممتلئ بنظرة سلبية، أقول له: تعال قبل ما نبدأ نسولف بماذا فعلت وإيش سوت، أعطيني شو النقاط الإيجابية؛ لأنه هو إذا بدأ يتذكر النقاط الإيجابية شوي ستبدأ حدته تجاه زوجته تخف، وسيبدأ يحاول أن يقيم كلامه ويزنه. وهي نفس الشيء، خاصة المرأة؛ المرأة تكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يكفرن العشير»، إذا رأت منك سوءاً قالت ما رأيت منك خيراً قط. فإنت بدك تعود المرأة على أنها تتوازن وتذكر الصفات الإيجابية قبل ما تيجي تحكي لي سلبياته؛ أعطيني شو الإيجابيات التي وجدتيها في هذا الرجل؟ لأنها إذا أعادت لها الذاكرة الجيدة وبدأت تتذكر الإيجابية هذا سيخفف من حدتها وهي تنتقد. أما أنك تبدأ معهم وهم في قمة احتقانهم ويذكرون السلبيات سيفجرون في الخصومة. فهذا منهج نبوي عظيم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر».

قال الشيخ السعدي: فائدتان عظيمتان؛ إحداهما الإرشاد إلى معاملة الزوجة والقريب والصاحب والعامل وكل من بينك وبينه علاقة واتصال، وأنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لا بد أن يكون فيه عيب أو نقص أو أمر تكرهه، فإذا وجدت ذلك فقارن بين هذا وبين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الاتصال والإبقاء على المحبة بتذكر ما فيه من المحاسن والمقاصد الخاصة والعامة. وبهذا الإغضاء عن المساوئ وملاحظة المحاسن تدوم الصحبة والاتصال، وتتم الراحة وتحصل لك.

يقول الشيخ السعدي: هذه القاعدة ليست فقط في التعامل مع الزوجة، بل حتى في التعامل مع أقاربك وأصدقائك وأصحابك. طبق قاعدة: إن كرهت منه خلقاً رضيت منه آخر؛ أي الرجال المهذب كما قال النابغة الذبياني: من فينا ليس له عيوب؟ لو أن كل عيب ظهر من صاحبك ستتركه من أجله لن يصفو لك أحد. فنحن نتعامل مع قاعدة خير الخيرين وشر الشرين والمصالح والمفاسد ونوازن، لأنه هذا الشخص علاقتي معه تنفعني ولا لا تنفعني؟ تنفعني، صدر منه بعض الأخطاء؛ أوازن المحافظة على هذه العلاقة مع الغض عن هذه الأخطاء حتى تمشي سفينة الحياة.

قال رحمه الله: الفائدة الثانية وهي زوال الهم والقلق، وبقاء الصفاء والمداومة على القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، وحصول الراحة بين الطرفين، ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الفائدة أيضاً تعينك على ماذا؟ على الراحة في الحياة الزوجية. بعض الشباب يكون مهموماً أياماً، تقول له: يا فلان مالك؟ يقول: والله يا شيخ زوجتي أخلاقها صعبة وأمورها متعبة وأنا مش عارف أسوي وأفكر بالطلاق. هو حامل هم وغموم وقلق بسبب هذا الزواج، بينما لو طرد هذا الفكر عن ذهنه واشتغل بمحاسن زوجته لربما ذهب كثير من الهم والغم والقلق. تجده طوال فترة عمله في هذا اليوم حزين، ليه؟ والله زوجته تصرفت هذا التصرف، يا أخي خلص تصرف التصرف! التغافل نصف المعيشة، هذا ما يعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم. ما معنى: «إن كره منها خلقاً رضي منها آخر»؟ يا أخي تغافل، تغافل رضي الله عنك وعن والديك، لا تبقى تدقق على التفاصيل؛ ليش حكت، ليش سوت كذا، ليش حكت لأمها، ليش فعلت. لا أنت ستسعد في الحياة ولا هي ستسعد.

تعلموا التغافل؛ يا طلاب العلم وللشباب إن كثير من الشباب الملتزم للأسف يفشل أمام اختبار الزوجية. يظن أن الزوجة كتاب بده يتعامل معها زي ما بتعامل مع الكتاب، بده يحط متن ونص وشرح؛ لا، الزوجة نفس ومشاعر وأحاسيس، بدك تفهم أنه في أخطاء ستنتظرك على عتبات الزواج. ومن لا يريد أن يتنازل في الحياة الزوجية، أنا أقول لك من عندي: لا تتزوج! إذا أنت لا تريد أن تتنازل في الحياة الزوجية لا تتزوج، تعلم فقه التنازلات هناك ثم تعال تزوج؛ لأنه إذا ما راح تتنازل ستفشل وستكسر وستطلق. الحياه طبعاً التنازل المنضبط، التنازل اللي فيه رحمة، التنازل من منطق القوة، أنا بدي اتنازل حتى تمشي سفينة الحياة، لأن من يقف عند كل عثرة لن يسعد في حياته.

قال رحمه الله: ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بل عكس القضية فلحظ المساوئ وعمي عن المحاسن، فلا بد أن يقلق ولا بد أن يتكدر ما بينه وبين من يتصل به من المحبة، ويتقطع كثير من الحقوق التي على كل منهم المحافظة عليها. وقال: وكثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع المكاره والمزعجات على الصبر والطمأنينة، لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون ويتكدر الصفاء؛ والسبب في هذا أنهم وطنوا نفوسهم عند الأمور الكبار وتركوها عند الأمور الصغار فضرتهم وأثرت في راحتهم.

يعني يقول السعدي: بعض الناس تجده يثبت في المعارك ولكن لا يثبت أمام زوجته. يقول لك بعض الناس عجيبة، تجده في أمور صعبة وتقول كيف ثبت فيها؟ ثابت، لكن في أمام زوجته ومشاكل يسيرة يفشل، لأنه وطن نفسه على الصبر في الكبار ولكن لم يوطن نفسه على التغاضي والتغافل عن الأمور الصغيرة.

قال رحمه الله: فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة والكبيرة، ويسأل الله الإعانة عليها، وأن لا يكله إلى نفسه؛ فعند ذلك يسهل عليه الصغير كما سهل عليه الكبير، ويبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحاً. قال رحمه الله: العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة، وأنها قصيرة جداً، فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار.

يعني ما الذي يجعلني أدافع الأحزان والهموم؟ هل أنا أصلاً يا شيخ محتاج أن أدافع الهموم؟ شو المشكلة لو عشت حزيناً؟ هذا هو السؤال. يقول لك الشيخ السعدي: هي حياة قصيرة كتبها الله لك، خسارة أن تروح الحياة في طيات الحزن. كم ستعيش؟ 40، 30، 70، 80؛ عمر قصير يمر كطرفة عين، فخسارة أنك تعيش حياتك وأنت حزين وفي يديك مفاتيح السعادة من مادة الوحي الإلهي والكتاب والسنة. تعلم مفاتيح السعادة حتى تعيش هذه الفرصة التي منحك الله إياها سعيداً.

قال رحمه الله: فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة، فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهباً للهموم والأكدار. عليك أن تكون شحيحاً بحياتك أن يذهب أكثرها نهباً للهموم والأكدار، حرام حياتك وعمرك يضيع وأنت حزين ومهموم. تعلم الانبساط، تعلم السرور، تعلم الرضا، تعلم القناعة، تعش مستريحاً هذه النفس.

قال: ولا فرق في هذا بين البر والفاجر، ولكن المؤمن له من التحقق بهذا الوصف الحظ الأوفر والنصيب النافع العاجل والآجل. وينبغي أيضاً إذا أصابه مكروه أو خاف منه أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية وبين ما أصابه من مكروه، فعند المقارنة يتضح كثرة ما فيه من النعم واضمحلال ما أصابه من المكاره. وكذلك يقارن بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه وبين الاحتمالات الكثيرة في السلامة منها؛ فلا يدع الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات الكثيرة القوية.

بعض الناس يخاف أن يأخذ رخصة قيادة سيارة، لماذا؟ احتمال أنه يصير حادث! وإذا أنت بدك تظلك تفكر بهذه الطريقة لن تفعل شيئاً في الحياة. احتمال موجود أنك تعمل حادثاً وتموت، فاهم تمام، لكن الاحتمالات الأكثر وروداً عند الناس في المجتمع أن الناس تمشي وتقود السيارة والحياة طيبة تمام. فاحتمالية الموت هي إحدى الاحتمالات الموجودة، ولكن هذا لا يعني أن أترك هذا؛ لأنه أنت لو خرجت إلى الشارع في احتمال تجي شاحنة متهورة برضه تدعسك، ترى بقول لك، وإذا خرجت إلى الجامعة ما بعرف شو ممكن يصير، لو أنت بدك تفكر بهذه الطريقة؛ ترى بعض الناس -أنتم تضحكون- لكن بعض الناس صدقوني إخواني أنه يعاني من هذا البلاء، يعاني من توجس المستقبل فلا يقود سيارة ولا يمشي في شارع! طيب ايش بدك تفعل؟ يبقى في المنزل، طيب ممكن يجي يهد المنزل ويقع؛ فإذا بدك تفتح باب الاحتمالات لن تسلم لك حياة.

قال رحمه الله: بذلك يزول همه وخوفه، ويقدر أعظم ما يكون من الاحتمالات التي يمكن أن تصيبه، فيوطن نفسه لحدوثها إن حدثت، ويسعى في دفع ما لم يقع منها، وفي رفع ما وقع أو تخفيفه. ومن ذلك خالد بن الوليد، بعد حياة حافلة بالجهاد في سبيل الله قال: وها أنا أموت كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. يعني أنا لو خالد بن الوليد بدك تفكر باحتمالات الموت ما دخل معركة! خالد بن الوليد لا يوجد منطقة في جسده إلا فيها ضربة سيف أو موضع رمح، جسده كله مغرز، قاد مئات المعارك، لو كان بده يفكر باحتمالية الموت لم يأخذ معركة؛ فلذلك قال: «فلا نامت أعين الجبناء». الجبان اللي بيضله خايف من المستقبل: وإذا رحت هون راح أموت؛ يقول لك خالد: أنا شاركت في 100 معركة وما مت، وهذه معارك -أي مش أنه عفواً قيادة للسيارة- هي معارك طاحنة احتمالية الموت فيها واردة، ومع ذلك خالد بالتاكيد ما أصبح شجاعاً إلا أنه كان يقاتل وهو لا يفكر باحتمالية الموت. يعني باختصار ما كان عنده توجس الموت، خلص يقاتل، واللي مكتوب بده يصير. هذا جعله أحد الشجعان الكبار وأساطين الإسلام.

قال رحمه الله: ومن الأمور النافعة أن تعرف أن أذية الناس لك، خصوصًا في الأقوال السيئة، لا تضرك بل تضرهم، إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها وسوّغت لها أن تملك مشاعرك، فعند ذلك تضرك كما ضرتهم. فإن لم تضع لها بالًا لم تضرك شيئًا. بعض الناس همومه تأتي من أن الناس تنتقده، فيعاني من فوبيا الانتقاد؛ يخشى أن يفعل شيئًا لأنه يقول: والله فلان سيراني وسينتقدني، وصديقي سيتكلم، وزوجتي ستعلق. تقلق من الانتقاد؛ من انتقدك أو تكلم فيك بما ليس فيك أو بما هو خطأ، هذا سيضره ولن يضرك. وإذا كان ما قاله صحيحًا فهذا قد يكون فرصة أن تصلح نفسك، لا تعش تحت هاجس الخوف من الناس.

وهذا أفضل، فقد تكلم ابن حزم أيضًا في «مداوات النفوس»، يقول إنه وصل إلى قناعة أنه لا يهمه ذم الناس ولا مدح الناس، ولذلك أصبح ابن حزم يتكلم بما يراه، حتى في الفقه مذهبه خاص به، ويتكلم بما يعتقده وصوابه، من أحب أن يأخذ فليأخذ، ومن لم يحب أن يأخذ فلا يأخذ. هذه لمرحلة معينة مريحة لأنك تشعر أنك لست مهتمًا بأحد، طبعًا هذا لمرحلة معينة، ولكن ليس أن يخدش الإنسان الحياء ويخالف المروءة ويقول ليس مهتمًا؛ لا، المراد في مساحة الاجتهاديات والقرارات الحياتية المعقولة، لا تكن تحمل هم ماذا سيقول الناس عني.

قال رحمه الله: واعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكارًا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة، وإلا فأمر بالعكس. ذكرت هنا بعض التطبيقات المهمة على قضية لا يهمك ما يقول الناس، بعض النساء تعيش حياة كئيبة مع إنسان سيء فاجر بكل معايير الفجور، لماذا؟ تخشى من الطلاق، إيش سيقول الناس عنها؟ طيب أنت مهتمة بإيش سيقول الناس عنك، وهذا الرجل ممكن يؤذيك؛ رجل فاجر الذي أنت معه، لا يصلي، لا يخاف الله، يسبها ويشتمها، فقط تخشى ماذا سيقول الناس؟ يا أخي يقول الناس ما يقولون، إذا أنت مقتنعة أن قرارك صحيح فافعلي. وكذلك الشاب إذا كانت المرأة فيها من العيوب ما لا يمكن معه استقرار الحياة، ففي أمور لا تُبنى على الخجل وإنما تُبنى على الواقع وقضية نظرة الناس، وما دام التصرف صحيحًا وأنت استشرت فيه، لا تحمل هم ماذا سيقول الناس. الناس كلامهم يتغير ويتقلب، ومن يذمك اليوم يمدحك غدًا، ومن يمدحك غدًا يذمك بعد غد، فدعك من الناس.

قال رحمه الله: ومن أنفع الأمور لطرد الهم أن توطن نفسك على ألا تطلب الشكر إلا من الله، فإذا أحسنت إلى من له حق عليك أو من ليس له حق، فاعلم أن هذه معاملة منك مع الله، فلا تبالي بشكر من أنعمت عليه، كما قال تعالى في حق خواص خلقه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. بعض الناس يأتيه الهم من جهة عدم التقدير، يعني هو مهموم أنه يفعل لأقاربه معروفًا بس هم مش مقدرين هذا، أو يفعل مع زوجته معروفًا وهي لا تقدر، أو يفعل مع زملائه في العمل معروفًا وهم لا يقدرون، أو شيخ مع طلابه يفعل معروفًا ويشعر أن الطلاب لا يقدرون. أمثلة كثيرة مما يأتي بالهموم للإنسان شعوره أنه غير مقدر وأن ما يفعله للناس لا يشكرونه، فعليك أن توطن نفسك على انتظار الثواب. وهذه فكرة عظيمة في الإسلام تريحك تمامًا، أنه أنا أي معروف أقدمه لأي شخص أنا لا أنتظر منه جزاءً ولا شكورًا، وإنما أنتظر العوض عند الله سبحانه وتعالى؛ فحتى لو أساء لي أنا لن أتشنج ولن أصاب باكتئاب عدم التقدير الذي يصيب بعض الناس.

قال رحمه الله: ويتأكد هذا في معاملة الأهل والأولاد ومن قوي اتصالك بهم، فمتى وطنت نفسك على إلقاء الشر عنهم فقد أرحت واسترحت. ومن دواعي الراحة أخذ الفضائل والعمل عليها بحسب الداعي النفسي دون التكلف الذي يقلقك وتعود على أدراجك خائبًا من حصول الفضيلة حيث سلكت الطريق الملتوي، وهذا من الحكمة، وأن تتخذ من الأمور الكدرة أمورًا صافية حلوة، وبذلك يزيد صفاء اللذات وتزول الأكدار.

قال ومن دواعي الراحة أخذ الفضائل والعمل عليها بحسب الداعي النفسي دون التكلف؛ بعض الناس لما يبدأ في محاولة إصلاح النفس يسمع له كم محاضرة من شيخ حفزه أو شيء، وزملائه اتفقوا على الأخذ ببعض الفضائل، فيصبح يريد أن يفعل بعض الفضائل مع أنها ليست ضمن قاموس النفس الآن، يعني نفسه لا تدعوه إليها. فالشيخ السعدي يقول لك: إذا أردت أن تكتسب الفضائل والعادات الحميدة فاكتسبها بهدوء، دون أن تشعر أنني ملزم مع أصدقائي أن نكتسبها خلال شهر، وإذا ما كسبناها خلال شهر فلن أصلح وسيتركني الناس. تغيير العادات وتغيير الطبائع أمر متعب ويحتاج إلى جهد، فالشيخ السعدي يقول لك غيرها بهدوء. ومن دواعي الراحة أخذ الفضائل والعمل عليها بحسب الداعي النفسي، شفت نفسك متشجع على بعض الأمور اسلك دون التكلف، يعني لا تحمل نفسك فوق طاقتك ولا تصير تتكلف شيئًا يصير بعد ذلك قلقًا وفوبيا، وأنا نجحت ولا ما نجحت؟ وأصحابي فاقوني، طيب فلان سبقني، طيب أنا ما سبقته، لا تقارن نفسك مع الآخرين. نعم، وسير العلماء سابقة، لكن لا أجعل المقارنة هي أساس سيري؛ أنا أمشي بما أراه منسجمًا مع خياراتي النفسية، وكل إنسان له طبائع وله تنشئة وله ميولات. فإذا أخذت الفضائل بهدوء وتروٍ، وبنيت العادات في نفسك بما يصلح مع جدولك الزمني والحياة ودون تكلف وتحميل النفس ما لا تطيق، تمشي الأمور، أما الذي يقارن ويحمل نفسه ما لا تطيق سيتعب.

قال رحمه الله: اجعل الأمور النافعة نصب عينيك واعمل على تحقيقها ولا تلتفت إلى الأمور الضارة لتلهو بذلك عن الأسباب الجالبة للهم والحزن، واستعن بالراحة وإجماع النفس على الأعمال المهمة. ومن الأمور النافعة حسم الأعمال في الحال والتفرغ في المستقبل، لأن الأعمال إذا لم تحسم اجتمع عليك بقية الأعمال السابقة. القاعدة الأخيرة في جلب السعادة يقول لك الشيخ: رتب جدولك وأنجز أعمالك أولًا بأول. من الأمور التي تجلب الهم شعور الإنسان أنه عليه عشرون أو ثلاثون مهمة وهو لم ينجز شيئًا منها؛ شعور الإنسان بتراكم المهمات؛ والله عليّ وظائف أسرية، وفي وظائف اجتماعية، وفي الكتاب هذا، وفي عندي الدورة هذه، شعورك بتزاحم المهام وأنك لم تنجز شيئًا منها يعمل قلقًا وتوترًا، فيقول لك: عوّد نفسك أنجز الأمور أولًا بأول. الذي يحصل مع الشباب التسويف؛ اليوم في مهمة لازم ينجزها بيسوف، بتصير بكره، وبكره بتصير بعد بكره، طيب بعد بكره راح تصير عندك مهمة ثانية، فتتزاحم المهمة الأولى مع الثانية فيسوّف الاثنتين للمستقبل، هو يتسم أو يتعامل مع سياسة التاجيل، ويظن أنه سيسعد، بقول لك: يا شيخ خلص والله بكره بعملها، طيب هو بكره ممكن تجيك مهمة ثانية، لما تيجي المهمة الثانية الاثنتين بيأجلهما لبعد بكره، لما تيجي بعد بكره بصير عنده مهمة ثالثة، بيؤجل الثلاث لبعد بعد بكره.

محاولة زحف الوظائف هذه بالعكس، أنت تظن نفسك أنك سعيد لما رحلت المشكلة إلى زمن آخر، هذه وظيفة ستعملها ستفعلها؛ زي طالب الجامعي الذي يبقى طول السنة ينام ولا يدرس، بيجي آخر يوم الامتحان يدب، يصير علامة الفيزياء أو الكيمياء ما راح تصير لأنه أنت طول السنة نائم وغير مهتم؛ رحلت الدراسة لآخر ساعتين، شيء طبيعي أنك لن تستمتع بالدراسة، لن تفلح فيها، ما راح تكون مميزًا لأنك لم تنجزها، وستشعر أنك تحمل الكتاب وأنت كاره، بخلاف الذي يأتي عليه وقت الاختبار وهو واثق، يعني هو درس أولًا بأول ومستريح، يعني مش شاعر بالقلق واكتئاب الدراسة وما شابه ذلك. طبعًا هذه ضربت عليها مثال الجامعة، وأنت قِس عليها وظائف الحياة المختلفة. أحيانًا بتصير معنا في المنزل أنه اللمبة انحرقت فبتحكي لك المرة غيّرها، شو بأعمل؟ بأجّل لبكره، بكره تخرب شيء ثاني في المنزل، بأجّل الاثنتين لبعد بكره، بتصير تخرب شغلة ثالثة ورابعة، بتيجي آخر الشهر في ثلاثين شغلة في الدار خربانة، بصير عندك اكتئاب وحزن أنه أنا شو بدي أخلص ثلاثين شغلة؟ لكن لو أنا أول يوم صلحت اللمبة، اليوم الثاني صلحت الجرس، اليوم الثالث، تشعر أنك فكفكت الأمور، الأمور لما تكون مفكفكة سهلة، لكن لما تيجي كلها مع بعضها البعض تصبح صعبة وعسرة.

قال رحمه الله: فتشتد وطأتها، فإذا حسمت كل شيء بوقته أتيت الأمور المستقبلة بقوة تفكير وقوة عمل، وينبغي أن تتخير من الأعمال النافعة الأهم فالأهم، وميّز بين ما تميل نفسك إليه وتشتد رغبتك فيه، فإن ضده يحدث السامة والملل والكدر. وهذه قاعدة نافعة دائمًا؛ التخصص في الجامعة ادرس الشيء الذي تميل نفسك إليه، يعني لا، إذا لم تجد نفسك في ميدان لا تحاول تكره نفسك عليه، لا جبرًا، لا بد أجد نفسي فيه، حاول دومًا أن تجد نفسك أين هي أولًا، لأنه بعض الناس هو أصلًا مش واجد نفسه، فعليك أن تجد نفسك أين هي، ثم الزم ثغرك ولا تحاول أن تقفز.

قال: واستعن على ذلك بالفكر الصحيح والمشاورة، فما ندم من استشار، وادرس ما تريد فعله درسًا دقيقًا، فإذا تحققت المصلحة وعزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين. هذا نهاية تعليقنا على رسالة الإمام السعدي وهذا نهاية مجلس اليوم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.