التخصصات العلمية أكثر من الإنسانية، وهذا يحتاج إلى دراسة؛ لأنه ملف. تخصص أدبي، تخصصات أدبية، كلية الآداب، علوم سياسية، علوم سياسة القاهرة، إعلام. طيب، لا بأس، تمام، لكن التجارة أقرب للعلوم الرياضية، العلوم الإنسانية، حضرتك صيدلة؟ طيب.
الدورة إن شاء الله سوف تكون على خمس جلسات، قد تقل أو قد تزيد عن ذلك حسب الحضور وبحسب الانتهاء من الموضوع المقرر. المدخل اليوم هو بمثابة النظر في فلسفة اللغة؛ يعني هذه الدورة ليست الكلام عن العلم، بل الكلام عن العلم. الكلام عن العلم أحياناً يكون أهم بكثير من الكلام في العلم؛ بمعنى معظم الدارسين في مصر على الأخص وفي العالم بشكل عام، تتفاوت من دولة إلى دولة، لا يعلمون لماذا يتعلمون هذا العلم، ولا يعلمون أصوله؛ من أين أتى هذا العلم؟
مثلاً معظم الدارسين للتخصصات العلمية الدقيقة، الناس علمياً تقسم العلوم إلى علوم إنسانية وعلوم دقيقة. العلوم الدقيقة هي كل شيء يتجاوز علوم الاجتماع، علم النفس، الفلسفة. لا يتصور الناس، وأنا كنت منهم، أن الرياضيات هي أصلاً فلسفة؛ هي فلسفة مرمزة، كتبت برموز فقط. الدرس المنطقي؛ هل هنا أحد درس منطق قبل ذلك؟ منطق قديم ولا منطق رياضي؟ منطق ثانوي، في الفلسفة والمنطق تمام. الدرس المنطقي في تطوره بعد ذلك أصبح منطقاً رمزياً، وبعد ذلك أصبح منطقاً رياضياً، ثم صارت الفلسفة والمنطق التي كانت، أصبحت هي الرياضيات، فيتوهم الناس أن العلوم الدقيقة هي علوم محايدة. لا، الأمر متعلق بالعلوم الإنسانية التي تحولت بعد ذلك إلى علوم دقيقة.
علم اللغة أيضاً يدرس في الغرب على أساس أنه يقترب من العلوم الدقيقة؛ حتى التعريف العلمي الآن لعلم اللغة يقال: العلم الذي يدرس اللغة لنفسها ومن أجل اللغة فقط. لو تكلمنا عن رغبات المتكلمين أو مقاصدهم أو خلفياتهم الاجتماعية والفلسفية، ظل الدرس اللغوي في الغرب فترة طويلة منذ عام 1920 يحاول أن يحول اللغة إلى علم دقيق، يحاولون ذلك بسبب الخلفية الفلسفية، الفلسفة الواقعية والمادية في الغرب، أن الإنسان ليس مميزاً كما كان يظن في الغرب في الخلفية المسيحية، فأصبحت العلوم تنحى منحى مادياً؛ أي تحويل العلوم وإزالة الجزء الإنساني من العلوم، وهذا حدث أيضاً في علم اللغة.
لهذا أريد أن أقدم الكلام عن علوم اللغة في الدرس الإسلامي التقليدي. المدخل عن اللغة هو ما سوف نتكلم عنه في هذه المحاضرة؛ هو مدخل أصلاً. ولكن قبل الدخول في مدخل الكلام عن اللغة، اللغة بشكل عام ليست العربية بالخاصة، اللغة كظاهرة إنسانية، سوف نتكلم عن أصل نشأة العلوم العربية. هذا ما كنت أستقدمه قديماً؛ عندما أدرس الرياضيات أو حتى العلوم العربية، ما تاريخ هذه العلوم؟ لماذا نشأت؟ ما مركز هذا العلم؟
العرب كانت أمة على هامش الدنيا، ليس لها علوم أصلاً، لا تعرف إلا الشعر، ولا يعرفون من العلم إلا الشعر. علم الكلام، كيف يخرجون ما في أذهانهم إلى الناس عن طريق اللسان العربي؟ هذا هو العلم فقط، ولا يكتبونه، قليل جداً من الأشعار ما كتبت. الأشعار كتبت في الإسلام، قديماً كان العرب يحفظونها فقط، حتى أتى الإسلام فحدث تغير في الخريطة العلمية للإنسانية.
الأمم التي لها الصدارة في العلوم في هذا الوقت قبل ذلك، الحضارة اليونانية، الحضارة المصرية القديمة، حضارة بلاد الرافدين قديماً، كانت حضارة قوية جداً، خاصة أنها ورثت علوم الفلك والرياضيات وغيرها. الهند كانت لها علوم وعلوم دقيقة خاصة في الفلك والرياضيات، العرب المسلمون أخذوا معظم علوم الفلك بعد ذلك والطب والرياضيات من الهنود، حتى الأرقام التي نكتبها يسميها الناس الآن الأرقام العربية، هي هندية، والعرب كتبوا أيضاً الأرقام الفرنجية، العرب الأندلسيون أو المغاربة كتبوا بهذا، وكتبوا المشارقة تأثراً بالهند. ثم بعد ذلك اختفت الأمة العربية أو الإسلامية من مركز الدنيا، من مركز العلوم، وأصبحت تستورد العلوم، فأبصر هذا، وأصبح يكتب الرسم الأندلسي المغربي هو الشائع في العالم. فما الذي حدث بشكل رئيسي في الأمة العربية الإسلامية؟
الوحي، عندما جاء الوحي أصبح في مركز العقل العربي الإسلامي، هذا هو أكبر تغيير. العرب لم تكن تعرف العلوم، لما جاء الوحي، القران والسنة أصبح الشغل الشاغل للعرب والمسلمين ومن أسلموا على أيديهم هو حفظ النص أولاً. هذا في الحقبة الأولى من الحضارة الإسلامية، فكل العلوم نشأت رغبة في حفظ النص.
كيف؟ أول علم ظهر عند العرب، تعلمون أن الكتابة العربية قبل النقط، كلمة كتاب كانت تكتب بدون نقط. من أول من أدخل نقط الإعجام ونقط الإعراب؟ نقط الإعجام هو نقط الحروف، ونقط الإعراب هو الذي استخدمه أبو الأسود الدؤلي؛ سمع غير العرب الذين دخلوا في الإسلام يلحنون في اللغة العربية، أي لا ينطقونها على قانون العرب في الكلام، فكان الشغل الشاغل كيف يمكن لغير العربي أن يدرك ضبط هذا الكلام؟
نحن الآن نستخدم هذه الإشارات أو هذه الحركات، أدخلها خليل بن أحمد، قبل ذلك لم تكن معروفة. أبو الأسود أمر من يستمع إليه بدقة ويكتب نقاطاً: نقطة فوق الحرف إذا فتح، نقطة تحت الحرف إذا كسر، نقطة بين يدي الحرف أو بجانبه إذا ضم، وهكذا. فهذا من أوائل العلوم التي استخدمها العرب لحفظ النص. هذا المدخل، بعد ذلك أرادوا أن يجردوا هذه القواعد؛ متى يكون آخر الكلام مرفوعاً أو مفتوحاً أو مجروراً؟ فبدأ علم النحو لحفظ أصل النص.
ثم إذا ماتت الطبقة الأولى التي حملت القرآن للناس، كيف أعلم الناس أن النبي ﷺ نطق القرآن بهذا النطق؟ فدونوا علم التجويد حتى يعلم كيف ينطق. ثم القرآن قرأته العرب بحسب قبائلها، فكل قبيلة تقرأ بحسب نطق القبيلة؛ فالقرآن نزل بقراءات كثيرة جداً حتى يناسب نطق العرب. العرب كلها مثلاً في الحجاز الأرض هكذا مهموزة، الحجازيون في الغالب لا يهمزون، الأرض بدون همز، تسهيل الهمز لهجة من لهجات العرب، فهناك قراءة كاملة بهذا. هناك من العرب من ينطق الصاد زاي، يقول الزراط المستقيم، هذه قراءة حمزة. فحتى لا يلتبس الأمر على الناس، والأوائل يعلمون، فألفوا علم القراءات.
بعد نقط الإعجام ونقط الإعراب وتغيير طريقة الرسم العربي بعد مئة عام، بعد ثلاث مئة عام سوف تختفي تماماً النسخ الأولى التي كتبت، فلا يعلم الناس كيف كتبت الكلمة أصلاً. هناك كلمات نحن ننطقها بتاء مربوطة وفي القرآن كتبت بتاء مفتوحة في مواضع، ومواضع لا، والألفات مثبتة؛ مالك، كل الناس تقرأها، مكتوبة في المصحف هكذا، فكيف نعلم كيف رسمت الكلمة في الأول؟ فأنشئ علم رسم المصاحف، مخصوص بضبط المصحف فقط.
مع تطاول الوقت كل هذه العلوم المركز هو الوحي، والعلوم يحدث لها تشقيق لماذا؟ لحفظ النص. بعد ذلك نشأت علوم القرآن نفسها التي تبحث في المكي والمدني وأسباب النزول. الشعر قبل الوحي ما كان عند العرب إعراب خالص، ما كان فيه نحو، القواعد لا؛ العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. التجريد الذي هو نشأة العلوم أصلاً يحتاج إلى تجريد؛ أن تقول إن الاسم الذي يأتي بعد الفاعل هو اسم له فعل وفاعل، وقاعدة الفاعل أنه مرفوع، هذه قواعد تجريدية ذهنية، لم تكن عند العرب قبل ذلك إطلاقاً.
كل العلوم نشأت بعد الإسلام، العرب لم يكن لها علم مدون أبداً، حتى الشعر كانت ترويه فقط. والعلوم مثل العروض وقرض الشعر والبديع والبلاغة كتبت بعد الإسلام لحفظ النص أيضاً. كل هذه العلوم تنشأ حول النص، سواء القرآن أو السنة؛ أصلاً جاءت باللسان العربي، فاشتغل العرب والمسلمون بتدوين العلوم العربية الغرض حفظ النص.
فأنشأوا النحو، أول من وضع قواعده أبو الأسود الدؤلي من أصحاب أمير المؤمنين علي. ولكن كلام أبي الأسود في النحو كان فقط نقط الإعراب، ثم نبه الناس إلى بعض القواعد المبدئية، ولكن كما قلنا العرب بعقليتها الأولى ليست عقلية تنظيرية، لم يكونوا يعرفون التعريفات والحدود والشروط. ثم أرادوا أن يجمعوا كلام العرب، المفردات، المعجم العربي، فنشأ علم المفردات أو المعجم.
كيف ننسج على الكلام العربي؟ العرب قالت من ضرب ضارب إذا أرادت اسم الفاعل؛ فلو أردت أن أجيب من كتب ولم يأتِنا سماع عن العرب، فأقول على وزن فاعل، لأن العرب صاغت على وزن فاعل إذا أرادت اسم الفاعل من الاسم الثلاثي. فحتى تجرد هذه القواعد أنشئ علم الصرف. من أين أتت الكلمات؟ حتى نجرد أصول الكلمات، من أي جذر أتت الكلمة؟ كيف أعلم أن أستخرج أصلها خرج؟ وبعد ذلك علم حروف الزيادة، حتى تكون استخرج، هذا العلم يسمى علم الاشتقاق.
علوم النحو والمعجم والصرف تسمى علوم الصحة؛ يعني فقط مراد بها صحة الكلام. هناك علوم أساسها علوم الجمال؛ لماذا كان القرآن معجزاً؟ ما الفرق بين القرآن والشعر مثلاً؟ لماذا لا يكون القرآن شعراً؟ فنشأ علم العروض حتى يعلم الناس الأوزان التي تكلمت بها العرب في الشعر، ووضع علم العروض. وسوف نتكلم عنه في ذكر العربي، ولكن هذه أسميها خريطة العلوم حتى يعلم الناس شكل العلوم؛ كل العلوم العربية الإسلامية لماذا نشأت؟ وحول ماذا تمركزت؟ وأين موضع العربية من هذه الخريطة؟ هذا هو المقصد.
أبيات الشعر تكتب هكذا، العلم الذي يدرس الحروف الأخيرة في الشعر، حرف الروي وكذا، ده علم القافية. وبعد ذلك علم البلاغة؛ لماذا القرآن بليغ؟ ولماذا أبلغ من كلام البشر؟ ولماذا عجز العرب الأوائل عن محاكاة القرآن؟ فأنشأت علوم البلاغة: المعاني، البيان، البديع. طيب، أنت تسمع كلام الفصحاء ولا تستطيع أن تحاكيه، كيف تكتب مثل الفصحاء؟ فأنشئ علم اسمه علم الإنشاء، كيف تدخل الكلام الفصيح في المنثور؛ ليس في الشعر، تاتي به وتدخله أثناء الكتابة حتى يظن من يقرأ لك أنك فصيح، فأنشئ علم الإنشاء.
يريد رجل أن يتكلم ويحاكي الفصحاء في كلامه، فيريد أن يأخذ من الشعر والقرآن والحديث وكلام العرب الفصحاء فيضعه في كلامه الدارج في المحاضرات، فهذا اسمه علم الإنشاء. هذه العلوم كلها تدور أصلاً في حفظ اللغة التي أتى بها النص.
طبعاً هذا التقسيم تجريدي؛ كيف المعجم هنا؟ ما علاقة المعجم بالقرآن الكريم؟ هناك من يريد أن يدرس فقط كلمات القرآن الكريم، كل الكلمات التي استُخدمت في القرآن، فنشأ علم اسمه غريب القرآن، هذه مفردات فقط لتفسير كلمات القرآن. وكذلك السنة، أرادوا أن يحفظوا السنة، فكما نشأ علم القراءات، ومن علم القراءات علم رواة القرآن، روايات القرآن، من سمع النبي ﷺ من الصحابة؟ ومن سمع من الصحابي؟ حتى الآن بيننا وبين النبي ﷺ، أكثر الناس في الإجازات ارتفاع في السند بينه وبين النبي ﷺ 26، 27 إسناداً؛ سامع من سامع من سامع، حتى من سمع رسول الله ﷺ، فهو يعلم أن هذا النطق هو نطق النبي ﷺ للقرآن.
السنة أرادوا أن يدرسوا سلاسل الرجال، الأسانيد، أسانيد السنة، فده هو علم الحديث، الذي يبحث في الرجال؛ من هم الرواة؟ يترجم للرواة، يذكر الرجل واسمه واسم شيوخه واسم تلاميذه، من أخذوا عنه؟ حتى يعلم، إذا حدث رجل عن رجل لم يلقه، يعتبر هذا الحديث فيه انقطاع. كيف يحدث من الكوفة؟
عن رجل في الحجاز وهو لم يسافر، يجب أن يكون في واثقة بينهم، إن لم يجدوا هذه الواثقة اعتبروا الحديث ضعيفًا ولم ينسبوه للنبي ﷺ. وهكذا استخدمت علوم السنة أيضًا علوم العربية، فهناك معجمات مخصصة لألفاظ القرآن الكريم اسمها غريب القرآن.
وهناك الحديث، تذكر فقط ألفاظ الحديث فقط ويذكرون معانيها ويستدلون عليها من كلام العرب، الشعر الجاهلي أو شعر الاحتجاج، حتى شاعر صدر الإسلام في أول الإسلام يحتج. أرادوا بعد أن رووا أحاديث النبي ﷺ أن يجمعوها فظهر علم الحديث.
رواية من يحفظ الكتب: موطأ مالك، صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن: سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجه؛ كل هذه مدونات الحديث. أصبح نشأ علم اسمه علم الحديث، أنه إن النبي ﷺ قاله بالفعل أو لم يقله، فنشأ التخريج.
الأمر المشترك بين كل العلوم، العلوم الشرعية والعلوم غير الشرعية، أنها في أولها وآخرها نص لغوي؛ يعني لا يمكن أن يدرس أي علم بدون لغة، وبما أن هذه العلوم أصلاً تدور في فلك الوحي الذي نزل بلسان العرب، فأصبحت العربية هي العمود الفقري لكل هذه العلوم.
أظن ابن عبد البر من أئمة المالكية الكبار في المغرب، كان يقول إن المقدم في تحفيظ الأطفال وهم صغار أن يحفظوا الشعر قبل القرآن. ويذكر في هذه أسبابًا وجيهة جدًا، يقول: النص القرآني معجز، يعني إذا أردت أن تحاكي القرآن لا تستطيع لأنه كلام الله، فما الفائدة أن تعلم طفلًا صغيرًا نصًا معجزًا لا يستطيع أن يحاكيه ولا يستطيع أن يفهمه؟ ولكن إذا حفظت الشعر صارت عنده الملكة، هو يستطيع أن ينشئ مثل الذي حفظه من الشعر لأنه من كلام البشر، ويستطيع أن يستدل بالشعر على فصاحة القرآن.
الشعراء في الجاهلية سمعوا القرآن وشهدوا أن هذا الأسلوب لا يحاكي أو لا يجاوز على أنه من كلام العرب، يعني هو من نفس الحروف ومن نفس الكلمات التي يستخدمونها في الشعر. فهو يقول إن تعليم العربية، التعليم الذي منها الشاعر والنثر الفصيح، مقدم للأطفال على تعليم القرآن حتى يستطيع بعد ذلك أن يفهم القرآن كما فهمه العربي الأول. هذا ليس تقليلًا من قدر القرآن، فهو من الأئمة الكبار، ولكن هذا النظر وجيه جدًا في رأيي، أن الصحابة تعلموا الشعر والعربية قبل أن ينزل عليهم القرآن حتى يفهموا مراد الله عز وجل من القرآن.
طبعًا بعد ذلك تبعت هذه العلوم، بما أن الوحي نزل على محمد ﷺ فنشأ علم السيرة يتتبع سيرة النبي ﷺ، وأيام العرب الأوائل قبل الإسلام، وعلم التاريخ، وعلم التراجم وأخبار الناس، وعلم الأنساب الذي يذكر أنساب العرب وأنساب العجم.
الغرض أصلاً من كل هذا الأمر هو حفظ النصين، يعني هل المطلوب أن يحفظ الناس الكتاب والسنة أم يفهم الكتاب والسنة؟ المطلوب فهم الكتاب والسنة، ولماذا يفهم الكتاب والسنة؟ ليفهم تنفيذ أمر الله عز وجل، أما أمر أو نهي الشريعة، أما أمر أو نهي أو عفو، حتى تعلم ماذا أمرك الله عز وجل، وعما نهى، وعما عفا، فيجب أن تفقه عز وجل، فنشأت علوم الفقه.
بعد ذلك، العرب في الإسلام أصبح منها علم الآداب الشرعية، فقديماً كان العلماء لا يعلمون الناس العلم إلا بعد الأدب، يؤدب الرجل؛ يقول أحد أصحاب الإمام مالك: صحبت مالك عشرين عامًا، فعلمني الأدب في ثمانية عشر عامًا وعلمني العلم في عامين. ما فائدة رجل معه علم بلا أدب؟ الآداب الشرعية وآداب النفس كانت مقدمة على علم الفقه أصلاً، وبعد ذلك علم الفرائض.
اصطدم العرب والمسلمون بأمم لها عقائد سابقة وديانات سابقة، فأرادوا أن يقنعهم بالقرآن والسنة بغير نصوص الكتاب والسنة؛ لأنك تحتاج أن تقنع رجلًا ملحدًا بمحتوى الكتاب، هو لا يؤمن بأن القرآن من عند الله، فيحتاج إلى حجج عقلية بعيدة عن أي نص، لأنه لا يؤمن بالنص ولا يؤمن بأن هناك من نزل عليه النص أصلاً. فنشأت العلوم العقلية، منها علم الكلام والدفاع عن الشريعة بالكتاب والسنة ولكن بالحجج العقلية، بعيدًا عن نصوص الكتاب والسنة، فكيف تقنع من لا يؤمن بالكتاب ولا بالسنة؟ فنشأ علم الكلام، وبعده علم الجدل وكيفية المناظرة، وعلم أدب البحث، ثم علم المنطق.
وما زال الوحي في المركز، كل هذه العلوم الإسلامية كانت تقترب من خمسة وأربعين علمًا، وكلها تدور في فلك التوحيد. علم التوحيد الذي أقصده يبحث في أركان الإيمان وصفات الباري عز وجل، أما علم الكلام فأوسع من ذلك.
علم القضاء والفرائض من الفقه، لكن لسعته أصبح الفصل عنه أحيانًا، وفي المحاضرة القادمة سأشرح هل هو الفقه نفسه أم علم أصول؟ الأصول لو وضعته في العلوم العقلية فلا مشكلة، ولو وضعته في علوم الفقه فمن الناس من يضع علم أصول الفقه هناك، فهو يبحث كيف يستخرج معاني الأمر والنهي من الكتاب والسنة، فنشأ علم يضبط هذه المسائل.
ما فائدة هذه الخريطة؟ أولًا توضح أن العرب قبل الإسلام لم يكن هناك دافع حضاري حتى يدخلوا مع الأمم المتحضرة بالمعنى العلمي، كانت أمة بدوية، ولما جاء الوحي أصبح لديهم مركز يدورون في فلكه، وأنشأت كل هذه العلوم.
الخريطة هذه، خلوها في الورق وهنضيف لها جزءًا.
لم يكن الدافع لدراسة العلوم الشرعية مقتصرًا على الجانب التعبدي فقط، بل كانت هناك أسباب لإعمار الأرض. فمثلاً، حتى المواريث وعلم الفرائض كله عبارة عن كسور: ثلث، سدس، ثمن، ربع؛ فكانوا يريدون طريقة العرب في ذلك. وفي أوائل الحضارة العربية، كانت الرياضيات والحساب تُدرس كلاميًا، أي لا تُكتب بالرموز، فالرموز مرحلة متقدمة. كانت المسائل تُقال هكذا كلامية، فواضع علم الجبر والمقابلة هو في أصله عالم عربي، والبيروني وضعه أصلاً لضبط علم المواريث؛ فكان هناك علم حساب شرعي يُستخدم في حساب الفرائض.
نشأ من علم المواريث بعد ذلك علم الجبر، ثم علوم الهيئة والفلك وعلم الهندسة. وعلم الميكانيكا عند العرب كان يسمى «علم الحيل النافعة»، لأنهم حرموا تحميل الدواب فوق الطاقة، فأرادوا أن يتجهوا إلى العلم الذي يدرس ذلك. وفي المقابل، وضع ابن خلدون علم الاجتماع وسماه «علم العمران»، وكان يدرس أسباب سقوط الحضارات وقيامها؛ كيف يقوم الملك وكيف يسقط، وما هي المقدمات والظواهر لذلك. بعد ذلك في الغرب، أصبح علم الاجتماع علم النفس، وعلم الأخلاق أو علم السلوك يدرس خلجات النفس.
إضافة إلى علوم الدنيا؛ فكل علوم الدنيا من علم الزراعة، والبيطرة، والهندسة، والكيمياء، والطب، والصيدلة، المسلمون قطعوا فيها شوطًا مذللاً. حتى في الزراعة، لأنها علم استقرائي، أرادوا إحصاء النباتات في الأرض ووصفها ورسمها، فقطعوا شوطًا جيدًا جدًا حتى بالمقاييس الحالية، ومعظم الدرس الأوروبي العلمي مبني أصلاً على ما تركه العرب المسلمون.
ثم توقفت هذه الحركة، حيث يؤرخ توقف الحركة العلمية الحقيقية بالقرن الخامس الهجري؛ حيث توقفت حركة تشقيق العلوم واستنباط العلوم الجديدة. ظل الأمر قرابة 700 سنة لا يوجد فيها إنتاج جديد، وحدثت مشكلة في فهمهم للنصوص من الكتاب والسنة التي دفعتهم قديمًا للتعلم. عندما حدث تشويش في الفهم، لم يعد المركز دافعًا كالسابق، وحتى مئتي عام قبل النهضة الأوروبية، كان العرب شبه توقفوا تمامًا عن إنتاج العلوم وصدروا كل العلوم التي أنتجوها إلى أوروبا.
كيف حدث هذا التشويش في فهم الكتاب والسنة؟ في أول الأمر، كان المسلمون يرون أنفسهم رسل الله عز وجل للناس، «إِنَّا أَبْعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا»، ولكن مع تطاول الوقت، أصبح الدين فقط هو الرسالة، وافتقدت الأمة معنى الشهادة، أي كونها الأمة الشاهدة على باقي الأمم. هذا التشويش في فهم الكتاب نتج عنه سلوك، وكما يقول فيلسوف الجزائر مالك بن نبي: «هو الكتاب والسنة، والبشر مازالوا بشرًا ولهم عقول، فلماذا لم يحول القرآن والسنة هذه الأمة من الأجلاف والبدو إلى سادة ومعلمين للعالم؟». يبدو أن طريقة النظر إلى النص تغيرت وتخلفَت.
هذا التشويش رصد ما حدث في فهم العرب المسلمين للكتاب والسنة، ومن بعد ذلك اختلف تناولهم للعلوم. ما الهدف من ذكر هذه الخريطة قبل الدخول في العلوم العربية؟ لكي يتخيل الناس أين تقع العربية من باقي العلوم. فاللغة العربية ليست مجرد أداة لتعلم الشعر أو الأدب أو القصة، أو لتعلم الإعلام والتدقيق الصحفي فقط، بل إن اللغة العربية لها مكان من الوحي، ولها مكان من خريطة العلوم الإسلامية ككل.
إن هذه العلوم كلها عبارة عن شبكة، والعربية تدرس لتكون وسيلة لفهم الكتاب، فهي من وسائل علوم الآلة. والعلوم الشرعية تقسم إلى علوم مقاصد وعلوم وسائل. وفي خريطة العلوم الشرعية التي مركزها الوحدة، تختلف الهندسة التي داخل هذه الخريطة عن الهندسة في الغرب.
إذا كان المسلم يدرس الكيمياء والفيزياء ومركز العلوم عنده هو الوحي، فهل سيختلف؟ الإجابة نعم، وسوف تكون الإجابة في الجزء القادم من المحاضرة حول علاقة اللغة بالأصل والهوية ورؤية العالم.
أولًا، هل مركزية الوحدة تؤثر على هذه المستساغات؟ لو كنتِ في كلية الهندسة، هل توافقينني؟ لو أنا رجل عربي مسلم، أدرس الهندسة بالعربية وأنتج بالعربية، هل يختلف عن رجل يدرس الهندسة بالألمانية وهو غير مسلم؟ المفروض ألا تختلف، أنا مسلم وأدرس الهندسة باللغة العربية، فهل تفرق لو درستها باللغة الإنجليزية؟ المفروض ألا تفرق، إلا إذا كنت عربيًا ومتقنًا للغة العربية.
أنا "Native" كمتحدث أصيل في اللغة الإنجليزية، وأنا معظم المهندسين الموجودين، حضرتك تدرسي من اللغة الإنجليزية، وأنتِ عربية، هل العلوم هذه لو درستها باللغة العربية ستفرق؟
السؤال هو: وأنا بدرسها، هل هي كلغة أم مركزها إيه؟ لو مركزها الوحي، فهذا سؤال. ومركزية الوحي هذه تُبنى على اعتقاد الدارس، فهل الدارس المسلم يختلف عن الدارس غير المسلم؟ هذا سؤال أول.
أنتِ حضرتك كنتِ مع أي فريق؟ مع الذي قال إنها ستفرق، لأن مركزية الوحي، أم مع الذي يرى أنها لن تفرق؟ الباشمهندس قال مفترض ألا تفرق لأن العلم محايد، أليس كذلك؟ هل تريد أن تقول إن الرياضة هي رياضات، وممكن تفرق في المخرج بتاع العالم في الذي يبحث فيه؟ فممكن مهندس معماري يبحث في أن يطور مثلاً هذا الإيوان، شكل إيوان هندسية، أن يكبره، هل يفرق في المنتج النهائي؟
طيب، أنا السؤال هنا لمقصد معين، يعني لإثارة الذهن، سأعطيك إجابة. موضوع اللغة... خلينا في اللغة.
المهندس أيمن عبد الرحيم