دخولتسجيل الدخول

مسرح العقول 02 | توأمات القصص القرآني | بين إبراهيم وأيوب متى يكون الصبرُ أعمقَ من الكلمات؟

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، أسعد الله مساءكم، وطيب الله أوقاتكم، وجعلكم أجمعين في خير ونعمة وعافية. اليوم بإذن الله سبحانه وتعالى سنستكمل ما بدأناه من فكرة مسرح العقول، ومسرح عقلنا اليوم سيكون في توأمة الصبر والتسليم بين إبراهيم وأيوب عليهما السلام.

الحمد لله الذي جعل الصبر مطية للمبتلين، ومفتاحاً لفرج المكروبين، وميزاناً لصدق اليقين. الحمد لله الذي طوى في أستار المحن جلائل المنع، وفي باطن البلاء خفي العطاء، وجعل من ضيق الكروب سبيلاً إلى سعة الغيوب. الحمد لله الذي أدّب أولياءه بالشدائد فصفت سرائرهم، وصقل قلوبهم بالرزايا فأشرفت بصائرهم، وجعل نار إبراهيم برداً وسلاماً، وأعقب ليل أيوب فجراً وتماماً. نسأله سبحانه أن يرزقنا حسن النظر وعمق التفكر، وأن لا يفتننا في ديننا ولا دنيانا.

أيها الكرام والكريمات، نلتقي في هذا الدرس الثاني من مسرح العقول لنتأمل في توأمة الصبر والتسليم؛ توأمة بين خليل الرحمن إبراهيم والنبي الصابر أيوب عليهما السلام. لقد قدم لنا القرآن سورتين متكاملتين للابتلاء: ابتلاء إبراهيم عليه السلام في أمره التكويني والتكليفي، وابتلاء أيوب في جسده وأهله وماله عليه السلام. سنكون في هذه التوأمة العظيمة من خلال خمسين وقفة، كما أعتدنا، موزعة على خمسة مجالات: نفسية، وتربوية، واجتماعية، وبلاغية، وفكرية.

في البداية، قصة إبراهيم عليه السلام وتفاصيل ما فيها من صبر معلوم؛ لأنها قد رويت في القرآن بوضوح. أما قصة أيوب عليه السلام، فسنذكر ذكراً مجملاً ما قد روي في ذلك، سواء ما كان في القرآن أو ما روي مما هو في غير القرآن. فأيوب عليه السلام، كما لا يخفى على شريف علمكم، نبي كريم ابتلاه الله ابتلاء شديداً في جسده وماله وولده. ذكر المفسرون أن المرض أصابه سنوات طويلة، قيل سبع سنوات أو أكثر، والله أعلم بالمده الحقيقية. أما زوجته، فقد ذكر بعض المفسرين أنها ظلت وفية له طوال محنته، وكانت تكسب له -يعني كانت تعمل وتنفق عليه وعليها- حتى بلغ بها الأمر، كما روي عند بعض المفسرين، أنها باعت ضفيرتها لتطعمه.

وكان دعاؤه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. فاستجاب الله له، وأمره أن يركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها وشرب، فذهب ما به من ضر، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم، وقيل إنه فقد جميع أولاده فعوضه الله سبحانه وتعالى بأولاد آخرين. من المعلوم أن كثيراً مما يروى في تفاصيل هذه القصة قد يكون بعضها بل معظمها من الإسرائيليات، فهي لا تصدق ولا تكذب، لكنها تتمم الفجوات التي في أذهاننا حول هذه القصة، ولا بأس بروايتها على الصحيح الثابت في القرآن. من جهة أيوب: البلاء والصبر والدعاء والاستجابة، هذا ثابت لا ريب فيه، أما التفاصيل الدقيقة فمعظمها من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.

الآن سنبدا بتلاوة مع القارئ الشيخ حسن لبان، وندعو بالشفاء العاجل لأخينا القارئ الشيخ البراء بن مؤمن السيد، الذي قد شنف أسماعنا في جميع المجالس لكنه مرض اليوم، فنسأل الله أن يشفيه ويعافيه. وكلاهما من الإخوة الفضلاء، لا أقدم أحداً على الآخر، يعني الشيخ حسن والشيخ البراء، جزاهم الله أجمعين خيراً. تفضل يا شيخ حسن.

﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبِلُوا إِلَيْهِ يَزِفُونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى * قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلَاءُ المُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 83-113].

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: 41-54].

أحسن الله إليك وطيب الله أنفاسك يا شيخ حسن. تقبل الله منا ومنك على هذه التلاوة الطيبة المباركة. بسم الله الرحمن الرحيم، بعد أن سمعنا هذه الآيات المباركات التي جمعنا فيها توأمة متعلقة بهذين النبيين الكريمين، سنبدأ بالوقفات؛ الوقفات النفسية كما أعتدنا ستكون في كل مجال، في كل فن ستكون عشر وقفات.

الوقفة الأولى في الوقفات النفسية: لا تستوحش من طول توالي المحن، فإنها تحمل مخاض المنجد. انتبه في الألف واللام في الـ «لما»؛ لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83]. أيوب عليه السلام لم يقل: مسني ضر. لو كان ضراً لكان واحداً، لكن هذه الـ «أل» ستكون بصفة الشمول والاستغراق، مما يشير أن الابتلاء لم يكن أحادي الجانب، بل كان صدمة متعددة الأبعاد مست جسده وماله وولده ونفسه، ومع ذلك ظل باب النداء والارتباط بالله مفتوحاً ومقدماً على الشكوى للخلق. إننا حين نتأمل في قصة نبي الله أيوب عليه السلام، ندرك أن الابتلاء حين يشتد فإنه لا يأتي فرادى، بل يتقاطر كغيث من الكروب التي تحاصر النفس من كل اتجاه، هذه التي سميناها الصدمة متعددة الأبعاد التي لا تترك لألم المرء ركناً يأوي إليه إلا ركن الله الشديد. فقد أيوب عليه السلام عافيته بعد صحة، وفقد أولاده بعد أنس، وفقد ماله بعد غنى، حتى صار وحيداً في بلائه غريباً في سقمه. هذا التراكم، حين تقرؤون الأوراق النفسية وبعضها نشر هذا العام، ما يسمى عند المهتمين بالبحث في مجال علم النفس بـ «الصدمة المعقده» (Complex Trauma)، هذه تنشا من أحداث متكررة وممتدة تحدث تمزقاً للنسيج وتفقد الإنسان أمانه النفسي، تجعله في مواجهة مباشرة مع ما يكون من أحواله النفسية.

الفايدة الثانية: من جهل حكمة المنع أراحه صدق التسليم. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103]. لما قال «تل الجبين» هي قمة الامتثال العملي الذي حسم الصراع بين العاطفة الأبوية الجارفة والامر الإلهي المطلق، حيث تجلى التسليم في أبهى الصُوَر، غلب الوحي على مقتضيات العقل البشري المحدود. فالإنسان حينما يجهل حكمة المنع يريحه صدق التسليم.

الثالثة من الفوائد النفسية: أنس القلب بالخالق يمحو وحشته بالمخلوق. الله سبحانه وتعالى يحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]. قالها إبراهيم عليه السلام في أشد لحظات الانفراد في حياته، قالها بعد أن أُلقي في النار، وبعد أن فارق قومه وأباه الذي توعده بالرجم، وبعد أن خرج من أرضه وبلده وكل ما يعرفه. في تلك اللحظة التي يكون فيها الإنسان عادة في أشد حاجته إلى المؤنس والرفيق، لم يقل إبراهيم عليه السلام لا أحد معي، بل قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: 99]. هو عليه السلام جعل الوحدة الخارجية رحلة نحو الأنس الداخلي، هذا يجعلنا نستنبط معنى بأن اليقين في وجهة القلب نحو الله يقلب وحشة الانفراد إلى أنس الامتداد، ويجعل الانفصال عن الخلق اتصالا بالخالق سبحانه.

الفائدة الرابعة: إذا انقطعت أسباب الأرض فتحت أبواب السماء، وشاهدها: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83]. يظهر هنا أدب العبد مع ربه في عرض حاله، حيث استخدم نبي الله أيوب عليه السلام لفظ «المس» لوصف بلائه وعظيم بلائه، هذا استعطاف رقيق لا شكوى فيه للخلق، بل هو إفصاح عن الحاجة لمقام الربوبية بعبارة موجزة بليغة فيها أبعاد نفسية؛ يعرف الإنسان أنه يكون في أشد أحوال انتظار الفرج إذا انقطعت أسباب الأرض، ومن جرب عرف.

الفائدة الخامسة: البلاء قيد للغافل ومطية للعاكف. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. هذا الثناء الإلهي ما التفت، ما ركز على عوارض البلاء من مرض وفقر، بل ركز على الهوية الراسخة المتمثلة في صبره وعبوديته وأوبته. الإنسان في جوهره لا ينبغي أن تغيره أحوال الدنيا. نحن إذا مرضنا أصبحت أبرز صفاتنا بأننا مرضى، إذا افتقرنا أصبحت أبرز صفاتنا بأننا فقراء، لكن الحقيقة الله سبحانه وتعالى مع البلاء بمرض وفقر ووحشة ما وصفه بهذه الأوصاف، بل قال: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]، هذه الصفات التي لا تتغير مهما تغيرت الظروف وتبدلت.

الفائدة السادسة: صحة الرجاء تهون مراره البلاء. لما قال: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. نبي الله أيوب لم يطلب كشف الضر بلفظ الأمر، بل اكتفى بوصف حاله وإعلان رجائه في صفة الرحمة الإلهية، مما يدل على أن الرجاء الصادق هو المحرك الذي يربط العبد بربه في أحلك الظروف. المؤمن يقف، يا كرام ويا كريمات، في مهب ريح الابتلاء، وتتداعى عليه الأوجاع والهموم كما تتداعى الأمواج على الصخر الأصم، ما يجد له منجاة إلا في رحاب الرجاء الواسع. هذا الرجاء ليس مجرد تمنٍ عابر، بل هو معبر عن قوة نفسية هائلة وصلابة وتكيف ومرونة تدفع الإنسان للاستمرار حينما تنقطع به السبل، تماماً كما فعل نبي الله أيوب الذي ظل تلك السنوات الطويلة في بلائه فلم يزده ذلك إلا ثقة ويقيناً بربه. هذا الرجاء هو الذي يفسر لنا صمود الأنبياء، لما تتأمل تجد أنهم لا ينظرون إلى حجم الألم بل ينظرون إلى سعة الرحمة. بهذه الطريقة يستمدون من الغيب مدداً لا ينقطع، وهذا والله مؤثر جداً. الرجاء يتكون من أهداف واضحة وطرق الوصول إليها وقوة دافعة؛ رجاء الأنبياء يتجاوز المعطيات المادية، فهو رجاء مبني على اليقين بوعد الله؛ يعني أهدافهم واضحة، طرق الوصول إليها هي الطريق إلى الله، وهذه القوة الدافعة هي قوة الإيمان.

هذا يقين لا يتغير يجعل المؤمن يرى الفرج من وراء حجب الغيب قبل أن يراه بعينيه، ويحول اليأس إلى طاقة عمل وبناء. العبد الذي يمتلئ قلبه بالرجاء يتحول بلاؤه إلى معراج يرتقي به إلى الله سبحانه وتعالى، فلا تكسره الازمات بل تصقله وتزيده صلابة وقوة؛ لأنه يعلم يقيناً أن كل مر سيمر كما يقولون، وأن رحمة الله أوسع من كل ضيق وأعظم من كل هم. هذا الرجاء هو الزاد الذي لا ينفد، وهو الضياء الذي ينير ليالينا بل ينير أرواحنا المظلمه. من ملك مفاتيح الصبر الجميل واستطاع أن يبتسم وأن يجدد إيمانه بالله سبحانه وتعالى، لذا كان من توفيق الله للعبد إذا تعرض لمصيبه دنيويه، وإذا تعرض لحال جعلته منكسرا حتى لو كانت من أحوال الحزن الذي لا يفسر، الموفق يحول هذه الأحوال إلى انكسار بين يدي ربه، غالباً سيحصل فتوحاً لا تنتهي ويحصل مدداً لا ينقضي. لنجعل من ندائنا «يا أرحم الراحمين» موصلة لقلوبنا في كل ضيق، فمن أيقن بالرحمة لم يغرق في بحر اليأس أبدا.

الفائدة السابعة: في طيات البلاء خبايا من العطاء. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلَاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: 106]. الله سبحانه وتعالى يصف الابتلاء ابتلاء بالذبح بالوضوح والجلاء، بلاء مبين واضح. هذا يشير إلى أن الوصول إلى هذه المرتبة العلية السامية من التسليم لم يكن فجأة، بل كان تتويجاً لرحلة طويلة من الابتلاء المتدرج الذي صقل نفس الخليل عليه السلام حتى أضحى صبره نموذجاً يبهر العقول ويحير الألباب. لابد في تعاملنا مع أحوالنا النفسية أن نحول كل ضيق عابر أو كدر بسيط إلى تمرين عملي للقلب؛ ما نحزن من ثقل البلاء إذا كنا قد اعتدنا على هذه التدريبات، أو على الأقل نحزن دون أن يتجاوز هذا الحزن حده الطبيعي. فهذه من التدريبات والتمرينات والترويضات النفسية للإنسان بأن يأخذ هذه المواقف اليومية المزعجة في التفاصيل وفي اليوميات، أن يأخذها وكأنها أدوات تمرين إذا ابتلاه الله بابتلاء كبير فيكون قد درب نفسه.

الفائدة الثامنة في الفوائد النفسية: الاستسلام عجز والتسليم يقين. أحب أن تفهموا مني هذا الفرق؛ الفرق بين الاستسلام والتسليم. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: 42]، قال لأيوب عليه السلام. اقتران الفرج الإلهي بالسعي البشري؛ الله سبحانه وتعالى هو الذي كشف الضر عن أيوب وهو الذي أمره بالحركة والمبادرة، مما يدل على أن كمال اليقين لا ينافي بذل السبب بل يوجبه وجوباً. فهذا الفرق بين الاستسلام الذي يكون عجزاً تاماً، وبين التسليم الذي يكون رضا بأحوالك مع بذل الأسباب.

الوقفة النفسية الثامنة: المواساة دواء الجراح والرحمة طب الأرواح. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 43]. استجابة الله لنبيه أيوب عليه السلام لم تقتصر على شفاء بدنه فحسب، بل شملت ما يمكن أن نسميه بلغتنا ترميم الشبكة الاجتماعية، إعادة بناء المحيط الأسري. هذا يؤكد أن تمام العافية لا يكتمل إلا بوجود الأهل والسكن النفسي الذي يعين على نسيان مرارة الأيام.

البلاء وتجاوز آلام السنين بل إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ [الأنبياء: 84]. أن يوهب الإنسان أهلاً سماها الله في القرآن رحمة، تجد بعضنا اعتاد على الشكوى، إذا كان متزوجاً بدأ يتكلم عن الزواج وكأنه أمر ثقيل وبلاء، وكأن الطرف الآخر الذي يشاركه هذه المؤسسة الأسرية وكانه سبب بلائه، وإذا أته الذرية بدأ ينظر إليهم على أنهم محور الشقاء، مع أن الله سبحانه وتعالى سماهم هنا رحمة. فمن رحمة الله أن يرزق الإنسان بحياة اجتماعية وأن يعادله محيطه الأسري، خاصة بعد أن يفقدها أو بعد أن يحصل لها نوع من الاهتزاز.

الفائدة النفسية العاشرة: وضوح الغاية ينسي ألم البداية. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [ص: 43]، الله سبحانه وتعالى وصف البلاء والفرج اللاحق له بأنه ذكرى، مادة للتفكر والاستبصار، تحولت المعاناة من مجرد ألم عبثي إلى مدرسة إيمانية ومعنى يثبت العابدين. كل ما في هذا الكون يحثنا ويسوقنا سوقاً إلى العبودية، أدركنا ذلك أم لم ندرك.

هذه المعاني تجعل الإنسان إذا وقف أمام زلازل الابتلاء حائراً يتساءل بلسان حاله ومقاله: لماذا أنا؟ وما الغاية من هذا الألم وهذا الأنين الذي يمزق أحشائي؟ هنا تبرز هذه الوقفة النفسية التي ختمت بها لتجيب بأن الوجع لا يكسر الروح إلا إذا كان وجعك بلا معنى. أنت الذي فرغت وجعك من المعنى، فرغته من معاني العبودية، فرغته من معاني فهم الحياة وأن هذه طبيعة الدنيا وأن هذه أحوال البشر منذ خلقوا.

هذه المعاني تجعل الإنسان في نظر مختلف للابتلاءات النفسية؛ إذا نطق البلاء بلسان الحكمة جعل هذا الأنين ترنماً وجعل الصراخ تسبيحاً خفياً. هذه النفس البشرية تمتلك قدرة مذهلة على تحمل أعتى الظروف وأقصى الكروب، بشرط أن تجد سبباً يستحق البقاء وتجد معنى يسوغ هذا الصمود أمام الصواعق والعواصف العاتية. المعاناة في حقيقتها ليست عدواً لدوداً للإنسان، بل هي وعاء يصب فيه المرء قيمته وإيمانه. عندما ندرك هذا الأمر، لما نرى هذا الوعاء فارغاً فنعطش، السبب أننا قد فرغناها من معاني الإيمان والفهم، وحينما نجده عذباً رقراقاً فالسبب أننا وهبنا هذا الوعاء معنى وربطناه بعلاقتنا بالله سبحانه وتعالى.

والله إني حين أتأمل في الصبر الجميل الذي جسده أيوب عليه السلام أنظر إليه على أنه ليس كاستسلامات الناس الباردة للقدر، هذا استبصار حار بالمعنى الكامل في رحم الضر، كأنه يرى بل هو يرى الرحمة التي تلوح في الأفق، أن يرى العافية ويستشعر هذه المعاني الدافئة قبل أن يلمس الشفاء البدني جسده. لابد أن نبحث لأوجاعنا عن معنى ونربطها شئنا أم ابينا بالرضا بقضاء الله وقدره خيره وشره وحلوه ومره.

الإنسان الذي يعيش بدون أن يستحضر هذه المعاني سيغرق في شبر من الهم، أما الذي تسلح بمعاني الإيمان ومعاني فهم الحياة فانه يعبر محيطات الوجع دون أن يغرق بقدم ثابتة وقلب مطمئن، يدرك أن كل وخزة شوكة هي في ميزان العدل الإالهي رفع وتكفير. فعلينا أن نستمسك بحبل المعاني الإيمانية، فمن استمسك بحبل المعنى هان عليه وجع المبنى، وأشرقت في روحه أنوار الرضا التي لا تنطفئ أبداً.

القسم الثاني هو الوقفات التربوية وسنقف عشر وقفات كما اعتدنا. الوقف الأولى: قهر الابدان يورث تمرد الوجدان. إبرهيم عليه السلام قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]. إبراهيم عليه السلام نبي مأمور بوحي إلهي، ومع ذلك ما لجأ إلى الإكراه في تنفيذ الأمر، بل فتح باب الحوار مع ابنه ليشي في الأجر والامتثال. بعضنا تربوياً إذا كانت له سلطة على ابنه أو على أخيه الأصغر أو على طلابه أو على من عليهم من السلطة تجد أنه يقهر من أمامه حتى كأنه يقول لا تطعني، يريد أن يجعله متمرداً، بينما لو أنه حاوره في أحلك الظروف -لا أظن ظرفاً سيكون صعباً مثل هذا الظرف ومع ذلك يحاوره ويقول: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى- رأيتم كيف أن الحوار ليس ترفاً وليس أنه في أحوال اعتدال المزاج طبيعياً وبشرياً أن إبراهيم عليه السلام كان في كرب عظيم ومع ذلك ما تخلى عن الحوار؟

لابد أن نحاور في ضيقنا، نحاور في سعتنا، نحاور في كل الأحوال. ما يكون الأمر أنه هذا امر واسمع وإلا فأن عاق والدين أين البر وأين دينك، وخاصة إذا كان متديناً يحصل هناك ابتزاز: أهذا ما يأمرك به قرآنك، أهذه صحبة الصالحين، أهذا طلبك للعلم هذا تدينك؟ لا، هذه تضغط على من يستمع إلى هذه الأوامر وتجعله أقرب إلى التمرد من غيرها، وكما اعتاد البشر في كل أحوالهم بانهم يكونون أقرب إلى قول نعم إذا كانوا قادرين على قول لا. البشر يكونون أقرب إلى قول نعم إذا كانوا قادرين على قول لا، حينما تخيره وتحاوره غالباً سيميل إلى ما تريده.

الفائدة التربوية الثانية: صدق الوداد يظهر في وقت الاشتداد. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]. الله سبحانه وتعالى جعل الابتلاء مدخلاً لاختبار العهد، فما نال إبراهيم عليه السلام هذه الإمامة الكبيرة العظيمة إلا بعد أن أثبت صدق انتمائه بتمام الامتثال في مواطن الاختبار والامتحان. كلنا تحصل لنا ابتلاءات في أشياء نحبها، وغالب الأسئلة التي تكون اعتراضات على بعض تشريعات الإسلام لا تفهم هذا المعنى: لو لم يكن لك ميل، بل لو لم يكن لك ميل شديد إلى هذه الأمور التي نهيت عنها ما كان اسمه امتحان.

لا يوجد في الدنيا معلم -ولله المثل الأعلى أنا أضرب مثلاً ليقترب المعنى هنا- لا يوجد معلم يأتي للطلاب ويقول لهم الامتحان أن تكتب اسمك فقط، هذا ليس امتحاناً لأن الجميع لا يجد مشقة ولا يوجد فوارق وسيكون الجميع بإجابات صحيحة. فلما نقول مثلاً للفتاه أن الحجاب صعب وفيه مشقة لأجل هذا أمرت به حتى تحصلي درجات هذا الامتحان، وحينما نقول للرجل بأن غض البصر وأن النفقة وأن جميع ما أمر به أنه ابتلاء شديد لكن لأجل هذا صار ابتلاء وإلا ما سمي امتحاناً، فلا بد من ضريبة ولا بد من نوع من التكليف والمشقة والابتلاء حتى يظهر معدن الإنسان. بل إني أرى لما أتأمل أن الشريعة لو لم تخالف الطبيعة البشرية التي نستطيع أن نمتثل فيها لشككت، لأن هذا لا يميز الصالح من غير صالح. لو المشقه ساد الناس كلهم، الجود يفقر والإقدام قتال، وهكذا في العبادات أيضاً.

الفائدة التربوية الثالثة: أدب السؤال أرجى لتحصيل النوال. الله سبحانه وتعالى يقول على لسان أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. هنا كمال الأدب مع الله، حيث عرض نبي الله أيوب عليه السلام حاله بلفظ المس: «مسني» الذي يوحي باللطف رغم شدة البلاء. ومع هذا عبر بالمس وتوسل بصفة الرحمة المطلقة لله سبحانه وتعالى، تاركاً اختيار النتيجة وتفويض الأمر لله دون تعيين الطلب، دون أن يقول اشفيني بصراحة، فجاء الفرج من حيث لا يحتسب.

الفائدة الرابعة: بذل الاسباب لا ينافي صدق التوكل. ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: 42]. الفرج ما أتى بمجرد الانتظار الساكن، بل اقترن بأمر مباشر بالحركة وبذل السبب، فكان الشفاء ثمرة لامتزاج الأمرين: قبول الأمر ببذل السبب وقبول الأمر بالصبر والرضا. فأنت في الحالين حصلت أوامر الله وقبلت بها ونفذتها.

ونحن كلنا بشر يحصل لنا في أحوال انتظار الفرج محطة من الجمود، تشعر بأن الدنيا لا تسير وأن الوقت لا يمضي وأن الأمور لا تتحرك، لكن علينا أن نسعى قدر وسعنا ولو تثاقلت الخطوات، لأن هذا هو أمر الله سبحانه وتعالى وسيفتح الله الباب الكبير بالسبب باب اليسير. تدرك لاحقاً بأن الله يفتح الباب الكبير بالسبب اليسير، لكنه أراد منا صدق الامتثال لهذا الأمر ولو ثقل علينا.

الفائدة الخامسة: عطاء الكريم ينسي الألم العظيم. ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. عاقبة الصبر ليست مجرد نجاة من المحنة، بل ما تحصله ارتقاء يفوق تصورك. هذه السكين تحولت من أداة ذبح إلى سبب لتخليد ذكرى الفداء وتكريم الصابر. والله لو وقفنا متأملين أمام هذا المشهد المهيب حينما يلتقي استسلام المخلوق بكرم الخالق.

الله سبحانه وتعالى يبتلي ليهذب لا ليعذب، هذا هو الأصل: يبتلي عباده الصالحين ليهذب لا ليعذب، وحين أمر إبراهيم بذبح ابنه ما كان المراد إراقة الدماء، بل إراقة التعلق بغير الله من سويداء القلب. فلما صدق الخليل عليه السلام في صبره وجاد بفلذة كبده طاعة لربه، جاء العطاء من حيث لا يحتسب. الحمد لله هذا إعلان أبدي بأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، هذا التعويض الذي يملأ النفس دهشة والروح انشراحاً. حساباتنا البشرية قاصرة عن إدراك حدود الأسباب والمسببات، لكن كرم الله يتجاوز كل هذه السدود بحمده ومنه وكرمه.

الفائدة السابعة: البيت الممتحن اصلب من البيت المنعم. لما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ [الأنبياء: 84]، الله سبحانه وتعالى جعل استعاده الأسرة وجمع شملها هبة ربانية، مما يدل على أن تماسك الأسرة في اوقات المحن ثمرة غالية وجزاء عظيم بعد الصبر الطويل. لما تكون الأسرة ممتحنة يكافئها الله، يجازيها الله بأن تكون أسرة متماسكة وأن تعوض بالفتح والمدد وذهاب البلاء عنهم أجمعين.

الفائدة الثامنة: من البلاء ما هو عقوبة ومنه ما يكون رفعة للمنزلة. ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. فالله سبحانه وتعالى أثنى على عبده أيوب بلقب نعم العبد وهو في قمة بلائه، مما يقطع أن الضر الذي مسه لم يكن هواناً على الله ولا عقوبة لمظلمة، بل كان مضماراً لظهور كمال عبوديته وصبره.

الآن نسائل أنفسنا، لما تضيق بنا الدنيا ويظلم الأفق نسال دائماً: لماذا أنا يا رب؟ يعني ربطنا في أذهاننا بأن حصول البلاء واشتداد البلاء بأنه دال على عقوبة دائماً، مع أن الله سبحانه وتعالى ابتلى أيوب وفي أثناء البلاء قال: نعم العبد! فالبلاء قد ياتي لأنه نعم العبد، فهذا المعنى لابد أن يستحضر حتى لا نسال أسئلة توبق دنيانا وأخرانا.

الفائدة التاسعة: دلال النعيم يكسره أول جحيم. لما قال الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]، هذه الإمامة والسيادة والقيادة ما تنال إلا بعد اجتياز سلسلة طويلة من الاختبارات والابتلاءات التي أتمها إبراهيم عليه السلام، فكانت النتيجة: جاعلك، بصيغة الاستقبال والتحقيق التي تلت تمام التكليف، مما يبرهن على أن الاصطفاء ثمرة للجهد والتحمل.

أيها الكرام والكريمات، أن النفس البشرية تشبه المعادن النفيسة التي لا تزداد بريقاً وصلابة إلا إذا لامست لهيب النار. فلابد من شدائد، لابد من محن. أنظروا إلى سيرة الخليل إبراهيم عليه السلام، ألقي في النار، ابتداءً لا حصلت له بلاءات هناك تدرج حكيم: ابتلي بالقول والحجة والمناظرة مع أبيه وقومه، ثم ابتلي بالهجره وترك الأوطان، ثم ابتلي بالنار العظيمة، كلها صبر. هذا التدرج الرباني يدل على أن كل مصيبة كبرى أصبنا بها كان عندنا مقدمات، كان عندنا درجات لهذا البلاء لكن ما انتبهنا له. لو دربنا أنفسنا في تلك الدرجات وكان هناك مثل ما يقولون إرهاصات لهذا، وإلا فالبلاد الشديد ما ينزل فجأة، تحصل هناك ابتلاءات، فإذا دربنا أنفسنا على الصبر والرضا والاتزان حصل لنا ما نحب حينما تقع المصيبة الكبرى جنبنا الله وإياكم الفتن.

الفائدة العاشرة: من أحب شيئاً لغير الله عذب به. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106]. هنا إبراهيم عليه السلام أحب ابنه لله، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يقدم إبراهيم عليه السلام برهاناً بأن الله سبحانه وتعالى أحب من كل شيء، فأتى إلى أحب محبوب وابتلاه به. فكان الجزاء إذا نجح في الامتحان كان هذا البلاء تهذيباً، وإذا لم ينجح كان هذا البلاء تعذيباً. فكل ما سوى الله لابد أن نبتلى به، كل ما سوى الله لابد أن نبتلى به، سواء كان مباحاً أو غير مباح، سواء طغينا فيه أو لم نطغ, لابد أن نبتلى به.

القسم الثالث: الوقفات الاجتماعية. الوقفة الأولى: صاحب الرخاء يغيب في البلاء. لما تأملت في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ [الأنبياء: 84]، هذه الاستعادة والجمع بعد الشتات تشير إلى أن عودة الناس إليك إذا انفردت في البلاء أنها هبة ربانية. لا تكرر ذلك البيت الذي فيه صدق من جانب ما، لكن الانسان يتسامى عليه على أن هذا البيت مكسور من الجهة العروضية لكنه يتكرر في معانيه ولا أعلم له قائلاً. هذا البيت الذي يقولون: «من لم يزرنا والديار مخوفه»، وفيه كسر في شطره الثاني، وأيضا في معانيه ما لا يليق: أما نكون في بلاء أحياناً الله سبحانه وتعالى يجعلنا في تلك الوحشه وحينما يعودون تستشعر بأن هذه نعمة.

كلنا مررنا بهذا، لما يحصل للإنسان بلاء، سبحان الله ما كأنه عرف أحداً يوماً ما، وكان كل الناس قد نسوه. هذا يحصل مهما كانوا يقولون في وقت الرخاء بأننا لا نستغني عنك. لذا كان أشد الصدمات عند الانسان فيما ألاحظ -وهذا رأي بشري لا أجد برهاناً عليه غير التجارب- أشد الصدمات أن تعتقد أنك لا يستغنى عنك ثم يحصل لك ما يثبت بأن الناس تستطيع أن تعيش بدونك، وتستطيع بل أن تعيش أجمل حياة بدونك. هذا لابد أن يكون مستحضراً عندنا حتى لا نقع في الصدمات، لابد أن ندرب أنفسنا ونروضها على هذا.

الفائدة الاجتماعية الثانية: من لم يواسي المكروب في بلائه فليس من أهله ولا من أحبائه. لما قال: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ [الشعراء: 52]. هذا بلاء شديد دال على أنه نادى ربه في وحدته، ما حدث الناس عن ربه، ما كان حوله أحد، ما ذكرت في الآية الأصدقاء والأقارب. هذه العزلة الاجتماعية خانقة والله حينما.

تخلى عنه الجميع إلا زوجته، يظهر لي أن العزلة كانت أشد ألما من المرض ذاته. أنا أحيانا كنت أفكر: هل نحن نخاف الفقر، أو نخاف آثار الفقر من هواننا على الناس ومن عدم قدرتنا على شراء ما نحب؟ أو هل نحن نكره الألم والمرض، أو نكره آثار المرض ونتائجه من البعد عن الخلق وعدم القدرة على القيام والنشاط؟

وجدت أننا لا نكره هذه الأشياء إلا لنتائجها. سبحان الله، هذا يجعل الإنسان يفهم الابتلاءات فهما مختلفا. من الفوائد: ألم القريب أشد من جرح الغريب. لما قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83]، هو ما نسب طبعا الضر إلى الله سبحانه وتعالى، قال هكذا: مسني الضر، هكذا بعموم ما قال: لقد خانني الناس وتخلى عني الناس وأبعد عني الناس وذهب مالي. ولأن الإنسان يستشعر في حالة من حالاته بأن ما يهمه من هذه الأمور فعلا الناس، ناس من هو بعيد منك سيبقى بعيدا منك، يعني تستحضر في لحظة بأن ذلك التمازج الروحي والقرب من الناس أنه كان مزيفا وأنه فعلا لا يهمنا إذا ذهب الناس ما دام الإنسان محتفظا باسرته، لكن أيوب عليه السلام فقد أولاده، فلهذا كان ضرا، أما ذهاب الناس فكان أمرا أيسر من ذلك، بدليل أن يوسف عليه السلام حبس ومع هذا ما شكى هذه الشكوى.

الفائدة الرابعة: رحمة الله أوسع من ذنوب خلقه، ثم قال: ﴿وَرَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [ص: 43]. كل منحة إلهية مادية كانت أو معنوية فيها تجل لصفة الرحمة، رحمة الله سبحانه وتعالى. وهذا يجعل الإنسان ينظر للرحمة بعين أوسع، بعين مجتمعية؛ الرحمة ليست خلقا قلبيا خاصا، بل هناك مجتمعات رحيمة، ليس أفراد، مجتمعات رحيمة هكذا تستشعر أن هناك مجتمعات رحيمة وهناك مجتمعات قاسية مهما أبدى أصحابها اللطف. كان هناك مجتمعات رحيمة في كل تفاصيلها وإن لم يقل لك إنسان كلمة واحدة، لكنك تستشعر بالعيش معهم وبما يكون باتصالك بهم بأن هذه مجتمعات رحيمة.

الفائدة الخامسة: عزلة المكروب خلوة بالمحبوب، لما قال إراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]. أيها الكرام والكريمات، العزلة التي نقصدها ليست انطواء يائسا، بل هي بين الحين والاخر هي خلوة محارب، نعيد شحن طاقاتنا الإيمانية والنفسية حتى نستطيع أن نواجه ما يكون من تباين أحوال المجتمعات ومن قسوتها أحيانا بروح صلبة حتى لا نطحن تحت وطأة المجتمعات القاسية. لابد أن نجعل لأنفسنا أوقاتا ننقطع فيها، ولا بد أن نعود كل المجتمع الذي حولنا بأني قد أنقطع دون أن أبدي لك أسباب. ليس شرطا أنه كل انقطاع أو تأخر في الرد، ليس لكل الناس أنه اعتذر عن التأخر، لا تعود نفسك على هذا، يبني مجتمعا قاسيا لأنه يرفع استحقاق الناس من الناس من تستطيع أن تقول له هذا دون أن تأثر، لكن من الناس من لابد أن يفهم بأن من حقك وأنت تخالط هذا المجتمع من حقك أن تعتزل بالله سبحانه وتعالى. الذي يتأمل في أحوال المجتمعات يجد أن من عود نفسه هذا الخلق، أنه كمن يسقي دراكولا دما شرب منه، عطش أكثر! هذا الذي نصنعه أحيانا. عود من حولك بأن من حقي أن أعتزل وأنا أصنع الاعتزال دون أن أحتاج إلى ظهور بمظهر المعتذر أو المنكسر.

الفائدة الاجتماعية السادسة: من أرضى الله أرضى عنه الناس، وهذا ظاهر في قول إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4]. هذه حالة من حالات اعلان الاستقلال الفكري والوجداني في إعلان البراءة التامة من كل ما يحصل من مخالفة لديننا ومن ما ألفه الناس من سلطات موروثات اجتماعية وضغوطات منحرفة الهوية الإيمانية تعلو ولا يعلى عليها. فهذا هو الأصل في أحوال المجتمعات أن تقدم رضا الله على رضا مجتمعك.

الفائدة التي تليها، الفائدة السابعة: وفاء الحر لا يمحوه مر الزمان، وهكذا هي المجتمعات الرحيمة. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37]، فثناء الله سبحانه وتعالى على الخليل إبراهيم عليه السلام جعل الوفاء بالعهد ركيزة إيمانية واجتماعية لا تنفك عن التوحيد. ووصفه بالوفاء مطلقا: وفى، وفى بماذا؟ هذا الحذف يعطي مجالا للإنسان بان يتخيل ما شاء، وفى في كل شيء، يعني هذه من الاساليب البلاغية: في سورة الضحى ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 1-3] ما قال وما قلاك ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: 4]، فاحيانا لما ما يذكر متعلق الفعل يفتح المجال. ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَم يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: 1-6] أي آواك وآوى غيرك ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7] أي هداك وهدى غيرك. فهذه تعطي مجالا رحبا للتأمل والاستنباط في آيات الله سبحانه وتعالى. إبراهيم عليه السلام وفى مع أنه كان في مواقف صعبة وشديدة وشاقة، ولو كان الثمن الروح والولد فهو قد ابتلي فيهما، ومع ذلك ما تخلى عن وصفه بأنه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37].

الفائدة الثامنة، فائدة اجتماعية: توقير الكبير من أخلاقيات المجتمعات الأصيلة، لما قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42]. هنا ليست الفكرة في أنه رقق قلبه ليهتدي للتوحيد والإسلام لا، لكن هكذا اعتادت المجتمعات لما نخاطب كبار السن مهما بلغ الاختلاف، لكن هناك صيانة لهذه الشيبة مهما بلغ، يا عم فلان كذا وكذا وكذا. وقد كانت أمنا خديجة رضي الله عنها تقول عن ورقة: يا عم، وهو ليس عمها من جهة أنه أخ لأبيها، وإنما هذا التوقير المجتمعي لابد أن يكون حاضرا. نعود أبناءنا ومجتمعاتنا أن يكون هناك توقير في النداء، والتوقير في النداء هذا مهم في كل الأحوال، أن ينادى كل إنسان بما يناسبه، أن يصبح عندنا عادة بأن نقول: لو سمحت يا اختنا أو يا أستاذة وهي تقول يا أخ أو كذا، يعني هذه النداءات تصنع مجتمعات سوية، فلا بد أن تحضر هذه النداءات بحسب المقام. وأخشى ما أخشاه والله أن هذه المعاني بدأت بالتلاشي أو بالغياب، وإن شاء الله تعود، خاصة ما هو متعلق بكبار السن، وكاني أنظر إليه أنه رصيد سنصرفه غدا حين تشتعل رؤوسنا شيبا، ما نزرعه اليوم من أمن وتوقير سنحصده غدا برا واحسانا. وهذا الأدب الإبراهيمي المجتمعي في مجتمعه لابد أن نتخذ منه نبراسا يضيء لنا دروب التعامل مع من سبقونا بالفضل والزمان وإن اختلفنا معهم.

الفائدة التاسعة، طبعا هناك لفته حضرت في الذهب وانه لا يوجد مثل الإسلام. كل المجتمعات إذا زاد عمر الإنسان وخفت قواه وقلت قدرته على الانتاج الجسدي قلت قيمته، إلا في الإسلام؛ أن الله ليستحيي من ذي شيبه في الإسلام، وكبر كبر، وما ورد في هذه المعاني. أما في المجتمعات مثلا المادية المحضة، إذا بدأ الإنسان عند التقاعد تبدا تقل قيمته. انظر إلى نظرهم مثلا، لو اتى شاب في العشرين واتى رجل قد بلغ المشيب، أيهما سيكون أولى بالتوقير الوظيفي؟ تجد انهم في المجتمعات المادية يحرصون على الشباب لأنه سينتج ماديا، أما نحن المسلمين فننظر إلى معايير مختلفة غريبة عن هذه المجتمعات وهذا العالم القاسي.

الفائدة العاشرة: المغرس يثمر طيب الثمر. ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37]. إبراهيم عليه السلام اختار لذريته جوارا، حتى في بلائه اختار جوار بيت الله حتى تكون هذه البيئة حاضنة بديله عند شح الموارد المادية. لذا لا يعيب الإنسان أن يبحث في مسكنه عن بيئة تعينه على تربية أبنائه أو على الأقل لا تعيقه عن تربية أبنائه أو حتى عن إفساد نفسه.

الفائدة الحادية عشرة: شكر النعمة قيد لزوالها -أو لدوامها- لما قال الله سبحانه وتعالى شاكرا لأنعمه، لأنعمه ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: 121]. الشكر كان بوابة الاصطفاء الإلهي لإبراهيم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الشاكرين.

الوقفات البلاغية: أدب الخطاب، هذه الفائدة الأولى من الوقفات البلاغية: أدب الخطاب يعجل الجواب. لما قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83]، هو اختار كما سبق أن قلت لكم، المس بملامسه ظاهرية خفيفة مع أن البلاء كان عميقا وشديدا ومستحكما، لكن لما عرض البلاء بهذه الصفة المؤدبة اتاه الفرج. فأدب الخطاب يعجل الجواب.

الفائدة الثانية البلاغية: الثناء قبل الدعاء مفتاح الرجاء. لما قال: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، لابد أن نقدم ثناء بين يدي الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال على التصريح، نقدمه على التصريح بطلب الحاجة أعظاما للمسؤول سبحانه وتلطفا في السؤال، وسناخذ ان شاء الله في دروس الاستهداب باسماء الله الحسنى ما يعضد هذا المعنى إن شاء الله نظريا وعمليا.

الفائدة الثالثة: عطاء الله لا تحده اسباب البشر. لما قال: ﴿وَرَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [ص: 43]. هذه فائدة بلاغية تدل هذه الصيغة لما قال: ﴿وَرَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [ص: 43] على عظمه المصدر وشموليه العطاء الذي لا يحده حد، تجاوزت الرحمه شخص ايوب لتشمل كل من حوله من أهل ومن غيرهم، هذه طبيعة الجود الإلهي سبحانه، ما أكرمه سبحانه!

الفائدة الرابعة: صدق التسليم يهون العظيم. لما قال: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103]. انظروا هنا تاملوا معي: تله للجبين هو الآن كبه على وجهه، فهو لم يكن مسلما فقط بادنى درجات التسليم، كلمة تله داله على أنه سلم تسليما تاما مطلقا، فهان عليه وما نظر في عيني ابنه. فهذا الصدق في التسليم أيضا يكون له فوائد من جهة تهوين ما يقع عليه الإنسان. اضرب لكم مثلا: الإنسان لما يأتيه بلاء فيقول والله: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذا تسليم في ظاهره لكنه فعلا تجد أنه لما تتامل فيه فيه تهوين للبلاء العظيم، أنت تهونه تقول إن هذا من الله سبحانه وتعالى، لكن لما تستغرق دون تسليم تجد أن مع الوقت كلما مر البلاء تجد أنك تعاظمته جدا.

الفائدة الخامسة: فداء الله خير من عطاء خلقه. لما قال الله سبحانه وتعالى، هذه فائدة بلاغية قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. الله سبحانه وتعالى لم يكتفي برفع البلاء ومنع الذبح، يعني أمره بالذبح سيكون عظيما، أن يقول لا تذبحه ستكون فرحة عظيمة، لكن لا، الله سبحانه وتعالى ابدله بعطاء شريف ملموس تخليدا لهذه الذكرى، قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. الفداء هنا نجاه وأكثر، هو إعلان تكريم في مشهد البلاء.

الفائدة السادسة: لين القول يذيب قسوة القلب. وهذه فائدة بلاغية لما قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102]. هنا يظهر في النداء اللطيف قمة التلطف الأبوي في أصعب المواقف، وهذا ما منع إبراهيم عليه السلام من انتقاء اجمل الألفاظ. وهذا مهم، لما ناداه ببني لما عرف ذلك بالصلة، ما قال أيها الابن، قال بني أرى، هذا كانه استنزال للسكينة في قلب الغلام وإشعار بأننا سنشترك في البلاء معا، فسيقع عليك وسيقع علي بحكم أني ربطت نفسي بك بهذه الياء، يا بني، فهذه فائدة بلاغية.

الفائدة السابعة: اجتماع القلوب يهون الخطوب. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: 103] بالتثنية، هذا التوافق ارى فيه انسجاما روحيا بين المبتلى والمبتلى به، ويؤكد أن الانقياد ليس قهرا بل كان رضا واختيارا مشتركا، هما أسلما سبحان الله، هذا الذي لما اجتمعت القلوب على التسليم لأوامر الله هانت الخطوب.

الفائدة الثامنة: سعي اليقين يفتح أبواب التمكين. لما قال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: 42]. في هذه الآية تعبير بالركض، والركض هنا ليس هو الهرو المعروف، وإنما هو الضرب على الأرض بشدة. هذه دلالة على أنه لا يكن الانسان في سعيه فقط حتى يرفع عنه العتب وإنما يبذل الأسباب بكل ما فيه، اركض برجلك اركض برجلك. ومعلوم أنه في البلاء سبحان الله هذا الذي لاحظته ولا أدري إذا تتفقون أو تختلفون مع هذه الملحوظة التأملية: أن أول ما يقع البلاء على الانسان في قدميه، لذا يقال مثلا فلان ما تحمله قدمه لما اتاه خبر مباشره يسقط، فلما قال له: اركض برجلك هذا فيه سعي وسعي شديد إلى اليقين.

الفائدة التاسعة: برد الرضا يطفئ حر القضاء. لما قال: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: 42]. انظروا مغتسل بارد وشراب، كيف جمعت الطهارة الظاهرة وزكاة الباطن! الله سبحانه وتعالى جعل الشفاء في عنصر واحد، جعله في اغتسال يطهر الابدان وشراب يحيي الوجدان.

الفائدة العاشرة: ثناء الخالق يغني عن مدح المخلوق. ثم قال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. المدح الإلهي بصيغة نعم تفيد استغراق الممدوح لخصال الخير والكمال العبودي، نعم العبد في كل ما يتعلق بالعبودية هو نعم العبد، هذه فائدة بلاغية.

الوقفات الأخيرة، وهي وقفات فكرية ساذكرها لكم إن شاء الله سبحانه وتعالى دون أن أطيل.

الفائدة الأولى وهي عشر فوائد: لا بد أن نفكك وهم الحتمية البيئية. البيئة هل هي قدر أم اختيار؟ لما قال إبراهيم قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]. إبراهيم عليه السلام لم يسلم لهذه البيئة، لم ينظر أنها حتمية. بعضنا لما يشتكي يقول والله أنا نشات في بيت غير صالح، أو والله أنا في بلد لا يعينني على الطاعات. فنستشعر كأننا نعطي أنفسنا أسباب بأن البيئة هذه حتمية لا نستطيع تغييرها أو لا نستطيع التغير فيها، هذا وهم، هناك وهم اسمه الحتمية البيئية، يعني ننظر دائما على أن الإنسان مجرد نتاج حتمي لمحيطه. نعم المحيط مؤثر، لكن المؤمن يدافع.

الفائدة الثانية: من استمد قوته من الحق المبين لم ترهبه سطوه المتسلطين. لما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: 258]. إبراهيم عليه السلام وقف وهو أعزل أمام النمرود الذي يملك كل أدوات البطش، هذه تعالج إشكالية الحق في مواجهه القوة؛ نحن أقوياء بالحق لأن الحق قوي في ذاته ولو لم نكن بالقوة التي تظهر للناس.

لكن الحق في حد ذاته قوة. الفائدة الثالثة في الوقفات الفكرية: أن هناك فرقاً بين الاستسلام والمقاومة الداخلية. لما قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّبٌ﴾ [ص: 44]. عندنا خلل عميق في فهم الصبر، لما ينظر إليه على أنه حالة من الترك والسلبية والرضوخ للواقع، وأنه ليس بأيدينا شيء ونخدر أنفسنا.

قصة أيوب تصحح هذا المفهموم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّبٌ﴾، يعني هذا الصبر الذي كان فيه أيوب ليس صبر الاستسلام، بل كان عنده مقاومة داخلية، كان عنده صبر إيجابي جعله يحتفظ بتماسكه النفسي، ولما جاءه الأمر: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: 42] استطاع أن يلبيه. عندنا إشكال في فهم معاني الصبر فكرياً.

الفائدة التي تليها، الرابعة: إشكالية الألم والعدل الإلهي. لما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهْ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 43]. الابتلاء انتهى برحمة وذكرى، مما يؤكد أن المهم هي الغاية وليست الوسيلة؛ أنت وصلت إلى عبودية وإلى أجور عظيمة عبر وسيلة، هذه الوسيلة اسمها البلاء، لا تهم الوسيلة، المهم أننا وصلنا. هكذا ينظر المسلم، لكن تجد مثلاً الملحدين في أطروحاتهم سواء من كل طبقاتهم يعني هذه المعضلة التي تسمى معضلة الشر (The Problem of Evil)، هذه المشكلة أو معضلة الشر والألم، تجدهم يتساءلون: إذا كان الله محباً ورحيماً فلماذا يتألم الأخيار كأيوب وإبراهيم؟ القرآن يفكك هذه الإشكالية ليبين أن الحياة الدنيا ليست هي دار الجزاء النهائي، بل هي دار اختبار وتشكل، هذه دار صناعة الإنسان، فلا بد أن ننظر بهذه الطريقة.

الفائدة الخامسة: حين يبني الإنسان يقينه بعقله. كنت قد كتبت مرة في لحظة انكسار، كتبت في دفتر بقلم أزرق لا زلت أتذكره إلى الآن، كتبت: اليقين الموروث قشرة رقيقه، واليقين المبحوث جبل راسخ، وكنت أريد أن أصبر نفسي بهذا، أردت أن أفرق بين اليقين الموروث واليقين المبحوث. لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75]، وهو استخدم التأمل العقلي للوصول إلى اليقين. عقولنا ينبغي أن تهدينا إلى اليقين إذا صفت قلوبنا.

الفائدة السادسة من الفوائد الفكرية: اعمل كأن الأسباب كل شيء، وتوكل كأنها لا شيء. أعيد: اعمل كأن الأسباب كل شيء، وتوكل كأنها لا شيء. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103]، إبراهيم عليه السلام اتخذ كل أسباب التنفيذ، تل الجبين يريد ألا يتغير قلبه ألا يرق، يجعل هناك سبباً لعدم امتثاله، وأيضاً اتخذ الأسباب لرضى الله سبحانه وتعالى بالاستجابة لأوامره، فهذه مشكلة الأسباب والتوكل ينبغي أن نوازن بينها: اعمل كأن الأسباب كل شيء، وتوكل كأنها لا شيء.

الفائدة السابعة: المرأة في ميزان الوحي شريكة الابتلاء وصانعة البقاء. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهْ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: 43]، زوجة أيوب عليه السلام كانت كما قلت لكم، كما روي في ذلك بأنها صبرت ووقع لها من هذا ما وقع. سبحان الله هذا الأمر لا مثيل له عند الرجال، بل المشهد الأكثر تأثيراً في ذاكرة الرجال هو وجود امرأة تصبر على الضيق والسعة، تستحق أن إذا وسع الله عليه أن تكون شريكة ضيقه وسعته. هذا الذي حصل أن زوجة أيوب عليه السلام لما فتح له مال وأهل كانت شريكته، كما كانت شريكته في الضيق كانت شريكته في السعة والرخاء.

الفائدة التي تليها، الفائدة الثامنة: البطولة ليست في الخروج من المحنة بل في الحفاظ على طهاره القلب بعدها. لما قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء: 84]. أيوب عليه السلام استمر سلوكه في عبوديته وأوبته. بعض الناس إذا وسع عليه وخرج أراد أن يعوض، قال: أنا ما عشت حياتي، فأول ما ياتيه مال أو ياتيه جاه أو ياتيه ما ياتيه يبدأ مباشرة في التغير والابتعاد عن تدينه وعن عهده وعن قرآنه وعن الأسماء الحسنى. البطولة ليست في الخروج من البلاء، كل الناس يبتلى غالباً هو بلاء مؤقت ثم يحصل له الخروج، لكن الشأن كل الشأن بأحوالنا بعد البلاء، الشأن كل الشأن في أحوالنا بعد البلاء.

الفائدة التاسعة: طالب القوة يبحث عن الغلبة، وطالب الثبات يبحث عن الحق. قالوا: ﴿حَرِّقوهُ وانصُروا آلِهَتَكُم﴾ [الأنبياء: 68]. التحريق هنا كان أداة بيد الباطل، بينما الثبات كان بيد إبراهيم عليه السلام. هذا الزمان أصبح يقيس صحة المبادئ بالقوة والتمكين والنجاح على الأرض، لكن القرآن يعلمنا، وإبراهيم عليه السلام خير نموذج، أن التمكين الحقيقي ليس في أن تمتلك النار، وإنما التمكين الحقيقي في أن تثبت على النار، تثبت أن تمتلك الثبات الذي يجعلك لا تحترق بنارهم، فهنا فرق كبير لمن تامل وتبصر.

الفائدة الأخيرة، وقد أطلت عليكم الليلة من الفوائد الفكرية: من خاف من السؤال عاش في سجن الجهل، ومن سأل بأدب فتح الله له أبواب الفهم. لما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]. إبراهيم عليه السلام لما ابتلي في نفسه أراد مزيداً من البراهين ليحقق مزيداً من اليقين والاطمئنان، فالسؤال وطلب العلم يفتح للإنسان أبواباً من الخير أكثر مما كان يرجوه.

ونحن نلحظها في أنفسنا، نحن معاشر المتوسطين إدراكياً، المتوسطين في مستوى الذكاء، نجد أن الله يفتح أكثر مما نستحق، وأن الله يفهم أكثر مما نقدر، لذا كنت أقول مرة لمجموعة من الشباب وكنا في بداية درس عويص أذكر أنه كان في الصرف، فقلت لهم وأنا أتمنى لو كنت فاتح الكاميرا حتى أمثل لكم ماذا قلت لهم، لكن إن شاء الله ستفهمون بالتقريب والتمثيل.

قلت لهم بأنه لابد أن ندعو قبل أن نفهم حتى نفهمه، وقلت: نحن نفهم بهذه -وأشرت إلى يدي وأنا رافع يدي كصيغة الذي يريد أن يدعو- وليس بهذا -وأشرت إلى رأسي-. فنحن نفهم بهذه لا بهذا، نحن نفهم بهذه لا بهذا. فكل فتوحاتنا إن فتح الله علينا إنما هي بهذه لا بهذا. نحن مساكين مساكين نسال الله سؤالاً فيفتح الله لنا ما لا نستطيع أن نقدر قدره ولا أن نحيط به.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لمراضيه، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يفهمنا عنه، وأن يرزقنا صدق النظر وصدق التوجه إليه، وأن لا يغرنا بأنفسنا ولا يغرنا بعقولنا، وأن يجعل هذه العقول مدارج لليقين، وأن يجعلها أموراً ترفعنا إلى أن نصل إلى ما نحبه من الطمأنينة والسكينة يا رب العالمين.

يا حي يا قيوم، لا تغرنا بثثناء أحد. يا رب، يا رب، لا تغرنا بلمعة الدهشه التي تحصل لنا عند الفهم. يا حي يا قيوم، لا تجعلنا نحتقر غيرنا ممن لم يحصل من النعم ما حصلنا. أنا والله، والله شاهد على ما في قلبي، أني أرى وأوقن تمام اليقين بأن هذه المعاني التي يفتح الله بها في هذا الدرس إنما هي رزقكم، إنما هي رزقكم وليست مني، الإنسان قد يكون أداة لإيصال الرزق، إنما الله أراد أن يرزقكم بعض المعاني فجعل العبد الضعيف مجرد موصل لها، وإلا ما مني شيء، ولا فعلت شيئاً، ولا استطيع على شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا وأن يثبتنا، وأن يرزقنا عقولاً تتأمل في نعمه كما يحب، وأن يرزقنا إدراكاً لمكامن الأسرار التي ترفعنا في سلالم العبودية. جزاكم الله خيراً، أحسن الله إليكم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَإِن تُطِيعوهُ تَهدَوا﴾ [النور: 54].