دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الأحزاب | الرباط العلمي | المجلس السادس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن له نهج اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الشباب في اليوم السادس من أيام الرباط العلمي، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وأن يرزقنا القوة والهمة على الانشغال بما ينفعنا في ديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما بعده، ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده. اللهم أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر. يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، ونعوذ بك من شره ومن شر ما بعده.

اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونج المستضعفين من عبادك في غزة خاصة، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً، اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وأنزل عليهم من بركات السماء وأخرج لهم من ثمار الأرض يا أرحم الراحمين. حياكم الله في هذا الصباح الطيب، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون يوم خير علينا وهمة وإنجاز وعمل.

ما زلنا نعيش في أفياء سورة الأحزاب، هذه السورة العظيمة التي فيها العديد من الحكم والعبر والتوجيهات، وتوجيه البوصلات إلى الله سبحانه وتعالى، وفيها توجيه البوصلة أيضاً إلى مقام الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف ينبغي أن يوقر وأن يعزر وأن يكون حال المؤمن مع هذا المقام الشريف. عندما ينظر الإنسان في مدى الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبقلبه حتى يحظى من الخصائص والأحوال ما لا تعطى أمته، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يسعد نبيه وأن يدخل على قلبه السرور، فيعرف عندئذ أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم عند الله ليس كأي مقام، وأن حاله عند الله سبحانه وتعالى ليس كأي حال، فيستوجب ذلك منك تعظيماً لمحمد صلى الله عليه وسلم وتوقيراً وإجلالاً، ونصرة لشريعته وغيرة على أحواله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الأدب في هذا المقام، وأن يرزقنا محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأن يحشرنا في زمرته وأن نكون على سنته.

ما زلنا نعيش في أفياء هذه السورة في المقطع الذي يتكلم عما خصه الله سبحانه وتعالى به في المواضيع المتعلقة بالزواج والعلاقة مع النساء. يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ونلاحظ هنا أيضاً من نداءات: يا أيها النبي في السورة، يا أيها النبي اتق الله، يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك. هذا ينبغي أن يكون إحدى محطات الانتباه؛ أنه السورة تنادي نداءات متكررة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بحد ذاته جزء من الاحتفاء، وأن الله سبحانه وتعالى يناديه بالنبوة. وهناك طبعاً مساحات من التدبر قد لا يسع الوقت لها، لكن أفتح لك مجالها أن تنظر فيها، لماذا اختيار النبوة؟ لماذا لم يقل يا أيها الرسول؟ هذا كله أمور ينظر فيها وينتبه لها عند علماء التدبر.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الآن هذه الآيات مع ما بعدها من الآيات حقيقة هناك خلاف شديد بين المفسرين في محاولة فهم المشهد أو الصورة كاملة. فهناك خلاف شديد بين علماء التفسير في فهم هذا المشهد، فمنهم من يقول إن الآيات التي ستأتي في الصفحة التالية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾، حرمت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيد على النسوة التسع اللواتي عنده، وأن الله سبحانه وتعالى أمره أن يلتزم بالنسوة التسع فقط لا غير، ثم نسخ ذلك بهذه الآية التي في الصفحة السابقة، فقال له: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ...﴾، فعاد فأباح له سبحانه وتعالى الزواج من هذه الفئة.

البعض يقول لا، البعض يقول هو سبحانه وتعالى لم يحرم عليه ابتداءً الزواج بالكامل بعد التسع نسوة، وإنما حصر عليه الصلاة والسلام بعد التسع نسوة بهؤلاء النسوة، وهذا سنحتاجه حتى نجمع بين الآية التي في الصفحة القادمة ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ هي الإشكال في كلمة من بعد، من بعد ماذا؟ فهذه نقطة الخلاف بين المفسرين، هنا نوع من الإجمال، هل المراد لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء التسعة اللواتي عندك؟ أم لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء الذين أحللناهم لك في الصفحة السابقة؛ بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك، وبالتالي حصره في هذه الخيارات؟ وهناك قول آخر ثالث، قال صاحب المفاتيح: قال المفسرون لا يحل لك النساء من بعد الأولى أن يقال لا يحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما يؤتيهن من الوصل والهجر والحرمان، فجعل التقدير من بعد اختيارهن الله ورسوله، ولا أن تبدل بهن من أزواج. فإذاً كلمة بعد أصبح هناك نوع من الإجمال لأن المضاف إليه محذوف، فأصبح كل مفسر يحاول يفهم بناءً على تفاسير السلف المنقولة وعلى الاجتهادات الموجودة.

سأسير أنا على قول ابن جرير الطبري فيما يظهر لي وهو أنه اختار أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم عموم النساء بعد التسع، بل حصره في المذكورات في هذه الآية، يعني هو لا يحل لك النساء من بعد اللواتي ذكرتهن لك في الصفحة السابقة، فبالتالي هذا القسم حصر الله سبحانه وتعالى نبيه فيه. ما هذا القسم؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. أولاً نحن أحللنا لك الأزواج اللاتي دفعت مهورهن، وهنا فائدة ولطيفة أنه يجوز أن يسمى المهر أجراً، فإن الزوجة التي أوتيت مهرها أطيب قلباً من التي لم تؤت.

وهنا اللاتي آتيت أجورهن هذا الكلام بالفعل الماضي، يعني الزوجات اللاتي آتيت أجورهن أعطيتهم المهر وانتهى، وهم الموجودات عندك، فهؤلاء أحللناهم لك، ما قال ستؤتيهن أجورهن، إذًا الفعل ماضي، فهو يتكلم عن شيء حصل وانتهى، أي النسوة اللاتي تزوجتهن سابقاً وأعطيتهن المهور هؤلاء أحللناهم لك. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ كل ما تملكه بملك اليمين، فهذا باب مفتوح لم يحصر فيه في شيء معين بل بقي مفتوحاً، لك أن تتسرى من الإماء بما شئت.

ثم أعطاه المساحة التي يمكن الزواج منها مستقبلياً، قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ هؤلاء القرشيات هن اللواتي يجوز لك أن تتزوج بهن مستقبلاً. إذاً قال: نساؤك السابقات اللاتي دفعت المهر هؤلاء حلال عليك، الإماء لك أن تتسرى بما شئت، تريد أن تتزوج امرأة مستقبلية أنت محصور ضمن هذا الخيار، بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات.

و﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، وإذا جاءت امرأة مؤمنة تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، في شرطين متتاليين؛ إن وهبت هي نفسها وإن أنت أحببت نكاحها فهذه أيضاً نعطيها لك، إن جاءت امرأة مؤمنة تريد أن تهب نفسها وهذا فيه تخفيف المؤونة عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يتكلف المهر ولا يتكلف القسم ولا يتكلف أشياء كثيرة ستأتي، وسع له فيها، أي امرأة مؤمنة أتت تهب نفسها لك بدون مهر، تقول أنا لا أريد مهراً، وأنت رغبت في الارتباط بها، فهذه أيضاً أحللناها لك أنت فقط ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

هذا النوع من الزواج خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، المؤمن لو جاءت واحدة قالت لك أنا أريد أن أهب لك نفسي بدون مهر، هل يجوز لك أن تقول خلاص عاد أنا رضيت تزوجتك بدون مهر؟ لا يصلح، الزواج بالهبة هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، الآن جاءتك امرأة قالت لك أنا أرضى منك بالقليل، ممكن تتفق على أيسر المهر، لكن أن تتزوج بدون أي مهر هذا لا يصح مجرد الهبة إلا للنبي عليه الصلاة والسلام. إذاً هذا هو القسم الذي أبيح له صلى الله عليه وسلم أن يرتبط به ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ثم أخبر الله سبحانه وتعالى قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، يعني الأحكام الزوجية الخاصة بك تختلف عن بعض الأحكام الزوجية التي تكون لسائر المؤمنين، ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على سائر المؤمنين في أزواجهم، في قضية من التي يباح له أن يتزوجها ومن التي لا يباح له، في قضية أنهم لا يزيدون على أربع نسوة، في قضية القسم، في هناك أحكام نعم خاصة بك لا تكون لسائر المؤمنين، وعلى المؤمنين ألا يعترضوا، فإن للنبي صلى الله عليه وسلم مقاماً عند الله سبحانه ليس كأي مقام. هناك خصائص للنبي صلى الله عليه وسلم فيها ليس لنا أن نقيس أنفسنا على نفس النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾.

لكي لا يكون عليك حرج لها أيضاً عدة سياقات هنا، يعني أولاً الله عز وجل يقول ذكرت هذا الحكم في القرآن لئلا تتحرج من أن تفعل ما خصصتك به، وتقول لا أريد أن أفعل ذلك حتى لا يقول المؤمنون بأنك كيف محمد صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً ويأمرنا بشيء، لا، عليهم أن يعرفوا أنهم لهم أمور وأنت لك خصائص، فلا تتحرج يا محمد صلى الله عليه وسلم مثلًا أن تتزوج المرأة الواهبة نفسها، إذا امرأة وهبت نفسها لا تتحرج، ولا تقل إيه المؤمنون أنا أقول لهم لا يجوز الزواج بالهبة فكيف أنا أتزوج بالهبة؟ وكثير من الأحكام قد يكون النبي عليه الصلاة والسلام لشدة حيائه ولأخلاقه الرفيعة قد يتحرج من خصائص ربنا أعطاها إياها، قد يتحرج من القيام بها خشية أن يتكلم فيه، لا، أنزلت قرآناً من فوق سبع سماوات أخبر المؤمنين أن حالكم ليس كحاله، فلا تتعبوا قلبه ولا تشغلوا أنفسكم بالقياس عليه ولا تزعجوه. ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، كيف أقول لك يعني خذ مساحتك، خذ راحتك، ما تتحرج، فحالهم ليس كحالك، وأمورهم ليست كأمورك، وأعطيتك هذه خالصة لك ليكون هذا أفسح لقلبك وأبعد عن الهموم والغموم. هذه شوف كيف الله سبحانه وتعالى يحب إسعاد نبيه، يحب إسعاد نبيه حيث أعطاه من المساحات في موضوع الزواجات ما لم يعطِ غيره، ولا يأتي شخص أفاك أثيم يعتدي على مقام النبوة، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل ذلك من فوق سبع سماوات، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الله عز وجل غفور يغفر الخطأ ويغفر الزلل، ورحيم بعباده يشرع لهم سبحانه وتعالى من التشريعات والأحكام ما فيه خيرهم وصلاحهم.

ثم قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. ما معنى ترجي وتؤوي هنا؟ القول المشهور أن ترجي وتؤوي أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أسقط عنه وجوب القسم، وهذا أيضاً من محبة الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن فتح له عدة مساحات. قال: إذا كان بالنسبة للشباب المعددة زوجتين أو ثلاثة أو أربع، القسم واجب عليهم، العدل بين النساء في المبيت واجب، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال...

العلماء من خصائصه: أن الله سبحانه وتعالى أسقط عنه وجوب القسم. فكان له الحرية كاملة أن يختار من يشاء من نسائه التسع يأوي إليها وينزل في بيتها، ومن شاء منهن أن لا يأويها، أي تبقى على ذمته لكن لا يريد أن يبيت عندها، فله أن لا يبيت عندها. فلم يكن مأموراً لزوماً بالقسم، ولكن أخلاقه الرفيعة وأحواله السنية كانت تأبى عليه إلا أن يقسم بينهن، مع أن الله سبحانه وتعالى رفع عنه وجوب القسم، ولكن مع ذلك كان يتحرج صلى الله عليه وسلم من ذلك، وكان يقسم بينهن بالعدل مع أن القسم لم يكن واجباً عليه.

ترجي من تشاء منهن وتؤخرها، بمعنى لك أن تنحي من تشاء منهن فلا تبيت عندها، وتؤوي من تشاء فتبيت عند من تشاء؛ أردت تبيت عند عائشة، عند زينب، ما تريد تبيت عند فلانة عند فلانة، لك الحقية في ذلك. ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك؛ يعني إذا كنت عزلت بعض النساء ما تأوي إليهن ثم أردت أن تتراجع عن ذلك وتحب تأوي إليها، كل هذه المساحات مفتوحة لك؛ اقسم كما تحب، أخر من تشاء منهن، التي أخرتها أحببت أن ترجعها وتصبح تبيت عندها لك ذلك. وهذا كله يعطيك أعود فأقول: انتبه إلى كيف الله سبحانه وتعالى يرينا مقام محمد صلى الله عليه وسلم عنده، وكيف ينبغي أن يكون؛ أن يسارع في إتمام حوائجه وقضاء وطره صلى الله عليه وسلم.

ثم ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك. ذلك أدنى أن تقر أعينهن. ذلك أدنى، أي هذا أقرب إلى أن تقر أعينهن. كيف يكون هذا الحكم أقرب إلى أن تقر أعين الزوجات؟ من أي جهة ستقر أعين زوجات النبي عليه الصلاة والسلام؟ بالعكس، ممكن البعض يفهمها أنه هذا الحكم سيجعل هناك نوعاً من الحزازية؛ التي بات عندها ترفع رأسها والتي لم يبت عندها تصبح تشعر بالحرش. نعم، هذا ليس قراراً لمحمد صلى الله عليه وسلم، بل هو أمر من الله عز وجل أو إذن من الله عز وجل. يعني هذا أحد الأمور التي قيلت: أنه إذا عرفنا أن هذا الأمر في أنك تقدم ما تشاء وتؤخر من تشاء من الله، فالمؤمنة تقر عينها بحكم الله ولو كان هذا الحكم ليس على هواها. المؤمنة بالله المحبة لله التي تعلم حكمة الله وأسماء الله وصفاته تقر عينها ولو كان الحكم على خلاف هواها؛ هذا المعنى الجميل.

ولذلك كثير من الأحكام، للأسف خاصة أخواتنا النساء، تجدها تقر بها بلسانها لكنها تناكفه في قلبها. صحيح؟ مثل موضوع تعدد الزوجات، كثير من النساء تقول لك باللسان أكيد يعني شرع الله وكذا، لكن في قلبها لا تقر، يعني القلب ما فيه قرار، ما فيه طمأنينة لهذا الحكم؛ فيه نوع من الرفض. طبعاً إحنا نفرق بين مقامين: مقام أن الزوجة كغيرة لا تحب أن زوجها يعدد عليها، هذا شيء طبيعي ما أحد ينكره، حتى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ما كن يحببن أن يدخل عليهن ضيف جديد. لكن قضية الطمأنينة لهذا الحكم وعدم الرفض الداخلي له كحكم؛ وليس كحالة أنها لا تحب أن يعدل. وأن تصبح المرأة إذا رأت زوجة عدد عليها تقول: هذا الزوج ظالم، وهذا الزوج كذا، وليش عدد عليها، وليش يفعل كذا؟ والله ما شاء الله عليها فلانة أمورها طيبة، والله جابت له خمس بطون، شوف هذا الزوج الرجال والله ما يستحي على حاله! هيك ترى تأتي تقول لك في آخر شيء: بس هو شرع الله، بتكون بعد ما فرمت الرجال فرم! تقول لك: هذا هو شرع الله، ما ظل حاجة أختي.

فذلك أدنى أن تقر أعينهن. لما تعلم المرأة المسلمة أن هذا حكم الله، ليست ميولات بشرية؛ يعني أحياناً لو كان الأمر يتعلق بميولات بشرية كانت المرأة لها مساحة تتكلم، لكن هذا حكم الله، هذه إرادة الله من فوق سبع سماوات، من له أن يعترض على حكمه؟ حكم الله فيه الحكمة والخير والرشاد والصلاح. وفعلاً لو بعيداً عن أهواء النساء وبعيداً عن رغبات الرجال؛ أن التعدد وغيرها من الأحكام كلها مليئة بالحكمة. اليوم انظروا كثرة النساء على حساب الرجال؛ هذه الحروب والنكبات التي تمر بها الأمة يفنى فيها الرجال وتبقى فيها النساء عوانس. طب هذه النساء العوانس، مع الوقت إذا لم تجد من يستر عليها ومن يتزوجها، ستنتشر الرذيلة في الشوارع.

ويصبح المشكلة دائماً نقول أن للأسف أن كثيراً من النساء ما عندها مشكلة أن زوجها يذهب إلى العمل من الصباح للمساء، ويعاشر كل النساء الأجنبيات بمعنى يمازحهن ويضاحكهن، ويحصل بينه وبينهن من الحرام ما يحصل، المهم بس ما تتزوجش علي! وفعلياً حكمياً متزوج نص الموظفات في العمل، من حيث المزح والضحك والفطور معه الجماعي والعشاء الجماعي، وأنا على ارتباط بنص الموظفات في العمل، بس يعني لأنه الحمد لله كعقد مش مكتوب. فهي هل يرضيك أن يكون زوجك مع كل النساء في علاقات محرمة بس يعني كاسم إنه مش متزوج ثانية؟ عرفت؟ بعض النساء ترضى بذلك المهم ما يتزوج علي. أما إباحة الإسلام الزواج العفيف بثانية وثالثة ورابعة مقارنة بمنع الرجل من أن يختلط مع النساء الأجنبيات في أماكن الاختلاط، وأن يغض بصره عن الحرام، وألا يتكلم إلا على قدر الحاجة؛ يعني هذه هكذا الأمور.

المهم كنت أتكلم إذاً ذلك أدنى أن تقر أعينهن، من جهة أنهن يعلمن أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من شاء وأخر من شاء، فهذا هدية من الله له، فعندئذ المرأة تقر عينها وتقول: رضيت بحكم ربي. هذا أحد المعاني. المعنى الثاني ذلك أدنى أن تقر أعينهن؛ يعني إذا أعدل شوي، يعني أكمل على كلام أخونا عثمان، التي هي فكرة أنهن إذا علمن أنك تقسم بينهن بالعدل مع أن ذلك ليس واجباً عليك، فسيكن في قمة الرضا والسعادة. إذا رأينا النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا، صحيح الله عز وجل عفا عن وجوب القسم، لكنه كان يقسم؛ إذا رأيناك تقسم بينهن بالعدل مع أن ذلك ليس واجباً عليك، فهذا سيكون فيه تمام قرار العين والرضا، لأنه سيشعرن أنه يقسم بيننا مع أن ذلك ليس واجباً عليه، فهذا سيكون أدعى لسرورهن وزيادة محبتهن لك.

ذلك أدنى أن تقر أعينهن في المقابل، ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن. في المقابل إذا أنت قررت أن تختار من تشاء وترجي من تشاء، ما يحزن ويرضين، لأنه شرع الله وحكمه. وهذا قد يكون المعنى الثاني أقرب من حيث أنه جعل جملتين: ذلك أدنى أن تقر أعينهن في حال أنك قسمت بينهن جميعاً، فإن هذا ستقر به أعينهن لأنهم يرون أنك تعطيهم جميعاً مع أن ذلك ليس واجباً، وإذا رغبت في أن تقدم من تشاء وتؤخر من تشاء فيرضين ولا يحزن، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي منحك هذا الحكم أو أعطاك هذه السعة، ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن. والله يعلم ما في قلوبكم. هنا دائماً قضية أنه يا أيتها المرأة في الأحكام التي ينزلها الله سبحانه وتعالى، ترى العبرة مش تتكلمي باللسان، العبرة أن يكون القلب مطمئناً لشرع الله؛ يعني ما هي قضية أن تحكي بلسانك أنك والله راضية بهذا الحكم، أنا أرضى بهذا الحكم لكن قلبك فيه اضطراب، فيه شك، فيه عدم ارتياح لشرع الله سبحانه، لا. ما قال: "والله يعلم ما في ألسنتكم"، الله يعلم ما في قلوبكم تجاه هذه الأحكام والمواقف التي تقفون منها تجاهها. وكان الله عليماً حليماً.

يعني عليماً بمواقف الناس وماذا سيصدر منهم من مواقف قبل أن تحصل، أنه سبحانه وتعالى يعلم الشيء كيف كان وكيف يكون. حليماً، أي صبوراً عليكم، صبوراً على تعثراتكم القلبية، صبوراً على الحزازيات النفسية، صبوراً على وجود أحياناً شيء من التعكر في القلب تجاه بعض الأحكام فلا يعاجلكم بالعقوبة، لا يعاجلكم بالهلاك، وإنما يعطي لكم مساحة التوبة ومساحة الإصلاح ومساحة تربية القلوب؛ أنه سبحانه وتعالى يعلم أن هناك ضعفاً في بني آدم خاصة في النساء في تقبل كثير من الأحكام الشرعية، فالله حليم لا يعاجل، ويصبر سبحانه وتعالى إلى أن تربي المرأة نفسها وتزيد الشغل والاجتهاد القلبي إلى أن ترضخ لشرع الله سبحانه وتعالى وتطمئن له.

ثم يقول سبحانه: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ﴾ [الأحزاب: 52]. هذه الآية التي قلنا إن هناك خلافاً شديداً: هل هذه الآية تعني لا يحل لك أن تتزوج أبداً ثم هي منسوخة بالآية التي قبلها، تكون هذه من أنواع النسخ التي جاءت فيه الآية المنسوخة متأخرة والآية الناسخة متقدمة؟ يعني أنت تقرأ الآية الناسخة ثم تقرأ الآية المنسوخة، أو أنه لا نسخ أصلاً، وأن الله سبحانه وتعالى يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: لا يحل لك النساء من بعد التي ذكرتهم لك في الصفحة السابقة، فذكرت لك أن نساءك اللواتي أتيت أجورهن اللواتي عندك، وما ملكت يمينك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك والمرأة الواهبة؛ هؤلاء هم اللواتي يجوز لك أن ترتبط بهم، ما عداهم لا ترتبط بهم.

طبعاً كثير من المفسرين يقولون إن هذه الآية نزلت بعد أن اختار زوجات النبي صلى الله عليه وسلم المكوث عنده، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير زوجاته: ﴿تُرِيدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...﴾ [الأحزاب: 28] وإن كنتن تردن الله ورسوله، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كافأهن الله سبحانه وتعالى. خاصة التيار من العلماء الذي يقول إن هذه الآية تتكلم على عدم إباحة جميع النساء إلا التسع، يقولون الله عز وجل كافأ زوجات النبي عليه الصلاة والسلام على اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: لا يحل لك الزواج من بعد هؤلاء التسع أصلاً، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن، كنوع من المكافأة على الموقف النبيل الذي وقفوه، أنهم اختاروا الله ورسوله والدار الآخرة وما عادوا يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم بالمال والتوسعة وما شابه ذلك، فكان الجزاء أن الله سبحانه وتعالى بين كرامتهن.

فأوقف نبيه صلى الله عليه وسلم عندهم: لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن، إلا ما ملكت يمينك؛ مساحة ملك اليمين مساحة واسعة. ثم تقول عائشة بعد ذلك كما جاء في الآثار: لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى أباح الله له النساء. فقد يكون هذا إذا صح النسخ على رأي الشافعي وطائفة من أهل العلم، تكون هذه الآية أوقفت له الزواج من غير هؤلاء التسع فترة، يعني كأنه فترة معينة أوقف وطلب منه أن يستقر على هؤلاء كنوع من المكافأة، ثم قبيل موته الله سبحانه وتعالى فتح له باب الزواج مرة أخرى إذا أحب، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد عليهن شيئاً. أما كما قلنا على القول الذي يقول: لا، هو أصلاً من البداية ما في إيقاف لموضوع الزواج في حقه صلى الله عليه وسلم، وإنما كان حصر فقط في القسم السابق وأنه لا يزيد على الزواج من بنات عمه مستقبلاً؛ تتزوج بنت عمك، بنت خالك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فالله أعلم أي ذلك كان.

لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج. أما قضية أن يطلق إحدى زوجاته اللواتي عنده النسوة التسع اللواتي كن عنده فهذا منع منه عليه الصلاة والسلام. ولا أن تبدل بهن من أزواج، الآن هذه غير لا يحل لك النساء من بعد، لا يحل لك النساء من بعد هذا موضوع، وموضوع ولا أن تبدل بهن من أزواج قيل أن الله سبحانه وتعالى منع نبيه صلى الله عليه وسلم من تطليق هؤلاء النساء التسع بعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كمكافأة لهن، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسن هؤلاء الزوجات، لا، إلا ما ملكت يمينك، فلك المساحة كما قال تتوسع في ذلك، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾ [الأحزاب: 52].

أيضاً من المواقف التي أدب الله سبحانه وتعالى فيها عموم الناس في علاقتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، نلاحظ أنه في سورة الأحزاب أولاً ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] تنبيه لهذا المقام، ثم تنبيه للزوجات خصوصاً بضرورة مراعاة قلب النبي عليه الصلاة والسلام، فلما ألححن عليه مباشرة أعطي التخيير، قل لزوجاتك تريدن الحياة الدنيا، تريدن الله ورسوله، فكان هذا تأديباً للزوجات في كيفية التعامل مع المقام العظيم له صلى الله عليه وسلم. ثم أراد الله أن يبين لعموم المجتمع المدني أيضاً الآداب في التعامل مع النبي عليه الصلاة والسلام، يعني كما أن الزوجات يؤمرن بآداب وحذرن من التعدي أو التجاوز، كذلك الآن مخاطبة وتأديب للمجتمع المدني كامل في كيفية مراعاة قلب النبي عليه الصلاة والسلام وعدم أذية مشاعره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: 53]. ما بيصير تدخلوا، الآن قيل أن هذا كان عادة في الجاهلية أنهم كانوا يدخلون بيوت بعضهم بعضاً بدون استئذان، هكذا كانوا في الجاهلية، يعني الرجل يأتي عليه كذا ولو فاتح الباب وداخل، تمام، عادي تكون الزوجة موجودة وكذا، ما...

هو قديمًا ما كان في حجاب، ولا كان في انتباه لقضايا، جاهلية عمياء. فلو رأى زوجتك وهي بدون حجاب أو في المنزل على غير ما كان عندهم هذا التحرج الكبير؛ كأنه داخل على صاحبه. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يعلم ما كان في الجاهلية لا يقبل الآن؛ ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب: 53].

إذًا، نهوا أن يدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بدون إذن. قال: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم دعاكم إلى طعام وأعلمكم أنه تأتي فلان تأكل عندي أو شيء من ذلك، فهذا فيه سعة فلا تحتاجوا إلى الإذن.

﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، الإناه هو النضوج واستواؤه. وهذا فيه أيضاً من الآداب العلية أنه لا تترقبوا وقت الطعام، يعني ما تأتي تكون تنتظر وجود الطعام ويخرج رائحة الطعام فتتشوف وتقف على الباب حتى يؤذن لك؛ لا. الطعام الذي تدخل فيه إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام طعام يؤذن لك أن تدخل عليه، ولا تكن أنت مترقباً متربصاً على الباب تنتظر نضوجه حتى ينحرج النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلك. أحياناً ممكن رائحة الطبخ تخرج من بيتك فتلاقي شخص واقف على باب البيت؛ هو ما قال لك دخلني، بس بالمفهوم العام: دخلني.

حتى الطعام الذي يؤذن لكم أن تدخلوا إليه؛ طعام دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم إليه من تلقاء نفسه وبطيب نفس منه، وليس طعاماً أنتم تتربصون نضوجه وتتعرضون للنبي صلى الله عليه وسلم عندما تشمون رائحته حتى ينحرج فيدخلكم إلى البيت وتقول: ها هو أذن لنا فيه. لا، ما هو فيه إذن. طبيعي هو بطيب نفس منه؛ دخل المسجد رأى أبا هريرة دعا، رأى رجلاً من الصحابة دعا، وفيه إذن يكون من باب الحياء؛ إنه أنا ماشي أنا أذنت لك، بس ما هو أنت واقف على باب المنزل وتتعرض لي. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ﴾، ما صفة هذا الطعام يا أبا الحسن؟ طعام أنتم لا تتعرضون له وتنتظرون نضوجه وتتعرضون لأن يدخلكم إليه؛ لا، هو صلى الله عليه وسلم من أحب أن يدعوه دعا. ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

ولكن إذا دعيتم فادخلوا. بس إذا دعاكم في المقابل فادخلوا. وهذا فيه أدب، قال بعض المفسرين من ناحية أخرى: إنه البعض لما سمع الجزء الأول من الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، بعض الصحابة أصبح يتحرج من قبول الدعوة إلى الوليمة، صار عنده نوع من التخوف إنه بلاش يكون النبي عليه الصلاة والسلام يتضايق من دخولي منزله، خلاص ما راح أدخل حتى لو عزمني ما راح أروح.

شوف، بيصير عندك نوع من إيش؟ كيف أنا أجي أقول لك؟ يعني واحد يكون عندك واحد من الطلاب يا شيخ أديب، يتصرف تصرفات ليست في كمال اللباقة، فأنت ايش تقول؟ يا فلان، مثلاً لا تجي عندي على البيت؛ مثلاً بيجيك على البيت على الساعة سبعة، بيجيك على الساعة ثمانية، بيجيك على الساعة تسعة، بيجيك على الساعة ستة، على الساعة 11 بالليل بيجيك، ويرن عليك وكذا، فأنت ايش بتحكي له؟ يا فلان، أخي ما تجي بهي الطريقة الساعة ستة وسبعة وثمانية وتسعة ووراك الساعة 11 و12 بالليل، واحدة بالليل، ترى هذه بيوت ولها حرم وكذا. الآن هذا الطالب أنت لما أدبته هذا الأدب، هسّه هو سمع منك وتفهم، بس بيصير أحياناً عند الطالب نوع من الجفوة، يقول شكله الشيخ متثاقل مني، خلاص ما بدي أروح عنده، حتى لو الشيخ حكى لي تعال، أنا خلاص واضح إنه الشيخ مش راغب بوجودي. تصير حالة نفسية، الشاعر خاصة مع التأديب؛ الأدب مش كل النفس تتحمل التأديب، وبعضهم لو عرف أن الأدب صحيح لكن خلاص يبقى في نوع من الحرج النفسي. يقولك الظاهر إني أثقلت والله على الشيخ، ما عدت أحكي معه أصلاً. لا، فهنا الصحابة علموا أن الأدب أن لا تدخل بيت النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن يؤذن لك إلى طعام غير ناظر إناه، ولكن في المقام الآخر ﴿وَإِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، إذا النبي عليه الصلاة والسلام قالك تعال زورني عيب أنك ترد هذا. ﴿وَإِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، ما تيجي تقول لا يا رسول الله ترى أنا خلاص ما بدي أشق عليك، خلاص يا رسول الله ما بدي أجي، لا عيب. يعني كما أن تشوف الدخول إلى منزله عيب، كذلك عدم إجابة دعوته عيب. ﴿وَإِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾.

الأدب الذي يليه: دخلنا، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾، غادروا؛ يعني لا تكن الضيف الثقيل الذي يتعب وجوده. وهذه نزلت في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش. وهذه من المناسبات التي فيها قصة؛ لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكان ليلة البناء بها، عمل النبي صلى الله عليه وسلم وليمة خفيفة ودعا إليها جماعة من المهاجرين والأنصار في المنزل. وكانت زينب بنت جحش في مؤخرة الحجرة ومستور عليها، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، أو قبل أن يستر عليها لأنه هذا نزل الحجاب في هذه الواقعة، كانت موجودة قبل أن ينزل الحجاب. معطي ظهرها للحائط للجمهور أو الضيوف ووجهها للحائط، لكن هذا كان قبل أن ينزل الحجاب ربما بساعات، لأنه بعدها سينزل الحجاب في نفس المشهد. كانت زينب بنت جحش في ليلة الدخلة كما نسميها نحن، ولابسة ملابسها الخاصة بها، ووجهها للحائط، والضيوف موجودون، والنبي صلى الله عليه وسلم عمل وليمة العرس، وأكل الضيوف، غادر جلهم، لكن بقي بعض الصحابة جالس في المنزل، يعني بعضهم يتحدثون في الحجرة، والنبي عليه الصلاة والسلام طال جلوسهم، فقام وخرج خارج الحجرة، يعني ليعطي معلومة يعرض، أنه يا جماعة الله يتسهل عليكم. خرج النبي صلى الله عليه وسلم، دخل، وهم مش منتبهين جالسين، ثم خرج مرة أخرى، ثم دخل، وهم جالسين، فالله سبحانه وتعالى عاتب هؤلاء الصحابة على هذا الخطأ؛ أنت الأصل طعمت، وانتهت الوليمة، فانتشر.

ثم لما المرة الثالثة، شعر الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم مستثقل من هذا الوجود، زاد عن حده، وعلى ليلة الدخلة للمرأة، ما ينفع هذا، ليس مقام أنك تطيل الجلوس عندي. فانتشروا، ولا مستأنسين لحديث؛ إن ذلكم طول المجلس في الحجرة كان يؤذي النبي، لكن أخلاقه الشريفة صلى الله عليه وسلم كانت تمنعه من أن يقول لك قم أو غادر، فيستحي منكم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]. الله سبحانه وتعالى يعلم البشر بوضوح، لا يستحي من بيان الحق. طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام كان خلقه رفيع، وكان حياؤه كبير، لا وخاصة في لأن هذا يتعلق بحقوقه الشخصية؛ لو كان في الحلال والحرام يغضب عليه الصلاة والسلام، ما يعرف حاله، يتغير حاله، لكن لأنه أمر متعلق بحقه الشخصي، يعني عنده عليه الصلاة والسلام كما سماه الله يستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق.

لما خرج هؤلاء الشباب الذين كانوا في منزله، أنس بن مالك خادم النبي عليه الصلاة والسلام كان ملازماً له طبعاً، خرج هؤلاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام دخل الحجرة، أراد أنس بن مالك أن يدخل معه للخدمة كما كان المعتاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوقفه وأخبره أنه نزلت آية الحجاب، منعه أن يدخل الحجرة، وأخبره أنها نزلت آية الحجاب. هذه الآية تسمى آية الحجاب، حيث أمر فيها زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الحجاب بينهم وبين الرجال الأجانب تماماً. ما قبل هذه الآية، هذه الآية طبعاً نزلت قيل في العام الخامس من الهجرة، وقيل في العام السادس، وقيل في العام غير ذلك، لكن المشهور أنها في الخامس أو السادس من الهجرة. قبل ذلك كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يدخلون الحجرة، وتكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم جالسة، ما كان في حجاب، تكون جالسة، وعادة كان يراها عمر، ولذلك أصلاً قيل أن هذه الآيات من الآيات التي وافق الله فيها عمر، لأن عمر كان يدخل على حجرات النبي صلى الله عليه وسلم وتكون الزوجات جالسات، وكان يقول لو أنني أطاع فيكن؛ يعني عمر كان يشعر أنه يا رب ينزل شيء يؤمر فيه بستر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في الأثر أن عمر قال: يا رسول الله إنه يدخل عليك البر والفاجر، بيتك يزوره البر والإنسان اللي بيخاف ربنا وبيزوره الفاجر اللي ممكن يطلق البصر وممكن يكون يهم شراً إلى غير ذلك. فكان عمر يرجو من الله أن تنزل آية يؤمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بإنهاء هذا الملف تماماً، وفعلاً نزلت آية الحجاب، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53].

وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن نساءه يستترن من خلف الحجاب، فإذا دخل رجل أجنبي الحجرة تكون بين الرجل الأجنبي وبين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ساتر طبعاً. خاصة البيوت القديمة إخواني ما كانش زي حالات بيوتنا المعاصرة، الكل بيت ما شاء الله سبع غرف وثماني غرف وست حمامات وكذا ومطبخين وصالون، البيوت القديمة حجرة، انتهت، هي حجرة واحدة فيها الصالون وفيها التخت وفيها كل شيء، ودورة المياه أصلاً خارج المنزل يعني بيطلع على الخلاء أو مكان كنيف في الخارج. زوجات النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن حجرة بسيطة، فبالتالي أمر بضرب الحجاب فتكون المرأة جالسة خلف الستار زي برداية تكون في نص الغرفة، المرأة جالسة وراها والنبي صلى الله عليه وسلم جالس مع ضيوفه أمامه.

وإذا سألتموهن متاعاً؛ طب رجل جاء إلى بيت النبوة والنبي عليه الصلاة والسلام غير موجود، هل يجوز أن يكلم زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ويطلب منها حاجة؟ يجوز، لكن من وراء الحجاب، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ليه؟ شوف التعبير القرآني السامي: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. يقولون يا شيخ عدنان: إذا نظرت العين تشوف القلب، وإذا حجبت العين خف القلب. يعني متى يتشوف الرجل إلى المرأة؟ إذا رآها أمامه يحدثها ويتكلم معها ثم يتبادل أطراف الحديث ثم تكون ابتسامات متبادلة، إذا نظرت العين تشوف القلب، ولذلك أمر بغض البصر: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]. أنت إذا تعودت النظر إلى النساء تبقى تتشوف إليهم، وأما إذا ما رأيت المرأة وحجبت عنك بالكامل فهذا لا يجعلك تتشوف وتصبح تتخيل نفسك معها وغير ذلك مما يدخل في قلوب الذين في قلوبهم مرض.

فذاك فعبر الله بذلك بالطهارة، وهذا وإن كان خوطب به أزواج النبي عليه الصلاة والسلام لزوماً، لكنه أدب عام أيضاً في التعامل مع جميع النساء الأجنبيات. يا أختي الكريمة ويا أيها الأخ الكريم، ما في اجتماعات بين الرجال والنساء في غرف مغلقة مباشرة، مثل ما يحدث اليوم للأسف في كثير من الأروقة حتى بين الإسلاميين، تجد والله لازم نعمل اجتماع عمل للعمل الإسلامي، طب شو نعمل؟ يلا احنا الشباب والبنات، الشباب هون والبنات على الجهة الثانية من الطاولة بينهم متر، ويتكلموا وكذا وإدارة شؤون البلاد والعباد والعصائر، ثم مزحة من هذا الشاب ولا تقلب الطاولة وكلها ضحك وهمس، يقولك يا أخي في الأخير هذا جائز وأنتم متشددون لأنكم هذا التنطع، من وين جبت هذا الكلام؟ الله عز وجل يقول: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، أنت تعلم أكثر من الله؟ الله يعلم أن كلما ابتعدت المسافات بينك وبين النساء الأجانب كلما كان قلبك أطهر، وكلما كانت نفس أقل طمعاً. أما لما كسرنا هذه الحواجز وقطعناها وأصبحنا نعتقد أن الأمور كلها بالسهالة، كثرت العلاقات المحرمة وتشوهت، ووالله أنني أعرف كثير من الوقائع والقصص من ناس مش متدينين فقط بل أنهم دعاة يعمل نفسه كذا ويقعون في كثير من القضايا المحرمة بسبب هذا التقارب وهذا الاختلاط.

والإنسان يعرف من نفسه الضعف، أنا ضعيف، كل واحد فينا ضعيف إخواني، هي المشكلة محاولة مخادعة النفس؛ يا أخي أنتم المشايخ يعني وكل واحد اجتمع مع امرأة دائماً بفكر فيها، في البعد هذا أنتم ما بتعرفوا إلا البعد الغريزي بكون طبعاً هو يحكي معها ولا يعني قصص طويلة معه، قصص غرام بيجي قدام الناس يعني يحسسك أنه ما عنده هذا البعد، حتى أنه بس هؤلاء المشايخ بضل يقول لك يا أخي انظر إلى المرأة نظرة أسمى من كون هيك وجهه، انظر إلى المرأة نظرة أسمى، أنت بدك تقنعني أنه أنت ناظر نظرة أسمى وأنت 24 ساعة بتفت على التلفون والمسلسلات والأفلام وقلبك يعني بدك إياني أخالف فطرتي، بدك إياها تخالف فطرتها؟ الله سبحانه وتعالى خلق الرجل بفطرة التشوف إلى النساء الأجنبيات، وأن النساء الأجنبيات تتشوف إلى الرجال، هذا جزء من المحنة: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: 14]، أنت بدك تغير هذه الآية؟

حب الشهوات من النساء، الله يقول ذلك: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: 14]، وخلق الإنسان ضعيفًا، الله يقول ذلك. أنت بدك تأتي تصنع لي إنسان مختلف؟ ولا أنت تكذب من أجل فقط أن تشبع غريزة الوصول للنساء والحديث مع النساء وأخذ راحتك مع النساء؟

فتحاول أمام النساء تظهر -لا لا- أنه أنا ما بفكر فيكي من بعد غريزة، لا لا أنا ما بفكر إلا كأنك أختي! تمام؟ طبعًا بكون هو فصلها من أعلاها إلى أسفلها، ويفكر فيها، ويتخيلها، ويبعت لها رسائل بالليل والصباح وكذا وعايش معها كل كأنها حياة زوجية، يقول لك بعدين: أنا لا أنظر إليك إلا كأنك أختي في الله.

تمام؟ حتى هي لازم يضيفها في الله؛ حتى يصبغ صبغة دينية على طبيعة هذه العلاقة، وكله كذب بكذب زي ما يقولوا. فالله سبحانه وتعالى يعلمنا ما فيه الخير لنا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]، حتى المرأة تتشوق للرجل، مين قال لك أنها ما تتشوق؟

﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 53]، ها، شوف التصريحات الواضحة الآن لـ: إياكم أن تؤذوا مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53]، وهذا أيضًا من كمال المراعاة للنبي عليه الصلاة والسلام. ليس لكم أن تمسوا نساءه بعد وفاته، أزواجه أمهاتكم، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 53].

عظيم جدًا أن تؤذى مشاعر النبي عليه الصلاة والسلام، هذا عظيم عند الله، أن يؤذى قلب محمد صلى الله عليه وسلم، حتى على مستوى أن تطيلوا الجلوس عنده في المنزل، حتى على مستوى أنه أحد يتعامل مع زوجاته بطريقة غير لبقة والنبي صلى الله عليه وسلم يأخذ على خاطره، إن ذلكم كان عند الله عظيمًا.

إن تبدوا شيئًا... نعم؟ من بعده أبدًا. أنا اللي قرأتها. إن ذلكم كان عند الله عظيمًا. في الآية اللي بعدها: ﴿إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 54].

يعني الآن دائمًا التركيز على ما في القلوب، إن تبدوا شيئًا من التصرفات أو تخفوا شيئًا من التصرفات تجاه النبي عليه الصلاة والسلام أو تجاه زوجاته، أو تسول لكم أنفسكم شيء من التصرفات الخاطئة فاعلموا أن الله بالمرصاد، فإن الله كان بكل شيء عليمًا؛ كل تصرف سواء ظهر عيانا أو عزمتم عليه باطنا وفيه أذية لمشاعر النبي عليه الصلاة والسلام الله يعلم مقاصدكم.

وهذا أيضًا تهديد للمنافقين في داخل المجتمع المدني، ولكل منافق ولكل من تسول له نفسه الاعتداء على المقام الشريف إلى يومنا هذا، ممن يخوض في النبي صلى الله عليه وسلم وفي زوجاته. البعض يقول يتكلم في... يا أخي لماذا النبي صلى الله عليه وسلم عندكم يعدل في... يتزوج كثير من النساء؟ ويدخل في قضية التحليل ويخوض في كلام يكفر به والعياذ بالله، يكفر به.

يتكلم عن البعد الغريزي والبعد كذا، وأن بعض النساء يقول لك يعني أنا هذه يعني أنا أحب يعني ماشي مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول، لكن في قلبي والله شك من هذه الزوجات أو غير مستريح. يا أخي أنت ايش علاقتك في هذا الملف؟ إذا الله سبحانه من فوق سبع سماوات خالقي وخالقك يحب نبيه صلى الله عليه وسلم ويعطي هذه المساحات مقابل أن النبي عليه الصلاة والسلام سخر حياته وليله ونهاره لخدمة الإسلام والمسلمين ونشر هذا الدين، وتركنا على المحجة البيضاء والجهاد والقتال في سبيل الله.

إذا أنت ما أنت قادر تستوعب فكرة هذه الزوجات وحكمها فهناك من يستوعبها ويستوعب حكمها ولا يجد في قلبه أي مضاضة وأي حرج. يا أخي إذا نفسهم كفار قريش، كفار قريش اللي كانوا شديدي الحرص على عداوته ما... يعني هم نفسهم ما قالوا له لماذا تتزوج أكثر من أربعة؟ ولم ي... يعني هم في هناك شخص من الكفار كان أحرص على تشويه صورة النبي عليه الصلاة والسلام من كفار قريش، المعركة معهم والأزمة معهم، ومع ذلك لم يجدوا أي مطعن فيه صلى الله عليه وسلم من جهة زواجاته.

فأنت في اليوم المعاصر تأتي لتتكلم عن مجتمع غير مجتمعك وتصف حال غير حال، لكل مجتمع أعرافه الاجتماعية وعاداته وتقاليده التي لا تؤخذ إلا من النظر فيها ومعرفة كلام المختصمين والمتخالفين فيها، تعرف ما الشيء الذي يكون مستهجناً في ذلك المجتمع، وما الشيء الذي يكون مقبولاً ومسموحاً ولا شيء في ذلك. أحياناً البعض يقيس أوضاعه الاجتماعية المعاصرة على الأوضاع القديمة.

المهم: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: 55].

لما أمر الله سبحانه بوضع الحجاب بين نساء المؤمنين نساء النبي عليه الصلاة والسلام والرجال الأجانب، استثنى سبحانه وتعالى المحارم، إنه المحارم لهم أن يدخلوا على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بدون حجاب، يعني أبو الزوجة ما في حاجة يكون بينه وبين بنته حجاب، لو دخل إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام أو إلى بيتك حتى، لا جناح عليهن في كشف الحجاب لما يكون الزائر أبوها.

أبو بكر الصديق جاي يزور عائشة، عمر جاي يزور حفصة، لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن. يعني أيضاً إذا جاءت امرأة تزورها ما في داعي للحجاب، امرأة امرأة. لكن هناك سؤال للأذكياء: لماذا لم يقل ولا أعمامهن ولا أخوالهن؟ نص على أولاد الأخ وأولاد الأخت.

طيب، باقي المحارم، أو في محارم اللي هم الأعمام والعما، والأخوال. أها، فهمتم السؤال؟ تفضل أستاذ. الشيخ ممكن أه بيلزم منهم من الجهتين، يعني إذا كان ابن الأخ، فكذلك يعني. أحسنت، بالقياس.

وإذا كان ابن الأخ يجوز أن يدخل، ابن الأخ شو علاقته بالزوجة؟ شو بتكون؟ عمته. وابن الأخت ايش بيكون بالنسبة لها؟ أو هي تكون له؟ خالته. فإذاً العلاقة ستكون بالقياس واضحة، فنفس الشيء. إذاً أعمامها وأخوالها، يعني إذا أنتِ كنتِ محرم على ابن أخوكِ وابن أختك، إذاً خالك وعمك أنتِ بالنسبة له ايش؟ بالنسبة لعمك أنتِ بنت أخوه، وبالنسبة لخالك أنتِ بنت أخته، أو بنت أخوه، أه نعم، بنت أخته.

فبالتالي قال العلماء بالقياس فهمت، بالقياس فهمت. فلما... فإذا أنتِ لما تكوني عمة أو خالة فأنتِ محرم، كذلك إذا كان لكِ عم أو خال فستكوني محرم، فالمحرمية موجودة، أحسنت. ثم قال: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، لأن ملك اليمين كان -طبعاً رح تسألني كيف وليش- لأنه برجع وبقولك في أمور عادات مجتمعية قديمة كانت موجودة مستقرة؛ العبد يدخل على سيدته حتى لو كانت تكشف شعرها، لذلك قال: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. تمام؟

وقال -عفواً- ولا ما ملكت أيمانهن، إنه ملك اليمين إذا كانت إحدى نساء النبي عليه الصلاة والسلام عندها عبد، فالعبد يجوز أن يدخل وينظر إلى شعر وما في مشكلة أنهم طبيعة النظر إلى العبد كانت نظرة إيه ما فيها هذا البعد الذي أنت تتخيله، كانت علاقة حتمية محسومة، العبد وأحياناً ترى... يقولون بسم الله. نظرة الإنسان إلى المرأة يحكمها كما قلت طبيعة وأعراف اجتماعية.

يعني لماذا الرجل الطبيعي الطبيعي لا ينظر إلى أخته بنظرة فيها شهوة؟ نعم؟ حاجز نفسي. يعني في حاجز نفسي فرضه العرف والتربية والتنشئة السائدة أن الإنسان مثل هذا لا يشتهى. مع أنك تجد بعض الناس والعياذ بالله يقع في المحرمات ويقع في نكاح المحارم، وهذا تجده حتى اليوم موجود. لكن الإنسان الطبيعي السوي نفسياً طبيعة التنشئة والتربية التي بينه وبين هذه الأخت عرفت تزرع في داخله شعور داخلي أن مثل هذا لا يمكن أنظر إليه بنظر فيه غريزة، صحيح؟ لا إلى أمك ولا إلى أختك حتى بنت أخوك.

مع أنها إيه ما تربت عندك في البيت وكبرت وصارت في عمر الـ... لكن تشعر أنه طبيعة الغريزة أو الطبائع الإنسانية تأبى أن تنظر إلى بنت أخوك وبنت أختك بنظرة فيها شهوة. ومع ذلك تجد بعض الناس يخرج عن السطر. كذلك أعود فأقول: ما كان في ذلك الزمان -إحنا ما عشنا ذلك الزمان فلا نستطيع أن نفهم طبيعة علاقة العبد بسيدته أو السيد بأمته- ما دمنا ما كنا نعيش تلك الظروف وتلك الأحوال.

لما تكون ثقافة مجتمع وثقافة أمة عايشة على هذه الفكرة سيكون في هناك صيانة وحماية. لذلك ما كان في فكرة مثلاً أنه والله العبد في يوم من الأيام إيه أعجبته سيدته فيزني بها أو شيء، هذه ما كانت موجودة الأمور إلا بمقدار ما يوجد اليوم أخ يشتهي أخته يعني. أخ كيف اليوم، كم عدد الأخ الذي يمكن يشتهي أخته والعياذ بالله وينظر إليها بنظرة فيها غريزة؟ نسبة شاذة.

كذلك نفس الفكرة قضية أن عبد ينظر إلى سيدته أنه يتشوق إليه ويريده وهذا البعد اللي أنت بتتخيل هذه القضية، يعني كيف عبد يدخل على سيدته؟ فيها تربيات مجتمعية معينة تحسم هذا الباب وتقي وتحمي هذه المادة، نعم. وهذا الكلام قاله القرطبي أيضاً، يعني هذا الكلام قاله القرطبي أن حتى في... يقول القرطبي في الجامع أن مراتب المحرمية متباينة، بالتالي كلما كانت ولو محرم لكن المسافة بينك وبينها أبعد، الاتقاء في الملابس وفي المظاهر يجب أن يكون أكثر.

فبالتالي مثلاً إيه أمك وأختك ربما المحرمية ملاصقة، لكن بنت أخوك وبنت أختك حتى لو في محرمية اختيارها لملابسها وثيابها بده يكون أدق، مش تقول ما أنا يعني هي أمي وأختي وهي محرم وأنا محرم زيهم. أنت محرم زيهم بالمعنى العام، لكن في المحرمية اللي بينك وبين عمك أبعد من المحرمية اللي بينك وبين أختك، وبالتالي اختيار الملابس واختيار شكل الظهور والبروز سيختلف، سيختلف ويتصون فيه.

فما بالك بأخوك من الررضاعة اللي أصلاً عايش معك ولا أنت بتشوفه بالزور إلا في الأعياد، سلام عليكم. آه هنا في محرمية الرضاع، لكن العلاقة بدها تكون أكثر صيانة، ماشي ممكن تطلعي بشعر بس ثياب الهيئة بدها تكون أكثر أكثر، حماكي، والله ما هو حماي! بعض النساء تخرج قدام حماها بشكل فظيع، تقولك ما هو محرم! هذا خطأ يقع فيه النساء، تظن أنه المحرمية كلها على نفس المسافة.

لا، محرمية الأب والأخ فيها من التصون أكثر من محرمية الحمى اللي هذا دخل جديد على حياتك، يعني الحمى أنت تربيتي عنده ونشأتي عنده، بجوز عرفتيه بعد ما صار عمرك 25، 26 سنة، فأنت ما تفكري أنه البعد النفسي عند الحمى في نظرته لك بحجم البعد النفسي عند الأب في نظرته لك، هذا أب ولدك وشافك وأنت صغيرة وأخذك وشاف كل شيء فيك وأنت صغيرة، بالتالي في بعد محرمي عالي جداً لا يوجد عند الحمى، لا يوجد عند الأخ من الرضاع، وأرجو هذه الفكرة تصل للنساء، لأن النساء أصبحن يتساهلن في الملابس وكذا وتخرج أمام أي شخص محرم بنفس الطريقة، وهذا خطأ، وهذا خطأ.

حتى مثلاً المرأة تجدها ترضع، عرفت؟ تقولك يا أخي الرضاع، يعني تتساهل في إخراج ثدييها أو شيء في أماكن الرضاع العام قدام إيش؟ محارمها، وتأخذ بقول بعض الفقهاء الذي يجيز ذلك، وأن يقول بعض الفقهاء يقول: أمام المحارم ما بين السرة إلى الركبة. أختي، حتى لو أخذتي أنت في النهاية، المحارم أصناف ومراتب، ما ينفعش قدام حماكي وقدام أخوكي من الرضاع وقدام الدنيا كلها تكون الأمور بهذا، حتى قدام الأخ.

تمام، يعني الأب يختلف عن الأخ حتى كمراتب، الأب يختلف عن الأخ، فالتصون مطلوب، والتكشف في المنزل بحجة أنه هذول إخواني لا ما هو عيب، مستحيل، هذا شذوذ أنه ينظر إليه بنظرة، هذه يعني أفكار غير سوية وغير نضج، وعدم نضوج في فهم طبائع النفوس والبشر. معرفة مراتب المحارم هذه من المسائل المهمة.

ثم قال: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 32]. عموماً فلتكن تقوى الله حاضرة دائماً، يعني يعطي الحكم ثم يعطيك قضية واتقين؛ تقوى الله تكون حاضرة في أي تعامل، في أي ممارسة، في أي شيء من ذلك، خاصة أنكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: 33].

ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]. شوف كل الاحتفاء بالنبي عليه الصلاة والسلام. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. الله من فوق سبع سماوات، شوف التأكيد: إن الله. وهذا التأكيد كأن هناك منكر أو متردد، لأنه العرب ما تؤكد إلا في مقام وجود منكر، أو في مقام وجود متردد يطالب. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.

ولاحظ هنا المقابلة بين ما ذكر في الصفحات السابقة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: 43]، إذاً هناك صلاة من الله والملائكة علينا، وهناك صلاة من الله وملائكته خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. بس في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أتي فيها بالتأكيد، أما في الصلاة عليكم قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، أما هنا إن أداة التأكيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، اللهم صل وسلم وبارك عليه.

فما هو المطلوب؟ فأنتم يا أهل الإيمان عليكم أن تصلوا عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. ولذلك كثير من العلماء يقول: يكره إفراد الصلاة عن السلام، لأن الله قرن بينهما، صلوا وسلموا. اللهم صل وسلم وبارك وأكرم وأنعم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.

والصلاة من البشر هي الدعاء، وأما من الله هي الثناء، وأما من الملائكة فهي الاستغفار. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. إن الذي... بعد أن ذكر كيف الله سبحانه وتعالى...

يثني على نبيه، والملائكة تثني وتستغفر للنبي، والمؤمنون عليهم أن يعظموا ويصلوا ويسلموا على النبي. حذر في المقابل من تسول له نفسه أذية النبي بالعبارة الواضحة البينة: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة. الذين يؤذون الله ورسوله، وإن كان المقصود هو الرسول ضمن السياق، لكنه قُدّم بأن قُرن مع الله؛ إن الذين يؤذون الله ورسوله، وكأن هذا الاقتران تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم أن جُعلت أذيته كأذية الله. هؤلاء لعنهم الله، مطرودون طردا تاما كاملا، وليس فقط الطرد في الآخرة بل حتى في الدنيا، لن يرحموا حتى في الدنيا.

من يؤذي المقام الشريف للنبي عليه الصلاة والسلام، عليه أن يترقب ويتربص الهلاك المؤلم الفظيع؛ لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا يهينهم على اعتدائهم على المقام الشريف. وفي المقابل أيضا، حتى لا يظن أن أذية باقي المؤمنين مسموح فيها أو متهاون فيها، فإن الله عز وجل يدافع عن المؤمن، فقال: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا؛ يعني من غير جناية ارتكبوها، إلا بحق الإسلام بشكل احنا بنقول، الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا من غير جرم ارتكبوه، من غير خلل وقعوا فيه.

فالمؤمنون كما أن النبي عليه الصلاة والسلام عزيز عند الله، كذلك أتباعه عليه الصلاة والسلام عزيزون عند الله، الله ولي الذين آمنوا، إن الله يدافع عن الذين آمنوا. الله لا يقبل أن يهان المؤمن، ولا أن يسفك دمه، ولا أن يعتدى على حرمته، ولا أن يبتذل موحد، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

لماذا قال هنا بهتانا؟ ايش عند الزمخشري؟ أنت مش مع الزمخشري اليوم، يلا، يعني معنا الشيخ اليوم، ايش قال عندك ابن جرير الطبري؟ يلا يا شيخنا، ابن كثير، قال: فقد احتملوا بهتانا، تفضل. قال الطبري: فقد احتملوا زورا وكذبا وفرية شنيعة. علي صوتك شوي. قال: والبهتان أفحش الكذب، البهتان هو أفحش الكذب. قال: وإثما مبينا. يقول: وإثما يبين للسامع أنه إثم وزور، إثم مبين. بس البهتان ايش عندك قال؟ قال: زورا وكذبا وفرية شنيعة، والبهتان أفحش الكذب.

لماذا عبر بالبهتان؟ لأنه من غير ما اكتسبوا، فقد كذبوا في ماذا؟ أنا ما آتي أؤذي فلان، فلان والله كذا وكذا وكذا، أنا آذيته في عرضه. إذن الأذى كثيرا ما يكون بماذا؟ بالافتراء. مو أشكال الأذى، إما أن تضربه وتؤذيه بماله أو تعتدي وهذا هو الإثم المبين، وإما أن تكذب عليه وتدعي فيه ما ليس منه، يعني هو كأنه يقول إيش أنواع الأذى؟ إما أن تأذيه بأن تدعي عليه أشياء ليست فيه، أنه أنت إنسان سيء، أنت إنسان قذر، أنت إنسان فاعل، أنت إنسان كذا، وهذا مش صحيح.

هذا من أذية المؤمن أن تذكر فيه أمور وأشياء غير موجودة، فسماها الله ماذا؟ بهتانا. ما تعريف البهتان؟ ماذا عرف النبي صلى الله عليه وسلم البهتان؟ والفرق بينه وبين الغيبة؟ أن تقول في أخيك ما ليس فيه. فأذية المؤمن إما أن تكون بهتانا وإما أن تكون إثماً مبيناً، كأنه فيها إما أن تؤذيه بالإثم بأن تضربه، تأخذ ماله، تعتدي على حقوقه، هذا ليس كذباً، هذا اسمه إثم مبين. وإما أن تكون أذيتك لأخيك المؤمن بأن تفتريه عليه أمور وأشياء وأقوالا وأنه لم يفعل شيئاً من ذلك بالكذب عليه.

فذكر الله سبحانه وتعالى كأنه نوعي الأذى، إما أذى يكون باختلاق شيء فيه ليس موجودا، أو بفعل شيء فيه لا يجوز فعله. فالله سبحانه وتعالى يقول: هؤلاء قد أتوا بأحد هذين الأمرين، ومن أتى بأحد هذين الأمرين الله سبحانه وتعالى يحاسبه عليهما وسيلقى جزاء صنيعه بهما. ونقف اليوم عند هذا القدر، وإن شاء الله غداً في اليوم السابع والأخير نختم ما بقي من سورة الأحزاب، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.