خلاص، نحن في المحاضرة الأولى شبه قعدنا في اللقاء البيني؛ هو لقاء قلنا إنه لن يحسب في الترتيب، ولكن تناولنا فيه موضوعات مختلفة حول المادة، ولكن بشكل غير منهجي؛ كان خارج نطاق التسلسل الذي أردته للموضوع.
باختصار، المحاضرة الأولى كانت حول محورين: تمركز علوم العرب بعد الإسلام حول الوحي، ثم الرؤية اللغوية للعالم. المفترض أن ننتقل إلى التعريف بعلوم العربية، وهي تأخذ حدود اثني عشر علماً. قلنا إن العلوم العربية اثنا عشر، يمكن أن تزيد عن ذلك، ويمكن أن تقل عن ذلك لأسباب سوف نعلمها الآن في كيفية عد العلوم، وكيف يصير العلم علماً أصلاً.
قلنا إن علوم العربية يجمعها بيت الأديب أحمد الهاشمي: نحو وصرف عروض ثم قافية ... وبعدها لغة قرض وإنشاء خط بيان معان مع محاضرة ... والاشتقاق لها الآداب أسماء
هذه الاثنا عشر علماً سوف تكون موضوع المحاضرات القادمة. ولكن قبل الدخول أصلاً لعلوم العربية، من المنهجيات التي افتكرها أو اختطها علماء الإسلام أن قدموا بقواعد منهجية أو مبادئ عامة في كل العلوم. يقولون: من رام علماً فليقدم أولاً علماً بحده وموضوع تلا. الحد هو التعريف؛ هذا أول مبدأ من المبادئ العشرة المقدمة لكل العلوم.
الأبيات مجموعة، ثم نفصل فيها: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
هذه هي المبادئ العشرة على عد علماء الإسلام؛ كانوا ينظمون المعاني في أبيات من بحور الرجز في الغالب، خفيفة ويسهل حفظها. فمن أراد أن يتكلم عن المبادئ العشرة كما نفعل الآن، فيقدم بهذه الأبيات ثم يأخذ في شرحها.
من رام علماً فليقدم أولاً علماً بحده. الحد دائماً في مداخل العلوم، أي كلمة ترد في الأثناء يشرحونها؛ يقولون الكلمة لغة تعني كذا، واصطلاحاً كذا. لماذا؟ لأن دلالات المعاني والكلمات تغيرت بعد الإسلام؛ فكلمة الصلاة معلومة عند العرب قبل الإسلام يقصدون بها الدعاء، وهي أصلاً صارت تجري على ألسنة العرب بعد الإسلام بلفظة الدعاء.
يقول: كان أحد الصحابة يأخذ على سيدنا معاوية بعض الأشياء في الحكم، فكان يذكر هذه المساوئ على الناس، فاجتمع معاوية رضي الله عنه في الشام فسأله معاوية، قال: ما الذي تأخذه عليّ؟ فقال: دعنا من هذا. فقال: لا أخبرني. فلما عدد عليه ما أخذه، فقال له: وفقط؟ هل تعد المساوئ فقط؟ ألا تعد الحسنات؟ هذه فعلاً سيئات وأنا أعترف بها، ولكن ألا تعد الحسنات معها؟ أليس لك ذنب تستغفر الله وتخشى عذابه؟ قال: نعم. قال: أنزلني منزلتك. فكان إذا ذكر معاوية في الرواية بتقول كده، فكان إذا ذكر بعد ذلك لا يذكره إلا وصلى عليه. فالسلام، فكيف يصلي عليه؟ يعني يدعو عليه بالسلام، فكان لا يذكره بعد ذلك إلا وصلى عليه. هذا المعنى أن هذا المعنى أصلاً استقر بعد ذلك، ولكن الآن كلمة صلاة إذا ذكرت لا ينصرف ذهن الناس إلا إلى بمعنى الصلاة الشرعية. ولكن متخصصي اللغة كثيراً ما يستخدمونها حتى في المزاح والأذى؛ يقولون فلان صلى الله عليه، فالناس تستغرب، ولكن هي على المستوى اللغوي جائز أن يقال صلى الله عليه، أي: كان الله عز وجل يغفر له أو يرحمه، يقصد هذا المعنى في المعنى اللغوي، وهو صحيح، ولكن هي تثير أحياناً الدهشة.
فالحد في اللغة هو الفاصل بين الشيئين، ولكن في الاصطلاح هو التعريف. هذه الطريقة التي نتناولها الآن هي طريقة المناطقة، وعلماء المنطق. العرب في سجيتها أصلاً لا تعرف الحدود الدقيقة قبل الإسلام؛ إذا تكلموا عن الشيء تكلموا عنه بإجمال. لغة العلوم الدقيقة هذه أتت عليهم بعد الإسلام، فما نفعله الآن هذا من أثر المناطقة أو من أثر علم المنطق بعد ذلك على العلوم الإسلامية. يقولون الحد يجب أن يعرفوا كل شيء في العلوم، فيقولون الحد يأتي بشيئين: إما بالجنس والفصل.
ما هو الجنس وما هو الفصل؟ الجنس هو أعم من النوع؛ بمعنى أنا أقول: إنسان، كلب، حمار، كل هذه أحياء، بس هذه أنواع. جنس الكل حي، فهذا أعم. فعندما أريد أن أعرف الإنسان، تعريف المناطقة للإنسان يأتون بالجنس، ما جنس الإنسان؟ حي، فيقولون هو حيوان. كلمة حيوان في درج لسان الناس تعني البهيمة، ولكن لا، هي في مصطلح اللغة العربية الصحيحة تحتمل معنيين؛ المعنى الأول هو الحياة الحقيقية، كما في القران الكريم: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64] يقصد الحياة الدائمة الأبدية التي لا تنقطع، أو الحيوان هو الحي فقط، كل شيء ليس جماداً فهو حي أو حيوان. فيقال في تعريف المناطقة للإنسان هو حيوان ناطق، الناطق هذه هو الفصل؛ بعد أن يذكرون الحد الجنس يذكرون الفصل حتى يتميز به الإنسان عن كل حي، وهو النطق. فهذه الطريقة في التعريف.
أما في تعريف العلوم فلا يصدق عليها مثل هذا الأمر؛ هناك طريقة أخرى للتعريف عند المناطقة يسمونها الرسم، يذكرون الجنس ثم الخاصة. الجنس كما عرفناه، والخاصة هي خصائصه؛ تقول مثلاً في تعريف الإنسان بالرسم: الإنسان حيوان، ثم تذكر له عدة خصائص كثيرة جداً حتى يتمايز عن غيره، ولكن ليس بالفصل. فطريقة تعريف العلوم لا يوجد تعريفات بالمعنى الجنس والفصل للعلوم لأن هذا أمر اصطناعي؛ كثير جداً من العلوم أحياناً تختلط فيصعب فصلها، فدائماً يعرف المناطقة العلوم بالجنس، فيقول: هو علم بكذا وكذا. النحو: علم بحركات أواخر الكلام؛ فهو علم بماذا؟ هذا هو تعريف للجنس كعلم من العلوم، جنس من أجناس العلوم، ثم يذكرون بعد ذلك الخاصة، وهي الخصائص. هو علم يدرس مثلاً الكلمات؛ النحو يدرس الكلمات والصرف يدرس الكلمات، ما الفارق؟ النحو يدرس الكلمات بس العلامة الأخيرة فقط، الصرف يدرس كل الحركات دون حركة الإعراب، يعني يدرس كل حركات الكلمة إلا آخر حرف لأنه لا يدخل في علم الصرف شيء، ويدرس في علم النحو. فهذه هي الطريقة للتعريفات عموماً عند المناطقة، إما التعريف بالحد أو بالرسم. والمتعارف عليه في العلوم دائماً التعريف بالرسوم، يقولون جنس العلم ثم يذكرون الخاصة.
فمن رام علماً فليقدم أولاً علماً بحده؛ هذا هو الحد، فيجب حتى تتعلم علماً ما أن تعرف أولاً ما هو تعريف هذا العلم، أي شيء يدرس. فما الغاية من معرفة تعريف العلم؟ أحياناً في كثير جداً من المناقشات العامة، خاصة بعد الثورة، يكثر الجدل في أمور كثيرة جداً لأن المناخ العام قبل الثورة كان مناخ جهل بامتياز، فالغالب على الناس لا يستطيعون تسكين القضايا التي يتحدثون فيها في أي علم؛ يعني نحن مثلاً نتكلم، أي حد مصلح أو داعية أو مربي يتكلم بلغة علم؛ إما علم الاجتماع أو علم التربية أو علم الشريعة، يتكلم عن المسائل في نطاق علم ما. أنا أقول مثلاً عندما يسألني أحد عن أي قرار من القرارات السياسية، فأنا دائماً يغلب عليّ الكلام باللغة الاجتماعية؛ أقول نعم يجب تغيير كذا لأجل كذا، أنا دائماً أفكر بطريقة ما الذي يصلح الناس. هو يتكلم عن القرار من ناحية القرار السياسي؛ فعند دراسة تحديد أصلاً مناطق العلوم، تتضح طريقة التناول. فلو درسناه داخل علم السياسة سوف يكون له أدوات ومنهج، وإذا درسناه داخل علم الاجتماع يكون له أدوات ومنهج.
بمعنى معظم تناول الناس عندما يتكلمون -حتى العوام من تطاول أزمان الاستبداد في مصر- يتكلمون بلغة السياسة، يقولون دائماً: لو مسك له أعدم له خمسة آلاف أو ستة آلاف واحد الدنيا تتظبط. ولكن الكلام باللغة الشرعية لا يحتمل هذا المعنى، في المعنى السياسي يحتمل؛ لماذا؟ لأن السياسة هي ما يصلح الأمر، السياسة الشرعية القيام على الأمر بما يصلحه بما يوافق مراد الشارع. لكن بطريقة العوام وهم يتكلمون باللغة السياسية التي كانت تمارس، السياسة الغربية، ما يؤدي لك الغرض أو الهدف فقط بدون معايير. فهو يتكلم بأي طريقة؟ فتحديد العلوم له ميزة أو هدف؛ أولاً عند الدخول في مناقشات، أو حتى طريقة التفكير في هذا العلم، ما هي المسائل؟ ماذا يغطي؟ هذه مهمة جداً لتخيّل هذا العلم. فالتعريف يساعد في هذا، تعريف العلوم يساعد في هذا. الأمر الثاني، عند المناطقة يقولون: لا يمكن أن يتصور الإنسان أو يحكم على شيء أو يتخيله وهو يجهله. كيف يمكن أن يحكم على شيء أنت تجهله أصلاً؟ فعندما مثلاً تكلمنا في الأول عن العربية وعن علم العربية، وتعرفنا بعلوم العربية، أصلاً أصبحت الخريطة الذهنية لدى المستمع مختلفة؛ أصبح يتكلم، تخيّل اللغة العربية، تخيّل أن هناك أصواتاً، هناك نحواً، هناك صرفاً، هناك معاجم، هناك دلالة، هناك أمراً يسمى الاشتقاق. فالخريطة الذهنية اختلفت، وهكذا التعريف يدخل أصلاً داخل الخريطة الذهنية، يتصور مساحة العلم.
علم بحده وموضوع تلا؛ الموضوع عند ذكر مثلاً علم النحو يذكر تحت علم النحو موضوعه، ما هي الموضوعات التي يدرسها؟ فيذكرون موضوعات العلم؛ ما فائدة الموضوع؟ يعطي للمستمع تخيلاً إجمالياً عن المسائل. فهذا أصلاً يبدأ في تغيير الخريطة الذهنية للمستمع، حتى يتصور بدلاً ما كانت رسمت مساحة كبيرة كده، عند تقسيم هذه الدائرة تبدأ تتميز موضوعات العلم، فيقولون: علماً بحده وموضوع تلا، وواضع؛ الواضع هو واضع العلم. هناك علوم لا يعلم من وضعها أصلاً لأنها نشأت في عدة أماكن وعلى يد أكثر من واحد وفي مناطق مختلفة في نفس الوقت، فلا يعلم من وضع العلم أصلاً. وهناك علوم يعين، أو هناك شبه ظن كبير أن أول من تكلم في العلم فلان. أهمية الواضع: أحياناً هناك مسائل أو شيء في بنية العلم يصبح مضطرداً داخل العلم بشكل مستمر، فمعرفة الواضع ممكن أصلاً دراسة ما هي المؤثرات الفكرية والعلمية التي أثرت في عقلية الواضع، فنعلم لماذا قال هذا. مثلاً سيبويه هو أول كتاب نحو وصل لنا؛ هناك كتب قبل كتاب سيبويه نعم، لكن لم تصل إلينا، هي في حكم المفقود. فمن أراد أن يدرس كيف تشكل هذا الدرس النحوي، ماذا يصنع؟ يدرس سيرة حياة سيبويه، فيعلم عما أخذ سيبويه، القرآن عمن أخذه، فقه أي مذهب كان، على أي مذهب كان قبل المذاهب، بعد المذاهب، مذهبه العقدي، هل أثّر؟
لأن دائماً الإنسان ابن ذهنه وبيئته؛ فعندما ينشئ علماً يعتبر سوف يتأثر بالعلوم التي تعلمها. فهذه المعرفة تفيد جداً معرفة الواضع، وأحياناً تعطينا تصوراً عن سبب نشأة العلم، لماذا وضعه؟ أحياناً في كثير من الأحيان علماء لسبب ما، مشكلة تقابلهم، فيقول: فلما حدث كذا كذا كذا بدأ يفكر. فيقال مثلاً في النحو أن أول من نوّه إلى قواعد النحو هو أبو الأسود الدؤلي؛ ذكرناه في نقط الإعراب. أبو الأسود الدؤلي كانت ابنته تقول: ما أشد الحر؟ فقال: الرمضاء. هو ظن أنها تسأله عن ما هو أشد شيء في الحر، فقال الرمضاء (مثلاً الصخور الساخنة)، فقالت: لا، كنت أتعجب. فقال: لو قال أو ظهر اللحن في الناس، يعني بدأ يخطئ في اللغة؛ هي تقول المفروض لو تقول ما أشدَّ الحر هكذا تصبح الجملة على الإخبار، هي تريد أن تتعجب من الحر تقول ما أشدَّ الحر. فلما قالت ما أشدَّ الحر هو ظنها تسأل فقال رمضاء، فهي قالت لا أنا أتعجب، فقال: لحن الناس. فأتى برجل وقال: رجل ذكي أو كذا، قال: إذا فتحت فمي... (نقطة الفتحة ونقطة الكسرة)، بدأ نقط الإعراب. فمعرفة حفظ اللسان العربي وعدم اللحن في كلام العرب عامة وفي القرآن خاصة، فهذه من واضع.
ونسبه؛ معرفة نسب العلوم لبعضها البعض أو نسب الأشياء لبعضها، تأخذ شيئاً من أربع أشياء: إما تكون نسبة التباين، التباين يعني لا يتفق في شيء بالمرة، بالمرة؛ عندما في المزاح بين الناس يقولون: النخلة أطول ولا الصقر أسرع؟ السؤال، هذه الأسئلة تقال على سبيل السخف، لكن هو على المستوى المنطقي...
التناقض هنا أنها علاقة تباين، يعني معلقة السرعة بالطول، فعلاقة العلوم أحياناً علم متباين، لا يتقاطع مع هذا العلم أبداً في شيء. فالتباين ممكن أتخيله بهذا الشكل، ممكن علاقة التساوي؛ هتان دائرتان فهما من طبقتين، إذ نسبة التساوي لا تكون أبداً في العلوم، لأن لو كان العلم يتساوى مع علم إذ هو خلاص. لكن ممكن تكون العلوم متباينة، يعني علم لا يتعلق بعلم بالبدء، لكن لا يكون أبداً هذه العلاقة في العلوم.
وبعد ذلك نسبة الخصوص والعموم، رقم ثلاثة؛ هذه هي نسبة الخصوص والعموم المطلقة، يعني دائماً علم من العلوم، بكل مسائله، داخل علم من العلل، مثل علم القضاء والفقه كما تتذكرون الخريطة؛ قلنا العلوم الفقهية ثم قلنا القضاء. سبحان الله العظيم، القضاء بماذا يحكم القاضي؟ يعني القضاء الشرعي، هل سوف تكون هناك أي مسألة خارج منطق الفقه في الأصل؟ لا يتخيل ذلك، فالقضاء دائماً كله خاص، دائماً كل أسئلته دائماً داخل الفقه. هذه العلاقة علاقة خصوص وعموم مطلقة.
العلاقة الرابعة، هذه علاقة عموم وخصوص نسبي، يعني من وجه ومن وجه؛ مثل الصرف والاشتقاق، الصرف والاشتقاق، النحو والصرف، أحياناً تجد في مسائل الحديث والتفسير النحو وعلوم القرآن تتقاطع دائماً. فهذه هي العلاقة، فدائماً نسبة العلوم لبعضها البعض. يعني أقول ما نسبة هذا العلم لغيره حتى يتخيل ما هي المسائل المشتركة؛ لأن أحياناً المسألة الواحدة يتم تناولها في عدة علوم، فأحياناً الظاهرة لو الدارس يدرس علماً واحداً فقط، أحياناً يطلق حكماً خطئاً بسبب أنه لا يدرك من الظاهرة إلا جانباً واحداً من العلوم.
ولكن إذا علم أن الظاهرة موجودة، يعني مثلاً علم الأصوات أو التجويد يدرس في التجويد، وأحياناً يدرس أثره في البلاغة، ويدرس في الموسيقى، ويدرس في النحو والصرف، وأحياناً يدرس في علوم القرآن أثره على المعنى، يعني لماذا القرآن اختار كلمة كذا؟ يقولون هذا الأصل في العلة الصوتية، فتجد أن المسألة أصلاً بسبب هذه المساحة من التقاطع بين العلوم.
من المفيد جداً معرفة نسبة العلوم لبعضها البعض حتى إذا اكتملت الخريطة، تجد مسألة مشتركة بين عشرة علوم، فتستطيع إدراك المسألة بشكل جيد. مثل هذا ما يخوض فيه الناس في المسائل التي تطرأ للناس؛ المسألة تكون مسألة سياسية وتربوية واجتماعية ونفسية، فهو يريد أن يحكم في المساحة. هي مسألة مشتركة فعلاً، يعني مثلاً هي مسألة تدخل في النطاق السياسي، وأيضاً يحكم عليها لها أثر اجتماعي وأثر تربوي وأثر يتعلق بعلم النفس وأثر يتعلق بالجغرافيا السياسية. فالمسألة عدم فهم بالكلية.
أحياناً في مسائل ظلت في علوم كثيرة ظلت مقفلة حتى ظهر من يتفنن في عدة علوم فتناولها من عدة زوايا فأصبحت المسألة محلولة. في علم الرياضيات مثلاً، هناك 32، أظن 32 متناقضاً مشهورة جداً، متناقضات هذه البنية العلمية للرياضيات المبنية على المنطق والفلسفة التي رمزت بعد ذلك. متناقضة يعني هي أصلاً قواعد العلم الموجودة حالياً لا تستطيع فك هذا التناقض الظاهر في العبارات الرياضية، ويرصد لكل متناقضة هذه تسمونها «بارادوكس»، مليون دولار أو مليونين دولار لمن يحل متناقضاً واحداً، لأن المسألة تكون تغييراً أصلاً لوجهة العلم.
أحياناً كثيراً جداً عندما تحل مثل هذه الأمور، من يقوم بحل هذه المشاكل أصلاً يكون ماذا؟ متفنن، يعني هو درس رياضيات ودرس فلسفة ودرس منطق ودرس بيولوجي ودرس حاجات كثيرة جداً، فهو لديه عدة وجهات نظر، فتكون أصلاً المسألة هي في المساحة المشتركة. لهذا السبب من أشهر من تكلم في الرياضيات في التاريخ المعاصر بيرتراند راسل، وهو أصلاً فيلسوف، ومشهورة «رسل بارادوكس» متناقض هو حل هناك متناقض وحلت بعد ذلك وغيرت أصلاً في فلسفة رياضيات المجموعات التي هي الستس. تم تغيير مسار النظر لهذه المسألة في الرياضيات بعد متناقض بيرتراند راسل حل المتناقض، نشأت من بيرتراند راسل فيلسوف مشغول بفلسفة اللغة، فصاغ المسألة بشكل لغوي فقال هذا الأمر لغوي متناقض فيجب أن يحل بشكل مختلف على مستوى فلسفة الرياضيات، فعدل من أصل اللغة إلى فلسفة الرياضيات مستخدماً هذا الأصل اللغوي حتى عاد وحل المشكلة ووضع لها شروطاً حتى لا يحدث تناقض مرة أخرى في بنية الدرس الرياضي.
فهذه مايزة التصورات السابقة عن العلم، المبادئ العشرة؛ كل من رام علماً فليبدأ أولاً علماً بحدّه، وموضوعه، وآلته، وواضعه، ونسبته، وما استمد منه. بقية الكلمة في البيت الثاني: وما استمد منه، من أين يستمد هذا العلم مادته؟ يعني نقول اللغة، علم اللغة يعني علوم اللغة. علوم اللغة العربية منهم علم اللغة، علم اللغة الذي هو يشبه المعجم، لأن تقسيمه المعجم تقسيمه حديثة لكن هو يشبه المعجم، حتى تتخيلون بشكل عام.
عند السؤال من أين يستمد علم اللغة مادته، فنقول من كتاب الله بقراءته، ومن السنة على اختلاف. يعني الأصل أن أكثر علماء اللغة على عدم الاحتجاج بالحديث، لا يحتج حديث النبي ﷺ في اللغة لأسباب تتعلق بأنهم في علم الحديث يقال إن هذا من المسائل المشتركة؛ يعني الحديث نص النبي ﷺ، وأفصح الناس أفصح الناس، فكيف لا؟ وهذه المسألة المفروض يتم تناولها في ماذا؟ في علم الحديث، ولكن هي مسألة مشتركة بين علم الحديث وعلم اللغة.
النحويون والصرفيون واللغويون في الغالب لا يحتجون بحديث النبي ﷺ؛ لماذا هذه مسألة مشتركة؟ يقولون إن الرواية في الحديث منها ما هو مروي بالمعنى، فنحن لا نقطع بأن هذا هو نص النبي ﷺ، هذا أولاً، والثاني أن الرواة كثر فيهم العجل، فقد يكون هناك لحن فلا يوثق بعربيته بلغة الرواة. هذا للرافضين، هناك خلاف طبعاً، هناك تفصيل.
التفصيل حتى الذي أقره مجمع اللغة العربية في القاهرة، الإجماع المعاصر، يعني أن حديث النبي ﷺ يحتج منه بشروط في اللغة؛ أن يكون الحديث من الأحاديث التي رويت للتدليل على فصاحة النبي ﷺ، فأكيد أن الرواة تحروا الدقة في نقل الحديث، فهذا الحديث يبدو أنه بنسبة كبيرة جداً نقل بلفظه. وشرط آخر أن يكون الحديث مروياً في الأذكار التي يتعبد بها، فأكيد الرواة علموا أن هذا من الأذكار، وتتشهد أذكار الصباح والمساء مثل هذا، فأكيد تحروا الدقة بشكل كبير جداً في...
إثبات ما قاله النبي ﷺ بحرف حتى مثل حديث البخاري، حديث عبد الله بن عباس وهو صبي، قال له النبي ﷺ: «إذا ذهبت إلى نو...» فقل: «آمنتُ» في آخر الحديث، «وآمنتُ بنبيك الذي أرسلت». فعبد الله بن عباس في الرواية قال: «آمنت برسولك الذي أرسل»، فالنبي ﷺ قال: «بل بنبيك الذي أرسل»، حتى يستدل به أن هناك أحاديث رويت قطعًا باللفظ مثل أحاديث الأذكار.
الشرط الثاني أن يكون ممن يُتعبد به. الثالث أن يكون صاحب الكتاب كتب الحديث مؤلفين مختلفين، أن يكون مؤلف الحديث ممن نشأ في أرض العرب ولم يخرج منها وأخذ عن عرب فقط؛ مثل الإمام مالك في موطأ مالك، فمعظم رواة مالك في المدينة، والبيئة المحيطة هي أصلاً بيئة عربية في عصر الاحتجاج يحتجون به. أو أن يكون صاحب الرواية نفسه ممن عُرف عنهم الأخذ الشديد لعلوم العربية، يعني هم متقنون ويتحرون في نقل الألفاظ مثل الحسن البصري، الحسن البصري لغته قوية جداً وفي نفس الوقت يتحرى. وبعد ذلك من هناك رواه مشهورون في علم الحديث وعلم التراجم أنهم كانوا لا يرون إلا باللغة وعرباتهم سليمة، ويتحرون جداً في الرواية أيضاً.
ويؤخذ بأحاديث -وهي آخر أنواع الأحاديث- الحديث الذي إذا روي من عدة طرق كثيرة جداً ورواه مختلفون ولا يأتي إلا بهذا اللفظ، فعلم أن هذا التواتر الشديد جداً مع اختلاف طرق مجيء الحديث عن النبي ﷺ، أن النص يمكن أن يُستدل به أن هذا النص هو الذي نطق به النبي ﷺ بلفظه.
فهذه المسألة مثلاً من مسائل الاستمداد، نحن نقول من أين نأخذ اللغة؟ فهذه المسألة بما أنها مختلف فيها، فقد يأتي مثلاً نحوي محدث وحظه ضعيف في العربية، ولم يعلم المبادئ العشرة لعلم اللغة، فيظن أن كلام النبي ﷺ مجمع على الاستدلال به في اللغة، فإذا سألوا أحداً عن كلمة من العربية أو قاعدة من القواعد، قال النبي ﷺ كذا، ويستدل به بشكل مطلق، ولا يعلم أن هذه المسألة من مسائل مختلف عليها في الاستمداد. فنقول: المتفق عليه في الاستمداد في استمداد علم اللغة هو الكتاب، ومختلف فيه السنة والشعر الفصيح من عصر الاحتجاج. فبذلك يُعلم أن علم اللغة يستمد من كذا وكذا.
وواضعه، ونسبته، وما استمد منه، وفضله، وحكم تعلمه. لماذا ندرس هذا العلم؟ نحن قدمنا مقدمة فلسفية أصلاً، جزء منها الإجابة عن فضل تعلم العلوم العربية؛ قلنا جزء منها حفاظ على الهوية، جزء منها الحفاظ على الديانة، جزء منها زيادة العقل، وجزء منها تحسين التصور للعلوم المختلفة. يعني ممكن تجريد المسائل كلها التي تكلمنا فيها الفلسفة حتى نقول إن هذا هو فضل تعلم علوم العربية بشكل عام، كل علم من العلوم سوف نفصل بعد ذلك في النحو وحده، والصرف وحده.
أما فضل تعلم العربية فهو إقامة اللسان في القرآن الكريم، فهم كلام الله ورسوله، ومعرفة مراد الله ورسوله، وهكذا. فمن المطلوب معرفة فضل هذا العلم؛ لماذا؟ حتى إذا كان هناك عدة علوم وكلها مطلوبة التعلم، استطاع الإنسان بمعرفته الفضل أن يميز أيهما أفضل وأيهما يُقدم. كما قلنا في كلام ابن عبد البر: أيهما يتعلم الأطفال أولاً، القرآن؟ فكانت الإجابة غريبة، ولكن قال بعض الورع: الشعر؛ لإقامة اللسان لأن في سن هذا فهمه وإدراكه. والقرآن للمعاني ليس مطلوباً وهو ليس مكلفاً، والأمر الثاني أنه معجز فلا يستطيع أن يحاكيه فلا يكتسب الملكة. فمعرفة هذه المسائل تعطي طريقة للنظر مختلفة عن باقي الناس.
وما استمد منه وفضله وحكم تعلمه. ما حكم تعلم العلوم؟ كما قسم النبي ﷺ في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، وكأنه قسم العلوم إلى علم ينفع وعلم لا ينفع. فمعرفة الحكم؛ هناك علوم الاشتغال بها فرض عين، وهناك علوم يشتغل بها فرض كفاية، وهناك علوم يحرم الاشتغال بها، وهناك علوم يُقرأ فيها.
تعلم السحر مثلاً. تعلم علوم الكتب غير القرآن، كالإنجيل والتوراة لغير المتخصص في الديانات ومقارنة الأديان، الأصل أنه يحرم النظر فيها. لماذا يحرم؟ الأصل هو النهي؛ لماذا نهى النبي ﷺ عن بعض الفلسفات؟ لأن الديانات التي لها أصل سماوي الأصل فيها التحريم. لماذا؟ لأن جزءاً من كلمة لا إله إلا الله هي أصلاً توحيد المعبود وتوحيد جهة التلقي، يعني توحيد جهة تلقي التصورات.
فالنبي ﷺ لما ذكر بني إسرائيل قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، وفي أحاديث أخرى قال: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم». فموقف المسلم أصلاً من التوراة والإنجيل وكل باقي الديانات، ولكن التوراة والإنجيل لأننا نعلم على الأقل أنه بهما بقية من كلام الله عز وجل، ولكن لا نستطيع تمييزها إلا نحن؛ نحن نستطيع أن نقطع بأن كلاماً من الإنجيل والتوراة هو قطع من كلام الله وليس بلفظه، ولكن هو بهذا المعنى؛ لأننا نستطيع أن نقطع بذلك لأنه موجود في القرآن بنصه أو في الحديث بنصه، فنحن نعلم أن هذا من كلامه.
وأحياناً هناك أشياء لم ترد لنا فيها علم من مبهمات القرآن، مثلاً يأتي في التوراة أو في الإنجيل قصة، مثل فتية الكهف، ويذكر أسماءهم واسم الكلب. هذا علم من علوم القرآن اسمه المبهمات، ومؤلف في كثير من الكتب للسيوطي له كتاب في المبهمات، يقول مثلاً: صح صاحب الجنة قصة في الكهف، يقول اسمه الأول كذا واسمه الثاني كذا، أصحاب فتية الكهف عددهم كذا قطعاً وأسماؤهم كذا، واسم الكلب كذا، وفرعون اسمه كذا. امرأة فرعون نحن ذكرت لنا، لولا أن النبي ﷺ صرح بها -الله أعلم-، فلو لم يصرح النبي ﷺ لتصبح من الإسرائيليات. أنا سمعت سيدنا سليمان، هذا دخل بلسان العرب بطريقة العرب في الكلام، لأن العرب أصلاً لا تتكلم عن الأعداد مثل...
العرب من البلاغة أنها لا تذكر التفاصيل، كلامها أصلاً مبني على الاختصار الشديد. من البلاغة أن الإطالة يعتبرونها من الركاكة في الكلام؛ فالعرب تعتبر أي كلمة زائدة، لو نزعتها وأعطيت المعنى هو هو، فإنها نوع من الركاكة.
لذا، السيدة عائشة رضي الله عنها عندما وصفت كلام النبي ﷺ، كانت تكلم الصحابة فقالت: «كان النبي ﷺ كلامه فصلاً؛ إذا أردت أن تعده عددته، وإذا أردت أن تحفظه حفظته»، ولا يرسل الكلام أو يسترسل في القول. والكلمة معناها أنه لا يتكلم مثل كلامكم هذا.
نحن نقعد ساعة أو ساعتين نعد حديث النبي ﷺ، فمثلاً خطبة الوداع، وهي الخطبة التي اجتمعت فيها كل من أسلم في الجزيرة العربية في حياة النبي ﷺ، ويقال إنها كانت لـ 100 ألف وأكثر من الناس، خطبة الوداع لا تزيد عن صفحة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، إِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [حجة الوداع]، كلام مختصر. «ألا هل بلغت؟ اللهم انعم وشهدت»، كلمات معدودة، أي معنى أراده النبي ﷺ أن يدل عليه يذكره في لا يزيد عن سطر.
هذا هو تعريف الصحة؛ فهو في البلاغة عندما ندرس البلاغة، نجد مستوى الجمال ومستوى الصحة. مستوى الصحة مثلاً: لو قال رجل: «خلق الله الإنسان»، هذه الكلمة على مستوى الصواب صحيحة، ولكن لو سمعها عربي فصيح علم أن قائل هذا الكلام ليس فصيحاً. لماذا لا تذكر العرب أبداً الفاعل إذا كان لا يتطرق إليه الشك؟ ما فائدة ذكر الله عز وجل وهو جل جلاله قطعا خلق الإنسان؟ أنت لا تكلم ملحداً، وأنت لست ملحداً، فلماذا تقول «خلق الله الإنسان»؟ ولهذا يقول «خلق الإنسان» في القرآن وكأنه أمر لا يذكر فيه الفاعل سبحانه. فهذا من فائدة العربية.
في علوم البلاغة والنحو، قسم سيبويه الكلام في كتابه إلى: كلام مستقيم، وكلام قبيح. يعني هو كلام ماشي صحيح على مستوى النحو، لكنه على مستوى البلاغة قبيح. فقولك «خلق الله الإنسان» هو الأقرب لكلام العرب، وعلى هذا جاء القرآن، فالقرآن كلم العرب على قانونهم في الكلام.
أما ما استمدت منه وفضله وحكمه، فيعتمد الحكم على العلم. هذا العلم أحياناً في التسميات يختلف جداً، وخاصة في العلوم المعاصرة؛ كثير جداً في العلوم القانونية والتجارية تجد عشر تسميات أو عشرين تسمية للعلم نفسه. أما معظم العلوم الشرعية، ففي الغالب تجد هناك تسمية شائعة جداً أو اسمين لا يزيدان عن ذلك؛ مثلاً علم الصرف والتصريف، النحو وعلم الإعراب، علم المعاني أو علم معاني النحو.
هو أصلاً علم المعاني أخذ من كلام الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»، ولكن كان هو لا يذكر كلمة «المعاني» على أساس أنه نحوي من علماء النحو وكان يتكلم في إعادة نظر في الدرس النحوي، فآتى على لساني كثيراً في الكتاب: «لا تجد في النظم إلا معاني النحو»، كان يتكلم عن المعنى النحوي، فلما صار علماً بعد ذلك وكُتبت فيه الكتب، صار اسم العلم على هذا الاسم: «علم المعاني». فإذا قيل علم المعاني، ذهب ذهن الناس إلى علم من علوم البلاغة، ولكنه في النشأة كان محاورة في علم من علوم النحو. عبد القاهر الجرجاني مؤسس علم البلاغة يعتبر نحوياً، وهو يريد أصلاً أن يعتبر علم البلاغة «نوحاً عالياً»، أي يتجاوز مستوى الصحة وينظر في الجمال.
وفي كتاب «دلائل الإعجاز»، ذكر بشار بن برد، وهو من الشعراء الفصحاء جداً، وكان الناس تخاف منه. حتى سيبويه -رحمه الله- كان علماء النحو لا يستدلون بشعر أمثال بشار، كانوا يعتبرونه متأخراً، فهم يستدلون بالطبقة العليا من الشعراء القدامى. فلما علم بشار أن سيبويه لا يريد أن يستدل به، هدد أن يهجو، فأدرج شاهداً من كلام بشار على سبيل الاستئناس.
بشار بن برد كان من الشعراء العلماء بالعربية، فكان يجتمع عليه خلف الأحمر -وهو من أشهر رواة الشعر على الإطلاق- والأصمعي. ويروى أنه كان هناك رجل يتباسس بالغريب، والغريب هو الكلمات التي لا يعلمها كثير من الناس، وهذه في علم فقه اللغة والمعجم. فبشار سمع بهذا الرجل، فأراد أن يدخل عليه من الغريب ما لا يعلم، فيقول له: أنت فصيح قوي ومتقن للغريب، فأنشأ قصيدة حشاها بالغريب ولا يعرفه الرجل.
أتى هذا الشهد تدليلاً على قضية النحو والبلاغة، قضية مستوى الصحة ومستوى الجمال، وقضية الكلام القديم والكلام الحديث. قال بشار هذا الشطر، فلما انتهى خلف الأحمر من رواية الشعر، قال له: لمَ لم تقل «بكر صاحبها قبل الجيل بكر»؟ فقال له: لو قلت هذا لكان أحسن. فقال له: بل بنيتها، بنيت القصيدة إعراباً وحشياً، أي على كلام العرب الأوائل، ولو قلت «إن ذاك النجاح في التبكير» لكان هذا من كلام المولدين، أي الكلام الذي تقوله الناس الآن، الذي لا يشبه كلام العرب ولا يدخل في فصاحة قصائدهم.
مضبوط على الشعر، وده مضبوط على الشعر، لكن هو كان يريد أن يقول له إن هو الشاهد، الشاهد على مستوى النحو. يعني من كلامنا الآن: كثرة العطف، ثم، و، فـ، والعرب الفصحاء يقل جداً عندهم في الكلام العطف. لماذا؟ العطف هذا من علامات الضعف في العربية. يعني الكلام القديم تجده، الآن الصحفيين والكتاب يقولون ثم و، وكان الكلام، المستمع والمتكلم أدواتهم اللغوية ضعيفة جدا لدرجة أنه يريد أن يذكر بأن هذا يتعلق بهذا، بالرغم من أن المفروض من فهمك وهو من لغتي، يعني هو من حسن لغتي، يعرض الأمر بشكل غير حاجة للعطف، وأنت من حسن فهمك لست بحاجة أن يعطف لك الكلام حتى تفهم أن هذا مفضل. فهذا يعني من التدليل على أن المستويات اللغوية تختلف، وإن كان هذا مستوى صحيح وده مستوى صحيح، لكن عند البلاغة.
وده كان كلام معظم كلام عبد القاهر الجرجاني في الكتاب، "البحث في مزايا الكلام". هو الكتاب أصلاً كتاب نحو وكتاب بلاغة، ويعتبر كتاباً في إعجاز القرآن، كان يريد أن يدلل: أين موطن الإعجاز في القرآن؟ يعني هو كلام من جنس كلام الناس، يعني هو نفس الكلمات ونفس المعجم ونفس... ولماذا صار معجزة ولماذا لم تأتِ بمثله العرب؟ وكل من سمعه وكان منصفاً مثل أنيس أخو سيدنا أبو ذر كما قلنا، قال: «فلما سمعت كلام النبي ﷺ ووضعت كلامه على كلام إقراء الشعر فلم يلتئم على شيء منها، وهو صادق وهم كاذبون». لماذا؟ يبدو أنه هناك شيء في الكلام أعجزهم، هم أدركه فسكتوا.
ففي هذا، في كتاب "دلائل الإعجاز" الذي هو يعتبر الكتاب المؤسس لعلم المعاني، بعد ذلك كان يبحث في: ما الفارق بين كلام الله عز وجل، ما الفارق بين القرآن وسائر كلام الناس شعراً ونثراً؟ واسم وما أفاد، وما هي فائدة العلم؟ الثمرة، الثمرة، ثمرة دراسة العلم. يعني نقول: ثمرة دراسة النحو إقامة اللسان، يعني إقامة اللسان على قانون العرب في كلامها. ما فائدة الثمرة حتى تعلم أين تصل حتى تقول إنك تعلمت العلم؟ يعني رجل مثلاً يتعلم علم التجويد، إن لم يقرأ قراءة صحيحة فهو لم يتعلم التجويد بعد، وكذا النحو؛ إذا تعلم رجل النحو وكان يخطئ في الكتابة ويلحم في الكلام فهو لم يتعلم نحواً بعد.
فيعلم الطب دائماً، نحن الطالب من أول ما... فيقول طب، أو يقول هندسة، أما تسأله من؟ يقول لك مهندس، وأنت دكتور، ما هو حد الطبيب؟ يعني الثمرة، أين ثمرة العلم؟ متى تستطيع أن تقول إنك حصلت على ثمرة العلم؟ فهذه هي "اسم وما أفاد"، الفائدة ثمرة العلم وإفادته. والمسائل، المسائل هي دائماً يذكر في مقدمات العلوم المسائل الكلية التي يدرسها العلم، بحيث ندخل من التعريف في أول المبادئ العشرة إلى بعض التفصيل في تخيل المسائل.
يعني عندما نقول مثلاً: الصرف هو دراسة حركات بنية الكلمة، خلاص، فإنت لديك تصور أنك سوف تدرس الكلمة. خلاص، إذا ذكرت لك المسائل، فإن مسائل الصرف كلها مثلاً لا تتجاوز خمس أبواب كبيرة، خمس أبواب وطبعاً أبواب كثيرة جداً، لكن مثلاً: الإعلال والإبدال، الميزان الصرفي، موازين الأفعال، أحرف الزيادة وأحرف النقص. إذا علمت مثلاً خمس أو ست مسائل كبرى من العلم، أصبح لديك تصور شبه تفصيلي نوعاً ما عما سوف تدرس داخل العلم نفسه. وكذا النحو: ما هي المرفوعات؟ ما هي المنصوبات؟ ما هي المجرورات؟ ما هي المبنيات؟ حتى تعلم بعد ذلك أنك إذا درست في النحو سوف تدرس إما شيئاً مرفوعاً، إما شيئاً منصوباً، إما شيئاً مجروراً، إما شيئاً مبنياً، أو شيئاً ساكناً، خلاص هم دول كل ده اللي هيدرس في النحو، هذه هي الأبواب الكبيرة في النحو، هناك تفصيلات أخرى قد... بعد ذلك نتجاوز إلى المعاني وكذا. لكن هو في الأصل في تعريف المتأخرين مثلاً: أنه العلم الذي يبحث فيه عن حركات آخر الكلام من حيث الإعراب والبناء. هذه إذا تخيلت هذه المسائل علمت ما هو مجمل العلم بشكل تفصيلي.
هذه المبادئ تسمى المبادئ العشر، يعني نحن نقول: واسم، واسم وما أفاد، والمسائل، فتلك عشر. المنى، المنى ما تتمناه، ووسائل يعني هذه وسائل لبلوغ ما تتمناه. وفيقول في آخر البيت: «وبعضهم منها على البعض اختصر»، يعني أحياناً في ناس تكتفي بأربعة، مثلاً أربعة منهم، «ومن يكن يدري جميعاً انفص»، يعني لو عرفت المبادئ العشرة كان أمراً طيباً وأعطاك تصوراً حسناً جداً للعلوم.
طيب، ملاحظة بسيطة على موضوع المبادئ العشر، هو المتعارف عليه دائماً في تاريخ العلوم عند المتأخرين ذكر هذه المبادئ والاشتغال عليها وشرحها بالتفصيل لكل علم؛ يعني سواء عندما ندخل في النحو سوف نعرف ماذا نقول، المبادئ العشر لعلم النحو: أولاً حده، ما هو تعريف علم النحو عند المتقدمين وعند المتأخرين؟ المتقدمين يعني هم أوائل من تكلموا في العلم، والمتأخرين من أتوا بعدهم. ثم نتكلم في موضوعي... ثم كل علم من العلوم سوف نفعل ذلك. هناك ملاحظة أن هذه المبادئ يجب أن يُعاد النظر فيها، يجب أن يُضاف إليها شيء أو شيء. لماذا؟ هذه المبادئ تتعامل مع العلوم وكأنها أمر قد انتهى بناؤه، يعني خلاص كمل بناء العلم، ولا تشكر لك من أين أتوا بهذه الأفكار، كيف فكروا؟ سيبوا في العلم فأنْتج ذلك. كيف فكر عبد القاهر الجرجاني في هذا العلم فأنشأ هذا العلم؟ مناهج النظر، مناهج البحث، هذه لا تذكر أحياناً، وهذه مما أدت إلى تحجر العلوم.
يعني الآن في الفترة الذهبية، فترة العلوم الإسلامية، كان هناك ابتكار كثير للعلوم، ثم توقف عندما أصبحت العلوم في نظر الناس كأنها... دائماً يكون علوم احترقت، يعني كملت وانتهت وخلاص أصبحت بناءً مبركاً، وهذا غير صحيح في كل العلوم. أنا بشكل العلم أصلاً بناء، يعني عملية البناء لا تتوقف. لماذا؟ يعني مثلاً علم النحو قبل عبد القاهر الجرجاني كان بناؤه متيناً جداً، بعد عبد القاهر الجرجاني فُتح للنحو والبلاغة والعلوم العربية مساحات كبيرة جداً من النظر وإعادة النظر في إعجاز القرآن الكريم وتخيل المعاني التي لم تكن متخيلة قبل ذلك، وهكذا.
هذه المبادئ بحاجة إلى إضافة حتى لا يتوقف البناء العلمي. يعني الآن أنا مثلاً مجال الاختصاص، اختصاصي مجال بيني: هندسة اللغة، هناك تخصص اسمه Language Engineer، مهندس لغة، أو لغوي حاسوبي، هذا العلم أصلاً علم بيني نتيجة تطبيق علوم البرمجيات وعلوم الحاسب على علم اللغة، بإدخالها العلم على علم اللغة نشأت.
كمية مشاكل لا يستطيع اللغويون الآن بما لديهم من أدوات ومن نتاج علمي حل هذه المشاكل. ما السبب؟ أنهم يتعاملون مع الصرف مثلاً ككثير جداً لدينا في كل العلوم، في الأزهر والتربية والآداب. أقول التأليف في الصرف صعب جداً؛ لأنك تصف ما هو موجود، فأنت لن تأتي بكلام من عندك، فالقواعد انتهت.
عندما تنظر إلى العلماء الغربيين بالذات الألمان، وأنا محرج وأنا أقول كذا، فالألمان لديهم دراسات غريبة جداً عن الصرف العربي. الصرف العربي هو أصلاً لا يكتب الآن في العلوم العربية والإسلامية.
الدكتور بشير نافع، يظهر كثيراً في الجزيرة، هو أستاذ تاريخ إسلامي ودراسات إسلامية في بريطانيا، وهو فلسطيني عربي وله أصول مصرية. مرة كلمته عن قائمة من كتب التاريخ، هو متخصص في التاريخ، فقلت له: أعطني قائمة بكتب الدراسات العليا لديكم في التاريخ التي تدرسونها في بريطانيا، فأرسل لي قائمة في حدود 600 كتاب.
المهندس أيمن عبد الرحيم