السورة التي بعدها، وهي سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث وأمر، كان جلس ثلاث سنوات يدعو الناس سرا، فأمر بأن يجهر بالدعوة لله عز وجل في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَحْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]. فصعد مرة على جبل الصفا ونادى: يا فلان ابن فلان، يا آل كذا، يا آل كذا فاجتمعوا؛ لأن هذه عادتهم إذا كان هناك أمر مهم يصعد شخص وينادي، فاجتمعوا. فقال، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا. فقام أبو لهب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فانزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. التب التباب هو الخسران، التباب هو الخسران، تبت يدا يعني دعاء عليه بالخسارة، تبت يداك دعاء عليه بالخسارة.
فلما قال أبو لهب للنبي صلى الله عليه وسلم تبا لك، جازاه الله عز وجل بأن جعل هذا التباب عائد إليه، وهذا الخسران عائد إليه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. وتب يعني قد تب، قد حصل له ذلك، قد حصل. ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2] يعني ماله العظيم الطائل ما أغنى عنه، ما يدفع عنه شيء من عذاب الله. وما كسب يعني من أولاده، كما فسره بذلك السلف، يعني لا أموال ولا أولاد يغنون عنه من عذاب الله شيئا. ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 3] سيدخل نارا عظيمة ذات لهب عظيم عظيم لهبه، ليست مثل نار الدنيا، بل نار عظيمة.
ودل على شدة هذه النار وعظمها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا، أنعم أهل الدنيا من اهل النار، يعني الشخص مترف إلى الغاية من أهل النار، فيغمس في النار غمسة غمسه فقط يغمس ثم يخرج، فيقال له: يا فلان هل رأيت نعيما قط؟ هل مر بك خير قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت نعيما قط ولا مر بي خير قط. أنظروا نعيم الدنيا الذي مر عليه طيلة حياته نسيه بغمسة في نار جهنم والعياذ بالله. فكيف من يكون مأواه النار خالدا مخلدا فيها أبدا؟ بالله يعني بعض الناس يتساهل بالذنوب، يقول: ما دام مع التوحيد أنا سأدخل الجنة، يعني عذاب جهنم ليس أمرا سهلا؛ إذا كانت الغمسة الواحدة تنسي نعيم الدنيا بحذافيره، فكيف بمن يجلس شهرا، شهرا، يوما، يوما، ساعة، كيف؟ ما يجلس ساعة، لذلك الإنسان يحرص على التوبة النصوحة، الإنسان غير معصوم عن الخطأ، فإذا أخطأ يحرص على التوبة النصوحة لكي يغفر الله له.
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 4-5] يعني امرأة أبي لهب، ويقال أنها أم جميل، يعاقبها الله عز وجل بأن تحمل على عنقها شوكا يوم القيامة؛ لأنها كانت تحمل الشوك تضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تساعد زوجها في أذية النبي صلى الله عليه وسلم، فعاقبها الله عز وجل بجنس فعلها فيجعلها في النار تحمل الشوك والعياذ بالله، في جيدها حبل في عنقها حبل من مسد، قيل المسد هو الليف وقيل غيره، لكن المهم أنه حبل من النار هذا من زيادة العذاب عليها يوم القيامة والعياذ بالله.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان