بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في الدورة العلمية المكثفة مدارج في موسمها الرابع لعام 1447هـ في يومها الثاني، بحمد الله سبحانه وتعالى ومنته وكرمه. ونسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل هذه المجالس مجالس ثبات وصناعة إيمان وحماية من الفتن؛ فإن الأيام القادمة على الأمة أيام صعبة لا يثبت فيها إلا من تسلح بالعقيدة والفكر الصحيح، وحصن نفسه من الشبهات، وبنى في داخله جذوراً عميقة للإيمان.
الإيمان أيها الكرام هو الذي يحميك من شبهات الأفكار، وهو الذي يحميك من الشهوات التي تحدق بك. الإيمان أيها الكرام يتعلم تعلماً؛ كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يقولون: كنا نتعلم الإيمان. الإيمان يتعلم. وتجلس في مجالس العلم النافع، ليس فقط الهدف أن يختم الطالب كتاباً أو أن يحصل سنداً متصلاً، وإنما الهدف الأساس أن أحصل معلومة تدخل في الذهن ثم تقر في القلب، فيبني عليها الإنسان عملاً نافعاً في هذه الحياة الدنيا، ويحصن نفسه من البدع والأفكار المغلوطة وكل ما يسمع في هذه الحياة.
كيف تحصن نفسك وكيف تحمي قلبك مما يعصف به إذا كنت لا تسمع العلم النافع ولا تهتم به ولا تحققه ولا تأخذه من أفواه الرجال؟ هذه الشريعة الإلهية أيها الكرام إنما ميزتها الأساسية أنها تؤخذ من أفواه الرجال كابراً عن كابر، فكما تعلمناها من مشايخنا ننقلها إلى هذا الجيل، وهذا الجيل مكلف أن ينقلها إلى الأجيال اللاحقة. فلا بد وأن يبقى في هذه الأمة من أهل الخير والصلاح من أمثالكم من يضبط هذا العلم ومن يحرره حتى ينقل، وإلا ستضيع الأمة، وكلكم آثم إذا ضاعت الأمة بسبب تقصيركم وعدم اهتمامكم بحضور مجالس العلم وعدم اهتمامكم بالإصغاء والكتابة؛ فالكل آثم ومسؤول أمام الله سبحانه وتعالى.
النبي عليه الصلاه والسلام قبل أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى أوصى بأن نبلغ؛ فرب مبلغ أوعى من سامع، أمرنا أن نبلغ هذا الدين، هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. والبلاغ إنما يكون بعد العلم، فإنك لن تستطيع أن تبلغ شيئاً وأنت جاهل به، أليس كذلك؟ لا بد أن تتعلم وأن تحقق العقيدة والفقه والأصول والتفسير وكل ما سطره لنا علماؤنا، أن نحقق وأن نبذل وأن نتعب من أجل ضبط هذه الأفكار والمعلومات لنحمي أنفسنا أولاً ونرفع الجهل عنها، ثم نحمي أبناءنا وأسرنا وأبناء المسلمين في أرجاء المعمورة.
أنتم هنا تحضرون هذه المجالس في زحمة الصيف وتشعرون بشيء من التعب ربما أو شيء من الزحام، لكن هناك من أعداء الأمة من يمكر ليلاً ونهاراً ويضع الخطط والبرامج لينزع الإيمان من قلوبكم. فعلينا أن نزاحم الشر بالخير، وعلينا أن نعرف أن حضورنا لمجالس العلم ليس فقط لملء ساعات الصيف، وليس لأن هناك فسحة من الوقت، وإنما من أجل تحصين قلوبنا ومن أجل حماية هذه الأمة وأن نحمي بيضتها ومجتمعات المسلمين. فمن كان عدوه مستيقظاً عيب عليه أن ينام، ومن كان عدوه يمكر عيب عليه أن يكون غافلاً.
أيها الكرام، الأمة تنتظركم، وأنا دقيق في هذا المعنى، إن الأمة تنتظركم؛ فإن العلم انسحب ظله عن كثير من البلدان. وأرض الشام، كما سيأتي معنا بإذن الله في كتاب فضائل الشام لابن عبد الهادي، هي معقل العلم في آخر الزمان، أقصد العلم الشرعي الذي تحمى به الأمة؛ فعليكم أن تحملوا يا أهل الشام هذا العلم وأن تبدؤوا البناء، فإن القادم صعب، القادم مرعب، القادم ليس بالسهل علينا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل على بركة هذه الساعات التي نجلسها في هذا الوقت عدة لنا وذخراً لنا في قادم الأيام، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.
موعدنا اليوم بإذن الله مع كتاب ثالث من كتب هذه الدورة، وهو منظومة؛ حتى نوزع هذه الدورة بين المنثور والمنظوم. اخترنا منظومة لطيفة نفيسة جميلة في مبناها ومعناها: منظومة الجوهرة الفريدة في تحقيق العقيدة. وهذه المنظومة أيها الكرام هي ليست في العقيدة فقط، هي في الأصلين: في أصول الدين وفي أصول الفقه. لذلك ستلاحظون في الأبيات الأخيرة هناك كلام عن مصادر التشريع وبعض القواعد المتعلقة بأصول الفقه، فهذه ميزة أولى لهذه المنظومة أنها جمعت بين الأصلين: بين أصول الدين والعقيدة، وبين أصول الفقه.
الميزة الثانية هو أن ناظمها عالم من الله سبحانه وتعالى عليه بشعر لطيف خفيف يصل إلى القلب، ويبني الفكرة ويضعها ويسطرها خلال هذه الأبيات بشكل لبق يدل على وضوح المعنى في ذهنه وعلى رسوخه في باب النظم، فإن بعض الأشعار وبعض المنظومات تكون معقدة صعبة وعرة، الطالب ينفر عندما يسمعها، لكن هذه المنظومة لذيذة لطيفة. هذه المنظومة أيها الكرام لإمام وعالم كبير من علماء القرن الماضي، الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي عليه رحمه الله تعالى، الذي توفي في عام 1958 ميلادياً.
الشيخ حافظ الحكمي عليه رحمه الله عموماً نحن مهتمون بتدريس كتبه ومصنفاته لما ملكه من ترتيب جيد للعلم؛ فقد تدارسنا في مدارج في نسختها الأولى كتاباً له لمن يتذكر وهو كتاب أعلام السنة المنشورة في اعتقاد الطائفة المنصورة، وهو ما يسمى بـ 200 سؤال وجواب في العقيدة، وكان كتاباً نافعاً عقدنا به مسألة العقيدة في دورة مدارج الأولى. كذلك خلال رحلة غراس تم تدريس منظومة أخرى للشيخ حافظ الحكمي، وهي منظومة سلم الوصول في علم العقيدة، وهي منظومة أيضاً لطيفة خفيفة ركز فيها بجانب كبير على موضوع توحيد الألوهية والربوبية، على مسائل التوحيد في الجملة.
فالشيخ حافظ الحكمي نحن مهتمون بتراثه عموماً لأنه يحسن التصنيف والكتابة، وأنت ستشعر وأنت تقرأ هذه المنظومة بسلاسة الأفكار. ميزة هذه المنظومة أيضاً أن الشيخ حافظ لا يتكلم فقط بكلام الأقدمين بل هو أيضاً يعيش زمانه؛ فستراه يهاجم أصحاب الأفكار المنحرفة الذين يدعون إلى الاقتداء بالغرب في أخلاقهم وأفكارهم وأنماطهم ويدعون إلى العلمانية. ستجد أنه لم يتكلم فقط عن الأفكار القديمة الجهمية والأشعرية، أعطى هذا جانباً، لكنه أيضاً تكلم عن المشاكل الفكرية التي بدأت تظهر في القرن الماضي من الدعوة إلى الحياة الغربية وأن يصبح حال المسلمين حال الغرب في لباسهم وعاداتهم وتقاليدهم، وانتشرت هناك وسائل الإعلام والمجلات التي للأسف تدعو إلى الاقتداء بالقوم.
هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة»، وفي رواية: «شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم». فهنا نجد الشيخ حافظ يحذر أيضاً من هذه البدع المعاصرة والأفكار الدخيلة على المجتمعات المسلمة والتي لم تكن في الزمن القديم، وبالتالي المنظومة معاصرة قديمة تجمع بين التراث والمعاصرة، تجمع بين المشاكل الفكرية القديمة التي ما زال امتدادها قائماً إلى اليوم، وبين المشاكل التي استحدثت في واقعنا.
مما يميز منظومة الجوهرة الفريدة أيضاً أنها جامعة، حيث بناها على أركان الإيمان الست وهو حديث جبريل كما صرح في بداية منظومته، أن هذه المنظومة سنمر فيها على كل مسائل العقيدة الأساسية: وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. أبرز مسائل الاعتقاد المتعلقة بأركان الإيمان الست سيتطرق الشيخ حافظ جزاه الله خيراً إلى الحديث عنها. وهذه فائدة المرور على مثل هذه المنظومات في كل عام في مدارج هو أن نتذكر مسائل العقيدة المهمة، فإن المسائل تنسى والأفكار تمحى، فأنت تحتاج إلى مذاكرة سنوية.
هذا ما اعتدناه من مشايخنا عندما كانوا يكررون دراسة الكتاب أكثر من مرة، يعني مشايخنا في المدينة النبوية كان الكتاب نفسه يعقد به كل عام دورة، نفس الكتاب. نحن نحاول نضحك عليكم، كل مرة نعطيكم كتاباً مختلفاً، لكن المضمون في النهاية متشابه، ولن نأتي بعقيدة شديدة، هو نفس المضمون، لكن مرة تقرأه منثوراً، مرة تقرأه منظوماً، مرة تقرأه بكلام فلان، مرة تقرأه بكلام فلان؛ هذا يزيد شيئاً وهذا، لكن في النهاية ما هو الهدف؟ كل عام لا بد تمر على مسائل العقيدة حتى تتذكرها، حتى لا تأتيك شبهة فيها، فإنه سبحان الله تكرار العلم ليس فقط فائدته تذكر المعلومة، بل أحياناً لما تذاكر العلم ترتفع شبهة قد كانت وقرت في قلبك أثناء العام.
أنت قد تكون درست مسألة في العقيدة قبل أعوام معنا، لكن من خلال سماعك للمحاضرات والإعلام وربما حصلت شبهة، فمذاكرة العلم تزيح هذه الشبهة وتقلعها من قلبك بإذن الله؛ فهذه فائدة المذاكرة لا بد منها. لا بد لطالب العلم في كل عام أن يمر على العقيدة حتى يرسخ المفاهيم والأفكار. كما قلت المنظومة سهلة، وحري بطالب العلم الحريص على العلم أن يحفظها، وأنت ستجد جماليتها. حتى هذه المنظومة أنا أرجعها على سلم الوصول وإن كانت سلم الوصول المنظومة الأخرى لحافظ الحكمي شهرتها إنما أتت من أن حافظ الحكمي نفسه شرحها في معارج القبول، الشيخ حافظ شرح منظومته سلم الوصول.
أما هذه المنظومة للأسف لم أجد شرحاً كاملاً عليها مطبوعاً فيما بين يدي، هناك بعض الشروح التي لم أقف عليها كتبت معاصرة حديثة في بلاد الحرمين، لكن ليست مشهورة في التدريس والأخذ، وإن كنت أراها أوسع من سلم الوصول وأشمل وأجمل، والأفكار التي فيها تمر على مختلف أبواب الدين، كما قلنا مع مرورها على مسائل أصول الفقه. فنبدأ مستعينين بالله التعليق عليها والعيش في هذه الجمالية وهذه التحفة التي يقدمها الشيخ حافظ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال العلامة الشيخ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي رحمه الله: الحمد لله لا يحصى له عدد، ولا يحيط به الأقلام والمدد. بدأ عليه رحمه الله منظومته بما يبدأ العلماء به منظوماتهم، وهو أن يحمد الله سبحانه وتعالى اقتداء بالكتاب العزيز الذي ابتدأ بالحمد؛ فأول سورة في القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حثنا على هذه السنة في قوله وفعله؛ فكان يقول: «كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم»، وإن كان الحديث فيه ضعف، وكان عليه الصلاة والسلام يبدأ خطبه بالحمد؛ فهذه سنة يحصل بها بركة الكلام، وهو أن تبدأ كلامك منثوراً أو منظوماً، أي درس أو محاضرة أن تبدأه بحمد الله. وللأسف أحياناً بعض الطلاب، طلاب ثقافة الغالب كما يقولون، يشعر بالانهزامية والشعور بالخجل أن يبدأ بشعار الإسلام، فإذا خرج في مقطع يوتيوب أو شيء من ذلك أو بده يتكلم يستحي أمام الطلاب في الجامعة يحكي بسم الله والحمد لله، ولا يقول هؤلاء يقولون هذا رجعي وهذا شيخ.
لا، هذا شعارك، هذا انتماؤك، هذه هويتك، ابدأ بما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تبدأ مباشرة بالموضوع. بعض الناس يبدأ مباشرة بالموضوع بدون بسم الله ولا الحمد لله، وهذا ليس من شعار أهل الإسلام؛ فأهل الإسلام لهم ديباجة يبتدئون بها خطبهم وكلامهم، وهذه هويتك. الحمد لله، والحمد هو ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه. ما هو الحمد؟ هو ذكر محاسن المحمود مع محبتك وتعظيمه له، فإذا ذكرت محاسن أي شخص مع محبتك وتعظيمك له فهذا يسمى حمداً، بخلاف لو ذكرت محاسنه وأنت تكرهه فهذا يسمى مدحاً، فالمدح أوسع من الحمد. الحمد لا نقول إنك حمدت شخصاً إلا إذا كنت تحبه وتعظمه، ولذلك متى نقول إنك حمدت الله؟ إذا أثنيت عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله مع محبتك له جل في علاه وتعظيمك له.
فقال: الحمد لله لا يحصى له عدد، أي حمداً لا يحصى له عدد، يعني أحمد الله حمداً لا نهاية له، تحمد الله حمداً كثيراً وحمداً لا يحيط به الأقلام والمدد. في اعتقادي، طبعاً هذه المنظومة أيضاً للأسف لعدم الاعتناء الكبير بها، يوجد بعض الكلمات ما زالت محل إشكال في ضبط الشيخ حافظ كيف ضبطها، ولكن أعتقد أن الضبط الصحيح هو: ولا يحيط به الأقلام والمِداد، بفتح الميم؛ لأن هو يريد الحبر، الأقلام والحبر، والمِداد هي جمع مِدد، وأنا لا أعتقد أنه قصد المدد الزمني لأنه سيكرر هذه الكلمة أكثر من مرة، وإنما يريد أن يقول ائتساءً بقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109].
فالمِداد هو الذي يناسب هنا؛ لأن المِداد هو الحبر الذي تكتب به، والقلم قديماً كان لا بد وأن يمد بالحبر حتى يستطيع الكتابة به الإنسان. فلذلك الضبط الصحيح هو المِداد، والله أعلم، وإنما يريد المِداد وقصد به هنا الحبر الذي تمد به الأقلام حتى تكتب. إذاً يحمد الله حمداً لا يحصى له عدد، ولا تحيط بكتابته الأقلام والحبر الذي تمد به الأقلام.
حمداً لربي كثيراً دائماً أبداً، في السر والجهر في الدارين مسترد. يحمد الله حمداً كثيراً دائماً لا ينقطع، في السر والجهر تحمد الله في سرك وتحمد الله في علانيتك، في الدارين مسترد؛ مسترد يعني متتابع من السرد.
السرد، كلمة سرد مرت عليكم، فما معنى سرد؟ يعني قرأ على شكل متتالي، فيقول مسترد، وهنا طبعاً هذه مبالغة أنه بناه على هذه الصيغة. فيقول في السر والجهر في الدارين، وهي الدنيا والآخرة، متتابع. والله سبحانه وتعالى أيها الكرام يحب الحمد، ولذلك أكثر الأدعية والأذكار بعد الصلوات وعند النوم وعند الاستيقاظ وأذكار الصباح والمساء كلها فيها ألفاظ الحمد لله سبحانه وتعالى، لأن ربكم يحب أن يحمد ويحب أن يثنى عليه، ولذلك ابتدأ كتابه بماذا؟ بالحمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وهو جل في علاه أهل لذلك لصفاته الذاتية ولصفاته الفعلية ولإنعامه الواصل إلينا، فهو يحمد على ذاته ويحمد على أفعاله ويحمد على إنعامه على عباده.
نعم، ملء السماوات والأرضين أجمعها وملء ما شاء بعد الواحد الصمد. نعم، في الآثار والأحاديث الواردة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد». لما ترفع أنت رأسك من الركوع ماذا تقول؟ اللهم ربنا لك الحمد، صح؟ لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، يعني لو أن هذا الحمد أجساماً لملأ السماوات ولملأ الأرض وما بينهما، هذا معنى ملء السماوات؛ لو كان هذا الحمد أجساماً فإنني أحمدك حمداً يملأ السماوات والأرض وما بينهما.
نعم، ثم الصلاة على خير الأنام رسول الله أحمد مع صحب به سعدوا. بعد الحمد لله ينبغي على المؤمن أن ينتقل إلى الصلاة على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا من آداب الكلام وآداب النظم. والصلاة إذا كانت من العبد فهي ماذا؟ الدعاء، وأما إذا كانت الصلاة من الملائكة فهي الاستغفار، وأما إذا كانت الصلاة من الله فهي الثناء على عبده في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية رحمه الله عليه: الصلاة من الله هي الثناء على العبد في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة يعني إذا الملائكة صلت عليك يعني استغفرت لك، وأما الصلاة منك فما معنى صلاتك أنت؟ الدعاء. تمام، هذا أصل معناها، وهنا أنت تقول: يا رب صل على محمد وعلى آل محمد، ما معنى صلِّ على محمد؟ أنت تريد الصلاة من الله، فإذاً ماذا تريد؟ أن يثني عليه؛ لأنه أنت تريد من الله بذاته أن يصلي على الحبيب المصطفى، والصلاة من الله كما قلنا هي الثناء، فكأنك تقول: اللهم صلِّ على محمد عليه الصلاه والسلام، يعني اللهم أثنِ على محمد، أثنِ على محمد. ومن صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشراً.
ثم الصلاة على خير الأنام وهو النبي المصطفى عليه الصلاه والسلام، رسول الله أحمده، فبدأ بصفاته ثم ذكر اسمه، والنبي صلى الله عليه وسلم له أسماء كثيرة منها محمد وأحمد والحاشر والعاقب، وستأتي إن شاء الله معنا في منظومة نيل الشفاء للجزري بإذن الله. طيب، أحمد مع صحب به سعدوا، فأنت صلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ثم صلِّ على صحابته، والصحابة هو كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام فهذا نال شرف الصحبة، وهذا شرف عظيم، ولو تخللت ردة، يعني لو أسلم ثم ارتد ثم عاد فأسلم، ما دام لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن ومات على الإسلام فهو صحابي، وهذا شرف عظيم ما بعده شرف؛ لأن الله سبحانه وتعالى زكى الصحابة تزكية عامة.
فلذلك الصحابة عند جماهير العلماء لا يسأل عن عدالتهم، كلهم عدول، ولو صدر منهم أخطاء وذنوب في النهاية هم ليسوا بمعصومين، لكن كلهم عدول، ولو صدر من أحدهم ذنب مفسق فإن الله يسخر له التوبة فيموت عدلاً كما قال العلماء، حتى لو صدر من أحدهم بعض الكبائر كالزنا وشرب الخمر، فإن الله ييسر له التوبة حتى يموت موت عدل، حتى الصحابة الذين اختلفوا واقتتلوا واختصموا، علي ومعاوية وكل من كان في الجدال والخصام، كلهم عدول ولا نخوض فيما حصل بينهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمهم جميعاً على ما قدموا لأمة الإسلام.
نعم، وأهل بيت النبي والآل قاطبة، والتابعين الأولى للدين هم عضدوا. ثم صلى على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والآل قاطبة، أهل بيته اختلف يعني في علم العقائد على من يطلق مصطلح أو مفهوم أهل البيت، وأشهره أنه يطلق على علي وفاطمة والحسن والحسين، تمام. بعض أهل العلم أدخل زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يظهر أن بالمعنى العام يدخل فيه زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بالمعنى الخاص الذي ورد في حديث أم سلمة وغيرها لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فوضعه على فاطمة وعلي والحسن والحسين وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]. هنا النبي صلى الله عليه وسلم وضع الرداء على علي وفاطمة والحسن والحسين، ومن هنا فأكثر أهل العلم على أن أهل البيت بالمعنى الخاص يطلق على هؤلاء، وأما بالمعنى العام فبالتأكيد زوجات الرجل تعتبر من أهل بيته. ثم قال والآل، والآل يعني والأهل، فكأنه صلى على أهل بيت النبي وآله، عموماً من أهل الإسلام كل أقارب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الإسلام، كل أقاربه والآل هم أهله، كل أقاربه من أهل الإسلام كالعباس وحمزة وعلي وكل من آمن به من أقاربه، لذلك قال والآل قاطبة. ثم صلى على كل أتباعه إلى يوم القيامة فقال والتابعين الأولى، بمعنى الذين، الأولى اسم موصول بمعنى الذين، والتابعين الأولى للدين هم عضدوا، فهو يصلي على كل أتباعه إلى يوم القيامة، أو يطلب من الله أن يصلي على كل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم عضد للدين وعماد له، بهم ينتصر الإسلام وهم يصولون ويجولون يحملون رايته وفكره في ميادين الدعوة والفكر والإصلاح وغير ذلك.
نعم، والرسل أجمعهم والتابعين لهم من دون أن يعدلوا عما إليه هدوا. ثم طلب من الله أن يصلي على جميع الرسل السابقين وأتباع الرسل السابقين، فقال والرسل أجمعهم موسى وعيسى وإبراهيم، والتابعين لهم، وأتباع موسى وأتباع عيسى ممن ثبتوا على الدين الحق في كل زمان ومكان من دون أن يعدلوا عما إليه هدوا، الذين اتبعوا هؤلاء الأنبياء ولم يعدلوا عن الهداية بخلاف الذين حرفوا وبدلوا ممن اتبع موسى أو عيسى فترة ثم عدل عن الهداية وحرف وبدل، فهؤلاء لا نصلي عليهم، ليسوا بمسلمين. أما أتباع موسى الذين ماتوا على الإسلام في زمنه، وأتباع عيسى الذين ماتوا على دعوة عيسى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعدلوا عن الهدى، فهؤلاء نصلي عليهم ونطلب من الله أن يصلي عليهم.
نعم، أزكى صلاة مع التسليم دائمة، ما إن لها أبداً حدٌ ولا أمد. نعم، وبعد، يصلي صلاة مع التسليم، وهذه هي السنة أن الإنسان لا يقتصر فقط على الصلاة على النبي عليه الصلاه والسلام بل يتبع ذلك بالتسليم، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. فالله في القرآن قرن بين الصلاة والتسليم، فما دام قرن بينهما فالأولى أن الإنسان لا يقتصر فقط على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بل يضيف إليها السلام عليه، والسلام هو طلب السلامة من كل شيء، وأن يحل عليه اسم الله السلام، وأن يحل عليه بركة اسم الله السلام.
نعم، وبعد ذي في أصول الدين جوهره فريدة بسن التوحيد تتقد. نعم، ويقول وبعد، وهذه السنة أيضاً كما سيأتي معنا إن شاء الله في كتاب قواعد الدين لشيخ أبي سعد المؤذن، يقول وبعد، بعد هذا للانتقال إلى المضمون، لذلك النبي عليه الصلاه والسلام كان في خطبه يقول وأما بعد. وبعد، بعد أن ينتهي الإنسان من ديباجة يريد أن ينتقل تقول وبعد. وكذا ثم طيب، يقول وبعد ذي، ذي هذا اسم إشارة، يعني هذه المنظومة، هذه المنظومة التي ستأتي هي في أصول الدين في العقيدة، وذكر اسمها فقال جوهره فريدة، إذاً ما اسم المنظومة؟ الجوهرة الفريدة، بسنة التوحيد تتقد، السنة هو الضوء والنور، فيقول هي تتوقد بضياء التوحيد. ما الهدف من هذه المنظومة؟ قال بشرح كل عرى الإسلام كافلة، ونقض كل الذي أعداؤه عقدوا. الهدف من هذه المنظومة أن يشرح كل عرى الإسلام، قال كافلة هذا مبتدأ مؤخر، يعني هذه المنظومة كافلة أي تتكفل لك بشرح كل عرى الإسلام، كل مباني الإسلام ستشرحها هذه المنظومة، هي كفيلة بشرح كل قواعد الإسلام العامة في الاعتقاد، وفي المقابل تنقض كل العقائد الكافرة التي بناها الكفار وحاولوا أن يدسوها ويخلطوا بها، أو ما أدخله أهل البدع أيضاً في عقيدة المسلمين.
نعم، وما أبرئ نفسي من لوازمها، وأحمد الله منه العون والرشد. وما أبرئ نفسي من لوازمها، جميل هذا البيت، النفس من لوازمها ماذا؟ الخطأ، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]. وهذا من هضم العلماء لأنفسهم، كما قلنا إن الإنسان لا يدعي الكمال في أي شيء يقدمه في كتاب أو منظومة أو علم، دائماً يقول هذا ما اجتهدت به، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فهذا من لوازم؛ فإن من لوازم النفس البشرية الخطأ، هذا معنى من لوازمها، أي لوازم النفس البشرية، لا أستطيع أن أتخلص منها. طيب ما هي لوازم النفس البشرية؟ الخطأ والضعف وعدم الإحاطة بالمعلومة ودخول شيء من الجهل، فيقول حافظ أنا لا أقول إن كتابي وإن منظومتي معصومة، فإن الخطأ والضعف من لوازم النفس البشرية، ولكنني أحمد الله فمنه العون، أنا أستعين بالله على أداء هذا النظم وعلى التوفيق فيه والرشد، وأسأله الرشاد والسداد فيما سأدون.
نعم، والله أسأل منه رحمة وهدى فضلاً، وما لي إلا الله مستند. جميل، والله أسأل منه رحمة وهدى فضلاً، وما لي إلا الله مستند. ليس لك سند ولا عون إلا الله سبحانه وتعالى أن تلجئ ظهرك إليه وتسلم نفسك بين يديه حتى يعينك الله عز وجل، ودائماً استعن بالله وقل: يا مقلب القلوب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإني أهلك. إياك أن تثق بعقلك وذكائك ونفسك، بل دائماً ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، هذا شعار أهل الإيمان.
طيب، نبدأ بمقدمة هذه المنظومة، مقدمة في براءة المتبعين من جراءة المبدعين وافتراءات المبتدعين. طيب خلينا الآن نبدأ بالعنوان، يقول مقدمة، هذه مقدمة قبل أن يدخل في علم العقيدة وتفصيله أراد أن يضع مقدمة ليبين منهج أهل السنة والجماعة في مقابلة أهل البدع، فيقول مقدمة في براءة المتبعين، المتبعين من هم؟ أهل السنة الذين هم أهل اتباع واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الصحابة الكرام، فنحن أهل الاتباع نتبرأ ممن؟ قال من جراءة المبدعين وافتراءات المبتدعين. حقيقة كما قلت لا يوجد شرح من الشيخ حافظ الحكمي على هذه المنظومة، فسنسمح لأنفسنا بشيء من الاجتهاد في محاولة فهم التفريق بين المبدعين والمبتدعين. المبدعين يعني هذه عبارة، ممكن البعض يقول يعني جراءة المبدعين كيف أنت تتبرا من الإبداع؟ طيب، الذي يظهر لي الآن ستلاحظ في هذا الفصل أن الحافظ الحكمي تبرأ من أصحاب البدع القديمة ومن أصحاب البدع العصرية، من أصحاب الفكر الحداثي والعلماني.
فاعتقد والله أعلم، وإنما هو اجتهاد، أنه قصد من جراءة المبدعين يقصد الفكر الحداثي المعاصر الذين تجرأوا على القفز على ثوابت الملة والدين، فنحن نتبرأ من جراءة هؤلاء على دين الله. ثم قال وافتراءات المبتدعين، يقصد هنا الفرق الإسلامية البدعية القديمة التي ابتدعت في دين الله سبحانه وتعالى، وسيبدأ بها من الجهمية والرافضة والنواصب وغيرهم، فكأنه يقول نحن نبرأ من أصحاب البدع، سواء البدع الحديثة المعاصرة أو البدع القديمة التي نخلت إلينا عبر التراث، نبرأ منها جميعاً، فسمى المعاصرين أصحاب جرأة، فقال مقدمة في براءة المتبعين من جراءة المبدعين، المبدعين أصحاب الفكر الحداثي الذين أبدعوا، والإبداع هو أن تصنع شيئاً لا على مثال سابق، هذا أصل معنى الإبداع في اللغة أن تفعل شيئاً لا مثال له سابقاً، وهكذا الفكر الحداثي والعلماني والليبرالية المعاصرة التي دخلت عند بعض الإسلاميين، هم صنعوا شيئاً لا نظير له في المنهج الإسلامي الأصيل، صنعوا شيئاً لا مثيل له ولا نظير له ولذلك هو مردود. وكذلك قال وافتراءات المبتدعين الذين ابتدعوا من أصحاب الفرق القديمة.
تمام، إني براء من الأهوى وما ولدت، ووالديها الحيارى ساء ما ولدوا. يقول الشيخ حافظ إنني براء من الأهوى وما ولدت، الأهوى يقصد الأهواء لكن حذف الهمزة الأخيرة لضرورة النظم، يقول إنني براء من أهل الأهواء وأهل البدع قديماً وحديثاً، يسمون في كتب العقيدة أهل الأهواء؛ لأن البدع ما منشؤها؟ اتباع الهوى، لو أن الإنسان كان متبعاً للسنة حقاً وصدقاً لا يبتدع، لكن متى تدخل البدعة؟ إذا اتبعت هواك، فيقول إني براء من الأهوى وما ولدت، يعني وما فرخت هذه الأهواء. الآن البدع يا إخواني تولد البدع، وهنا فائدة، أن البدع كيف تولد؟ البدع إما أن بدعة جرت إلى بدعة أخرى تابعة لها، أو أن البدعة للاسف عندما تواجه في كثير من الأحيان يتطرف من يواجهها فيولد بدعة أخرى، كما أن الخوارج لما تطرفوا نشأ في مقابلهم من المرجئة، ونفاة الصفات الذين نسميهم المعطلة لما تطرفوا نشأ مقابلهم المشبهة، والرافضة لما تطرفوا في أي تأليه عليّ أو تنزيله منزلة فوق المنزلة الصحيحة تطرفوا.
آخرون في الرد عليهم فنشأ النواصب؛ فللأسف أن البدع تولد البدع، لكن بطريقتين: إما أن البدعة فعلاً صاحبها يطورها فينتج منها بدعة أخرى، أو أن البدعة عندما يتم الرد عليها لا يتم الرد عليها بتوازن، فتنشأ بدعة أخرى متطرفة في الجانب الآخر، وهذا كثيراً ما حصل في تاريخ الإسلام والمسلمين. ولذلك الشيخ حافظ يقول: إني براء من الأهواء ومن أهل الأهواء والضلالات وما فرعوا. قال: وما ولدت، كان الأهواء تتوالد وتكبر للأسف.
نعم، قال ووالديها، من والديها؟ المؤسسون والمنشئون لها؛ فهو براء من الأهواء وما فرخت، ومن أنشأها وهم رؤوس أهل البدع. فيقول: ووالديها، يعني منشئيها، قال: ووالديها الحيارى؛ لأن المبتدع هو في شك من دينه، وإلا لو كان مطمئناً للسنة تماماً لما ابتدع، لكن البدع هي نتيجة الشك والحيرة وعدم الطمأنينة التامة إلى أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها الكمال والشفاء والتمام. فإذا برئنا من الأهواء وما فرعت، ومن أنشأها، ثم دعا فقال: ساء ما ولدوا، يعني بئس ما ولدوا وأنتجوا لهذه الأمة منشئي البدع. ساء، بئس ما أنتجوا لهذه الأمة.
الآن سيبدأ يعدد أبرز هذه البدع والفرق البدعية، قال: والله لست بجهمي أخا جدل، يقول في الله قولاً غير ما يرد، يكذبون بأسماء الإله وأوصاف له، بل لذات الله قد جحدوا. بدأ بالبراءة من أسوأ الفرق التي صدرت عبر تاريخ الإسلام، وهي فرقة الجهمية، والجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان، وهذا رجل أيها الكرام ولد في ترمذ، وترمذ اليوم هي في أوزباكستان، تعتبر في أوزباكستان، ومنها الإمام الترمذي، عموماً أيضاً ولدت أناساً مبدعين من أهل الخير والصلاح، وأخرجت أهل البدع كما هو الحال في كل بلد وفي كل زمان ومكان. هذا الجهم بن صفوان من أصحاب البدع القديمة في الإسلام، ولذلك هو توفي 128، يعني هذا قبل أحمد بن حنبل أصلاً، وتوفي قبل وفاة مالك؛ 128 توفي، فهو قديم جداً، ولذلك دائماً لما يبدأ بذكر أهل البدع هو أول واحد يتلبسها؛ لأنه من أقدمهم، من أقدمهم الجهم بن صفوان.
طبعاً هذا الرجل له بدع كثيرة، ومن أسوأ بدعه أنه نفى الأسماء الحسنى والصفات العلى عن الله، فلذلك قال العلماء: هذا الرجل كان يعبد عدماً. يعني هل يوجد إله لا يوجد له أسماء ولا صفات؟ هل يوجد إله بلا أسماء ولا صفات؟ لا يمكن. فقالوا: الجهم بن صفوان يعبد عدماً، لماذا؟ لأنه لا يثبت لله أي اسم من الأسماء ولا أي صفة من الصفات. طبعاً الفرق الأخرى التي جاءت بعد الجهم بن صفوان بفرقة الجهمية بدأت تحسن وتعدل على الفكرة، فخرج المعتزلة الذين أثبتوا الأسماء لكن نفوا الصفات كلها، ثم بعد ذلك أحسن نموذج، أحسن نموذج وأقربهم إلى أهل السنة، النموذج الأشعري الذي هو أثبت الأسماء، هذا على حاله أثبت الأسماء الحسنى، ونفى بعض الصفات عن الله وأثبت بعض الصفات، فهؤلاء تعتبر الأشاعرة والماتوردية هم فكرة محسنة تماماً.
ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية لما كان يتكلم عن الأشاعرة قال: ينتبه له طالب العلم، هذه مهمة، انتبهوا لهذه المعلومة، لما يصفهم بأنهم جهمية، لا تظنن أن مقصد شيخ الإسلام أنهم تماماً على عقيدة الجهم؛ لأنه للأسف بعض اليوم اللي عنده حروف التكفير يعتمد أقوال شيخ الإسلام بأن الأشاعرة أصلاً هم الجهمية، وأن شيخ الإسلام وصفهم بذلك. يقصد شيخ الإسلام بوصفهم بالجهمية أن عندهم خصلة من خصال التجهم. فيك خصلة من خصال النفاق، هل أقول أنك منافق؟ مش من صفات المنافق إذا وعد أخلف، صحيح؟ وجود خصلة فيك من خصال المنافق لا يجعلني أقول عنك بالإطلاق أنك منافق، ووجود خصلة من خصال التجهم في الشخص لا يعني أنه بالإطلاق يعتبر جهمياً، وبالتالي يصدق عليه الأحكام التي تصدق على الفرقة الجهمية.
لأنه الفرقة الجهمية أيها الشباب، كثير من علماء الإسلام الأوائل كفروهم، وبعضهم عذرهم بالجهل بعضاً منهم، لكن الفكرة أن خطرهم كبير وأن نواقضهم للإسلام كبيرة. وأما الفرق الأخرى التي تحسنت وتطورت بعد ذلك على ما عندها من البدع، إياك إياك أن تأتي لقول عالم متقدم يقول الجهمية كفار فتسقطه على أشعري متأخر أو ماتريدي، هذا خطأ، وهذا للأسف ما يتم إغراء الطلاب المعاصرين به ممن يتصدر على السوشيال ميديا، ممن ليس أهل العلم ولا يتكلم في دين الله، فينشروه ثقافة التكفير ويشيعوها بين الناس وبين الفرق، ويحتج أو يظن أنه يفهم كلام السلف فهو بأبعد الناس عن فهم كلامهم وطرائقهم. فإذا قيل إن الأشعري أو الماتريدي إذا ورد في كلام ابن تيمية أن عنده شيء أنه جهمي، ماذا يقصد؟ عنده شعبة من هذا الفكر، وليس المراد أنه جهمي بمعنى تصدق عليه أحكام الجهمية الأوائل الذين حكم العلماء بما عندهم من البدع، بعضهم كفرهم وما شابه ذلك.
طيب، إذا يقول الشيخ حافظ: والله لست بجهمي أخا جدل؛ لأن الجهمية هم أوائل علماء الكلام، فكانوا يجادلون كثيراً ويستعملون الجدل الكلامي. يقول في الله قولاً غير ما يرد، فالجهمية قالوا في الله قولاً لم يرد في الكتاب والسنة. ماذا قالوا في الله؟ قال في البيت الذي يليه: يكذبون بأسماء الإله وأوصاف له، بل لذات الله قد جحدوا. وفعلياً وهذا اللازم، كذبوا بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فعلياً إذا أنت كذبت بالأسماء الحسنى والصفات العلى، أنت فعلياً جحدت وجود إله، ما بقي شيء، أنت تعبد لا يوجد شيء في الوجود ليس له اسم ولا صفة، لا يوجد، فلذلك قال: بل في الحقيقة لذات الله قد جحدوا. طيب هذا كلام عن أول فرقة وهي الجهمية.
ثانياً: كلا ولست لربي من مشبهة، إذ من يشبهه معبوده جسد. الفرقة الثانية، أنت ضع مربعاً على اسم كل فرقة حتى لا تضيع، الآن سنضع مربعاً على كلمة مشبهة. قال: كلا ولست لربي من مشبهة، أي لست في علاقتي مع ربي من المشبهة. المشبهة هؤلاء نقيض الجهمية، إذاً الجهمية نفوا الأسماء والصفات، المشبهة إيش سووا؟ جعلوا، أثبتوا لله الصفات والأسماء، لكن جعلوا صفات الله كصفات المخلوق، فقالوا: لله وجه كوجهي، وعين الله كعيني والعياذ بالله، ويد الله كيدي، وسمع الله كسمعي، فشبهوا صفات الله بصفات المخلوقين، وهذا أيضاً كفر.
فإن ذات الله سبحانه وتعالى نحن لا نعرف كنهها، والكلام في شكل الصفات وكيفية الصفات متفرع عن تصورنا للذات الإلهية، ونحن لا نتصور الذات، لا نعرف ولا تبلغها عقولنا، ولا نثبتها، لكن لا تبلغها عقولنا، فإذاً من باب أولى أننا لا نعرف بعد ذلك شكل الصفات، ولا يجوز أن ندخل في كيف اتصف الله بصفاته. فالمشبهة دخلوا في الكيف وحاولوا أن يكيفوا صفات الله ويقيسوها على صفات المخلوقين، وهذا أيضاً كفر. ومن أوائل الفرق المشبهة التي خرجت في الإسلام الرافضة الأوائل، الروافض الأوائل كانوا مشبهة؛ لأنهم أصلاً تلقوا عقيدتهم عن اليهود، الروافض الأوائل ولذلك كثر فيهم التشبيه، بخلاف الروافض المتأخرين فهؤلاء بالعكس قلبوا أنفسهم رأساً على عقب وأصبحوا أقرب للمعتزلة، وأصبحوا ينفون الصفات تماماً، شوف التناقض، يعني الروافض الأوائل قمة التشبيه، والروافض المتأخرين قمة التعطيل؛ لأنهم أصبحوا على طرائق المعتزلة.
وكذلك من المشبهة الأوائل الفرقة الكرامية، أتباع ابن كرام، وهذا أيضاً دخل في موضوع التشبيه، فيقول: كلا ولست لربي من مشبهة؛ لأن لا يجوز أن نشبه صفات الله بصفات المخلوقين، إذ من يشبهه معبوده جسده. لذلك نعيم بن حماد ماذا يقول أحد علماء السلف: المشبه يعبد صنماً. لماذا يقول هكذا ابن حماد؟ يقول: المشبه يعبد صنماً؛ لأنه إذا أنت كنت تسلك طريق الفرقة المشبهة، إذاً أنت تتخيل الله أمامك بصورة معينة ثم تعبده. المشبه هو يتخيل ذات الله، يتخيل أن لله وجهاً بهذه الطريقة، وله يداً بهذه الطريقة، وأنت أصبحت تعبد ذاتا مجسدة أمامك، وذات الله لا يجوز للإنسان أن يدخل في تخيلها. هل يجوز للمسلم أن يتخيل ذات الله؟ سيأتي معنا في قواعد الدين أيضاً اليوم، لا، سعد المؤذن إن شاء الله كان يقول ابن عباس: فكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله، ما بصير تتخيل ذات الله، لا يجوز، والشيطان يحاول أحياناً يقتحم هذا الباب ويقول لك: يلا اجلس تخيل كيف وجه الله، كيف يد الله، كيف، إياك؛ لأنك إذا فعلت ذلك جسدته فكأنك أصبحت تعبد مثلاً بدلاً من أن تعبد الله سبحانه وتعالى، إذ من يشبهه معبوده جسده، أصبحت تعبد جسداً أنت ترسم معالمه وملامحه، وهذا كبيرة، نسأل الله العفو والعافية.
كمل: ولا بمعتزلي أو أخا جبر في السيئات على الأقدار ينتقد. هنا ذكر فرقتين؛ الفرقة الثالثة الاعتزال، والمعتزلة أول ما نشأوا على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهؤلاء كانوا من تلاميذ الحسن البصري، تخيل كان شيخهم فاضلاً، كان شيخهم من علماء السلف الكبار، لكن الهوى الذي كان عند واصل بن عطاء جعله يتخطى شيخه ويعتزل في حلقة مستقلة، وعمل حلقة لنفسه، ومن هنا سموا المعتزلة؛ لأن شيخهم واصل بن عطاء اعتزل حلقة الحسن البصري في المسجد وأصبح في البصرة عنده حلقة مستقلة يعلم الناس البدع. وأفكاره الأساسية التي خرج بها هو وعمرو بن عبيد أساسها كانت إنكار ماذا؟ أن الله يعلم القدر والعياذ بالله. واصل بن عطاء وعمر بن عبيد، أول أفكار المعتزلة الخاطئة التي نشأت ما هي؟ نفي القدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق فعله بنفسه، والله سبحانه وتعالى ليس له تقدير في أفعالنا ولا خلق لأفعالنا، نحن نختار ما نشاء ونفعل ما نشاء، ثم هو يحاسبنا يوم القيامة عليها، وهذا فيه نسبة الجهل إلى الله والعياذ بالله، ونسبة العجز، وأصبح هناك في الكون ملايين الخالقين، لماذا؟ لأنه إذا أنت تخلق فعلك وأنا أخلق فعلي، الخالق ليس واحداً، الله يخلق أشياء وأنت تخلق فعلك وهذا يخلق فعله، فهكذا نثبت ملايين الخالقين في هذا الكون، وهذا فيه إثبات لما هو مختص بالله.
لذلك المعتزلة وهي من أوائل الفرق التي نشأت في تاريخ المسلمين مشكلة، وأفكارها سيئة على كافة الصعد، وهم بنوا عقيدتهم على خمسة أصول عموماً من باب الفائدة، بنوا عقيدتهم على الأصل الأول سموه التوحيد وقصدوا بالتوحيد نفي صفات الله، وبنوا عقيدتهم على ما يسمونه العدل، والعدل هو نفي القدر، جعلوا نفي القدر وأن الإنسان يخلق فعله بنفسه، إيش سموه؟ عدلاً، طبعاً ليش سموه عدلاً؟ قالوا إنه كيف ربنا يحاسبنا يوم القيامة على شيء هو يعلم مسبقاً، فالعدل أنه هو لا يتدخل في قراراتنا ونحن نفعل أفعالنا وهو لا يعلمها ونخلق أفعالنا ثم هو يحاسبنا يوم القيامة عليها، سموا هذا الأصل ماذا؟ العدل. ولاحظ كيف أن أصحاب البدع والأهواء منذ القدم يختارون أسماء براقة لعقائدهم، تخيل يقول لك العدل، والله في حدا فينا ما بده العدل، بدنا بس مش هذا هو العدل، أنت أردت أن تعدل فوصفت بالعجز، وصفت الله بالجهل والعياذ بالله. العقيدة الثالثة لهم المنزلة بين منزلتين، وهم يرون أن الفاسق الذي يفعل الكبائر في الدنيا ليس مؤمناً ولا كافراً وإنما في منزلة بين منزلتين. الأصل الرابع لهم القول بإنفاذ الوعيد، حيث يرون أن أصحاب الكبائر اللي سميناهم فاسق في الدنيا خالد مخلد في نار جهنم، يعامل معاملة الكفار ولا يخرج أبداً، فلا يوجد عندهم فكرة عصاة الموحدين، لا، كل من فعل كبيرة في الدنيا راحت عليه، سيخلد مخلداً في نار جهنم إلا أن يتوب في الدنيا ويعيد تجديد علاقته مع الله من جديد. الفكرة الأخيرة عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأساسها كانت الخروج على سلاطين أهل الإسلام، يعني حتى الأمر بالمعروف يمارسونه خطأً دائماً، السيف حاضر في أفكارهم ومعتقداتهم حتى على ولاة الأمر من أهل الإسلام. فهذه العقائد الخمس: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين منزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي عقائد المعتزلة وكلها دخلها الغلط والخبط.
في المقابل قال: أنا لست معتزلياً أنفي القدر، ولكنني في نفس الوقت لست أخا جبر، هنا انتقل في نفس البيت إلى الفرقة المقابلة للمعتزلة وهي فرقة ماذا؟ الجبرية. من هم الجبرية؟ هم الذين يقولون إن الله جبرنا على أفعالنا ونحن لا نملك أي اختيار ولا أي مشيئة في أفعالنا، هذه فرقة أيضاً للأسف على رأسها الجهم بن صفوان؛ أن الجهم بن صفوان كان يعتقد بهذا المعتقد، أن الله أجبر البشر على أفعالهم وأنك لا تملك أي خيار، يعني أنت اليوم لما جئت على المركز هنا لتحضر الدورة هذا الشيء ربنا أجبرك عليه، أنت ما كان عندك أي اختيار، وهذا حقيقة يخالف الفطرة، يعني هل أحد فيكم شعر أنه في ريموت كنترول عم يجيبه هون للمركز ولا أنت صحيت الصبح قلت أنا بدي آجي وأحياناً بتكسل؟ هذا شيء فطري، لا يستطيع الإنسان أن يخالف فطرته، بدك تقنعني أنه في هناك شيء مسيطر على أعصابي قادني؟ الله سبحانه وتعالى خلقنا بفطرة أننا نشعر بالإرادة، نشعر أننا نملك قراراً. نعم: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29] صح هيك ربنا قال في سورة التكوير، لكن في النهاية وجود مشيئة لله مسبقة لا يلغي أن الله خلقنا وعندنا مشيئة وعندنا قرار نفكر من خلاله. فلذلك نحن لسنا كالمعتزلة ننفي تدخل الله، ولسنا جبرية ننفي وجود مشيئة للعبد ونقول إن الله جبرنا؛ لأن هذا تطرف في المقابل، ذاك تطرف مقابل، فهمتم كيف التطرف يولد التطرف، يا بتنفي القدر يا بتكون جبري. طيب في حال وسط، أنه أثبت القدر لكن ليس على طريقة الجبرية، طيب، لذلك قال: ولا بمعتزلي أو أخا جبر.
أو أخى جبر في السيئات على الأقدام ينتقد، ماذا يقصد بهذا؟ أن الجهمية ماذا كانوا يقولون؟ إذا قيل لرجل ممن يعتقد هذه العقيدة: لماذا فعلت هذه المعصية؟ ماذا سيقول؟ الله جبرني، يعني القدر هو الذي ألزمي بها. فيقول في السيئات على الأقدام ينتقد، يعني ينتقد في السيئات على الأقدام، بمعنى أنه يرد سيئاته التي يفعلها على ماذا؟ على الأقدام. وهذا حال المشركين لما قال سبحانه وتعالى عن المشركين، ماذا قال؟ ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148]، مش هيك قال المشركون في سورة النحل وفي سورة الأنعام؟
لما قيل للمشركين: لماذا تشركون؟ قالوا: ربنا قدر علينا أننا نشرك. الاحتجاج بالقدر على المعاصي هذه عقيدة الجهمية، إذا فعلت معصية تقول: ليش فعلتها يا أخي؟ يقول: ربنا قدرها علي. صحيح ربنا قدرها عليك، لكن أنت تجعل أنت تقول بهذا الكلام لتتكئ عليه، لتجعله تبريرًا، ولتعتقد أنه أنا ما كان عندي قرار أني أترك هذه المعصية، هذا كلام غير صحيح. أنت لما قررت تفعل المعصية هل كنت تعلم أن الله قدرها عليك؟ في اللحظة التي بدك تتخذ قرار أن تنظر إلى الحرام، هل فتحت باب القدر فنظرت فيه أن الله قدر علي أن أفعل هذه المعصية وبناء عليها اتخذت قرار فعل المعصية؟ لا، ما في شخص منا يفعل المعصية وهو يعلم أن ماذا؟ أن القدر يطلب منه أن يفعلها. أنت اتخذت قرار المعصية بإرادتك، أنت اتخذتها بإرادتك، بعد ما فعلتها نعم عرفنا أن القدر كتب عليك أن تفعلها، لكن في لحظة القرار أنت اخترتها.
لذلك الجهمية لأنهم يعتقدون أن الإنسان مجبر على أفعاله تمامًا ولا يوجد له أي مشيئة، يحيلون بمعاصيهم وسيئاتهم على ماذا؟ على القدر. معصية قدر، ولكنهم لا يطردون، فإذا جاء رجل فسرق من بيته، قل له: خلص قدر. إذا جاء رجل فضربه كفًا، يا أخي قدر لا تحاسبه، ما هو قدر في النهاية. طيب أنت لا تؤمن أن هناك اختيار للإنسان، فهذا لذلك قال شيخ الإسلام: هذه العقيدة لا يطرد فيها، لا يمكن لعاقل أن يطرد فيها. لو زنى رجل بعرضك، لو فعل ما فعل بمالك، هل ستقول هذا جبر وهذا قدر وبالتالي لا أحاسب الناس؟ لا يمكن لعاقل أن يقبل عقيدة الجهمية بهذه الطريقة، لذلك قال الجهمية في السيئات على الأقدام ينتقد.
كلا ولست بشيعي أخا دغل في قلبه لصحاب المصطفى حقد. كلا، هنا أيضًا تكلم عن فرقة أخرى وهي الشيعة، قال: كلا ولست بشيعي أخا دغل، الدغل هو الفساد في القلب، يقول: أنا لست بشيعي في قلبي فساد، يعني حقد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشيعة والرافضة، طبعًا الشيعة أنواع وأصناف، ومن يدرس فرق الملل والنحل يعرف أنهم أنواع كثيرة، وعلى رأسهم الإمامية، وعلى رأسهم الزيدية، وعلى رأسهم الإسماعيلية، فهم هذه أبرز ثلاث فرق للشيعة، الإسماعيلية ومن طاف حولها، والرافضة اللي بسميهم الاثنا عشرية الإمامية، والزيدية بأنواعها. فهؤلاء الثلاثة طبعًا هم متفاوتون في مدى موقفهم من الصحابة، أسوأهم الإسماعيلية طبعًا، ومنهم الإسماعيلية والنصيرية والعلوية اليوم في سوريا، الذين يؤلهون علي بن أبي طالب، هؤلاء هذه عقيدة كفار.
أخف منهم الاثنا عشرية وهم الأشهر اليوم وهم الأكثر في إيران وفي غيرها، الفرقة الإمامية الاثنا عشرية الذين يؤمنون بوجود اثني عشر إمامًا معصومًا، وبقي الأخير عاد دخل في سرداب الرأي وعدد متى يطلع ما أدري أنا. هؤلاء الاثنا عشرية يكفرون جل الصحابة، ولا يوثقون إلا صحابة معينين على عد أصابع اليد، وباقي الصحابة كفروا وخانوا الأمانة لما لم يعطوا الخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. فلذلك يقول: ولست بشيعي أخا دغل، يعني في قلبي فساد وحقد على الصحابة الكرام كما هي حال الشيعة، الزيدية أفضلهم حالًا، وهم أيضًا في داخلهم الزيدية فرق وأصناف، وهؤلاء اللي كانوا مشهورين في اليمن، ولكن هم في داخلهم أصناف، منهم الجارودية ومنهم غير ذلك، وهذا يطول ذكره.
في عكس الشيعة عندنا ماذا؟ النواصب، قال: كلا ولا ناصبي ضد ذلك، بل حب الصحابة ثم الآل نعتقده. يقول: كلا ولست بناصبي، في المقابل الناصبة هم فرقة نشأت كرد فعل على الشيعة، وهي فرقة تنزل من قيمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتنزل من قيمة آل البيت، ولا ترى لهم فضلًا على الأمة، وتنزل في ساحتهم وتخوض في أعراضهم، وهذا أيضًا بدعة خاطئة لا نقبلها، فيقول: كلا ولست بناصبي أعادي آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم حاشاهم، بل عقيدتي تجمع بين حب الصحابة وحب آل البيت، لذلك قال: بل حب الصحابة ثم الآل نعتقده، فأحب الصحابة وأهل بيت النبوة.
نعم، وما أرسطو ولا توصي أئمتنا، ولا ابن سبعين ذاك الكاذب الفند. ثم الآن ذكر بعض الرموز التي للأسف كان لها وجود في التاريخ الإسلامي، فيقول: أنا أيضًا لا أعتبر هؤلاء أئمة، وما أرسطو، أرسطو للأسف يسمونه المعلم الأول، أرسطو طاليس صاحب المنطق الأرسطي وما شابه ذلك، وهو رجل وثني يوناني كتب شيئًا في الحكمة وفي المنطق العقلي، والمنطق الأرسطي سيأتي معنا أنه منطق أثبت اليوم فشله، حتى كبار الفلاسفة الغربيين المعاصرين، رينيه ديكارت وإيمانويل كانت وغيرهم، هم يرونه أنه منطق غير صحيح، ولذلك تركوه وأتوا إلى المنطق التجريبي. المهم فيقول: نحن لا نتبع أرسطو؛ لأن كثيرًا من علماء المسلمين للأسف وقع في فخ الفكر الأرسطي وأصبح يتبعه، فرؤوس المعتزلة ورؤوس الأشعرية الأقدمين وغيرهم كانوا يرون أرسطو شيئًا كبيرًا، وكذلك الفلاسفة الإسلاميون كابن سينا وابن رشد وهؤلاء والفارابي، كانوا يرون أرسطو شيئًا كبيرًا جدًا، ولذلك هو يتبرأ: نحن لا نعتقد في أرسطو شيئًا، رجل وثني كافر مات على كفره.
كذلك الطوسي، من هو الطوسي؟ الطوسي هو أبو جعفر الطوسي، وهذا رجل توفي في 460 وهو من علماء كلام الشيعة، لكن هذا الرجل كان كما قال عنه الذهبي، قال في سيرته مقولة جميلة أعجبتني، يقول: كان يعد من الأذكياء وليس من الأذكياء. هذا كان من أذكياء الكتاب، كان يعد من الأذكياء ولكنه ليس من الأذكياء، ما عنده تقوى في قلبه، ليس ذكي النفس والعقيدة، لكنه ذكي، وهكذا رؤوس أهل البدع، رؤوس أهل البدع إخواني ترى أذكياء، لا تفكر أن رؤوس أهل البدع كانوا مجموعة من الحمقى والمغفلين، مستحيل، ولا كيف نشأت بدعتهم؟ في العادة رؤوس أهل البدع يكون إنسانًا ذكيًا لكن لم يوظف عقله بشكل جيد، ولذلك انتبهوا اليوم من كثير ممن يظهر لكم على الإعلام ممن لسانه معسول وعنده ذكاء وقراءة وثقافة لكنه يهدم الإسلام، ما أكثرهم اليوم، يصدر لك الإعلام وبشكل عام الدول الكبرى تصطاد هؤلاء المشايخ الذين لسانهم معسول وعندهم ذكاء بس عقلهم مفتول، بيصطادوا الإعلام والدول المعاصرة ويتم تصديره على أنه شيخ معاصر ذكي فهمان بخلاف الشيوخ الدراويش المساكين، يصدرونه لك على أنه رمز يجب أن تتبعه. فاحذر من هذه النماذج، فكما قلنا أبو جعفر الطوسي كان من علماء الكلام الشيعة، ورد عليه شيخ الإسلام ورد عليه كثير من الأئمة لأن كتبه كانت حقيقة مليئة بالشبهات الدقيقة، مش سهل كان ترد على أبي جعفر الطوسي. طبعًا هو الذي أخيرًا انتقل إلى النجف في آخر أمره، انتقل إلى النجف وشكل الحوزة التي موجودة إلى اليوم، تعرفوا النجف اليوم عند الشيعة منطقة علم، الذي أسس الحوزة العلمية للرافضة في النجف هو أبو جعفر الطوسي.
قال: ولا ابن سبعين، ابن سبعين هو أحد كبار الصوفية، وهذا رجل كفره كثير من أهل العلم؛ لأن ابن سبعين كان يعتقد أن النبوة يمكن اكتسابها، تخيل يقول لك: أنت ممكن تصير نبي، كيف؟ بس زكِّ نفسك، من خلال تصفية النفس وإصلاحها ممكن يوحى إليك بطريقة من الطرق، فهذا رجل عقيدته عقيدة كفرية، يرى أن النبوة يمكن الوصول إليها، غير طبعًا فكرة الحلول والاتحاد التي تأثر بها، توفي طبعًا 619 هجري، قالوا أن هذا الرجل استوطن في حياته في مكة، ولأنه مؤمن أن النبوة يمكن تحصيلها قرر أن يعيش في غار حراء، طلع على غار حراء وجلس وانتظر أنه ينزل عليه جبريل، مات وما شاف جبريل، طبعًا هو خلص اقتنع أن النبوة يمكن اكتسابها فقرر أنه يصير نبيًا، فقال لك: بطلع على غار حراء في مكة وأظلني قاعد فيه عاد ينزل جبريل يوم من الأيام، ولكن للأسف ما ضبطت محاولته وتجربته. طيب، نسأل الله العافية.
نعم، ولا ابن سينا وفارابيه قدوتنا، ولا الذي لفصوص الشر يستند. يقول أيضًا: نحن لا نثق ولا نفتخر بابن سينا ولا بالفارابي، لأن ابن سينا الذي يروجونه لكم في المناهج على أنه طبيب مسلم من مفاخر المسلمين، كان من الفرق الباطنية، كان زنديقًا باختصار، كان أحد رؤوس الفرق الباطنية، كان زنديقًا، وألف كتاب طبعًا القانون والشفاء وغيرها من الكتب، وكان من المتأثرين جدًا جدًا بالفكر الأرسطي، ولذلك ابن سينا معتقداته خطيرة جدًا، كان لا يعتقد أن هناك جنة حقيقية ولا نار حقيقية، لا يعتقد إلا أن هذه رموز تمثل الجنة، تمثل بالنسبة لابن سينا حالة الرخاء وأنك إنسان جيد، وأن النار هي فكرة رمزية تمثل لك حالة السوء وأنك إنسان في اتجاه خاطئ، لم يكن يؤمن أن هناك جنة ونارًا ولا حقائق في القرآن، وكل ما جاء. لماذا هو يسمى من الفرقة الباطنية؟ طبعًا هذا مش نحن الذي قلناه، هو قال عن نفسه، هو يقول عن نفسه أنه يتبع الفرق الباطنية، هو يقول أن القرآن ظاهره شيء لكن باطنه شيء آخر، وأن علماء الإسلام يفهمون فقط الظاهر أما هو عرف الباطن، لذلك سمي الفرق الباطنية، عرف الباطن شو الباطن؟ طلع لا في جنة ولا في نار ولا في يوم قيامة ولا في القصص هذه، وإنما هذه رموز وأفكار وأشياء المراد منها فقط إصلاح النفس البشرية حتى تعتدل في الحياة الدنيا، فعليك أن تحذر من ابن سينا ومن أستاذه الفارابي.
الفارابي هو الذي يسمى في الفكر الفلسفي الإسلامي المعلم الثاني بعد أرسطو، أرسطو يسمونه المعلم الأول، الفارابي يسمونه المعلم الثاني لأنه هو أكثر من نشر الفلسفة الأرسطية في العالم الإسلامي، وألف كتابه طبعًا المدينة الفاضلة إذا سمعتموه، ألف كتاب المدينة الفاضلة وكيف يجب أن تكون، وعقائده كفرية، وهو شبيه أيضًا بابن سبعين في أنه كان يعتقد أن النبوة يمكن اكتسابها، كان يعتقد أن النبوة يمكن اكتسابها لأنه كان يعتقد -وهذه خطورة الفارابي- كان يعتقد أن النبي عليه الصلاه والسلام لم ينزل عليه جبريل وإنما النبوة، قال: هي جودة في التخيل، قدرة جيدة للتخيل تجعلك تتخيل الفضائل فتتكلم بها، هي النبوة عنده، لا يرى أنه فيه جبريل نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لا يقول هي فقط جودة في التخيل، أنت بتعرف تتخيل بشكل منيح ممكن تصير نبي، شوف خطورة هذا الفكر. وأصلًا ماذا تتكلم عن رجل قالوا كان موسيقارًا، كان موسيقارًا يضرب على العود، هذا هو الفارابي الذي للأسف أقول هذا الكلام للشباب وللجيل، احذروا مما يدس لكم في الأفكار المعاصرة، يحاول تصوير هؤلاء أنهم مفاخر الإسلام، وها هو حافظ الحكمي يقول: نحن نتبرأ منهم، لا ابن سينا ولا الفارابي ولا هؤلاء ممن قالوا الكفريات والعقائد التي تخرج من الإسلام.
قال: ولا الذي لفصوص الشر يستند. فصوص الشر هو يقصد فصوص الحكم، وهذا الكتاب لمن؟ لابن عربي، ابن عربي إذا سمعتم به اليوم على اليوتيوب في كثير صراعات على شخصية ابن عربي، محيي الدين ابن عربي إذا سمعتم عنه، وادخلوا اليوم وشوفوا حتى كثير من الأشاعرة وغيرهم يرفضونه، وإن كان يحاول يلبس كثير من الناس أن الأشاعرة كلهم يثقون بابن عربي، لا. الذي للأسف ينصر ابن عربي عادة هم الصوفية، خطورة ابن عربي أنه كان يعتقد عقيدة كفرية وهي أن الله يتحد بالمخلوق، يعني أسوأ من عقيدة النصارى، النصارى ماذا تقول؟ أن الله يحل في جسد عيسى ابن مريم، بس هذا كفرهم، ابن عربي يقول: أن الله يحل في كل شيء ويتحد مع كل المخلوقات، بل يرى أن الله هو العالم والعالم هو الله، لا يوجد شيء آخر، وهذا من أكبر الكفر. ولذلك ابن عربي يكفره كثير من علماء الإسلام من أهل الحديث والأشاعرة يكفرون ابن عربي الذي ألف كتابه فصوص الحكم، فهو هنا كان حافظ الحكمي يتهكم به فيقول: ايش فصوص الشر، هي مش فصوص الحكم، فصوص الشر يستند.
لذلك وصف ابن عربي في البيت الذي بعده، طبعًا ابن عربي من علماء القرن السابع الهجري توفي 638 هجري، طيب اقرأ ماذا قال في وصفه: مؤسس الزيغ والإلحاد حيث يرى كل الخلائق بالباري قد اتحدوا. هو مؤسس للزيغ والإلحاد، حيث يرى، لأنه فعليًا ابن عربي إذا بدك تجي للواقع هو ينكر وجود إله، محيي الدين ابن عربي ينكر وجود إله، لأنك لما تقول أن الله اتحد بالمخلوق إذا لا يوجد ذات مستقلة اسمها الله، وإنما الله في كل مكان في العمود وفي الخشبة وفي الكاميرا وفي الطاولة وفي كل مكان، هذا كله الله، إذا أنت نفيت وجود الله، وهذا إلحاد، ولذلك قال: كل الخلائق بالباري قد اتحدوا، على عقيدة ابن عربي، نعم معبوده كل شيء في الوجود، بدأ الكلب والقرد والخنزير والأسد، بالتالي ما معبودك يا ابن عربي؟ أنت تعبد كل الكون، أنت تعبد الكلب والخنزير والأسد والقرد؛ لأنك على طريقتك في التفكير الله.
حل في كل شيء، حل حتى في الجيف، وحتى حل في القاذورات والعياذ بالله. هل تريد عقيدة أخطر من هذه العقيدة؟ مساكين أتباع اليوم، ترى كثر أتباع ابن عربي اليوم كثر، والذين ينصرونه كثر. لماذا؟ بعض الناس يقول: يا شيخ ايش نريد في ابن عربي؟ ابن عربي اليوم ربما شهرته في الهند والباكستان وهذه المناطق يطيرون به خاصة الصوفية، ويغردون، ويعتبرون أي شخص يمس جناب ابن عربي كأنه مس جناب النبوة. فبدك تحذر إذا رأيت شخصاً يدافع عن ابن عربي؛ طبعاً تحذر، هناك شخصان اسمهما ابن العربي، هناك ابن العربي المالكي، لا هذا إمام أشعري، لكنه من الأئمة. لكن هنا نقصد محيي الدين بن عربي الصوفي الاتحادي، هذا صاحب فكر خطير ولا ينبغي للإنسان أن يثق بشيء. طبعاً الذين يدافعون عن البعض يحاولون التبرير، يقولوا: لا، أنتم ما فهمتوا مقصد كلامي.
ابن تيمية في نص جميل يقول: وكنت في سن الشباب أجلس مع زملائي ونقرأ كتب ابن عربي، ونسر بها. شوف، ابن تيمية يقول: كنا في سن الشباب نجلس ونقرأ كتب ابن عربي ونفرح بها، نظن أنه بيتكلم بكلام فخم وعجيب، قال: حتى كبرنا وفهمنا مقاصده، فعرفنا أنه قصد الكفر. وهذا يدل على أن الإنسان يتطور في علمه، وإذا ابن تيمية بيقول لك كنا نراها شيئاً كبيراً حتى اكتشفنا حقيقة هذا الرجل وأنه رجل ثعبان يدس السم في العسل، فليس من السهل أن تخلص من هذه الأفكار والشبهات إلا بالاستعانة بالله.
نعم، ولا الطرائق والأهواء والبدع والضلال ممن على الوحيين ينتقد. عموماً قال: ولا الطرائق، يعني نتبرأ من كل الطرق البدعية. والأهواء والضلال، الضلال هم زعماء أهل الضلال ممن على الوحيين ينتقد؛ أي من ينتقد الوحيين. كلمة ينتقد مرت معنا قبل قليل، فالذين ينتقدون الأقدار ويقولون هي التي أجبرتنا على المعاصي. كذلك هنا، هناك أناس من أهل البدع هم ينشئون البدع وينتقدون نصوص الكتاب والسنة، ينتقدون كيف ينتقدونها؟ يجعلون عقولهم هي الحاكمة، فما وافق عقولهم من الوحي قبلوه، وما خالف عقولهم من الوحي ردوه، فجعلوا العقل حاكماً، لذلك قال في البيت الذي يليه: ولا نحكم في النص العقول ولا نتائج المنطق الممحوق نعتمد. إذاً هذه قاعدة يقول الشيخ حافظ الحكمي: نحن لا نحكم في النص العقول. ما معنى هذا الكلام؟ بعض الناس قد يقرأ هذا الكلام يقول: إذاً يا شيخ إحنا لا نعمل عقولنا؟ لا نتدبر؟ لا، ليس هذا المقصود. المقصود: لا تجعل عقلك حاكماً على الوحي بحيث اللي يعجب عقلك تقبله، واللي ما يعجب عقلك ترده.
اليوم للأسف نحن نجد، للأسف حتى بعض من ينسب نفسه إلى الشريعة، يرد حديث الإسراء والمعراج لأنه مش ماشي مع عقله، يعني شاف عقله هذا لا يقبله. يرد حديث رجم الزاني والزانية بأنه والله العقل لا يقبل الرجم، وقس على هذا كثيراً. هذه مش فرق قديمة، ما زالوا اليوم إلى هذه اللحظة، وهناك من يتكلم باسم الدين ويرد الأحاديث المتفق عليها في البخاري ومسلم بعقله. فيقول الشيخ حافظ: ولا نحكم في النص العقول؛ النص والوحي مقدم، والعقل خادم للنص وتابع له. العقل البشري لا يتقدم على الوحي الإلهي، لأن الوحي الإلهي يأتي بما تحار فيه العقول. كان العلماء ماذا يقولون قديماً؟ الوحي لا يأتي بما تحيله العقول، لكن يأتي بما تحار فيه العقول. ايش يعني؟ العقل لا يمكن الوحي أن يأتي بمستحيلات عقلية، لكن يأتي بأمور ليست مستحيلة عقلياً لكن العقل يحار فيها ولا يستطيع إدراك حقائقها، فلذلك اجعل العقل تابعاً للوحي، ما دام صح الوحي عن الله ورسوله فليس للعقل إلا أن يفكر في دائرة الوحي، وليس له أن يرد الوحي لكونه لم يفهمه.
ثم قال: كما أن العقل لا يحكم الوحي، كذلك نحن لا نثق بنتائج المنطق الأرسطي؛ قال: ولا نتائج المنطق الممحوق. المنطق الممحوق اللي لا بركة فيه، ويقصد هنا المنطق الأرسطي. طبعاً من أوائل من نقض المنطق الأرسطي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه في كتابه الرد على المنطقيين. وإلى اليوم حتى في جامعات الغرب، قرأت تقريراً قبل فترة في جامعة أكسفورد، يذكرون ابن تيمية باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين انتبهوا في وقت مبكر على خطورة المنطق الأرسطي؛ لأنه الفكر الغربي المعاصر، زي ما قلت لكم رينيه ديكارت وفرانسيس بيكون وكانط وغيرهم، هؤلاء رفضوا المنطق الأرسطي، قالوا: لا، بدنا نعمل المنطق التجريبي؛ لأن المنطق الأرسطي يخنق العقل ولا يصلحه. طبعاً أنت الآن لن تدرك ذلك لأنك مش خبير فيه، لكن عموماً عليك أن تفهم أن كثيراً من علماء المسلمين الأوائل من الأشعرية والماتريدية وغيرهم بنوا عقائدهم بناءً على المنطق الأرسطي، واليوم نحن نكتشف أن هذا المنطق منطق فاشل، ولسنا نحن فقط، بل حتى الغرب اقتنع أن هذا المنطق العقلي منطق غير دقيق وفيه الكثير من الأخطاء؛ مش كله خطأ، لكن فيه الكثير من الأخطاء، لذلك يقول حافظ الحكمي: نحن لا نثق بنتائج المنطق الأرسطي، بل هناك علوم منطقية وفكرية ونظريات للمعرفية أكثر نضجاً من المنطق الأرسطي.
أكمل: لكن لنا نص آيات الكتاب، وما عن الرسول روى الإثبات معتمد. لنا نصوص الصحيحين اللذين لها أهل الوفاق وأهل الخلف قد شهدوا، والأربع السنن الغر التي اشتهرت كل إلى المصطفى يعلو له سند. كذا الموطأ مع المستخرجات لنا، كذا المسانيد للمحتج مستند. مستمسكين بها، مستسلمين لها، عنها نذب الهوى؛ أنا لها عضد. جميل هذا الكلام أنك تحفظه، هذا الكلام فخم أنك تحفظه؛ ما هي عقيدة المسلم؟ ما هو انتماؤك؟ ما هي هويتك يا أيها الشاب؟ هويتي تتمثل في الوحي الإلهي. لكن بعد أن ذم كل الطرق السابقة، بدأ يرسخ عقيدة أهل السنة والجماعة: لكن لنا نص آيات الكتاب، وما عن الرسول روى الإثبات معتمد؛ الكتاب والسنة هذه منطلقاتنا في التفكير الإسلامي. لنا نصوص الصحيحين اللذين لها أهل الوفاق وأهل الخلف قد شهدوا؛ يعني الخصوم والموافقون شهدوا أن البخاري ومسلم من أدق الكتب في العالم. الخصوم أهل الخلاف والأحباء كلهم شهدوا أن المنهج العلمي الذي سلكه البخاري ومسلم من أدق المناهج العلمية في العالم.
والأربع السنن، أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، والأربع السنن الغر البيضاء المرتفعة التي اشتهرت، كل إلى المصطفى يعلو له سند؛ كلها بالأسانيد المتصلة يعلو سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، برواية الكابر عن الكابر والجيل عن الجيل. كذا الموطأ، موطأ الإمام مالك وغيره من الموطآت، مع المستخرجات؛ المستخرجات هي كتب استخرجت على البخاري ومسلم، أراد أصحابها أن يأتوا بنفس أحاديث البخاري ومسلم لكن بأسانيد مختلفة، استخرج أبو عوانة وأبو نعيم وغيرهم، هؤلاء علماء أتوا لأحاديث البخاري ومسلم لكن استخرجوا لها أسانيد من عندهم مش من عند البخاري، وهذه من باب تقوية هذه الأحاديث أكثر وأكثر، سميت هذه الكتب كتب المستخرجات. المهم يقول: كذا الموطأ مع المستخرجات لنا، كذا المسانيد، كتب المسانيد؛ مسند الإمام أحمد ومسند بقي بن مخلد وغيرهم. كذا المسانيد للمحتج مستند، هذه مستنداتنا عند الحجاج وعند النقاش: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. مستمسكين بها، مستسلمين لها، عنها نذب أهواءنا ونعضدها إذا هاجمها من هاجمها.
نعم، الآن انتهى من ذكر البدع القديمة سيتنقل إلى البدع المعاصرة فقال: ولا نصيخ لعصري يفوه بما يناقض الشرع أو إياه يعتقد. لا نصيخ؛ إذا قلنا نصيخ بفتح النون من الفعل الثلاثي إذا قلنا إنها من أصاخ المضارع الرباعي فسيكون مضارعها نصيخ، وإذا قلنا نصيخ فهي من أصاخ. المهم ما معنى نصيخ في النهاية؟ يعني لا نسمع، لا ننصت، ولا نعطي أسماعنا لعصري؛ للمودرن، هؤلاء المشايخ العصريين الذين ماذا يريدون؟ نعم، ولا نصيخ لعصري يفوه بما يناقض الشرع أو إياه يعتقد. نعم، نحن لا نصغي أسماعنا لرجل عصري يفوه، يتكلم بما يناقض الشرع، أو يعتقد ما يناقض الشرع. لذلك قال: يفوه بما يناقض الشرع أو إياه يعتقد. كل شخص معاصر يعتقد خلاف الشريعة أو يتفوه بخلاف الشريعة، لا نسمع له ولا نعطيه اعتباراً.
نعم، يرى الطبيعة في الأشياء مؤثرة؛ أين الطبيعة يا مخذول إذ وجدوا؟ هؤلاء المعاصرون بدأوا بفكرة ماذا؟ أن الطبيعة هي التي تؤثر في كل شيء. أكيد بتسمعوا منشورات الأخبار لما يجي يقول لك: انظر إلى غضب الطبيعة؛ ربما سمعتموها في نشرة أخبار أو شيء، كيف غضبت الطبيعة فسببت طوفاناً في منطقة من البلدان، أو سببت زلزالاً على بعض البلدان. هذه فكرة الإلحاد المعاصر الذي ينفي وجود الإله، وأن الله هو صاحب الأمر من قبل ومن بعد، ويلجئ الأحداث الكونية من الكسوف والخسوف والطوفان والزلازل إلى أن الطبيعة غضبت، وأن الطبيعة ثارت، وأن النهر هذا غضب فسال، وما شابه ذلك. هذه عبارات غير جيدة، وللأسف أنه حتى في الإعلام العربي يستعملونها؛ لأن الصحفي المعاصر إذا قال: إن الله شاء حدوث زلزال، يعتبر على الإعلام: وين الحيادية؟ لا تنسب شيئاً إلى الله، هيك بدهم، بدك تحكي الطبيعة فقط. انظروا إلى رداءة الأفكار، فيقول هؤلاء المعاصرون يرون الطبيعة هي المؤثرة في الأشياء، فيا مخذول أين الطبيعة؟ كانت منذ القدم قبل أن توجد؟ أين كانت؟ قال: أين الطبيعة يا مخذول إذ وجدوا؛ يعني هذه الأمور التي تعتقد أنها هي مؤثرة ما هي كانت في يوم من الأيام عدم. طيب لما كانت عدماً من الذي أوجدها من العدم؟ لما كان لا يوجد طبيعة، من الذي أوجد هذه الطبيعة؟ وهذا هو السؤال، الله جل في علاه. فيقول: أين الطبيعة يا مخذول إذ وجدوا، كانت هي معدومة، من الذي أوجدها؟ فلا بد وأن تعود في العقل إلى وجود نقطة البداية وإلى الإله الخالق، وإلا حتى العلوم التجريبية تثبت أن هذه الأرض كان لها بداية وأنها كانت عدماً ثم وجدت، حتى في العلوم التجريبية المعاصرة.
نعم، وما مجلاتهم وردي ولا صدري، وما لمعتنقيها في الفلاح يدو. في زمن الشيخ حافظ الحكمي كانت الأفكار العلمانية والتنويرية أين كانت تبث؟ في الجرائد والمجلات. نحن اليوم الأفكار تبث من خلال فيسبوك، السوشيال ميديا، اليوتيوب؛ كل زمن له حكمه. فيقول الشيخ حافظ: وما مجلاتهم وردي ولا صدري، يعني لا أردها ولا أصدر عنها. الورد هو أن ترد الماء، والصدر هو أن تغادر الماء بعد أن تشرب، وهذه عبارة تقال لكل شيء وردته ثم غادرته، فيقول أنا لا أريد أي لا أقرأ مجلاتهم ولا أتصفحها ولا أتركها بعد أن أتصفحها، أنا أصلاً ما بشوفها هيك عم يقول لك. وما مجلاتهم وردي ولا صدري، وما لمعتنقيها في الفلاح يدو؛ من يعتنق هذه المجلات ويقرأها ويؤمن بها، وقس عليها المواقع الإلكترونية المعاصرة، اللي بيفتح صفحات الملحدين وبيتابعهم ويؤمن بأفكارهم، هذا لا يمكن أن يفلح في يوم من الأيام.
نعم، إذ يدخلون بها عاداتهم وسجاياهم، وحكم طواغيت لهم طردوا. إذ يدخلون بها، العلمانيون والتنويريون وغيرهم يدخلون بها أي في هذه المجلات عاداتهم وسجاياهم وأفكارهم وطبائعهم، وحكم طواغيتهم الذين يلجؤون إليهم، وهم طواغيت الغرب والمستشرقون والمبشرون وغيرهم الذين يعلمون فراخهم في العالم العربي هذه الأفكار الإلحادية ليكتبوها في المجلات والمواقع، فيقول: إذ يدخلون بها في مجلاتهم العادات الكافرة الفاجرة، والسجايا والطبائع والأفكار الكافرة الفاجرة، وأحكام طواغيتهم. قال: وحكم طواغيت لهم، بعدين فاصل صلة، طردوا؛ يعني هو يقول أن هذه الطواغيت طردت من رحمة الله، ويقول طردوا أي طردوا من رحمة الله. نعم، محسنين لها كي تروج على عمي البصائر ممن فاته الرشد. نعم، هؤلاء لما يكتبوا في الصحافة العربية وفي الإعلام العربي، يحسنون لك الأفكار الغربية، يجملونها؛ يسمون الانخلاع في الأخلاق وأنك تتعرى من كل القيم، ايش يسمونها؟ حرية؛ شوف الاسم الجميل، حرية تمام. يسمون المرأة عندما تعصي زوجها وتخرج وتصارع الرجل في مكان العمل، ايش يسمونها؟ المرأة القوية المستقلة، الـ independent woman، هذا بسموه صحيح؛ يعني المرأة القوية المستقلة بنفسها، يعطونك أسماء براقة ويقصدون بها خلع القيم والأفكار بين الشباب. الشذوذ الجنسي حرية، كل شيء تفعله خطأ؛ الخمر مشروبات روحية، الربا فوائد بنكية. يحسنون لك هذه الأمور، يضعون لها أسماء جميلة حتى تروج على الحمقى والمغفلين. محسنين لها كي تروج، يعني حتى تروج على من؟ على عمي البصائر، على الناس المغفلين والحمقى ممن فاته الرشد ومش مصحصحين، يغوصون في هذا.
نعم، من أجل ذلك قد أضحى كثيرهم لسبيل الغي قد قصدوا. من أجل ذلك بسبب انتشار هذه المجلات والأفكار في العالم العربي والإسلامي، أضحى كثير من الزنادقة، قال قد أضحى كثيرهم لسبيل الغي قد قصدوا؛ سبيل الضلال قد قصدوا. والزنديق هو الذي يظهر الإسلام لكنه يبطن الكفر والمكر، الذي يظهر الإسلام لكنه يبطن الكفر والمكر، فيقول بسبب رواج هذه الأفكار كثرت الزندقة. من أجل ذلك قد أضحى الزنادقة كثيرهم لسبيل الغي قد قصدوا؛ قصدوا سبيل الغي والضلال عن دين الله سبحانه، يرون أن تبرز الأنثى بزينتها وبيعها البضع تأجيلاً وتنتقد. هنا يتكلم عن الحركة النسوية التي كانت بداياتها في زمن الشيخ حافظ الحكمي، يقول يرون هؤلاء دعاة...
التحضر ودعاة التنوير والحرية يرون أن تبرز الأنثى بزينتها، أن تخرج الأنثى عارية قد خرجت مفاتنها وتبيع بضعها، والبضع هو الفرج والمراد الزنا، وتبيع فرجها تأجيلاً، سواء من أعطاها مقابل ذلك أجلاً أو من يعطيها مقابل ذلك حالاً. الزانية تبيع فرجها مقابل درية قد تعطاها أجلاً وقد تعطاها حالاً، المهم أنها باعت فرجها. هكذا يريدون للمرأة أن تخرج لتبيع كل حرمتها وعفتها وحيائها.
تأجيلاً الدفع المؤجل، وتنتقد الدفع الحال. الانتقاد هو أن يدفع الثمن حالاً، والتاجيل أن يدفع الثمن مؤجلاً. نعم، من أجل ذلك بالأفرنج قد شغفوا، بهم تزيوا وفي زي التقى زهدوا. لذلك تجدهم متعلقين بالأفرنج، اللي هم مين؟ الغرب. من أجل ذلك بالأفرنج قد شغفوا، مشغوفين بحضارة الغرب وتقاليد الغرب ولباس الغرب وصرعاتهم وكل ما عندهم حتى في ملابسهم. قال: من أجل ذلك بالأفرنج قد شغفوا، بهم تزيوا وفي زي التقى زهدوا. زهدوا في ملابس التقوى، في العلم النافع، في الكتاب والسنة، ورضوا بزي الغرب وثقافة الغرب وما يطحنه الغرب ويلقيه إلينا من زبالة الأفكار.
وبالعوائد منهم كلها اتصفوا، وفطرة الله تغييراً لها اعتمدوا. اتصفوا بعوائد الغرب وعاداتهم وتقاليدهم حتى في الطعام والشراب، وللأسف كثير من الشعوب العربية اتصفت بصفات الغرب في الأمور الفاشلة، يعني ليتهم أخذوا من الغرب التكنولوجيا والأفكار. ماذا يأخذون من الغرب؟ حلقات الشعر والملابس والأندية الرياضية التافهة. لذلك قال: وبالعوائد منهم كلها اتصفوا. اتصفوا بعوائد الغرب كلها، حتى في طريقة الأكل، تصميم المنازل الداخلي، لباس المرأة المسلمة في بلادنا، تجد للغرب لمسة في كل شيء حاضره، هذا هو الانهزام الثقافي أمام الحضارة الغالبة. وفي المقابل وفطرة الله تغييراً لها اعتمدوا، بدلوا فطرة الله سبحانه وتعالى التي فطر الناس عليها، ما عاد الإنسان يبحث عن الحياء، عادي جداً امرأة تخرج شبه عارية في الشارع، طيب وين الحياء اللي هو فطرة في المرأة؟ الشذوذ الجنسي، العلاقة بين رجل ورجل وامرأة وامرأة يحاول تصويرها على أنها تقدم وحرية، مع أنها قمة القذارة والقرف.
المرأة التي تخرج تعمل في أسوأ الأعمال وتطاحن تحت الماكينات وتصلح السيارات بدلاً من أن تكون معززة ومكرمة هكذا أنوثتها وهكذا فطرتها، بدلوا فطرة الله التي فطر الناس عليها. وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ». هكذا الإنسان المهزوم فطرياً وقلبياً وإيمانياً يتبع الغالب له.
على صحائفهم يا صاح قد عكفوا ولو تلوت كتاب الله ما سجدوا. هكذا حال بعض المسلمين اليوم، على المواقع الغربية وعلى القنوات الإخبارية تبعتهم أو مبارياتهم والأندية الغربية وتشجيعها عكفوا، ينتظر موعد المباراة، ينتظر موعد فيلم غربي معين والمسلسلات الأجنبية، ولو تلوت كتاب الله ما سجدوا ولا خضعوا ولا انتبهوا ولا كان هناك قرآن يتلى ولم يفكر بهذا البعد.
وعن تدبر حكم الشرع قد صرفوا، وفي المجلات كل الذوق قد وجدوا. لا يتدبرون أحكام الشريعة ليروا محاسنها، وإذا رأوا كلمة لفيلسوف غربي يجدون فيها الفخامة والذوق، شوف شو حكى رينيه، بالنسبة لهم كلمة عالم غربي تفوق قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي المجلات كل الذوق قد وجدوا، وجدوا كل الذوق والرقي وين؟ في مجلات الغرب في مواقع الغرب في شاشات الغرب، هذا من أسف مما صنعه الاستشراق والتبشير بالعالم الإسلامي.
وللشوارب أعفوا واللحى نتفوا، تشبهاً ومجاراةً وما اتأدوا. جميل هذا البيت، قال: وللشوارب أعفوا، بتلاقي شاربه هالقد، واللحى نتفوا، حلاق لحى وهذا ليس حال الرجل، كانت عائشة تقول: سبحان الذي زين الرجال باللحى. اللحية زينة الرجل، الرجل لا يحلق لحيته وهذا من آثار الغرب علينا، فيقول: وللشوارب أعفوا واللحى نتفوا، عكس السنة، السنة أنك تقص الشارب وتعفي اللحية، هؤلاء تبعوا الغرب تشبهاً ومجاراةً للغرب وما اتأدوا، يعني مش بتمهل، في واحد بتشبه بالغرب بس شوي شوي، لا في واحد متهور، قال وما اتأدوا، مستعجل، كل شيء من الغرب يريد ينقله ويتشبه به في اللباس في الشكل وهكذا.
قالوا رقياً فقلنا للحضيض نعم، تفضون منه إلى سجين مؤتصد. قالوا رقياً، قالوا هيك لما نحلق لحيتنا ونلبس مثل الغرب نصير ناس راقيين برستيج عالي يعني، قالوا رقياً فقلنا نعم، بس لوين؟ رقي في الحضيض مش رقي في العلو، قالوا رقياً فقلنا للحضيض نعم، تفضون منه إن شاء الله إلى سجين، ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، يقول هذا الرقي هو رقي في السفول وليس رقياً في العلو، وسيقودكم إلى الجحيم التي هي عليهم مؤصدة.
ثقافة من سماج ساء ما ألفوا، حضارة من مروج هم لها عمدوا. قال ثقافة من سماج، يعني ثقافة سمجة تافحة، السمج هو التافه، يقول ثقافة من سماج، ساء ما ألفوا حضارة من مروج، المروج هو الاضطراب والحيرة، قال حضارة بس ايش هذه الحضارة؟ حضارة مضطربة، هكذا حضارة الغرب التي فتن بها كثير من الشباب المسلم المعاصر، ودائماً تلاقي الشاب همه الكبير أن يسافر لأوروبا، همه الكبير أنه يهاجر لأمريكا، همه الكبير يكون عنده مكان في كندا، هذا الشاب الذي لم يعتز بقيمه وهويته تجده دائماً مفتوناً بالإقامة عند بلاد الكفار، قال حضارة من مروج هم لها عمدوا، أي عمدوا وقصدوا حضارة زائفة مضطربة، ولم يعمد هذا الشاب المسلم إلى حضارة صحيحة قويمة.
عصرية عصرت خبثاً فحاصلها سم نقيع ويا أغمار فازدردوا. الآن يسمون هذا ايش العصرية، بقول لك أنت إنسان معاصر يا أخي ما تضلك عايش القرن القديم خليك عصري، قال عصرية بس شو عصرت لنا هي العصرية اللي بتحكي عنها؟ قال عصرية عصرت خبثاً، عصرت لنا أنتن الأشياء، عصرت خبثاً فحاصلها سم نقيع يعني سم قاتل، سم نقيع ويا أغمار يا أغمار يعني يا سذج، من هو الغمر؟ الساذج الأحمق، سم نقيعاً ويا حمقاً ويا مغفلين فازدردوا، ايش يعني فازدردوا؟ يعني ابتلعوا هذا السم، ازدرد بمعنى ابتلع، يقول هكذا هي العصرية التي يتكلمون، سم نقيع وضعوه لك ويا غفل ازدردوا وابتلعوا هذا السم حتى تهلكوا مع الهلكة، نسأل الله العافية.
موت وسموه تجديد الحياة، فيا ليت الدعاة لها في الرمس قد لحدوا. هم ليسوا دعاة الحياة، دائماً الغرب بيرفع لك شعار الحياة ونحن دعاة الحياة وأن المسلمين هم دعاة الموت، بالعكس أنتم دعاة الموت ونحن دعاة الحياة، يقول أفكاركم موت، موت وسموه تجديد الحياة، هيك سميته لكنه الموت والهلاك، فيا ليت الدعاة لها في الرمس أي في القبر قد لحدوا، يا ليت دعاة هذه الأفكار العصرية يلحدون في قبورهم لا نريدهم أحياء معنا.
دعاة سوء إلى السوء، تشابهت القلوب منهم وفي الإضلال قد جهدوا. هؤلاء دعاة السوء دعاة العصرية والليبرالية دعاة سوء إلى السوء يدعون إلى ما يضر الناس، تشابهت القلوب، الله عز وجل لما تكلم في سورة البقرة عن الكفار في زمن النبوة والكفار الأقدمين قال ايش؟ ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118]، وفي الإضلال قد جهدوا، هناك من يجهد ويتعب من أجل الإضلال، وهذا اللي بدأت فيه درس، هناك من يتعب من أجل أن يضلكم فحري بكم أن تتعبوا من أجل إصلاح أمتكم، هم يتعبون من أجل كتابة مناهج للإضلال ومن أجل نشر الأفكار، بل بعضهم مستعد أن يبيت جائعاً من أجل أن ينهي كتاب الهدف منه حرف الشباب المسلم، أنت ربما لا تتخلى عن شيء من ملذات الحياة من أجل أن تطلب العلم النافع الذي يقودك إلى الله، صدق عمر عجبت من جلد الفاجر وعجز الثقة، تعجب الفاجر عنده جلد والثقات من أهل الإسلام عندهم عجز وفتور وكسل عن طلب العلم.
ما بين مستعلن منهم ومستتر، ومستبد ومن بالغير محتشد. دعاة السوء ما بين مستعلن مجاهر يعني على المكشوف يدعو، ومستتر يتكلم من تحت لتحت، كما يقولون، ومستبد إنسان متغطرس مستبد، ومن بالغير محتشد ومن يلتجئ إلى الغير ويسند ظهره إلى الغير، كحال المنافقين الذين قال الله عنهم في كتابه ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: 14]، رؤوس اليهود قالوا إنا معكم، فهذا الذي ومن بالغير محتشد، يعني من يقوي نفسه بالاتكاء على الغير ويقصد بالغير الغرب والأفرنج وغيرهم من أعداء الأمة.
لهم إلى دركات الشر أهوية، لكن إلى درجات الخير ما صعدوا. أي والله هؤلاء ينزلون في دركات الشر ويهوون فيها ولا يصعدون إلى درجات الخير أبداً. وفي الضلالات والأهواء لهم شبه، وعن سبيل الهدى والحق بلدوا. في الضلالات والأهواء ما شاء الله مليئين بالشبه، وبيقعد يتكلم معك ساعة ساعتين وبيطلع لك بودكاست بعد بودكاست، وبيتكلموا في الضلالات والأهواء لهم شبه كثيرة، وعن سبيل الهدى والحق قد بلدوا، أصبحوا بليد، البليد هو ماذا؟ الأحمق المغفل الذي لا يفهم، لا يفهم الهدى ولا الوحي الإلهي، وأما في ضلالاته مبدع في صناعة الشبهة مبدع في اختراع الأفكار المسمومة إبداع.
صم ولو سمعوا بكم ولو نطقوا، عمي ولو نظروا بهت بما شهدوا. صم ولو سمعوا بكم ولو نطقوا، عمي ولو نظروا بهت بما شهدوا. هؤلاء كما وصفهم الله في القرآن ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: 18]، الإنسان لما يعطيه الله آلات وأعضاء يستفيد منها في الخير ويستعملها في الشر أصبح وجودها كعدمها، أليس كذلك؟ فالله وصف الكفار بالقرآن أنهم صم بكم عمي، وهكذا دعاة العصرية والرقي والابتعاد عن الكتاب والسنة صم بكم عمي، بهت بما شهدوا، شهادتهم شهادة بهت كذب لا يشهدون بالصدق ولا بالخير.
عموا عن الحق صموا عن تدبره، عن قوله خرسوا في غيهم سمدوا. عموا عن الحق صموا عن تدبره، قال سبحانه ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71]، كثير منهم نسأل الله العافية عماهم الله عن رؤية الحق والهداية وأصمهم عن سماع الكلام النافع والعلم النافع الذي يدخل إلى قلوبكم، عن قوله خرسوا ولا ينطقون بالحق، فإذا هم مرة أخرى عمي عن رؤية الحق، صم عن سماعه وتدبره ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، خرس عن نطق بالحق، في غيهم سمدوا، سمدوا يعني غرقوا ودخلوا في نوم وسبات كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 61]، ما معنى سمد؟ معنى نام غفل، قال في غيهم سمدوا ناموا في غيهم دخلوا وغابوا في ماذا؟ في ضلالاتهم وجهلهم.
كأنهم إذ خشب مسنده، وتحسب القوم إيقاظاً وقد رقدوا. هؤلاء المثقفين المعاصرين الذين يبتعدون عن الكتاب والسنة يقول كالخشب المسنده. الله عز وجل وصف المنافقين في القرآن بأنهم ماذا؟ ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4]، لماذا وصفهم الله بأنهم خشب مسنده؟ الخشب أيها الكرام عند العرب مادة قوية يعتمد عليها ومظهر ينتفع به، لكن لما تكون الخشبة هذه ليست قائمة بل مستندة إلى حائط فمعنى ذلك أن لا قيمة لها لا تقوم بنفسها، لا يعتمد عليها البنيان، فقط خشبة أسندتها إلى حائط وتركتها، فهي في الظاهر خشبة لكنها في المضمون ماذا؟ لا نفع فيها. كذلك من اللطائف الجميلة في تشبيههم بالخشب المسندة أن هؤلاء دائماً كما قالوا في البيت السابق ومن بالغير يحتشد أنهم لا يقومون بأنفسهم، وإنما دائماً يعتمدون ويستندون إلى أسيادهم في الغرب، هؤلاء المنافقون لا يعتمدون على أنفسهم هم أضعف من ذلك وإنما يستندون إلى غيرهم، كالخشب المسندة إلى غيرها، ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 14]. وتحسب القوم إيقاظاً وحقيقة وقد رقدوا، وهذا اقتباس من القرآن في سورة الكهف لما قال طبعاً أصحاب الكهف ﴿تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: 18]، وهذا جميل أن الإنسان يستعمل عبارات القرآن ويوظفها في السياقات الأدبية.
باعوا بها الدين طوعاً عن تراض، وما بالوا بذا حيث عند الله قد كسدوا. إذاً باختصار هؤلاء باعوا الدين طواعية منهم، باعوا بها الدين طوعاً عن تراض، وهذا بيع عن تراضيه، يعني ليس هم مجبرون على هذا التوجه هم بالتراضي باعوا دينهم، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 86] هكذا سماهم الله سبحانه وتعالى، قال عند الله قد كسدوا، فهؤلاء لا قيمة لهم ولا وزن لهم عند الله، لذلك قال سبحانه وتعالى في سورة الكهف ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]، لا يعبأ بهم والعياذ بالله.
يا غربة الدين والمستمسكين به، كقابض الجمر صبراً وهو يتقد. فعاد الآن الشيخ الحافظ يقول يا غربة الدين، لما تكثر هذه الشبهات يحتاج الإنسان أن يقبض على الجمر، يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر، يا غربة الدين والمستمسكين به كقابض الجمر صبراً وهو يتقد، تخيل جمرة تتقد بين يديك وأنت قابض عليها تحاول أن تصبر حتى لا تفلت، لأنك تعرف أنك إذا فلتت هذه الجمرة ستهلك، كذلك من يقبض على دينه في هذا الزمان زمن الفتن.
المقبلين عليه عند غربته، والمصلحين إذا ما غيرهم فسدوا. نعم، أنتم يا شباب تفكروا هذا الكلام، المقبلين عليه، الإقبال على مجالس العلم النافع هذه غربة، نحن نعرف أن الناس تزاحم بآلاف الناس وبآلاف الحضور في الأماكن البعيدة عن مناهج الاستقامة، لكن اليوم نحن نزاحم ونبذل ما نستطيع لنقبل على تعلم ديننا وإسلامنا، قال والمصلحين أن تمارس الإصلاح.
في زمن الفتنة ليس الشأن أن تمارس الإصلاح في زمن انتشار الخير، إنما أن تكون مصلحاً في زمن كثر فيه المفسدون، هذا رباط وهذا جهاد في سبيل الله. والمصلحون إذا ما غيرهم فسدوا، إن أعرض الناس عن تبيانه نطقوا به، وإن أحجموا عن نصره نهدوا. هؤلاء المصلحون إن أعرض الناس عن تبيان الشريعة هم ينطقون بالشريعة، وإن أحجم الناس عن نصرة الدين نهدوا لنصرة الدين والذب عنه. هذا وقد آن أن أبدأ بنظم العقيدة معتصماً بالله وهو حسبي وعليه أعتمد.
إذاً، هذه مقدمة كان فيها فعلاً بيان أننا اتباع السنة المحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- نبرأ إلى الله من كل البدع القديمة والبدع المعاصرة ووالديها وما فرخت، كما قال الشيخ حافظ الحكمي بأشكالها وألوانها. الآن سنبدأ ببيان أصول الدين، فقال: والدين قول بقلب واللسان، وأعمال بقلب وبالأركان معتمد. طب بدأ بالمسألة الأولى وهي تعريف الدين، وتسمى أيضاً تعريف الإيمان. هناك تعاريف متعددة للدين أو الإيمان، فالبعض يقول هو اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. ومن أفضل التعاريف لتعريف الدين أو الإيمان أن تقول إن الدين قول وعمل، وهذا الذي اختاره الشيخ حافظ الحكمي أن الدين ما هو قول وعمل.
دعونا ابتداءً نعرف ما معنى كلمة الدين في اللغة، يأتي على معاني متعددة: يأتي الدين بمعنى الملة والطريقة، ويأتي الدين بمعنى الخضوع والانقياد، ويأتي الدين بمعنى الجزاء والحساب، وكل هذه الاستعمالات اللغوية للدين واردة في القرآن. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]؛ يعني يوم الجزاء والحساب. و﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، هنا الدين بمعنى الطريقة والملة. وأيضاً يأتي بمعنى الخضوع والانقياد للشيء. هنا الدين عند علماء الإسلام أقرب المعاني اللغوية له هنا هو الطريقة والملة. لو واحد قال لك عرف الدين الإسلامي، شو بتعرفه بكلمتين؟ هو قول وعمل، هذا تعريف الدين الإسلامي قول وعمل.
بس الآن بدنا نفسر شوي، القول ينقسم إلى قسمين: قول القلب، وقول اللسان. وعمل القلب، وعمل الأركان، هذه تفصيلة أكثر. إذاً الدين قول وعمل، والقول قولان: قول القلب ما هو؟ قالوا هو التصديق والإقرار. طب ما هو قول اللسان؟ كل طاعة تفعلها بلسانك وعلى رأسها الشهادتان، ومنها بعد ذلك قراءة القرآن والذكر والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا يدخل تحت قول اللسان. والعمل أيضاً على قسمين: عمل القلب، وهي جميع أعمال القلوب من الخوف والرجاء والخشية والتوكل والإنابة وكل أعمال القلوب التي تعرفونها. وعمل الأركان، وهي الأعمال البدنية كالصلاة والصيام والسعي إلى المساجد وما شابه ذلك من الأعمال البدنية. فخلاصة الدين الإسلامي قول وعمل: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الأركان. ولذلك ماذا قال الشيخ حافظ: والدين قول بقلب واللسان، ثم قال: وأعمال بقلب وبالأركان معتمد. فهمت الآن البيت؟ والدين قول بقلب واللسان، قول القلب واللسان، وأعمال بقلب وبالأركان معتمد؛ هذا هو المعتمد في تفسير الدين الإسلامي.
أكمل: يزداد بالذكر والطاعات، ثم له بالذنب والغفلة النقصان مضطرد. طب العقيدة الثانية التي يجب أن يفهمها المسلم أن الإيمان والدين في الشخص الواحد يقبل الزيادة والنقصان. اللي هي مسألة: هل الإيمان يزيد وينقص؟ نعم، معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد؛ يزيد بماذا؟ بالطاعة، وينقص بماذا؟ بالمعصية. والدليل على أن الإيمان يزيد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. إذاً الإيمان يزيد، وكما قال السلف: وكل ما يزيد إذاً هو يقبل النقصان. لكن لم ترد آية في القرآن صريحة بنقصان الإيمان أو الدين، وإنما ورد في حديث النبوة لما تكلم عن النساء ناقصات عقل ودين، استنتج منه البعض أن الدين يقبل النقصان تمام. فالزيادة نص عليها صراحة في القرآن، ولكن ضمنياً ما يقبل الزيادة يقبل النقصان. فأنت إيمانك يقبل الزيادة، كيف تزيد إيمانك؟ بالطاعة، حضورك مجالس العلم، قراءتك للقرآن، هذه تزيد مستوى إيمانك.
يعني شيخ تصديقي الآن أنت قلت لي يا شيخ الإيمان والدين ما هو قول وعمل؟ هل هذه الأمور، هل الإيمان الذي في قلبي الذي هو قول القلب، الذي هو التصديق، حتى هذا يمكن أن يزيد؟ نعم، تصديقك بالله وتصديقك باليوم الآخر يزيد كلما باشرت الأعمال الصالحة، وتصديقك بالله وباليوم الآخر يضعف كلما ازددت في المعاصي والذنوب. فعليك أن تفهم أن هذه العقيدة مهمة، أن تعرف أن الإنسان بيقول لك: يا شيخ إيش اللي بيثبتني على الإيمان؟ اللي بيثبتك على الإيمان أن تبقى تتعرض للأعمال الصالحة، تعرض نفسك وعقلك وفكرك للأعمال الصالحة، هذا يزيدك إيماناً ويثبتك في الفتن. طب يا شيخ أنا بمر في حالة ضعف؛ لما شخص يقول لي أنا بمر في حالة ضعف بعرف أنه هو صار له فترة بعيد عن الأعمال الصالحة، بعيد مش ضروري 100% بس مقصر كثيراً، دوبه محافظ على الصلوات الخمس. لأنه الضعف يأتي لما تكون مدى عرضك للأعمال الصالحة لنفسك قليل، طبعاً حتى الصلوات الخمس بكون بصليها بدون خشوع، يعني ما ظل فعلياً شيء حقيقي يزيد الإيمان، فلا بد أن تعرض قلبك بما يزيد الإيمان فيه. إذاً الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية: يزداد بالذكر والطاعات، ثم له بالذنب والغفلة النقصان مضطرد. مضطرد هي قاعدة مضطردة، ها مضطرد، هذه قاعدة مضطردة.
أكمل: وأهله فيه مفضول وفاضله، منهم ظلوم وسباق ومقتصد. طيب، المسلمون أيضاً متفاضلون فيما بينهم في الإيمان، كما أن الشخص الواحد أحياناً يزيد إيمانه وأحياناً ينقص، في تفاضل كذلك العلاقة بيننا. المسلمون متفاضلون فيما بينهم، وهذه القسمة بينها الله في كتابه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32]. هؤلاء المسلمون، العباد منهم: ظالم لنفسه، اللي هو المسلم الذي يفعل المعاصي والذنوب ويقصر في الواجبات. ومنهم مقتصد، المقتصد الذي لا يفعل المعاصي ولكنه يقتصر على الواجبات ولا يفعل السنن، فالمقتصد يفعل الواجبات ويترك المحرمات فقط. قال: ومنهم سابق بالخيرات، من السابق بالخيرات؟ من يفعل الفرائض والنوافل ويترك المحرمات والمكروهات. وهذا يدل على أن أهل الإيمان يتفاضلون بنص كتاب الله: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. لذلك قال الشيخ حافظ: وأهله -أي أهل الإسلام- فيه مفضول وفاضله، منهم ظلوم -الظالم لنفسه- وسباق -السابق بالخيرات- ومقتصد -اللي جاي بالنص هذا-. نعم.
وهاك سأل الروح الأمين رسول الله عن شرحه، والصحب قد شهدوا. وهكذا يعني خذ، الآن سيبدأ بشرح أركان الإيمان الستة التي سأل جبريل عنها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر المشهور، وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له جبريل: ما الإيمان؟ فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». فالآن سيفصل أركان الإيمان الستة الشيخ حافظ الحكمي في منظومته، يقول: خذ ما سأل الروح الأمين -وهو جبريل- رسول الله -وهو محمد صلى الله عليه وسلم- عن شرحه -وهو الإيمان- لما سأله أن يشرح له الإيمان، والصحب قد شهد، والصحابة كانوا حاضرين لهذا المشهد وسمعوه بأفواههم وسمعوه بآذانهم. فكان ذاك، نعم، فكان ذاك جواب الدين أجمعه، فافهمه عقداً صفا ما شابه عقد. فجواب النبي صلى الله عليه وسلم جواب مختصر لكنه شمل العقيدة الإسلامية، لذلك لو سألك شخص ما تعريف العقيدة الإسلامية؟ فتقول هي أركان الإيمان الستة وما تفرع عنها، هذه هي العقيدة الإسلامية. وسنشرحها باباً باباً، نبدأ أولاً بأول ركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى. نعم.
باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته، الإيمان بالله عليك أن تؤمن بثلاثة أشياء: أن تؤمن بالله رباً، وأن تؤمن بالله بأسمائه وصفاته، وأن تؤمن بالله بأنه المعبود المقصود، وهو الذي يسمى عند علماء أهل السنة بتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية. فأؤمن بالله رباً أنه هو المدبر الوحيد، الخالق الوحيد، الفاعل الوحيد في الكون. وأؤمن بالله بأسمائه وصفاته بأن أفرد الله سبحانه بالأسماء الحسنى والصفات العلى، لا يشركه فيها أحد. وتوحيد الألوهية أفراد الله بالقصد والإرادة، فلا تبذل عبادة لغير الله سبحانه وتعالى. الآن سيسرد لك هذه الأنواع من التوحيد. نعم.
بالله نؤمن فرداً واحداً أحداً، ولم يلد ولم يولد، هو الصمد، ولا إله ولا رب سواه، ولم يكن له كفواً من خلقه أحد. طيب، في البيتين الأولين اختصر لك معاني سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها تضمنت خلاصة التوحيد لله سبحانه وتعالى. فقال: بالله نؤمن فرداً واحداً أحداً. الآن الفرد والواحد والأحد معانيها متقاربة، وهي أول آية في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. واحد في ذاته، لا مثيل له، لا شبيه له، لا معاون له، لا نظير له سبحانه وتعالى. والأحد هو أبلغ من الواحد والفرد، يعني اسم الله الأحد هو أبلغها. تمام، لأن اسم الأحد لا يتصف به في سياق الإثبات إلا الله، يعني ما بيصير تقول فلان أحد، أو هذا المتاع أحد. بيصير تقول فلان واحد، تمام؟ في سياق الإثبات لا يوصف شيء بأنه أحد إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال الأزهري. فهذا اسم استأثر به الله في سياق الإثبات، أما في سياق النفي بيصير تقول لا أحد في الدار، صح؟ بيصير في سياق النفي: لا أحد في الدار، جائز، لكن في سياق الإثبات لم تستعمل العرب كلمة أحد في سياق الإثبات إلا لله سبحانه وتعالى، لذلك أبلغ الأسماء التي تدل على تفرد الله اسم الله الأحد. إذاً بالله نؤمن وهو فرد واحد أحد، هذا تدرج الوصف حتى أصل إلى أبلغها فرد واحد، بل أعلى درجات التفرد الأحدية. نعم.
ثم قال ولم يلد ولم يولد، اللي هي الآية الثالثة من سورة الإخلاص، لأن تلد أو أن تولد فهذا دليل على وجود نقص وعجز، لأن الذي يلد أنت متى تحتاج إلى الولد؟ عندما تكبر حتى تتكئ عليه أو تفتخر به أو تورثه، فالولد دليل افتقار. ولذلك نفى الله الولد عنه في آيات كثيرة، وقال: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 89-91]. فما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً، لأن الولد إذا هناك وراثة، هناك نقص، هناك حاجة وافتقار، وسبحانه كامل غني. وكذلك لم يولد، وهذا أظهر وأظهر، أنه إذا كان الإله ولد فهذا أظهر في أنه افتقار، إذا هو كان معدوماً ثم ولد، فسبحانه لم يلد ولم يولد، وهذا كمال الغنى. ثم قال: هو الصمد، الآية الثانية من سورة الإخلاص: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. والصمد من هو؟ هو السيد، الصمد هو السيد، ويفسر أيضاً بالمقصود في الحوائج. السيد المقصود في الحوائج، هذا معنى الله الصمد. نعم.
ولا إله ولا رب سواه، ولم يكن له كفواً من خلقه أحد. ولا إله إلا الله، هذا توحيد الألوهية، ولا رب مدبر لهذا الكون إلا الله، وهذا توحيد الربوبية، ولم يكن له كفواً، وهذا توحيد الأسماء والصفات. فجمع في هذا البيت توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات: ولا إله ولا رب سواه، ولم يكن له كفواً، لا يكافئه من خلقه أحد جل في علاه، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. طيب، حي سميع بصير، جل مقتدر، عدل حكيم عليم، قاهر صمد، هذه أسماؤه وصفاته سبحانه. الحي حياة كاملة، السميع البصير، جل في علاه. الجليل يعني بمعنى العظيم. المقتدر والمقتدر، الله سبحانه وتعالى سمى نفسه في القرآن قادر وقدير ومقتدر، وأيها أبلغها المقتدر. ما هي الآية التي ورد فيها اسم الله المقتدر؟ يلا، انصحصح، الشيخ مالك، لا أنت ما بدنا مالك، خلي واحد نشوف غيرك. إيش الآية اللي فيها اسم الله المقتدر؟ أحسنت، ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55]. المقتدر هو أعلى درجات القدرة، فاسم الله المقتدر أبلغ، أعلى من اسم الله القدير والقادر، وإن كان كل واحد يستعمل في سياق، لكن المقتدر يقال هو الأبلغ والأعلى. نعم، هو العلي هو الأعلى هو المتعالي، كل معنى علو الله نعتقد.
الآن سيناقش ويثبت الشيخ حافظ صفة العلو لله، لماذا هذه الصفة بالتحديد؟ لأن أكثر النقاش بين الفرق الإسلامية كان على صفة العلو، هل الله سبحانه وتعالى فوق سبع سماوات مستوٍ على عرشه؟ هذه لليوم النقاش فيها دائر في كل البلدان وفي كل الأصقاع. تجد فرقاً تنفي علو الله سبحانه وتعالى بذاته، وتقول إن الله، بعضهم يقول إن الله في كل مكان، وهذا أشبه بعقيدة مين؟ ابن عربي، أحسنت. وبعضهم يقول إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، وهذه عقيدة الأشاعرة المعاصرين، أن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم. طب أين هو؟ مش عارفين. تمام، لكن هكذا يقولون، وهذا لذلك كان شيخ الإسلام يقول: وهذا من الممتنعات العقلية، يعني هو لا داخل العالم ولا، إذاً هو ليس موجوداً. إذاً أنت تثبت لله ذاتاً حقيقية، هذه ذات لا بد لها وجود. تمام، والوهم نشأ في عقولهم أنهم ظنوا أنك إذا أثبت أن الله فوق سبع سماوات أنك جعلت الله في جهة محصور، وأن هناك خلق يحصر الله في جهة، وحاشاه، لأن جهة العلو هذه ليست شيئاً مخلوقاً. الجهات هذه أمور نسبية، الفوق والتحت واليمين والشمال، هذه الإضافة الجهاتية هذه أمور نسبية، وليست أن هناك مخلوقاً والله سبحانه جل في علاه محصور في داخله، فأهل
أهل السنة والجماعة يثبتون علو الله سبحانه وتعالى فوق سبع سماوات على عرشه، كما أثبته لنفسه. والعلو نثبته لله من جهات ثلاث: علو الذات فوق سبع سماوات، وعلو القدر فإن قدر ذات الله أعلى من قدر كل الذوات، وعلو القهر وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يغلبه مخلوق ولا بشر. فالعلو على ثلاث أنحاء: علو بذاته، وعلو بقدره، وعلو بقهره. ولذلك الله سبحانه وتعالى سمى نفسه بالعلي والأعلى والمتعالي، أليس كذلك؟ العلي، قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: 51]. والأعلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]. والمتعال، أين الآية التي وردت فيها اسم الله المتعال؟ يلا منشوف.
وهو الكبير المتعال في سورة الرعد. طبعاً العلي إثبات أصل العلو كصفة لله، والأعلى هذا أفعل تفضيل أنه أعلى من غيره، والمتعال هو من بلغ النهاية في العلو على كل شيء. من بلغ النهاية في العلو فالمتعال هذا أبلغ ألفاظ العلو سبحانه وتعالى. الآن سيأتي الشيخ حافظ يثبت الأدلة التي تدل على علو الله في ستة أبيات، وهذا جميل أن تحفظ أدلة علو الله، وإن كان بعض علماء الشافعية الأقدمين يقول: على علو الله أكثر من ألف دليل، علو ذات الله عليها أكثر من ألف دليل. طبعاً حتى نفهم أن المخالفين لم يناقشوا في علو القهر ولا علو القدر، يعني الفرق الإسلامية متفقة على علو الله قهراً وعلى علو الله قدراً، إنما نقاشنا في العلو بالذات: هل هو سبحانه فوق سبع سماوات؟ هنا النقاش بين الفرق الإسلامية.
الآن سيأتي بالأدلة، قال: قهراً وقدراً وذاتاً جل خالقنا، ما حل فينا ولا بالخلق متحد. إذاً علي قهراً وعلي قدراً وعلي ذاتاً، ذكر أنواع العلو. جل خالقنا ما حل فينا كما يقول ابن عربي، الله سبحانه لم يحل في مخلوقاته ولا بالخلق متحد، ولم يتحد معها. وهما عقيدتان، حقيقة هناك من يعتقد بعقيدة الاتحاد وهناك من يعتقد بعقيدة الحلول، هو في نوع تقارب؛ الذين يقولون بالحلول يقولون أن هناك ذاتاً إلهية منفصلة لكنها تحل في المخلوقين، وهذه مثل عقيدة النصارى الذين يقولون بالأب والابن وروح القدس ويرون أن الأب يحل أحياناً في الابن. وأما الاتحاد لا، هو أن تعتقد أن الله متحد تماماً بمخلوقاته لا ينفصل عنها، فالحلول يقبل الانفصال والاتحاد لا يقبل الانفصال، هذا الفرق بين عقيدة الحلول وعقيدة الاتحاد، لذلك هو نفى هنا الحلول والاتحاد.
في سبع آيات من القرآن صرح باستوى على العرش ربي فهو منفرد. نعم، الآن أيضاً من صفات الله قبل أن يأتي بأدلة العلو، لأن العلو مرتبط عادة بالاستواء على العرش، فقال: والاستواء على العرش وصف الله به نفسه في سبع آيات من القرآن، بدءاً من سورة الأعراف وانتهاء بسورة الحديد، كم قال ربنا في كتابه: استوى على العرش؟ سبع مرات صريحة واضحة أثبت لنفسه أنه مستو على عرشه. ولذلك لما دخل رجل على مالك إمام دار الهجرة فقال له يسأله عن الاستواء، فقال له مالك: الاستواء معلوم، أي نحن نعرف معناه، والكيف غير معقول، أي لا يجوز لنا أن نكيف، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ولفظ فوق أتى مع الاقتران بمن ودونها لمريد الحق مستند. الآن أول دليل من أدلة علو الله قوله سبحانه وتعالى في سورة النحل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50]. ماذا تفهم أيها العربي من هذه الآية؟ أن الله فوقنا. فيقول الشيخ حافظ: ولفظ فوق أتى مع الاقتران بمن، يشير إلى الآية التي في سورة النحل، فهذه الآية تدل على أن الله فوقنا علي بذاته، ودونها لمريد الحق مستند، أي وغير هذه الآيات لمن يبحث عن الحقيقة يجد فيها مستنداً لعلو الله.
وفي السماء اتلوها في الملك واضحة، وكم حديثاً بها يعلو به السند. يشير إلى أي آية؟ أحسنت، يشير إلى الآية التي في سورة الملك: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. هذه الآية في تفسيرها فيها طريقتان: إذا قلنا السماء هي السماء المخلوقة فحرف الجر في هو بمعنى على، أأمنتم من في السماء أي أمنتم من على السماء أي فوقها، وإذا قلنا السماء ليس بمعنى السماء المخلوقة بل بمعنى العلو فستبقى في على معناها، أي أمنتم من في العلو أن يخسف بكم الأرض. إذاً الله يخبرنا أنه فوق السماء أنه في العلو، فتريد مني أن أنكر ذلك وأن أقول للقرآن أنا لا أريد أن أفهمك على ظاهرك؟ الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن ليكون بياناً للناس، معقول أن الله أنزل القرآن ليلبس علينا؟ لا يمكن، فمن دلالة أن القرآن بيان للناس أن تكون معانيه واضحة وألا يكون فيها لبس، فما دام الله وصف نفسه أنه من فوقهم وأنه في العلو نقول سمعنا وأطعنا.
وتعرج الروح والأملاك صاعدة أما إلى ربهم نحو العلا صعدوا. ما هو هذا الدليل؟ عروج الروح والملائكة إليه، دلالة على أنه سبحانه فوق السماء، وإلا لماذا تعرج إليه إذا لم يكن فوق السماء؟ فيقول الدليل الثالث على العلو إن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه أن الروح والملائكة تعرج إليه، فهنا الشيخ حافظ يستفهم: أما إلى ربهم نحو العلا صعدوا؟ يعني إلى أين صعدوا؟ أليس يصعدون إلى الله؟ نعم.
وهكذا يصعد المقبول من عمل من العباد لمن إياه قد عبدوا. هذا الدليل الرابع على العلو، إلى أي آية يشير؟ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. إذاً هو سبحانه لم يكن فوق السماء لماذا يصعد إليه الكلم؟ أليس هذا شيئاً مستغرباً في الفكر؟ يقول: وهكذا يصعد المقبول من عمل والعمل الصالح يرفع من العباد لمن إياه قد عبدوا إلى الله سبحانه.
عروج رسول الله حين سرى قل لي إلى من له قد كان مصطعد. الدليل الخامس، الإسراء والمعراج، النبي عليه الصلاة والسلام لما عرج إلى أين عرج؟ إلى السماء حتى انتهى إلى السماء السابعة، لماذا صعد إلى السماء السابعة؟ أليس من أجل أن يلقى الله سبحانه وتعالى فوق السماء السابعة ويأمره بالصلوات؟ فيقول الشيخ حافظ مستفهماً: قل لي إلى من قد كان مصطعد؟ يعني قل لي هو محمد صلى الله عليه وسلم لما صعد كل هذا، وإلى من صعد إذا كان هو سبحانه ليس فوق السماء السابعة؟ نعم.
وحين خطبته في جمع حجته أشار رأساً له نحو العلا ويد. أليس يشهد رب العرش جل على تبليغه للناس؟ الدليل السادس على العلو أن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع أشار نحو العلا بيده وقال: اللهم فاشهد، أشار بإصبعه وقال اللهم فاشهد، لماذا رفع إصبعه إلى السماء حتى يشهد الله؟ إذاً الله سبحانه وتعالى فوق السماء، فيقول: وحين خطبته في جمع حجته في حجة الوداع أشار رأساً له نحو العلا ويد، أشار برأسه ويده نحو السماء، ماذا يفعل؟ أليس يشهد رب العرش جل على تبليغه للناس، ثم أهل الجمع قد شهدوه، ثم أشهد الصحابة على أنه قد بلغ.
وسن رفع المصلي في تشهده سبابة لعلو الله اعتقدوا. الدليل السابع أن المصلي في الصلاة لما يتشهد لماذا تشير إلى السماء بالسبابة؟ لأنك تعتقد أن الله فوق السماء.
وكل داع إلى من رافع يده إلا إلى من يجي من عنده المدد. الدليل الثامن، كل داع أنت ترفع يديك هكذا في الدعاء، في قلبك تشعر مشاعرك تتجه إلى أين؟ إلى السماء، وهذا كان من الأدلة التي أفحم بها الهمذاني أبا محمد الجويني، قال: كيف ننزع ما في فطرنا في اتجاه قلوبنا عند الدعاء إلى الله؟ إن القلوب بالفطرة إذا دعت تشعر أن الله سبحانه وتعالى فوق السماء. فلذلك علو الله تدل عليه ليس فقط الآيات في الكتاب ولا الأحاديث فقط، بل قالوا حتى الفطرة والعقل يدل على علو الله فوق سبع سماوات، فطرتك الداخلية وعقلك السليم والآيات والأحاديث كلها تشهد بالعلو. نعم وكم لهذا براهينا مؤيدة وحين يسمعها الجهمي يرتعد. وحين يسمعها الجهمي يرتعد، الذي ينفي علو الله يجفل ويخاف لكثرة ما تورد عليه من الأدلة الواضحة البينة على علو الله فوق سبع سماوات.
ونحن نثبت ما الوحيان تثبته من أن ذا العرش فوق العرش منفرد. وكما نثبت العلو نثبت ما أثبته الكتاب والسنة من أن الله سبحانه ليس فقط فوق العلو بل هو مستو على عرشه، لكن الاستواء على العرش كما قال علماؤنا صفة خبرية، يعني ليس العقل هو الذي يثبتها بل النص، أما العلو فقد ثبت بالعقل قبل النص.
يدنو كما شاء ممن شاء ويفعل ما يشاء ولا كيف في وصف له يرد. يدنو كما يشاء كما أنه ينزل في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، فالله يدنو ممن شاء من عباده، يدنو كما شاء ممن شاء ويفعل ما يشاء ولا كيف، ولا يجوز أن ندخل في الكيفية في وصف دنوه من العباد.
وكل أسمائه الحسنى نقر بها مما علمنا ومما استأثر الصمد. عاد ليقعد القاعدة العامة أننا نقر بكل أسمائه الحسنى، وسميت أسماؤه حسنى لأنها في غاية الحسن والكمال، وكل أسمائها الحسنى نقر بها مما علمنا ومما استأثر الصمد. هل نحن نعرف كل الأسماء الحسنى؟ لا، هناك أسماء حسنى نعرفها وهناك أسماء حسنى نجهلها، كما أنك تدعو في الدعاء الذي ورد في الحديث: «نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، إذاً هناك أسماء حسنى لله نحن لا نعرفها.
مستيقنين بما دلت عليه ومن ثلاثة الأوجه اعلم ذكرها يرد. مستيقنين بما دلت عليه يعني نحن نؤمن بالأسماء الحسنى وبما دلت عليه، والأسماء الحسنى تدل على صفات الله، كل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفات الله وذاته. ووجه الدلالة ثلاثة: دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام. هذه قاعدة لغوية أصولية وتوظف في علم العقيدة، يقولون إن الأسماء تدل على معاني كثيرة، إما بدلالة المطابقة، وإما بدلالة التضمن، وإما بدلالة الالتزام.
دلت على ذات مولانا مطابقة به تليق بها الرحمن منفرد. كذا تضمنت المشتق من صفة نحو العليم بعلم ثم تضطرد. كذلك استلزمت باقي الصفات كما القدرة استلزم الرحمن والصمد. الآن يقول أي اسم من أسماء الله له ثلاث دلالات، نأخذ اسم الرحيم حتى أطبق عليه، اسم الله الرحيم يدل بدلالة المطابقة على أمرين، على ذات متصفة بالرحمة، فنقول هذا الاسم وضع ليطابق هذا المعنى، اسم الله الرحيم يدل على أمرين: على ذات، فهنا أثبتنا الذات، وأي ذات؟ ذات متصفة بالرحمة. ودلالة الرحيم على الرحمة فقط هذه اسمها دلالة تضمن، ودلالة الرحيم على الذات فقط هذه اسمها دلالة تضمن، فدلالة المطابقة اكتب عندك: دلالة المطابقة هو أن يدل اللفظ على تمام معناه، ودلالة التضمن أن يدل اللفظ على جزء معناه. إذا استعملت أنا اللفظة وقصدت بها تمام المعنى فأقول استعملت اللفظة بدلالة المطابقة، وإذا استعملت اللفظة وقصدت بها جزء معناها نقول استعملت اللفظة بدلالة التضمن. إذاً الرحيم ما دلالة المطابقة له؟ ذات متصفة بالرحمة. إذاً إذا أطلقت الرحيم وأردت الاستدلال بها على الذات فقط هذا اسمه تضمن، إذا أطلقت الرحيم واستدللت بها على وجود صفة الرحمة دون الذات فهذه اسمها تضمن، إذا استعملت الرحيم للاستدلال بها على ذات متصفة بالرحمة مطابقة. فهمتم العرب كيف تفعل؟ وقس عليها اسم الله مثلاً الصبور، الصبور دلالة المطابقة له ماذا؟ ذات متصفة بالصبر، دلالة الصبور على وجود الذات فقط شو بنسميها؟ تضمن، دلالتها على وجوب صفة الصبر لله تضمن، دلالتها على ذات متصفة بالصبر مطابقة. تمام، اسم الله الحكيم على ماذا يدل؟ دلالة بالمطابقة على ماذا؟ على ذات، إذا في تدل على وجود ذات حقيقية.
متصفة بصفة، أهي الحكمة؟ طيب هي دلالة ماذا؟ مطابقة، إذا استعملت اسم الحكيم لاستدل على وجود ذات فقط هي تضمن، إذا استعملته لاستدل على وجود صفة الحكمة تضمن. فهمتم؟ إذا استعملت اللفظة لجزء معناها تضمن، إذا استعملت اللفظة لكمال معناها مطابقة. وكل اسم من أسماء الرحمن ما دلالة المطابقة؟ الدلالة التامة له ذات متصفة بالرحمة، دلالة التضمن الذات فقط أو الرحمة فقط، فهمتم؟ اسم الله ايش عندنا كمان؟ ها العزيز، دلالة المطابقة الدلالة الكاملة ذات متصفة بالعزة، دلالة التضمن فقط التضمن أما الذات وحدها أو العزة وحدها. إذا هي مطابقة هي تضمن. بقي النوع الثالث وهي دلالة الالتزام، دلالة الالتزام أن يدل الاسم على ماذا؟ على صفة أخرى ملازمة للصفة التي دل عليها الاسم، أن يدل كل اسم من أسماء الله على صفة أخرى لكنها ملازمة عقلياً للصفة التي دل عليها الاسم. أعطيك مثال اسم الله الحي، لا خلينا نأخذ اسم الله العليم، اسم الله العليم ما دلالة المطابقة؟ ذات متصفة بالعلم، ذات متصفة بالعلم. طيب دلالة التضمن يا عثمان؟ الذات فقط أو العلم فقط، لكن سؤال: العلم وهو الصفة الذي دلت عليه اسم الله العليم تستلزم عقلياً صفة أخرى وهي وجود ماذا؟ الحياة. فاسم الله العليم يدلني على صفة من صفات الله وهي صفة الحياة، بتقول لي كيف يا شيخ دل على صفة الحياة وايش علاقة الحياة بالعليم؟ نقول هذه الصفة وهي الحياة ملازمة لصفة العلم، فلا يوجد عليم إلا وله حياة، أليس كذلك؟ وهكذا أنت من خلال الاسم الواحد يمكن تفهم العديد من الصفات، وليس فقط الصفة التي دل عليها الاسم مباشرة.
فلذلك قال: الأسماء الحسنى دلت على ذات مولانا مطابقة به تليق. طبعاً أنا أعتقد أن النظم ليس كاملاً، ايش ليس كاملاً؟ يعني لن يفهمك المقصود. اكتب دلت على ذات تحت كلمة الذات زائد الصفة، لأنه دلالة المطابقة كما قلنا أن يدل الاسم على الذات مع الصفة، هذا مش واضح في البيت وإن كان قصده: دلت على ذات مولانا مطابقة به تليق، فأي اسم من الأسماء يدل على الذات والصفة بدلالة المطابقة، لكن مطابقة تليق به سبحانه. بها الرحمن منفرد، لأنه سبحانه لا نظير له ولا مثل له، مطابقة به تليق بتحط بعدين فاصلة، بها الرحمن منفرد، وهي جملة كاملة؛ لأن سبحانه مطابقة اللفظ للمعنى ليست كمطابقة اللفظ للمعنى بالنسبة للمخلوقين. طيب، ثم قال: كذا تضمنت المشتقة من صفة نحو العليم بعلم ثم تضطرد. ايش يعني؟ أي أن أسماء الله تدل على الصفة وحدها على سبيل التضمن، كما تدل على الذات وحدها على سبيل التضمن. مثال ذلك قال: نحو العليم، يدل بدلالة التضمن على أي صفة؟ على صفة العلم، والعزيز يدل بدلالة التضمن على أي صفة؟ على العزة. قال ثم تضطرد، يعني اضطرد مع هذا أصبحت قاعدة مضطردة. لذلك أنا قلت الشيخ حافظ هنا أعتقد أن الكلام ليس بكامل الجودة لأنه كان ينبغي أن يقول أن دلالة المطابقة تدل على الذات مع الصفة، ودلالة التضمن تدل على الذات فقط أو على الصفة فقط. هو كلامه يوهم أن دلالة التضمن تدل على الصفة فقط، لكن لا بد أن يذكر الشق الآخر حتى يكون الكلام مفهوماً.
وأما دلالة الالتزام فقال: اقرأ كذلك استلزمت باقي الصفات كما للقدرة استلزم الرحمن والصمد. قال: كذلك أسماء الله تدل على صفات أخرى عن طريق دلالة الالتزام، قال: كما للقدرة استلزم الرحمن والصمد. اسم الله الرحمن يدل على صفة الرحمة، وصفة الرحمة يستلزم هذا وجود ماذا؟ قدرة. كذلك اسم الله الصمد يدل على ماذا؟ متصفة بقضاء الحوائج والسؤدد، طيب السؤدد يحتاج إلى ماذا؟ إلى قدرة. فذكر لك مثالاً أن اسم الله الرحمن يدل على صفة القدرة، واسم الله الصمد يدل على صفة القدرة، لكن بأي دلالة؟ بدلالة الالتزام، يعني يلزم من الصمدية القدرة، ويلزم من الرحمة القدرة.
نعم، وكل ما جاء في الوحيين من صفة لله نثبتها والنص نعتمد. صفات ذات وأفعال نمر ولا نقول كيف ولا ننفي صفات ذات وأفعال. إن صفات الله على نوعين، هناك صفة تتعلق بذاته وهناك صفة تتعلق بأفعاله. صفات الذات مثل الوجه واليدين والعينين والقدم، تمام هذه كلها صفات تتعلق بذاته. وأما صفات الأفعال مثل صفة ماذا؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فهذه صفة فعل تدل على فعل يفعله الله. فصفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ذات وصفات أفعال. صفات الذات تدل على شيء يقوم في ذاته من وصف الله بالوجه وأن له يدين وأن له عينين. صفات أفعال هي التي تدل على فعل يفعله الله كالكلام والرزق والخلق والإحياء والإماتة، فنحن نؤمن بجميع الصفات، بخلاف مثلاً الأشعرية وغيرهم الذين ينكرون صفات الذات، فلا يثبتون وجهاً ولا يداً وما ورد في ذلك يتأولونه على معانٍ أخذوها من عقولهم ولغتهم وليس ظاهر الكتاب والسنة، وحتى صفات الأفعال يتأولونها بأنها أفعال قديمة لا يفعلها الله متى شاء. وأما أهل السنة والجماعة فنحن نثبت صفات الله سواء صفات ذات أو صفات أفعال، ونقول إن الله يفعل الأفعال متى شاء وكيف شاء. نمرها ونقر بها ولا نقول كيف، ايش يعني ولا نقول كيف؟ أي لا ندخل في الكيفية، نؤمن بصفات ذات وصفات أفعال، نمرها كما جاءت كما قال السلف ولا نسأل عن الكيفية، ولكن في نفس الوقت لا ننفي المعنى، كوننا لا نسأل عن الكيفية هذا لا يعني أننا لا نفهم المعنى، نحن نفهم ما معنى أن الله يخلق ويرزق ويحيي، أنا فاهم، لكن هل أسأل كيف يفعل ذلك؟ لا أسأل عن الكيف. نعم صفات ذات وأفعال نمر ولا نقول كيف ولا ننفي كمن جحدوا لكن على ما بمولانا يليق، كما أراده وعناه الله نعتقد. فنعتقد بمعاني هذه الأسماء والصفات على ما يليق بالله، هذا معنى قوله لكن على ما بمولانا يليق، أي نحملها على ما يليق بمولانا، وكما أراده وعناه سبحانه وتعالى نعتقد.
نعم، وفي الشهادة بعد أن انتهى من ذكر قاعدة أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وهي أننا نؤمن بها من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تشبيه ولا إلغاء وجحود، أراد أن يبين شروط الشهادة، شروط شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هناك سبعة شروط حتى يصح منك هذه الشهادة. هذه الشروط السبعة أخذها كثير من العلماء المتأخرين من خلال الاستقراء، من خلال استقراء نصوص الكتاب والسنة، وجدوا أن شروط الشهادة كم؟ سبع شروط. بما أنها مسألة استقرائية إذاً أنت ممكن تختصرها لستة، وممكن البعض من خلال الاستقراء يظهر له شرط آخر، إنما أريد أن أبين أن هذه الشروط لم ينص عليها النبي ﷺ في حديث واحد، وإنما العلماء استنبطوها من خلال الاستقراء، فلو واحد قال شروط لا إله إلا الله ستة، ما تكفرو، ما يرضى عليه، ليه؟ لأنه هي شروط بالاستنباط، يعني تقبل أن تدمج بعض الشروط في بعضها، وليست وردت في حديث. وما دامت مسألة استقرائية والاستقراء يبقى فيه جهد بشري إذاً نقول هي بالعموم سبعة. نعم ما هي؟ وفي الشهادة علم القلب مشترينه، قد قبول ليس يفتقد، إخلاصك الصدق فيها مع محبتها، كذا الولا والبرا فيها لها عمد.
طيب، الآن شروط لا إله إلا الله، أول شرط من شروطها العلم. قال: وفي الشهادة علم القلب مشترٍ. قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]. والعلم ما عكسه؟ الجهل. في واحد بيحكي لا إله إلا الله وهو مش فاهم معناها، وفي واحد بيحكي لا إله إلا الله وهو يفهم معناها، حتى تصح لا إله إلا الله يجب أن تقولها وأنت تفهم معناها. ما معنى لا إله إلا الله؟ للأسف أن بعض المسلمين اليوم لا يعرفوا معناها، لا معبود بحق إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، فأول شرط من شروطها العلم بمعناها وعكسه الجهل.
نعم وفي الشهادة علم القلب مشترٍ، قد قبول، الشرط الثاني اليقين، بعد أن تعرف معناها يجب أن تتيقن به، وإياك أن ترتاب به. قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]، إذاً هذا الشرط الثاني عدم وجود أي شك تجاه هذا المعنى.
ثالثاً الانقياد، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 54]، والانقياد يكون بالظاهر، لأن سيأتي القبول والقبول هو الانقياد الباطن، فإذاً لا بد من الانقياد الظاهر. فإذا رجل يقول لا إله إلا الله ولا يصلي ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج، هل هذا فعل لا إله إلا الله؟ لا، لأنه لم ينقد ظاهره لها.
ثم قال القبول، طبعاً دائماً أقول كل شيء وعكسه، العلم ما عكسه الجهل، اليقين ما عكسه الشك، الانقياد ما عكسه الإباء والإعراض، ممكن نقول أيضاً الإباء لما وصف الله إبليس أبى، الإباء أبى أن ينقاد. القبول، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: 35]، يعني لا يقبلون دونها. فلذلك قالوا القبول يكون بالقلب واللسان، والانقياد يكون بالجوارح والأركان. فالقبول أن تقبل أنه لا معبود بحق إلا الله بقلبك ولسانك، وعكس القبول الاستكبار، إذاً العلم، اليقين، القبول بالقلب واللسان لمدلولها، الانقياد بالجوارح لمدلولها.
خامساً نعم إخلاصك الصدق فيها مع محبتها، الإخلاص واضح وهو أن تفرد الله بها ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، فلا بد فعلاً حتى تكون لا إله إلا الله صحيحة أن تخلص كل العبادة لله سبحانه ولا تجعل لأحد فيها نصيب. طيب قال الصدق، الصدق قالوا أن يصدق بها فيقولها بلسانه مع موافقة قلبه، يعني أن يتواطأ القلب واللسان. وفي اعتقادي أن هذا الشرط هو داخل في شرط القبول والانقياد، لذلك قلت لكم هذه الشروط إن تعد سبعة ليست مسألة تعبدية، يعني يمكن شخص يقول أنا شايفها ستة، وأن الصدق وهو أن يتواطأ القلب مع اللسان هو خلاصة القبول والانقياد، لا يوجد شيء جديد في هذا الشرط تم إضافته. ولذلك بعض العلماء ما يقول هي ستة والبعض يحاول يقول سبعة اجتهاداً منه، لكن في اعتقادي أن التصديق وهو أن يتواطأ القلب مع اللسان حتى لا تكون منافقاً هذا موجود ضمن القبول والانقياد.
السابع والأخير ما هو؟ المحبة، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. فمن قال لا إله إلا الله وهو كاره لها هل هذا أتى بها؟ لا عبرة بها، لا بد تقولها وأنت محب لها، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، إذاً الشروط سبعة ويمكن تجعل ستة. وفي الشهادة علم القلب مشترٍ، قد قبول ليس يفتقد، إخلاصك الصدق مع محبتها، ثم قال كذا الولا والبرا، أضاف الولاء والبراء إذاً لاحظ المسألة اجتهادية، هو الشيخ حافظ أضاف أن من شروط لا إله إلا الله ما هو أن توالي أهلها وأن تبرأ أعداءها، الولاء لأهلها والبراء من أعدائها. فيه نوالي أولي التقوى وننصرهم، وكل أعدائه إنا لهم لعدو، أي نوالي أهل التقوى وننصرهم ونعادي أعداء لا إله إلا الله. الولاء والبراء جعله من شروط لا إله إلا الله مما يدل على أن المسألة تقبل زيادة الشروط من خلال الاستقراء.
فصل: والشرك جعلك نداً للإله ولم يشارك الله في تخليقنا أحد، تدعوه ترجوه تخشاه وتقصده لدفع شر ومنه الخير ترتقب، وعلمه بك مع سمع الدعاء وقدرة وسلطان غيب فيه تعتقد. مثل الأولى بدعاء الأموات قد هتفوا، يرجون نجدتهم من بعد ما لحدوا، وكم نذوراً وقرباناً لها صرفوا ظلماً ومن أنفس المنقوش كم نقدوا، وكم قباباً عليها زخرفت ولها أغلى النسيج كساء ليس يفتقد. فهم يلوذون في دفع الشرور بها كما لها في قضى الحاجات قد قصدوا، ويصرفون لها كل العبادة دون الله جهراً وللتوحيد قد جحدوا. إن لم تكن هذه الأفعال يا علماء شركاً فما الشرك قولوا لي أو ابتعدوا، إن لم تكن هذه شركاً فليس على وجه البسيطة شرك قط ينتقد.
طب الآن دخل في بيان عكس التوحيد، ما هو معاكس التوحيد؟ الشرك. والشرك أن تجعل لله نداً في الربوبية أو في باب الألوهية أو في باب الأسماء والصفات، أن التوحيد كما قلنا ثلاثة أنواع إذاً الشرك سيكون ثلاثة أنواع، مش توحيد ألوهية وربوبية وأسماء وصفات؟ إذاً الشرك يكون أن تجعل لله نداً في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات. يقول اقرأ البيت: والشرك جعلك نداً للإله ولم يـ... هذا الشرك أن تجعل لله نداً، والند هو النظير، أن تجعل لله نظيراً في ربوبيته أو في ألوهيته أو في أسمائه وصفاته. نعم والشرك جعلك نداً للإله ولم يشارك الله في تخليقنا أحد، نعم الواقع والحقيقة لم يشارك الله في تخليقنا أي أحد، فالله مستحق للتوحيد، فالمشرك جعل لله نداً لا يستحق هذه الندية، ماذا يفعل مع هذا الند؟ قال تدعوه ترجوه تخشاه وتقصده، هكذا يفعل الذي أشرك مع الله، أنه يأتي إلى هذه الأنداد يدعوها من دون الله أو مع الله -خلينا نقول إنه شرك- يدعوها مع الله، يرجوها مع الله، يخشاها مع الله، يقصدها مع الله لدفع شر أو لجلب خير. يذهب إلى ولي من الأولياء أو إلى قبر من القبور ويستغيث به ويطلب منه أن يشفيه أو أن يعافيه أو أن يحقق أمنيته، بدلاً من أن يدعو الله وأن يخضع لله وأن يرجو الله، أصبح يطلب من الله ومن المخلوقين، وهذا لا يختلف حقيقة عن...
إن كفار قريش لما سئلوا: لماذا تعبدون الأصنام؟ ماذا قالوا؟ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]. فكفار قريش كانوا يدعون الله، ولكن يدعون أصنامهم مع الله. فالذي يدعو الأموات ويدعو المقبورين ويدعو البدوي أو السيدة نفيسة أو السيدة زينب، وهؤلاء يفعلون كما يفعل كفار قريش حقيقة؛ يدعون ويرجون ويخشون ويقصدون مع الله أحداً، وهذا شرك أكبر.
وعلمه بك مع سمع الدعاء وقدره وسلطان غيب فيه تعتقد؛ أن تعتقد في هذا الميت أو الولي أنه يعلم بك ولو كنت غائباً عنه، وأنه يسمع دعاءك ولو كنت في أقصى الأرض، وأن لديه قدرة على التأثير في الكون وسلطان يعرف به الغيب، هذه العقائد كلها من عقائد الشرك؛ لأنك جعلت هناك من يطلع على الغيب ومن يؤثر في الكون مع الله سبحانه وتعالى. فهذه من عقائد الشرك.
قال: مثل الأولى بدع الأموات قد هتفوا، يرجون نجدتهم من بعد ما لحدوا. قال: مثل الذين يدعون الأموات ويهتفون بها ويرجون نجدتهم من بعد ما دفن هؤلاء ولحدوا وصاروا تحت القبور لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.
وكم نذوراً وقرباناً لها صرفوا؛ هؤلاء المساكين يأتون للقبور وينذرون لها، "نذر إذا شفى الله مريضي أن أذبح عند قبر السيدة نفيسة" أو "نذر إذا الله عز وجل نجحني أن أذهب إلى البدوي وأفعل به"، ينذرون لهذه القبور، والنذر لا يكون إلا لله.
ظلمًا ومن أنفس المنقوش قد نقدوا؛ يعني ينقشون نقوشاً نفيسة ويضعونها عند هذه القبور. بتعرف لو رحت اليوم على بعض قبور البدوي؛ تجد ما شاء الله تحفة فنية، هذا جايب فخارة، وهذا جايب منقوشة، وهذا جايب كذا، ويظنون أنهم ينتفعون بها.
وكم قباباً عليها زخرفت؛ ولها أيضاً وضعوا القباب، وبنوا فوق هذه القبور المجسمات والبيوت. ولها أغلى النسيج كساء ليس يفتقد؛ يعني يكسون هذه القبور بأغلى أنواع الحرير والثياب، وهو كساء ليس يفتقد؛ أي دائماً موجود وحاضر على القبر، من أجل أن يراه كل ذاهب وغادر.
فهم يلوذون في دفع الشرور بها، كما في قضاء الحاجات قد قصدوا؛ فهؤلاء المساكين بدلاً من أن يلوذوا بالله ويدعوا الله، يلوذون بالقبور ويفزعون إليها ويقصدونها عند الحوائج. ويصرفون لها كل العبادة دون الله جهراً، وللتوحيد قد جحدوا؛ يعني صرفوا لها العبادات: يسجدون لها، يتصدقون لها، يدعونها، يخشونها، حتى العبادات القلبية من الخوف والرجاء والخشية والخضوع يعطونها للميت المقبور بدلاً من أن يقدمونها لله سبحانه وتعالى.
إن لم تكن هذه الأفعال يا علماء شركاً فما الشرك؟ قولوا لي أو ابتعدوا؛ يعني هو يستفهم استفهام الإنكار، إذا لم تكن هذه الأفعال -وهي التقرب للقبور- شركاً، فقولوا لي ما هو الشرك؟ وإذا مش عارفين تعرفوه للشرك ابتعدوا، يعني روحوا، إذا قلت لي إنه انت غلط كلامك وإنه هذا ليس شركاً، تفضل أعطني ما هو تعريف الشرك، أو ابتعد حتى يأتي العالم يتكلم.
إن لم تكن هذه شركاً فليس على وجه البسيطة شرك قط ينتقد؛ يعني هذه أبرز أنواع الشرك.
هنا فائدة أيها الكرام، وهو متى يكون دعاء الأموات من الشرك الأكبر؟ حتى نحرر المسألة: دعاء الأموات يكون من الشرك الأكبر إذا نسبت إلى الميت شيئاً من خصائص الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات.
إذا كان الداعي يعتقد أن الميت له تأثير في الكون وأنه يؤثر على قدرة الله فهذا شرك. إذا كان الداعي يعتقد أن الميت يسمع الدعاء لمن كان بعيداً عن القبر لأن الميت يطلع على الغيب فهذا أيضاً شرك أكبر؛ لأنه أعطيته من خصائص الربوبية الاطلاع على الغيب. إذا كان الداعي يظهر غاية الذل والخضوع للميت حتى ولو كان لا يعتقد فيه الاطلاع على الغيب فهذا أيضاً شرك، لكنه شرك من جهة الألوهية. إذا كان يطلب الداعي من الميت أموراً لا يقدر عليها إلا الله فهذه أيضاً شرك؛ لأنه يعتقد أن الميت له قدرة على أمور يشارك فيها الله سبحانه وتعالى، وليست من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله. في هذه الأحوال الأربع يكون دعاء الميت شركاً أكبر.
أما إذا جاء الداعي إلى القبر وكان يعتقد أن الميت حي في قبره، عنده شبهة أن الميت حي في قبره وأنه بالتالي يسمع دعاءه، فطلب من الميت أن يدعو الله له، فهذا بدعة وليس شركاً.
الآن بعض الناس ترى يأتِي قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام حي في القبر، فيقول: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني. هذا لا نسميه شركاً؛ لماذا؟ لأنه لم يوجد فيه ضابط الشرك. الشرك كما قلنا: أن تدعي في الميت شيئاً من خصائص الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات. هذا الرجل نسميه فعل بدعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا يأتون إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام يقولون: يا رسول الله، اشف لنا مريضنا، أو ادع الله أن يشفي مريضنا. لكن هذا الرجل الذي فعل ذلك ولم يشرك؛ لماذا؟ لأنه لم يدعِ في النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من خصائص الربوبية أو الألوهية، وإنما يعتقد اعتقاداً خاطئاً أنه حي في قبره، بالتالي سيسمعه فقال: يا رسول الله، ادع الله لي. الآن أن تطلب من الميت أن يدعو الله لك هذا خطأ، لكن هل عموماً الدعاء من حيلة البشر؟ نعم، هو ميت لا يعذر، لكن أنت عندك تصور خاطئ، تظن أنه حي وأنه متمكن من الدعاء، فتطلب منه أن يدعو الله لك، فنقول هذا القدر ليس بشرك. وهذا مهم إخواني في التفصيل بين المسائل؛ لأنه بعض الشباب بالنسبة لهم كل شيء شرك، لا بدك تفهم حتى لا تقع في خطأ وتنزل أحكاماً وتستعجل في هذه المسائل؛ فهذه بدعة وليست شركاً.
بقيت مسألة، وهي إذا طلب من الميت أن يفعل شيئاً مما يقدر عليه الأحياء ولا يقدر عليه الأموات، يعني لو واحد قال للميت: يا أيها الميت أحضر لي القلم الذي على الطاولة. هل هذا شرك؟ هو السؤال: إحضار الأقلام على الطاولة هل هو من قدرة الأحياء أن يفعلوه؟ نعم هذا من قدرتنا، فالآن سؤالي سيكون: أنت لما قلت للميت أحضر لي القلم، ما هو تصورك؟ التصور هو الذي سيحكم عليه؛ إذا تصورك أن هذا الميت والله مثلاً يعطيه الله سبحانه وتعالى قدرات وهو في قبره ليفعل بعض الأمور، فنقول لك هذه بدعة وليست صحيحة، لكنني لا أصورها أنها شرك، أنك تطلب منه شيئاً يقدر عليه الأحياء، مش شيء من خصائص الربوبية. لكن نحن نعرف أن الميت ما بيعمل هذه الشغلات، فبعض الناس لغفلته لحمقه قد يعتقد أن الميت يمكن يفعل بعض الأشياء التي يفعلها الأحياء وليست من خصائص الله، فهذا القدر عند كثير من أهل العلم يعتبر بدعة؛ لأنه لم يدعِ فيه الخصوصية. أما إذا قال: لا هو يحضر القلم لأنه عنده قدرات يؤثر فيها على الكون ويشارك الله في تدبير الكون؛ لا هي انتقلت لشرك أكبر.
فباختصار: إذا طلب من الميت شيئاً يفعله الأحياء ولا يفعله الأموات، هذا لا نستعجل بالقول بأنه يفعل كفراً حتى نعرف مأخذه، يعني ما تصوره عن هذا الفعل. وهذا إخواني يدل على أن مثل هذه المسائل الخوض فيها ليس بالسهل، وأن بعض الناس يعتبره كله "باكج" واحد، والمسألة ليست هكذا، هناك أمور تتعلق بتصور الإنسان عن فعله قبل أن ينزل الحكم.
ثم حتى من وقع في الصورة الشركية التي وصفناها -شرك أكبر- ما ندين الله به أن هؤلاء لا يستعجل بإنزال أحكام الدنيا عليهم حتى تقام عليهم الحجة وتنتفي الشبهة. فنحن نعذر بالجهل في هذه المسائل حتى تقام الحجة ويتأكد من زوال الشبهة، عندئذ تنزل أحكام الدنيا عليهم، فتقول: فلان مشرك، ارتد عن الإسلام، لأنه هذه أحكام الشرك، وهذا سينبني عليها أحكام.
إذا شخص فعل الشرك -إحدى الصور- من المسلمين، هذه الحجة المصرية التي تراها على قبر نفيسة ولا قبر بدوي، ما حكمها؟ هل تقول إنها مرتدة مشركة، يستحل مالها وتنفذ بها الأحكام؟ لا، هذه يجب أن تعرض على الهيئة الشرعية، والهيئة الشرعية تتأكد أن الحجة قائمة عليها. ما معنى الحجة قائمة عليها؟ بعض الناس أيضاً يظن أن معنى قيام الحجة أنها بتقرأ القرآن، يا شيخ خلص بتقرأ القرآن الحجة قائمة عليها، لا، ليس هذا قيام الحجة؛ هذه امرأة لا تفهم أصلاً معاني القرآن، هي لا تفهم معاني القرآن، قيام الحجة بأن نأتي نفهمها أن فعلها هذا ينافي التوحيد وينافي مقصود القرآن، وننفي عنها الشبهات التي أقنعها بها بعض مشايخ العصر أن ما تفعلينه من أفضل القربات، فإذا فهمناها هذه الأمور ووعتها وبقيت مصرة، عندئذ نقول قامت الحجة.
أما امرأة مسكينة ولا رجل جاهل ولا بعض الناس الذين يعيشون في أصقاع العالم من المسلمين الذين يمكن تؤثر عليهم بعض الفرق الصوفية وبعض الأفكار الجاهلية التي تنشأ هنا وهناك، لا ينبغي للمسلم أن يكون عنده شهوة التكفير، بل المسلم يتروى، وهذا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه في كتابه المشهور "الاستغاثة في الرد على البكري" -البكري هذا أحد علماء الصوفية وكان يستغيث بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ويكفر ابن تيمية لأنه لا يرى الاستغاثة- البكري كان يكفر ابن تيمية لأنه هكذا طلع إشاعة أن ابن تيمية يحط من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، ليه يا رجل؟ قال يرفض الاستغاثة به.
فابن تيمية ألف كتابه المشهور "الاستغاثة والرد على البكري" وقال للبكري: لو فعلت كما تفعل لكنت مشركاً كافراً، لأنني أعلم أن ما تفعل شرك وكفر، لكن أما أنتم -يقصد البكري وأتباعه- لا أكفركم لأنني أعذركم بالجهل أو التأويل. يعني هذا نص واضح صريح أن ابن تيمية لم يكفر هؤلاء مع أنه البكري ما بيتكلم عن رجل مغفل، يعني بمعنى أنه مش متعلم دين، لا، رجل يعيش في مصر ولا في دمشق ورجل يقرأ، ولكن اشتبهت عليه بعض الأمور، وبالتالي اشتبهت على أتباعه، فلست صراحة أنني لا أستعجل بتكفيركم، ليه؟ قال لأنني أعلم أنكم إما جهال أو متأولون. لكن أنا ابن تيمية لو فعلت كما تفعلون لكفرت؛ لأنني أعرف حقيقة فعلكم وأنه يناقض التوحيد تماماً.
هذا يدل على أن شيخ الإسلام رحمه الله عليه كان يفتح مساحة العذر، وأن هؤلاء الناس الذين يقعون في الشركيات نحتاج أن نتأكد من قيام الحجة عليهم، وتوكلهم إلى الهيئات الشرعية، ليس كل شخص له صلاحية أن يكفر الناس كما شاء وكيف شاء، هناك أمور تحتاج إلى أهل العلم ليتدخلوا فيها، ويتأكدوا من قيام الحجة على أصحابها قبل إنزال الأحكام العينية؛ لأن إنزال حكم الشرك والكفر خطير، وتنبني عليه أحكام في استحلال الدم واستحلال المال، وإن هذه الزوجة علاقتها مع زوجها زنا، أنت عارف شو تقول؟ رجل كافر عيناً؛ ترى أحكاماً عظيمة جداً، هذه ما هي لعبة تسلية تتسلى بها، تتكلم عن عرض ودم ومال وأشياء كثيرة، فتترك إلى الهيئات الشرعية.
طيب يا شيخ ما في اليوم هيئات شرعية؟ ما حدا طالب منك تتدخل، اليوم نحن مشكلتنا مع بعض الناس بدهم يحاكموا العلماء اللي في القرن الرابع والخامس، لأنه مش بس المعاصرين، لا بده يحاكم علماء كبار في القرن الرابع والخامس ويقيم عليهم محكمة غيابية: وهل النووي مشرك ولا كافر؟ وهل أبو حنيفة مشرك ولا كافر؟ وهذه المحكمة.
المحاكم الغيابية دعك منها؛ لأن هذه صبيانة ولعب، وليس هذا من عمل العلماء الكبار ولا النحارير الأفذاذ من علماء الأمة الراسخين. هذا فقط كان في باب بيان حكم الاستغاثة بالقبور ومتى تكون شركًا ومتى تكون بدعة، وقضية عدم الاستعجال في إنزال الأحكام على الأعيان، وأن يوكل الشاب والمسلم والمسلمة ذلك إلى العلماء وأصحاب الهيئات الشرعية، وإذا فقدوا فأنت في هذا الواقع لا تمثل دولة ولا نظامًا، وإنما مسلم.
وكما قال الشوكاني في كتابه الدر النضيد: إنما هدفنا جميعًا أن ندعو الناس إلى التوحيد. يا أخي أصلح في الناس وارفع عنهم هذا الجهل وعلمهم، هل أنت قمت بهذا الواجب وانتهيت منه حتى تشتغل بتنزيل الأحكام على الأعيان؟ ما دمت لا تعيش ضمن هذه الأنظمة التي تقيم هذه المحكمة، إذاً أنت تشتغل في ماذا؟ في إصلاح الناس وتخليصهم من الشركيات ودعوتهم إلى التوحيد الخالص؛ فإن هذا هو الجهاد العظيم الذي ينتفع به الناس منك في هذه الأزمنة، أزمنة غياب التوحيد وإقامته.
بعد أن تكلمنا عن الركن الأول من أركان الإيمان وهو التوحيد وهو الإيمان بالله وعرفنا نقيضه وهو الشرك، ننتقل إلى الركن الثاني وهو الإيمان بالملائكة. فقال رحمه الله تعالى:
باب الإيمان بالملائكة: وبالملائكة الرسل الكرام عباد الله نؤمن، خابوا من لهم عبدوا من دون ربي تعالى، والتباب لمن كانوا له ولهم والمرسلين عدو.
يقول: الركن الثاني من أركان الإيمان هو الإيمان بالملائكة، والإيمان بالملائكة إيمان مجمل ومفصل. فالايمان المجمل أن نؤمن بوجود مخلوقات خلقها الله اسمها الملائكة، وأنها موصوفة بصفات ذكرها الله في كتابه، أنها تطيع الله ولا تعصيه، وأنهم لا يفترون عن عبادته ولا يستحسرون، وأنهم مخلوق من مخلوقات الله، خُلقوا بطريقة وصفة تختلف عن خلقنا، وأن لهم وظائف في هذا الكون. هذا الإيمان المجمل.
وأما الإيمان المفصل فهو أن نؤمن بكل ملك من الملائكة ذكر الله لنا وظيفته في القرآن أو في السنة تفصيلًا، كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم بما سيأتي تفصيله. فيقول: وبالملائكة الرسل الكرام عباد الله نؤمن. ثم قال بعد ذلك: خاب من لهم عبدوا، خاب من عبد الملائكة، لا يجوز للملائكة أن تعبد، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم﴾ [سبأ: 40-41]، فالملائكة تبرأت ممن عبدها.
والتباب لمن كانوا له ولهم والمرسلين عدو، أي والهلاك لمن كانوا له سبحانه ولهم للملائكة وللمرسلين من البشر عدو، وهلك من كان عدوًا للملائكة. أراد أن يقول؛ لأن اليهود كانوا يعادون جبريل، يقولون خان جبريل والعياذ بالله، فهنا يقول الشيخ حافظ: من عبد الملائكة هلك، ومن كره الملائكة أو كره بعضهم هلك.
بل هم عباد كرام يعملون بأمر الله، ليس له ند ولا ولد، الملائكة هم عباد مكرمون يعملون بأمر الله ولا يعصونه، ليس له سبحانه وتعالى ند ولا ولد؛ لأن كفار قريش كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فأراد أن ينزه هنا تمامًا. فقال الشيخ حافظ: ليس له ند، أي ليس لهم شركاء مع الله، وليسوا أولادًا لله كما تزعم كفار قريش.
منهم أمين لوحي الله يبلغه لرسله وهو جبريل. فعلينا أن نؤمن بجبريل، ومن كفر بجبريل وحده كفر بالله، من آمن بكل الملائكة وكفر بجبريل كفر بالله؛ لأنك كذبت بالقرآن. فنؤمن بجبريل، وجبريل ما وظيفته؟ أنه مسؤول عن موضوع الوحي وإيصاله إلى الرسل البشريين.
وللرياح وقطر والسحاب فميكال بذاك إليه الكيل والعدد. الثاني هو ميكائيل ويسمى ميكال أيضًا، وهو المسؤول عن الرياح والأمطار، هذا ملك وكله الله بالرياح والأمطار، وذكر اسمه في القرآن: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98].
وإسرافيل وُكِّل وهو الآن منتظر أن يأذن الصمد. الملك الثالث هو إسرافيل، وهو المسؤول عن البوق الذي سينفخ فيه إعلانًا بانتهاء الدنيا وإعلانًا بالنفخة الثانية وهو قيام الناس، وهو الآن كما جاء في الحديث التقم البوق وينتظر أن يأذن الله له بالنفخ.
وحامل العرش مع من حولهم ذُكروا، وزائر بيته المعمور ما افتقدوا. ذكر أيضًا حملة العرش، وحملة العرش فيه خلاف في عددهم، والمشهور عند المحققين أنهم أربعة في الدنيا، ثمانية يوم القيامة، هذا أعدل ما قيل فيها، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17]. أما في الدنيا فقد جاء في بعض الآثار أنهم الآن أربعة.
ومن حوله، أين ورد ذكرهم الذين حول العرش؟ آخر سورة الزمر ماذا قال؟ ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: 75]، إذاً هناك ملائكة غير حملة العرش وظيفتها أن تكون حوله أيضًا. قال وزائر بيته، وهم الذين يدخلون البيت المعمور، كم يدخل البيت المعمور كل يوم؟ 70 ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا أبدًا، كل يوم في 70 ألف ملك جديد يدخل البيت المعمور، وهو بيت عند الله سبحانه وتعالى فوق السماء.
والحافظون علينا الكاتبون لما نسعى، في الحشر إذ يؤتى بهم شهد. أيضاً من الملائكة الذين نؤمن بهم بعد التفصيل الملائكة الحفظة، ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]، وهناك الملائكة الكتبة الكاتبون لما نسعى، وهم ملائكة على اليمين وملك على الشمال كما جاء في الآثار. وفي الحشر إذ يؤتى بهم شهد، هؤلاء الحفظة والكتبة سيشهدون علينا يوم القيامة بين يدي الله.
وآخرون بحفظ العبد قد وُكِّلوا، حتى إذا جاءه المقدور لم يفدوا. إذا هو يقصد بالحافظين علينا هم نفسهم الكاتبين، يعني الحافظون علينا هم الذين يكتبون ويحفظون أعمالنا، وأما الذين يحفظون العبد وهم المعقبات، هذا قصدهم في البيت الذي يليه، واخرون بحفظ العبد، وهم الذين يحفظونك من الأقدار السيئة، يحفظك من حال السير، يحفظك من وقوع شيء عليك، سبحان الله تجد بعض الناس يكاد يكون بينه وبين الموت شبر كيف نجا؟ تعرف أنه هناك ملائكة. والموت وكل حقاً، حتى إذا جاءه المقدور، إذا جاءك الموت هذه الملائكة الحفظة ستغادر ولن تستطيع أن تنفعك، هي تحميك حتى تأتي ساعتك، إذا جاءت قيامتك لن تنفعك.
والموت وكل حقاً بالوفاة لروح العبد قبضا إذ منها خلا الجسد. الموت اللي هو ملك الموت، وجاء في بعض الروايات الإسرائيلية أن اسمه عزرائيل، ولكن هذا لم يثبت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو اسمه ملك الموت، هذا الثابت وهو الذي وكل بحصاد الأرواح.
ومنكر ونكير وكلا بسؤال العبد في القبر عما كان يعتقد. منكر ونكير، وهما ملكان أسودان أزرقان في أبدانهما، أزرقان في أعينهما، وهما المسؤولان عن أن يسألاك في قبرك: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ الملكان المسؤولان عن سؤالك في قبرك عندما تنزل عبد الله وأمة الله، اسم الأول منكر والثاني نكير، وورد اسماهما في أحاديث حسان وإن كان بعض أهل العلم يضاعفها.
كذلك رضوان في أعوانه، خزنوا لجنة الخلد بشرى من بها وُعدوا. أراد أن يذكر اسم خازن الجنة والمشهور في بعض الكتب أن اسمه رضوان، ولكن هذا حقيقة لم يثبت في حديث صحيح كما ذكر ابن القيم، وإنما ثبت في أحاديث ضعيفة، ولذلك حقيقة نحن لا نثبت صحة أن اسم خازن الجنة رضوان. قال: كذلك رضوان في أعوانه، يعني مع أعوانه خزنوا لجنة أي هم خزان الجنة، وهم يسألون عنها، لجنة الخلد بشرى من بها وعدوا، يعني يا بشرى من وعد بها، نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
كذا زبانية النيران يقدمهم في شأنها مالك بالغيظ يتقد. أما زبانية النار فاسم صاحبهم معروف أنه ذكر في القرآن: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]، فاسمه خازن النار أو المسؤول عن خزنة النار مالك بالغيظ يتقد، يعني مالك يراه أهل النار متغيظًا على المشركين وعلى العصاة المتكبرين.
وآخرون سياحون حيث أتوا مجالس الذكر حفوا من بها قعدوا. وهناك الملائكة السياحون في الأرض الذين يمرون على مجالس الذكر فيجلسون، ونسأل الله أن يكونوا معنا الآن، يجلسون في مجالس الذكر ثم ينتقلون إلى الله سبحانه وتعالى، فيسألهم كيف تركتم عبادي؟ فيخبرون الله، طبعًا هو سبحانه عالم بحالنا لكن ليظهر فضلنا، فيخبرونه أننا تركناهم وهم يعبدونك ويذكرونك ويسبحونك ويحمدونك، وأتينا وهم يعبدونك ويذكرونك ويسبحونك ويحمدونك.
وغيرهم من جنود ليس يعلمها إلا العليم الخبير الواحد الأحد. وغير هؤلاء من الملائكة جنود الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو. وغيرهم من جنود الله الذين كانوا ينزلون في المعارك كما نزلوا في غزوة بدر وشاركوا في القتال، فهم جنود الله سبحانه وتعالى يسلطهم الله ولا يعلم عددهم إلا هو.
باب الإيمان بكتب الله المنزلة: أيضًا كتب الله المنزلة، هناك إيمان مجمل أن الله أنزل كتبًا على الرسل لهداية البشر، وهناك إيمان مفصل وهو أن نؤمن بالكتب التي أخبرنا الله بها على التفصيل، وهي صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل والقرآن، وهو آخرها والمهيمن عليها.
وكتبه بالهدى والحق منزلة نوراً وذكرى وبشرى للذين هُدوا. ثم القرآن كلام الله، ليس كما قال الذين على الإلحاد قد مَرَدوا. الآن قال: وكتبه بالهدى والحق منزلة نورًا وذكرى وبشرى للذين هُدوا. الله ينزل الكتب لتكون نورًا للناس يهتدون بمنارها، وذكرى تذكرهم بمعالم دين ربهم، وبشرى للذين هُدوا، ومنذرًا للذين كفروا، كما ذكر سبحانه وتعالى عن كتابه الذي أنزله ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: 1-2].
ثم ذكر القرآن، وذكر القضية المهمة في القرآن التي وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية، وهي أن القرآن هل هو كلام بصوت وحرف من الله؟ فأهل السنة والجماعة يؤمنون أن القرآن كلام الله بصوت وحرف منه بَدَا، أي صدر من الله، وليس أن القرآن مخلوق خلقه الله في شجرة أو في اللوح المحفوظ، وليس المراد بالقرآن المعنى النفسي القائم في ذات الله كما تقول الأشعرية، وإنما كلام بصوت وحرف سمعه جبريل ونزل به إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
فقال: ثم القرآن كلام الله، وليس كما قال الذين على الإلحاد قد مَرَدوا، جعد وجهم وبشر ثم شيعتهم، إلا فبعدًا لهم بعدًا وقد بعدوا. الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان تلميذه، وبشر المريسي وهو أحد رؤوس المعتزلة، هؤلاء كلهم كانوا يناظرون على أن القرآن ليس كلام الله، وهذه هي الفتنة التي امتحن فيها إمامنا إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل. فتنة أحمد بن حنبل كانت في هذه المسألة، أراد منه المعتزلة المقربون من الحاكم أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله، فرفض أحمد أن يقر بهذه العقيدة.
ولاحظ أن العالم الذي يتصدر للناس لا يتزحزح عن عقيدته ولو في صفة من صفات الله؛ يعني بجوز اليوم لو واحد قالوا له يا أخي احكِ أن القرآن مخلوق، لك مش مشكلة، مش هالقصة الكبيرة، يعني بعض الناس عندهم أن أحمد بن حنبل زودها، وأنه شو هال مشكلة الكبيرة كلام الله ومش كلام الله؟ يا أخي مسألة فلسفية أنتم مشايخ صعبتوها. الذي يعرف ما معنى أن تصف الله بغير ما وصف به نفسه، ومن يعظم الله حق التعظيم يعرف حقًا شرف الثبات في هذه الأماكن؛ فصفة من صفات الله تجهلها الأجيال مصيبة كارثة، فصفات الله ليست عبث، ليست مسألة فلسفية بينما طعامك وشرابك والحالة الاقتصادية في البلد هي المسألة المهمة. هو بعض الناس هيك معيارهم، أن إيش اللي بيحكي في جيبي؟ طعام وشراب وأرزاق الناس هي مسألة مهمة، أما صفات الله مش مشكلة، أنت شو بدك؟ حاب تصف الله صفك ما شئت، هل هكذا يقدر قدر الله حق قدره؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]. فهذه مسألة كلام الله هي المسألة التي فتن فيها أحمد بن حنبل وثبت، وهي أن القرآن كلام الله منه صدر بصوت وحرف، وليس أنه مخلوق.
تكلم الله رب العالمين به قولاً، وأنزله وحياً به الرشد. إذاً تكلم الله به حقيقة قولا، تكلم.
نتلوه بألسنتنا، ونسمعه بآذاننا، ونراه بأعيننا، ونكتبه خطاً بأيدينا، ونحفظه بقلوبنا. هذا هو القرآن كلام الله.
بالنسبة للكتابة، صارت فيها مسألة تفلسف شوي سامحوني؛ صار فيها أن الكلام هل تلاوتي أنا مخلوقة ولا هي كلام الله؟ صاروا بدهم يفلسفوها ويضيعوا الناس. الآن التلاوة كفعل بشري هذه مخلوقة صح، الكتابة كفعل بشري هذه مخلوقة، لكن الكلام الذي أنت تلوته ما أصله؟ كلام الله ليس مخلوق، الكلام الذي أنت كتبته ما أصله؟ كلام الله ليس مخلوق. فالذي تتلوه وتسمعه، سمعك وتلاوتك أنت وكتابتك مخلوقة، لكن نفس الكلام من حيث مصدره ومنشئه هو كلام الله ليس مخلوق. بعض الفرق في ذلك الوقت حاولت تخربط الأوراق؛ أنه طب مش تلاوتنا مخلوقة؟ يا أخي ماشي تلاوتك هذا فعلك، فعلك أنت مخلوق، لكن نفس الكلام من أول من تكلم به؟ الله، هذا مش مخلوق وخلصني، لا تضلك تضيع الأمور وتضيع الناس معك في هذه الزاوية. فلذلك كان العلماء ينصون: نحن نتلوه بألسنتنا، نحفظه بقلوبنا، نكتبه بأيدينا؛ أفعالنا مخلوقة لكن أصل هذا الكلام ليس بمخلوق. لا تضيع الناس معك.
وكل أفعالنا مخلوقة، لذلك ماذا يقول الشيخ حافظ: «وكل أفعالنا مخلوقة». وكذا آلاتنا، الرب، وكذا آلاتنا التي هي العين، الأذن التي بها نسمع، اليد التي بها نكتب، اللسان الذي به نتكلم؛ الآلات هذه التي نفعل بها الأفعال أيضاً مخلوقة، فأفعالنا مع القرآن مخلوقة، والأدوات والأعضاء التي نمارس بها هذه الأفعال أيضاً مخلوقة. طب إيش غير المخلوق؟ أصل هذا الكلام؛ هذا الكلام أصله كلام الله ليس مخلوق، لكن لما أنا أتكلم به ففعلي والآلة التي أفعل بها هي المخلوقة.
نعم، «وكل أفعالنا مخلوقة، وكذا آلاتنا؛ الرق والأقلام والمدد». الرق هو الأوراق، الأقلام، الحبر، مش المدد؛ هي عدلوها إخواني زي ما حكينا، مكتوب المدد وين ما شفت كلمة المدد حطها مداد، لأنه المداد هو الحبر. آلاتنا التي هي الجلد الذي انكتب عليه أو الورق، الأقلام، الحبر؛ هذه كلها مخلوقة بالتأكيد.
«وليس مخلوقاً القرآن حيث تلي أو خط، فهو كلام الله مسترد». قال: وليس مخلوقاً القرآن حيث تلي، يعني أنت لما تتلو فعلي أنا مخلوق، لكن نفس القرآن من حيث أصله لا نقول إن القرآن مخلوق، لأن الكلام باعتبار منشئه هو منشئه ماذا؟ من الله، وصوت الله ليس بمخلوق، بخلاف أصواتنا البشرية نحن، نعم أفعالنا وأصواتنا مخلوقة، وليس فالقرآن باعتبار أصله ومنشئه ليس مخلوقاً. وليس مخلوقاً القرآن حيث تلي أو خط، فهو كلام الله مسترد؛ ما معنى مسترد؟ يعني يتلى من السرد الذي ذكرناه قبل قليل من السرد، فهو كلام الله يتلى. إذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، سيسمعه من فمي، راح يسمع من فمي أنا، بس هو في الأصل كلام الله.
«والواقفية شر نحلة، وكذا لفظية، ساء ما راموا وما قصدوا». هناك فرقتان أخطأتا في هذا الباب غير المعتزلة؛ المعتزلة هي على المكشوف اشتغلت، قالت كلام الله مخلوق وفتنت الناس. في فرقة وبعض الناس وقع فيها بعض الأفاضل للأسف، فرقة الواقفية، مين الواقفية؟ اللي قالوا: نحن ما بنقول إن كلام الله مخلوق وما بنحكي إنه غير مخلوق، نتوقف؛ بيسموهم الواقفية، هي فرقة ظهرت في تلك الفتنة.
تعرفوا كيف بعض الناس حاولوا يكونوا في الفتن وسط؛ أنه أنا مش مع هاي الجماعة وأنا مع هاي الجماعة، جماعة لا يزبط، بدك تكون مع واحد من الجماعتين، وهذا اللي فعله أحمد. سئل الإمام أحمد كما ذكر الآجري في كتاب الشريعة، قال أبو داود: سمعت من يسأل الإمام أحمد عن من سكت وقال: لا أقول إن كلام الله مخلوق ولا أقول إنه غير مخلوق، فماذا قال أحمد؟ قال أحمد: لم يسكت، لولا -شوف هاي العبارة- أحمد لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت. شو معنى كلامه؟ لو إن هاي الفتنة ما صارت كان يسعك إنك ما تدخل في التفاصيل، لكن ما دام الباطل تم الكلام به فلازم تتكلم بالحق، وهي قاعدة في كل الفتن حتى المعاصرة الآن؛ في بعض الأمور أنا لا يلزمني أن أخوض فيها، صحيح، لكن إذا نطق الناس بالباطل فأنا هنا ملزم أن أنطق بالحق. قال أحمد لما قيل له: يا إمام أحمد في ناس ما بتقول القرآن مخلوق أبداً بس حابين يسكتوا وما يحكوا في نفس الوقت زي ما أنت بتحكي إنه غير مخلوق، فأحمد أنكر وقال: لما يسكتون؟ أنا لا أقبل السكوت الآن. لولا ما وقع فيه الناس لكان يسعهم السكوت، يعني لو كانت هذه الفتنة لم تحصل لكان يسع أن يسكت ولا يتكلم في التفصيل، لكن حيث تكلموا قال أحمد: لكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون؟
فإذا وقعت الفتنة أنا ممكن أكون ساكت ابتداءً ولا أدخل في تفاصيل، لكن متى تكلموا بالباطل فينبغي على أهل العلم أن يتكلموا بالحق، ولا يسعك إنك تكون في المنتصف وتعمل نفسك الشخص المعتدل. بعض الناس بده يمارس لا؛ في أحياناً الاعتدال يكون جريمة، هو مش اعتدال أصلاً هو تلبيس على الناس، لأنه أحمد كان يرى أن هؤلاء الذين رفضوا أن يصرحوا ماذا سيسببون للناس؟ سيسببون للناس أنه هذا الموضوع مش كبير، وأن أحمد بن حنبل كبرها وصار يحكي القرآن غير مخلوق، يا أخي خلص نسكت ما في داعي مخلوق ولا غير مخلوق، لا، أحمد بن حنبل يرى أنك هنا تتكلم عن مفصل عقدي وعن مسألة إذا تم السكوت عنها الآن ستكبر وتتضخم في حياة الأمة، ويجهل الناس الصواب. والحق أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، حتى قيل في بعض الروايات في كتاب الآجري أيضاً أن أحمد دعا، كان يدعو على الواقفية، كان يدعو عليهم ويقول، قالوا: لماذا تدعو عليهم يعني هذول ما قالوا إن القرآن مخلوق ليش تدعو عليهم؟ قال: هؤلاء فتنوا الناس بصمتهم. فتنوا الناس بالصمت؛ أحياناً الصمت يكون جريمة، لما تكون أنت عالماً والناس تنتظر منك الكلمة وتخون ما تتكلم بالحق، لأنه هذا سيلبس على الناس.
لذلك قال هنا الشيخ حافظ: «والواقفية»، عرفنا منهم الواقفية إخواني، قال: «شر نحلة». لماذا هم شر؟ لأن سكوتهم كان تلبيساً.
وكذا اللفظية؛ اللفظية هي فرقة خرجت أيضاً في تلك الفترة كانت بتلعب، وعلى رأسهم الكرابيسي، ماذا كانوا يقولون اللفظية؟ هؤلاء كانوا يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق. الآن هاي عبارة تحتمل ألغاماً، هي كالماشية بين حقل الألغام، لما يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، هذه تحتمل العبارة أحد معنيين، ماذا تقصد أن لفظي بالقرآن مخلوق؟ إذا كنت كلمة اللفظ تطلق على شغلتين: على عملية التلفظ وهي حركة الفك، وتطلق على الكلام الملفوظ، الكلام الذي تكلمت به يسمى لفظاً. فلما كانوا يقولون لفظي بالقرآن مخلوق، هي صارت تحتمل لفظي يعني عملية تلفظي وهي مخلوقة فعلاً، وتحتمل لفظي يعني الملفوظ وهو القرآن الملفوظ مخلوق، وهذه حرام كفر، فما دامت العبارة فيها تلبيس، أحمد بن حنبل أنكر على اللفظية وقال إنهم مبتدعة.
حتى يا شيخ لو كان قصدهم صحيح؟ حتى لو كان قصدهم صحيح، من تكلم بكلام يحتمل حقاً وباطلاً ولم يوضح الحق من الباطل فهو مبتدع. هذه قاعدة، من تكلم بكلام يعرف أن فيه معنى حقاً وفيه معنى باطلاً وقصد أن يبقى الكلام فيه تعمية فهذا الصنيع صنيع المبتدعة، وهذا كثير ما تجده اليوم في مثلاً الأشعار الصوفية التي فيها الكلام عن الرسول؛ ويا سندي ويا عضدي ويا كذا، بتيجي بتقول له أنت شو قصدك بهذا الكلام؟ بيجي بيقول لك: يا أخي أنتم ما بتحملوا الكلام إلا على المعنى الغلط، احمل كلامي على المعنى الصحيح. لا ما هو التكلم بكلام يحتمل معاني باطلة وصحيحة بدعة، أنت احكي كلام صح ما حدا بياخذك، لكن لما تأتيني بألفاظ تشعرني أن النبي صلى الله عليه وسلم إله، بعدين تقول لي: يا أخي أنتم الله يسامحكم دائماً أنتم النابتة الحشوية ما بتفهموا الكلام إلا بطريقة غلط، عمركم ما بتفهموا الكلام بطريقة صحيحة. طب ما هو لو أنت تكلمت صح والله نحن بنفهمك صح، بس أنت مصر على استعمال الكلام المعوج الذي له معاني عديدة لتلبس على السامعين، وإلا فالقرآن يعلمنا البيان.
«والواقفية شر نحلة، وكذا لفظية، ساء ما راموا وما قصدوا». فاللفظية ساءت مقاصدهم وأفكارهم، لأن أول من استعملها قالوا الكرابيسي وهو قصد بذلك التلبيس على الناس، أول من كان يقول لفظي بالقرآن مخلوق قيل إنه الكرابيسي الذي أراد أن يلبس على الناس ويقنعهم بأن القرآن مخلوق بس بطريقة التفافية.
فلذلك أحمد أنكر على الواقفية وأنكر على اللفظية ولم يقبل من علماء زمانه إلا أن يقولوا صراحة: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، بدك تحكي هيك، غير كذا غير مقبول. وهذه ليست فقط في زمن تلك الفتنة بل حتى في واقعنا المعاصر، أي فتنة تحصل في حياة الناس ويحصل فيها لغط وكلام كثير يجب أن تكون مواقف العلماء واضحة، لأن العلماء الذين سيقفون في المنتصف أو سيسكتون أو يستعملون عبارات مبهمة هؤلاء سيكونون فتنة على البشرية، فلذلك هذا منهج العلماء والسلف في التعامل مع الفتن عموماً ومنها فتنة خلق القرآن. ونقف عند هذا القدر اليوم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. حياكم الله أيها الأكارم في الجلسة الثانية لهذا اليوم، اليوم الثاني من أيام مدارج، وبعد الوجبة الدسمة في علم العقيدة نشرع الآن إن شاء الله في كتاب جديد من كتب مدارج هذا العام، وهو كتاب في الحديث النبوي. في كل عام لابد أن يكون لنا وقفة مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي العادة نختار كتاباً من كتب الأربعين، وهي الكتب التي قصد مصنفوها أن يجمعوا الأحاديث على صفة الأربعين، لكن هذه الأربعون قد تكون 40 حديثاً كما فعل النووي رحمه الله عليه، وقد تكون 40 باباً كما فعل صاحبنا أبو سعد المؤذن عليه رحمة الله تعالى. فالعلماء الذين جمعوا أحاديث تحت عنوان الأربعينات منهم من جعلها 40 حديثاً ومنهم من جعلها 40 باباً، وفي كل باب ما فتح الله عليه من الأحاديث.
الكتاب الذي بين أيدينا من الكتب التي قل انشغال الناس بها أو طلبة العلم بها وقلت معرفتها، لكنه كتاب جيد حقيقة ونافع ومتين، وهو كتاب أيضاً لعالم مغمور من علماء نيسابور، وهو أبو سعد المؤذن، هذه كنيته، المتوفى 532 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أحد علماء الحديث في مدينة نيسابور، ووالده أبو صالح أيضاً هو من علماء الحديث، وهذا العالم لم أقف فيما وقفت عليه من كتبه إلا على هذا الكتاب، لذلك بعض علماء الحديث قد لا يكون مشهوراً وقد يكون مغموراً، ويكفيه أن يكون هذا الكتاب وصل إلينا وينتفع الناس به، فجزاه الله عنا خير الجزاء. أبو سعد المؤذن هو محدث، وإن كان تتلمذ على يد الجويني في العقيدة، تذكر كتب السير أن أبا سعد المؤذن تتلمذ على يد الجويني، طبعاً الجويني أحد رموز الأشعرية، أحد أبرز المؤثرين في الفكر الأشعري غفر الله له ورحمه، نسأله سبحانه وتعالى أن يغفر له وأن يرحمه.
لذلك كان أبو سعد المؤذن يذهب عند الجويني ويقرأ عليه كتب العقيدة، ولأن أبا سعد متأثر بالمحدثين فكان يحاول أن يقرأ العقيدة كما يقرأ الحديث بسرعة: حدثنا فلان عن فلان عن فلان. فقيل في يوم من الأيام مسك الإرشاد للجويني وذهب ليقرأه عليه، طبعاً كتاب الإرشاد أحد الكتب العقدية المحشوة بعلم الكلام والأقيسة التي لازم تقرأ كلمة كلمة. فأبو سعد المؤذن فتح الكتاب على الجويني وحاول أن يقرأ الكتاب عليه كما يقرأ كتب الحديث، وقال: شيخنا والقياس المنطقي، الجويني قال له: قف، قال: هكذا تقرأ في مجالس الحديث لكن عندي لا تقرأ هكذا، قال: لما تكون مع مجالس المحدثين اقرأ بحدثنا فلان عن فلان عن فلان بسرعة، لكن هناك علوم لا تؤخذ بسرعة وإنما لابد تقرأ جملة جملة.
وبالتالي هل أبو سعد المؤذن عقيدته هي عقيدة أهل الحديث أم عقيدته متأثرة بعقيدة الأشعرية؟ حقيقة، لأنني لا أملك كتباً له أخرى، لا يعرف له كتب أخرى، يصعب أن نجزم بعقيدة أبي سعد، لكن دعوني أقول من الطبيعي عادة في الفترة الزمنية التي كان فيها أبو سعد في نيسابور وعلماء نيسابور أن يخرج عالم الحديث متأثراً بالأشعرية، يعني هذا هو الوضع الطبيعي لرجل شيخ الجويني ومشايخه من هذه الطبقة، أن يكون محدثاً ولكنه متأثر بالأشعرية، كما حصل مع النووي والبيهقي وغيرهما من علماء الحديث المتمشعرين أو المتأثرين بالأشعرية. هنا في هذا الكتاب يمكن أجد بعض الإشارات التي يقول فيها نفساً أشعرياً، بعض الإشارات، لكن لا يوجد كلام صريح 100% يصرح هو به في عقيدته، ولذلك كان كثير من علماء الحديث الذين درسوا الأشعرية مخلطين، يعني لا تجده دائماً أشعرياً ولا دائماً على عقيدة أهل الحديث، تجده يأخذ من هذا ويأخذ من هذا، المهم هذا الكتاب الذي...
بين أيدينا كتاب اسمه الأربعون في قواعد الدين، جمع فيه أربعين بابًا في أبواب شتى؛ بدأ بالعقيدة ثم انتقل إلى الفقهيات والسلوكيات. جمالية هذا الكتاب أنك تجمع أربعين بابًا في مسائل العقيدة، وفي مسائل الفقه، وفي مسائل السلوك؛ يعطيك أمهات الأحاديث التي ينبغي أن تكون على دراية بها واطلاع عليها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه خير الجزاء على صنيعه وعمله، وأن يفيدنا من هذه العلوم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الشيخ الإمام العالم الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي رحمه الله تعالى قراءةً عليه وأنا أسمع، وذلك في يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين.
طبعًا هذا تلميذ ضياء الدين المقدسي الذي وجدنا النسخة المخطوطة من عنده، ينقل بالسند المتصل إلى أبي سعد المؤذن. فهذا الكتاب فيه أسانيد متصلة إلى يومنا هذا، لأن أسانيد ضياء الدين المقدسي موجودة إلى يومنا هذا. قيل له: أخبركم الشيخ أبو القاسم عبد الواحد بن القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني، وقال: أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن الإمام الحافظ أحمد بن عبد الملك المؤذن رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ. قال: حدثنا... من هنا بدأ كلام أبي سعد المؤذن، وأبو سعد المؤذن اسمه إسماعيل. قال أبو سعد المؤذن: أخبرنا... فقال رحمه الله: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا محمد بن عفان، أخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، قال: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع».
أقطع أبو سعد المؤذن في مقدمة كتابه؛ الآن سيبدأ بالحمدلة، ثم بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم سيقول: أما بعد، كما أخذنا في المنظومة قبل قليل. وكلما يأتي إلى جملة سيأتي عليها بشاهد؛ فسيبدأ بالحمدلة ويقول: والدليل على البداية بالحمدلة حديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع». هذه الأحاديث ليست هي مقصودة الكتاب، وإنما أتى بها في ديباجته ليقول لك: كل جملة سآتي بها في المقدمة سأستشهد على سنيتها بحديث نبوي.
قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع»؛ يعني كل كلام، وكل خطبة، وكل كتاب، وكل موضوع لا تبدأ فيه بلفظة الحمد لله فهو أقطع. ما معنى أقطع؟ يعني منزوع البركة. طبعًا هذا الحديث ليس صحيحًا، ولكن في فضائل الأعمال يستسهل العلماء رواية مثل هذه الأحاديث، ولكن الحديث من حيث الإسناد لا يبلغ درجة الصحة، ولكن كما قلنا فضائل الأعمال يتساهل فيها.
قال رحمه الله: الحمد لله اللطيف الخبير، العليم القدير الكبير، المحيط بما في الضمير، المتعالي عن الشبيه والنظير. قال: وأشهد أن لا إله إلا الله عليه توكلت وإليه المصير. قال: أخبرنا حمزة بن عبد العزيز القرشي، قال: أخبرنا يحيى بن منصور القاضي، أخبرنا أحمد بن سلمة الحافظ، أخبرنا حامد بن عمر البكراوي، حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل خطبة ليس فيها شهادة كاليد الجذماء». وهذا الحديث أيضًا ليس بالقوي، لكن نفس الشيء يدل على نفس الفكرة، كل خطبة وكلام وكتاب لا تبدأ فيه بقولك: أشهد أن لا إله إلا الله، كاليد الجذماء؛ واليد الجذماء يد تكون لا نفع فيها، لا ينتفع بها صاحبها، فيقول: كاليد الجذماء التي لا ينتفع بها، فكأن هذه الخطبة تكون لا نفع لها إذا لم تبدأ بالشهادة.
قال رحمه الله: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، انتخبه من خلقه، واصطفاه من بريته، واختاره لرسالته، وسدده بعصمته، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وعبده حتى أتاه اليقين، وقد أكمل به الدين. قال أخبرنا محمد بن عبد أحمد السراج، أخبرنا أبو علي الحسين بن شعيب السنجي، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القزويني بها، قال أخبرنا أبو الحسين وأحمد بن محمد بن ميمون بن عون، حدثنا أبي عن جدي، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، حدثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع، ممحوق من كل بركة». هنا أتى بهذا الحديث ليدل على أهمية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن في هذه الرواية: «كل أمر لم يبدأ فيه بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع»، وشرح لك ما معنى الأقطع وهو ممحوق البركة، لا بركة فيه.
قال: فصلى الله عليه وعلى آله ما تناوح ضدان، وما اختلف الجديدان. الجديدان هما الليل والنهار. قال: صلاة مالئة كل مكان، دائمة في كل حين وأوان. قال رحمه الله: أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن العدل، وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد... أصح قوله صلى الله عليه ما تناوح ضدان. الحياة كلها تقوم على فكرة الأضداد؛ الأبيض والأسود، الفوق والتحت، حتى الناس هناك أضداد وخصوم ومنازعات، فهو يقول: صلى الله عليه ما تناوح ضدان. وهذا إلى يوم القيامة سيتناوح الضدان؛ فكأنه يقول: صلى الله عليه إلى يوم القيامة. لكن العلماء لا يقولون إلى يوم القيامة، بل يتفننون؛ يقول لك: صلى الله عليه ما دامت الأنفاس تتنفس، صلى الله عليه ما دام البشر يمشون، صلى الله عليه ما دام الليل والنهار يتعاقبان، فهذا دلالة طلب الديمومة.
قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدثنا حمدان بن علي، حدثنا محمد بن عمر القصبي، أخبرنا عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «أما بعد». فقال رحمه الله تعالى: أما بعد. فـ "أما بعد" يعني هو استشهد حتى على "أما بعد" بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أما بعد».
قال رحمه الله: فإن جماعة من إخواني حرسهم الله سألوني أن أخرج لهم من حديثي أربعين حديثًا مما يحتاج إليه في أصول الدين وفروعه، فأجبتهم إلى ذلك واستخرت الله تعالى في هذا الكتاب في أربعين بابًا في أصول الدين وفروعه، ليس فقط في العقيدة بل حتى في الفقهيات والسلوكيات. واستخرت الله تعالى في تبويبه، فرتبته أربعين بابًا، كل باب منه يشتمل على تراجمه لا يستغنى عنها، وفوائده؛ التراجم هي عنوان الباب، عناوين الأبواب تسمى تراجم. قال: وفوائد يحتاج إليها، ثم على سنن صحيحة اتفق على تخريجهما الإمامان؛ وهذا جمالية هذا الكتاب أن الإمام أبا سعد لا يقتصر فقط على ذكر الحديث، بل يضع ترجمة ويضع فوائد تحت الحديث ليكون الكتاب أكثر نفعًا. ثم على سنن صحيحه اتفق على تخريجهما الإمامان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري رضي الله عنهما. هذا الكتاب أيضًا ميزته أن 95 إلى 97% من أحاديثه في البخاري ومسلم، أحاديث منتقاة بين البخاري ومسلم أو من السنن الأربع، فأحاديثه صحيحة بنسبة 96، 97%.
قال رحمه الله: أو انفرد أحدهما بتخريجهما، أو تكون صحيحة على شرطهما. وإن زدت في باب من الحديث حديثًا أو حديثين، فإنما أخرجه لزيادة لفظة أو معنى يشبه معنى الذي تقدم. يقول: إذا هو التزم أن يخرج الأحاديث في البخاري ومسلم أو من انفرد به أحدهما أو تكون أحاديث صحيحة على شرطهما وإن لم يخرجاها. قال: وإن زدت في الباب أحاديث أخرى ليست في البخاري ومسلم أو ليست على شرطهما، فإنما أزيد هذه الأحاديث الأخرى لورود لفظ فيها لزيادة لفظ في هذه الرواية لا يوجد فيما هو عند البخاري أو على شرطه، أو معنى يشبه الفكرة؛ يعني يوجد لفظ عند أبي داوود أو الترمذي، أو يشبه ما عند البخاري وفيه تأكيد لما عند البخاري، فهذا منهجه في الكتاب.
قال: ورجوت أن أكون من جملة من يفوز بما وعد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حدثناه أبو القاسم أميرك بن أبي أحمد الصحاف، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن حفدة العباس بن حمزة، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا ينتفعون بها، بعثه الله تعالى يوم القيامة فقيهًا عالمًا».
قال أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن محمد الجبار المزكي، أخبرنا حمزة بن عبد العزيز القرشي، أخبرنا أبو عمرو محمد بن محمد بن عبدوس الأنماطي، قال حدثنا حسن بن سفيان، حدثنا حميد، حدثنا حجاج بن نصير، حدثنا حفص بن جماع، عن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا مما يحتاجون إليه، كتبه الله فقيهًا عالمًا». قال أخبرنا أحمد بن حسن الأزهري، أخبرنا حسن بن أحمد المخلدي، قال أخبرنا أبو الحسن محمد بن إسماعيل بن إسحاق المروزي، قال أخبرنا أبو داوود الخفاف، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرحيم بن واقد، عن عمرو بن الأزهر، عن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا يريد بذلك وجه الله يعلمها الناس، يجيء به يوم القيامة، فقيل له: اشفع لمن شئت».
هذا الحديث ليس من شرط الشيخين، لكنه مروي بأسانيد مختلفة، اقتصرت منها على هذه الطرق الثلاث لحاجة إليه في صدر هذا الكتاب. هذا الحديث حقيقة هو ضعيف بكل طرقه، لكن هو الذي دفع كثيرًا من العلماء ليصنفوا تحت عنوان الأربعينات، وهذا نص عليها أيضًا النووي في الأربعين النووية؛ أن الذي دفعه لجمع كتاب الأربعين النووية هذه الأحاديث التي ترغب في جمع أربعين حديثًا. بالتالي كل عالم كان يرى أن أقل شيء يقدم للأمة أن يجمع لهم أربعين حديثًا تحت عنوان؛ بعضهم جمع أربعين حديثًا في الجهاد، بعضهم يجمع أربعين حديثًا في الأصول، البعض يجمع أربعين حديثًا في فضائل كذا، العلماء تنوعت مشاربهم، لكن كل شخص رغب أن يدخل في فضل هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا لكن العلماء في مثل هذا يعملون بالحديث الضعيف رجاء صحته. ما معنى؟ هو ضعيف ماشي، لكن الضعيف هو من حيث السند، لكن في الواقع ممكن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قاله إذا لم يكن يخالف أصول الدين، يمكن يكون قاله؛ وبالتالي أعمل بالحديث الضعيف إذا لم يناقض أصول الدين، رجاءً أن يكون صحيحًا.
قال رحمه الله: لحثه وترغيب أهل العلم في حفظ السنن على المسترشدين، وتحريض المتعلم على حمل آثار النبي صلى الله عليه وسلم. جعلنا الله وإياكم من المتبعين للسنن، وحشرنا وإياكم في زمرة العلماء الفقهاء، آمين يا أرحم الراحمين. وأنا أسأل الله التوفيق لإتمام ما نويته، والعصمة من الخطأ والزلل فيما تحريته؛ إنه خير موفق ومعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال رحمه الله: الباب الأول في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الخلق إلى توحيد الله. قال: الباب الأول في أن أول شيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم البشرية ما هو؟ توحيد الله، تحقيق التوحيد لله. وهنا سيتناسب كتاب الحديث هنا في مطلعه مع مسائل العقيدة التي ذكرناها قبل قليل.
قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أول ما أنزل عليه من وحيه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1-3]. ثم أمره بالتبليغ والإنذار، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 1-2]. وقال: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. فأول ما أنزل الله على رسوله: "اقرأ"؛ لأن الإنسان قبل أن يبلغ لا بد أن يتعلم، فقال له: اقرأ تعلم، ثم بعد ذلك نزلت سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ بلّغ، وقال أيضًا: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وهذه أيضًا دعوة إلى التبليغ.
فبادر صلى الله عليه وسلم أمر خالقه، وسار على طاعة ربه، فدعا الخلق إلى توحيد خالقهم، وشهادة له بالربوبية، ونفي الشركاء عنه، وأمرهم بطاعته، وحثهم على عبادته. فقال له المشركون: أنسب لنا ربك الذي تدعون إليه؛ فالمشركون قالوا: صف لنا ربك.
الذي تدعون إلى عبادته، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وسيأتي هذا الحديث معنا أكثر تفصيلاً بعد قليل إن شاء الله.
قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن الحسن بن محمد بن الحسن العدل، أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن حمدان المرادي، قال أخبرنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال حدثنا محمود، حدثنا أبو سعد الصاغاني، قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: أن المشركين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ما معناه؟ جاء المشركون إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: صف لنا ربك، انسب لنا؛ أي اذكر لنا ما صفات هذا الإله الذي تدعونا إلى توحيده وعبادته، فأنزل الله سورة الإخلاص. إذاً، هذا سبب نزول سورة الإخلاص أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك.
قال رحمه الله: وليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، فإن الله لا يموت ولا يورث، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: لم يكن له شبيه ولا ند، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. إذاً فسورة الإخلاص هي وصف لله. أنتم طلبتم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لكم ربه، فجاءت الإخلاص تخبرهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ أنه أحد، والله الصمد. وقد قلنا ما معنى الصمد قبل قليل: السيد المقصود في الحوائج، وأنه لم يلد ولم يولد، وهذا دلالة الغنى؛ فهو ليس مفتقراً.
وليس شيء يموت إلا سيورث، تمام. إذاً قال: ليس شيء يولد إلا سيموت، لو كان الله مولوداً حاشاه، المولود إذاً هو كان عدماً، ومن كان عدماً سيؤول إلى عدم، فيقول: وليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، فإن الله تعالى لا يموت ولا يورث، لذلك قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
قال رحمه الله: قلت فأمر الله نبيه أن يعرفهم بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أنه إله واحد فرد لا شريك له، وأعلمهم بقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أنه موصوف بصفات الربوبية والعظمة والكبرياء، ونبههم بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ أن جميع ما يدل على حدث المخلوقين ويوجب نقصهم منفي عنه. شوف هذه العبارات التي يستعملها، "حدث المخلوقين"، هذه عبارات عادة يستعملها أهل الكلام. ليش قلت لكم فيه نفس في نفس المتكلمين شوي؟ أبو سعد المؤذن يقول: "لم يلد ولم يولد" هو كلام صحيح من حيث الأصل، لكن هذه العبارات والاستعمالات هي نفس الكلاميين؛ يريد أن يقول: إن قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ تدل على أن أي شيء من صفات المحدثين فالله بريء منه، أي شيء يدل على صفات المحدثين الذين هم المخلوقون فالله بريء منه. في الجملة الكلام نتفق عليه، بس التعابير تدل على ما هو أبعد من ذلك. المهم أن جميع ما يدل على حدث المخلوقين -أنهم حدثوا بعد عدم- فالله سبحانه وتعالى يجب أن ينزه عن أي شكل من أشكال الحدث.
قال رحمه الله: وبين لهم بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أنه غير شبيه بخلقه في ذاته ولا في صفاته، وبذلك وصف نفسه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فاعلم أنه ليس له في ذاته ولا صفاته مثل ولا شبيه. ثم عقب بالدعاء إلى التفكر والاعتبار والنظر والاستدلال بدلائله الواضحة على وحدانيته بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن إسماعيل القرشي. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم وصف لنا ربه سبحانه وتعالى، أعطانا صفات الله، ثم بعد أن يتعلم الإنسان صفات الله يتفكر في خلق الله ليستدل بها على الله ويزداد يقيناً بوجوده. هكذا كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، أن ما تعلمه عن ذات الله إنما هي أسماؤه وصفاته، بعد ذلك لا يجوز لك أن تفكر في الذات، وإنما المطلوب منك أن تزيد إيمانك بوجودها ويقيناً بها، وهذا من خلال ماذا؟ من خلال التفكر والتدبر في خلق السماوات والأرض: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فالإنسان يؤمن بالأسماء والصفات ويفهمها، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الاستدلال على وجود الذات ليزداد يقيناً بها.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن إسماعيل القرشي، قال أخبرنا أبو يعلى بن أبي بكر الصدلاني، أخبرنا أبو فضل عبدوس بن الحسين السمسار، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، قال أخبرنا محمد بن حاتم الزمي المؤدب، أخبرنا علي بن ثابت عن الوازع بن نافع، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله -يعني عظمته- ولا تفكروا في الله».
هذا الحديث أيها الكرام لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هو رواه هنا مرفوعاً لكنه لا يصح مرفوعاً، والصواب والأصح أنه موقوف من كلام ابن عباس، كما قلنا قبل قليل في المحاضرة، كما جاء عند البيهقي وغير البيهقي، أن ابن عباس كان يقول: "فكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله". وهذه مهمة إخواني؛ أن بعض الناس عنده وسوسة في العقيدة، وتأتينا حالات عنده وسواس في العقيدة، وأن الشيطان يصبح يحاول أن يجعلك تتخيل ذات الله وكيف شكله، احذر هذا الوسواس واقطعه وانتهِ، وتفكر في خلق الله، هذا مجال التفكر. مجال التفكر ليس في أن تتفكر كيف شكل الإله، هذا لا تبلغه العقول ولا الأوهام، وإنما مجال التفكر في مخلوقات الله التي تزيدك يقيناً بالله.
قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن محمد بن صاعد، قال أخبرنا جدي صاعد بن محمد، أخبرنا محمد بن أحمد المقرئ، أخبرنا حسن بن سفيان، حدثنا أمية بن بسطام، قال حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله عن أبي معبد عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». وهذا موطن الشاهد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فكان أهل نجران وما حولها نصارى، فقال: فليكن أول ما تدعوهم إليه ما هو عبادة الله، وهذا موطن الشاهد الذي يرتبط بالترجمة، أن وظيفة المؤمن إذا بدأ بدعوة الكفار أول شيء تدعو إليه هو عبادة الله.
لذلك هذا الحديث جاء بروايات متعددة، جاء في رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي بعض الروايات -وأعتقد أنها رواية بالمعنى-: «فليكن أول ما تدعوهم إليه توحيد الله»، وجاءت هكذا رواية، وهنا: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». وهذه كلها تصب في نفس المعنى، أن الإنسان يبدأ بسلم الأولويات، أنا ما أبدأ أناقش شخصاً في الصلاة والزكاة وهو لا يقر بلا إله إلا الله، أول شيء أن أجعله متعبداً لله خاضعاً له؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه توحيد الله، فهذا معنى عبادة الله هنا، ما هو التوحيد؟
قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس». هذا حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح. إذاً الناس خضعت، لا تبدأ تعلمهم أركان الإسلام رويداً رويداً، فتبدأ بالصلاة باعتبارها الركن الثاني، ثم بالزكاة، وأن الزكاة تؤخذ من أغنياء أهل القرية فترد في فقراء أهل القرية ولا تنقل إلى قرية أخرى.
ثم قال: «فإن هم أطاعوا بها -شهدوا أن لا إله إلا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة- فخذ منهم الزكاة، وتوقَّ كرائم أموالهم». لما تأخذ الزكاة لا تأخذ منهم أنفس أموالهم، مثلاً زكاة الغنم ما يصير تأتي إلى أفضل شاة عند المزارع تأخذها منه، ما يصير تأتي إلى أفضل ناقة عنده تأخذها، وإنما يأخذ جامع الزكاة ماذا؟ المتوسط من أموالهم حتى لا يجحف بهم، فهذا معنى: «وتوقَّ كرائم أموالهم»، يعني لما تأخذ الزكاة لا تأخذ أفضل شيء عنده، خذ المتوسط حتى لا تجحف به.
قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ أبو منصور بكر بن محمد بن حيد، أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد المطوعي قال حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عبد الله، حدثنا جدي عن حنظلة عن سالم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج لمن استطاع إليه سبيلاً». هذا حديث متفق على صحته من حديث حنظلة بن أبي سفيان، أخرجه البخاري عن عبيد الله بن موسى العبسي عنه، وأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عنه. وموطن الشاهد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الأعمدة التي يقوم عليها الإسلام، جعل أول عمود منها ما هو شهادة أن لا إله إلا الله، ما دام هذا أول عمود إذاً هذا أول ما ينبغي أن تدعو الناس إليه.
قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حسان القرشي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد الأزهري، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، قال أخبرنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه عن أمه عمرة عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك؟». فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله يحبه».
شوف هذا الحديث الجميل، هذا الرجل كان يصلي لأصحابه وفي كل ركعة من الصلوات الجهرية يقرأ لهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فاستغرب الصحابة، فلما رجعوا من السرية سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: يا رسول الله ترى فلاناً فعل كذا وكذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك؟». لماذا كان يتصرف هذا التصرف؟ لماذا يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة؟ شوف هذا الرجل الصادق من داخله قال: لأنها صفة الرحمن، أن سورة الإخلاص تتحدث عن صفة حبيبي الرحمن سبحانه وتعالى فلذلك أنا أحب أن أقرأها. فماذا كان الثواب؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله يحبه».
من يحب قراءة صفات الرحمن وتلاوة الأسماء الحسنى حباً لمولاه، فإن هذا ثمرته أن يحبك الله عز وجل. شوف هذا العطاء الجميل! ماذا يريد هذا الصحابي أعظم من هذه الشهادة؟ أخبروه أن الله من فوق سبع سماوات يحبه. انتهى، إذا رضي الله عن عبد وأحبه كتب له القبول، إذا أحب الله عبداً كتب له القبول. فهذه هي ثمرة انشغالك بالتوحيد، هذه ثمرة انشغالك بصفات الله. هذا ملف الصفات الذي قلنا عنه قبل شوي أن بعض الناس يستهين به، أن صفات الله، حبك لها، دفاعك عنها، وتصحيحك لعقائد الناس تجاهها سبب في أن يحبك الله، فالموضوع يستحق عظيم.
قال رحمه الله: هذا حديث متفق على صحته من حديث عبد الله بن وهب، قال أخرجه مسلم عن أبي عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال عنه أخرجه البخاري عن أحمد بن صالح عنه، وقيل عن رجل عن ابن صالح.
قال رحمه الله: الباب الثاني في الإيمان والدليل على أنه معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. بعد أن ذكر في الباب الأول أن أهم الواجبات على العبيد هي دعوتهم إلى التوحيد، أراد أن يبين في الباب الثاني تعريف الدين، وقد مر معنا قبل قليل في كتاب العقيدة في منظومة الحكم ما تعريف الدين أو الإيمان، فقلنا هناك من يعرفه أنه قول وعمل، وهناك من يختار تعريفه بالتعريف المفصل فيقول: هو معرفة القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. وهذا هو ما اختاره الشيخ أبو سعد المؤذن.
فقال: قال رحمه الله: الباب الثاني في الإيمان والدليل على أنه معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وحقيقة الإيمان في اللغة التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾؛ أي بمصدق لنا. وتصديق محله القلب، قال الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، وقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وقال: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، وجعل القول باللسان إيماناً، ولذلك أثابهم عليه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. فدلَّ بهذه الآية أن الطاعات الجميلة إيمان، لأنه وصف المؤمنين بالأفعال التي يصير بها المؤمن مؤمناً. ثم أخبر أن الإيمان يزداد بزيادة الطاعة، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾.
الزيادة بالطاعة احتمل النقصان بالعصيان. فدل مجموع هذه الآيات التي أتى بها، أراد أن يستدل بهذه الآيات على أن الإيمان يدخل فيه اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. الآن الآيات التي تدل على أن اعتقاد القلب يدخل في الإيمان هي الآية الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، فالإيمان في اللغة هو التصديق ومحله القلب، فـ ﴿آمِنُوا﴾ هي طلب بحصول التصديق وهو محله القلب. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، إذاً جعل الإيمان في قلوبهم مكتوباً منحوتاً، إذاً الإيمان لا بد أن يكون فيه عمل للقلب. قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، الله نفى عن الأعراب مفهوم الإيمان لأن الإيمان لم يدخل في القلوب، إذاً تحصيل أعمال القلوب وتصديق القلوب هذا داخل ولا بد في مسمى الإيمان.
ثم قال: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، وجعل القول باللسان إيماناً، ولذلك أثابهم عليه الله سبحانه وتعالى، لماذا يثيبك على قول اللسان؟ ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، إذاً قول اللسان إيمان وشكل من أشكال الإيمان ولذلك أثابهم عليه. والدليل أيضاً قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، فالتلاوة وهي عمل اللسان تزيد الإيمان، إذاً تلاوة القرآن داخلة في مفهوم الإيمان لأنه قال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فالايمان يزيد بالتلاوة. إذاً التلاوة وهي عمل اللسان داخلة في مفهوم الإيمان.
نعم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، فدل بهذه الآية على أن الطاعات الجميلة إيمان، لأنه وصف المؤمنين بالأفعال التي يصير بها المؤمن مؤمناً. في هذه الآية الله عز وجل لما ذكر صفات المؤمنين ماذا قال؟ قال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، من المؤمن؟ الذي يجل قلبه، ويزداد إيماناً مع تلاوة القرآن، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. فإقامة الصلاة من عمل الجوارح، وإيتاء الزكاة من عمل الجوارح، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، فجعل سبحانه وتعالى أيضاً أعمال الجوارح في هذه الآية داخلة في مسمى الإيمان.
إذاً أفعال الجوارح أيضاً لا تخرج. الآن خلافنا مع من؟ خلافنا مع المرجئة، المرجئة هي التي ترى أن الإيمان فقط هو أعمال القلب، وأن أعمال الجوارح غير داخلة، وبعضهم يرى أن الإيمان هو القلب واللسان وأن الجوارح غير داخلة، يعني المرجئة أنواع؛ بعضهم يرى أن الإيمان قلب ولسان والجوارح غير داخلة، وبعضهم يرى أن الإيمان قلب فقط، وأن حتى اللسان لا يدخل. وأما أهل السنة والجماعة فيرون أن الإيمان يشمل اعتقاد القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، وقول الجوارح، وعمل الجوارح. هل القرآن يدل على أن مفهوم الإيمان يشمل هذه الثلاثة؟ هو استقرأ لك الآيات التي تدل على أن لفظ الإيمان أطلق في القرآن على أعمال القلوب، وعلى عمل اللسان، وعلى عمل الجوارح، هذه فائدة إتيانه بهذه الآيات هنا.
نعم، قال رحمه الله: ثم أخبر أن الإيمان يزداد بزيادة الطاعة، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال تعالى: ﴿لِّيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ هُدًى﴾، وما احتمل الزيادة بالطاعة احتمل النقصان بالعصيان. نعم، إذاً كما قلنا أيضاً في العقيدة قبل قليل، والإيمان عند أهل السنة والجماعة يزيد وينقص، والقرآن صرح بزيادته، لكن هل القرآن صرح بالنقصان؟ لا، لكن كل شيء يزيد فهو يقبل النقصان، لذلك ماذا قال أبو سعد؟ وما احتمل الزيادة بالطاعة احتمل النقصان بالمعصية، حتى ولو لم يتم التنصيص على النقصان في القرآن، فدل مجموع هذه الآيات.
نعم، قال رحمه الله: فدل مجموع هذه الآيات أن الإيمان ذو أركان ثلاثة كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما قال: أخبرناه أبو أحمد عبد الرحمن بن إسحاق الأديب، أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الفراتي، قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا عبد السلام بن صالح الهروي، حدثنا علي بن موسى الرضا، قال حدثنا أبي عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان».
هذا الحديث قال أبو سعد المؤذن إنه صحيح، والصحيح أنه ضعيف جداً جداً ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عرف الإيمان، بل حتى أن ابن الجوزي ذكره من الموضوعات. فأنا مما يستغرب من أبي سعد المؤذن أنه عده صحيحاً، طبعاً مشكلة الحديث في أبي السلط عبد السلام بن صالح، هذا الرجل عند جماهير علماء الجرح والتعديل متروك الحديث ضعيف جداً، حتى ولو قيل إن يحيى بن معين وثقه، لكن جماهير علماء الحديث على أن هذا الرجل لا تقبل مناكيره، وبالتالي الحديث هذا لا يصح، وإن كان معناه صحيحاً، لكن لا يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف الإيمان.
نعم، قال رحمه الله: هذا حديث صحيح، فإن يحيى بن معين قد وثق أبا السلط عبد السلام بن صالح الهروي وله طرق. لكن هذا التعليق من أبي سعد غير صحيح، هذا رأيك، لكن جماهير المحدثين على أن هذا الحديث إذا لم يكن موضوعاً فأقل أحواله أنه ضعيف جداً جداً.
نعم، قال رحمه الله: سمعت مسعود بن ناصر الحافظ يقول، سمعت مسعود بن علي الحافظ يقول، سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد الصيرفي يقول، سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول، سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: لا يتم إيمان العبد إلا بخمس خصال: معرفة بالقلب. انظر لهذا الكلام من الإمام الشافعي، يقول لا يتم إيمان العبد إلا بخمس خصال، واحد قال: معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، والعمل بالأركان، مع النية والسنة، فلا بد خمسة أشياء، معرفة القلب، وإقرار اللسان، والعمل بالأركان، وبعض السلف يزيد النية والاتباع اللي هو النية والسنة.
سنعرف لماذا من خلال كلام الشافعي، قال: فمن عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه كان إيمانه كإيمان اليهود، حيث قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فمن أقر بقلبه لكن رفض التلفظ بالشهادتين وأن محمداً رسول الله، هذا إيمان اليهود.
نعم، قال رحمه الله: من أقر بلسانه ولم يعرف بقلبه كان إيمانه كإيمان المنافقين، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، العكس؛ من أقر بلسانه ولكن لم يقر قلبه فهذا منافق.
نعم، قال رحمه الله: من عرف بقلبه وأقر بلسانه ولم يعمل بأركانه كان إيمانه كإيمان إبليس، حيث قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وين موطن الشاهد في هذه الآية على أن إبليس معترف بقلبه مقر بلسانه؟ إنه هو شو بيحكي؟ ﴿قَالَ رَبِّ﴾، إذاً هو مقر بقلبه مقر بلسانه، لكن لماذا كفر؟ لأنه لم ينقد بجوارحه. ولذا قلنا قبل قليل إن من شروط لا إله إلا الله الانقياد والقبول، الانقياد باطناً وظاهراً، فإبليس لم ينقد ظاهراً لله فكفر.
نعم، قال رحمه الله: ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه وعمل بأركانه ولم ينوِ كان كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه وعمل بأركانه ونوى لم يكن على السنة. إذاً الآن سنعرف لماذا زاد النية والسنة؛ أنه من عرف بقلبه الله وأقر بلسانه وعمل بأركانه لكنه لم ينوِ بأعماله الظاهرة والباطنة وجه الله، وإنما رأى الناس، فهذا لا يقبل الله سبحانه وتعالى منه شيئاً، حتى لو عرفت بقلبك وقلت لا إله إلا الله بلسانك وعملت الطاعات بأركانك، لكن لما عملت الطاعة كنت مرائياً ولم تكن عندك نية، فأنت لم تحقق الإيمان بعد.
نعم، قال رحمه الله: ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه وعمل بأركانه ونوى، لأن النية هنا بمعنى الإخلاص، النية عند علماء العقائد بمعنى الإخلاص، كان كما قال: الإخلاص. نعم قال: ونوى ولم يكن على السنة كان كمن صام رمضان في شوال. نعم، يقول الشافعي: ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه وعمل بأركانه وكان مخلصاً لكنه مبتدع، عبد الله بغير السنة، هذا كرجل صام رمضان بس في شهر شوال، هل يقبل صيام رمضان في شوال؟ كذلك أهل البدع؛ عرفوا بقلبهم وأقروا بلسانهم وعملوا بعمل لله ومخلصين، لكنه مبتدع، للأسف يعبد الله بغير ما شرع الله، فهذا يضيع وقته كمن صام رمضان في غير وقته.
نعم، قال رحمه الله تعالى: ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه وعمل بأركانه ونوى ويكون على السنة، كان مؤمناً مستكملاً الإيمان. فهذا الذي استكمل الإيمان، عرفنا إذاً لماذا يزيدون الإخلاص والسنة، لأنه مجرد الإقرار بالقلب واللسان والجوارح إذا لم يكن فيه إخلاص واتباع لا يكون مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى. فشرط قبول العمل شرطان، ما هما؟ الإخلاص والاتباع، فزاد الشافعي شروط قبول العمل اللي هي الإخلاص والاتباع على أركان الإيمان، فصارت خمسة.
نعم، قال رحمه الله: فإن أصاب ذنباً بعد ذلك فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن يوسف بن عبد الله الجويني، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الإسفراييني، أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحافظ، قال حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، حدثنا أبو أسامة، حدثنا أبو حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارزاً للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث». قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك». قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها فذلك من أشراطها، وإذا كان العراة الحفاة رؤوس الناس فذلك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله»، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردوا عليَّ الرجل»، فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم».
هذا هو حديث عمر بن الخطاب المشهور لكنه هنا برواية أخرى وبسياق آخر، وسيأتي حديث عمر المشهور في صحيح مسلم بعد قليل إن شاء الله، وموطن الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث»، وموطن الشاهد أنه جعل تصديق القلب وهذه كلها «تؤمن، تؤمن، تؤمن» بمعنى التصديق، فجعل تصديق القلب ركناً في تحصيل الإيمان، الإيمان أن تصدق بالله وتصدق بملائكته وكتبه ورسله، فالاعتراف بالقلب وتصديق الإيمان هو أساس الإيمان. وهكذا كان يقول ابن تيمية: إن أصل الإيمان ما هو القلب، وإن اللسان والجوارح هي فروعه وثماره، حتى ولو قلنا إن كلها في الإيمان، لكن أنت عليك أن تفهم أن أساس ومنطلق الإيمان وجذره هو القلب، أن تصدق بقلبك بالله والملائكة، ثم يظهر أثر ذلك على جوارحك من خلال الأعمال الصالحة، فاللسان والأركان هي ثمار وفروع لما ابتدأ في القلب.
نعم، قال رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان التميمي الكوفي، قال: أخرجه البخاري عن مسدد، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة، كلهم عن إسماعيل بن علية، ووقع إلينا عالياً من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي عنه.
قال رحمه الله تعالى: الباب الثالث في القضاء والقدر والمشيئة والإرادة، والدليل على أن ذلك كله من الله وإرادته. الآن هو سيهتم أبو سعد المؤذن بإيراد الأبواب العقدية التي وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية، يعني هو لن يبوب لكل المسائل العقدية، هو سيبوب للمسائل التي وقع فيها خلاف، يعني تعريف الإيمان وقع فيه خلاف، نعم، لأنه هناك من يقول إن الإيمان هو فقط تصديق القلب، مش قلنا المرجئة تقول ذلك، فلماذا بوب لتعريف الإيمان؟ بسبب وجود خلاف بين الفرق الإسلامية في تعريف الإيمان. طيب لماذا الآن بوب "الباب الثالث في القضاء والقدر"؟ مر معنا قبل قليل في العقيدة وجود القدرية وعكسهم الجبرية، فأراد أن يبين المنهج الصحيح وهو أننا نثبت القضاء والقدر، وأن هناك مشيئة لله سبحانه وتعالى في الكون وهناك مشيئة أيضاً للمخلوق في هذا الكون، لكن مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، لكن أهل السنة يثبتون.
نثبت مشيئتين: المشيئة الكونية القدرية، والمشيئة الشرعية وهي الأوامر والنواهي؛ فنحن نثبت أوامر ونواهي وهذا مراد الله شرعاً، ونثبت القضاء والقدر وهذا مراد الله كوناً. فيجب أن تفهم أن المشيئة مشيئة كونية وهي القضاء والقدر، ومشيئة شرعية وهي الشريعة الأوامر والنواهي.
قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16]. قل الله خالق كل شيء حتى أفعال العباد، لذلك أتى بهذه الآية؛ فالله خلق كل شيء: خلق الخير وخلق الشر، وكل شيء بمشيئته؛ فالخير بمشيئته، والشر بمشيئته الكونية، وكل شيء بخلقه؛ الخير بخلقه والشر بخلقه.
قال رحمه الله تعالى فنفى أن يكون خالق غيره، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]، فنفى أن يكون هناك في هذا الكون خالق غيره. وهذا رد أيضاً على المجوس؛ على بعض الفرق المجوسية الثنوية الذين كانوا يقولون إن هذا الكون فيه إله يخلق الخير وإله يخلق الشر. بعض الناس يظن أنه بهذا يُنزه الله، والمعتزلة أصلاً بدأت لا تريد أن تقول إن الله يخلق الشر، ولذلك قالت إن الزنا والخمر هذا العبد يخلقه بنفسه، ولكن نقول لا؛ الصواب أن الله خالق كل شيء. ونسبة أن الله يخلق الشر هذا لحكمة وليس عبثاً؛ فالله لما يخلق وجود الشر والطغاة والمجرمين والمستبدين في هذا الكون، هل هذا عبث؟ لا، بل لحكمة؛ يبتلي بعضنا ببعض. فإذاً كل شيء يحصل في هذا الوجود من خير أو شر فهو بمشيئة الله وبخلق الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2]. موطن الشاهد في الآية الثانية: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، ماذا تفهم منها؟ أن الله خلق أشياء من الشر، صح؟ لما تقول: أستعيذ بك يا رب من شر ما خلقته، إذاً من الذي خلق الشر وأراده؟ الله سبحانه. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، وهذا يعم؛ الله خلقكم وخلق أعمالكم، وأعمالنا فيها الخير وفيها الشر. قال رحمه الله: وهذا يعم الخير والشر من أفعال الخلق.
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43]. الضحك عمل جميل خلقه الله فينا، والبكاء شر وهو خلقه فينا؛ هذا موطن الاستشهاد في الآية أن الله يخلق الخير وهو الضحك، ويخلق الشر وهو البكاء؛ فالله يخلق الأضداد.
وقال في المشيئة والإرادة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13].
إذاً فالآيات الأولى كانت كلاماً عن الخلق وأن الله يخلق الخير والشر، والآيات الجديدة هذه كلام عن المشيئة. ولذلك الإيمان بالقدر في أربع مراتب: أن تؤمن بعلم الله، وبكتابة الله، وبمشيئة الله، وبخلق الله؛ هكذا تستكمل الإيمان بالقدر. لازم تؤمن أن الله يعلم الأشياء قبل وجودها وبعد وجودها، وتؤمن أن الله سبحانه وتعالى أمر بكتابة كل شيء إلى قيام الساعة، وتؤمن أن الله شاء الأشياء خيرها وشرها، وأن الله خلق الأشياء خيرها وشرها؛ إذا جمعت هذه المراتب الأربع فأنت آمنت بالقدر.
قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الخشنامي، وأخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد البالوي، وأخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف الأموي، أخبرنا محمد بن عبيد الله بن المنادي، قال: حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، إن قوماً يزعمون أن ليس قدر. قال: فهل عندنا منهم أحد؟ قال: قلت لا. قال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم أن ابن عمر بريء إلى الله عز وجل ورسوله، وأن قوماً يزعمون ليس قدر.
هذا واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، هؤلاء قوم جاءوا من البصرة يسألون الصحابي عبد الله بن عمر، يقولون: يا عبد الله بن عمر، خرج عندنا في البصرة أناس ينفون القدر؛ يعني ينفون علم الله السابق، ويقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه. فعبد الله بن عمر لاحظ هذه البدعة كم هي قديمة ظهرت من أيام الصحابة من أواخر أيام الصحابة. فقال عبد الله بن عمر: فأبلغهم عني إذا لقيتهم أن ابن عمر بريء إلى الله عز وجل ورسوله منكم، وأنتم منه براء.
سمعته عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآن عبد الله بن عمر هو الذي روى حديث جبريل؛ عبد الله بن عمر في هذه الواقعة هو الذي روى لنا حديث جبريل عن عمر بن الخطاب: بينما نحن جلوس، إذ جاءه رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلدة، يتخطى حتى برك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، برك يعني جلس بين يديه كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان». قال: فان فعلت هذه الرواية فيها بعض الزيادات التي ليست في الرواية المشهورة؛ هذه رواية أبي سعد المؤذن، وإلا في الرواية المشهورة لا يوجد الاغتسال من الجنابة وإتمام الوضوء.
قال: فان فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: «نعم». قال: صدقت. قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: طبعاً هو عبد الله بن عمر إنما سرد هذا الحديث من أجل هذه الجملة: وتؤمن بالقدر خيره وشره، هذا موطن الشاهد أن كله من الله سبحانه، ولاحظ أيضاً هنا زيادة لفظ: وتؤمن بالجنة والنار والميزان، وهي ليست موجودة في الرواية المشهورة للحديث. قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: «نعم». قال: صدقت.
قال: يا محمد ما الإحسان؟ قال: «أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك». قال: فإذا فعلت هذا فأنا محسن؟ قال: «نعم». قال: صدقت. قال: فمتى الساعة؟ قال: «سبحان الله ما المسؤول بأعلم بها من السائل، إن شئت أنبأتك بأشراطها». قال: أجل. قال: «إذا رأيت العالة الحفاة العراة يتطاولون في البنيان، وكانوا ملوكاً». قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: العريب يعني الأعراب. العالة الفقراء الذين يتطاولون في البنيان؛ هم أعراب ما كان عندهم شيء، ثم أصبحت بعد ذلك عندهم الأبراج وأصبحت عندهم الدنيا فُتحت عليهم. وهذا ليس شرطاً أن يكون ذماً لكل من وقع في هذا؛ بعض أن هذا بحد ذاته ذم، هو ذم لمن يتفاخر بالبنيان ويتباهى به. أما كون الأعراب يبني بيتاً أو قصراً، هذا بحد ذاته لا يُذم عليه إذا كان بالحلال، ولكن المشكلة؛ الظاهر من الحديث أنهم هم في نوع من التباهي والتفاخر والتكاثر في الدنيا والإقبال عليها، هذا هو المذموم، وليس مجرد أنه أعرابي يتقدم ويصبح عنده بيت مذموم. الإسلام لا يمنعك أن تتقدم في وضعك المالي، لكن يمنع أن تكون تهتم بالدنيا ويصبح هدفك التنافس في بناء الأبراج كما يحصل الآن في بعض الدول.
قال: «وإذا ولدت الأمة ربتها أو ربها، فذاك من أشراط الساعة». إذا ولدت الأمة ربها، اختلف الشراح في شرح هذا، فقال بعضهم: هذا يدل على انتشار العقوق؛ أن المرأة تلد ابناً أو ولداً ويصبح هذا الولد يقسو عليها ويعاملها معاملة السيد لأمته، هذا يدل على انتشار العقوق في آخر الزمان أن ترد المرأة ولداً يعاملها معاملة السيد؛ يصرخ على أمه، يعاتب أمه، يضرب أمه والعياذ بالله. وقيل هذا انتشار، وقيل هذا دلالة أنه في آخر الزمان يعود السبي وتعود الإماء، فالمرأة مع اختلاط الأمور ترد الأمة ولداً، في يوم من الأيام يصبح سيداً عليها وهو لا يعرف أن هذه أمه؛ هذه الأمة تلد من سيدها تلد ولداً، هذا الولد يصبح مسؤولاً في مكان أو شيء وتقع أمه عنده في ملكه وهو لا يعرف أنها أمه، وهذا يدل على اختلاط الأمور في آخر الزمان، فيدخل الحابل بالنابل كما يقولون؛ هذا شرح آخر.
قال: صدقت، ثم نهض فولى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليّ بالرجل»، فطلبناه فلم نقدر عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، فو الذي نفسي بيده ما شُبّه عليّ منذ أتاني غير مرتي هذه، وما عرفته حتى ولّى». أخرجه مسلم في الصحيح؛ النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الرواية يقول: «أنا ما عرفته حتى ولّى»، وهذه أيضاً الإضافة ليست موجودة في الرواية المشهورة للحديث. قال: أخرجه مسلم في الصحيح عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد المؤدب، قال: أخبرنا شيخ. إذاً هنا أنبهكم على قضية في هذا الكتاب، وهو أن أبا سعد المؤذن وإن كان التزم أن يخرج أحاديث متفقاً عليها، لكنه يخرجها بأسانيده هو، هذا زي المستخرجات؛ في أسانيده هو يكون عنده ألفاظ زيادة في الحديث ليست موجودة عند البخاري ومسلم. فهمتم؟ يعني هو ماشي ويروي أحاديث البخاري ومسلم لكن يرويها بأسانيده هو، وإسناده هو قد يكون يختلف عن إسناد البخاري، وقد يكون عنده زيادة في ألفاظ المتن ليست في أصل البخاري ومسلم، فينتبه أن ليس الآن لما نقول رواه البخاري أو مسلم يعني أصل هذا الحديث عندهما، لكن في هناك ألفاظ ليست عندهما من طريق أبي سعد المؤذن وردت.
قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الشيخ الإمام أبو القاسم إسماعيل بن زاهر بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله السكري ببغداد، قال أخبرنا إسماعيل بن محمد بن صفار، أخبرنا سعدان بن نصر بن منصور، قال حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك».
«إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً»، وهذه البويضة المخصبة، «ثم يكون علقة مثل ذلك»، الذي يظهر والله أعلم بناءً على حتى العلوم الحديثة أن العلقة والمضغة هي كلها في الأربعين الأولى، وأن معنى قوله «مثل ذلك» أي مثل ذلك في اجتماع خلقه وتماسكه؛ يعني أن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً خلال الأربعين يوماً يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة. طيب ما معنى «ثم يكون علقة مثل ذلك»؟ مثل ذلك أي في الاجتماع وليس في العدد؛ لأنه قال «يجتمع خلقه»، ثم يكون علقة مجتمعة، ثم يكون مضغة مجتمعة. وإلا فأنت إذا أتيت إلى الطب الحديث لا يكون مضغة بعد 80 يوماً؛ يعني لا يبدأ تشكل المضغة بعد 80 يوماً، لا، خلال الأربعين يوماً الأولى هو يبدأ يتشكل نطفة وعلقة ومضغة، بدليل أن المرأة بعد الشهر الأول تذهب إلى الطبيب -صح؟- إلى الطبيبة، تذهب تمام، فلما تكشف عليها تبدأ تظهر تشكلات، طيب وهي التشكلات ما هي؟ المضغة هي قطعة اللحم، إذاً المضغة بدأت من الشهر الثاني، لأن النطفة هي المني وتدخل على البويضة المخصبة، العلقة هذا دم، المضغة ما هو لحم، فاللحم متى يبدأ يظهر على السونار؟ بداية من الشهر الثاني، ومنكم متزوج قد يعرف ذلك، يعني من ذهب بزوجته يعرف أن قطعة اللحم تبدأ تظهر في الشهر الثاني، إذاً النطفة والعلقة والمضغة هذا كله في الأربعين الأولى، فما معنى المثلية؟ المثلية في الاجتماع والخلق المتماسك، والله أعلم.
قال: وإن كان بعض العلماء الأقدمين يقول بخلاف هذا، لكن حقيقة هي المسألة لها علاقة بالطب أيضاً؛ يعني ما يثبته الطب ما دام لا يتعارض مع الحديث ويمكن الجمع بينهما يجب أن يفسر الحديث بهذه الطريقة، خاصة أن هناك حديث أيضاً حذيفة بن أسيد يوافق الطب الحديث علناً أن النفخ وهذا يكون بعد الأربعين.
قال: «ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع»، اكتب اكتب: «رزقه»، وهذا موطن الشاهد أن الله سبحانه كتب المقادير ونحن في بطون أمهاتنا. «ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد»، هذا موطن الشاهد في الحديث الذي له علاقة بترجمة الباب، أن كل شيء بقدر، وأن الله كتب لك ما أنت فاعل، وأين نهايتك، وهل أنت من أهل الجنة ومن أهل النار قبل أن يخلقك وقبل أن يوجدك. قال صلى الله عليه وسلم: «والذي...».
لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له الكتاب، يقصد بالكتاب اللوح المحفوظ؛ أي يسبق ما كتب الله له في اللوح المحفوظ أنه من أهل السعادة. فمن كان مكتوباً له أنه من أهل السعادة، لو طال عمره وهو يعمل عمل أهل النار، لا بد وأن يوفقه الله إلى ختام يكون فيه من أهل الجنة؛ فمن يعمل بعمل أهل النار إذا كتب الله له في اللوح المحفوظ أنه من أهل الجنة، سيوفقه في آخر عمره ليعمل أعمال أهل الجنة، يوفقه للتوبة، يوفقه للصلاح، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها.
وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها. والعكس؛ أن الإنسان لا يعمل بعمل أهل الجنة وما يبقى بينه وبين دخول الجنة إلا ذراع (ستون سنتيمتراً) فيسبق عليه الكتاب، يعني ماذا يسبق عليه الكتاب؟ أي يسبق ما كتب الله له في اللوح المحفوظ. ماذا كتب الله له؟ أنه من أهل النار، فيعمل بعمل أهل النار في آخر عمره فيدخلها.
بالتالي الإنسان يجب أن يبقى خائفاً وجلاً. لكن أنبه لقضية وردت في بعض روايات الحديث، وهي أن الإنسان إذا كان صادقاً من داخله لعمل أهل الجنة لا يمكن أن يخذله الله في آخر عمره، إذا كان صادقاً. ولكن جاء في بعض الروايات: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس» أو «فيما يبدو للناس». هذا هو الذي يظهر لي معنى الحديث، أن الإنسان قد يظن أنه يعمل بعمل أهل الجنة ولكن لا يراعي نيته ولا يفتش في قلبه، وفي الحقيقة يكون قلبه مليئاً بالرياء، هذا الرياء الذي عشعش عليه سيكون سبباً في خذلانك في آخر عمرك فتنتكس والعياذ بالله. هذا أحد الفهوم.
والفهم الآخر: أن يكون إنسان من أهل الطاعة وعنده عمل أهل الجنة، لكن عنده ذنوب خلوات؛ أي الإنسان يعمل بعمل أهل الطاعة وهو صادق، لكن ما مشكلته؟ عنده ذنوب خلوات لا يعبأ بها، فهو أمام الناس يعمل بعمل أهل الجنة، وشيخ وطالب علم وماسك كتاب وذاهب للدورات وأموره طيبة وهو صادق؛ يعني هو ليس مرائياً للناس لكن عنده ذنوب خلوات، هو غير مهتم بهذا الملف ولا يعبأ بالتوبة منها فتكون سبباً في انتكاسته في آخر عمره.
إذاً الانتكاسة في آخر العمر إما سببها الرياء أو سببها عدم الالتفات إلى الذنوب والتوبة منها، فبسببها يخذلك الله عز وجل. وأيضاً هناك علم سابق، يعني هو في النهاية علم الله السابق أنك ستبقى على هذه الصورة، لكن أنت لا تبقى منشغلاً بالقدر؛ هل تجلس تفكر في بيت ربنا أين كتبني من أهل الجنة ولا من أهل النار؟ لا، هي ليست شغلتي، أنا شغلتي: «اعملوا فكل ميسر». أنا أعمل بسقف المتاح، أما القدر فهذا صندوق مغلق، التفكير فيه يجلب الوسواس ويجلب الخوف ويجلب الارتباك ولا فائدة، ما رح تستفيد لو فكرت من الآن لعشر سنوات هل كتبك الله من أهل الجنة أو من أهل النار؟ هل ستعرف الحقيقة؟ لا، فالمنطق السوي أن الإنسان يشتغل بالسقف المتاح وهو العمل، وسياتي معنا.
قال رحمه الله: متفق على صحته من حديث أبي محمد سليمان بن مهران الأعمش، أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عنه، وأخرجه البخاري عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عنه.
قال أخبرنا الشيخ الزكي وأبو نصر عبد الرحمن بن علي بن موسى رحمه الله، أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد المقرئ ببغداد، أخبرنا يحيى بن محمد بن صعد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حاج آدم موسى، فقال موسى: يا آدم أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم». فموسى عليه السلام يقول لآدم: يا آدم أنت سبب هذه الورطة التي نحن فيها، أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بسبب ذنبك وكتبت علينا الشقاء والذنوب، أو كنت سبباً في أن نشقى وأن نقع في هذه الإشكالات.
فقال له آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله على الناس برسالته وبكلامه، تلومني على أمر كتبه الله وقدره علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فحج آدم موسى». أي آدم غلب موسى في الحجاج. لماذا؟ آدم استدل بالقدر على ماذا؟ هذا هو السؤال، آدم عليه السلام استدل بالقدر على ماذا؟ على أثر المعصية وهو النزول إلى الأرض، أم على فعل المعصية نفسها؟ لا، الفعل بصير، الواحد لما يعمل معصية ويتوب منها يقول: ما هي خلاص بقضاء وقدر. هل يجوز أن تحتج بالقضاء والقدر على المعصية؟ أم تحتج بالقضاء والقدر على أثر المعصية؟ يعني أنت عصيت فربنا سبحانه حرمك من وظيفة، فصار أبوك أو زميلك يقول لك: شايف انحرمت من الوظيفة بسبب معصيتك، بتقول له: يا أخي خلاص انحرمت من الوظيفة، قدر الله وما شاء فعل. هنا أنت تستدل بالقدر على حصول أثر المعصية.
لكن هناك سؤال: هل فعلاً لا يجوز أبداً الاحتجاج بالقدر على المعصية؟ ابن القيم بحث هذه المسألة وقال: إذا كان الإنسان فعل معصية وندم منها وتاب وأقلع، ثم كل فترة تراوده نفسه والشيطان يوسوس له: أنت إنسان فاشل، أنت عملت معصية، في هذه الحالة يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية حتى تطرد الشيطان، وهذه فعلها كعب بن مالك كما في الحديث الطويل لما تكلم لماذا تخلف عن غزوة تبوك، قال: فليتني فعلت ولكن قدر الله، هكذا قال كعب. لماذا احتج بالقدر على معصيته؟ لأن الإنسان بعد أن يتوب من معصية أحياناً الشيطان يحاول يضعفك ويشعرك أنك إنسان فاشل، وأنه أنت إنسان صاحب معصية، بتصير تجلد نفسك، هنا في هذا المقام إذا كنت تائباً حقاً يقول ابن القيم لا إشكال أن تستحضر القدر. أما غير التائب لا، ليس له أن يحتج بالقدر على معصية. واحد يشرب خمر بعدين تقول له يا فلان، يقول لك: ما هو قضاء وقدر، هذا مر معنا أن هذا لا يصح، وأن هذا مذهب الشياطين والمشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: 148]. المصر على المعصية ليس له أن يقول قدر الله ما شاء فعل؛ لأنه أنت بتقدر تتركها، لكن الذي وقع في معصية وتاب له أن يقول قدر الله ما شاء فعل.
ولذلك نستطيع أن نقول: يمكن أن يكون آدم احتج بالقدر على معصيته باعتبار أنه خلص أنا تبت منها يا موسى، وبدك تظل تلومني على معصية أنا تبت منها والله تاب علي؟ ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]، فتبقى تجلدني؟ لا يصلح. فهذا محتمل وهذا محتمل.
قال رحمه الله: حديث متفق على صحته من حديث أبي إسماعيل أيوب بن النجار اليمامي، قال أخرجه البخاري عن قتيبة بن سعيد عنه، وأخرجه مسلم عن عمر الناقد عنه.
قال رحمه الله: أخبرنا شيخ الرئيس وأبو عمر عثمان بن محمد بن عبيد الله بن أحمد المحمي، وأخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد المزكي قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا حسن بن عرفة، حدثنا إسماعيل بن علية عن يزيد الرشكي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عمران بن حصين قال رجل: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قال: ففيما يعمل العاملون؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» أو كما قال.
هذا الحديث الذي قلناه، إن الصحابة فعلاً استشكلوا بعض المسائل في القضاء والقدر، قالوا يا رسول الله: هل انتهى من كتابته من أهل الجنة ومن أهل النار؟ هل يعلم مسبقاً من أهل الجنة ومن أهل النار؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فالرجل سأل سؤالاً مشروعاً؛ قال: ففيما العمل؟ يعني إذاً لماذا؟ شو الفائدة أن نعمل إذا كان أهل الجنة معروف من هم وأهل النار معروف من هم؟ قال: «اعملوا فكل ميسر».
ماذا يعني؟ أنت الآن كائن بشري، السقف المتاح لك ما هو؟ العمل. أنت ليس متاحاً لك أن تعرف ما في صندوق القدر حتى تتكل على ما في الصندوق، وتقول خليني أشوف صندوق القدر شو مكتوب لي فيه وبناء عليه خلص، أهل النار ما في داعي للعمل، وأهل الجنة برضه ما في داعي للعمل. هذا غير متاح للإنسان، صحيح غير متاح لك أن تعرف ما في القدر، القدر كما قال العلماء سر الله في خلقه، خلاص هذا باب مغلق. السقف المتاح يا أيها الإنسان أن تعمل، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]، وربنا وضح لك طريق الخير وطريق الشر، اعمل. فإذا فعلت طاعة فاحمد الله؛ لأنه معناها أن ربنا كتب لك الطاعة وهذا مؤشر إيجابي، وإذا وجدت نفسك تعمل معصية بدك تخاف؛ لأنه هذا معناه أن ربنا كتب عليك المعصية وهذا شيء سلبي عليك، أليس كذلك؟
فهي الفكرة بتخليك دوماً حريصاً أن تجتنب المعاصي وافعل الطاعات؛ لأنه بعد كل طاعة سأكون مسروراً إذا كتب لي أنني أفعل طاعة، وبعد كل معصية سأكون خائفاً: لماذا أنا أفعل المعاصي؟ هل مكتوب؟ معقول أنني مكتوب من أهل النار؟ فأعمالك في الدنيا سترشدك إلى أين أنت ذاهب. تمام، «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». فإذا رأيت الله يدفعك إلى الطاعة، إلى مجالس العلم، إلى صحبة الصالحين، ويحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، فاحمد الله على أنه أراد بك ذلك، ولكن عليك أن تبقى خائفاً. ولماذا المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء؟ لأنه أنا لا أعلم بماذا سيختم لي. لا أعلم بماذا سيختم لي، فتحمد الله وتشكره وتسر بطاعتك، ولكن تبقى وجلاً خائفاً؛ لأنك لا تعرف كيف سيكون الختام.
قال رحمه الله: أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية، وأخرجه هو والبخاري من حديث شعبة عن يزيد.
قال أخبرنا أبو سهل محمد بن أحمد الحفصي، قال أخبرنا أبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهني، حدثنا محمد بن يوسف الفربري، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن مقاتل، حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا موسى بن عقبة عن سالم عن عبد الله قال: كثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: «لا ومقلب القلوب». هكذا أخرجه البخاري في الصحيح. ما الدليل في هذا الحديث على القضاء والقدر؟ من يعرف؟ أن مقلب القلوب من هو؟ الله. إذاً هذه القلوب تقلبها بين الطاعة والمعصية والإيمان والكفر بقدر أم باختيار الإنسان؟ في قدر؛ يعني أنت لك اختيار لكن أنت ليست مشيئتك مطلقة، هي مرتبطة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، فهذا الدعاء يدل على أن كل شيء بقضاء وقدر، فمقلب القلوب هو الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن حسان القرشي، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا عباس بن وليد بن مزيد، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن نواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً ويضع آخرين، وقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أقامه وإذا شاء أزاغه». قال نعم، وقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقام قلبك على الاستقامة، وإن شاء سبحانه أزاغ قلبك، إذاً الأمور أيضاً بقضاء وقدر، فعليك أن تطلب النجاح والفلاح ممن بيده قلبك وهو الله سبحانه وتعالى.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». هذا حديث صحيح أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال أخبرنا الشيخ الحافظ والدي أبو صالح رحمه الله، أخبرنا أبو نعيم الأزهري.
أخبرنا أبو عوان الحافظ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل نبي دعوة، فأريد أن أختبئ دعوتي إن شاء الله شفاعة لأمتي يوم القيامة».
من يخبرني أين موطن الشاهد في الحديث على القضاء والقدر؟ إن شاء الله، كلمة «إن شاء الله»، لأنه أثبت المشيئة لله. فأريد أن أختبئ دعوتي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الله سبحانه أعطى لكل نبي دعوة مستجابة؛ يعني دعوة يقينا ستستجاب له، فكل نبي وضع دعوته فيما شاء، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الوحيد الذي اختبأ دعوته ما طلبها في الدنيا، قال: يا رب أنا أريدها يوم القيامة حتى أجعل هذه الدعوة شفاعة لأمتي. انظر حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليك، اختبأ الدعوة المستجابة لتكون لنا لأمته. إن شاء الله، لأن كل شيء في النهاية بمشيئة الله وقدره. نعم، قال رحمه الله: أخرجه مسلم عن يونس بن عبد الأعلى هكذا، وأخرجه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن ابن شهاب.
قال: أخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن يحيى بن إبراهيم المزكي، أخبرنا علي بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو سعيد عمرو بن محمد الضرير، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن زهير الحلواني، حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال سليمان بن داوود: لأطوفن الليلة على مئة امرأة، فتلد كل امرأة غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يستثن».
قال: نعم سليمان بن داوود عليه السلام قال: سأطوف، يعني سأعاشر الليلة مئة امرأة، كل امرأة طبعا في الزمن القديم ليس كحالنا، يعني كل شريعة تختلف، إحنا في شريعتنا نحن نتزوج أربعة، والنبي صلى الله عليه وسلم كنبي أعطاه الله المساحة أن يتزوج بما شاء وتزوج بإحدى عشرة ومات عن تسع، سليمان بن داوود كان في شريعته -هل هذا من خصائصه أم حتى هي جائز في شريعته؟ الله أعلم- لكن المهم أنه كان عنده مئة زوجة، فقال: لأعاشرن الليلة مئة امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. شوف نيته جميلة لكنه ماذا؟ نسي أن يقول إن شاء الله، هذا معنى ولم يستثن، إيش يعني ولم يستثن؟ يعني نسي أن يقول إن شاء الله، لم يعلق الأمر على مشيئة الله.
قال: فطاف على مئة امرأة فلم تلد له إلا امرأة، وولدت نصف إنسان. فعاشر المئة امرأة ولا واحدة ولدت إلا واحدة ولدت نصف إنسان، يعني إنسان غير مكتمل. نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان استثنى لولدت كل امرأة منهن غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله». النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنه قال إن شاء الله لحصل له مراده، وهذا يدل أن الإنسان منا إخواني كلما أراد أن يفعل شيئاً، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24]، دائما قل إن شاء الله، لأن الله قد يحرمك حصول بغيتك إذا نسيت إن شاء الله، قد يحرمك حصول مرادك في الغد كمعاقبة لك ومعاتبة حتى تنتبه. نعم، قال رحمه الله: متفق على صحته من حديث محمد بن سيرين، أخرجه من حديث أيوب السختياني عنه، وقع إلينا عالياً من حديث هشام عنه.
قال: أخبرنا عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح المراغي، أخبرنا عبد الملك بن محمد العدل ببغداد قال: أخبرنا حمزة بن عباس العقبي، قال حدثنا محمد بن غارب، حدثنا قعنبي، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله صنع كل صانع وصنعته». حديث صحيح احتج به، إن الله صنع، وفي رواية «إن الله خلق كل صانع وصنعته»، هذا من أقوى الأحاديث التي أوردها البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، البخاري له كتاب مستقل اسمه خلق أفعال العباد، من أقوى الأحاديث التي تدل على أن أفعال العباد خلقها الله، هذا الحديث لأنه صريح في ذلك، إن الله صنع وفي رواية خلق كل صانع وصنعته؛ يعني وعمله. الله خلقك أنت وخلق ما تصنع، إذاً هذا يدل على أنه حتى أفعال العباد هي بمشيئة الله وبخلقه. نعم، قال حديث صحيح احتج به البخاري في مسألة خلق الأفعال في غير الجامع، وقد تابعه فضيل بن سليمان عن أبي مالك.
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الرحيم المزكي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد السليطي، وحدثنا مكي بن عبدان، قال حدثنا عبد الله بن هشام، حدثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة»، فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: ما حمله على ذلك إلا الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
النبي عليه الصلاة والسلام قال لعمه أبي طالب قبل أن يموت: قل لا إله إلا الله، حتى أدافع عنك أمام الله بقول يا رب قال لا إله إلا الله، قبل ما يموت بثانية، فأبو طالب لاحظ كيف العادات والتقاليد وإعطاء الناس مساحة أكبر كيف تضيع الإنسان، قال: لولا أن تعيرني قريش، هو خايف أن قريش تعيره! طيب يا أبو طالب قدامك يوم قيامة، هسا قريش راحت، قريش راحت، أنت الآن مقبل على الله، لا يهمك ذموك ولا مدحوك، لكن سبحان الإنسان اللي بيهتم بالعشيرة والتقاليد والحياة الاجتماعية والسمعة أكثر من اهتمامه بماذا؟ بشرع الله. كثير من الشباب والنساء يفعل معاصي وذنوب بسبب إيش؟ بيقول لك يا شيخ عيب! إيه والله العادة والتقاليد، بحط عرس فيه أغاني وموسيقى ويأتي بما حرم الله تحت شعار العادة والتقاليد، بلاش يحكوا عني متخلف ورجعي مش الشيخ والله! طيب أنت يعني في النهاية لو تدخل قبرك اللي حكى عنك في الدنيا أنك متخلف واللي حكى عنك رجعي هل أثر عليك شيء في القبر؟ لا، لكن في النهاية إذا أنت عصيت الله هذا الذي سيؤثر عليك، فلا تعطي الناس حجماً كبيراً في حياتك، احترم المروءات والأعراف التي لا تتعارض مع الدين، أما ما يتعارض مع الدين فلا قيمة له، لذلك أبو طالب هذا كان سبب فشله الأخير، فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون ما حمله على النطق بلا إله إلا الله إلا الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، وهذا موطن الشاهد في الحديث أن الهداية في النهاية بيد من؟ بيد الله وبمشيئته. أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد، وأخرجه البخاري من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً هذا الباب الثالث عقده ليدل، ليأتي بالآيات والأحاديث التي تثبت مشيئة الله وخلق الله لكل شيء، هذه عقيدة تثبتها الأحاديث المرعية، ونكتفي اليوم بهذا القدر، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل