دخولتسجيل الدخول

مسرح العقول 03 | توأمات القصص القرآني | بين قصة مريم وآسية كيف يثبت القلب حين يُحاصَر من كل جانب؟

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. أسعد الله مساءكم وطيب الله أوقاتكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن تكونوا بخير ونعمة وعافية. حياكم الله في مجلس جديد من مجالس مسرح العقول، نسرح فيه عقولنا في رياض من رياض القرآن في هذه التوأمة، وسنبدأ بإذن الله سبحانه وتعالى هذه ستكون الثالثة وهي آخر التوأمات القرآنية، ثم سنتقل إلى ثلاث توأمات من السنة، ثم ثلاث توأمات من الشعر، ثم ثلاث توأمات من الرسائل. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم أجمعين.

اليوم بإذن الله سبحانه وتعالى بعد أن نقول: الحمد لله الذي جعل القلوب لليقين أوعية، وللخوف منه لا من خلقه أودية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل المحن في طياتها منحا، والمخاوف إذا صدقت فيها النوايا للثبات سبلاً وفتحاً. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالسكينة للقلوب الراجفة، والمرسل بالطمأنينة للأرض الأرواح الخائفه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تملأ الآفاق نوراً، وتورث النفوس في الشدائد حبوراً وسروراً. أما بعد، أيها الكرام والكريمات.

نواصل مسيرتنا في مسرح العقول لنقف اليوم أمام توأمة قرانية استثنائية، توأمة الخوف والثبات بين امرأتين خلدهما القرآن في النماذج العظيمة بالإيمان: مريم ابنة عمران، آسيا امرأة فرعون. هذا الدرس يخاطب الجميع، لكنه يخاطب قلوب الفتيات والنساء بالدرجة الأولى، وإن كان فيه لكل مؤمن نصيب. كلاهما واجهتا نوعاً من الخوف يزلزل الجبال: مريم عليها السلام واجهت خوفاً من ما يظنونه فضيحة مجتمعية، وواجهت الاتهام في عرضها وشرفها وهي العذراء البتول. وآسيا امرأة فرعون واجهت خوف البطش والتعذيب الجسدي من أعتى طغاة الأرض. الأولى كانت تخشى نظرة المجتمع وتهمة الناس، والثانية كانت تخشى جبروت السلطة وبطش الزوج. لكن كلتيهما تجاوزتا حاجز الخوف البشري الطبيعي لتصلا إلى مرحلة ومرتبة من الاصطفاء الإلهي. في هذا الدرس سنستنطق هذه التوأمة العظيمة لنستخرج كعادتنا منها خمسين وقفة موزعة على مجالاتنا الخمس، لنرى كيف يمكن للإيمان أن يعيد تشكيل خريطة الخوف في النفس البشرية. لو تفضلتم الشيخ حسن وبداتم بالقراءة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 16-26].

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 11-12].

أحسن الله إليك وطيب الله أنفاسك شيخ حسن، كتب الله أجرك على هذه التلاوة الطيبة الموفقة. بسم الله الرحمن الرحيم، نحن الآن سنتعرض إلى خمسين فائدة من فوائد التوأمة. لما تأملت في حالة الخوف التي مرت بها آسيا ومررت بها مريم عليهما السلام، كنت أقول في نفسي: لابد أن أستهدي بالجمع والنظر فيما يكون من هذه الأمور الطبيعية البشرية، وأحاول أن أستنبط منها دروساً لنفسي ثم لاحقاً قررت أن أنشرها.

أولاً الوقفات النفسية، وستكون عشراً:

الوقفة الأولى: في أن أشد الخوف ما جاء من جهة الحبيب، وأقصى الوجع ما كان في شيء تحبه. لما قالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فريا، تخيلوا معي قلب مريم النقي، كيف له أن يتلقى هذه الطعنة القاسية من مجتمعيها؟ هذا المجتمع الذي عاشوا معا وعرفوها وعرفوا أهلها، كيف لهم أن يقولوا مثل هذا الكلام؟ لذا صار البلاء مضاعفاً. الله سبحانه وتعالى أراد أن يطهر قلبها من التعلق بمدح الناس، فكان هذا الوجع بوابة الاصطفاء. من قرأ بعض الدراسات المتعلقة، وهي حديثة، المتعلقة بما يمكن أن يكون من ألم اجتماعي، يبيّن أن الدماغ يعالج ما يكون من آلام مجتمعة في ذات المناطق العصبية التي تعالج الألم الجسدي بالضرب؛ يعني الإنسان الذي يتعرض لاتهام أو لخذلان من مجتمعه، يعالج هذه المسألة من نفس المنطقة، وهو يتألم تألم الإنسان من ضرب جسده. لذا لا يمكن أن نقول: يعني فلان ليس به شيء مجرد كلام، لكنه لم يضرب، لا، أحياناً وواقعياً وطبياً ومن كل النواحي، بأن الكلام قد يكون أشد وطأة على الإنسان مما يكون من الضرب المادي.

الفائدة النفسية الثانية: أن الخوف من الطغيان يزلزل الأركان، لكن نور اليقين يثبت الجنان. لما كانت آسيا تقول: ونجني من فرعون وعمله، هذا الفرعون الذي يمثل جبروت السلطة، وهذه السلطة ليس لها حدود بشرية، فهي تملك حتى سلب الحياة، وانظر إلى الضبط الداخلي والمرونة النفسية وعدم الانهيار من آسيا عليها السلام. وهنا قهر، لكن هذا المعنى صار بأكمل صورة؛ يقينها بالله سبحانه وتعالى هو درعها الحصين الذي جعلها ترى ما في السماء ما ينسيها سياط الأرض. الخوف الذي شعرت به من ضغط المحيط أو ضغط السلطة وضغط المجتمع هو خوف طبيعي شعرت به وعرفته أعظم النساء، لكن الحل ليس في الإنكار بل ولا في الانهيار، طبعا، وإنما في تحويله إلى عبادة ودعاء.

الفائدة النفسية الثالثة: في ذروة الانكسار البشري تخرج المناجاة بأصدق ما يكون. يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، لا يخجل من ضعفه، فهذه سيد نساء العالمين تتمنى الموت من شدة الضغط، هي ممن كمل من النساء، بل ويوثق القرآن هذه اللحظة ليعلمنا بأن التعبير الصادق عن الضعف بين يدي الله أسمى مراتب العبودية. أنا ألاحظ بعض الخطابات المعاصرة تريد من المرأة أن تكون قوية دائماً وأن تخفي ضعفها خجلاً، هناك حالة من الضخ المبالغ فيه بأنه سيكون هناك من تشمت بك وأن المجتمع لا يتقبل الضعيفات إلى آخر هذا، لكن بين يدي الله هذا من اعظم بوابات المدد الإلهي. بل إن فيه من التفريغ العاطفي فوق مسألة الاستعانة ما يجعل الإنسان يتكيف تكيفاً صحياً مع حالته، فعندما نبلغ أقصى درجات الإجهاد تصبح المناجاة في محراب العبودية هي الحالة التي تسبق النهوض والاصطفاء، فالبكاء بين يدي الله لا يمثل الضعف أبداً بل هو موقف من مواقف القوة والعبودية لله سبحانه وتعالى.

الفائدة النفسية الرابعة: الصمت في موضع التهمه أبلغ من الكلام. فاشارت إليه. كيف ترد مريم عليها السلام على مجتمع يغلي بسوء الظن؟ ألهَمَها الله سبحانه وتعالى الصمت التام، وهذا الصمت تدار به الأزمات، خاصة الأزمات الانفعالية التي يكون الرد فيها ليس استفساراً عن شيء مجهول، وإنما الناس تريد، يعني هي تملك موقفا متحيزاً منك فتريد أي رد لتبني عليه جدلاً آخر، فهذا فيه حفظ للطاقة واستنزاف. وهو سبحان الله يعني قطرة من بحر الإلهام الإلهي الرباني لمريم، كان صمتها أسمى مراتب التوكل كل حين سلمت أمرها لله سبحانه وتعالى الوكيل. وهذا يعلمنا أن الصمت الواثق أقوى من الكلام الدفاعي، وأن من ابتلي بالاتهام الظالم ليجعل رده دعاء لا جدالاً.

الفائدة النفسية الخامسة: من الفوائد النفسية شوق الروح للوطن السماوي يمحو ألم الجسد في السجن الأرضي. لما قالت: رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة، آسيا تحت التعذيب لم تطلب زوال الألم، بل طلبت جوار ربها؛ هذا ارتقاء عظيم تتضاءل أمامه كل النظريات، يفسر لنا كيف أنه امتلاء الإنسان وتشربه بمعني الإيماني يستطيع أن يتحمل أقصى العذابات إذا وجدت ويجعل لألمه غاية. ودائماً سبحان الله الحلول تكمن أحياناً ليس في تغيير طريقة هجوم الحياة علينا بل في طريقة استقبالنا لها وتقوية أنفسنا. آسيا أرادت أن تكون، يعني لما عانت من جوار فرعون طلبت العوض الجميل في الجوار الإلهي، طارت روحها للسماء قبل أن يفارق جسدها الأرض. أيها الكرام والكريمات، حين يضيق بنا الحال لنطلب الجوار عند الله سبحانه وتعالى قبل أن نطلب أن يصلح الله لنا دنيانا، فمن طلب القرب من الله وجد في كل ضيق سعة.

الفائدة السادسة من الفوائد النفسية: النداء الإلهي الرقيق يمسح جراح السنين ويعيد للروح سكينتها. فناداها من تحتها ألا تحزني. في قمة الكرب، كرب مريم عليها السلام، جاءها الصوت الحاني: ألا تحزني. ما يمكن أن يكون عند الإنسان شيء من القاعدة الآمنة يهدا إليه ويستعيد التوازن، يكمن في وجود بعض البشر حولنا، فكيف إذا كان النداء الإلهي لمريم هو هذه القاعدة الآمنة المطلقة التي رممت هذه الروح الطاهرة؟ كلمة واحدة من السماء كانت كافيه لإطفاء نيران الأرض كلها. وهذا يعلمنا أن نفكر في الحياة بطريقة أكثر واقعية، ننتقل من فكرة لا أداة أحدا إلى أن نعرف من نحتاج. الإنسان الذي يتعلم أن يفتقر ويحتاج إلى الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أن يثبت شيئاً لأحد، الذي يكرر دائماً: لا أحتاج أحدا، لا أحتاج أحدا، لا أحتاج، هو عنده احتياج لكن يحاول أن يداري ذلك بهذه التعبيرات.

الفائدة النفسية السابعة: في لحظات التزلزل الكبرى تبحث الروح عن وتد يقين تستند إليه. فاجأها المخاض إلى جذع النخله. اجتمع على مريم عليها السلام المخاض الجسدي وكرب الاتهام، ألجأها الله إلى جذع نخلة. في التعامل مع الأزمات الخانقة، أحياناً يحتاج الإنسان إلى قدر من المشتتات أو من التجذير أو مما يكون من ارتساء مادي، أن يتمسك بشيء، هذا الأمر يعيد للانسان توازنه حين تزلزلت بها الأرض. والإنسان يعلم في هذا المقام بأنه حتى إن صاحب بعض أحوال الإنسان ضعف ظاهر، لكن هذا لا يعيبه؛ فشرف الأمومة وهي التي أتت بالسيد المسيح عليه السلام، وما يصحبها من ضعف جسدي ليس نقيصة، بل هو من أشرف المشاعر الإنسانية التي وثقها القرآن. ليس الشان في تتألم، الشان فيما بعد الألم، بعض الناس يخرج من آلامه مكرماً مشرفه، وإن صرخ في لحظات وإن تالم وإن تأذى، لكن العبرة بما اللحظة الحاضره.

الفائدة النفسية الثامنة: لا بديل عن المواجهه والبناء، وهذا هو معيار الصدق. الله سبحانه وتعالى يقول: فاتت به قومها تحمله. مريم عليها السلام تمنت الموت أولاً، ثم بعدها انتقلت للمواجهة المباشرة. هذا المسار الصاعد أبهرني: فاتت به قومها تحمله. الذي يحصل للإنسان بعد الصدمة، يمر بكرب عظيم ثم تاتي هذه التجربة القاسية تبني شخصية أصلب. مريم عليها السلام نهضت بعد الكرب بقوة لا نظير لها. الإنسان لا يستعجل الخروج من الكرب، كأن هذا الكرب يصنع فيك ما لا يصنع معه الرخام.

الفائدة التاسعة: أثر الكلمة الجارحة على النفس النقية أشد من وقع السيوف. لما قال الله سبحانه وتعالى على لسان قومها: ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا. انظروا كيف استدعوا تاريخ الأسرة، وكان غرضهم مضاعفة الألم، هذا فيه قدر من التذكير أو ترسيخ ثقافة العار. الكلمات الجارحة خاصة للانقياء تترك ندوباً نفسية تفوق صدمات الإذاء الجسدي. من شعر بهذا يدرك حجم العبء الذي حملته هذه الصديقة الطاهرة. القرآن يصور لنا شعور هذه القسوة وعظمة الصبر الذي تحلت به مريم عليها السلام، فمن أذاه الناس بكلامهم فليعلم أن الله يحصي كل كلمة، وأن مريم عليها السلام من قبلنا أجمعين حملت ما هو أثقل وكان ذلك رفعة لها.

وأذكر، وإن كنت لا أحب أن يعني أذكر بعض المواقف الشخصية في مثل هذا المقام، لكني أذكر أن وصلنا مرة أنا وسيدتي الوالدة حفظها الله إلى المدينة النبوية المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان الطريق بعيداً، ووصلنا قبيل الفجر، فلما سكنا كان التفكير في في بالي بأن نصلي في مكاننا لغلبه الإرهاق، ويعني مسألة الجماعة للمسافر فيها أوسع مما يكون في الحضر، لكن لما أذن مباشرة ونحن الذين طوينا الساعات في الطريق، ابت إلا أن تنزلوا، فلما صلى الإمام، صلى بنا، كان الشيخ صلاح البدير، لا أنسى ذلك، صلاة الفجر في المدينة، وقرا هذه الآيات من سورة مريم. فلما انتهينا من الصلاة كنت على وشك السقوط من الإرهاق لكني كنت أمسك، فخرجت فإذا بأمي حفظها الله وحفظ أمهاتكم أجمعين ورحم من مات منهن، في عينيها حمرة البكاء، فكأنها بكت في الصلاة بكاء طويلا وهي ممن يبين أثر البكاء في عينيها، لامتزاج البؤبؤ الأخضر باللون الأحمر، فقلت لها: ما يبكيك؟ قالت ما معناه: بأنك رجل ولن تستشعر هذه الآيات إلا إذا كنت امرأة تعرف ما معنى أن تتهم في عرضك، تعرف ما معنى أن تمر بألام المخاض. مهما يكن من أحوال الإنسان لن يبلغ مقام الاستشعار إلا أن يكون بينه وبين المثال المشبه به قدر من التناسب، فقالت: مهما يعني زعمتم بأنكم تفهمون هذه الآيات معنى وكلمة، إلا أنكم لا تفهمونها حتى تكونوا نساء وتشعروا بما تشعر به المرأة ويكون منها في هذه الأحوال. يعني هذه الفوائد يفهمها من عاشها، هناك أمور تفهم بالشرح وهناك أمور تفهم بالعيش. فالإنسان في هذه المسألة يدرك أن مراتب إدراكه لهذه المواقف يكون مختلفاً عن غيره.

الفائدة النفسية العاشرة: توأمة الألم تولد توأمة في الثبات، والمحن تصنع قمم الكمال البشري. مريم وأسيا كلاهما كملت. النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول ولم يُكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وأسية امرأة فرعون. الكمال هنا ما أتى من حياة الرخاء، بل أتى من صُنع أفران الابتلاء، وهذه الصلابة النفسية تُكتسب مع مكابدة المحَن، فهذا نراه متجسداً في أسمى مراتبه عند هاتين السيدتين. الألم يُصبر عليه احتساباً، فحينئذ يتحول إلى سلَّم للكمال.

انتهينا من الوقفات النفسية، وندخل في الوقفات التربوية. الفائدة التربوية الأولى: البيئة الضاغطة لا تعفي من المسؤولية، والاختيار الأخلاقي قرار فردي. شاهدها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: 11]، آسيا لم تعتذر بظروفها، ولم تقل: أنا زوجة طاغية ولا حيلة لي، ولم تعتذر بضعفها. التربية القرانية تؤسس لمبدأ المسؤولية الفردية، كل إنسان المتربي وغيره يجب أن يعلم أن بيئته مهما كانت فاسدة لا تعفيه من مسؤولية اختياره الأخلاقي، نحن نحاسب على مواقفنا لا على الظروف التي أحاطت بنا.

الفائدة الثانية من الفوائد التربوية: القدوة القرانية تتجاوز حدود الزمان والمكان. وشاهدها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: 11]، القرآن لم يضرب آسيا ومريم مثلاً للنساء فحسب، بل للذين آمنوا جميعاً. هذا التوجيه التربوي يعلمنا أن مقامات اليقين والصبر لا تعترف بالفوارق الدنيوية، وأن المؤمن يتلقى أنوار الاصطفاء متى صدقت روحه في طلب ربها، وصارت مناراً يُقتدى به في كل جيل. انظروا لما صبروا صاروا مثلاً لكل المؤمنين بنسائهم برجالهم، ما كان في زمانهم ما كان من غير زمانهم، تعدوا حدود الزمان والمكان. هذا يفيد بأن الصبر والتعلق بالله سبحانه وتعالى يصنع قدوة عظيمة النفع.

الفائدة الثالثة: تمكين الفكر هو الحصانة الحقيقية للأبناء في بيئات الشبهات: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: 12]. كيف لنا أن نربي أنفسنا وأبناءنا ومن حولنا ليكونوا كآسيا ومريم؟ هذا يتطلب منا أن نغرس فيهم في أوقات الرخاء هذه المعاني للصبر، وللتوكل، ولأحوال المسلم مع القدر، ولطبيعة الدنيا، ولرحمة الله سبحانه وتعالى ولحكمته؛ حتى إذا جاءت البلاءات أصبح عندهم من الزاد النظري ما يطبقونه عملياً، وإلا إذا أتينا لنربي الإنسان في وقت البلاء قد لا يمكنه أن يتلقى ذلك بقدر من الصفاء لأنه ليس في حال يمكنه التلقي.

الفائدة الرابعة: لابد أن نحسم صراع الولاءات، هذه فائدة تربوية بأن نبدأ بتقديم حق الخالق على كل شيء. وشاهدها: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: 11]. آسيا واجهت صراعاً عنيفاً بين ولائها لزوجها والسلطة والمال والقصر، وولائها لخالقها. التربية هنا تتطلب أن نكون بكل وضوح على تراتبية واضحة للولاءات، تقديم مرضاة الله على كل المطالب الدنيوية هو بوصلة العمل لحسم أي صراع داخلي عند تعارض المطالب، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. علينا أن نربي أنفسنا على هذا: الله أولاً ثم يأتي أي شيء بعد ذلك، مهما تكون الإغراءات. ما نبدأ نبحث عن فكرة أنه هل يجوز هذا؟ طيب ولو لفتره مؤقتة؟ طيب أنا لا استطيع؟ طيب حتى أبحث عن بديل؟ الصراعات لا سيما في المسائل الكبرى لا تواجه بمثل هذا التردد.

الفائدة الخامسة: المرجعية الداخلية المستمدة من المحراب تحمي من الانهيار أمام الناس: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12]. مريم عليها السلام رُبيت في المحراب حيث العبادة والصلة القوية بالله سبحانه وتعالى، فحينما خرجت واجهت اتهام المجتمع، كان الأمر كفيلاً بأن تنهار. تربية عبادية تزكوية تعتمد كلياً على الله، وليس على ماذا سيقول الناس عني، وإلا لرايناها بهشاشة! هذه المرجعية الإيمانية الداخلية أساس صلب في شخصياتنا.

الفائدة التربوية السادسة: الخير قد ينبت في الصخر فلا تغتروا بالظواهر. وشاهدها امرأة فرعون، قصر فرعون رمز الطغيان خرجت منه أعظم مؤمنة! هذا يربينا على عدم إطلاق الأحكام التعميمية القاطعة على كل فرد بناءً على بيئته: والله أهل البلد الفلاني كلهم كذا، والله لا يخرج من آل فلان أحد يخاف الله، أو أعرف أهل تلك المنطقة كلهم كذا وكذا. هذه الأحكام لا ينبغي. التربية تتطلب أن تؤمن بأن الله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، فلا نيأس من إصلاح أحد.

الفائدة السابعة من الفوائد التربوية: المحنة المؤلمه في بدايتها قد تحمل في طياتها أعظم منحه في نهايتها: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: 12]. مريم رأت في حملها محنة قاصمة، لكنها كانت أعظم منحة في التاريخ. أحياناً لابد لنا أن ننظر إلى مآلات الأحداث، وأحياناً نحن بحاجة أن ننعلزل قليلاً عن ضغط الأحداث الواقعة لننظر إلى المآلات، وما نتوقف عند اللحظة المؤلمه الحاضرة. هذه مهارة من مهارات البقاء في عالم الابتلاء: أن نصبر على مرارة البدايات حتى نورث حلاوة النهايات.

الفائدة التربوية الثامنة: الدعاء ليس مجرد عبادة فقط لرمي الهموم، وإنما يؤكد بوصلتك ويبين عن أولوياتك حتى تعيد صياغة الواقع: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: 11]. هي في هذا الدعاء حددت مشروعها، وحددت غايتها، وحددت مصيرها. نحن حينما نربي على الدعاء ندرك بأن الدعاء كما أنه أداة فعالة لإعادة تغيير الأشياء التي نحب، فهو أيضاً أداة لقياس أنفسنا. الأمر الذي نلهج به في الشدة عند اشتداد الفتن ندرك أنه كان مضخَّماً في وقت ما، وهذا هو أهم ركائز البناء الروحي.

الدعاء الصادق ينقل الإنسان من ضيق الأرض، وأيضاً يعرفه على نفسه. لما نقول مثلاً: فلان حصل بينه وبين فلان مشكلة، خلاص أدعو الله بالعفو الجميل مثلاً، لا استطيع التخلي عنه مثلاً. هذا الأمر وهذا التضخيم وهذا الدعاء وهذا الادعاء يثبت لك بأنك كان هناك مشكلة في وقت الرخاء عندك في تقدير الأمور وفي قياسها، فالدعاء أيضاً يعرف الإنسان بنفسه.

الفائدة التاسعة: العزله المؤقتة دواء للروح، وهي أمر عظيم لاستعادة التوازن: ﴿فَانْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16]. هذه العزلة لمن يدرك فائدتها، خاصة في زحام الحياة، نحتاجها يلملم فيها الإنسان شتات روحه، ونعلم متى يمكن أن تكون العزلة مؤقتة ولها أهدافها، وكيف لها أن تقوينا في مواجهة المجتمع لاحقاً، وبين أن تكون العزلة هروباً أو ضعفا أو هشاشه. هذا يكون هناك الفارق بين العزلة والوحدة؛ الوحدة انسحاب قسري من ضغوط لم تستطع أن تواجهها، أما العزلة فهو قرار اختياري لينقي الإنسان نفسه مما علق بروحه ثم يعود أقوى إن شاء الله.

الفائدة العاشرة والأخيرة في الفوائد التربوية: التوكل الحقيقي يجمع بين صدق الاعتماد وبذل الجهد الممكن مهما كان ضعيفاً وهزيلاً: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25]. امرأة في حالة مخاض يُطلب منها هز جذع صلب! لابد أن نتخذ أسباباً مهما كنا في حالة ضعف. التربية على التوكل لا تعني أن نتواكل، بل أن نبذل الجهد الممكن وننتظر البركة الإلهية. الله المستعان، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهذبنا ويربينا.

القسم الثالث: قسم الوقفات الاجتماعية. الفائدة الأولى: المحاكمات الاجتماعية سريعة وبلا رحمة، الناس يعشقون هذا: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]. المجتمع لا يرحم عندما يرى من يخالف مألوفهم ولا يكلف نفسه عناء الاستماع، ما سالوها لتشرح، مباشرة اصدروا الحكم فوراً. هكذا المجتمع يحب هذا، يريحه من عناء البحث عن الحق. مواجهه مثل هذه الاندفاعات تتطلب ثباتاً استثنائياً، ويقيناً بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده كل شيء، بيده قلوب العباد، بيده تصريف الأحوال، بيده تغييرها.

أما البشر فكما ترون، والله ما يروا منك ضعفا يستطيعوا أن يستطيلوا عليك إلا فعلوه. هكذا أحوال البشر منذ عرفناها ومن قبل أن نعرفهم؛ في البشر شهوة من الشهوات لا يتحدث الناس عنها اسمها شهوة الاستطاله، يحب أن يستطيلوا على الخلق ولو بظاهر النصح، ولو بظاهر الرحمة، ولو بظاهر أياً ما يكن من قوالب يلبسونه، لكن الإنسان لا يفوت فرصة يستطيع أن يستطيل بها على غيره غالباً إلا انتهزها بأقسى ما يكون من وحشية.

الفائدة الثانية: الحمايه الاجتماعية المادية ليست كافية، احتياجات البشر تختلف خاصة النساء. امرأة فرعون كانت في قمة الهرم الاجتماعي نظرياً، فهي الأكثر حمايه من هذا الباب، لكن لكل إنسان حاجته، بعض الناس ليست حاجته القصوى إلى مسألة الازدياد في المال أو في اتساع المسكن أو في الجاه، وإنما عنده حاجات إيمانية سامية لا تعدل بها الدنيا كلها، تتمنى لو أنها عاشت لذة الإيمان ووجدت الرفيق الصالح والمكسب الحلال والحياة والنمط الذي تعتاد فيه العبادة ولو ضحت بكل شيء.

الفائدة الثالثة: الرصيد الأخلاقي لأسرة درع أخير يصد الصدمات عن الأفراد. لابد أن يبني الإنسان له ولاسرته رصيداً أخلاقياً: ﴿مَّا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ السَّوْءِ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28]. هم عندما اتهموا مريم وحاشاها استدعوا تاريخ أسرتها النظيف. هذا الرصيد الأخلاقي المتراكم للعائلة يعد رأس مال اجتماعي يدافع عن الإنسان في وقت المحن، فالإنسان فعلاً كائن اجتماعي يجعل المسألة بقدر ما عندك رصيد قد بني عن طريق أسرتك.

الفائدة الرابعة: في المجتمعات المقهورة دائماً تجدون أقلية صامتة تنتظر لحظة الانحياز: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: 11]. هناك مؤمنون أخفوا إيمانهم، في كل مجتمع ستجد أقلية لم تتلوث تنتظر اللحظة المناسبة، فلا تحكم على أقوام بكليتهم بأنهم راضون بما أننا نرى تلك المشاهد، وتلك المشاهد فجميعهم على هذا الرأي. لا يمكن أن يحكم بمثل هذا إلا إذا كان الإنسان سطحياً في اعتبار اختباراته.

الفائدة الخامسة: سلطة العار الاجتماعي لابد فيها من مواجهه لا تهرب: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: 27]. مريم عليها السلام واجهت هذه السلطة بشجاعة، لم تهرب، ولم تتستر، ولم تهددهم بالانتحار، بل مواجهة مباشرة مع يقين بالبراءة. هذه الطريقة الوحيدة لمواجهه مثل هذه الوصمة الاجتماعية لأنها تبدأ مشتدة، لكن مع الثبات ومع المواجهه تبدأ بالتحلحل قليلاً قليلاً.

الفائدة السادسة: المؤمن الصادق ينحاز إلى المعتقدات والمبادئ ولا يختار صف القوي: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]. آسيا باعتباراتنا كانت تنتمي إلى الطبقة الحاكمه، لكن قلبها كان مع المستضعفين. الإنسان يبحث عن الحق لا عن القوه، هذا اختبار حقيقي للأخلاق أن تتخلى عن كل امتيازاتك المالية والاجتماعية والطبقية نصرة للحق.

الفائدة الاجتماعية السابعة: زخرف الدنيا لا يملا فراغ الارواح، والنعيم المادي يسقط أمام نداء الفطرة -وهذا سبق أن قلناه لكم-. فرعون كان يظن أن الجاه والقصور تكفي لأن يستميل قلب زوجته، لكن النعيم المادي مهما عظم لا يسد جوع الروح. الفطرة السليمة حين تتلامس مع أنوار اليقين يصبح كل زخرف في الأرض سجناً ضيقاً، مهما خطفتنا الاضواء نعلم أن الاستثمار الحقيقي هو في بناء الروح.

الفائدة الثامنة: الثبات من أضعف الحلقات الاجتماعية يسقط هيبة الطغيان: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: 11]. المجتمع الفرعوني كان محكوماً بسلطة مطلقة لا تقهر، فكون التمرد والإيمان يخرج من داخل القصر ومن امرأة لا تملك نفس الموازين، قوة عسكرية، هذا يحدث زلزالاً لدى المستضعفين، ثباتهم يهز خصومهم وإن لم يصرحوا بهذا، ويكسر حاجز الخوف، ويسقط هالة التقديس، ويجعل كل الأمور ممكنة.

الفائدة التاسعة: الحكمة في الخطاب تفتح مغاليق القلوب. وشاهدها: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا﴾ [القصص: 9]. عندما أراد حراس فرعون قتل موسى تدخلت آسيا بشفاعة حكيمة، استخدمت العاطفة أولاً ثم لغة النفع الذي يفهمها فرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا﴾ [القصص: 9]. هذا يعلمنا كيف لنا أن نستعمل الحكمة في الخطاب وأن نعرف مداخل النفوس لنمرر الخير وننقذ المستضعفين في بعض المواقف.

الفائدة الأخيرة من فوائد الاجتماعية: الحكم السطحي على الظواهر آفة المجتمعات. وكما قلت لكم بأن المجتمعات في أحوال الفتن تميل مع الأقوى إعلامياً، الأقوى في السردية. الناس بكل اختصار الناس تحب تسولف، الناس تحب تلت وتعجن، الناس تحب أن تتكلم، وما في باس أن تبدأ أنه عافانا الله مما وقع لفلان وفلانة ولا تخلونا نجيب سيرة الناس بالعاطل، لكن في النهاية الناس تحب أن تذكر ذكر هذا. فهذا الله المستعان، يعني هذه آفة اجتماعية خطيرة يعني الناس يندفعون إليها لأن فيها ما يغذي نفوسهم بأمرين: أولاً الانسياق مع الأقوى فالشائعة لها سلطتها وقوتها، والثاني هو إشعار النفس بالفضيلة؛ أحياناً لا نستطيع أن نصرح بأنها فضيلة لكننا نبالغ في ذم المذنبين، فماذا نقول؟ فلان فعل هذا عياذاً بالله كيف له أن ينام وهو الذي صنع هذا؟ فانا فوق أني ذممته لكني أشعرت من يسمعني بأني لا يمكن أن أصنع مثله، فانا برأت نفسي عن طريق ذمه، وهذا يعني مدخل خفي من مداخل تزكية النفوس بالباطل، فكون الإنسان يبالغ في هذه الأمور هو يريد أن يظهر فضيلة على حساب هذا الموقف، يريد أن يرتقي بكل انتهازية لهذا السلم. الله المستعان.

القسم الرابع: الوقفات البلاغية. التعبير بالضرب هنا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [التحريم: 11] يقتضي إثبات الأثر في القلوب، يعني هذا أبلغ من وذكر الله مثلاً بل ضرب الله مثلاً.

الفائدة البلاغية الثانية وهي لا تخفى عليكم: في طلب الجار المقدم على طلب الدار، وهذا يتواءم مع ما قلناه في الاستهداء بالقران والتقديم والتأخير باب في البلاغة جميل لطيف.

الفائدة البلاغية الثالثة: التعبير بالتحصين ينقل العفة من الترك المجرد إلى بناء الأسوار المنيعة: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: 91]. أحصنت مشتق من الحصن، لم يقل حفظت فقط وإنما أحصنت. الحصانة هي أن تبنى قدر من الموانع وحاجز وثاني وثالث وسد وثاني وثالث حتى يصبح محصناً، لكن الحفظ قد يكون بحواجز وقد لا يكون، فدل ذلك على أن المرأة تجعل بينها وبين الرذائل أسواراً وليس سُوراً من هذه الحصون.

الفائدة الرابعة من الفوائد البلاغية: في عطف العمل على الذات في الدعاء إدراك لشمولية الفساد وتبرؤ من كل أثره: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: 11]. هي ما قالت نجني من فرعون فقط لكنها: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: 11]، أي أيضاً من عمله كل منظومته فساده قد تؤثر فيا مظاهر ملكه التي كانت تعيش في هذا. تبرؤ بلاغي جامع يقتلع كل جذور التعلق بالباطل، ما في أنه اذكر كذا ولا تذكر كذا.

الفائدة الخامسة في التصوير، بين مشقة التكليف وصدق التوكل. هذه فائدة بلاغية في فعل هز المرأة في قمة ضعفها المخاض، معلوم بأن النخيل يعسر هز جذوعها حتى على الرجال الأقوياء، فهي ليست حتى كباقي الأشجار، لكن هذا فيه تصوير يجمع بين مشقة التكليف وصدق التوكل.

الفائدة البلاغية السادسة، الإيجاز أبلغ من الإسهاب، فأتارت إليه هذه الإشارة، حركة واحدة صامطة موجزة، الإيجاز هنا أبلغ من كل كلام يعبر عن ثقة، عن توكل على الله، عن انقطاع تام عن الأسباب، تركت الكلام لأنها تعلم أن تبرئتها ستأتي بلسان الغيب لا بلسانها، فالإنسان مثلا لما يتكلم يدرك بأنه سيؤثر بنبرة صوته، باختيار ألفاظه، بارتفاع صوته وانخفاضه، بهذه الحشرجة التي تكون استعطافا للناس فيعول عليها، لكن من يشير لا يعول على أحد ولا يعول على شيء، خلاص هذا الذي حصل ولا أقول إلا على الله سبحانه وتعالى، ولا أقول على فصاحتي ولا بلاغتي ولا بياني ولا أي شيء.

الفائدة البلاغية السابعة، إاخفاء الاسم وإبراز الإضافة، امرأة فرعون، القرآن لم يذكر آسيا صراحة في هذا الموضع، بل أضافها إلى فرعون، فهذا فيه مفارقة بلاغية، يعني كيف تخرج هذه الزهرة النقية من مستنقع هذا الطاغية؟ ففيها إفادة من هذا الباب أنه كل هذا الذي تفعله وهي امرأة فرعون، فانظر إلى قدرها وانظر إلى ثباتها.

الفائدة البلاغية الثامنة في دلالة التنكير على الفرية، فيه تعظيم لهول الاتهام، شيئا فريا، جاءت نكره شيئا وفريا، التنكير في علم المعاني يأتي للتهويل والتفضيع، يعني ما أتيت الشيء الفلاني لا شيئا فريا، كل إنسان يقيسه بما في ذهنه.

كنت أقول سابقا بأن من أبلغ اللؤم أن تتكلم برموز لتجعل كل إنسان يقفز بما في ذهنه، يعني هذا كأنك تضع هناك مجموعة من الذئاب وتأتيهم بنوع من أنواع الخراف، وتأتي في جعبة خروف لو أظهرته قد يتقدم فلان ولا يتقدم فلان، قد يعجب فلان ولا يعجب فلان، لا، لكنك لما أبهمته جعلت كل إنسان يتخيله بما في ذهنه، فمن يميل إلى الشاة السمينة مثلا يتخيلها سمينة ومن يتمناها نحيلة سيتخيلها نحيلة، وهكذا تصبح حفلة ركل جماعي على كل أحد، لقد جئت شيئا فريا، من الناس من سيتخيل هذا الشيء الفري كبيرا جدا، منهم من سيتخيل، كل إنسان بحسب ما فيه، وهذا أسوأ من أن لو عُيِّن.

الفائدة التاسعة البلاغية المقابلة البديعة بين مشقة السبب وسهولة الرزق الموهوم، وهزي إليك تساقط، سبحان الله، كيف أن تساقط هذه توحي بالانسياب واليسر، وفيها مقابلة بلاغية لطيفه، الجهد البشري مجرد سبب، العطاء الإلهي يأتي منسابا سهلا كالمطر الهاطل حين يأذن الله، نسأل الله من فضله.

الفائدة البلاغية الأخيرة دلالة الفعل المضارع للتجدد والاستمرار والحدوث في العطاء الإلهي، تساقط عليك رطبا جنيا، استخدام الفعل المضارع تساقط بدلا من الماضي يفيد في البلاغة التجدد والاستمرار، فالعطاء الإلهي لمريم ما كان دفعة واحدة وانقضى، بل كان رزقا متجددا يتساقط تباعا ليؤنس وحشتها ويطعم جسدها بلطف متصل لا ينقطع.

القسم الخامس والأخير وسنختم به، الوقفات الفكرية: الوقفه الأولى: البيئة الفاسدة قد تكون محضنا للاصطفاء إذا صحت النوايا.

والفائدة الثانية: أن السلطة المطلقة لا تملك الحقيقة المطلقة إلا عند الضعفاء، الباطل ينتفش لكنه لا يدوم، كون أناس يقرنون بين القوة وبين الحقيقة هذا دلالة على ضعفهم وعدم تمييزهم وعدم ارتباطهم بتمحيص الأفكار والأدلة والبراهين.

الفائدة الثالثة: كمال الإيمان لا يكون فيه تبعية عمياء، وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون. آسيا لما أبصرت نور الحق وسقط من عينها كل أشكال التبعية لسلطة فرعون، هذا الاستعلاء هو ذروة الكمال الإنساني، أن يكون انقيادك لله وحده حتى لو وقفت وحدك في مواجهة كل أمواج الباطل.

الفائدة الرابعة: الإيمان بالغيب هو المعول عليه في فهم الدنيا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه، لما يقع لك ما لا تفهمه من شدة البلاء تحيله إلى غيب، تقول لعل في ذلك خيرا، فيه خير لا أعلمه، الله لطيف بعباده، إحالة المحسوس إلى شيء غيبي يخفف على الروح وطأة هذه الأمور.

الفائدة الخامسة: الألم في القرآن ضريبة العبور إلى مراتب الكمال، فأجاءها المخاض إلى جذع النخله، لما يتفكر إنسان لماذا تتأتام طيب مريم العذراء وتعذب آسيا المؤمنة؟ التفكير السطحي دائما يرى أن الألم عقوبة، لكننا لما ننظر إلى القرآن نجد أن الألم أداة لصقل واصطفاء الإنسان، الألم ليس بالضرورة دليل غضب من الله سبحانه وتعالى، بل ضريبة عبور لمراتب الكمال، فأعظم النفوس قد صقلت في مثل هذه المححن.

الفائدة السادسة من الفوائد الفكرية: التحرر من أي عبودية يبدأ برد الأمر للمرجعية السماوية، كل من أصابته حالة من حالات الحبس مثلا أو حالات تعلق استعباد الأجساد أو استعباد الأرواح، في البداية أن نعلق أنفسنا بالإله، رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، هذا الأمر يجعلنا نحول طاقة الرجاء والتعلق إلى ما كان واجبا على الإنسان أن يعلق قلبه له وبدل أن يشتاق إلى مخلوق مثله يشتاق إلى الجنة وإلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا يكون مؤمنا، يحول ما فيه من نوازع وما فيه من عوارض نفسية إلى عبادات، متكلم فجرحت قلبه يتخذها سلما لأن يبني منه عبادة في انكسار القلب لله سبحانه وتعالى، وهكذا يستثمر هذا، مثلا اصيب بحاله فرح فيأخذها سلما للشكر والفرح بالله وبنعمه، وهكذا.

الفائدة السابعة: دعاوى الباطل العريضة تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي لليقين، ونجني من فرعون وعمله، آسيا عليها السلام وقفت بيقينها الصادق أمام هذه الدعوة، فرعون يدعي الألوهية وعنده دعوة عريضة تملا الآفاق ضجيجا لكنها في الحقيقة خاويه، كون الإنسان ينتفش بالكلام بالمظاهر، قلب المؤمن في هذا الحال تصطدم به جميع ما يمكن أن يكون مبهرا لضعفاء الناس، ما يغرنا دعاوى والقوة المطلقة والحق المطلق والعقل المطلق وكل شيء، ما يهمنا، المسلم عنده معاييره التي لا تقف لها معايير الدنيا.

الفائدة الثامنة، وأريد أن تنتبهوا إلى هذا، فائدة مهمة وهي للنساء: الله أرحم بك من أن يحملك اصلاح الكون وجوبا، فلا ترهقي روحك بوهم المسؤولية المطلقة، وشاهدها فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا. قد تظن بأن هذا الكلام تثبيط حين يتقد الحماس، لكنكم سترونه رحمه وهدى حين تغلبكم الطبيعة، طبيعتكم البشرية، بعض الخطابات الشرعية للأسف وبدافع نبيل لإحياء دور المرأة قد تقع في فخ تحميلها ما لا تطيق، ويصور الفتاه الفاضلة أنها الحارسة الوحيدة لفضيلة المجتمع والمسؤولة الأولى بل والوحيدة والفريدة عن إصلاح الأجيال، حتى تشعر بتأثيم دائم مهما بذلت، هناك نوع من تأنيب الضمير الدائم، عدم الرضا، شعور بأنه الإنسان في أحقر أحواله الإيمانية مع أنه ما صنع شيئا.

لكن حين نتأمل مريم عليه السلام نجد رحمة الله تتجلى في تخفيف الحمل في أشد لحظات المواجهة مع فساد المجتمع، ما طالبها الله بمواجهتهم أو إصلاحهم بل قال: فقولي إني نذرت للرحمن صوما، أسقط عنها عبء الكلام والدفاع، هذا تخفيف رباني، ليس دعوة للسلبية أو الأنانية لا والله ولا تنصلا من المسؤولية، لكن إعادة لضبط بوصله الروح، الفتاة تعمل في دائرة تأثيرها الممكنة بهدوء وسكينه دون أن تمد خيالها بعيدا حتى تظن أن من واجباتها أن يكلفها الله ما لا تطيق.

بل إن من البدع الفكرية الحاضرة في زماننا تأثيم الكافه، يعني هناك مبالغة في جعل الناس كلهم يعني تحت دعوى العاطفة وهذا لا فقه فيه أبدا، بأنه نحن نستمتع إذا أردنا أن نحرك، نوقظ شعورا في المجتمع بأن نقول كلكم آثمون، كلكم وقعتم في كذا وكذا، كلكم محرومون، كلكم خاذلون، كلكم، كلكم، هذا الشعور قد يكون له في البداية شعور الإيقاد، لكن لا يدري الإنسان بأن هذا قد تكون من بوابات الردة حين يعني يكون هناك صراع بين ما يستطيعه الإنسان وبين ما يسمعه واجبا، والحق الذي يفهمه كل متفقة بأن ما لم يوجبه الله سبحانه وتعالى على المرء فلا يجب، وما عداها من رتب بحسب حال المرء وقدرته.

الآن قد نستخدم مفاهيم أخرى، والله علو الهمة، علو الهمة لا تعني بأن يكون الإنسان مسؤولا عن الكرة الأرضية، انتبهوا هذا خطاب قد يحرك العواطف، قد يئس به الناس لأنهم يجدون فيه اعترافا وفرارا من التهميش وفيه مبالغة وتضخيم ونفخ، لكن على الحقيقه، وستسمعون لاحقا يعني لكلامي بصوت مختلف، كأن ما لم يوجبه الله سبحانه وتعالى فلا توجبه على نفسك، رتب الفضيلة والنوافل تكون بقدرها، أما أن نسعى بأنه كل الناس آثمون والأمة ما بقي فيها خير وهكذا وهكذا حتى أصبح الإنسان يسأل ويشك في بعض محكمات الدين، هل يجب علي كذا ويجب علي كذا؟ لا، يعني يجب للانسان أن يكون فقيها عاقلا، وسبحان الله ما أقلها في البشر أن يجتمع في الإنسان علم وعقل.

الحكمة صفة تنفك عن علم، فمن الناس من يكون حكيما ذا تجربة ولكنه خفيف العلم، أو يكون ذا علم وقد أصابه وتدثر بالحمق، الحكمة تقول بأن نضع كل عمل في رتبته، ما كان واجبا نقول هذا واجب، أما ما كان نافلة لا نقول بأنه لا ينبغي لكم ولا لا، ما كان ليس بواجب نقول هذا ليس بواجب لكنه فضيلة، لن نستدرك على الشريعه ولن لن نكون أحرص من الله سبحانه وتعالى ورسوله على الناس، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ ولن نجعل هناك واجبات لم يوجبها الله سبحانه وتعالى بدعوة أنه هذا فيه إيقاد للهمم وفيه وفيه، لا، هذا أمر قد لا تستحضرونه الآن لكني كاني أراه بعيني لاحقا بانه سيحدث مشكلات داخلية عند بعض البشر من هذا الباب، بأنه يظن بان الواجب أكبر مما يطيقه ويستطيعه فيؤول أمره إلى كره الدين أو إلى استثقال ما هو واجب حقيقي لأنه قد كلف نفسه فوق وسعها.

وكما أقول هذه ليست دعوة إلى الأنانية أو التنصل من المسؤولية، لكنها دعوة إلى الحكمة في أن نعيد رتب الأشياء كما يحبها الله بوزنها، لا نخفف ما أثقله الله في الميزان ولا نصنع عكس ذلك، من الفقه أن نتعلم بان هناك رتبا للأعمال كما علمتنا مريم عليها السلام.

الفائدة التاسعة: القوة الروحية تخلد ذكر صاحبها، فقولي إني نذرت للرحمن صوما، انظروا كيف أصبح صمتها لما كان صمت الحق والقوة وكان واضحا فيها بأنها ناشئة عن عباده وليس عن عجز، أصبح حتى صمتها مذكورا في القرآن، بينما غيرهم قد يعني يثرثر بالآلاف الكلمات ولا يحسب لهم شيء، فالقوة ليست في هذا وإنما في باعثها.

الفائدة الأخيرة: لابد من الشمولية في تلقي الوحي حتى يعصم العقل من الانحراف والانتوائية، وصدقت بكلمات ربها وكتبه، القرآن وصف تصديق مريم عليه السلام بالشمول، لم تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، ما قالت والله هذا يعني هذا الجزء من الدين وهذه الشعب تعجبني وهذه لا تعجبني، وهذا الشيخ يحدثنا عما نحب ولا يحدثنا عما نكره، وهذا الشيخ حببنا في الدين وذاك الآخر لم يحببنا في الدين، إذا كان الخطاب شاملا فمن رضي فله الرضا ومن لم يرضى فما على الإنسان إلا البلاغ وإيصال النذر فقط.

القران وصف تصديق مريم بالشمول وهذه منقبة عظيمة، وهذا الشمول هو الذي يمثل المنهجية الفكرية التي ترفض هذه الفتن، الله المستعان.

أيها الكرام والكريمات، بعد أن ختمنا الحديث عن الخوف وعرضنا لهذا الخوف في ميزان مريم وآسيا عليهما السلام، هل هو خوف من الناس؟ خوف من القوة؟ خوف على الرزق؟ علينا أن نتأمل في مخاوفنا الحقيقية وأن نتخذ موقفا شجاعا بأن لا يخيفنا إلا ما يستحق أن يخيفنا، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لمراضيه.

بلغني الآن وأنا أكلمكم وفاة جدة الأخ الكريم الطالب النجيب نور سلطاني من تونس، توفيت جدته، فأسأل الله سبحانه وتعالى ونحن في محضر وجمع بأن يرحمها ويغفر لها وأن يجمعهم بها في جنات النعيم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجبر قلوبهم وأن يحسن عزائهم وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين، ويعني نختم بالدعاء ثم أستأذنكم في الانصراف وقد أثقلت عليكم اليوم جدا بدرسين، وأنا والله أحي من الله، يعني أعرف أنه لا يوجد أحد يعني قد يكون كلامه مستملحا لدرجة أن يتكلم هذه الساعات، لكن يعني حتى نسير في الجدول، ولست بذلك الاعتداد بالنفس حتى أقول إن الناس لن تمل مني، بل إني أعلم لكنكم تتعبدون بهذا، فجزاكم الله خيرا وكتب أجوركم.

اللهم يا من جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم، ويا من نجيت موسى من اليم، ويا من أويت مريم في محرابها، ويا من بنيت لآسيا بيتا في جنتك، نسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت أن تنزل على قلوبنا سكينة من عندك تطرد بها كل خوف إلا الخوف منك، وكل رهبة إلا الرهبة لجلالك، اللهم إنا نعوذ بك من خوف يمنعنا من قول الحق، ومن رعب يقعدنا عن نصرة المظلوم، ومن فزع يزلزل يقيننا بوعدك، اللهم كما ثبتت مريم أمام اتهام مجتمعها ثبتنا أمام فتن زماننا وشبهات عصرنا، وكما ثبتت آسيا أمام طغيان فرعون ثبتنا أمام كل طاغية وكل جبار عنيد، اللهم لا تجعلنا نتبع الناس إن أحسنوا أو أساؤوا بل اجعلنا أئمة للمتقين هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.

اللهم إنا نسألك جوارك قبل دارك، ورضاك قبل جنتك، وأنس مناجاتك قبل نعيم الآخرة، اللهم طهر قلوبنا من التعلق الخلق ومن انتظار المدح أو الخوف من الذنب، واجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهك الكريم، اللهم اجبر كسرنا وارحم ضعفنا وتولى أمرنا وأحسن خلاصنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم ارزقنا اليقين الذي يهون علينا مصائب الدنيا، والهمة التي ترفعنا عن.

سفاسف الأمور والبصيرة التي نرى بها الحق حقاً والباطل باطلاً. اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وانت راضٍ عنا غير غضبان. وصل اللهم وسلم وبارك على نبيك ورسولك محمد المبعوث بالرحمة المهداة والنعمة المستداة، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

وإن تطيعوه تهتدوا.