بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
نعيش نحن وإياكم في هذه الليالي الثلاث، ابتداء من هذه الليلة، في مدارسة آيات من كتاب الله تعالى نتلوها ونتدارسها بيننا، علنا أن نحوز على الأجر المترتب على ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
هذه أربعة أجور عظيمة لمن حضر مجالس العلم التي يتذاكر فيها القرآن ومعانيه وتأملاته يحصل له هذا الأجر العظيم. غشيتهم الرحمة؛ رحمة الله عز وجل التي كل واحد منا يريد أن تناله هذه الرحمة، لأنه إذا نالته هذه الرحمة كان مصيره جنات عدن بإذن الله تعالى. وحفتهم الملائكة؛ ملائكة الرحمن يتتبعون مجالس الذكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة سيارة يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر نادى بعضهم بعضا: هلموا إلى حاجتكم»، قال: «فيحفون ذلك المجلس بأجنحتهم إلى السماء الدنيا».
قال: «فيطرح عليهم ربهم جل وعل، وهو أعلم بهم، من أنتم؟ فيقولون: نحن عبادك، نسبحك ونحمدك ونعظمك ونمجدك ونسألك. فيقول: وما سألوني؟ فيقولون: سألوك الجنة. فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا وعزتك يا رب. فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة. فيقول: ومن أي شيء يستعيذوني؟ فيقولون: يستعيذونك من النار. فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا وعزتك يا رب. فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة. فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم».
قال: «فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة -أو قال: لحاجة له-. وفي رواية: إنما جاء لحاجة جلس معهم، فمن جلس معهم لا يشقى بهم جليسهم». وهذا فضل عظيم، يعني كونك أيها الأخ، أيها الصاحب، كونك تجلس هذا المجلس ما تدري عظم الأجر الذي ياتيك، أنت الآن في موسم حصار، في موسم زرع، موسم الحصاد ياتي فيما بعد. إذا جاء الموسم الذي يحصد فيه الحاصد ما زرعوا تمنيت انك قد زرعت، وأعظم الزراعة زراعة العمل الصالح الذي تجني أجره بعد وفاتك، تجني أجره بعد وفاتك. لذلك أقول هذه المجالس يحرص الانسان عليها لما فيها من الأجر العظيم، خاصة وأن هذه المجالس نتذاكر فيها كلام الله عز وجل.
رأى الإخوة المنظمون جزاهم الله خيرا أن يكون الحديث عن تفسير سورة الفاتحة مع سور من جزء عم، لأن هذه السور يتكرر ورودها على الناس في الصلوات، كثير من الناس يحفظها، وكلام من هذا، هذا كلام الله عز وجل، ينبغي لنا أن نحرص على أن نتفهم كلام الله عز وجل، لماذا؟ لأننا مطالبون بالعمل بالقرآن، يعني القرآن ليس كتاب قراءة تقراه فقط، لا، تقراه وتحاول أن تفهمه لكي تعمل به. فكل آية قراتها أنت مطلوب منك أن تعمل بها، فإذا كانت أمرا فانك تنفذ هذا الأمر، إذا كانت نهيا فانك تترك هذا النهي، إذا كانت خبرا فانك تصدق هذا الخبر، إذا كانت مثلا صفة للمؤمنين أو صفة لأهل الجنة فانك تحرص على الاتصاف بهذه الصفة، إذا كانت صفة لأهل النار أو لأهل الكفر أو لأهل الشر فانك تحرص على الابتعاد عن هذه الصفة.
أول سورة سنتحدث عنها هي سورة الفاتحة. سورة الفاتحة سورة عظيمة جدا وهي أم القرآن، ولها أسماء كثيرة غير سورة الفاتحة، من يعرف بعض هذه الأسماء؟ سورة الحمد. أحسنت، سورة الحمد. السبع المثاني. الشافية. أحسنت، الشافية. الكافية. أحسنت، السبع المثاني، السبع المثاني هذه قلناها أحسنت. أم الكتاب، وأم القرآن، فهذه كلها أسماء للفاتحة.
وقال أهل العلم: إن كثرة الأسماء للشيء تدل على عظمته، وكثرة أسماء القرآن ليست أسماء هكذا، بل كل اسم له معنى، فهي شافيه لأنها بإذن الله سبب للشفاء، لا سيما إذا قرات بقلب حاضر موقن بقدرة الله عز وجل على الشفاء. ولذلك مرت بكم قصة النفر من الصحابه رضي الله تعالى عنهم الذين كانوا في سفر فمروا بقرية فاستضافهم -يعني طلبوا منهم الضيافة- فلم يقوموا بضيافتهم، فبات الصحابه في مكان قريب من هؤلاء القوم، فقدر الله عز وجل على سيد هؤلاء القوم أن لدغ تلك الليله لدغته عقرب، فلجأوا إلى الصحابه.
جاء قوم إلى الصحابه وقالوا: يعني أن سيدنا قد لدغ، ونريد إذا كان عندكم يعني شيء ترقون به أو يشفى به. فجاء أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وقرا عليه سوره الفاتحة فقط، يقول: فلما قرأ سورة الفاتحة -طبعا قالوا لهم قبل ذلك: إننا لن نقرا لكم إلا أن تجعلوا لنا جعلا، يعني أجره على هذه القراءة- فلما قرأ أبو سعيد كانما نشط هذا الشخص، هذا السيد كانما نشط من عقال، يعني كأنه كان بعيرا مربوطا ففك رباطه، فقام يعني صار كأنه لم يكن به شيء، وهذا من بركة هذه الفاتحة.
فقد يقول شخص: أنا أقرأ الفاتحة ولا أشفى؟ أقول: نعم، الفاتحة سبب، فاتحة سبب، والسبب -والسبب والشيء الذي رتب على أمر- لابد أن تتوفر فيه الاسباب وتنتفي الموانع. من أسباب نفع الفاتحه مثلا أن يقرأها الإنسان بقلب خاشع، أن يكون موقنا بقدرة الله عز وجل، لأن بعضهم يقول: أقرأها تجربة، وبعضهم يقرأها بقلب غافل، وقد يكون يعني من الموانع أن الله عز وجل أراد أن يطول مرض هذا الشخص لكي يعظم أجره، والله عز وجل يقدر ما شاء، لكن سورة الفاتحة شافيه، سورة الفاتحة سورة عظيمة وهي من السور التي نزلت في مكة.
هذه السورة العظيمة ابتداها الله عز وجل بحمد نفسه والثناء عليه: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]. هذه أوصاف لله تعالى، فيه ذكر أسماء لله تعالى، وكل اسم يتضمن صفة. فالله عز وجل حمد نفسه وأثنى عليها وذكر بعض اسمائه وأوصافه.
الاسم الأول: الله، الحمد لله، والله هو المألوه، أي المعبود سبحانه وتعالى، يعبد محبة وتعظيما، فالعباد يعبدون الله عز وجل يحبونه لما غداهم به من النعم، ويعظمونه لعظمه اسمائه وأوصافه سبحانه وبحمده. رب العالمين؛ هذا الاسم الثاني من اسمائه سبحانه، أنه رب للعالمين، والرب هو المالك الخالق المتصرف، جمع فيه الخلق والملك وكمال التصرف سبحانه وبحمده، فالله عز وجل خالق كل شيء، وكل شيء ملك له سبحانه، وهو يتصرف في ملكه بما يشاء، هو رب العالمين، والعالمون هم كل من سوى الله عز وجل، فكل من سوى الله فهو من العالمين، فالله عز وجل رب كل شيء.
فإذا قلت: الحمد لله رب العالمين، فأنت تقر بأن الله هو المألوه المستحق للعبادة، وأنه رب العالمين الذي خلقهم وملكهم ويتصرف فيهم بما شاء سبحانه وبحمده. الرحمن الرحيم؛ وهذا هو الاسم الثالث والرابع من اسمائه سبحانه وبحمده، الرحمن والرحيم وهما يكلان على صفة الرحمة لله عز وجل، والله رحيم بخلقه ورحمن بهم. والرحمن هو الراحم الذي يرحم عباده كلهم، مؤمنهم وكافرهم، والرحيم الذي يوصل الرحمة إليهم، فالرحمن صفة والرحيم فعله، صفة فعله سبحانه وبحمده، وأنه يوصل رحمته إلى عباده.
ومن رحمة الله عز وجل بعباده أن هيا لهم الأرض يسكنون فيها ويعيشون، فلو كانت هذه الارض غير مستقرة مضطربه لما استقر الناس، هذه من رحمه الله بعباده. من رحمة الله بعباده أن رزقهم، لو تركهم بلا رزق فانه لم يرحمهم. من رحمة الله بعباده أن أنزل لهم المطر. من رحمة الله بعباده أن أرسل لهم رسولا وأنزل عليه كتابا يدلهم على شرعه وهديه سبحانه وبحمده، فهذا من رحمة الله. فلو ترك الله سبحانه وبحمده لو ترك عباده هملا، فإن هذا ليس من الرحمة، ليس من الرحمة أن يخلق عباده ويتركهم هملا، الكبير يأكل حق الصغير، والقوي يأكل حق الضعيف، والذكر يأخذ حق الأنثى، لا، من رحمة الله بعباده أن شرع لهم شرعا بين لهم جميع ما يحتاجون إليه، فهو من رحمة الله بعباده.
مالك يوم الدين؛ هذا الاسم الخامس من اسماء الله عز وجل، المالك، مالك الملك، وهو سبحانه مالك للدنيا ويوم الدين، يوم الدين هو يوم القيامة، لكن في الدنيا هناك من يملك، أما يوم القيامة فيتمحض الملك لله عز وجل، ولذلك يقول الله عز وجل: يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. هذا يوم القيامة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يجعل السماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والماء على أصبع، والشجرة على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن، ثم يهزهن، ويقول: أنا الملك، أنا الملك. ثم يقول: لمن الملك اليوم؟ ثم يجيب نفسه: لله الواحد القهار.
ثم قال الله سبحانه لما ذكر بعض اسمائه وصفاته: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. هذه السورة، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة -أي الفاتحة، هذه من أسماء سورة الفاتحة أنها تسمى الصلاة لأنها تقرأ في الصلاة- بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل»، نصفها لله، نصفها الأول لله ونصف الآخر للعبد: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين هذه لله تعالى، إياك نعبد وإياك نستعين هذه بين الله وبين العبد، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين هذه للعبد.
إياك نعبد وإياك نستعين؛ يعني أننا لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك. ولذلك قال: إياك نعبد، لم يقل: نعبدك ونستعينك، لأنه لو قال: نعبدك، قد يقول الشخص: أنا أعبد الله، لكن هذا لا يعني أنه قد يعبد غيره، قد يعبد غيره عند الشدائد أو عند حلول شيء به. لكن إذا قال: إياك نعبد، وهذا ما يسميه أهل العربية تقديم الحصر وتقديم ما حقه التأخير، قدم المفعول به على الفعل، إياك نعبد، لا نعبد إلا أنت، إياك نستعين، لا نستعين إلا بك.
إياك نعبد؛ والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. يعني لو اردنا أن نعدد العبادات لطال بنا المقام، عبادات كثيرة جدا، لأن كل شيء يحبه الله ويرضاه، سواء قول أو فعل، سواء كان أمرا ظاهرا أو أمرا باطنا، فهو عباده لله عز وجل. حتى انك تستطيع أن تقلب الأفعال المباحة تقلبها إلى عبادات إذا نويت بها التقرب إلى الله تعالى. يعني مثلا من العبادات الظاهرة، أقصد التي اصلها عباده مثل، هذا مباح لكن اصله عباده، الحج الصلاة الصيام الزكاة هذه كلها عبادات، هذه عبادات فعلية. الأقوال مثل الاستغفار الاستغفار الذكر قراءة القرآن الدعاء إلى آخره.
عندنا أشياء مباحه تستطيع أن تقلبها إلى عبادات، شرب الماء، طيب، شرب الماء كيف تقلبه إلى عبادة؟ أحسنت، تشرب الماء تنوي به التقوي على عبادة الله عز وجل، انك لو ظمئت لما قمت بالعبادة على الوجه المطلوب. النوم؛ تنام تنوي به التقوي على بمعنى انك تقوم للفجر وانت نشيط، لو واصلت سهرت قد تصلي الفجر وأنت منهك، فتنوي لكي فنام وتنام و تنوي انك تقوم لتصلي الفجر وانت نشيط، فهذا نومك عبادة، إضافة إلى انك تؤدي السنة في النوم، تنام مثلا على جانبك الأيمن، تنام وأنت على طهارة، تنام وتقول الأوراد قبل النوم، فهذه كلها تقلب النوم الذي هو عاده تقلبه إلى عباده تؤجر عليها.
إياك نعبد وإياك نستعين؛ لا نستعين إلا بك، والاستعانة هي طلب العون، يعني تطلب أن يعينك، تطلب أن يعينك الله عز وجل في كل فعل تقوم به، يعني نحن نغفل في كثير من الأشياء عن الاستعانه بالله عز وجل، يعني ذهبت مثلا إلى البقالة تشتري مثلا تريد أن تشتري خبزا وعصيرا ونحو ذلك، استعن بالله عز وجل في ذلك لكي تؤجر على ذلك، استعن بالله عز وجل في ذلك في إخراجك القلم من جيبك لكي تكتب، استعن بالله عز وجل لكي يعينك الله عز وجل، لأنك لو لم يعنك الله فانه لن يتيسر لك ما تريده، فاستعن بالله عز وجل لكي يكتب لك الأجر.
اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين؛ هذه السورة فيها تعليم أدب الدعاء، فيها تعليم أدب الدعاء، من أدب الدعاء أن يبدأ الإنسان بالثناء على الله عز وجل وذكر افتقاره لله عز وجل ثم يدعو. فهنا أثنى على الله عز وجل: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم، ثم ذكر افتقاره إلى الله: إياك نعبد وإياك لا نعبد إلا أنت لا نستعين بك، يعني لو لم تعنا لم نستطع أن نقوم بشيء. لما ذكر الثناء على الله عز وجل ثم ذكر افتقار الله عز وجل ناسب أن يدعو، وذكر في هذه السورة أعظم دعاء، أعظم دعاء يحتاجه الإنسان وهو الدعاء بالهدايه، وهو الدعاء بالهداية. لماذا هو أعظم دعاء؟ لماذا الدعاء بالهداية أعظم؟
دعاء أهل هو أعظم مثلا من الدعاء بطريق النه طريق الهدايه واحد هو الطريق الى الجنة، الاستقامة على الطريق الصحيح، تيسير السلوك، هذه الطريقة أحسنتم هذه كلها يدور عليها عبارات المفسرين رحمهم الله تعالى.
أحس خلاص النية، أي هذه من الصراط المستقيم أن يكون عمل الإنسان خالصا لله تعالى، فالهداية هي أمر عظيم، لماذا؟ لأنه لو لم يحصل لك الهداية حصل لك الضلال، وإذا حصل الضلال واستمر الشخص على الضلال حتى الوفاة فإن مصيره والعياذ بالله إلى النار، فلذلك الإنسان يدعو بالهداية.
قد يقول الإنسان: طيب أنا مهتدي، أنا سالك طريق الإسلام وهو الطريق الصحيح، طيب أنت تحتاج إلى هداية في كل أمور حياتك، أنت الآن محتاج لكن هل تعلم من سيكون عليك، من سيكون عليه أمرك بعد يوم، يومين، شهر، شهرين؟ لا تعلم، فلذلك تدعو في كل وقت وحين أن يهديك الصراط المستقيم في جميع أمور.
يهديك الصراط المستقيم، والصراط المستقيم هو الطريق الواضح الموصل إلى الجنة، وهو سلوك سبيل الإسلام والسير على منهج القرآن واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، الهداية هي شاملة، الهداية من الله هي ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن ي_شَاءُ﴾ [القصص: 56]، هداية من الله يهدي العبد.
الهداية في كلام الله عز وجل وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، هداية تسمى هداية توفيق، وهداية تسمى هداية دلالة وإرشاد.
أما هداية التوفيق فهي خاصة بالله عز وجل، لا يستطيع أن يهدي شخص آخر للإسلام أو سلوك الطريق الحق إلا الله عز وجل، يعني لا يوفقه للسير عليها إلا الله عز وجل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56].
وهناك نوع آخر من الهداية وهو هداية الدلالة والإرشاد، يعني كونك تدل شخص على الطريق، يعني تبين له الحق، هذا لكل أحد، ولذلك يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَكَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، يعني تدل الناس على الصراط المستقيم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وورثته يدلون الناس، يهبونها هداية الدلالة فقط، أما هداية التوفيق الذي هو سلوك الطريق هذا هو خاص بالله عز وجل، والهداية في الآية تشمل النوعين؛ هداية الدلالة وهداية التوفيق، كأن تسأل الله عز وجل أن يدلك على الصراط المستقيم وأن يوفقك له.
ما هو الصراط المستقيم؟ هو صراط الذين أنعم الله عليهم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فهذا هو الصراط المستقيم.
الناس تجاه ما يتعلمونه على ثلاثة أنواع: ناس عرفوا الحق وعملوا به، فهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، وناس عرفوا الحق لكن تركوه، فهؤلاء هم المغضوب عليهم، وأول من يدخل فيهم اليهود الذين يعرفون الحق ويتركونه هوى وحسدا، وأناس لم يعرفوا الحق وعبدوا الله على جهل وضلال، فهؤلاء هم الضالون، وأول من يدخل فيهم النصارى الذين يعبدون الله على جهل.
ففي كل ركعة من ركعات صلاتنا ندعو الله عز وجل أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، وأن يجنبنا صراط المغضوب عليهم وأول ما يدخلوا فيهم اليهود، وصراط الضالين وأول ما يدخلوا فيهم النصارى.
لذلك هذه السورة من تحققها وعمل بها، عرف أن من يحب أن يتشبه باليهود والنصارى فانه بعيد عن هذه السورة، وبعيد عن العمل بهذه السورة، فالصورة تجعل المسلم مستقل بإيمانه ومعتز بدينه لا يتشبه باليهود ولا النصارى الذين يضلون عن الحق، ويضلون الناس عنه.
الذين أنعم الله عليهم هم بينهم الله عز وجل في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69].
أحسنت هذه هي يعني شيء مما تدل عليه سورة الفاتحة، هذا شيء مما تدل عليه هذه السورة العظيمة، والحقيقة أن السورة يعني تحتاج إلى وقفات كثيرة، لكن يعني الوقت قصير، والسورة التي سنتحدث عنها كثيرا لذلك يعني سنتحدث عن كل سورة بشيء مختصر ينفع السامع بإذن الله تعالى.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان