دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الأحزاب | الرباط العلمي | المجلس السابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة اليوم الأخير من هذا الرباط العلمي. نسأل الله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذه الدنيا على طاعته أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته وفي دار جنته إنه ولي ذلك والقادر عليه. نسأله سبحانه وتعالى أن ينجي المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وأن ينجيهم في غزة خاصة. نسأله سبحانه وتعالى في هذا اليوم يوم الجمعة هذا اليوم العظيم أسأله سبحانه وتعالى أن يجعل لعباده من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ومن كل بلاء عافية.

حياكم الله أيها الإخوة والذين يتابعوننا عبر الشاشات في صبيحة هذا اليوم الطيب المبارك، حيث نضع رحالنا بإذن الله في القسم الأخير من سورة الأحزاب وفي القسم الأخير من هذا البرنامج. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون استفدنا ونلنا وأن الله عز وجل يفتح على قلوبنا وعلى عقولنا لنعمل بما علمنا. في سورة الأحزاب أيها الكرام بدا المقطع الأخير بتوجيه الله سبحانه وتعالى نداء ختاميا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي. وهذه السورة من بدايتها إلى ختامها تتكرر فيها هذه النداءات وهذه التوجيهات وهذه الرعايات الالهية لنبيه صلى الله عليه وسلم توجيها وتاديبا ورعايه له وحبا واشفاقا. فهذا مقام النبي العظيم عند ربنا سبحانه وتعالى زاده الله تشريفا وتعظيما.

يا أيها النبي بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه هنا بان يأمر ليس فقط زوجاته وإن بدئ بهن: قل لأزواجك وبناتك أيضا ولعموم نساء المؤمنين. وهذا يجعل النساء يسمعن ويصغين لأمر الله سبحانه وتعالى: يدنين عليهن من جلابيبهن. جمهور المفسرين على أن ادناء الجلباب في هذا المقام إنما المراد به تغطية الوجه، على خلاف هذا المراد تغطيته كاملا أو نصف الوجه إلى غير ذلك من التفاصيل التي ذكرها ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين. لأن معنى الآية: العرب قديما كانت المرأة إذا لبست الجلباب تلبسه من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، فيكون الجلباب من هنا بدايته تعرف العباية أو الشملة، فكانت المرأة مامورة بان تدني الجلباب من رأسها إلى وجهها. فهذه الآية عند جمهور المفسرين تتكلم عن تغطية المرأة لوجهها، أن تدني من جلبابها على وجهها.

وأخبر الله سبحانه وتعالى الحكمة من ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. وهذا وهذه الجمله تحتمل معنيين: المعنى الأول: ذلك أدنى أن يعرفن يعني أن يعرفن بسيئهن ووقارهن وحشمتهن فلا يؤذين، فلا يتعرض لهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض: لا يطمع الذي في قلبه مرض كما بين في الآيات السابقة. والاحتمال الثاني: أن يكون المراد ذلك أدنى أن يعرفن قال العلماء تقدر لا النافيه، والتقدير ذلك أدنى أن يعرفن يعني هذا أقرب لان تبقى مجهولة مبهمه عندما يغطى وجهها تبقى مجهولة مبهمه ذلك أدنى ألا يعرفن، وبالتالي فلا يؤذين ولا يتعرض لهن ولا تسول للقلوب المريضة في العادة أن يمسهن أو يقترب منهن.

إذا هذا الحكم انزله الله سبحانه وتعالى صيانه ليكون في تمام الصيانه لنساء المؤمنين، على خلاف بين اهل العلم في تغطيه الوجه هل هي على الوجوب وهذا ظاهر الآية أو أن تغطية الوجه للمراه على الندب والاستحباب؟ لكنه خير عظيم، لكنه خير عظيم. وإذا كانت المرأة هنا يشدد عليها وتحث حثا على تغطيه الوجه، فهذا يدل إذا أنه من المقرر مسبقا تغطية الرأس ومن المقرر مسبقا لبس الجلباب وتغطيه كامل الجسد لأننا هنا اصبحنا نتكلم عن بعد آخر، يعني الجلباب موجود وأنت مامورة بان تنزليه من الراس على الوجه. فالجلباب هنا قضية منتهى منها، النقاش في قضية إزداله من الرأس على الوجه هذا الذي تحث عليه الآية.

وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى يريد للمراه كمال الصيانة وكمال الرعاية لموضوع لباسها. إذا كان لباس المرأة الله سبحانه وتعالى يذكر فيه آيات وآيات، إذا المرأة ليست حرة فيما تلبس. كم آية في القرآن تعرضت لباس المرأة ووجّهت فيه ونبهت عليه؟ في سورة النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]. ولاحظ كان الخمار مقرر أيضا كيف هنا الجلباب كانه شيء تقرر سابقا، وإنما المراد هناك نفس الشيء أنه الخمار أنتم ملزمات به وإنما هنا التنبيه على ضرورة أن الخمار يجب أن يستر منطقة الجيب، وألا تلبسي على رأسك وتكشفي جيبك كما كان يفعل بعض النساء في الجاهلية.

فهذه الآيات تقرر الشيء كأنه حاضر. إذا كان الله يامرها بان تدني الجلباب من راسها على وجهها في هذه الآية، إذا أمرها بالجلباب من باب أولى وأحرى، لحتى ما ياتيك امراه تقول: يا اخي اعطيني آية في القرآن تدل على وجوب الجلباب! نقول: إذا كان الله عز وجل يامر بما هو أعلى من الجلباب، إذا أمره بالجلباب حاصل ضمنا؛ أنت مأمورة بأن الجلباب ينزل من الرأس على الوجه، إذا الأمر بالجلباب هذا حاصل ضمنا.

ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. وهذا أيضا من كمال الصيانة حتى للنبي صلى الله عليه وسلم أن تؤمر زوجاته بكمال تغطية الوجه، وهذا من حرص الله سبح او نقول من رعاية الله سبحانه وتعالى من رعاية الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحمل زوجاته على مثل هذه الأخلاق الرفيعة وعلى الآداب السنية. لكن لما كان هذا الأدب ليس مختصا بزوجات النبي عليه الصلاه والسلام، وإنما هو أدب عام وهو تستر المرأة ومحافظتها على تغطية جسدها تغطية كامله تصان فيها، فنبه النساء ونبه المجتمعات إلى كيف تصان وكيف تحمى من الرذيلة والزنا والعلاقات المحرمة.

اليوم كثير من العلاقات المحرمة وكثير من الفواحش وكثير من المصائب التي تحصل في مجتمعنا إنما سببها عدم التزام النساء بما أمرهن الله سبحانه وتعالى. لا تاتي تقول لاختك الكريمة: يا اخي الرجل المطلوب منه يغض بصره. هيك اليوم الجماعات النسوية ولا غيرها تاتي كأنها تضع الكرة في ملعب الرجل أنه هو المسؤول أن يغض بصره، هو المسؤول أن لماذا دائما يفكر؟ الله سبحانه وتعالى وضع الغريزة الفطرية في الرجال تجاه النساء وفي النساء تجاه الرجال، فليس مطلوبا من الرجل أن يعالج -خليني نقول- هذه الغريزة بان يطردها، المطلوب منه أن يتعاهد بصره، المطلوب منه أن يبتعد عن مواطن الفتن، وأنت مطالبة أيضا بان تساعدي على ذلك بتغطية هذا الجسد وبتغطية مواطن الفتن.

فعملية الصيانة المجتمعية عملية تشاركية، ليس الرجل فقط هو المسؤول عن صيانة النفس بل أيضا المجتمع، بل المرأة أيضا مسؤولة بان تبذل الأسباب التي تعين على تحصيل هذه الصيانة، ومن هذه الأسباب اللباس الشرعي الصحيح. أما أن تبقى المرأة تخدع نفسها وتكذب على نفسها: لا يا شيخ أنا في خير وكذا وكذا، يعني اللباس موضوع شخصي وحرية شخصية! لا، ما هي حرية شخصية، موضوع شخصي هذا من أمر الله، من شرع الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد ماذا تلبس المرأة وماذا يلبس الرجل، الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد كل قرار من قرارات حياتك من أذواقك اللباسية والطعامية والشكلية. هناك مساحتك في الاختيار ضمن شرع الله يحدد سبحانه وتعالى المسارات التي يمكنك أن تول فيها أنت؛ يمكنك أن تختاري شكل الجلباب، يمكنك أن تختاري اللون ضمن مساحات معينة، يمكن تختاري في هذه المساحات كيف تحبين أن تظهري به، لكن ليس لك أن تناقشي في أصل الجلباب وفي أصل الستر وفي أصل الوقاية والصيانه، وأن تقولي أن هذا الموضوع حرية شخصية!

الحرية هنا إنما تعنين بها التمرد على شرع الله، حتى نسمي الأسماء بحقائقها: أنتم تسمينها حرية لكن ما اسمها الحقيقي؟ تمرد على رب العالمين، لأن الله يامر بشيء وأنت لا تريدينه، ما اسم هذا؟ عبد عصى مولاه. فدائما نحن لما الغرب إذا أراد أن يسوق فكرة غير اسمها وأعطاها زخرف القول، أعطاها الاشكال الجميلة والأمور التي تهواها النفس، نحن علينا أن نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، أن ما يفعله النساء اليوم من انحراف عن اللباس الشرعي هذا ليس حرية، هذا تمرد وعصيان على رب العالمين سبحانه وتعالى.

وكان الله غفورا رحيما. قال العلماء: كان الله غفورا رحيما لما قد يظهر من الخلل في لباس المرأة المسلمة، يعني إذا ظهر خلل غير مقصود في لباسك أو انكشف شيء في حالة ضعف أو في حالة من الحالات التي لا يقصد فيها الكشف حقيقة، أي خلل تتوب منه المرأة وتصلح، فالله عز وجل غفور رحيم يتجاوز، فليس الأمر إهلاكا وإنما الأمر مبني على الرحمة والشفقة بالناس.

بعد أن انتهى هذا التوجيه هنا بدايه ختام السورة، بدا بخطاب المؤذين لله ورسوله والمؤذين لعموم المؤمنين. يقول سبحانه وتعالى، ولاحظوا هنا كيف الآية صيغتها ولهجة الآية قوية: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: 60]. الآن كما قلنا مبنى هذه السورة على أمرارين: على وجوب اتباع الوحي الإلهي واتبع ما يوحى إليك من ربك والثبات في رحلة التغيير، وعلى ضرورة مراعاة قلب النبي صلى الله عليه وسلم وعدم أذيته والتعرض له والاقتراب والمساس من المقام الشريف. الله سبحانه وتعالى يقول: لئن لم ينتهي المنافقون الذين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويعرضون به بزواجاته بموضوع التبني، حتى في غزواته كما في غزوة الأحزاب: لئن لم ينتهي المنافقون -وليس فقط المنافقون والذين في قلوبهم مرض، ولاحظ التهديد هنا تسعى دائرته ليشمل أيضا ضعاف الايمان الذين لا يسيطرون على أنفسهم في لحظات الضعف فيبوحون بما فيه توهين للمجتمع المسلم وإضعاف له- فالله عز وجل يتوعدهم أيضا؛ حتى لو أنت ضعيف الايمان بدك تشتغل على نفسك بدك تقوي ايمانك، كونك مش منافق هذا ما بيعطيك باب العذر أن تلقي العبارات الذي فيها إرجاف وتخويف وتخذيل وتهوين داخل المجتمعات المسلمة.

لئن لم ينتهي المنافق وضيف الايمان والذين في قلوبهم مرض عن أذية المؤمنين وعن الاستمرار في مسلسل توهين المجتمع المسلم وتفكيكه وإثارة الشائعات والأغاليط فيه: لنغرينك بهم. ايش يعني لنغرينك بهم؟ لنسلطنك على قتالهم. يعني لا تظن القضية ستتوقف عند مجرد أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يقتل أصحابه، وأن تبقى القضية هكذا، أنه إن كانوا يقولون منهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أنه أي واحد بيتكلم معه بيمشي، وظنوا أنهم إن استأذنوا يؤذن لهم، وأن ظنوا أن القضية ستتبقى بهذه الطريقة، فالله يهددهم: الآن نحن نسير معكم بسياسة العفو، بسياسة التغافل، لكن والله -لأن هذه لام القسم- لئن لم ينتهي المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة عن هذا المسلسل الذي يتبعونه لنسلطنك عليه. وإذا سلطناك وإذا لا يجاورونك فيها إلا قليلا؛ يعني أيام يسيرة ويجدوا أنفسهم خارج المدينة. لا يجاورونك فيها إلا قليلا يعني كأنها أيام يسيرة معدودة ثم إذا بهم يكونون خارج المدينة أو يكونون أهلكوا وقتلوا وشردوا وعذبوا.

ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين. شوف العبارات الشديدة! الآن أنت عليك أن تميز الآن طريقة الآية. الآن الآية تتكلم بأقصى درجات الزجر والوعيد لهؤلاء اللي دائما بيعيشوا بيننا ولا نستفيد منهم إلا التثبيط والارجاف والأذية لله ورسوله وللمؤمنين. هؤلاء ملعونين، الله لعنهم من فوق سبع سماوات: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 61]، يعني من مذلتهم عند الله في أي مكان ثقفوا سواء على أيدي المؤمنين ولا حتى على أيدي من نافقوا من أجلهم وخدموهم، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا.

فالله عز وجل يخبرهم أنني ساسلط عليكم البشر حتى والحيوانات والشجر، أينما ثقفوا في أي مكان وجد هؤلاء المندسون سيسلط عليهم عباد الله وجند الله أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل، هذه سنة إلهية في تعذيب المنافقين والمرجفين والذين يخذلون الناس عن الدعوة إلى الله وعن السير في طريق الصلاح، سنته سبحانه وتعالى أن يسلط عليهم البشر حتى يسلط عليهم الفاجر: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: 129] كما قال سبحانه. مش ضروري يكون هلاك على يد مؤمن، قد يكون هلاك على يد فاجر أفجر منك يسلطه عليك يسومك سوء العذاب. وامر الله عظيم: سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. هذه قواعد الله عز وجل يخبرنا أنها.

يسألك الناس عن الساعة، قل إنما علمها عند الله، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا. كثير من الناس تسأل عن الساعة سؤال استهزاء وتهكم، أو سؤال تشكك وعدم تصديق، متى الساعة؟ وهذا كثير ما كان المنافقون والمرجفون في المدينة يسألون، فلذلك السياق الآن سياق متوحد يسألك الناس عن الساعة. وإن كان يمكن أن يصدر هذا السؤال من بعض أهل الإيمان على سبيل الشفقة والخوف، ممكن سيبعد ذلك، قل إنما علمها عند الله.

أتى الساعة جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام لما جلس بين يديه سأله عن الإسلام، وعن الإيمان، وعن الإحسان، قال: متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قل إنما علمها عند الله، استأثر الله بعلم موعدها. لكن ما يدريك لعل الساعة تكون قريبة، ما دام موعدها مبهم، وإذا كان موعدها مبهمًا إذًا لعلها تكون قريبة في أي وقت من الأوقات؛ ولذلك أبهمها الله ليبقى الإنسان منها على شفقة وعلى تخوف وعلى ترقب، فإن الشيء المبهم ليس كالشيء المعلوم المحدد الوقت والميعاد، الشيء المبهم يبقى الإنسان متخوفًا وجلًا من اقترابه وظهور أمره.

ولذلك هنا وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا، هذه أيضًا نوع من التهديد والتنبيه أنه اشتغل اعمل، لا تظن أن الساعة لا يمكن أن تقوم عليك، يمكن أن تقوم عليك في أي لحظة، وأن يتبدل نظام هذا الكون في دقائق، وأن الله يعجل بعلامات الساعة الكبرى، فتجد نفسك داخلًا في المي معه، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا.

ولذلك إذا تلاحظوا في موضوع علامات الساعة، حتى عبر التاريخ كان الناس كلما رأوا شيئًا يظنونه علامة من علامات الساعة يقولون: اقتربت الساعة. لما رأوا دخانًا أو نارًا خرجت من بصرى قديمًا قالوا: هذه النار التي تكلم عنها النبي عليه الصلاة والسلام ويحسبون أن الساعة قد اقتربت. قضية اقتراب الساعة أو متى موعد الساعة، كل جيل من أجيال هذه الأمة كان يظن أنه الجيل الأخير، وكان يظن أنه حتى إذا تذكر ابن الجزري لما مر معنا في منظومته بعد أن فتحت نيقوپوليس، يقول: لعلها الملحمة العظمى التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فيها فسطاطًا وفتح المسلمين القسطنطينية، كانوا يظنون كل جيل يظن أن الساعة بينه وبينها شبر، ولكن الله سبحانه وتعالى يمدها إلى أن يأتي موعدها، ويبقى الإنسان منها على وجل وعلى تخوف، فإن أمرها عظيم وإن شأنها كبير، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا.

إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا. الآن في بداية السورة الله سبحانه وتعالى ماذا يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: لا تطع الكافرين والمنافقين. هنا في ختام السورة سيخبر ربنا سبحانه وتعالى عن حال الذين أطاعوا الكافرين والمنافقين وساداتهم، إلى أين انتهوا، وكيف سيكون حالهم في نار جهنم، حتى يبقى الإنسان على انتباه وتبصر، لا تطع الكافرين والمنافقين؛ لأنك إذا أطعتهم ستندم حين لا ينفع الندم. إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا، خالدين فيها أبدًا، لا يجدون وليًّا يتولاهم ويرعاهم ويفزعون إليه، ولا نصيرًا ينصرهم ويخرجهم من هذه الورطات.

يعطيك هذا المشهد سبحانه وتعالى: يوم تقلب وجوههم في النار، هم يتم تشويتهم في نار جهنم والعياذ بالله، ويتم تقليب وجوههم في النار كما تقلب الدجاجة، كيف تضع الدجاج على الشواية يتم تقليبها؟ يوم تقلب وجوههم في النار شوف هذا المشهد يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول، وقالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، الذين اتبعوا رؤوس الكفر ورؤوس النفاق سيندمون في جهنم، الأتباع إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، الأتباع سيتبرؤون وسيحاولون التملص: يا رب إحنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، فهم اللي أضلونا السبيلا.

الله سبحانه وتعالى موته في حياة الدنيا، مش قلنا لك لا تطع الكافرين والمنافقين؟ وقلنا لك دع أذاهم ولا تلتفت لأمورهم، وقلنا لك واتبع ما يوحى إليك من ربك، وما جاءك الأنبياء والدعاة والمصلحون والمخبرون، وكنت تستهزئ بهم، يا أيها التابع، موظف تجده في مكان، كنت تستهزئ بهم وتتهكم بهم وتسؤمهم سوء العذاب وتفرح بطاعتك بأسيادك وأوليائك. في الدنيا نصحت وفي الدنيا وجهت، وفي الدنيا قامت عليك الحجة الإلهية ولكنك ما كنت تهتم، الآن يوم القيامة وأنت تتشوى على نار جهنم تقول: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، وتحاول أن تلقي المسؤولية على غيرك. أين كان عقلك في الحياة الدنيا حتى تعمل في هذا السلك، في هذه الأماكن التي يؤذى فيها أهل الإيمان؟ ولاحظ هذا أيضًا مرتبط بأهل الإيمان الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا.

فهؤلاء كما قلت سيحاولون التملص، أو على الأقل الاعتذار بأنهم أطاعوا السادات والكبراء فأضلونا السبيلا، فيقولون: يا رب هؤلاء سادتنا وكبراءنا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا. لاحظ هنا في هذا السياق لم يأتِ إلى ذكر الأسياد، وإنما فقط ذكر الأتباع، ليه؟ في العادة سور القرآن تتكلم عن الذين استكبروا الذين أتبعوا والذين أتبعوا صحيح، «وقال الذين أتبعوا لو أننا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا». هنا تسليط الأضواء كانت فقط على الذين أتبعوا دون التعرض للأسياد، الكلام الآن على لسان الأتباع.

ممكن من بداية السورة الكلام موجه للأتباع، فلا تطع الكافرين والمنافقين، لا تتبع الكافرين والمنافقين، الكلام موجه لعدم اتباع المنافقين والكافرين. نعم، فلم يتم لم يكن توجيه مباشر للكافرين، فيحسن في الختام أنه يكون التوجيه أنه ترى أنا خاطبتك في كل هذه السورة أن لا تطيعهم، فإذا أطعتهم أنت أكثر الناس حماقة بذلك، فأعطاك خطابًا واضحًا لك.

صحيح، إذا هنا نحن في هذه السورة نطالبك ألا تتبع غيرك، ولاحظ القرآن كيف يصنع لك شخصية، أنه لا تكون إمعة، القرآن يقول لكل إنسان يقرأه لا تكون إمعة، ويحملك مسؤولية تصرفاتك وقراراتك، يعني ما في يوم القيامة قضية أنا كنت تابعًا ولا متبوعًا، أنت كنت عاقلًا عندك دماغ، وجاءك الدعاة والمصلحون، وأقيمت عليك الحجج، وكان عندك من أهل العلم في بلدك وفي المحاضرات وفي كذا من يمكن أن تسأله وتتعلم منه، أنت حضرتك قصرت وحضرتك رضيت أن تكون مأجورًا، ورضيت أن تتبع غيرك ولا تتبع الله ورسوله والمؤمنين، إذا ستدفع الثمن. هذه قضية ينبغي أن تعالج، لست معذورًا؛ لأنه كثير من الناس يفعل المنكرات والأخطاء يقول لك: يا شيخ أنا مأمور.

ولأنه في النهاية الحياة الدنيا الذين يكونون في مرتبة القيادة والسيادة هم خمسة بالمئة من البشر، وخمسة وتسعون بالمئة هم الأتباع؛ ولذلك دائمًا يكون الكلام موجهًا للأتباع؛ لأنه هم يمثلون السواد الأعظم من البشرية. الأتباع فالله ينبه أنه أنت عليك أن تعرف أين تصطف، وفي أي مكان تعمل، ومع أي جهة تكون. لا تجي يوم القيامة تقول لي: أنا عبد مأمور، أنا والله بعمل بالظن بس أنا ما لي علاقة هم أمروني، لا، أنت بدك تعمل عقلك، وإلا فأنت محاسب ومسؤول عن قراراتك وعن تصرفاتك. قضية أنك عبد مأمور هذه لن تنجيك عند الله سبحانه وتعالى، قضية أنك مجرد موظف يا شيخ، حتى لو مجرد موظف أنت عاقل بالغ رشيد تملك عقلك وذهنك، وأتيحت لك المساحات لتختار، فإنه لا يصلح لك اختيار المسارات الخاطئة: ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا، لكن ما لا ينفعهم ذلك شيء عند الله سبحانه وتعالى.

هو سيكون أسوأ، صحيح، بالتأكيد الذين استخف قومه فأطاعوه، الذين قادوهم وساموهم ووجهوهم سيكون حالهم أعلى وأجل، لكن هي الفكرة لماذا تم نقل الكلام على ألسنة هؤلاء؟ عادة في الخطابات القرآنية يكون الخطاب، قال الذين استضعفوا قال الذين استكبروا، يكون بينهم حوار يتحاجون في النار، لكن هنا تم نقل الحوار على الألسنة فقط؛ لأنه لا يوجد حوار، هو مخاطبة من الذين في قلب المتبوع من الأتباع لله سبحانه وتعالى عن حال متبوعهم، وأنهم يطلبون من الله يوم القيامة مضاعفة العذاب للمتبوعين، نسال الله السلامة والعافية.

ثم الله سبحانه وتعالى يوجه خطابًا للجميع، يؤكد على موضوع السورة الذي يتكرر معنا وهو ضرورة مراعاة جناب النبي صلى الله عليه وسلم من كل الجهات، وعدم أذيته بشكل من الأشكال، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69]. لا تكن علاقتكم بمحمد صلى الله عليه وسلم كعلاقة بني إسرائيل بموسى. بنو إسرائيل كيف كانت علاقتهم بموسى؟ الأذى بكافة أشكاله القول والفعل والخلق والسلوك. الله ينهانا عن هذا مع نبينا عليه الصلاة والسلام، لا تكونوا في علاقتكم مع محمد صلى الله عليه وسلم كعلاقة بني إسرائيل مع موسى، آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا.

اتهموا موسى باتهامات كثيرة، اتهموه في بدنه، اتهموه بأنه عنده عيب حتى في أعضائه، والحديث المشهور في صحيح البخاري قالوا: إن موسى أدر، كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة أمام بعضهم البعض، ما كانوا يستحون، وكان موسى ما يغتسل بينهم؛ لأنه لا يريد أن يكشف عورته أمام الناس، فقالوا: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه أدر، يعني عنده مشكلة في فرجه. فالله سبحانه وتعالى، شوفوا حتى هؤلاء الناس اللي شغالين حتى في هذه القضية الشخصية، يا أخي هو ما بده يغتسل معكم، يعني الإنسان لازم يرتكب الخطأ معكم حتى ترضوا عنه؟ أخذوا يخوضون في عرض نبيهم.

فالله عز وجل فخرج موسى يومًا يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوب موسى، فأخذ موسى يلحقه حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى وعرفت أنه ليس به بأس في فرجه، ثم أخذ موسى ثوبه عن الحجر وطفقت أضرب الحجر، المهم فبرأه الله مما قالوا، عرفوا أنهم ما اتهموا موسى ليس بصحيح، وقضايا أخرى ذكرها صاحب المفاتيح وربما تذكر في بطون الكتب الله أعلم ما هي، ولذلك الله تركها على العموم، وبرأه الله من كل ما قالوا، بغض النظر سواء اتهموه في بدنه، اتهموه في عرضه، اتهموه في فكره وذهنه وعقله، في أي شيء اتهموه كانت البراءة والمدافعة الإلهية.

وهذا يدل أيضًا على فكرة وهو أن الله يقول لنا ولأتباع النبي صلى الله عليه وسلم أن كل من يتهم النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذيه، فإن الله سيتولى الدفاع، فبرأه الله مش البشر، برأه الله مما قالوا، ولذلك لما دخل ابن أبي في عرض عائشة مش هذا أذية للنبي عليه الصلاة والسلام؟ من الذي تولى الدفاع عن عائشة؟ الله سبحانه من فوق سبع سماوات. يعني لما يكون الأذى موجهًا للنبي عليه الصلاة والسلام الله يتولى الدفاع عن حبيبه عليه الصلاة والسلام، وهذا تعظيم وتفخيم واحتفاء أيضًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما أني احتفيت بموسى فاحتفي بك وأدافع عنك، ولا أسمح لأحد ينال عرضك.

ولذلك كان الحكم عند العلماء أن من يسب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل ولو تاب، ساب الله عز وجل كفر، سب الله كفر لكن لو تستتب فإنه تقبل التوبة عند كثير من العلماء، وبعضهم لا تقبل توبته، لكن ساب النبي عليه الصلاة والسلام حتى لو تاب يقتل ونقول توبتك هذه قد تنفعك عند الله، أما في الدنيا ما رح تنفعك، خط أحمر مقام النبي عليه الصلاة والسلام.

فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا، وجيهًا يعني صاحب مكانة، والنبي صلى الله عليه وسلم أعلى من سيدنا موسى عليه السلام في منزلته عند الله، فكيف سيكون وجاهته ومقامه وصيانه الله له؟ فهذا خطاب ختام هنا في الختام تأكيد على ضرورة المحافظة على المقام الشريف، وعلى أن يتحلى الإنسان بكمال الأدب؛ لذلك نزلت سورة الحجرات: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 1-2]، في سورة النور: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]، ما تناديه باسمه، تناديه يا رسول الله، بكل احترام وكل توقير وكل إجلال.

طيب، بعد هذا الاحتفاء يقول الله سبحانه وتعالى موجهًا كلامًا لكل المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]. وقولوا قولًا سديدًا، كما أمر نبيه في بداية السورة بتقوى الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1]، أمر المؤمنين في ختام السورة بتقوى الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، هذا لا بد أن تلاحظوا والانسجام دائمًا مناسبة المطالع والختام، هذا حتى فن هذا من فنون علوم القرآن، صنف فيه السيوطي وغيره من أهل العلم كيف يكون ختام السورة منسجمًا مع بدايتها، وتشعر أن الكلام أصبح كان الآن كاننا نقفل الملف، نقفل هذا الكلام بأن يرد آخره إلى أوله، رد الأعجاز على الصدور كما يقولون.

فيقول سبحانه وتعالى كما أمرت النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، أيضًا أنتم يا أهل الإيمان ويا عموم أمة محمد صلى الله عليه وسلم اتقوا الله، اتقوا الله، اجعلوه أعظم من تراقبونه في حياتكم وفي اختياراتكم، اجعل تقوى الله نصف عينيك، ولا تجعل الأهواء وطاعتك لأهل الأهواء هي التي تحرفك عن.

منهج الله سبحانه وتعالى، لذلك قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتبعها بقوله: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. اجعل الكلام الذي يصدر من فمك، سواء في أي مكان؛ في موعظة، في نصيحة، في جامعتك، في زواجك، مع أبنائك، مع مجتمعك، في وسائل التواصل الاجتماعي، في أي مكان، تعلم القول السديد. والسديد هو القول المسدد، والقول المسدد كأنه الذي يقع في المكان الصحيح، يقول لك هذا: سدد السهم، أي ضعه في مكانه الصحيح؛ هذا المسدد الذي يقع في النقطة الصحيحة.

الله عز وجل يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، كأنك تسدد الكلام وقبل أن يخرج من فمك تحاول أن يقع في المكان الصحيح، ليس مثل بعض الناس يتكلم بأي كلام يأتي على خاطره، ولا يضبط كلامه قبل أن يخرج منه. المؤمن يحسب كلامه من أفعاله كما قال السلف، لا يقول: «أنا لست محاسبًا عليه»، بل عدّ كلامه من أفعاله، قلّ كلامه وصان نفسه، لكن نحن مشكلتنا لا نعد كلامنا من أفعالنا التي سنحاسب عليها، فتجد الإنسان في المجالس العامة غيبة ونميمة واستهزاء، واستغابة لإخوانه، ومزحًا وتقديرًا من شأنهم، غير طبعًا الدخول في الأمور الكثيرة في السياسة وكذا؛ الكل يفتي والكل يتكلم والكل يخوض والكل يهرف بما لا يعرف، هذه حالة عامة أصبحت.

وسائل التواصل الاجتماعي غيرت طبائعنا وغيرت شخصيات الناس، ونفوس الناس أصبحت تحب الحديث وتحب الكلام والتعليق. الكل يعلق، هي ثقافة أن الإنسان يعلق على أي مقطع وعلى أي مشهد، والمشهورون والدعاة يطالبون الناس: «يلا علقوا على المقاطع حتى تنتشر». أنت عارف لما تقول للناس علقوا على المقاطع وتصبح ثقافة الناس هي ثقافة السبسكرايب، اعمل لي لايك واعمل لي كومنت، كانه المطلوب أن الكل يشارك. لا، من قال لك الكل يشارك؟ نحن بالعكس، حتى للأسف قد نجد بعض الدعاة يساهم في نشر ثقافة أن الكل يحكي وأنه الكل لازم يتكلم؛ يا أخي، علّم الناس الصمت، أصلح قلبك وأصلحوا علاقتكم مع الله. نحن الناس أفسدت وغيرت طبائعها، تروح أنت كمان من أجل تنشر قناتك على اليوتيوب؟ فالله يصلح قلوبنا ونياتنا ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. الطبري ربطها بسياق سورة الأحزاب أو بالسياق القريب جداً، فقال: قولوا في رسول الله والمؤمنين قولا قاصداً غير جائر، قال حقاً غير باطل، فجعل أن هذا القول السديد هو في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المؤمنين. وهذا كلام صحيح، ولذلك كما قلنا إن الإنسان في كل حقبة من الحقب يتكلم؛ لا تغتاب، وقلنا لما نقول أنت في مجالس لا تغتاب، وغيبة النميمة والاستهزاء والدخول في الأعراض، وهذا كله من أذيات المؤمنين التي يجب أن تنتبه لها، وأن تتحرز من كلماتك وألفاظك، وأن تعد الكلمات عدًا وأن تحصيها إحصاء قبل أن تتفوه بها. وهذا توجيه عظيم، الإنسان لما يتخفف من الكلام يصلح قلبه؛ الإنسان عندما يتخفف من الكلام ولا يرى الكلام واجبًا عليه، لا يرى أن عليه أن يكون له رأي في كل شيء أو في كل واقعة، وإنما يتبع الكتاب والسنة ويتبع أهل العلم، ويسمع، ويكون سمعه أكثر من كلامه، وانتفاعه بعمله أكثر من دخوله وهرفه بما لا يعرف، فسبحان الذي يوجه عباده لما فيه الخير. قلة الكلام صلاح للقلوب والأبدان، أي والله.

يصلح يا ظ، لاحظ المكافأة التي يعطيك الله عز وجل، ما هي النتيجة التي ستأخذها إذا كنت ممن يقلل الكلام ولا يتكلم إلا عند الحاجة وبالكلام المسدد؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70-71]. هذه عجيبة، هذا الربط من سدد كلامه أصلح الله أعماله، الباطن والظاهر، أصلح سريرتك وأصلح جوارحك؛ الذين يضبطون كلماتهم ويحسبونها تكون النتيجة هذه -سنة من سنن الله- أنني أصلح لك قلبك وظاهرك. ولذلك لماذا فسد كثير من قلوب الناس اليوم حتى من الملتزمين والمحافظين عموماً؟ لماذا فسدت كثير من القلوب وفسدت كثير من الأعمال وقل اهتمام الناس بالعمل؟ لأنهم أكثروا القول، لما انشغلوا بالقول والتعليق ومتابعة المشاهير، وهذا يعلق عليه، وهذا ينتقده، وهذا يغتاب فلان، وهذا يسقط فلان، وهذا شغال في عيوب الآخرين، وهذا بده يسقط المشايخ؛ لما صار هذا وحال الناس الكل أو الجل يبتعد عن الكلام السديد، حصل ما سمي مفهوم المخالفة: لم تصلح أعمالهم. قد قال: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، إذا ما قلتم قولا سديدًا، الأمر عند الله كثير، ستفسد الأعمال ولن يحصل صلاح في النفوس ولا في الجوارح. فيقول لك الله عز وجل: إذا تحرص على الكلام المسدد، أولاً يصلح لكم أعمالكم، ثم: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، يتجاوز الله سبحانه وتعالى عن الأخطاء والعثرات التي لابد وأن تظهر منك، أما يراك الله عز وجل حريصًا على تسديد الكلام وأن لا تتكلم إلا عند الحاجة، فإن الله يقيل عثراتك؛ قد تصدر منك كلمة في غير مكانها لعلك تقول، لكن لما يراك الله حريصًا على أن تكون هذه فلتات، يتجاوز عنك ويعفو عنك في هذه العثرات.

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، اللي بيتمسك بشرع الله ويأخذ بتوجيهات الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، ما راح تخسر، صدقني لن تخسر. لما يلتزم الرجل بشرع الله وتلتزم المرأة بشرع الله، ولا يكون لهم خيرة من أمرهم، ويعتاد الانصياع، ربنا بقول لك ما راح تخسر، سيفوز فوزًا عظيمًا؛ مش فقط في الآخرة بل في الدنيا أنت الكسبان على كل الجهات. من أطاع الله ورسوله في أحكامه وتشريعاته وكان منهجه سمعنا وأطعنا، سيفوز على كل الصعد وعلى كل الجهات؛ يكسب على الناحية القلبية وعلى الناحية الاجتماعية وعلى الناحية الحياتية وعلى الناحية النفسية، في كل مسارات الحياة تجد النجاح، وفي الآخرة تتربع على عرش الناجحين والفائزين في جنات النعيم، أسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ثم سبحانه وتعالى في ختام هذه السورة يخبر أن مسيرة الدعوة إلى الله سبحانه ومسيرة الإصلاح التي نبهنا عليها في ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، وأن يتحمل الإنسان أذى الناس ويصبر على لأواء هذا الطريق، هي ناشئة من أصل طبيعة هذه الدعوات ورحلة الإنسان في حمله لرسالة الدين. الله يخبر أن رسالة الدين هي رسالة ثقيلة وتحتاج إلى تضحية، من قال لك أن حمل رسالة الدين شيء سهل؟ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، سمى الله عز وجل هذه الشريعة بأنها أمانة، سمى الله شريعته ومواثيقه بأنها أمانة، مطلوب منا أن نؤديها؛ لماذا سميت أمانة؟ المطلوب أن تؤديها حال وحال الأمانات. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. ما رأيك أيها المخلوقات أن تحملي رسالة التوحيد بمعنى الدعوة إلى الله؟ فأبين أن يحملنها، كل المخلوقات والجمادات، وهذا يدل على فكرة دائما أقررها: أنه من يقول أن الجمادات لا إحساس فيها فهذا يحتاج أن يعيد النظر. الجمادات فيها إحساس ولها إرادات، جدارًا يريد أن ينقض، ومنها ما يهبط من خشية الله؛ الشجر والحجر والسماوات والأرض هذه كلها نعم نحن نسميها جماد، وفي العلم البيولوجي بنقول فيها إحساس، لكن في العلم الذي لا ندركه بأبصارنا لها إحساسات، وهناك آيات كثيرة تدل على أن الله خاطبها واستنطقها وأنها أجابت وأنها تسبح وأنها تتعبد، فلا تنفِ الشيء كونك لا تدركه ولا تحيط به علماً.

الله يخبرنا أنه عرض حمل هذه الشرائع على المخلوقات فأشفقن منها، لماذا أشفقت كل المخلوقات من حمل هذه الأمانة؟ لإدراكهم بثقلها، وأن حمل الدعوة إلى الله والتشريعات والتكاليف ليس بالشيء السهل ولا بالشيء الهين، فأشفقن منها، وحملها الإنسان، عرضت على الإنسان فتقبلها، تقبلها ربما جهلاً منه في البداية بتبعاتها وما ينتظره فيها من أمور وتكاليف وتضحيات. وحملها الإنسان، لاحظ أن الله سبحانه وتعالى ماذا يقول: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾، عبر بالحمل، والتعبير بالحمل يدل على ماذا؟ أن هناك شيء ثقيل، أنت لما تقول ما رضيت تشيلها إذاً أنت تتكلم عن شيء ثقيل، ثقل وهي أشفقت من هذا الثقل، شافتها ثقيلة وهي مسؤولية وتبعات ومحاسبات.

من الذي جاء فحمل هذا الثقل؟ وحملها الإنسان، فما يخبرك سبحانه وتعالى عن طبيعة هذا الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. الإنسان من طبيعته أنه كثير الظلم والاعتداء ولا يعرف الانضباط ضمن الخطوط، يظلم نفسه ويظلم غيره، وكثير الجهل، وكأنه من جهله أو لكثرة جهله وعدم إدراكه وإحاطته بالأمور لهذا الإنسان، فإنه فزع إلى حملها ولم ينتبه إلى أن كل المخلوقات خافت من هذا الحمل، ولكن الإنسان لعدم إحاطته ولكثرة استعجاله استعجل فحملها. وهذا قدر الله النافذ أن يكون الإنسان هو محط البلاء، لكن الله عز وجل يريد أن يخبرك أنه أنت يا أيها الإنسان الأصل فيك الجهل، ويكثر فيك الجهل، "جهول" أبلغ من جاهل، والأصل فيك الظلم، و"ظلوم" أعلى من ظالم، فحملها الإنسان لأن هذا الإنسان طبيعته دائماً مستعجل، طبيعته دائماً يتجاوز الخطوط، فقرر أن يحملها وظن الموضوع سهل، لا الموضوع ليس بالسهل. إذا المخلوقات العظيمة؛ السماوات بعظمها والأرضون بعظمها والجبال بعظمها أشفقت منها، أنت يا أيها الإنسان الضعيف ما أشفقت منها كما أشفقت السماوات والأرض، ما شعرت بالمسؤولية! هذا جزء طبعاً من أن الإنسان جهول ولا ينظر في العواقب كما تنظر تلك المخلوقات، لكنك في النهاية تحملتها، ما دمت تحملتها عليك أن تتحمل العواقب، تتحمل عواقب أن هناك مسؤولية وجزاء وأن هناك ساعة حساب، هل أديت الأمانة إلى الله كما طلب منك؟ فقال سبحانه وتعالى ليخبر في ختام هذه السورة عن موضوع الجزاء: في أمانة حملت؛ أمانة التوحيد والشرائع، وطلب منك أن تمارسها وأن تدعو إليها وأن تتمسك بها، فقال: ﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: 73].

اللام هنا متعلقة بماذا؟ بـ ﴿عَرَضْنَا﴾، وحملها الإنسان، فلما حملها ﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾، هذه اللام لام التعليل ولا لام العاقبة؟ هي لام العاقبة، مثل ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]. هذه ليست تعليل، لماذا فرعون التقط؟ هل فرعون التقط موسى ليكون له عدواً وحزناً؟ مشان هيك فرعون قرر يلتقط موسى؟ لا، وإنما المراد ليؤول أمره أن يكون له عدواً وحزناً. فكأن الآية تقول: وحملها الإنسان، الإنسان قرر أن يحمل هذه الأمانة مع جهله بعواقبها وما يتبعها من مسؤوليات، وفعلاً هذا الذي يقع اليوم أن أكثر الناس في الجنس البشري هل أدوا هذه الأمانة وحملوها أم تلاعبوا بها وانتهكوها واتبعوا أهواءهم وتجاسروا على شرع ربهم واعترضوا؟ ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]. يخبر حملها الإنسان، فكان المآل أن الله سيعذب يوم القيامة المنافقين والمنافقات، ولاحظوا البداية بالمنافقين هنا لأنهم هم أكثر عنصر متعب داخل الحياة الإسلامية؛ يعني الكافر واضح برجع بقول لك: أنت مشكلتك في اللي بين ظهرك، هذا هو المصيبة، أما ذاك الكافر هو كاشف نفسه، يعني هو مش قائل لك أنه أنا معك ولا أنا بدي مصلحتك، هو بيقول لك أنا ضدك، يعني على الأقل أراحني من تبعة متابعته، أنا عارف أنه هو ضدي وهو يعلم أنني أعرف، فلان المنافق هو الأسوأ في حلقة الصراع، فبدأ الله به، ولأن أصلاً سياق السورة الكلام عن المنافقين، سواء في أذيتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، سواء في مواقفهم في المعارك والغزوات، السورة تحدثت كثيراً عن النفاق داخل المجتمع وكيف يكون، فبدأت أنه سنبدأ بكم أيها المنافقون، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. النفاق الاعتقادي أسوأ من الكفر الواضح المكشوف، فبدأ بهم ﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾.

وفي المقابل ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. لماذا عبر بالتوبة هنا؟ حتى يرى الإنسان أنه مهما هذا المؤمن الذي يحاول القيام بأمر الله عز وجل والقيام بهذه الأمانة، أنه مهما فعل فلن يصل إلى حملها، أحسنت، يعني كأنه يقول: أنت أيها الإنسان قررت تحمل الأمانة مع كثرة الظلم والجهل الذي هو من طبائعك أصلاً، يعني أنه كان ظلوماً جهولاً، هذا مش فقط المنافق والكافر، هذا كلام عن الإنسان باعتباره إنساناً، أنه حتى أنت كمؤمن سيبقى فيك من الجهل والظلم والبغي ما يقع، لكن فرق بين إنسان يحارب جهله ويحارب ظلمه قدر المستطاع ويحاول أن يعدل من شؤونه ليوصل هذه الأمانة، وبين إنسان يخون هذه الأمانة، وبين إنسان يقف في وجه هذه الأمانة ويكفر بها. فالذي يخونها من المنافقين، والذي يحاربها من الكافرين، هؤلاء يقول الله لن نتجاوز عنهم، بخلاف الذي يحاول ويسعى أن يحمل هذه الأمانة من الشباب الصالح المؤمن ويتعثر بسبب ما فيه من الظلم والجهل، يتعثر ويرجع يقوم ويحاول يتعلم ويرجع بيضعف في موقف ويرجع مرة أخرى ويقوم، ويعصي الله في أماكن ويحاول، هؤلاء الله عز وجل يفتح لهم باب التوبة.

الأمل أن الله يتوب، ويعرف ضعفك، يعرف أنك ظلوم جهول. هو سبحانه يعرف أن الإنسان ظلوم جهول، فعليك أن تكافح هذا الظلم والجهل قدر المستطاع، وما ستخطئ فيه من هذا فالله يبشرك أنه يتوب: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31].

فيقول: ﴿وَيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 73]. الختام لما يكون بالتوبة والاسم لله الغفور الرحيم؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فلم يرد سبحانه وتعالى أن يختم بشديد العقاب، ولم يرد إلا أن يفتح باب الإصلاح، باب أن كل إنسان يعيد النظر في ملفاته، كل إنسان ينتبه لأوراقه وينتبه لاصطفافاته، لا يتبع الكافرين والمنافقين، يتبع ما يوحى إليه من ربه. أنت أيها الإنسان إذا اتبعت ما يوحى إليك من ربك، ولم تطع الكافرين والمنافقين، الله يقول لك: سأساعدك، سأتوب عليك، سأتجاوز عن تقصيراتك وتفريطاتك، وزلات خائنة الأعين وما تخفي الصدور من هنا وهنا وعثرات الحياة، أنا أساعدك، لكن أنت عليك أن تخطو الخطوات الأولى، وأن تظهر صدقك، وأن تظهر اهتمامك بهذه الأمانة وحملها.

أخيراً قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: 72]. فيها إشارة إلى قيمة النبي صلى الله عليه وسلم. أنت مخاطب، اعرف أن هذه الأمانة وهذه الدعوة وهذا الدين عرض على السماوات والأرض والجبال فما حملنها، وخير من قام بهذه الأمانة هو محمد صلى الله عليه وسلم، هو أحق الناس وأحظاهم بالإجلال والتعظيم على ما فعله صلى الله عليه وسلم من حمل هذا الأمانة، عليه الصلاة والسلام.

جميل، إذاً هكذا انتهت سورة الأحزاب بكل ما فيها من المعاني الشريفة وبكل ما فيها من الدلائل الواضحة؛ كما قلنا من مطالبة أهل الإيمان باتباع شرع الله والتمسك به والتوكل على الله في هذا الاتباع، ولأن هذا الاتباع له ثمن من المواجهة مع الباطل بكافة أشكاله، وأنه من توكل على الله في حمل هذه الأمانة -التي هي أمانة الوحي- فإن الله سبحانه وتعالى لن يدعه. وعرفنا من الصور العظيمة من تجليات نصر الله لمن حمل هذه الأمانة ودافع عنها سورة قصة الأحزاب، هذه الغزوة التي أرسل الله فيها ريحاً وجنوداً لم تروها.

ثم أعظم من حمل هذه الأمانة، كما قال أبو الحسن، هو محمد صلى الله عليه وسلم، كيف بالتالي ينبغي مراعاته والاحتفاء بقلبه وعدم التعرض له بأي أذى، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أمر الزوجات أمراً واضحاً، إما أن تراعي قلب محمد صلى الله عليه وسلم وتريحيه، وإما يمتعكن ويسرحكن سراحاً جميلاً، ونبه أن الغرم بالغن في علاقتكم مع محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30]. وكذلك النصائح والتوجيهات المباشرة في عدم أذية قلبه، سواء في زواجه من زينب ما حدا يتعرض لهذا الموضوع وبيان حكمة الله فيه، وكذلك في قضية دخول المؤمنين إلى بيته وطعامه، وكيف ينبغي أن يكون كمال الأدب في مقامه الشريف صلى الله عليه وسلم، وأن من يؤذيه يؤذون الله، لعنهم الله في الدنيا والآخرة.

فهذه سورة عظيمة المعاني جليلة القدر، وربما فيها مساحات أوسع للتدبر، لكننا حاولنا في هذا الرباط العلمي أن نتدبر منها ما يمكن تدبره في هذا الوقت المحدود وهذه المساحة القصيرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وفقنا لما فيه السداد والرشاد، وأن يغفر لنا الزلل إن صدر منا في فهم معنى من المعاني، وأن يفتح علينا على الأقفال، وأن يجعل قلوبنا محبة لكتاب الله مقبلة عليه فاهمة له، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.