دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الأحزاب | الرباط العلمي | المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله، العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. حياكم الله الإخوة في الصباح الطيب المبارك، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر. يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.

حياكم الله في هذا الملتقى العلمي وفي هذا الرباط الذي نطلقه لأول مرة في ثنايا هذه الأكاديمية المباركة بإذن الله؛ أكاديمية غراس. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه التجربة الواعدة تجربة لها ما بعدها من رفع المستوى والكفاءة العلمية، والاهتمام والإقبال نحو تعلم العلوم الشرعية والعكوف عليها واجتماع القلب عليها، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

مرحبا بالجميع، سواء من يتابعنا مباشرة أو من يتابعنا عبر الشاشات. هذا الملتقى وهذا الرباط هو للجميع؛ لكل محب للعلم، لكل محب لدخول مثل هذه التجارب التي تأخذك بعيدا عن ضجيج الحياة ومتاعبها ومشغلاتها، حيث يعكف الإنسان أياما على تعلم العلوم الشرعية، يجلس في غرفته، يجلس في أي مكان يتسنى له، ويرابط على تعلم العلم وعلى سماعه وعلى التعليق وعلى التدوين وعلى النظر.

في سبعة أيام بإذن الله نمر على مصنفات عظيمة من مصنفات التراث الإسلامي في التفسير، وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي السنن، وفي الفقهيات. والهدف الأساس من هذه التجربة أيها الإخوة والأخوات هو أن يتعلم الإنسان كيف يربط قلبه على العلم، وأن يتعلم الإنسان كيف يجمع نفسه، وكيف يأخذها بعيدا عن شتات الحياة إلى مجالس العلم، وإلى غرف العلم، وإلى حلقات العلم، وإلى مصنفات العلماء، يرحل بقلبه وعقله وفكره إلى ذلك العالم الجميل، يتخفف من الضوضاء، ويتخفف من الشتات، ويتخفف من البعثرة، ويتخفف من مجالسة الناس، ويجالس العلماء.

هذه وظيفتنا في هذا الأسبوع: أن نجالس العلماء الكبار لنسمع منهم ونرى آثارهم، ولنعرف ماذا دونوا لنا، وكيف كتبوا وصنفوا، ونستفيد أيضا من تعليقاتهم وتوجيهاتهم والفوائد التي أثاروها حول كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه لولا هذه المزاحمة، ولولا هذه المجالسة، ولولا هذا الخروج عن طبيعة العالم المعاصر، عالم الضوضاء والضجيج، والذهاب إلى مثل هذه الأربطة، لن يستطيع الإنسان أن يقرأ مثل هذه الكتب والمصنفات إلا بشق الأنفس، وإلا بعد أن تمر عليه ربما الأشهر والسنوات.

ولربما للأسف كثير من طلبة العلم وطالبات العلم تنتهي حياتهم العمرية، أو ينتهي على الأقل سن الطلب لديهم -وإن كان الطلب ليس له سن معين- لكن أقول فترة الشباب، وهو أصالة لم يقرأ هذه المصنفات والكتب. نحن بإذن الله في هذا الملتقى الفقهي والعلمي وهذه المبادرة الجميلة خلال سبعة أيام بإذن الله نقرأ هذه المصنفات، ونعلق عليها، وننظر فيها، ليكون بإذن الله هذا وقودا لمن يحب العلم الشرعي؛ أن يعرف أن هذا العلم يمكن أن تطلبه، وأنك يمكن أن تنبغ، وأنك يمكن أن تحصل، لكن عليك أن تدير الحياة، وعليك أن تجمع نفسك، وأن هذا الشتات الذي أنت فيه في حياتك اليومية هو الذي يحرمك من التحصيل والترقي، وهو الذي يبعدك عن كل هذا الجمال الذي سنشاهده خلال هذه الأيام بإذن الله.

لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الأيام السبع مليئة ومفعمة بالخير والعلم النافع والعمل الصالح والهمة العالية والفوائد الذكية، وأن ترتقي بقلوبنا وأرواحنا وعقولنا وأبداننا في هذه الميادين الفسيحة، إنه سبحانه وتعالى الموفق إلى كل خير.

مجلسنا في الصباح سيبتدئ بمائدة القرآن، إن القرآن مأدبة الله في الأرض، وهذا ما نتحلق عليه ونبدأ به يومنا لتكون بداية مليئة بالبركات والخيرات. والسورة التي اخترنا أن نتدارسها بإذن الله هي سورة الأحزاب، سورة جميلة عظيمة من سور كتاب الله سبحانه وتعالى، ومتناسبة إن شاء الله مع حجم أيضا هذا الرباط العلمي الذي لا يزيد عن سبعة أيام، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تدبرها وتدارسها والتقاط ما فيها من المعاني والعبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

سورة الأحزاب يا أيها الأحبة الكرام سورة مدنية، آياتها 73 آية، مليئة بالقواعد الشرعية والسنن الإلهية، ومليئة أيضا حقيقة بفهم طبيعة الإسلام ومعدنه وحقيقة الحياة، وماذا ينتظر المؤمن فيها من البلايا، وما ينتظر المؤمن فيها من التحديات التي لا تواجه إلا بسلاح الإيمان وإلا بسلاح التوكل على الله سبحانه وتعالى.

إذا أردنا أن نتكلم عن الموضوع العام للسورة قبل أن نخوض فيها، فإننا نستطيع أن نقول إن هناك فكرتين أساسيتين تحوم عليهما هذه السورة. الفكرة الأولى: أن الداعي إلى الله سبحانه وتعالى عندما يريد أن يغير واقع الناس بما عندهم من جاهليات وأفكار وعادات وتقاليد تخالف الشريعة، عليه أن يكون قويا، عليه أن يتحلى بالصبر والهمة العلية، ويعلم أنه سيواجه الناس، وأن هذه المواجهة لها ضريبتها، ولكن كل هذه الضرائب يجب أن تتحمل إرضاء لله سبحانه وتعالى وطلبا لتغيير واقع الناس وأفكارهم وأنماطهم وما عندهم من الأخطاء والسلوكيات التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى.

ونحن عندما نلاحظ ما في هذه السورة، خاصة من مطلعها في بدايتها من تغيير الكثير من التصورات والمعتقدات والسلوكيات الخاطئة التي كان يفعلها الجاهليون وجاء الإسلام لينقذ الأمة فيها نحو الخير والأفضل، كيف أن الله سبحانه وتعالى يربط على قلب نبيه، ويؤزه أزا للثبات أمام عملية التغيير، وألا يترنح ولا يتزحزح، وألا يضعف أمام الهجمة الشرسة التي يمكن أن يواجهها من العلمانيين والليبراليين وفي المجتمع الجاهلي الذين سيقفون أمام هذه التغييرات وأمام هذه الإصلاحات؛ قضية الظهار، قضية التبني، القضايا الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بلباس المرأة، كيف كانت المرأة الجاهلية تتبرج وجاء الإسلام ليغير هذا النمط ويدعوها إلى السكون والوقار في البيت، الكثير من الأمور التي تتعلق بجناب النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد.

الكثير من القضايا التي ستعالجها السورة هي تعالج كيف المسلم يكون ثابتا قويا أمام تغيير واقع المجتمعات، ولا يترنح أمام الهجوم الشرس الذي سيتلقى من الكافرين والمنافقين، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: 48] مرتين وردت في السورة؛ اثبت أمام الواقع الصعب، وعليك إذا أردت أن تحمل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتكون نموذجا للداعي الصادق أن تتحلى بالصلابة والقوة. هذا هو الموضوع الأول.

القضية الثانية الملاحظة في السورة التي تنبني عليها أيضا هي محبة الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومراعاة الله عز وجل لقلبه ولمشاعره ولأحاسيسه ولكل الجوانب، وهذا يعطيك، إذا كان الله عز وجل يحب محمدا عليه الصلاة والسلام هذه المحبة ويطلب من الأمة أن تراعي مشاعره وأحاسيسه هذه المراعاة، فما بالك أنت بنفسك؟ كيف علاقتك بالنبي عليه الصلاه والسلام، وما مدى حبك للمقام الشريف له واهتمامك بعلاقتك بالصلاة والسلام عليه، ونصرته، والذب عنه، والاهتمام بشريعته وأخباره وسيره وأحواله.

حقيقة هذه السورة تعطيك مدى بعيد في مدى محبة الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أدق التفاصيل في زواجاته، في علاقته مع نسائه، وكيف أن الله عز وجل من أجل نبيه صلى الله عليه وسلم يأمر بكثير من الأمور، ومراعاة لقلبه صلى الله عليه وسلم يوجه إلينا خطابا واضحا في بداية السورة ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وفي ختام السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

ثم يختم لك في الصفحة الأخيرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ﴾ [الأحزاب: 69]، لا تكن لا تكونوا مؤذين لمحمد صلى الله عليه وسلم كما كان كثير من أصحاب موسى ومن أهل موسى أو من حول موسى عليه السلام يؤذونه. لاحظ هذه المراعاة العلية، وستظهر أيضا في تفاصيل الآيات عندما يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخير زوجاته، وهذا أيضا من مراعاة جناب قلبه ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].

أيضا تشديد العقوبة على الزوجات إذا صدر منهن خطأ -وحاشاهن رضي الله عنهن- وهذا كله من مراعاة جناب قلبه. لذلك حتى لا أحرق كثير من الأوراق والأفكار التي ستأتي معنا في ثنايا السورة، هذه السورة تدور على هذين المحورين: كيف يثبت المؤمن أمام تغيير العادات والتقاليد والأفكار الخاطئة في المجتمعات، وكيف أو ما هي مدى محبة الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، وضرورة مراعاة هذا الجانب في علاقتنا معه، ونصرته، والذب عن شريعته، ومحبته، والنظر في أحواله.

طبعا حتى لا أطيل أكثر من ذلك، نبدأ إن شاء الله بالتعليق على مطلع هذه السورة. لكن في البداية في حدا عنده تعليق حول موضوع السورة؟ في حدا عنده مشاركة؟ هذا الدرس الأول في مجال للتعليق والمدارسات، في حدا من مشايخنا حاب يعلق فكرة معينة من خلال التفاسير اللي اطلعتوا عليها؟ ولا أمشي؟ خلص، أمشي، ها؟

طيب، ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: 1]. شوف البداية القوية في السورة، يا أيها النبي -اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم- اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين. دائما البداية هي التي يكون فيها براعة الاستهلال كما يسمى، اللي هي الإشارة إلى طبيعة هذه السورة ومضمونها. مش هيك يقول علماء البلاغة؟ لابد يقول في مطالع القصائد وفي مطالع الكلام إشارات وكلمات تنبئ عن المحتوى الذي سيأتي وعن المضمون القادم.

فعندما تبتدئ هذه السورة بمخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم وتخاطبه بالنبوة باعتباره نبيا مخبرا عن الله، أنت نبي، أنت مخبر عن الله، من كان مخبرا عن الله عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى. لكن هنا السؤال: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد حقق مقام التقوى في أعظم تجلياته؟ فكيف يؤمر بتقوى الله سبحانه وتعالى وهو في أعلى مقاماته؟ هذا سؤال، لا يعصم، هذا خطاب لمن بعده أو للناس. طيب لكن في حقه صلى الله عليه وسلم هل يمكن أقول أيضا أن هناك تجليات في مطالبته بالتقوى؟ بس بدنا المايك، أعطيه المايك، والله الله يرضى عليك المايك الصغير الصغير.

نعم، النبي صلى الله عليه وسلم كان ما زال يزداد في كماله وفي عبودية الله عز وجل حتى توفي على أعلى درجة من درجات العبودية لله، وما زال يتلقى، والتقوى ليست فقط اجتناب المحرمات أو فعل الواجبات، هنا كما ذكر الزمخشري أن هو: اثبت على ما أنت عليه وازداد منه.

أحسنت، إذا تقوى الله سبحانه وتعالى هي مثل ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، هذا لا ساحل له، أنت كل يوم ولو كنت على أصل الهداية لكنك كل يوم مطلوب منك أن تزداد في مقام الهداية أكثر وأكثر. فالهداية والتقوى وغيرهما من المعاني القلبية الإيمانية هذا ليس معنى يخلص ويتحقق مرة واحدة في الحياة وانتهى، هذا معنى يتزود منه الإنسان يوما بعد يوم إلى أن يلقى الله سبحانه وتعالى ولا ينتهي. كل يوم تستطيع أن تحصل تقوى جديدة وأن ترتقي في هذا المقام أعلى وأعلى.

فحبيبنا صلى الله عليه وسلم وإن كان حصل في هذه المرتبة، في مرتبة التقوى، الدرجات العلا، كما أخبر عن نفسه: «والذي نفسي بيده إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، لكن مع ذلك سيبقى هناك مقامات أعلى وأعلى في تقوى الله سبحانه وتعالى، حتى الأنبياء عليهم السعي في تحصيلها والبلوغ إليها.

إذا يا أيها النبي عليه الصلاه والسلام اتق الله، يزدد في هذا الباب أكثر وأكثر، واكتشف معالم هذه التقوى أكثر وأكثر، وارتق فيها أكثر وأكثر. وإذا كان هذا الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وهو أعلى من حقق هذا المقام من البشرية، إذا فمن باب أولى الخطاب يوجه إلينا ولكل داع ولكل مصلح ولكل طالب علم ولكل مسلم في هذا الوجود؛ عليك أن تزداد في تقوى الله سبحانه وتعالى. اليوم كثير من الناس يقول يا أخي اتق الله، يقول لك يا أخي أنت اتق الله، كأنه يعتبر الموضوع موضوع تحدي، يعني يا أخي تقوى الله عز وجل هذا شرف عظيم، وهذا باب لا ينتهي، لا يزعجنك أن يقول لك.

اتق الله، فإذا كان الله عز وجل خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أعلى من حقق هذا المقام، مطالباً له بالارتقاء فيه أكثر وأكثر، فأنا أحتاج أن أتقي الله أكثر وأكثر، وأنت تحتاج، وكل واحد منا يحتاج إلى هذا الخطاب وإلى هذا الاحتفاء بموضوع تقوى الله سبحانه وتعالى. وفي هذا السياق بالتحديد، سياق كما قلنا إن النبي عليه الصلاة والسلام يؤدب ويوجه، وهذا خطاب لنا أيضاً في كيفية مواجهة الأفكار السائدة في المجتمعات، أن تقوى الله سبحانه وتعالى من تجلياتها في هذا المعنى الذي ذكرناه، وأن تقوى الله تحملك على الصبر في إبلاغ الرسالات الإلهية، وأن تقوى الله سبحانه وتعالى تحملك على تحمل المعاناة والتحديات والصعوبات التي ستواجهها من الناس وأنت تحاول أن تصلح أخلاقهم وسلوكياتهم، وأنك لا تضع لهم الاعتبار الكبير.

سنلاحظ في أكثر من موضع في السورة أن الله سبحانه وتعالى يوجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قضية سلوكية نفسية، في قضية ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله. وأيضاً لما تكلم عن الضيوف الذين زاروا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾، فذكر في الحديث أن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي يأمر الله سبحانه فيها النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون في أعلى درجات المواجهة، وأنه لا يحملنه تزاحم أهل الباطل وتكاتفهم على التخوف منهم، كيف سيدنا موسى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾.

نفس الشيء هنا: اتق الله، تقوى تجعلك لا تهاب مع الله سبحانه وتعالى أحداً من البشر، لذلك مباشرة بماذا أتبعها؟ ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. هذه كما قال الرازي تقرير للأولى؛ اتق الله في هذا المقام، والمطلوب فيها ألا تضعف ولا تهتز ولا يصيبك وجل من تزاحم أهل الباطل من الكافرين والمنافقين، الذين سيواجهونك في أي عملية إصلاح، في أي عملية تغيير، في أي محاولة لتغيير أفكار المجتمعات وتقاليدها الفاسدة، ستواجه دوامة كبيرة ممن سيقف في وجهك. فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، لا يميلن بك، لا يأخذنك بعيداً، لا تضعف أمام تحديات ومواجهتهم.

هذا شعار، وأنا أعتقد هذه الآية لأنها تكررت هذا المقطع مرتين في السورة، هذا يدل على أنها فكرة أصيلة في سورة الأحزاب، قضية أن يهتز الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يترنح ولا يضعف أمام أهل الباطل. كن قوياً ثابتاً، واجعل تقوى الله سبحانه وتعالى ومخافة رب العالمين هي أعلى من كل البشر، وأعلى من كل التحديات، وأعلى من كل الصعوبات التي يمكن أن تواجهها في هذا الطريق، طريق الإصلاح والدعوة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

لو نسأل لماذا ختمت السورة أو عذراً الآية ذيلت بهذين الاسمين؛ يا شيخ أسامة لماذا العلم والحكمة؟ دائماً الأسماء الحسنى عندما تأتي في الختام، هذا التذييل يجب أن يكون متناسباً نوعاً ما مع طبيعة المشهد. اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً؛ اسم الله العليم واسم الله الحكيم. في الطبري ذكر أنه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عليم بما تضمره نفوسهم، يعني عادها على ما ذكر الكافرين والمنافقين، أن الله عليم بما تضمره نفوسهم، وما الذي يقصدون من إظهارهم لك النصيحة.

ابن جرير الطبري يقول إن العلم هنا، شوف ابن جرير، أي عليم ببواطن الكافرين والمنافقين وما الذي يحوكونه تجاه أهل الإسلام، فلا تقلق، لا تخف، وتجليات اسم الله العليم مهمة هنا، لأن الإنسان المؤمن وهو يتحدى أهل الباطل يكون يشعر بالتخوف قليلاً، طبيعي الإنسان يخاف الخوف الطبيعي البشري، أنه هؤلاء ماذا يحيكون لنا، إيش المؤامرات التي تقف، ماذا ينتظرنا؟ فالله عز وجل الذي أنت مرتبط به ومتعلق به يقول لك إنه عليم، يعلم بالضبط ماذا في صدور الكافرين والمنافقين، وما الذي يريدونه لهذه الأمة ولهذا الإسلام، فاسم الله العليم يعطيك أريحية وطمأنينة، ما في شيء يكيدونه لم يعلم به الله سبحانه وتعالى.

طيب جميل، اسم الله الحكيم، هل في شيء في اسم الله الحكيم هنا؟ ممكن في قضية ولا تطع الكافرين والمنافقين، في التعامل مع الكافرين والمنافقين، فالله سبحانه وتعالى من حكمته أنه أمر نبيه ألا يطيعهم في ذلك، وأن طاعتهم ستكون خروجاً عن الحكمة. دكتور، عليم بما في صدور الكافرين، حكيم في تدبير أمرك، فالحكمة تعود على تدبير أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والعلم بما في صدور الكافرين.

لما الله عز وجل قال لك اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إذاً هذه ليست مجازفة، يقول لك اثبت على موقفك ولا تتزحزح أمامهم، هل هذه مجازفة؟ هل هذا نوع من أنك تفرط بنفسك؟ أنت يا أخي لما تقف في وجه أهل الباطل خلاص امشِ مع المجتمعات الفاسدة وتقبل ما فيها من الفساد، لأن بعض الناس يرى أن هذا هو الحكمة، هذه العقلانية أن تتقبل المجتمع بما فيه من الفساد، وأن لا تدقق على كل التفاصيل في أخطاء الناس، يا أخي أنتم يا المشايخ والدعاة أنتم شوية شديدين. لا بالعكس، الحكمة في أمر الله سبحانه وتعالى بالثبات، هذه الحكمة، ليس الحكمة أن تتماهى مع أخطاء الناس ومشاكلهم الفكرية والسلوكية، الحكمة أن تغيرها طبعاً بالأسلوب الجيد واختيار الكلمات، ولكن أن تتحدى وأن تقف وأن تشمخ بدينك وعقيدتك هذه حكمة، هذا مش تهور، لكن إذا لم يصاحبها غلو أو تطرف أو زيادة في جانب آخر.

إذاً ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، ثم بعد ذلك يأتي، كأن السورة تترقى الآن في الوصول للمقصد. إذاً ما هو المطلوب؟ إذا كان المطلوب ألا تطيع الكافرين والمنافقين، إذاً واتبع ما يوحى إليك من ربك، هذا هو المطلوب، المطلوب أن تتمسك بالشرعة الإلهية، وأن تجعل شريعة رب العالمين سبحانه وتعالى هي التي تحكم فكرك وسلوكياتك، وهي مصدر التلقي، وهي المركز والمحور في كل قراراتك وتوجهاتك واختياراتك وسلوكياتك.

شوف ما أفخم ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، لماذا عدنا؟ لماذا قال هنا استحضار مفهوم الوحي؟ قضية تشريفية، أن يتبع ما أنزله الله، كأنه توجيه الناس، تشريفية. طب في كلمة أعلى من التشريفية هنا؟ الشمولية، قضية شمول كل ما ينزل سواء من القرآن أو من السنة، جميل هذا ملحظ، يعني أن الوحي الإلهي لا يقتصر فقط على كتاب الله سبحانه وتعالى، بل النبي صلى الله عليه وسلم أوتي القرآن ومثله معه.

أنا أقصد يعني كان في هناك دائماً عليك أن تتفهم اختيار الألفاظ، الآن كان يمكن وتكون أقصر، حتى واتبع القرآن لا، لماذا هذه الإطالة؟ هذه الإطالة أكيد لها مقصد، ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، تتكلم أنت عن أربع جمل، أربع كلمات. هذه الإطالة أكيد مقصودة، وإلا كان في إمكانك أن تستبدلها بكلمة واحدة وينتهي: واتبع القرآن.

شيخنا هذا فيه يعود على اسم الله العليم الحكيم، أن الله، إنما يأمرك الله عز وجل به من الأوامر، أو في قوله الحكيم الذي حكم، هو مش فقط هو في القرآن، هو يوحى إليك من ربك، فالزمخشري لما كان يذكر ذكر أسباب النزول قبل ذلك، المنافقون أرادوا أن يعرضوا عليه عروضاً أو الكفار يعرضوا عليه عروضاً وكذا، لكن يقول: اتبع ما يوحى إليك من ربك، هذا فيه إرجاع للحكم بأنه حكم من الله، وحكم مؤيد. ماما لو قال القرآن، هو كأنه يعني هو حكم عندك موجود، كأنه يبين شو بنسميه نحن اليوم هذا شرعية الحكم، أيوه، يعني شرعية الحكم أنه هذا ليس حكماً أرضياً، هذا حكم إلهي.

إذاً لاحظ هي الجمالية، ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، كأنه يقول: لا ينبغي أن تكون هذه الأرض تسير بأهواء الناس وآرائهم وبآراء الكافرين والمنافقين، وإنما عليها أن تحكم وأن تساس وأن تدار بمصدر آخر، وهو المصدر الحقيقي الذي ينبغي أن يحكم الناس، وهو ما يوحى إليك من ربك. فشرعية القرآن والسنة، الأولى أن مصدرها من خارج دنيا الناس، وإنما هي من الإله سبحانه وتعالى، فهذا يعطي فخامة الآن للأجواء، واتبع شيئاً خارجاً عن أهواء بشر وعن أفكارهم وعن ما يحبون ويرغبون، عليك أن تتبع شيئاً خارجاً أتى من خارج هذا العالم، أتى من فوق سبع سماوات، وهذا هو الذي يعطيه الشرعية الأولى، أنه من الخالق من الموجد، من الذي خلقنا وسمكنا، وسمك السماوات هو الذي ينبغي أن يتبع ويتمسك بأحكامه، فضلاً كما قال، نرجع وهو العليم الحكيم، هو عليم حكيم، إذاً لا يمكن أن يكون فيما يوحيه إلى هذه البشرية أن يكون فيه خطل أو خلل أو قصور أو تفريط، وإنما يأمر بكل ما هو خير، بكل ما هو حكمة، بكل ما هو لصالحهم، فهذا هو الجدير بأن يتبع.

يا أسامة شيخ كذلك فائدة أخرى في نفس هذا التعبير: إليك من ربك، استعمل اسم الرب دال عناية وتدبير، جميل أحسنت، استعمال اسم الرب وليس الإله، لأن الرب هو المربي الذي يدير أمور عباده، وبالتالي لا يمكن للمربي إلا أن يامر من تحته بما هو خير، أنه يعني هو الذي أوحى إليك وهو الذي يدبر أمرك مع هؤلاء الكافرين، جميل استحضار النص. جميل، طيب ثم قال سبحانه وتعالى أنا سأقفز شوي لحتى يمشي الموضوع، يعني أنه كل يوم على الأقل بدنا نختم صفحة شوي، ثم قال بعد ذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

في رحلة التحديات أنت تحتاج أن تسند ظهرك إلى سند عظيم إلى ركن شديد، وهذا الركن الشديد هو الله سبحانه وتعالى. وهذه رسالة لنا لكل مسلم ولكل داعية ولكل مصلح في رحلة الإصلاح والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أنت تحتاج أن تتوكل، أن تسند ظهرك، وإلا وخلق الإنسان ضعيفاً، مهما كنت أنت تتحلى بالصبر، مهما كنت تتحلى بالشجاعة، مهما كنت تتحلى برباطة الجأش، حقيقة ازدحام الباطل مخيف شئنا أو أبينا، سيدنا موسى عليه السلام وهو نبي يوحى إليه وهو من الشدة والبأس ما كان في البدن، وسيدنا موسى مثال على القوة الجسدية، ومع ذلك لما رأى السحرة ورأى اجتماعهم ورأى هذا المهرجان العام وهؤلاء يلقون ما في أيديهم، ربنا عز وجل وصف لك مشاعره في تلك اللحظة قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾، وهذا نبي من الأنبياء ومن أولي العزم ومن أعلاهم كعباً، ومع ذلك في هناك شعور بشري طبيعي بالخوف من تزاحم الباطل.

فالله سبحانه وتعالى قال يعلمنا كما علم النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لا بد أن تسند ظهرك وهذا السند الذي ما بعده سند هو ماذا؟ هو الله سبحانه وتعالى. البشر كل اتكاءاتك على البشر وعلى أصدقائك وإخوانك ومحبيك وحتى الجماهير التي يستند عليها البعض، كل هذه تخدعك في لحظة، ما تكون سراباً، الوحيد الذي تستند إليه ولا يخذلك هو الله سبحانه وتعالى. لذلك هذا كان التوجيه مباشراً للنبي عليه الصلاة والسلام ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ليس على الجماهير ولا على شعبيتك ولا على محبة الناس لك ولا على أي بعد آخر، توكل على الله، ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يكفي بالله سبحانه وتعالى من تتوكل عليه وتستند إليه في قضاء أمورك وفي الثبات في مواجهة أهل الباطل وفي رحلة الإصلاح والتغيير، فهذه إذاً من الأمور العظيمة التي وجه الله سبحانه وتعالى عليه نبيه عليه الصلاة والسلام.

انتظروني دقيقة أثبت المايك، هذا وهو ضرورة التشبث والتمسك التام بالله سبحانه وتعالى، وهذا ما سيعينك في رحلة الإصلاح، سبحان الله معنى عظيم في بداية السورة ومدخل مهيب لما سيأتي بعد ذلك من الأمور التي سيطالب بإصلاحها. في شيء، في أحد عنده إخواني توجيه؟ طيب الآن بدأت السورة تدخل في أعماقها أكثر وأكثر، ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ * وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ * وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. لاحظ في هذه الآية ثلاث تشريعات سريعة، أول تشريع هو كالمقدمة لما بعده، ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. ايش عند الزمخشري في هذه الآية؟ المفسرون كل شخص أبدع بمحاولة فهم ما المراد فيها، ايش عند الزمخشري فيه؟ نعم، هو ذكر قلبين، قلبين حقيقيين، ولكن هو ذكر كما هو ذكر معنى عام مشترك في الأمثلة الثلاثة، أنه ذكر أن هذه الأمثلة.

الثلاثة تمتنع لأن فيها متناقضات. فإذا كان لرجل قلبان، قد يكون أحدهما موقناً والآخر شاكاً، أحدهما يحب والآخر يكره؛ هذا فهمٌ من اجتماع ما لا يجتمع. وكذلك موضوع أن تكون أم الرجل زوجته، فإن الأم موطن للتشريف والتعظيم، أما الزوجة فهي موطن للتكليف. فخلاصة الزمخشري أنه يريد أن يقول: إن هذا فيه اجتماع للمتناقضات؛ أن تكون زوجتك في نفس الوقت أمك، هذا لا يصلح لأن الأم طبيعة والزوجة طبيعة. كذلك وجود الابن، أن يكون دعيّاً وابناً في آن واحد، فأن يكون الشخص دعيّاً ليس ابنك الحقيقي وتعامله معاملة الابن الحقيقي، سيكون فيه نوع من الاضطراب؛ كذلك وجود قلبين فيه نوع من الاضطراب.

ابن جرير ذكر ثلاثة أقوال، وهي مبنية على سبب النزول. فأولاً ذكر أن بعض المنافقين وصفوا النبي ﷺ بأنه كان ذا قلبين، وهذا ما سُهو فيه، فقالوا: إن له قلبين، قلباً معكم وقلباً معهم، فأنزل الله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]. وهذا الذي رجحه ابن جرير واختاره.

يرجح ابن جرير قول المنافقين: إن محمداً ﷺ له قلبان؛ قلب معكم وقلب مع ربه سبحانه وتعالى. وهذا على ما ورد في سبب النزول. يذكر صاحب الظلال أن هذا التوجيه من الله سبحانه وتعالى أن يكون قلب المسلم قلباً واحداً، ومتى كان قلب واحد ومنهج واحد اجتمع قلبه، بخلاف النفاق؛ يكون قلبين، فيكون على جهتين فيتشتت ويصير أمره مريجاً. وهذا المعنى الذي سنركز عليه إن شاء الله.

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وهذا يتناسب حقيقة مع مطلع السورة؛ أنه لا يمكن لهذا القلب أن يكون فيه ما أسميه الآن الوحي الإلهي يتبعه من جهة، وأهواء البشر يتبعها من جهة أخرى؛ أنت لا يوجد لك قلبان، هذا القلب إما أن يملأ بشرع الله وإما أن يملأ بأهواء البشر. أنت لا تستطيع أن تتبع مصدرين، لأن هذا الذي يتناسب أصلاً مع قوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [الأحزاب: 2]. هي معادلة صفرية، هذا أو هذا، ما في حل وسط؛ إما أن يكون قلبك مع الله وتتبع ما يوحى إليك من ربك، وإما أن تتبع وتخضع لأهواء البشر ومراداتهم وأوضاعهم.

هل هناك مجال للجمع؟ أنت تعرف اليوم هؤلاء الجماعة الذين يريدون أن يجمعوا بين شرع الله وأهواء البشر، لا مجال للجمع؛ ما في قلبين. لو كان هناك قلبان لكان يمكن الجمع، خلي قلباً لشرع الله وقلباً تعبئه بأهواء الناس تتماشى مع هذا وهذا، بس هذا غير موجود، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. أنت عندك قلب واحد، إما أن يعظم الوحي الإلهي ويتمسك به، وإما أن يعظم أهواء البشر ويتمسك بها، ما عندك خيار آخر. وهذا حقيقة أيضاً معنى عظيم جداً أن يفهم الإنسان هذه القضايا التي يدعو إليها الليبراليون؛ لا يمكن أن تجتمع، لا يمكن أن يجتمع في قلب إنسان تعظيم لله مع تعظيم للبشر، هذا لا يجتمع. إما أن تعظم وحي الله ويكون هو القائد، هو البوصلة، هو المركزية، هو المحور، وإما أن تمشي مع هوى الناس، وهذه الشريعة الإلهية لا تقبل المزاحمة ولا تقبل المشاركة. إذاً، الله عز وجل لا يقبل له شريك، «إن الله أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك به شيئاً تركته وشركه». أمر الله وشرعه الله لا تقبل أن يشاركها شيء آخر، فالله سبحانه وتعالى ينظر في قلبك، إذا رآك تعظم الناس وأهواء الناس ورغبات الناس، يذهب من قلبك لذة الشريعة، ويذهب من قلبك محبة الشريعة. لذلك الحديث المعروف الذي تعرفونه جميعاً: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»، أول واحدة: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». أن يكون الله عز وجل وأمره أعلى من أي شيء آخر. إذا تزاحمت هذه الأمور انتهت، فإن الله سبحانه وتعالى يغار كما قال النبي ﷺ، ومن غيرته أنه لا يرضى لشرعته أن تزاحم في القلب شرعة أخرى، فإذا رآك تزاحم، أخرج هيبة الشريعة وحب الدين وتقوى الله ولذة الإيمان من قلبك، لأنك رضيت أن تساكنها محبتك لأهواء البشر ورغباتهم ونزواتهم.

إذاً ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، إما أن تختار طريق الاستقامة وشرع الله، وإما أن تختار طريقاً آخر، ولا يمكن الجمع. ثم قال بعد ذلك، وهنا ألاحظ أن الآية يمكن أن تجمع أقوال الجميع، ممكن تجمع قول المنافق، ويمكن أن تجمع كلام الزمخشري، ويمكن أن تجمع أكثر من فكرة، وهذه جمالية القرآن، إخوتي، أنك تشعر أن الآية أو الجملة تستطيع أن تنظر إليها من عدة زوايا. من هذه الزاوية تركز على هذه الفكرة، من زاوية أخرى فعلاً تعطينا مؤشراً آخر؛ فكرة اجتماع المتناقضات، من زاوية ثالثة ممكن مفسر آخر يعطيك جانباً آخر أو كاميرا ثالثة أسميها أنا. قضيتي كيف هذه الكاميرات التي حولنا؟ تكون أكثر من كاميرا على الآية؛ هي تعطيك صورة، وهي تعطيك صورة، وهي تعطيك صورة، وهذا الذي يجعل القرآن لا تنقضي عجائبه.

لذلك ماذا قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]. هذه أول تشريع من التشريعات الفرعية التي يريد النبي ﷺ أن يغيرها في ذلك المجتمع الجاهلي؛ قضية المظاهرة من النساء، أنهم كانوا يقولون لنسائهم في حال المزاحمة والغضب: «أنتِ عليَّ كظهر أمي». طبعاً ما معنى قول الجاهليين لزوجاتهم: أنتِ عليَّ كظهر أمي؟ حرام عليَّ أن أعاشرك كما يحرم عليَّ أن أعاشر أمي. طبعاً نحن هذه للأسف موجودة في مجتمعاتنا اليوم، بس بجوز الناس اليوم في الواقع لا يعرفون جملة: أنتِ عليَّ كظهر أمي، شو يقول؟ تحرمين عليَّ. لكن الرجل لما يغضب من زوجته يقول: أنتِ عليَّ حرام، تحرمين عليَّ. إذا قلت لزوجتك: أنتِ عليَّ حرام، تحرمين عليَّ، هو الظهار، هو نفس قول الجاهليين لزوجاتهم: أنتِ عليَّ كظهر أمي. فالله سبحانه وتعالى يعظم شأن هذه العبارة أنها عبارة منكرة، وهذا جاء في سورة المجادلة، واضح: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]. لا يجوز بحال تغيير الأوضاع، الزوجة تبقى زوجة والأم تبقى أماً، ما بصير أنت تخلط في الأحكام كما تشاء يا أيها الإنسان، والله وقت ما بدك تصير زوجتك بمنزلة الأم لا تعاشرها وتحرم معاشرتها، وقت ما بدك تصير زوجتك عادي طبيعي تستطيع أن تعاشرها، ليس للإنسان أن يتلاعب في هذه الأوضاع. الزوجة زوجة لها أحكامها، والأم لها طبائعها، فلا يمكن للزوجة أن تصبح في الأحكام العامة بمنزلة الأم، ولا الأم أن تصبح في الأحكام العامة بمنزلة الزوجة. هذه الأوضاع الجاهلية التي كانت المجتمعات الجاهلية تحرفها، الله سبحانه وتعالى لا يقبلها، والمطلوب منك: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [الأحزاب: 2]. عليك أن تتبع أمر الله سبحانه، لأن هذا التخليط وهذا العبث وهذا التغيير للأوضاع هو ليس فقط أنه يغضب الله سبحانه وتعالى، وإن كان هذا شأناً عظيماً وهو أعظم الأمور، لكن أيضاً في نفس الوقت يفسد حياة الناس؛ التلاعب بهذه الأوضاع البشرية.

ثم أيضاً أمر آخر، النبي عليه الصلاة والسلام في كل الأحكام التي سيأتي ويواجه مجتمعاً ويواجه أفكاراً ويواجه سلوكيات تربى عليها الناس وتعايشوا معها دهوراً وعقوداً، ومع ذلك النبي ﷺ مطالب أن يثبت؛ عليك أن تغير هذه العادة الجاهلية، وإن رفض الناس وإن عاند الناس وإن قالوا ما قالوا، اثبت على الإصلاح والتغيير. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]. القضية الثانية التي تراد إصلاحها داخل هذا المجتمع: قضية التبني، وهذا أيضاً من تغيير الأوضاع. هذا الشاب له والد، أن يشطب انتماؤه لوالده ويصبح ينسب إلى رجل آخر وليس أباً له في الحقيقة، أيضاً هذا من تغيير الواقع البشري، من تغيير الواقع وأرضيات الناس، وهذا لا يصلح، إنما الولد للفراش كما قال النبي ﷺ: «الولد لصاحب الفراش». الولد ينسب لأبيه، وإذا لم تعرف أباه فلا ينسب إلى شخص آخر، يعني ليس من العدل إذا جُهِل والده خلص نقول: هذا ما نعرف أباه، احنا ننسبه لرجل آخر، لا، هو سيبقى له والد حقيقي سواء عرفنا اسم والده الحقيقي أو لم نعرف، هذا العدل وهذا هو التوازن؛ أن يبقى الإنسان ينسب إلى أبيه، عرفنا اسم أبيه عرفنا، ما عرفنا نقول: هذا فلان له أب لكننا لا نعرف اسمه، أما لأننا لا نعرف أباه نعطيه أباً جديداً ليس له عليه ولادة، أيضاً هذا يغير أوضاع الناس ويغير الكثير من الأمور، منها ما نعرفه ومنها ترى من الأمور النفسية والسلوكية التي لا نعرفها. قد نكتشف بعض الحكم من تحريم التبني، ولكن ستبقى أيضاً هناك حكم ربما متعلقة بفسيولوجية في الإنسان وطبائع سلوكية أيضاً تجعل التبني مشكلاً، ولذلك يجب أن تسند الأمر إلى العليم الحكيم سبحانه الذي يعرف البشر وطبائعهم، ويعرف أن عملية نسب الإنسان لرجل ليس هو الأب الحقيقي له تؤثر على سلوكياته وأخلاقه، عرفنا من ذلك ما عرفنا وجهلنا من ذلك ما جهلنا.

لذلك سبحانه وتعالى لاحظوا التعبير الجميل: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]. ايش معنى يعني ذلكم قولكم بأفواهكم بعد ما قال: وما جعل أزواجكم تظاهرون منهن أمهاتكم، وبعد ما قال: وما جعل أدعياءكم أبناءكم؟ ايش قال: ذلكم قولكم بأفواهكم، طب ما هو معروف أنه قولهم بأفواههم؟ أحسنت، اللي هو إيش؟ افتراء الكذب عن الشيء لا يغير ماهيته، لا يغير حقيقته. إذاً فعلاً الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: ذلكم أن تقول لزوجتك: أنت بمنزلة أمي لا أعاشرك، أو أن تقول لرجل: أنت ابني وهو ليس ابنك، هذا مجرد قول بالفم، لكنه لا يغير الواقع الحقيقي، سيبقى الواقع واقعاً. كأنه يقول: هذا مجرد قول بالفم، لكن هل في الواقع الزوجة ستصبح أماً إذا أنت قلت لزوجتك: أنت عليَّ كأمي، هل ستصبح هكذا؟ وإذا قلت للولد: إنك ابني وهو ليس ابنك، هل سيغير هذا الواقع؟ هذا لن يغير الواقع الحقيقي، فلماذا يا أيها الإنسان تتكلم بكلام لا يمثل الواقع؟ ولماذا تريد تغيير الأوضاع الأرضية بما لا يرضي الله سبحانه وتعالى؟

وهذا طبعاً قِس عليه كل الباطل؛ هي هذان نموذجان قضية التبني والظهار، لكن أنت تقيس عليها كل كلام باطل يخالف الواقع، سيبقى مجرد قول باللسان، كل كلام الفاسدين والليبراليين والنسويين وكذا، والمرأة تزاحم الرجل في سوق العمل، والمرأة التي تخرج، وكل ذلك قولكم بأفواهكم؛ والقوامة يجب أن تأخذها المرأة نيابة عن الرجل، وذلكم قول بأفواهكم. كل هذا كلام لكنه يخالف الفطرة التي فطر الله عليها الرجال، يخالف الفطرة التي فطر الله عليها النساء، يخالف الأوضاع التي خلق الله عليها هذا الوجود، كله مجرد كلام باللسان، وتحبر فيه الأخ وتُسوَّد فيه الصفحات، وكل كلام فارغ، ولو كتبتم ما كتبتم وغيرتم ما غيرتم من الأوضاع البشرية وصنعتم الشذوذ ونشرتم الرذيلة، هذا لن يؤسس إلى واقع مختلف، هذا مجرد كلام باللسان، وسيبقى الرجل رجلاً والمرأة امرأة والزوجة زوجة والأم أماً والابن ابناً؛ هذه أوضاع فطر الله عز وجل عليها البشرية لن تتغير هذه الأوضاع بمجرد كلام يقال هنا وهناك.

إذاً: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: 4]. شوف المقابلة، هذا قولكم أنتم، ولاحظ كيف السورة تقابل بين الهوى والوحي، بين كلام البشر وكلام الله؛ ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق. شاء من شاء وأبى من أبى، أحب من أحب وغضب من غضب؛ أنتم تقولون ما لا يمثل الواقع، والله يقول الحق المطابق للواقع. والله يقول الحق لأن الحق هو الحقيقة وهي المطابقة للواقع، وأنتم تقولون كلاماً بأفواهكم غير مطابق للواقع، والله يقول الحق. وهذه جمالية في أن الشرعة الإلهية ليست فقط أنها تخبرك بالحقيقة، بل تهديك كيف تتعامل معها، وهو يهدي السبيل. إياك أن تفوتك هذه الكماليات في الآية، يعني الشرعة الإلهية من كمالها أنها لا تقتصر فقط على أنها تعطيك الحقيقة؛ اليوم ممكن أنت تسمع محاضرة الشيخ يعطيك محاضرة طويلة لساعتين يعطيك حقاً، بس ما يعرفك كيف تتعامل معه صح، بتقول والله الشيخ ممتاز الناحية النظرية عندك رائعة، طيب بس بدنا الناحية السلوكية، يعني كيف بدنا نمشي مع هذا الحق كيف نتبعه؟ الكمال في القرآن والسنة أن الله سبحانه وتعالى يعطيك الحق ويهديك كيف تتعامل معه وكيف تسلك به وكيف ترتقي به، ليس فقط يعطيك الحق بعدين أنت دبر حالك معه، يلا شوف أنت كيف بدك تصنع هذا الحق؛ يعلمك العلم والعمل، لذلك هذه المزاودة: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4]. يعطيك كيف تتوجه وتسقط هذا الحق في واقع الحياة وفي واقع البشرية جمعاً، وهذا من كمالية الشريعة. إذاً في حدا عنده شيء إخواني؟ تفضل.

سبحان الله، يعني أحياناً بعض الأمور البسيطة الإنسان لا يستشعر فضل الله عز وجل عليه فيها. صحيح.

قضية وجود الأب ومعرفة النسب أمر اعتدنا عليه، فما عدنا نشعر أنه ذو قيمة كبيرة. يذكر ابن جرير عن أبي بكرة أنه كان لا يعرف والده، فقال: لو علم أن والده حمار لانتمى إليه، يريد أن ينتمي إلى أي شيء. سبحان الله، فالإنسان يستحضر فضل الله عز وجل عليه في أمور اعتاد عليها وشعر أنها جزء طبيعي من الحياة. المجتمع الغربي اليوم يفقد هذا المعنى الجليل، جزء منهم لا يعرف من أبوه، الله المستعان.

جميلة هي فكرة الانتساب. ثقيلة على النفس أن تكون لا تعرف نسبك، تخيل أن تعيش في الحياة وأنت لا يعرف لك أب! هذا نوع من الفطرة، أن الإنسان يحب أن يشعر أن له انتماءً معيناً إلى أب حقيقي، وأن هذا الأب له عليه ولادة، هذا الشعور يعطيك نوعاً من الأمان والطمأنينة والهدوء أني أعرف أصلي ونسلي، بخلاف الإنسان المقطوع المبتور. لذلك جريمة الزنا، كما يقول ابن تيمية دوماً، ليست فقط جريمة أثرها عليك وحدك، بل جريمة يتعدى أثرها على الناس؛ إنه يمكن من الزنا أن تنشئ ولداً لا ينسب إلى أب. الطفل الذي يخرج من الزنا لا ينسب إلى أبيه، معروف أن هذا ابن خرج من زنا، ولد بالحرام، فلا ينسب إلى أب، هذه مشكلة لأنك تجعل هذا الطفل يخرج وينبت في الحياة منقطعاً مبتوراً، خالف شيئاً في فطرته وفي حاجته، آذيت هذا الطفل الذي خرج إلى الدنيا ولن ينسب إلى شيء، لأنه ابن فعله، لعينه ابن فعل الزنا.

فلذلك سبحان الله، النسب واستقرار النسب وعدم التلاعب بقواعد النسب، هذه فطرة فطر الله الناس عليها. اليوم للأسف أصبحوا يدعون للشذوذ، يدعون للعلاقات المحرمة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نحافظ على فطرتنا وعلى سويتنا النفسية، والأوضاع الأرضية الفاسدة تريد أن تنقلك عن هذا المربع لتخالف فطرتك، ولما تخالف فطرتك لا تسأل ماذا سيحدث من مشاكل نفسية وسلوكية واضطرابات حياتية، لأن الأوضاع الأرضية تغيرت على غير مراد الخالق الذي أوجدها.

إذاً ما هو المطلوب بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن ابتداء هذين الحكمين، الظهار والتبني، وأنهما من الأفكار الجاهلية التي تحتاج إلى تغيير، وأن علينا أن نثبت من أجل تغييرها؟ طبعاً أعود فأقول: ذكر هذين الأمرين هو من الأمور التي يراد إصلاحها في المجتمعات الجاهلية، ولكن هناك أحكام أخرى أيضاً كان يحتاج إلى إصلاح لها. ادعوهم لآبائهم، ما دام التبني لا يجوز، وأن ينسب الرجل إلى غير أبيه هذا لا يجوز، إذاً ما هو الصحيح؟ ما هو الحق الذي يقوله الله؟ والله يقول الحق. ما هو الحق؟ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. انسبوا الأبناء إلى آبائهم، هو أقسط عند الله، أي أعدل عند الله من أن ينسبوا إلى غير آبائهم.

وهنا دائماً بعض المفسرين يقول لك: أفعل التفضيل هنا ليست على بابها إذا أردنا أن نقول: هو أقسط عند الله من نسبتهم إلى غير آبائهم؛ لأنه إذا قلنا إن أفعل التفضيل على بابها، فمعناه أن نسبتهم إلى غير آبائهم فيها جانب من القسط، لكن الأقسط أن ينسب إلى أبيه الحقيقي. لا، ليس هو هذا المراد، ليس المراد أن تنسبوهم لآبائهم هو أقسط عند الله من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم؛ لأنه لو كان كذلك لكان الجانب المرجوح فيه نوع من الصوابية، لكن الأفضل والأقسط هو أن ينسب إلى أبيه. لا، هنا أفعل التفضيل يقال على غير بابها، والمراد: انسبوهم لآبائهم؛ فهو القسط عند الله، وليس أنه مجرد أفضل من الخيار الآخر، لا، بل هو كل الخيار الصحيح فيه، وكل الخيار الباطل في مقابله. إذاً ادعوهم لآبائهم، فإن نسبة الطفل إلى أبيه الحقيقي هو العدل وهو الحق وهو الذي يوافق الواقع.

فإن لم تعلموا آباءهم، فهل لأنني لا أعرف والده هل هذا عذر لي، فأنسب إلى أي شخص؟ بعض الناس ربما من جانب إنساني، يقول لك: يا شيخ أنا معك إذا كان والده يعرف، بس إذا والده ما يعرف، يا أخي من جانب إنساني، خلي تجي امرأة لطيفة ما عندها أولاد وتتبناه، ويصير ينسب إليه. ممكن البعض يدخل من جانب عاطفي وإنساني على هذا الموضوع في حال أن الطفل كان مثلاً لا يعرف له أب حقيقي، فهنا يقول الله سبحانه وتعالى: لا، حتى ولو لم تعرفوا آباءهم، لا تنسبوهم إلى غير آبائهم أبداً، وإنما يبقى هذا الطفل اللقيط الذي عاش في المجتمع وكبر: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. أخ لك في الله، ومولى، والمولى بمعنى له حق النصرة وله حق التأييد وله حق الرعاية وله حق أن ينفق عليه إذا كان فقيراً. في النهاية ليس لأنه لا يعرف له أب سيُهضم حقه وسيتحاشاه مجتمعياً، فهذا التعبير القرآني الجميل في حفظ حقوق هؤلاء الذين هم كثر، يخرجون للمجتمعات، إما بالسفاح والزنا الذي ينتشر في المجتمعات، أو بسبب الحروب والنكبات والفيضانات التي يموت فيها الآباء والأمهات ويبقى الأبناء لا يعرف لهم آباء. أسباب كثيرة تجعل الأب مجهولاً، الله سبحانه وتعالى يقول لك: هذا الطفل مجهول الأب لو لم تعرف أباه فهو أخ لك في الدين ومولى لك. والمولى عبارة تعني النصرة والوقوف معه ورعاية شأنه، ولا تستحقه نظراً: والله هذا لا يعرف له أب، أو هذا أكيد ابن زنا. لا، لا يجوز، هذا لا يحمل هذا الطفل جناية من فعل ما فعل، لا يحمل، يبقى أخاً لك في الإسلام، يعيش في مجتمعك المسلم، ترعاه تحفظ شأنه وحقوقه. حتى إن بعض الموالي الذين ولاهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان على بعض الأمصار الإسلامية كانوا من هؤلاء.

ولذلك جاء في حديث: المرة التي النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل، جعداً...»، والتي لاعنت زوجها وأتت بولد، وهذا الولد فعلاً فيما يظهر من الكلام أن المعطيات التي قيلت، أن وصف النبي عليه الصلاة والسلام صدقه على الولد أنه ولد لم يأت بطريقة شرعية. الآن ذكر رواة الحديث ثم رُئي هذا الولد في يوم من الأيام والياً على إحدى الأمصار، يعني كونه جاء بطريقة خاطئة وغير شرعية، هذا لم يجعل الخلفاء والأمراء لا يرعون حقوق هؤلاء ولا ينظرون إليهم وإلى كفاءتهم. لا، ممكن يطلع كفاءة، ممكن يخدم المسلمين في بلد من البلدان، هو غير مسؤول عن خطأ أبيه وأمه، لا يحمل هذه المسؤولية. وهذه قضية راقية في الإسلام أنه يرعى شؤون هذه الطبقة الضعيفة، ويدعوك أنك لا تقلل من شأنها ولا تزدريها ولا تستحقرها، لأنه بعض الناس يأخذون هذا البعد في العلاقة مع أمثال هؤلاء.

هذا أمور القران، ثم ربما لو نظر إليها الإنسان كنظرة جزئية وقال: فلان لو قلنا ابن فلان ولا ابن فلان، أيش سيفرق؟ لا شيء، ليس الشيء المؤثر كثيراً، كذلك يقول عنده قلبين ولا قلب واحد، ولكن مع ذلك الله عز وجل ينبه على قضية موضوع تصحيح تصورات؛ يجب أن تبقى جميع تصورات الإسلام مهما صغرت واضحة عند جميع الناس، تكون حقاً واضحة عند جميع الناس مهما صغرت أو كبرت، أو حتى لم تعرف الحكمة منها تماماً. يعني بعض الأمور لقصورنا قد نجهل ما في ورائها من الحكمة وما في ورائها من الغايات الشريفة، الله يريد أن يثبت أوضاعاً أرضية للبشر حتى ولو لم تعرف البعد النفسي والسلوكي. كم من قضايا نفسية سلوكية ربما العلم القديم لم يصل إليها، اليوم من خلال الدراسات والتتبع والاستقراءات والأبحاث وجدوا أن لها تأثيراً على سلوكيات الإنسان وعلى مشاعره وأحاسيسه. إذاً هي كلمة ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: 4]، هذه مبدأ حياة. وهذه عبارات القرآن مفصلية، تعطيك كلمة تبقى ترن في ذهنك، والله يقول الحق، والله يقول الحق، لا تتزحزح، لا أحد يشعرك أنه في مجال للمفاوضة على هذه؛ عرفت أو جهلت، لم يتضح لك ما مدى الحكمة في هذا الحق، كن واثقاً أن الله يقول الحق.

إذا كان هناك تصور إسلامي معين عن شيء معين لا يحل لك أن تقول عكسه وأنت تضمره، يعني تقول شيئاً عكسه هو غير صحيح، تضمر الحق الذي في داخلك من باب المصالح أو كذا، وتغطي تصورات الإسلام ومبادئ الإسلام ومفاهيم الإسلام لدعوة مصلحة أو لدعوة أخرى. إذاً أنت يسعك السكوت أحياناً عن الحق، لكن لا يسعك أن تغيره؛ يسعك أن تسكت لا أستطيع أن أتكلم بالحق صحيح، لكن هل يسعك أن تقول الباطل؟ لا، لأنه ما وليس بعد الحق إلا الضلال كما قال ربنا سبحانه وتعالى.

إذاً ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. لما تأتي لتغير فكرة مجتمعية خاطئة، التغيير يحتاج لوقت، يحتاج لنضوج، وبالتالي يتصور في أثناء التغيير أن بعض الناس يقع في الأمر المنهي عنه ضعفاً، يقع في الأمر المنهي عنه سبق لسان، يقع في الأخطاء، ولكنهم لا يتعمدون مناكفة شرع الله ومناكفة أمر الله. والله عز وجل يعرف هذا الضعف البشري، أن الإنسان لما تأتي مثلاً لشخص عنده عادة مثلاً يقول كلمة سيئة على لسانه، تقول يا فلان ترى لا تحلف بوالدك، طول عمره بيحلف بأبوه وأمه، تيجي تقول له: يا فلان ترى لا تحلفوا بوالدك، ما يجوز، ﴿لَا تَعْرِفُوهُ بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ﴾، الآن بيقول لك: والله يا شيخ كلامك صحيح، وأنا بإذن الله راح أغير هذا. بعد يوم يومين ثلاثة أربعة بتشوفه في مجلس أنه هو رجع يحلف بوالده. تنبهه بيقول لك: أي والله، أعوذ بالله. الله عز وجل يعلمنا الرفق بالناس أثناء عملية الإصلاح لعاداتهم وتقاليدهم، لما يكون شخص ٣٠ أو ٤٠ سنة وهو يتكلم بكلام خاطئ وجرى على لسانه وتشرب، أنت لا تتوقع من أول نصيحة أن هذه الكلمة تنقلع عن لسانه ويصبح لا يستحضرها.

ولعلم الله سبحانه وتعالى بالضعف البشري، يعرف مثلاً في قضية التبني أن بعض الناس سيبقى ينسب الطفل إلى غير أبيه سهواً؛ لأنه الآن نحن بدنا نحرم التبني، صحيح، فزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم، سيصبح يعود اسمه إلى الاسم الصحيح، ما هو زيد بن حارثة؟ مش هذه قصة زيد رضي الله عنه؟ الآن بسبب أن هذا الموضوع يحتاج إلى وقت حتى يألفه الناس، والله يقول إنه يعذر من سبق لسانه، فقال: زيد بن محمد، لسه ما تعود لسانه على النظام الجديد، لا، زيد بن حارثة. كذلك مثلاً ممكن بعض الناس كان متعوداً على أن يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت علي حرام، أنت علي كذا. فالله سبحانه وتعالى إذا صدرت منك هذه الكلمة بالخطأ، زلة لسان، كما يقول الله سبحانه وتعالى، لا يؤاخذك بما صدر من فلتات اللسان بدون تقصد، سبق إصرار وترصد.

طبعاً على أيش يحاسبنا الله؟ سبحانه قال: ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. ولاحظ مع أن أصل العمل يكون بالجوارح وباللسان، لكن نسب التعمد إلى القلب؛ لأن القلب هو مكان الإرادة ومكان القصد. فيقول: أنا أحاسبك على ماذا؟ على قصدك. إذا كان لك قصد لارتكاب الخطأ، قصد لمخالفة أمر الله، هنا أحاسبك. وهذه حقيقة الآية إحدى المرتكزات الأساسية في بناء مفهوم العذر في الإسلام، سواء العذر بالجهل أو غير ذلك من الأعذار، أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه يحاسب على ما تعمدت القلوب. إذاً قضية أنه ما في عذر في الإسلام لأي شخص يقع في خلل أو ما شابه ذلك، هذه ما هي صحيحة بهذه الطريقة في إسقاط الأحكام، لأن الله يؤاخذك على تقصدات القلوب. فإذا الشخص يرتكب مخالفة سلوكية أو لسانية، بغض النظر شو جانب هذه المخالفة في العقيدة أو في الفقهيات أو في السلوكيات، الله سبحانه وتعالى مؤاخذته التامة إنما تكون على ما يتقصده القلب، ما تعمد القلب، تقصد المناكفة. أما إذا القلب ما تعمد، لكن كان هناك جهل، كان هناك فهم خاطئ، كان هناك تصورات مش صحيحة عن الموضوع، فهنا المحاسبة تختلف. وإلا في المحاسبة التامة، طبعاً عدم وجود محاسبة يعني مؤاخذة إثمية، لا يعني إسقاط الكفارات أو المحاسبات التي تتعلق أنه عليك صيام شهرين متتابعين؛ خلص ظاهرت من زوجتك، أيش نسوي يا رب؟ أنا ما تعمدت، خلص حتى ما تعمد قلبك، هذه الدنيا، أما إثماً فالله لا يحاسبك لأن الكلمة ما زالت تجري على لسانك بالخطأ.

إذاً ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5]. شوف الختام الفاخر، هذه جمالية القرآن، أنه اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، واتبع ما يوحى إليك من ربك. يكون الخطاب حاسم ومفصلي، وفي نفس الوقت فيه نوع من الرحمة، نوع من مساعدة الناس على إصلاح أنفسهم، عدم مخاطبتهم بخطاب فظ: يا بتصلح يا أنك تهلك. يعني بعض الخطابات تكون جافة، خطابات فعلاً ما تعطي مساحات من الأعذار وفتح مساحة.

للتغيير والإصلاح، فنحن عندنا مبادئ وكليات لا نتزحزح عنها ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [الأحزاب: 2]. لكن حتى نحقق هذه الآية في واقع الناس، وتحبيب الناس في شريعة رب العالمين، ستتوقع أنه في عملية التغيير سيكون هناك خطأ وتقصير وتفريط، وبدك تأخذ بيد الضعيف والمسكين في هذا، ولا تستعجل عليه، ولا تنفره، ولا تشعره أنه مع كل خطأ أنت هلكت، مع كل خطأ أنت على النار. لا، في مساحة للأعذار يا إخواني ينبغي أن تكون حاضرة في خطاب الدعاة والمصلحين، وإرشاد الناس بالرفق واللين، وفتح لهم باب التوبة والإصلاح، إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يرتقي البشر ولا يريد أن يهلك البشر.

ثم ما الآية التي تليها، ختام الصفحة الأولى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: 6]. هنا بدأت الإشارة إلى الموضوع الثاني في السورة، وهو المراعاة الإلهية للجناب النبوي؛ لأننا نحتاج أن نعرف الوضع العام للسورة فيما يتعلق بقصة زيد بن حارثة. النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يأتي المبعث كان قد تبنى زيد بن حارثة في الجاهلية، وكان يسمى زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الإسلام ليبطل هذه العادة التي كانت منتشرة عند الجاهليين، ويخبر أن هذه الأوضاع غير صحيحة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل عادة التبني، وأن ينسب الطفل في النهاية أو الشاب أو الرجل إلى أبيه الحقيقي، فبالتالي تم تعديل الموضوع فأصبح اسمه، عاد اسمه الطبيعي زيد بن حارثة.

لكن كما قلت يبقى في النفوس شيء من هذا الموضوع، يعني يبقى التصور العام عن عادة التبني، وأنه الآن ما دام هذا ابنك وسميته زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً ما بصير إنك مثلاً تتزوج زوجته إذا طلقها. والآن إذا أنت جعلت هذا الطفل أو الرجل ابنك ونسب إليك، هل يجوز للرجل أن يتزوج زوجة ابنه؟ هل يجوز في الإسلام أن تتزوج زوجة ابنك بعد ما يطلقها؟ ما بصير. وهذه من الإشكاليات، أن التبني يغير الأوضاع، بصير أنه طب إذا صار ابنك ما هو بالتالي صار في تحريمات معينة متعلقة بهذا الجانب، يعني التبني هي مش مجرد شعور إنساني وانتهى، بل هناك أحكام ستترتب عليه. فلما جاء الإسلام لتحريم التبني وتغيير هذه الأوضاع، الله سبحانه وتعالى بكامل علمه وحكمته عز وجل ليؤكد هذا الموضوع ويزيد رسوخاً في الناس أنه ما في شيء اسمه تبني، كان من حكمته أن النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة من؟ زوجة زيد بن حارثة. زيد بن حارثة طلق زينب بنت جحش، وستأتي القصة في ثنايا السورة، طلقها وأراد الله قدراً مقدوراً كما سيأتي في ختام قصة زينب، قدراً قدره الله أن محمد صلى الله عليه وسلم سيتزوج هذه المرأة ليكون هذا تأكيداً على إبطال التبني، وما يترتب عليه من تبعات وأحكام في حياة الناس.

الله سبحانه وتعالى أراد من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الزواج، فأوقع في قلبه محبة الزواج من سيدتنا زينب بنت جحش. لكن النبي عليه الصلاة والسلام مع رغبته في هذا الزواج، كان في نوع من -وهنا دائماً يكون حريص الإنسان في التعبير عن الجناب النبوي- كان في شعور بسبب أنه في كامل الحياء صلى الله عليه وسلم، خلقه عالٍ جداً في الحياء، كان يشعر بشيء من التحرج النفسي من هذا الارتباط؛ لأنه يعرف أنه ما زال الناس نظرتهم للتبني أنه صحيح، زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم عدنا إلى اسمه الطبيعي زيد بن حارثة، لكن فكرة الناس أن رجلاً يتزوج زوجة ابنه بالتبني، ما زال الناس تنفر من هذا الموضوع، في نوع من النفور. وهذا ترى يسير في الإنسان حتى في حياتك أنت كملتزم، بتجد أن بعض الأمور أنت مثلاً جاءت فترة عليك ما كنت ملتزم ومتدين والتزمت، وعرفت كثيراً من أحكام الشريعة، صح بس يبقى عندك في بعض أحكام الشريعة أنه أنا عارف إنه جائز، بس عندي نوع من التوتر والتوجس تجاه تطبيقها.

مثل ايش؟ احنا عندنا هيك بعض الأحكام، تلاقي بعض الناس عنده توجس منها. الإنسان يكون مثلاً قبل التدين يمارس أشياء غلط، تمام؟ بعد ما تدين الآن عرف الصح، لا أنه هي الأشياء هيك هيك الصحيح فيها، بس مش قادر، يعني هو خلاص فاهم إن هذا الصح بس لسه مش قادر يتقبله نفسياً. شيخنا يمكن هذا أكثر ما يحدث في الأعراس، يعني مثلاً الأخوات الملتزمات تكون ملتزمة، ليوم العرس يعني إجازة من الالتزام. يعني بكون الإنسان يجي يقول لك غير متدين وماشي على أفكار معينة، بيجي بيلتزم بس يبقى متحرج من هذه الأمور. حتى مثلاً زي مثلاً الرضاع، بعض الناس مثلاً بقول لك لا أنا ما في عندي أن بنتي تكشف أمام أبوها من الرضاع، هو عايش في مجتمع لا يرى أن الرضاع يحرم ما يحرم النسب، ما بيعرف هي الأحكام كلها، فبكون عايش على فكرة أن الرضاع ما له تحريم، فلما يأتي ويتعرف على الإسلام ويجي يقول له ترى أخي الرضاع يحرم ما يحرم النسب، وابنتك هذه بصير تكشف على أبوها من الرضاع، بقول لك هو شرع الله أنا مقتنع يا شيخ، بس أنه والله إني صعب، صعب إني أخلي بنتي تكشف على أبوها من الرضاع وعمها من الرضاع وما شابه ذلك. تجد عنده خلاص نوع من الأمور النفسية مع أنه هو مؤمن بأصل الحكم الشرعي، بس خلاص نفسية تجاه هي القضية.

فالآن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدرك هذا البعد حتى في نفوس ربما بعض الصحابة، أنه ماشي الصحابة سمعنا وأطعنا، رفضوا التبني ومنعوه، لكن سبحان الله قضية أن محمد صلى الله عليه وسلم يتزوج زوجة ابن من التبني سابقاً، يبقى فيها نوع من الأمور النفسية التوجسية، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف هذه الطبائع في الناس، لذلك بقدر ما كان في قلبه من رغبة الارتباط بزينب، بقدر ما كان خلينا نقول في نوع من التخوف من هذا الجانب، نظراً لطبائع النفوس والقيل والقال اللي بصير في دائماً في المجتمع، شفتوا تزوج زوجة ابنه؟ وممكن تصير الناس بتحب تلت وتهاجم في هي القضايا كثير.

فالله عز وجل يعلمنا التعظيم العالي للجناب النبوي، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام خط أحمر وجنابه لا يمكن أن يمس، وأن مراعاة حتى رغباته القلبية صلى الله عليه وسلم حق على الأمة أن تراعي الرغبات القلبية والنفسية له صلى الله عليه وسلم؛ لأن علاقتنا به أعلى من علاقتنا بآبائنا وأمهاتنا. كيف أنت بتكون حريص على أنك تلبي رغبات أبوك النفسية؟ أنت عارف أنه باعث نفسي، بس لأنه أبوي بدي ما دام شيء بالحلال بدي أعطيه إياه، والله لا بدفع روحي حتى أعطيه لوالدي أو لوالدتي ما تحب. النبي صلى الله عليه وسلم أغلى علينا من آبائنا ومن أمهاتنا وحقه علينا عظيم جداً، وبالتالي الله عز وجل يعطينا قاعدة ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، مش من آبائهم ولا من أمهاتهم.

إذا أنت حريص على تحقيق ما تحب من الزواجات والارتباط، وتسعى لهذا بالحلال، وتسعى والله أنت وقع في قلبك الزواج من فلانة وتسعى لذلك بالحلال، لاحظ هذا السعي الشرعي المباح ما عندك فيه مشكلة، مراعاتك لجناب النبي صلى الله عليه وسلم ولما يحبه ويهواه يجب أن يكون أعلى من مراعاتك لمشاعرك أنت وما تحبه أنت وما تهواه أنت، هذا معنى النبي أولى بالمراعاة وأولى بالاحتفاء بمشاعره ورغباته وأحاسيسه من مراعاتك لأحاسيسك الشخصية ومشاعرك الشخصية واهتماماتك الشخصية. وهذا أمر من الله، يعني هذا مش نصيحة من واعظ بيجي بيقول لك يا أخي لازم تحب النبي عليه الصلاة والسلام، الله سبحانه لشدة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يعلم الأمة حق هذا النبي العظيم علينا، الذي فدى حياته ووقته من أجل أن يعلمنا ويرشدنا، من حقه علينا أن نراعي ما يحب وما يريد وما يرغب، أكثر وأولى من مراعاتنا لما نحب نحن لأنفسنا وما نهواه لأنفسنا.

﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ شوف هذه قاعدة عظيمة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت هذه المحبة في قلوب المؤمنين. ثم قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. طب لماذا جعل زوجات النبي عليه الصلاة والسلام منزلة الأمهات؟ لكن لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا مثلاً منزلة الأب، وإن كان هو بمنزلة الأب، لكن يعني ربما البعض يقول لماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة الأب وزوجاته بمنزلة الأم وقال الزوجات منزلة الأم؟ من مين يعطيني؟ أبو الفوارس، في حدا عنده هيك لفتة؟

دكتور، لأنه أعلى من مرتبة الأب. أحسنت، هو هو جعله أصلاً أعلى من الأب، هو قال لك أنت الآن عادة الإنسان مصلحته، بعدين مصلحة أبوه وأمه، صح؟ يعني هو هيك أنت بتعمل في العادة. لا، النبي عليه الصلاة والسلام ليس فقط بمنزلة والدك أو أولى من والدك، ليس هو أولى من والدك أو أولى من أمك وأولى من نفسك، ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين﴾، بعدين كان جالس أو ماشي مع سيدنا عمر بن الخطاب، فقال والله يا رسول الله أنت أحب إلي من والدي وولدي، فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فذهب عمر، فجلس مع نفسه، ثم عاد قال والله يا رسول الله أنت أحب إلي من نفسي. فالنبي سأله، يعني قال تغير المشهد، قال فكرت فيه قلت أنا عمر، أنت نفسك نفس لو بدون محمد صلى الله عليه وسلم لا قيمة لنفسك، بدون محمد صلى الله عليه وسلم لا قيمة لنفسك، كنت ضالاً هالكاً، والنبي عليه الصلاة والسلام سبب من الأسباب أن أصبح لنفسك لها معنى في الوجود، أصبح لنا قيمة وإلا كنا حالنا مثل حال البهائم، فقط إنسان زنا وفواحش وعلاقات محرمة ويعيش حياته ونتأكل ونتكالب على الدنيا، النبي صلى الله عليه وسلم أعطى لنفسك معنى، فلذلك هو أولى من نفسك؛ لأن هو الذي أعطاها معنى حقيقياً في هذه الحياة، فلذلك القرآن جعل النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من نفسك.

وفي المقابل جعل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة ماذا؟ الأمهات. طيب لماذا بمنزلة الأمهات؟ يعني لما يقول زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة الأمهات، هذا يقطع جانب ايش؟ الطمع، أن يطمع أحد في زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. هذه أول فكرة، لما تقول ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ بدك تكون نظرتك لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم كما تنظر إلى أمك، تقطع أي جانب من الرغبة في الارتباط بهن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا بداية تأسيس لمنزلة زينب بنت جحش وهي أم المؤمنين، أن النظر إليها بعد أن يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم تصبح نظرة الإنسان لأمه.

وليس هذا طبعاً يا شيخ مشارك رجعنا لتغيير الأوضاع الأرضية، لا، هي المراد أنها تكون بمنزلتها، مش أنك تنسب نفسك إليها، يعني مش أنك تصبح فلان بن فلانة، لا، نقول فلان مثل والدتك بمعنى الاحترام والتوقير. ولذلك الصحابة، يعني تتعجب أحياناً من دخول معاوية بن أبي سفيان وغيرهم من الصحابة على سيدتنا عائشة مع أنها تكون مثل عمره أو أصغر، ونقول هل بررنا بك يا أم المؤمنين؟ هل تشعر أنه قبل ما تكون عائشة أو زينب أو إحدى زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم ما بيكون في تعامل أصلاً، ما بيكون هذا الإجلال، لكن بمجرد ما تصبح زوجة يصبح في هناك مراعاة كاملة للمشاعر والأحاسيس والتوقير والإجلال، ويدخلون علي: هل بررنا بك؟ هل أدينا حقك؟ ويقطع لهم مال من بيت مال المسلمين بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وكل الخلفاء والزعماء توقيراً وإجلالاً لذلك. حتى واقعة الجمل، المعركة التي حصلت بين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه والجيش الذي كان فيه طلحة والزبير وعائشة الله يرضى عنها، الآن لماذا سميت واقعة الجمل؟ قيل أنها في هذه الواقعة اللي كانت بين جيش علي وجيش عائشة وطلحة والزبير، الفتنة الشاهرة، أنا مش موضوعي الفتن، موضوعي، سميت واقعة الجمل، قيل قطعت 1000 يد على جمل عائشة، 1000 يد قطعت في هذه المعركة على جمل عائشة، بيجي واحد بيمسك الجمل بتنقطع يده، مش طبعاً يمسك الجمل ليحرسه، بتيجي يد واحد ثاني بعده يحرس الجمل تنقطع يده، تخيلوا 1000 يد قطعت على جمل عائشة من المقاتلين رعاية لحقها وشعاراً أن كل المجتمع حتى عفواً الخوارج وضعفاء النفوس، الكل كان.

يعرف أن هذا خط أحمر، ومن الذي وضع هذه الخطوط الحمر لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام؟ القرآن لما قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، فاحترام وتقدير ورعاية وعدم نظر إليها بنظرة كما ينظر إلى أي امرأة أجنبية، بل تقطع هذه النظرة وينظر إليها بكامل الاحترام والتوقير.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6]. هذا أيضاً الإصلاح الثالث وإعادة الأمور إلى نصابها. نحن تكلمنا عن الظهار وتحريمه، والتبني وتحريمه، الآن قضية الميراث من إصلاح الأوضاع، وهذا ربما أجازه الإسلام فترة ثم أعاده إلى وضعه الطبيعي. كان المهاجرون والأنصار يتآخون، كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بهذه المؤاخاة؛ كان المهاجر إذا مات يرثه الأنصاري، والأنصاري إذا مات يرثه المهاجر. فهذا كان لفترة مؤقتة لمصلحة مؤقتة أجازها الله، ثم أعيدت الأمور إلى نصابها الصحيح.

فالله قال: ما في توارث بسبب علاقة الأخوة في الله، وإنما التوارث بالرحم، ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6]، أولى في المواريث. هنا الأولوية في ماذا؟ في المواريث والحقوق المالية. أنت مسؤول في نظام النفقات في الإسلام أنك تصرف على والدك ووالدتك، أحياناً في بعض المسائل على أخيك وأختك، أحياناً في بعض المسائل ممكن تتوسع وتكون مسؤولاً عن عمك وأولاد عمك، حسب طبيعة المسألة. لكن عموماً النظام المالي بين الأقارب والعشائر يكون بناءً على النسب وليس على الأخوة في الله؛ الأخوة في الله أساعدك وتساعدني، أدعمك وتدعمني بفلوس، لكن كمواريث ونظام نفقات لا، هذا مبني على نظام الأقارب، وكان هذا إعادة ترتيب للمجتمع المدني: تحريم الظهار، تحريم التبني، إصلاح الأوضاع المتعلقة بنظام المواريث.

سورة الأحزاب سورة مدنية، وقيل نزلت بعد سورة آل عمران، فكان من وظيفتها إعادة ترتيب المجتمع المدني من الداخل؛ لذلك قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: 6]. يعني الأرحام هم أولى في الأمور المالية من علاقة المؤمنين ببعضهم البعض، ومن علاقة المهاجرين بالتحديد بإخوانهم الأنصار.

لاحظ لماذا قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بعدين قال: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ﴾؟ يا شيخ أسامة، لماذا عطف المهاجرين على المؤمنين مع أن المهاجرين من المؤمنين؟ لعظمة المهاجرين، يعني هنا عطف خاص على عام لعظمة المهاجرين.

طيب في فكرة ثانية، لماذا خص المهاجرين مع أنهم هم من جملة المؤمنين؟ كان المهاجرون مؤاخين للأنصار، وكانوا فقراء في العادة، هم الذي كان يرثهم الأنصار، ما كان عندهم شيء يورثونه لهم.

أحسنت، يعني كانت الآية تقول: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6] من المؤمنين، حتى ولو كان هؤلاء المؤمنون من المهاجرين. يعني لأن المهاجرين كما قال أخونا هم أعلى أنواع المؤمنين في تلك الفترة، هؤلاء خرجوا وتركوا ديارهم وأموالهم في مكة، فبعض الناس يقول لك: ماشي يا شيخ، الأرحام أولى من المؤمنين بس هذول المهاجرين خلينا نعمل لهم حالة استثنائية. فكان الله يقول لك: من المؤمنين، حتى ولو كان هذا المؤمن في أعلى الدرجات وأفخمها، كان من المهاجرين، تبقى الهجرة وسام شرف، يبقى شيئاً يثنى عليه، لكن هذا لا يعني أنه فقط لأنه مهاجر سنعطيه مزية في القضايا المالية، بنقول له: خلاص لك أن ترث من أخيك الأنصاري لأنك مهاجر. فهذا عطف المهاجرين على المؤمنين هو إثبات أنه حتى هؤلاء الذين هم في أعلى درجات الميزة من أهل الإيمان لا يحق لهم تغيير الأوضاع المالية.

ثم قال: ﴿إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6]. ماذا يعني؟ الإسلام أمر بتنظيم أمور النفقات والمواريث، لكن هذا لا يعني أنك لا تعطي أخاك في الله وصية بعد موتك مثلاً بما هو ضمن الحدود الشرعية، تعطيه هدية، تعطيه مساعدة مالية، يبقى المعروف قائماً بيننا. وهكذا عدالة الإسلام؛ أنه يعطيك العدل ولا ينسى الفضل، هذه جمالية النص القراني: يعطيك العدل ولكنه لا ينسى الفضل، يقول لك: هكذا الصحيح، لكن مع ذلك افعلوا المعروف فيما بينكم، ادعموا بعضكم البعض كمهاجرين كأنصار.

ثم قال: ﴿كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: 6]، أي أن هذا حكم ثابت مستقر لا يقبل التغيير والتبديل. كان ذلك في الكتاب مسطوراً؛ يعني كأنها تشبه رفعت الأقلام وجفت الصحف، يعني هذا الشيء لا يقبل التبديل، لا يقبل التغيير، لا يقبل التلاعب. هل هناك أحكام نزلت للفترة المكية والمدنية ولا يمكن أن تتغير إلى قيام الساعة؟ منها هذا الحكم، نظرية الميراث؛ كانوا يتوارثون بالمهاجرية والأنصارية ونسخ ذلك، وهذا نسخ لا يقبل العودة. في أحكام بطبيعتها تقبل العودة في زمن الاستضعاف، وفي زمن التمكين تعود إلى أوضاعها، وفي أحكام لا، هي أصلاً شرعت لفترة معينة ولن تتكرر هذه الفترة مرة أخرى، فلا يمكن في فترة من الفترات أن يأتي شيخ يقول لك: خلاص بدنا نرجع لقضية أنه يصير التوارث باعتبارنا مهاجرين وأنصار، مش رح يزبط، خلاص ذلك حكم استقر وانتهى، ونسخه الله نسخاً لا عودة له إلى يوم القيامة.

هذا ما نعلق عليه اليوم بالنسبة لهذه السورة، ونكمل ما فيها من المعاني الجميلة والشريفة في الدرس القادم. استراحة خمس دقائق إن شاء الله، نرتب الأوضاع للدرس الثاني سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.