بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في الملتقى السنوي العلمي الرابع، مدارج، في موسمها الرابع، بحمد الله نرفع الستار عنها لعام 1447 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
في مدارج العلم أيها الكرام، تتزاحم القلوب قبل الأبدان، وتأتي الأرواح قبل الأجساد لتوقع الحضور في مجمع مهيب، وفي ملتقى علمي يحبه الله سبحانه وتعالى، ويثني عليه، ويباهي به ملائكته بإذن الله. مجالس العلم النافع حيث يزدحم الشباب وقد أتوا من ضوضاء الحياة، وتأتي النساء وقد تجشمن عناء الحضور إلى هذه المجالس الطيبة المباركة، يأتون ليبحثوا عن منارات الطريق التي ترشدهم في سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى.
في مدارج العلم في كل عام أيها الكرام، نبني الهم والهمة، ونجدد الإيمان في قلوبنا بعدما فسد بمرور العام. نأتي هنا لنبني الإيمان الذي يخلق كما قال صلى الله عليه وسلم، ويبلى كما يبلى الثوب. في مدارج ننظر في العقيدة والفقه والأصول والتفسير والحديث والتزكية وعلوم القرآن، كل هذه العلوم في مجالس الأيام العشر تزدحم عليك لترسم صورة جميلة وهي صورة الشريعة الإلهية، تأخذها بأصولها وقواعدها وكلياتها.
مدارج العلم أيها الكرام يصنع فيها الرجال أبناء الرجال، ويصنع فيها النساء الكريمات بنات الرجال الأكارم. مدارج موسم مهم أن نلتقي فيه، وأن نزدحم فيه، وأن نرى هذه الوجوه المتوضئة من الشباب المسلم يزدحمون على مجالس العلم النافع، هذه الصورة التي سعى أعداؤنا أن يشوهوها، مجالس العلم النافع التي أريد أن تسحب من صوركم ومن مخيلتكم ومن عقولكم ومن أفكاركم، ها أنتم بهذا الحضور وبهذا الازدحام عاماً بعد عام تجددون العهد مع الله سبحانه وتعالى أننا لن نبرح حتى نبلغ، أننا لن نبرح حتى نصل إلى الله سبحانه وتعالى، وأن مجالس العلم النافع وهذا المعين العذب لا يمكن أن يتخلى عنه المسلم؛ فهو روح حضارتنا وبه تصاغ الأمم والحضارات والهمم.
مدارج العلم تعقد في بلد عظيم، وفي دوحة من دوحات الأمن والأمان، في أردننا بلد الخير والعطاء. هذا البلد المعطاء لأبنائه الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبقى منارة للعلم والعلماء، وأن يحميه ويصونه من كيد الكائدين. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرى هذا البلد الطيب خير أبنائه وقد ملؤوا أهله علماً وحكمة ورزانة واتزاناً، فإنما تحمى الأوطان وتبنى بالعلم النافع، ولن تبنى هذه الأوطان إلا بالعلم النافع، ولن يصوغها إلا الرجال الكرام الذين تخرجوا من دور التحفيظ ومن مجالس العلم؛ هؤلاء الذين يحمون أوطانهم ويرفعونها ويبنون حضارتهم كما قلنا.
أيها الكرام، انطلاق مدارج العلم في هذا العام وافق يوم عاشوراء. ويوم عاشوراء يذكرنا بدماء المظلومين، بدماء الحسين رضي الله تعالى عنه، ويذكرنا أيضاً بانتصار المظلومين على الظالمين، حيث نجى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام من كيد الجبابرة المعتدين. ونحن نتفاءل والفأل الحسن كان يعجبه صلى الله عليه وسلم، أن يكتب الله نصراً للمظلومين والمستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها في هذا اليوم. ونسأل الله سبحانه وتعالى، كما نرابط ونجاهد نحن في ثغور العلم، أن ينصر المرابطين والمجاهدين في ثغور غزة التي تقاوم منذ أكثر من سنتين، وتسطر الملاحم والبطولات والدماء والأبطال، هؤلاء الرجال الذين فقدوا فلذات الأكباد، هؤلاء الأطفال الذين فقدوا آباءهم، ويتيم هؤلاء النساء الأرامل. هذه غزة الجريحة، غزة المكلومة، غزة التي ضحت نيابة عن هذه الأمة، ودفعت الغالي والنفيس لمحاربة بني صهيون، هم يسطرون آيات من المجد والعز والافتخار، ونحن هنا بالعلم النافع الذي لا يقل ولا يبتعد عن ميادين الثغر والرباط؛ هذه ميادين تجتمع. فكما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه: فإنما قوام الدين كتاب يهدي، وسيف ينصر.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في مدارج هذا العام، ونسأله سبحانه أن يعيننا على تجديد النيات وتصويبها. فمن الآن يا عبد الله وأمة الله جدد نيتك، استحضر نية عظيمة في هذا العام، إياك أن تفوتك هذه المجالس العشر وأنت لم تخلص لله عز وجل، فبالإخلاص يبارك لك، وبالإخلاص تحصل الهم والهمة، وبالإخلاص يبلغك الله سبحانه وتعالى آخر المنازل وآخر الأشواط. وأما إذا لم تكن النوايا واضحة وكانت العزائم مترددة، فكثير هم الذين ينزلون من اليوم الثاني والثالث، وكثير هم الذين لا تسعفهم الهمم لبلوغ هذه الأيام العشر، فضلاً عن الاستمرار في حضور مجالس العلم طوال هذا العام.
أيها الكرام، هنا نريد أن نجدد همة تستمر معنا للعام القادم بإذن الله، فالإنسان عندما يزدحم مع إخوانه في مجالس العلم ليس كمن يجلس خلف الشاشات. الشاشات أيها الكرام إنما هي للمضطر وحيلة المضطر، أما وأنت من أهل هذا البلد الطيب المبارك فلا عذر لك، إذا كنت صحيحاً قويماً سليم الجسد، أن تغيب عن هذا المشهد العظيم. أيها الشباب هذه المجالس أنتم تتحلقون فيها اليوم وقد تفقدونها غداً، هذه المجالس نعمة عظيمة في حياتكم فاقدروا هذه النعمة، خذوها بحقها وبقوتها، وإياك أن تقول أنا من فرسان العام القادم.
نحن اليوم في مدارج في نسختها الرابعة، بحمد الله أنهينا في النسخ الماضية 30 مصنفاً من مصنفات أهل العلم فقط في دورات مدارج، أنهينا 30 مصنفاً من مصنفات العلماء الكبار رضوان الله تعالى عليهم. وهذا العام نسأل الله أن يتم على خير به نتم 40 مصنفاً، تخيل فقط في 10 أيام مررت على 40 كتاباً من كتب أهل العلم في العقيدة والفقه والأصول والتزكية والتفسير، لماذا تحرم نفسك من هذا الخير؟ ولماذا تبتعد والله سبحانه وتعالى يسهل لك سبل العلم؟ أنتم في أجواء طيبة وما شاء الله المكيفات والإخوة ولجنة التنظيم والطعام كل شيء موفر لك، لم يبق إلا أن تحضر بقلبك وعقلك، وأن تسأل الله سبحانه وتعالى الثبات حتى لا تكون من المخذولين من المحرومين. فكم من إنسان يعقد الهمة على حضور مجالس العلم والله يصرفه، كم من إنسان يسعى ولكن الله عز وجل لا يقبله، فإذا رأيت الله سبحانه وتعالى فتح لك باب علم فتمسك به وعض عليه بالنواجذ، فإن طالب العلم اليوم مجاهد في سبيل الله. أسأل الله أن يثبتني وإياكم، وأن يكون هذا العام عاماً مليئاً بالخير والنفع والعلوم الطيبة، وأن تكون هذه المجالس مذكورة في السماء قبل أن تذكر في الأرض، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نبدأ الجلسة الأولى بإذن الله بالتعليق على الكتاب الأول، وصية الإمام ابن قدامة المقدسي عليه رحمة الله تعالى.
الرسالة الأولى رسالة لطيفة، وكما اعتدتم علينا أول كتاب نعقده يكون في بعث الهمم وفي حثها، ووجدنا هذه الوصية العظيمة من إمام عظيم، من الإمام الموفق موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي النابلسي عليه رحمة الله تعالى. هذا الإمام العظيم من أئمة سادة الحنابلة، بل هو شيخ الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم، ولذلك لقبه في كتب الحنابلة الشيخ، إذا قال الحنابلة الشيخ فإنما يقصدون موفق الدين ابن قدامة. هذا الإمام الذي كان على ثغر العلم مرابطاً ثابتاً، وكان أيضاً على تواصل وثيق بسلاطين زمانه، من المرابطين بصلاح الدين الأيوبي وغيرهم من سلاطين الفتح المبين، كان مرابطاً على ثغر العلم وعلى ثغر التعليم وعلى ثغر الجهاد، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلومه.
الموفق بن قدامة فقيه عظيم قل أن تنتج البطون مثله، كتب في الفقه الإسلامي كتباً عظيمة، وعلى رأسها الكتاب المشهور بالمغني في الفقه المقارن، وأجاد فيه وأفاد في ذكر الأدلة والاستدلال والمعارضة والأخذ والجذب والرد. وكما قال العز بن عبد السلام سلطان العلماء: لم تطب لي الفتيا حتى ظفرت بالمغني لابن قدامة وبالمحلى لابن حزم. يقول العز بن عبد السلام الشافعي: لم تطب لي الفتيا حتى ظفرت بهذين الكتابين، وهذا يؤكد رسوخ كتب ابن قدامة المقدسي عند أهل زمانه وتفوقها وبروزها. وابن قدامة لم يؤلف فقط في الفقه بل ألف في العقيدة وفي غيرها من العلوم. وهذه رسالة خفيفة من ابن قدامة لإخوانه من أهل زمانه ولأمة الإسلام، يوصيكم بها بالحرص على العلم النافع، وعلى تصويب المسير إلى الله سبحانه وتعالى، وعلى التقلل من الدنيا والانشغال بما يقربكم من مولاكم. نبدأ التعليق على هذه الرسالة مستعينين بالله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين ونجي إخواننا المستضعفين. قال الشيخ الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا ببركته: الحمد لله ذي الوجه الكريم والفضل العظيم والمن من القديم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله أجمعين. أما بعد، فقد سألني بعض إخواني الصالحين أن أكتب له وصية فامتنعت من ذلك لعلمي أني غير مستوص في نفسي ولا عامل بما ينبغي.
ابن قدامة يقول إن أحد إخوانه سأله أن يكتب له وصية يوصيه بدينه، فابن قدامة أحجم في البداية عن كتابة الوصية لشعوره بالتقصير في نفسه، وهذا حال العلماء؛ أنهم يهضمون أنفسهم ولا يستعلون بها، ويرون عيوبهم ويرون أخطاءهم ولا يرون أنفسهم أعلى من غيرهم، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم. إذا امتدحت أو ذكرك الناس أو نادوك إلى المنازل العلية، دائماً عليك أن تتعلم هضم النفس، تعلم هضم النفس وهذا لا يعني أنك لا تثبت خصالك الحميدة وقدراتك الجيدة في الأماكن التي تحتاجك، لكن ليكن شعارك العام أن أهضم نفسي أمام الناس ولا أعلن بها. وإذا مدحني الناس لا أقول إيه والله أنا أستحق المدح، أحسنتم والله وقع المدح في مكانه، ولا الإنسان أيها الكرام كما يفعل العلماء إذا جيء فطلب منه الدعاء أو طلبت منه الوصية، فليقل أنا كثير الخطأ، أنا كثير الذنوب، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يسبغ علي الستر والعافية. هكذا فعل ابن قدامة لأنه يعرف نفسه رحمه الله تعالى.
ثم بدا لي أن أجيبه إلى مسألته رجاء ثواب قضاء حاجة الأخ المسلم. ثم ظهر له أن يكتب هذه الوصية من باب أن يساعد إخوانه، ولو أن الإنسان لا يوصي الناس حتى ينقى من الذنوب والخطايا لما أوصى أحد؛ لأننا كلنا ذاك الرجل، كلنا أصحاب ذنوب وخطايا ومعاصٍ. لكن الإنسان يجاهد ويحاول ويتواصى بالحق والصبر مع إخوانه، فهذا الذي دفع ابن قدامة أن يعيد النظر وأن يكتب هذه الرسالة، فجزاه الله عنا خير الجزاء.
ودعائه لي، وأن يجري لي أجراً إذا عمل بوصيتي، وأن أكون من الدالين على الخير حين عجزت عن عمله لأكون بدلالتي عليه كفاعله. أحياناً سبحان الله قد تضعف أنت عن القيام ببعض الطاعة، أليس كذلك؟ قد تضعف عن قيام الليل فيأتيك أخوك يسألك ما رأيك بقيام الليل؟ هل لأني ضعيف عن قيام الليل لا أحثه عليه؟ أحثه لعلني آخذ أجره، حتى لو كنت أنا ضعيفاً عن طاعة معينة هذا لا يمنعني أن أنصح إخواني بها، لعلني إذا أنا قصرت وهو عمل أن آخذ أجر ذاك العمل، فإن الدال على الخير كفاعله كما قال صلى الله عليه وسلم. فلذلك يقول ابن قدامة: وأن أكون من الدالين على الخير حين عجزت عن عمله، يعني لو أنني ما استطعت أن أعمل بهذه الوصية على الأقل أنني أرشدت الشباب إليها ووجهتكم. انظر هذا البعد في وصية الناس.
والأعمال بالنيات، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. إذاً ففرق بين من يوصي الناس بالشيء وهو يتظاهر أنه من أهله، وفرق بين من يوصي الناس بالشيء وهو معترف أمامهم أنه ليس من أهله، أليس كذلك؟ يعني فرق بين أن أقول لك عن قيام الليل وأنصحك به وأحاول أن أوهمك أنني أقطع الليل تسبيحاً وقرآن، هذا واضح أن النية فاسدة، وبين إنسان يعترف بتقصيره، لكن تقصيري لا يمنعني أن أحثك على هذا الخير.
فصل: فأقول وحسبنا الله ونعم الوكيل، اعلم رحمك الله أن هذه الحياة الدنيا مزرعة الآخرة، ومتجر أرباحها، وموضع تحصيل الزاد منها، والبضائع الرابحة بها، فاز السابقون، وفاز المتقون، وأفلح الصادقون، وربح العاملون، وخسر المبطلون. نعم هذه الدنيا أيها الكرام هي مزرعة الآخرة، أنت هنا تزرع وغداً تحصد، هنا تضع الأعمال وغداً ترى حصاد الأعمار عندما تلقى الله سبحانه وتعالى. من كان في مجالس العلم النافع، من كان في صحبة الصالحين، من كان غيوراً على أمته حريصاً عليها، ليس كالشاب العابث الذي يقضي وقته على السوشيال ميديا والهواتف الجوالة وفي النظر للمعاصي وذنوب الخلوات؛ شتان بين من زرع خيراً وبين من زرع شراً في هذه الحياة الدنيا.
وأن هذه الدار أمنية أهل الجنة وأهل النار، تخيل أن أهل الجنة وأهل النار أمنيتهم العودة إلى الدنيا. أهل النار فهمنا يا شيخ يريد أن يرجع للدنيا يصلح أوراقه، طيب أهل الجنة لماذا أمنيته أن يعود إلى الدنيا بعد أن وصل ودخل الجنة؟ اقرأ، قال الله تعالى في أهل النار وهم يصطرخون فيها: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: 37]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27]، وقال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۗ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30]. قال الحسن: هي الدنيا؛ لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة. نعم، ولنعم دار المتقين، أحد التفاسير التي ذكرت عن السلف فيها أن المراد ولنعم دار المتقين الدنيا، قال الحسن البصري.
ولدار الآخرة خيرٌ، ولنعم دار المتقين. الدنيا، لماذا الدنيا هي نعم دار المتقين؟ لأن بها يزرعون سعادة الأبد. قال الحسن: هي الدنيا هذه هي دار المتقين التي مُدحت هنا، لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة. لذلك نحن معتادون على ذم الدنيا، أليس كذلك؟ لكن هناك وجهة نظر أيضًا أن الدنيا تكون ممدوحة إذا زرعت فيها خيراً. لذلك الدنيا ملعونة ملعونٌ ما فيها، إلا كما قال النبي ﷺ: «ما فيه ذكر الله سبحانه وتعالى، وعالم، ومتعلم». فالدنيا مذمومة لمن اشتغل بها عن الآخرة، والدنيا محمودة لمن اشتغل بها للوصول إلى الآخرة.
نعم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما يرويه: «إن أرواح الشهداء كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. فبينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعةً، فقال: يا عبادي سلوني ما شئتم. فقالوا: يا ربنا نسألك أن ترد أرواحنا في أجسادنا، ثم تردنا إلى الدنيا فنقتل فيك مرة أخرى».
فلما رأى أنهم لا يسألون إلا ذلك تُرِكوا. نعم، قالوا نريد أن نعود إلى الدنيا حتى نجاهد في سبيلك، حتى نقتل مرة أخرى إعلاءً لكلمتك. لماذا أهل الجنة بعد أن دخلوا الجنة يريدون هذا؟ قالوا لما رأوا من نعيم المجاهدين، ولما رأوا من نعيم الشهداء. تخيل ألم القتل، الإنسان دائماً إذا تألم ألم القتل يقول له خَلُص، تألمنا ألم القتل ودخلنا الجنة، هل تريد تتألم ألم القتل مرة أخرى؟ نعم، لأن ألم القتل لا يزن شيئاً مقابل النعيم الذي يراه الشهيد في ساعة القتل.
مقابل النعيم الذي يراه الشهيد؛ أنت أمام شاشات التلفاز ترى صور الصرع والقتل فتفجع، أليس كذلك؟ لكن ذلك الصريع إذا كان في سبيل الله رأى من النعيم في تلك الساعة ما يتمنى أن يعود إلى الدنيا مرة أخرى ليذوق من نفس الكأس، من نفس كأس القتل، لأنه رأى نعيماً عظيماً، مش مشكلة ألم القتل مقابل ذاك الشيء المهيب الذي شاهده. قال: «ثم تردنا إلى الدنيا فنقتل فيك مرة أخرى». فلما رأى، أي ربهم سبحانه، أنهم لا يسألون إلا ذلك تُرِكوا. لماذا تُرِكوا؟ لأنه لا يمكن أن يعيدهم إلى الدنيا مرة أخرى، فتركهم.
نعم، واعلم يا أخي رحمك الله أن الله تعالى قد علم أنهم يسألون ذلك، وأنهم لا يردون إلى الدنيا، وإنما أراد إعلام المؤمنين الذين في الدنيا أن أمنيتهم في الجنة القتل في سبيله ليرغبهم في ذلك. جميل، يقول ابن قدامة: الله سبحانه وتعالى لما سألهم هذا السؤال وهم في الجنة، ألا يعلم أنهم سيتمنون هذه الأمنية؟ ويعلم أن هذه أمنيتهم؟ طب لماذا طلب منهم أن يتمنوا مع أنه يعلم بسابق علمه عز وجل أن هذه أمنيتهم؟ ليظهر لأهل الدنيا فضل الشهداء.
حتى تكون الفائدة لنا، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170]. أهل الجنة يرسلون رسالة لنا نحن الذين ما زلنا في دنيا الناس، ويخبروننا ألا تخافوا ولا تهابوا، وأبشروا إذا بذلتم في سبيل الله أن ما في الجنة شيء عظيم. فالله سبحانه وتعالى يريد أن تصل إليك هذه الرسالة، لكن من خلال لسان أهل الجنة هم يرسلونها لك.
إذاً واعلم يا أخي أن الله قد علم أنهم سيسألون ذلك، وإنما أراد إعلام المؤمنين الذين في الدنيا، نحن، أن أمنية أهل الجنة أن يعودوا إلى الدنيا ليقتلوا في سبيل الله، ليرغبهم في ذلك، حتى يكون ذلك ترغيباً لنا. ليرغبهم أي ليرغبنا نحن على أن نثبت على دين الله سبحانه وتعالى وطاعته.
نعم، وقال إبراهيم التيمي رحمه الله: مثلت نفسي في الجنة، ألبس من سندسها واستبرقها، وآكل من ثمارها، وأعانق أبكارها، وأتمتع بنعيمها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تتمنين؟ فقالت: أرد إلى الدنيا فأزداد من العمل الذي نلت به هذا. إذاً إبراهيم التيمي يقول تخيلت نفسي في الجنة وأنا في قمة نعيمها وما فيها من القصور والحور العين وما شابه ذلك.
فلما شعرت بقمة الجمال قلت لنفسي ماذا تتمنين الآن؟ فقالت لي نفسي: أطلب أن أرد إلى الدنيا. لماذا؟ حتى أعمل أكثر، لأحصد أكثر، لأن في النهاية أيها الكرام منزلتك في الجنة على مقدار عملك في الدنيا، أليس كذلك؟ ليس الكسول كالنشيط، وليس صاحب الهمة العالية كالإنسان النائم في منزلة، وإنما درجات الجنان على حسب مراتبكم في الحياة الدنيا. فالنفس في الجنة تتمنى أن تعود إلى الدنيا لعلها تصعد إلى مرتبة أعلى بشدة العمل.
طيب قال: ثم مثلت نفسي في النار، أعالج أغلالها وسعيرها، وأحرق بجحيمها، وأتجرع من حميمها، وأطعم من زقومها، فقلت لنفسي: أي شيء تتمنين؟ فقالت: أرد إلى الدنيا فأعمل عملاً أتخلص به من هذا العذاب. فقلت لنفسي: يا نفس، فأنت في الأمنية فاعملي. نعم، نفس الشيء مثل نفسه في النار، ثم قال: نفسي وهي في النار ماذا ستقول لي؟ ليتني أرد إلى الدنيا حتى أعمل عملاً يفكني من هذه الأغلال والزقوم.
قال: ثم استيقظت من هذا الحلم فقلت لنفسي: يا نفس أنت في الأمنية فاعملي، يعني أنت ما زلت في الدنيا فاعملي. إذا كانت هذه أمنيتك إذا دخلت الجنة أو دخلت النار، فأنت ما زلت في الحقيقة أنت ما زلت في الحياة الدنيا. فالآن، الآن، والبدار البدار قبل أن يغلق كتابك وتطوى صفحتك وتثوي تحت التراب.
نعم، وكان بعض السلف قد حفر لنفسه قبراً، فإذا فتر من العمل نزل في قبره، فإذا فتر من العمل يعني إذا قصر في بعض الطاعات، جاءته لحظة فتور عن قيام الليل وطلب العلم النافع، حفر لنفسه حفرة، حتى إذا قصر في العمل يروح ينزل في الحفرة يتذكر. نعم، فتمدد في لحده، ثم قال: يا نفسي قدري أنك قد مت وصرت في لحدك، أي شيء كنت تتمنين؟ قالت: أرد إلى الدنيا فأعمل فيها صالحاً. فيقول لها: قد بلغت أمنيتك فقومي فاعملي صالحاً.
واعلم رحمك الله أن أهل القبور أمنية أحدهم أن يسبح تسبيحة تزيد في حسناته، أو يقدر على توبة من بعض سيئاته، أو ركعة ترفع في درجاته. وقد روينا أن رجلاً ركع ركعتين إلى جانب قبر ثم اتكأ عليه فأغفى، أغفى يعني نامت عينه، سهت عينه. نعم، فرأى صاحب القبر في المنام يقول: تنحى عني فقد آذيتني، والله إن هاتين الركعتين اللتين ركعتهما لو كان لي كانتا أحب إليّ من الدنيا وما فيها.
إنكم تعملون ولا تعلمون، إنكم تعملون ولا تعلمون يعني لا تعلمون ما أنتم فيه من السعة والفرصة التي ما زلتم فيها. يعني أنت بتعمل في الحياة الدنيا لكنك لا تعلم عظيم الفرصة التي أنت منحتها إلى الآن. قال: ونحن نعلم، نعلم حقيقة الأمر ونعلم ما أنتم فيه من الخير الذين ما زلتم أحياء. أنتم في خير لأن معكم مجال للعمل، ونحن نعلم، أهل القبور يعلمون الحقيقة، أليس كذلك؟ لأنهم رأوا منكراً ونكيراً، رأوا ما معنى الجنة والنار، هم يعلمون الحقيقة ولا نعمل لأنهم لا يستطيعون العمل.
فهو يقول: أنت الآن تعمل لكنك لا تعلم الحقيقة كما أعلمها أنا الميت، ونحن نعلم الحقائق لكننا لا نستطيع العمل. نعم، ونحن نعلم ولا نعمل، فاغتنم رحمك الله حياتك النفيسة، واحتفظ بأوقاتك العزيزة، واعلم أن مدة حياتك محدودة، وأنفاسك معدودة، فكل نفس ينقص به جزء منك، والعمر كله قصير، والباقي منه هو اليسير. وكل جزء منه جوهرة نفيسة لا عدل لها، أي لا مثيل لها. كل نفس هو شيء نفيس أعطاك الله إياه، لا مثيل له، لن تستطيع أن تعوضه.
نعم، ولا خلف منها، نعم لا تعوض. نعم، فإن بهذه الحياة اليسيرة خلود الأبد في النعيم أو العذاب الأليم. الدليل على أن كل نفس من أنفاسك جوهرة، وأن كل ساعة تمر عليك في حياتك جوهرة، أن هذه الساعات المحدودة اليسيرة بها سعادة الأبد، بها الخلود الأبدي. تخيل خلود أبدي لا ينتهي، ثمنه ساعات قليلة. إذاً كل ساعة بالنسبة لك تشكل الفرق، كل ساعة بالنسبة لك إما جنة أو نار.
فإياك أن تضيع الأعمار يا طالب العلم، إياك أن تنسحب من مجالس العلم النافع، إياك أن يراك الله بطالاً، فقد منحك الله الجواهر وهي الأنفاس والساعات والأوقات والأعمار، فاشتغل بها الآن، فإن بها سعادة الأبد أو جحيم الأبد. من عرف الحقيقة هذه هي. نعم، وإذا عادلت وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد، علمت أن كل نفس يعدل أكثر من ألف ألف عام في نعيم لا حصر له، أو خلاف ذلك، أو خلاف ذلك في جحيم لا حصر له، نسأل الله العافية.
نعم، وما كان هكذا فلا قيمة له، نعم، فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير عمل، ولا تذهبها بغير عوض، واجتهد ألا يخلو نفس من أنفاسك إلا في عمل طاعة أو قربة تتقرب بها. فإنك لو كانت معك جوهرة من جواهر الدنيا فضاعت منك لحزنت عليها حزناً شديداً، بل لو ضاع منك دينار لساءك، فكيف لو ضاع منك دينار لساءك، نعم لحزنت، بعض الناس يحزن على خمس دنانير لكن لا يحزن على خمس سنوات من عمره ضاعت سداً، لا يحزن.
نعم، فكيف تفرط في ساعاتك وأوقاتك، وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟ وإنني قد خطر لي أن أمثل هذه الدنيا وأهلها كمثل أهل سفينة، انظر هذا المثل الطويل الذي سيمثل به ابن قدامة حال الناس في الحياة الدنيا، وكيف تصرفهم في الحياة الدنيا كحال أهل هذه السفينة. انظروا واستمتعوا بهذا المثل جميل.
قال: ألقت الريح إلى جزيرة في البحر، فيها معادن الجواهر كلها، من الياقوت والزمرد والبلور والزبرجد واللؤلؤ والمرجان والدر، وما دون ذلك إلى العقيق والشيح، ثم بعد ذلك زلف وحجارة لا قيمة لها، وفيها أنهار وبساتين. إذاً أهل سفينة كانوا في البحر ألقت إلى جزيرة، هذه الجزيرة ماذا يوجد فيها؟ فيها معادن الجواهر، فيها الياقوت والزمرد والبلور والزبرجد إلى غير ذلك من الأحجار الكريمة النفيسة.
وفيها نفس الوقت بعد هذه الأحجار يوجد هناك على الشاطئ أو ما شابه ذلك زلف، الزلف هي الصخور الملساء، فيها زلف وحجارة لا قيمة لها أيضاً. وهذه الجوهرة، هذه الجزيرة فيها أشياء كريمة وجواهر وفيها أيضاً صخور صماء لا قيمة لها. طيب، وفي الجزيرة أيضاً حمى الملك، قد حد له حدوداً وأحاط عليه حائطاً، فيه خزائن الملك وإماء وولدان.
نعم، في هذه الجزيرة أيضاً حمى أي منطقة محمية لأحد الملوك، في هذه الجزيرة أرض محمية لبعض ملوك الأرض، وهذه المنطقة المحمية الملك وضع فيها خزائنه وجواهره وأمواله والإماء والولدان. نعم، فنزل أهل السفينة في الجزيرة، وقيل لهم: إن مقامكم بها يوم وليلة، فاغتنموا مدتكم القصيرة فيما أمكنكم من أخذ هذه الجواهر الكثيرة.
أهل السفينة أول ما وطئت أقدامهم هذه الجزيرة ناداهم مناد -بغض النظر من أين جاء- ناداهم مناد فقال لهم: ستبقون في هذه الجزيرة يوم وليلة، أربع وعشرون ساعة، فاغتنموا ما تستطيعون أن تجمعوه من الجواهر والدر، اغتنموا ما تستطيعون خلال اليوم والليلة، ثم ستغادرون هذه الجزيرة. نعم، فأما الحازمون فأسرعوا إلى تلك الجواهر، ينتقون منها ويحملونه إلى مخازنهم في السفينة، ويجدون ويجتهدون.
فإذا تعبوا تذكروا قدر تلك الجواهر التي يحصلونها، وكثرة قيمتها وقلة مقامهم في تلك الجزيرة، وأنهم عن قليل الراحلون منها لا يقدرون على الازدياد. فرفضوا الراحة وتركوا الدعة وأقبلوا على الجد والاجتهاد، وإن عرض لهم النوم تذكروا ذلك فذهب عنهم لذة النوم والكرى، وتمثلوا عند الصباح: "يحمد القوم السرى".
أما الطائفة الأولى، الحازمون أصحاب الهمة العالية، ماذا فعلوا؟ مباشرة أول ما عرفوا أن المقام لن يزيد عن أربع وعشرين ساعة، اندفعوا لجمع الجواهر النفيسة واللآلئ الثمينة ليضعوها في المخازن، حتى إذا ارتحلوا عن الجزيرة يكونوا قد حصدوا خيراً عظيماً. وكلما تعبوا في هذا اليوم تذكروا أن المقام قليل وأن الوقت قصير، فيجب أن نغتنم، فعادت الهمة من جديد. طردوا النوم عن أعينهم، أسهروا تلك الليلة من أجل أن يجمعوا أكثر قدر يمكن أن يجمع من الجواهر، لأنهم يعلمون أنه عند الصباح وعندما تغادر السفينة أرض هذه الجزيرة "يحمد القوم السرى".
ما هو السرى؟ هو السير والعمل في الليل. عندما يأتي الصباح الذين مشوا في الليل وتعبوا فيه سيحمدون الله سبحانه على هذه الهمة، وأما من كان نائماً في الليل ما استيقظ ولم يعمل سيعض أصابع الندم. هؤلاء الحازمون يمثلون الموفقين في الحياة الدنيا الذين وفقهم الله لاستغلال ساعات الحياة الدنيا بقيام الليل وقراءة القرآن وطلب العلم والانشغال بالبرامج النافعة.
وكلما جاءهم داعي الفتور والكسل وترك صحبة الصالحين تذكروا أن المقام يسير وأن العمر سينقضي فعادت لهم الهمة من جديد. كلما تذكرت ضيق المقام وسرعة الزوال فهذا يعينك بإذن الله على أن تثب همتك من جديد للبرامج النافعة. طيب نأتي إلى الصنف.
أما آخرون فأخذوا من الجواهر شيئاً، واستراحوا في أوقات الراحة، وناموا وقت النوم. انظر، هذا الصنف في الحقيقة هو ليس الصنف الثاني؛ بل هو تابع للفريق الأول، لكنه في المرتبة أقل منه. هم قوم استغلوا الحياة، استغلوا هذه الجزيرة، كانوا يأخذون من الجواهر، بس إيش مشكلتهم؟ إذا جاء وقت النوم ينامون، وإذا استيقظوا يجمعون الجواهر. هم ليسوا غافلين تمام الغفلة عن أن المدة قصيرة، لكن همتهم نصف نصف؛ يجمعون الجواهر ويستسلمون للنوم، ثم يجمعون الجواهر ثم يستسلمون. هؤلاء فازوا بالتأكيد، لكن هل فوزهم كالصنف الأول؟ كمن أسهر ليله ورفض النوم إلى آخر لحظة؟ بالتأكيد ذاك جمع كمية من الجواهر ليست كهذا؛ فهذا صنف واحد لكنهم متفاوتون.
أما فرقة أخرى فلم يتعرضوا للجواهر أصلاً، وآثروا النوم والراحة والتفرج، ومنهم قوم أقبلوا على بناء المساكن. الصنف الثاني قوم لم يلتفتوا إلى الجواهر أصلاً، عاشوا في هذه الجزيرة يوماً وليلة ما خطر في ذهنهم أن يجمع الجواهر ليحملها معه. طيب إيش سوى في الجزيرة؟ ماذا كان يفعل؟ قال: هؤلاء على أشكال وأنواع، قسها على حال الناس في الحياة الدنيا. قسم أقبلوا على بناء المساكن والقصور والدور، قسم قالوا: بدنا نبني هنا قصراً وبيتاً. طيب يا مسكين، أنت كم ستجلس في الجزيرة؟ يوماً وليلة، تنشغل في بناء قصر ربما لن تتمه؟ صار يبني القصور والبيوت له في هذه الجزيرة، مع أنه في اليوم الثاني سيغادرها.
وقوم أقبلوا على جمع الزلف والصدف والحجارة والشقف. قلنا ما هي الزلف؟ الحجارة التي لا تسوى شيئاً؛ من شدة غفلتهم أقبلوا على جمع حجارة وأمور لا تسوى شيئاً، وهذا هو مثاله حطام الحياة الدنيا الذي نقاتل عليه، حطام الحياة الدنيا الذي نختصم عليه في المحاكم، ويفترق القريب عن قريبه، ويهجر الأخ أخاه، وتجلس العائلة متقطعة متفككة سنوات على ميراث، هذا الميراث ما هو؟ مال الحياة الدنيا، هو زلف؛ لأنك لن تأخذه معك إلى قبرك، لا قيمة له.
وقوم أقبلوا على اللعب والتهات، وتشاغلوا باللذات وسماع الحكايات المطربات، وقالوا: ذرة منقودة خير من درة موعودة. قسم ثالث قال: أنا لماذا أشتغل في قيام الليل وأتعب في طلب العلم النافع؟ يا أخي هي الجوال، وهي السوشيال ميديا، وهي الرحلات والكشتات والطلعات مع الشباب والمطاعم، فأقبلوا على ماذا؟ في خلال اليوم والليلة على الجزيرة عملوا سهرة وجابوا منشد ولعبوا الشباب الألعاب التافهة، وقالوا: نسمع ونعبث ونجلس على الجوال نتصفح، قال: على الأقل ذرة منقودة خير من درة موعودة. هذا مثل اللي نحن بنسميه باللغة العربية: عصفور في اليد وعشرة على الشجرة. يعني نحن الآن في هالجزيرة مبسوطين، خلينا نستغل هذه الساعات وننبسط على البحر ونأكل ونشرب، وأما قضية الجواهر وأنها ستذهب معنا إلى بلادنا، فهذه صح درة شيء عظيم لكنها موعودة ليست ناجزة الآن.
كثير من الناس لا ينظر أكثر من الشبر أمامه، هو يريد أن يأخذ الشهوة الآن، يريد أن يتمتع من الدنيا الآن، فإذا قيل له: خفف لذتك في الدنيا، خفف التمتع، شد على نفسك حتى تأخذ اللذة الكاملة السعادة الأبدية في جنات النعيم، نظرته بتكون قاصرة، يقول لك: يا شيخ أنا بدي أتمتع في الدنيا قبل ما تروح علي لا دنيا ولا آخرة، فبقول لك بتمتع في الحياة الدنيا وبفعل الحرام، وبعدين في الآخرة عاد نتفاهم. طبعاً هو لسه هذا الصنف لم يدخل في الحرام بعد، لا، هذا الصنف هو يمثل التافه الذي لا يفعل شيئاً؛ يعني لسه هو لم يفعل الحرام، إنه الصنف الثالث هو اللي رح يعمل الحرام، لكن هي الفرقة التي هي زي حال كثير من شباب أمتنا اليوم، على الجوال في الجلسات العامة في الزيارات في الخرجات ما عنده شيء يملأ به وقته.
والفرقة الثالثة عدلوا إلى حمى الملك فطافوا به فلم يجدوا له باباً، ففتحوا لهم فيه ثغرة واقتحموه. الفرقة الثالثة هي أسوأ الفرق، فرق نحن قلنا هذه الجزيرة إيش عليها؟ في منطقة محمية فيها ممنوع حدا يقترب منها، التي هي منطقة الملك ووضع عليها سياج. هذه الفرقة الثالثة ضاقت بها الدنيا، فبدلاً من أن تشتغل بالجواهر والتقاطها، وبدلاً من أن تكون على الأقل من الفرقة الثانية التافهة، لا، أصرت أن تقترب من حمى الملك، من المكان المخصص، وهذا عليه حراسات أمنية وعليه أسلاك كهربائية وأبصر شو عليه من الأمور المعاصرة، فكانوا يحومون حول حمى الملك فلم يجدوا باباً يدخلون إلى منطقة الملك، فوجدوا ثغرة في الحائط نقبوها ودخلوا إلى مكان الملك وإلى مزرعته وإلى الأماكن الخاصة به، فانتهبوا ما في مزرعة الملك.
هؤلاء يمثلون في الدنيا من الذين يقتحمون الذنوب والمعاصي؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا الدنيا، أليس كذلك؟ نتمتع بالطعام والشراب وملذوذ النكاح، لكنه وضع مناطق محمية في الدنيا التي هي المعاصي، قال لك: لا تقرب هذه المنطقة، كما فعل سبحانه وتعالى بآدم: ﴿فَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: 35]. فالدنيا فيها مساحة كثيرة من المباح، بعض الناس يصر أن يقترب من مساحة الحرام، طيب يا أخي مساحة المباح تسعك، حتى تقترب من حمى الملك سبحانه وتعالى وتتجاسر على الحرام؟ مسكين هذا الإنسان! المهم ففتحوا خزائن الملك وكسروا أبوابها وانتهبوا منها وعبثوا بجواري الملك والولدان، وقالوا: ليس لنا دار غير هذه الدار. نعم، فجلسوا في مزرعة ملك تلك المنطقة، وأقاموا على ذلك حتى ذهبت مدة المقام، وضرب بوق الرحيل ونودي بالتحويل بالحث والتعجيل.
إذا جاء الصباح ونادى منادي الرحيل، الكل سيغادر، الفرقة الأولى ستغادر، والفرقة الثانية ستغادر، والفرقة الثالثة جبراً عنها ستغادر ولو أحبت المقام في الجزيرة. فأما الذين حصلوا الجواهر فرحلوا مغتبطين ببضائعهم؛ مغتبطين يعني مسرورين ببضائعهم، لا يأسون على المقام إلا للازدياد مما كانوا فيه، غير حازنين على أنهم فارقوا الجزيرة، اللهم إلا لشيء واحد، كانوا يتمنون البقاء أكثر لعلهم يلتقطون جواهر أكثر، لكن قدر الله في النهاية، الحمد لله حصلنا شيئاً عظيماً.
وأما الفرقة الثانية فاشتد جزعهم لعدم استبضاعهم؛ أي لأنهم لم يدخروا بضائع يحملونها إلى موطنهم الأصلي الذي سيعودون إليه؛ لأنهم كانوا يعيشون في التفاهة، كانوا يعيشون فقط للمزاح والضحك واللعب على شاطئ الجزيرة، فلم يدخروا بضائع ينقلونها إلى بلادهم، وكثرة تفريطهم وقلة زادهم وتركهم ما عمروه، وارتحالهم إلى ما خربوه، وهي موطنهم الأصلي الذي خربوه لما انشغلوا بحياتهم الدنيا.
وأما الفرقة الثالثة فكانوا أشد جزعاً وأعظم مصيبة، وقيل لهم: لا ندعكم حتى نحملكم ما أخرجتم من خزائن الملك في أعناقكم وعلى ظهوركم، فارتحلوا على هذه الصفة حتى وردوا مدينة الملك العظمى. فنودي في المدينة أن الفرقة الثالثة كانوا أشد جزعاً؛ أكيد لأنهم لم يكتفوا فقط بالتفاهة، بل اقتحموا سور الملك ودخلوا إلى حديقته، وقيل لهم: هذه الفرقة الثالثة لما غادروا لا ندعكم حتى نحملكم على ظهوركم كل ما أخذتموه من خزائن الملك ستحملونه على ظهوركم في السفينة. طيب لماذا؟ لأنهم سيريدون به على الملك ليعاقبهم عليه، قالوا: سنحملكم، كل ما أخذتم من خزائن الملك ستحملونه على ظهوركم حتى تمثلوا أمام الملك وأنتم قد أخذتم ما في خزائنه، لنرى كيف سيتعامل معكم الملك.
فنودي في المدينة أنه قد قدم قوم كانوا في معادن الجواهر، فتلقاهم أهل المدينة وتلقاهم الملك وجنوده فاستنزلوهم، وقيل لهم: اعرضوا بضائعكم على الملك. فالآن ارتحلوا من هذه الجزيرة وعادوا إلى موطنهم الأصلي الذي فيه الملك، فالملك وجنود الملك عرفوا بقدوم هذه السفينة من الجزيرة، فأنزلوا أهل السفينة وقالوا: تفضلوا اعرضوا لنا بضائعكم التي قدمتم بها من الجزيرة.
فأما أهل الجواهر فعرضت بضائعهم فحمدهم الملك، وقال: أنتم خاصتي وأهل مجالستي ومحبتي، ولكم ما شئتم من كرامتي، وجعلهم ملوكاً لهم ما شاؤوا، إن سألوا أعطوا، وإن شفعوا شفعوا، وإن أرادوا شيئاً كان. فقيل لهم: خذوا ما شئتم واحتكموا ما أردتم، فأخذوا القصور والدور والحور والبساتين والقرى والرساتيق، وركبوا المراكب، وسار بين أيديهم وحولهم الولدان والجنود، وصاروا ملوكاً ينزلون في جوار الملك ويجالسونه، وينظرون إليه ويزورونه ويشفعون إليه في من شاؤوا، وإن سألوه أعطاهم، وإذا لم يسألوه ابتداهم. إذاً الفرقة الأولى أفلحت، لما رآهم الملك قد أتوا بالجواهر النفيسة رفع قدرهم وأسكنهم مملكته، وأباح لهم كل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ففرحوا وفازوا وحمدوا أنهم تعبوا في تلك الليلة، هي ليلة واحدة الفرق الثلاث عاشتها، لكن هناك فرقة عاشتها متعبة ونالت في النهاية الراحة، وفي فرقة رفضت أن تتعب ليلة واحدة لكنها الآن ستدفع الثمن الباهظ.
وأما الفرقة الثانية فقيل لهم: أين بضائعكم؟ فقالوا: ما لنا من بضاعة. أين البضاعة؟ قالوا: والله نحن ما جبنا بضاعة معنا إلى الدار الآخرة، ماذا كنتم تفعلون؟ والله كنا على شاشات الجوال، وكنا على السوشيال ميديا، وكنا في المجالس العامة والمقاهي والسياحة، ويوم على تركيا، ويوم على مكان كذا، ويوم كنا قضيناها في السياحة والسفر والأكل والشرب، ما عملنا معاصي لكننا كنا في التفاهة. فهمتم الفرقة الثانية ما اقتحمت مساحة الملك لكنها لم تأتِ ببضاعة.
قيل: ويحكم! أما كنتم في معادن الجواهر؟ أما كنتم وهؤلاء الذين صاروا ملوكاً في موضع واحد؟ أنتم وزملاؤكم الذين رفعت منزلتهم، ألم تكونوا في نفس القرية أو في نفس الجزيرة؟ وكان الموضع واحداً ورأيتم الجواهر، ما منعكم أن تكونوا مثل إخوانكم؟ قالوا: بلى، ولكن آثرنا الدعة والنوم، يعني في صراحة نحن حبينا ننام تلك الليلة، ما أحببنا أن نشتغل. وقال بعضهم: اشتغلنا ببناء الدور والمساكن، وقال آخرون: اشتغلنا بجمع الزلف والشقف. فقيل لهم: تباً لكم! أما علمتم قلة مقامكم ونفاسة الجواهر التي عندكم؟ أما علمتم أن تلك ليست بدار مقام ولا محل لمنام؟ أما أيقظكم الوعاظ؟ الأيقاظ يعني زملاؤكم المتنبهين، المشايخ وأهل العلم ما نبهوكم؟ ما ذكروكم؟ ما خوفوكم؟ قالوا: بلى والله، وقد علمنا فتجاهلنا، وأوقظنا فتناومنا، وسمعنا فتصاممنا. أوقظنا فتناومنا، عملنا حالنا نايمين، وسمعنا فتصاممنا، أوهمناهم أننا عندنا صمم لا نسمع ولا نستفيد، تظاهرنا حتى يتركونا وشأننا نمارس اللهو والعبث.
فقيل لهم: تباً لكم آخر الدهر! فعضوا أيديهم ندماً، وبكوا على التفريط بعد الدموع دماً، وبقوا آسين متحيرين، ووقفوا منتظرين أن يتصدق عليهم بعض الذين صاروا ملوكاً بشفاعة، أو يتكلموا لهم عند الملك بكلمة؛ فهؤلاء لأنهم ليسوا من أهل المعاصي والذنوب، بقوا واقفين أذلاء ينتظرون إخوانهم الذين أصبحت لهم منزلة عند الملك، لعلهم يشفعوا لهم بشفاعة أو أن أحدهم يذكرهم عند الملك فيكونوا يدخلوا الجنة بشفاعة الشافعين، وإلا فأعمالهم هم لا تؤهلهم لأن يدخلوا الجنة. فهؤلاء إن خرجوا من الجزيرة على طاعة الملك، لم يهتكوا حرمة ولم يتعدوا حدوده، رجي لهم بعض الاتصال بالملك. هذا الصنف الثاني صحيح هو لم يأتِ ببضاعة، لكن على الأقل كما قال لم يقتحم حمى الملك، فلعل الملك أن يرحمهم برحمته، طبعاً هم لن ينالوا منازل السابقين ولن يكونوا من المقربين، لكن والله جزاهم الله خيراً أنهم لم يقتحموا حمى الملك، فيمكن للملك أن يرحمهم برحمته ويدخلهم دار رحمته الجنة، ولكنهم لن يكونوا في يوم من الأيام كالسابقين.
وأما الفرقة الثالثة، وهي التي اقتحمت حمى الملك، فجاؤوا يحملون أوزارهم على ظهورهم يائسين مبلسين حيارى سكارى، قد زلت بهم القدم وحل بهم الندم ونزل بهم الألم وافتضحوا عند الأمم، فأبعدهم الملك عن داره وطردهم من جواره، وأمر بهم إلى السجن فجروا إليه، قد أيقنوا بالعذاب وجل أمرهم عند العتاب. قال تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: 24]. وإن يستعتبوا أي أن يطلبوا الرجوع فما هم من المعتبين، لن نرجعهم ولن نقبل إعطاءهم أي فرصة أخرى.
فانظر رحمك الله، فانظر رحمك الله إلى تفاوت ما بين المنزلتين، وما حصل من الفرق بين الفريقين بالصبر في تلك المدة القصيرة اليسيرة التي أقاموا في الجزيرة. فهذا تقريب مثال الدنيا من عمل فيها بالطاعة ومن استوعبها بالتفريط والإضاعة، فاجتهد رحمك الله أن تكون من الفرقة الأولى، الذين استوعبوا الساعات بالطاعات ولم يفرطوا في شيء من الأوقات، وألزم قلبك الفكر في نعم الله لتشكرها، وفي ذنوبك لتستغفرها، وفي تفريطك لتندم، وفي مخلوقات الله وحكمه لتعرف عظمته وحكمته، وفيما بين يديك لتستعد له، أو في حكم شيء تحتاج إليه لتعلمه. وألزم لسانك ذكر الله تعالى؛ لأن هكذا ينبغي للمؤمن أن يشغل فكره في الحياة الدنيا، أن يشغل فكره بشكر الله على النعم والاستغفار من الذنوب التي تبيد هذه النعم وتجلب النقم، ويتفكر في تفريطه في مقام لعل ذلك يجلب له ندماً، ويتفكر في مخلوقات الله وحكمه، ويتفكر فيما هو مقبل عليه من الدار الآخرة، ويتفكر في العلم النافع الذي هو سبيل بإذن الله ليهتدي في طريقه إلى الله. وألزم لسانك ذكر الله تعالى؛ إذاً هناك وظيفة للقلب، هناك وظيفة للسان، هناك وظيفة للجوارح، فأعطاك وظيفة القلب؛ وظيفة القلب التفكر، التفكر فيما ذكره لك، وأما...
وظيفة اللسان في الدنيا هي ذكر الله تعالى ودعاؤه واستغفاره، أو قراءة القرآن، أو علم أو تعليم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو إصلاح بين الناس؛ هكذا تشغل لسانك في الحياة الدنيا. الدعاء، الاستغفار، قراءة القرآن، تكرار العلوم، دراسة العلوم، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الإصلاح بين الناس؛ هذه وظيفة اللسان.
أما وظيفة الجوارح، فاشغل جوارحك بالطاعات، وليكن من أهمها الفرائض في أوقاتها على أكمل أحوالها، ثم ما يتعدى نفعه إلى الخلق، وأفضل ذلك ما ينفعهم في دينهم كتعليمهم الدين وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. إذاً، وأما عمل الجوارح فأولاً عليك أن تقوم بالفرائض، فكما جاء في الحديث القدسي: «ما تقرب عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فالإنسان لا يشتغل بالدعوة إلى الله والأعمال الخيرية والتطوعية وهو مقصر في الفرائض، تؤدي الفرائض ثم بعد ذلك تشتغل بالنوافل، وأفضل النوافل النوافل المتعدية، النوافل التي يتعدى نفعها إلى الآخرين.
يعني أيهما أفضل في حال تزاحم: قراءة القرآن أو قيام الليل، أم تعليم الناس العلم؟ تعليم الناس العلم. أيهما أفضل: قراءة القرآن أم المشاركة في إغاثة الملهوفين؟ المشاركة في إغاثة الملهوفين؛ لأن النفع، النفل إذا كان متعدياً أثره أفضل من النفل القاصر. ولكن الإنسان يحاول أن يجمع بين الخيرين، لا تقول يا شيخ طلب العلم أفضل من قيام الليل بالتالي تترك قيام الليل وتترك بعد ذلك طلب العلم، فلا أنت للعلم طلبت ولا للقيام فعلت. لا، حال السلف أنهم كانوا يجمعون بين الأعمال التي نفعها قاصر كقيام الليل وقراءة القرآن، وبين الأعمال التي نفعها متعدٍ. لكن هذه المقابلة هي مقابلة علمية نظرية، يعني لو أيهما أفضل من ناحية علمية كما قال: ثم ما يتعدى نفعه إلى الخلق، هذا أفضل من الأعمال القاصرة نفعها عليك، لكن الأصل أن الإنسان يضرب بسهم هنا وهنا.
فصل، واحترس من مفسدات الأعمال لئلا يفسد عملك ويخيب سعيك، فلا تحصل على أجر العاملين ولا راحة البطالين، وتفوتك الدنيا والآخرة. ما هي مفسدات الأعمال الصالحة؟ قال: فمن ذلك الرياء، والعمل لمحمدة الناس، فإن هذا شرك، وهو ابتداء من الشرك الأصغر الذي يدخل على العمل الصالح فيفسده، لكنه قد يتطور مع الوقت ويصبح الإنسان هذا لا يعمل إلا للناس ولا يلتفت إلى الله سبحانه، فيصبح شركاً أكبر يخرجه من الملة والعياذ بالله. وقد روينا عن الله عز وجل أنه قال: «من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك وأنا منه بريء». وقد لا يحصل للمرائي ما قصده فيخيب.
نعم، الله عز وجل أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل أن يكون له شريك، وهذا المرائي المسكين الذي يطلب الناس قد لا يحصل له أيضاً ما يطلبه من الناس؛ يعني أنت ترائي للناس حتى تمدحك، حتى تثني عليك، حتى تحملَك، قد لا يفعل الناس ذلك، وتكون عندئذ خسرت بالكلية؛ خسرت الدنيا والآخرة. هذا معنى قوله: وقد لا يحصل للمرائي ما قصده؛ يعني أنت ترائي للناس حتى تمدحك، لتثني عليك، فلا تحصل ذلك فتكون خبتَ بالكلية دنيا وأخرى.
فقد روينا أن رجلاً كان يرائي بعمله، فإذا مر بالناس قالوا: هذا مراء. فقال يوماً في نفسه: والله ما حصلت على شيء فلو جعلت عملي لله؛ فما زاد على أن قلب نيته، فكان إذا مر بهم بعد قالوا: هذا رجل صالح. يعني هذا الرجل كان يعمل للناس والناس كانت تعرف ذلك، فكان إذا مر بهم يقولون هذا رجل مراء، فالرجل هذا أقنع نفسه قناعاً صحيحاً، قال: يعني أنا ما استفدت من مراءاتهم إلا أن ذموني، فلأجعل عملي لله والله عز وجل يكفيني. بمجرد أن قلب نيته وأصبح يعمل لله، الله عز وجل ترك له قبولاً عند الناس، ترك له قبولاً عند الناس، واختلف حاله؛ فإذا تريد الناس، لن تصل للناس إلا إذا عملت لله، لن تصل للناس إلا إذا عملت لله.
ومن مفسدات الأعمال العجب، قال: ومن ذلك العجب؛ فقد روي أن المدلّي لا يجاوز عمله رأسه. المدلّي الذي يرى نفسه شيئاً، هذا المدلّي بعمله، يعني الذي يرى أنه شيء وأنه أفضل من غيره في طلب العلم أو الصلاة أو الالتزام، هذا لا يجاوز عمله رأسه بمعنى أنه لا يثاب على عمله. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: يا موسى، قل للعاملين المعجبين اخسروا، وقل للمذنبين التائبين أبشروا. وقال بعضهم: لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً. إنك تبيت قائماً لليل ثم تصبح معجباً بنفسك أمام الناس: ترى أنا الحمد لله قمت الليل! لا، لأن أبيت نائماً مش عامل شيئاً، لكن تصبح نادماً شاعراً بالتقصير، أفضل من أن تبيت قائماً لليل وتصبح أمام الناس معجباً بنفسك.
ولا تحقرن مسلماً ولا تظنن أنك خير منه، فإن ذلك ربما أحبط عملك. وقد روينا أن عيسى عليه السلام خرج في سياحته معه بعض حوارييه فمر بقلعة فيها لص، فلما رآهما قال لنفسه: هذا عيسى نبي الله، وهذا حواريه، ومن أنت يا شقي؟ لص تقطع الطريق وتخيف السبيل وتقتل النفس التي حرم الله. فنزل إليهما تائباً نادماً؛ يعني هذا اللص استحقر نفسه، قال: أنت سمعتك في الحياة الدنيا إيش؟ لصّ، سرّاق. انظر هذه الألقاب الشريفة التي يقاتل من أجلها عالم، طالب علم، هذه ألقاب شريفة، أما أنت اسمك في النهاية يا معاصي، ما اسمك عاصي؟ تخيل أن اسمك عاصي، ما هذا اللقب الذي اخترته لنفسك؟ اسمك في النهاية شارب مسكر، شارب مخدرات، رجل يرافق النساء؛ يعني ألقاب كلها دنيئة، والعاقل لا يرضى لنفسه الألقاب الدنيئة.
فلما أراد أن يمشي معهما قال لنفسه: ما أنا بأهل أن أمشي معهما، ولكن أمشي خلفهما كما يمشي المذنب الذليل. فمشى خلفهما، فالتفت الحواري فرآه يمشي خلفهما فعرفه، فقال في نفسه؛ الحواري الآن ماذا قال في نفسه؟ هذا الحواري التفت فرأى هذا الذي كان لصاً وتاب الآن راه يمشي خلفهما، فالحواري يقول في نفسه: من هذا الكلب حتى يمشي خلفنا؟ إذاً الحواري عنده عجب واللص عنده ندم، فهمتم الآن القصة؟ اطلع على ما في أنفسهما، عرف الله ما في نفس الحواري وما في نفس اللص، فأوحى إلى عيسى عليه السلام: قل للحواري واللص يستأنفان العمل، ليبدأ العمل من جديد؛ يعني تم تصفير العداد لكليهما.
اللص تم تصفير عداد السيئات، وأما الحواري تم تصفير عداد الحسنات، ألغى الله كل حسناته، لماذا؟ لأنه أعجب بنفسه. فإما اللص فقد غفرت له بتوبته وازدراء على نفسه، وأما الحواري فقد أحبطت عمله بازدرائه للصائب. وهذا يجعلنا دوماً أيها الكرام لا نزدري أصحاب الذنوب والمعاصي في مجتمعاتنا. دائماً إذا رأيت إنساناً على معصية فقل: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلانا به، لكن لا تبدأ تستهزئ به. بعض الشباب الملتزم عنده فكرة الاستهزاء بأهل المعاصي، الآن لو رجل فاجرٌ معلنٌ بفجوره، هذا نعم يذكر ليحذر منه، وينبه أن هذا فاجر، لكن أصحاب المعاصي والذنوب الأخرى، الذي ابتلي بالنساء أو بالشرب أو ما شابه ذلك، سل الله له الهداية، سل، ما راح تخسر شيئاً، سل الله له الهداية وحاول أن تدعوه، وإذا لم تستطع أن تدعوه فعلى الأقل كف لسانك عنه، واسأل الله أن يعافيك مما ابتلاه به، هذا حال الإنسان المتزن. ولا تكن غياباً عياباً فقط، بمجرد أن ترى أصحاب معاصي تدخل في أعراضهم. ترى كثيراً من الشباب الذي يدخل في أعراض أصحاب المعاصي، ترى بعضهم بعده في هذا، أنه يريد ما يفعل لكنه عنده حاجز نفسي فيرى أنه يفرغ هذا الحاجز النفسي من خلال استنقاصهم والدخول فيهم، وهذا خطأ. الإنسان يرحم الناس، ويكون أرحم الناس من الناس أهل الخير والإيمان.
وقال بعض أنبياء بني إسرائيل لقومه: ائتوني بخيركم، فأتوه برجل، فقال له النبي: ائتني بشرهم. فرجع بنفسه، فقال: ما وجدت فيهم شراً مني. فقال: صدقوا، أنت خيرهم. وقال بعض أنبياء بني إسرائيل لقومه: ائتوني بخيركم، فأتوه برجل قالوا: هذا خيرنا، هذا أحسن واحد فينا. فالنبي قال لهذا الرجل: اذهب ائتني بشرّ رجل في المجتمع. فذهب الرجل، فقال: والله ما وجدت يا نبي الله شراً مني. فقال: صدقوا، فعلاً أنت خيرهم. لماذا؟ لأن خير الناس هو الذي يرى عيوب نفسه ومعاصيها فيستكثرها، ويرى عيوب الناس وذنوب الناس فيستقلها؛ يعني يرى أن خطأه أكثر من خطأ الناس. هذا الرجل قال له النبي: اذهب انظر من أكثر الرجل شراً في المجتمع، قال: ذهبت ففتشت فلم أجد إنساناً أكثر شراً مني. فعرف هذا النبي أن هذا الرجل فعلاً صادق، رأى عيوبه أكثر من عيوب المجتمع.
ومن مفسدات الأعمال أيضاً مخالفة السنة، وهو الابتداع، قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً؛ فإن البدعة قد تكون بدعة قولية أو بدعة عملية أو بدعة في العقيدة. مخالفة السنة قولاً وفعلاً أو اعتقاداً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الدليل الهادي إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]. فمن خالف الدليل وأخذ بغير طريقه ضل. فمن بنى علاقته مع الله بغير دليل شرعي فقد ضل، أنت سلكت طريق أهل البدع والعياذ بالله. بل اتبع السنة، سر حيث سارت، وقف حيث وقفت، ولا تتجاوزها فتغلو في دينك؛ مثل الوسوسة في الطهارة والصلاة، والزيادة على الغسلات المشروعة، والإسراف في الماء وتنجيس ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمله ويطهره، والصلاة في وقت نهيه، والصوم فيما نهى عنه كصوم يوم الشك وصوم أيام العيد وما شابه ذلك. إياك أن تتخذ عبادة الله بغير ما شرع الله، إياك أن تتعبد الله بغير ما شرع.
وإذا رأيت من يطير في الهواء أو يمشي على الماء ونحوه، فأعرض أفعاله وأقواله على الكتاب والسنة؛ فإن وافقهما وإلا فارم به وانبذه، فلا خير فيه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. إذاً أي رجل يدعي أنه من الأولياء أو الصالحين، لو رأيت هذا الرجل يطير في الهواء -تخيل- ويقول لك أنا ولي من أولياء الله، أو رأيته يمشي على الماء، لا تصدقه حتى تعرض عمله على الكتاب والسنة. إذا رأيته متمسكاً بالسنة، نعم الله يعطي الكرامة الصحيحة لمن هو متمسك بالسنة الصحيحة، أما رجل يقول لك أنا من الأولياء والصالحين وتُقبّل رأسه ويده وكذا، وأننا ولي ولا قطب ولا وتد، وتراه حالقاً للحية، يصافح النساء ويجالسهن، ويشتغل بالموسيقى والمعازف، هذا عن أي ولاية تتحدث؟ وإنما هي الجن والشياطين هي التي حملتك ورفعتك. أما الولاية فسبيلها هو الاتباع: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: إذا أردت عملاً ترى أنه طاعة، فانظر فإن وردت به السنة وإلا فدعه.
فصل، وإذا دعتك نفسك إلى معصية فذكرها سوء عاقبتها، واعلم أن الله تعالى ناظر إليك مطلع عليك. إذا دعتك النفس إلى معصية في يوم من الأيام، فأمامك وسيلتان لردعها: أولاً النظر في العواقب، تخيل نفسك بعد المعصية، تخيل نفسك كيف تكون قبيحاً شنيعاً سيئاً ممقوتاً، تخيل هذه المعصية ماذا يمكن أن تجر لك حتى من الوبال على المستوى الدنيوي، ثم الوبال على المستوى الأخروي؛ فإن التفكير في العواقب يمنع الإنسان من اقتحام المعاصي. هذا أولاً. ثانياً، عليك أن تتذكر اطلاع الله عليك، استحِ من الله كما جاء في الحديث، كما تستحي من رئيس عشيرة لا تحب أن ينظر إليك، استحوا من الله كما تستحون من آبائكم وأسيادكم ومعلميكم ومشايخكم، فإنك إذا فعلت ذلك انزجرت عن الذنب والمعصية. فقل لنفسك: لو كان رجل من صالحي قومي يراني لاستحييت منه، فكيف لا أستحيي من ربي تبارك وتعالى؟
ثم لا أمنُ تعجيل عقوبته وكشف ستره؛ نعم الله قد يعجل لك العقوبة في الدنيا، وقد يهتك سترك، قد يهتك سترك وأنت مصر على ذنوب الخلوات، فإذا في يوم من الأيام الله عز وجل يفضحك أمام الناس، سل الله العافية. واعلم أنك لا تقدر على معصيته إلا بنعمته؛ نعم، أنت لن تستطيع أن تنظر إلى الحرام إلا بالبصر الذي هو نعمة منه، أنت لن تستطيع تتكلم بالحرام إلا بلسانك الذي هو نعمة منه، لن تستطيع تسمع الحرام إلا بأذنك التي هي نعمة منه. واعلم أنك لن تقدر على معصيته إلا باستعمال نعمة من النعم التي أنعم بها عليك، المال أنت تعصي به الله وهو نعمة من الله لك. فكم له عليك من نعمة في يدك التي مددتها إلى معصيته، وكم له من نعمة في عينك التي نظرت بها إلى ما حرم عليك، وفي لسانك الذي نطقت به بما لا يحل لك، وليس من شكر إنعامه أن تستعين به على معاصيه. كان بعضهم يقول: اللهم إني أستغفرك من خطيئة قوي عليها بدني بعافيتك.
ونالتها يدي بفضل نعمتك، وانبسطت فيها بسعة رزقك، واحتجبت فيها عن الناس بسترك، وجراني عليها حلمك وأناتك، واتكلت فيها على كريم عفوك.
جميل هذا، يقول: اللهم إني أستغفرك من خطيئة، هذه الخطيئة أنت قويت على فعلها بماذا؟ بالعافية، وهي نعمة من الله، ونالتها يدك، وهذه نعمة من الله، وانبسطت في هذه المعصية بسعة رزق الله بالمال الذي ربنا أنعم به عليك، وفعلت هذه المعصية في خلوة بنعمة الستر، التي هي أيضاً نعمة من الله، وجراك على هذه المعصية حلم الله بك، وحلم الله نعمة من الله، واتكلت أن الله يغفرها لك بماذا؟ بعفو الله، وهي نعمة من الله. فهذه المعصية من بدايتها إلى نهايتها استعنت عليها بكل نعم الله، نسأل الله العافية.
ولو لم يكن من نعمة عليك في معصيتك إلا سترها عليك لكفى؛ فلو اطلع الناس عليك لانهتك ستره وافتضحت. وقد روينا أن رجلاً أتى إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقال: يا أبا إسحاق، إنني لا أصبر عن المعاصي فقل لي قولاً أنتفع به. هذا رجل صريح يقول لإبراهيم بن أدهم: أنا إنسان الشهوة عندي عالية، ما أنا قادر أبتعد عن المعاصي، قل لي قولاً أنتفع به. فقال له إبراهيم -أحد أئمة الزهد-: نعم، أقول لك خمس خصال إن قدرت عليها لم تضرك معصية. قالوا: خمسة أشياء إذا قدرت عليها افعل ما شئت من المعاصي، بس خمسة أشياء حققها، إذا قدرت عليها افعل ما شئت من المعاصي. قال: هات.
قال: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل رزقه. إذا أردت أن تعصي الله خلص، لا تأكل من الرزق الذي يعطيه إليك. أنت تريد أن تعصيه، لا تأكل من الرزق الذي يعطيك إياه، لا يصلح أنك تأكل من رزق شخص ثم اليوم الثاني تعصيه وتهتك الستر بينك وبينه، هذا ليس أبداً خلقاً ولا مروءة. قال: يا أبا إسحاق، فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزق الله؟ قال: أفحسن بك أن تأكل كل رزقه وتعصيه؟ قال: لا. هات الثانية.
قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن بلاده. قال: هذه أشد من الأولى، إذا كانت السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما له فأين أسكن؟ قال: يا هذا، أفحسن بك أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ قال: لا. هات الثالثة.
قال: فإذا أردت أن تعصيه فانظر موضعاً لا يراك فاعصه فيه. قال: يا أبا إسحاق، فكيف أصنع وما في السماء والأرض والجبال والبحار موضع إلا وهو بارز له؟ نعم، ما في مكان في الأرض الله غير مطلع عليه، كلها بارزة له سبحانه، حتى الأرض السابعة الله مطلع عليها، يرى ما في قعر البحار وتحت أطباق الجبال. قال: يا هذا، أفحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتجاهره بمعصيته؟ قال: لا. هات الرابعة.
قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل: أخرني حتى أتوب. قال: لا يقبل مني. قال: يا هذا، فإذا كنت تعصيه ولا تأمن مفاجأة الموت ولا يقبل منك فيؤخرك لتتوب، فتموت على غير توبة، فكيف يكون حالك؟ قال: هات الخامسة.
قال: إذا جاءتك الزبانية ليأخذوك إلى النار فلا تمضي معهم. قال: لا يدعونني. قال: الزبانية ما راح تخليني، ستجرني إلى النار غصباً عني. قال: فإذا كنت لا تقدر على الامتناع منهم ولا تدع المعصية فكيف ترجو الخلاص؟ قال: حسبي، ولزم إبراهيم فعبد الله معه حتى مات على خير واستقامة نحسبه، والله أحسبه.
وإذا ابتليت بمعصية؛ فالأصل أن الإنسان يبتعد عن المعاصي، وعرفنا كيف يبتعد عن المعاصي من خلال النظر في عواقبها وفي النظر إلى ستر الله عليك، فاستحي من الله سبحانه وتعالى، وتذكر أن كل معصية مئة في المئة أنت ستفعلها بواسطة نعمة من نعم الله عليك. هذا المبدأ عليك أن تتذكره، أي معصية ستفعلها في حياتك لا بد وأنك ستفعلها بواسطة نعمة من نعم الله عليك، فاستحي من الله، استحي من الله.
طيب، إذا بليت بمعصية يا شيخ وضعفت، ماذا أفعل؟ قال: وإن ابتليت بمعصية فبادر إلى التوبة والاستغفار والندم، وابكِ على خطيئتك فإنك لا تدري على ما أنت منها. كان بعضهم يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت. وشكي بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه، فكتب إليه: يا أخي، اذكر سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، واحذر أن يكون المنصرف بك من عند الله إلى النار، فيكون آخر العهد ومنقطع الرجاء. شكي إلى عمر بن عبد العزيز أن أحد عماله أو أمرائه يظلم الناس أو يقصر، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز بهذه الوصية: اذكر سهر أهل النار في النار، أهل النار سهرانين، ترى يا جماعة النار ما فيها نوم. اذكر سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، المشكلة أنه سهر لا ينقطع، ويوم لا نهاية له. قال: واحذر أن يكون المنصرف بك من عند الله إلى النار.
فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال: ما أقدمك؟ فقال: خلعت قلبي بكتابك، لا عملت لك ولا لأحد بعدك. هذا الأمير رجل صالح ترك الإمارة وذهب إلى عمر بن عبد العزيز، طوى البلاد يعني مشى حتى وصل إلى عمر بن عبد العزيز وقال له: اسمع، ترى الرسالة التي أرسلت بها إلي خلعت قلبي، لن أشتغل لأحد من الأمراء بعدك.
واعلم يا أخي أن الخطر عظيم، والخطب جليل، وأننا قد عرضنا لأمر لا تقوم له الجبال الشوامخ، ولا الأرض العريضة، ولا السماء الرفيعة، ولا البحار الواسعة، وحملنا أمراً أشفقت من حمله السماوات والأرض والجبال، قال تعالى: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. وخلقت لنا النار التي لا مثل لعذابها، ووعدها الله تعالى أن يملأها منا ومن الجن، قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13].
وكيف حال من تشتعل النار في جسده كله؟ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]. يسحب في حميم قد انتهى حره على جسده ووجهه، ويصب من فوق رأسه فيصهر به ما في بطنه، وينتزع عنه جلده، ثم يسجر في نار تشعل على جسمه وجلده ووجهه، ثم لا غاية لعذابها، ولا يفتر عنهم ولا يرجون منها فرجاً. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 74-77]. لا يرحمون إن بكوا، ولا يعذرون إن شكوا، ولا يجابون إن دعوا، ولا يعتبون إن استعتبوا. قال تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: 24].
يروى أن عمر رضي الله عنه مر بكثيب من الرمل، فقال: مساكين أهل النار، لو علموا أنهم إذا لبثوا في جهنم عدد هذا الرمل ثم أخرجوا منها لكان لهم أمد يمدون بأعناقهم إليه، ولكنهم لا غاية لهم. نعم، مساكين أهل النار لو علموا أنهم إذا لبثوا في جهنم عدد حبات الرمل ثم أخرجوا منها لكان لهم أمد يمدون أعناقهم إليه، يعني لو قالوا لك ستمكث في النار خمسة ملايين سنة، في بعد الخمسة ملايين سنة أمد إن شاء الله بنطلع، لكن المشكلة أنه لا نهاية، وهذا هو أكثر شيء مرعب في النار أنه لا نهاية. لو كان في نهاية، لو بعد خمسة ملايين سنة في النهاية في أمد يمكن نتكلم فيه، المشكلة قال: ولكن لا غاية له.
ومن كان حاله هكذا فلا يأمن على نفسه أن يكون من أهلها، فحقه ألا يفتر من البكاء ولا يستقر به قرار. فكن يا أخي على حذر ولا تأمن وأنت معرض لهذا الخطر، كان بعضهم يبكي كثيراً فقيل له في ذلك فقال: والله لو توعدني ربي أن يسجنني في الحمام كان حقي ألا أفتر من البكاء، فكيف وقد توعدني أن يسجنني في النار إن أنا عصيته؟ يعني لو وعدني أن يسجنني في حمام لكان لازم أظلني أبكي طول عمري، فكيف وهو يتوعدني أن يسجنني في جهنم؟ مش مجرد حمام ماء ساخن، يعني جهنم والعياذ بالله وبئس المصير.
وكان يزيد الرقاشي كثير البكاء، إذا دخل بيته بكى، وإن خرج بكى، وإن دخل المسجد بكى، وإن جلس إليه إخوانه بكى. فقال له ابنه: يا أبتِ، كم تبكي؟ فوالله لو أن النار لم تخلق إلا لك ما زدت على ذلك. فابنه يقول له يعني يا أبتِ أنت تبكي كثيراً، والله لو أن النار لم تخلق إلا لك لما استطعت أن تزيد على هذا البكاء، فبكى رجع أبوه وبكى وقال: ثكلتك أمك يا بني، وهل خلقت النار إلا لي ولإخواني من الإنس والجن؟ أما تقرأ يا بني، اقرأ الآية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33].
أما تقرأ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35]. نعم، أما تقرأ قول الله: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 37-44].
فقام يجول في الدار ويبكي ويصرخ حتى غشي عليه، فقالت أم الغلام له: يا بني -أم الغلام يعني أم الشاب- بتقول له: يا بني ما أردت إلى هذا من أبيك؟ يعني أنت بدك تخفف عن والدك بتلك الكلمة التي قلتها أم بدك تزيدها عليه؟ هو ايش قال لوالده: والله لو أن النار لم تخلق إلا لك ما زدت على هذا. هذه الكلمة هو أراد ابنه أن يخفف عن أبيه من البكاء فزادت بكاء أبيه، فأم الولد تقول للولد: يا بني ما أردت إلى هذا من أبيك، أنت ليش قلت لأبوك هذه الجملة، ماذا قصدت؟ فقال الولد: والله ما أردت إلا أن أهون عليه، ما أردت أن أزيد عليه حتى يقتل نفسه، لكن المفعول كان معاكساً.
ثم قال: واعلم يا أخي، واعلم يا أخي أن الذي خاف منه أولئك نحن مثلهم فيه بل نحن أحق به منهم، فما الذي يؤمننا دونهم؟ أحسنت، يعني الذي كان يبكي يزيد الرقاشي نحن أولى أن نبكي من يزيد الرقاشي، يعني يزيد الرقاشي كم كانت ذنوبه؟ ايش كانت المشاكل في حياته؟ أنا وإياكم أولى أن نبكي على أنفسنا من بكاء يزيد الرقاشي.
واعلم رحمك الله أن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وأنه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وأن من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، وأن الأعمال الصلاة لمواقيتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. هذا ورد في حديث ابن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.
وأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وأوثق عرى الإيمان الأمور التي تثبت الإيمان أن يكون حبك للأشخاص في الدنيا معياره الله سبحانه وتعالى، وبغضك للأشخاص في الدنيا معياره أيضاً الله سبحانه وتعالى. فأنا أحبك لله، وعلاقتي معك لله ليست لدنيا، ولا لعشيرة، ولا لنسب، ولا لوطنية، ولا لقومية، ولا لأي علاقة دنيوية، وإنما الحب في الله، وإذا أبغضت شخصاً فإنما أبغضه لمعاصيه، لذنوبه، لكفره، لفسقه، لبدعته، لما فيه من هذه الأمور، وليس لدنيا لا أريدها منه.
وأن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وهذا وردت فيه الآثار أن الصبر منزلته من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، كما أن الرأس هو أساس الجسد، في جسد بدون رأس ما في، كذلك لا إيمان بلا صبر، لأن الإيمان علاقته أنه حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، فبدك تصبر ما عندك مجال، حفت الجنة بما تكرهه النفوس، وحفت النار بالشهوات التي تحبها النفوس، فالذي سيبلغك الجنة ويصرفك عن النار هو صبرك.
وملاك الأمر الدعاء، فإن الأمر كله بيد الله، يهدي من يشاء ويستعمله، ويضل من يشاء ويخذله، فينبغي لك أن ترغب إلى من الأمر بيديه وتفوض أمرك إليه، وأساس السير إلى الله يكون بالدعاء. وملاك الأمر الدعاء، أنه في النهاية سعادتك ونجاتك وخيرك أو شقائك وبؤسك كله بيد من؟ بيد الله سبحانه وتعالى، فإذا عرفت أن الأمور كلها بيديه فاطلبها منه، وعليك أن تدعو الله سبحانه وتعالى، فإن الدعاء مخ العبادة كما جاء في بعض الروايات وإن كان فيها ضعف، والله عز وجل يحب العبد الذي يلح في الدعاء، فالدعاء هو أساس مقامات العبودية للوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
وليكن دعاؤك بخضوع وخشوع وبكاء وتضرع. ليكن دعاء مليء بالتركيز، ليكون دعاء حقيقياً، ليس دعاء الغافل العابث، حاول أن تحضر قلبك وأن تكون خاشعاً متضرعاً منقطعاً أثناء دعائك. فإن بعضهم قال: إني لأعلم حين يستجيب لي ربه عز وجل، بعض السلف يقول: إني لأعلم متى سيستجيب لي ربي في أي دعاء سيستجيب لي، قيل له: كيف؟ قال: إذا وجل قلبي، واقشعر جلدي، وفاضت عيناي، وفتح لي.
في الدعاء صرت أشعر أني أدعو بكلمات جميلة وبمشاعر، وعندئذ أعرف أن هذا الدعاء ستعقبه إجابة؛ هو عرف من نفسه في اللحظة التي يقشعر بدنه ويخشع قلبه ويفتح الله عليه، إذا الله يريد أن يعطيني. طبعاً هذا يكون من خبرته مع الدعاء. قالت أم الدرداء لشهر بن حوشب -وهذه أم الدرداء الصغرى تقول لأحد رواة الحديث الكبار وأحد التابعين لشهر بن حوشب-: ألا تجد قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: فادعُ عندها؛ فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. لما تشعر أن جسدك يهتز وأن قلبك يرجف -كما يقولون-، هذه لحظة ضعف كبير، ادعُ الله عندها؛ فإن الدعاء أقرب ما يكون عند لحظة القشعريرة.
وعن أبي الجلد قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: يا موسى، إذا ذكرتني فاذكرني وأعضاؤك تنتفض، وإذا دعوتني فاجعل لسانك من وراء قلبك. يعني اجعل قلبك كأنه هو الذي في المقدمة واللسان تبع لما في القلب، ولا يكن دعاؤك دعاء لسان بعيد عن القلب. وإذا قمت بين يدي فقم مقام الذليل الحقير، وذم نفسك فهي أولى بالذنب، وناجني حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق. وفوض أمرك إلى الله، واستطرح بين يديه، وأشعر قلبك أنه لا ينالك من الرزق والخير إلا ما كتبه الله لك ولو اجتهدت فيه بحيلة أهل السماوات والأرض، ولا يجري عليك مما تكرهه إلا ما كتبه الله ولو اجتمع عليك من في السماوات والأرض.
واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. واعلم أن من هو في البحر على لوح ليس بأحوج إلى الله تعالى وإلى لطفه ممن هو في بيته وبين أهله وماله. لما تنظر إلى إنسان مكروب؛ ليس المكروب الذي هو في بحر على لوح بين الحياة والموت بأحوج إلى الله منك أنت الذي تجلس في بيتك وعندك طعامك وشرابك؛ فكلنا ذاك المكروب، كلنا ذاك الخائف، كلنا ذاك الوجل. عندما تنظر إلى إخواننا في مناطق الصراع والبلاء تشعر أنك في أمان، لا تظن أن ذاك المبتلى في مناطق الصراع والألم هو الذي يحتاج إلى الدعاء، وأما أنا لأنني في مأمن وعندي طعامي وشرابي وزوجتي أنني لست محتاجاً؛ الكل يحتاج إلى الله في كل طرفة عين. فإن الأسباب التي ظهرت لك بيد الله تعالى، كما أن أسباب نجاة هذا الغريق بيده، فإن الأسباب التي ظهرت له وهي البيت والأهل والمال بيد الله، كما أن أسباب نجاة هذا الغريق الذي على لوح بيد الله. فإذا حققت هذا في قلبك فاعتمد على الله اعتماد الغريق الذي لا يعلم له سبب نجاة غير الله سبحانه وتعالى.
وعليك بالورع واجتناب الشبهات، فإن من واقع الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، وإن من رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه. من علامات أهل الإيمان أنهم ورعون، إذا عرضت عليهم مسألة في الحياة فيها شبهة يتقونها ويبتعدون عنها؛ لأن من رعى حول حمى الملك أوشك أن يقع في المعاصي. كذلك الشبهات، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»؛ لأنه من يدور في فلك الشبهات هو يدور حول حمى الملك، فرويداً رويداً كسر حاجز الشبهات سيجعلك تكسر حاجز الحرام.
وعليك بالليل فاخلُ فيه بربك، واطلب منه حوائجك وتضرع إليه واخضع بين يديه. فإنه يروى أن رجلاً قال: أتيت بشر بن الحارث فقال: ما جاء بك؟ قلت: مسألة. قال: ما هي؟ قلت: رجل عليه دين كثير لا سبيل له إلى قضائه. فقال: عليك بجوف الليل. جاء رجل إلى بشر بن الحارث -أظنه بشر الحافي- فقال له: يا إمام، أتيتك في مسألة. قال: ماذا تريد؟ قال: رجل عليه ديون كثيرة والناس تطالبه، ماذا يفعل؟ قال له بشر: عليك بجوف الليل. الدعاء. استخف ساعات الليل، أي إنسان مهموم مكروب، عنده مشاكل زوجية، عائلية، مدرسية، حياتية، جامعية، عليك بساعات الليل؛ فإن سهامها تصيب. قال: عليك بجوف الليل. فاتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فسألته، فقال: عليك بجوف الليل. فدلاني جميعاً عليه. فذهب هذا الرجل إلى أحمد بن حنبل سأل نفس السؤال، فأعطاه نفس النصيحة: عليك بجوف الليل. بعض الناس إذا ابتلي ببلية يريد نصيحة دنيوية مادية، تقول له: اذهب عند فلان يعطيك، روح على البنك الفلاني ممكن يساعدك، لكن قبل هذا دله إلى من يساعده حقاً ولا ينتظر منه شيئاً وهو الله سبحانه وتعالى، وهكذا حال الأئمة دلوه على ما ينفعه من بيده الأمور سبحانه وتعالى. عليك بجوف الليل.
وإذا سألت الله فاسأله وأنت موقن بأنه مطلع عليك، ناظر إليك، سامع لدعائك، قريب منك، قادر على إجابتك، لا يتعاظمه شيء. وإذا سألته أمراً فاسأله الخيرة فيه، فإنك لا تدري ما يكون لك فيه؛ وإذا شاء الله تعالى أعطاك رغبتك وختار لك في ذلك، فيجمع لك بين الأمرين. من علامات أهل الإيمان أيضاً الاستخارة، يقول: إذا سألته أمراً فاسأله الخيرة فيه. إذا أردت أمراً من أمور الدنيا فعليك أن تصلي الاستخارة وتدعو بعدها: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، أنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن في هذا الأمر خيراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فيسره لي واقدره لي، وإن كنت تعلم أن فيه شراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان». فهذه الخيرة. قال: فإنك لا تدري ما يكون لك فيه، كم من إنسان حريص أن يحصل شيئاً من الحياة الدنيا ولا يعلم أن فيه شراً في المال، وكم من إنسان لا يريد حصول شيء ولا يعلم أن الله عز وجل ادخر له فيه خيراً. قال: فإنك لا تدري ما يكون لك، وإذا شاء الله أعطاك الشيء الذي طلبته وجعل لك فيه الخير. الله قادر أن يجمع بين رغبتك وأن يكون الخير فيما ترغب، فاسأل كل شيء عنده سبحانه.
فإن لم يعجل لك الإجابة فلا تيأس من الإجابة ولا تمل من السؤال، فقد روي أن بعضهم قال: لقد خار الله لعبده في حاجة أكثر فيها تضرعاً. الله عز وجل يختار لعبده إذا أكثر العبد التضرع؛ جاء في الآثار: لقد خار الله، يعني اختار الله. متى يختار الله لك ما فيه سعادتك وخيرك ونجاتك؟ إذا أكثرت التضرع والتزلف إليه. واعلم أن الله تعالى إذا نظر إليك وعلم أنك قد جعلته معتمدك وملجأك وأفردته بحوائجك دون خلقه، أعطاك أفضل مما سألته، وأكرمك بأكثر مما أردته. فإن عجل لك الإجابة فقد جمع لك بين قضاء الحاجة وخير الدنيا والآخرة، وإن لم يجبك عاجلاً فقد عوضك عن ذلك خيراً منه، فأنت على خير في الحالين. يعني إذا سألت الله شيئاً من الدنيا ولم يعطك إياه، فإن الدعاء إجابته إما أن يعطيك الله سؤلك، أو يصرف عنك من الشر مثله، أو يعوضك عنه في الجنة في الدار الآخرة، فأنت حيث ما دعوت فأنت منقلب إلى خير؛ لا تقلق.
واسترح إلى مناجاته وتلذذ بعبادته، فإنه يروى عن أبي سليمان الداراني أنه دخل عليه ابن أبي الحواري وهو يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: يا أحمد، ما لي أبكي؟ لو رأيت قوام الليل وقد قاموا إلى محاريبهم وانتصبوا على أقدامهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم، وقطرت دموعهم على أقدامهم وجرت على خدودهم، وقد أشرف عليهم الجليل فنادى: يا جبريل، بعيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى مناجاتي، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا الجزع الذي أراه فيكم؟ أبلغكم أن حبيباً يعذب أحباءه؟ أم كيف يجمل بي أن أبيت أقواماً وعند البيات أخذهم وقوفاً ليتملقوني؟ فبعزتي لأجعلن جزاءهم وقد وردوا علي أن أكشف لهم الحجاب عن وجهي حتى أنظر إليهم وينظروا إلي.
يعني كأنه في هذا الأثر أبو سليمان الداراني يقول: كأن الله يقول لجبريل، وهذا استشعار مناجاة، اسمه استشعار مناجاة. كأن الله يقول لجبريل: قل لهؤلاء قوام الليل، قل لمن يقوم الليل: ما هذا الجزع الذي أراه فيكم؟ لماذا تكثرون البكاء؟ أبلغكم أن حبيباً يعذب أحباءه؟ يعني الله عز وجل إذا جعلك تقوم الليل فهذا لأنه يحبك، فلذلك أعانك على قيام الليل، فيقول: أبلغكم أن حبيباً يعذب أحباءه؟ أم كيف يجمل بي أن أبيت أقواماً -أي أجعلهم يبيتون الليل قياماً- وعند البيات أخذهم وقوفاً ليتملقوني؟ هل أعذبهم وآخذهم وهم وقوف بين يدي يتملقون لي ويفتقرون بين يدي؟ فبعزتي لأجعلن جزاءهم وقد وردوا علي أن أكشف لهم الحجاب عن وجهي حتى أنظر إليهم وينظروا إلي. هذا تطمين لهؤلاء العباد، ويقين أن الله سبحانه وتعالى سيعوضهم على تعبهم، وحاشاه سبحانه وتعالى أن يخذلهم.
ومنها ما روي عن منصور بن عمار أنه قال: سمعت عابداً بالليل يناجي ربه وهو يقول: وعزتك وجلالك، ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولا التعرض لغضبك، ولا أنا بنكالك جاهل، ولا لعذابك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن زينت لي نفسي، وأعانتها شقوتي، وغرني سترك المرخى علي، فعصيتك بجهلي وخالفتك بجهدي، فالآن من عذابك من ينقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه من الوقوف بين يديك غداً إذا قيل للمخفين -المخفين الذين تخففوا من المعاصي والذنوب- إذا قيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا -أما المثقلين أصحاب الذنوب الكثيرة حطوا-، أنزل. أفمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط؟ يا سيدي، ويلي كلما طالت أيامي كثرت آثامي، ويلي كلما كبرت سني عظمت مصيبتي، فمن كم أتوب؟ وفيم أعود؟
وروي عن رجل قال: طلعت إلى بعض جبال الشام فإذا في رأسه عابد قد اشتد بكاؤه ونحيبه، فسمعته يقول: أترى بكائي نافعاً لي عندك يا سيدي، ومنقذاً لرقبتي من سخطك؟ أتراك مقيلي عثرتي في نارك؟ ومعذب كبرتي بعذابك؟ أترى موبخي على رؤوس الخلائق بتفريطي في حقك؟ أواه لكشف ستري، أواه لحياء وجهي، أواه لما يلقاه غداً في النار جسدي. فبكاؤه قدامه، يريد أن يوصيك بأن يكون من هديك -يا أيها المسلم- المناجاة مع الله، ابكِ بين يدي الله، اشكُ إلى الله نفسك الأمارة بالسوء وخطيئتك. تكلم مع الله بأي لغة شئت، فالله سبحانه وتعالى ينظر إليك ويلتفت. هذه المناجاة عندما تتكلم بها بلسانك مع حضور قلبك، تحدث شيئاً؛ يعني تجعل الإنسان ينتقل نقلة نوعية في حواره مع ربه سبحانه وتعالى.
قال: ثم اشتد بكاؤه حتى أنساني ما قبل ذلك، فناداه رجل: دلنا على الطريق رحمك الله. فبكى ثم قال: وكيف لي ولكم بالثبوت عليها؟ وكيف لي ولكم بالاستقامة عليها؟ ثم قال: اللهم دل حيرتهم وحيرتي ولا تعثرني ولا إياهم.
وروي عن الحسن بن جعفر عن أبيه قال: صليت العيد في الجبانة -ثم الجبانة تطلق على المقبرة، المقبرة تسمى الجبانة، وقيل المراد بها هنا منطقة معينة والله أعلم- طيب، ثم انفردت في ناحية فإذا بعجوز رافعة يديها وهي تقول: انصرف الناس ولم أشعر قلبي اليأس يا صاحب الصدقة -يعني هي تناجي ربها سبحانه وتقول: يا رب انصرف الناس من صلاة العيد ومن مصلى العيد، وأنا لم أشعر قلبي اليأس يا صاحب الصدقة، يعني يا من تتصدق علينا بالتوبة والمغفرة- طيب، ها أنا ذا منصرفة فليت شعري ما زودتني؟ رب ارحم ضعفي وكبر سني، خرجت أرجوك فلا تخيب حسن ظني. وهي تبكي. قال: فما انتفعت بشيء في يومي. وعن سفيان أنه قال: سمعت أعرابياً بعرفة يقول: إلهي من أحق بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفاً؟ ومن أحق بالعفو عني منك وعلمك بي سابق وأمرك بي محيط؟ إلهي لم أحسن حتى أذنت لي، ولم أسيء حتى قضيت علي، أطعتك بنعمتك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وفقري إليك وغناك عني إلا ما غفرت لي ورحمتني.
إلهي أنت أنس المؤنسين لأوليائك، وأقربهم بالكفاية إلى من توكل عليك، تشاهدهم في سرائرهم وتطلع على ضمائرهم. اللهم وسري لك مكشوف وأنا إليك ملهوف، فإذا أوحشتني الذنوب أنسني ذكرك، وإذا اجتمعت علي الهموم لجأت إليك؛ علماً مني بأن أزمتها بيديك ومصدرها عن قضائك وقدرك، إن هذه الهموم أزمتها -يعني حبالها- بيديك ومصدر هذه الهموم كله عن قضائك وقدرك، فإذا شئت أزلتها عني.
ولبعضهم: اللهم إن استغفاري لك مع إصراري للؤم، وإن تركي الاستغفار.
إلهي كم تتحبب إليَّ بالنعم وأنت غني عني، وكم أتبغض إليك بالمعاصي وأنا الفقير إليك. إلهي أَتَرَاك تُعَذِّبُنا بالنار وقد أسكنتَ توحيدك في قلوبنا؟ وما أراك تفعل، ولئن فعلتَ فلمع قومٍ طالما عاديناهم فيك. نعم، أنت لن تسكن النار إلا من عاديناهم فيك وهم الكفار.
وأحسن من هذا ما روي عن النبي ﷺ، وهذه كلها مناجاة نُقلت عن بعض السلف وبعض الأئمة. ثم يقول ابن قدامة: وأحسن من كل هذه المناجاة مناجاة محمد ﷺ لربه في الحديث الذي سيذكره؛ ما روي عن النبي ﷺ أنه قال حين رجع من الطائف وقد كذبته ثقيف وردوا عليه ورموه بالحجارة، كما تعلمون. خرج النبي ﷺ وذهب إلى إحدى الوديان فجلس فيه، وقال هذا الدعاء الذي يناجي فيه ربه، وهو دعاء مشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، اللهم أنت رب المستضعفين، وأنت أرحم الراحمين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أضاءت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي سخطك، أو ينزل عليَّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
وإذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى تريد طلبها منه، فتوضأ وأحسن الوضوء. سيتكلم عن صلاة الحاجة، وهذه تكلم فيها كثير من أهل العلم ودلت عليها بعض النصوص الشرعية، وهو أن الإنسان إذا كانت له حاجة يريد أن يطلبها من الله، فيتوضأ ثم يحسن الوضوء، ثم يركع ركعتين، ثم يثني على الله ويصلي على النبي ﷺ، ثم يقول: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش الكريم، والحمد لله رب العالمين، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، اللهم لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا حاجة هي لك فيها رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين». هذا الدعاء تقوله في ختام صلاة الحاجة، إما بعد التشهد الأخير أو بعد السلام.
وإذا أردت أمرًا فاستخر فيه الله عز وجل. هو هنا ينص عليها بالتحديد، فصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم قل: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به». وتسمي حاجتك أثناء الدعاء، يعني: اللهم إن كان طلبي لهذا الشيء أو عملي في هذه الوظيفية أو زواجي من فلانة أو كذا، وهكذا.
ولتكن همتك في هذه الدنيا التقرب إلى ربك الكريم، وطلب فضله العظيم، والاجتهاد في الدخول في أوليائه الذين يحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، الذين اختارهم لنفسه وأكرمهم بولايته، وأوقفهم على بابه، وشغلهم به، وعلّق قلوبهم بمحبته، وشغل ألسنتهم بذكره، وجوارحهم بطاعته، لا يلتفتون إلى ما سواه من دنيا ولا غيرها.
روينا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه حين حضره الموت جعل يغشى عليه ثم يفيق، فيقول: «أخنقني خنقك، فوعزتك وجلالك إنك لتعلم أن قلبي يحبك». يعني افعل يا ربي ما تريد، فوعزتك وجلالك إنك لتعلم أن قلبي يحبك، يعني افعل بجسدي ما تريد. لحظات سكرات الموت لحظات شديدة، فهو يقول: أخنقني، أي افعل فيَّ ما تريد، هذا من صحة العلاقة. ثم قال لأصحابه من حوله: «انظروا هل أصبحنا؟». فأتي في بعض ذلك فقيل له: نعم. فقال معاذ: «اللهم إني أعوذ بك من ليلة صباحها إلى النار، اللهم إني أعوذ بك من ليلة أموت فيها فلا يأتي الصباح عليَّ إلا وأنا من أهل النار». أعوذ بك من ليلة أموت فيها يكون صباحها الذي سيأتي أنني في حفرة من حفر النار في القبر والعياذ بالله.
ثم قال: «مرحبا بالموت، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة». حبيب جاء على فاقة يعني على اشتياق، كأن معاذًا يتمنى الموت، يقول: حبيب جاء على فاقة، يعني أنا محتاج له الآن، خلاص مليت من الدنيا. «اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لغرس الأشجار ولا لكري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، وقيام الليل في الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر». معاذ لم يحب البقاء في الدنيا إلا لهذه الأمور، قال: يا رب أنا لم أحب البقاء في الدنيا من أجل الوظيفة ولا الزوجة ولا الأبناء، وإنما كنت أحب الدنيا فقط من أجل ظمأ الهواجر -الصيام- وقيام الليل في ليالي الشتاء الطويلة الباردة، ولمزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر حضور مجالس العلم، قال: هذا كل ما كنت أريد من الدنيا.
فبكى الحارث بن عميرة، فقال له: «ما يبكيك؟». قال: والله ما أبكي لقرابة بيني وبينك، ولا لدنيا كنت أصيبها منك، ولكن كنت أصيب منك علمًا فأخاف أن ينقطع. تلميذه الذي كان ينتفع منه بكى لما سمع كلام معاذ، فقال له معاذ: «فلا تبكِ؛ فإنه من يريد العلم أتاه كما أُتي إبراهيم خليل الرحمن، وليس ثم يومئذ علم ولا إيمان». قال: من يقصد العلم يبحث عنه ويأتيه وستجد بإذن الله، كما أتى إبراهيم خليل الرحمن. سيدنا إبراهيم ماذا قال؟ ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]. إبراهيم عليه السلام بحث عن العلم، وفعلاً أعطاه الله علمًا عظيمًا وأصبح أمة، مع أنه لم يكن في زمنه يومئذ علم ولا إيمان.
واعلم رحمك الله أن هذه الدنيا سوق متجر الأبرار، وحلبة السباق بين الكرام الأخيار، ومزدرع التقوى ليوم القرار، وفيها تزرع التقوى، ومحل تحصيل الزاد للسفر الذي ليس كالأسفار، فبادر رحمك الله قبل فوات إمكان البذر. إياك أن تموت وأنت لم تبذر، بادر قبل أن يفوت زمن الإمكان للبذر، وزمن الإمكان للبذر هو حياتك التي أنت فيها الآن. واغتنم أنفاسك عظيمة المقدار، وادر من دموعك على ما سلف من تفريطك، فإن القطرة من الدموع من خشية الله تعالى تطفئ البحور من النار، وتيقظ في ساعات الأسحار عند نزول الجبار، وأحضر بقلبك قول العزيز الغفار: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». استيقظ في ثلث الليل الآخر وتذكر أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟.
قل: نعم يا رب، أنا السائل المحتاج، أنا الفقير الضعيف، أنا الذليل، أنا الداعي الراجي، أنا المستغفر المذنب، أنا المقر المعترف، يا صاحب الصدقة ها أنا ذا، أرحم ضعفي وكبر سني، أرحم فقري وفاقتي وحاجتي ومسكنتي، يا كثير الخير يا دائم المعروف، لا تخيب حسن ظني بك، ولا تحرمني سعة معروفك، ولا تطردني عن بابك، ولا تخرجني من أحبابك. أسألك من فضلك العظيم، فإنك قلت وقولك الحق: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]. إلهي ما أمرتني أن أسألك إلا وأنت تريد أن تعطيني، ولا دللتني عليك إلا وأنت تريد أن تهديني، ولا أمرتني بدعائك إلا وأنت تريد أن تجيبني.
أسألك من فضلك أن تجعلني من الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن تجعلني من الذين تحبهم ويحبونك، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، ومن الأئمة الذين يهدون بأمرك، وارزقنا فعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، واجعلنا من العابدين لك، ومن الذين يسارعون في الخيرات ويدعونك رغبًا ورهبًا، واجعلنا لك من الخاشعين، ومن الذين يطيعونك ويطيعون رسولك ويخشونك ويتقونك، واجعلنا من الفائزين. ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحًا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، وأصلح لي في ذريتي. ربي أنت أصلحت الصالحين وفضلت الصديقين وسبقت السابقين وقربت المقربين، تفضلت عليهم ثم ثبتتهم، ومنحتهم ثم مدحتهم، لولاك ما وصلوا إليك، ولولا إحسانك ما فازوا لديك، فأسألك بوجهك الكريم، ومنك القديم، وفضلك العظيم، أن تتفضل علينا بما تفضلت به عليهم، وتصلحنا بما أصلحتهم، وتمنحنا كما منحتهم، وتعطينا كما أعطيتهم، وتجود علينا بما جدت به عليهم.
يا رب دعوتنا إلى دارك دار السلام، فاهدنا إلى الصراط المستقيم لنجيب دعوتك، فإننا لا نستطيع إجابتك إلا بهدايتك، ولا نصل إلى دعوتك إلا بعنايتك. إلهي عممت بدعوتك، وخصصت بعنايتك من شئت بهدايتك، فاجعلنا من خاصتك، وامنن علينا بالتوفيق لإجابتك، وأدخلنا في أهل ولايتك. آمين يا رب.
يا رب أمرتنا بما لا نقدر على فعله إلا بك، ونهيتنا عما لا نقدر على تركه إلا بتوفيقك، ورغبتنا فيما لا نناله إلا بفضلك، وحذرتنا عما لا نسلم منه إلا بجودك وكرمك. اللهم فوفقنا لامتثال أمرك، واجتناب زجرك، وأعطنا ما رغبتنا فيه، وجنبنا ما حذرتنا منه. اللهم إنك سألتنا من أنفسنا ما لا نقدر عليه إلا بك، أنت سألتنا أمورًا لن يعيننا على فعلها إلا أنت، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فأمرنا أولاً أن نقول إياك نعبد، ثم أمرنا أن نستعين به على عبادته، لأننا لن نستطيع أن نعبد الله إلا بعون الله. اللهم فخذ لنا منها ما ترضى به عنا، اللهم إنك أخذت بقلوبنا ونواصينا، فلم تملكنا شيئًا منها، فإذا فعلت ذلك بهما فكن أنت وليهما، واهدنا إلى سواء السبيل.
قال أبو عبد الله النباجي: سمعت بالنباج صوتًا بالليل حزينًا -قالوا هذه منزل الحجاج بالبصرة-: يا حبيب من تحبب إليه، ويا قرة عين من لاذ به وانقطع إليه، يا سيدي ومولاي، أغلقت الملوك أبوابها ووقفت عليها حجابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وقلوب العارفين تأبى إلا حبك، والآن أنس بك، وإني قد جئتك في هذه الليلة من غير إدلال بعمل.
من غير إدلال بعمل؛ أي من غير عجب بالعمل. نعم، والاستحقاق لموهبته، وأني أسألك أن تتفضل علي ولا تحرمني في هذه الليلة مناجاتك وجزيل العطية من جزيل مجازاتك. فسألت عن ذلك فأخبرت أنها سلامة السوداء. سلامة السوداء هذه امرأة كانت عابدة في البصرة، تعبد الله على التجريد.
يعني على الإخلاص والتحقيق؛ قالوا هذه امرأة تعبد الله على التجريد، أي عبادتها لله تقوم على الإخلاص لله سبحانه وتعالى والتجرد من كل حظوظ الدنيا. نعم، وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان عندنا باليمن فتى مسرف على نفسه، قليل الطاعة، وكان ذا جمال ومال، وكان اسمه سهلاً. فرأى ليلة في منامه كأن جارية أتته وعليها ثوب من لؤلؤ تتثنى أطرافه، وبيدها كتاب من حرير أخضر مكتوب فيه بالذهب، فأتته به فقالت: يا أخي اقرأ علي هذا الكتاب، اقرأ لي هذا الكتاب. فدفعته إليه فإذا فيه مكتوب:
أسهل من صاغها الرحمن في غرف من مسك، عجنت من ماء تشرين إلى الذي حبه في القلب محتبس، وقلبه عنه في لهو وتفتين أسهل ماذا فقد أورثتني حزناً، كم عنك ما لا أحب الدهر يأتيني أليس تشتاق أن تلهو على فرش موضونة، مع حور خرد عين
أسهل، هذا طبعاً نداء، هذا نداء. بدأت القصيدة بماذا؟ بأن هو اسمه الشاب سهل، فكان فيها نداء: أسهل من صاغها الرحمن في غرف من مسك، عجنت من ماء تشرين إلى الذي حبه في القلب محتبس، قلبه عنه في لهو وتفتين. يعني هي تخبر عن نفسها، هذه الفتاة، وكأنها من الجنة، ما هو رآها في نومه فهي ترسل رسالة إليه. هي ترسل رسالة إلى هذا الفتى وتخبره أنها تحبه وتشتاق إليه، لكنه هو منشغل عنها في لهوه في الحياة الدنيا وفتونه في الحياة الدنيا. ثم قالت مرة أخرى: أسهل ماذا فقد أورثتني حزناً كم عنك ما لا أحب الدهر يأتيني؟ يعني أنت يا سهل حزنتني، وهي الجارية تخبره: قد أورثتني حزناً، أنت تحزنني لأنك منشغل؛ كثيراً ما يصل إلي أنباؤك التي لا أحبها، أنك منغمس في المعاصي يا سهل. أليس تشتاق أن تلهو على فرش موضونة؟ كما وصف الله عز وجل سرر أهل الجنة أنها موضونة، يعني منسوجة من ذهب وما شابه ذلك، أليس تشتاق أن تلهو على فرش موضونة مع حور خرد عين؛ يعني مع حور عين.
قال: فانتبه من نومه فزعاً مذعوراً، وترك ما كان عليه من البطالة، ولزم العبادة وتنسك أحسن نسك حتى مات على ذلك رحمه الله تعالى. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: قد رأيت أبي وقد جن عليه الليل بسواده قابضاً على لحيته بيمينه، يبكي بكاء عبرته ويندب بزفرته وهو يقول: إلهي وسيدي وخالقي ورازقي ومحبي وممتني وباعثي ووارثي، ما أنا وما قدري وما خطري عندك حتى تقصد قصدي بعقوبتك أو تنحو نحوي بسخطك؟ تريد عذابي؟ فوعزتك وجلالك ومجدك وإحسانك ما تزيد في ملكك حسناتي، ولا تشينه سيئاتي، ولا تنقص خزائنك غناي، ولا يزيد فيها فقري. اللهم ثبت رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحداً سواك، يا من تحبب إلينا بآلائه وتعرف إلينا بنعمائه، وكان لي في الأمور عند مسرتي، ارحم اليوم عبرتي.
نعم، وكان بهيمن العجلي يقول في سجوده في آخر الليل عند فراغه من تهجده: إلهي، مسكينك يحب الاتصال بطاعتك، فأعنه على ذلك بتوفيقك أيها الكريم. إلهي، مسكينك كثير الرجاء لخيرك فلا تحرمه ذلك. وسمع من أعرابية بطريق منها فقالت: يا ربي أخذت وأعطيت، وأنعمت وسلبت، وكل ذلك عدل وفضل. والذي عظم على الخلائق أمرك، لا بسطت لساني بمسألة غيرك، ولا بذلت رغبتي إلا إليك. يا قرة أعين السائلين، أعني بجود منك أترع في فراديس نعمه وأتقلب في رواق نظارته، وأحملني من الرحلة، وأغنني من العيلة؛ والعيلة هي الفقر، نعم، وأسبل علي سترك الذي لا تخرقه الرماح ولا تزيله الرياح، إنك سميع الدعاء.
وقيل كان الجنيد ليلة العيد في البرية، فلما كان وقت السحر إذا هو بشاب ملتف في عباءة وهو يبكي ويقول: بحرمة غربتي كم ذا الصدود؟ ألا تعطف علي؟ ألا تجود؟ سرور العيد قد عم النواحي، وحزني في ازدياد لا يبيد، فإن كنت اقترفت خلال سوء؛ خلال سوء يعني خصال سوء، نعم، فعذري في الهوى ألا أعود. قال الحسن بن محمد بن إسحاق: رأيت يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله في يوم عيد يناجي ربه وهو يقول: إلهي إن لم أكن لحقك راعياً لم أكن لغيرك داعياً. إلهي إن لم أكن إلى الخيرات مسارعاً لم أكن لباب البيعة قارعاً. إلهي إن لم أكن عن الغيبة صامتاً لم أكن لأنبيائك وأصفيائك شامتاً. إلهي من بابك لا أزول لأني بغيرك لا أقول. إلهي من بابك لا أبرح لأني بغيرك لا أفرح. إلهي عملي كسراب، وقلبي من التقوى خراب، وذنوبي أكثر من التراب، وأنت أولى بالعفو والصفح، فاغفر لنا وارحمنا بجودك وطولك يا ذا الجلال والإكرام.
ودعا رجل فقال: اللهم إنك تعلم أني على إساءتي وظلمي وإسرافي لم أجعل لك ولداً ولا نداً ولا صاحبة ولا كفواً، فإن تعذب فبعدلك، وإن تعفُ فإنك أنت العزيز الحكيم، يا من لا يشغله سمع عن سمع. الحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
إذاً هذه خلاصة رسالة الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى عليه، ورأيتم أن خلاصتها تعم على أن الإنسان المؤمن ينبغي أيها الكرام أن يشغل دنياه بما هو نافع، وأن يجعل هذه الأعمار وقفاً لله سبحانه وتعالى بطلب العلوم النافعة، فإن الحياة قصيرة، وإن الموت قريب، ومن لم يشغل حياته بالخير ندم يوم القيامة، ندم على التفريط بعمره وحياته وانشغاله بالتراهات والتوافه والضياع وفيما لا يعود بعمران الدار الحقيقية التي نصبو إليها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا منها بنزل.
وأن الإنسان عليه أن يراعي قلبه ولسانه وجوارحه وأنفاسه وأوقاته فلا يعمرها إلا بالطاعة، وأن أساس السير إلى الله سبحانه وتعالى يكون بالاستعانة به وبالتوكل عليه وبالدعاء. لاحظوا أن موضوع المناجاة أخذ مساحة طيبة من هذه الرسالة القصيرة ليخبرك ابن قدامة أن هذا القلب لن يصل إلى الله سبحانه وتعالى بدون الدعاء، لن تستطيع أن تقضي حوائجك ولا أن تخطو في هذه الحياة الدنيا خطوة إذا لم يكن الله سبحانه وتعالى عوناً لك، فعليك بالدعاء، ثم الدعاء، ثم المناجاة، ثم الإخبات، ثم قيام الليل، ثم أن تطرح نفسك على بابه على عتباته، وأن تتملق بين يديه، وأن تسأله أن يعينك، فبعون الله عز وجل تمضي هذه الحياة الدنيا وتصل إلى الله سبحانه وتعالى بأمان. أحببنا أن تكون البداية إذاً مع هذه الوصية الخفيفة الطيبة اللطيفة بإذن الله، لننتقل منها إن شاء الله إلى ما هو أعمق من ذلك، ونبدأ الآن بالرسالة الثانية في هذا اليوم وهي رسالة أبي العباس ابن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه.
وهي ليست أيضاً بالصعبة، وإنما تتكلم عن فضائل القرآن وقيمة القرآن ومنزلة القرآن في حياة المسلم، وأهمية التدبر والعمل بكتاب الله عز وجل، وما الذي يحجب الإنسان عن التدبر والانتفاع بهذا الكلام العظيم. أبو العباس ابن تيمية هو الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمه الله تعالى عليه، المتوفى عام 728 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، عالم على نار، وعالم نحرير، وأحد جهابذة هذه الأمة، وأحد مجددي هذه الأزمنة التي مرت على أمة الإسلام. الله سبحانه وتعالى بارك في علمه وقلمه وفهمه وعقله، فكان بحراً للعلوم في شتى الميادين، أبحر شيخ الإسلام ابن تيمية فرد على النصارى، ورد على أهل البدع والمتكلمين، ورد على أصحاب السلوك الخاطئ، وما من شاردة ولا واردة من أهل البدع ومن أهل الزندقة ومن أصحاب الأديان إلا ولشيخ الإسلام ابن تيمية من الكلام النافع ما يجعل الإنسان ينبهر بهذه العقلية الفذة، ويعرف أن هذا الرجل كان منطلقه في النهاية والعودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم.
ولذلك امتدحه أهل زمانه، وكان مادحوه من خصومه قبل أن يكونوا من أحبائه، وشهد له أهل الزمان بجلالة العلم ورفعة القدر وإحكام العلم، وأن الله سبحانه وتعالى إذا أعطى أدهش؛ إن الله عز وجل إذا أعطى علماً أدهش، فيفتح على الإنسان ما لم يفتح على من قبله ولا من بعده، وذلك فضل الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء، فحري بطالب العلم أن يعكف على علوم ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه قراءة وتحصيلاً وتحقيقاً وتنبيهاً، ولا يعني هذا السلام من الخطأ؛ فكل إنسان خطاء، وشيخ الإسلام كغيره من البشر ليس معصوماً، ولكن كتبه تشهد بما فتح الله سبحانه وتعالى به عليه.
ثانياً، هذه الرسالة كما قلنا، هذه الرسالة موضوعها في الكلام عن فضائل القرآن، طبعاً إذا طبعت باسم قاعدة في فضائل القرآن لكن هذا من كلام النساخ، هذا مما صنعه النساخ، وليس هو سمى الرسالة بهذا الاسم ابتداءً، وإنما وجد على رؤوس النسخ الخطية عناوين أخرى لهذه الرسالة، أظن أحد العناوين كان «هذا بيان للناس وهدى وموعظة»، وعناوين أخرى وضعت لها، لكن نساخ هذه الرسالة اختاروا لها هذا العنوان لأنه يمثل مضمونها، أن هذه الرسالة وظيفتها أن تحدثك عن فضل القرآن في إصلاح الإنسان، ودور القرآن في توجيه بوصلتك، وأنه لا استقامة لك ولا ثبات لك على دين الله إلا بقدر تمسكك بمأدبة الله في الأرض ألا وهي القرآن العظيم. فدعونا نشرع في هذه الرسالة مستعينين بالله سبحانه وتعالى، نعلق عليها بما فتح الله عز وجل به. نعم، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجِّ إخواننا المستضعفين في كل مكان.
اقرأ، قال المصنف رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية تقدس الله روحه: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وأجزل لأهله من عبادته الثواب، وأكمل ببدائع حكمه ومعانيه نصاب الصواب، وأجمل بجوامع كلمه ومبانيه فصل الخطاب. نعم، وأجمل، يعني كان جمع بجوامع كلمه ومبانيه فصل الخطاب، فهذا الكتاب العزيز سبحانه وتعالى أجمل فيه القواعد الكلية التي تمثل فصل الخطاب، يعني الكلام الحق بدون زيادة ولا إنقاص.
وفصل فيه كل شيء بالتعميم أو التعيين. نعم وفصل الله سبحانه وتعالى في القرآن كل شيء، لكن طريقة تفصيل القرآن إما باستعمال التعميم؛ الألفاظ العامة، أو حتى أحياناً بالتعيين فينص على بعض الجزئيات الخاصة. فبيان القرآن وتفصيل القرآن له طريقتان: طريقة التعميم وهي استعمال الألفاظ والقواعد الكلية، وأحياناً يستعمل طريقة التعيين وهي الكلام عن بعض المسائل الجزئية، فبهذا يكتمل نسج كتاب الله.
كما فضل عقده بالنظم العجاب، بياناً شافياً للمهتدين وبرهاناً كافياً لأولي اللسن والإعراب. كما فضل عقده، يعني جعل القرآن كالعقد، فضله الله سبحانه وتعالى من خلال النظم العجاب، فنظم القرآن عجيب لفظاً ومبنى وتركيباً ومعنى، فبهذا فضل هذا العقد على غيره من العقود. نعم قال رحمه الله: بياناً شافياً للمهتدين وبرهاناً كافياً لأولي اللسن والإعراب؛ أولي اللسن يعني أصحاب الفصاحة، فكان القرآن بياناً شافياً لمن يبحث عن الهداية، وبرهاناً كافياً لأولي اللسن لأصحاب الفصاحة والإعراب؛ حيث كان القرآن معجزاً بنظمه لهم. نعم، حيث أنزله بلسان عربي مبين على أحسن الأساليب بين الإقصار والإسهاب. نعم فهو كلام متوسط بين الإقصار المخل والإسهاب الممل.
وفضله على جميع كتب الأولين؛ إذ جمع فيه جماع الطلاب، وجعله مهيمناً عليه كالحاكم الشاهد، ومصدقاً لما بين يديه من الكتاب. نعم، الله عز وجل وصف القرآن بماذا في سورة المائدة؟ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. ما الفرق بين التصديق والهيمنة؟ قال شيخ الإسلام: وجعله مهيمناً عليه، أي جعل الله القرآن مهيمناً على الكتب السابقة، وجعله في نفس الوقت مصدقاً لما في الكتب السابقة. الهيمنة إخواني هو أن القرآن عدل كثيراً من الأمور ونسخ كثيراً من الأمور التي كانت موجودة في الكتب السابقة، فنحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم الحاكم النهائي عندنا ما في القرآن، لا ما في الكتب السابقة، بل ما في القرآن؛ فالقرآن نسخ وأبطل ورفع كثيراً من الأمور المذكورة في الكتب السابقة، فهذا معنى أن القرآن هو المهيمن، خلص؛ يعني كان المرجعية إليه، وهو الحاكم. فما أبطل القرآن من الكتب السابقة وتشريعاتها الجزئية التفصيلية يتم إبطاله.
لكن هنا ننتبه أن القرآن ماذا أبطل من الكتب السابقة؟ التشريعات الجزئية والقضايا التفصيلية التي يختلف فيها الأنبياء، وأما القواعد الكلية وهي قواعد الاعتقاد والدار الآخرة والقضاء والقدر، فهذه لا يمكن أن يلغيها القرآن من الكتب السابقة، لماذا؟ لأنها مساحة مشتركة بين جميع الأنبياء.
أليس كذلك؟ فهذا معنى قوله: إنه أيضاً مصدق لما بين يديه من الكتاب، فالقرآن يصدق الكتب السابقة فيما أتت به من الدعوة إلى القواعد الكلية كالتوحيد، واتباع الرسل، والدار الآخرة، والقضاء والقدر. فالقرآن صدق الكتب السابقة فيها، ولكنه كان مهيمناً وحاكماً على الكتب السابقة في الأمور الجزئية والتفصيلية، حيث ألغى منها كثيراً من التشريعات التفصيلية، وأثبت تشريعات أخرى تصلح لأمة آخر الزمان. ولهذا كما قال الطاهر بن عاشور رحمه الله عليه في التحرير والتنوير: إن هذه الآية جامعة لوظيفة القرآن، أن القرآن يحافظ على القواعد الكلية الواردة في الكتب السابقة؛ هذا معنى مصدق لما بين يديه، وحاكم فحيث يلغي الكثير من القضايا الجزئية التي وردت في الكتب السابقة؛ وهذا معنى أنه مهيمن عليها، حاكم عليها، معدل لما ورد فيها.
قال رحمه الله: وكانت تنزل على حرف واحد من باب واحد، فأنزله على سبعة أحرف من سبعة أبواب، وتولى حفظه. نعم، الكتب السابقة كانت تنزل على حرف واحد، وأما القرآن فأول ما نزل أنزله الله على كم حرف؟ أي على كم وجه؟ نزل على سبعة أوجه، فكان يقرأ في جزيرة العرب على سبعة أوجه، إلى أن جاء زمن عثمان، فألغى الصحابة بالاتفاق الأوجه الستة، وجمعوا الناس على وجه واحد؛ صيانة للقرآن من أن يكثر فيه اللغط لما دخل الأعاجم مع العرب.
قال رحمه الله: وتولى حفظه بنفسه، كما يسر حفظه بدرسه، واستحفظ غيره. فالله سبحانه تولى حفظ القرآن بنفسه، شوف ميزات القرآن؛ شيخ الإسلام هنا من بداية المقدمة هو يذكر ميزات القرآن؛ الله تولى حفظ القرآن بنفسه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. كما يسر حفظه بدرسه، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، يعني فهل من مدكر؟ هل من دارس؟ فالقرآن أيضاً يسر الله حفظه على البشر من خلال الدرس والحفظ والتلقين. أما الكتب السابقة فإنما الله سبحانه وتعالى هل تكفل بحفظ التوراة والإنجيل؟ لا، وإنما هم استحفظوا عليها؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 44]. فالتوراة والإنجيل الله عز وجل وكل حفظها للأحبار والرهبان، أنتم تحفظوها وإذا حرفتموها فأنتم مسؤولون عنها. وهذه ميزات القرآن التي جعلته يفوق الكتب السابقة، الكتب السابقة قال: واستحفظ غيره، يعني التوراة والإنجيل، فللأسف غيرت الكتب السابقة ولم تبق على حالها، وأيضاً ولا يتلى إلا من الإهاب، الكتب السابقة ما كان يستطاع حفظها فكانت لا تقرأ إلا من الجلود، أما القرآن فكم حافظ للقرآن في أمة الإسلام اليوم؟ ما شاء الله آلاف. فهنا أراد شيخ الإسلام أن يعقد مقارنة سريعة بين القرآن وبين الكتب السابقة؛ ليبين لك تميز القرآن، وإن كانت جميعها من كتب الله، لكن القرآن كما قلنا تربع على عرش التميز.
قال رحمه الله: ولم يجعل له عوجا لا مخلوقا ولا مختلفا مرجا. نعم، لم يجعل الله سبحانه وتعالى له أي اعوجاج في القرآن الكريم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]، أي اعوجاجاً في أي حكم من أحكامه وفي أي شرع من تشريعاته. تمام، لا مخلوق، قال: لا مخلوقا ولا مختلفا مرجا، مختلفا المرج هو المضطرب، تمام، المرج هو المختلط المضطرب.
قال رحمه الله: زيها له عن كل عيب. نعم، بل أنزله قيماً عدلاً، قولاً فصلاً هزلاً، هادياً لأقوم الأسباب على قلب رسول كريم، يهدي إلى صراط مستقيم، صراط العزيز الحميد الوهاب، لينذر بأساً شديداً من لدنه، عدة لمن أعرض عنه في يوم الحساب، ويبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم أجراً حسناً بالحسنات ماكثين فيه أبداً بلا انقضاب. يا له فضلاً ورحمة ونعمة، ومن بغير حساب؛ يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويبين لهم حقائق الأمور فيما شهدوا وفيما غاب.
نعم، هناك فائدة أيضاً ربما لم أذكرها ابتداء، أن هذه الرسالة الذي يظهر أن شيخ الإسلام كتبها مقدمة لمجالس التفسير الذي كان يعقدها، وسياتي تنبيه لذلك؛ يعني في هناك إشارة في هذه الرسالة تدل على أن هذه الرسالة كتبها شيخ الإسلام مقدمة لكتاب تفسير كان يريد أن ينشئه، أو دروس تفسير كان يريد أن يبتدئ بها، فوضع هذه المقدمة قاعدة في القرآن قبل أن يشرع في دروس التفسير.
قال رحمه الله: فطوبى لمن أخذ ما أوتي بقوة، وارتضع من ثدي النبوة. نعم، فطوبى، الآن سيخاطبك أنت شيخ الإسلام فيقول: طوبى لمن أخذ القرآن بقوة حفظاً ودراسة وتدبراً، ولم يأخذه بالإهمال والتقصير وقلة المراجعة والاهتمام، فارتضع من ثدي النبوة؛ يعني هذه عبارات بلاغية، يعني كأن النبوة تدر لبناً وأنت عليك أن ترضع من لبان النبوة. نعم، واضلع من هذا الشراب، واطلع يعني الاطلاع، بتعرفوا الإنسان لما يروح إلى مكة مش أنت تشرب من ماء زمزم وتتضلع يعني كأنك تمتلئ منه؟ فيقول: فطوبى لمن تضلع من هذا الشراب، من شراب الوحي الإلهي، نعم من الأحبار الأخيار، أولي الأيدي والأبصار، وكل عبد أواب، وشرح الله صدره للإسلام، فاتخذ كتاب الله كالإمام في كل ذهاب وإياب، وأوتي فهمه وعلمه، فعقل عن الله حكمه بالحكم والأسباب، وتدبره بطناً وظهراً، وتصوره تبصرة وذكرى، فتخيره على جميع الآداب. نعم فطوبى لعبد جعل القرآن قائداً له، تدبره ظاهراً وباطناً، وتصوره تبصرة وذكرى، فتخيره على جميع الآداب، فاختار كلام الله على جميع آداب البشر وعلى كل المناهج الفلسفية والآراء الأرضية.
هناك إخواني كثير من الشباب وحتى من المسلمين للأسف لا يقرأ القرآن، لكنه يقرأ في كتب الفلاسفة ويقرأ في تغريداتهم ومصنفاتهم فيبهر بها، هذا مسكين المحروم الذي يقرأ في علوم الفجار والكفار، وإن كان فيها من الصواب ما فيها ما عندي مشكلة، لكن تفضل هذه العلوم على كتاب ربك سبحانه وتعالى؟ فيقول شيخ الإسلام: فطوبى لمن تخيره، أي اختار القرآن على جميع آداب البشر، وجعل المركزية في حياته الرجوع للقرآن في صياغة الفكر والعقل والنفس والروح. نعم، وتفكر في عجائب أسراره، وتذكر ببصائر أنواره، وتسور سور الحجاب. نعم، إذاً وتفكر، طوبى لعبد يتفكر في عجائب أسرار القرآن، وتذكر بأنواره المبصره، وتذكر أي يبقى كلما غفل يذكر نفسه من خلال ماذا؟ ببصائر أنواره، القرآن له أنوار له تجليات في حياة الإنسان، هذه الأنوار إذا أنت ذهبت إليها وطلبتها تعطيك البصيرة. فطوبى لهذا العبد الذي جعل تذكره وتفطنه وانتباهه لعمره وحياته من خلال الذهاب إلى بصائر هذه الأنوار. قال وتسور سور الحجاب، كأن القرآن معانيه محجوبة، أنت عليك أن تتسور وأن تتعب من أجل أن تصل إلى هذه المعاني المحجوبة، القرآن لا يعطيك حتى تعطيه، القرآن لا يكشف لك من الأسرار حتى تزاحم عليه وتثني الركب بين يديه، فعليك أن تتصور الحجاب المزدل بينك وبين القرآن، إذا تصورت لعلك تصل إلى تلك المعاني المصونة التي لا يمنحها الله لمقصر ومن يتعامل مع القرآن باستهتار.
قال رحمه الله: وتحلى بحلل شرائعه وحقائقه، نعم يعني وطوبى لعبد تحلى أي جمل نفسه بحلل شرائعه وحقائقه، كأن القرآن شرائعه وحقائقه حلل، أنت كلما فهمتها كأنك تحليت بحلة منها ولبست ثوباً من تلك الثياب المعنوية الجميلة. نعم أو تملى بالتنزه في رياض حدائقه، تملى بمعنى تمتع أو تمتع بالتنزه في رياض حدائقه، القرآن بسوره بساتين وأفكار في الدين والدنيا، فطوبى لعبد تمتع بهذه الأزهار وهذه الحدائق. نعم وخاض في العباب، العباب هو السيل العظيم، نعم قد عاد عليه ما وصف به ربنا من بركاته، إذ من فعل هذا عادت عليه بركات القرآن، قد عاد عليه من القرآن ما وصف به ربنا من بركاته، القرآن إخواني له بركات، لكن هذه البركات كما قلنا لن تحصلها إلا بأن تتبصر به وتتفكر به وتعطيه الوقت الكافي، عندئذ جنيت ثماره، قال إذ حصل على اجتناء ثمراته، فقال رفعاً للارتياب: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، وجعله هو الدعوة والبرهان على أنه من عنده؛ واضحة التبين تقريراً بإعجازه.
فقال هذا النص يعني هذه الفقرة، وإن كانت في النسخ الخطية كما هي بين أيديكم لكن أعتقد أن فيها تعديلاً، يعني أعتقد أن شيخ الإسلام يريد أن يقول: وجعل الدعوة والبرهان، مش وجعله، أقول أعتقد هذا ظني لكن النص الجملة غير مكتملة بهذه الطريقة، إلا إذا عدلناها فقلنا: وجعل الدعوة والبرهان على أنه من عنده واضحة التبيين؛ يعني الدليل والبرهان على أن هذا القرآن من عند الله ما هو؟ بيانه الواضح، البيان الواضح البليغ الذي بلغ منزلاً عظيماً تحدى الله به العرب، هذا البيان الواضح هو أكبر دليل على أن القرآن من عند الله. فكأنه يريد أن يقول شيخ الإسلام: جعل الله الدعوة والبرهان على أن هذا الكتاب من عنده ما هو؟ واضحة التبيين، التبيين الواضح، التبيين الذي بلغ شأناً عظيماً لم يبلغه كلام أي بشر هو الدليل والبرهان على أن القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، قال تقريراً بإعجازه ليكون هذا البيان الواضح جاعلاً للناس جميعاً يقرون بماذا؟ بالإعجاز، وأن هذا الكتاب بنظمه خارق للسنن الكونية ولا يمكن لبشر أن ينسج على منواله.
قال رحمه الله: فقامت الحجة بإيجازه، قال فقامت الحجة بماذا؟ بإيجازها أن القرآن عبارات قليلة لكن المعاني التي تتضمنها كثيرة جداً، هذا هو الإيجاز؛ أن تعبر بألفاظ محدودة لكن المعاني ضخمة جداً، كما بانت المحجة برهاناً ونوراً، إذ أعجز به مصاقع البلغاء. نعم إذ أعجز به الله سبحانه وتعالى أعجز به مصاقع البلغاء، هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني البلغاء المسقعين، من هم البلغاء المسقعين؟ يعني البلغاء نقول خطيب مسقع، شو يعني؟ مفوه، خطيب مسقع يعني مفوه، فأعجز الله بالقرآن خطباء العرب المسقعين، المفوهون منهم لم يستطيعوا أن ينسجوا سورة واحدة، فالله عز وجل تحدى بالقرآن، ثم تحدى بعشر سور، ثم تحدى بماذا؟ بسورة من مثله، وعجزت خطباء العرب على أن يأتوا بسورة واحدة.
قال رحمه الله: وخصه بالدوام والبقاء ليبقى التحدي مقدوراً. وخص القرآن بالدوام والبقاء حتى يبقى التحدي مقدوراً، يعني قائماً إلى قيام الساعة؛ القرآن هل انتهت أخباره ولا موجود للآن؟ موجود، خصه الله بالدوام والبقاء ليبقى باب التحدي مقدوراً، كيف أقول لك باب التحدي مفتوح إلى يوم القيامة؛ من يريد يتحدى القرآن فليتفضل، فلننظر ماذا تستطيع أن تقدم؟ طبعاً إذا كان أبو جهل وغيره من فصحاء العرب لم يستطيعوا فمن باب أولى أن من بعدهم لن يستطيعوا.
قال رحمه الله: كما جعله من بين آيات الأنبياء وحياً أنزله من السماء. نعم الله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث، أعطى لكل نبي آية معجزة، أعطى صالح الناقة، وأعطى موسى العصا وغيرها، جعل للأنبياء معجزات وآيات؛ ما هي المعجزة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وما هي آيته العظمى؟ الوحي، أن يكون الوحي هو نفسه المعجزة، هذا لم يكن إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، كل الأنبياء كان يوحى إليهم، لكن التوراة هل كانت معجزة؟ لا، الإنجيل هل كان معجزة؟ لا، الوحيد الذي كان معجزته هو نفس وحيه هو محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك قال: أعطيت من الآيات ما لم من النبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات يعني من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، فصالح أعطي الناقة، ونوح عليه السلام جاءه الطوفان، وعيسى كان له معجزات خاصة به، لكن كلهم معجزاتهم ماذا؟ حسية، إلا النبي صلى الله عليه وسلم كانت معجزته هي نفس الوحي الذي أوحاه الله إليه، فجاءه الوحي بنظم معجز، ولذلك يرجو صلى الله عليه وسلم، لأن معجزته نفس الوحي والوحي دائم إلى يوم القيامة، رجى بذلك أن تكون أمته هي أكثر الأمم يوم القيامة، لأن طبيعة معجزات الأنبياء انتهت إلا معجزة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن معجزته الأساسية هي نفس وحيه، ووحيه دائم إلى يوم القيامة. إذاً فهو رجا في الحديث قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة، لذلك شيخ الإسلام ماذا قال؟ قال رحمه الله: كما جعله من بين آيات الأنبياء وحياً أنزله من السماء، فأهله أكثر نفيراً، فأهله أكثر نفيراً يعني يوم القيامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي أكثر الأمم التي تدخل الجنة.
نعم، وحكى غرر حكمه بحلى درر كلمه محبراً تحبيراً، وحكى يعني وكان القرآن يحكي غرر حكمه، طبعاً غرر الحكم يعني الحكم النفيسة؛ غرر حكمه يعني الحكم النفيسة حكيت بدرر الكلم أي بالألفاظ التي كالدرر، فكأنه يقول شيخ الإسلام إن الحكم النفيسة أودعها الله في الألفاظ التي كالدرر الجميلة، نعم محبراً تحبيراً، وأودع عجائب معانيه وغرائب حكم مبانيه ونظمه تبصيراً وتذكيراً، وأظن هذه أيضاً فيها سقط هنا، وأظنها وأودع عجائب معانيه وغرائب حكم مبانيه ونظمه، يعني كأنه يقول أن الله أودع المعاني العجيبة وغرائب الحكم أين أودعها في داخل مباني القرآن وألفاظ القرآن، وأودع عجائب معانيه وغرائب حكمه أين أودعها في مبانيه وفي نظمه، مبانيه ونظمه تبصيراً وتذكيراً.
قال رحمه الله: كما أنزله متوافق المعاني متشابهاً مثاني أولاً وآخراً. الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً، متشابهاً أن يشبه بعضه بعضاً في البلاغة والفصاحة، فأنت لا تجد في القرآن سورة بلاغتها محدودة وسورة بلاغتها عالية، كل.
سور القرآن متشابهة في أحكامها وإتقانها وبلاغتها وقوتها، وجمع فيه علم الأولين والآخرين، وفصل فيه حقائق الدين ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59]. وضرب فيه للناس من كل مثل، وهدى به لصالح القول والعمل مبدأ ومصيراً، ونهج بقصصه سبيل الاعتبار، ووعظ بوعده تعالى.
قصص القرآن الفائدة منها الاعتبار، أنا أحياناً ممكن أعطيك قصة لا عبرة فيها، وأما قصص القرآن الله نزل ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 1-2]، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]. القصص القرآني ليس قصة لا معنى لها، ليس قصة لا تحمل في داخلها عبرة، بل جعل الله قصص القرآن بما فيها من المتعة لكن فيها من العبرة ما فيها، لذلك قال: ونهج بقصصه سبيل الاعتبار؛ أي جعل الهدف من القصص هو العبرة وليس مجرد التسلية.
قال رحمه الله: ووعظ بوعده ووعيده أولي الأبصار إنذاراً. فالقرآن فيه أيضاً وعد ووعيد، فالقرآن حديث في التوحيد والأوامر والنواهي والقصص، هكذا القرآن ثلاثة أقسام، وحض على تدبر آياته والتبصر في بيناته تذكيراً وتفكيراً، فقال موجزاً للبيان تحقيقاً وتقديراً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ثناءً وشكوراً، ونستعينه ونستغفره ونستهديه ولياً ونصيراً. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً أحداً صمداً قديراً، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وعلى سائر عباد الله الصالحين وسلم تسليماً كثيراً.
هذه كلها المقدمة يا إخواني، ما دخلنا الكتاب؛ هذا كله فقط مقدمة وديباجة الكتاب. قال أما بعد، الآن رح ندخل في الكتاب بسم الله، أما بعد فإن عظيم قدر القرآن أجل من أن يخفى على أحد من أهل الإيمان، وإن تفاوتوا في هذا الخطب الجليل من حيث الإجمال والتفصيل. الآن قدر القرآن إخواني لا يخفى على مؤمن، وإن كنا نتفاوت فيما بيننا في مقدار إدراكنا لأهمية القرآن وقيمته، أليس كذلك؟
قال: وإن تفاوتوا في هذا الخطب الجليل؛ ليس كل الناس على مستوى واحد في فهم أهمية القرآن، كثير من المسلمين اليوم لا يعرف كثيراً من فوائد القرآن وقيمته ودوره في حياته. لكن في الجملة إن عظيم قدر القرآن أجل من أن يخفى على أحد من أهل الإيمان، وإن كنا نتفاوت فيما بيننا في إدراك هذا الأمر الجليل من حيث الإجمال والتفصيل. من يعرف القرآن تفصيلاً ليس كمن يعرف القرآن جملة، أليس كذلك؟ يعني في ناس بس بتعرف القرآن جملة، لم يفتح وإذا فتحه لا يقرأه، وإذا قرأه لم يفهم معانيه، وهناك العلماء الفاهمون المتدبرون وطلبة العلم الذين يعيشون مع تفاصيل القرآن، فالذي يعرف القرآن تفصيلاً تقديره للقرآن ومنزلة القرآن في قلبه ليس كمنزلة القرآن في قلب من يعرف القرآن جملة، هذا واضح تماماً.
قال رحمه الله: كيف وصفه الله بأكرم الصفات؟ كانه يقول كيف ذا؛ ممكن نضيف كلمة ذا هنا، كيف ذا وقد وصفه الله بأكرم الصفات كما وسمه لباغيه بأحسن السمات؟ يعني كيف يجهل مؤمن قدر القرآن وقد وصف الله القرآن بأكرم الصفات، كما وسمه وعمه لباغيه بأحسن السمات؟ فإذا أردت أن تعرف قدر القرآن فانظر بماذا وصف الله القرآن، إذا أردت أن تعرف قدر القرآن وتعلو مكانته فانظر كيف تحدث القرآن عن القرآن، وكيف الله سبحانه وتعالى أعلى قيمة كتابه وأثنى عليه في كتابه.
قال فقال مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنزل إليه، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]. وصف الله القرآن بأنه كتاب مليء بالبركات، هذا حديث الله عن كتابه مبارك، تخيل الإنسان يقرأ القرآن وهو يستشعر هذه البركة وموقن أن هذه الآيات 100% فيها بركة.
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. تحدثنا عن هذه الآية قبل قليل. وقال تعظيماً للوقت الذي أنزل فيه جملة والزمان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. يعني إذا أردت أن تعرف قيمة القرآن فانظر كيف تحدث الله ورفع الله شأن الزمان الذي نزل فيه القرآن والمكان الذي نزل فيه القرآن. فشهر رمضان قال العلماء أو كثير من العلماء فضله الأساسي إنما كان بماذا؟ بنزول القرآن فيه، فانظر أن نزول القرآن كان سبباً في بركة هذا الشهر. ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]، كذلك قالوا وهذا البلد الأمين مكة، أقسم الله بمكة وكان شرفها بنزول القرآن فيها، أن أول ما نزل القرآن نزل في بطحائها، فالقرآن يشرف الزمان ويشرف المكان ويشرف القلوب التي يحل فيها.
قال رحمه الله: وأقسم بقسم عظيم تفخيماً لأمره المبين فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 77-80]. هو ذكر المقسم عليه لكن لم يذكر القسم، يعني أظن أن هذا ممكن يكون خطأ في التحقيق. وأقسم الله بقسم عظيم ما هو مواقع النجوم، قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 75-77]. فاقسم بمواقع النجوم على شرف القرآن.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: 31]. يعني لكان هو هذا القرآن، وهذه طبعاً جملة شرط جوابها محذوف، لو أن قرآناً يمكن أن تتحرك به الجبال أو تقطع به الأرض، جواب الشرط محذوف أنت تفهمه ضمنياً، لكان هذا القرآن الذي بين أيديكم. وقال تذكيراً بثقله وعظمته لكل عبد أواه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. أيضاً هذه الآية تدل على عظيم منزلة القرآن، أن القرآن يصدع الجبال، القرآن لو نزل على الجبال لتصدعت لعظم ما فيه من الأحكام والأوامر والتجليات.
قال رحمه الله: وقال تنبيهاً على شرف في هذا القرآن المجيد ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: 41]. عزيز أي غالب، القرآن كتاب غالب لا يغلب ولا تقهر حجته، ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 176].
كما حرسه عن أن يعبث فيه الملحدون بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. المراد بالملحدون المائلون عن الصواب، الملحدون في عرفنا المعاصر تطلق على من ينكر وجود الإله، لكن قديماً الملحد هو الإلحاد هو الميل، فكل من حاد عن الصواب وعن الجادة سواء من الكفار أو من أهل البدع الذين يعبثون بالقرآن، فكل هؤلاء القرآن محمي من أيديهم ومن عبثهم.
وقال مخبراً عن امتيازه بعدما تحدى بإعجازه تقديساً وتقديره: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. وهذه ميزة القرآن، قال وقال مخبراً عن امتيازه قال لا يأتون بمثله، القرآن مميز لا يمكن للانس والجن ولو تظاهر بعضهم مع بعض أن يأتوا بمثله.
قال رحمه الله: وقال بياناً للصراط المستقيم وفرقاناً بين المحسن واللئيم هداية وتعليماً: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]. يعني أن القرآن نزل مبيناً للصراط المستقيم، وأن القرآن نزل مفرقاً بين المحسن واللئيم، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: 10]، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: 58]. وعن محمد بن كعب القرظي وهو من خيار التابعين وممن أوتي علم القرآن في قوله تعالى ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193]، قال هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
شوف هذا التفسير الجميل، محمد بن كعب القرظي أحد المفسرين من التابعين يقول في تفسير قوله تعالى الآن في سورة آل عمران في الصفحة قبل الأخيرة، ماذا يقول المؤمنون يوم القيامة؟ ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193]. من هو هذا المنادي الذي ينادي بالإيمان؟ محمد بن كعب القرظي يقول هذا هو القرآن، هذا هو المنادي الذي ينادي بالإيمان، ولا يعني هو يرى أن حمل الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو في أحسن التفسير؛ لماذا؟ قال لأن لو قال المراد أننا سمعنا منادياً يعني النبي عليه الصلاة والسلام، طب هذا في الصحابة، يسحطه من بعد الصحابة هل رأينا النبي عليه الصلاة والسلام؟ فهو يقول الأصوب أن نقول المنادي للإيمان هو القرآن، فمن صفات القرآن في القرآن أنه ينادي للإيمان. لكن الحقيقة يصح حملها على النبي عليه الصلاة والسلام إذا قلنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان، الصحابة سمعوا حياته سمعوا منه في حياته ونحن سمعنا منه من سنته بعد وفاته، فقول محمد بن كعب القرظي ليس كل الناس رأى النبي صلى الله عليه وسلم لا يضعف القول الثاني حقيقة، لأنه يمكن أن يحمل على وجه صحيح وهو أننا سمعنا منادياً وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لم نسمع منه مباشرة لكن بواسطة من نقل إلينا أحاديثه، فالمنادي للإيمان يصلح أن يكون القرآن ويصلح أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يعارض هذا، وقد يكون هذا من قبيل التفسير بضرب المثال.
قال رحمه الله عنه في قوله تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]، قال: من بلغه القرآن فكأنما كلمه النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس: 58]، قال: القرآن وبرحمته أن جعلكم من أهله. هذه آية عظيمة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، فضل الله هو القرآن، ورحمة الله أن يجعلك من أهل القرآن، أن يجعلك من أهل القرآن هذه رحمة من الله سبحانه أن يخصك أن يجتبيك أن يجعلك منشغلاً بالقرآن طوال حياتك تدبراً تفسيراً اهتماماً استخراجاً لما فيه استثارة لمعانيه، هؤلاء هم أهل القرآن.
قال إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى عظيم فوائده وكريم محامده. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح الحراني والفقيه، قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد شيخ الإسلام ابن تيمية. في العادة لا يسرد الأسانيد بالسند المتصل، هذا قليل جداً جداً، وهذا من المواطن هذه من الرسائل القليلة التي ذكر فيها الأسانيد من عنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالسند المتصل.
قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهْوي، أخبرنا أبو الفتح نصر بن سيار بن صعد بن السيار الهروي، قال: أنبأنا أبو عامر الأزدي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن أبي الجراح الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي، حدثنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن ثورة الترمذي، قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا حسين بن علي الجعفي، حدثنا حمزة الزيات عن أبي المختار الطائي عن الحارث الأعور، عن الحارث قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فقلت: يا الحارث، هو أحد تلاميذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان ملازماً له في الكوفة. فقلت يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوقد فعلوا؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون فتنة». فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله.
يعني الحارث الأعور يشكو لعلي بن أبي طالب أن الناس بدأت يضعف اهتمامها بالقرآن وأصبحت تنشغل بكتابة الحديث النبوي، فعلي بن أبي طالب خاف من هذه الظاهرة، طبعاً الحديث النبوي مهم لكن هو خشي أن يكون الناس منشغلوا بكتابة الحديث وضعف اهتمامهم بضبط القرآن، فقال علي: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قد... هذا من أعظم الأحاديث وإن كان فيه ضعف من حيث السند لكن العلماء يتلقونه بالقبول في باب فضائل القرآن والترغيب والترهيب جيلاً بعد جيل.
النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن هذه الأمة يا شباب سيكون فيها فتن، سيكون فيها ماذا؟ فتن في الشبهات والعقائد والأفكار والمنطلقات، وفتن في الشهوات المستعرة. فقال الصحابة: ما المخرج منها يا رسول الله؟ ما الذي يعيننا على أن نخرج من الفتن بسلام؟ قال: كتاب الله. القرآن هو الذي سينجيك من الفتن، كن واثقاً بهذا. لكن ليس فقط بحفظه، لا، إن كثير من الناس هو منكب فقط على مشاريع حفظ القرآن والمسابقات القرآنية وفلان كذا والمسابقات العالمية، جزاك الله خير بارك الله فيك جهد مشكور، لكن ليس هذا المطلوب. المطلوب هو أن تعيش مع القرآن وأن تفهم القرآن وأن تعي رسالات الله في القرآن، هكذا ستنجو وهكذا ستفهم كيف القرآن يحميك وينجيك ويبصر بصرك، فعلينا أن نفعل قضية تدبر القرآن واستثارة القرآن إذا أردنا أن.
كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء.
لا تزيغ به الأهواء، أي لا تغير حقائقه أهواء الناس. مهما قال أهل الأهواء في معاني القرآن، ومهما حاولوا أن يحرفوا القرآن، ستبقى حقائق القرآن واضحة جلية لمن يريد الوصول إليها، فكل من تكلم في القرآن بهواه فلن يضلل معاني القرآن، ستبقى معاني القرآن محفوظة كما حفظت ألفاظه. فالقرآن محفوظ ليس فقط في ألفاظه، بل محفوظ حتى في معانيه وفي رسالاته، ويبقى الله يجدد لهذه الأمة من العلماء الراسخين من يحفظون معاني القرآن من تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويلهم.
لا تلتبس به الألسنة، لأنه لا يقرأ إلا بلسان واحد وهو اللسان العربي، فالقرآن لا يمكن أن يقرأ بالإنجليزية ولا بالفرنسية ولا بالإسبانية ولا بالصينية ولا بالروسية ولا بأي لغة، هو لغة واحدة. نعم يترجم إلى كل لغات الأرض، لكن القرآن كألفاظ لا يقرأ إلا بلغة واحدة، فلا يمكن أن يشتبه عليك ويلتبس عليك شخص لو قرأ القرآن بلغة أخرى، لا يمكن؛ لأنه أصلاً لا يمكن أن يقرأ إلا بلغة واحدة وهي اللغة العربية.
لا تشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، لا يخلق أي لا يبلى على كثرة الترداد. هو الكتاب الوحيد الذي قد تقرؤه في حياتك أكثر من مئة ألف مرة ولا تمل منه. الكتب، حتى الكتب العلمية، سبحان الله تقرؤها مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، ثم تقول يا شيخ بدنا كتاب ثاني، ليس كذلك؟ مللنا، حتى لو كان الكتاب ربما لابن تيمية نفسه تريد أن تقرأ كتاباً آخر، هكذا طبيعة النفس البشرية. إلا كتاب الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يخلق، لا تشعر أن المعاني اهترأت ومللت من كثرة ما كررتها، مع كل ختمة تدبرية تجد معاني جديدة تفتح لك، فالقرآن لا يبلى مع كثرة الختمات.
لا تنقضي عجائبه، الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: 1-2]. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم.
خذها إليك يا أعور، يعني علي بن أبي طالب يحكي للأعور، خذ هذا الحديث مجاناً، يعني هدية خذه بهدية لك. هذا الحديث وإن كان لا يثبت في الرواية، قال فيه الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال، فإنه لم يشتمل على كذب، ولكن مع هذا، مع وجود شيء من الضعف في الإسناد ليس ضعفاً كبيراً، لكن يقول شيخ الإسلام: لم يشتمل الحديث على حكم غريب حتى نقول والله المتن منكر، لا، الكلام الذي في الحديث كلام من حيث المعاني صحيح، بل على حسن السياق العجيب، فحسنت روايته كسائر أحاديث الترغيب والترهيب.
قوله لا تزيغ به الأهواء أي لا تزيغه ولا تميله، كما يقال أقامه وقام به. وقوله ولا يخلق عن كثرة الرد أي لا يبلى عن كثرة التلاوة والترداد، بل كلما تلي ازداد جدة وطلاوة بخلاف عادة الكتب. عادة الكتب أنها إذا قرئت أكثر من مرتين وثلاث وأربع تمل منها، إلا القرآن كلما قرئ ازداد جدة، كأنه يصبح جديداً، كلما قرأت إذا به ثوب جديد.
قال أبو عبيد حدثنا أبو اليقضان عمار بن محمد الثوري أو غيره عن أبي إسحاق الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم». انظر إلى هذا الحديث العظيم في وصف القرآن، هذه قيمة هذه الرسالة، أن شيخ الإسلام استقرأ النصوص التي تزيد من قيمة القرآن في قلبك وفي عقلك.
انظر الآن، قبل قليل استقرأ الآيات، الآن يستقرئ الأحاديث النبوية، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن مأدبة الله»، كيف أنت تدعو شخصاً إلى وليمة؟ القرآن هو مأدبة الله، هو وليمة الله بمعنى ذلك في الأرض، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، تعال على هذه المأدبة، طعام وخذ منها ما استطعت، وتناول منها ما استطعت حتى تنتفع.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، فتلوه؛ فإن الله تعالى يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وكذلك رواه غير واحد عن أبي إسحاق مرفوعاً، ورواه غيرهم موقوفاً عن ابن مسعود.
أما الفصل الأخير منه فقد رواه الترمذي من حديث محمد بن كعب القرظي عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وقال حديث حسن صحيح. المأدبة بالضم والفتح الطعام الذي يصنع للوليمة، كأنه أراد أنه في ضيافة الله التي دعا إليها عباده، من تعلم منه فقد نال من الضيافة بقدر ما علمه، شبهه بذلك لأن الطعام قوت الأجسام، والقرآن قوت القلوب.
قال أبو عبيد حدثنا حجاج عن المسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: ملا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]. قال في يوم من الأيام أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قالوا يا رسول الله شعرنا بالملل، فقالوا يا رسول الله حدثنا، يعني أعطنا مثلاً قصة، أي حديث عام نتحدث فيه، موضوع نتطرق إليه، بتعرفوا مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام يكون يعظ الصحابة دوماً بالحلال والحرام، فالصحابة اشتاقوا أنه مثلاً يكون هناك سالفة أو حديث يدار، فالله أنزل مباشرة عليهم ماذا؟ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، قالوا يا رسول الله حدثنا، فجاء الجواب من الله تريدون حديثاً؟ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، لن تجد حديثاً أجمل ولا أبهى من القرآن، ثم نعته إلى آخر الآية.
قال ثم ملوا ملة أخرى بعد ذلك، بعد فترة الصحابة ملوا مرة أخرى، قالوا يا رسول الله نريد قصة، قصة علينا، قصة، تعرف النفس تحب التغيير في أساليب الكلام، فقالوا يا رسول الله حدثنا، فوق الحديث ودون القرآن، يعنون القصص، قالوا يا رسول الله حدثنا شيئاً فوق الحديث ودون القرآن، تمام؟ يعني مش مجرد حديث سالفة عامة ولا يصل إلى مستوى أن يكون قرآناً، قصدوا أنهم بدهم قصة، فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ [يوسف: 3]. فكل من يريد حديثاً أو قصة أو عبرة أو حكمة أو مثلاً أو فائدة، فلن تجد أعظم مما في القرآن، لا من الحديث ولا من القصص ولا من الأمثال ولا من الأفكار.
قال إن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث، وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص القرآن. وقال كعب الحبر: عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وأحدث الكتب عهداً بالرحمن. كعب الأحبار، وهذا رجل كان من أحبار اليهود وأسلم في زمن عمر بن الخطاب فيما قيل أو في زمن أبي بكر، ماذا يقول؟ كان يقول للصحابة وللتابعين: عليكم بالقرآن فإنه، أي القرآن، فهم العقل، يعني من قرأ القرآن وتدبر فيه يرزق عقل الفهم، ولذلك سبحان الله، حتى طلبة المدارس الذين يعتنون بالقرآن تجد في عقولهم من النضج والفهم حتى في مسائل الدنيا ما لا يوجد في من لا يعتني بالقرآن، يعني الإنسان إذا اعتنى بالقرآن مش فقط حفظاً، تدبراً واستيعاباً، يرزقه الله عقلاً ناضجاً عقلاً فاهماً يستطيع تحليل المشاهد بشكل جيد، لاحظوا هذه العبارة الدقيقة من كعب الأحبار، قال فإنه فهم العقل، بدك عقلك يكون عقل فهمان؟ بدك تكون إنسان استيعابك جيد؟ المرحلة الأولى لتطوير قدراتك العقلية ولتطوير أساليب فهمك للحياة وللعلوم حتى الحياتية أن تفهم القرآن، فإنه يطور فهمك، قال ونور الحكمة، وهو أحدث الكتب عهداً بالرحمن؛ لأنه آخر الكتب السماوية.
لعظيم ما فيه من البركات، كان تلاوته واستماعه من أعظم القربات، والاشتغال بتعلمه وتعليمه من أسنى الطاعات، وكان لأهله أعلى الدرجات وأوفى الكرامات، لأن القرآن فيه كل هذه الميزات، كان الانشغال بتلاوة القرآن واستماعه أعظم القربات، الانشغال بتعلم القرآن وتعليمه من أسنى الطاعات، وكان أهل القرآن يوم القيامة في أعلى الدرجات. سيسرد الأحاديث في هذا، قال عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟»، كوماوين يعني سمينتين، ما شاء الله غزيرتين، في غير إثم ولا قطيعة رحم، شوف النبي عليه الصلاة والسلام وأسلوبه الجميل في الحوار مع الصحابة، قال أيكم يحب أن يستيقظ يروح على وادي بطحان ويأتي بناقتين سمينتين مليئتين لبناً ولحماً، بدون، ويأخذها ويعود إلى بيته من دون إثم، يعني ما سرقها ولا اعتدى على حق أحد في أخذها، في حدا يحب هذا؟ يعني كيف أقول لك والله تروح على البنك الإسلامي تأخذ لك 500 ألف دينار وترجع بدون ولا جهد ولا تعب، ويكونوا حلال لك؟ تقول والله الشيخ في حدا فينا ما بحب هذا مثلاً، ماذا نريد أفضل من مبلغ ضخم يأتيك وأنت مستريح من دون تعب؟
فقلنا يا رسول الله كلنا يحب ذلك. فقال: «أفلا يغدو أحدكم من المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل؟». أو أن تغدوا إلى المسجد أو إلى حلقة تحفيظ، فتحفظ حفظ آيتين من كتاب الله خير لك من ناقتين كوماوين، وأن تحفظ ثلاث آيات خير لك من ثلاث نوق، تحفظ أربع آيات خير لك من أربعة نوق من هذه النوق التي يصفها النبي صلى الله عليه وسلم. انظروا فضل تعلم القرآن، وهذا كلام الصادق المصدوق، يعني هي مش مبالغة، يعني أحياناً بعض الناس نحن بنحكي شغلات بيكون فيها مبالغة شوي، لهذا محمد صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بعدل فهو يعلم صلى الله عليه وسلم قيمة كل آية من كتاب الله عز وجل في تعلمها وفهمها. رواه أحمد ومسلم وابن ماجه، قال عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟»، قلنا نعم، الخلفة هي الناقة الحامل، أيحب أحدكم إذا رجع إلى منزله يجد على باب المنزل ثلاث من.
«ثلاث من النوق حوامل عظام سمان». قلنا: نعم يا رسول الله. فقال: «ثلاث آيات يقرأهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان». رواه مسلم عن البراء بن عازب.
قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بشطنين، يعني بحبلين. فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن». أخرجه في الصحيحين.
إذاً، القسم الأول من رسالة ابن تيمية كان حديثاً عن فضل القرآن. الآن الحديث انتقل إلى فضل الانشغال بالقرآن. فهمتم؟ القسم الأول وصف القرآن بأنه مأدبة الله، وحبل الله، والصراط المستقيم، ثم ابن تيمية انتقل فقال: ولعظيم قيمة هذا الكتاب امتدح الله المنشغلين به. فالآن بدأ بقسم ثانٍ في الرسالة: فضل الانشغال والاهتمام والاحتفاء بالقرآن في حياتك. فلك هذه الأحاديث الجميلة، وكيف أن من انشغل بالقرآن نزلت السكينة عنده، كما حصل مع هذا الصحابي لما تغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها خوفاً، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه الخبر، فقال: «هذه السكينة تنزلت مع القرآن». لما يُقرأ القرآن بحضور قلب، والله تحدث العجائب إخواني. عندما يُقرأ القرآن بحضور القلب تحدث العجائب في حياة الإنسان.
قال رحمه الله عن أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة في مربد وهو يقرأ من الليل سورة الكهف، إذ جالت فرسه، فقرأ ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضاً. وقال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج، حتى عرجت في الجو حتى ما أراها. قال: فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المربد هو مكان تجفيف الثمار، المربد هو قديماً كان مكاناً لتجفيف الثمار. فقال صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ابن حضير». قال: فقرأت ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ابن حضير». فقال: فانصرفت، وكان يحيى قريباً منها، فخشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج، عرجت في السماء حتى ما أراها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة كانت تستمع لقراءتك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم».
معنى «اقرأ ابن حضير»: كان ينبغي أن تستمر في قراءتك يا ابن حضير. هو خلص المشهد وانتهى، وجاء يقص على النبي صلى الله عليه وسلم القصة بعد ما راحت الملائكة. فمعنى قوله له صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ابن حضير» يعني كان ينبغي عليك يا ابن حضير أن تستمر في القراءة، فإنك لو استمررت في القراءة لجاء الصباح ولرأت الناس الملائكة أمام باب بيتك. من بركة الانشغال بالقرآن أن الملائكة تتنزل على من ينشغل بالقرآن. ماذا تريد أفضل من أنك تكون في بيتك وتقرأ القرآن في ساعة من الليل وهناك ملائكة قريبة منك تتنزل من السماء فقط للاستماع إلى تلاوتك؟ هذا الشيء لم ينقطع، بل يحصل إلى الآن بشرط أن تقرأ القرآن بقلبك.
قال رحمه الله عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفي رواية: «أو علمه». قال أبو عبد الرحمن: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا. وكان أبو عبد الرحمن السلمي أحد أبرز قراء القرآن ومعلمي القرآن، ومنه نبعت الكثير من القراءات القرآنية. يقول أبو عبد الرحمن السلمي: الذي جعلني ألزم المسجد وأعلم الناس القرآن، حديث سمعته من عثمان بن عفان قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم»؛ من أفضل الناس على هذه الأرض؟ «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». أحسن الناس هم الذين يتعلمون القرآن حفظاً وتدبراً وتوظيفاً في الحياة، ويعلمون القرآن للأجيال؛ هؤلاء أحسن الناس. قال: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا. وكان يُقرئ منذ إمرة عثمان حتى كان الحجاج. رواه البخاري.
أبو عبد الرحمن السلمي يقرئ الناس القرآن من خلافة عثمان بن عفان حتى جاء زمن الحجاج. تخيل كل هذه السنوات وهو جالس مرابط على ثغره! شوف هذه قضية أن الإنسان إذا فتح الله له في ثغر إخواني يواضب عليه. أبو عبد الرحمن السلمي ما كان يشتغل مع الأحداث السياسية؛ جاء مقتل عثمان رضي الله عنه، وجاءت خلافة علي رضي الله عنه، ومعركة صفين، ومعركة الجمل، وقصة وحفلة... أبو عبد الرحمن السلمي عارف أن ثغره وين؟ تعليم الناس القرآن. ما خلى الحياة، طبعاً هو يهتم بأمور المسلمين ويقف، لكن عارف أنه: أنا أفضل مكان أخدم فيه الأمة أين؟ هذا ثغري. بعض الشباب متقلب المزاج: اليوم في حلقات التحفيظ، بكرة خبر سياسي بلاقيه وأبصر من رأي، اليوم الثالث: يا فلان، طيب وين رحت؟ والله شيخ أنت عارف الأوضاع، طيب وبعدين؟ بترجع الأوضاع بتهدأ بيرجع، بلاش هي بترجع الأوضاع بتخرب بلاقيه ضاع، وبعدين؟ متقلب الأمزجة متغير، هذا لا يثبت، هذا لا ينضج، هذا لا يكون له سهم. إذا أردت أن يكون لك سهم، فاغرز نفسك في مكان، فاغرز نفسك وجاهد في ثغر من ثغور الأمة حتى ترى أكله بإذن الله.
قال رحمه الله: وقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه كان يقرأ القرآن، فيمر بالآية فيقول للرجل: خذها، فوالله خير مما على الأرض من شيء. وعن ابن عباس قال: هذا عبد الله بن مسعود طبعاً، نعم. وعن ابن عباس قال: من سمع آية من كتاب الله تتلى كانت له نوراً يوم القيامة.
عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة؛ طعمها طيب وريحها طيب». الأترجة يعني هو نوع من الثمار، أنا لا أعرف ماذا يسمونه في واقعنا المعاصر، لكن إذا فتحتم تجدون له صوراً، والله أنا فتحت قديماً كان له صور، أنا لا أعرفه، ليس في بلادنا مثال له فيما أعلم، لكن طعمها طيب وريحها طيب. واضح أنها كانت موجودة في جزيرة العرب وإلا النبي صلى الله عليه وسلم لم يضربها مثلاً، واضح أنها كانت موجودة لديهم يتناولونها. «ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة؛ طعمها حلو ولا ريح لها».
هذا الحديث أيضاً يبين أثر القرآن على أصناف الناس المختلفين، كيف يؤثر القرآن على أفراد المجتمع. يقول لك بالنسبة للشخص المؤمن الذي يقرأ القرآن، أثر القرآن في حياته كأثر الأترجة؛ طعمها طيب وريحها طيب. عندنا مؤمن آخر في المجتمع، لكنه هذا لا يقرأ القرآن، يعني إنسان يحب الله والرسول لكنه مقصر في القرآن، فقال هذا مثل التمرة؛ طعمها حلو لأنه فيه إيمان، بس للأسف ما لها ريحة! صح التمرة ما لها ريحة. كذلك القرآن إذا لم تقرأه يا أيها الشاب المسلم فقدت ريحتك، وكان الرائحة وهي الأثر الطيب الذي يخرج منك ينعدم إذا لم تقرأ القرآن، حتى لو كنت مؤمناً عندك إيمان، مش منافق، لكن القرآن هو الذي يجعل لك أثراً طيباً كأثر الرائحة.
«وأما المنافق ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة؛ ريحها طيب وطعمها مر». تخيل! يعني المنافق الذي هو منافق لو قرأ القرآن ينتفع، فأثر القرآن يستفيد منه حتى المنافق. فالمنافق مثل الريحانة إذا كان يقرأ القرآن؛ الريحانة طعمها مر لمن ذاقها لكن رائحتها طيبة. فانظر إلى أثر القرآن لمن انشغل به ولو كان منافقاً سبحان الله. «ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ طعمها مر ولا ريح لها». هذه الحنظلة لا طعم ولا رائحة، هذا منافق ولا يقرأ القرآن.
قال رحمه الله: وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثني أبي قال حدثنا يزيد بن عبد ربه قال حدثنا وليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن وليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيت ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبه».
فرقان يعني قطعتان يعني جماعتان، كانهما يعني تأتي البقرة وآل عمران كأنهما جماعتان من طير؛ جماعة هنا وجماعة هنا، هذه البقرة وهذه آل عمران، تأتيان كأنهما غمامتان، كأنهما غيمتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، طيب قال: أو كأنهما فرقان أي جماعتان من طير صواف أي صفوا أجنحتهم، تحاجان وتدافعان عن صاحبهما. هذا فضل اشتغالك بحفظ وتعليم سورة البقرة وآل عمران، فضل انشغالك بحفظ وتعليم سورة البقرة وآل عمران أنهما تدافعان عنك يوم القيامة. رواه مسلم عن إسحاق بن منصور عن زيد بن عبد ربه بدلاً، ومعناه عند أهل العلم أنه يجيء ثواب القرآن، هكذا فسره الترمذي وغيره.
الحديث: «يأتي القرآن يوم القيامة». هنا بدنا ننتبه لقضية؛ القرآن ما هو إخواني؟ كلام الله صح؟ هذا الحديث كان يحتج به المعتزلة على أن القرآن مخلوق. ليه؟ المعتزلة لما فتنوا أحمد بن حنبل كانوا يقولون لأحمد: القرآن مخلوق، وعندنا الدليل. قالوا: ما هو الدليل؟ قالوا: الحديث «يأتي القرآن يوم القيامة»، إذاً القرآن شيء مخلوق منفصل عن ذات الله يأتي يوم القيامة يمشي، إذاً القرآن مخلوق. فلذلك السلف قالوا: لا. قالوا: المراد «يأتي القرآن» يعني ثوابه وأجر العمل به هو الذي يأتي يوم القيامة. فإذا قالوا لنا: طيب هذا أليس تأويلاً؟ لماذا تمنعون علينا تأويل الصفات هيكم أولتم الحديث؟ نقول: لأننا نعلم أن القرآن كلام الله، والكلام صفة، فلا يمكن أن تكون صفة الله منفصلة عن ذاته مخلوقة تأتيه. فالذي دفعنا إلى هذا التأويل وإلى فهم الحديث بأن المراد «يأتي القرآن» يعني ثوابه، هو أن ظاهره لا يصح، لأن القرآن كلام الله، وكلام الله صفته، وصفة الله لا تكون منفصلة عنه. إن لو كانت منفصلة عنه ويمكن أن تأتي وحدها وتذهب وحدها، إذاً صح أن القرآن مخلوق، والقرآن ليس كذلك. فبالتالي هذا الذي دفع السلف، الترمذي وغيرهم، إلى أن يؤولوا «يأتي القرآن» يعني يأتي ثوابه وأجره، وليس هو ذاته؛ لأن ذاته كلام الله، والكلام صفة لله.
قال رحمه الله وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم قال حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: «تعلموا البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». قال: ثم البطله يعني السحرة. قال: ثم سكت ساعة ثم قال: «تعلموا البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء تجارة، فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله».
وكل تاجر أتى بتجارته، وأنت يا صاحب القرآن تاجرت مع القرآن فسياتي القرآن معك. قال: فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله. لذلك كثير من الشباب المنشغل بالقرآن والعلم النافع قد يشعر بشيء من الانهزام النفسي، يقول: يعني شوف الناس تطورت مالياً وسكناً وبيوتها، وأنا ما زلت أطلب العلم أو منشغل بالأمور الشرعية التي لا تأتي بدينار ولا بدرهم، خاصة في هذه الأزمنة. هذا الحديث من أجمل الأحاديث، قال: «يأتي كل تاجر بتجارته، وإنك اليوم من وراء تجارة»، أنت تجارتك مع القرآن، يوم القيامة تظفر بهذه التجارة، ما هي مشكلة لو انشغل الناس بدنياهم وارتقيت حياتهم المادية، انتظر الرقية عند الله.
قال: «ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو صعود ما دام يقرأ هداً كان أو ترتيلاً». أخرجه ابن ماجه مختصراً. «البطلة» السحرة، و«الغياية» كل ما أظلك من شيء، و«الشاحب» المتغير. والمراد أنه يمثل ثواب القرآن كما قلنا؛ يعني تعلموا البقرة فإنها تأتي، ليست البقرة باعتبارها كلاماً لله تأتي، لأن كما قلنا كلام الله ليس مخلوقاً منفصلاً يأتي، وبالتالي لا بد وأن يُؤول الحديث كما فسره الترمذي وغيره بأنه ثواب البقرة وثواب العمل بها.
نقف عند هذا القدر، لأنه نحن الآن في حالة فقدان السيطرة، تمام الإخوة إن شاء الله في صيام اليوم، الله يتقبل منكم جميعاً. شيخ عبد الرحمن، طب شيخ عبد تمام. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ الجلسة الثانية لهذا اليوم في قراءة قاعدة في فضائل القرآن لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، وانتهينا إلى قوله: وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله». نعم، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنه. اللهم اغفر لنا.
وقوله: «يعطى الملك بيمينه والخلد بشماله». أي يعطى هاتين النعمتين اللتين هما جماع نعيم الآخرة، وذكر اليد كناية وتمثيلًا لأنهما آلة التناول، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، وقولهم: بيده ملاك الأمر ونحو ذلك. يعني يقصد أن هذه العبارة فيها تجوز، وهي قوله في الحديث السابق: «يعطى الملك بيمينه»، وليس المراد أنه حقيقة يعطى الملك بيمينه، يعني يؤتى إلى يمينه فيوضع فيها الملك، وإنما المراد أنه يعطى هاتين الخصلتين الملك والخلود، وعبر عن العطاء أنه باليمين والشمال بأن الإنسان يتناول الأشياء بيمينه وشماله، فهذا تجوز.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن عمرو قال: يقال -يعني يوم القيامة- لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأها. رواه أبو داوود. وهذا الحديث أيضًا مما يبين عظم الانشغال بالقرآن، أن المنشغل بالقرآن في هذه الدنيا يوم القيامة يقال له: اقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك في الجنة عند آخر آية قد ضبطتها حفظًا وفهمًا.
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه ويتعتع فيه وهو عليه شاق» -ويتعتع فيه يعني يتلعثم، يصعب عليه القراءة، ومع ذلك يبقى مجاهدًا مثابرًا على التعلم مع أنه يجد المشقة- قال: «فهذا له أجران». لكن بالفائدة أن هذا الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه ويصعب عليه ومع ذلك يستمر، وإن كان له أجران، لكن هذا لا يعني أنه سيكون أعلى من منزلة الماهر بالقرآن؛ يعني الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، هذه منزلة عالية. والذي يقرأ القرآن ويشق عليه ومع ذلك يصبر له أجران: أجر القراءة وأجر المشقة، لكن هذان الأجران لا يعني أنه سيكون في مرتبة أعلى من منزلة الماهر، بل يمكن أن يبقى في منزلة أدنى منها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهليين من الناس». قالوا: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». رواه النسائي عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد، وابن ماجه عن بكر بن خلف، كلاهما عن ابن مهدي، عن عبد الرحمن، عن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن عثمان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله، وإنه عالم بالفرائض. فقال عمر: ألا إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». رواه مسلم.
عمر بن الخطاب كان واضعًا أميرًا على مكة اسمه نافع بن عبد الحارث. في يوم من الأيام عمر بن الخطاب كان في سفر، فلقي نافع بن عبد الحارث في أثناء طريق السفر، فيعني أنت الأمير، يعني ماذا تعمل مسافر؟ قال: من استعملت على الوادي؟ أي على أهل مكة بعد أن غادرت؟ عمر يسأل أميره، فقال له نافع: استعملت عليهم شخصًا اسمه ابن أبزى، الله أعلم ما اسمه، اسمه الشخصي لكن هو ابن أبزى، فعمر نفسه ما يعرفه، قال: ومن ابن أبزى هذا الذي استعملته ووضعته نائبًا عنك على مكة؟ قال: مولى من موالينا، يعني عبد من عبيدنا اعتقناه وأصبح في خدمتنا. قال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ يعني تستخلف عليهم رجلًا كان عبدًا وأعتق؟ يعني ما استخلفت على أهل مكة رجلًا ثقيل الوزن؟ فقال له نافع: إنه لقارئ لكتاب الله. ما الذي جعل ابن أبزى المولى يفوق أهل زمانه؟ قال: إنه لقارئ لكتاب الله، وإنه عالم بالفرائض. الفرائض هي المواريث. فعمر اقتنع بمجرد هذه الخصلة، فقال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا».
يعني قد تكون أنت إنسان وضيع النسب قليل المال، لكن من بركة انشغالك بالقرآن، أن القرآن يرفعك في هذه الحياة الدنيا ليس فقط في الآخرة؛ القرآن يرفعك في الآخرة مع السفرة الكرام البررة، لكن حتى في الدنيا يرفعك، وهذا ما أراد ابن تيمية باستحضار هذا الحديث هنا، أن القرآن بركاته على حياتك شتى. هذه بركة الانشغال بالكتاب المبارك أنك ترفع حتى في الدنيا في أعين الناس وفي المكانة الاجتماعية. أنت لا تطلب ذلك ابتداءً، لكن هذه بركة تسري في حياتك، أنك تشعر بتقدير الناس، تشعر أن الله يبارك لك في رزقك، في مالك، في أولادك، في قراراتك الحياتية، في كل شيء تسري بركة القرآن، فانشغل بالقرآن تلقَ الخير في حياتك.
وقال أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب». الذي ليس في جوفه حفظ سور من كتاب الله، هذا بيت قلبه كالبيت الخرب، كبيت فيه العناكب قد عششت وبنت بيوتها، بيت قديم مهترئ، هكذا القلب الذي خلا من كتاب الله سبحانه وتعالى. رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن جرير، وقال: حسن صحيح.
وعن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الرب تعالى: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». رواه الترمذي.
أيضًا هذا الحديث يبين البركة التي تحصل للمنشغل بالقرآن، يقول ربنا في الحديث القدسي: «من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». يعني من انشغل بالقرآن وحفظه ومراجعته حتى نسي حتى أن يسأل الله في حوائجه، وأشغله القرآن أن يسأل الله حوائجه، الله سبحانه وتعالى ببركة القرآن يعطيك من الدنيا ومن حوائجك ويقضي همك وغمك أكثر مما يعطي السائلين الطبيعيين.
ولا يخفى على أولي الألباب أن المقصود بنزوله اتباعه والعمل بما فيه، إذ العاملون به هم الذين جعلوا أهله. الآن كقاعدة عامة نقول: المقصود من إنزال القرآن ما هو يا كرام؟ المقصود الأساس من إنزال القرآن ليس حفظه، ليس الحفظ أنك تنشغل، هذا مطلوب فرض كفاية، لكن الكلام عن المقصود الأساس، المقصود الأساس من إنزال القرآن هو اتباعه وأن تعمل بما فيه، وأهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته من هم؟ العاملون به وليس الحافظون فقط. يعني إذا كنت حافظًا للقرآن ما شاء الله بالقراءات العشر لكنك لا تعمل به، أنت لست من حملة القرآن، لست من أهل الله وخاصته، أهل الله وخاصة الله هم أهل القرآن الذين تدثروا بالقرآن حفظًا وقراءة وعملاً، هذه منظومة متكاملة لا تقبل الانفصام.
والمطلوب من تلاوته تدبره وفهم معانيه، ولذلك أمر الله بترتيله والترسل فيه ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته. إن الله لماذا أمر بالترتيل؟ لماذا أمرنا أن نقرأ القرآن بقراءة هادئة؟ حتى يحصل المقصود من إنزال القرآن وهو الفهم، والفهم سيقودك إلى العمل، أنت لن تفهم القرآن ولن تعي القرآن إذا كنت تقرأه قراءة الهَذْر. فالله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]؛ لأن الترتيل هو الوسيلة التي بها يتحقق الفهم، والفهم هو الذي ينبني عليه العمل، ويتحلى بآثار الإيمان من حقائق تذكرته، فإنه يشترك المؤمن والمنافق والمطيع والمارق في تلاوته وقراءته، كما يشمل جميع الناس بتبصرته وبيانه لإقامة حجته وإبانة برهانه، وإنما يفترقون في نفعه وثمرته.
هذه قاعدة عامة يقول شيخ الإسلام: المؤمن والمنافق، المطيع والمارق، كلهم يشتركون في قراءة القرآن، صحيح الكل يقرأ، كذلك هدايات القرآن نزل ليكون هداية أيضًا للجميع، نزل ليكون هداية للمؤمن والعاصي وللمتقي والفاجر، أنزله الله ليكون هداية للجميع. طب إذا بماذا سأختلف أنا عن غيره في استقبال القرآن؟ إنما يفترق الناس في مدى انتفاعهم بالقرآن ومدى إثمار القرآن في حياتهم. هذه المساحة؛ يعني مجرد أنك تحفظ قرآن، أعود أقول، ومجرد أنك تقرأ أقول، قد تجد بعض المنافقين يحفظون القرآن، بل حتى بعض النصارى ممكن يكون منشغلًا بالأديان وبتلاقيه حفظ القرآن عشان تخصصه. فهمت نقطة الافتراق الجوهرية بينك وبين غيرك؟ كما يقول شيخ الإسلام: وإنما يفترقون في نفعه وثمرته؛ هنا يتفاوت الناس في مدى انتفاعهم بالقرآن، مدى إثمار القرآن في حياتهم، على أخلاقهم وسلوكهم ومناهجهم وشبهاتهم وشهواتهم، كيف استطاع أن يجلي الشبهات، أن يحكم الشهوات، أن يصلح البوصلة، أن يهذب الأخلاق، هكذا يفترق الناس حقيقة.
يفترقون في نفعه وثمرته وهداه ورحمته وشفائه وموعظته والاعتبار بقصصه وأمثاله والاستبصار لخدمة جلاله والاذكار بوعده ووعيده والازدجار بحفظ حدوده وإيثاره على كل ما سواه، فإنه كلام الله الذي أنزله على رسول حضيرة قدسه لإقامة الدين الذي ارتضاه لنفسه. قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 2-3]. وقال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: 123]. وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]. قال عكرمة عن ابن عباس: يتبعونه حق تلاوته.
هذه الآيات الأربع أتى بها شيخ الإسلام بأن هناك كلمة مشتركة بين هذه الآيات الأربع في المقصد من إنزال القرآن، ما هي الكلمة المشتركة المتكررة بين هذه الآيات؟ الاتباع صح، لاحظوا في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾، إذا المطلوب في القرآن اتباعه. في سورة طه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾، الاتباع. في سورة البقرة: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾، الاتباع. وفي سورة البقرة آية 121: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ﴾، ابن عباس ماذا فسر يتلونه؟ المشهور عندكم يتلونه حق تلاوته شو معناها؟ يقرأونه. ابن عباس بقول لا، يتلونه بمعنى يتبعونه، من باب تلا الشيء بمعنى تابعه، تقول ألا ترى أنك تقول: فلان يتلو فلانًا في مجلسه، شو يعني يتلو؟ يتبع. فقال ابن عباس: تلا هنا بمعنى تبع وليس بمعنى تلا، طبعًا في تفسير آخر أن بمعنى تلا، لكن أنا أقصد أن أحد التفاسير المشهورة للآية: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ﴾ يعني يتبعونه، كأنهم يجعلون القرآن أمامهم وهم يتلونه يعني تبع له، أنا التالي والقرآن مقدم، أنا التالي والقرآن مقدم، القرآن هو رقم واحد وأنا رقم اثنين، أنا أتبع له. ممتاز، إذا هذه الآيات أتى بها ابن تيمية على هذا النسق ليخبرك أن الله عز وجل لما ذكر وظيفة القرآن في حياة الناس، الوظيفة الأساسية هي: اتبعوا، اتبع، الاتباع. هذا هو المطلوب أساسًا، نحن أحيانًا ننشغل بالوظائف الثانوية وننسى الوظائف الأساسية لكتاب الله. ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: 1-2]، أي تبع القمر إذا تلاها، ما معنى القمر إذا تلا؟ يعني تبعها، أراد أن يستشهد أن تلا تأتي بمعنى تبع.
في الصحيح عن عائشة أنها قالت وقد سئلت عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]: ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه. إذًا النبي عليه الصلاة والسلام كان يتبع القرآن، لماذا؟ قالت عائشة: كان يغضب لغضبه، الشيء الذي يغضب القرآن كان يغضب النبي عليه الصلاة والسلام، والشيء الذي يرضى به القرآن كان يرضى به محمد صلى الله عليه وسلم. إذًا النبي عليه الصلاة والسلام جعل نفسه تاليًا تابعًا للقرآن، فحصل هذه الوظيفة أو هذا المقصود منه.
في الصحيحين عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بها ولم يوصِ؟ قال: أوصى بكتاب الله. سألوا عبد الله بن أبي أوفى: هل النبي عليه الصلاة والسلام ترك؟
فقالوا له: كيف يكتب على الناس الوصية ولم يوصِ؟ يعني لماذا النبي عليه الصلاة والسلام أوصانا بالوصية وقال: ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ليلتين، ولكن هو نفسه لم يوصِ؟ قال له عبد الله: لأنه أوصانا بأعظم شيء، بماذا أوصانا؟ بكتاب الله، وكفى بها وصية. أتريد وصية أعظم من هذه؟ لما خطب في خطبته فقال: «عليكم بسنتي»، وقال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله». إذاً هو أوصى، لكنه أوصى بما ينفعنا ويصلحنا.
وقال أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود: إن هذا الصراط محتضر، تحضره الشياطين يقولون: هلم يا عبد الله، ليصدوا عن سبيل الله، فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله. إن هذا الصراط يعني الطريق إلى الله محتضر، يعني الشياطين تأتي حوله تحاول أن تصرف الشباب عنه، تقول لك: هلم يا عبد الله إلى شهوة، إلى شبهة، والذي سيثبتك على هذا الصراط هو كتاب الله فإنه حبل الله. قال أبو عبيد رادًا بقوله فإنه حبل الله، قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103].
وعنه أن رجلاً جاء إليه فقال: أوصني، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه. وقال أبو قلابة: هذا كلام عبد الله بن مسعود أيضًا. وعنه -أي عن عبد الله بن مسعود- أن رجلاً جاء إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن أوصني، فقال عبد الله: إذا سمعت الله يقول لك في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ -أي آية مطلعها يا أيها الذين آمنوا- مباشرة قف وارعها سمعك، أنصت لها، لماذا؟ قال: فإنها خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه. لما الله يناديك معناها يريد أن يأمرك بخير أو ينهاك عن شر، فارعها سمعك ولَبِّ. هكذا كان الصحابة يتعاملون مع القرآن، هذه منهجيتهم؛ قمة الحب، قمة التعلق، قمة الفهم لقيمة القرآن في الحياة وتوجيه بوصلة الإنسان.
وقال رحمه الله: وقال أبو قلابة: لقي رجل من أهل الكوفة أبا الدرداء فقال: إن إخواننا من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويسألونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام، وأمرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم، فإنهم يحملهم على القصد والسهولة، ويجنبهم الجور والحزونة. شوف هذه الوصية الجميلة من أبي الدرداء، قال: أوصهم فليعطوا القرآن بخزائمهم. الخزائم هي عبارة عن حلقات كانت توضع في أنف الناقة، يتم جر الناقة من خلالها، فما معنى هذه الاستعارة؟ يعني أوصهم فليعطوا القرآن حبالهم، خلي القرآن هو الذي يقودك، هذا معنى أعطوا القرآن خزائمهم؛ اعملوا حالكم كالمركوب والقرآن هو الذي يركب فوقكم، وهو الذي يقودك يمينا وشمالا.
كيف أنت تكون راكب على ناقة وقد أخذت بخزامها فأنت الذي توجهها يمينا أو شمالا؟ أبو الدرداء يقول: قل لهم أعطوا القرآن خزائمهم، اجعلوا القرآن يقودكم، اجعل القرآن يحدد مساراتك في الحياة، اجعل القرآن يحدد حتى تخصصك الجامعي، حتى اختيارك في الزواج، حتى مسارات الحياة، وكل ما تريد أن تفعله من حل وترحال ومشاريع الحياة، خلي القرآن يفتح لك فيها توجهات واختيارات، لا تتخذ قرارات الحياة المصيرية بعيدًا عن كتاب الله سبحانه وتعالى.
قال: فإنه -أي فإن القرآن- يحملهم على القصد والسهولة. إذا اتبعت القرآن سيسير بك في طريق سهل؛ الشاب اللي ماشي في قراراته الحياتية باختياراته بعيدًا عن القرآن، هذا زي رجل داخل على أرض وعرة صعبة وكلها حجار وتلال، وعم خابط مخابطة، ويوم اللي هو ضارب في الحجر هذا ويوم هو، هكذا تكون قراراتك الحياتية عشوائية لأنك لم تعتمد فيها على بصيرة القرآن. فتجد أن القرارات الفوضوية: يوم تزوج، اليوم الثاني طلق، اليوم الثالث دخل وظيفة، اليوم الرابع تعثر، اليوم الخامس دخل في مشروع خسر، بتلاقيه رجل غير موفق. لماذا؟ لأنه يعتمد على نفسه ولم يجعل هناك حاكما عليه، بخلاف الشاب الذي أعطى القرآن كل شيء والقرآن يوجهه.
طبعا توجيه القرآن ليس شرط أن يكون بعينه يقول لك تزوج فلانة، لن يقول لك ذلك، بل سيعطيك صفات من تتزوج بها، صفات العمل الذي يمكن أن ترغب به، صفات المؤمن، الأخلاقيات العامة، السلوكيات العامة التي بناء عليها وفي ضوئها أنت رح تتحرك في الحياة، حتى يرسم لك الأهداف، يرسم لك أين ستكون بعد خمس عشرة سنة، فلان أين سيكون في الحياة؟ هل سأكون من أهل الدنيا المتشبثين بها الغارقين في أوحالها والاهتمام بها، أم أنني أحافظ على هويتي الإسلامية وأفكاري وانتمائي وعقيدتي وأخلاقي؟ وهذا معنى قال: فإنه -أي القرآن- يحملهم على القصد؛ يسلك بك الطريق المعتدل. ما هو القصد؟ الاعتدال، القرآن يسلك بك طريقا معتدلا سهلا، ويجنبهم الجور والحزونة؛ الجور والحزونة هي الطرق المتعبة التي فيها تلال وصعوبات وأشكال ولا تهواها الأنفس.
قال رحمه الله عن عبد الله بن عمر قال: عليكم بالقرآن فتعلموه، وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظا لمن عقل. وعن الأسود بن يزيد قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقنا إلى ابن مسعود بها، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب، ثم قال للجارية... الآن شوف هذه القصة الجميلة؛ الأسود وعلقمة كلاهما تلميذ لابن مسعود رضي الله عنه، وجدا صحيفة فيما يظهر أنها من الكتب السابقة أو فيها من حكم السابقين، فمسك هذه الصحيفة فرحين بها وجدا فيها حكما، فأتيا بها دار ابن مسعود، وصلا عند داره عند الظهيرة، فجلسا على الباب ينتظرون خروج شيخهم؛ مش عاد دقوا الباب واطلع وبدنا نتفاهم معكم، لا هذا شيخ، وبالتالي في نوع من الأخلاقيات والأدبيات كانت عند السلف في التعامل مع مشايخهم.
قال: فجلسنا بالباب، ثم قال -أي ابن مسعود- لجارية: انظري من بالباب. عبد الله بن مسعود شعر أن في أحداً على الباب، فقال لجاريته: انظري من على الباب. فقالت: علقمة والأسود، فالجارية بتعرفهم تلاميذه وهم دائماً رايحون، قالت: علقمة والأسود ما غيرهم. قال: ائذني لهما. قال: فدخلنا، فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس، قلنا: أجل. قال: فما منعكما أن تستأذنا؟ قال: خشينا أن تكون نائما. شوف الأدب؛ قال: كأنكما أطلتما الجلوس على الباب، قال: نعم. قال: لماذا لم تستأذنا لتدخلا عليّ؟ قال: والله توقعنا أنك نائم فما أحببنا أن نوقظك.
فقال: ما أحب أن تظنوا بي أن هذه الساعة كنا نقيسها بصلاة الليل، قال: لا أحب أن تظنوا بي أنني أنام بعد الظهيرة، فإن هذه الساعة ساعة عمل وتقرب إلى الله، كانها في منزلة قيام الليل، كان التقرب إلى الله في هذا الوقت بمنزلة قيام الليل، فلا أريد أن تظنوا بي أنني من أهل النوم في هذا الوقت. قال رحمهم الله: فقلنا صحيفة فيها حديث حسن، فقال: هاتِ. فتحوا الموضوع معه، يعني ليش جئتم؟ قالوا: والله وجدنا صحيفة فيها كلام حسن وجميل وحكم، فقال: هاتها. يا خادم، قال لخادم عنده: ناولني الصحيفة منهم. قال: هات الطست فاسكبي فيها ماء. قال: فجعل يمسحها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3].
عبد الله بن مسعود ماذا فعل؟ أول ما عرف أنها صحيفة من الحكم السابقة وليست من القرآن أو من حديث النبي عليه الصلاة والسلام أخذها، وقال للجارية: أعطيني الطست، فأخذ يمسح هذه الصحيفة وما فيها بالماء، وأخذ يغسلها وينكر على تلميذيه؛ لماذا تبحثان عن مصدر آخر للمعرفة غير كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ لاحظوا شدة السلف على تلاميذهم في وحدة المصدر. الآن لو كانت الصحيفة تتكلم في علوم زراعية، علوم طبية، ما عنده مشكلة عبد الله بن مسعود أكيد، لكن واضح أنها تتكلم عن أمور تتعلق بحكمة الحياة، فعبد الله بن مسعود يرى أن حكمة الحياة لا تؤخذ من كلام اليهود والنصارى ولا من فلاسفتهم ولا من معاجمهم ومهما أعجبك الرجل، وإنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
اليوم للأسف في كثير من واقعنا المعاصر نرى الشباب إذا وجدت حكمة مسطرة باسم كانت ولا اسم واحد من هؤلاء الفلاسفة الغربيين، ينشرونها ويروجونها، اللايكات، كل هذا تفخيماً؛ إنه شوف هذه الفلسفة العظيم شو قال عن حكمة من حكم الحياة، عن الزمان، عن التجربة، وإذا جاءهم قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم يمرون عليه مرورا سريعا، حتى لا يكلف نفسه يقرأ أو يهتم. هذا نوع من أنواع الانهزام الحضاري، نوع من أنواع ذلتك، وأن أصبحت هيمنة الثقافة الغالبة -كما يقولون- هي التي تصطو على دماغك، أنه أصبحت أنت لا تعرف قيمة ما عندك، أنت عندك وحي من الله وأصبحت تعلي كلام كانت ولا غيره من الفلاسفة الذين خطؤهم أكثر من صوابهم، على كلام الوحي الإلهي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذا يدل على أن عندك ضعف وتشوه في الفكر، وأنك ما عدت ناضجا للنضوج الكافي حتى تستغني بكتاب الله عن كل ما سواه.
هذا الذي كان يزرعه الصحابة في تلاميذهم، أن عبد الله بن مسعود يقول له: ماذا تفعلان بهذه الصحيفة؟ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، القرآن يكفيك في حكمة الحياة. قال رحمهم الله: انظر فيها فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها، وعلقمة والأسود يقولون: طب شيخنا انظر في الورقة بس قبل ما تمحوها انظر، يعني بجوز فيه فائدة، إذا عجب؛ فعبد الله بن مسعود مصر على موقفه، فيقول: فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره. شوف هذا التعبير الجميل، قال: هذه القلوب عبارة عن وعاء، هذا الوعاء إما أن يكون فيه القرآن وإما أن يكون فيه كلام غير الرحمن، يعني هذا الوعاء لا يمكن أن يمتلئ بأكثر من شيء.
إما أن يمتلئ بالقرآن وبوصلة القرآن، وإما أن يمتلئ بأفكار الغرب وأفكار الفلاسفة والرؤى الأخرى الغربية وما شابه ذلك، لا يمكن أن يجتمع كلام الخالق وكلام المخلوق إلا إذا كان كلام المخلوق تفسيرا وتبعا لكلام الخالق. طبعا هنا أنت ممكن تقول إن عبد الله بن مسعود يعني ممكن البعض يقول إنه بالغ قليلا أو شيء، ولم يبالغ هو أراد أن يسد الذرائع، يعني ربما في موقف آخر أنت ممكن تقرأ هذه الصحيفة ما عندك مشكلة، يعني من باب أخذ الفائدة منها، لكن هو أراد أن يوصل فكرة: اعتز بما عندك، اعتز بالقرآن وافتخر بالقرآن واهتم، ستجد القرآن يشبعك تماما من حيث النهم المعرفي والعقلي والنفسي وستستوي، وأما إذا ذهبت إلى مكان آخر تبحث عن الهداية فيه فإنه لن يعطيك هذه الهداية إلا كتاب الله سبحانه.
قال رحمه الله: قال أبو عبيد: نرى أن هذه الصحيفة أخذت من بعض أهل الكتاب فلهذا كرهها عبد الله. وقال أيضا: لا يسأل عبد عن نفسه إلا بالقرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله. شوف هذا النص الجميل أيضا عن عبد الله بن مسعود؛ إذا أردت أن تعرف نفسك، إذا أردت أن تعرف قيمتك عند الله وعلاقتك مع الله هل هي جيدة ولا غير جيدة، لا تروح تسأل أحدا من الناس: كيف شايفني؟ لا تسأل صديقك ولا غير صديقك، اسأل، اعرض نفسك على القرآن. قال: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن؛ إذا وجدت داخليا أنك تحب القرآن وتلاوته وتفسيره، فإنك على خير وإنك تحب الله ورسوله، وإذا وجدت أنك لا تشتاق إلى القرآن وتمل من القرآن وزاهد في القرآن فاعلم أن هذا من خصال الشر فيك، فيقول ابن مسعود: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، اعرض نفسك على القرآن ستعرف ما مقامك في التدين وما مقامك في العلاقة مع الله.
وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا أو كائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به على الجنة، ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه حتى يقذفه في نار جهنم. أبو موسى الأشعري وهو من أصحاب ابن مسعود وكان يعظم ابن مسعود ويقول: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم؛ أيضا لاحظ أن الصحابة في فهم مشترك بينهم، يعني في نقطة اتفاق أن القرآن مصدر لا يمكن القبول ببديل عنه، فأبو موسى الأشعري ماذا يقول: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن عليكم وزرا. لمن سيكون القرآن أجرا وعلى من سيكون وزرا؟ قال: فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن. شوف هذا التعبير الجميل، يعني خلي القرآن أمامك وأنت مشي وراه، ما تخلي العكس؛ تكون أنت في الأمام وتخلي القرآن وراء ظهرك.
قال: فاتبعوا القرآن، اجعل القرآن أمامك هو يقودك، ولا يتبعنكم القرآن، مش أنت اللي تكون في الأمام ماشي على هواك والقرآن بدك تكيفه على مزاجك. بتعرف هذول اللي بيعمل الشغلة بعدين بده يجيب حديث أو آية يوفقها على هواه أو مزاجه، مثل الحداثيين المعاصرين اللي هو مفتون في النظرة الغربية ويحاول أن يلوي أعناق النصوص حتى يقول لك القرآن يتفق مع الحداثة المعاصرة ومع العلمنة ومع الأفكار الحداثية وما شابه ذلك، هو ابتداء تبنى الفكرة يريد أن ينصرها ويجعل القرآن يتبعه، ومن هنا ضلوا وأضلوا، فالإنسان.
المؤمن كما قال أبو موسى هو الذي يتبع القرآن؛ ما يقول لك القرآن تمشي ولا تجعل القرآن هو الذي يمشي على هواك. فقال: إن من يتبع القرآن الذي يجعل القرآن في المقدمة، فالقرآن يهبط بك في الجنة تصل بأمان، وأما من جعل القرآن هو الذي يمشي على هواه فإن القرآن يزج في قفاه، يعني يدفعك في قفاك حتى يلقيك في النار والعياذ بالله. فلا تقدموا بين يدي الله ورسوله؛ أليس هذا ما يقوله ربنا؟ نعم.
قال رحمه الله: وقال جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي في وصيته لأهل البصرة: وعليكم بالقرآن فإنه هدى النهار ونور الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدموا أموالكم دون دماءكم، فإن تجاوزها البلاء فقدموا دماءكم دون دينكم، فإن المحروب من حُرب دينه. هذه وصية من الصحابي الجليل جندب بن عبد الله البجلي لأهل البصرة وهي جميلة؛ أوصاهم أولاً بالقرآن، فإن القرآن عصمة كما قلنا، قال: فإنه هدى النهار ونور الليل المظلم.
ثم قال: إن عرضت لكم فتنة في هذه الحياة الدنيا، إن استطعتم أن تدفعوا الفتنة بالمال فاخسر كل مالك وادفع الفتنة. إذا عرضت عليك فتنة في أي جهة من الجهات أرادت أن تسلب دينك، اخسر مالك وادفعه في صرف هذه الفتنة واظفر بدينك. طب إذا كانت هذه الفتنة لا تندفع بدفع المال، قال: ادفعها بنفسك، قدم روحك رخيصة مقابل دفع هذه الفتنة على أن يسلم لك دينك. لاحظ: فإن عرض البلاء فقدموا أموالكم دون دماءكم، أنت لا تستعجل تبذل نفسك إذا كان بإمكانك أولاً تبذل المال، ابذل المال ولا تبذل النفس. طب ما استطعت أبذل المال أو أنا لست ذا مال؟ قال: فإن تجاوزها البلاء، إذا كان البلاء لا يندفع بالمال، قال: فقدموا دماءكم، ابذل روحك مهجة في سبيل الله دون دينكم مقابل أن يسلم دينك. قال: فإن المحروب، أي المحروب يعني المسروق منه أو المسلوب منه، من هو المسلوب حقيقة؟ من حُرب دينه، من سلب منه الدين. لذلك دائماً نقول: اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا؛ المصيبة في المال بتهون، المصيبة في البدن تهون، لكن المصيبة في الدين صعبة؛ لأنه معناها النار.
قال: وإن المسلوب من سلب دينه، إنه لا فقر بعد الجنة ولا غنى بعد النار، وإن النار لا يفك أسيرها ولا يستغني فقيرها، والسلام عليكم.
وقال خباب بن الأرت لجار له: يا هنّاه، تقرب إلى الله تعالى ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه.
وقال حذيفة بن اليمان لعامر بن مطر: كيف أنت إذا أخذ الناس طريقاً وأخذ القرآن طريقاً، مع أيهما تكون؟ إذا رأيت أهل المجتمع، مجتمعك الناس سلكت طريقاً والقرآن في طريق آخر، مع أي الطريقين تكون؟ مع المجتمع مع العادات الاجتماعية والتقاليد؟ كثير من الناس يجي يسألك عن حكم شرعي لكنه لا ينطبق مع عادات الناس وعشائرهم وأفكارهم، فيقول لك: إيش أعمل يا شيخ؟ وأنت يقول لك الناس في طريقين؛ إنك تمشي مع عادات الناس وأفكار المجتمع هي تأخذك في طريق والقرآن يأخذك في طريق آخر، حدد موقفك. فقال عامر: أكون مع القرآن أموت معه وأحيا معه. قال: شوف التعبير، قال: أكون مع القرآن أموت معه وأحيا معه، يعني أنا مع القرآن حتى الموت، لا يمكن أن آخذ طريق الناس إذا كان معاكساً لطريق القرآن، لا أقبل هذا. قال: فأنت إذاً أنت، هكذا الثبات يكون.
وعن سلمان الفارسي أنه قال لزيد بن صوحان: كيف أنت إذا اقتتل السلطان والقرآن؟ قال: أكون مع القرآن. قال: فأنت إذاً أنت يا ابن آدم. هذا أيضاً وجه آخر: كيف أنت إذا خالف السلطان القرآن، مع أي صف تكون؟ تكون مع القرآن، ما عندك مجال، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال: فأنت إذاً أنت يا ابن آدم.
عن أبي الزاهري أن رجلاً أتى أبا الدرداء بابنه فقال: يا أبا الدرداء، إن ابني هذا قد جمع القرآن. فقال: اللهم غفراً، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع. شوف هذا الملحظ الجميل؛ جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال له: يا أبا الدرداء، ابني هذا ما شاء الله حافظ القرآن كاملاً. هو ظن أن أبا الدرداء إيش رح يعمل؟ رح يقول له: ما شاء الله أحسنت، ويقدم له هدية. قال: استغفر الله العظيم، فالرجل قال: يعني أنا إيش قلت؟ قلت ابني جمع القرآن. يعني هو ظن أن أبا الدرداء سيحتفي، قال: اللهم غفراً؛ تقل إنه جمع القرآن؟ لماذا؟ لأن قال: إنما جمع القرآن حقاً من سمع له وأطاع. مش مجرد أنك حافظ للقرآن تظن نفسك شيئاً كبيراً، لا تكبر بحفظك للقرآن إلا إذا كنت تسمع وتطيع القرآن. لاحظ كيف أبو الدرداء يزرع الفكرة؛ ليس جميل هو جميل أن ابنك حفظ القرآن، نحن مش نقلل من القيمة، جزاك الله خيراً، مشروع جميل وممتاز، لكن أبو الدرداء يقول: ليس هذا هو معنى جمع القرآن؛ من جمع القرآن حقاً من كان يسمع ويطيع للقرآن. إيش فائدة إنسان يحفظ قرآناً وفي النهاية هو في الأماكن الخاطئة؟ إيش فائدة أخت حافظة للقرآن ثم بعد ذلك لا تلتزم بالحجاب الشرعي؟ يعني هذا ليس ذا قيمة كبيرة، لأن القرآن إذا لم يصبغ حياتك ويجدد هويتك فأنت لم تستفد منه حق الفائدة، القرآن أعود فأقول قد يحفظه المؤمن والمنافق.
عن الحسن بن علي قال: اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فليست بقراءة. يعني اقرأ القرآن ما دمت تستفيد من القرآن، ينهاك القرآن عن اتباع الهوى، اقرأ القرآن ما دمت قراءتك للقرآن منتجة، ما هي القراءة المنتجة؟ التي ينهاك فيها القرآن عن الهوى. قال: فإذا كنت تقرأ القرآن ولا ينهاك القرآن عن هواك، فاعلم أنها ليست بقراءة، يعني هذا مجرد هذ؛ ليست بقراءة إذا القرآن ليس له أي تأثير على قراراتك. وقد روي ذلك مرفوعاً من وجه آخر.
قال الحسن البصري: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرأه. ما معنى هذا الكلام؟ بعض الناس قد لا يحسن قراءة القرآن صحيح، قد تكون امرأة أمية أو جدك الأم المسكين ربما لا يعرف يقرأ، لكنه وقاف عند أحكامه؛ يقول لك يا ابني: قول لي إيش بقول القرآن وأنا سأفعل. فيقول الحسن: إن أولى الناس بهذا القرآن من هم أهل القرآن؟ قال: من اتبعه، حتى ولو كان لا يقرأه؛ عجزاً وضعفاً في اللغة، أو ما هو لا يحسن القراءة. بعض الناس مساكين ما يحسن القراءة لكنه وقاف عند كتابه، هذا من أهل القرآن.
قال الحسن أيضاً: قراء القرآن ثلاثة أصناف؛ فصنف اتخذوه بضاعة يأكلون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده. قراء القرآن ثلاثة أصناف: الصنف الأول الذين يتخذون القرآن وظيفة؛ ليش بدك تحفظ القرآن؟ والله يا شيخ سمعنا اللي بيحفظ القرآن بيعطوه راتب من بيت مال المسلمين. ليش بتحفظ القرآن؟ والله شيخ بدور لي على شغل في مركز قرآن لأن الوضع تعبان مالياً فحفظت القرآن مشان أشتغل. هذا يقول الحسن: صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به، هو مش فش بعد كبير، ما في همة عالية، لكن الشغل الآن يقتضي أنه يحمل شهادة إني أنا معي من الأوقاف ومعي من كذا وحافظ للقرآن.
الصنف الثاني، قال رحمه الله: وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، واستطالوا به على أهل بلادهم، واستدروا به الولاة. كثر هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثرهم الله. الصنف الثاني هم أقاموا حروفه، يعني ما شاء الله الصوت على المسطرة وبالمقامات وباللي تريده وفي أماكن فخمة وأموره طيبة، ولكنهم يستطيلون به على أهل بلادهم، يعني المراد من هذه القراءة أن يفتح قنوات ويكون له جمهور ويتابعه الناس، ويظهر العجب بنفسه وأن صوته جميل وأن الناس تحب سماع صوته، هذا والعياذ بالله صنف مخذول، قال: واستطالوا به على أهل بلادهم؛ الإعجاب بالنفس، واستدروا به الولاة؛ أصبح الولاة يحضرونهم للحفلات ولأماكنهم الخاصة حتى يقدمونهم ويعطونهم شيئاً، فهذا يقدم نفسه للولاة. قال: كثر هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثرهم الله.
وصنف عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم، فركدوا به في محاربهم، وحنوا به في برانسهم، واستشعروا الخوف، وارتدوا الحزن، فأولئك الذين... الصنف الثالث هم أهل القرآن حقاً، الذين عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم، على أمراض القلوب، على الذنوب والخطايا، فعالجهم القرآن بشفائه، فركدوا به في محاربهم؛ أقاموا ليلهم متهجدين بالقرآن، وحنوا به في برانسهم، بمعنى أبكاهم القرآن، هذا معنى وحنوا به في برانسهم، البرنس هو نوع من الثياب الذي يلبسه ويكون له طاقية، طبعاً مثل الثوب المغربي إذا تعرفونه، فمعنى حنوا به وكانهم بكوا فحنى رأسهم في داخل برنسهم من شدة البكاء والتأثر بالقرآن. واستشعروا الخوف، وارتدوا الحزن، فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء. والله لهؤلاء، يعني هؤلاء بركة الزمان، هؤلاء قلة، والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر، سبحان الله. هذا الضرب من حملة القرآن الذين يجعلون القرآن ليلهم ونهارهم، يقيمون به الليل ويعملون به في النهار، أعز من الكبريت الأحمر، يعني نادر جداً أن تجد حامل القرآن بهذه المواصفات والمعايير.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون. هذه من أعظم وصايا عبد الله بن مسعود لشباب الأمة، اسمعها بقلبك واقرأها. ينبغي لقارئ القرآن، اقرأها بهدوء يا شيخ أحمد. قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون. يعني قارئ القرآن ليله ليس كليل غيره؛ الناس تنام بالليل وهو عنده ورد منه. وبنهاره إذا الناس مفطرون، هو من أهل الصيام على قدر استطاعته.
وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. وينبغي لقارئ القرآن أن يكون باكياً محزوناً حكيماً حليماً مستكيناً؛ ولا ينبغي لقارئ القرآن، مستكيناً أي تظهر عليه السكينة والوقار. ولا ينبغي لقارئ القرآن أن يكون جافياً، ولا غافلاً، ولا صخاباً، ولا صياحاً، ولا حديداً. صخاب؛ دائماً صوته مرتفع وداخل مشاكل مع الناس. ولا صياحاً، ولا حديداً؛ الحديد اللي هو العنيف، الحديد اللي أخلاقه صعبة اللي ما بتعرف تتعامل معه؛ لا، تكون سهل الأخلاق.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: من جمع القرآن فقد حمل أمراً عظيماً، وقد استُدرجت النبوة بين جنبيه؛ من حمل القرآن حقاً كانما حمل النبوة في صدره. إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لصاحب... لكنه ليس نبياً، يعني حتى ما يفكر أحد صار نبياً. فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يحد في من يحد، كما قلنا أن يكون صعب التعامل صعب الميراث، ولا يجهل في من يجهل، لا يجهل يعني لا يشتم، الجهل هنا بمعنى الشتم؛ صاحب حامل القرآن لا يشتم إذا الناس تشتم، لا يغتاب إذا الناس تغتاب، لا ينم إذا الناس تشتغل بالنميمة؛ هادئ صامت، يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، كل هذا سيتعلمه من القرآن، وفي جوفه كلام الله تعالى.
قال رحمه الله: وهذا من قول ابن عمر يقوي الحديث الذي أنبأنا به الشيخ الجليل أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي بقراءته عليه؛ قال أنبأنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي، أن أبا الحسن علي بن عبد الواحد بن أحمد الدينوري أخبرهم، قال أنبأنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي، قال حدثنا إدريس بن عبد الكريم، قال حدثنا خلف بن هشام عن بشر بن نمير عن القاسم مولى خالد بن يزيد، قال أخبرني أبو أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ ثلث القرآن أُعطي ثلث النبوة، ومن قرأ ثلثي القرآن أُعطي ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن فكأنما أُعطي النبوة كلها. وهذا المراد بـ"قرأ" يعني حفظه، بس حتى تفهم، مش المراد مجرد القراءة يعني. ويقال له يوم القيامة: اقرأ وارقَ، بكل آية درجة حتى تنجز ما معك من القرآن، ويقال له: اقبض فيقبض بيده، ثم يقال له: اقبض فيقبض بيده، ثم يقال له: ما تدري ما في يدك؟ فإذا في يده اليمنى الخلد وفي الأخرى النعيم. وإن لم يكن إسناد هذا الحديث بالقائم، يعني إسناده ضعيف الحديث هذا، لكن توجد له.
من الآثار ما يشهد له تمام. فإن قيل: ما معنى استدراج النبوة بين جنبيه؟ قل: ما معنى أن حامل القرآن النبوة أصبحت بين جنبيه؟ قلنا قد قيل إن النبوة من الأنباء، فكأن القائم بتلاوة كلمة النبوة مأخوذة من الأنباء؛ النبي هو نبي من الأنباء، النبوة هي الإخبار. فكأن القائم بتلاوة القرآن ينبئ عن الله عز وجل، ويحتمل أن يكون ذلك لأن علم النبوة جميعه مستودع في القرآن؛ علمه من علمه وجهله من جهله، ولا تتجلى جميع أسرار القرآن إلا في مرآة النبوة. وأما المؤمنون فهم يتفاوتون في علمه بحسب الاستعداد وبحسب الأسباب.
إذاً لماذا حامل القرآن استدرج النبوة في قلبه؟ لأن القرآن يحتوي خلاصة النبوة، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، فكأنك إذا حفظت القرآن أدخلت علم النبوة في قلبك، لكن معرفتك بعلم النبوة وتفاصيله التي أدخلتها لقلبك الناس متفاوتون فيه. هناك من يعي بما معه من الجواهر واللآلئ، وهناك من تكون معه جواهر ولآلئ لكنه لا يحسن التعامل معها ولا يحسن فهمها.
قال رحمه الله: وذلك لأن القرآن ينتزع منه جميع العلوم الطبيعية والشرعية والدنيوية والأخروية، لكن غير علوم الدين إنما دخل فيه بالتبع والاعتراض، أما علم الدين فمبين فيه بأسره. هذه قاعدة أن القرآن فيه علوم دينية وفيه علوم دنيوية، ويستفاد منه حتى في الفلك وفي بعض القضايا ما عندنا مشكلة، لكن أساساً يقول شيخ الإسلام: إن القرآن أساساً ما نزل ليكون كتاب جيولوجيا أو كتاب أحياء، وإنما نزل القرآن ليكون معلماً للدين، والعلوم الدنيوية والتجريبية التي يمكن أن تستفاد من القرآن تكون بالتبع. قال: لكن غير علوم الدين إنما دخلت في القرآن بالتبع والاعتراض، يعني عرضاً، وأما أصالة فهو نزل ليبين علم الدين.
قال الله تعالى في وصفه: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] على أحد الوجهين، لكن الأصح أن المراد به اللوح المحفوظ. اختلف المفسرون على قولين في تفسير الكتاب، فبعضهم قال الكتاب هو القرآن، وعلى هذا يكون هو ما أراد شيخ الإسلام أنه لم نفرط في القرآن من شيء، يعني بينا كل شيء في القرآن. التفسير الثاني وهو الذي يراه شيخ الإسلام أصوب: أن الكتاب هنا ليس القرآن بل اللوح المحفوظ، ويكون ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، وبالتالي لا تكون الآية هنا موضع الاستشهاد بها، كما نقل عن ابن عباس لدلالة سياق الآية عليه.
قال رحمه الله: وقال عبد الله بن مسعود: من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. هذه العبارة من أعظم النصوص التي يجب أن يحفظها طالب العلم المسلم في علاقته مع القرآن؛ يقول عبد الله بن مسعود: من أراد العلم يعني العلم النافع فليثور القرآن. ما معنى فليثور؟ أي عليه أن يستثير القرآن. ما معنى أن أستثير القرآن؟ أن أحسن إسقاط القرآن على واقعنا المعاصر؛ هذا معنى تثوير القرآن. الصحابة كانوا ينزلون الآيات في كل فترة من فترات حياتهم على ما يلائم ذلك في وقائعهم ونوازلهم. أنا أعتقد أن من أكبر المشاكل التي تجعل الشاب المسلم اليوم لا يشعر بقيمة القرآن أنه لا يحسن تثوير القرآن، يعني إنزال القرآن على الشبهات والمشاكل الفكرية المعاصرة. هل تستطيع من القرآن تعطيني حكم الليبرالية؟ هل تستطيع من القرآن تعطيني حكم العلمانية، حكم الفكر الحداثي، العولمة المعاصرة، الحركات النسوية؟ كل هذه المشاكل والشبهات المعاصرة، هل تستطيع أن تثور القرآن لتعرف كيف يوجه القرآن البوصلة في هذه الأفكار ويحدد لنا وجه الخلل فيها؟ إذا كنت لا تعرف تثوير القرآن فاعلم أن بينك وبين القرآن مسافة. ولذلك الذي يجعل الإنسان يحب القرآن قدرتك على تثويره، يعني إسقاط القرآن على واقعك.
مثلاً سيدنا علي بن أبي طالب لما كان يقاتل الخوارج، فقرأوا عليه آية: ﴿قُلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. الآن هي الآية في زمن النبوة نزلت ابتداء في الكفار، لكن علي بن أبي طالب لما كانت مشكلة المعاصرة مع الخوارج وقاتلهم في النهروان وسئل عن من هم الأخسرون أعمالاً قال: هم الحرورية. من هم الحرورية؟ فرقة قاتلت سيدنا علي بن أبي طالب. اللي فعله علي بن أبي طالب هو ليس تفسيراً لأصل الآية، إنما هو تثوير للقرآن، أنه أسقط الآية لتسقط أيضاً على هذه الفرقة المعاصرة. وشيخ الإسلام نفسه، من يقرأ ردوده على المتكلمين والفلاسفة ينظر الإبداع في إسقاط نصوص القرآن التي نزلت ابتداء في أهل الشبهات الكفرية، كيف كان يسقطها على أهل البدع وعلى انحرافاتهم الفكرية بشكل مميز يجعلك تفهم أن الرجل تشرب معاني القرآن وأصبح قادراً على إسقاط آيات القرآن على المشاكل الفكرية في زمن ابن تيمية، وهكذا في كل زمان ومكان لا بد للمسلم أن يحسن فهم القرآن في ضوء إشكالاته وظروفه المعاصرة التي يعيشها.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. وقال مسروق بن الأجدع وهو من كبار تابعي الكوفة وأجمعهم لعلم الصحابة: ما نسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن قصر علمنا عنه. وعن مجاهد قال: استفرغ علمي القرآن. لكن البيان فيه على وجهين: مجمل ومفسر. أما أصول الدين وقواعد الشرع فمفسرة فيه؛ لأن بيان القرآن للأحكام على نوعين: مجمل ومفسر.
أما أصول الدين وقواعد الشرع فمفسرة فيه؛ لأن العقائد في القرآن جاءت مفسرة وليست مجملة، فيما يتعلق بالتوحيد والربوبية والألوهية والأسماء والصفات واليوم الآخر والبعث والنشور والقضاء والقدر، هذا جاء في القرآن مفسراً بالجزئيات. وأما الفقهيات والفرعيات فالقرآن أشار إليها على شكل قواعد مجملة، وترك البيان والتفصيل فيها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وأما فروعه وكيفيات الأعمال وأعيان المسائل فمجمل فيه، موكول بيانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا المعنى حكاية الشافعي من ذم الكلام لشيخ الإسلام، يقصد به هنا الهروي الإمام الهروي في كتابه "ذم الكلام"، نقل حكاية عن الإمام الشافعي خلاصتها: قال عبد الله بن محمد بن هارون: سمعت الشافعي بمكة يقول: "سلوني عما شئتم أحدثكم من كتاب الله وسنة نبيه". فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في محرم قتل زنبوراً؟ يعني الشافعي قام أمام الناس في مكة قال: أي مسألة تسألونني عنها في أي شيء سأجيبكم عنها بالكتاب والسنة. فقام رجل كأنه يريد أن يحرج الشافعي: "يلا أعطني، وين هي في القرآن؟ مش أنت بتقول أي شيء تسألونني عنه أجيبكم من القرآن؟ أعطني إجابة، ما حكم أن يقتل الحاج المحرم زنبوراً؟" وهو حشرة. فقال له الشافعي: أنا بجاوبك من القرآن. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. والرسول صلى الله عليه وسلم قال لنا: «اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر»، وعمر تكلم عن حكم قتل الزنبور فقال: إنه أمر بقتل الزنبور للمحرم. إذاً حكم قتل الزنبور للمحرم وارد في القرآن، وارد، بس كيف وارد؟ كقاعدة مجملة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، والرسول أحالنا على أبي بكر وعمر، وعمر قال: إن المحرم يقتل هذه الحشرة الضارة. هكذا يكون استدلال السلف، هذا معنى أن كل شيء في القرآن، إما بالنص الجزئي أو بالقاعدة العامة.
قال رحمه الله: والذي حال بين أكثر الناس وبين فهمه سببان. هاهنا حقيقة ابن تيمية في خطاب الرسالة يطرح سؤالاً مهماً: ما الذي حال بيننا وبين فهم القرآن؟ سؤال مهم، لماذا نحن لا نفهم القرآن كما كان السلف يفهمونه؟ ما هي الأسباب؟ قال ابن تيمية: سببان يحولان بيننا وبين فهم القرآن فهماً صحيحاً. الأول قال رحمه الله: الرين الذي على القلوب من العيوب والذنوب، الذي أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. أول سبب واضح: الذنوب والخطايا، أكبر ما يحجبك عن كتاب الله سبحانه وتعالى. لا تطمح أن تفهم القرآن وأنت مدمن على المعاصي في الخلوات، لا تطمح أن تفهم القرآن وأنت متعلق بالدنيا عاشق لها متمسك بها، ما راح يضبط. إذا عندك ذنوب وعيوب وحب للدنيا وتعلق بها، هذا أكبر حجاب يحول بينك وبين الفهم العميق. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الصحيح عنه أن ذلك يكون من الذنب على الذنب، إن الرين كيف يتشكل على القلب؟ الذنب يتبعه الذنب، نكتة سوداء ثم نكتة سوداء حتى يصبح القلب أسود كالكوز مجخياً.
وقال تعالى حاكياً عن المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾. ولاحظ أن قلوب المشركين في أكنة، لكن جمع "كنان"، والكنانة هي التي توضع فيها السهام قديماً، فالمشركون قالوا قلوبنا في أكنة، يعني قلوبنا مغلفة، نحن لا نستطيع أن نسمعك، وهي فعلاً في كنانة كنانة الشرك والمعاصي والذنوب والابتعاد عن الله. وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]. وقال سفيان بن عيينة: أحرمهم فهم القرآن. شوف هذه الآية وهذا التفسير الجميل والمخيف في نفس الوقت: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ الكبر يحرمك من فهم القرآن. قال سفيان: ما معنى سأصرف عن آياتي؟ أي سأحرمهم فهم القرآن. إذاً في هناك أناس الله يحرمهم من فهم القرآن، من هو المتكبر؟ الذين يستكبرون في الأرض، اللي شايف حاله معرفياً. أكيد جلستوا مع أناس دارسين طب وجيولوجيا وكذا وجايين من جامعات غربية ومن خريجين، فإذا أنت بدك تيجي تقعد معه وبدك تحكي: قال الله قال رسوله، شو بقول لك؟ يا شيخ أنت مطوع مسكين، الله يرضى عليك، نحن درسنا في جامعة كامبريدج والجامعات الأوروبية، شو أنت بتحكي؟ هؤلاء الذين يتكبرون، هؤلاء حرموا فهم القرآن، فلذلك هو لا يرى القرآن شيئاً. صرف عن القرآن، مهما آتاك الله من العلم، إياك أن ترى نفسك أعلى من القرآن، إياك أن ترى عندك شيء ليس في القرآن مثله، عليك أن تعرف أن القرآن أعلى منك رتبة ومقاماً وكل علمك لا يسوى شيئاً مقابل كتاب الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: وقال ذو النون المصري: أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمه القرآن. البطالين اللي هم الكسالى، أبى الله أن يكرم قلوب البطالين، الناس الكسالى الله يحرمهم من فهم القرآن. قال رحمه الله: وأخبر سبحانه أنه إنما يكون هدى للمتقين، السليمة قلوبهم والزكية نفوسهم. إذاً هذه هي فكرة السلف؛ فالسبب الأول أننا لا نستفيد من القرآن الذنوب والمعاصي، وهو أتى بهذه النصوص لتؤكد هذه الفكرة. ولذلك القرآن قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، الشخصية الاتقائية التي هي حريصة على أن تتقي الخطأ والزلل، فتحاول أن تبحث في القرآن عما يقيها الخطأ والزلل، هي التي تستفيد من القرآن. أما الإنسان الغافل الذي لا يبحث عن مسالك التقوى، لا يحاول أن يتقي الخطأ والزلل، هذا لا يستفيد من القرآن.
فقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ تخصيصاً لهم، كما بين هذا الاختصاص حيث قال: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ فعَمّ الجميع بالبيان الذي تقوم به الحجة، ثم قال تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ فخصهم بذلك دون غيرهم. فالقرآن هو بيان لكل الناس، لكن الذي ينتفع منه هداية وموعظة هم أهل التقوى خصوصاً. وقال تعالى: ﴿هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، لأنهم هم الذين أبصروا بها وكانت على الغير عماء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. والقرآن هو عماء على جماعة، والقرآن هو عماء على جماعة، في أناس القرآن بالنسبة لهم عماية، وفي ناس القرآن بالنسبة لهم هدى وشفاء. أنت بدك تختار ذلك بحسب قلبك وضميرك ومشاعرك وأحاسيسك.
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾. فلما عموا عنه كان لهم ضلالاً وخساراً. قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾، وقال سبحانه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا﴾. قال قتادة بن دعامة السدوسي وهو من علماء تابعي البصرة وأحفظهم: ما جالس القرآن أحد إلا فارقه بزيادة أو نقصان. إذاً ما جالس القرآن أحد إلا وقد رفعه القرآن أو أنزله القرآن، وهي فكرة أن القرآن نفسه هو سبب في هداية أقوام ورفعة أقوام وفي نفس الوقت.
الوقت سبب في ضلال أقوام وغواية أقوام؛ ليس لأنه يريد غوايتهم حاشاه. فالقرآن كتاب هداية، لكن طريقة تعاملهم السيئة مع القرآن والذنوب والمعاصي والتكبر وأمراض القلوب جعلت القرآن بدلاً من أن يكون سبباً في الزيادة، أصبح سبباً في ماذا؟ في زيادة الضلال. لذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]. يعني القرآن ممكن يكون فيه إضلال لبعض الناس؛ نعم، في بعض الناس آية قرآنية تشتبه عليه، يفهمها بشكل خاطئ، فيدخل في الكفر أو الإلحاد أو ما شابه ذلك. فلو سألتني ما الذي سبب له هذه الشبهة؟ آية قرآنية.
كيف آية قرآنية أوقعته في شبهة؟ مش القرآن لازم يكون كتاب شفاء، فكيف آية قرآنية توقع إنساناً في شبهة؟ الذي لا يتعامل مع القرآن تعاملاً صحيحاً ويسير على خطى العلماء ويطهر قلبه وينقيه ويبحث عن الهدى، نعم القرآن قادر على أن يحرفك عن الاستقامة إذا لم تتعامل معه بالشكل الصحيح. لذلك كان الإمام الشاطبي في الاعتصام يبين أن ما من صاحب بدعة إلا وله مستند على بدعته من القرآن، ما من صاحب بدعة إلا ويستدل على بدعته من القرآن. الاحتفالات، الأعياد غير الصحيحة، الأمور البدعية الخاطئة، كلهم يستدلون على بدعة من القرآن، لكن فرق بين من أنار الله قلبه فعرف كيف يرد المتشابه إلى المحكم؛ لأن القرآن فيه آيات محكمات وفيه آيات متشابهات كما نص سبحانه. هذه الآيات المتشابهات هي هداية إذا عرفت كيف تجمعها مع المحكم، وهي سبب في إضلالك إذا لم تردها إلى المحكم ووقفت عندها فعل الزائغين الذين في قلوبهم مرض.
فصدق قتادة: القرآن إذا جلست معه إما أن يزيدك وإما أن ينقصك؛ ما في شخص جلس مع القرآن وبقي على نفس الحالة. لا، إما أن يزيدك وإما أن ينقصك على حسب طريقة تناولك له وعلى حسب طبعاً قلبك وضميرك وإحساسك. ثم قرأ رحمه الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا أنه يقرأه قوم لا خلاق لهم، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا خلاق» أي لا حظ لهم. وقال صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة في صفة أهل النهروان -أهل النهروان اللي هم الخوارج- قال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
أخبرني والدي رحمه الله وجماعة قالوا: أنبأنا عبد الله بن عمر بن علي البغدادي، قال: أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، قال: أنبأنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حماويه السرخسي، قال: أنبأنا أبو عمران عيسى بن عمر السمرقندي، أنبأنا الإمام الزاهد أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أنبأنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يختلس من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء». فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنّه نساءنا وأبناءنا. زياد متحمس يقول: يا رسول الله كيف يذهب العلم ونحن قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنعلمنّ القرآن لأبنائنا وللأجيال القادمة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟». قال: نعم، ليس المراد أن يختلس العلم أن يذهب من يقرأ القرآن، وإنما يذهب من يفهم القرآن. قال: هذه يا ابن لبيد هذه التوراة والإنجيل موجودة عند اليهود والنصارى اليوم، هل هم منتفعون منها بشيء؟ موجودة بين أيديهم هم غير منتفعين منها.
القرآن اليوم في واقعنا المعاصر يا شباب، كم عدد الطبعات الفخمة للقرآن؟ ما شاء الله القرآن يطبع وليس بلغة واحدة، تفسيره وترجمته بمئات اللغات، لكن من يفهم القرآن اليوم بفهم الصحابة؟ القضية ليست كم عدد طبعات القرآن الموجودة في السوق ولا كم عدد المصاحف في بيتك، القضية ما مدى اهتمامك بالقرآن؟ فليس معنى أن العلم يرتفع أن كتب العلم لن تكون موجودة في السوق تباع، وأن القرآن لن يوجد في السوق، الآن موجود وبزيادة، لكن العبرة بفوات من يهتم وينشغل اهتمام السلف. قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قال: فقلت ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ وأخبرته بالذي قال، صدق أبو الدرداء، وإن شئت لأحدثك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع. أول علم يرتفع من الناس الخشوع. لاحظ السلف كانوا يعدون الخشوع في الصلاة علماً، يعدون الخشوع في الصلاة علماً. قال: هذا أول علم يرفع من الأرض. قال: يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه خاشعاً. إنك تجد مسجداً كاملاً الناس تصلي العشاء والفجر ولا واحد خاشع، يفكر في دنياه وهذا في زوجته وهذا في أولاده. الله يرحمنا برحمته. قال: رواه الترمذي عن الدارمي موافقة وقال: حسن غريب.
وقال بعض العلماء: الماء كما أن ظاهره لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث، ولا تتلو الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن، فكذلك باطن معانيه لا يناله إلا القلوب التقية النقية، ولا يجد من في قلبه كبر وحسد ونحو ذلك طعمه وحلاوته ولا يقفون على أسراره. كما أن القرآن لا يمسه إلا المطهرون من الحدث الأكبر والأصغر هذا من حيث الظاهر، كذلك معانيه طاهرة ومعانيه شريفة لا تدخل على القلوب الدنسة. لذلك وقال: أول شرط من شروط تدبر القرآن مش موجودة عندنا، أن قلوبنا فيها ذنوب ومعاصي. يعني هذا ختام الكلام عن هذه النقطة الأولى؛ كثرة الذنوب والمعاصي تحرمنا من القرآن، فكما أن جلد القرآن وحروف القرآن محرمة على من عنده حدث أكبر أو أصغر، كذلك معاني القرآن محرمة على القلوب الدنسة بالمعاصي والذنوب. عاد طهر قلبك حتى تتشرف بنزول القرآن أو معاني القرآن فيها.
الأمر الثاني الذي يحول بيننا وبين التدبر، قال رحمه الله: ترك تدبره وتفهمه من المعتقد. لذلك قال سبحانه يبين أنه أنزله ليتدبر، إذ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: 68]. قال عمرو بن مرة -وهو من فضلاء الكوفيين-: إني لأمر بالمثل من كتاب الله فلا أعرفه فأغتم به، لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. السبب الثاني أننا حقيقة لا نمارس التدبر. لو كل واحد فينا سأل نفسه الآن: متى آخر مرة جلست جلسة تدبر مع القرآن حقيقة؟ متى جلست آخر مرة جلسة تدبر مع كتاب الله سبحانه وتعالى؟ ستجد فعلياً نحن لا نمارس التدبر، أنا فقط قصارى همي أني بدي أحفظ وردي ولا أخطئ فيه، وقليل الذين يهتمون بمجالس التفسير وإحياء منهج المدارسة؛ يجلسون في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه، هذا ما عاد للأسف موجوداً. وبالتالي لا تحزن، شوف السلف كيف كانوا محترقين على التدبر، عمرو بن مرة يقول: إني لأمر بالمثل يمر علي مثل من أمثال القرآن لا أعرفه ولا أفهمه فأغتم به. بالله عليك كم آية قرأتها أو سمعتها وأنت مش عارف معناها وما فرق عندك شيء؟ هذا رجل من السلف يقول مثل واحد أقرؤه أشعر بالحزن أني مش فاهمه، أغتم، يصيبني غم كيف مش قادر أفهم هذا المثل. ولعل أحدنا يقرأ جزءاً كاملاً من القرآن لا يفهمه، ما كلف نفسه فتح كتاب تفسير، ما كلف نفسه يحضر محاضرة تدبرية تعينه على فهم هذه الآية. باختصار لا يوجد اهتمام، لا يوجد حرص عندنا كما كان عند السلف، فبالتالي شيء طبيعي إذا لم تعطِ القرآن لن يعطيك القرآن.
قال رحمه الله: ومن أجل التدبر أمر بالترتيل في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. وقال عبيد بن المكتب: قلت لمجاهد: رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة؛ قيامهما واحد، وسجودهما واحد، وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة. ثم قال: اللي قرأ البقرة وحدها أفضل من اللي قام الليل بالبقرة وآل عمران، مع أنه هذاك قرأ أكثر، لكن الذي قرأ أقل مع تدبر هذا أفضل، هذا أفضل. نعم ثم قال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾ [الإسراء: 106]. على مكث، هذا موطن الشاهد، القرآن مش عجلة يا إخوان، أنت مش في سباق، قال على مكث، بهدوء اقرأ القرآن على مكث بروية.
وقال أبو جمرة: قلت لابن عباس إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول. وعن زيد بن ثابت نحو ذلك، ونعت سلمة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. ومن ذاق طعم حرفاً حرفاً يعني جملة جملة، الحرف هنا بمعنى الجملة. ومن ذاق طعم القرآن استحلى ترداد الآية، فقد روى النسائي وابن ماجه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية من القرآن يرددها حتى أصبح، قال تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]. الذي يصل لمرحلة أن يتذوق القرآن ممكن يجلس أربع ساعات يردد آية واحدة، يعني أنت ما هو أقصى مدة يمكن تردد فيها آية؟ خمس دقائق، 10 دقائق. النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة يعيد آية من القرآن، هذا لا يكون إلا لمن شعر بالحلاوة. وقام تميم الداري بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: 21]، الآية يرددها حتى أصبح، وقام عمر بن الخطاب بفاتحة الكتاب حتى أصبح لا يزيد عليها.
قال رحمه الله: والذي يعين المتدبر على استخراج درره وجواهره والاهتداء بأنوار بصائره؛ علم التفسير. نعم إذا أردت أن تتدبر القرآن الآن يقول لك شيخ الإسلام عليك أن تبدأ بالتفسير، افهم معاني المفردات ومعاني الجمل، لأنه هي التي ستفتح لك باب التدبر. إخواني التدبر غير التفسير؛ التفسير هو أن تفهم معنى الكلمة من حيث اللغة العربية، معنى الجملة؛ التدبر أن تعرف كيف تتعامل مع الآية وتسقطها على واقعك. التدبر هو شيء فوق التفسير؛ تفسير أنه أنا فهمت معنى الآية قل هو الله أحد يعني منفرد، الصمد المقصود في الأحوال، التدبر كيف أسقط هذا القرآن على واقعي، هذا معنى أنك تتدبر الآن.
قال رحمه الله: الذي هو مفتاح باب فهمه ومصباح أسباب علمه، والكثير بفتح مقتله، والقبيل بشرح مشكله، والمهيمن على تفصيل مجمله، فإن تدبره واتباعه والعمل بما فيه لا يكون إلا بعد فهمه ومعرفة معانيه. لكنه مقسم كما قال ابن عباس رضي الله عنه، القرآن مقسم إلى أربعة أقسام، قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه، الأول فقال: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. الآن هذه الأربعة سيشرحها ابن تيمية، قال ابن تيمية: فإما الوجه الأول فهو التفسير الذي يعرفه العرب من كلامها، فهو معرفة دلالة ألفاظه ومعانيها بحسب ما يفهم من العربية وعرفها. قسم من آيات القرآن المطلوب منك أنك تكون تفهم اللغة العربية حتى تفهمه، بس لا تحتاج أن تكون عالماً ولا أنك تكون متخصصاً ولا شيء، فقط بمجرد فهمك للمعنى باللغة العربية ستفهم هذا القسم، مثل قصة يوسف وغيرها من القصص، مجرد فهم اللغة العربية يجعلك تفهم المعنى.
قال رحمه الله: وهذا التفسير هو الأولى بحسب عادتها لم يعبر عنه باللغة... -هذه الجملة قال المحققون فيها مشكلة في نسخة شيخ الإسلام يعني في مشكلة في المخطوطة في هذه الفقرة، هذه الفقرة مش واضحة- "وهذا التفسير هو الأولى بحسب عادتها لم يعبر عنه باللغة" العبارة هي اكتب عليها قوسين، عبارة غير مكتملة، في مشكلة في النسخة المخطوطة.
قال: مثل الترجمة عن لغة بلغة أخرى، فإنه يفهم معنى اللغة الأخرى. وهذا النوع كان في زمن الصدر الأول لجميع الناس عالمهم وجاهلهم، لأن اللغة طبعهم ولسانهم، وإن كان قد يخفى على بعضهم بعضه -ممكن بعض الكلمات الخفيفة تخفى على الصدر الأول، مثل كلمة فطرة لما ابن عباس جهلها حتى رأى أعرابيين يتخاصمان فعرف أن فطر بمعنى خلق الشيء أو أوجده على أول إيجاد له- لكن عموماً ألفاظ القرآن كانت واضحة الجيل الأول من حيث.
اللغة العربية لأنهم أهل اللسان، وأما الآن في زمننا فقد صار لا ينال حتى مفردات اللغة إلا بطلب وبعلم. ولعله هو الذي يقصده عامة المفسرين بتفسيرهم، فما هدف علماء التفسير من وضع تفاسيرهم؟ انتبهوا لها إخواني، كتب التفسير نادر جداً أن تهتم بجانب التدبر؛ جانب التدبر وهو إسقاط القرآن على الواقع، هذا المفسر ما يدخل فيه، لا ابن جرير ولا غيره، ماذا هو؟ هو فقط أن يشرح الدلالة اللغوية للآية. لماذا يشرحها؟ لأنه يعرف أن الناس في الأزمنة المتأخرة ضعفت في المعاني اللغوية، وليس حالها كحال السلف، فالتفاسير تهتم عادة بشرح المعاني اللغوية، يمكن يعطيك بعض اللطائف هنا وهناك، بعض التدبرات الخفيفة، لكن أساس كتب التفسير هي فقط شرح المعنى اللغوي.
لذلك أنت لما تفتح كتاب تفسير، كثير من الشباب يقول لي: يا شيخ أنا مش مستمتع، بس بقرأ لغة عربية وإعراباً ولغةً ونحواً، مرفوع ومنصوب. وهذه حال، هو أكيد؛ لأنه ليس مقصده أن يتدبر معك المفسر، قصده أن يعطيك المعنى اللغوي والإعراب الصحيح، إذا فهمت المعنى اللغوي خلص، أنت عاد تدبر وحدك. نعم، قال رحمه الله: "وأما الوجه الثاني الذي لا يعذر أحد بجهله فهو ما فيه من الأمر والنهي والحلال والحرام، فإن طلب علمه فرض على جميع الناس عند الحاجة إليه". القسم الثاني معرفة الحلال والحرام، هذا لا يعذر أحد بجهله، فالكل مطلوب منه أن يعرف ما ورد في القرآن من الحلال والحرام، إما بنفسه إذا كان مجتهداً، أو من خلال أهل العلم وسؤالهم إذا كان مقلداً. نعم.
قال رحمه الله: "وأما الوجه الثالث الذي يعرفه العلماء فهو مثل أسباب تنزيله، وحقائق تأويله، وناسخه ومنسوخه، ومجمله ومتشابهه، وخاصة وعامه ونحو ذلك. ثم وراء ذلك ما يفتح الله عليه من فهمه ومعرفة عجائبه وحكمه وأسراره، وأن يرى للآية الواحدة وجوهاً كثيرة، وهذا مما لا نهاية له، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقول: «رب زدني علماً»".
وأما الوجه الرابع الذي لا يعلمه إلا الله، فمثل ما فيه من الآجال المبهمة، نحو وقت الساعة، ومجيء الآيات وغير ذلك. وقد كان هذا قسماً لا يعرفه إلا الله، وليس لأحد الدخول في تفسير متى تأتي الساعة ومتى ينزل عيسى ابن مريم، هذا وإن ذُكر في القرآن لكنه يبقى مبهماً. نعم، وقد كان السلف مع معرفتهم بالتفسير العربي يجتهدون في طلب تفسيره من الوجهين الآخرين. الوجهين الآخرين اللذين هما معرفة الحلال والحرام الذي لا يعذر أحد بجهله، ومعرفة ما يعرفه العلماء. فالأمة مطالبة بهذه التفاسير الثلاث: الدلالة اللغوية، معرفة الأوامر والنواهي، ثم معرفة بعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وما شابه ذلك. نعم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن". وقال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب أنهم كانوا يستقرئون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا ما فيها من العمل". لم يخلفوها يعني لم يتجاوزوها حتى يعملوا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً. يعني الصحابة يأخذون عشر آيات، يتعلمونها، يتعرفون أحكامها، يعملون فيها، بعدين ينتقلون لقسم آخر. فهكذا كانت طريقة الصحابة في التلقي للقرآن، نحن نهتم أن نحفظ القرآن كله بعدين نرجع نحاول نعمل فيه، ليست هكذا طريقة السلف.
وقال ابن عباس: "ما من رجل يقرأ القرآن ولم يعلم تفسيره إلا بمنزلة الأعرابي يقرأ ولا يدري ما هو". الذي يقرأ القرآن ولا يعلم تفسيره مثل الأعرابي، يقرأ القرآن وهو مش عارف ماذا يراد به. وقال سعيد بن جبير: "ما من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعجمي أو كالأعرابي". وقال الحسن البصري: "ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت وما أراد بها".
وقال: "علم القرآن ذكر، لا يعلمه إلا الذكور من الرجال". يعني هي خطيرة الكلمة، يقول الحسن البصري: علم القرآن، فهم القرآن ذكر، محتاج لرجولة، محتاج لشخصية قوية، إنسان مش متكاسل. بالتالي الذي لا يعلم القرآن ولا يهتم به صح هو شكلك شكل رجل، بس في مضمونك لست برجل.
نعم، وقال إياس بن معاوية: "من قرأ القرآن وهو لا يعلم تفسيره، مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلاً وليس عندهم مصباح، فتداخلهم بمجيء الكتاب روعة، لا يدرون ما فيه، فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه". منزلة من قرأ القرآن وهو لا يعلم تفسيره زي أناس جاءهم كتاب من صاحبهم في الليل والمصباح مطفأ، فلما دخلهم الكتاب فجأة شعروا بالخوف، هم بس لو فتحوا الضوء وأشعلوه لعرفوا ما فيه، لكن الخوف إنما هو من أنهم لم يتم إشعال الضوء حتى يعرف ما في الكتاب من الخير، فهذا حال من يقرأ القرآن وهو لا يعي، كحال الكتاب الذي دخل ليلاً ولم يتكلف صاحبه إشعال المصباح.
وقال أبو نصر الرملي: أتانا الفضيل بن عياض بمكة فسألناه أن يملي علينا الحديث، فقال: "ضيعتم كتاب الله وطلبتم كلام فضيل وابن عيينة، ولو تفرغتم لكتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون". قلنا: قد تعلمنا القرآن. قال: "إن في تعلم القرآن شغلاً لأعماركم". قال: لو تعلمتم القرآن حقاً لكان القرآن مشغلاً لأعماركم وأعمار أولادكم وأولاد أولادكم. يعني من قال لكم أنكم تعلمتم القرآن؟ هذه حالة يمر بها بعض طلاب العلم، يحضر تفسير سورة يقول لك: أنا خلص تعلمت هذه السورة. الفضيل يقول لك: السورة لو جلست أنت وجيلك والجيل الذي يليه وأنت تتعلمها لن تنتهي عجائبها، لا تقل لي أنا ختمت القرآن؛ لأن القرآن ليس كمتن علمي تقرأ مرة واحدة وتأخذ ما فيه، لا تنقضي عجائبه. قال: قلنا كيف؟ قال: "لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه، فإذا عرفتم ذلك اشتغلتم عن كلام فضيل وغيره".
ثم قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]. قال رحمه الله: قال إبراهيم التيمي: "خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه، كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟". عمر يتساءل مع نفسه ذات يوم كيف تختلف هذه الأمة وتصبح اثنتين وسبعين فرقة أو ثلاثاً وسبعين فرقة، مع أن نبيها واحد وكتابها واحد، فنادى ابن عباس فقال له: يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا قرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما أنزل، فيكون لهم فيه رأي، وإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا.
نعم، شوف هذا الرصد من ابن عباس العجيب، يقول نحن يا أمير المؤمنين، الصحابة نحن قرأنا القرآن عرفنا أسباب نزوله، فعرفنا كيف نسقطه على واقعنا، سيأتي بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون أسباب نزوله ولا ناسخه ومنسوخه، فيصبح الواحد فيهم يتكلم بالقرآن بهواه، وبينزل القرآن على الفرق الإسلامية والوقائع المعاصرة على مزاجه فيختلفون، هذا منزل القرآن على جماعته وهذا منزل الطائفة المنصورة على جماعته، فيختلفون فيقتتلون. هكذا يحدث، ضعف العلم بالقرآن هو الذي يسبب الاختلاف والاقتتال، مع أن كتابنا واحد وأن نبينا واحد، لكننا نختلف في إنزال القرآن على الواقع.
نعم، قال: فزبره عمر وانتهره فانصرف ابن عباس. عمر زبره، قالوا لا تحكِ هذا الكلام يا ابن عباس. ابن عباس قال له: كيفك يعني زي ما بدك، أنا ما لن أتكلم بهذا الكلام. فلما انصرف ابن عباس، نظر عمر فيما قال، جلس عمر يتأمل في كلام ابن عباس، فعرفه، عرف أنه كلام ابن عباس هو التوصيف الدقيق، فأرسل إلى ابن عباس وقال: أعد علي ما قلت. فإعادة عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه، قال تحليلك صحيح للمشهد تماماً.
وقال ابن مسعود: "والذي لا إله غيره، ما أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته". قال مسروق: كان عبد الله يقرا عليه، أهمهم الصحابة في تدبر القرآن. وهذه النصوص ابن تيمية ماذا يقول؟ إن السبب الثاني أننا لا نفهم القرآن هو أننا لا ننشغل بتدبره، شوف ابن مسعود يقول لك أنا ما في آية في القرآن إلا وأعرف متى نزلت وفي من نزلت، ولو أعرف أن هناك رجلاً في أقصى الأرض تناله المطايا، يعني يمكن أن أسافر عليه بالجمال، يعرف في القرآن معلومة أنا لا أعرفها، لذهبت إليه. من فينا يحمل هذا الهم وهذه الهمة؟ همة ابن مسعود في السعي لأن يعرف كل معلومة حول القرآن.
نعم، وقال مسروق: "كان عبد الله يقرا علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار". طول النهار يفسر لهم سورة. وقال أبو وائل: "شهدت ابن عباس وهو ولي الموسم فقرأ سورة النور على المنبر وفسرها، لو سمعته الروم لأسلمت". الموسم موسم الحج، يعني ابن عباس كان هو خطيب عرفة ففسر في عرفة سورة النور، وفي بعض الروايات سورة أخرى تفسيراً لو سمعته الروم والكفار والعجم والهند لتسلم لعظمة هذا التفسير. إذا القرآن، شو حكى ابن عباس في هذه الخطبة؟ أنا نفسي أعرف ماذا قال حتى يكون تفسيراً لهذه العظمة وهذا الجلال، أن الناس تبهر فعلاً، أحياناً تجلس مع بعض المشايخ يا أخي يبهرك فهمه في التفسير، وتجلس مع البعض تشعر أنه سطحي جداً، هذا معنى أنه في إنسان منشغل بالقرآن حقيقة فيؤتيه الله فهماً لا يؤتيه لغيره.
وعن سفيان، قال رحمه الله، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم»، وفي رواية: «برأيه، فليتبوأ مقعده من النار». رواه النسائي والترمذي وقال: حسن. وقد روي موقوفاً وهو في الحكم مرفوع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي. نعم، هذا حديث لا يمكن أن يقال بالرأي ولو كان موقوفاً فهو في حكم المرفوع.
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا حبان بن هلال، حدثنا سهيل أخو حزم القطعي، وحدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ، ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار». رواه النسائي وابن ماجه ورواه الترمذي موافقة وقال: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل، وإنما قال: «فقد أخطأ» مع إصابته؛ لأنه جائر عن الطريق المستقيم، وقال بغير علم، يعني من فسر آية قرآنية برأيه حتى ولو أصاب لكنه مخطئ. ليه؟ لأن الإصابة هنا كما قال شيخ الإسلام، وإنما حصلت إصابته "بختة"، شو يعني بختة؟ مصادفة، يعني أنت ضبطت معك، ضبطة مش أنك عن علم عم تفسر القرآن، واتفاقاً يعني صدفة. وكذلك القاضي بغير علم، والمصلي إلى القبلة عند الاشتباه إذا صلى بغير اجتهاد وغير ذلك، كل هؤلاء حتى ولو أصابوا هم مخطئون شرعاً؛ لأنهم لم يفعلوا المطلوب منهم.
ولهذا كان السلف يتوقفون في التفسير إلا بعلم واضح، وما علموا به قالوا به، وما لم يعلموا منه وكلوه إلى عالمه سبحانه، ولم يتكلفوا القول في تفسير آية وهم لا يعرفون معناها. فمثلاً أقرأ الآن الشواهد، قال رحمه الله: "فسئل أبو بكر الصديق عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31] فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وبما لا أعلم؟". وقال أنس: "قرأ عمر على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر". طبعاً عمر وأبو بكر ليس معنى القصة أنهم كانوا لا يعرفون أصل معنى كلمة الأب، لأن الأب في اللغة معروف هو العشب، لكن هم لا يعرفون دلالتها في هذا السياق، دلالتها في هذا السياق بالتحديد. أما كلمة الأب في اللغة فهم أهل اللغة يعني يعرفونها.
وقال ابن أبي مليكة: "سأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿يَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما". فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. يعني شعر ابن عباس أنه في آية تقول إن اليوم ألف سنة، وفي آية في القرآن تقول يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فكأن هذا يعارض هذا، نحتاج أن نجمع بينهما، ابن عباس قال: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بالفرق بينهما. وقال ابن أبي مليكة: سئل ابن عباس عن آيات لو سئل عنها بعضكم لقال فيها.
فأبى أن يقول فيها نعم. تلاقي شخصاً شاباً "أبو شبر" في العلم، تعرفون هذا الشاب "أبو شبر" في العلم، يسأل عن تفسير آية وعن نوازل الأمة المعاصرة وعن كذا، بيطلع السوشيال ميديا وبيفتي وبيتحدث وبيرفع وبينزل في مسألة لو كان ابن عباس موجوداً فيها ما تكلم فيها. يقول ابن أبي مليكة: سئل ابن عباس عن آية، لو سئل عنها بعضكم -عم بحكي ابن أبي مليكة مع طلابه- لقال فيها، واستسهل الكلام، وكأنه سهل جداً الكلام في دين الله. ابن عباس ترجمان القرآن يتوقف عن الكلام فيها. هذا الفرق بين من يعرف حرمة العلم وبين الشاب المهور.
وقال ابن مسعود: إن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما شُبّه عليكم فكلوه إلى عالمه. القرآن هو مثل منارات الطريق، المنار هي علامات الطرق، كيف واحد نازل من عمان للعقبة مش فيه علامات تدلك؟ القرآن فيه علامات واضحة له تمسك بها، وأما إذا جاءت آية وأنت مش عارف على ماذا تريد هذه الآية وإلى أين تدلك، خلص وقف حتى تجد عالماً يشرح لك هذه الآية. فالقرآن هو مثل منارات الطريق، ما وجدت نفسك تفهمه تمسك به، وجدت آية أنت لا تفهمها توقف حتى تجد من يعلمك إياها.
وسئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فلم يقل فيها شيئاً. قال سعيد بن جبير: كان لا يعلمها، لا يعلمها أي لا يعرف حكمها، مش المراد المفردات اللغوية. وعن جندب بن عبد الله أن طلق بن حبيب سأله عن آية من القرآن، فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عني، أو قال إن تجالسني. طلق بن حبيب كان يخاف من التفسير، يقول: ما حدا يسألني، أي واحد يسألني يقوم من عندي عن القرآن.
وقال عبيد الله بن عمر: أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد، ونافع. وكان سعيد إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئاً، وكان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن يعني الواضحات. وقال ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن آية، فقال: عليك بالسداد أي بالاعتدال، فقد ذهب الذين علموا فيما أنزل القرآن، اللي هي أسباب النزول حقيقة.
وقال إبراهيم النخعي: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال الشعبي: والله ما من آية إلا قد سئلت عنها، ولكنها الرواية عن الله. يعني الشعبي يقول: أنا أعرف تفسير كل آية لكني بخاف أتكلم؛ لأنني إذا فسرت فأنا أحدث عن الله وأوقع عن رب العالمين. وقال مسروق: اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله. وقال هشام بن عروة: ما سمعت أبي -اللي هو عروة بن الزبير- يؤول آية من كتاب الله قط. وقال مسلم بن يسار: إذا حدثت عن الله حديثاً فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
وهذا كله مهابة للقول في القرآن وخوفاً من الزلل فيه، وتعظيماً للقول فيه بغير علم، كما قد كانوا يهابون الفتيا والحديث بل أشد وأعظم. ليس إنكاراً لأصل التفسير، الصحابة والتابعون ما كانوا ينكرون، لا بد في تفسير لكن فإن دلائله متناصره. طب والمراد من القول في القرآن بغير علم وهذا هو الضابط؟ أن يقول الإنسان ما معنى أن يقول الإنسان في القرآن بغير علم؟ قال: أن يقول مقالة يفسر بها القرآن لا يشهد لها أصل صحيح، بل يرجم فيها بحسب ما يظن يعني خبط عشواء، وما يخطر في قلبه وما يدعو إليه هواه، كمثل تفاسير أهل الأهواء كتأويل أهل الأهواء وكثير من المنسوبين للتفسير.
فأما إذا كان قد شهد له للمعنى الذي ستفسر به القرآن، إذا شهد له أصل صحيح لا يقطع به، فهو الذي كان يقف فيه من ذكرنا من السلف، يعني السلف كانوا يقفون حتى في المعاني التي يرون أن لها أصلاً صحيحاً لكن لسه مش جازمين فيه، كانوا أيضاً يقفون عند هذا المقدار. قال: وليس المراد به ما يؤتاه العبد من الفهم في القرآن ورؤية سعة فهمه وعلمه، ففي صحيح البخاري، وليس المراد بالقول في القرآن بغير علم ما يؤتاه العبد من الفهم في القرآن اللي هي التدبرات، التدبرات ما فيها مشكلة بعد أن تصحح المعنى وتثبت المعنى، وتعرف المعنى الصحيح للآية وأسباب نزولها، ربنا قد يعطيك فهماً وتدبراً في الآية تسقطها بشكل مميز، هذا ليس من القول في القرآن بغير علم. لكن المشكلة كما قال: أن تأتي بأصل المعنى وأنت لا تعرف حقيقته فتقول فيه بظنك وبرأيك، هذا المخيف.
ففي صحيح البخاري عن أبي جحيفة قلت لعلي: هل ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندكم شيئاً ليس عند الناس؟ أي عندكم أي عند أهل البيت. فقال: لا، والذي فلق الحب وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في القرآن. هذا الحديث أتى به ليبين ابن تيمية أنه في أناس ربنا بيفتح عليهم بفهم في القرآن وتجليات، ما عندنا مشكلة فيها، لكن هذا متى يكون؟ بعد تثبيت المعنى الصحيح، لازم نثبت المعنى الصحيح للآية ثم تفتح مجالات للفهم والتدبر الواسع.
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللهم علمه التأويل». ولو كان مقصوراً على ما لو كان تفسير القرآن هو مجرد رواية لم يكن لابن عباس مزية، طب إيش مزية ابن عباس أنه كان يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم اللهم علمه التأويل، يعني أعطه فهماً في القرآن وتدبراً في القرآن عالياً جداً، فإذاً هذا يدل على أن الفهم والتدبرات لا حاجة أن يكون أحد نص عليها قبلك، ممكن ربنا يفتح عليك فيها، بس المعنى الأولي للآية الأصيل لازم يكون نقل بماذا؟ بالنقل عن الصحابة، وأظن فرق بين هذا وهذا.
قال رحمه الله: هذا مع ما يضم إلى التفسير والتأويل من العلوم المتعلقة بالتنزيل مثل علم القراءات، والإعراب، واللغات، وفضائل السور والآيات، وما فيها من الآيات البينات والحكم والحقائق والمواعظ والرقائق والسنن والآثار والقصص والأخبار، ونكتة لفظه ونظمه، ووجوه سعة علمه، وأصول الدين والأحكام، وتفصيل شرائع الإسلام وما في ذلك من مختلف فيه ومجمع عليه، ومستند كل طائفة فيما ذهبت إليه، إلى غير ذلك بما فيه لكل وارد شرب صاف ولكل فاضل نصيب واف. قال: مع أن علمه أعظم من أن يحيط به إنسان أو أن يترجم عنه لسان، فإنه مجمع العلوم الربانية ومرجع الفهوم الإيمانية، وكلما ازداد الإنسان يقيناً وإيماناً ازداد في القرآن معرفة وتبياناً، وكلما أحسن معينه ظهر معينه، وسائر العلوم كالوسائل والأسباب والقشر من اللباب، وأحق ما يبدأ في مجلس ابتداء تأويله صفة ابتداء نزوله.
قال رحمه الله تعالى: ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة. بس حتى الفائدة قوله: وكلما أحسن معينه، أي كلما أحسن الإنسان في الاستعانة بالله ظهر له معينه، أي ظهر له معين القرآن، أي نبع القرآن، يعني هذه عبارة رشيقة، كلما أحسن الإنسان في الاستعانة بالله ظهر له معين القرآن وتجلت له آياته، وسائر العلوم كالوسائل والأسباب والقشر من اللباب، يعني علم اللغة العربية، علم الفقه، كل العلوم بالنسبة للقرآن هي وسائل وأدوات، والقرآن هو اللب وهو المعدن، فأنت تطلب العلم القرآن وأسباب النزول و و، ثم يتربع على عرش كل علوم الشريعة تفسير القرآن.
ثم قال: وأحق ما يبدأ به في مجلس ابتداء تأويله صفة ابتداء نزوله. الآن فوائد سريعة، هذا النص يشير إلى أن ابن تيمية ذكر هذه المقدمة أين؟ وهو جالس أول مجلس تفسير في المسجد، هو الآن كان جالساً في مسجد في دمشق أو في الله أعلم في مصر، وكان يريد أن يبدأ تفسير القرآن فقال: وأحق ما يبدأ في مجلس ابتداء تأويله أن نذكر بعض المعلومات العامة في صفة ابتداء نزوله، أقرأها سريعاً.
ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو تعبد الليالي ذوات العدد- ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 1-2] حتى بلغ ما لم يعلم، قالت: فرجع بها ترجف بوادره، وذكر الحديث، بوادره يعني أردافه وأفخاذه ويديه من الخوف.
قال: ففي الحديث بيان أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أول ما نزل من القرآن، وهذا قتادة وأبو صالح هذا الصحيح، ولذلك استحب أحمد أن تستفتح بسورة العلق التراويح في أول ليلة من شهر رمضان ولعل في ذلك أثراً. شوف اعتذار ابن تيمية لأحمد، أحياناً بعض الكلمات بتمر بسرعة عليكم، ابن تيمية يقول: أنا لا أعلم أثراً يدل على استحباب أن نبدأ بسورة العلق في أول ليلة من ليالي التراويح، لكن أحمد أنا أعرف لا يقول شيئاً إلا بسنة، فلعل عند أحمد أثراً يدل على هذا الاستحباب نحن لا نعلمه، الاعتذار للعلماء.
وروي عن جابر بن عبد الله أن أول ما نزل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وقد أخرجها في الصحيحين من حديثه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثئت منه رعباً، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ الرواية المشهورة بتقديم الهمزة على الثاء المثلثة، وقد روي نعم جثئت هذه الرواية جؤثت، وقد روي بثاءين فجثت منه رعباً نعم. قال: أي رعبت وفزعت، جثت أو ثئت فجثت يعني ارتعبت، طيب قال: رجل مجثوث ومجؤوث.
قال رحمه الله: وهذا الحديث يبين أن نزول المدثر بعد نزول اقرأ لأنه كان بحراء، وهو موافق للحديث الأول الصحيح، أن سورة اقرأ هي أول ما نزل، وأن سورة المدثر كانت نزلت بعد فترة انقطاع الوحي. وروي عن الحسن وعكرمة أن أول ما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وروي ذلك في حديث مرفوع، والأول أصح أن أول ما نزل اقرأ وليست البسملة.
وأما اليوم الذي ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالتنزيل ففي مسلم عن أبي قتادة سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه. فهذا يدل على أن نزول القرآن أول ما نزل كان في يوم الاثنين. وأما الوقت فعن محمد بن إسحاق أنه قال: ابتدئ بالوحي في شهر رمضان وهذا هو المشهور، وقيل هو في السابعة من رجب وهذا ضعيف.
وأما مدة نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين عن ابن عباس: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن 40 سنة، وأقام بمكة 13 وبالمدينة 13، وتوفي وهو ابن 63 سنة، فيكون أمد نزوله نحواً من 23 سنة. وروي عن الشعبي قال: فرق الله القرآن فرق يعني أنزله منجماً، فكان بين أوله وآخره 20 سنة، لكن 20 سنة هذا تقريبي، وإلا 23 تقرب إلى أقرب رقم صحيحة فبتطلع 20، ونحوه عن ابن عباس، وعن الحسن البصري قال: ذكر لنا أنه بين أوله وآخره 18 سنة، وهذا قول غريب حقيقة، أنزل عليه بمكة ثمان سنين وبالمدينة 10 سنين. لكن هنا ابن تيمية سيعتذر للحسن البصري فيقول: ولعلهما أرادا المدة التي حمي فيها الوحي وتتابع، يعني ممكن الـ 18 سنة باعتبار أنه أول ثلاث سنوات من سن الدعوة السرية ربما كان فيها فتور في الوحي أو انقطاع، ولم يكن الوحي ينزل بشدة، وإلا قال في الصحيح الأول أن القرآن مدة نزوله 23 سنة، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وأما آخر سورة نزلت من القرآن فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنها سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وروى أبو إسحاق عن البراء بن عازب أنها سورة براءة التوبة، وهما جميعاً حقيقة نعم من آخر السور التي نزلت فلذلك اشتبه الأمر، وإلا فالأظهر أن آخر سورة نزلت كسورة كاملة هي سورة النصر. وأما آخر آية نزلت فروها أبو إسحاق عن البراء أن آية الكلالة التي في آخر النساء، اللي هي آخر آية في سورة النساء ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176] هي آخر آية نزلت، وليس هذا هو المشهور. وعن أبي بن كعب وغيره أن قوله ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128] آخر آيتين في سورة التوبة، موافقة لقول من قال أن آخر سورة نزلت أصلاً التوبة، فآخر آيتين من التوبة هي آخر ما نزل. وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم.
هي آية الربا، وكأنه يقصد بذلك ما روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح أن آخر آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. وهذا هو الصحيح أو المشهور أن هذه آخر آية تنزلت من كتاب الله.
نكتفي بهذا المقدار، ونلتقي بكم إن شاء الله بهمة عالية في يوم الغد. نسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة والثبات. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل