دخولتسجيل الدخول

مسرح العقول 01 | توأمات القصص القرآني | بين يوسف وموسى كيف يصنع الاختبار الإنسان؟

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي رفع قدر العقل، وكرم الإنسان بالفهم والنظر، وجعل التفكر في آياته ومخلوقاته سبيلاً إلى معرفته والاهتداء بنوره، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي دعا إلى إعمال العقول في تدبر الحقائق، واستنطاق العبر من مشاهد الحياة وقصص الأولين.

أيها الكرام والكريمات، إن العقل نعمة جليلة وميزان دقيق، به تميز الأشياء وتدرك الغايات وتبصر مآلات الأمور. وقد حثنا الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله على إدامة النظر والتفكر، فقال جل شأنه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]. وجعل التفكر صفة لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض. نسأل الله العظيم أن يرزقنا حسن النظر وصواب التفكر، ونعوذ بالله سبحانه أن يفتننا بعقولنا أو يكلنا إليها طرفة عين، فانه لا حول لنا ولا قوة إلا به، ولا هداية إلا بنوره.

أما بعد، فقد قال أبو الفضل بن العميد يوماً ما عن كتب الجاحظ: إنها تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً. وتلك والله غاية شريفة ومرتقى صعب، نحن نرجو صادقين أن تكون هذه السلسلة المعنونة بمسرح العقل، الذي نسرح فيه عقولنا، مما يعلم العقل ويشحذ الفهم ويفتح بصائر للمتأملين. لم تنشأ فكرة هذه السلسلة من فراغ، بل هي ثمرة رحلة من القراءة والتأمل والتجربة الشخصية الممتدة.

وقد كنت في سالف أيامي أحرص على مجالسة بعض الشيوخ وبعض من امتد بهم العمر، لا طلباً لمزيد علم مستور عندهم، ولكن لأنهم عقلاء وحكماء ينتفع الإنسان من نظرهم الثاقب، وحسن تدبيرهم في الحياة، وفهمهم العميق لطبائع النفوس ومآلات الأمور. وعلى امتداد سنوات القراءة -على تقصير مني- لكنها كانت في مختلف المعارف والنصوص، كنت أقف عند مشاهد ومواقف معينة فاجد نفسي مدفوعاً لكتابة بعض التعليقات الذاتية الشخصية على هوامش الكتب والصفحات. كانت التعليقات في بدايتها محاوله لاستقاء المعاني واستخراج العبر التي يمكن أن انتفع بها وأستهدي بها في دروب الحياة. كنت أحياناً أحاور الكتاب والباحثين وأرد عليهم هكذا على هامش الكتاب.

مع مرور الأيام وتراكم تلك التقييدات على هوامش القراءات، وجدت أن كثيراً من هذه النصوص لا تقف منفردة، بل تتناجى وتتجاوب مع نصوص أخرى وكأن بينها توأمة خفية. أجد أن هناك معنى عند مفسر، ثم عند شارح لحديث، أو في بيت شعر مثلاً، أو في وصية حكيم، أو في موقف تاريخي يفسر ظاهرة نفسية. من هنا ولدت فكرة جمع هذه المتناثرات وضم المفرق على الهوامش في سلك واحد، ليكون مسرحاً للعقول تعرض فيه هذه التوأمات وتستنطق فيه النفوس من خمس زوايا. يعني كل نص جعلنا بينه وبين آخر توأم، سنستنطقه من خمس زوايا: زاوية نفسية وفيها عشر فوائد، وزاوية تربوية وفيها عشر فوائد، وزاوية اجتماعية وفيها عشر فوائد، وزاوية بلاغية وفيها عشر فوائد، وزاوية فكرية وفيها عشر فوائد.

هكذا ستكون طريقة الدروس حتى تكون الدروس رشيقة؛ لا أحب الدروس التي تكون ممتدة وفيها كثير من الثرثره والتشغيب والتشعيب، وإنما ننتقل من فكرة إلى أخرى، ومن فن إلى آخر، ومن علم إلى أخيه، وهكذا حتى لا تمل النفوس. وسترون إن شاء الله مع الدرس الأول ما الذي سيحصل، كما سبق أن أعلنت لكم بأن فكرة هذه الدروس التي ستكون في البداية: ثلاث توأمات من القرآن، وثلاث توأمات من الأحاديث، وثلاث توأمات من قصائد الشعر العربي، وثلاث توأمات من الوصايا. قد حاولت أن أجعل، خاصة في البعدين الاخيرين في الشعر، جعلت قديماً ومعاصراً، وجعلت في توأمات الوصايا جعلت مسلما وغير مسلم، حتى نستنطق مناحي الحكمة فيها.

درسنا الأول باذن الله سبحانه وتعالى سيكون بداية السلسلة، وسيكون دعوة للتفكر المشترك ومحاولة لقراءة ما وراء السطور، عسى أن نجد فيها سلوى للقلب، ونوراً للعقل، وهداية للروح. والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الملقي والمستمع، إنه سميع مجيب. الدرس الأول اسميته توأمة الاختبار، وجعلت التوأمة بين قصة يوسف عليه السلام وقصة موسى عليه السلام.

أيها الأخوه والأخوات الكرام والكريمات، نبدأ أولى رحلاتنا في مسرح العقول مع توأمة قرانية فريدة هي توأمة الاختبار. في هذه التوأمة نقف أمام نموذجارين من أنبيائه، يوسف وموسى عليهما السلام؛ كلاهما تعرض لاختبارات قاسية، وكلاهما ألقي في طفولته -يوسف ألقي في الجب عليه السلام، وموسى عليه السلام ألقي في اليم- وكلاهما تربى في قصر عدوه، وكلاهما واجه فتنة السلطة والنساء. لكل واحد منهما اختبار من وجه معين، بأدوات مختلفة تناسب طبيعته وطبيعة التحدي الذي مر به.

هدفنا من هذه السلسلة مع اختلاف أنواعها وأجناسها أن نتعلم العقل، أن ننزل هذه النصوص منزلة من يريد أن يدبر أموره وشؤونه ويواجه الحياة. لذا ستجدون أن كثيراً مما سيمر بكم ليس على شاكله الدروس العلمية المعتاده، وإنما هي أشبه بالخواطر والتجارب، دروس من حياة كيف نتعامل مع بعض المواقف وبعض ما يمر به الإنسان. في هذا الجو الذي نمر به، بإذن الله سبحانه وتعالى في البداية، سنقف مع مقطعين من مقاطع القصتين: مقطع فيه بعض قصه يوسف، ومقطع آخر يكون فيه بعض قصه موسى، ثم سنعود نبدأ بالوقفات النفسية ثم ننتقل إلى آخر شيء الوقفات الفكرية. استعن بالله يا شيخ براء.

بسم الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بها لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ * وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهُ عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [يوسف: 22-35].

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاستَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ۚ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ ۖ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٍ﴾ [القصص: 14-24].

أحسن الله إليك وطيب الله أنفاسك. بسم الله الرحمن الرحيم، سنعتاد على طريقة إن شاء الله ستكون في مسرح العقول؛ مجموع الهدايات والوقفات ستكون خمسين وقفة في كل درس إن شاء الله. وهذه السلسلة من الدروس انهيت كتابتها كاملة الآن، ليست مما يحضر كل درس قبله، وإنما الآن هي الحمد لله كاملة جاهزة، فأنا أعرف ما فيها في كل درس إن شاء الله. ستكون عندنا هذه الخمس فنون، خمس علوم: الوقفات النفسية، التربوية، الفكرية، البلاغية وغيرها.

هذه التوأمة بين قصة يوسف وقصة موسى عليهما السلام سنتناولها من جوانب عدة. الجانب الأول هو في الوقفات النفسية، وسيكون عندنا عشر وقفات.

الوقفه الأولى: تجدون تلحظون في القصتين في السورتين هناك ما يسمى بصدمة الانتقال المفاجئ، وهذه حتى فيها أبحاث نفسية لو أراد أحد أن يطلع عليها سيجدها مثلاً يجد بحوثاً في الصدمة والتشريد وصدمة الانتقال المفاجئ. تخيلوا معي لو أن طفلاً صغيراً مدللاً في حضن أبيه يعيش في أمان وطمانينة، فجأة وبدون مقدمات ينتزع من هذا الدفء ويلقى في بئر مظلمة موحشة؛ هذا هو يوسف عليه السلام. وتخيلوا رضيعاً ينتزع من حضن أمه ليوضع في تابوت يلقى في أمواج النهر العاتية؛ هذا هو موسى عليه السلام. في الطبيعة البشرية تجد أن الانتقال المفاجئ والقسري من بيئة آمنة إلى بيئة مجهولة يصنف على أنه من أقوى مسببات الصدمة النفسية. هذا الانتقال يكسر الشعور الأساسي بالأمان ويزرع الخوف من المجهول. لكن سبحان الله في الميزان الإلهي هذه الصدمة التي قد تحطم إنساناً عادياً كانت بالضبط هي بداية بناء المناعة النفسية العميقة. الله سبحانه وتعالى بهذه الأحداث صنع منهم رجالاً قادرين؛ أما موسى فمواجهة فرعون، وفي حالة يوسف أصبح قادراً على إدارة أزمة مجاعة طاحنة.

في عالم نفس اسمه بونانو يتكلم عن أن بعض الأفراد إذا تعرضوا إلى صدمة نفسية واحدة أن هذا الأمر قد يكسره، لكن إذا تعرض لصدمات شديدة بعض الأفراد لا يصابون باضطراب ما بعد الصدمة بل يطورون ما يسميه هو النمو بعد الصدمة، حيث يصبحون أكثر حكمه وأكثر قدره على التعاطف مع الآخرين وأكثر صلابة. هذا التتابع في الصدمات قد يكون خيراً، لأنه يهيئ الإنسان مع شدة البلاء بأن هذا التتابع جعل الإنسان يستطيع أن يتكيف نفسياً مع فكرة البلاءات وصنعت منه إنساناً أقوى. هذا انتقال مفاجئ ومؤلم، لكنه يصنع الفارق بين إنسان هش وإنسان صلب لا تكسره العواصف.

الوقفة الثانية، وهي الوقفة النفسية الثانية في مسألة قلق الترقب والخوف البشري. موسى عليه السلام يخرج من مصر خائفا يترقب، يلتفت يميناً ويساراً يتوقع أن يلحق به جنود فرعون في أي لحظة، ويوسف عليه السلام في السجن ينتظر الفرج الذي يبدو بعيداً، خاصة بعد أن نسي الساقي أن يذكره عند الملك. هذا القلق والخوف ليس نقصاً في الإيمان، أرجوكم دعونا نصحح هذه المفاهيم الخاطئة. الخوف استجابة بشرية طبيعية جداً، الدماغ البشري معتاد عبر اللوزة الدماغية لاستشعار الخطر وإطلاق إشارات الخوف لحماية الإنسان. المشكلة ليس في أن نخاف، المشكلة هي كيف نتصرف عندما نخاف؟ موسى عليه السلام خاف، خرج منها خائفا يترقب، لكن ماذا فعل؟ قال: ﴿رَبِّ نَجِنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]. وجه خوفه نحو اللجوء إلى الله سبحانه القوي سبحانه. هذا الخوف والقلق واضطرابات النفس العارضة تصبح مرضية عندما تشل الحركة، تجعل الإنسان يفقد الأمل، لكن على الجانب الآخر تصبح دافعاً إيجابياً عندما تدفع الإنسان للعمل والدعاء والانتقال من حال إلى حال والنظر ومحاسبة النفس. الإيمان لا يمحو الخوف، وإنما يهذبه ويوجهه.

الوقفة النفسية الثالثة هي مسألة العزلة الإجبارية ودورها في كونها أداة ثقل. السجن ليوسف عليه السلام وصحراء مدين لموسى عليه السلام، تجد هناك مقاربة لطيفة. كلاهما عاش عزلة إجبارية قاسية. تجد في عالمنا اليوم المليء بالضجيج والمليات المستمره، نحن نهرب من العزله نخشى أن نجلس مع أنفسنا لدقائق دون هاتف ذكي. لكن العزلة الإجبارية، سواء كانت سجناً مادياً أو سجناً من الظروف كمرض أو فقدان وظيفه أو أياً يكن، تجبر الإنسان على مواجهه ذاته الحقيقية. في العزلة تسقط الأقنعة، تتوقف عن محاولة إرضاء الآخرين لأنهم غير موجودين، نبدأ حينها في ترتيب أفكارنا، مراجعة أولوياتنا، تعميق صلتنا بخالقنا. العزلة تشبه الفرن الذي يصهر معادننا النفيسة لتتخلص من الشوائب. يوسف عليه السلام خرج من السجن حكيماً عليماً قادراً على إدارة دولة، وموسى عليه السلام خرج من مدين مستعداً لتلقي الوحي ومواجهة أعتى طغاة الأرض. لذا المفترض أن لا نخشى فترات العزلة في حياتنا، قد تكون هي فترة الاعداد لمرحلة التمكين.

رابعاً من الوقفات النفسية: التكيف مع البيئة المعادية. لنتأمل هذه المفارقة العجيبة: موسى عليه السلام يتربى في قصر فرعون عدوه اللدود الذي يذبح أبناء قومه، ويوسف عليه السلام يتربى في بيت العزيز حيث تحاك ضده المؤامرات وتدبر بر له.

المكائد من أقرب الناس إليه، أقصد إلى العزيز؛ امرأة العزيز كلاهما نشأ في بيئة معادية تماماً لقيمهما ومبادئهما. القدرة على التكيف دون فقدان الهوية هي من أعلى درجات النضج النفسي. كيف نستطيع أن نعيش في بيئة فاسدة دون أن نتلوث؟ كيف نعمل تحت إدارة ظالمة دون أن نصبح ظالمين؟ هذا يتطلب صلابة داخلية ووضوحاً في الرؤيا.

يوسف عليه السلام لم يتبنى قيم نسوة المدينة، وموسى عليه السلام لم يتأثر بطغيان فرعون. التكيف لا يعني الذوبان، بل يعني القدرة على البقاء والعمل والتأثير الإيجابي رغم قسوة المحيط. وهذا مفيد حينما يضطر الإنسان مثلاً إلى العيش في بيئات لا تلائم رتبته الإيمانية ولا تلائم مبادئه؛ سواء كان في المحيط الصغير في الأسرة أو كان مغترباً في بلدان غير المسلمين. عليه أن يفرق بين مسألة التكيف التي تحصل، والذوبان الذي نرجو أن لا يقع مسلم فيه.

الخامس من الوقفات النفسية: أثر الدعم العاطفي الخفيف في الأزمات. أم موسى عليه السلام تلقي وليدها في النهر. تخيلوا معي حجم الألم والانكسار؛ قلبها يكاد يقف، ماذا يقول القرآن هنا؟ ﴿وَأَصْفَحَ فَؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَّ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10]. ربطنا على قلبها؛ هذا اللطف الإلهي الخفي، هذا رباط عاطفي يعمل كمسكن قوي للآلام النفسية العميقة في أوقات الأزمات الكبرى. عندما نفقد كل أسباب النجاة المادية، يأتي هذا اللطف الخفي ليمنحنا قوة لمواصلة الطريق. قد لا يتغير الواقع الخارجي فوراً، الطفل لا يزال في النهر، لكن التغيير يحدث في الداخل؛ القلب أصبح مربوطاً ومطمئناً.

هذا الدعم النفسي، سواء كان من لطف إلهي أو جعله الله على هيئة بشر يثبتوننا يسخرهم الله لنا، هو حبل النجاة في عواصف الحياة. مهما بلغ الإنسان من صلابته فهو محتاج إليها، محتاج إلى من يعطيه الكلمة، إلى من يثبته، يحتاج إلى من يعطيه هذه الجرعات من اللطف الخفي.

الوقفة السادسة: الصمود النفسي في مواجهه الظلم المتكرر. أيها الكرام الكريمات، يوسف عليه السلام لم يتعرض لظلم واحد، بل لسلسلة من الظلم المتراكم؛ الحسد من إخوته، والالقاء في الجب، والبيع كعبد، والسجن بتهمه كاذبة. كل مرحلة كانت كفيلة لتحطيم إنسان عادي، لكنه في كل مرة كان يقوم من جديد؛ هذا ما يسمى بالصمود النفسي المتراكم. وقد وقفت على بعض الدراسات التي نشرت في عام 2019 أن الأفراد الذين يتعرضون لصدمات متعدده ويتجاوزونها يطورون قدرة استثنائية على التكيف تفوق من لم يتعرضوا لأي صدمة. الألم المتكرر الذي يتجاوزه الإنسان يبني درعاً نفسياً لا يبنيها الرخاء.

سابعاً: ظاهرة الهوية الثابتة في مواجهة تغير الأدوار. أيها الكرام الكريمات، يوسف عليه السلام كان مستعبداً ثم سجيناً ثم وزيراً. وموسى عليه السلام كان رضيعاً في بيت فرعون ثم فاراً في الصحراء ثم نبياً مرسلاً. هذا تغير جذري في الأدوار، لكن الهوية الجوهرية لكل منهما بقيت ثابتة؛ التوحيد والأمانة والعدل وما في قلوبهم من التقوى. الإنسان عنده هوية ظرفية تتغير بتغير الظروف، وعنده أيضاً هوية جوهرية تبقى ثابتة. الأزمات الكبرى تكشف أيهما يسود في شخصية الإنسان؛ من كانت هويته الجوهرية راسخة لن تزعزعه التقلبات.

الوقفة النفسية الثامنة: أثر الشاهد العادل على الذات في لحظات الاتهام. أيها الكرام والكريمات، حين اتهم يوسف عليه السلام بالفاحشة لم يصب بانهيار نفسي ولم يفقد ثقته بربه، قال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ [يوسف: 51]. وحين اتهم موسى بالقتل لم ينكر الواقعة، بل اعترف وطلب المغفرة: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: 16]. هذا الشاهد العادل على الذات هي القدرة على رؤية النفس دون مبالغة في الدفاع أو الاتهام، وهذا الأمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة الإنسان النفسي ونضجه وقدرته على التعافي من الأزمات. بعض الناس يضطرب ويُبالغ ويصبح في حال غير سوية.

الوقفة التاسعة: الأثر النفسي للوعد الإلهي في تجاوز الأزمات. أيها الكرام والكريمات، يوسف عليه السلام كان يحمل في قلبه رؤيا الشمس والقمر والكواكب. وموسى عليه السلام كان يحمل وعد الله لأمه: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]. هذا الوعد الإلهي لم يكن مجرد أمل، بل كان مرساة نفسية تمنع الانجراف في تيار اليأس. لابد للإنسان أن يكون له هدف أعلى، أن ينغمس في اللحظة الحاضره إذا أراد أن يتجاوز الآلام، أن يكون عنده بعد يتعالى على الوقت الحاضر. لابد كما يقولون: من يملك لماذا يستطيع أن يتحمل أي كيف. هكذا يقال؛ الوعد الإلهي بالنصر للمؤمنين وبأن العاقبة للمتقين هي أعلى درجات هذا المعنى.

المعنى العاشر والأخير في الوقفات النفسية: التحرر من فخ المقارنة والرضا بالمسار الخاص. أيها الكرام والكريمات، لم يقل يوسف عليه السلام يوماً: لماذا أنا في السجن وإخوتي أحرار؟ ولم يقل موسى عليه السلام: لماذا أنا أفر وفرعون يتنعم بالحكم والقصر؟ كل منهما كان منشغلاً بمساره الخاص، لا مقارنة ولا نظر ولا اعتراض ولا تمرد. هناك دراسة نشرتها جامعة هارفارد في 2021 أثبتت أن ثمانية وسبعين بالمئة من حالات الاكتئاب المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي تنشأ من فخ المقارنة، أي مقارنة حياتنا بحياة الآخرين. الإنسان الذي يملك وضوح المسار لا يقع في هذا الفخ، لأنه يعلم أن لكل إنسان طريقه الخاص ورزقه الخاص وزمنه الخاص، ولكل إنسان بلاؤه الخاص.

هذا ما كان من الوقفات النفسية، ندلف الآن في الوقفات التربوية. الوقفة الأولى: التربية بالاحداث لا بالتلقين المجرد. أيها الكرام والكريمات، الله سبحانه وتعالى رب العالمين يربي عباده. كيف ربى يوسف عليه السلام؟ موسى عليه السلام؟ لم ينزل عليهما صحفاً ومواعظ مجردة ليقراها في غرف مغلقة، لا. التربية الحقيقية كانت في الميدان؛ الجب، البئر، السجن، التيه، صحراء مدين، هذه هي المدارس التي تخرج منها الأنبياء. نحن اليوم نخطئ عندما نظن أن تربيتنا لنفسنا أو لمن حولنا تقتصر على التلقين والمحاضرات والنصائح المباشرة. التربية الفعالة هي التي تضع المتربي في مواقف حقيقية، تدعه يواجه تحديات، يخطئ، يتعلم، يتألم، ينضج.

ما ألحظه الآن أننا نقع فيما يسمى بالحماية الزائدة، نمارسها مع أبنائنا، مع طلابنا، مع أحبابنا. نقتل فيهم القدرة على مواجهة الحياة، لندعهم يواجهون الجب أحياناً، لندعهم يواجهون بعض البحار الصغيرة، لندعهم يواجهون هكذا، هذا هذه هي التحديات ليتعلموا كيف ينجون. هذه حماية مبالغ فيها ولا تصلح في تربية الإنسان.

الوقفة التربوية الثانية: التدرج في التمكين وتحمل المسؤولية. الله سبحانه وتعالى لم يعط يوسف عليه السلام مفاتيح خزائن الأرض بمجرد خروجه من الجب، ولم يكلف موسى عليه السلام بالرساله وهو شاب في قصر فرعون. هناك تدرج، هناك سنة إلهية؛ يوسف عليه السلام مر بتجربة العبودية ثم الخدمة في بيت العزيز ثم السجن ثم تأويل الرؤى ثم الوزارة، هكذا. وموسى عليه السلام مر بالتربية في القصر ثم الخروج خائفاً ثم العمل كأجير في مدين لعشر سنوات ثم الرسالة. التدرج يصنع نضج الشخصية، والذي يقفز إلى القمة فجأة دون المرور بمحطات الاعداد غالباً ما يسقط سقوطاً مدوياً، لأنه لا يملك الجذور العميقة التي تثبته.

في تربيتنا لطلابنا، لأحبابنا، لأبنائنا، أو حتى في بناء مساراتنا المهنية، يجب أن نحترم سنة التدرج، لا نتعجل الثمار قبل نضجها. حتى في طلبنا للعلم، حتى في سلوكنا في مدارج العبادة، لا يقفز الإنسان قفزات قد تمنحه سقوطاً لا يقوم بعده.

الوقفة الثالثة، وهي وقفة تربوية: إدارة الانفعالات في لحظات الازمه. موسى عليه السلام في شبابه رأى رجلاً من قومه يقاتل رجلاً من الآخرين، غضب موسى ووكز فقضى عليه؛ كان انفعالاً سريعاً لكنه في المقابل لم ينسه. يوسف عليه السلام عندما اتهمه إخوته بالسرقة وهم أمامه لا يعرفونه، قالوا: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]، ماذا فعل؟ ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۖ قَالَ أَنتُم شَرًّا مَّكَانًا﴾ [يوسف: 77]. التربية الحقيقية لأنفسنا ولمن حولنا هي التي تهذب الانفعالات؛ الغضب طاقة إذا لم تدر بحكمه قد تدمر صاحبها وتدمر قضيته. يوسف عليه السلام أدار انفعاله بحكمة بالغة لتحقيق هدف أكبر، وموسى عليه السلام تعلم من درسه الأول وأصبح لاحقاً قادراً على مواجهة فرعون بكل هدوء وثبات.

الوقفة الرابعة: الثقة بالوعد الإلهي رغم تناقض المعطيات. أم موسى عليه السلام تؤمر بإلقاء طفلها الرضيع في النهر، والمعطيات المادية تقول هذا موت محقق، لكن الوعد الإلهي يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]. ماذا فعلت؟ ألقت به. هذه قمة التربية الإيمانية؛ أن تثق بوعد الله أكثر مما تثق بما تراه عيناك. في حياتنا قد تبدو المعطيات كلها ضدنا؛ الأبواب مغلقة، ظروف قاسية، وهنا يبرز دور التربية على اليقين. اليقين ليس معناه أن نتجاهل الواقع، بل أن نؤمن أن الله سبحانه وتعالى خالق الواقع وهو قادر على تغييره في لحظة.

الوقفة التربوية الخامسة: استثمار المهارات المتاحة في أوقات الأزمات. يوسف عليه السلام في السجن لم يندب حظه، بل استثمر ما يملك؛ ما هي مهاراته؟ علمه بتاويل الرؤى وأخلاقه العالية: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]. وموسى عليه السلام في مدين وهو طريد غريب استثمر قوته وأمانته في سقي الماء للفتاتين. التربية الناجحة تعلم الإنسان كيف يوظف ما يملك لتجاوز ما يفتقد. لا نركز على الأواب المغلقة، بل نفتح ونبحث في مهاراتنا، في علمنا، في أخلاقنا، هذه هي أدوات النجاة في الأزمات لنستثمرها، لا نستهين بها مهما بدت الظروف قاهرة. ندع التذمر المبالغ فيه، وندع هذه المظلوميات التي تكبل الإنسان عن العمل. أنا أحسن شيئاً إذاً ساجعل من هذا الشيء فرصة لأن أتخلص من ظرفي الحالي وانتهينا.

سادساً: التكيف مع فقدان الهوية الخارجية. يوسف عليه السلام كريم ابن كريم ابن كريم ابن كريم، لكن هذه الهوية مرت بقدر من الظروف وأصبح في نظر المجتمع مجرد عبد يَباع ويُشترى. وموسى عليه السلام فقد هويته بصفته أميراً في قصر فرعون، تربى في قصر فرعون وأصبح طريداً غريباً في مدين. فقدان الهوية والتعريف في النفس، مثل أن يفقد الإنسان مثلاً وظيفته المرموقة أو مكانته الاجتماعية، هذه من أشد الأزمات التي تؤدي إلى الاكتئاب وفقدان المعنى.

لكن لاحظت شيئاً؛ يوسف عليه السلام لم يتصرف كعبد ذليل، بل احتفظ بنبل أخلاقه وعزة نفسه حتى وهو في السجن، لأنه يدرك أن قيمته مستمدة من صلته بالله وليس من تصنيف المجتمع له. وموسى عليه السلام لم يمنعه كونه طريداً من ممارسه شهامته ورجولته وسقي الماء للفتاتين. هذا معنى جميل؛ مهما بلغت بك الظروف، مهما صنفك المجتمع، عليك أن تعرف أنت نفسك؛ عندما تسلب منك هويتك الخارجية يجب أن تتكئ على هويتك الداخلية التي لا يستطيع أحد سلبها منك.

سابعاً: الصدمة الخفية في الخذلان العاطفي. الجب لما نتأمل فيه لم يكن مجرد حفرة مظلمه، بل كان تجسيداً لخذلان ذوي القربى. أن يلقيك إخوتك في البئر جرح عاطفي أعمق بكثير من أذى الأهل. هذا النوع من الصدمات يترك ندوباً في القدرة على الثقة بالاخرين. كيف تعافى يوسف عليه السلام من هذه الصدمة؟ هناك قدر من التسامح العظيم أو السماحة التي جبل عليها الأنبياء: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92]. السماحة هنا لم تكن ضعفاً، بل كانت تحرراً نفسياً من أسر المرارة. الإنسان الذي لا يغفر خذلان الماضي يبقى سجيناً في جب الكراهية طوال عمره. يوسف عليه السلام خرج من جب إخوته مادياً، ثم خرج منه نفسياً بالعفو عنهم. هذه قمة الحرية؛ ألا تستأسرك هذه الأحقاد والضغائن، وأن تبقى أسير موقف واحد طوال عمرك.

ثامناً: نقرا دائماً عما يسمى متلازمة الناجي. متلازمة الناجي والشعور بالذنب؛ موسى عليه السلام نجى من الذبح بينما قتل آلاف الأطفال من بني إسرائيل. هذا الموقف يخلق عادة مختلفة نفسياً، هذه التي يسمونها متلازمة الناجي؛ يشعر الناجي بذنب غير مبرر لأنه عاش بينما هلك الآخرون. هذا الشعور إذا لم يوجه بشكل صحيح قد يدمر الإنسان، وهذا نجده في بعض المناطق التي مرت بظروف أو حروب أو زلازل، من فقد جزءاً من عائلته تجد عنده هذا الشعور. لكن موسى عليه السلام حول هذا الشعور إلى مسؤولية؛ أدرك أن نجاته لم تكن عبثاً، بل كانت تكليفاً إلهياً لإنقاذ بقية قومه. عندما تنجو من حادث أو يبقيك الله ويكتب بالفناء على أهلك مثلاً، تدرك أن هذه مسؤولية؛ أنك ستدعو لهم، ستتصدق عنهم، وستبقى موصولاً بذكرهم، ستبقى متذكراً لكل ما ينفعهم. هذه مسؤولية، نحاول أن نحول هذه النجاة إلى دافع لما ينفع الناس، لا أن يكون شعوراً بالذنب مجرداً.

تاسعاً: المرونة الإدراكية في قراءة الأحداث. يعقوب عليه السلام رغم الحزن الشديد على يوسف لم يفقد الأمل، لم يكن يائساً: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]. وموسى عليه السلام لما واجه البحر قال بكل ثقة بالله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشسراء: 62]. هذه المرونة الإدراكية تجعل الإنسان قادراً على رؤية الحدث من زوايا متعددة. لا نستسلم للرؤية الكارثية الأحادية؛ المؤمن يمتلك مرونة لأنه يضيف دائماً عنده في معادلة، هناك متغير حاسم في معادلة الحياة عنده، هذا المتغير اسمه اللطف الإلهي، هذا المتغير يمنع العقل من الانغلاق ويرجح أي معادلة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا هذا اللطف.

الوقفة العاشرة: أثر البيئة الحاضنة في التعافي من الصدمات. أم موسى عليه السلام ربط الله على قلبها، ويوسف عليه السلام وجد دعماً غير مباشر في السجن لما أحترمه السجناء، قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]. بعض الصدمات يتعافى منها الإنسان بوجود بيئة حاضنة تساعد على تجاوز الصدمات والتعافي. الإنسان لا يمكن أن يتجاوز أزماته الكبرى وهو في عزلة تامة عن الدعم الاجتماعي، إذا لم نكن نحن المصابين بهذه الصدمة لنكن نحن.

البيئة الحاضنة لمن يمرون بأزمات، مهما تظاهروا بالجلد ومهما تظاهروا بأنهم مستغنون عنا، لكن الناس في ضعف شديد والناس مساكين، كلنا مساكين نحتاج إلى الكلمة ونحتاج إلى الأنس ونحتاج إلى الدعم.

هذه عشر وقفات تربوية، الآن ندخل إلى الوقفات الاجتماعية. الوقفة الأولى: تأثير البيئة الفاسدة على الصالحين ومقاومة الانجراف؛ أيها الكرام والكريمات، تأملوا بيئة يوسف عليه السلام في قصر العزيز، مجتمع طبقي مترف تغيب فيه القيم الأخلاقية الصارمة، وتبرر فيه الخيانة الزوجية بسهولة. في المقابل، بيئة موسى عليه السلام في مصر، مجتمع منقسم بحدة بين سادة طغوا هم آل فرعون وبين عبيد مستضعفين هم بنو إسرائيل. في كلا المجتمعين كان الفساد هو القاعدة والصلاح هو الاستثناء، كيف استطاع يوسف عليه السلام وموسى عليه السلام الحفاظ على هذه البوصلة الأخلاقية في محيط يجذب بقوة نحو الانحراف والاستسلام؟

هنا نجد أن يوسف عليه السلام قاوم هذا الانجراف الأخلاقي بمعاذ الله، وموسى عليه السلام قاوم هذا الانجراف برفض الظلم والانحياز للمستضعفين. الصالح الحقيقي هو شخص لا يعيش في صومعة معزولة بل يخوض غمار المجتمع الفاسد دون أن يذوب فيه، بل يسعى لتغيير ما يستطيعه أو يعتزل حين لا يملك تغييراً.

الفائدة الاجتماعية الثانية، الوقفة الاجتماعية الثانية: الحسد وأثره في هدم الأسر والمجتمعات. الدرس القاسي في قصة يوسف عليه السلام أن الخطر الأول لم يأت من الأعداء الخارجيين بل من أقرب الناس إليه، إخوته؛ إذ قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 8-9]. الحسد هنا ما كان مجرد شعور داخلي، بل تحول إلى جريمة مكتملة الأركان. الحسد داخل أسرة أو حتى دوائر العمل أشد فتتكاً من عداوة الغرباء، لأنه يأتي من مأمن ويضرب في العمق. كم من بيوت هدمت وكم من شراكات نقضت بسبب هذا الحسد الذي لم يهذب، مقارنات مستمره لا تنتهي، الحسد يعمي البصيرة يجعل الإخوة يرون في قتل أخيهم حلاً لمشكلة عاطفية. علاج الحسد دائماً يبدأ بالرضا بالقسمة الإلهية والادراك بأن نعم الله موزعة بحكمة لا ندركها في كل حال.

المعنى الاجتماعي، الوقفة الاجتماعية الثالثة: دور المرأة المركزي في صناعة الأحداث وتوجيه التاريخ. في قصة موسى عليه السلام النساء لسن مجرد هوامش أو شخصيات ثانوية، بل هن محركات رئيسة للأحداث؛ أم موسى ألقت طفلها في النهر بشجاعة وإيمان، أخت موسى تتبعت أثره بذكاء وحكمه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، امرأة فرعون آسيا التقطته واحبته وقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: 9]، وابنة شعيب في مدين تميزت بالحياء والفراسة قالت إحداهما: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. وفي قصة يوسف نرى دور امرأة العزيز المحوري في محنة السجن ثم في تبرئته لاحقاً: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: 51].

هذا الحضور النسائي المكثف المؤثر يؤكد أن النساء عليهن دور أكثر من محاولة الاستخفاف وجعل الأمور تسير نحو القشوريات والتفاهات وهذه الأمور. التاريخ كما رأينا صنع بشجاعة الأمهات وحكمه الأخوات وفراسة الزوجات في البيوت، بل إن من المأثور الموجود عندنا اجتماعياً أن الرجل يسمي المرأة، سواء كانت زوجته أو أمه، إذا كانت تنبهه إلى مكارم الأخلاق وإلى ما ينبغي، تسمى المفطنات؛ هي التي تفطن زوجها أو ابنها أو أياً يكن، تفطنه إلى ما يكون فيه خير: لا فلان لا بد أن تزوره، فلان ظلمته، فلان حقه كذا، مفطنات. فهذا عامل مهم.

رابعاً: خطورة الطبقية والاستعباد على كرامة الإنسان. مجتمع فرعون مجتمع في قدر من التعصب والاستعباد والقهر: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4]. هذا الاستضعاف ما كان استضعافاً جسدياً فقط بالعمل الشاق والذبح، بل كان حتى استضعافاً نفسياً وعقلياً. المستعبد يفقد القدرة على التفكير الحر، ويصبح سبحان الله هكذا كأنه مبرمج على الطاعة والخوف. رسالة موسى لم تكن رسالة في جانب معين، بل انظر إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: 134]. التحرير هنا بدأ بتحرير العقول من الخوف، بناء شعور الكرامة الداخلية قبل كسر القيود الخارجية.

خامساً: أهمية السمعة والنزاهة للمصلح الاجتماعي، هذا رأس ماله. يوسف عليه السلام يرفض الخروج من السجن رغم طول مدة اعتقاله حتى تبرأ ساحته علناً ورسمياً: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: 50]. ما قبل العفو المجاني لأنه يدرك أن المصلح الاجتماعي لا يمكنه أن يقود مجتمعاً أو أن يدير أزمة اقتصادية طاحنة مثل سنوات القحط، لا يمكن أن يديرها وسمعته ملطخة بمثل هذه التهمة الأخلاقية. سمعة الإنسان بحق هي رأس ماله الحقيقي. أي شخص يتصدر للشان العام لا تكفيه فيه مسألة الكفاءة وحدها، فيوسف عليه السلام كان حفيظاً عليماً ما في أي شك بهذا، لكن لابد أن يبرئ الإنسان نفسه إذا كان مظلوماً. الثقة المجتمعية تبنى ببطء بل ببطء شديد، لكنها تهدم في لحظة، وهذا سر إشكالها.

الوقفة السادسة: وهي وقفة لطيفة في مسألة التربية على مهارات التأويل وقراءة المآلات. يوسف عليه السلام ما كان مجرد مفسر أحلام في المنام فقط، بل كان يمتلك مهارة تأويل الأحاديث وقراءة مآلات الأمور في اليقظة. انظروا عندما راى بوادر سنوات القحط ما اكتفى بالتشخيص هنا، بل وضع لهم خطة للانقاذ: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ [يوسف: 47]. نحن بحاجة إلى أن نعتق من اللحظات الحادرة ونفكر لما هو أبعد، ونقرا مآلات أفعالنا ومواقفنا وتصرفاتنا وخطواتنا. علينا حتى أن نتوقع الازمات المستقبلية؛ أزمات مالية، أزمات اجتماعية، أياً يكن، نستعد لها قبل وقوعها.

سابعاً: التربية على المسؤولية الاجتماعية في الغربة. موسى عليه السلام في مدين كان غريباً خائفا فقيراً، المنطق المادي الذي نعيشه يقول: انشغل بنفسك ولا تتدخل في شؤون الآخرين. لكنه عندما رأى فتاتين تذودان لم يستطع إلا أن يتدخل فسقى لهما. هذه التربية على المبادرة والمسؤولية الاجتماعية من المروءات. المروءة أن تتوقف عندما تسافر أو تغترب أو تمر بضائقه، نحن ننظر إلى الأخلاق أنها ليست طرفاً نمارسه في اوقات الرخا فقط، بل هي التزام ايماني مبدئي في كل الظروف، وهذا الذي حصل لموسى عليه السلام.

ثامناً: إدارة الصراع بين الإخوة. أحياناً بعض الأمور ما نستطيع أن ننهيها تماماً أو نجتثها من جذورها، لكن نحاول إدارتها. قصة يوسف عليه السلام تقدم أعظم درس تربوي في إدارة الغيرة بين الإخوة. يعقوب عليه السلام ادرك بحكمته خطورة هذه الغيرة فقال: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: 5]. كلنا يدرك التفاوت بين إخواننا وأبنائنا وطلابنا ونتجنب إثارة الغيرة بينهم بالمقارنات أو التفضيل العلني غير المبرر. لابد أن ندرك الضعف البشري في من حولنا. العدل ليس فقط في العطايا المادية، بل حتى في الاهتمام العاطفي والمدح. لابد أن ندرك بأن إظهار تميز أحد الابناء أو الطلاب امام الآخرين ويكون هذا باستمرار وبصورة ظاهرة هو زراعة لبذور الجبن داخل المحضن أو داخل الأسرة.

تاسعاً: التربية على فقه الاستثناءات والضرورات. نجد أن يوسف عليه السلام قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: 55]. يعني هذا الموقف ليس هو الأصل، فالملك لم يكن مسلما،ً لكن المصلح قد يضطر للعمل ضمن منظومة ما تتفق تماماً مع مبادئه. وأنا لا أحب تربية المحميات هذه أن نتصور بأن الكون كله مجموعة من الأخيار، لابد أن يكون هناك قدر من المواجهة وقدر من معرفة أننا ما نستطيع أن نكون بهذه السذاجة وأن يكون جميع الناس أحبابنا، لابد أن نواجه من الأشرار ولابد أن نواجه أناساً أصنافاً مختلفين في الحياة.

الفائدة العاشرة في الوقفات الاجتماعية: التوازن بين القوة والأمانة. ابنة شعيب عليه السلام لخصت معايير التوظيف الناجح في كلمتين، قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. والتربية المعاصرة للأسف تركز على القوة، تركز على الشهادات مهارات تقنية اللباقة، هذه الأشياء التي لا تخفى علينا، وتتجاهل الركن الثاني وهو الأمانة: الصدق، النزاهة، مراقبة الله سبحانه وتعالى. القوة بدون أمانة تصنع طغاة وفاسدين حتى لو كانوا متألقين، والأمانة بدون قوة تصنع دراويش عاجزين عن التأثير. نريد أن نتوازن، نجمع بين الكفاءة المهنية ونزاهتها الأخلاقية الإيمانية.

الوقفات البلاغية؛ وهي عشر، سناخذها بحقها إن شاء الله. الوقفة الأولى: انظروا إلى التعبير الدقيق في عن الخوف الداخلي في قصة موسى عليه السلام حين القى السحرة حبالهم وعصيهم، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 67]. تاملوا كلمة أوجس، الإيجاس هو الشعور الخفي الذي يتسرب إلى الداخل بصمت، كأنه نبض خفيف في القلب لا يراه أحد من الخارج. القرآن هنا يصور الخوف كأنه شيء محسوس يلامس النفس من الداخل، رغم أن موسى في الظاهر كان واقفا بثبات أمام الجموع، لكن هذه الدقة البلاغية تضعنا مباشرة في قلب التجربة النفسية لموسى عليه السلام.

ثانياً من الوقفات البلاغية: دقة الوصف في قصة يوسف وشدة الإحكام في مشهد المراودة، يقول تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23]. لم يقل أغلقت بل غلقت هكذا بالتشديد والتضعيف. هذا التشديد يفيد المبالغة في الإغلاق والإحكام الشديد وتعدد الابواب، لقد سدت كل منافذ الهرب المادية وصنعت حالة من حالات الحصار الكامل الذي لا فكاك منه. هذا الوصف البلاغي يزيد من عظمة موقف يوسف عليه السلام، فكلما اشتد الحصار كانت النجاه أشد دلالة على قوة الإيمان واللجوء إلى الله.

ثالثاً من الوقفات البلاغية: هذا التقابل المدهش في مشاهد الإلقاء والماء. من أروع ما يمكن أن يمر بالخاطر بلاغياً في هذه التوأمة مسألة التقابل بين مشاهد الإلقاء؛ يوسف عليه السلام ألقي في الجب، بئر عميقة مظلمة ليموت، لكن هذا الجب كان طريقاً للحياة والتمكين لأنه التقط سريعاً إلى القصر مباشرة. وموسى ألقي في اليم هذا النهر المتلاطم ليحيى وينجو من ذبح فرعون، هذا اليم قاده مباشرة إلى قصر عدوه ليعيش في حمايته. الماء في قصة موسى أداة نجاة في البداية، اللي هو النهر هذا الماء الأول، وأداة هلاك لفرعون في النهاية البحر. والحفره التي هي الجب في قصة يوسف كانت مكان الموت المحتمل، لكنها أصبحت محطة الانطلاق نحو المجد. هذا التقابل يؤكد أن الأسباب المادية تفقد تأثيرها الطبيعي عندما يكون هناك لطف الله سبحانه وتعالى.

رابعاً: الإيجاز المعجز في وصف تغيير مجرى التاريخ. حين وقف موسى وقومه أمام البحر والعدو من خلفهم، كانت المعطيات المادية تشير إلى الهلاك المحتم، قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشسراء: 61]. لكن انظروا إلى الإيجاز المعجز في الوصف الإلهي للنجاة: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. ثم يصف الطريق، كلمات قليلة ومكثفة تصف معجزة هائلة غيرت مجرى التاريخ وشقت بحراً متلاطماً ليصبح طريقاً يابساً في لحظات. هناك إيجاز تجاوز لفكرة التفاصيل، المهم النتيجة في النهاية.

خامساً من الوقفات البلاغية: انظروا إلى الاستفهام التقريري وتوظيفه للاستعلاء حين واجه موسى فرعون بالرساله. غالباً الاستفهام أتكلم عن الحالة البشرية، الاستفهام يعني يكون التماسا لمعرفة من الآخرين، لكن عندما يتحول الاستفهام إلى استعلاء انظروا موسى لما وجه بالرساله كيف كان رد فرعون؟ لم يناقش الأدلة بل استخدم أسلوباً بلاغياً يعتمد على المن والاستعلاء، قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: 18]. هذا الاستفهام غرضه تذكير موسى بفضله عليه ومحاولة لتحطيم الموقف النفسي بإشعاره بعقدة النقص والجميل الذي في عنقه. هذا الاعتماد واستدعاء الماضي لكسر الحاضر، لكن موسى رد عليه بحجة أقوى كشفت هذا الزيف وهذا الفضل المزعوم المبني على استعباد أمة كاملة.

سادساً من الوقفات: استغلال النفوذ في بيئات العمل. ننظر إلى امرأة العزيز وكيف استثمرت ما يكون من أدوات السلطة بين يديها، ما كانت مجرد امرأة عاشقة بل كانت صاحبة نفوذ وسلطة، استخدمت هذا النفوذ للايقاع بشاب غريب يعمل تحت أمرتها. هذا المشهد بكل ما فيه من تفاصيل لفظية: راودته، هيت لك، هذه الأشياء يبين أن محاولة الإيقاع يعني إذا كانت ممن يمتلك سلطة يتطلب ردة فعل حاسمة، معاذ الله، مهما بلغت سلطة من أمامك إذا حاول استغلال النفوذ لهذه المسائل في بيئات العمل أو غيرها، لا بد أن يكون الموقف والرد صارماً.

أيضاً هنا دور الشائعات في تدمير السمعة وتوجيه الرأي العام. نسوة المدينة تداولن الشائعة: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: 30]. الشائعة هنا لا نظن أنها كانت بحثاً عن فضيلة وإنما كانت نوعاً مما يمكن أن تسمى بالنميمة المجتمعية ومحاولة لاسقاط امرأة العزيز من عليائها. المجتمعات تتغذى على الشائعات وتتبع العورات غالباً هذه مجتمعات هشة. كيف واجهت امرأة العزيز هذه الشائعة؟ دبرت مكيدة علنية لتوريطهن معها، هذا يثبت أن الفساد عندما يواجه بالشائعات فقط فإنه يتمدد ويصبح أكثر وقاحة.

ثامناً: صناعة الأزمات المفتعلة للسيطرة على الجماهير. ننظر إلى فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54]. الاستخفاف هنا تسطيح العقول الجماهيرية، إشغالهم بالتوافه أو بهذا الخطاب الشعبوي الذي يحاول أن يحرك العواطف فقط أو حتى أن يخوفهم من أعداء وهميين: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26]. بعض الناس يعتمد على صناعة الازمات وبث الخوف لتسويغ خطابه. الوعي المجتمعي هو السلاح الوحيد لكسر هذه الحلقة، لذا نجد أن موسى فند هذه الادعاءات عليه السلام أمام الملأ.

تاسعاً: الطبقة الصامطة وأثرها في استمرار الظلم. في قصة يوسف كان العزيز يعلم ببراءة يوسف: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: 29]، لكنه آثر الصمت للحفاظ على سمعة بيته. وفي قصة موسى كان هناك الكثير من قومه يعلمون بظلم فرعون لكنهم صمتوا خوفاً. هذه الطبقة الصامطة تمنح بعض الأمور شرعية الاستمرار. المجتمع الذي يصمت عن المظالم خوفاً أو طمعاً هو مجتمع يشارك في الجريمه، بعض المجتمعات ولا يكاد يسلم.

مجتمع حينما يجد مثلا رجلا يستضعف امرأة، ما تجد نفس الحماسة في الدفاع عنها، فقط خشية أن يققال بأن من يتعرض لمظالم النساء بأنه وافق النسوية مثلا فيسcout، وهذا مشارك في هذه المظلمة؛ لأنه لا يجوز السكوت عن ظلم تحت أي مسوغ كان. هذا خذلان، قل والله أنا لو ذكرت أن فلانة تعنف أو أن حالات التعنيف زائدة أو أنه أو أنه لو نشرنا هذا لاصبح هناك مستمسك للنسويات. يا أخي هذه الأمور لا تعامل بهذا الميزان، هناك ظالم ومظلوم، انصر المظلوم ضد الظالم أيا يكن جنسه أيا يكون موقفك منه.

عاشرا: الاندماج الاجتماعي للمغتربين واللاجئين، المجتمعات الجميلة السوية. انظروا، انظروا معي قبل هذا، موسى عليه السلام في مدين كان غريبا، ما استغلوه بل استضافوه وزوجوه ووفروا له عملا: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هاتَيْنِ﴾ [القصص: 27]. هذا النموذج راقي والله، ادماج اجتماعي لكل من كان مغتربا، لكل من كان يشعر بوحشة. انظروا إلى أحوالنا حينما ندخل مجلسا لا نعرف فيه أحدا، كيف يتأثر الإنسان باستقباله من قبل شخص قد يكون هو الذي بادر بهذا الإدماج، أما المجتمعات التي تمارس هذه العنصرية ففوق المأثم الذي يحصل فإنها أيضا تخسر طاقات، تخلق بعض التوترات الموجوده في مجتمعها.

آخر ما نمر به الوقفات الفكرية، سنأخذها عشرا إن شاء الله، الأولى وستكون طريقتنا كالتالي في الوقفات الفكرية: بأننا سنتأمل فيما لو كان يوسف عليه السلام أو موسى عليه السلام في زماننا. لا أقصد بأشخاصهم، وإنما أقصد ما نمر به من أحوال مشابهة. فنقول أيها الكرام والكريمات دعونا نسقط هذه التوأمة على واقعنا، يوسف زماننا ليس بالضرورة شابا في قصر، بل قد يكون أي شاب أو شابة اليوم يواجه اغراءات متمثله في شهوات مفتوحة عبر شاشات الهواتف أو المناصب والأموال التي تعرض بشرط التنازل عن المبادئ والقيم. كيف نقول معاذ الله في عصر الانفتاح المطلق؟ المحنة اليوم ليست محنة فقر أو قهر بقدر ما هي محنة تمكين ووفرة، الفتنة في الرخاء والخيارات المفتوحة أشد من الفتنة في الشدة، هذا رأيي. يوسف زماننا يحتاج إلى استحضار الرقابة الذاتية العميقة: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: 23]، ليدرك أن الخيانة سواء كانت لله أو لخلقه أو للأمانة التي كلف بها لا تثمر نجاحا حقيقيا: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23].

الوقفة الثانية: الخروج الشجاع من منطقة الراحة. موسى عليه السلام كان يعيش في قصر فرعون، يأكل من أطايب طعامه ويلبس من فاخر ثيابه، كان في قمة منطقة الراحة كما يسمونها، لكنه اختار أن ينحاز للمستضعفين المظلومين وأن يدفع ثمنها هذا الانحياز طردا وتشردا في الصحراء. كم من شاب من بيننا، موسى زماننا، هل هو مستعد إلى أن يترك منطقة راحته إذا كانت تخالف مبادئه أو تخالف دينه أو معتقده؟ وهل هو مستعد لأن يضحي ببعض الامتيازات التي توفرت له مقابل أن يستمر في أمور لا يرضي الله سبحانه وتعالى؟ هنا ننظر ونوازن بين ما نحن عليه وما يجب أن نكون عليه.

الثالثة هي قاعدة في ميزان الحياة: حسن السيرة مقدم على حسن الصورة. في قصة يوسف عليه السلام، جمال يوسف وحسن صورته كان نافعا له في البدايه حيث جعله مقربا من بيت العزيز، لكن هذا الجمال نفسه ما كان كافيا لحمايته من كيد امرأة العزيز في السجن، لكن حسن سيرته اخرجه من السجن. فحسن صورته أدخله السجن وحسن سيرته أخرجه من السجن. نحن اليوم نربي أنفسنا وغيرنا على الاهتمام بالنظافة الشخصية وعلى مقدار من إظهار النعم دون استعراض، وعلى الاهتمام بالنفس وعلى ما يكون من التحديث بالنعمة، لكن لا يجعلها الإنسان طاغية على تربيته لنفسه ومن حوله على حسن السيرة، وأن فعلا ما يبقى مع الانسان هو علاقته مع الله وعلاقته مع الآخرين وما يمكن أن يكون من نجاته.

الوقفة الرابعة في الوقفات الفكرية: البناء من نقطتنا ورفض التباكي. يوسف عليه السلام وهو في قعر السجن المظلم لم يجلس ليبكي على حظه العاثر، لم يقل لو أن إخوتي لم يلقوني في الجب، لو أن أبي كان معي، ما تباك على الماضي، بل يبني من النقطة التي هو فيها. أمر وحصل شيء وانتهى، استثمر علمه ودعا السجينين إلى التوحيد: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]. هذه القاعدة، البناء من نقطتنا، مهمة جدا، لا نتباكى على الفرص الضائعة أو الظروف العائلية السيئة أو الأخطاء الماضية، هذه الأمور لا تصنع مستقبلا بل تستنزف طاقة الحاضر. البناء الحقيقي يبدأ من حيث أنت الآن وبما تملك في يدك الآن مهما كان قليلًا أو مهبطا.

الوقفة الخامسة في الوقفات الفكرية: أن لا نغتر بالادعاءات. فرعون ادعى الألوهية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. هذا مجرد توصيف خارجي ادعاه لنفسه وفرضه بقوة السلاح والبطش، لكن هل كان هذا الوصف له تحقق فعلي في الواقع؟ لا، ما كان يملك من خصائص الربوبية شيئا، بمجرد أن أدركه الغرق سقط هذا التوصيف الزائف وصرخ: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90]. في زماننا هذا، كم من الأفكار والننماذج البشرية لها بريق وتوصيف خارجي ضخم، هم يضخمون أنفسهم ويصنعون لهم بعض الدعايات بصورة ظاهرة أو بصورة غير ظاهرة، لكن هذا ليس له أي عمق حقيقي، هي أشبه بالفقاعات التي تنفخ بالأعلام بالوهم باستثمار بعض المواقف بركوب بعض الأساليب. العاقل هو من يبحث عن الأمور الباقية، لا تغتر بالتوصيفات الخارجية الزائفه.

سادسا: التواضع صدق كلي. يوسف عليه السلام ما ادعى العصمة لنفسه، وموسى عليه السلام ما أنكر أنه وكز الرجل فقضى عليه. الإنسان حينما يتواضع، ليست أشياء عابرة وليست أشياء زائده، نحن دائما نسأل نقول كيف نحقق صدق النوايا؟ لماذا يصيبنا الرياء؟ أترون لماذا يصيبنا الرياء؟ دعونا نفكك المسألة، الرياء هو كذب النوايا. الآن إذا الإنسان يراقب الصدق في أحواله فلا يدعي منزلة ليست له، ويراقب الصدق في أقواله فلا يخالف الواقع بما يخبر. حينما يصدق في أحواله وأقواله، يكون من ثمرات ذلك أنه يصدق في نيته وفي قصده، فالاخلاص ثمره. أما أن يكون الإنسان مدعيا متضخما منتفشا ويكون كاذبا في لسانه ثم يقول أنا لماذا لا أرزق بالإخلاص؟ لأن الصدق قيمة كُلِّيَّة، أنت تريد أن تكون صادقا في نيتك عليك أن تكون صادقا في لسانك، عليك أن تكون صادقا في حالك مع الله ومع خلقه، ما لا تعرفه قل لا أعرف، ما لا تعرفه قل لا أعرف هكذا صدق الحال. أنت لست في مسرح لتقدم للناس عروضا لتعجبهم، من الناس حتى تفقد دينك لأجل أن يرضوا.

سابعا من الوقفات الفكرية في مسألة في غيابت الجب. سبحان الله التعبير كبير: بغيابت الجب وليس في قعر الجب. الغيابت هو الموضع الذي يغيب فيه الشيء عن الأنقاض. أنا استشعر بتذوقي للكلمة أنها تحمل جرعة من الرعب النفسي العظيم الذي كان يمر به يوسف عليه السلام، ومع هذا ما عزف على وتر المظلومية وسؤال الشر وكيف يعاقب طفل وكيف ألقي مع أني ما صنعت لهم شيئا وهكذا، ما جعل الأمر فكرية ولماذا قدر الله علي هذا، وإنما أنا عبد لله إن أبتلاني صبرت وإن أعطاني شكرت وانتهى الموضوع. بعضنا صوته مرتفع كثيرا حال الشكوى، ما كان الله هو الذي أوجده وهو الذي قدر عليه كل شيء وهو الذي أنعم عليه؟ لكن سبحان الله ما أكثر جحودنا مع هذا الخوف في غيابت الجب، وهذه الكلمه التي تحمل جرعة، والله هائله من الرعب النفسي، تصوير دقيق لما مر به يوسف عليه السلام، ومع ذلك ما حولها إلى حالة من حالات التذمر والتشكي بل والاعتراض على أقدار الله، ولماذا الله يعاقب طفلا صغيرا ما صنع شيئا ليس مكلفا؟ وإنما وإنما هذه الأسئله لا تدور هكذا في أذهان الناس إلا لمشكل حقيقي.

من الفوائد هنا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26]. هذا الجناس الناقص جمع بين ينهون يعني يمنعون غيرهم، ويناون يبتعدون بأنفسهم، فيها كمية من الرفض الذي حصل، رفض ذاتي ومنع للآخرين. في قصة موسى عليه السلام، ومع هذا ما حصل لموسى عليه السلام من ما يكون في ظاهر أحواله خلاف ما يتمناه الإنسان من موهبة بأنه كان فيه تلعثم، ما جعل موسى عليه السلام هذا الأمر معيقا له عن تبليغ رسالته أو عذرا له، والله أنا يعني صراحه كيف كيف لي أن أوقف خطيبا مع فرعون وأنا أتلعثم؟ سبحان الله، ومع ما تعرض له فوق هذه، ما حصل مع هذا فهو قد أدى الرسالة.

أيضا من الفوائد الفكرية قال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ [القصص: 20]. الآية التي تليها مباشرة: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]. هنا ما ذكر القرآن كيف ودع أهله، ولا كيف حزم أمتعته، ولا كيف كانت لحظات الوداع أو كذا. الإنسان إذا حصل له مصلحة معينة أو مفسدة عليه أن يعالج الأمر سريعا، ما يقف عنده كثيرا، عرضت للإنسان شبهة، عرضت للإنسان شهوة، ينطلق سريعا، ما يكون عنده وقوف دائم فيها، عليه أن يكون منتقلا إلى المرحلة الأخرى. بعض الناس يقع في شبهة وحلها معرفيا يسير، لكن قلبيا هذا هو الاشكال، فتقابله فينثر هذه الشبهه فتجيبه، تلقاه بعد عام لا زال في نفس الشبهة، ما زال لم يبرح ما هو فيه من سجن هذه الحالة التي مفترض أن ينتقل منها الإنسان إلى الآخر.

الفائدة الأخيرة وفي الفائدة العاشرة في مسألة الفوائد الفكرية في مسألة قطعن أيديهن، طبعا كما لا يخفى عليكم فيها مبالغة وفيها كناية عن شدة الذهول والصدمة، لكن الذي حصل هنا أن القرآن جعل هذا الألم الجسدي تقطيع اليد قد تلاشى أمام سطوة الانبهار البصري لما رأوا يوسف عليه السلام، هذا يجعل الانبهار البصري في زماننا المفتوح مشكلة حقيقية، لا نتهاون بمسألة أن هذه المشاهد التي تمر أمامنا والتي يصعب على الإنسان أن يغض بصره تماما لا نستخف بها، هذه تؤثر في أفکارنا وتؤثر في إيماننا وتؤثر في يقيننا، وهي هي سبب ما نمر به من ابتلاءات، وهي هي سبب ما نمر به من ضعف، وهي هي سبب ما نمر به من هشاشة. سطوة الانبهار البصري سواء كان بعالم الأشخاص أو عالم الأشياء، الإنسان لا يستخف به ولا يقول والله هذا الأمر الكل ينظر ولا يحس بالعقوبة، لا، على الإنسان أن يكون يقظا، على الإنسان أن يكون بعيدا عن الغفلة، على الإنسان أن يكون في كل تفصيلة صغيرة تحرفه عن البوصلة يدرك أنه انحراف يسير مع انحراف يسير وانحراف يسير يجد نفسه بعيدا عن الطريق، وفي كل مرة هو انحرف يسيرا يسيرا يسيرا حتى وصل إلى النقطه الأخيرة التي هي بعيدة عن هدفه.

بهذا نختم، ختم الله لنا ولكم بخير، درسنا لهذا الاسبوع وهنا عهد للأسبوع، إن أذنتم، نريد أن نطبق فكرة المرونه الإدراكية، أزمة مررنا بها، نريد أن نرى الجانب الذي لطف الله بنا فيه، ما هو الجانب الذي أنا أتفق معكم في توصيف الألم وأتفق معكم في توصيف أن هذا الأمر قضاء فيه ثقل، طيب هذا الجانب لا أنكره، لكن الجانب الآخر هذا البلاء لماذا أرسل إلي بالذات؟ هناك جانب يريد الله أن ندركه نتأمل في أنفسنا نعمل تفكيرنا، نصنع مسرحا للعقول في حياتنا من هنا حتى الأسبوع المقبل، التقيكم بإذن الله سبحانه وتعالى يوم الأحد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأن تطيعوه تهتدوا.