مفاد فرضية وورف أن اللغة هي سقف التفكير، وهي أقصى شيء ممكن لرؤية العالم، بل هي محددة بحدود اللغة. طبعاً هذا الكلام فرضية أقرب للفرض منها للنظرية، وورف لم يقل هذا خلاص، بل دل على أشياء كثيرة جداً من اللغات التي كان يدرسها. ولكن هذه هي الفرضية الأولى "النسبية اللغوية".
كل من اتبع وورف تبنى الفرضية المتطرفة في إثبات دور اللغة في تحديد رؤية العالم والعقيدة والكون وكل ما ينبني عليه. ومن هناك، علم الإنسان له عدة فروع، ومن فروع علم الأنثروبولوجيا اللغوية: البحث في التغيرات التي تطرأ على اللغة عبر الزمان وعبر المكان، وتأثر ذلك بالثقافة والمجتمعات البشرية.
كثير جداً من العلماء الذين أتوا بعده وتبنوا النظرية بشكل جزئي، بدأوا يضيفون أبحاثاً في تبني الصيغة المعتدلة للفرضية. بدل ما أن اللغة هي المحدد الوحيد والرئيس لرؤية الكون وتكوين المفاهيم، قالوا هي المكون الأكبر أو الأكثر تأثيراً، وليست الوحيدة. حتى يدللوا على الفكرة المعتدلة هذه، قاموا بعدة أبحاث في نفس المجال على دراسة قطاع كبير جداً من اللغات واللهجات، وأثر ثقافة المجتمع على اللغة وأثر اللغة على الثقافة. فالنظرية الجديدة وضعت المجتمع زائد الثقافة هنا، وجعلت هناك تأثيراً متبادلاً بين الثقافة والبنية الاجتماعية وبين اللغة.
بمعنى لا يمكن أن نتصور أن الرجل العربي الذي كان إذا سألته عن الأمور وأراد أن يخبرك بأن الأمور جيدة فيقول: الأمور على ما يرام، هو نفسه المصري العامي الآن الذي يقول لك: قشطة وماشي. بالتأكيد هذا التصور بالكلية ووسائل التعبير لديه مختلف عن هذا. ولكن الذي حدث هنا، هو الرصد والتعديل في نظرة أن ما يحدث في البنى الاجتماعية والثقافية قد يغير في اللغة، وعند تحديث أو تحسين أو تغير البنية اللغوية أو طريقة استخدام اللغة قد يؤثر على السلوكيات. فلا يمكن أن يكون مجتمع متحضر علمي ويكون لديه لغة مجترئة أو لا يهتم أصلاً باللغة، والعكس بالعكس.
من أكثر من تناول فرضية وورف بالنقد والتبني هو برنشتاين. برنشتاين قام بدراسة كبيرة جداً على لهجات الحرفيين واللغات المخصوصة، يعني كليات الهندسة عندما ندرس مثلاً في هندسة الإنتاج يذكر لنا أسماء الأجزاء وأسماء الماكينات، فيكون هناك عمود للمصطلح العربي الفصيح وعمود للغة الإنجليزية وعمود للغة الورشة. لغة الورشة هذه استخدام العمال لها عامية مطلقة، وقد يكون خليطاً من اللغات الأجنبية. مثلاً الميكانيكية يقولون "مادير" والناس في العامية تقول "مارشدير" على أساس الغيار الخلفي، وده "مارش" أي يسير إلى الخلف بالفرنسية، ولكن بعد ذلك أصبحت عامية.
فبرنشتاين أخذ يبحث في لهجات الطبقات المختلفة ووصل إلى تعديل الفرضية عبر الشفرة المقيدة والشفرة الموسعة. وجد عند دراسة لغة الطبقات المتدنية والعمال والبيئات الاجتماعية منخفضة الدخل أن عدد التراكيب في اللغة قليل. لو تكلمت مع شخص عامي غير متعلم في أمور السياسة لمدة شهر، فما المعجم الذي سوف يستخدمه؟ لو عددت الكلمات تجد المعجم محدوداً، فهو يريد أن يعبر عن كل المشاعر والأحاسيس ورؤاه ونقده للحكومة والمواقف السياسية بعدد ثابت من الكلمات لا يزيد. غير الأديب الذي لديه معجم يصل أحياناً إلى 22 ألف كلمة، يستطيع أن ينتقد ولديه كمية كبيرة من المعاني.
أذكر لكم مثالاً انتبهت له بعد دراسة اللغة: عندما كنا ندرس مثلاً الإنجليزية في كلمة "Sit down"، الترجمة العربية كان يُترجم إلى "اجلس". لماذا؟ لأن المعجم المترجم أو معجم الممارس هو أصلاً معجم محدود، فالترجمة خاطئة. في العربية هناك لفظتان، لفظة هذه غير هذه؛ "Sit down" أي اقعد أو اجلس، ومعناها زي ما حضرتك قاعدة وتكوني مسنودة على شيء، أقول لك: اجلسي. فكان النبي ﷺ متكئاً فجلس، متكئ يعني هو قاعد على الأرض باللغة العامية، فغير من الهيئة من الميل إلى الاستقامه، فكان متكئاً فجلس. فما ينفعش واحد واقف وتقولي له اجلس، اجلس إيه؟ لكن اقعد هو ده المعنى. أنا انتبهت بعد ذلك لأن مترجم الكتاب نفسه لغته العربية ضعيفة، فهو مسميه نصف لغة، معه لغة إنجليزية ضعيفة ولا يعرف شيئاً عن العربية فالتلبس عليه المعنى، لماذا؟ لأن المعاني المعجمية التي يسمونها المعجم الشخصي أصلاً ضعيفة.
وجد برنشتاين أن عدد الكلمات قليل، والكلمة تدل على معنى واحد؛ هذا التكثيف الدلالي والمعاني الكثيرة للكلمة الواحدة غير موجود. كلما المستوى الذهني قلّ والمستوى التعليمي قلّ، الكلمة تستخدم ودائماً الكلمات على الحقيقة، يعني ما فيش مجاز، والأسلوب الأدبي مش موجود، ودائماً يتعامل مع المحسوسات. لماذا عندما يتم تجهيل الشعوب على المستوى اللغوي يقل المعجم؟ عندما يقل المعجم تصير التعاملات فقط مع المحسوسات، يعني لا يستطيع الكلام عن الكرامة لكن يستطيع الكلام عن لغلاء العيش.
هذه دراسة حقيقية سموها دراسة إمبريقية أي تجريبية، وجد أن الشفرة المقيدة هذه -عدد كلمات المعجم فيها قليلة وعدد التراكيب بسيطة- لا يمكن أن تجد رجلاً عامياً يقول مثلاً "قُتِل فلان" بالبناء للمجهول أو تقديم الخبر على المبتدأ؛ ما فيش جماليات، ما فيش بلاغة، الجمل قصيرة جداً، ما فيهاش إحالات في الضمائر. الكلام بسيط وموجه لأنه لا يستطيع التعبير لغير هذه الحالة.
وجد أن الشفرة الموسعة مع جيد التعليم والمثقفين والطبقات الأكثر رفاهية وأكثر علمية -حتى لو كان مستواه الذهني منخفضاً- وجد العكس؛ الجمل أطول، هناك إحالات، المعاني الذهنية والتراكيب، العدد من الكلمات المعجمية أكبر، ويمكن الحديث عن المحسوسات والمعنويات. لو رجل جيد التعليم والثقافة يمكن الحديث معه عن الكرامة، يمكن يكون لديه كفاية على المستوى المادي ولكن يتكلم عن أن هذه الكفاية أتت على حساب الكرامة، ممكن يتحدث عن هذا المعنى أو يستشعر هذا المعنى.
دراسة برنشتاين أتت تدعيماً للصيغة المعتدلة لفرضية وورف وهي أقرب للتصور الإسلامي. مثلاً بخصوص المهندسين، أنا في كلية هندسة كنت أقول: الشعر ده إحنا مالنا بالآدب؟ لو قرأت لواحد مهندس أو طبيب أو صيدلي، قعد فترة يقرأ أدباً تجد أن طبعه وأسلوبه في التفكير يختلف، وقدرته على التعبير عن معاني أوسع. ليه؟ في هندسة لا تستطيع التعبير إلا عن الأشياء المحسوسة وبأرقام، التي يسمونها اللغة الرياضية، ما فيهاش مجاز. دايماً بتستخدمها "افرض إن فلان إكس راح"، اللي هو مع المحددات شيء مجرد فقط. لما بيزيد المعجم، خلال قراءة كتب اللغة العربية أو الشعر، وجدت أن قدرتي على التعبير عن المعاني الهندسية أصبحت أحسن. ما السبب؟ المعجم زاد.
حتى الآن معظم الدارسين للهندسة من العرب باللغة الإنجليزية قليل الإبداع؛ ومن يبدع منهم يبدع باللغة الإنجليزية وكأنها صارت لغته الأم. أذكر أن جمعية معادلة شهادة الطب للأطباء غير الأمريكيين، أي طبيب درس خارج الولايات المتحدة ويريد أن يدرس داخلها يجرى له امتحان معادلة، وأكثر الأطباء حصولاً على الدرجات هم السوريون. الأطباء السوريون لما يدرسون الطب بالعربية، هم أصلاً يفهمون المعاني بالعربية.
ما الفارق بين العربية والإنجليزية؟ الفارق أن دراسة الطب والصيدلة كل المصطلحات ليست إنجليزية أصلاً، هي لاتينية، فعلى مستوى الجذر اللغوي ليس لها معنى، وكاننا اتفقنا على تسمية كل الكراسي هذه الكراسي، كل كرسي له اسم وليس له دلالة، رمز اعتباطي. فكيف يمكن الربط بين هذه المعاني؟ لا يوجد رابط، المطلوب فقط استحضار وحفظ كل المسميات. أما العربية فلا يوجد كلام غير مرتبط بسبب؛ لا يمكن أن تكون هناك كلمة ليس لها جذر.
مثلاً كلمة "دولة" عندهم إقليم يسكنه مجموعة من الناس، لهم تاريخ ثقافي مشترك ولغة قومية مشتركة، هذا تعريف الدول في النظم السياسية. لكن كلمة "دولة" باللغة العربية، "دال واو لام" الجذر اللاتيني لها يعني الثبات، أما "دولة" في العربية من "دال لا يدول" التغير والحدوث. لا تدل على قوم ولا إقليم ولا لغة، كلمة "دولة" لما أقول دولة بني أمية أو بني عباس، أي دار دورهم في الحكم، جاء دورهم في الحكم. فكلمة "دولة" غير المعنى ده خالص؛ السبب أن العربية اشتقاقية، فأنا أقدر أبحث عن المعنى، أما في الإنجليزية أنت بتحفظ أجزاء الجسم، كل حاجة لها علم عليها، اعتباطي.
بما أن الإنجليزية فقدت العلاقة بشكل كبير مع اللاتينية، فمعظم الدارس وهو يتكلم عن المعاني ما فيش أي روابط، أما بالعربية فالموضوع مختلف. الأمر الأصعب في موضوع الفهم بعد المترتب على اللغة هو "الشكوى"، أنا كطبيب أريد أن أطور في الطب، فأريد أن أسمع المرضى شكواهم وأقارن بالموجود في الكتب حتى أستنتج شيئاً معيناً. الأطباء يشكو لهم الناس هنا في مصر بالعامية، وهو درس الطب وهو أصلاً يتكلم عربي، فهي دي المشكلة. المهندس نحن نتخيل أننا نفهم المعنى بالإنجليزية، لكن لا نعلم المقابل بالعربية أصلاً. المشكلة أنه لا يتخيل المعاني بالإنجليزية حتى وإن كان يتقنها، الإنسان يتخيل المعاني الذهنية باللغة الأم. اللغة الأم باختصار، تعريف غير علمي، هي اللغة التي يُسب بها المرء، يعني أول ما يدرس الإنجليزي فلا يُسب إلا بلغته الأصلية.
الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية في مراحل سابقة من التعليم، لكن اللغة الأولى التي تتحدثها في الأصل هي اللغة العربية أو العامية، وهي التي تتخيل بها المعاني الذهنية. لو هو بعد ذلك تعلم الإنجليزية، كلمة «cat» ممكن تترجم عنده وتطلع له حاجتين؛ كرتون كده صورة قطة، وجنبها مكتوب «قطة»، هو متخيل هذه الكلمة. تلاحظ جداً في الفيسبوك الناس تكتب الكلمات كما تسمع، تجد رسماً لرسم اللغة.
الشاهد يعني أن «برنشتاين» وكل من أتى بعد «برنشتاين» يؤكدون فرضية، ولكن بالصيغة المعتدلة أنها تؤثر وتتأثر، وأنها من أكثر العوامل المؤثرة وليس العامل الوحيد؛ يعني هذه القضية ليست اللغة فقط، بل يمكن اللغة وأمور أخرى.
- عايز أسأل بس سؤال في النقطة التي قبل هذه: هل هناك رابط بين المعاني المختلفة لكل اللفظة الواحدة؟ يعني حضرتك كنت تتكلم في أن لها كذا معنى، هل المعاني هذه بينها رابط؟
لا، ليس بالضرورة. ما دام هناك معاني مختلفة، فلا يجب أن يكون بينها رابط. السؤال عن وجود رابط بينها هو شيء آخر، وهذه نظرية لكنها ليست مقطوعاً بها عند العرب. أنا شخصياً أميل إلى الظن، لو قمت بعمل بحث لتثبيت الفرضية؛ فكر في مثلث خليل، نظرية الاشتقاق الكبير من أكثر الناس الذين تبنوا هذه النظرية ابن جني من علماء اللغة العرب.
يقول إن كل المعاني لكل التقاليب، مثل: «بحر، حرب، رحب، برح، حبر»، لابد أن تحمل كلها دوران حول معنى محوري، وكان هذا هو المعنى الأول ومعنى ثانٍ ومعنى ثالث ومعنى رابع، ولكن هنا قدر من الارتباط؛ كل هذه المعاني تتمحور حول مركز، وقد أثبت ذلك في كثير جداً من الجذور التي شذت بعضها. أنا أظن أن هذه تحتاج إلى الدراسة.
يقول مثلاً: «بحر» أو «ربح»، الجذر (ب، ح، ر) في كل تقاليبه لابد أن يحمل معنى السعة؛ فالبحر مساحة كبيرة واسعة من الماء، والحبر عالم واسع، والرحب مكان لابد قطعا أن يحمل معنى الاتساع. في ماذا؟ في السعة، في معنى السعة. هذا يسمى نظرية الاشتقاق الكبير، أو الاشتقاق الأكبر، تبناها ابن جني وأحمد فارس الشدياق من المعاصرين، وأنا شخصياً أتبناها ولكنها تحتاج إلى تدعيم، مثل دراسة حقيقية على عدد كبير من الناس وعدد كبير من الجذور، وبحث معجمي متسع في القرآن والسنة وكلام العرب وقراءة الشعر المختلف وقراءة القرآن، حتى يثبت نسبته، لأن هناك جذوراً كثيرة جداً تجد فيها هذا المعنى.
هناك من يغلو في ذلك، يقول إن كل الجذور التي فيها حرف الحاء والباء لابد أن تحمل معنى معيناً بدون حتى الحرف الثالث. أكثر منهم غلوا أصحاب النظرية الرمزية الصوتية، يقولون إن لكل حرف في العربية معنى، ولابد الكلمة تحمل جزءاً متعلقاً بطريقة النطق فقط.
ممن أكد أو عمل بشكل بحث دقيق على هذا الأمر الأستاذ محمد حسن جبل؛ محمد حسن جبل له معجم اسمه «المعجم الاشتقاقي لألفاظ القرآن الكريم»، أخذ كل ألفاظ القرآن الكريم وأثبت المعاني التي يريد أن يثبتها لكل حرف، يقول معنى الخاء كذا، معنى الحاء كذا، معنى الراء كذا، معنى الباء كذا، وأخذ يبحث عنه في كل التقاليب داخل القرآن، ووصل إلى نتيجة أنا أرى أنها جيدة وتحتاج إلى بحث.
- الدكتور محمد حسن جبل، صاحب «معجم الاشتقاق لألفاظ القرآن»، طبع كتاب في أربعة مجلدات. كنت تقرأ عن أن كل لفظة نطقها يعطي معنى، وهذا أصحاب الرمزية الصوتية يقولون به، يقولون الحرف وليس الكلمة، الكلمة عندهم قطعة، وهي تحمل مثلاً أن «صرخ» غير «أصرخ»، عشان كده القرآن يستخدم لفظة أحياناً مكان لفظة.
يقولون إن «يصطرخون» فيها معنى، و«يصطاع» و«يستطيع» مثلاً؛ في سورة الكهف: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97]. هل قرأت شيئاً في «يصطع»؟ أنا قرأت أن «يصطاع» فيها نوع من أنواع العجلة، أو تخفيف لوصف حركة الفعل.
الآخر يقول إن الزيادة في المبنى تفيد زيادة في المعنى؛ فكلمة «يستطيع» لابد أن تحمل معنى زائداً عن «يستطع»، وهذا في الأصل زيادة في الاستطاعة، ولكن محل النظر هو في أين الزيادة؟ منهم من يقول إن التخفيف فقط لوصف الحركة، فعندما تكلم القرآن عن: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، يعني ما يقدروا يتسلقوا وما استطاعوا له نقباً.
هناك تفسيرات تقول إن التخفيف في النطق فقط، فلو كان للتخفيف لكان قال «يصطع» على طول. أما الرأي الذي يستخدم المعنى البلاغي، فيقول إن هذا في المعنى الذي بعد ذلك؛ سيدنا الخضر وهو يكلم سيدنا موسى في أول القصة قال له: «إنك لن تستطيع»، وبعد ذلك هو يخلص الكلام فيقول: «فما اسطاعوا». هذا معنى بلاغي، لكن أنا أتكلم عن معنى لغوي.
أستاذنا الدكتور حسن جبل، أستاذ البلاغة في كلية دار العلوم، يقول: وهذا معنى راجع للغة وللمعجم نفسه. يقول إن «تستطيع» معناها لا تستطيع، معناها أنك لا تقدر على العمل مع المحاولة؛ يعني أنا أقول لك لا تستطيع أن تنقض هذا الجدار، يعني لا تستطيع أن تثقبه ولو حاولت، فإني أقول ذلك لو كنت عارف أنك ستجرب ولن تستطيع. أما «اسطاعوا» فمعناها أنه لم يقدر، وأصلاً لم يتصور أنه يقدر، فهو خارج عن قدراته أصلاً، فالموضوع أكبر من قدرته فلن يحاول. في وصف الجدار الذي بناه ذو القرنين أنه أملس وطويل جداً، فمن الرؤية لو قلت لك تسلق هذا الجدار، فأنت أصلاً لن يجول بخاطرك أن تتسلق جداراً أملس، فتقول: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾، أي هو أصلاً خارج.
القدرة، ولم يحاولوا حتى في هذا فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له. هو حاولوا يثقبوا الجدار ولم يستطيعوا. وفي معنى سيدنا الخضر لما كان الأول لم يعلم سيدنا موسى بأن الأمر خارج قدرته أصلاً على الفهم أو التوقع، هو فعلاً الأمر خارج عن التوقع، فكان يستخدم الجذر "لا تستطيع"؛ لأن سيدنا موسى كان يحاول ويظن أنه يستطيع إدراك الحكمة، ولما وضح الله الحكمة فظهر أن المعنى لم يكن يستطاع أصلاً أن يتمكن أن يصل له بالعقل، فقال له.
استخدم الجذر الثاني؛ لأنه خلاص بنى سيدنا موسى على أن هذا خارج المعاني المعجمية. هي هذه خطورة المعاني المعجمية في القرآن وفي فهم السنة؛ لأن في معاني تحريم مثلاً اللحم في القرآن، المعنى المعجمي يوضح أن كلمة اللحم تشمل الشحم، وإن كلمة الشحم لوحدها لا تحمل إلا الشحم فقط. فلو حرم الله عز وجل على الناس اللحم، لو ذكر تحريم لحم معين يبقى حرم عليهم اللحم والشحم، يعني الدهن. فلو حرم لحم الخنزير يبقى المحرم لحم الخنزير وشحم الخنزير. فبعض الناس من باب الإفلات يريدون أن يتاجروا في دهون الخنزير، فقالوا إن الآية لم تشمل إلا اللحم. من أين أتى التحريم من المعجم؟ العرب لا تقول اللحم إلا وتقصد اللحم والشحم معاً، أما إذا ذكر الشحم فقط.
وهناك فرق بين الميتة والميتة؛ الكلمتان ليست مترادفتين. ما الفرق؟ هناك فارق؛ تحريم الميتة أم الميتة؟ طب ما كل مذبوح ميت، إذاً حرم كل ما يذبح؟ الميتة هي التي لم يذبحها، هي وجدها ميتة، هذه هي الميتة التي حرمت علينا. أما الميتة، فالميت كيف يصير ميتة؟ هذه بعد أن تذبح تصير ميتة، ليست ميتة؛ فهذه المعاني العربية دقيقة جداً في التنسيق بين المعاني المعجمية.
انتهيت مما أردت في المدخل، لأن في رأيي الكلام عن فلسفة القضية هي أهم الجزئيات، سوف تأتي إن شاء الله وبشكل واضح. لكن للتدليل على هذه القضية في قضية اللغة العربية، هناك مستشرق ألماني اسمه فيشر عمل دراسة على استخدام ألفاظ الألوان في الشعر الجاهلي، كيف تستخدم العربية الألوان. يبدو أن لكل لغة منطقاً ورؤية، منطق اللغة نفسها هذا المنطق هو حاكم بعد ذلك على ذهنية مستخدمي اللغة.
اللغة العربية مثلاً، مستخدم العربية يستطيع أن يفرق بين البياض من كل شيء. في العربية ليس كل أبيض درجة واحدة، العربية تستطيع أن تفرق لغوياً بين درجات الألوان، ليس كالاستخدام المعاصر؛ أبيض فادح، أبيض غامق، أبيض ككاوي. هذا ضد قانون الاقتصاد اللغوي؛ المفروض من إمكانيات اللغة عشان تبقى لغة، طبقاً لقانون القدرة اللغوية على التعبير، أن تكون مكثفة من غير إضافات. أنت ممكن تقول أبيض فاتح، بس ما فيش كلمة لوحدها، لفظة وحيدة، تفيد هذا المعنى المركب، هذا يخلي اللغة أقوى.
فالعرب تقول لتتدل على درجات الأبيض، إذا أرادت أن تصف من الأبيض وأشده بياضاً، تقول: أبيض، وتقول: واضح، ثم ناصع، ثم هجان، ثم خالص. عشان كدة يقولون اللبن الخالص، يعني لبن شديد البياض. هذا ترتيبهم من الأبيض العادي وأنت صاعد إلى الخالص، وهو أكثر حاجة لونها أبيض.
حتى في وصف الأشياء، ليس كل شيء أبيض مثل بعضه. مثلاً، يريد أن يصف بشرة امرأة بالبياض، ويريد أن يصف بياض ثلج؛ لا، هذه غير هذه. فيقول الرجل الذي يريد وصف رجل أبيض: رجل أزهر، والمرأة: ربروبة، والشعر: أشم، والأسد: أشهب، والبعير: أعيس، والثور: ألوح، والبقرة: لحي، والحمار: أقمر، والكبش: أملح.
المشكلة ليست في كلمة أبيض، بل في مَن يوصف بالبياض؟ هل يوصف الرجل مثلما يوصف الفرس أو الجدار أو الثلج؟ لا. الرجل الذي يريد وصفه بأنه أبيض يقول: رجل أزهر. وفي تفصيلات الفرس، إذا أراد أن يقول الفرس أبيض، فأين مكان البياض؟ إذا كان أبيض الرأس والعنق فهو أدرع، وإذا كان أبيض أعلى الرأس فهو أقع.
تمييز الوصف اللوني حسب قربه من وصف لوني آخر؛ إذا أراد شيئاً أبيض فيه شوية حمرة، لا يقول أسود محمر، بل يقول صهبة، وهي حمرة تضرب إلى بياض، مثل كلمة سهيم التي تأتي من السهام. والكبة صفرة تضرب إلى حمرة، والقهوة سواد يضرب إلى حمرة. هو يريد أن يختصر، وهذا ما يسمونه الكثافة اللغوية؛ اللفظ نفسه مكثف، يريد أن يقول ثلاث حاجات في بعض. مثل وصف الحصان الأسود المائل للحمرة، فيقول: الكميت.
هذا الوصف للفرس والإبل والسيوف، وحتى الثلج عند أهل السكين؛ أنت عندك للج الثلج، وهو عنده ستين درجة للثلج. لماذا؟ لأن الثقافة نفسها تؤثر على اللغة. واحد يقول لك عندنا للإبل ستون اسماً، هذا من متعلقات الاهتمام بها لأنها موجودة عندنا. فأين أوصاف الأفيال؟ لا يوجد وصف للأفيال بهذه الدقة، لأن الفيل ليس في البيئة العربية الأولى على الأقل، فليس موجوداً، لكن العرب عندها قدرة.
هذه هي القدرة، فكل لغة عندها قدرة على الزيادة والتوسع؛ لكن الفكرة هي التوسع في ماذا؟ هي تشبه نظام الموبايلات، الحاكم فيها هو البنية الصرفية والمعجم وقدرة التقليد بين الحروف وكذا. والجزء الخاص بمنطق العربية؛ فمنطق اللغة نفسها، مثل منطق العربية في الألوان، هو منطق متدرج. ماذا يعني؟ يعني اللغة نفسها عندها القدرة على الوصف، مثل قدرة المفاهيم وإدراك الفروق، وهذه قدرة مفهومية، أي شيء يُكتسب؛ فلو اللغة أعطتك الإمكانية تستطيع الرؤية، وإن لم تعطه لك لن تعرف، والعكس بالعكس.
مثلاً قدرة النساء على التمييز؛ ممكن في بنات تقول لك: "هذا أبيض"، "هذا شامبين"، "هذا طيف". أما ألوان الرجال في الغالب فلا يستطيعون التمييز بين الألوان المتداخلة؛ فالوضع الاجتماعي والثقافي أصلاً لا يجعل عنده الرغبة ولا الحاجة في التدقيق بين الألوان المختلفة، والنساء عندهم هذه القدرة. منطق العربية في رصد الألوان رصد متدرج، أي أن منطق العربية أصلاً ليس منطقاً ثنائياً (أبيض أو أسود)، فتقدر أصلاً أن تحتمل المعاني الوسيطة.
هناك لغات لا ترى أصلاً فارقاً، فالعرب مثلاً لا يفرقون بين الأخضر والأسود، كلمة أخضر هذه مستحدثة قليلاً عليهم، فكانوا يسمون العراق أو مصر أو أي حتة فيها زرع "أرض السواد". وما هو السواد؟ الزرع وأي شيء أخضر. تخيلي واحداً عاش في الصحراء مئة عام أو مئتين أو ثلاثمئة عام، لم يرَ أصلاً إلا الشمس والقمر والرمال، فاللون الأخضر بالنسبة له لون داكن جداً. لذلك أنا من صعيد مصر، وعندما قابلت الكثير من المحافظات المختلفة والكثير من محافظات الوجه البحري، يقولون على الغامق "أسمر"، "الأسمر" دي أي لون، البني الغامق، الأسود الغامق، الكحلي، يقول لك: "هات الكذا السمراء" أو "الكذا الأسمر". ما هي السمراء؟ هي الغامقة، فكلمة أسمر معناها عنده ضد الفاتح. هذا من الاستخدامات اللغوية، لكن طبعاً هذه في الاستخدامات العامية وليس لها قانون مطرد؛ فممكن تلاقي واحداً في الزقازيق يقول ذلك، وبالعكس في الصعيد غير مستخدمة. أما في منطق العربية، لا، هذا منطق متدرج، وبنية اللغة نفسها تتميز بهذه الطريقة في رصد الألوان.
واحد يقول لك: ما الفرق؟ لو كانت لغة العربية مثلاً زايدة على لغة أخرى في تمييز الألوان، أو منطق العربية منطق ليس ثنائياً. تقسيم حتى الكلمات: أفعال وأسماء وحروف، التقسيم الموجود داخل العربية نفسها يختلف؛ ففي اللغة الإنجليزية مثلاً نطلع حاجات من بنية الأسماء كالصفات والحاجات التي مثل كذا، ونضعها أصلاً في أقسام منفردة. الإنجليزية فيها صيغة أفضل، أفعل التفضيل، "أفضل من كذا". هذا أصلاً منطق حاكم في العربية، أن العربية ترد الشيء للأصل؛ أي تضع نقطة فيها أصل وتوصف لها، فيقولون: "أبصر من عقاب". العقاب هذا طائر مثل الصقر، حاد البصر جداً، فتريد أن تنسب له، فتقول: "أريد شيئاً مركزياً في البصر، القدرة على الإبصار"، فتأخذ "عقاباً" وتنسب له فتقول: "أبصر من كذا"، وهكذا "أكرم من حاتم"، تريد أن تضع حاتماً كمركز، و"أحلم من الأحنف"، فالأحنف بن قيس يحطونه مركزاً للحلم وهكذا.
واحد يقول لك: ما فيها؟ وكان اللغة أصلاً معدة لوجود مركز يقاس إليه الشيء، أو معيار تقاس إليه الأشياء. هذا أصلاً جزء من التحمل، استعداد النظام اللغوي لتحمل وجود مركز أو شيء معياري أو شيء يُقاس إليه. في لغات ثانية، كما قلنا، اللغة التي ليس فيها أفعال خالص؛ في لغات في طريقة الوصف ورؤيتها، لو أنا واقف هنا وهنا كورة وهنا حجرة، فأنا أقول: أريد أن أوصف الكورة بالنسبة للحجر، فأقول: "الكرة أمام الحجر". في لغة "الهوسة"، أي أحد يتكلم بالهوسة يقول لك: "الكرة وهي هنا خلف الحجر". واحد يقول: "ما هذا؟ هي نظام اللغة مخلية أصلاً طريقة الحكم على الأشياء ورؤيتها للأشياء مختلفة"، ليس معناه أنك غلط وأنت صح، لا، اللغة أصلاً تكتسبه، الطريقة أصلاً تكتسبه كطريقة للنظر للعالم.
هنا تأتي خطورة الموضوع، نحن نكون ماذا؟ على العقيدة أصلاً والإبداع والتفكير في العلوم؛ فسيشوف الحاجة كما يسمح له نظامه اللغوي، بما يسمح له نظامه اللغوي. هذه خطورة القضية. هذا الفيديو واجب أيضاً، يجب أن تشاهدوه، وأولاً اقرأ فقط في "لسان العرب"، أي معجم يكون واسعاً، يا ريت يكون مثلاً "أساس البلاغة" للزمخشري، وشوفوا مادة "قرأ" القاف والراء والألف، وشوفوا المعاني اللغوية. وفي فيديو إن شاء الله سأرفعه على صفحة الدورة، لواحدة اسمها "باتريشيا رايان"، كانت تتكلم على خطر تعلم اللغات الإجمالية أو التعلم باللغات الأجنبية، وهي إنجليزية، وتقول لباقي العالم: لا تدرسوا بالإنجليزية، ادرسوا العلوم بلغتكم حتى تستطيعوا الإبداع؛ لأن اللغة توفر لكم لغتكم، توفر لكم رؤية مختلفة عن العالم، لكن بشكل دقيق جداً. هو عشر دقائق، إن شاء الله ستجدونه اليوم موجوداً على الصفحة.
ما أريد أن أخلص إليه من المقدمة الفلسفية، هذه المساحة التي أتحرك فيها هي مساحة من فلسفة اللغة، لذلك في البداية قلت: سوف أتكلم عن العلم، بس هذا مدخل، فاللغة كلغة وظيفتها في الإنسان هي تحدد بالنظرية المعتدلة، هي أكبر محددات رؤيته للعالم، أكبر محددات لطريقة النظر وطريقة التفكير. يعني "رايان" في الفيديو تقول إن واحداً ألمانياً، واللغة الإنجليزية لا تفرق بين الأقدام الأمامية والأقدام الخلفية للحيوانات، تسميها اسماً واحداً، تسميها كلها "أقدام"، بالرغم من أن العربية تفرق في التسمية بين الأرجل الأمامية والخلفية. الإنجليزية لا تفرق، الألمانية تفرق؛ فعندما يكون ألماني يدرس في علوم الجينات وكذا، فهو أصلاً مُعد لغوياً ليبحث عن جين مختلف للأقدام الأمامية عن الأقدام الخلفية؛ لأن رؤيته للعالم أصلاً أن هذا يختلف عن هذا. هناك لغات، مثلاً لغات في القبائل في إفريقيا، تنسب إلى الصخور والجمادات أفعال البشر؛ لأنه في معتقدهم أصلاً أنها جزء من الإله، أو لها حياة وداخلها أرواح.
العكس، هو هذا التأثير، هو هذا ما نتكلم عنه، كل هذا في الفرضية المعتدلة، أن أصلاً أنت ممكن اعتقادك يؤثر في اللغة، وممكن لو اعتقاد مثل العرب؛ تغير اللغة نفسها. المعجم الإسلامي غير المعجم الجاهلي، والذي يبحث في الشعر الإسلامي يختلف عن الشعر الجاهلي؛ حتى لما المعاني الجاهلية تنضح على الشعر، تلاقي غيرها، يعني يضع شروطاً. مثلاً "مجنون ليلى"، أنا زمان كنت أحسبه قيس ليلى، أظن كنت أحسبه جاهلياً، صلح هو مسلم، فهو في الإسلام في عصر بني أمية.
فبيقول: ونحن إن شاء الله عندما نأتي لنعرف علم النحو نقول: إن النحو له سبع معاني في المعنى المعجمي، منها القصد أو الجهة، "اتجاه نحو كذا" يبقى جهة كذا. فلما يجيئوا يستدلوا عليه ببيت شعر، دائماً نحن الشواهد عندنا حتى نستدل على المعنى بمعيار أو أصل، نأتي بأصل شعري، بيت من الشعر الجاهلي. فالله يمسيه بالخير الدكتور طه الجندي يقول: مجنون ليلى يقول في قصيدة، لو اسمها "المؤنسة"، هي أول قصيدة سُميت في شعر، كان الشعراء يقولون الشعر ولا يسمون القصائد بأسماء، فيقول: "تراني إذا صليت وجهت وجهي نحوها ... نحو ليلى وإن كان المصلى ورائيا". هذا معنى جاهلي، بس هو يقول ماذا؟ تحت، بص، الإسلام غير أصلاً حتى في طريقتهم، فيقول: "وما بي إشراك ولكن الهوى ... وعظم جوى أعيا طبيب المداويا". يعني أنا مش بمزاجي، هو مغلوب على أمره. فالقصد أن المعاني حتى المعاني الجاهلية نفسها لما طرأت له وهو جاهلي، كان يرى المعنى ويعدي؛ لأن غير مستقبح أن يتعبد لغير الله عز وجل، لا مشكلة. في المعاني الإسلامية لا، المعجم اختلف، وطل الترتيب، أعتذر عن التوجه ذاك في البيت الثاني، بيقول إن: "وما بي إشراك ولكن الهوى ... هو بس العشق، بس هو غالب على العقل". الله يرحمه.
ماشي، يعني العاقل جمع المؤنث يدخل فيه الناس وغير العاقل. طيب، في أحياناً حركات نشأت في الغرب في التاريخ المعاصر بسبب الأواد الشديد جداً للنساء، حركات تتمركز حول الأنثى، يعني العكس، لا تريد أن تأخذ وتسترد الحقوق التي أهينت فيها الأنثى، لا، هي تجعل الأنثى أصلاً هي الأصل. فمثلاً لا يقولون مثلاً: لماذا يُشار لله عز وجل دائماً بضمائر المذكر في العربية أو في الأجنبية؟ ليه لا يُشار إليه بلفظ المؤنث أو الاثنين؟ رغم أن في لغات أصلاً تعبر عن التعبيرات المقدسة في اللغات هذه تصورهم، مثل مثلاً في العبرانية والأرامية واليونانية ممكن الكلام عن الله عز وجل بأنه الأب، "الأب الذي في السماء"، ليس بالمعنى الأبوي لعيسى، لا، يعني هو أبو البشر بالمعنى أن هو أبو البشر، أبوه من معنى العاطفة والرحمة. يعني في لغات في القبائل الإفريقية، والكثير منهم وثني، يعبر عن الآلهة بأنها "أم"، أم لكل البشر؛ فهي قضية النظام التعبير عن التذكير والتأنيث أصلاً ليس له معنى.
بمعنى، هناك أصلاً أشياء مستقبح أو تستقبح العرب فيها أو المعنى نفسه، وهو مذكر، "النكد" مذكر، والفرح "كذا" مذكر؛ فهو أصلاً المعنى هذا أصلاً كان غير وارد عند العرب. والمعنى الذي كان وارد عند العرب جاء الإسلام وقضى عليه، التكليف، الخطاب الإسلامي أصلاً، القرآن، سيدنا عمر بن الخطاب يقول المعنى هذا، يقول: كنا لا نعتبر النساء شيئاً، ما كانوا يظنون النساء على درجة من الرجال، حتى وجدنا الله عز وجل يذكرهم في الكتاب. هو خلاص، كله مكلف زيك زيه، هو ذاك سيتحاسب وهذا سيتحاسب. فقط أما التفضيل فذاك تفضيل فطري، يعني هو كأنه تمييز فطري، السيدة أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ليه، قال: "هذا فضل الله يؤتيه من يشاء"، يعني ليه النخلة أطول والبرتقال برتقال؟ يعني هذا أصل الخلقة، هذا جزء في حكمه الله عز وجل في علم الله. أما بقى هل هذا، وللأسف في النظر للأشياء، الإسلام جاء، وهو ذاك أثر الاعتقاد على اللغة، أن نفسها العربية نفسها جاءت وألزمت بالإسلام، فبقي لو في عند العرب، وهذا في يعني العرب أحياناً نظرتها للنساء تجدها في اللغة، ممكن في معاني لا تسع مقام الذكر، في معاني تظل؛ لأن العرب لأن الجاهلية كانت هذه نظريتها، الإسلام لا؛ فجاء الإسلام صحح أو وضع معياراً جديداً للغة. هو لكن بنية اللغة تحتمل ذاك وذاك، أما دلالة التأنيث والتذكير لا، هي دلالة اعتباطية؛ هي ممكن يبقى لها قانون مضطرد، بس هي لا تملك أثراً على الاعتقاد أو النظر؛ لا، لأنه ذاك سابق أكثر عن كفر العرب في الجاهلية؛ لأن العربية أقدم من العرب، يعني هم قبل ما يبقوا الكفار أو يبقوا في الجاهلية هذه كانوا أكيد مؤمنين على دين إبراهيم، وكانوا يتكلمون العربية، سيدنا إسماعيل وقبائل كانت تتكلم العربية وهم كانوا مسلمين على الإسلام على التوحيد؛ فلا يعني مجرد نظر، يعني هو نظر سوسيولوجي، نظر بمعتقدات حالية، تُسقط في الماضي، وضع اللغة لم يكن فيه الاعتبار.
فضل، أكاد أكون انتهيت من الفكرة التي كنت أريد أن أدلل عليها في موضوع الرؤية، رؤية اللون، ودور منطق كل لغة، أنها مختلفة، مختلفة في طريقة التفكير وطريقة الرؤية، مثل موضوع لغة الهوسة: "كرة أمام الحجر"، "كرة خلف الحجر". هو ليه شايفها كده؟ لماذا يرى العالم بهذه الطريقة؟ هذا أمر متعلق بالمعجم.
الدكتور تكلم على فكرة أن المعجم في العربية، أن فيها مسالك نظرة العربي؛ لأنه بكلمة العربية للأشياء، لا يكون عنده مفرد. مثلاً ملاحظة جيدة جداً من المنطق، هذه بقى كلمة "المنطق". فيشر لما جاء خلص البحث عن الألوان، أراد أن يجرب الموضوع فقال: يبدو أن منطق العربية أصلاً ليس منطقاً ثنائياً، أي لا يرى الحاجة كأنها مقسومة بصلة حتتين كده، لا، عنده قدرة على التدرج، ممكن يقول لك: "مفرد ومثنى وجمع". باقي اللغات لا ترصد غير؛ يعني أريد أن أقول، أنا ممكن أقول "رجلان" بالعربي، لكن في الإنجليزية لازم أجيب لفظتين وأضيفهم لبعض، أقول "two" وألحق أي حاجة، أريد أن أقول عربية أو سيارة، أقول "سيارتان" بالعربي، خلاص هي البنية دي والصرفية لوحدها هكذا تدل على اثنان من نفس النوع، بالإنجليزية لا، ممكن أقول "two cars"، يعني لا.
العربية عندها قدرة على التدرج في وصف الأشياء، تدرج في لغات ثانية لا تشوفه، في واحد يقول لك إيه طب إيه اللي يترتب على ده، إيه الترتيب العام؟ القدرة الراصد مثلاً للتطورات التي عملها العرب في التاريخ التي هم كانوا فيها على سقف العالم، يعني السقف الحضاري، معدل تطور العلوم كان أسرع بكثير من غيرهم، من غيرهم إزاي؟ يعني قدرته على التشقيق والتفسير والفهم أسرع، وأنا شخصياً لمست حاجة زي كدة قبل كدة، إن أنا لما حسنت اللغة شوية وجدت أن الأمر أفضل، وقدرتي على الاستيعاب أحسن، ليه؟ لأن أنا بزود أصلاً في المعجم الأصلي بتاعي.
لأن اللغة الأصلية ممكن لو واحد إنجليزي حسن من لغته الإنجليزية سوف تزداد قدرته على التعبير بشكل أفضل، لكن لو قارنته براجل أصلاً يجيد الإنجليزية ولا يجد سواها، وراجل يجيد العربية ولا يجد سواها وترك على نفس المسار العلمي، أنا أعتقد في النظرية المعتدلة الورف كمان، إن لا هيختلف، تفوق، أنا بقول إن النظامية أكثر رحابة وأكثر تعقيداً وأكثر دقة وأكثر قدرة على تصور المعاني، أنا بقول كدة، ومن علمياً الكلام الذي أنا أقوله هذا ليس محل اتفاق، في ناس تتفق معايا، وفيه طبعاً يتفق جداً معايا أصحاب النظرية المعتدلة الورف، يتفقوا معايا جداً، الذين يرون النظرية النسبية اللغوية، لا تحترمها قوي، شايفين أن الكلام ده مش صحيح، لكن أنا سبب أن الموضوع عندي مرتبط بجانب آخر، بجانب أن أنا عندي أصلاً حكم خارج الحكم العلمي الإمبريقي ده، لا أنا عندي حكم بلسان عربي مبين، هي دي بقى قضية الهوية، ارتباط اللغة بالهوية.
كلمة هوية أصلاً جاي من هو، هو، يعني إيه؟ طب إيه كلمة، ودلالتها عند الناس إيه؟ هي محددات الشخصية، هي ما يميز الشيء عن غيره، الهوية حاجة غير محسوسة فغالباً مش هنعرف نعبر عنها، لا هي في الغالب هتعرفي تعبر عنها، التعريف بتاع الهوية هي ما يميز الشيء عن غيره، المميزات دي هي هوية الشيء، طب جاية منين؟ لغته، هو من هو، هل حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما السيدة صفية تتكلم عن: «أهو هو؟»، هو يعني إيه هو هو؟ يعني هو الذي وصف لنا في الكتب القديمة، يعني مميزات النبي صلى الله عليه وسلم التي تميزه عن باقي البشر، هو هو، يعني هوية النبي صلى الله عليه وسلم أي ما يميز النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره من الناس وغيره من البشر، استطاع أن يتميز أو يستدل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو هو، يعني الهوية دي التي هي ما يميز، فأنا لما أقول الهوية الإسلامية أو الهوية العربية ما يميز الشخص العربي أو المسلم عن غيره من الناس، عن غيره من الأديان حتى، فتجد أن في هوية، طبعاً إيه الهوية؟ هوية أنه أولاً يعتقد في توحيد الله عز وجل، توحيد الخالق، توحيد مصدر التلقي، توحيد المعايير، أن هناك أصلاً معيار، وأن هناك معيار ثابت لا يتغير مع تغير الزمن، يعني في جزء في الدين لا يتغير بتغير الزمان والمكان أبداً، وفي أجزاء تتغير بتغير الزمن والمكان، هو أصلاً جزء من الهوية أن هو يعتقد في ده.
أنا مرة قابلت شخص صديق فرنسي مسلم من أصل أمازيغي مغربي، فهو بما أنه أوروبي النشأة فنشأ على المعنى بتاع الفلسفات الغربية، أن المراكز متغيرة، يعني ممكن الفلسفة نمشي بها فترة وبعد كدة تتغير يحصل تطوير فيها، المعنى ده مش موجود في الإسلام، موجود في الإسلام أن في جزء ثابت لا يتغير إطلاقاً، لأنه ده مرتبط بعلم الله عز وجل الذي لا يعتريه النقص ولا الزيادة، علم الله عز وجل مطلق، فما أخبر الله عز وجل به أنه في صلاح الناس ليوم الدين هو في صلاح الناس ليوم الدين، وما استثناه الله عز وجل من ذلك فهو مستثنى، عشان كدة سيدنا عمر بن عبد العزيز لما مسك الخلافة في الأول خالص، فأول حاجة قالها: قال إن الله عز وجل حرم أشياء فهي حرام إلى يوم الدين، وأحل أشياء فهي حلال، وفي المنطقة الوسطى دي في جزء هو ده اللي يحتمل التغير بتغير ظروف الناس.
فأصلاً العقلية الأوروبية في السياق الأوروبي وهو يتكلم الفرنسية أحسن بكثير من العربية، هو يجيد خمس لغات، يتكلم الفرنسية والإسبانية بطلاقة والإنجليزية بطلاقة ويتكلم الأمازيغية التي هي لغة قومه الأصليين المغاربة، وبالتأكيد بيتكلم العربية، فلما كنت بتكلم معاه في موضوع الهوية، فبيقول لي: إيه المانع أن يكون فهم الإسلام في أوروبا غير باكستان غير مصر غير الهند؟ فقلت له: أي جزء من الإسلام؟ في جزء مش ممكن يتغير بتغير الأماكن، وإلا هيبقى اللي بيعبد ربنا في الهند بيعبد غير الرب الذي يعبده في مصر، لا هو الجزء المتطلب واحد والأمر واحد والمأمور هو نوع واحد، هم البشر، إيه بقى الجزء الذي يختلف؟ مثلاً هيئة الناس بزي معين، إيه اللي ممكن ربنا سبحانه وتعالى يأمرهم بشرط معين ده يتوافر في أي حتة؟ في الهند، في الإسكيمو، وكدة أن هو ما يلبس لبس شهرة يميزه عن الناس، ده مش موجود في أي حتة، ده في نهي شرعي مثلاً، الواحد يتميز عن الناس بشيء غير متعارف في البلد، يعني لما يجي واحد في مصر هنا يلبس غترة حمراء، هل ده من لبس المصريين؟ إذا كان مش حرام ولا حاجة، لو لبسه في الحجاز مش مستغرب، لو جه لبس لبس المسلمين الهنود هنا في مصر ماشي، بس تلبس بتاعها خضراء وأنت ماشي في الشارع هذا ليس معتاداً من المصريين لكن هو مش حرام، في الهند لو لبسه في الهند، طيب الشرعية إيه اللي فيه حرام؟ لو لبس حرير في أي حتة حرام في أي حتة إلا لعلة مرض ودي حاجة مشتركة من البديهيات، وهكذا، فلبس النساء في أي حتة أنت لازم يكون ليه شروط معاه، في الهند، في باكستان، في مصر، في أوروبا، شرط أن هو يكون واسع، فضفاض، لا يصف ولا يشف، دي كلها مش هتتغير، يعني أصل الستر والحشمة ده موجود في كل حتة، ممكن حاجات تتغير، آه، في الإسكيمو هتلبس الخلي، هتتجمع وهكذا والعكس بالعكس.
فقضية ارتباط اللغة والإيمان هما الأساس في تحديد الهوية أو تحديد ما يميز الشخص عن غيره من الناس، يعني الإنسان المسلم العربي ما هناك هوية له، هوية شيء يميزه عن غيره من الناس، ما هي أكبر المميزات؟ هي اللغة والعقيدة، لو نزع اللغة والعقيدة قد يصير زيه زي أي حد، هذا هو دي محددات الخطورة، اللغة هنا أنها مكون رئيسي، يعني أول ما اللغة بتتغير، الإنسان أصلاً بيفقد جزءاً من مكوناته، من مكوناته المميزة، هذا أمر، اثنين: ممكن يغير أصلاً على الطريق تصور الديانة، يعني مش ممكن واحد ينتقل لكل تعاليم الإسلام كما أراد الله عز وجل بغير العربية، عشان كدة الإمام الشافعي يقول: فلما أرسل الله عز وجل محمد صلى الله عليه وسلم إلى البشر كافة إلى يوم الدين، فأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم باتباع القرآن فكأنه أمرهم ضمناً بأن آمنوا بمحمد واتبعوه وتعلموا العربية، كأنه أمرهم كيف يأمرهم بأن يتعلموا القرآن أو يؤمنوا بما فيه بغير العربية، فده كلام الإمام الشافعي في تقريره وكلام ابن فارس في لسان عربي مبين أنه يبين عن المعاني التي أرادها الله عز وجل من البشر إلى يوم الدين، هذه الخطورة في القضية في تكوين الهوية المميزة، لأن لو أحضرنا رجل ياباني، هو ياباني، أول ما ولد جبنا مصر وتعلم العربية الفصيحة، سوف يكون هذا الياباني قطعاً عربياً، عشان كدة العربية ليست بالجنس مش عرق، يعني هو عربي، سيبويه فارسي، البخاري والبخارة، البخارة دي حالياً أظنها في أوزبكستان، لكن البخاري كيف صار عربياً مسلماً؟ بالمكونات، لو نزع منه اللغة صار أصلاً غير متميز أصلاً عن غيره، يعني ممكن يصير أمريكياً، يصير كندياً حسب، فدي خطورة الأمر بشكل ما تكلمنا عنه أو تكلمنا عنه اليوم، هي إيه خريطة العلوم، مكان العربية، خطورة اللغة من حيث الاعتقاد ورؤية الكون والهوية، هذه هذا أصل أصل الموضوع.
من المحاضرات القادمة نقترب من الكلام عن العلوم، يعني الآن الكلام كان عن المنهج، المرة الجاية لا إن شاء الله، يعني الخامسة إن شاء الله، الخامسة، من المرة القادمة سوف نستكمل الخطوات، يعني خلاص أنا كدة، أنا دائماً أبدأ من الكلي للجزئي، التجريد للجزئي للكلي، ما تكلمنا عنه اليوم أو ما أشرنا عنه اليوم، من يريد أن يراجع الموضوع باتساع وبشكل دقيق وبشكل علمي وبشكل ممتع، في كتاب موجود اسمه اللغة والفكر والعالم، محددات محسب، اللغة والفكر والعالم، ده موجود، يعني لو كتبت اللغة والفكر والعالم، دراسة في النسبية اللغوية بين الفردية والتحقيق، دكتور محيي الدين محسن، أنا هضع الرابط على صفحة الدورة، وكتاب اللغة والثقافة ده طبعة هيئة الكتاب، اسمه اللغة والثقافة، دراسة أنثرولغوية لألفاظ وعلاقات القرابة في الثقافة العربية، كتاب جيد جداً، الدكتور كريم زكي، دول يعني ممكن واحد غير متخصص عادي يقرأ، آه هيبقى هيجد بعض الصعوبة شوية، بس دراسة دقيقة وممتعة، ده اللي هو المتعلق بالجزء الذي تكلمنا به، القادم إن شاء الله سوف نتكلم عن فضل العربية في الإسلام من نظرة علماء الشريعة، أهمية العربية بشكل دقيق، نحن مما عرضناه اليوم في الخريطة، خريطة العلوم، أن العربية هي العمود الفقري للعلوم الشرعية، هي العمود الفقري، طيب ما هي حاجة المفسر لعلوم العربية؟ ما حاجة المحدث لعلوم العربية؟ ما حاجة الفقيه لعلوم العربية؟ سوف نذكر في المحاضرة القادمة، طيب عند دراسة هذه العلوم، هل العلوم العربية الإسلامية أنشأها العرب على أيديهم؟ هل هناك منهج مطرد متبع في هذا؟ الإجابة نعم، يعني أحمد بن محمد بن يحيى المقري التلمساني المالكي له منظومة في العقيدة اسمها الدجنة، الدجنة في اعتقاد أهل السنة، هي متن في العقيدة على عقيدة الأشاعرة، ذكر فيها أبياتاً هي تشمل القواعد أو المبادئ المنهجية التي اختطها علماء العرب أو علماء المسلمين في دراسة أي علم، وهذه المبادئ، هو أظن قال:
من رام علماً فليقدم أولاً ** علماً بحد وموضع لا ولواضع ونسبة وما استمد منه ** وفضله وحكم يعتمد واسم وما أفاد والمسائل ** فتلك عشر للمنى وسائل
من رام علماً فليقدم أولاً علماً بحد وموضع لا ولواضع ونسبة وما استمد منه وفضله وحكم يعتمد واسم وما أفاد والمسائل، فتلك عشر.
المهندس أيمن عبد الرحيم