بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في اليوم الثالث من الدورة العلمية المكثفة "مدارج العلم" في موسمها الرابع لعام 1447 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هممنا وأعمالنا وأوقاتنا، وأن يجعل هذا العلم النافع ذخراً لنا في الدنيا وفي الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عليك أن تتذكر دوماً أيها المسلم أن هذا العلم الذي أنت في صدد طلبه والجلوس على موائده يعنيك كمسلم؛ لأن دينك الإسلام، ودينك أهم ما ينبغي للإنسان أن يشتغل بتعرفه. وهذا الدين الإسلامي بل فكرة الدين هي أعظم فكرة في حياة البشرية، فكل أصحاب دين يهتمون بمعرفة دينهم، فعيب عليك أيها المسلم أن تكون مسلماً وتقول إنك تنتمي لهذا الدين العظيم وأنت جاهل بأساسياته وأنت جاهل بقواعده الكلية. نعم، التفاصيل هذه تترك للعلماء، لكن أساسيات العقيدة وأساسيات الفقه وأساسيات السيرة النبوية سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا لا ينبغي لإنسان ينتمي لهذا الدين العظيم أن يكون جاهلاً بها أو مقصراً فيها، فإن الله سبحانه وتعالى سيسألك يوم القيامة، وعندما تنزل في قبرك سيسألك منكر ونكير عن ربك وعن دينك، والإجابة هناك تكون بناءً على ما فعلته في الدنيا.
شخص كان دينه الإسلام بالاسم فقط، ولكن حياته كلها بعيدة تماماً عن هذا الدين، هذا لن يجيب في قبره. كيف سيجيب إذا لم يعش الإسلام كقضية عمر وكحياة؟ وبالتالي دائماً ما يجعل الإنسان يتصبر في هذا المكان وعلى هذه المجالس العلمية وعلى غيرها من مجالس العلم النافع هو انتباهه لهذه القضية، وهو أن هذا الأمر يعنيني، وأن تعلم هذه الأمور يعنيني في الدرجة الأولى؛ فإنني مسلم، وغداً سأنزل في قبري وسأسأل عن ديني، فحتى أقول "ديني الإسلام" لن تجيب هذه الإجابة إلا إذا عشتها، وبداية عيشك على هذا الدين هو أن تتعلمه. وكما قلنا البارحة، أول شروط لا إله إلا الله ما هي أيها الإخوة؟ العلم، أليس كذلك؟ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]. كيف ستعلم أنه لا إله إلا الله؟ أن تعرف معناها ولوازمها ونواقضها وما تتطلبه، وما بعد ذلك من الانقياد، والانقياد يتطلب مني أن أعرف الحلال والحرام. فلا يجوز أن تعيش في هذه الدنيا جاهلاً بدينك، جاهلاً بأسماء ربك وصفاته، جاهلاً بعقيدتك وهويتك وانتمائك. إذا تذكرت هذه الفكرة، فإن هذا سيعينك على الصبر هنا وعلى مجلس العلم ولو طال؛ لأنني أعرف أنه يعنيني.
دائماً في الجامعة، ما الذي يصبرك على الجامعة أربع سنوات أو خمس سنوات؟ تعرف أنه في شهادة جامعية وهي تعنيني، وبالتالي أتجشم عناء الذهاب والحضور والغياب والامتحانات وأنا كاره، لكنني أعرف أن الموضوع فيه فائدة وفيه إنتاج في نهاية المطاف، فما بالك بدين تلقى به ربك سبحانه وتعالى؟ فشغف الإنسان وحرص الإنسان على تعلم المسائل الدينية يجب أن يكون وصل عندك أعلى الدرجات وأعلى المستويات، وألا تتذمر وألا تتضايق ولا تشعر بثقل الطريق، وألا تسمح للشيطان أن يثبط همتك عن حضور هذه المجالس عاماً بعد عام وشهراً بعد شهر، فهذا أولى ما ينشغل به الإنسان الذي عرف غاية الوجود ومقصده ونهايته. فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم إلى الثبات على هذا الطريق، وأن يبعد عنا الفتن والمشغلات والعوائق والعلائق التي تصد عن طلب ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نشرع اليوم إن شاء الله بإكمال ما شرعنا فيه البارحة من التعليق على منظومة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي عليه رحمة الله تعالى، هذه المنظومة البديعة، الجوهرة الفريدة، والتي تتكلم أساساً في جملتها عن مسائل العقيدة، ويختمها بذكر شيء من مسائل أصول الفقه. وفي الدرس الماضي بدأنا بشرح حديث جبريل، كما قلت هو نظم لحديث جبريل، ولكنه بدأ بالقسم الثاني وهو الإيمان، ثم بعد ذلك سيعود إلى الإسلام والإحسان. إن حديث جبريل كما مر معنا البارحة في كتاب قواعد الدين، أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، لكن هنا الشيخ حافظ الحكمي بدأ بالإيمان باعتبار أن العقيدة في أساسها هي أركان الإيمان الست، فإذا أنت فهمت أركان الإيمان الست وما يتعلق بها من الأحكام العامة والتفصيلية، تكون حققت العقيدة جملة بإذن الله. أنهينا الحديث عن الإيمان بالله سبحانه، وأنهينا الحديث عن الإيمان بالملائكة، وأنهينا الحديث عن الإيمان بالكتب، الآن نشرع في باقي أركان الإيمان، ثم ننتقل إلى ما بعدها من الكلام عن الإسلام والإحسان ونواقض الإيمان وما بعد ذلك.
بسم الله، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: "باب الإيمان بالرسل عليهم السلام". قال: "والرسل حق بلا تفريق بينهم وكلهم للصراط المستقيم هدى".
عليك أولاً أن تؤمن بالرسل جملة، من عقيدة المؤمن أن يؤمن أن الله سبحانه وتعالى بعث في كل أمة رسولاً يدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]. فهذه عقيدة عامة، أن نؤمن أن الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه منه أرسل رسلاً للبشر، وهؤلاء الرسل لا يجوز أن نكفر بواحد منهم، ومن كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بجميعهم. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وهذا معنى قوله "والرسل حق"، أي نثبتهم عقيدة وديانة، "بلا تفريق بينهم"، ما هو الدليل على بلا تفريق بينهم؟ قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، وقالوا سمعنا وأطعنا، "وكلهم للصراط المستقيم هدى" كما قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: 90]. إذاً كلهم هداهم الله، فلا يجوز لرسول أن يكون معوجاً أو عاصياً أو خارجاً عن طاعة الله عز وجل، بل جميع الرسل على استقامة، وهم متفقون على العقائد والكليات، ويختلفون في الشرائع والمناهج التشريعية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. فالرسل تشترك في مادة العقيدة والكليات ولكن تختلف الفقهيات والفروعيات بينها بما يناسب حال الأمم في كل مرحلة وفي كل جيل.
"وبالخوارق والإعجاز أيدهم ربي على الحق ما خانوا وما فندوا". نعم، من سنة الله سبحانه وتعالى أنه كان إذا أرسل رسولاً فإنه يؤيده بمعجزة. ما تعريف المعجزة؟ المعجزة أمر خارق للسنن الكونية يجريه الله سبحانه وتعالى على يد من يريد إرساله للناس ليكون دليلاً على صدقه، هذا تعريف المعجزة. أمر خارق للسنن الكونية، الله عز وجل وضع سنن في هذا الكون ونواميس، فالنار تحرق، والعصا جامدة، وغير ذلك من النواميس الكونية. إذا خرقت هذه السنن الكونية، فأصبحت النار لا تحرق وكانت برداً وسلاماً، هذا خرق للسنة الكونية، وإذا كانت العصا تنقلب إلى حية والناقة تخرج من الصخر، فهذا كله خارج عن السنن الكونية. فالمعجزة إذاً ما تعريفها؟ أمر خارق للسنن الكونية يجريه الله سبحانه وتعالى على يد من يريد إرساله رسولاً، نوح، إبراهيم، عيسى، وموسى عليهم الصلاة والسلام وجميع الرسل، والهدف من هذه المعجزة ما هو؟ ليكون دليلاً على صدق الرسول أمام البشرية، ليكون دليلاً على صدقه فيما ادعاه من النبوة.
لذلك قال: "وبالخوارق والإعجاز أيدهم الله"، أيد الرسل بالأمور الخارقة المعجزة، "أيدهم ربي على الحق ما خانوا وما فندوا". فالرسل ما خانوا رسالة الله سبحانه وتعالى والتبليغ، وما فندوا أي ما كذبوا في ادعائهم شيئاً، والتفنيد هو الكذب.
"وفضل الله بعض المرسلين على بعض بما شاء في الدنيا وما وعدوا". نعم، الله سبحانه وتعالى، وهذه مسألة من مسائل العقيدة: هل الرسل في مرتبة واحدة أم متفاوتون في الفضل؟ متفاوتون في الفضل. ما الدليل على ذلك؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]. وهذا التفضيل في الدنيا وفي الآخرة، لذلك قال: "وفضل الله بعض المرسلين على بعض بما شاء في الدنيا"، فمنهم من اتخذه الله خليلاً، ومنهم من فضله الله بالكلام مثل موسى عليه السلام، فالرسل متفاوتون في الفضل في الدنيا بما فضلهم في الدنيا، "وما وعدوا" أي وفي المراتب في الآخرة، وما أعده الله لهم في الآخرة فهم متفاوتون. فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطي في الآخرة ما لم يعط سائر الرسل والأنبياء، لذلك هذه عقيدة نؤمن بها، "وفضل الله بعض المرسلين على بعض بما شاء في الدنيا وما وعدوا في الآخرة".
لكن وإن كان الرسل يتفاضلون، لكننا لا ننشغل بذكر التفاضل بينهم، يعني نحن نؤمن أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل البشر ونقف عند هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نفاضل بين الأنبياء وأن نشتغل بهذا. قال: «لا تقولوا إنني لا يقولن أحدكم إنه أفضل من يونس بن متى»، ولا تفاضلوا بين الأنبياء. ما معنى هذا؟ نهيه صلى الله عليه وسلم عن المفاضلة بين الأنبياء ليس لأنه لا يوجد تفاضل، يوجد، لكن لئلا يكون هناك نوع من ماذا؟ من الازدراء بأحد الأنبياء، أنت لما تبقى تفاضل بين نبي ونبي نخشى أن يدخل في قلبك نوع من الاستهانة أو الازدراء بالنبي المفضول، فتقول مثلاً: محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من موسى، هذا في الواقع هو أفضل الأنبياء، لكن لما تبقى تنشغل بهذه القضية ماذا يصبح عندك انطباع داخلي؟ يعني كان موسى تريد أن تزدريه حاشاه عليه الصلاة والسلام. فأنا أؤمن بهذه القاعدة لكن لا أبدأ أتشاغل بهذا، وإذا لقيت يهودياً أو نصرانياً لا أدخل معه في مجاكرة، كما يقولون، "ترى نبينا أفضل من نبيك"، ولا ما يجوز هذا، خلاص نؤمن بجميع الأنبياء ونحترم جميع الأنبياء ونعرف أنهم متفاضلون ووقفنا.
"من ذاك أعطى لإبراهيم خلته كذا لأحمد لم يشركهما أحد". أولاً إبراهيم عليه السلام بماذا اختصه الله؟ بالخلة، والخلة أعلى درجات المحبة، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. ولكن هذه المرتبة ليست خاصة فقط بإبراهيم عليه السلام، بل هي أيضاً لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالخلة وهي أعلى درجات المحبة أعطيت لإبراهيم عليه السلام ولمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تعط لغيره من الأنبياء. ثانياً، "وكلم الله موسى دون واسطة حقاً وخط له التوراة فاعتمدوا". الآن أيضاً خصائص موسى، خصيصة موسى ما هي؟ أن الله كلمه تكليماً دون واسطة الرسول الملائكي، أن الله سبحانه وتعالى كلم موسى تكليماً مباشراً لما وقت له الطور ولما ذهب إلى الطور: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. هذا كلام من الله لسيدنا موسى، وهل هذا الكلام خاص فقط بسيدنا موسى أم محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً كلمه؟ كلمه الله أيضاً. أين؟ في المعراج عندما فرض عليه الصلوات الخمس. فهذه الخصلة وإن كانت مشهورة لموسى عليه السلام، لكنها أيضاً موجودة لنبينا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضاً قال: "وخط له التوراة". تمام، وأين ورد موضوع خط له التوراة؟ ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً﴾ [الأعراف: 144-145]. قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، طبعاً هذا لا يعني لا يلزم أن نأخذ بالظاهر أن الله كتبها ضرورة، تقول يعني تبدأ تدخل في لوازم تفاصيل ذلك هل كتبها بيده؟ خلاص ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، ما في داعي تدخل في ماذا في تفاصيل كيفية الكتابة ما دام لا نمتلك نحن التفاصيل في ذلك، أن الله كتب له التوراة، كيف؟ الله أعلم.
"وكان عيسى بإذن الله يبرئ من علات سوء ويحيي الميت قد فقدوا". عيسى عليه السلام بماذا خصه الله؟ أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، قال: "وكان عيسى بإذن الله يبرئ من علات سوء" اللي هي الأكمه، الأبرص، المريض، "ويحيي الميت قد فقدوا". قد فقدوا جملة حالية، يعني ويحيي الميت حاله كونهم قد فقدوه، هو يعيده لهم مرة أخرى، فهذه جملة حالية أتى بها حقيقة حتى يكتمل البيت. وأحياناً الشاعر بينزنك، فإنه بده يكمل البيت ما بيزبط ولا بينكسر الوزن، فبشوف ايش ممكن يأتي بأي كلام حتى يكتمل معه البيت، فقال "ويحيي الميت قد فقد"، خلاص أنا ماشية الحال، يعني هو يريد أن نقول الميت، نحن فاهمين أنه الميت قد فقدوا، لماذا نص عليها؟ حتى يكتمل معه البيت الشعري.
"والكل في دعوة التوحيد ما اختلفوا أما الفروع ففيها النسخ قد تجد". نعم، نحن كما قلنا قبل قليل، إن دعوة نوح وآدم وإبراهيم وإسماعيل وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من حيث العقيدة واحدة.
العقيدة مشتركة؛ فما من نبي من الأنبياء إلا كان يدعو إلى القضاء والقدر، ولا نبي إلا كان يتكلم عن اليوم الآخر. أركان الإيمان الستة هي قدر مشترك بين جميع الأنبياء، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. إذاً، العقيدة مشتركة، وأما الفرعيات كالصلاة والصيام، فكل أمة كان لها طريقة معينة في أدائها تختلف عن الأمة الأخرى، لذلك قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. أما في العقديات فهم مشتركون، والكل في دعوة التوحيد ما اختلفوا.
أما الفروع ففيها النسخ، فسيدنا عيسى جاء لينسخ كثيراً مما جاء في التوراة، قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]، فالإنجيل جاء ينسخ بعض ما جاء في التوراة، والقرآن مهيمن على كل الكتب، فهو ينسخ كثيراً من الجزئيات الواردة في الكتب السابقة ويثبت جزئيات جديدة هي المناسبة لهذه الأمة.
إلا شريعتنا الغراء، فليس لها من ناسخ ما رسى في أرضه أحد. نعم، الشريعة التي ستبقى إلى قيام الساعة هي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لما ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان سيحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: إلا شريعتنا الغراء. شريعتنا الغراء البيضاء المرتفعة المتميزة، هذه لا تنسخها شريعة أخرى فهي آخر الشرائع الأرضية، فليس لها من ناسخ ما رسى في أرضه أحد، أي ما رسى الجبل، سيرسو على الأرض إلى قيام الساعة؛ كأنه يقول: إلى قيام الساعة ستبقى هذه الشريعة هي الحاكمة على البشرية.
إذ كان أحمد ختم المرسلين فمن من بعده رام وحياً كاذب فند. إذا كان أحمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم المرسلين، فبالتالي شريعته هي خاتمة الشرائع، فمن من بعده رام وحياً فهو كاذب فند؛ والتأكيد: الفند هو الكاذب. مر معنا البارحة أسماء بعض من كان يرجو أن يصبح متنبئاً، مثل ابن سبأ، أليس قلنا طلع على غار حراء ينتظر نزول الوحي عليه؟ هذا كاذب فند، وكذلك من كان يدعي أن النبوة يمكن اكتسابها كالفارابي، فهذا كله كذب وغلط وكفر، لأنه مخالفة لما ورد صريحاً في الكتاب والسنة: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]. فكل من ادعى النبوة بعده فقد كذب بالقرآن.
وكان بعثته للخلق قاطبة وشرعه شامل لم يعده أحد. محمد صلى الله عليه وسلم يمتاز عن سائر الأنبياء أنه بعث للخلق الجن والإنس ولجميع الإنس بخلاف الأنبياء السابقين، فكانوا يبعثون لأقوامهم خاصة، قال: «وبعثت إلى الناس عامة». لا يسع أحداً أن يخرج عن الشريعة بحجة أنه وصل إلى مرتبة الولاية أو إلى غيرها من الأمور، لا يسع بشراً أن يخرج عن شريعة رب العالمين، حتى الأنبياء لو كانوا في زماننا لما وسعهم إلا أن يتبعوا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]. فالله أخذ الميثاق على الأنبياء إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم في زمانكم لتتبعن شريعته، فلا يسع إذاً أي منهج أرضي، وأي دولة من الدول، وأي بقاع من البقاع، أن تعدل عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الشرائع الأرضية والآراء البشرية.
قال رحمه الله: باب الإيمان باليوم الآخر. سننتقل الآن إلى الركن الخامس من أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان باليوم الآخر. قال: واليوم الآخر حق، ثم ساعته بمنتهى علمها الرحمن منفرد. واليوم الآخر حق ثابت لا مرية فيه، ثم ساعته أي وقته: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187]. إذاً، ثم ساعته أي وقته بمنتهى علمها الرحمن منفرد، تفرد الله سبحانه وتعالى بالعلم به، إن الله عنده علم الساعة، هذه من أحد أمور الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله.
والموت حق ومن جاءت منيته بأي حتف فبالمقدور مفتقد. الإيمان باليوم الآخر يبدأ بأن تؤمن بالموت وما بعده، لا يبدأ بأن تؤمن بالبعث؛ لا، يبدأ بأن تؤمن بالموت وما يحصل في القبر ثم بما بعده، هكذا يقول علماء العقيدة. والموت حق، وهذا أول منازل الآخرة، والقبر أول منازل الآخرة، والموت حق، ومن جاءت منيته بأي حتف، يعني بأي وسيلة من الوسائل؛ هذا مات بحادث سير، ذاك مات بصخرة وقعت عليه، ذاك مات بمرض، تعددت الأسباب والموت واحد. قال: بأي حتف فبالمقدور مفتقد، أي بالقدر مات. وهنا يشير إلى مسألة خالف فيها المعتزلة الذين يقولون: إن الشخص إذا قتله شخص، فالموت نتج عن ماذا؟ عن القتل وليس بالقدر؛ وهذه مشكلة، لا، نحن نقول: الموت وانتهاء أجل هذا الرجل كان بالقدر، لكن القتل الذي حصل أو الرمي أو المرض هو سبب من الأسباب، فليس القتل هو الذي أتى بالموت.
هذا شوي صعبة؛ ما معنى ليس القتل هو الذي أتى بالموت؟ يعني الآن هو قدره أن يموت اليوم الساعة ثلاث، سيموت سيموت، لكن كيف سيموت؟ الله أعلم؛ في شخص ممكن يموت اليوم الساعة ثلاث ساجداً، وممكن تموت بالقتل، وممكن تموت بحادث سير، فالقتل ليس هو الذي أحضر أجلك، وحادث السير ليس هو الذي أحضر أجلك، بل أجلك مكتوب؛ الأجل مكتوب الساعة ثلاث اليوم، لكن القتل كان هو الطريق الذي تم به الأجل، المرض كان هو الطريق الذي تم به الأجل، وليس القتل هو الذي أحضر القدر. لأن المعتزلة كانت تقول: إن القتل هو الذي يحضر قدر الموت، أو حادث السير هو الذي يحضر؛ لا، نحن نقول: إذا كتب الله منيتك اليوم ستموت، الوسيلة والسبب هذه قضية أخرى، قدر الله أنك تموت شهيداً، قدر الله أنك تموت بحادث سير، تقع من سطح عمارة، هذه أمور وأسباب، ولكن ساعة الموت مكتوبة مقدرة مسبقاً.
ما إن له عنه من مستأخر أبداً، كلا ولا عنه من مستقدم يجد. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، قال: ما إن له، إن هنا زائدة للتوكيد، يعني ما له عنه من مستأخر أبداً. إذا جاءت ساعتك، ماذا سيقول الإنسان؟ ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، انتهت. كان معك فسحة في هذه الحياة الدنيا، ازرع؛ لأنه إذا جاءت الساعة، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، ما إن له عنه من مستأخر أبداً، كلا ولا من مستقدم يجد، لن يؤخرك الله ولن يقدمك الله؛ في اللحظة التي قدر فيها الموت ستموت.
كل إلى أجل يجري على قدر، للمرء عن قضاء الله ملتحد. كل إلى أجله يجري على قدر، كلنا نجري على ما قدره الله لنا، ولذلك الملك لما ينفخ فيك الروح ماذا يكتب؟ أخذنا الحديث البارحة، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله؛ أجله سيكتب لك، الأجل انتهت، إذاً كل إلى أجل يجري على قدر، أي كل أجله يجري بناءً على القدر. للمرء عن قضاء الله ملتحد، ما معنى ملتحد؟ ملجأ، لن تجد ملجأ يحميك من قضاء الله سبحانه وتعالى ومن قدره، ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، لن تجد ملجأ.
وفتنة القبر حق والعذاب به لكافر ونعيم للألى سعدوا. من الأمور التي تحصل في القبر والتي يجب الإيمان بها: أولاً فتنة القبر، وفتنة القبر هي سؤال منكر ونكير في قبرك: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ هذه لن ينجو منها أحد من سؤال منكر ونكير، هذه يجب أن تؤمن بها. وأيضاً مما نؤمن به أن هناك عذاب في القبر لأهله ونعيم لأهله، هذه يجب الإيمان بها. قال: وفتنة القبر حق، والعذاب به لكافر، لكنه ليس فقط للكفار، للكافر ولعصاة الموحدين أيضاً، ونعيم للألى سعدوا، أي للذين سعدوا، فالقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وهذه عقيدة يجب أن نؤمن بها، إن كثيراً من الملاحدة اليوم يشككون فيها، بل حتى بعض المعتزلة كان يشكك في عذاب القبر ويقول: ها نحن نفتح القبور فلا نرى قبراً فيه عذاب ولا جنة؛ الذين يؤمنون بالفكر المادي ما عندهم تصور عن الحياة البرزخية، وأنها تختلف في تفاصيلها عن حياة الدنيا ومعاييرها.
وللقيامة آيات إذا وجبت فليس من توبة تجدي وتتحد. الآن أيها الكرام، هناك ما يسمى بعلامات الساعة الصغرى وهناك علامات الساعة الكبرى. فيقول: وللقيامة آيات، يعني علامات، إذا وجبت فليس من توبة تجدي وتتحد، يعني هناك علامة من علامات الساعة بالتحديد، وهي علامة واحدة إذا جاءت لا تقبل التوبة، ما هي علامة الساعة التي إذا طلعت أو إذا جاءت لا ينفع نفساً إيمانها؟ هي طلوع الشمس من مغربها، قال: من ذاك.
من ذاك أن تستبين الشمس طالعة من حيث مغربها والخلق قد شهدوا. إذاً هذه العلامة بالتحديد هي العلامة التي لا يقبل الله التوبة بعدها، من ذاك أن تستبين، يعني أن تطلع الشمس طالعة، أو أن تستبين أي أن تظهر من حيث مغربها، أن تخرج من الغرب، والخلق قد شهدوا أي رأوا هذا بأم أعينهم.
كذاك دابة أرض إن تكلمهم جهراً وتفرق بالتمييز من تجد. قال: كذاك دابة أرض إن تكلمهم، يعني ستكلم الناس جهراً وتفرق بالتمييز من تجد. هناك دابة ستخرج من عند الكعبة، هذه من علامات الساعة الكبرى، أن هناك دابة ستخرج عند البيت الحرام، وستُميز الناس مؤمن وكافر، بحيث ينطبع على جبين كل شخص أن فلاناً مؤمن وأن فلاناً كافر، هذه من علامات الساعة الكبرى، كذاك دابة أرض، إن تكلمهم، يعني ستكلم الناس جهراً وتفرق بالتمييز، ما معنى وتفرق بالتمييز؟ أي أن تميز بينهم مؤمن وكافر، بحيث يطبع على جبين كل شخص منهم نسأل الله السلامة والعافية، وتفرق بالتمييز من تجد.
نزول عيسى لدجال فيقتله وفتح سد عباد ما لهم عدد. من علامات الساعة أيضاً نزول عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق، حيث سيلاحق المسيح الدجال، المسيح الدجال يكون قد خرج قبله وعاث في الأرض فساداً، فيأتي مسيح الصدق فيقتل مسيح الكذب، والمسيح الدجال لما سمي المسيح الدجال لأنه ممسوح إحدى العينين، فهو أعور كما جاء في الحديث النبوي، فسيدنا عيسى ابن مريم نزوله من علامات الساعة الكبرى، وسينزل ليقتل المسيح الدجال، أين سيقتله؟ في مدينة اللد في فلسطين.
قال: ومن علامات الساعة أيضاً وفتح سد عباد، يقصد هنا فتح سد يأجوج ومأجوج الذين سيخرجون إلى هذه الأرض ويعيثون بها فساداً حتى يصلوا إلى بحيرة طبرية هذه التي عندنا بيننا وبين فلسطين ويشربونها، فلا يأتي آخرهم إلا وقد يقول: كان هنا ماء، هؤلاء قوم يأكلون الأخضر واليابس ويعيثون في الأرض فساداً، ثم الله سبحانه وتعالى يرسل عليهم ما يهلكهم إهلاكاً عاماً كاملاً.
كذا الدخان وريح وهي مرسلة لقبض أنفس من للدين يعتقد. من علامات الساعة أيضاً الدخان، وهذه علامة ستخرج في آخر الزمان، جاء في حديث ابن عمر بسند ضعيف أنها تجعل رأس الكافر والمنافق كالمحترق من شدة ماذا؟ من شدة التعب، يدخل هذا الدخان في أسماع الكافرين والمنافقين فيصبح رأسهم كالمحترق ناراً، وأما المؤمن فإنما يصاب منه كهيئة الزكام، أما المؤمن هذا الدخان أكثر ما يفعله فيه أنه كانك مزكم، وأما الكافر والمنافق فجاء في بعض الروايات -وإن كان فيها ضعف- أنه يدخل في أسماعهم فيجعل رأسهم محترقاً ملتهباً، لكن لا يموتون طبعاً منه. ثم قال: وريح، الريح التي تأتي في آخر الزمان تقبض أرواح المؤمنين، وهذه بعدها تأتي الساعة مع مع النار التي ستأتي، يعني لا يبقى على وجه الأرض بعدها إلا كافر، قال: وريح وهي مرسلة لقبض أنفس من للدين يعتقد، أي أن هذه الريح يرسلها الله لقبض أرواح المؤمنين، فتقبض كل أرواح المؤمنين فلا يبقى على الأرض إلا كافر والعياذ بالله.
وغيرها من أمور في الكتاب جرت ذكرى وصح بها في السنة السند. إلى غير ذلك، يقول من العلامات منها النار، وهي آخر علامات الساعة الكبرى، نار تخرج من اليمن تجمع من بقي من أهل الأرض إلى محشرهم في أرض الشام، لأن أرض الشام سبحان الله هي أرض الحضارات وأرض الصراعات وأرض المحشر، هذه هي الشام، أرض الحضارات والصراعات وأرض المحشر إلى يوم القيامة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا ميتة في الشام.
آمين، والنفخ في الصور حق، أولاً فزع فصعقة.
بعد أن انتهى من علامات الساعة، انتقل إلى مراحل يوم القيامة. أول مرحلة من مراحل يوم القيامة هي النفخة الأولى، وهي نفخة الفزع. قال: والنفخ في الصور حق، وقد قلنا من الملك الذي ينفخ في الصور؟ إسرافيل. صحيح، سينفخ النفخة الأولى وهي نفخة الفزع، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: 87]. ثم هناك نفخة ثانية وهي نفخة البعث.
اختلف العلماء هل هناك نفخة ثالثة بعد البعث التي تسمى الصعق؟ هل تعتبر نفخة من النفخات؟ لأن علماء العقيدة اختلفوا هل هما نفختان أم ثلاث. بعضهم قال: هما نفختان؛ نفخة الإهلاك ونفخة البعث، وأما الصعق فهذا شيء يحصل يوم القيامة ولا نعده نفخة. والبعض قال: لا، هي ثلاث نفخات؛ نفخة الفزع وفيها الإهلاك، ونفخة البعث، ثم نفخة ثالثة وهي الصعق؛ وهذه تكون بعد أن يُبعث الناس ويأتوا إلى يوم المحشر، ينفخ نفخة ثالثة فيصعقون.
قال صلى الله عليه وسلم: «فأكون أول من استيقظ، فأجد موسى آخذاً بقائمة العرش، فلا أدري هل جُوزي بالصعقة الأولى أو لا»؛ يعني بما صعقه الله في الدنيا لما صعقه عند الجبل. فإذاً هناك خلاف هل هي ثلاث نفخات أم على نفختين، والقول بالثلاث نفخات قول قوي يؤيده ظواهر النصوص، والله أعلم.
في قوله: والنفخ في الصور حق؛ أولاً فزع، أول نفخة نفخة الفزع وفيها يهلك الناس جميعاً، طبعاً قال: فصعقه. أحياناً أشعر أنه لم يذكر النفخة الأولى وإنما ذكر النفخة الثانية لما قال الفزع؛ هل يخص الفزع الفزع الذي يهلك الناس جميعاً ثم يكون بعده النفخة الثانية نفخة البعث؟ إذا بتلاحظوا ذكر الفزع والصعق بناءً على ما ورد في القرآن، هناك في آيتين؛ آية ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: 87]، و﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 68]. فذكر ما ورد في القرآن، لكن حقيقةً عندنا ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قضية الصعق أن هناك صعقاً سيكون بعد البعث، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «فأكون أول من يستيقظ منها، فأجد موسى آخذاً بقائمة العرش». لذلك كما قلت لكم هي ثلاث نفخات: نفخة إهلاك، ونفخة بعث، ونفخة صعق، والله تعالى أعلم.
يظهر لي أن الشيخ حافظ يمشي على أنها نفختان؛ النفخة الأولى نفخة الإهلاك، والنفخة الثانية نفخة البعث، لأنه ماذا قال: قيام بعدما رقدوا؛ رقدوا في قبورهم. إذاً هو لم يذكر الصعقة التي تكون بعد البعث، فلذلك يقصد بالفزع الإهلاك، والصعقة الثانية البعث، ثم لم يذكر النفخة الثالثة، وهذا مسلك لبعض علماء العقيدة، والمسألة فيها مساحة للنظر.
والوزن بالقسط والأعمال محضرة في الصحف تنشر والأشهاد قد شهدوا. لما يخرج الناس من قبورهم يكون هناك الميزان الذي توزن فيه صحائف الأعمال. وجاء عند بعض العلماء أنه أيضاً يُوزن فيه الشخص نفسه، يعني أن الله يزن أعمالك ويزنك أنت. وهو ميزان حقيقي له كفتان، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47].
تطاير الصحف يكون قبل الموازين، وكل إنسان بحسب عمله؛ فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره على القول المشهور. الذي يأخذ بيمينه أهل الإيمان، وبشماله من قالوا عصاة الموحدين أهل الكبائر الذين سيدخلون النار، ومن وراء ظهره من شماله هو الكافر. والبعض قال لا: إن كل من سيدخل الجنة سيأخذ كتابه بيمينه حتى ولو عذب في النار، وإن الذي يأخذ بشماله أو من وراء ظهره هو الكافر فقط ومثله المنافق نفاقاً أكبر. ففي بعض تفاصيل العقيدة يبقى فيها مساحة للاجتهاد لعدم قطعية النصوص فيها.
والأعمال محضرة في الصحف تنشر والأشهاد قد شهدوا، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد؛ فسياتي من يشهد عليك، ستشهد الأرض عليك: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]، وستشهد عليك جلدك ويدك ولسانك، الكل سيشهد عليك: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: 22]. فكل شيء من جلدك، من لحمك، من أعضائك، من الأرض سيشهد على ما فعلت، وقرينك الذي كان معك من الملائكة أيضاً سيشهد لك أو عليك، فعاد ضبط أمورك في الحياة الدنيا قبل ما تتورط يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية.
والجسر ما بين ظهراني الجحيم، كما في النص أن أحداً لا يرد الجسر. وهو الصراط من معالم يوم القيامة التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة، أن هناك صراطاً ينصب على جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف؛ صراط وهو جسر ينصب فوق جهنم. والكل سيمشي عليه من المؤمن والكافر والمنافق؛ أما الكافر والمنافق فسيسقط في جهنم، وأما المؤمن سيتجاوزه إلى الجنة، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]. الكل سيرد على الصراط، تقول لي: كيف بدي أمشي على الصراط يا شيخ وهو أدق من الشعرة؟ نقول: هل هو مستحيل عقلاً أن تمشي عليه؟ لا، هو مستحيل عادة، والمستحيلات العادية الله قادر أن يجعلها واقعاً يوم القيامة، فهذا ليس مستحيلاً عقلاً وإنما هو غير متصور عادة، ولكن غير المتصور عادة الله يجعله واقعاً يوم القيامة؛ لذلك كما قلنا البارحة، الشريعة تأتي بما تحار فيه العقول لكن لا تأتي بما تحيله العقول.
يجوز الناس بالأعمال تحملهم عليه ليس القوى والعدد والعدة. هذا الصراط تجاوزك له لن يكون بوزنك الدنيوي ولا بعضلاتك المفتولة، وإنما تجاوزك على الصراط مبني على أعمالك، فالناس تجوزه بحسب أعمالهم في الدنيا وليس بقوتهم ولا بعددهم ولا بعدتهم.
كالبرق والطرف أو مر الرياح وكالجياد أو كركاب النوق تنشرد. ورد في الحديث أن المؤمنين يتجاوزون الصراط على حسب أعمالهم، فهناك من يتجاوز الصراط كالبرق، يعني ثانية واحدة يكون تجاوز الصراط، وهناك من يتجاوزه كرمشة العين، وهناك من يتجاوزه كمشية الريح، وهناك من يتجاوزه بسرعة الخيل الجياد، وهناك من يتجاوزه بسرعة النوق المركوبة، قال: كركاب النوق تنشرد، وكيف الناقة الشاردة بتمشي بسرعة؛ طبعاً هذه كلها متفاوته في السرعة.
وذاك يعدو وذا يمشي عليه وذا زحفاً وذا كُبَّ في نارٍ به تَقِد. في المقابل هناك من يعدو، يكون أبطأ من النوق الشوارد، الشخص اللي يركض ركض على الصراط بس هذا بده يكون أبطأ من نوق الشوارد، وهناك من يمشي مشياً لا يعدو عدواً، وهناك من يزحف زحفاً على الصراط، كيف بده يزحف على شيء أدق من الشعرة؟ الله أعلم، هذا خلق الله سيزحف، وهناك من سيسقط في النار. تخيل أن أنت الآن ستكون ماشي على الصراط والدنيا كلها في هرج ومرج، ولذلك جاء في الآثار أن الأنبياء يكونون على جنبتي الصراط ودعاؤهم: اللهم سلم سلم، لأنه ذاك موقف مرعب؛ تكون أنت ماشي فجأة تلاقي صاحبك واقع قدامك في النار، فجأة تكون ماشي تلاقي خطاطيف وكلاليب تخرج تخدش الناس على معاصيهم وذنوبهم، فجأة خطاف يأخذ شخصاً أمامك ويسقطه، وأنت تقول: يا رب سلم سلم، لأن القضية هي اللحظة الختامية؛ من تجاوز الصراط خلص على الجنة، انتهت، من تجاوز الصراط تنفس الصعداء لأنه ما في بعديها أي محنة، لأنه بعديها القنطرة ثم تدخل الجنة وتبدأ رحلة السعادة الأبدية، فالصراط آخر مرحلة حرجة في حياة الإنسان، لأنك إما أن تُكَبَّ في النار وإما أن تتجاوز إلى الجنة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنا ويجعلنا ممن يجوز الصراط، إنه ولي ذلك والقادر.
والنار حق وجنات النعيم ولا نقول تفنى ولا ذا الآن تفتقد. أيضاً مما يؤمن به أن النار حق والجنة حق، وأنها مخلوقة الآن، وليس كما يقول الجهم بن صفوان، تعرفوا الجهم حكينا عنه البارحة، كان يقول أن الجنة والنار لم تُخلقا، وهذا تكذيب للكتاب والسنة؛ فإن الكتاب والسنة دلت بما هو متواتر تواتراً معنوياً أن الجنة والنار موجودة الآن وهي مخلوقة، وأن الله خلقها، وقال لجبريل: انظر إلى الجنة، وقال لجبريل: اذهب إلى النار وانظر إليها، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. فنحن نؤمن أن النار والجنة حق وأنها موجودة الآن لا تفنى، لا نقول بفناء الجنة ولا بفناء النار، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، أن النار والجنة أبديتان لا تفنيان أبداً، وهذه الميزة هي التي تجعل الإنسان دائماً على خوف ووجل، الله لما تكلم عن الجنة أو النار قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] وفي بعض النصوص ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57]. فهي الآن ليست مفقودة بل هي الآن مخلوقة موجودة؛ وين يا شيخ؟ موجودة، الله أعلم. عقلك البشري مساحته محدودة فلا تبقى تقول أين هي الآن، هذا ليس من عملك وليس من مجال عقلك أن يفكر فيه.
هذه لأعدائه قد أرصدت أبداً وذي لأحبابه والكل قد خُلِّدوا. هذه التي هي النار رصدت لأعداء الله، وتلك التي هي الجنة لأحبابه، والكل قد خُلِّدوا؛ فأهل النار خالدون فيها، وأهل الجنة خالدون فيها. لأن الله سبحانه وتعالى يأتي بالموت على صورة كبش أملح ثم ينادى بأهل الجنة وينادى بأهل النار فيخرجون، فيريهم الله سبحانه وتعالى الموت على صورة كبش أملح، فينادي بهم: هل عرفتموه؟ فيقولوا: نعم يا رب، إنه الموت؛ يعني أهل الجنة وأهل النار كلهم ذاق طعم الموت، فلما يرونه يعرفون أن هذا هو الموت، فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال لأهل الجنة: خلود ولا موت، ويقال لأهل النار: خلود ولا موت. فأهل الجنة في قمة السعادة بهذا الإعلان، وأهل النار في قمة الكآبة بهذا الإعلان والعياذ بالله.
وحوض أحمد قد أعطاه خالقه غوثاً لأمته في الحشر إذ ترد. من الأمور التي نؤمن بها أيضاً أن الله سبحانه وتعالى أعطى لنبيه حوضاً، وهذا إنما ذكره لأن بعض الفرق الإسلامية نازعت فيه وكذبت به. وأهل السنة والجماعة يؤمنون أن الله أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حوضاً في عرصات القيامة يشرب منه أهل السنة، ولذلك سيصرف عن هذا الحوض أهل البدع، ولو دخلوا الجنة سيصرفون عن هذا الحوض؛ حيث ينادي النبي صلى الله عليه وسلم: «أصحابي أصحابي»، فالملائكة تصرف أهل البدع وتقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأهل السنة والجماعة هم أولى من سيشرب من هذا الحوض. وجاء في بعض الروايات أن أول من يشرب منه أهل اليمن، لأنهم أول من آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بغير قتال، دخلوا في الإسلام بغير قتال ولم يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يخوض معهم معارك طاحنة وحروباً، دخلوا في الإسلام بدون قتال، والأوس والخزرج أصلاً هم أهل اليمن، الأوس والخزرج اللي في المدينة هم أصلاً قبائل يمنية، فأهل اليمن لهم ميزة على غيرهم من الشعوب في هذه القضية. طبعاً أهل اليمن ليست اليمن بالمفهوم الجغرافي اليوم؛ اليمن كل ما كان جنوب الطائف قديماً يعتبر يمناً، تعرفوا مدينة الطائف؟ جنوبها عسير وما هذه كلها تعتبر تاريخياً يمن؛ نحن مش بالحدود المعاصرة بنعترف، وإنما اليمن بالمفهوم القديم العربي الأصيل.
والرسل تحت لواء الحمد تحشر إذ ذاك اللواء لختام الرسل ينعقد. كذا المقام له المحمود حيث به في شأنه كل أهل الجمع قد حَمِدوا. أيضاً نؤمن بوجود لواء اسمه لواء الحمد، وهذا اللواء يعقد للنبي صلى الله عليه وسلم وتحشر تحته جميع الرسل والأنبياء. من يحمله؟ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يكون عنده لواء الحمد يوم القيامة فهو سيد الحامدين، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. كذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام أن له المقام المحمود، والمقام المحمود اختلف في تفسيره وأشهر تفاسيره أنه الشفاعة العظمى، حيث يشفع للبشرية جمعاء أن يبدأ الله عز وجل الحساب لهم، فهذا مقام يحمده فيه الناس جميعاً. وتعرفون الحديث عندما يذهب الناس لآدم، ولنوح، ولإبراهيم، ولموسى، ولعيسى، وكلهم يقولون: نفسي نفسي، إلا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا لها أنا لها». فيذهب بأبي هو وأمي ويسجد بين يدي الرب سبحانه وتعالى، ويطول السجود ويفتح الله عليه من المحامد ما يفتح، ثم يقال له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تُعطَ، واشفع تُشفَّع. فيأذن الله عز وجل ببدء الحساب بعد أن يطول الموقف على الناس، فهذا هو المقام المحمود، وسمي محموداً لأن كل البشر الكافر والمؤمن يحمدون النبي صلى الله عليه وسلم.
على أنه شفع لهم في هذا؛ وهو الشفاعة في فصل القضاء وفي فتح الجنان لأهلها إذا وفدوا. قال وهو الشفاعة، هذا تفسير المقام المحمود، أنه الشفاعة في بدء الحساب في فصل القضاء. فمن شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه يشفع في فتح باب الجنة، هي شفاعة أخرى خاصة له لا يشركه فيها غيره من الأنبياء؛ أنه يستشفع في فتح باب الجنة فهو أول من يفتح الباب.
وفي عصاة أولي التوحيد يخرجهم من الجحيم ويدريهم بما سجدوا. وفي عصاة أولي التوحيد هذه أيضاً من الشفاعات، لكنها ليست خاصة به، وهي شفاعته لعصاة الموحدين أهل الكبائر الذين يدخلون النار؛ يشفع فيهم صلى الله عليه وسلم ليخرجوا من النار بعد أن دخلوها، ولكن هذه أيضاً تعطى للملائكة وللصالحين وللأنبياء؛ يعني هذه ليست شفاعة خاصة به، بل حتى الصالحون من هذه الأمة، حتى الأنبياء، حتى الشهداء، مش الشهيد يشفع في 70 من أهله؟ فالأنبياء والشهداء والصالحون يشفعون لأهاليهم ولعصاة الموحدين ليخرجوا من النار.
كما قلنا أن هذه الشفاعة ليست خاصة به، بل حتى الملائكة والشهداء والأنبياء والأولياء كلهم يشفعون هذه الشفاعة. فيخرجونهم فحماً قد امتحشوا من الجحيم، قد اسودوا وقد خمدوا. فيخرجون أهل الكبائر من النار متفحمين، أنت تتخيل واحد قاعد في النار دقيقة كيف سيخرج؟ فحمة، دخنة من رأسه فحمة، نسأل الله العفو والعافية؛ فيخرجون عصاة الموحدين متفحمين فحمة قد امتحشوا كما جاء في الروايات تماماً، يعني وجههم أسود والنار غيرت ألوانهم وجلودهم، قد امتحشوا من الجحيم، قد اسودوا وقد خمدوا؛ يعني اسودت وجوههم وخمدت أجسادهم ذبلت.
فيطرحون بنهر ينبتون به نبت الحبوب؛ بعد أن يخرجوا المتفحمين يطرحون في نهر اسمه نهر الحياة حتى يعاد بناء أجسادهم من جديد حتى يصلحوا لدخول الجنة؛ لن يدخلوا الجنة وهم متفحمون، فيلقون في نهر الحياة فيعاد بناء أجسادهم من جديد حتى يدخلوا الجنة بشكل وهيئة جديدة. فيطرحون بنهر ينبتون به نبت الحبوب بسيل جاء يضطرد؛ فينبتون كما تنبت البذرة على جانب المسيل، تخيل بذرة موجودة على جانب المسيل كيف تنبت مع مرور المياه عليها؟ كذلك هذه الأجساد المتفحمة تنبت كأنها بذرة وتبدأ أجساد جديدة تتشكل لهم.
قال ثم الشفاعة ملك للإله ولا شريك جل في ملكه أحد. الآن ما هي شروط الشفاعة؟ أولاً الشفاعة يا إخواني هي ملك لله، صحيح أن قلنا أن الملائكة والأنبياء كلهم يشفعون لكن الشفاعة هي ملك لمن؟ لله. لا يشركه أحد في ملكه ولا يشركه أحد في الشفاعة، وهناك شرطان له. فليس يشفع إلا من يشاء وفي من شاء حين يشاء الواحد الصمد. ويخرج الله أقواماً برحمته بلا شفاعة لا يحصى لهم عدد، وليس يخلد في نار الجحيم سوى من كان بالكفر عن مولاه يبتعد.
فليس يشفع إلا من يشاء، إذاً ما هي شروط الشفاعة؟ أن يرضى الله سبحانه للشافع ويرضى عن الشفاعة للمشفوع. ما هو الدليل على ذلك من القرآن؟ ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، إذاً هذا شرط الشافع أن يأذن الله له. طيب ما الدليل على أن المشفوع له أيضاً يجب أن يرضى الله بالشفاعة له؟ ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، فهذه شروط الشفاعة؛ أن يرضى الله عن الشافع وعن المشفوع أن يشفع له، وهذا نص في كتاب الله سبحانه.
قال: فليس يشفع إلا من يشاء في من شاء حين يشاء الواحد الصمد. إذاً فليس يشفع إلا من يشاء؛ شاء: أي رضاه عن الشافع، وفي من شاء: رضاه عن المشفوع، حين يشاء: في الوقت الذي يشاؤه الله الواحد الصمد. عرفتم تفكيك البيت؟ فليس يشفع إلا من يشاء في من يشاء حين يشاء سبحانه وتعالى الواحد الصمد. ويخرج الله أقواماً برحمته بلا شفاعة لا يحصى لهم عدد؛ هناك أناس من عصاة الموحدين يبقون في النار لم يشفع لهم أحد، سيخرجهم الله جل في علاه بمحض رحمته ولم يشفع لهم أحد.
وليس يخلد في نار الجحيم سوى من كان بالكفر عن مولاه يبتعد. أما الخلود للأبد في نار جهنم فهذا لا يكون إلا للكافرين؛ ومثلهم المنافقون نفاقاً أكبر، هذا أصلاً يعتبر من الكافرين. يا عظم ما ركبوا يا سوء ما نكبوا عن ربهم حجبوا من فضله بعدوا؛ هذا تقسيم رباعي للبيت اسمه تشطير. يا عظم ما ركبوا، يا سوء ما نكبوا؛ نكب عن الصراط يعني خرج عنه، ما معنى نكب عن الشيء؟ يعني خرج، يا سوء ما نكبوا أي خرجوا عن الصراط المستقيم. عن ربهم حجبوا؛ لأنهم هؤلاء محجوبون عن ربهم ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 14-15]. من فضله بعدوا، بعدوا عن فضل الله سبحانه وتعالى.
فائدة بالنسبة للبيت: "وفي عصاة أولي التوحيد يخرجهم من الجحيم ويدريهم بما سجدوا"، ما معنى ويدريهم أو ويدريهم؟ درى يدري بفتح الياء. ما معنى ويدريهم بما سجدوا؟ النبي صلى الله عليه وسلم كيف يعرف عصاة الموحدين في النار؟ من آثار السجود، وهذا يدل أن عصاة الموحدين أهل الكبائر لازم يكونوا من أهل الصلاة، فالذي لا يصلي أبداً هذا مشكلة، كيف لو دخلت النار كيف سيخرجك محمد صلى الله عليه وسلم؟ هو يعرف أهل الكبائر من أمته في النار بماذا؟ بعلامات السجود. يعني شارب خمر، يزني، لكن يصلي، يفعل الفواحش بس بيصلي؛ لأن الصلاة هي الخط الأحمر، ما في صلاة إذاً كيف سيشفع لك؟ كيف ستعرف؟ فهذا ينتبه له. وهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف عصاة الموحدين في النار من علامات السجود؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل من الإنسان أماكن السجود، سبحان الله شوف فضيلة الصلاة يعني مهما أخطأت في الحياة الدنيا لو دخلت النار، النار لا تأخذ منك جبينك، يديك، الركبة، الأقدام التي كنت تسجد بها.
قال رحمه الله: باب الإيمان بالنظر إلى الله عز وجل في الدار الآخرة. وإنما ذكر هذه المسألة بباب مستقل وإن كانت متعلقة بالدار الآخرة لما وقع فيها من خلاف شديد؛ فالمعتزلة الذين تكلمنا عنهم البارحة نفوا أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة. وكذلك الأشعرية ضمنياً هم يوافقون المعتزلة؛ لأن الأشاعرة لا يقولون أن هناك رؤية عين لله، وإنما كما قال الرازي عنا هي تشكلات نفسية، يعني رؤية قلبية وليست رؤية عينية، وهذا المعتزلة لم تتطرق إلى نفيه، وإنما المعتزلة إنما تنفي رؤية العين، والأشاعرة متفقون مع المعتزلة في نفي رؤية العين، فلا يغرنك أنك تجد في بعض كتب الأشعرية إثبات الرؤية لله، فإنهم لا يثبتونها كما يثبته أهل السنة والجماعة؛ هم لا يثبتون رؤية عين وإنما يثبتون رؤية قلب. ولذلك الرازي وهو من أكابر الأشاعرة أدرك ذلك ونص على أن الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في إثبات الرؤية أو نفيها خلاف لفظي؛ لأن ما تنفيه المعتزلة هي رؤية العين وهذا القدر تنفيه الأشعرية أيضاً. وهذه كلها أقوال مخالفة للتواتر؛ حيث أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، وستأتي الأحاديث معنا اليوم إن شاء الله في كتاب الأربعين في قواعد الدين.
قال رحمه الله: والمؤمنون يرون الله خالقهم يوم اللقاء وعده الصدق الذي وعدوا، يرونه في مقام الحشر حين يناديهم ليتبع الأقوام ما عبدوا. أول مرة يرى الله عز وجل يرى في عرصات القيامة، وفي عرصات القيامة اختلف حقيقة العلماء هل الرؤية في عرصات القيامة خاصة بالمؤمنين أم يراه المؤمنون والكافرون والمنافقون؟ إذا قلت لي يا شيخنا الله عز وجل ألم يقل ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]؟ نقول كثير من العلماء يقول أنهم حجبوا عن رؤية الله رؤية كرامة، وأما رؤية حساب وعقاب فظاهر بعض النصوص أن الكافر والمنافق يرى الله في عرصات القيامة رؤية عتاب وغضب وليس رؤية تنعم وجمال، فهمتم؟ فالرؤية؛ الله سبحانه وتعالى يتجلى في عرصات القيامة، لكن هل سيراه فقط المؤمنون أم سيراه الكافرون والمنافقون أيضاً؟ هذه مسألة خلافية والخلاف فيها ظني اجتهادي لا يبدع فيها.
قال: يرونه في مقام الحشر حين يناديهم ليتبع الأقوام ما عبدوا، فيتبع المجرم الأنداد تقدمهم إلى جهنم وردا ساء ما وردوا، والمؤمنون لمولاهم قد انتظروا إذا تجلى لهم سبحانه سجدوا. وهنا ينظم الحديث النبوي أنه ينادى يوم القيامة ليتبع كل قوم ما عبدوا، فكل سيتبع ما عبده؛ من عبد الأصنام سيتبع الأصنام، ومن عبد الشيطان يتبع الشيطان، واللي عبد بوذا يتبع بوذا، وكل سيتبع ما عبد. وأما أهل الإيمان فيبقون في مكانهم يقولون نبقى إلى أن يأتي ربنا، فيبقون في مكانهم حتى يأتي الله سبحانه وتعالى؛ لذلك قال فيتبع المجرم الأنداد، الأنداد الأصنام، تقدمهم إلى جهنم وردا ساء ما وردوا، والمؤمنون لمولاهم قد انتظروا، إذا تجلى لهم سبحانه سجدوا، إلا المنافق.
والمؤمنون ينتظرون الله سبحانه فإذا تجلى لهم الله عرفوه فسجدوا له، فهذه هي الرؤية الأولى للمؤمنين لربهم وهذه في عرصات القيامة. إلا المنافق يبقى ظهره طبقاً إذ في الحياة إذا قيل اسجدوا مرد. الآن مع المؤمنين يكون هناك المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فهؤلاء عندما يتجلى الله يحاولون السجود فلا يستطيعون؛ لأنهم كانوا في الحياة الدنيا لا يسجدون لله سجوداً صادقاً فيصبح ظهرهم طبقاً، يحاول يثني مش قادر يثني؛ لذلك قال إلا المنافق يبقى ظهره طبقاً كالطبق لا ينثني، إذ في الحياة إذا قيل اسجدوا مرد، صار يلعب بالدين ويعبث وما بده يصلي ويتظاهر ويتصنع فعوقب يوم القيامة. وهذا ظاهره كما قلنا أن المنافق يرى الله في عرصات القيامة؛ لأن هو يحاول أن يسجد عندما يتجلى الله ولكنه لا يستطيع. إذاً هذا فيه دلالة على أنه حتى المنافق يرى الله، لكن هل هي رؤية نعيم؟ لا، هذه رؤية تكون بالنسبة له وبال وعذاب وعقاب أنه لن يستطيع أن يسجد لربه.
كذا الزيادة في يوم المزيد إذا على النجائب للرحمن قد وفدوا. أما هذه الثانية فهي رؤية التنعم، وهذه التي تكون داخل الجنة، وهي تفسير بقوله تعالى ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]، وهي أيضاً تفسير قوله تعالى ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 23]، قال المفسرون: ينظرون إلى وجه ربهم سبحانه وتعالى. وقال كذا الزيادة في يوم المزيد إذا على النجائب للرحمن قد وفدوا؛ على النجائب؛ النجائب هي الإبل التي يركب عليها الوفود الفخمة. هناك وفد الرحمن يأتون لزيارة الله والنظر إلى وجهه، فيأتون على النجائب وهي الخيل أو الإبل التي تكون مجهزة ومهيأة بأفخم الأنواع والأشكال، يأتون إلى الرحمن ويسمون وفد الله.
فالأنبياء كذا الصديق والشهداء على منابر نور في العلا قعدوا. هذا الوفد العظيم الذي يزور الله في الجنة يقدمه من؟ يقدمهم الأنبياء، فيأتي الأنبياء ثم بعدهم الصديقون ثم الشهداء، وهؤلاء يجلسون على منابر النور؛ الأنبياء والصديقون والشهداء عندما يأتوا إلى مكان الزيارة تجلسهم الملائكة على منابر النور. طيب باقي المواطنين الموجودين في الجنة أين سيجلسون عندما يذهبوا إلى الزيارة؟ قال: وغيرهم من أولي التقوى مجالسهم كثبان مسك ألا يا نعمة المهد. الباقي سيجلس على كثبان المسك، بيدخلهم الملائكة في تلال من مسك اجلسوا عليها. بالتالي في الجنة وفي الزيارات أكيد ليس كل الناس سيكونون على نفس المستوى من القرب من الله، اللي تعب أكثر يستحق القرب أكثر؛ فالأنبياء والصديقون والشهداء هؤلاء نخبة، الدرجات العليا، هؤلاء يجلسون على منابر النور، وأما الباقي فأين يجلس؟ يجلسون على كثبان المسك، يجلسون على تلال. طبعاً كثبان المسك يعني برضه مش شيء هين، أنت خلص يا شيخ الله يعينك، أنت شايف شيء في الدنيا تمام؟ كثبان المسك ممتاز! أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا هذه المنازل وما هو أعلى منها، نسأل الله أن يجعلنا على منابر النور. دائماً خلي همتك عالية، بعض الناس يقول لك يا شيخ أنا كثبان المسك راضي، لا، إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، لا، خلي همتك أن تكون ممن يجلس على منابر النور وأن تكون من الصديقين والشهداء تمام طيب.
من فوقهم أشرف الرحمن جل وناداهم سلام عليكم كلهم شهدوا. نعم بعد أن يجلس الجميع ويأخذوا مجالسهم يشرف الرحمن جل في علاه ويناديهم سلام عليكم كلهم شهدوا؛ الكل يرى الله ويشاهد ربه سبحانه وتعالى وهو يسلم عليه. يرونه جهرة لا يمترون كالشمس صحوا يرى من ما به رمدوا. يرونه جهرة، رؤية جهرة واضحة، لكنهم لا يحيطون به، يعني هم يرون وجهه سبحانه لكن لا يستطيعون الإحاطة بذاته المقدسة جل في علاه؛ يرونه جهرة لا يمترون، ما في أحد شاك، الكل يدرك، تخيل أن إلهك الذي عبدته في الدنيا وضحيت.
من أجله، ومت في سبيله، وكانت حياتك من أجله. الآن تراه بعينك، الآن تراه بعينك، هذا الإله العظيم الذي كنت ممنوعاً أن تتخيله في الدنيا؛ صح؟ قلنا في الدرس البارحة ممنوع تتخيل الله، الآن يتاح لك أن تنظر إلى وجهه. هذا مشهد مهيب عظيم الكل يشتاق إليه؛ لا تنظر إلى وجه ملك من ملوك الأرض، ولا إنسان كان غامضاً خفياً تتمنى فقط أن ترى كيف وجهه، أنت تنظر إلى وجه خالق السماوات والأرضين جل في علاه، وتتلذذ بهذا النظر. فما أُعطي أهل الجنة من النعيم أعلى من النظر إلى وجه الله.
أعظم نعيم يا شيخ، يعني معقول أعظم من الحور العين؟ نعم، من يحب الله حقاً سيكون النظر إلى وجه الله أجمل وأحلى عنده من معاشرة الحور العين، وأجمل وأحلى عنده من الطعام والشراب والقصور والأنهار، وإن كانت جميلة لذيذة لطيفة. لكن من يحب الله صدقاً أعظم ما يريد أن يطلبه في الآخرة هو: اكشف لنا وجهك ننظر إليه. لذلك قال: ﴿يَرَوْنَهُ جَهْرَةً لَا يَمْتَرُونَ﴾ كما للشمس صحواً، أي يرون وجه الله كما أنك ترى الشمس صحواً، يرى من ما به رمد، تمام، للشمس صحواً يرى من ما به رمد؛ كان اللي به رمد اللي عنده مشكلة في عينيه تمام، ففي يوم القيامة الكل يرى، ما حدا عنده مشكلة، ما حدا سيحجب، ما حدا يجد أن هناك تزاحم مش قادر، الكل سيرى الله سبحانه وتعالى في الجنة من هذا الوفد المهيب. نعم، هناك يذهل كل عن نعيمهم بذا النعيم، فيا نعماً لهم حمدوا.
هناك يذهل كل عن نعيمهم؛ عندما يرى المؤمنون ربهم يذهلون، يعني ينسون كل نعيم الجنة وينشغلون بهذا النعيم العظيم. هناك عندما يكشف الرب سبحانه عن وجهه يذهل، ينسى كل عن نعيمه بذا النعيم، أي بهذا النعيم، وهو رؤية وجه الله. فيا نعماً لهم حمدوا، فيا نعماً لهم حمدوا، يعني يا هذه النعمة العظيمة التي حمدوا وأثني عليهم بسبب أنهم وصلوها، فيا نعمة لهم حمدوا على هذا النعيم الذي وصلوه. نعم.
وذا لهم أبداً في كل جمعتهم، بشرى وطوبى لمن في وفدهم يفِد. وهذه الزيارة لله سبحانه وتعالى في كل جمعة، يعني الجنة إخواني فيها يوم جمعة، الجنة فيها أيام، وهناك يوم جمعة، ويوم الجمعة هو موعد الزيارة الأسبوعية، يوم الجمعة هو موعد الزيارة الأسبوعية؛ لذلك قال: وذا لهم أبداً في كل جمعتهم، في كل جمعة سيذهبون إلى هذه الزيارة المهيبة بين يدي ربهم سبحانه وتعالى، بشرى وطوبى لمن في وفدهم يفِد، يا بشرى من سيكون في هذا الوفد ويعيش تفاصيل هذه الحياة التي تختلف تماماً عن تفاصيل الحياة الدنيا المليئة بالضنك والتعب والأمراض والهموم والغموم. أنت بتستنى يوم الجمعة في الجنة حتى تنظر إلى الله، حتى تزور الله، أنت اليوم في الدنيا تنظر يوم الجمعة معطلة، يعني نرتاح شوي من المشاكل، وبتطلع لك بعدين مشاكل كمان في يوم الجمعة، وبتلاقي الهموم والالتزامات العائلية، والجمعة في الجنة تفاصيله مختلفة؛ أنت تنتظره لأنك تعرف أن هذا يوم لقاء الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الوفد، من أهل السعادة الأبدية. وانظر في نفس الوقت أنه في هذا اليوم، يوم الجمعة، هناك من يزور الله وهناك من يكون يعذب في النار، هناك من يكون يعذب في النار؛ هؤلاء الذين لم يصبروا على شهوات الدنيا ولم يصبروا على ما تريده الأنفس ورغباتها ولم يضحوا في الوقت الذي يزور فيه أناس ربهم، هو يكون يتشوى في نار جهنم مع أبو جهل ومع كل الكفرة الذين سيدخلون النار من المعاصرين والأقدمين. عاد أنت بتكون جالس معهم، فاختر لنفسك أنت الآن في الدنيا مكان الزرع كما قال ابن قدامة في وصيته: نحن ما زلنا في مكان الزرع، ازرع، وما تزرعه الآن تحصده غداً بإذن الله. نعم.
قال رحمه الله: باب الإيمان بالقدر خيره وشره، وهذا هو الركن الأخير من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر. نعم. كذاك بالقدر المقدور نؤمن من خير وشر وذا في ديننا عمد. أي نؤمن بالقدر خيره وشره أنه جميعاً من عند الله سبحانه، وذا في ديننا عمد، أي هذا أحد أعمدة الدين، وذا في ديننا عمد، أي هذا من أعمدة الدين الأساسية أن نؤمن بالقدر خيره وشره. نعم.
والقدر المحتوم لكن أولو الأهواء قد مَرَدوا، هل هناك منافاة بين الشرع والقدر؟ هل هناك منافاة بين أن الله شرع وأمر أبا جهل بالإيمان ولكن قدّر عليه أن يكون كافراً؟ في منافاة بين أن الله أمر أبا جهل أن يسلم ولكنه قدّر عليه كوناً أن يموت كافراً؟ لا منافاة، هذا وهذا بخلاف الفرق الضالة التي حاولت أن تعترض: كيف يأمر الله أبا جهل بالإيمان ولكنه يقدّر عليه أن يموت كافراً؟ نقول: هذا باب الشرع وذاك باب القدر، وكل شيء بحكمة فلا منافاة. أن الله يأمرك أن تصلي صلاة الظهر ثم يقدّر أنك لا تصليها لسبب، قد يكون سبب أنت معذور، وقد تكون أنت غير معذور فيه، فالقدر سر الله في خلقه كما قلنا البارحة، فلا نعترض على الله ولا نقول: لأنه في قدر إذاً ما في شرع، أو لأنه في شرع ما في قدر. فالمعتزلة لما وقفوا عند الشرع ألغوا القدر، والفرق الجبرية بالعكس، أو بعض الفرق بالعكس لما أثبتت القدر ألغت الشرع، وجعلت الإنسان له أن يحتج بماذا؟ بالقدر على عدم قيامه بالشرع كما قلنا البارحة. وأهل السنة والجماعة يثبتون الشرع وأنه هذه مساحة العمل والإرادة الحرة، ويثبتون القدر وهذه مساحة مغلقة الله سبحانه وتعالى حجبني عن الاطلاع عليها وإنما قصار ما عندي أن أؤمن بها، فلا منافاة؛ أمر ونهي وبين وجود قدر إلهي سابق. نعم.
فإن الإيمان بالأقدار مرتبط بالشرع؛ ذا دون هذا ليس ينعقد. يعني الشرع دون قدر ما بضبط، والقدر دون شرع ما بضبط، بدك تؤمن بالاثنين. فإن الإيمان بالأقدار مرتبط بماذا؟ بالشرع، فإن الإيمان بالأقدار مرتبط بالشرع، ذا دون هذا ليس ينعقد؛ يعني ما بضبط دينك إذا اخترت الإيمان بأحدهما دون الآخر، لا ينعقد لك إيمان صحيح. نعم.
إياه نعبد إذعاناً لشرعته، بالنهي منزجرين، الأمر نعتمد. ونستعين على كل الأمور به؛ إذ كلها قدر من عنده ترد. إياه نعبد، مش أنت تقول دائماً في كل صلاة ماذا؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ إياك نعبد إعلان لماذا؟ إعلان أنك خاضع للشريعة. إياه نعبد إذعاناً لشرعته، خضوع للشريعة؛ بالنهي منزجرين، الأمر نعتمد؛ ذكر الأمر والنهي في هذا الشطر، بالنهي منزجرين، أي ننزجر عن الأعمال التي نهانا الله عنها ونقوم بالأعمال التي أمرنا الله بها، لأن الشرع ما هو أمر ونهي؟ هذا خلاصة الشرع، الشرع أمر ونهي. فيقول: بالنهي منزجرين، الأمر نعتمد؛ فننتهي عما نهى عنه ونفعل ونعتمد ما أمرنا به. نعم.
ونستعين على كل الأمور به؛ إذ كلها قدر من عنده ترد. ولكن بعد إياك نعبد ماذا تقول؟ إياك نستعين، لأن الله إذا لم يُعنك ولم يقدّر لك أن تعبده فإنك لن تستطيع أن تعبده. إذاً إياك نعبد شرع، وإياك نستعين قدر. فهمتم الجمال في الاستدلال؟ إياك نعبد هذا خضوع للشرع، وإياك نستعين خضوع للقدر، إذاً لا بد أن تؤمن بالشرع والقدر، لأنك لن تستطيع أن تخضع لشرعته إلا إذا أعانك هو وقدر لك هو وساندك هو على أن تقوم بالشرع، فلا بد إذاً أن تجمع بين إياك نعبد خضوعاً للشرع، وإياك نستعين خضوعاً للقدر، وطلباً من الله أن يقدّر لك أن تفعل الشرع الذي أمرك به. نعم.
أحاط علماً بها ربي وقدّرها دقاً وجلاً، ومن يشقى ومن سعيد. أحاط إذاً ونستعين على كل الأمور به إذ كلها قدر من عنده ترد. أحاط علماً بها الله، أحاط علماً بكل ما يكون في حياتنا أحاط علماً بها، ونحن لا نحيط علماً بها، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، وأما في أمري قال ماذا في سورة الطلاق: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، فالله أحاط علماً بكل شيء. أحاط علماً بها ربي وقدرها كل أعمالنا وكل اختياراتنا دقاً وجلاً، يعني صغيرها وكبيرها، ومن يشقى ومن سَعِد، أهل الشقاء عرفهم وأهل السعادة عرفهم. نعم.
من قبل إيجادها حقاً وسطرها. والله عرف كل شيء أهل الخير وأهل السعادة، وعرف أعمالنا دقها وجلها من قبل أن يوجدها؛ فإن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء، أو أمر القلم أن يكتب كل شيء في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهو عرف كل شيء قبل إيجاده. نعم.
في اللوح، جفت بها الأقلام والمدد. نعم، جفت بها الأقلام والمدد، قال صلى الله عليه وسلم: ماذا قال في الحديث؟ «رُفعت الأقلام وجفت الصحف»، دلالة على أن القدر قد فُرغ منه. والدعاء من القدر، بس الفائدة السريعة حتى تقول يا شيخ إذاً شو فائدة الدعاء؟ والدعاء من القدر، فإذا دعوت الله، إذاً الله قدر لك الدعاء ليقدّر لك الإجابة، تمام، فادعُ الله وأنت موقن بالإجابة. إذاً في اللوح جفت بها الأقلام والمدد، وهذا أخذاً من الحديث: «رُفعت الأقلام وجفت الصحف»، دلالة على أن علم الله السابق قد أحاط بكل شيء. نعم.
كيفية وزماناً والمكان، فلا يعد امرؤ ما قضاه الواحد الصمد. الله سبحانه وتعالى عرف كل شيء كيفية، كيف سيحصل، وزماناً ومكاناً، فلا يعد امرؤ، لا يتجاوز الإنسان ما قدّره الله له، فلا يعدو يعني لا يتجاوز امرؤ ما قضاه الواحد الأحد له. فهمتم معنى البيت؟ عرف كل شيء كيفية، كيف سيحصل، وزماناً ومكاناً، فلن تستطيع يا أيها الإنسان أن تتجاوز وأن تتعدى ما قضاه الواحد الصمد سبحانه وتعالى لك. نعم.
بقول "كن" ما يشاء أمضى بقدرته، بالخلق والأمر رب العرش منفرد. نعم، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، لذلك قال: بقول كن ما يشاء أمضى بقدرته. بقول "كن" إذا قال الله "كن" أمضى ما شاء سبحانه وتعالى. بقول كن ما يشاء أمضى بقدرته بالخلق والأمر رب العرش منفرد، بالخلق والأمر رب العرش منفرد، هذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]. الأمر هو الشرع، فالخلق له والتشريع له، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ رب العرش منفرد. إذاً بقول كن ما يشاء أمضى بقدرته هذا لحاله، بالخلق والأمر رب العرش منفرد، وهي جملة وحدها. إذاً بقول كن أمضى ما يشاء بقدرته، بس أعيد ترتيب البيت حتى تفهموا: بقول كن أمضى ما يشاء بقدرته، هيك ترتيب البيت، لما يقول "كن" يمضي سبحانه وتعالى ما يشاء بقدرته عز وجل. ثم أراد أن يبين أن الله له الشرع وله الخلق: بالخلق والأمر رب العرش منفرد، وهذا كما قلنا من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. نعم.
وقدرة العبد حقاً مع مشيئته لكن لما شاء الله نعتقد. طب سؤال: هل العبد له قدرة ومشيئة؟ هل أهل السنة والجماعة يثبتون للعبد قدرة ومشيئة؟ نعم، قال: وقدرة العبد حقاً، ربنا أعطاك قدرة، فأنت تصلي بقدرتك، وتذهب إلى المسجد وتعتمر وتحج، هناك قدرة للإنسان ربنا أعطاه إياها، وهناك مشيئة أيضاً ربنا أعطاك معك إياها، أنت كيف تخطط للمستقبل؟ مش كل واحد فيكم اليوم بدخل برامج التدريب ودورات التدريب ويخطط للمستقبل؟ والتخطيط للمستقبل ما هو؟ هو المشيئة، أنه أنت إيش بدك تدرس في الجامعة، أنت إيش ناوي تعمل غداً لما تكبر، ماذا تريد في الزواج؟ هذه كلها مشيئة. هل أحد منكم يستطيع أن يكذب نفسه ويقول: أنا لا أشعر أن عندي مشيئة؟ هذه تكون نوع من المغالطة. فكل إنسان عنده قدرة وعنده مشيئة، لكنها في النهاية لا تخرج عن ماذا؟ عن مشيئة الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. فالله مشيئته فوق مشيئتك، لكن أعود فأقول: مشيئة الله أنت لا تستطيع الإحاطة بها ولا معرفة ما قدّره الله لك، فلا تنشغل بها. أنت تثبت المشيئة لله، لكن ليس من شغلك أيها الإنسان أن تفكر هو ربنا شو كاتب لي بكرة؟ هو ربنا مين كاتب لي أتزوج؟ يا أخي أنت ما رح تعرف، ليش تنشغل بهي القضية؟ اشتغل بما بين يديك، اعملوا فكل ميسر لما خُلق له. نعم.
وقدرة العبد حقاً مع مشيئته لكن لما شاء الله نعتقد، يعني أن قدرة العبد ومشيئته لا تخرج عن مشيئة الله، لكن لما شاء الله ونعتقد نحن نعتقد وجود قدرة للعبد ومشيئة، لكن هذه القدرة والمشيئة لما شاء منها الله، بمعنى أنها مرتبطة بمشيئة الله لا تخرج عنها. نعم.
إذ كان ذاتاً وفعلاً كله عدم، إلا إذا جاءه من ربه المدد. هذا الإنسان كان في ذاته وفي أفعاله في حيّز العدم، من الذي أوجدك ذاتاً وفعلاً؟ الله. إذ كان هذا الإنسان ذاتاً وفعلاً كله عدم، إلا إذا جاءه من ربه المدد؛ ربنا أعانك وجاءك المدد، فأصبحت موجوداً في هذا الكوكب، ثم أصبحت تفعل أفعالاً، وهذا كله من الله سبحانه وتعالى. نعم.
من يهديه الله فهو المهتدي، وكذا من شاء إضلاله، أين له الرشد؟ إذًا كل شيء مرتبط بمشيئة الله، فكذلك الهداية والضلال بمشيئة الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. فما دام كل شيء بقدر الله ومشيئته فالهدى والضلال من قدر الله؛ فلذلك هداية الإنسان وأن تسلك طرق الاستقامة بمشيئة الله، وأن تسلك طرق الضلال والانحراف هذا بمشيئة الله؛ فلذلك دائماً نحن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. لماذا نطلبها منه؟ لأنها بيده. أنت تطلبها منه لأنه إذا شاء هداك، وإذا شاء حرمك وجعلك من المخذولين.
قال رحمه الله: مجمل أركان الإسلام. بعد أن انتهى من ذكر الإيمان بأركانه الست، عاد إلى حديث جبريل؛ فحديث جبريل ذكر فيه الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان. الآن هو انتهى من ذكر أركان الإيمان الست وما يجب أن تعتقده جملةً وتفصيلاً، الآن سيعود إلى الإسلام ثم سيعود إلى الإحسان. فالإسلام لما سئل عنه في حديث جبريل، قال: ما الإسلام؟ ماذا أجاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان». فهذه أركان الإسلام.
والإيمان إذا اجتمع مع بعضهما، فالإسلام يدل على الأعمال الظاهرة، والإيمان يدل على الأعمال الباطنة. صحيح، لأن الصلاة والزكاة والصيام والحج هذه أعمال جوارح ظاهرة، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله هذه في الأصل أعمال باطنة. فالإيمان والاسلام إذا ذكرا معاً، فالإيمان هو الباطن والإسلام هو الظاهر، أما إذا ذكر كل واحد وحده، فالإسلام يشمل الباطن والظاهر، والإيمان يشمل الباطن والظاهر. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] قلنا الإسلام ذكر وحده فيشمل الظاهر والباطن، ولذا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالايمان يشمل الظاهر والباطن. أما إذا ذكر معاً في حديث واحد، فيكون الإسلام هو الظاهر والإيمان هو الباطن. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]. شو الفرق؟ قالوا آمنا حقيقة في باطننا، قال لا، أنتم أسلمتم في الظاهر، لسه الإيمان لم يقر في الباطن بعد.
قال رحمه الله: هذا وقد بني الإسلام فادري، على خمس دعائم، فاحفظ أنها العمد. نعم، الإسلام بني على خمسة أركان، خمس دعائم. ما هي؟ هي الشهادة فاعلم، والصلاة مع الزكاة، والصوم ثم الحج فاعتمِدوا. وذروة الدين أعلاها الجهاد حما لحقه. أضاف على أركان الإسلام الجهاد؛ باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة» ويجوز تقول وذروة أيضاً بضم الذال، وذروة أو ذروة، سنامه الجهاد في سبيل الله.
وذروة الدين أعلاها الجهاد حما لحقه، ولأهل الكفر مضطهد. نعم، الجهاد ما وظيفته؟ أن يحمي الحقيقة، والحقيقة هي المجتمع المسلم. تمام، وظيفته أن يحمي المجتمع المسلم، هذا معنى أنه يحمي الحقيقة؛ لذلك قال: وذروة الدين أعلاها الجهاد، ما وظيفته؟ حما لحقه، أن الجهاد حامٍ للحقيقة. وظيفته أن يحمي المجتمع المسلم، وهو في نفس الوقت لأهل الكفر مضطهد، أي هو عذاب للكافرين وحماية للمؤمنين، هذه الخلاصة.
قال رحمه الله: جامع وصف الإحسان. انتقل للإحسان، وهي المرتبة الثالثة التي وردت في حديث جبريل، أنه سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان. فما هو الإحسان في حديث جبريل؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه...». هذا أعلى درجات للإحسان، فعل هذا، والإحسان في سر وفي علن. أصله ومعناه عن خير الورى يرد: أن تعبد الله باستحضار رؤيته إياك، ثم كمن إياه قد شهدوا.
قال الإحسان مقام يستوي فيه السر والعلانية. ومعناه عن خير الورى يرد، أي شرحه لنا خير الورى ويقصد به النبي صلى الله عليه وسلم. ما معناه؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، باستحضار رؤيته، والمراد هنا رؤية القلب: كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، إذا لم تقو على أن تعبد الله كأنك أنت تراه، فعلى الأقل اعبده وأنت تستحضر أنه هو يراك. وهذه أدنى من الأولى، ولكنها تعتبر من مراتب الإحسان. فقال: أن تعبد الله باستحضار رؤيته إياك، ثم كمن إياه قد شهدوا. بدأ بالأدنى: أن تعبد الله باستحضار رؤيته هو لك، وهذه الأدنى. قال: ثم كمن إياه قد شهدوا، هذه الأعلى، أنه أنت تشهد إياه؛ إياه تعود على الله، ثم كمن شهدوا هم الله، وهذه هي الأعلى. فهو عكس الحديث، والحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هو في المنظومة بدأ بالثاني ثم عاد إلى الأولى، فقال: أن تعبد الله وأنت تستحضر أنه هو يراك، ثم أي ما هو أعلى: أن تشهد أنه أنك أنت تراه.
قال رحمه الله: باب نواقض الإسلام، أعاذنا الله منها. قال: وليس يخرج من الإس... بعد أن أنهى ذكر الإسلام والإيمان والإحسان، انتقل إلى ذكر النواقض، بماذا يخرج الإنسان من هذا الدين؟ وليس يخرج من الإسلام داخله، إلا بإنكار ما فيه به يرد. أما المعاصي التي من دون ذاك، فلا تكفير إلا لمن للحل يعتقد.
قال: وليس يخرج من الإسلام داخله، إلا بإنكار ما فيه به يرد. بدي أعيد ترتيب البيت معك: إلا بإنكار ما يرد به فيه. عيد ترتيب الشطر الثاني حتى تفهمه، يقول: لا يخرج الإنسان من الإسلام إلا إذا أنكر ما يرد به فيه، يقصد الشهادة أن لا إله إلا الله، إذا أنكرت ما يرد به، ما الذي يردك في الإسلام ويدخلك الإسلام؟ شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإذا أنكرت شهادة أن لا إله إلا الله كفرت. قال: وليس يخرج من الإسلام داخله إلا بإنكار ما فيه به يرد، ما يرد به في الإسلام وهو الشهادة، والمراد أن ينكر أو يخل بشرط من شروط لا إله إلا الله. اكتب هذا الكلام: أن تنكر أو تخل بشرط من شروط لا إله إلا الله، أو تقوم بعمل من الأعمال التي تستلزم الإخلال بهذه الشروط.
إذاً ما معنى إنكار لا إله إلا الله؟ مش ضروري أنك تحكي ما في لا إله إلا الله، لا، ما هو نواقض الإسلام مش فقط أنك تلغيها بلسانك. إنكار لا إله إلا الله بأن ينكر أو يخل بشرط من شروطها اللي درسناها البارحة: العلم واليقين والانقياد والقبول والصدق والإخلاص والمحبة. إذا أخللت بشرط من شروطها، أو قمت بعمل يستلزم الإخلال بشرط من شروطها، كمن والعياذ بالله يسب الله؛ الذي يسب الله هذا أخل بشرط من شروط لا إله إلا الله، وهو الانقياد. تمام، وأيضاً يمكن نقول أخل بشرط القبول، شخص يسب الله ما معنى، ماذا بقي للا إله إلا الله من شروطها في قلبك؟ أليس كذلك؟ فكل الأفعال المكفرة هي لا بد وأن تكون مخلة بشرط من شروط لا إله إلا الله، فهذا معنى إنكار لا إله إلا الله، يعني الإخلال بشرط من شروطها.
فمثلاً من كان عنده يقين، وهو الشرط الثاني من شروطها، ثم أصبح يشك، كفر. صحيح، من كان عنده انقياد لها ثم ترك الانقياد لها تماماً كفر، من كان عنده قبول لها بقلبه ثم ما عاد يقبل لا إله إلا الله بقلبه كفر، من كان مخلصاً ثم أصبح يعبد مع الله غيره كفر لأنه أخل في الإخلاص، من كان محباً لها ثم أصبح كارهاً لها كفر. فمن أخل إذاً بشرط من شروط لا إله إلا الله، أو فعل فعلاً يستلزم الإخلال بشرط من شروطها، فهذا كفر. فجميع نواقض الإسلام التي يذكرها الفقهاء والأئمة، هي تدور حول الإخلال بشرط من شروط لا إله إلا الله، أو القيام بفعل من الأفعال يستلزم الإخلال بشرط من شروط لا إله إلا الله.
قال رحمه الله: أما المعاصي التي من دون ذاك، فلا تكفير إلا لمن للحل يعتقد. أما المعاصي التي لا تخل بشرط من شروطها إخلالاً كلياً، كالزنا والخمر، سواء كانت من الكبائر أو من الصغائر، لا نكفر بها مهما فعل الإنسان من معاصي إذا لم يخل بأحد شروط لا إله إلا الله، فلا نكفره بذنب. يا شيخ زنى، يشرب الخمور، يفعل ويفعل، لا يكفر، وإن كان ينقص إيمانه لكنه لا يكفر.
إلا في حالة واحدة، ما هي؟ إلا إذا استحل الحرام، يعني وهذا يتعلق بالقلب، إذا استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة تحريمه، أو اكتب العكس، أو حرم ما هو معلوم من الدين بالضرورة إباحته، فقد كفر. يعني بعض الناس يقول لك أكل لحم الإبل والخيل والغنم، عفواً أكل لحم بدون الخيل لأنه فيها خلاف، أكل لحم الإبل والغنم حرام، كفر. بتعرفوا اليوم في جماعة اسمهم النباتيين، سمعتوا فيهم؟ من هؤلاء النباتيون اللي يقول لك أنتم حرام عليكم يا مسلمين تذبحوا الغنم وتأكلوا، فبالتالي هؤلاء "فيجيتيرين" لا يأكلون إلا الخضروات، يسمونهم. هذا إذا كان يعتقد أن أكل لحوم الدجاج والغنم حرام، هذا كفر. حتى تعرف أنه بعض الأمور مش سهلة، أنت ما تفكر أنها مزحة، يعني أنك تفكر أنك إنسان منيح أنك تحرم لحم الشاة، أنت تكفر إذا حرمتها؛ أكلها، هسا ما بدك تأكلها شيء شخصي بيرجع لك، أما أنك تقول حرام أن تأكل هذه اللحوم، هذا كفر. فمن حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم الله، كفر؛ هذا يتعلق بالاستحلال القلبي.
فهذا أول شكل من أشكال الكفر، وهو ما يسمى بكفر الاستحلال. الآن سيذكر بعد ذلك أشكالاً أخرى من أشكال الكفر، فقال: والكفر إن كان عن جهل الكفور فتكذيب، ككفر قريش حينما مردوا. ضع لي مربعاً على "لمن للحل يعتقد" وقل وحط عندها واحد، أول شكل من أشكال الكفر كفر الاستحلال. هنا في هذا البيت على كلمة "تكذيب" حط اثنين، كفر التكذيب. ما هو كفر التكذيب؟ قال اقرأ مرة ثانية: والكفر إن كان عن جهل الكفور فتكذيب، ككفر قريش حينما مردوا. النوع الثاني من الكفر اسمه كفر التكذيب، وهو أن تكون غير مصدق بلا إله إلا الله محمد رسول الله، مش مصدق أنه لا إله إلا الله، وغير مصدق أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول حقيقي؛ كحال كفار قريش، هم ما كانوا مصدقين أن لا إله إلا الله. طبعاً هذا الجهل ليس جهل مبرر، لا، هذا جهل الإعراض وجهل ركوب الدماغ زي ما يسمى، هذا ليس الجهل المبرر؛ فلذلك يسمى هذا كفر تكذيب لأنه لم يصدق بأنه لا معبود إلا الله، ولم يصدق بأن محمداً رسول الله، هو مش مصدق أصلاً بهذه القضية مع أنها جاءته البراهين والأدلة. طيب لماذا غير مصدق؟ معرض، غير مهتم، يريد أن يتبع آباءه، ما بده يفكر، ففي هذه الحالة نقول أنت كافر كفر تكذيب، حالك كحال كفار قريش. إذاً هذا نوع ثاني من الكفر اسمه كفر التكذيب.
ثالثاً: أو كان عن علمه فهو الجحود، ككفار اليهود الأولى بالمصطفى جحدوا. النوع الثالث من الكفر كفر الجحود، وهو أن تكون في قلبك مصدق أنه لا إله إلا الله ومصدق أن محمداً رسول الله، لكن ما بدك تعترف بلسانك، وهذا حال اليهود. ماذا قال الله عنهم؟ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146] هم مصدقين أنه لا إله إلا الله ويعرفون صدقاً أنه رسول الله، لكن بلسانه ما بده يعترف، هذا اسمه كفر جحود، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]. وهذا حال كفار اليهود؛ يعني كفار قريش كفرهم كان كفر تكذيب، أنه مش مصدقين أن محمد رسول الله، عشان هيك دائماً كفار قريش يروحوا لليهود، أيش يقولوا؟ أخبرونا هو رسول ولا لا؟ الم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا، اللي هم كفار قريش، هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. كفار قريش لأنهم لم يكونوا أصحاب كتب سماوية مش داخل دماغهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، مع أنه أتاهم بالمعجزات الباهرة؛ فلذلك كفرهم كفر تكذيب. أما اليهود هم عارفين أنه رسول الله؛ لأنه موجود في كتبهم التبشير به وبعلاماته، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكنهم رفضوا الاعتراف بألسنتهم، فكفرهم يسمى كفر جحود.
أو بالإباء مع الإقرار فهو عناد، كالرجيم إذ الأملاك قد سجدوا. الإباء حط عليها رقم أربعة. كفر الإباء هو أن تعترف بقلبك وأن تعترف بلسانك، ولكن ترفض الانقياد بجوارحك، وهذا كإبليس، فإنه كان معترفاً بقلبه وبلسانه. ما الدليل أنه كان معترفاً بلسانه؟ مر معنا البارحة، قال: رب... إذا أنت معترف ها، مش أنت بتحكي رب، إذا أنت معترف بقلبك وبلسانك. طيب بأيش كفر إبليس؟ أبى، مش هيك ربنا قال؟ اللي هو سمه كفر الإباء والعناد.
إنه ما بدّه ينقاد بجوارحه، وإن كان اعترف بقلبه وبلسانه أن الله ربّه، صحيح هذا اسمه كفر الإباء.
أو أبطن، قال: فهو اسمه كفر الإباء أو العناد. قال: فهو عناد، يا بتحط دائرة على العناد أو الإباء زي ما بدك، كالرجيم اللي هو الشيطان؛ إذ الملائكة قد سجدوا وهو رفض يسجد. الملائكة كلهم سجدوا إلا إبليس، ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50].
أو أبطن الكفر بالإسلام مستتراً فهو النفاق، فهذه أربعة. الكفر الرابع كفر النفاق، حط عليها رقم أربعة كفر النفاق. خمسة: استحلال، تكذيب، جحود، إباء، نفاق، خمسة كفر النفاق، ما هو؟ أن تقر بلسانك لكنك في قلبك مش مصدق، أن تقر بلسانك لكنك في قلبك مش مصدق، أو مش منقاد، بغض النظر؛ يعني يا إما مش مصدق يا إما أنت لا تريد الانقياد، بغض النظر قلت بلسانك وقلبك لا يواطئه، وهذا هو النفاق، كحال عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين.
مقابلات لقول القلب مع عمل منه، وقول لسان معه ينعقد، كذا لسائر أعمال الجوارح، فاعلم أربع قابلتها فاستوى العدد. الآن قلنا الإيمان إخواني ما هو؟ قول وعمل، مش هيك عرفنا البارحة؟ قلنا ما هو القول؟ قول القلب شو قول القلب؟ التصديق، وشو قول اللسان؟ الإقرار باللسان، ثم والعمل، عمل القلب وعمل الجوارح، إذاً هم أربعة يقابلهم أربعة في الكفر: قول القلب وهو التصديق شو يقابل في الكفر؟ كفر التكذيب. قول اللسان وهو الإقرار بـ «لا إله إلا الله» شو يقابل في الكفر؟ كفر الجحود. عمل القلب ماذا يقابله؟ كفر النفاق. عمل الأركان شو يقابله؟ الإباء وهو عدم انقياد الجوارح.
فهو يقول لك أربعة مقابل أربعة، طبعاً كفر الاستحلال هو ما حسبه الشيخ حافظ ما حسبه بس أنا حسبته، فإذاً هو يريد أن يقول لك أنه كما أن الإيمان أربعة: قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فالكفر أربعة؛ لأنه هي عكس أعكاس كما يقولون؛ إذا لم تصدق بقلبك فهذا كفر تكذيب، إذا لم تقر بلسانك فهذا كفر جحود، إذا لم تعمل بقلبك ما كان عندك عمل القلب فهذا ماذا كفر نفاق، إذا لم يكن هناك عمل جوارح فهذا كفر إباء أو عناد، وإن تزيد عليها كفر الاستحلال.
لذلك قال: مقابلات، أي هذه الأنواع الأربع هي مقابلة لقول القلب مع عمل القلب مع عمل منه، وقول لسان معه ينعقد، كذا لسائر أعمال الجوارح. أراد أن يجعل لك هذه الأربعة مقابل تلك الأربعة حتى تضبط البوصلة. قال: فاستوى العدد أربعة مقابل أربعة.
قال رحمه الله تعالى: باب شرك دون شرك، وكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق. قال رحمه الله تعالى: والشرك قد جاء منه أصغرُ ... وهو الرياء ممن سوى الرحمنِ ما عُبِّدَ كَمَن يُصَلِّي لِرَبِّي ... ثُمَّ زَيَّنَها لِما يَرى أَنَّ إِلَيهِ ناظِرٌ أَحَدُ
كذلك الحلف بالمخلوق من وثن ... كذا الأمانة والآباء والولَدُ وبِالشهادةِ فالساهي يُكَفِّرُ ... كَي يُقِرَّ في القَلبِ مَعناها وَيَرتَصِدُ
الآن إخواني هناك ما يسمى بالشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والظلم الأصغر، والفسق الأصغر، والنفاق الأصغر، هي خمس مصطلحات. هذا باب يسمى باب الأسماء والأحكام، عندنا في ألفاظ دائماً تتكرر في الشريعة: الشرك، الكفر، الظلم، الفسق، النفاق، شايفين هي الخمسة في منها أكبر وفي منها أصغر؛ في شرك أكبر، في شرك أصغر، في كفر أكبر، في كفر أصغر، في ظلم أكبر، في ظلم أصغر، في فسق أكبر، في فسق أصغر، وفي نفاق أكبر، وفي نفاق أصغر.
لذلك ماذا قال في ترجمة الباب: شرك دون شرك، يقصد الشرك الأصغر، وكفر دون كفر اللي هو الكفر الأصغر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، ونفاق دون نفاق، فهذا الباب عقده ليوضح لك نماذج من الشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والظلم الأصغر، والفسق الأصغر، والنفاق الأصغر حتى تفرق بينهما. لماذا سمي أصغر؟ لأنه لا يخرجك من دائرة الإسلام، لذلك سمي أصغر.
الآن الشرك الأكبر، نبدأ في أول واحد، الشرك الأكبر ما هو؟ ماذا عرفناه؟ أن تجعل الله سبحانه وتعالى نداً تقصده في التعبد، أن تجعل لله نداً تقصده كما تقصد الله بالعبادة هذا اسمه شرك أكبر. طب الشرك الأصغر ما هو؟ اكتب عندك: هو نوع عبادة تصرفها لغير الله، لكنها لم تصل لدرجة الشرك الأكبر في القصد والعبادة. إذاً الشرك الأصغر هو نوع عبادة تصرفها لغير الله لكنها لم تصل لدرجة الشرك الأكبر في التعبد.
لذلك الغير الآن سيذكر لك نموذج حافظ الحكمي مثل الرياء، الرياء ما هو يا شباب؟ أنت تصرف جزءاً من عبادتك للناس، أن تصلي من أجل الناس، ولا تطلب العلم من أجل الناس، ولا تجاهد من أجل الناس، فالرياء هو فعلياً أنت تصرف شيئاً من العبادة لغير الله، لكن هذا الصرف لم يصل لدرجة الشرك الأكبر؛ فأنت لا تقصد عبادة هذا الشخص ولا الخضوع له، لكن تقصد أنه يمدحك، يثني عليك، يشير إليك بالبنان، أليس كذلك؟ فلذلك الرياء يعد شركاً أصغر هذا هو الأصل فيه. إذاً الشرك الأصغر هو نوع عبادة تصرفها لغير الله لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر في قصدك لذلك الغير بأن تعبده وتخضع له، هذا هو الفرق بينهما، ومن خلال الأمثلة يتضح أكثر وأكثر.
أبرز أمثلة الشرك الأصغر الحلف بغير الله والرياء، وهذا يسمى شرك أصغر في باب الألوهية، لأنه الحلف عبادة، فإذا أنت حلفت بوالدك قلت: وأبويا فعلت كذا، أو بأمي، أو بعرضي، والناس بتكلم هالكلام، هذه عبادة أنت صرفتها فعلياً لغير الله، لكن هذه العبادة لما تصرفها لغير الله عُلم من نصوص الكتاب والسنة أنك لم تصل بها إلى درجة الشرك الأكبر أنك تخضع وتعبد والدك أو تخضع وتعبد عرضك، لكنك في النهاية صرفتها لغير الله والشريعة هي التي أخبرتنا أنها تعتبر ضمن الشرك الأصغر. أما من حلف بأبيه وهو يقصد التعبد له فهذا أصبح شركاً أكبر، ومن حلف بقبيلته أو بشيخه وهو يقصد الخضوع والتعبد له لا هذا انتقل إلى شرك أكبر، أما إذا لم تقصد التعبد والخضوع وإنما كلمة جرت على لسانك فنقول: أنت صرفت العبادة لغير الله لكن لا يوجد عندك قصد التعبد لمن صرفت العبادة له، لا يوجد هذا القصد، وهذا هو الذي جعل العبادة هنا في هذه الحالة تعتبر شركاً أصغر لا ترتقي إلى درجة الشرك الأكبر.
طيب أبرز صور الشرك الأصغر، اقرأها مرة أخرى، قال رحمه الله: والشرك قد جاء منه أصغرُ ... وهو الرياء ممن سوى وهو الرياء، هذا أول مثال عليه وهو مثال على شرك أصغر في باب الألوهية، أن ترائي الناس بأعمالك. ﴿كَمَن يُصَلِّي لِرَبِّي ثُمَّ زَيَّنَها لِما يَرى أَنَّ إِلَيهِ ناظِرٌ أَحَدُ﴾ يعني كمن يصلي لله ثم يزين صلاته لما يرى أحد الناس ينظر إليه، خليني أزبطها؛ الشيخ بيشوفني، بطلع بقول لك الشيخ عابد، فبالتالي خلطت، وأنت صرفت جزءاً من العبادة لغير الله، لكن لم تقصد الخضوع لهذا الشيخ، وهذا القصد فرق كبير معك؛ لأنك لو قصدت الخضوع للشيخ والتعبد له كفرت صار أكبر، لكنك أنت قصدت فقط طلب المدح أو الثناء فهذا يجعلك ضمن مساحة الشرك الأصغر.
كذلك الحلف بالمخلوق من وثن كذا الأمانة والآباء والولدُ. الحلف بغير الله كأن تحلف بمخلوق كمن يحلف باللات والعزى، أو من يحلف بالأمانة: أمانة عليك تفعل كذا، هذه تعتبر من الشرك الأصغر، أن تقول لشخص أمانة عليك تفعل كذا وتقصد الحلف، هذا شرك أصغر. كذلك أن تحلف بأبيك، أن تحلف بأولادك، ورحمة والدك، ورحمة جدتك، هذا كله يعتبر من الشرك الأصغر. طب ما كفارة هذا الشرك الأصغر؟ جاء في الحديث: «من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله»، هذا كفارة الشرك الأصغر، لذلك ماذا قال: وبِالشهادةِ فالساهي يُكَفِّرُ ... كَي يُقِرَّ في القَلبِ مَعناها وَيَرتَصِدُ
الساهي يعني من أخطأ فحلف بغير الله، كيف يكفر بالشهادة؟ أن تقول لا إله إلا الله. قال: وبالشهادة فالساهي يكفر كي يقر بالقلب معناها ويرتصد، كي تجدد الإيمان في قلبك وتعيد رصد الإيمان في قلبك، إذا حلفت بغير الله فقل لا إله إلا الله.
ونحو لولا فلان كان كيت ... وما شاء الإله وشئتُ الكلُّ مُنتَقَدُهُ وَهكَذا كُلُّ لَفظٍ فِيهِ تَسوِيَةٌ ... بِاللهِ جَلَّ وَلَكِن لَيسَ يَعتقِدُ
طيب من صور الشرك الأصغر وهذا يعتبر شركاً أصغر في الربوبية، هو كل لفظ يوهم التسوية بين الخالق والمخلوق، كل لفظ تستعمله يوهم التسوية بين الخالق والمخلوق، كأن تقول: ما شاء الله وشئت، وبقدرة الله وفلان؛ تمام هذه الألفاظ أن تأتي بواو العطف تقول: ما شاء الله وشئت، أو بقدرة الله وفلان، صار هذا شيء، هذه التسوية بين الخالق والمخلوق، نحن نعرف أنك لم تقصد أن تجعل المخلوق مثل الخالق، لكن اللفظة بحد ذاتها تعتبر شركاً أصغر في الربوبية. طيب كيف أعدل هذه اللفظة؟ تقول: ما شاء الله ثم شئت، وبقدرة الله ثم بمساعدة فلان، هي ثم هكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول.
كقولك لولا الله وفلان لكان كيت وكيت، بس بدي أعدل، لو قلت لشخص: لولا أنا لكنت أنت هسا في السجن، بصير أحكي هيك؟ شوف لا بصير، لذلك أنا بدي أعدل أن عبارة الشيخ حافظ موهمة؛ إذا قلت لولا الله وفلان هذا لا يجوز وهذا شرك أصغر، لكن لو قلت: لولا أنا لأنت دخلت السجن الآن مثلاً، يجوز إذا كنت تقصد السببية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ماذا فعلت لعمك أبي طالب، يعني بأيش نفعت أبا طالب؟ فقال: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». إذاً استعمال النبي عليه الصلاة والسلام لهي العبارة يدل على جوازها، فبالتالي ما في داعي تنكر على أخوك، بتعرف بعض الناس بكون شوي مثالي إذا واحد قال لك يا أخوي لولا أنا لكان هسا أنت قاعد، يا أخي اتق الله يا أخي شو لولا أنت، قل لولا الله، ترى ما فيها مشكلة؛ يعني لما يقول لك لولا أنا هو لا يقصد أنه متنفذ في الأقدار لكنه يقصد أنه سبب، صح أنت درست واحد نجح في التوجيهي، ققول لولا أنا لكان رسبت، يقول له اتق الله ما بصير تحكي لولا أنا، لا بصير يحكي ما فيها مشكلة، أنه هو مش قصده أنه هو المنفذ الأقدار هو يقصد أنه سبب، والنبي صلى الله عليه وسلم استعمل هذه العبارة قال: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، إذاً هي عبارة شرعية. ما هي العبارة غير الشرعية؟ أن تقول لولا الله وأنا، إذا جمعت هذه توهم التسوية فهذه عبارة غير شرعية، فإذا جمعت تقول لولا الله ثم أنا.
وكلام الشيخ حافظ يوهم أنها عبارة غير جائزة، فانا لا أوافقه، الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه بين صحة هذه العبارة أن تقول لولا فلان لما حصل كذا يجوز، إذاً ونحو لولا فلان كان كيت وكيت، كلام الشيخ حافظ يوهم أنها عبارة غير شرعية، والصحيح أن نقول لا العبارة غير شرعية لولا الله وفلان، أما لولا فلان لكان كيت وكيت إذا قصد السببية لا إشكال. ثم قال: وهكذا كل لفظ وما شاء الله وشئت، نعم هي أوافق الشيخ حافظ الحكمي عليها أنه إذا قلت ما شاء الله وشئت هذه شرك أصغر لأن توهم التسوية، والصحيح أن تقول ما شاء الله ثم شئت.
وهكذا كل لفظ فيه تسوية بالله جل ولكن ليس يعتقد. نعم وهكذا كل لفظ يوهم التسوية زي ما قلنا بقدرة الله وفلان برضه نفس الفكرة، كل لفظ يوهم التسوية فهو غير جائز بشرط قال: ولكن ليس يعتقد؛ يعني هو غير جائز ويعتبر شركاً أصغر إذا كنت أنت لا تعتقد التسوية، أما إذا كنت تعتقد التسوية أصبحت كفر شرك أكبر، فهي شرك أصغر ما دمت لا تعتقد التسوية لكنك استعملتها ومشت على لسانك، أما إذا كنت تعتقد التسوية بين الخالق والمخلوق فهذا شرك أكبر.
والانتفاء التساوي جاز ثُمَّ ... مَكانَ الواوِ نَصّاً وَأَهلُ حتى تنفي التساوي يجوز أن تضع ثم مكان الواو، تضع ثم مكان الواو نصاً، إيش يعني نصاً؟ أي يعني النبي صلى الله عليه وسلم صرح بذلك نصاً، فإن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقولوا ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت، فهذه فيها نص عن النبي عليه الصلاة والسلام أن نستعمل ثم مكان الواو. وأهل العلم ما انتقدوا وأهل العلم لا ينتقدون وليس لهم أن ينتقدوا أصلاً ما دام ثبت نصاً عن النبي عليه الصلاة والسلام جواز استعمال ثم بدل الواو. إذاً انتهت.
والكفر والظلم فاعلم والفسوق كذا النفاق، كل على نوعين قد يرد. نعم، وكما أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر، كذلك الكفر والظلم والفسوق والنفاق يرد على أكبر وأصغر، هذا قصد بالنوعين. والكفر والظلم فاعلم والفسوق كذا النفاق، كل على نوعين قد يرد، أي منه أكبر ومنه أصغر.
فهناك كفر أكبر، والكفر الأكبر هو كما قلنا كل عمل يخرج صاحبه من ملة الإسلام، والكفر الأكبر إخواني يشمل الشرك الأكبر، ويشمل الأفعال المكفرة التي ليست شركاً؛ كسب الله أو سب النبي عليه الصلاة والسلام أو الاستهزاء بشيء من الدين، فهذه كفر أكبر، لكنها ما فيها إشراك، لأنه الشرك لازم يكون أن تعبد مع الله غيره، أما سب الله والعياذ بالله، هذا أنت ما أشركت لكنك كفرت. فالكفر الأكبر أوسع من الشرك الأكبر لأنه يشمل الشرك الأكبر ويشمل الأفعال المكفرة التي لا تصنف من ضمن الشرك. نعم، وأما الكفر الأصغر هو كل عمل جاءت تسميته في النصوص كفراً، ولا يخرج صاحبه من الملة بدلالة القرائن. ما تعريف الكفر الأصغر؟ هو كل عمل جاءت تسميته في نصوص الكتاب والسنة كفراً، ولكن عرف من خلال القرائن أنه ليس مخرجاً من الإسلام؛ مثل ماذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». ما المراد بالكفر هنا؟ الكفر الأصغر، يعني إذا أنت حملت سلاحاً على أخيك المسلم هذا اسمه كفر، لكن هل هو مخرج من الإسلام؟ لا، بدليل أن الله سبحانه وتعالى ماذا قال عن المقتتلين؟ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9-10]. فسماهم إخوة مع أنهم اقتتلوا، إذاً هذا يدل على أن الاقتتال وإن سمي كفراً فهو كفر أصغر ولا ينفي الإيمان بيننا.
فالكفر بالله كفر أكبر معلوم، وهو كل عمل يعتبر مخرجاً من ملة الإسلام، وأما الكفر الأصغر فهو كفر الاقتتال بين المسلمين في قوله: «وقتاله كفر». والآن في كل بيت سيعطيك ما هو الكفر الأكبر وما هو الكفر الأصغر، ما هو الظلم الأكبر وما هو الظلم الأصغر. فيقول: الكفر بالله كفر أكبر معلوم، أي كل عمل يعتبر مخرجاً لصاحبه من الإسلام، وهذا ترجع فيه لكتب أهل العلم، وسمي أيضاً بكفر القتال لدى الإسلام، يعني أن يقتل المسلمون بعضهم البعض، لكنه كفر أصغر.
والظلم للشرك وصف ثم أطلق في تظالم الخلق، منه الغش والحسد. كذلك الظلم منه ظلم أكبر وهو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. لماذا الشرك ظلم إخواني؟ من الظلم أن الله يخلقك ويعطيك ويمنحك ثم أنت تعبد غيره، أليس هذا ظلماً؟ من الظلم أن الله يعطيك ويمنحك كل شيء ولا أحد يمنحك إلا هو، ثم تصرف جزءاً من العبادة لغير الله. فإذاً الشرك ظلم وهنا يكون ظلماً أكبر. ولكن هناك ظلم أصغر وهو التظالم بين العباد، أن أنا أظلمك وأنت تظلمني وأرفع قضية عليك وترفع قضية علي، هذا اسمه ظلم أصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لذلك قال: والظلم للشرك وصف، ثم أطلق الظلم في تظالم الخلق فيما بينهم كالغش والحسد والغل، فهذا ظلم لكنه ظلم أصغر لا يخرج صاحبه من الملة.
والفسق في وصف إبليس اللعين أتى، وقاذف ما عن الإسلام يبتعد. كذلك الفسق، هناك فسق أكبر وهو الخروج عن طاعة الله بالكلية، فللفائدة الكفر الأكبر والشرك الأكبر هو فسق أكبر، ليس شيئاً آخر، يعني الكفر الأكبر والشرك الأكبر هو نفسه الفسق الأكبر تماماً؛ حتى لا تفكر أن الفسق الأكبر يختلف عن الشرك الأكبر، لا، كل شرك أكبر وكل كفر أكبر هو فسق، لأن الفسق هو الخروج عن الطاعة، فكل كفر أكبر وشرك أكبر هو نفسه الفسق الأكبر، ومنه سمى الله إبليس فاسقاً: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50]. هذا الفسق هو خروج عن الإسلام بالكلية. ولكن هناك فسق لا يخرج صاحبه عن الإسلام، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، سمى الله الغيبة والنميمة والتنابز بالألقاب فسقاً، وهي لا تخرج صاحبها من الدين. وسمى الله الذي يقذف إخوانه بالزنا فاسقاً في سورة النور: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]. فمن قذف شخصاً بالزنا، قالوا يا زاني أو يا ابن الفاعلة، هذا فاسق، لكن هل هو كافر يعني خارج من الدين؟ لا، فهذا يسمى فسقاً أصغر. لذلك قال: والفسق في وصف إبليس اللعين أتى، وهذا فسق أكبر، ولكن أيضاً يطلق الفسق مثلاً على القاذف لأخيه وهذا لا يخرجه من الإسلام، لذلك قال: وقاذف، القاذف يسمى فاسقاً لكن ما عن الإسلام يبتعد، أي ليس يخرج عن الإسلام فهو فسق أصغر.
كذا النفاق أتى في الكفر أقبحه، وجاء في وصف ذي خلف لما يعد. قال كذا النفاق، منه ما هو أكبر كنفاق عبد الله بن أبي بن سلول، وهؤلاء الذين وصفهم الله أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، أن يكون غير مصدق في قلبه بلا إله إلا الله أو بأن محمداً رسول الله، ولكنه يصرح بلسانه فقط، فهذا يخرج من الإسلام. لكن هل هناك نفاق أصغر؟ نعم، كل خصلة من خصال النفاق تقوم فيك نقول فلان عنده نفاق أصغر، قال صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب»، وفي رواية: «وإذا خاصم فجر». فمن عنده خيانة أو فجور في الخصومة أو يعد ويخلف، هذا نقول عنده نفاق، بس أي نفاق؟ نفاق أصغر.
وكذلك جاء النفاق في وصف من إذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، فهؤلاء منافقون لكنه نفاق أصغر. إذاً هذه الألفاظ مهم جداً أن تفهم طريقة استعمالها في الشريعة، هناك شرك أكبر وهناك شرك أصغر، هناك كفر أكبر وهناك كفر أصغر، هناك ظلم أكبر وظلم أصغر، وفسق أكبر وفسق أصغر. فإذا وجدت هذه الألفاظ في الكتاب والسنة فعليك أن تفهم سياقها لتعرف متى قصد الله بالفسق الفسق الأكبر ومتى قصد الله به الفسق الأصغر، ومتى إذا أطلق الظلم المراد به ظلم أكبر، ومتى أطلق الظلم في القرآن بمعنى الظلم الأصغر، لأن كثيراً من الناس تختلط عليهم الأمور فلا يفسر القرآن والحديث تفسيراً صحيحاً، فيطلق الظلم الأصغر على الأكبر والأكبر على الأصغر وبالتالي تدخل الحبال في بعضها.
قال رحمه الله: باب معنى النصوص التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي. طيب الآن جاء في بعض النصوص قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، هذا ما معناه في الظاهر؟ نفي الإيمان عن الزاني. «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». ما معنى نفي الإيمان عن الزاني؟ جميل هذا الفصل لأنه يشرح لك بعض الأحاديث التي وقع فيها خلاف بين العلماء في فهمها، ما معنى أن الزاني لا يزني وهو مؤمن، وأن شارب الخمر لا يشربها وهو مؤمن؟ فالآن سيعقد لك باباً في شرح هذا الحديث.
قال رحمه الله: وحيثما نفي الإيمان في أثر، عم من عصى ومن التوحيد قد عقدوا. متى ما نفي الإيمان في نص من النصوص عن صاحب معصية وكان صاحب المعصية مؤمناً فما معناه؟ فالمستحل أو المقصود فارقه إيمانه حاله العصيان يستعض. فإما أن يحمل نفي الإيمان على المستحل، يعني لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إذا كان مستحلاً للزنا، وهذا الاستحلال يخرجه من الإسلام أصلاً، لكن حقيقة ليس هذا هو أشهر التفاسير. التفسير الثاني أن الإيمان يفارقه حال ارتكاب المعصية ثم يعود إليه بعدها، وهذا ورد عن ابن عباس أنه قال: إن الزاني في أثناء زناه الإيمان يخرج منه كالظلة، فهو أثناء الزنا ينزل من مرتبة مؤمن إلى مرتبة مسلم، يخرج منه الإيمان ليصبح كالظلة، فإذا عاد وتاب وأناب عاد إليه الإيمان، وأما إذا بقي معانداً مصراً بقي في مرتبة مسلم وليس في مرتبة مؤمن، فهذا هو المعنى الثاني وهو الأشهر حقيقة، أن المقصود أن الإيمان يفارقه في حال ارتكاب الزنا أو في حال شرب الخمر فيصعد عنه، فإذا تاب وأناب عاد إليه مرتبة الإيمان، وإذا بقي مصراً بقي في مرتبة مسلم ولم يكن في مرتبة مؤمن وهي المرتبة الأعلى.
أو المراد به نفي الكمال، وعن تفسيرها بعض أهل العلم قد قصدوا. القول الثالث أن المراد نفي الكمال؛ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، أي وهو مؤمن إيماناً كاملاً، وهذا محتمل، والمراد بنفي الكمال نفي الكمال الواجب، يعني لا يزني حين يزني وهو محقق للكمال الواجب في الإيمان؛ لأنك أنت إذا زنيت أو شربت الخمر معناه عندك نقص، وهذا حقيقة لا يبعد عن المعنى السابق الذي ذكرناه قبله.
والطريقة الرابعة للعلماء أن هذا الحديث لا ينبغي أن يفسر، قالوا: خله على ظاهره حتى يبقى الزاني وهو يفعل الزنا يتذكر هذا الحديث. لذلك قال: وعن تفسير هذا النص بعض أهل العلم قد قصدوا أي ابتعدوا عن تفسير هذا النص، لماذا؟ تكون أرهب، حتى يظل الحديث له رهبته، أحياناً ما تفسره بظله مخيف أكثر.
أما أن نكفره فقد رددنا على القرآن إذ نجده، أن أثبت الله للجاني الأخوة والإيمان ما قال فيه كافر وعدو. أما أن نقول أن المراد أنه بمجرد أن يزني كفر، فهذه ليست عقيدة أهل السنة بل هذه عقيدة الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن فاعل الكبيرة يكفر مباشرة، وهذا لا يقوله أهل السنة والجماعة، قال: أما أن نكفره فقد رددنا على القرآن، طب كيف نكون رددنا على القرآن؟ اللي هي نفس الآية التي ذكرناها قبل قليل، أليس إن تقتل أخاك المسلم ومع ذلك القرآن أثبت حتى وأنت تفعل هذه الكبيرة أن ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؟ فأثبت الأخوة. إن أثبت الله للجاني الذي يقتل أخاه في القتال البغي، أثبت الله له لفظ الأخوة، فقال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ثم بماذا ختم؟ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. إذاً وإن كنا فعلنا الكبيرة لما اقتتلنا وحملنا السيف وأنا طخيتك وأنت طخيتني، لكن في النهاية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فسمانا من أهل الإيمان عموماً، والمراد بالإيمان أننا لم نصبح كفاراً مع أننا فعلنا الكبيرة، إذاً فاعل الكبيرة ليس كافراً. ما قال فيه كافر وعدو، هذه جملة مستقلة، يعني ما قال إنه أصبح كافراً ولا عدواً بل قال إخوة. فهذا دليل على أن نفي الإيمان الوارد في بعض الأحاديث عن أصحاب الكبائر يحمل على أحد الأربعة: إما على المستحل، أو على مفارقة الإيمان له في لحظة ارتكابه للكبيرة، أو على معنى نفي الكمال الواجب، أو أن نتركها على حالها دون تفسير، هذه الأربعة مقبولة، أما أن تحمل الحديث على أنه كفر ولو لم يستحل فهذا غير مقبول أبداً وليس من تفاسير أهل السنة والجماعة.
قال رحمه الله: باب التوبة وشروطها، وتقبل التوبة تعلم قبل حشرجة الصدور. نعم سيتكلم عن شروط التوبة، متى يقبل الله.
توبة الكافر وتوبة عصاة الموحدين، قال رحمه الله: وتقبل التوبة، تعلم قبل حشرجة الصدور من كل ذنب ناله أحد. تقبل التوبة ما لم تغرغر، إذا بلغت الروح الحلقوم وبدأت الغرغرة في سكرات الموت، أقفل الله عليك باب التوبة.
ما شروط التوبة؟ شروطها يا أخي الإقلاع مع ندم، أولاً: أن تقلع عن المعصية أو الشرك. ثانياً: الندم، أن تكون نادماً على فعلك للمعصية. ثالثاً: أن تعزم على عدم العودة إلى المعصية مرة أخرى. فهذه شروطها الثلاث. والإقلاع مع ندم ولا يعود، أي يعزم على ألا يعود إلى المعصية مرة أخرى، بل يحاول ويجتهد أن يبتعد عنها بكل ما آتاه الله وبقطع أسبابها. ركز، التوبة الحقيقية لا بد أن تقطع فيها أسباب المعصية مش فقط المعصية، وهذا قلته مراراً وتكراراً في كل درس، أننا نخطئ أحياناً فنظن أن العزم على عدم العودة هو فقط شيء قلبي، لا بل هناك ممارسات مطلوبة منك. يعني أنت أين مشكلتك؟ في الجوال، والله إذا في مشكلتك في تطبيق معين هو سبب وقوعك في المعصية، بدك تلغي هذا التطبيق. أما تأتي تضحك على نفسك أني يا رب خلص عازم أني ما أعود واليوتيوب عندك والفيسبوك عندك، طب ما تضحك على حالك أنت قاعد، هي ما هي توبة. التوبة يجب أن تقطع الأسباب التي تجعلك تقع في المعصية. والله أنا مشكلتي رفقاء السوء، لن تصلح توبتك إذا لم تغير بيئتك. والله شخص مقيم في بلاد الكفار في أوروبا وسبب كثرة المعاصي والذنوب هناك يقع فيها، لن تصلح توبتك وأنت تقيم هناك؛ إذاً لا بد تذهب إلى بلاد الإسلام وإلى واقع لا ترى فيه المعاصي. فالعزم على عدم العودة ليس فقط شيئاً في القلب، بل هو خطوات وإجراءات عملية أن تقطع جذور المعصية وأسبابها.
وإن يكن فيه حق الآدمي فتحلل حيث أمكن، وليعرض له القود. إذا كانت معصيتك فيها اعتداء على حقوق الناس، هناك الشرط الرابع، وهو ما هو؟ أن تتحلل من إخوانك. إذا الآن في معصية بينك وبين الله، هذه شروطها ثلاث: الإقلاع والندم والعزم على عدم العودة. إذا كانت معصيتك أنك اعتديت على حق إخوانك، في شرط رابع ما هو؟ أن تستحل منهم في الدنيا قبل ألا يكون دينار ولا درهم. قال: وليعرض له القود، والقود هو القصاص، يعني ولتعرض على أخيك الذي ظلمته أن يقتص منك؛ قل له يا أخي أنا ظلمتك حابب تقتص مني اقتص. إذاً وإن يكن فيه حق الآدمي، إذا كانت المعصية في حقوق الآدميين فعليك أن تتحلل منه في الدنيا حتى تقبل توبتك حيث أمكن التحلل. وليعرض له القود، يعني اعرض على أخيك الذي أنت ظلمته، يعني أنت ضربته كف، اعرض عليه أنه هو ايش يقتص منك فيضربك الكف تمام، أن تعرض له أنه يحاول أن يقتص إذا بدك، طبعاً هذا من باب أن يتحلل القلب تماماً.
قال رحمه الله: باب حكم السحر والكهانة والتنجيم والتطير والاستسقاء بالأنواء والعين. قال رحمه الله تعالى: والسحر حق وقوعاً، باطل عملاً، فمنه حرز ومنه النفث والعقد. هذا الباب في ذكر أحكام لبعض الأمور، منها ما هو كفر أكبر ومنها ما هو كفر أصغر، فبدأ بالسحر، قال: والسحر حق وقوعاً، باطل عملاً. فالسحر حق أي له وجود، بخلاف المعتزلة الذين كانوا يقولون لا وجود للسحر. السحر حق والله سبحانه وتعالى أثبته في الكتاب والسنة أن السحر موجود ويؤثر. حق مش معنى أنه مطلوب تفعله، لا حق يعني أن له وجوداً، أن له تأثيراً، لذلك أنت تقول: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]، إذاً في سحرة، فإكبارك للسحر هو نوع تكذيب. والسحر حق من حيث الوقوع، لكنه باطل وحرام من حيث العمل، أي لا يجوز أن تعمله.
وهو أنواع، منه حرز، ومنه النفث والعقد. منه سحر الحرز، وهو أن تكتب طلاسم في ورقة وتلفها وتدفنها كما يفعل بعض السحرة، هذا اسمه سحر الحرز. ومنه سحر النفاثات في العقد الذي ذكره الله في سورة الفلق، أن الساحر يأخذ شعرة من الشخص الذي يريد أن يسحره ويعقد عليها ثم ينفث بريقه، وهذا شكل آخر وهذه كلها أشكال وأنواع.
وحكمه الكفر في نص الكتاب أتى، وحد فاعله بالسيف يحتصد. الآن حقيقة هذا الكلام مجمل شوي، لأن المذاهب الفقهية تقول إن السحر أنواع؛ منه ما يصل بصاحبه إلى الكفر إذا كان فيما فعله كفراً، فإذا الساحر ألقى القرآن في المرحاض أو داس عليه أو استهان به أو فعل شيئاً من هذه الأمور ليستحضر الجن، فهذا السحر كفر. أما إذا كان السحر لا يتضمن فعل شيء من المكفرات، فهذا كبيرة من الكبائر، وعلى كلا الحالتين يقتل سواء صنفناه أنه كفر أو كبيرة، فدمه ضربه بالسيف لأنه مؤذٍ. وكم من أشخاص أعرفهم ماتوا وفسدت حياتهم بسبب سحر تسلط عليهم، فالساحر حده أن يقتل لأنه يدمر حياة الآخرين، سواء كان سحره كفراً أو سحره دون الكفر تمام.
ثم الكهانة كفر والتطير والتنجيم والنواء ممن فيه يعتقد. أما الكهانة، وهي الادعاء أنك تعرف علم الغيب، وهؤلاء الذين يقرؤون الأبراج على القنوات التلفزيونية، الكهانة وهي ادعاء علم الغيب، هذا أيضاً كفر أكبر لأن الله استأثر بعلم الغيب، فالكاهن يدعي الاطلاع على الغيب وهذا كفر. أما التطير والتنجيم والإيمان بالأنواء، وهي منازل النجوم، إذا كنت تعتقد أنها مؤثرة بذاتها في الكون فهذا أيضاً كفر أكبر. أما إذا كنت تعتقد أنها أسباب لها تأثير فهذا كفر أصغر. إذاً من صور الكفر الأصغر التطير وهو التشاؤم، إذا رأيت وجه فلان على هالصباح تقول يا أخي واضح أنه اليوم مش ماشي، شفت وجه جارك أنت بينك وبينه مشاكل، تقول أول ما تشوفه على الصباحيات معناتها اليوم رح يصير مصيبة، إذا كنت تعتقد أن هذا له تأثير في الكون حقيقة هذا كفر أكبر، أما إذا كان من باب التشاؤم فقط فهذا كفر أصغر. كذلك الإيمان بالأنواء، تقول والله فلان شو برجك؟ والله فلان برجه برج الثور أو برج الحمل، فتقول معناته أنت أمورك طيبة إن شاء الله، وفلان إذا برجه برج ثاني أموره... إذا كنت تعتقد فعلاً أن الأبراج مؤثرة في الكون كفر أصغر، عفواً كفر أكبر، أما إذا كنت تعتقد أنها مجرد سبب وليست مؤثرة بذاتها فهذا كفر أصغر. فالقاعدة العامة، كل شيء تعتقد أنه سبب وهو ليس بسبب فهذا كفر أصغر.
إذا اعتقدت شيئاً أنه سبب مؤثر في الكون، سبب مش مؤثر بذاته مجرد سبب ولكن الله لم يجعله سبباً فهذا كفر أصغر. أما إذا اعتقدت أنه مؤثر في الكون بذاته وليس بمجرد أنه سبب فهذا كفر أكبر. يعني من يعتقد أن الطير سبب في جلب الشر مجرد سبب، بنقول هذا كفر أصغر لأنك جعلت ما ليس بسبب سبباً. أي شيء لم يجعله الله سبباً وأنت تجعله سبباً هذا كفر أصغر، زي النسوان اللي بتحط خرزة زرقاء على ابنها بتقول بترد العين، نقول هل هذا ثبت أنه سبب؟ لا والله، إذا جعلت له سبباً وهو ليس بسبب كفر أصغر، إذا اعتقدت أن الخرز بذاتها مؤثرة وليست بفعل الله، هنا ارتقيت من الكفر الأصغر إلى الكفر الأكبر. فالقاعدة العامة: من اعتقد شيئاً سبباً، ليس بذاته بجعل الله له، وهو ليس بسبب لم يثبت دليل من الكتاب والسنة أنه سبب، فهذا نسميه كفر أصغر. إذا اعتقدت أنه لا هذا مش فقط سبب، هذا مؤثر بذاته في الكون دون تدخل الله، لا هذا أصبح كفر أكبر. فالطيرة والتنجيم والأنواء اللي هي الأبراج، إذا كنت تعتقد أنها فقط أسباب بنقول لك أنت ما زلت في مساحة الكفر الأصغر، إذا اعتقدت أنها مؤثرة بذاتها دون تدخل الله فانت كافر كفراً أكبر.
قال رحمه الله: والعين حق وبالمقدور ثورتها، وليغتسل عائن منها لمن يجد. قال: والعين حق، من الأمور التي يجب أن تؤمن بها وجود العين وأن الشخص قد يصيب أخاه بالعين، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين». فالعين حقيقة وقد تصيب أخاك بالعين وأنت لا تقصد أذيته، ممكن لأنه بعض الناس عينه صايبة، ولذلك المشروع إذا رأيت شيئاً يعجبك أن تقول: اللهم بارك. والمشروع والسنة أنك إذا رأيت شيئاً يعجبك أن تقول: اللهم بارك، فإنك إذا لم تقلها فقد تصيب أخاك بالعين وقد تضره. العين حق لكن وبالمقدور ثورتها، أي هي بقدر الله تؤثر وليس بنفسها. العين هل هي سبب في جلب الشر؟ هي إخواني بفهم قضية السبب، العين هل جعلها الله سبباً؟ نعم. الطيرة هل جعلها الله سبباً؟ لا. فإذا قلت العين سبب فكلامك صحيح لأن نصوص الكتاب والسنة دلت أنها سبب للشر. طب الطيرة سبب؟ لا، لأن نصوص الكتاب والسنة دلت على أنها ليست بسبب. فإذا قلت إن العين سبب كلامك صح، بس بدك تؤمن أنها وإن كانت سبباً لكن ليست مؤثرة بذاتها بل بجعل الله لها مؤثرة. فأنت ممكن تحاول تعين صاحبك بس ما تنتج، تظلك تطلع عليه تطلع عليه بدي أعينه بدي أضربه بس في النهاية إذا لم يقدر الله لها أن تنتج فإنها لن تنتج، فهذا معنى قوله وبالمقدور ثورتها، يعني أنها بقدر الله تثور وتصيب، إذا لم يقدر الله فإنها لن تصيب.
وليغتسل عائن، إذا أصبت أخاك بالعين وجاءك أخوك فطلب منك أن تغتسل له فعليك أن تغتسل، هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنك إذا اغتسلت له ثم هو توضأ بماء غسلك أو اغتسل بماء غسلك فهذا إن شاء الله سبب في ذهاب العين عن أخيك. ولا تستحي، ترى أحياناً بعض الناس تتحرج، لا إذا والله أنت شعرت أنك ضررت أخاك أو أخوك شعر أنك أنت ضررته، ممكن يأتيك طبعاً بالخفاء مش على سوقه يعني يكتب فلان أصابني بالعين أطلب منه وضوء، لا يعني بينك وبينه يا فلان ترى أنا شاعر لما قعدت معك والله بعدها أموري تكركبت، شو رأيك تتوضأ لي أو تغتسل لي وآخذ ماءك وأغتسل به؟ طيب والله يا شيخ والله أني شاعر بالإحراج شو أسوي؟ ما يمكن أن تفعله هو أنك تأتي به إلى منزلك وتطعمه شيئاً من التمر ثم تأخذ النوى بعد أن يأكله يكون فيه شيء من ريقه، فتضعه في ماء ثم تغتسل بهذا الماء بدون ما تحرجه أو تحرج نفسك؛ لأنه بعض الناس ممكن ما يتفهم هذا، يقول لك أنا صايبك بالعين على إيش؟ ما شاء الله عليك أحسدك؟ بصير تدخل أنت وياه في دوامة، يا عمي خلص خذ ريقه بس بدون أن تدخل أنت وياه في مماحكة لفظية. إذاً وليغتسل عائن منها لمن يجد، يعني من يجد أثر العين ويطلب من العائن، العائن هو الذي أصاب أخاه، وطلب من العائن أن يغتسل له فليغتسل، فإن هذا دين.
قال رحمه الله: باب حكم الرقى والتعاليق. قال رحمه الله تعالى: ثم الرقى، إن تكن بالوحي دون تصرف ولا صرف قلب ليس ينتقد. طيب، الرقية ما هي الرقية الشرعية؟ الرقية الشرعية لها ثلاث شروط: أن تكون بالوحي بالكتاب والسنة، ودون تصرف، أي دون تحويلها إلى اللغة الأجنبية، تقرأ آيات باللغة غير العربية أو السنة بلغة غير العربية، فهذا معنى دون تصرف أي دون تحويلها إلى لغة أخرى. وهذا الشرط الثاني حقيقة فيه نزاع، لا يجوز أن تقرأ القرآن بغير العربية، لكن لو قرأت عليه أذكاراً بغير العربية حقيقة لا إشكال فيه، فلذلك هذا الشرط الثاني فيه نزاع، فإن بعض العلماء شدد فيه وقال لا تكون الرقية إلا باللغة العربية، والصواب أنه إذا كانت الرقية بالقرآن نعم فالقرآن لا يقرأ إلا بالعربية، أما إذا كانت بالأذكار فهذه يجوز أن تقرأ بغير اللغة العربية. قال ولا صرف قلب، ايش يعني ولا صرف قلب؟ أي لا يجوز أن تعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها، بل عليك أن تؤمن أنها أيضاً مجرد سبب، إن شاء الله شفاك بالرقية وإن شاء لم يشفك فلا يجوز أن تصرف قلبك إلى الرقية بمعنى أن تعتقد أنها بذاتها مؤثرة، بل هي أدوية من الأدوية الشرعية، مش أنت في أدوية بدنية تأخذ كبسولة للدواء ممكن تشفيك يكتب الله بسببها الشفاء وممكن تأخذ ولا تشفيه، نفس الشيء الرقية، بعض الناس يقول لك يا شيخ ذهبت للشيخ رقاني وما ضبطت، عادي أنت في النهاية هي سبب، هو في حدا يضمن لك أنه هو الشافي؟ الشافي هو الله، أنت تأخذ بهذا السبب إن شاء الله أن يكتب لك الشفاء كتب، وإن شاء حرمك. إذاً شروط الرقية ثلاث، قال: إن تكن بالوحي دون تصرف أي أن تكون باللغة العربية ولا تصرفها إلى لغة أخرى، وعرفنا أن هذا الشرط فيه تفصيل، ولا صرف قلب يعني أن تصرف قلبك إلى الرقية بأن تعتقد أنها...
إذا اجتمعت الشروط الثلاث، فهذه الرقية ليست تنتقد، وأفضل الرقية أن ترقي نفسك بنفسك وبألفاظ الكتاب والسنة، فإن عجزت أو ضعفت فلا حرج أن تذهب إلى من يرقيك ممن يظن فيه الخير والصلاح.
وأما أن تصبح الرقية مهنة وتكسب، وتفتح بها المشاريع، وتبنى الحياة والأبراج بها، فهذا حقيقة ليس من صنيع السلف ولا من صنيع الأئمة. فلينتبه إخواننا الرقاة أن الرقية ليست مكسباً، يعني يجوز أن تأخذ عليها جعالة، لكن ليست لبناء الأحلام ولا شراء السيارات والأبراج والبيوت الفارهة تتخذها وظيفة بهذا المعنى الذي للأسف يمارسه بعض الإخوة اليوم. لا، أنت أصبحت تفهم الشريعة بطريقة خاطئة، قد يقول لك: يا شيخ ما هو أحد الصحابة أخذ جعالة؟ يا أخي أخذها مرة، هو ليس كل يوم كان يشتغلها، يعني لا تفهم الأحاديث بالمعنى الواسع العريض أنها وسيلة للأموال، وإلا فهذا يذهب بركة رقيتك.
وللصحابة خلف في تعليق آيات الكتاب، وورد للنبي رد والمنع أولى. هذه التعاليق هل يجوز أن تعلق في بيتك أو على صدرك أو في سيارتك؟ الآن إذا كانت التعاليق فيها آيات من القرآن الكريم أو أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع خلاف بين السلف؛ فبعض أهل العلم أجاز وضع التمائم والتعاليق التي تكون بالآيات بالكتاب والسنة، أجاز أن يعلقها في بيته رجاء بركتها، أو أن يعلقها في سيارته رجاء بركتها، أو أن يعلقها على عنقه رجاء بركتها، المسألة خلافية.
إذاً مسألة خلافية لا ينكر فيها، هذا مهم نفهم. الشيخ حافظ يقول لك الصحابة اختلفوا، بعضهم أجاز تعليق الآيات في السيارة، في البيت، في أي شيء رجاء بركتها، وبعضهم منع ذلك. طبعاً الشيخ حافظ ما رأيه؟ بده يكون في العادة الشيخ حافظ يذهب إلى الورع فيقول: والمنع أولى. والمنع أولى، يعني الأوع أنك تدع ذلك. وأنا في اعتقادي أن المسألة اجتهادية، يعني قضية الورع هذا باب آخر، باعتبار قوة الأدلة، القرآن بركة، وجوده في الدار بركة، حتى لو علقت آيات وجودها في الدار بركة. الآن من يريد أن يأخذ بالورع ويمتنع له ذلك، والذي يريد أن يقول لي أنا أرى أن القرآن بركة في كل شيء، بدي أعلق آيات من القرآن على باب البيت أو أعلق آيات من القرآن في السيارة، أقول: والله لك سلف، يعني ليس ببدعة ولا شيئاً مخالفاً لما فعله بعض الصحابة.
فأما ما عداه فلا خلاف في منعه إذ فيه مستند. أي حديث يقصد؟ الحديث: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له»، هذا هو المستند الذي يدل على عدم جواز تعليق التمائم بغير الكتاب والسنة.
قال رحمه الله: بعد ذلك عادة علماؤنا يختمون كتب العقيدة بذكر فصل في الصحابة ووجوب طاعة ولاة الأمر؛ لأنه وقع خلاف أيضاً بين الشيعة والنواصب ومع الخوارج في قضية احترام الصحابة ومن يفضل فيهم، وفي قضية التعامل مع ولاة الأمر.
قال رحمه الله: باب الخلافة ومحبة الصحابة وأهل البيت رضي الله عنهم. ثم الخليفة من بعد النبي هو الصديق، أسعد من بالمصطفى سعيد. أول خليفة بعد النبي عليه الصلاة والسلام نؤمن بخلافته، وأنها خلافة شرعية، وأنه كشخص أفضل الناس بعد الأنبياء، من هو؟ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وبعده عمر الفاروق، ذاك أبو حفص، له الضد والأعوان قد شهدوا. بعده في الخلافة عمر الفاروق، خلافة صحيحة شرعية بإجماع الأمة، وشهد له الضد والأعوان، يعني خصومه وأعوانه الكل شهدوا عدالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
كذاك عثمان ذو النورين ثالثهم، بظلمه باء أهل البغي إذ قتلوا. الثالث في الخلافة من هو؟ عثمان بن عفان، والخوارج وأهل البغي باءوا بإثم قتله، بظلمه باء أهل البغي، أهل البغي يقصد الخوارج والبغاة الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وقتلوه في بيته وهو يقرأ بمصحفه.
كذا علي أبو السبطين رابعهم، بالحق معتضد للكفر مضطهد. الرابع من هو سيدنا علي بن أبي طالب، أبو السبطين الحسن والحسين، وهو بالحق معتضد، للكفر مضطهد، أي ينصر الحق ويقاتل الباطل.
فهؤلاء بلا شك خلافتهم بمقتضى النص والإجماع منعقد. ثبتت خلافتهم بالنص، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة»، فأبو بكر سنتان وعمر عشر وعثمان اثنتا عشرة وعلي أربع سنوات إلا ستة أشهر أكملها الحسن بن علي، فهذه ثلاثون سنة. فإذاً ثبتت خلافتهم بماذا؟ بالنص والإجماع من أهل زمانهم، الإجماع انعقد على خلافة هؤلاء، وخلاف علي مع معاوية لم يكن في الخلافة، عفواً نعم خلاف علي مع معاوية لم يكن في الخلافة، وإنما ما هو الأولى أن يبدأ به؟ هل يبدأ بإصلاح الخلافة أو يبدأ بقتل قتلة عثمان؟ فمعاوية ومن معه كانوا يرون أن يبدأ بمعاقبة القتلة، وعلي كان يرى أن يبدأ بالخلافة والإصلاح، فالخلاف بين علي ومعاوية ليس في أحقية الخلافة، ولذلك الإجماع منعقد على خلافة علي رضي الله عنه.
وأهل بيت النبي والصحب قاطبة، عنهم نذب وحب القوم نعتقد. ثم بعد الخلفاء نحترم ونوقر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، علي وفاطمة والحسن والحسين، وهذا هو أشهر الأقوال في تفسير أهل البيت. والحق في فتنة بين الصحاب جرت، والسكوت، وأن الكل مجتهد. ما موقفنا من الفتنة التي جرت بين علي ومعاوية رضي الله عنهم؟ السكوت. فتنة عصم الله منها سيوفنا، فنعصم منها ألسنتنا، ما لك علاقة، هؤلاء قوم نصروا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أوائل ومبرزين في المعارك والجهاد، حصل بينهم ما يحصل بين البشر من خلاف ودخل بينهم ما دخل، فنسأل الله أن يرحمهم وأن يجزيهم عنا خير الجزاء وأن يغفر لهم ما جرى بينهم، هذا موقف المسلم. أما تجلس تتبع، لا ما هو معاوية أخطأ يا شيخ، أو يا أخي الله يحاسب الجميع، أنت ليس لك علاقة، ونترضى عن الصحابة، نترضى عن الصحابة جميعاً، علي ومعاوية ومن كان في صف هذا ومن كان في صف هذا، وتلك فتنة لم نشارك فيها، عصمك الله من إدراكها فلا تخض. هذه فكرة محاكمة الأقدمين أنا فكرة أبغضها، وأن أجد طالب العلم فيها، تلك أمة قد خلت، يا أخي أنت لن تسأل عنهم أمام الله، لماذا تحاكم العلماء والأئمة والصحابة الأقدمين وتنشغل بهم؟ اشتغل بواقعك ومشاكلك، يعني نحن خلصنا كل مشاكلنا المعاصرة ما بقي إلا أن نخوض فيما حصل بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنه؟
والنصر أن أبا السبطين كان هو المحق، من رد هذا قوله فندوا. نعم، وإن كنا نسكت عن الخلاف الذي جرى بينهم، لكننا نؤمن بما ثبت بالأدلة أن المحق منهما كان هو سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، المحق من حيث الأصل، وإن كان البعض يقول إن الأفضل كان من كليهما ترك القتال، لكن من كان فعلاً هو صاحب الحق ابتداءً الآن هو من هو؟ علي رضي الله عنه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تقتل عماراً الفئة الباغية»، وعمار بن ياسر كان مع جيش علي، فعرفنا بذلك أن معاوية هو الذي يعني أخطأ رضي الله تعالى عنه وعفا عنه، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلها أولى الطائفتين بالحق»، هذه المارقة هي الخوارج، من الذي قاتلها؟ علي أم معاوية؟ علي، فعرفنا أنه بنص الحديث أولى الطائفتين بالحق، فهذا هو الصواب، لذلك قال: والنصر، يعني نحن ننصر أن أبا السبطين وهو علي كان هو المحق في الفتنة، من رد هذا قوله فند، أي خطأ، لا نوافق، علي كان هو الأحق، لكن مع ذلك لا نخوض أبداً بما جرى، خلاص ما لنا علاقة، ما بعد ذلك.
تباً لرافضة سحقاً لناصبة، قبحاً لمارقة ضلوا وما رشدوا. فهنا يعني سب على الجميع، تباً لرافضة، سحقاً لناصبة؛ الناصبة ضد الرافضة، الرافضة من يقدم علياً وينتقص من معاوية وباقي الصحابة، والناصبة بالعكس الذين يقدمون معاوية والأمويين ويستنقصون من علي، قبحاً لمارقة اللي هم من؟ اللي هم الخوارج الذين طلعوا بالنص، يعني تمام، هؤلاء أيضاً قبحاً لهم ضلوا وما رشدوا.
قال رحمه الله: باب وجوب طاعة أولي الأمر. ثم الأئمة في المعروف طاعتهم مفروضة، وفي بالعهد الذي عقدوا. ولاة الأمر الشرعيين، يجب على الشعوب أن تطيعهم فيما أطاعوا الله فيه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لذلك قال: ثم الأئمة، أي ولاة الأمر، في المعروف طاعتهم، نطيعهم في الطاعة، في الخير، في الصلاح، وهذه طاعة مفروضة.
وفي بالعهد الذي عقدوا. وفي بالعهد، عليك أن تفي بالعهد يعني البيعة التي بينك وبين ولي الأمر الشرعي. ولا يجوز خروج بالسلاح عليهم، ما أقاموا على السمحاء واقتصدوا. ولا يجوز أن تخرج على ولاة الأمر بالسلاح ما داموا أقاموا على الشريعة، على السمحاء، يعني ما أقاموا الصلاة فيكم، مش قال النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر عن جور الولاة، قال بعض الصحابة: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، يعني ما دام شرع الله قائماً بين أظهركم، فليس لكم أن تخرجوا بالسلاح؛ لأن السلاح يؤدي إلى الدم وسفك الأرواح واغتصاب النساء وهتك الأعراض.
أما إذا أظهروا الكفر البواح، فقاتلوا أئمة كفر حيثما وجدوا. يعني هو يقول هنا عموماً: أما إذا أظهروا الكفر البواح فقاتلوا أئمة الكفر حيثما وجدوا. طبعاً هذا الكلام أيها الكرام، بعيداً عن الدعابة التي قيلت، ليس على إطلاقه، وإنما كما قال الجويني وغيره من العلماء: إن ولي الأمر إذا ما عادت بيعته قائمة فيجب أن ينظر ويوازن بين المصلحتين، قال: ينظر ما الناس صائرون إليه، فإذا كان نزع البيعة يؤدي إلى خرم كبير ومفسدته أكبر من مفسدة ما أنت عليه الآن، فلا يجوز الخروج حتى مع هذا، أما إذا كانت مفسدة الإزالة وما فيها من الضريبة التي ستدفع ستبقى خيراً من فساد ما أنت فيه الآن، فيجوز الإزالة. ولذلك هذه الأمور إخواني يرجع فيها لأهل العلم وللسياسة الشرعية، وليست القضية تؤخذ بالعواطف، ولذلك حتى "أما إذا أظهر الكفر" قال: فقاتلوا، لا نقول هي القضية تحتاج إلى موازنة، بعض الشباب يأخذ هذه المتون ويتحمس، وهذا كلام غير صحيح، وإنما يجب أن ينظر ما هو المصلحة في الميزان الشرعي، أما هذا الخروج العبثي الذي تسفك فيه الدماء والأرواح وتغتصب النساء وتعبأ السجون بالشباب المسلم، فهذا ليس بصحيح شرعاً، وإنما كل شيء بميزان الشريعة يحسب.
قال رحمه الله: باب وجوب النصيحة في الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم النصيحة قل فرض بكل معانيها، هي الدين فاعلم إذ هي العمد. الآن قال هذا نظم لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فالنصيحة هي الدين، لذلك قال: ثم النصيحة قل فرضاً، النصيحة واجبة بكل معانيها، إيش يعني بكل معانيها؟ أي لكل من تتوجه إليه، لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، هذا ما يقصده بكل معانيها. ثم قال: هي الدين، بدليل قوله: الدين النصيحة، مش النبي عليه الصلاة والسلام قال: الدين النصيحة؟ هذا أسلوب حصر، فقال: هي الدين، قال: فاعلم إذ هي العمد، وهي المعتمد، إن صلاح المجتمعات إنما يكون إذا سادتهم ماذا؟ النصيحة. والنصيحة هنا بالمعنى العام وهي الإخلاص، أن تخلص لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامة المسلمين، وكل إخلاصه على حسب طبيعة العلاقة معه.
لله والرسل والقرآن. الآن سيذكر لك النصيحة لله: أن تخلص لله بإقامة شرعه وتعاهده. والرسل: بنصرتهم والدفاع عن سنتهم. والقرآن: بأن تعمل به وتحكمه على نفسك وفي مجتمعك. ثم ولاة الأمر: بالنصيحة لهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم عموم المسلمين: النصيحة لهم بتعليمهم وإرشادهم وقضاء حوائجهم.
والأمر بالعرف مع علم به، وللعفو خذ واعرض عن الجهال يتئد. هذا البيت نظم لآية قرآنية، من يعرف ما هي؟ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. هكذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: والأمر بالعرف، عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لكن هناك شرط لمن يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر، ما هو؟ أن يكون عالماً بما يأمر به.
عالماً بما ينهى عنه، ثانياً: أن يعرف قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأنت قد تنهى عن المنكر فتسبب منكراً أعلى، وقد تأمر بالمعروف فتفوت معروفاً أعلى. فلذلك اقرأ رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية لتعرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا علم يحتاج لدراسة، وليس مجرد اندفاع وخشوع وإشكالات، لذلك قال: والأمر بالعرف بشرط مع علم به؛ بدك تعلم قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانياً: خُذ العفو، ما معنى خذ العفو؟ اختلف المفسرون فيها، فالبعض قال: خذ العفو يعني اصفح عن المسيء، والبعض قال: خذ العفو أي خذ من أخلاق الناس ما سمحوا به ولا تنتظر من الناس المثالية، وهذا تفسير جميل. خذ العفو يعني خذ من الناس ما وجدته منهم ولا تنتظر من الناس أن يكونوا مثاليين معك في أخلاقهم وسلوكياتهم، وبعض الشباب يريد أن الناس تمشي على المسطرة؛ ترى الناس ما راح تمشي على المسطرة، هذه نفوس بشرية وهذا ضعف بشري؛ خذ العفو يعني اللي وجدته منيح منهم خذه وتوكلوا على الله. يعني ما تبقى تطالب الناس؛ لا أنت فلان ليش حكيت لي هذه الكلمة، لا فلان أنت ليش سويت معي كذا؛ أحياناً التدقيق الزائد مع الزوجة، مع الأبناء، مع الأقارب، مع المجتمع يسبب تعنت لك وتعنت معهم، انصح الناس بحسن الخلق لكن أنت نفسك ارض بماذا؟ بما عفا لك، يعني اللي جاؤوا فيه منيح جزاهم الله خير. وقال التفسير الثالث: خُذ العفو أي من أموالهم، أي ما أتوا به من الصدقات اقبله ولا تطلب منهم مالاً أكثر، ولكن التفسير الثاني والأول هو الأجمل وهو الأظهر والأوضح والله أعلم. خذ العفو وإن كان الثالث يمكن إدخاله في الأول والثاني، لكن أن يفسر خذ العفو بمعنى الصفح عن الإساءة وأن تأخذ من أخلاق الناس ما سمحوا به دون الاستقصاء عليهم فهذا معنى بليغ.
قال: وأعرض عن الجاهلين؛ يعني إذا رأيت شخصاً يجهل عليك بالشتم أو السب أو الغيبة اصفح عنه، وهو الصفح عند المقدرة؛ واعرض عن الجاهلين لأن إعراضك عنهم يجعلهم يتئدوا، ايش يعني يتئدوا؟ يعني يتخففوا من شرهم ومن سوئهم. نعم، كذلك النهي عن المنكر ومورده قول: فسخطاً إذا لم تستطعه.
قال: كذلك النهي؛ إذاً عليك أن تأمر بالمعروف مع العلم به، وتأخذ العفو من الناس، وتعرض عن الجاهلين، وتنهى عن المنكر. والنهي عن المنكر له ثلاث وسائل: بالقلب وباللسان وباليد، «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». وهنا قال: كذلك النهي عن منكر ومورده، طبعاً عَدْل بضم الدال، ومورده يعني مورد النهي عن المنكر ثلاث أشياء، يرد بالقول، قال: ومورده قول فسخطاً إذا لم تستطعه؛ وهذا السخط أين يكون؟ في القلب. يد، هذا الثالث؛ طبعاً هو في حرف عطف محذوف لضرورة النظم؛ يعني قول، فسخط بالقلب، فيد باللسان، فيد بالجوارح؛ طبعاً هو لم يرتب على حسب ترتيب الحديث؛ لأن المنظومة اضطرت، والأصل أن يبدأ باليد ثم باللسان ثم بالقلب، لكنه اضطر إلى ذلك فقال: ومورد النهي عن المنكر القول، فسخطاً بالقلب إذا لم تستطع بالقول، فيد، هذا أولها هذا أعلاها، وأن تنكر وتغير باليد. وكما قلنا هذا كله له قواعد وله أحكام يجب أن تتعلمها، فليست القضية اندفاعاً، وإنما حصل ما حصل من الفتن في واقع أمتنا لأن كثيراً من الشباب المندفع يريد أن ينكر المنكر بطريقة تسبب منكراً، لذلك يقول ابن تيمية: وبعض إنكار المنكر منكر؛ يقول شيخ الإسلام: وبعض إنكار المنكر يكون منكراً؛ يعني أحياناً أنت قد تنهى عن منكر فيكون نهيك عن المنكر منكراً؛ كيف يا شيخ؟ إذا تسبب نهيك عن المنكر بمفسدة أعلى للمسلمين، أحياناً قد يكون الصمت حكمة إذا كان يجلب مصلحة أعلى. نعم.
قال رحمه الله: باب الشرع وأصول الفقه، نعم هذا آخر باب في النظم. قال: والشرع ما أذن الله العظيم به من الكتاب، وسيشرع في أصول الفقه، سيختم منظومته في باب في أصول الفقه. قال: والشرع ما أذن الله العظيم به من الكتاب وآثار النبي تردده. الآن سيذكر مصادر التشريع الكتاب والسنة وما يتعلق بها من قواعد والإجماع والقياس. قال الشرع، ما هي أصل مصادر التشريع؟ الكتاب ثم السنة، فقال: والشرع ما أذن الله العظيم به من الكتاب، ثم وآثار النبي ترد. لكن هل كل الأحاديث المنقولة إلينا تعتبر مصدراً تشريعياً؟ لا، المصدر التشريعي هي الأحاديث الصحيحة؛ فاحتجنا أن نعرف ما ضابط الحديث الصحيح، فقال: مما روى العدل محفوظاً ومتصلاً عن مثله صح مرفوعاً به السند. شرط الحديث الصحيح أن يكون برواية العدل الضابط، وأن يكون محفوظاً ليس شاذاً، وأن يكون متصل السند كابراً عن كابر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هو صحة السند برواية العدل الضابط مع السلامة من الشذوذ والعلة القادحة، ولعل هذا يأتي معنا في كتاب التذكرة لابن الملقن في مصطلح الحديث. إذاً يهمنا أن نعرف أن الحديث الذي يعتبر مصدراً تشريعياً هو الحديث الصحيح، أما الموضوع والضعيف فلا يستدل به في الحلال والحرام. نعم.
والقول والفعل والتقرير حيث أتى عن الرسول فللتشريع يعتمد. الآن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة أنواع: سنة قولية وهي أقواله، وسنة فعلية وهي أفعاله، وسنة تقريرية وهي كل ما حصل في زمنه من مسلم وسكت عليه ولم يعترض عليه؛ كل ما فعله مسلم في زمنه ولم ينكره صلى الله عليه وسلم فهذا يعتبر تقريراً، كما أن خالد بن الوليد مثلاً أكل الضب بين يديه ولم ينكر عليه، فهذا دلالة على جواز أكل الضب، وقس على هذا. طيب، إلا إذا جاء برهان يخصصه بالمصطفى أو بشخص فيه ينفرد. إذاً الأصل أن كل قول أو فعل أو تقرير صدر منه صلى الله عليه وسلم أنه تشريع لنا، إلا إذا جاء دليل يدل على أنه خاص به، كالزواج من أكثر من أربعة؛ دل الدليل على أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، أو دل الدليل على أن هذا خاص بصحابي معين، كما أنه جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين مثلاً؛ هذا خاص بخزيمة، أنت مش رح تصير شهادتك شهادة رجلين، تمام؟ كذلك مثلاً بعض الصحابة قال: شاتك شاة لحم، ثم قال له: تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك، وهو خال البراء بن عازب؛ فبعض الأحاديث جاءت القرائن تدل على خصوصيتها بصحابي معين فلا يقاس عليه غيره، ما عدا ذلك فالأصل أنه تشريع لنا، لذلك قال: إلا إذا جاء برهان يخصصه بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، أن يكون شيء من خصائصه، أو بشخص فيه ينفرد كجعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين؛ فهذا خاص به وليس سنة لنا. نعم.
والأصل في الأمر فاعلم للوجوب فلا يصار للندب. هذا يعطي بعض القواعد الأصولية والفقهية المتعلقة بالكتاب والسنة؛ الأصل في الأمر إذا ورد في الكتاب والسنة أن يحمل على ماذا؟ على الوجوب؛ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] و﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وكل هذا يحمل على ماذا؟ على الوجوب، إلا إذا جاءت قرينة دلت على الندب أو الإباحة والعكس. طيب، والأصل في الأمر فاعلم للوجوب فلا يصار للندب، إذ لا صارف يرد. إذ لا صارف؛ إذا لم توجد قرينة تصرف فالأمر في القرآن والسنة يحمل على الوجوب، إذا جاءت القرينة الصارفة للندب أو الإباحة فيحمل على الندب أو الإباحة، كما قال تعالى مثلاً: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]؛ إذا حللت من الحج فاصطادوا، هنا ما بيصير نحملها على الوجوب، ليه؟ أنه إذا حملناها على الوجوب بيصير كل واحد يتحلل من الحج لازم يروح رحلة صيد، وهذا مش صحيح؛ كل واحد يتخلص من الحج بده يروح رحلة صيد، هذا مش وجوب وإنما المراد فاصطادوا يعني يباح لكم الصيد، هنا في قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الإباحة. طيب.
والنهي للحظر إذ لا نص يصرفه إلى الكراهة هذا الحق يعتقد. والنهي للحظر؛ بالعكس إذا ورد نهي في الكتاب والسنة فالأصل فيه أنه للتحريم، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: 32] مثلاً، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43]؛ النهي للتحريم إلا إذا جاءت قرينة تدل على أنه للكراهة، هذا الحق يعتقد؛ يعني هذه القاعدة الحق التي يجب اعتقادها. نعم.
ومستوي الطرفين ندعو المباح فلا يلام في فعله أو تركه أحد. المباح ما هو؟ الذي استوى طرفاه، لم يأمر به الله ولم ينه عنه، فهذا ماذا يسمى؟ مباح. قال: ومستوي الطرفين ما لم يؤمر به ولم ينه عنه فهذا المباح، فلا يلام في فعله كما لا يلام على تركه، مثل أصل النوم والأكل والشرب واللباس، فهذا الأصل أنه ماذا؟ على الإباحة؛ أنت حاب تشرب بكاسة هذه أو حاب تشرب بهذا الكأس، هذا مباح؛ حاب تقرأ بهذا الكتاب ولا بكتاب ثاني، حاب تشتري جوال آيفون ولا تشتري، الأصل فيه أنه ماذا؟ على الإباحة لأنه لم يأمر به الشرع ولم ينه عنه. نعم.
وما به ينتفي حكم فمانعه وعكسه سبب يدريه مجتهد. الآن أراد أن يعرف ما هو السبب والشرط والمانع. المانع هو كل وصف إذا وجد ينتفي الحكم؛ ما هو المانع؟ الوصف الذي إذا وجد ينتفي الحكم، مثل ايش؟ الحيض؛ الحيض مانع من ايش؟ من الصلاة ومانع من ايش؟ من الصيام، تمام؟ فالحيض بوجوده ينتفي الحكم الشرعي، فنقول: الحيض مانع من وجوب الصلاة ومن صحتها، لكنه مثلاً مانع من صحة الصوم لكن لا يمنع وجوبه بدليل أن الحائض تقضي الصوم لكنها لا تقضي الصلاة، لكن عموماً أنت الذي يهمك أن تعرف أن الحيض هو وصف إذا وجد في الإنسان منع الحكم. مثلاً الأبوة مانعة من القصاص من الأب إذا قتل ابنه؛ إذا أب قتل ابنه عمداً جماهير الفقهاء قالوا لا يقتص، ليه؟ لأن الأبوة وصف مانع من تطبيق القصاص عليه وإنما يدفع الدية، وقس على ذلك الأوصاف. إذاً وما به، يعني الوصف الذي به ينتفي الحكم، ماذا يسمى؟ المانع.
طب عكس المانع هنا يريد أن يقول ايش؟ هو قال السبب، هو فعلياً عكس المانع الشرط، بس هو قال السبب، بدي أمشي له إياه، قال: وعكسه السبب. السبب ما هو؟ السبب هو الوصف الذي إذا وجد وجد الحكم، وإذا انتفى انتفى الحكم، مثل ايش؟ غروب الشمس بعد قليل؛ سبب في وجوب صلاة المغرب، وإذا لم تغرب الشمس لا تجب صلاة المغرب؛ رؤية هلال رمضان سبب، ليه برؤية هلال رمضان يجب الصوم، وإذا لم يرَ هلال رمضان ولم يدخل، تمام، لم يرَ ولم نستكمل شعبان طبعاً ثلاثين يوماً حتى نكون دقيقين، لا يجب صيام رمضان؛ إذا معك مال يبلغ النصاب هذا سبب في وجوب الزكاة عليك، إذا لم يكن معك مال لا تجب عليك الزكاة. فالسبب هو الوصف الذي إذا وجد وجد معه حكم، وإذا انتفى انتفى معه الحكم. ممتاز، هذا ايش اسمه؟ السبب، مثل كما قلنا أوقات الصلوات، مثل رؤية هلال رمضان، مثل وجود مال للزكاة. طيب، بقي علينا نعرف الشرط ما هو الشرط.
والشرط ما رتب الأجزاء وصحته عليه أو نفي حكم حين يفتقد. الشرط هو الوصف الذي يترتب الأجزاء والصحة على وجوده، يعني الطهارة شرط للصلاة، صح يعني إذا وجدت الطهارة تصح الصلاة، مش بنحكي عننا شروط الصلاة؟ شو شروط الصلاة يا شباب؟ شروط الصلاة: الطهارة من الحدث، الطهارة من النجس، ستر العورة، استقبال القبلة، دخول الوقت والنية، تمام، وايش أيضاً؟ دخول الوقت، طبعاً الشرط هذا شيء بكون قبل العبادة، أشياء لازم تتحقق قبل أن تفعل العبادة؛ إذا تحققت الشروط ترتب على تحققها صحة العبادة. إذاً والشرط ما رتب الأجزاء، يترتب على وجودها أجزاء العبادة وصحة المعاملة، كذلك البيع مثلاً له شروط، صح، النكاح له شروط، بدون الشروط يكون البيع أو المعاملة أو العبادة غير صحيحة، فإذاً الشرط هو الوصف الذي يترتب الأجزاء والصحة على وجوده، قال: أو نفي حكم حين يفتقد، وإذا لم يوجد ينتفي الحكم يعني لا تصح العبادة ولا المعاملة، ممتاز.
راح تقول لي طيب شو الفرق بين السبب والشرط بناء على هذا إخواني؟ السبب يلزم من وجوده وجود الحكم، يعني هو الذي إذا وجد يأتي معه بالحكم، ويلزم من عدمه عدم الحكم؛ زي ما قلنا غروب الشمس، إذا وجد يوجد الحكم معه وهو صلاة المغرب، وإذا لم يحصل غروب الشمس لا يحصل صلاة المغرب. أما الشرط لا يأتي بالحكم ابتداء، يعني إذا وجد؛ يعني واحد الآن متوضي، هل وضوؤك واستقبالك القبلة يلزم وجود صلاة معه؟ لا، يمكن أكون متوضي بس ما في صلاة، ممكن أكون متوضئ وساتر عورتي ومستقبل القبلة بس ما في صلاة علي، واحد متوضي قبل ما ينام لازم يصلي؟ لا، فالشرط وجوده لا يلزم منه وجود حكم، لكن مشكلته ما هو؟ عند عدمه، إذا انعدم ينعدم معه الحكم، فبالتالي قد يوجد السبب ولكن لا يوجد الشرط، فإذا وجد السبب ولم يوجد معه الشرط لا تستطيع أن تؤدي هذا الحكم، لا تستطيع أن تؤدي هذا الحكم، وإذا أديته بدون الشرط فلن يكون صحيحاً. لذلك قال: والشرط ما رتب الأجزاء وصحته عليه، هو الوصف الذي إذا وجدت الأجزاء والصحة على وجوده، قال: أو نفي حكم حين يفتقد، وإذا لم تأتِ به سيفقد الحكم بمعنى لن يوجد ولن يكون صحيحاً، بمعنى لن يوجد ولن يكون صحيحاً، فهذا هو الفرق بينهما.
السبب والشرط، بما يليق بهذا المختصر، وإلا فمع الأمثلة والشروح المطولة يتضح، ونافذ وبه اعتد الصحيح كما نقيضه باطل.
ليس له عمدة، الآن أراد أن يعرف الصحة والبطلان. الفعل الصحيح ما هو؟ هو الفعل النافذ المعتد به شرعًا. كل عبادة أو معاملة نافذة معتد بها شرعًا فإنها تسمى عبادة صحيحة أو معاملة صحيحة. وكل عبادة أو معاملة لم يعتد بها شرعًا، أنت عملتها بس لا يعتد بها وغير نافذة، فهذه تسمى عبادة باطلة أو معاملة باطلة. ما الذي يجعل العبادة صحيحة أو المعاملة صحيحة؟ وجود الأسباب والشروط وانتفاء الموانع. نحن قبل قليل عرفنا المانع والسبب والشرط، هي الفكرة الأساس هو السبب؛ السبب يلزم من وجوده وجود الحكم ومن عدمه عدم الحكم، المانع يلزم من وجوده عدم الحكم، والشرط يلزم من عدمه عدم الحكم. لذلك عكس المانع فعليًا ليس السبب، بل الشرط، لأن المانع إذا وجد لا يوجد الحكم، زي الحيض إذا وجد لا توجد الصلاة، الشرط بعكسه؛ إذا لم يوجد الشرط لم يوجد الحكم، فالمانع يؤثر وجوده والشرط يؤثر عدمه، وأما السبب فالمؤثر هو وجوده وعدمه؛ إذا وجد السبب وجد الحكم وإذا عدم عدم الحكم. إذا وجد السبب ووجدت معه الشروط وانتفت الموانع هنا تصبح العبادة صحيحة، ما معنى أنها صحيحة؟ أنها نافذة معتد بها، وإذا اختل السبب أو الشرط أو وجد المانع فالعبادة أو المعاملة باطلة. ما معنى باطلة؟ أنها ليست نافذة وليس معتدًا بها. لذلك قال ونافذ وبه اعتد الصحيح؛ هو ذكر التعريف بعدين ذكر المعرف، فقال النافذ الذي به يعتد ماذا يسمى في الشريعة؟ الصحيح سواء كان عبادة أو معاملة.
قال كما نقيضه وهو يسمى الباطل؛ ما هو الباطل إذاً؟ إذا قال كما نقيضه فالباطل هو غير النافذ وغير المعتد به. ما الذي يجعل الشيء صحيحًا أو باطلًا بمعنى أنه نافذ أو غير نافذ؟ إذا وجدت الأسباب والشروط وانتفت الموانع فهو نافذ معتد به فهو صحيح، وإذا انتفى السبب أو الشرط أو وجد المانع فهو غير نافذ غير معتد به فهو باطل.
ثم الوسيلة تعطى حكم غايتها فرضا وندبا وحظرا عنه يبتعد. اكتبها قاعدة: الوسائل تأخذ أحكام المقاصد. إذا كان المقصد حكمه واجب فالوسيلة التي تفعلها للوصول إلى المقصد ما حكمها؟ واجب، مثلًا الصلاة في المسجد واجبة، بالتالي المشي حتى نصل إلى المسجد أو ركوب سيارة حتى نصل إلى المسجد ما حكمه؟ واجب؛ لأنه هذه وسيلة للوصول إلى المقصد. إذا قلنا الصلاة في المسجد مستحبة فالوسيلة التي ستفعلها للوصول إلى المسجد مستحبة. الذهاب إلى ملهى أو إلى مكان فيه حرام؛ حرام، صحيح؟ فاستخدامك سيارة أو وسيلة للوصول إلى الحرام ما حكمه؟ حرام، فذهاب الفتاة المتبرجة إلى الجامعة ما حكمه؟ حرام، فنقلها إلى الجامعة ما حكمه؟ حرام.
فنقلها إلى الجامعة ما حكمه؟ حرام. ماذا عندنا أيضًا أحكام مثلًا إذا كان الفعل مكروهًا فالوسيلة التي توصلك إلى المكروه ما حكمها؟ مكروه. إذاً القاعدة العامة تقول الوسائل لها أحكام المقاصد؛ مثلًا السياحة إلى بلد يكثر فيه النساء المتبرجات ما حكمها في الإسلام؟ أقل أحوالها الكراهة إلا إذا تيقنت أنك ستقع في الحرام. الذهاب سياحة إلى بلد يكثر فيه التبرج مثل إسطنبول وغيرها من المناطق، هذه الذهاب إلى تلك المناطق أقل أحوالها الكراهة، فاستخدامك الطائرة للوصول إلى تلك المناطق مكروه، وإذا كانت السياحة محرمة لأنك قطعًا ستفعل الحرام هناك فاستخدامك الطائرة سيكون حرامًا. إذاً القاعدة تقول الوسائل لها أحكام المقاصد؛ إذا كانت النتيجة حرامًا فالوسيلة حرام، وإذا كانت النتيجة مكروهة فالوسيلة التي ستفعلها مكروهة، وإذا كانت النتيجة واجبة فالوسيلة واجبة، وإذا كانت مندوبًا فمندوب، وإذا كانت مباحًا فمباح. ثم الوسيلة تعطى حكم غايتها سواء كانت الغاية فرضًا أو ندبًا أو حظرًا عنه يبتعد، وكذلك قل أو كانت مكروهة أو مباحة.
والرخصة الإذن في أصل لمعذرة وضدها عزمه بالأصل تنعقد. أيضًا من المفاهيم التي يجب أن يفهمها الإنسان مصطلح العزيمة والرخصة، نحن نقول القصر في السفر رخصة، ما معنى أن الشيء رخصة؟ وأن هناك عزائم، العزيمة هو الحكم الشرعي الابتدائي الأصلي، يسمى عزيمة. وأما الرخصة فهي الحكم الاستثنائي الذي يكون في حال العذر، فإذا زال العذر يجب أن تعود إلى الحكم الأصلي. فالرخصة هي الحكم الشرعي الاستثنائي الذي شرعه الله في حال وجود عذر، فإذا زال العذر يجب أن ترجع إلى الحكم الأصلي؛ أن تصلي العصر ركعتين في السفر، هذا حكم أصلي ولا استثنائي؟ استثنائي إذا وجد السفر، فإذا زال السفر ورجعت لبلدك نرجع للحالة الأصلية وهي الإتمام. ماذا عندنا مثلًا المسح على الخفين؟ هل المسح على الخفين عزيمة أم رخصة؟ رخصة؛ لأنه مسموح لك تمسح عليهم ما دمت لابسًا للخف مدة 24 ساعة، إذا خسرت الـ 24 ساعة ترجع للحكم الأصلي وهو ضرورة غسل القدم للصلاة، أليس كذلك؟ لذلك قال والرخصة الإذن في أصل يعني الاستثناء من الحكم الأصلي بسبب عذر لمعذرة، فإذا زال العذر يجب أن أرجع للحكم الأصلي. وضد الرخصة ما هو؟ العزيمة، فالعزيمة هي الحكم الأصلي الابتدائي الذي لم يشرع لعذر بل شرع ابتداء هكذا، وهو في الحالة الأصلية ثابت على حاله.
والأصل أن نصوص الشرع محكمه إلا إذا جاء بنقل الأصل مستند. الأصل أن نصوص الكتاب والسنة يبقى العمل بها ولا يجوز تركها إلا إذا جاء ناسخ، والأصل أن نصوص الشرع محكمة، ما معنى محكمة؟ أي ثابتة يجب العمل بها إلا إذا جاء بنقل الأصل مستند، يعني إلا إذا جاء ما ينسخها، آية منسوخة أو حديث منسوخ، ما سوى ذلك يجب العمل بجميع نصوص الكتاب والسنة.
وأي نص أتى مثل يعارضه وأمكن الجمع فهو الحق يعتمد. إذا تعارضت النصوص بعضها مع بعض؛ آية مع آية أو آية مع حديث أو حديث مع حديث، ما هي الخطوات التي يفعلها العالم؟ أولًا يحاول أن يجمع بين النصوص المتعارضة، وأي نص أتى مثل يعارضه إذا جاء نص يعارضه نص آخر في الكتاب وفي السنة وأمكن الجمع، فيجب أن نذهب إلى الجمع لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، قال وأمكن الجمع فهو الحق، هو الذي يجب أن نصير إليه.
وحيث لا ودريت الآخر اقض به نسخا لحكم الذي من قبله يرد. إذا لم نستطع الجمع بينهما، وحيث لا نستطيع الجمع وعرفنا النص المتأخر منهما نزولًا، فالنص المتأخر نزولًا يكون ناسخًا للمتقدم، قال وحيث لم نستطع الجمع بين النصوص المتعارضة وعرفنا النص المتأخر (ودريت الآخر) استطعت أن تعرف أيهما متأخر عن صاحبه، اقض به نسخا، يعني أحكم أن النص المتأخر ناسخ لحكم النص المتقدم.
أو لا فرجح متى تبدو قرائن ترجيح عليها احتوى متن أو سند. أو لا، طيب يا شيخ أنا والله ما عرفت أيهما متقدم وأيهما متأخر، ففي هذه الحالة تذهب إلى الترجيح، إذاً عند تعارض النصوص أولًا نحاول الجمع، إذا لم نستطع الجمع وعرفنا المتأخر فالمتأخر ناسخ للمتقدم، إذا لم نعرف المتأخر من المتقدم نذهب إلى الترجيح من خلال القرائن، والقرائن هنا كثيرة جدًا وسيذكر بعضها، قال: أو لا فرجح متى تبدو قرائن ترجيح عليها احتوى متن أو سند. القرائن المرجحة قد تكون في السند وقد تكون في المتن؛ قرائن السند أن يكون مثلًا هذا الحديث رواه عدد أكبر ممن روى الحديث المعارض له، أو هذا الحديث الذي رواه صاحب القصة وذاك الذي رواه صحابي بعيد عن القصة، وهكذا هذا من حيث السند، أما الترجيح من حيث المتن أن يكون هناك مرجح في المتن يقدم هذا الحديث على ذاك.
والمطلق احمل على فحوى مقيده وخص ما عم بالتخصيص إذ تجد. الآن إذا جاء نص مطلق يعارضه نص مقيد، أيهما يقدم؟ لاحظ المثال قال سبحانه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3]، جاء الدم هنا مطلق صح؟ يشمل الدم القليل والكثير، ثم قال في سورة الأنعام ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145]، فقيد الدم المحرم أنه الدم الكثير، أما الدم الموجود في عروق الشاة ولحمها هذا لا يحرم، فهنا عندي نص مطلق ونص مقيد، أيهما يقدم؟ المقيد يقدم على المطلق، فنقيد المطلق بما جاء في النص المقيد، هذا اسمه حمل المطلق على المقيد وهذا نوع من التعارض، عندي ورد الدم مطلق وورد مقيد فيقدم التقييد على الإطلاق، أو يسمى بعض يسميه جمعًا، حمل المطلق على المقيد. كذلك إذا جاء نص عام ونص خاص يقدم الخاص على العام، قال سبحانه ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، المطلقات هنا عام يشمل أي مطلقة سواء حامل أو غير حامل، عدتها ثلاث حيضات إذا طلقها زوجها، لكن قال سبحانه في سورة الطلاق ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، فعرفنا أن المطلقة الحامل عدتها ليس ثلاث حيضات بل أن تضع الحمل، فهذه الآية في سورة الطلاق مخصصة لعموم الآية التي في سورة البقرة، هو يسمونه جمعًا وحقيقة هو أيضًا ترجيح؛ لأنه أنت في منطقة الخصوص آية البقرة تكلمت عن الحوامل وغير الحوامل، لكنني أنا جعلتها فقط في غير الحوامل، وأما الحوامل فلم أعمل فيها آية البقرة وإنما أعملت فيها آية الطلاق، فهو في اعتقادي يسمى جمعًا والبعض يسميه ترجيحًا في منطقة النزاع. المهم أنت الآن في هذا المستوى احفظ القاعدة العامة: إذا ورد نص مطلق ونص مقيد في نفس الموضوع فالمقيد يقدم على المطلق، وإذا ورد نص عام ونص خاص فالخاص يقضي على العام في منطقة النزاع.
والحظر قدم على داعي إباحته كذا على النفي فالإثبات معتضد. من القواعد العامة أيضًا في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة أن الحظر يقدم على المبيح، إذا كان هناك نص حظر يحظر علي فعل شيء ونص مبيح ولم أستطع الجمع ولا النسخ بينهما، فالذي يقدم عندي ما هو؟ الحاضر على المبيح؛ لأنه أحوط. وحتى أفهمك ممكن من خلال مثال فقهي، يقولون إذا كلب جامع شاة فجاء مولود، طيب هذا المولود نعتبره باعتبار أبوه كلب، فنقول إنه حرام أكله، أو نعتبره باعتبار أمه أنها شاة فنقول حلال أكله؟ أيهما يغلب؟ كلب تزوج من شاة فأنجب حيوانًا، إذا بدي أعتبره باعتبار أبوه، أبوه كلب فبالتالي سيكون هذا المولود حرامًا باعتبار والده لا يجوز أكله، وإذا بدي أعتبره باعتبار أمه، أمه شاة فسأعتبره مباحًا، فماذا يقدم عند الفقهاء؟ قالوا الحاضر يقدم على المبيح، فنحرمه باعتبار أبيه. وكذلك العكس لو ثور جاء على كلبة فأتى مولود يحرم أيضًا باعتبار أمه، الحاضر كذلك مثلًا لو أنك صدت صيدًا بسهم فوقع في الماء، هل يجوز أن تأكله ولا لا يجوز أن تأكله؟ أنا من بعيد صدت عصفورًا وجاءت عليه ووجدته واقعًا في نهر، هل يجوز أكله أم لا يجوز؟ الآن باعتبار أنني صدته يباح، وباعتبار احتمال أنه وقع في الماء فمات خنقًا في الماء حرام، فأيهما يقدم؟ الحاضر يقدم على المبيح، فلا يجوز أكله تغليبًا لجانب الحظر، فهذه قاعدة عامة إذا تعارض الحاضر والمبيح يقدم الحاضر لأنه أورع.
كذلك إذا تعارض النفي مع الإثبات، إذا جاء حديث فيه إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيئًا وحديث ينفي أنه فعله، من يقدم؟ المثبت يقدم على النافي، جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يبل صلى الله عليه وسلم واقفًا قط»، وجاء عن حذيفة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول قائمًا، فعائشة نفت وحذيفة أثبت، من الذي يقدم؟ حذيفة؛ لأنه من أثبت عنده زيادة معلومة غير موجودة عند النافي. أنا شفت، حذيفة يقول لك أنا شفت، عائشة نفت، طب عائشة هل كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل خطوة من خطوات الحياة؟ لا، فالقاعدة تقول الحديث المثبت يقدم على الحديث النافي، وهذه كلها إخواني كلها قواعد ترجيح؛ المقيد يحكم على المطلق، الخاص يحكم على العام، الحاضر يحكم على المبيح، المثبت يقدم على النافي، هذه كلها من قواعد الترجيح.
كذا الصريح على المفهوم فاقض به وهكذا فاعتبر أن أنت منتقد. المنطوق يقدم على المفهوم؛ المنطوق اللي هو الصريح يقدم على المفهوم. قال سبحانه ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]، مفهوم هذه الآية ما هو؟ أنه ما في أشياء محرمة غير الأربعة. لكن جاء في الحديث حرم النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحوم الحمر الأهلية، حرم النبي صلى الله عليه وسلم أن نأكل لحوم الحمر التي تعيش بيننا، فأيهما يقدم؟ مفهوم الآية ولا منطوق الحديث؟ منطوق الحديث يقدم على مفهوم الآية، ونقول يحرم أكلها.
لحوم الحمر الأهلية إذا قال لك شخص: كيف يا شيخ يحرم؟ طب الله سبحانه وتعالى قال: ﴿قُل لَّا أَجِدُ﴾ فمفهومها أنه ما في شيء حرام. نقول: المنطوق يقدم على المفهوم، هذا معنى كذا، الصريح على المفهوم يقدم فاقضِ به.
وأي فرع أتت في الأصل علته أو كان أولى بها فالحكم يضطرد.
وهكذا فاعتبر أن أنت منتقد، ومثل هذه القواعد فاعتبرها إذا أنت منتقد. شو يعني منتقد؟ يعني في مقام النقد ومحاولة النظر بين النصوص، عليك أن تعمل مثل هذه القواعد لتعرف أي النصوص يقدم على غيره في هذه الأحوال. بعد أن انتهى من الكتاب والسنة انتقل إلى القياس، فقال: وأي فرع أتت في الأصل علته أو كان أولى بها فالحكم يضطرد.
المصدر التشريعي الثالث من مصادر التشريع هو القياس. ما هو القياس؟ القياس أيها الكرام هو حمل الفرع في حكمه على الأصل لوجود علة جامعة بينهما؛ أن تحمل فرعاً نازلاً في من النوازل على أصل ثبت في الكتاب والسنة بسبب ماذا؟ بسبب وجود علة جامعة بينهما. تحمل الفرع، الفرع هي المسألة النازلة التي لم ينص عليها، تحملها على الأصل، ما هو الأصل؟ هي المسألة التي تم التنصيص عليها في الحكم، تجعل الفرع حكمه حكم الأصل لوجود علة جامعة بينهما.
مثال ذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان». إذاً ما هو الحكم المنصوص عليه الأصل؟ لا يجوز أن يحكم القاضي في حال الغضب. طب إذا كان القاضي جائعاً جداً؟ قال العلماء: هذا لم ينص عليه لكن نقيسه على الغضب، الجائع جوعاً شديداً يحكم عليه القضاء قياساً على الغضب؛ ليه؟ لوجود علة جامعة بينهما. ما هي العلة؟ التشويش. لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم القاضي وهو غضبان؟ لأنه عقله مشوش، فالجائع جوعاً شديداً كحالكم الآن يكون عقله أيضاً مشوشاً، فبالتالي لا يجوز له أن يحكم. إذاً وأي فرع اتصل علته، يعني الفرع الذي العلة فيه موجودة في الأصل يأخذ حكم الأصل، فإذا الأصل حرام يكون الفرع حراماً، وإذا الأصل واجب الفرع واجب، سواء كان الفرع في منزلة الأصل مساوٍ له. أحياناً قد يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، خذ هذا المثال: قال سبحانه: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، نص الله على تحريم التأفيف أو التأف وجه الأب والأم صح؟ فلو واحد سألك ما حكم أني أضرب أبوي وأمي؟ يا أخي ربنا عز وجل حرم التأفيف ما حرم الضرب! شو بتقول؟ ما هو الضرب أسوأ من التأفيف، فإذا نص على الأدنى فالأعلى من باب أولى، هذا اسمه قياس الأولى، يحرم ضرب الوالدين قياساً على التأفيف من باب أولى، هيك بيحكوا. فلذلك هنا ذكر النوعين فقال: وأي فرع أتت في الأصل علته أو كان أولى بها فالحكم يضطرد.
فهمتم؟ إذاً أي فرع كان مساوياً للأصل في العلة أو كان أولى بها كالضرب هو أولى بالتحريم من التأفيف فالحكم يضطرد، ينزل من الأصل إلى الفرع ويأخذ الفرع حكم الأصل تمام.
ولا تقدم أقاويل الرجال على نص الشريعة كالغاليين إذ جحدوا.
الآن سيختم بخاتمة لطيفة جميلة، يقول دائماً يا طالب العلم يا أيها المسلم اجعل الشرع هو أعلى شيء في حياتك، ولا تقدم قول الرجال حتى ولو كانوا أفاضل على قول الكتاب والسنة، لكن طبعاً هذا الكلام يوجه للمجتهد ولطالب العلم الكبير، أما الإنسان العامي ففرضه أن يتبع عالماً مجتهداً؛ لأنه في التصور أنت لا تعرف دلالات الكتاب والسنة، ففرض العامي أن يتبع العلماء، وفرض العلماء أن يتبعوا الكتاب والسنة ولا يقدموا على الكتاب والسنة قول أحد.
ولا تقلد وكن في الحق متبعاً إن اتباعك فلتعلم هو الرشد.
طبعاً ولا تقلد هذه إخواني لمن؟ للمجتهد، أنه بعض الشباب يجوا على هذه المتون بقول لك: يا شيخ أنا بديش أتمذهب، ليش ما هو الشيخ حافظ الحكمي قال: ولا تقلد، خلاص إذاً ممنوع التمذهب! لا يا عمي الله يرضى عليك، ويقول: ولا تقلد لمن كان مجتهداً، أما حضرتك الأجرومية بتخطأ فيها لا بدك تقلد، وصبرك عنك بدك تقلد، يعني ما عندك مجال إلا أن تقلد العلماء حتى لا تفتري على دين الله وتقول على الله بدون علم. إذاً ولا تقلد، اكتب هذه لأهل العلم فليس لهم أن يقلدوا بل يجتهدوا.
إذ الأئمة بالتقليد ما أذنوا لكن رد المورد العذب الذي وردوا، ولتستعن بفهم القوم إن لهم بصائر.
إذ الأئمة بالتقليد ما أذنوا، لكن رد المورد العذب الذي وردوا، إيش يعني؟ مش الأئمة استعملوا الكتاب والسنة؟ عليك أن ترد الكتاب والسنة وتجتهد من نفس المنبع اللي هم اجتهدوا فيه. أكيد هذا الكلام عن شخص يقدر على الاجتهاد، نعم حتى لو كان متأخراً، نقول له: لو أنت مجتهد فيك شروط الاجتهاد اذهب إلى الكتاب والسنة فاجتهد، أما الشاب المسكين الذي لا يعرف قواعد اللغة العربية، إياك أن تجتهد سامحني، أنت وظيفتك بإجماع الأمة أن تتبع العالم الرباني إلى أن يفتح الله عليك وتصير مجتهد، أنا معك روح اجتهد، لكن ما دمت تعرف إمكانياتك وضعف اطلاعك الشرعي يحرم عليك الاجتهاد؛ لأنه هو ليس اجتهاداً، سيكون عبثاً بنصوص الكتاب والسنة كما تروا اليوم في فوضى الفتوى وأن الكل يفتي من جيبه ومن كيسه.
ولتستعن بفهم القوم إن لهم بصائر كم بها ينحل منعقد.
نعم، فالشيخ حافظ يقول: وإن كنت آمرك أن تذهب إلى الكتاب والسنة فتستنبط منها، لكن لا مانع أنك تستفيد من فهوم العلماء الأوائل فتنظر في المذاهب الفقهية، ولتستعن بفهم القوم يقصد العلماء السابقين، إن لهم بصائر ليست عندنا كم بها ينحل منعقد، يعني أفهامهم أعلى من أفهامنا فبها ينحل كل منعقد وصعب من المسائل.
واعلم الأمة الصحب الأولى حضروا مواقع الشرع والتنزيل قد شهدوا.
من هم أولى العلماء أن تنظر في اجتهاداتهم؟ الصحابة الكرام هم أعلم الأمة على الإطلاق.
أدرى الأنام بتفسير الكتاب وأفعال الرسول وأقوال له ترد.
فهم أدرى الناس بتفسير الكتاب وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله، لأنهم عاشوها ولم تنقل إليهم مجرد نقل، عاشوها معه موقفاً موقفاً.
إجماعهم حجة قطعاً وخلفهم لم يعده الحق فليعلمهم مجتهدوا.
لذلك إذا أجمع الصحابة على شيء فهذا الإجماع حجة، وهذا كما يقول ابن تيمية هو الإجماع الذي ينضبط، أما إجماع من بعد الصحابة يصعب ضبطه، فإجماع الصحابة حجة. وإذا اختلف الصحابة بينهم على قولين فلا يجوز أن تحدث قولاً ثالثاً؛ لأن الحق لا يتعداهم، لذلك قال: وخلفهم لم يعده الحق، ما معنى هذا؟ إذا اختلفوا في مسألة على قولين أو ثلاث إياك تخترع قولاً رابعاً، لأن الصواب لا يخرج عن أقوال الصحابة.
اردد أقاويلهم نحو النصوص فما يوافق النص فهو الحق معتضد.
طيب إذا اختلف الصحابة على قولين أو ثلاث كيف أعرف الصواب من أقوالهم؟ تنظر أي أقوال الصحابة أشبه بالكتاب والسنة؟ قال: اردد أقاويلهم عند اختلافهم إلى نصوص الكتاب والسنة، فما كان أشبه بالكتاب والسنة فهو القول الراجح، طبعاً كل هذه الممارسات لمن؟ للمجتهد يا رعاكم الله.
ما لم تجد فيه نصاً قدم الخلفاء إذ هم بنص رسول الله قد رشدوا.
طب إذا لم أجد نصاً في الكتاب والسنة أعرف منه أي أقوال الصحابة أعلى، إذا لم تجد نصاً في الكتاب والسنة يشهد لأحد أقوال الصحابة فقدم قول الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ لأنهم وصى بهم النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، قال: ما لم تجد فيه نصاً يوافق قول أحد الصحابة فالمقدم عندئذ قول الخلفاء الراشدين، وأعلاهم أبو بكر ثم عمر.
فتابعون بإحسان فتابعهم من الأئمة للحق المبين هدوا.
طيب بعد الصحابة في مرتبة الاجتهاد عليك أن تنظر في اجتهادات التابعين ثم من بعدهم من أصحاب المذاهب الأربعة، أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل ومن كان في مرتبتهم وطبقتهم ممن سيأتي ذكره.
كالسبعة الأنجب نزل.
بدأ قال مثال العلماء من التابعين الفقهاء السبعة، تعرفوا من هم الفقهاء السبعة؟ القاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، هؤلاء اسمهم الفقهاء السبعة رؤوس التابعين. القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فهؤلاء الفقهاء السبعة هم أعلى الطبقات بعد الصحابة، ثم قال كالسبعة الأنجب الزهر يعني هؤلاء السبعة كالنجوم الزهر الذي يرى.
إجماعهم مالك كالنص يعتمد.
مالك بن أنس يرى أن الفقهاء السبعة إذا أجمعوا على شيء فهو صحيح قطعاً، هكذا يرى مالك أن الفقهاء السبعة إذا أجمعوا على شيء فهو إجماع معتبر وعليهم يعتمد، إجماع أهل المدينة.
وابن المبارك.
ثم قص عليهم بعد ذلك عبد الله بن المبارك رحمه الله عليه أيضاً.
والبصري هو الحسن المرضي حقاً.
والبصري هو الحسن هو الإمام الحسن البصري المرضي حقاً.
وحماد.
هذا حماد يحتمل أكثر من شخص، هل يقصد حماد بن أبي سليمان وإن كنت أستبعد ذلك شيخ أبي حنيفة، أو يقصد حماد بن زيد وهو أحد علماء الحديث؟ يعني محتمل.
هم حمدوا كذاك سفيان مع سفيان.
هم حمدوا، كذاك سفيان مع سفيان الثوري وسفيان بن عيينة.
ثم فتى الأوزاعي.
ثم فتى الأوزاعي اللي هو الإمام الأوزاعي رحمه الله عليه.
فاعلم ومن أقرانهم عدد.
فاعلم وأيضاً لهم أقران كثر في زمنهم، يعني الكلام ليس مختصاً بهؤلاء بل كل من كان في طبقتهم كعبد الله بن دينار وغيره أو عمرو بن دينار وغيره من العلماء الكبار.
ثم الأئمة نعمان ومالكهم والشافعي أحمد في ديننا عمدوا.
ثم الأئمة الأربعة وعلى رأسهم أبو حنيفة النعمان، وهذا إمام كبير، ومن ذمه أو انتقص منه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من كفر أبا حنيفة فهو أحق بالكفر"، يقول شيخ الإسلام: من كفر أبا حنيفة فهو أحق بالكفر، تخيل شيخ ابن تيمية، فأبو حنيفة أيها الكرام شمس من شموس الهدى والعلم، وشيخ الإسلام ذكره في مواطن كثيرة من كتبه أنه من أئمة الهدى والنور، وهذا لا يعني عدم وجود الخطأ في بعض أقواله، وإنما كما كففنا عن الصحابة فيما جرى بينهم نكف عن أبي حنيفة فيما جرى بينه وبين علماء عصره. وسكوت ابن تيمية وابن القيم وابن رجب والمعلمي وغيرهم من أعلام الهدى والخير عن الخلاف الذي جرى بينهم ليس اعتباطاً وليس عدم حمية للتوحيد، بل إنهم يعرفون سياقات الكلام وأسباب الخلاف، فمن جاءكم من المعاصرين ممن يريد أن ينتقص هذا حافظ الحكمي وهو أحد أئمة التوحيد في الجزيرة ويذكر أبا حنيفة النعمان باعتباره أحد الأئمة الكبار، حافظ الحكمي أحد أئمة التوحيد في الجزيرة ومع ذلك يمدح أبا حنيفة وأنه من أئمة الهدى والعلم، قال: ثم الأئمة نعمان على رأسهم ومالكهم بعدهم والشافعي وأحمد في ديننا عمدوا، هؤلاء أعمدة في الفقه، فلا ينتقص من مقامهم إلا إنسان مخذول، هذه خذها مني لا ينتقص من مقامهم إلا إنسان مخذول، كما قال الذهبي وغيره من العلماء.
وغيرهم من أولي التقوى الذين لهم بصائر بضياء الوحي تتقون.
ثم بعد ذلك أتباعهم من أئمة الهدى والخير، أولئك هذا الختام الجميل ما بدي أعلق عليه كثيراً، هي كلمات جميلة في حق العلماء الكبار، وكيف أن طالب العلم المعاصر ينبغي أن يحترم علماء الأمة ويجلهم مع عدم ادعاء العصمة فيهم، لكن يبقى الإجلال والاحترام والتقدير هو ديدن طالب العلم، وبه نختم القصيدة فقال: أولئك القوم يحي القلب إن ذكروا ويذكر الله إن ذكراهم تردوا.
ويذكر الله إن ذكراهم تردوا، السلف وعلماء الأمة إذا ذكروا تذكرت الله وتذكرت الشريعة وتذكرت هذا الدين العظيم.
أئمة النقل والتفسير ليس لهم سوى الكتاب ونص المصطفى سندوا، أحبار ملته أنصار سنته ليعدلون بها ما قاله أحد، أعلامها نشروا أحكامها نصروا، أعدائها كسروا، نقالها نقدوا.
نقالها نقدوا، أي هم علماء الجرح والتعديل فهؤلاء هم علماء الجرح، نقدوا النقال نقداً صحيحاً علمياً متيناً.
هم الرجوم لسراق الحديث كما لكل مسترق شهب السماء رصد.
كما أن لكل مسترق من الجن جعل الله شهب السماء ترصدهم، كذلك هؤلاء العلماء كالشهب على وضاعي الأحاديث وعلى الكذابين في الحديث.
بدور تم، سوى أن البدور لها غيبوبة أبداً والنقص مضطرد، وهم مدى الدهر ما زالت مآثرهم في جدة وانجلاء منذ ما وسدوا.
يقول هؤلاء العلماء هم بدر التمام، إلا أن بدر التمام يذهب، واما هؤلاء العلماء.
آثارهم لا تذهب، يعني تشبيههم ببدر التمام حتى هذا التشبيه لا يتم؛ لأن البدر بعد ثلاث أيام يزول، وأما هؤلاء فمآثرهم وعلومهم وفهومهم لا تزول من هذه الأمة إلا أن يقبض الله سبحانه وتعالى العلم قبيل يوم القيامة. ودورهم تم، سوى أن البدور لها غيوبة، البدور الحقيقية تغيب أبداً والنقص مضطرد فيها، وأما هؤلاء العلماء فهم مدى الدهر ما زالت مآثرهم في جدة، ما زلنا نتفيأ من علومهم. وأنجلى منذ ما وسدوا في القبور، وما زالت علومهم حية قائمة ننتفع بها وببركتها، أولئك الملا الغر الأولى ملؤوا الأقطار علماً وغير النص ما اعتقدوا، أي هؤلاء هم الملا الكبار الغر المميزون، الأولى الذين ملؤوا أقطار العالم علماً، وغير النص ما اعتقدوا، كلهم ينهل من الكتاب والسنة على ما فتح الله له من الفهم، كل له قدم في الدين راسخة، وكلهم في بيان الحق مجتهدون، كلهم يجتهدون أصاب من أصاب وأخطأ من أخطأ، فإن أصاب له أجران قد كملا، والأجر مع خطأ والعفو متعدٍ.
إيش يعني والعفو متعدٍ؟ يعني إذ من أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ من العلماء فله أجر، والعفو متعدٍ يعني وعده الله بالعفو، ما معنى متعدٍ؟ أي هم موعودون بالعفو عن أخطائهم، لأنه خلص إذا أنت أخطأت في الاجتهاد فالله يعفو عنك ما دمت عالماً. والحق ليس بفرد قط منحصراً، الحق ليس محصوراً في واحد منهم، إلا الرسول هو الوحيد الذي يكون الحق محصوراً فيه، الكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، والحق ليس بفرد قط منحصراً، إلا الرسول هو المعصوم، لا أحد غيره معصوم، لا أحد.
صلى عليه إله العرش فاطره مسلماً ما بأقلام جرى المدد، صلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم ما جرت الأقلام بالمداد، وصلى الله على من والى، والآل والصحب ثم التابعين لهم، والحمد لله لا يحصى له عدد، وهذا نهاية تعليقنا على هذا النظم المبارك، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. حياكم الله أيها الكرام في الجلسة الثانية لهذا اليوم في التعليق على كتاب الأربعين في قواعد الدين للإمام أبي سعد المؤذن رحمه الله تعالى عليه. وهذا كتاب كما قلنا يجمع بين العقيدة والفقه، ويبوب رحمه الله عليه لأصول المسائل الخلافية، هو لا يبوب لكل أبواب العقيدة، وإنما من دأب العلماء في ذاك الزمان أن المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية يأتون بالأحاديث النبوية التي تدل على صحة معتقدهم، ففائدة هذا الكتاب أن تحفظ الأدلة التي تدل على صحة عقيدتك في باب التوحيد، في باب القضاء والقدر، في باب اليوم الآخر، وما شابه هذا من الأبواب، فنبدأ مستعينين بالله بالباب الرابع، قال رحمه الله تعالى عليه: الباب الرابع: الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا محدث، ولا حادث.
قال عليه رحمه الله: الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هذه غير مخلوق اتفقنا عليها، قال ولا محدث، يعني أن الله لم يخلق القرآن في شيء من مخلوقاته كما يزعم البعض أن الله خلق القرآن في شيء، في شجرة أو في لوح أو ما شابه ذلك، ولا حادث. هذه النقطة اللي قد نختلف فيها مع الشيخ أبي سعد المؤذن، وكأنه يشير إلى مذهب المتكلمين، أن القرآن إذا قلنا القرآن كلام الله، طب كلام الله هل هو حادث في ذات الله سبحانه وتعالى؟ بمعنى ما معنى أنه حادث في ذات الله؟ أن الله متى شاء أن يتكلم تكلم، ومتى لا يريد أن يتكلم لا يتكلم، فهذه تسمى مسألة حلول الحوادث في ذات الله سبحانه، فمذهب أهل السنة أن الحوادث تحل في ذات الله، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى متى شاء أن يتكلم يحدث كلاماً في ذاته، ومتى شاء ألا يتكلم لا يتكلم، فكلامه متعلق بالمشيئة، فقوله ولا حادث كلمة مريبة شوي، كلمة مريبة من أبي سعد المؤذن، وفيما أظن أنه لعله أخذها من الجويني أو من غيره من الأشاعرة الذين ينفون أن كلام الله سبحانه وتعالى يحل في ذاته متى شاء وكيف شاء، لأنه هذه عقيدة الأشعرية وغيره ممن يقولون إن الكلام هو مجرد الكلام النفسي، وهو أزلي قديم وليس شيئاً حادثاً. ولذلك نحن نتفق معه على أن كلام الله غير مخلوق، وأنه ليس محدثاً بمعنى أنه خلقه في شيء، وأما أن يقول وليس حادث، هذه لا أتفق معه لأنني أعلم أن هذه العبارة يقصد بها أن كلام الله ليس كلاماً يفعله متى شاء، والصحيح عقيدة أهل السنة أن كلام الله يحدثه متى شاء في نفسه، ومتى شاء ألا يتكلم لا يتكلم، فهذا تعليق على هذه الكلمة الأخيرة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]. فلو كان قوله كن مخلوقاً لتعلق بقول آخر إلى ما لا نهاية. وهذا استدلال جميل على أن كلام الله لا يمكن أن يكون مخلوقاً، ما هو الله سبحانه وتعالى ماذا يقول في هذه الآية؟ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن، إذا أراد الله أن يخلق شيئاً ماذا يقول له؟ يقول له كن، فإذا كان يقول كن، كن، إذاً كلام الله، لو كان كلام الله مخلوقاً لكانت كن مخلوقة، صح؟ وإذا كانت كن مخلوقة إذاً تحتاج إلى كن قبلها تخلقها، لأن هي القاعدة إذا أراد أن يخلق أي شيء يقول له ماذا؟ كن، فإذا كانت كن مخلوقة إذاً ستحتاج إلى كن قبلها، وكن التي قبلها ستكون مخلوقة على قاعدتكم، وإذا كانت كن اللي قبل مخلوقة ستحتاج إلى كن قبلها وستكون مخلوقة، وهذا سيؤدي إلى تسلسل لا نهاية له، وهذا مستحيل عقلاً، فإذاً لا بد وأن يكون كلامه ليس مخلوقاً، وهذا هو الصحيح أن كلام الله، سواء القرآن أو أي كلام من كلامه، هو صفة من صفاته، وما دام الصفات تبع للذات، ذات الله ليست مخلوقة، فصفاته إذاً ليست مخلوقة.
وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]. ففصل بين الخلق والأمر، والأمر هو الكلام على الحقيقة، فلو كان كل أمر خلقاً لكان في الكلام تكرير، وكان تقديره ألا له الخلق والخلق، وهذا لا يجوز. أحسنت، هنا الأمر كما قلنا قبل قليل هو شرعه، أمره ونهيه، شرع الله الذي ورد في القرآن، لو كان القرآن مخلوقاً لكان ألا له الخلق والأمر، لاحظ الله عز وجل ماذا قال؟ ألا له الخلق والأمر، إذاً الأمر غير الخلق، فلو كان الأمر وهو كلامه مخلوقاً لصار فيه تكرار، ألا له الخلق والخلق؛ لأنه إذا قلنا الأمر وهو كلام الله وكلام الله مخلوق إذاً أصبح الكلام ألا له الخلق والخلق، لأن الأمر هو جزء من الخلق، وهذا تكرار لا معنى له، فما دام فصل بينهما فقال ألا له الخلق والأمر إذاً الأمر وهو كلامه وشرعه ليس مخلوقاً، وهذا موطن الشاهد.
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 1-3]. فخص القرآن بذكر التعليم والإنسان بالخلق، فدل على الفرق. وهذا دليل ثالث، ما قال خلق القرآن خلق الإنسان، شو قال؟ علم القرآن خلق الإنسان، فهذا طبعاً ليس من أقوى الأدلة لكنه يستأنس به، أنه لما ذكر الإنسان ذكر الخلق، ولما ذكر القرآن ذكر التعليم، فبين هذا أن القرآن ليس شيئاً مخلوقاً وإنما شيء يعلم.
وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة الله كما استعاذ بوجه الله، ولا يجوز أن يستعيذ النبي صلى الله عليه وسلم بمخلوق. وهذا من ألطف الاستدلالات على أن القرآن ليس مخلوقاً، وأن كلام الله ليس بمخلوق، وهو أن ورد في الأحاديث الصحيحة الاستعاذة بكلمات الله، مش تقول أعوذ بكلمات الله التامات، لو كان كلام الله مخلوقاً لكانت استعذت بمخلوق، تقول أعوذ بكلمات الله، إذا قلنا كلمات الله مخلوقة وكلام الله مخلوق إذاً أنت استعذت بمخلوق، وهل يجوز للإنسان المسلم أن يستعيذ بمخلوق؟ هذا شرك، مش الاستعاذة عبادة ولا تصرف إلا للخالق؟ فالاستعاذة بكلمات الله دليل على أن كلمات الله ليست مخلوقة، بل هي في ذاته سبحانه وتعالى قائمة.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. قال رحمه الله: أخبرنا أبو منصور عمر بن أحمد الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الزاهد، أخبرنا محمد بن يحيى بن عمر، حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر سمع جابر بن عبد الله يقول لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: 65]. قال: أعوذ بوجهك.
إذاً وجه الله مخلوق ولا غير مخلوق؟ غير مخلوق، بل هو صفة من صفاته، والدليل أنه ليس بمخلوق أنه استعاذ به، والاستعاذة لا تجوز بمخلوق، فما دام استعاذ بوجهه إذاً وجهه قطعاً ليس بمخلوق.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: 65]. قال أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65]. قال صلى الله عليه وسلم: هاتان أهون وأحسن. أخرجه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة.
طبعاً هاتان أهون وأحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بالله أن يصيب الأمة بعذاب من فوقها وهو أن يأتي صعقة تصعقنا جميعاً، فاستعاذ بالله فأجابه الله، واستعاذ من أن يأتينا عذاب من تحتنا يهلكنا جميعاً وهي الزلازل والخسف، أن يخسف الأمة جميعها فإعاذنا الله، قال وأما أن يلبسكم شيعاً أن نكون فرقاً وجماعات نتخاصم فهذه لم يعطها الله له، لأن سنة الله أن الأمة ستبقى مختلفة، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه تبقى أهون وأحسن، يعني لسه لأنه ما في فيها إهلاك عام، وإنما يهلك بعضنا ويبقى بعضنا، بخلاف العذاب العام من فوق أو من تحت هذا إهلاك عام، فلذلك هو أشد وأسوأ.
قال أخبرنا بحر بن نصر قال حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن زيد بن أبي حبيب والحارث بن يعقوب حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه».
نعم موطن الشاهد أنك تستعيذ بكلمات الله، وهذا يدل على أن كلمات الله ليست مخلوقة؛ لأن لو كانت مخلوقة لكان الإنسان سيستعيذ بمخلوق، والاستعاذة عبادة لا يجوز أن تصرف لمخلوق وإلا تكون شركاً أكبر، كما أخذنا في العقيدة. قال أخرجه مسلم عن هارون بن معروف عن ابن وهب.
قال: وإنما أخرجت هذا الحديث وانتزعت منه المعنى الذي بنيت عليه الباب إذ لم أجد في الصحيح نصاً مفسراً فيه. نعم، هو يقول هنا لماذا هو اعتمد على هذه الأحاديث في الدلالة على أن كلام الله ليس بمخلوق، قال لأنه لا يوجد حديث صريح ينص على أن كلام الله ليس بمخلوق، وإنما هذا يفهم فهماً من مثل هذه الأحاديث، فلذلك اضطر إلى ذكر هذه الأحاديث عن النبي عليه الصلاه والسلام للاستدلال بها على أن كلام الله ليس بمخلوق.
قال: فأما خارج الصحيح، يوجد أحاديث تدل على أن كلام الله، يعني ينص فيها النبي صلى الله عليه وسلم على أن كلام الله ليس بمخلوق، لكنها أحاديث ضعيفة السند.
قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ أبو حفص عمر بن سعيد البجيري، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله العلوي نقيب الكوفة، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الآدمي، قال حدثنا عبد الملك بن عبد ربه الخواص، حدثنا وليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي الدرداء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القرآن فقال: كلام الله غير مخلوق. مثلاً هذا الحديث ضعيف جداً، فإن هذا لا يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حديثاً فقال فيه كلام الله غير مخلوق، المعنى صحيح لكن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أصلاً، هذه الفتنة نشأت بعد وفاته عليه الصلاة والسلام بعقود.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يحيى بن إبراهيم المزكي، أخبرنا أبي، أخبرنا.. وما الذي يحصل أن بعض الناس يظن نفسه أنه ينصر العقيدة، فيقول لك خليني أنصر العقيدة الصحيحة فيركب حديثاً على النبي عليه الصلاه والسلام، هذا ما يصح، ليس من أجل أن تنصر الحق تكذب على النبي عليه الصلاة والسلام.
قال أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، قال حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله عز وجل. نعم، هذا حديث صحيح عن عمرو بن دينار، هذا ليس عن النبي عليه الصلاه والسلام، عمرو بن دينار أحد التابعين يقول أدركت الناس منذ سبعين سنة، من الناس؟ الصحابة وكلهم.
يقول الله، وخالِقٌ وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله. قلت: وقد أدرك عمرو بن دينار من أصحاب رسول الله ﷺ جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وأدرك أجلة التابعين. وعلى هذا مضى صدر هذه الأمة لم يختلفوا في ذلك، وبالله التوفيق والعصمة.
قال رحمه الله: الباب الخامس الدليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى بأبصارهم. الباب الخامس عقده في مسألة كما قلت، هو سيترجم فقط لمسائل العقيدة الخلافية، خلاف طبعاً شاذ وخلاف غير معتبر، ومنها مسألة رؤية الله يوم القيامة. فقلنا قبل قليل في العقيدة أن هذه المسألة نازع فيها المعتزلة، بل حتى الأشعرية هم لا يثبتون رؤية الله بالعين، لكن هنا الأشاعرة لما يناقشون الموضوع يثبتون الرؤية شكلياً لكن يفسرونها بالطريقة التي قلنا، معناها أنها رؤية قلب.
قال الله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. وفسرت الزيادة بأنها رؤية وجه الله كما جاء في الحديث. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. وهذه من أصلح الآيات التي تثبت الرؤية إلى وجه الله؛ إلى ربها ناظرة.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن إسحاق المزكي، أخبرنا حمزة بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد العطار، أخبرنا الحسن بن الحسين بن منصور الطوسي، أخبرنا علي بن الحسن الهلالي، حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي، قال أخبرنا ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله، قال: كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130].
إذًا الطريق لرؤية وجه الله أن تحافظ يا عبد الله على صلاة الفجر وعلى صلاة العصر. قال: «إنكم سترون ربكم»، ماذا نفعل حتى نراه؟ قال: «فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس» وهي صلاة الفجر، «وقبل غروبها» وهي صلاة العصر، «فافعلوا». وهذا يدل على أن الطريق لمن يريد أن يرى وجه ربه أن يخص هاتين الصلاتين بزيادة عناية خاصة، أن تصلى في المسجد.
قال رحمه الله: حديث متفق على صحته من حديث إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، قال أخرجه البخاري عن عمرو بن عون عن هشيم بن بشير عنه، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع بن الجراح عنه. قال أخبرنا أبو أحمد عبد الرحمن بن إسحاق الأديب، قال أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الفراتي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا مسدد بن قطن، قال حدثنا جبارة بن مغلس، حدثنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلى السماء ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا، لا تضاموا في رؤيته». عياناً يعني رؤية عين.
قال أخرجه البخاري عن يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليروعي وعن أبي شهاب موسى بن نافع الكوفي، ولفظ البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح: «إنكم سترون ربكم عياناً». فحسب، سمعت الإمام أبا علي الصفار يقول: سمعت أحمد بن علي بن الأخ يقول: سمعت الإمام أبا الطيب سهل بن محمد بن سليمان يقول في قوله: «تضامون في رؤيته» بفتح التاء وتشديد الميم، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، وتقديره لا تتضامون بحذف إحدى التاءين. ومعنى لا ينضم بعضكم إلى بعض، أي لا تحتاجون إلى الزحام.
لما يكون في شيء والناس متزاحمة، الناس تتدافع حتى ترى الشيء المخفي، أما الله سبحانه فإنه سيكون في العلو، فالناس تنظر إلى العلو، مش محتاج أحد يزاحم ولا أن يؤذي أخاه حتى يرى وجه الله، فهذا معنى لا ينضم بعضكم إلى بعض، أي لا يحتاج أن تتدافعوا في رؤيته.
قال رحمه الله: ومعناه بضم التاء وتخفيف الميم، لا تُضامون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وأنكم ترونه في جهاتكم كلها. والتشبيه برؤية القمر ليقين الرؤية دون تشبيه المرئي، قال تعالى عن ذلك علو كبير. قال: «كما ترون القمر»، هذا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيه لله بالقمر حاشاه. هل هو أراد ﷺ تشبيه الله بالقمر؟ حاشاه، وإنما تشبيه طريقة رؤيتنا لله ستكون كطريقة رؤيتنا للقمر، أن كل الناس على الأرض ترى القمر، هل في أحد يتزاحم لما يرى القمر؟ هل يتدافعون: "لا أنا بدي أشوف القمر، أنت بدك تشوفه"؟ لا، ما هو في السماء، لا في داعي أحد يزاحم، هو موجود في السماء، فنحن لا نتزاحم على رؤية القمر، كذلك طريقة رؤيتنا لله لا تحتاج إلى زحام، ولن يظلم أحدنا دون الآخر.
قال رحمه الله: أخبرنا أبو عثمان إسماعيل بن عثمان الأبري، أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، حدثنا محمد بن يعقوب الأموي، أخبرنا محمد بن إسحاق الصغاني، قال حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. قال ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: إن لكم عند الله موعداً ينبغي أن ينجزكموه. قالوا: وما هذا الموعود؟ أليس قد ثقل موازيننا، وبيض وجوهنا، وأدخلنا الجنة، ونجانا من النار؟». فلماذا نريد أفضل من كل هذه الأمور التي أعطانا إياها؟ هل معقول بقي شيء؟ فيقول: «نعم بقي شيء». قال فيرفع الحجاب، فينظرون إلى وجهه سبحانه وتعالى. قال: «فما أعطوا شيئاً أحب إليه من النظر إليه». فينظرون إلى وجهه، فكان ألذ ما حصله أهل الجنة أنهم رأوا وجه ربهم سبحانه وتعالى.
أخرجه مسلم عن القواريري عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة. قال رحمه الله: الباب السادس وجوب الإيمان بالميزان والصراط. وذكر هذه المسألة لأن بعض المعتزلة أنكر الميزان، أنكر الميزان أنه ميزان حقيقي، والمعتزلة أكثرهم يفسر الميزان بأنه العدل، قالوا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ يعني نضع العدل، وليس أن هناك ميزان حقيقي له كفتان، وهذا تفسير بدعي. كذلك الصراط، أنكر بعض المعتزلة وجود الصراط، فلذلك نأتي بالأدلة التي تدل على ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 6-9]. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن الحسن الأزهري، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان، حدثنا محمد بن جعفر المطيري، أخبرنا علي بن حرب، أخبرنا محمد بن فضيل، قال حدثنا عمارة بن غزية عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
حديث صحيح متفق على صحته من حديث محمد بن فضيل، أخرجه البخاري عن أحمد بن إشكاب عنه، وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد وغيره عنه. قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو مسلم عمر بن علي بن أحمد الليثي، أخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد الخطابي، قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن خميرويه، أخبرنا علي بن محمد بن عيسى الخزاعي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرنا سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن رسول الله ﷺ قال: «يضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أول من يجيز بأمتي من الرسل، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم».
هذا الحديث يثبت أن هناك صراطاً حقيقياً وليس وهمياً كما يزعم المعتزلة، سينصب على جهنم، وأن أول من سيمر على الصراط هي أمة محمد ﷺ، ولهول المشهد الكل صامت إلا الأنبياء، فإن دعواهم تكون اللهم سلم سلم، يعني يا رب تجوز الأمة، كل واحد يدعو لأمته.
أخرجه البخاري عن أبي اليمان، وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان. وقد مضى حديث سؤال جبريل وجواب النبي ﷺ أن تؤمن بالجنة والنار والميزان. قال أخبرنا علي بن محمد المقرئ، أخبرنا حسن بن محمد الأزهري، أخبرنا يوسف بن يعقوب القاضي، أخبرنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن أن عائشة بكت، فقال لها النبي ﷺ: «ما يبكيك يا عائشة؟» قالت: ذكرت النار فبكيت، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟
النبي ﷺ رأى عائشة تبكي، فقال: «ما يبكيك يا عائشة؟» قالت: ذكرت النار فبكيت، ثم قالت: يا رسول الله هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ يعني معقول راح تتذكرنا يا رسول الله يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً». في ثلاث مواطن ما في أحد يتعرف على أحد، لا والدك بيتعرف عليك ولا أنت تتعرف على والدك، لا زوجتك تتعرف عليك ولا أنت تتعرف عليها. ما هي؟
قال ﷺ: «حين توضع الموازين حتى يعلم أيثقل ميزانه أو يخف»، أولاً في لحظة الميزان حتى تتيقن هل يثقل ميزانك أم سيخف، وهذا موطن الشاهد في الحديث، وهو إثبات أن هناك ميزان وأنت ستشاهد بعينك وستنظر هل سيخف أم سيثقل. وحيث يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19]، وعند تطاير الصحف أيضاً لا يتذكر أحد أحداً، الكل ينتظر أين سيقع كتابه في يمينه أو في شماله، حتى يعلم كتابه في يمينه أو في شماله أو من وراء ظهره. وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم، أيضاً ما أحد يتعرف على أحد حتى يتجاوز الصراط، يعني الكل عندئذ شغله نفسه.
فحري بالإنسان الذي يعرف أنه في تلك المواقف شهرتك وجمهورك وأنصارك وأتباعك والناس الذين أنت تحت بهم، ما أحد راح ينفعك، فقط سينفعك عملك الصالح. فحري بالإنسان الذي يعرف هذه الأحاديث أن يكون همه إرضاء الناس، وإنما يكون همه أن يرضي ربه سبحانه وتعالى؛ لأنه في اللحظات الصعبة في حياتك لن يخدمك الناس، وإنما سيخدمك إخلاصك لله وصدقك مع الله وعملك الصالح فقط لا غير.
قال يونس، قال الحسن: حافتاه كلاليب وحسك، يحتبس الله به من يشاء من خلقه حتى يعلم.. على حافتي الصراط هناك كلاليب، بتعرفوا الكلاليب؟ الكلاليب هي التي يعلق عليها الشاة لما تيجي تسلخها، بتعرفوا عند اللحامين، مش بيعلق الشاة حتى يسلخها على حديدة معكوفة، هي تسمى كلاليب. وهذا الحسك هو شوك، فعلى جنبتي الصراط سيكون هناك خطافات وشوك. الهدف أن يحتبس الله به من يشاء من خلقه، يعني يختطف من يشاء الله أن يختطف إلى جهنم ويسقطه، وبعض الشوك هذا يجرح بعض من يمشي على الصراط، حتى لو ما سقط ممكن يجرحك على معاصيك وذنوبك وإن لم تسقط. حتى يعلم ينجو أم لا ينجو. قال حديث صحيح، أخرجه أبو داود السجستاني في السنن من حديث إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد. وهذا الحديث إذاً يثبت الميزان والصراط معاً، فهو من أفضل الأحاديث الذي يمكن الاستدلال بها.
الباب السابع: إثبات شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته.
هل هناك من نازع في الشفاعة؟ نعم، الخوارج والمعتزلة. قلنا: ماذا حكموا على أهل الكبائر؟ أنهم كفار، وهذا خلاف ما ثبت في السنة؛ وهو أن أهل الكبائر يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم كما يشفع لهم الصالحون والأولياء، فلذلك نحتاج أن نؤكد هذا بالأدلة الصحيحة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5].
من يحكي لي أين موطن الشاهد في الآية على الشفاعة؟ هناك لفظة معينة: سنرضيك في أمتك. كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يشفع لأمته. أحسنتم، إذاً قال العلماء: النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى أن يدخل أحد من أمته في النار. الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، ما الذي يرضيه صلى الله عليه وسلم؟ ألا يعذب أحد من أمته؛ إذاً سيعطيه الله الشفاعة، وهذا استنباط لطيف من الآية وليس صريحاً.
وقال تعالى: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، والمقام المحمود ما هو؟ كما فسرناه قبل قليل، الشفاعة العظمى. إذاً الشفاعة ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا الإمام زين الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هواز القشري، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر الخفاف، أخبرنا محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا أحمد بن مريع، أخبرنا هشيم، قال: حدثنا سيار بن الحكم، حدثنا يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ».
الأمم السابقة كانوا لا يصلون إلا في دور العبادة، أما أمة الإسلام فميزتها أنك تستطيع أن تصلي في أي مكان طاهر على الأرض، وليس فقط في المسجد، أليس كذلك؟ هذا من خصائص الأمة. «وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة».
هذا موطن الشاهد، أن الله خصه يوم القيامة بشفاعات له خاصة دون سائر الأنبياء؛ وهي الشفاعة في المقام المحمود حتى يبدأ فصل الحساب، والشفاعة لفتح باب الجنة، هذه لا توجد لغيره، بخلاف الشفاعة لأهل الكبائر فهذه له ولغيره. «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
حديث صحيح متفق على صحته من حديث أبي معاوية هشيم بن بشير الواسطي. قال: أخرجه البخاري عن محمد بن سنان عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه. قال: أخبرنا الشيخ الرئيس أبو سعد عبد الرحمن بن منصور بن رامش، أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي بمكة، قال: أخبرنا حسن بن محمد الزعفراني، أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا ابن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي دعوة دعا بها في أمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».
هذا يوافق ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾؛ إذاً ما الذي يرضيه كان أن يدعو لأمته بالشفاعة وأن يخرجهم من النار بهذا الحديث. قال: أخرجه مسلم عن أبي خيثمة زهير بن حرب عن روح بن عبادة، وأخرجه البخاري من وجه آخر.
قال: أخبرنا شيخ الحافظ والدي رحمه الله، أخبرنا محمد بن محمد بن محسن الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن حسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
شفاعتي ستكون لأهل الكبائر من أمتي، أي أنني سأشفع لأهل الكبائر من الأمة، وهذا واضح بين في أنه سيشفع صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر؛ إذاً أهل الكبائر ليسوا كفاراً، ولو دخلوا النار سيخرجون منها. قال: أخرجه أبو عيسى الترمذي في صحيحه عن عباس العنبري عن عبد الرزاق، وقال: حديث صحيح، ولهذا الحديث طرق كثيرة ليس هاهنا موضع ذكر لها.
قال: أخبرنا عثمان بن محمد العثماني، أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق العدل، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا حسن بن عرفة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن زياد بن خيثمة، عن نعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُيِّرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى».
أترونها للمؤمنين؟ الله سبحانه وتعالى خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يعطيه الشفاعة عموماً، وبين ألا يعطيه الشفاعة لكن جزماً يدخل نصف الأمة الجنة، فماذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام؟ الشفاعة؛ لماذا؟ قال: «لأنها أعم وأنفع». يعني لو كان رضي بالقسمة الثانية أنه خلص لا شفاعة، لكن نعطيك نصف أمتك تدخل الجنة، النبي عليه الصلاة والسلام لحبه لهذه الأمة أراد ما هو أعلى. قال: لا يا رب، لا أريد أن يعطيني النصف دون الشفاعة، لا، أعطني الشفاعة. والنبي صلى الله عليه وسلم لعلمه برحمة الله وعلمه بحب الله له يعلم أن الشفاعة سيكون نفعها يشمل أكثر من نصف الأمة، وسيكون خيرها أكثر من نصف الأمة، فلذلك اختار الشفاعة على أن يدخل شطر الأمة الجنة.
قال صلى الله عليه وسلم: «أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين». نعم، أترون أن الشفاعة للمتقين؟ لا، الشفاعة أكثر من يستفيد منها المذنب الخطاء. التائب خلص، دخل المؤمن التقي خلص، هذا يدخل الجنة ويسأل الله طريقه، لكن أكثر من ينتفع من الشفاعة من هم؟ المذنبون المتلوثون بذنوبهم.
الباب الثامن: وجوب الإيمان بأن قوماً من المؤمنين المذنبين يدخلون النار بذنوبهم فيعذبون ما شاء الله أن يعذبهم، ثم يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة برحمته أو بشفاعة الشافعين.
نعم، هذه عقيدة أيضاً يجب أن تؤمن بها. هل يجوز أن نقول إنه لن يدخل الجنة مسلم؟ عفواً، لن يدخل النار مسلم؟ هذه أيضاً غلط، يجب أن تؤمن قطعاً أن هناك بعض المسلمين سيدخلون النار، لأن النصوص الصحيحة دلت على ذلك. ما يصير تعتقد أنه ربما لن يدخل أحد من المسلمين النار؛ لا، قطعاً سيدخل بعض المسلمين النار بنص الأحاديث، ثم هؤلاء سيعذبون في النار مدة، ثم يخرجهم الله منها إما بشفاعة الشافعين أو برحمة الله، وبعد ذلك يدخلون الجنة؛ فهذا لا بد تعتقده. فإذا قال لك شخص: هل فعلاً يمكن أنه لا يدخل أحد مسلم النار؟ شو بتقول؟ خطأ. لو شخص سألك: هل يمكن أن جميع المسلمين ما يدخلوا النار؟ هل هذا يجوز؟ كلا، ليه؟ لأن الأحاديث الصحيحة تدل على أن بعض المسلمين سيدخلون النار، فإذا أنت قلت يجوز أن يدخل كل المسلمين النار معناته أنت ترد الأحاديث الصحيحة، فهمتم؟
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. الموطن الشاهد من الآية أن المسلم العاصي مهما بلغت معصيته، هناك حسن عمل له، ولو التوحيد سيكون سبباً في خروجه من النار؛ ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، ولو كان هذا العمل الحسن فقط التوحيد. وتعرفوا حديث صاحب البطاقة الذي فعل سجلات من المعاصي والذنوب، ثم يخرج بسبب أو لا يدخل النار بسبب «لا إله إلا الله». فإذا كان الإنسان صادقاً قام بـ «لا إله إلا الله» بشروطها، ولو أسرف على نفسه، في النهاية الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولو كان «لا إله إلا الله».
قال رحمه الله: أخبرنا أبو سهل محمد بن أحمد المروزي، قال: أخبرنا محمد بن مكي المروزي، أخبرنا محمد بن يوسف الفريابي، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليصيبن أقواماً سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم الجهنميون».
السفع من النار يعني تغير ألوانهم من النار؛ يعني هناك أقوام ستتغير ألوانهم بسبب أن النار دخلوا فيها وامتحشت نفوسهم كما مر معنا. هؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة، ما اسمهم في الجنة؟ الجهنميون. يعني يعرف أهل الجنة أن هؤلاء قوم كانوا في النار ثم خرجوا منها ودخلوا الجنة. طبعاً أنت ما في داعي تحط حالك في هذا الموقف عموماً، صحيح الإنسان العاقل، ليش تحط نفسك أنك تدخل النار وتخرج منها؟ من الآن اجتنب الكبائر، تب إلى الله، ضبط أوراقك، ما في داعي أنك تدخل النار. ترى غمصة في النار واحدة تنسيك نعيم الدنيا وما فيها، بس غمصة! لسه ما بنحكي دقيقة ولا دقيقتين، مجرد غمصة في النار تنسيك نعيم الدنيا وكل ما تلذذت به؛ فنسأل الله السلامة والعافية.
قال: متفق على صحته، أخرجه البخاري، وهكذا أخرجه مسلم عن أبي غسان، عن معاذ بن هشام، عن أبيه. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن موسى البغدادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، قال: أخبرنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار بعد ما يصيبهم سفع منها، يسميهم أهل الجنة الجهنميين». قال: أخرجه مسلم عن هدبة بن خالد عن همام، وأخرجه البخاري من حديث سعيد وشعبة عن قتادة.
قال: أخبرنا إسماعيل بن زاهر الفقيه، أخبرنا محمد بن حسين القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، قال: أخبرنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار قوم بالشفاعة فينبتون كأنهم الثعارير». قال: قيل ما الثعارير؟ قال: الضغابيس. قال: وكان فمه قد سقط، فقلت.. يعني كأنه كان يقرط في الكلمة، قال: الضغابيص، بس قالها وهو يقرط لأنه فمه قد سقط، مش يعني فمه كله وقع، لا، المراد فمه قد سقط يعني أسنانه ما كانت موجودة، فكان يقرط فيها. قيل ما الثعارير؟ قال: الضغابيس، والضغابيص هذه مثل الفقوس الصغيرة أو شيء من ذلك.
قال: وكان فمه قد سقط، فقلت لعمر: سمعت جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم من النار بالشفاعة»؟ قال: نعم. حديث صحيح متفق على صحته. إذاً لاحظ أن كل هذه الأحاديث تثبت ماذا؟ أنه قطعاً هناك أناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سيدخلون النار؛ لأنه قال: «يخرج قوم... يخرج قوم... يخرج قوم». إذاً قطعاً في ناس تدخل النار، ما يصير تشك في ذلك، لكن قطعاً أيضاً سيخرجون من النار بعد أن يدخلوها، فلازم أؤمن بكلا الجزئيتين.
هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث حماد بن زيد، أخرجه البخاري عن أبي النعمان عنه، وأخرجه مسلم عن أبي ربيع الزهراني عنه.
الباب التاسع: إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أنكره أيضاً بعض المعتزلة، أنكر وجود حوض للنبي عليه الصلاة والسلام. ومن أنكر الحوض في الدنيا فإن عقوبته أن يُحرم منه يوم القيامة، كما قال كثير من أهل العلم إن القاعدة: الجزاء من جنس العمل. أنت أنكرت الحوض، حتى لو دخلت الجنة لا تحصل هذه الكرامة، كرامة أن تشرب من حوضه الشريف.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]. قال رحمه الله: أخبرنا أبو نصر المعتز بن عبد الله بن... طبعاً صحيح أن الكوثر ليس هو الحوض؛ الكوثر هو نهر في الجنة أُعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، يصب ماؤه في الحوض. الحوض هذا يكون في عرصات القيامة قبل الدخول للجنة، وأما الكوثر هذا نهر في الجنة أُعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، له ميزابان يصبان في الحوض، فهمتم؟ فهو كأنه فسر الكوثر أنه الحوض، لا؛ الكوثر يصب في الحوض وليس هو الحوض، على الصحيح من كلام أهل العلم.
قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الحارثي، وحدثنا عبد الرحمن بن حسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عُرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك؛ فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينته مسكاً أذفر». حديث... المسك الأذفر هو المسك الذي رائحته ذكية جداً، هذا يسمى مسكاً أذفر يعني رائحته قوية جداً. فهذا النهر طينته يعني قاع النهر مسك، لكن هذا النهر إخواني في الجنة وليس هو الحوض، يعني هو كان أبا سعد المؤذن يحاول أن يسقط أن هو الحوض، لا؛ اكتب هو ليس الحوض وإنما يصب في الحوض.
قال: حديث صحيح متفق على صحته من حديث شيبان بن عبد الرحمن، أخرجه البخاري عن آدم بن أبي إياس عنه، أخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن حسن الأشيب عنه. قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن سعيد الفقيه.
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان الحافظ، أخبرنا أحمد بن عبيد بن إسماعيل الحافظ، قال: أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا حسن بن موسى الأشيب عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا يوم القيامة عند عقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن».
عقر الحوض هو مؤخر الحوض، وقيل هو المكان الذي يشرب منه. أذود الناس لأهل اليمن، كما قلنا قبل قليل، أول ما يأتي الناس ليشربوا من الحوض النبي صلى الله عليه وسلم يصرفهم ويمنعهم حتى يكون أول من يشرب من الحوض أهل اليمن. لماذا أهل اليمن؟ كما قلنا لأنهم أول من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم من الشعوب دون قتال ولا نزاع ولا مماحكة.
قال: «والله لأضربنهم بعصاي حتى يرفض عنهم». وفي رواية أشهر: «حتى يرفض عليهم». ومعنى «والله لأضربنهم بعصاي» أي لأضربن الناس حتى يبتعدوا عن الحوض، حتى «يرفض عليهم» أي يرفض بمعنى يسيل، حتى يسيل الحوض على أهل اليمن خصوصاً. والله لأضربن الناس بعصاي أمنعهم أن يشربوا من الحوض حتى يأتي أهل اليمن، فيكون أهل اليمن أول من يسيل الحوض عليهم، فهم أول من سيشرب منه.
فقال رجل: يا رسول الله، ما سعته؟ قال: «ما بين المدينة إلى عمان». مسافة ما بين المدينة النبوية إلى عمان الأردن. منيح ذكرنا في الأحاديث يا جماعة، يعني نحن مش فارحين في شغله، الحمد لله اسمنا مذكور في الحديث تمام. عمان عاصمة الثقافة، عاصمة كذا، كله كلام فاضي، الحمد لله أنه مذكور اسمنا في الحديث هنا. فيقول مسافة الحوض من المدينة إلى عمان.
طبعا بعض الروايات قيل إلى عمان، وفي بعضهم لا تشعر بالاحباط بس أنه بعض من علق على الحديث قال هي عمان، عمان اللي هي معروفة حاليا لأن هي المشهورة عندئذ، يعني قديماً عمان ما كانت مشهورة، فبعض علماء الحديث ضبطها عمان لأن عمان كانت مشهورة زمن النبي صلى الله عليه وسلم اسمها عمان. أما عمان، قال: لم تكن مشهورة بهذا الاسم في زمنه، وهذا هو الحديث الوحيد الذي وردت فيه، فبعض المحدثين شكك أن الضبط عمان، قال هي عمان، وبعضهم قال: لا هي عمان، واستدل بروايات أخرى تدل على أن المسألة في تحديد مسافة الحوض وردت من صنعاء إلى حضرموت كمان في بعض الأحاديث الأخرى، فقالوا: المسافة من المدينة لعمان هي أقرب من صنعاء لحضرموت منها من المدينة لعمان، يعني المدينة لعمان طويلة جداً، أن يكون في أحاديث أخرى من صنعاء لحضرموت وهنا من المدينة لعمان بيكون في تفاوت في المسافة كبير، بالغالب من المدينة إلى عمان هي متقاربة من صنعاء إلى حضرموت.
قال: فما شرابه؟ قال: «أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، يصب فيه ميزابان». نعم هذا الحوض أشد بياضاً من اللبن وطعمه أحلى من العسل. الميزابان كما قلنا من نهر الكوثر، الميزابان زي كأنه يعني ماسورتين، بالتقريب كأنه هناك ماسورتان تصبان من الكوثر في الحوض. قال: أخرجه مسلم عن زهير بن حرب. الحسن بن موسى قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن العلاء البشتي، وقال: أخبرنا الحسين بن محمد الثقفي، أخبرنا أحمد بن محمد السني، أخبرنا محمد بن جعفر الكرجي، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس وجرير عن أشعث عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سيكون بعدنا قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار.
قال عمر: سيكون في هذه الأمة أقوام يكذبون بالرجم ويقولون لا رجم في الإسلام، سبحان الله موجودين إلى يوم بعضهم بتلاقيه ممكن حتى مشايخ شريعة للاسف، وبعضهم قال ويكذبون بالحوض وهذا خرج في المعتزلة، ويكذبون بالشفاعة وهؤلاء المعتزلة والخوارج ومن سار على دربهم، ويكذبون بعذاب القبر وهذا مثل المحدث المعاصرين والأقدمين من أصحاب الأفكار المنحلة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار وهؤلاء المعتزلة والخوارج الذين نفوا أن صاحب الكبيرة يخرج من النار. طبعا هذا حديث يروى عن عمر بن الخطاب لكن حقيقة في سنده ضعف بسبب وجود علي بن زيد بن جدعان، علي بن زيد الراوي عن يوسف بن مهران، وضعيف في علم الحديث.
قال رحمه الله: الباب العاشر في إثبات السؤال في القبر وعذاب من شاء الله من أهل العبادة والمعصية. الآن عليك أن تثبت أيضاً السؤال في القبر، سؤال منكر ونكير، وأن للقبر عذاب، ومن أنكر ذلك من المعتزلة ومن الجماعات ما يسمون أنفسهم العقلانيين المعاصرين فهؤلاء محجوجون بالكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قيل في الآخرة أي في القبر لما يأتيك منكر ونكير، فكثير من المفسرين فسر الثبات في الآخرة بأنه الثبات في القبر عندما يأتي منكر ونكير ويسألانك ما ربكما وما دينك، فتكون الآية فيها دلالة على وجود سؤال في القبر من هذه الجهة.
وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46]. نعم الله عز وجل تكلم عن آل فرعون أنهم الآن وهم في قبورهم يومياً يعرضون على النار غدواً وعشياً، إذاً هذا فيه إثبات عذاب القبر، لأنه قال النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، شو تكملة الآية؟ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. متى يعرضون على النار غدواً وعشياً؟ الآن وهم في قبورهم، إذاً هذا فيه إثبات لعذاب القبر.
قال رحمه الله: أخبرنا الحاكم أبو الفتح نصر بن علي الطوسي، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق البصري، حدثنا أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا أبو عبد الوليد هشام بن عبد الملك قال: حدثنا شعبة، حدثنا علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم إذا سئل في القبر فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾». حديث صحيح متفق على صحته من حديث شعبة بن الحجاج، قال أخرجه البخاري عن أبي الوليد عنه. هذا الحديث هو يفسر لك الآية السابقة.
قال أخرجه مسلم عن بندر عن غندر عنه، قال أخبرنا قاضي الإمام أبو الحسين مبارك بن محمد بن عبيد الله السوادي، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان ببغداد، أخبرنا أحمد بن سليمان العباداني وأخبرنا علي بن حرب، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا شعبة عن بدير عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة الدجال». أخرجه مسلم. ودائماً نحن في الصلاة ماذا نقول في آخر الصلاة؟ اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال، إذاً هذا الحديث متفق عليه وهو يثبت وجود عذاب القبر.
قال أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة، قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن منصور بن خلف المغربي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي قال أخبرنا أحمد بن حسن الحافظ، أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي وأحمد بن يوسف السلمي ومحمد بن حياويه ومحمد بن حسين بن طرخان قال وحدثنا معلى بن أسد قال حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين جديدين فقال: «إنهما يعذبان في قبورهما وما يعذبان في كبيرة». إنهما يعذبان في قبورهما، إذاً هذا فيه إثبات لعذاب القبر، قال: «وما يعذبان في كبيرة» يعني ليس في موضوع يعتبر من الكبائر وإنما يعتبر فيما هو أدنى منهما.
قال: «كان أحدهما يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه من البول». أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة بين الناس، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول، يعني لا يستنجي من البول، يتبول ولا يستنجي، وهذا يدل على خطورة ترك الطهارة. طبعاً البعض قال لا «وما يعذبان في كبيرة» ليس المراد أنهم لا يعذبان في كبيرة، لا المراد وما يعذبان في كبيرة فيما يظنه الناس، يعني هو كبيرة عند الله ولكن في ظن الناس أنه مش كبيرة، لكنه عند الله كبير، هذا فهم آخر للحديث.
قال: ثم أخذ جريدة رطبة وكسرها عند رأس كل قبر منهما، ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». جريدة هي ورقة النخل، أخذ ورقة نخل رطبة أي ما زالت خضراء، فكسرها، وفي رواية شقها نصفين، وسرعها على رأس كل قبر وقال لعله يخفف عنهما عذاب القبر ما لم تيبس، وفي بعض الروايات حتى تيبس، وهذه الرواية الصحيحة لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا. وهنا هل هذا خاص بهذين الرجلين أم يجوز نحن أن نفعل ذلك بالقبور؟ أصحابنا الحنابلة قالوا: يجوز أنت أن تفعل هذا بالقبور، أن تأتي إلى ورقة شجر أو غصن شجر رطب وتغرسه عند القبر وتقول لعله يخفف عن صاحب القبر إن كان يعذب، حتى ييبس، فإذا يبس خلص انتهى مفعوله كما يقولون. اللفظ لأحمد بن يوسف، متفق على صحته، أخرجه مسلم عن أحمد بن يوسف وأخرجه البخاري من وجه آخر.
قال الباب الحادي عشر في وجوب التوبة من جميع ما كره الله تعالى، والقول في من ارتكب كبيرة دون الكفر. قال الله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: 8]. وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: 54]. وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: 31]. هذه الآية كلها تدل على وجوب أن يتوب المؤمن من كل شيء، سواء من الكفر والشرك أو ما دونه من الكبائر والصغائر.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. هذه الآية تدل على ماذا؟ على أنه من مات ولم يتب، من مات ولم يتب من ذنبه ما حكمه عند الله؟ إذا كان الذنب هو الشرك فهذا مستحيل يغفره الله لك، أما إذا كان الذنب الذي مت ولم تتب منه غير الشرك فهذا يغفره الله إذا شاء، أما الشرك لا يغفره الله قطعاً، لذلك قال إن الله هذه الآية في الذنوب التي مات الإنسان ولم يتب منها، فإذا كان الذي مت ولم تتب منه هو الشرك هذا مستحيل أن يغفره الله، وأما الكبائر والصغائر فهي تحت المشيئة، يمكن أن يغفرها الله ويمكن أن يعذبك بسببها ثم يخرجك بعد ذلك إلى الجنة. نعم الكلام عن الشرك الأكبر المخرج من الملة أو الكفر الأكبر وكله نعم.
قال أخبرنا والدي الشيخ الحافظ أبو صالح المؤذن رحمه الله، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داوود، حدثنا شعبة، أخبر أن عمرو بن مرة سمع أبا بردة يحدث أنه سمع رجلاً من جهينة يقال له الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة». أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن أبي داوود.
قال أخبرنا أبو سهل عبد الرحيم بن عبد الرزاق المحتسب، أخبرنا محمد بن محمد الزيادي، حدثنا محمد بن حسين القطان، أخبر أحمد بن يوسف السلمي قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيفرح أحدكم براحلته إذا ضلت منه ثم وجدها؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «والذي نفس محمد بيده، الله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب من أحدكم براحلته إذا وجدها».
الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبتك، مع أن توبتك لا تنفعه ولا تضره سبحانه وتعالى، ومع ذلك عز وجل يفرح بتوبتك. إذاً الله سبحانه وتعالى يريد منكم التوبة، والله يريد أن يتوب عليكم. الله عز وجل لن ينفعه أو يضره أن يعذبك، أليس كذلك؟ فهو يحب توبتك ويحب أن تقبل عليه، فمن الجميل أن تفعل مراد الله وأن تتوب إلى الله ما دام الله يحب التوبة فافعل مراده سبحانه وتعالى، بل فرحه بتوبتك أشد من فرح الإنسان الذي أضل سيارته ثم وجدها، تخيل واحد ضاعت سيارته وكان ماشي في الصحراء وضاعت سيارته وهو بين الموت والحياة، ثم فجأة وجد سيارته، كيف يكون فرحه؟ فرح جنوني، يعني نقف من الحياة فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد.
أشد من فرحك بإيجاد ضالتك بعد أن فقدتها. هذا يحتاج إلى تأمل كبير، وابن القيم تكلم عن هذا الحديث كلاماً نفيساً، ولماذا هذا الفرح الشديد والسرور الشديد من الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد؟ اقرأ كلامه في مدارج السالكين.
أخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وأخرجه هو والبخاري من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك ونعمان بن بشير وبراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عليين الشيرازي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن حمدان، حدثنا محمد بن أيوب، قال: أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شعبة قال: سمعت إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي عمرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن عبداً أذنب ذنباً فقال: أي رب، أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر، فقال: أي رب، أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي».
الله سبحانه وتعالى يحب أن يراك مستغفراً، يحب أن يرى هذا المشهد في حياتك؛ لأن معناه أنك تحسن الظن بالله. أنت تذنب، وكما قلنا الخطأ من طبيعة الإنسان، فاستحضارك دوماً أن هناك إلهاً يغفر الذنب هو شعور يحبه الله سبحانه ويكافئك عليه، بخلاف الذي يذنب ويقنط من رحمة الله، فالله لا يحب من يقنط من رحمته.
حديث صحيح متفق على صحته، أخرجه مسلم عن عبد الحميد عن أبي الوليد، وأخرجه البخاري عن أحمد بن إسحاق عن عمرو بن عاصم عن همام قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد الواحدي، أخبرنا محمد بن محمد بن محسن الزيادي، أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا الحسين بن الوليد، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبوري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان لأحد عنده مظلمة في مال أو عرض فليأته ويستحله من قبل أن يؤخذ به، وليس ثم دينار ولا درهم».
من كان ظلم أخاه في ماله أو عرضه فاليوم عليك أن تستحل من إخوانك قبل أن يأتي يوم القيامة فيأخذ الناس حقوقهم منك. في يوم القيامة لن يأخذوا حقوقهم بالدينار والدرهم، كيف سيأخذون حقوقهم؟ من حسناتك. ليس ثَمَّ دينار ولا درهم تستطيع أن ترد فيه الحقوق. إن كان له حسنات أخذ من حسناته، وإلا أخذ من سيئات صاحبه فوضع عليه.
فيوم القيامة القصاص بالحسنات والسيئات؛ يأخذون من حسناتك، فإذا أتوا ما وجدوا عندك حسنات يؤخذ من سيئات المظلومين فتوضع عليك، فلا تورط نفسك بظلم الناس وغيبتهم ونميمتهم، فضلاً عن أن تخوض في أعراض العلماء وأعراض أهل العلم الكبار. الناس ترى هذه أموراً شديدة، بعض الناس هو غير منتبه يخوض في أعراض العلماء والمخالفين والجماعات ويظن أن كل هذا الكلام لن يحاسب عليه، ومسكين هذا الرجل. بعض الناس اليوم قد يظن نفسه طالب علم أو شيخ متصدر وربما يأتي يوم القيامة مفلساً من كل شيء، يظن أن عنده حسنات كبيرة بالدعوة إلى الله، لكن حياته كلها كانت في إسقاط العلماء وفي التجريح فيهم وفي الدخول في أعراضهم وعثراتهم، وكلهم سيطالبونه يوم القيامة، حتى الأموات من العلماء سيطالبون من يتكلم بهم اليوم بالجهل من المعاصرين. فاتق الله سبحانه وتعالى واضبط لسانك، فإنك ستكون أحوج ما تكون للحسنة يوم القيامة.
حديث صحيح أخرجه البخاري من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبوري، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمود بن ثورة، أخبرنا علي بن أحمد الحافظ، أخبرنا أحمد بن عبيد الحافظ، حدثنا تمتام، حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن أبيه بكر عن الزهري قال: أخبرني أربعة: عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعلقمة بن وقاص، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار».
ما هي طبيعة التوبة؟ الندم في القلب والاستغفار باللسان، فأساس التوبة، نحن ذكرنا شروط التوبة قبل قليل مع الشيخ حافظ الحكمي، الندم والإقلاع والعزيمة على عدم العودة، فهنا ذكر أساس التوبة. أساس التوبة حتى يقبلها الله وتكون توبة نصوحاً أن ينظر الله في قلبك فيراك نادماً، فبعض الشباب يقول أستغفر الله بلسانه لكن في قلبه ما في ندم. فحتى تعرف هل توبتك صادقة أو كاذبة، اطلع على قلبك، لا تطلع على لسانك، اللسان سهل. ويقولون سيغفر لنا، ويأتي معرض مثله، يأخذ بعض الشباب يطلع على الحرام على الجوال يقول أستغفر الله بس هو فعلياً مش ندمان، في قلبه بالعكس اليوم الثاني مخطط أن يعيد، فينظر ويلتف، هذه توبة الكذابين. التوبة الصادقة أن يرى الله في قلبك ندماً حقيقياً، وهذه مشاعر وأحاسيس، الندم ليس شيئاً تعبر عنه بلسانك ابتداءً، بل شيء وقر في القلب واطلع عليه ربك، فلن تستطيع أن تخدع الله فيه.
أخبرنا أبو علي الصفار، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا أبو زرعة الدمشقي، أخبرنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر». قوله ما لم يغرغر معناه ما لم تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المفارقة الذي يرى فيه مقعده من الجنة والنار والله أعلم؛ معنى أن التوبة تغلق على الإنسان إذا غرغر.
الباب الثاني عشر في فضائل الصحابة رضي الله عنهم. أخذ هذا الباب للرد على الرافضة والنواصب كما قلنا الذين ينتقصون من بعض الصحابة. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
أخبرنا موسى بن عمران الأنصاري، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة، حدثنا أبو جمرة قال: سمعت زهدم يقول: سمعت عمران بن حصين يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم». حديث صحيح متفق على صحته. ما دام قال خير الناس قرني، طب من الذي كان يعيش في قرنه؟ الصحابة، إذاً بشهادته هم خير الناس، فمن يسقط الصحابة هذا يكذب محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لأنه شهد للصحابة أنهم خير الناس.
أخرجه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن نضر بن شميل عن شعبة، وأخرجه مسلم عن المدار عن غندر عنه، قال: أخبرنا عمر بن أحمد الجوري، أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الزاهد، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، قال: أخبرنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه».
لو أنفقت مالاً في الصدقات وأوجه الخير بحجم جبل أحد، لن تبلغ صدقتك صدقة صحابي تبرع بالمد، المد مقدار 510 غرامات تقريباً، يعني 500 غرام من صحابي بتساوي صدقتك اللي بحجم جبل أحد؟ لا مقارنة. لماذا؟ لأن هؤلاء القوم هم أبر قلوباً منا وأصدق علاقة مع الله منا، وبالتالي إياك أنك في يوم من الأيام تتجاسر على تلك المقامات العلية وأنك تبدأ تخوض في علي ومعاوية وعثمان والزبير وعائشة وفي أخطاء الصحابة، هؤلاء قوم تجاوزوا القنطرة، لا يتحدث فيهم بشهادة الله ثم بشهادة محمد صلى الله عليه وسلم. لا تجعل نفسك حكماً على الناس، بعض الشباب عنده سوسة الكلام، لا، بدّه يحاكم الناس جميعاً، تعلم أنت ليس مطلوباً منك أن تحاكم الناس، انجُ بنفسك، هكذا الحياة، انجُ بنفسك.
حديث متفق على صحته من حديث الأعمش، أخرجه مسلم عن أبي كريب عن وكيع، وما أدرك مد أحدهم ولا حتى نصيفه، ولا نصف المد، يعني 250 غراماً. أخرجه البخاري عن آدم بن أبي ياسر عن شعبة عنه.
الباب الثالث عشر في فضائل الخلفاء الراشدين الأربعة خاصة، ودليل على إثبات إمامة الأول منهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم جميعاً. قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. وقال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55].
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبيد الله الصرام، أخبرنا محمد بن عبد الله البيع، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا أحمد بن الفرج، قال: أخبرنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن معدان، حدثني عبد الرحمن بن عمر السلمي وحجر بن حجر عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وإياكم والابتداع وعليكم بالاتباع. النواجذ هي الأسنان الخلفية، وأنت عندما تعض على شيء بأسنانك الخلفية معناها هذا شدة العض، يعني مش فقط بالثنايا، بل بالنواجذ الخلفية عم بعض.
حديث صحيح، احتج به أبو عيسى عن علي بن حجر عن بقية. والمراد بالخلفاء الخلفاء الأربعة، لما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن علي العميري قدم علينا نيسابور، أخبرنا أبو عاصم محمد بن محمد بن يوسف العابد، أخبرنا حامد بن محمد الرفاء، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا ابن معين، حدثنا حشرج بن نباتة، حدثنا سعيد بن جهمان، حدثني سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً بعد ذلك».
الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن مفهوم الخلفاء كخلفاء لن يستمر أكثر من 30 سنة وهذا سيكون بعده ملك عضوض، إذاً أول ما يكون بعد وفاته خلفاء، وهؤلاء الخلفاء هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم بعد ذلك سيكون ملكاً عضوضاً. قال لي سفينة: امسك. فامسكت خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنوات، هي كم صرنا؟ اثنتا عشرة، وخلافة عثمان اثنتا عشرة، هي كم صرنا؟ أربع وعشرون، ثم مع خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن بن علي، يعني هم يضيفون الحسن بن علي؛ فإنها تقرب من جهة ماذا من 30 عاماً.
هذا حديث صحيح احتج به الحاكم أبو عبد الله الحافظ في المستدرك. قالوا يا 10 وشوي وعثمان 12 وشوي، يعني هي مش بتيجي سنين صافية، يعني تكون 12 وشوي، عمر 10 وشوي، مع سيدنا علي بن أبي طالب والحسن يجمعون كم شهراً هذا بتكمل الثلاثين.
قال وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. أخبرنا الإمام أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد العبادي قدم علينا نيسابور، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن سهل القراب، قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن علي بن رازيل الباشاني، وحدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر».
وهذه وإن لم تكن نصاً صريحاً لكن إشارة واضحة أن أبا بكر وعمر سيكون لهما الولاية من بعده، فهي إشارة واضحة إلى ولاية هذين الصحابيين بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وأنهما أولى الناس بالاتباع.
أخبرنا والدي، أخبرنا محمد بن حسين السلمي، قال أخبرنا محمد بن أحمد القمي، أخبرنا محمد بن أيوب، قال: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، حدثنا أبو يعلى المنذر الثوري عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي.
محمد بن الحنفية هو ابن علي بن أبي طالب، لكنه ليس من فاطمة، بل من خولة بنت جعفر الحنفية. علي رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها تزوج من امرأة من بني حنيفة اسمها خولة بنت جعفر، وأنجب ابنه محمداً الذي اشتهر بالنسبة إلى أمه محمد بن الحنفية، وهو نفسه محمد بن علي بن أبي طالب.
قلت لأبي: يا أبتِ، أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. محمد جاء مبسوطاً يسأل أباه: من أحسن الصحابة بعد النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال له: أبو بكر. قال: ثم؟ قال: ثم عمر. وهذا الحديث يرد على الشيعة؛ علي بن أبي طالب يقول: خير الناس أبو بكر. أنتم تريدون أن تجعلوا علي بن أبي طالب أعلى من أبي بكر، وهو علي بن أبي طالب يقول: خير الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام أبو بكر، فكيف تكذبون علي بن أبي طالب فيما قاله؟
قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول: عثمان، فسكت. هو أراد أن يسكت؛ لأنه خائف أن يسأل عن الثالث فيقول عثمان، فسكت لأنه يحب أن يكون أبوه من الأوائل، فقال: أبوي حكى أبو بكر ثم عمر، وخشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول: عثمان. فقلت: ثم أنت؟ أراد أن يفاجئ أباه، قال له: أكيد بعد عمر أنت، صح؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
انظر حتى في الصحابة الكرام الله يرضى عنهم، الموضوعية في التعامل مع أنفسهم؛ أنه قد لا يكون دائماً لازم تكون أنت الأفضل. صح يكفي أن تكون ثابتاً، يكفي أن تكون من أهل الاستقامة. اليوم نحن في زمننا ثقافة الجمهور والمشاهير، أنه أنا ما أكون إلا إذا كنت مشهوراً أو متميزاً والناس تعرفني؛ لا، أنت يمكن تكون إنساناً سوياً ومستقيماً وتتقبل هذا وتتعايش معه. قال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين». هذا الإنصاف مع النفس والموضوعية معها، وعدم البحث عن أنه يجب أن أكون رقم واحد دوماً؛ لا، ليس لازماً أن تكون رقم واحد دوماً، ممكن يكون قبلك واحد واثنين وثلاثة، المهم بالنسبة لي هو أن أنجو. النجاة النجاة، كنت رقم واحد أو رقم اثنين؛ نعم أنا أسارع وأسابق، ولكن في النهاية أحياناً قد أعرف أن غيري قَدِم عليَّ فأقبل ولا أحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. هي النفوس النقية، هي نفوس الصحابة؛ عرفتم لماذا المَدُّ من أحدهم يفوق جبل أحد؟ منا نحن الواحد فينا ممكن يدفع جبل أحد ذهباً، بس قلوبنا فيها غل على بعض وحسد وتنافس، ولا نحب الخير لبعض حتى للاسف أحياناً في بعض البيئات الدعوية وبين بعض أهل العلم. الصحابة ما كانوا كذلك، كانوا نفوساً زكية رضوان الله تعالى عليهم.
قال رحمه الله: أخبرنا فخر الإسلام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، أخبرنا علي بن محمد. هذا حديث عن شيخه الجويني، كما قلنا أبو سعد المؤذن شيخه الجويني، فهو يروي حديثاً عن أبي المعالي الجويني. قال: أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسحاق الصغاني، وحدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا عبد العزيز الماجشون، حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كنا زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نعدل بعد النبي صلى الله عليه وسلم أحداً بأبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نفاضل بينهم.
صحيح أن التفضيل ثابت، أن أبا بكر هو الأفضل، ثم عمر، ثم عثمان. ثم لم يأتِ حديث أن الرابع علي صراحة، وإن كان أجمع المتأخرون بعد ذلك على أن الرابع هو علي رضي الله عنه. تمام، هناك إجماع متأخر؛ لأنه حتى في المتقدمين كان هناك خلاف، كان سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة يفضلون علياً على عثمان، وهؤلاء هم أحياناً من يُنسبون إلى التشيع الأول، مثل الحاكم النيسابوري وغيرهم؛ أحياناً قد يُطلق لفظ التشيع على بعض العلماء الكبار ويُقصد بالتشيع الأول تفضيل علي على عثمان دون الدخول في صحة خلافة عثمان، فهذا لا يعتبر من البدع، وإن كان قولاً مرجوحاً. ثم بعد وجود هذا الخلاف استقرت الأمة على أن عثمان أفضل من علي، وأن علياً هو الرابع بعد عثمان.
قال: أخرجه البخاري عن محمد بن حاتم عن شاذان عن الماجشون. قال: أخبرنا أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر الأديب، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن إسحاق الفقيه، حدثنا عمرو بن حفص السادوسي، قال حدثنا عاصم بن علي، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله، أرأيت إن رجعت فلا أجدك؟ كأنها تعني الموت. قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر». وهذه إشارة خفية أنه إذا لم تجديني وكنت قد مُتُّ -بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- فستجدين أبا بكر مكانه، فتعالي إليه؛ إشارة إلى أنه الأولى بالخلافة من بعده. حديث صحيح متفق على صحته من حديث إبراهيم بن سعد، أخرجه البخاري عن أبي ثابت، وخرجه مسلم عن عباد بن موسى جميعاً عنه.
قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن منصور بن خلف المغربي، أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن محمد الفهامي، وأخبرنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا محمد بن يحيى، قال حدثنا سعيد بن أبي مريم وإسحاق بن محمد بن إسماعيل واللفظ له قال: حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى الأشعري قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى حائط من حوائط المدينة لحاجة. الحائط هو البستان. قال: لحاجة، وخرجت في إثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام دخل البستان، فأبو موسى الأشعري قرر أن يكون هذا اليوم هو الذي سيحرس النبي عليه الصلاة والسلام، قلت: سأكون اليوم حارساً وبواباً للنبي عليه الصلاة والسلام، ما سأسمح لأحد أن يدخل إلا بإذنه.
قال رضي الله عنه: ولم يأمرني، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرني؛ يعني ليس هو الذي وضعني حارساً، أنا وضعت نفسي حارساً. قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم فقضى حاجته، ثم جلس قف البئر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم جلس على جانب البئر، قف البئر يعني على حافة البئر، كان في بئر في البستان، فدلى رجليه في داخل البئر وجلس على حافة الحائط. قال: فجاء أبو بكر يدخل، فقلت: كما أنت حتى أستأذن. فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أبو بكر يستأذن، أأذن عليه؟ فقال: «ائذن له وبشره بالجنة». فدخل، فجلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر. ثم جاء عمر فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة». فجلس عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فامتلا البئر فلم يكن فيه مجلس.
ثم جاء عثمان فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة مع بلاء يصيبه». عثمان قال: بشره بالجنة مع بلاء يصيبه؛ التي هي الخوارج الذين خرجوا عليه والبغاة الذين قتلوه. قال: فدخل فلم يجد معهم مجلساً، فتحول حتى جلس على شفة البئر. النبي عليه الصلاة والسلام جلس وجنبه أبو بكر وعمر، الجهة اليمين من البئر صارت مليانة، فاضطر عثمان يجلس على الحافة الأخرى من البئر مقابلهم. قال: فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر. فجعلت أتمنى أن يأتي أخ لي، وأرجو أن يأتي به، فلم يأتِ أحد حتى قضى. لما رأى كل واحد يدخل يبشره بالجنة؛ قال فتمنيت أن يجيء أخوي، قال إذا كل واحد يجيء يقول له النبي صلى الله عليه وسلم بشر بالجنة، يا رب يجيء أخوي لعل وعسى النبي صلى الله عليه وسلم يقول بشره بالجنة، قال: فلم يأتِ أحد من أقاربي وأنا أنتظر. بتعرف حرص الإنسان على الخير لإخوانه، قال فلم يأتِ أحد حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفوا عن البئر. وهذا يدل على فضيلة أبي بكر وعمر، وقيل سبحان الله جلوس عثمان على الشفة الأخرى دليل أن عثمان لن يدفن معهم؛ قال العلماء: هذا الحديث فيه إشارة أن أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم وعمر سيدفنون في نفس الحجرة، وعثمان لن يكون معهم في الحجرة الشريفة، سيكون في البقيع.
قال: حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري عن سعيد بن أبي مريم، وأخرجه مسلم عن محمد بن إسحاق الصغاني عن سعيد. قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن زهير النسوي، وقال أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا مسدد قال: هذا النسوي ليس من الحركة النسوية، الناس يقولون لك من هذا النسوي؟ لا، النسوي نسبة إلى مدينة نَسَا، وليس اسم جماعة. قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف علياً، فقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي». حديث متفق على صحته من حديث شعبة بن الحجاج، أخرجه معاً عن بندر عن غندر عنه.
هذا يدل على فضل علي بن أبي طالب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله منه بمنزلة هارون من موسى، هارون من موسى ماذا كانت علاقته؟ هارون كان كالوزير لموسى، فأنت يا علي كالوزير لي.
يتلوه الباب الرابع عشر في الاعتصام بالكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: الباب الرابع عشر في الاعتصام بالكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. وحبل الله هو القرآن. وقال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. هذا على أحد التفاسير أن الكتاب هنا هو القرآن، كما قال ابن تيمية، لكن التفسير الأصوب للآية أو الأرجح خلينا نقول، أن الكتاب هنا ليس القرآن، بل اللوح المحفوظ، وعلى هذا التفسير الأرجح لا يصلح الاستدلال بالآية هنا. وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: 13]. فطاعة الله والرسول هي سبيل دخول الجنة، وطاعة الله والرسول إنما هي التمسك بالكتاب والسنة.
قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحفصي، وقال أخبرنا محمد بن مكين المروزي، وقال أخبرنا محمد بن يوسف الفرابري، وأخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثني يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب الغد حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتشهد قبل أبي بكر، فقال: أما بعد، فإن الله اختار لرسوله صلى الله عليه وسلم ما عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم صلى الله عليه وسلم، فخذوا به تهتدوا لما هدى الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. حديث صحيح أخرجه البخاري هكذا. فهذه من أوائل الخطب التي خطبها أبو بكر في المسلمين، دعاهم إلى الاعتصام بالقرآن الكريم.
قال: حدثنا عبد الوهاب بن أحمد الثقفي، أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، وأخبرنا محمد بن علي الشيباني، أخبرنا إبراهيم بن أبي العنبس، قال حدثنا جعفر بن عون ويعلى بن عبيد عن أبي حيان التيمي عن يزيد بن حيان قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فاستمسكوا بكتاب الله وخذوا به». فحث على كتاب الله ورغب فيه. وذكر الحديث الآخر، والثاني في هذه الرواية، الثاني هو أهل بيته. قال: «وإني تارك فيكم الثقلين»، فأوصاهم بكتاب الله، وهذا القدر هو الذي أخرجه أبو سعد المؤذن، ولم يذكر القسم الثاني من الحديث لأنه ليس موطن الاستشهاد.
والثاني وهو: «واهل بيتي أذكركم الله بأهل بيتي، أذكركم الله بأهل بيتي». فهناك روايات قال: «اعتصموا بالكتاب»، وفي روايات: «كتاب الله والسنة، تركت فيكم ما إن تمسكت به كتاب الله وسنتي»، وفي بعض الروايات قال: «إني تارك فيكم الثقلين»، وجعل الثقلين الكتاب وأهل البيت، أوصانا بهم النبي صلى الله عليه وسلم خيراً.
قال: أخرجه مسلم عن إسحاق بن رهوي عن جرير عن أبي حيان. قال: أخبرنا أحمد بن علي بن عبد الله الفقي، أخبرنا حمزة بن عبد العزيز القرشي، أخبرنا محمد بن حسن المحمادي، قال: أخبرنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، أخبرنا أبو سم، حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: إني رأيت الجيش بعيني، وإني النذير العريان فالنجاء»، فأطاعته طائفة.
النجاء النجاء يعني اهربوا. تخيلوا واحداً أتى إلى قومه قال لهم: يا جماعة أنا شفت جيشاً هاجماً عليكم، اهربوا، النجاء النجاء! هكذا حال النبي صلى الله عليه وسلم معنا؛ جاء ليخوفنا من النار، ويقول لنا: ترى في يوم القيامة انجوا بأنفسكم.
قال: فأطاعته طائفة من قومه فارتحلوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا. والذين ردوا على هذا النذير فارتحلوا وجهزوا أمورهم وأخذوا طريق النجاة نجوا.
قال: وكذبت الطائفة منهم، فأصبحت مكانها. والطائفة لم ترد على هذا النذير وبقيت في لهوها حتى صبحهم العدو في قريتهم فهلكوا. وهكذا نتيجة من لم يرد على الكتاب والسنة واتبع هواه، فهذا إذا جاء يوم القيامة سيعض أصابع الندم.
قال: فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق. متفق على صحته من حديث أبي أسامة، أخرجه عن أبي كريب عنه، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الرحيم بن أحمد السراجي، وقد أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي، حدثنا إبراهيم بن عبد الحيري، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبر عن سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار قال: لما اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، كتب إليه ابن عمر: أما بعد، فإني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله. فعبد الله بن عمر لما بايع عبد الملك بن مروان على الخلافة، اشترط أنني أبايعك بشرط على الكتاب والسنة، على الاعتصام بهما، وهذا موطن الشاهد.
قال: فيما استطعت، وأن بني قد أقروا بمثل ذلك والسلام. وكذلك أولادي أولاد عبد الله بن عمر أقروا لك بالخلافة والسلام.
قال: أخرجه البخاري من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار.
قال الباب الخامس عشر في وجوب طلب العلم وفضله. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]. بدأ بالعلم، فبدأ بالعلم، إذاً العلم هو أول ما يبدأ به.
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. والأمر يدل على الوجوب، فاعلم، أليس قلنا قبل قليل في قواعد أصول الفقه إن الأمر يدل على الوجوب؟ إذاً يجب أن تعلم أنه لا إله إلا الله، إذاً يجب أن أطلب العلم حتى أعرف ما معنى لا إله إلا الله.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. قال رحمه الله: أخبرنا عمر بن أحمد الجوري، أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم المزكي، أخبرنا أبو طاهر المحمادي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن شاكر، أخبرنا أبو أسامة، حدثنا بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب الأرض، فكانت منها طائفة».
الآن هذا من أعظم الأحاديث التي تبين اختلاف طلبة العلم فيما بينهم، وأن طلبة العلم الذين يتعلمون العلوم الشرعية على ثلاثة أنواع. قال منها طائفة، نشوف الطائفة الأولى، قال: «وكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير». الطائفة الأولى هم شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بالأرض الممتازة التي تسمع العلم الشرعي فتتشربه، فتنتفع هي به وتخرج نباتاً فينتفع الناس به، هذا حال طالب العلم الذي يسمع العلوم الشرعية ويحضر الدروس، فهو أولاً ينتفع ويتشرب العلم، وأيضاً ينفع الناس ويعلم أهل بيته ومسجده وما شابه ذلك، هؤلاء هم أفضل طلاب العلم.
الثاني قال: «وكانت منها طائفة أجادب، فأمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها ورعوا وسقوا». الطائفة الثانية شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بالأرض الأجادب، الأرض الأجادب أرض تستطيع أن تجمع الماء لكنها لا تتشرب، بالتالي هذه شو فائدتها أو من تشبه من طلاب العلم؟ الطالب الذي يجمع العلم بس ما بينتفع هو به، جمعه وممكن درسه فالناس بتأتي عليه والله بتأخذ من المعلومات اللي عندك، بس أنت نفسك ما انتفعت بعلمك، فهذا حال طالب العلم اللي بيجمع معلومات لكن المعلومات لا تدخل في داخله، فالناس تمر عليه تشرب مما عنده كالإبل والخيل التي ستمر على هذه الأرض فتشرب من الماء، لكن هذا الماء لم يدخل في الأرض، كذلك هذا العلم لم يدخل في قلبك، فالناس قد تنتفع من نصيحتك لكن أنت يا مسكين حرمت نفسك من الانتفاع.
قال: «وأصابت طائفة منها إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت». القيعان هنا هي الأرض المستوية تماماً، الأجادب أرض محدبة الماء يجتمع فيها، أما القيعان هنا القاع بمعنى الأرض المستوية؛ لأن القاع يطلق أيضاً في اللغة على الأرض المحدبة، لكن هنا القاع الأرض المستوية التي لو جاء ماء لا يجتمع فيها. فهنا هذا أسوأ الأنواع، وهو طالب لا هو انتفع بالعلم ولا جمع علماً عنده ينتفع الناس به، فهو فاشل من كل الجهات نسأل الله العافية.
قال: «إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً». لا تمسك ماءً ينتفع الناس، ولا تشرب الماء وتنبت الكلأ. قال: «فذلك مثل من فقه في دين الله، فنفعه الله بما بعثني به فانتفع به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».
ومثل من لم يرفع بذلك رأساً يعني لم ينتفع بالعلم الشرعي، وهذا يشمل الثاني والثالث، ومثل من لم يرفع به رأساً هذا يشمل الذي يعلم الناس وهو لا ينتفع، أو لا يعلم ولا ينتفع، فكلاهما الثاني والثالث دخل في الحالة المذمومة وهو من لم يرفع بالعلم رأساً، يعني لم يهتم به ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.
قال: أخرجه البخاري ومسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة. قال: أخبرنا أحمد بن حسن العدل، وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، وقال أخبرنا محمد بن جعفر المطير، وأخبر أحمد بن عبد الخالق، حدثنا عبد الله بن داوود الخريبي، قال سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة عن داوود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في جامع دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني أتيتك من المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا رجل صاحب همة ارتحل من المدينة النبوية إلى دمشق فقط ليسمع حديثاً واحداً. طبعاً قديماً الرحلة من المدينة لدمشق يعني بتحكي عن ثلاثة أشهر على جمل أو شهرين، يعني بالمشي السريع ليس وقتاً قليلاً. فأبو الدرداء أعجبته همة طالب العلم، يعني جاي من المدينة لدمشق فقط من أجل حديث واحد، قال أبو الدرداء: ما جئت لحاجة؟ ما جئت لتجارة؟ ما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سلك الله به طريقاً من طرق الجنة».
هذا من أعظم الأحاديث المحفزة على طلب العلم، «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سهل الله له به طريقاً من طرق الجنة». فأنت لا تبتئس حتى لو لم تصبح عالماً، أو حتى لو لم تكن طالب علم فخماً والناس تعرفك، يكفي أنك تسلك طريقاً إلى الجنة، أحياناً هذا بحد ذاته يكون مطلوباً ولو لم أصبح شيئاً في أعين الناس.
قال: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب، وإن العالم ليستغفر له من في السماء ومن في الأرض، والحيتان في جوف البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب؛ لأن العالم نفعه متعدٍ، بخلاف العابد الذي يصلي وحده في الليل وكذا، جزاه الله خيراً مطلوب، لكن يا إخوان هذا نفعه قاصر، وهذا ليس تزهيداً بل لا بد تقوم الليل، لكن الفكرة أن العالم لماذا أفضل من العابد؟ العابد ينفع نفسه، أما العالم فينفع الأمة، ينفع حتى الحيوانات.
قال: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر». حديث حسن أخرجه أبو داوود في السنن عن مسدد عن الخريبي، قال أخبرنا محمد بن إسماعيل القرشي، قال أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المروزي، أخبرنا عبدان بن عثمان، قال حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه غيره، فرب مبلغ أحفظ من سامع».
أحياناً أنت قد تسمع الحديث تحفظه لكنك لا تدرك فقهه، فتبلغه لشخص وهذا الشخص يكون أفقه منك فيستفيد من الحديث، فلا تستقل من نشر العلم؛ أحياناً أنت قد تعطي معلومة لرجل من الناس، هو ينتفع بهذه المعلومة ويفيد الناس بها، فانشر العلم ولو كنت أنت ضعيفاً في فقهه.
قال: حديث صحيح، أخرجه أبو داوود وأبو عيسى وأبو عبد الرحمن النسائي من أوجه في صحاحهم. قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حسن الخوافي، قال أخبرنا محمد بن محمد الزيادي، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز، قال أخبرنا محمد بن إسماعيل الأحماسي، وحدثنا حسن بن عطية عن أبي عاتكة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم».
اطلبوا العلم ولو بالصين، هذه الجملة الأولى باطلة لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الجملة الثانية في الحديث «فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم» فهذه صحيحة. اطلب العلم ولو بالصين باطلة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي مقولة يقولها بعض العلماء ونسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يظهر لي خطأً. وأما طلب العلم فريضة على كل مسلم فهذه صحيحة وردت بطرق متعددة، ومعناها أن هناك قدراً من العلم لا يسع أحداً أن يجهله، هناك قدر من العلم الشرعي الكل مطالب به، الرجال والنساء، وهو أصول العقيدة وما تصحح به عبادتك ومعاملتك التي تحتاجها، فهناك علوم فريضة على كل مسلم، وهناك علوم زائدة يدرسها العلماء المتخصصون وأنت لا يلزمك أن تدرسها كإنسان عامي. فهذه الأحاديث تدل على طلب العلم وفضله، نقف اليوم عند هذا القدر ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل