السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. صوت جيد شباب على اليوتيوب سريعا، حياكم الله، هل الصوت جيد عبر البث المباشر؟ اللهم يسر وأعنا يا الله. جيد عبر التلغرام، جيد عبر البث المباشر، بس أحد الإخوة يعطيني إيعاز.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأحبة في المجلس الثاني من هذا البرنامج الطيب المبارك، برنامج تراث، للوقوف على تراث الأئمة المحققين، وأن يعيش طالب العلم في أفياء هذه المصنفات، وأن يجني من ثمارها، وأن يقطف من أزهارها، وأن يجول في كلام عالم ويعيش معه مدة زمنية لا باس بها. حقيقة هذا من أنفع ما يشكل الملكات لطلاب العلم، وبالتأكيد بدأنا بالامام الحبر أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عليه، هذا العالم النحرير الذي تعتبر مصنفاته ومؤلفاته من أنفع ما يعكف طالب العلم عليه؛ لما فيها من التحقيق، ولما فيها من التحرير للمسائل العلمية والشرعية بشكل فاق به غيره من المتأخرين.
والحقيقة الحياة مع مصنفات شيخ الإسلام بن تيمية، أقول فيما أجد من نفسي، أنها تقوي الإيمان. الحياة مع مصنفات شيخ الإسلام بن تيمية تقوي الإيمان، نظرا لما يعززه دائما من الكلام عن معاني التوحيد وحقيقة العقide مع الاستحضار المميز لآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فأقول: مصنفات شيخ الإسلام بن تيمية تزيد الإيمان لما يحرره ويعيده من مواضيع العقيدة ومعاني التوحيد وتحرير لها بشكل جيد، مع استحضار الآيات القرآنية المناسبة، وهذا تجده مكررا في جل كتبه.
وهذا ما يميز عقيدة السلف عموما، أن عقيدة السلف تتميز بالاستحضار الدائم لنصوص الكتاب العزيز لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والبناء عليها، بحيث الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة يجدها مباشرة واضحة، بخلاف كتب غيرهم من أهل البدع؛ فإن الكتب تجدها مظلمة من نصوص الكتاب والسنة، بالكاد تقف على استحضار، وإذا وجدت حديثا فيغلب عليه أنه ضعيف، ولا تجد مناسبا للسياق الذي ورد فيه، أو فيه بعد حتى من حيث الفهم والتاويل والتنزيل. ولذلك ينبغي على طالب العلم الباحث عن الحقيقة هنا أن يشتغل بهذه المصنفات، وأن يعكف عليها، وأن يسأل الله عز وجل أن ينور بصيرته فيها.
وصلنا أو ما زلنا نعيش في أفياء الكتاب الأول لشيخ الإسلام بن تيمية، وهو كتاب العبودية، انطلقنا منه إن شاء الله ليكون يعني أيضا من باب الفيء الحسن أن الإنسان يبدأ بهذه المواضيع المهمة في حياة كل مسلم ومسلمة، ووصلنا إلى قوله: وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله. طبعا هو كان يتكلم عن معنى العبودية وأنها لا تتم، قال: فمتى كان محبا لغير الله لذاته أو ملتفتا إلى غير الله أن أنه يعينه كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه. وهو كان يتكلم عن معنى الإخلاص ومعنى الاستعانة بالله سبحانه وتعالى، فقال: وهذا هو حقيقة دين الإسلام. نبدا إن شاء الله مستعينين بالله:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسا معين ونج المستضعفين من المؤمنين، آمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره.
فالمستسلم لله ولغيره مشرك، والمستسلم لغيره مستكبر عن عبادته، ومن استكبر عن عبادة الله فهو مشرك، والاستكبار مناف للتوحيد، كما أن الكبر ينافي حقيقة العبودية. وكما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر». وكما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فجعل الكبر مقابل الإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية.
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحد منهبة عذبته». فعظمة الكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة، ولهذا جعلها بمنزله الرداء، كما جعل العظمة بمنزله الإزار. وهذه فائدة لطيفه؛ يعني لماذا جعل العظمة هي الإزار في الحديث القدسي؟ لماذا جعل العظمة هي إزار والإزار يكون على المنطقة السفلية، والكبرياء هي الرداء، والرداء يكون دائما في المنطقة العلوية؟ فيقول: لأن الكبرياء أعلى من العظمة، الكبرياء أعلى من العظمة، فجعل الرداء للكبرياء وجعل الإزار للعظمة، نعم.
قال: ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والاعياد هو التكبير، وكان مستحبا في الأممكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفا أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند أذانه. وإذا علا الإنسان شرفا، يعني معروف تكبير، إذا صعد الإنسان على جبل أو منطقة مرتفعة فيستحب له التكبير، نعم. قال: وعند الأذان يهرب الشيطان. قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
وكل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره، فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بالتالي لا يظن الإنسان أنه يمكن أن يستكبر عن عبادة كل الأشياء، إذا استكبرت عن عبادة الله فلا بد وأنك أسير لعبادة سواى. من استكبر عن عبادة الله لابد وانه أسير لعباده سواى، فإن الإنسان بطبيعته دائما همام حارث مريد، لابد هناك شيء أنت تريده تبحث عنه، وهذا الشيء الذي تريده وتطلبه أنت عبده. الإنسان مريد، وكل شيء تريده وتطلبه فانت أسير عبد له.
فاذا جعلت الله هو المراد فانت عبد لله، واذا جعلت ما سواه هو المراد فانت عبد له. هناك من يجعل المال هو المراد، هناك من يجعل النساء وما شابه ذلك. نعم، قال: وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أصدق الأسماء الحارث وهمام». والحارث الكاسب الفاعل، والهمام هو صاحب الهم، وهم أول الإارادة. فلنسان له إرادة دائمة، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب وهو منتهى حبه وإرادته.
فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله. لذلك الإلحاد عندما يظن الملحدون أنهم تحرروا من كل أشكال العبودية هم واهمون. عندما يظن الملحد الذي لا يؤمن بوجود أي إله أو رب أنه أصبح حرا، كما يقول: إحنا أصحاب الإرادة الحرة، هذا وهم؛ لأنك إذا ظننت انك تحررت من عباده شيء فانت ولا بد عبد لشيء اخر. فلذلك يغلب عليهم الشهوات والملذات والدنيا والاقبال عليها، أنهم عبدوا الدنيا. فهم ألفوا من عبادة الله وأقبلوا على عبادة الدنيا والرأسمالية والشهوات، نعم.
قال: فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب، أما المال واما الجهه واما الصور واما ما يتخذه. قال: أما المال والجهه، أما يكون للصور المعشوقة، كل ما يتخذ من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابا وغير ذلك مما عبد من دون الله. نعم، قال: وإذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا، وكل مستكبر فهو مشرك. ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله وكان مشركا.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غؤفر: 23-25]. وقال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ موسى وليدع ربه اني اخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ [غافر: 26].
وقال تعالى: ﴿وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا﴾ [العنكبوت: 39]. الاستكبار هو يركز الآن على مفردة الاستكبار. نعم، قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: 4]. علا في الأرض، العلو هنا علو الاستكبار. نعم، قال إلى قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 40].
ومثل هذا في القرآن كثير، وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127]. بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله كان أعظم إشراكا بالله؛ لانه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا بما استعبده من ذلك. ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا...
ما معنى لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب؟ ماذا يقصد شيخ الإسلام بهذه العبارة الذي ومقصود القلب بالقصد الأول فيكون مشركا بما استعبده من ذلك؟ يقول: بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله كان أعظم إشراكا بالله، كلما شعرت الإنسان يستكبر عن عبادة ربه فهو مشرك بربه سبحانه، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب. ماذا يريد أن يقول؟ أيوه، أن المحبوب ويحب من يحب شخصا فهو فيه افتقار له من جانب معين. طيب، فالافتقار لا ينبغي أن يصرف لغير الله، فاذا صرفت جزءا منه لغير الله فقد أنقصت من افتقارك إلى الله عز وجل.
طيب، فاذا قل افتقارك جدا لله فانت اصبحت في حاجه لغيره. فاذا هو يريد أن يقول: كلما استكبر عن عبادة الله فبالتأكيد هو مفتقر لغيره. يعني هذه معادلة: أنني استكبر عن كل شيء، لا يمكن. وهذا الذي يحاول أن يؤسسه كمفهوم ابن تيمية: أن يظن الإنسان أنه يمكن أن يستعلي عن كل شيء ويكون حر طليق بكل ما توهمه الإلحاد أو هذه الفكرة، لا يمكن، كلما استكبرت عن الله فانت ازددت افتقارا لغيره، ازددت افتقارا وأسرا لغيره.
هذا معنى أنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب، ما سوى الله من مال، من جاه، من دنيا، من عرفت. لذلك تجد الرجل يزعم أنه ملحد وأسير لامرأة، ويزداد افتقاره لها. ولذلك هذه عظمة التوحيد يا إخوان، أن التوحيد يعود الإنسان أن افتقاره الحقيقي لله سبحانه وتعالى، كلما قويت معاني الافتقار فيك لله عز وجل، كلما استكبرت أو استعيت عن الافتقار للمخلوقين، وكلما ضعفت معاني الافتقار لله كلما قويت معاني الافتقار للمخلوقين.
لذلك لماذا تجد الأنبياء رضوان الله تعالى عليهم ينفضون أيديهم من المخلوقين ولا يكترثون بهم؟ لما كمل افتقارهم لله عز وجل، ما عادوا يعبؤون بالمخلوقين. ولكن الواحد فينا لما تجده ضعيف العلاقة مع الله، ضعيف الاستشعار لمعاني الافتقار لله، تجده دائما يفزع إلى المخلوقين، يفزع لصديق له حتى يعني يفضفض له عن مشاكله، إذا الناس ما وقفت معه تجد ويلوم الناس ولماذا ويأس منه وما حدا وقف معي وما حدا سندني؛ لانه هو في قلبه افتقار للمخلوقين لما أضعف افتقاره إلى ربه سبحانه وتعالى. هذه معاني التوحيد العظيمة: أنه كلما قويت معاني الافتقار لله استغنيت عن المخلوق، والعكس بالعكس. وهذا معنى قوله: كلما استكبر عن عبادة الله لا بد أن يزداد افتقاره وحاجته للناس أو للشهوات أو الملذات.
نعم، قال: ولن يستغني القلب... نعم، كَسؤال يعني دائما ما يعني أهل التزكية يقولون نعم إذا تعلقت بأولياء الله الصالحين تقويك بالله سبحانه وتعالى فزت له. ح. أليس التعلق بهؤلاء ينقص من رصيد التعلق بالله سبحانه؟ لا مو هي العبارة خطأ، يعني هل هو التعلق ولا التعلم؟ هو فرق بين التعلق والتعلم، فرق بينك تتعلم على أيدي العلماء وتربى على أيديهم، وبين أن تتعلق قلبيا بهم. فالتعلق لا يكون إلا بالله، وإنما التعلم والتتلمذ والاحترام والتقدير هذا جانب آخر، فأظن أحيانا بعض العبارات تحتاج لضبط أكثر حتى يعرف دلالتها. ممكن هي يعني حب أمثالي هؤلاء فرع حب الله سبحانه وتعالى؟ آه أحسنت، فرع، يعني أنت تحبهم لأنك تستحضر محبة الله فيهم بس وليس لذواتهم، فلا تشعر بالافتقار لهم. هذا مهم جدا.
نعم، قال: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يولي إلا من ولاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله. فكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عن المخلوقات، وكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر ومن الشرك. فالشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود.
قال الله تعالى في النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: 31]. وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. فالنصارى يعني يغلب عليهم حب تعدد الآلهة، يعني هذا هو السيمة البارزة فيهم. أما اليهود يغلب عليهم الاستكبار عن التعبد عموما، مش ميلهم لتعدد الآلهة أكثر من ميلهم للاستكبار عن أن يكونوا معبودين موهين لشيء.
نعم، وقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146]. ولما كان الكبر مستلزما للشرك والشرك...
الشرك ضد الإسلام، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].
كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين. قال نوح عليه السلام: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72]. وقال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 130-132].
وقال يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وقال موسى عليه السلام: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [يونس: 84-85]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44]. وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111].
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83]. فذكر إسلام الكائنات طوعاً وكرهاً؛ لأن المخلوقات جميعها متعبدَة له التعبد التام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون مدبرون، فهم مسلمون له طوعاً وكرهاً، وهو العبد بمعنى التعبد الذي مر معنا في المجلس الماضي.
ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به. هو رب العالمين ومليكهم، يصرفهم كيف يشاء، وخالقهم كلهم، وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب، مصنوع، مفطور، مبروء، فقير، محتاج، معبد، مقهور، وهو الواحد القهار، الخالق، البارئ، المصور.
وهو وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب، فهو خالق السبب والمقدر والمقدر له، وهذا مفتقر إليه افتقاراً عظيمءً. وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل ولا دفع ضرر، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه.
هو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه، ليس له شريك يعاونه ولا ضد يعارضه. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِن أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17].
وقال تعالى عن الخليل: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 78-79]. وحاجة قومه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَيَأُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 80-82].
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن هذه الآية لما نزلت، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فما نزلت آية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ تماماً، فقالوا: أينا يا رسول الله لم يظلم نفسه؟ فقال: «إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]». يعني الظلم في الآية ليس المعصية، ليس مطلق المعصية، وإنما هو الشرك بالتحديد.
وأبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين. قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]. فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر سبحانه أن يكون الظالم إماماً.
وأعظم الظلم الشرك. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]. والأمة هو القدوة بفعل الخير الذي يتم به كمال القدوة، الذي يقتدى به؛ فمعنى أن إبراهيم كان أُمَّةً يعني كان قدوة، أن إبراهيم كان مقاد الأمة هو القدوة بفعل الخير الذي يقتدى به في هذا.
والله تعالى جعل في ذرية النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 135-136].
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم خير البرية، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الله. وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله». وقال: «لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر». وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». وكل هذا في الصحيح، وفيه أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته.
فإن في ذلك تمام تحقيق مخالة الله التي أصلها محبة الله تعالى العبد، خلافاً للجهمية الذين ينكرون أن يكون الله عز وجل محباً لعبيده وأن يكون العبيد محبوبين أو يحبون ربهم. وهذا سياتي معنا قريباً في التحفة العراقية قضية مسألة المحبة وكيف ينفيها الجهمية محبة الله لعباده ومحبه العباد لله.
وفي ذلك تحقيق توحيد الله وأن لا يعبد إلا الله، رداً على أشباه المشركين، وفيه رداً على الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه وهم اعظم المنتسبين إلى أهل القبله إشراكاً بالبشر والخِلة. يعني الروافض أكثر الناس شركاً، أكثر الطوائف الإسلامية المنتسبة إلى أهل القبلة، يعني أكثر الطوائف التي تنتسب إلى الإسلام يقع عندها الشرك هم الرافضة.
الخلة هي كمال المحبة المستلزم من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبونه ويحبونه. ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب؛ فإنهم يقولون: قلب متيم، إذا كان متعبداً للمحبوب، والمتيم المتعبد، وتيم الله عبده.
وهذا أعلى الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل؛ إذ الخلة لا تحتمل الشرك. الخلة دعونا نقف ما معنى أن إبراهيم خليل الله؟ يقول: الخلة هي كمال المحبة التي تستلزم من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب كمال الربوبية لعباده الذين يحبونه ويحبونه. ايش يعني أن الخلة تستلزم من جهة الرب كمال الربوبية؟ كمال الربوبية أن الله يمنح أخلاءه من معاني الإعانة والتدبير والنصر والتأييد ما لا يمنحه لأي عبد من العبيد. فهمتم إذاً الخلة؟ جميل هذا التعريف، قد لا تجده أو تصادفه في مكان آخر. ما معنى أن إبراهيم خليل الله؟ ما معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله؟ ماذا تعني هذه الخلة هنا؟ قال: هذه تعني من العبد كمال عبوديته لله، ومن الرب كمال ربوبيته لهذا الذي يحبه. ما معنى كمال ربوبيته للذي يحبه؟ أي التسديد والتأييد والتصريف لأمور ما لا يمنحه لغيره. وهذا الذي ورد بالحديث الآخر: «فبي يسمع، وبي يبصر، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». فهذا معنى جيد في تحرير مفهوم الخلة. الحديث: «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به»، أحسنت.
قال: وهذا أعلى الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل؛ إذ الخلة لا تحتمل الشرك، فإنه كما قيل في المعنى: قد تخللت مسلك الروح مني، وبذا سمي الخليل خليلاً. بخلاف أصل الحب، فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: «اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما». أما المحبة فيمكن أنك تحب الله وتحب النبي صلى الله عليه وسلم وتحب أولياء الله، فالمحبه كجنس كما مر معنا تقبل أن يكون لك أكثر من محبوب وإن كانت تتفاوت في درجاتها طبعا، لكن الخلة لا تقبل الشراكة.
وسأله عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة». قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». وقال لعلي رضي الله عنه: «يعطينا الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وأمثال ذلك كثير. وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
وأما الخلة فخاصة. وقول بعض الناس أن محمداً حبيب الله وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق الخلة، قول ضعيف. يقول بعض المتصوفة إن محمداً عليه الصلاة والسلام حبيب الله وإبراهيم خليل الله، يظن أن المحبة أعلى من الخلة. يقول ابن تيمية: هذا قول ضعيف، الخلة أعلى من المحبة، فإن محمداً أيضاً خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة.
طيب لو سألت هكذا سؤال، هو قال: الخلة تقدح في الشرك، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام نفى أن يكون هناك خليل له من الأرض. طيب لو أن الخلة لا تقتضي الشرك أقصد فلذلك نفى أن يكون له خليل من أهل الأرض، لكن ممكن شخص فكر طب الله سبحانه وتعالى ذكر أن إبراهيم خليله، وكذلك يقول وأيضاً محمد صلى الله عليه وسلم خليل الله، فمن جهة الله هناك خليل إبراهيم وهناك خليل محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف يقول إن الخلة تنافي الإشراك بها يعني أن يكون لك أكثر من خليل؟ فهمتم الآن من جهة العبد واضحه، طيب لكن الرب سبحانه جعل إبراهيم خليلاً له وجعل محمداً صلى الله عليه وسلم خليلاً له، فهناك خلة لإبراهيم وهناك خلة للنبي عليه الصلاة والسلام من جهة الرب، أليس كذلك؟ أنا حتى اختصر المسافة: أمور الرب تختلف عن أمور العبد، ولا تقاس الامور هنا، فهمت علي؟ يجب هنا أن تنفي التشبيه وأن لا يحسب الأمر من العبد لربه كما يحسب من الرب لعبده؛ فما يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى في هذه الأمور يختلف ولا يجوز قياسه على ما يتعلق بالمخلوق.
فقوله قبل قليل إذ الخلة لا تحتمل الشرك، أقول هذا من جهة العبد. أنا لماذا أتيت بهذا؟ حتى لا يعترض شخص طب يقول: إذا كانت الخلة لا تحتمل الشرك فلماذا إبراهيم خليل الله ومحمد صلى الله عليه وسلم خليل الله؟ أليس هذا نوع من التعدد من جهة الرب؟ فنقول: أمر الرب لا يقاس على أمر العبد. فهمتم الآن وين المشكلة التي يمكن تطرأ على ذهن البعض؟
طيب لما عرف الخلة، الرب سبحانه كمال ربوبيته لعباده الذين يحبونه ويحبونه، فيعني هي من جهة الله سبحانه وتعالى لعباده: ربوبيته لهم أي كمال الإعانة وكمال التوفيق، وهذا يمكن أن يعطى لأكثر. ممكن يفكر بهذه الطريقه، أحسنت. وما يرى أن العباس يحشر بين حبيب وخليل، وأمثال ذلك، هذا من كلام الروافض في حديث.
وقد قدمنا من محبة الله تعالى محبة ما أحب، كما أن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له. فمن أحب شيئاً فإنه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.
ومن قال إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء، فقد غلط في ذلك غلطاً بيناً. ما هي اللذة؟ يناقش هنا نقاشاً استطرادياً؛ يقول بعض المتفلسفة وبعض الأطباء: اللذة هي أن تدرك الشيء الذي يلائمك. يقول: هذا خطأ. هل اللذة هي إدراك الشيء الذي يلائمك، أم اللذة هي شعور يحصل بعد الإدراك؟ هل اللذة هي نفس الإدراك، أم اللذة هي الشعور الذي يكون بعد الإدراك؟ فيقول شيخ الإسلام: اللذة هي الشعور الذي يكون عقب الإدراك. أنت إذا أدركت أن هذا الشيء يلائمك -يعني أنا أكلت طعاماً معيناً، أدركت أنني يلائمني- إدراكي لملائمته يثمر لذة، وليست اللذة هي نفس إدراك الملائمة. من ناحية فلسفية، اللذة هي ليست نفس الإادراك أنه يلائمني، هو الشعور الذي يأتي بعد هذا الإدراك. فانت إذا أدركت الطاعة وتعلقت بها وفعلتها يعقبها لذة، وليست نفس إدراكك للطاعة وإقبالك عليها هي اللذة؛ اللذة والحلاوة هو شيء يكون عقب ذلك.
هل يقصد هنا في الإدراك إدراك وتحصيل الشيء أم إدراك تصوره؟ لا، الإدراك هو إدراك الملائم، قد يكون إما بالتصور وقد يكون إما بالإحساس، على حسب. قد تكون أمور معنوية فيكون بتصورها، وقد تكون أمور حسية فتكون بتذوقها أو بالتعامل معها والمباشرة لها، فعلى حسب طبيعة الشيء بشكل عام.
لذلك يقول: إن اللذة إدراك الملائم. فمن قال إنها هي نفس الإدراك فقد غلط غلطاً بيناً، فإن الإدراك يتوسط بين اللذة والمحبه؛ فالإنسان أولاً يشتهي طعاماً -اشتهيته، أحببته، تحصل المحبة، يقبل عليه، يبدأ يتذوقه، تذوقه هو الإدراك- بعد ما يدركه تحصل اللذة. فالإنسان مثلاً يشتهي الطعام، فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة؛ فاللذة تتبع الطعام، فإذا نظر إليه التذ به، اللذة تتبع النظر وليست نفس النظر. إذا أنت هناك شيء تحبه في باب النظر مثلاً، شي تحبه تشتهيه فنظرت، فماذا يحصل بعد النظر؟ النظر هو الإدراك، يحصل بعد ذلك التلذذ به. يقول: فاللذة تتبع النظر، النظر هو الإدراك في عالم المحسوسات، وكذلك النظر العقلي أيضاً نفس الفكرة، أنت تحب العلم، تدركه، تحصله، تنظر فيه، فتعقبه بعد ذلك اللذة. قال بل تحصل عقيب رؤيته: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71]. وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام، من فرح وحزن وأمثال ذلك، يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن.
فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذه به والفرح، ما يجد المؤمن الواجد لحلاوة الإيمان، يتبع كمال محبة العبد لله. وذلك بثلاثة أمور، فبالتالي ماذا يريد أن يقول، ولماذا أتى بكل هذا يا شيخ محمد؟ ليعود إلى الحديث؛ فحلاوة الإيمان لذه الإيمان، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»، هي لذة الإيمان. لذة الإيمان متى تحصلها؟ بعد المحبة. إذن هي بعد أن تدرك الإيمان، ليس بعد المحبة بس بل بعد الإدراك والتعامل معه. وليست حلاوة الإيمان -ركز على هذا المعنى الدقيق الحقيقي وهذه أعمال القلوب لما يتم تحريرها- حلاوة الإيمان ليست هي إدراك الإيمان، هي شيء يحصل بعد إدراك الإيمان، ويحاول أن يحلل هذه القضية.
هل حلاوة الإيمان لما نقول «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»، يعني هل معناها إدراك الإيمان وفهم الإيمان؟ لا، يقول لك هذا معنى قاصر، ليس «ثلاث من كن فيه» أدرك معنى الإيمان وفهم معنى الإيمان، لا، «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان». الحلاوة تتبع الإدراك، فإذا أنت فعلت هذه الثلاثة أنت حصلت الإيمان ودركته، فاتبعه بعد ذلك الحلاوة، فالحلاوة ليست ذات الإدراك، بل هي شيء يكون عقبه، هذا الذي يريد أن يحرره في هذا المقام. قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح -نعم، ما يجد المؤمن الواجد لحلاوة الإيمان- يتبع كمال محبة العبد لله. فإذا هو ماذا يريد أن يقول؟ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، إذا حصلت المحبة وأدركت، عقبها بعد ذلك الحلاوة واللذة.
لذلك هو يقول: فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة بالإيمان والفرح، ما يجده المؤمن الواجد لحلاوة الإيمان. وإن كانت العبارة -لاحظ ماذا يقول- فحلاوة الإيمان التي تتضمن ما يجده المؤمن الواجد لحلاوة الإيمان من اللذة به والفرح، نعم، يعني اللذة به والفرح هي متأخرة، يجب أن تكون فهذا يتبع كمال محبة العبد لله سبحانه وتعالى؛ فانت إذا حصلت المحبة تبعها اللذة.
قال: وذلك بثلاثة أمور تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها؛ فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم. وتفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ودفع ضده أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهية الإلقاء في النار.
فإذا كان محبة الله ورسوله.. إذن هذه الفكرة شرح مميز للحديث حقيقة، هذا شرح مميز للحديث أنه لماذا هذه الأمور الثلاث هي التي تحصل حلاوة الإيمان دون غيرها؟ لماذا هذه الأمور الثلاث بهذا التوصيف هي التي تحصل حلاوة الإيمان؟ يقول: حلاوة الإيمان هي تتبع ماذا؟ كمال المحبة. نحن اتفقنا أنت تحب الشيء تدرك فتلتذ به، تحب الشيء تدركه فتلتذ به صحيح، فإذا اللذة والحلاوه هي تابعه لحصول وإدراك المحبة، لكن هنا لابد من، طب كيف تكون كمال المحبة؟ قال: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها. فالحديث أولاً بدأ بتكميل المحبة، بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهناك حصل التكميل. وأن يتفرع منها ماذا؟ أنه أي انسان في الدنيا ستحبه لن تحبه إلا لارتباطه بمحبوبك الأول وهو الله، وهذا معنى «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». ودفع ضد المحبة وهو الكفر، أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته أن يلقى في النار. فإذا أنت استطعت أن تحصل كمال المحبة وتفرع عليها وتنفي ضدها، عندئذ أدركتها الإدراك التام وبعد ذلك ستتبعها الحلاوة واللذة.
نعم قال: فاذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله، وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، والخلة ليس لغير الله فيها نصيب، بل قال: «لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلاً». علم مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة، والمقصود هو أن الخلة والمحبه لله تحقيق عبوديته، هذا هو كل موضوع الخلة والمحبه.
وهو لماذا يتكلم في.. خلاص ذهب من الاستطراد وعاد إلى لب الكتاب: والمقصود أن الخلة والمحبة لله هي شكل من أشكال تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى. نعم قال: إنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معها، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمه الربوبية. ولهذا يذكر عن.. إدلال ولا أدلال؟ ايش رايكم، ما هي الأصوب هنا؟ أدلال. الذي يظهر لي أنها أدلال، يعني نوع من.. نعم أن يأخذ راحة أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو أدلال لا تحتمه الربوبية. يعني أنا أشعر أن كلمة أدلال هنا يعني من الدلال والأخذ بالريحية والانبساط، لذلك يقول: وإنما يغلط من غلط من يتوهم أن العبودية هي مجرد ذل وخضوع ولا تتضمن معنى المحبة لله وهذا خطأ، لأننا عرفنا العبودية في المجلس الماضي ماذا قلنا؟ هي كمال المحبة مع كمال الخضوع، فأن تجعل العبودية هي فقط مجرد ذل وخضوع دون محبة فهذا خطأ تماماً. أو أن المحبة.. البعض يقول: طب لماذا تنفي معاني المحبة عن العبودية؟ يقول لك: يا أخي المحبة هذه فيها نوع من الانبساط والدلال لا يناسب أن يكون الإنسان عبداً، فهمتم؟ لذلك يقول: أو أن يغلط من يتوهم أن العبودية مجرد ذل، أو يتوهم أن المحبة هي انبساط -هذا غلط آخر- من يتوهم أن المحبة هي انبساط في الأهواء أو أدلال، نوع من الدلال والله لا تحتمه مقامات الربوبية، بقول لك هذا تصور خاطئ عن طبيعة المحبة.
ولهذا يذكر عن ذنون المصري، ماذا قال؟ قال: ولهذا يذكر عن ذنون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: امسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعي. يعني مش سهل انك تدعي أنك تحب الله سبحانه وتعالى، يعني هذا شعور خاص حقيقي بين العبد وربه، وليس سهلاً أن يدعي الإنسان هذه المقامات، لأن هذا المقام له معاني وله إشارات وله دلائل تدل عليه في نفس الإنسان. نعم قال: فكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. فالمحبة لابد أن يتبعها الخشية لله سبحانه وتعالى. هذا ربما سيشير في التحفة العراقية أن كثير من أهل التصوف غلب عليهم الكلام عن محبة الله وتجده لا يخشى الله، فلا تقول لي والله يا شيخ أنا من أهل المحبة وتعرف إخواننا من أهل التصوف أحياناً الادعاء العريض في مقامات المحبة ودائماً في مجالسهم الكلام عن محبة الله وكيف تحصلها ثم تنظر إليه فإذا هو حليق اللحية، تنظر إليه فإذا هو له علاقة مع نساء، تنظر إليه طب شيخ المحبة تورث الخشية، شيخ المحبة ما هي تورث الاقتداء؟ فلذلك كان علماء التصوف الكبار المحققين: يا اخ لا تضلك تحكي في مقام المحبة، يعني هذا مقام صعب أن تدعيه لنفسك وتوهم الناس.
وأحياناً لما تسمع شخص كثير يتكلم عن مقام المحبة لله تظن أنه ايش؟ يعني هو خاتم هذا المقام ومنتهي منه، فإذا نظرت في حاله وإذا نظرت في سمته فإذا هو بعيد عن اقتداء سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: أنت تتكلم كثير عن المحبة كأنك تشعر الجمهور أنك من أربابها وأنك تقتل نفسك عليها، لكن حقيقة لا يوجد علامات الصدق فيك. فلذلك يقول ذو النون المصري -فهمتم- أنهم كانوا يتكلمون عنده في مسألة محبة الله، علماء التصوف الجادين أهل الحقيقه فيهم، فعلاَ الجنيد ومن على طريقته، الجنيد يقول لك: لا تضلك تحكي في مرتبة المحبة كأنك توهم الناس أنك من أربابها، فإن هذا مقام صعب الادعاء، لأن المحبة ماذا تعني؟ تمام الخشية لله، وأن تكون حركاتك وسكناتك كما يريد الله. فتجيء ضلك تحكي في مقام المحبة ولا يظهر عليك من علامات الخشية ومن علامات الإخبات ومن علامات الانقياد والتمسك ما يظهر، بالتالي هذا مقام لا يدعى بل ينبغي أن يصدق بالعمل. لذلك كره من كره من أهل المعرفة -يعني أصحاب السلوك والعلم- مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. أنت بس بتحكي في محبة الله، طيب وين أثرها؟ أين أثرها وتطبيقها في حياتك؟ القضية ادعاء فقط أو محاضرات ودروس وتنظير.
نعم قال: وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف.. حروري يعني من الخوارج، قال: الخوارج يرون أن أهل الكبائر في النار. وأما من عبده بالرجاء بدون أن يكون هناك عمل فهذا مرجئ. ومن عبده وحده..
سَيَقُومُ عَلَى مَقَامٍ يَصِلُ لِمَرْحَلَةِ ابْنِ سَبْعِينَ وَابْنِ عَرَبِيٍّ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بَالْمَحَبَّةِ وَالْعِشْقِ فَقَطْ، وَأَمَّا أَنَا فَمَا لِي عَلَاقَةٌ بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مِنْهُ، هَذَا يَتَصَدَّقُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ جَمِيلٌ. وَلِهَذَا وُجِدَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ انْبَسَطَ فِي دَعْوَى الْمَحَبَّةِ حَتَّى أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الرُّعُونَةِ وَالدَّعْوَى الَّتِي تُنَافِي الْعُبُودِيَّةَ، أَحْسَنْتَ. لِأَنَّهُ يُصْبِحُ كَأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ اللَّهِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- كَمَا يَتَعَامَلُ بَعْضُهُمْ مَعَ مَعْشُوقِهِمْ. لِذَلِكَ وُجِدَ يَقُولُ: وَلِهَذَا وُجِدَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ مَنْ انْبَسَطَ فِي دَعْوَى الْمَحَبَّةِ، أَيْ أَخَذَ رَاحَتَهُ فِي ادِّعَاءِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّنْظِيرِ لَهَا وَلَا يَتَكَلَّمُ عَنِ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ وَالرَّجَاءِ بِاللَّهِ، فَأَخْرَجَهُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ فِي الْمَحَبَّةِ وَإِغْفَالُ مَقَامِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ إِلَى مَاذَا؟ إِلَى كَلَامٍ فِيهِ رُعُونَةٌ وَسُوءُ أَدَبٍ وَلَا يَلِيقُ بِمَقَامِ الْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ؛ مَقَامٌ يَتَكَلَّمُ فِيهِ عَلَاقَةَ الْعِشْقِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَكَلَّمُ مَعَ مَعْشُوقٍ. طَيِّبٌ، وَأَيْنَ الْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ؟ وَأَيْنَ الْمَقَامَاتُ؟ وَأَيْنَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ سُبحَانَهُ؟ هَذَا كُلُّهُ الْمِلَفُّ خَرَجَ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ هَذَا سُوءُ أَدَبٍ وَيَجْعَلُ الْإِنْسَانَ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- يَصِلُ لِلزَّنْدَقَةِ.
نَعَمْ، قَالَ: وَتُدْخِلُ الْعَبْدَ فِي نَوْعٍ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ، وَيَدَّعِي أَحَدُهُمْ دَعَاوَى تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، أَوْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ مِمَّا قَالَ: وَتُدْخِلُ الْعَبْدَ فِي نَوْعٍ مِنْ مَاذَا؟ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ. لَاحِظْ هَذَا الْكَلَامَ الْخَطِيرَ، يَقُولُ لَكَ: الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي مَقَامِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَيَتَوَسَّعُونَ فِيهَا دُونَ الْكَلَامِ عَنِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَالْخَشْيَةِ وَالرَّجَاءِ، يَقُولُ: يُخْرِجُهُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الرُّعُونَةِ وَالدَّعْوَى الَّتِي تُنَافِي الْعُبُودِيَّةَ، وَتُدْخِلُ هَذَا الْعَبْدَ فِي نَوْعٍ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ. إِيشْ يَعْنِي؟
بَعْضُهُمْ يُصْبِحُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ كَمَا يَطْلُبُ مِنْ قَيْنَةٍ، فَكَأَنَّهُ يُصْبِحُ يَرَى نَفْسَهُ قَرِينًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا يَطْلُبُ وَفِيمَا يَعْنِي يَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ. طَيِّبٌ، هُنَا الرُّبُوبِيَّةُ؛ الْعَبْدُ يَشْعُرُ بِالرُّبُوبِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي التَّصَرُّفِ وَالتَّدْبِيرِ فِي الْكَوْنِ، صَحِيحٌ؟ أَيْوَهْ. لِأَنِّي أَقْصِدُ هُوَ مُمْكِنٌ الْإِنْسَانُ مُعْتَادٌ عَلَى الْمَحَبَّةِ إِذَا كَانَتْ بِدُونِ ذُلٍّ تَكُونُ بَيْنَ الْأَقْرَانِ. فَإِذَا عَبَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ أَحَسَّ بِمَقَامِ الْمَحَبَّةِ وَدَلِّهَا قَدْ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ كَأَنَّهُ هُوَ نِدٌّ أَوْ كَذَا إِذَا مَا أَحَسَّ بِالذُّلِّ يَكْسِرُهُ. فَكَيْفَ يَظْهَرُ ذَلِكَ؟ هَذَا يَعْنِي أَنَا بَدِي أَعْرِفُ إِيشْ يَعْنِي: وَتُدْخِلُ الْعَبْدَ فِي نَوْعٍ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ؟
أَهْ يَا شَيْخُ، أَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّ لِمَقَامِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْكَوْنِ أَوْ مِنَ الْحِوَايَةِ. أَيْوَهْ، هَذِهِ هِيَ الْفِكْرَةُ أَنَّهُ هُوَ الْإِنْسَانُ كَيْفَ -عَفْوًا- تَكُونُ عِنْدَكَ جَاهٌ عِنْدَ الْمَلِكِ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَحَبَّةٌ تَقُولُ: وَاللَّهِ أَنَا حَبِيبُ الْمَلِكِ، بِالتَّالِي شُو بِتَصِيرُ؟ بِتَصِيرُ تُفَكِّرُ أَنَّكَ بِتَتَصَرَّفُ فِي الْحُكْمِ زَيُّهُ وَبِتَمُشِّيزُ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّكَ حَبِيبُ الْمَلِكِ! وَهَذَا الَّذِي يَحْصُلُ مَعَ الَّذِينَ يَكُونُ لَهُمْ عَلَاقَةُ خُلَّةٍ مَعَ الْمُلُوكِ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ يُصْبِحُ يَشْعُرُ أَنَّ لَهُ نُفُوذًا فِي مَمْلَكَةِ الْمَلِكِ.
أَنَّ لَهُ نُفُوذًا وَتَدْبِيرًا مِنْ جِهَةِ الْمُونَةِ عَلَى الْمَلِكِ، وَلِذَلِكَ هَذَا حَصَلَ مَعَ الْيَهُودِ؛ مَاذَا قَالَتِ الْيَهُودُ؟ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]. بِالتَّالِي أَشْعَرُوا أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُ نَحْنُ أَحِبَّاءُ اللَّهِ، بِالتَّالِي لَنَا قُدْرَةٌ عَلَى التَّسَلُّطِ عَلَى الْعِبَادِ وَالتَّصَرُّفِ فِي هَذَا الْكَوْنِ وَالتَّأْثِيرِ عَلَى الْبَشَرِ وَأَنْ نَحْكُمَهُمْ وَأَنْ نَفْعَلَ فِيهِمْ؛ لَيْسَ لِأَنَّ نَحْنُ أَحْبَابُ اللَّهِ، جَمَاعَتُنَا وَاسِطَةٌ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قُلْ: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ [المائدة: 18]. فَهَذَا مَقَامٌ خَطِيرٌ جِدًّا، وَلِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَدْعِيَاءِ التَّصَوُّفِ الْبَاطِلِ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ حَبِيبُ اللَّهِ وَأَنَّهُ أَصْحَابُ الْمَقَامِ: أَنَا وَصَلْتُ لِمَقَامِ الْمَحَبَّةِ؛ أَقُولُ لَكَ: خَلَصَ ادْعُ بِي وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَقْضِي لَكَ حَوَائِجَكَ. لَيْسَ لِأَنَّهُ أَنَا حَبِيبُ اللَّهِ فَأُمُورُكَ تَقِفُ، أَنَا أَقْضِي الْأُمُورَ، وَكَأَنَّنِي أُشَارِكُ اللَّهَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ! هَذَا مَقَامُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي يَدَّعِيهِ، يُصْبِحُ يَدَّعِي أَمَامَ طَائِفَتِهِ أَنَّهُ يُشَارِكُ الرَّبَّ فِي مَاذَا؟ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِ النَّاسِ، فَبِالتَّالِي لَوْ دَعَوْتَ بِهِ وَالْتَجَأْتَ إِلَى قَبْرِهِ وَطَلَبْتَ الْحَوَائِجَ مَنْ؟ يَقُولُ لَكَ: أَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أُمَشِّي لَكَ الْأُمُورَ.
لِمَاذَا؟ التَّوَسُّعُ فِي مَقَامِ الْمَحَبَّةِ الَّذِي ادَّعَاهُ جَعَلَهُ مَعَ ابْتِعَادِهِ عَنِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالِانْقِيَادِ وَهَذِهِ الْمَعَانِي الْأُخْرَى جَعَلَهُ يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ هِيَ مَحَبَّةٌ كَمَا هِيَ فِي مَحَبَّاتِ الدُّنْيَا تُوجِبُ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْكَوْنِ وَأَنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنَ التَّدْبِيرِ فِي الْكَوْنِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-. فَهَذَا مَعْنَى خَطِيرٌ يَجِبُ أَنْ يُنْتَبَهَ لَهُ، وَيُعْرَفَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ غَلَا مِنْ أَصْحَابِ الطُّرُقِ قَدْ يَكُونُ غُلُوُّهُمْ نَشَأَ مِنْ هَذِهِ الْآفَةِ.
عَجِيبٌ يَا شَيْخُ، فِي مَنْ -يَعْنِي- أَحَدٌ مَنْ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْفَتْرَةِ كَانَ يَنْقُلُ عَنْ شَيْخِهِ هَذَا الْأَمْرَ؛ أَنَّ فِي أَحَدِ الطُّلَابِ لَهُ ذَهَبَ فِي الْبَحْرِ فَمَا مَشَتْ أُمُورُهُ إِلَّا مَا دَعَا الشَّيْخَ فَقَالَ: أَنَا أَنَا بِوَاسِطَتِي أَنَا أُمَشِّي لَكَ الْأُمُورَ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنَا مِنْ أَحْبَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. هَذَا مَعْنَى دَقِيقٌ يَرْصُدُهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ، فَلِذَلِكَ الْكَلَامُ فِي مَقَامِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَيْسَ سَهْلًا يَا شَبَابُ، بَدَأْتَ تَتَكَلَّمُ فِي مَقَامِ الْمَحَبَّةِ يَجِبُ أَنْ يَتْبَعَهُ الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ وَالِانْقِيَادُ، وَلَيْسَتِ الْمَحَبَّةُ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الْمُطْلَقِ.
نَعَمْ، قَالَ: وَهَذَا بَابٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ: يَدَّعِي أَحَدُهُمْ دَعَاوَى تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، أَوْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ مِمَّا لَا يَصْلُحُ بِكُلِّ وَجْهٍ إِلَّا لِلَّهِ، لَا يَصْلُحُ حَتَّى لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
نَعَمْ، قَالَ: وَهَذَا بَابٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ، وَسَبَبُهُ ضَعْفُ تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا الرُّسُلُ وَحَرَّرَهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الَّذِي جَاءَ بِهِ، بَلْ ضَعْفُ الْعَقْلِ الَّذِي -إِيشْ يَعْنِي؟- أَوْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ مِمَّا لَا يَصْلُحُ بِكُلِّ وَجْهٍ إِلَّا لِلَّهِ، يَعْنِي يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي قُدْرَةً أَنَّنِي أَشْفِي الْمَرْضَى، يَا رَبِّ أَعْطِنِي قُدْرَةً أَنَّنِي أَتَحَكَّمُ فِي الْكَوْنِ، أَشْيَاءُ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ مَا يَطْلُبُونَهَا. هَذَا الرَّجُلُ مَا زَالَ عَايِشًا فِي مَقَامِ الْمَحَبَّةِ فَقَطْ يَصِلُ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ: يَا رَبِّ أَعْطِنِي قُدُرَاتٍ خَارِقَةً حَتَّى أَفْعَلَ لِلَّنَاسِ مَا أَفْعَلُ، حَتَّى تُظْهِرَ أَنَّنِي مِنْ أَحْبَابِكَ، حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ لَمْ يَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمُورَ! هَذَا يَدُلُّكَ هِيَ الرُّعُونَةُ، فَهِمْتُمْ هَذِهِ الرُّعُونَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا؟ أَنَّهُ يُصْبِحُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ -يَا أَخِي- أَنْتَ إِيشْ عَلَاقَتُكَ تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ يَجْعَلُنِي أَشْفِي الْمَرْضَى وَأُحَقِّقُ الْأَمَانِيَّ وَلِأَنَّنِي مِنْ أَحْبَابِكَ؟ هَذِهِ رُعُونَاتٌ وَسُوءُ أَدَبٍ وَصَلَ إِلَيْهَا الْقَوْمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
نَعَمْ، قَالَ: وَهَذَا بَابٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ، وَسَبَبُهُ ضَعْفُ تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا الرُّسُلُ وَحَرَّرَهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الَّذِي جَاءَ بِهِ، بَلْ ضَعْفُ الْعَقْلِ الَّذِي بِهِ يَعْرِفُ الْعَبْدُ حَقِيقَتَهُ. وَإِذَا ضَعُفَ الْعَقْلُ وَقَلَّ الْعِلْمُ بِالدِّينِ، وَفِي النَّفْسِ مَحَبَّةٌ، انْبَسَطَتِ النَّفْسُ بِحُمْقٍ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَنْبَسِطُ الْإِنْسَانُ فِي مَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ مَعَ حُمْقِهِ وَجَهْلِهِ وَيَقُولُ: أَنَا مُحِبٌّ فَلَا أُؤْخَذُ بِمَا أَفْعَلُهُ مِنْ أَنْوَاعٍ يَكُونُ فِيهَا عُدْوَانٌ وَجَهْلٌ؛ فَهَذَا عَيْنُ الضَّلَالِ، وَشَبِيهٌ بِقَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ [المائدة: 18].
يَعْنِي كَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْعُبُودِيَّةَ هِيَ مُجَرَّدُ ذُلٍّ وَخُضُوعٍ فَقَطْ هُمْ رَدَّةُ فِعْلٍ، رَدَّةُ فِعْلٍ عَلَى جَمَاعَةِ التَّصَوُّفِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْعُبُودِيَّةَ بِجَانِبِ الْحُبِّ فَقَطْ وَتَرَكُوا جَانِبَ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ. يَعْنِي هُوَ لَمَّا قَالَ: وَإِنَّمَا يَغْلِطُ مَنْ يَغْلِطُ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ هِيَ مُجَرَّدُ ذُلٍّ وَخُضُوعٍ فَقَطْ، تَمَامٌ، كَانَ فِيهَا نَوْعٌ أَوْ شَيْءٌ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَدَّةَ فِعْلٍ عَلَى الَّذِينَ رَأَوْا الْعُبُودِيَّةَ أَنَّهَا مُجَرَّدُ حُبٍّ وَلَيْسَ فِيهَا مَقَامُ ذُلٍّ وَخُضُوعٍ، أَوْ يَكُونُ هُوَ نَفْسُهُ -لَا، هِيَ نَفْسُ تَصَوُّرِ التَّصَوُّفِ- الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَا فِيجَ دَاعِي نَخْضَعُ لِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ هِيَ مُجَرَّدُ مَاذَا؟ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ، وَنَحْنُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ! وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْكَلَامَ عَنْ لَا، الْأَوَّلُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ هِيَ مُجَرَّدُ ذُلٍّ وَخُضُوعٍ لَا مَحَبَّةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ هُوَ نَوْعٌ مِنَ انْبِسَاطٍ فِي الْأَهْوَاءِ أَوِ الدَّلَالِ الَّذِي لَا تَحْتَمِلُهُ الرُّبُوبِيَّةُ، فَالَّذِينَ عَرَفُوا الْعُبُودِيَّةَ بِأَنَّهَا ذُلٌّ وَخُضُوعٌ رَأَوْا أَنَّ الْمَحَبَّةَ فِيهَا انْبِسَاطٌ فِي الْأَهْوَاءِ وَنَوْعٌ مِنَ الدَّلَالِ تَمَامٌ لَا تَحْتَمِلُهُ مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّ هُنَاكَ يُقَابِلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ حَيَاتَهُمْ فَقَطْ تَقُومُ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دُونَ ذُلٍّ وَدُونَ خُضُوعٍ لَهُ، فَتَشْعُرُ كَأَنَّ هَذَا الرَّأْيَ هُوَ رَدَّةُ فِعْلٍ لِذَاكَ الِاتِّجَاهِ، فَيَأْتِي ابْنُ تَيْمِيَةَ لِيُحَقِّقَ التَّوَازُنَ؛ يَقُولُ لَكَ: لَا، هِيَ الْعُبُودِيَّةُ تَشْمَلُ ذُلًّا وَخُضُوعًا وَتَشْمَلُ مَحَبَّةً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَامَّةً، فَلَا بُدَّ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْجَنَاحَيْنِ؛ فَمُجَرَّدُ الْحُبِّ دُونَ الْكَلَامِ عَنِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ يُخْرِجُكَ إِلَى إِيهِ؟ إِلَى هَذِهِ الرُّعُونَةِ، وَمُجَرَّدُ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ دُونَ تَحْقِيقِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ أَيْضًا يُضْعِفُ شُعُورَكَ بِعَلَاقَتِكَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيَنْقُصُ تَعَبُّدَكَ لَهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ مَشَاعِرِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ وَبَيْنَ مَشَاعِرِ الْحُبِّ وَالتَّعَلُّقِ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -خَلِينَا نَقُولُ- بِالْمَعْنَى الْعَامِّ.
نَعَمْ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [المائدة: 18]. فَإِنَّ تَعْذِيبَهُ لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ وَلَا مَنْسُوبِينَ إِلَيْهِ بِنِسْبَةِ بَنُوَّةٍ، بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ مَرْبُوبُونَ مَخْلُوقُونَ، فَمَنْ كَانَ اللَّهُ يُحِبُّهُ مَنْ كَانَ اللَّهُ يُحِبُّهُ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يُحِبُّهُ مَحْبُوبُهُ؛ لَا يَفْعَلُ مَا يُبْغِضُهُ الْحَقُّ وَيَسْخَطُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَمَنْ فَعَلَ الْكَبَائِرَ وَأَصَرَّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ مِنْهُ ذَلِكَ، كَمَا يُحِبُّ مِنْهُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ، إِذْ حُبُّهُ لِلْعَبْدِ بِحَسَبِ إِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ، مَنْ ظَنَّ أَنَّ الذُّنُوبَ لَا تَضُرُّهُ لِكَوْنِ اللَّهِ يُحِبُّهُ مَعَ إِصْرَارِهِ عَلَيْهَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَنَاوُلَ السُّمِّ لَا يَضُرُّهُ مَعَ مُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ تَدَاوِيهِ مِنْهُ بِصِحَّةِ مِزَاجِهِ.
وَلَوْ تَدَبَّرَ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّ الذُّنُوبَ لَا تَضُرُّنِي وَأَنَا مِنْ أَحْبَابِ اللَّهِ -قَالَ: كَانَ- هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَنَاوَلَ السُّمَّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَا أَنَا لَا يَضُرُّهُ مَعَ مُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ تَدَاوِيهِ مِنْهُ بِمَاذَا؟ بِصِحَّةِ مِزَاجِهِ. إِيشْ يَعْنِي بِصِحَّةِ مِزَاجِهِ؟ مَنَاعَتُهُ قَوِيَّةٌ، أَحْسَنْتَ. يَقُولُ لَكَ: أَنَا مَنَاعَتِي قَوِيَّةٌ فَالسُّمُّ لَا يَضُرُّنِي حَتَّى لَوْ شَرِبْتُهُ فَتْرَةً طَوِيلَةً! هَذَا حَالُ الَّذِي يَعْصِي اللَّهَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَزْعُمُ أَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ عَلَى مَقَامِ مَحَبَّةِ اللَّهِ؛ تَجِدُ الرَّجُلَ يَفْعَلُ الْخِزْيَ وَيَتْرُكُ الصَّلَوَاتِ وَيَجِيءُ يَقُولُ لَكَ: يَا أَخِي مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي الْقَلْبِ، يَعْنِي مَا حَدَا يَتَكَلَّمُ مَعِي، أَنَا أُحِبُّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَرَبُّنَا عَارِفٌ أَنَّي أُحِبُّهُ وَهُوَ يُحِبُّنِي وَهْيَ بِتُعْطِينِي وَشُوفْ أُمُورِي الْحَيَاتِيَّةَ مَاشِيَةً. طَبْ أَنْتَ يَا شَيْخُ تَعْصِي اللَّهَ، تَرَى أَنْتَ صَلَوَاتٌ مَا بِتُصَلِّي، عَلَاقَاتٌ مُحَرَّمَةٌ، حَيَاتُكَ كُلُّهَا بَعِيدَةٌ عَنِ اللَّهِ، يَظُنُّ أَنَّ الْمَعَاصِيَ وَالذُّنُوبَ مِلَفٌّ مُنْفَصِلٌ عَنْ مِلَفِّ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ! وَهَذَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ -يَعْنِي- مَا يُوصِلُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ الَّتِي دَعَاهَا قَبْلَ قَلِيلٍ؛ خَلَّصَ رَفَعَ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَكُلِّ شَيْءٍ وَتَارِكٌ كُلَّ الشَّرِيعَةِ وَإِيشْ يَقُولُ لَكَ آخِرَ شَيْءٍ؟ أَنَا حَبِيبُ اللَّهِ. عَرَفْتُمْ لِمَاذَا قَالَ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ تَزَنْدَقَ؟ سَيْتْرُكُ الشَّرِيعَةَ سَيَرْمِيهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ خَلَصَ هِيَ حُبٌّ. لَا، مَا هُوَ الْحُبُّ فِيهِ خَشْيَةٌ، وَالْخَشْيَةُ بِدَّكَ تَنْقَادُ، هِيَ كُلُّهَا شَبَكَةٌ وَاحِدَةٌ.
نَعَمْ، قَالَ: وَلَوْ تَدَبَّرَ الْأَحْمَقُ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَرَى لَهُمْ مِنَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَمَا أُصِيبُوا بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ الَّذِي فِيهِ تَمْحِيصٌ لَهُمْ وَتَطْهِيرٌ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ، عَلِمَ مُقْتَضَى ضَرَرِ الذُّنُوبِ بِأَصْحَابِهَا وَلَوْ كَانَ أَرْفَعَ النَّاسِ مَقَامًا. وَيَقُولُ: أَنَا مُحِبٌّ فَلَا أُؤْخَذُ بِمَا أَفْعَلُهُ مِنْ أَنْوَاعٍ يَكُونُ فِيهَا عُدْوَانٌ وَجَهْلٌ؛ فَهَذَا عَيْنُ الضَّلَالِ. فَإِنَّ الْمُحِبَّ لِلْمَخْلُوقِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِمَصْلَحَتِهِ وَلَا مُرِيدًا لَهَا بَلْ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْحُبِّ وَإِنْ كَانَ جَهْلًا أَوْ ظُلْمًا، كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِبُغْضِ الْمَحْبُوبِ لَهُ وَنُفُورِهِ عَنْهُ، بَلْ لِعُقُوبَتِهِ لَهُ. وَكَثِيرٌ -إِذًا- يَقُولُ: وَلَوْ تَدَبَّرَ الْأَحْمَقُ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَصَصِ أَنْبِيَائِهِ؛ يَقُولُ لَكَ: الْأَنْبِيَاءُ هُمْ أَعْلَى النَّاسِ أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَمَعَ ذَلِكَ جَرَى لَهُمْ مِنَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنَ أَخْطَاءٍ صَدَرَتْ مِنْهُمْ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَمَا أُصِيبُوا بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ الَّتِي كَانَ مَقْصُودُهَا إِيهِ؟ التَّمْحِيصَ وَالتَّطْهِيرَ مِمَّا يُمْكِنُ قَدْ عَلِقَ بِهِمْ. فَكَيْفَ تَجِيءُ أَنْتَ إِنْسَانٌ عَامِّيٌّ تَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَأَنَّكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَنْتَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟ إِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ هُمْ خِيَرَةُ خَلْقِ اللَّهِ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ وَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ لِيُطَهِّرَهُمْ مِمَّا عَلِقَ بِهِمْ مِنْ بَعْضِ الْأُمُورِ، فَكَيْفَ تَظُنُّ أَنَّكَ أَنْتَ تَصِلُ لِمَقَامِ الْمَحَبَّةِ دُونَ تَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَإِنَابَةٍ وَإِقْلَاعٍ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي؟ هَذَا لَا يَكُونُ، وَهَذَا مِنَ الْحُمْقِ.
نَعَمْ، قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنَ السَّالِكِينَ سَلَكُوا فِي دَعْوَى حُبِّ اللَّهِ أَنْوَاعًا مِنْ أُمُورِ الْجَهْلِ بِالدِّينِ؛ إِمَّا مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ، وَإِمَّا مِنْ تَضْيِيعِ حُقُوقِ اللَّهِ، وَإِمَّا مِنْ ادِّعَاءِ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَيُّ مُرِيدٍ لِي تَرَكَ فِي النَّارِ أَحَدًا فَإِنَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ! إِيشْ يَعْنِي: أَيُّ مُرِيدٍ لِي تَرَكَ فِي النَّارِ أَحَدًا فَإِنَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ؟ هُوَ طَبْعًا هُوَ فَقَالَ: فَإِنَّهُ أُظُنُّ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ قَدْ يَكُونُ حَتَّى مَا يَنْسُبُ؛ فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ. إِيشْ يَعْنِي أَيُّ مُرِيدٍ لِي تَرَكَ فِي النَّارِ أَحَدًا فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ؟
أَحْكِي يَا أُسْتَاذُ؟ أَهْ، أَيْ أَنَّهُ هُوَ يَعْنِي -يَعْنِي- مُرِيدُهُ طَالِبُهُ يُخْرِجُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْرِجَ كُلَّ مَنْ فِي النَّارِ، فَإِذَا لَمْ يُخْرِجْ كُلَّ مَنْ فِي النَّارِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ. أَحْسَنْتَ، يَعْنِي كَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي النَّارِ، فَبِالتَّالِي أَيُّ شَخْصٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النَّارِ، وَإِذَا تَرَكْتَ أَحَدًا فِي النَّارِ حَتَّى مِنَ الْكُفَّارِ أَنَا مِنْكَ بَرِيءٌ! وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
قَالَ فَقَالَ الْآخَرُ: أَيُّ مُرِيدٍ لِي تَرَكَ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ النَّارَ فَإِنَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ! وَهَذَا (يَعْنِي) أَعْطَى كَهْفَهُ أَوْ مِثْلَهُ (يَعْنِي): أَيُّ مُرِيدٍ لِي تَرَكَ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ النَّارَ فَإِنَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ، يَعْنِي أَنَا بَرِيءٌ مِنْ هَذَا الْمُرِيدِ. كَمَّلَ قَالَ: فَالْأَوَّلُ جَعَلَ مُرِيدَهُ يُخْرِجُ كُلَّ مَنْ فِي النَّارِ، فَالْأَوَّلُ.
الصاحب مقول له: جعل مريده يخرج كل من في النار. نعم. قال: والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار. نعم. ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد العياذ بالله. وهذا هو الذي قاله قبل قليل، يصبح يدعي شيء من مقامات الربوبية، كأنه شايف نفسه أنه يعني يدير الكون مع رب العالمين، ويدير المشهد مع رب العالمين والعياذ بالله.
نعم قال: ويقول قال: وأمثل ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشاهير وهي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم. ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبه وفناء يسقط فيها تمييز الإنسان أو يضعف حتى لا يدري ما قال. يعني هذا أكثر اعتذار لابن تيمية لهؤلاء يعني. قال: إذا بدي أعذر اللي بتكلم هذا الكلام، بدي أقول: واصل لمرحلة من الفناء اللي نسي حاله فسقط عقله فتكلم بكلام هو لا يعرف ما هو. يعني إذا بدي أعذره، يعني تكلم هو مش فاهم شو بحكي، ولا هو لو كان فاهم شو بحكي هذا الكلام كفر طبعا. إيش تنصب خيمتك على النار تمنع أحد يدخل النار؟ يا أنت، أين تصل بك الأمور؟
اه شيخ، على هذا الاعتذار لشيخ الإسلام، هو يقتضي أن الإنسان إذا صحى أنه يتراجع عن هذا الكلام؟ أما إذا ثبت، آه طبعا، لكن هو يقول لك: إذا تنبه، فانتبه. نعم قال: والسكر هو لذة مع عدم التمييز. ولهذا كان من هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام. والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للححب والشوق واللوم والعزل والغرام، كان هذا أصل مقصدهم. ولهذا أنزل الله للمحبة محنة يمتحن بها المحب فقال: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. نعم فهذه المحبة الكاذبة أو المحبة غير الشرعية مما يفعلها أيضا كثرة الاستماع للاناشيد والقصائد التي تتكلم فقط عن مقامات المحبة ويصبح الإنسان موله فيها وعايش في أنغامها بدون أن يوجد دليل المحبة الصادق وهو الاتباع. فلذلك قال: ولهذا أنزل الله للمحبة محنة، المحبة الصادقة هناك محنة تمتحن بها محبتك. ما هي المحنة يا شيخ عمار؟ الاتباع؛ إذا أنت تتبع الشريعة ومتمسك بها هذه علامة المحبة الصادقة ولا غير كدة هذه دعاوى باطلة.
نعم قال: فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته تحقيق العبودية. وكثير ممن يدعي محبة يخرج عن شريعته وسنته، ويدعي من الخيرات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. حتى قد يظن أحدهم أن سقوط الأمر وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته، بل قد جعل أساس محبة الله ومحبه رسوله الجهاد في سبيله. والجهاد يتضمن كمال المحبة؛ كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه. ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 54]. نعم. ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبادة من قبلهم، وأكمل هذه الأمة بذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل. فاين هذا من قوم يدعون المحبة؟ المحبة هي جهاد في سبيل الله، أن تقاتل أعداء الأمة، وأن تقف وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتتمسك، مش المحبة تسمع أناشيد وقصص وتكون قاعد في ملاهي ورقص. قال: أين هذه المقامات؟ إيش مقام الصحابه في المحبة؟ هي مقام بدر، وأحد، والخندق، وغزوة تبوك، وهذه المقامات الصعبة هم الذين كملوا المحبة حقيقة. من يريد يدعي المحبة عليه أن يسير على خطى الصحابة، المحبة التي دفعتهم إلى أن يجاهدوا في سبيل الله ولا يخشوا في الله لومة لائم.
قال: فأين محبة الصحابة التي تقوم على الجهاد والمتابعة والانقياد عن المحبة المزعومة؟ نعم قال: وفي كلام بعض الشيوخ المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان. شوف هذا الكلام الباطل الذي أيضا ابن تيمية يرد عليه يقول: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. هسا هاي الكلام مثلا لما تقراوه لبعض الصوفية بتقول يا اخي ما أجمل ه العبارة، لكن ه العبارة خطيرة جدا. ه العبارة قد تصل بصاحبها إلى الكفر، شوف ظاهرها وشوف باطنها، هي مشكلة ابن عربي وابن سبعين وهؤلاء اللي هي العبارات المموهة التي الإنسان فينا لما يكون مبتدئ بفكرها من أجمل الكلمات، لكن لما يبدأ يحرر ما وراها ويعرف أين وصلت بهم؛ وصلت بهم إلى الكفر والعياذ بالله.
شوف شيخ الإسلام يقول: وفي كلام بعض الشيوخ المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. طب هنا عن أي مراد بكلم المراد الشرعي ولا الكوني؟ المراد الكوني فيقول: إذا كنت تحب الله حقا فعليك أنك تحرق في قلبك ما سوى مراد الله الكوني اللي هو الوقوف مع مشهد القضاء والقدر فقط اللي حكينا عنه المجلس الماضي. ف يعني يقول لك: إذا كنت تحب الله حقا فعليك فقط أن تشاهد وتحرق كل ما سوى، يعني عليك أن تحرق كل ما سوى المراد الكوني وتقف فقط مع المراد الكوني. طبعا المراد الكوني ماذا يتضمن من إرادة الله الكونية؟ وجود الكفار، وجود المعاصي، وجود كذا. بقول لك: إذا كنت تحب الله حقا فعليك أنك تحب الذنوب والمعاصي، عليك أن تحب الكفر، عليك أن تحب كل ما يحصل من جرائم ومن ومن كذا. ليه؟ لأنها مراد المحبوب هيك، لأنها مراد المحبوب؛ ما دام المحبوب حبيبي الله عز وجل أراد وجود الكفر قدرا وقضاء وأراد وجود الظالمين قدرا وقضاء إذا يجب أن أشاهد هذا وأرضى به وألتف به. وهل هذا يقوله عاقل؟ وهل الإرادة الكونية تعني أن الله يريد منك أن تحب هذا الشيء وتطيل وتنظر فيه؟ لذلك ماذا قال؟ قال: وأرادوا بهذه العبارة أن الكون كله قد أراد الله وجوده بكل ما فيه فظنوا أن كمال المحبة لله أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان، هيك أنت بتكون أحببت مراد المحبوب، وهذا خطأ في العقيدة.
فكون الشيء أراده الله كونا هو لم يطلب منك أن تحبه؛ إن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر، إذن هو سبحانه لا يرضى الكفر مع أنه أراده كونا، فكيف أنت تقول أنا أرضاه وأحبه؟ لا يرضى لعباده الكفر لا يحبه لا، وإن كان أراده كونا لحكم وغايات. فكيف أنت تقول: أنا أحب الكفر وارتضيه؟ قال: ولا يمكن أحدا أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره.
ولا يمكن أحد أن، ولا يمكن لأحد، أظنها أظن العبارة فيها مشكلة. في أحد عنده نسخة أخرى؟ ولا يمكن أحدا أن يحب، يعني أنا شايفها شوي بعيدة، يعني ممكن يكون لها وجه بس ليست هي المعتادة على الأقل فيما يترقى السمع. ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره، ولكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم. يعني هو يريد أن يقول: هذا الكلام هو يخالف الفطرة الإنسانية، أن تقول أنني يجب أن أحب كل مراد محبوب الكوني حتى الكفر والفسوق والعصيان، يقول: هذا بما هذا لا يمكن لعاقل أن يقوله، لماذا؟ لأنه لا يمكن لأحد أن يحب كل شيء موجود، بل الإنسان بفطرته يحب الأشياء التي تلائمه وتنفعه وينفر من الأشياء التي يبغضها ولا تلائمه تمام. طب لماذا قالوا هذا الكلام؟ قال: هذا الكلام الذي يقولون هو فقط اتباع لأهوائهم واللي هو لا يمثل واقع. لذلك ماذا قال؟ قال: ولكنهم استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم. يعني إطلاق مثل هذه الكلمات دعك منها، هذه مجرد دعاوى عريضة، الكلام سهل زي ما بقولوا لكن ليس لها حقيقة في الواقع، فقط هي أنه بده يعبر عن معنى المحبة بهذه الطريقة. لكن هل هذا يمثل واقع الإنسان وفطرته؟ هذا لا يمثله، فالإنسان يحب أشياء ويبغض أشياء، فكيف تقول أن الإنسان عليه أن يحب كل مراد محبوبه الكوني حتى ولو كان كفرا وفسوقا وظلما؟ بدك إياني أرضى ما يحصل مع إخواننا في غزة وأحبه وأنظر إليهم محبا له، والله هذا مراد الله الكوني؟ وأنظر إخواني في السودان واغتصاب النساء وكذا، والله هذا مراد محبوب الكوني كون إرادة قدرا؟ هل يعني أن أحبه وأن أرتضيه؟ خلاص هذا مقام المحبوب.
إخواني هذه مشاكل الصوفية العميقة التي ربما طلاب العلم المبتدئين أو حتى في الجامعات والذين يدرسون على أيدي هؤلاء، هم لا يعرفون تبعات هذا الفكر وخطورة هذا الفكر، وأنه يمكن أن يلقيهم خارج أسوار الشريعة. لأنه في بادئ الأمر لا يهمهم هذه النظريات ولا يخبرونهم بهذا الكلام، يخبرونهم أن التصوف إنما هو إيه يا أخي؟ محبة وعلاقة بالله وتزكيه وصلاح قلب، ولا يخبرونهم أنه في النهاية إذا تعمق الإنسان في كلام أصحاب هذا الطريق يصل للكفر والخروج عن أسوار الشريعة. هذه قديمة، أن يتعلم الإنسان التوحيد قبل أن يتكلم في الإيمانيات والروحانيات وهو لا يعرف كيف يتكلم بها وفق عقيدة أهل السنة والجماعة.
نعم قال: فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة زاعمين أن هذا من محبة الله. يعني هو باختصار هو ليش بقول لك يعني بدنا نحب نقف مع مراد المحبوب؟ مثلا هو كان مثلا صار وزير هذا الصوفي واللي صار ملك واللي صار عنده معشوق أو شيء، بيقول لك يا أخي ما حدا يعترض عليه، هذه المحبة لله أن تقف مع مراد المحبوب. يا أخي ربنا أراد اللي أصير وزير أنا أقف مع مراد الله. هو أنت انبسطت أنك صرت وزير أو صرت مسؤول أو صار لك معشوق أو كذا، فتوهم الناس أنه أنت يا أخي من أهل المحبة الصادقة التي تقف مع مراد الله الكوني. بس خلي واحد شوي يحك في جيبتك سيدي، خلي واحد شوي يطلب منك مال، لا يا أخي الله يرضى عنكم ما حدا يطلب مني. طب مراد المحبوب، هو مراد المحبوب بس أنت تصير وزير، هو مراد المحبوب بس أنت تصير مسؤول، وبعدين لما يجي واحد يحك في جابته يقول لك أعطيني، بيبطل في مراد للمحبوب هون.
لذلك هذا معنى قوله: ولكنهم استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم. كأنه يعني تحقيق حتى رغباتهم الدنيوية. ولذلك التصوف والملك متقاران حتى في تاريخ الدولة مسلمة، الصوفية كانوا أقرب الناس إلى البلاط الملكي، أقرب الناس إلى بلاط الملوك عبر تاريخهم، انسى الآن الأفراد الصادقين منهم كأفراد في حتى ما في أفراد صادقين كأفراد، لكن عموما عموما كانوا هم أقرب الناس إلى بلاط الملوك ويتسولون على أبوابهم.
تمام قال: ومن محبة الله بغض ما يبغضه رسوله، مما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال. وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله الإرادة الكونية في كل الموجودات، شايفين؟ إذا مراد لا يقصد الإرادة الكونية.
نعم قال: أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله هذه المقالة، فانه يقصد الإرادة الدينية الشرعية. أحسنت، هذه المقالة لو قالها رجل من أهل السنة يمكن أن تكون صحيحة. لو قال رجل المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب وفسرت المراد بالإرادة الشرعية لكان المعنى صحيحا، أن تزيل من قلبك كل ما لا يريده الله شرعا، اه بيقول لك هذا التعريف صحيح.
نعم قال: التي هي بمعنى محبته ورضاه. وهذا إجابة عن السائل الذي يسال هل يمكن تفسر بالإرادة الشرعية؟ نعم إذا فسرت بالإرادة الشرعية فهو صحيح. قال: فكانه قال تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله. وهذا معنى صحيح، فان من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحب الله، فإذا أحببت ما لا يحب الله فكانت المحبة ناقصة. وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبا لله. يعني قضاؤه بالكفر والفسوق والعصيان هو قضاؤه كونا، لكنه سبحانه يبغضه، وهو سبحانه يسخطه، وهو سبحانه ينهاك أن تقع في مثله، فيجب عليه أن اتبعه في بغضي لهذا القضاء باعتباره وجود باعتباره طبعا المفعول الموجود وبغضي وسخط له ونهي عنه، وليس باعتباره طبعا فعلا لله كما سياتي تحريره.
نعم قال: فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبا له، بل محبا لما يبغضه. فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه، وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته ومتبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته. إذا هو جعل ميزانين، قال: لاحظوا في صفحة 108.
وبدا يحرر الفرق بين المحبة التي يدعيها أهل السنة والجماعة، والمحبه التي يدعيها أهل التصوف. فيقول: ولهذا أنزل الله، قال: أنزل الله للمحبة محنة يمتحن بها المحب. أول محنة ما هي؟ اتباع النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: 31]. والمحنة الثانية، إيش هي؟ الجهاد في سبيل الله، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله. فهاتان علامتان أساسيتان للمحبة.
لذلك جاء فقال: فإذا الخلاصة، فاتباع الشريعة التي دلت عليها الآية الأولى، والقيام بالجهاد في سبيل الله الذي دلت عليه الآية الثانية، هما أعظم الفروق بين أهل المحبة الصادقة الذين يحبهم ويحبونه، وبين من يدعي المحبة ادعاءً فقط، ناظراً إلى مقام الربوبية والقضاء والقدر، أو متبعا لبعض البدع المخالفة للشريعة؛ بتلاقيه بيقول لك، يتكلم عن المحبة وهو من أهل البدع. فإن دعوى هذه المحبة لهؤلاء الصوفية هي من جنس دعوى اليهود والنصارى أنهم أحباب الله. فهذه من نفس الدعاوی العريضة الكاذبة.
فإن اليهود والنصارى لما ادعوا أنهم أحباب الله، كذبهم الله في ذلك؛ لأنهم لم يتبعوا الله ولا شريعته. فكذلك من أهل الإسلام من يدعي أنه يحب الله ولا يتمسك بشريعته، فهو على طريقه اليهود والنصارى في ادعاء المحبة الكاذبة دون وجود أدلة عليها. قال: بل قد تكون دعوة هؤلاء شرا من دعوة اليهود والنصارى؛ لما فيهم من النفاق الذي هم به في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله، كما قد تكون دعوة اليهود والنصارى أشر من دعواهم؛ إذ لم يصلوا إلى مثل كفرهم.
فيقول: يعني احنا دعوة هؤلاء الصوفية هي قد تكون أحيانا أسوأ من دعوة اليهود والنصارى، إذا كانوا بها منافقين نفاقا أكبر يجعلهم في الدرك الأسفل من النار، وقد تكون يعني من باب الإنصاف أحيانا أخف من دعوة اليهود والنصارى، إذا لم يصلوا إلى الكفر والنفاق الأكبر وإنما قصروا في مقام تحقيق المحبة الصحيحة.
طبعا، هذا الذي يبهرك في ابن تيمية رحمه الله عليه، قدرته على إسقاط الآيات القرآنية على واقعه. يعني أن يأخذ الآية القرآنية التي كانت في سياق معين، ويعيشك معها وتنزلها على واقعك؛ فهو أنزلها على واقع الصوفية، وفهم هو استطاع أن يفهم من تلك الآية أموراً أنت ربما ما قادر تفهمها، أن اليهود والنصارى ادعوا محبة الله فكذبهم الله في هذه المحبة لأنهم لم يتبعوا شرع الله. طيب كيف اسقط هذا على واقعي؟ أن كثيرا من المنتسبين للإسلام يدعون محبة الله وهم لم يتبعوا شرع الله، فهذا مثل هذا. هذه القدرة على استثارة الآيات وإسقاطها على الواقع، هذه يعني تثرييك في ابن تيمية إثراءً كبيراً.
نعم، قال: وفي التوراة والإنجيل من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس. نعم، الناموس يعني جبريل. نعم، قال: وفي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيحي أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم براء من محبة الله؛ إذ لم يتبعوا ما أحبه الله، بل اتبعوا ما أسخط الله وكره رضوانه فأحبط أعمالهم.
نعم، قال: والله يبغض الكافرين ويقتلهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه. لا يمكن أن يكون العبد محباً لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم. كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: «من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». وقد أخبر سبحانه أنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب، كما في الحديث الصحيح: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» الحديث.
طيب، نسأل سؤالاً؛ حتى يكون الإنسان مترابطاً في الكلام في الكتاب: هو لماذا هذا الإطناب في موضوع الكلام عن المحبة؟ يعني لماذا كل هذه الأمور وتحرير الفرق بين محبة أهل السنه ومحبه التصوف والمحبة الصحيحة والكاذبة؟ هو يعني حتى أبقى أنا مع جسد الكتاب: هو ليش هون يعني لماذا نتوسع في الكلام عن المحبة؟ ما علاقة هذا بموضوع الكتاب؟ فهمتم؟ هو ماذا يريد؟
العبودية المحبة، يتطرق له هذا الموضوع، بده يتطرق لموضوع المحبة باعتبار أن بعض الناس أخطأ في.. ماذا أيضاً؟ السؤال الذي جاء في أول كتاب، جاء ذكر المحبة، أنه هل هي العبودية؟ مين أعلى؟ وكذا. نفس السؤال الذي جاء في بداية الكتاب تماماً، أنه قد يكون أحد الأسئلة التي فعلا وردت أول الكتاب، لكن خليني أجي على النقطة التي تكلم فيها، ماذا؟ أن العبودية قال هي كمال الحب مع كمال الذل والخضوع. قال قبل قليل: وأخطأ من زعم أن العبودية هي فقط ذل وخضوع، ويرى أن المحبة فيها ماذا؟ رعونه وانبساط وإدلال لا يليق بمقام العبودية. فأراد أن يبين: لا، إن المحبة إذا كانت صحيحة فليست فيها رعونة وانبساط، لأن المحبة هنا محكومة بالاتباع والاقتداء والجهاد في سبيل الله، فهي مرتبطة بالذل والخضوع وليست منافية للذل والخضوع.
إذاً، هو لما رأى أن بعض الناس لما يعرف العبودية يحصر العبودية في الذل والخضوع فقط، ويرفض إدخال المحبة فيها تماماً؛ يبين لماذا يرفض إدخال المحبة؟ لاعتقاده أن المحبة فيها انبساط، رعونة، إدلال لا يليق بمقام أن يكون هذا عبد وذاك رب. فأراد أن يبين أن المحبة عند أهل السنة والجماعة لا يوجد فيها هذه الرعونة والانبساط والإذلال كما هو الحال بمفهوم المحبة عند أهل التصوف.
أي نعم، المحبة التي يدعيها أهل التصوف تنافي معنى العبودية، بل هو أصلاً يصبح مع الوقت يدعي أنه مشارك للرب؛ فهذه المحبة نعم لا نرتضيها. أما المحبة على طريقة السلف، المحبة المرتبطة بالاتباع والجهاد في سبيل الله، فهذه لا تنافي العبودية بل هي جزء منها؛ لأن هي أصلاً مرتبطة بالاتباع، مرتبطة بالجهاد، فهذا هو جزء من العبودية.
نعم، قال: وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياء في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى محبة الله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهده في سبيله ونحو ذلك. ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوماً، فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم ديناً كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم ديناً. ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدون.. كما يدعي النصارى في المسيح، ويثبتون للخاصة.. ثم إنهم ينتقصون العبودية، يعني يرون أن العبودية مش أعلى المقامات، ويدعون أن خاصة الخاصة يتعدون العبودية بتصير على الرف، وأن ما هو أهم منها المحبة.
نعم، قال: وإثبات أن الخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح، فيصبح الخاصة تجاوزوا أن يكون عبداً إلى والعياذ بالله أن يشارك الله في الربوبية كما قلنا قبل قليل.
نعم، قال: إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع، وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة. وبقدر تكميل العبودية تكمّل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا. وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك. وكل محبة لا تكون لله فهي باطله، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل؛ فالدنيا ملعونة ملعونة ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع، وكل عمل اريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله. بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقاً لمحبه الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب.
كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110]، يعني الموافق لمحبه الله. العمل الموافق لمحبه الله هو يشمل الواجبات والمستحبات في الشريعة. نعم، قال: هو الواجب والمستحب، كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب، ولا بد أن يكون خالصاً لوجه الله، كما قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، واليه دعا الرسول صلى الله عليه وسلم وعليه جاهد وبأمر وفي رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه.
ما هو إخلاص الدين لله؟ ما هو الأصل الذي تتكلم عنه هنا؟ إخلاص الدين لله.
نعم، قال: والشرك غالب على النفوس، وهو كما جاء في الحديث وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وفي حديث آخر قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: «يا أبا بكر، ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم».
وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله لك صالحاً واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وكثيراً ما يخالط النفوس من شهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله وأبوتها وعبوديتها له وإخلاص دينها لله. كما قال شداد بن اوس: يا نعايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية.
وعن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في حضيرة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فبين صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف فساد الدين، ولا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين زريبة الغنم. وذلك بين أن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص. وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته لم يكن شيء أحب إليه من ذلك، حتى يزهد في الحرص على الشرف، يزهد في الحرص على المال.
نعم، قال: وبذلك يصرف عن أهل الإخلص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. لأن العبد المخلص لله أيضاً لا يشتغل بالتفكير بالشهوات بالنساء وما شاكل ذلك، لا يفسد؛ أنه خلص، هو وصل إلى محبة صادقة، صرف حبه خالصاً لله، فكل ما سواه من مال وشرف ونساء وشهوات.. لأن ما الذي يجعل الإنسان يقع في السوء والفحشاء؟ هو أنه يتعلق بالصور، كما ذكرنا قبل، يتعلق بهذه المخلوقات، فتجده يعني قلبه يفكر بها، خواطره تتجه إليها، واللو كمل اخلاصه وحبه لله لما أعطى هذه الصور مساحة تفسد عليه هذه المحبة لله.
فإن المخلص لله، نعم، قال: فان المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبودية لغيره، من حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبة غيره. يعني لا يمكن أن تستأثرك فتاه باختصار؛ لا يمكن للمحب لله حقيقة، المخلص في المحبة لله، أن تستأثرك فتاه ويصبح يفكر بها وتجول في عقله؛ فإن التعلق بالصور هو ضعف في تحقيق العبودية لله أو في إخلاص العبودية وإخلاص المحبة لله.
نعم، قال: إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا أذى ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاص الدين له. وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه راغباً راهباً، كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 33]. إذاً، المحب يخاف من زوال مطلوبه وحصول مرهبه، فلا يكون عبد الله ومحبته إلا بين خوف ورجاء.
قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]. وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فيصرف عنه ما يضد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك. بخلاف القلب الذي لم يخلص لله، فإن فيه طلباً وإرادة وحباً مطلقا، فيهوى ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مر به عطفه وأماله؛ فتارة تجذبه الصور المحرمة...
بخلاف القلب الذي.. شوف هذا الكلام، هذه الفقرة ممتازة مميزة، يقول يعني هي خلاصة: وإذا كان العبد مخلصاً لله اصطفاه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فيصرف عنه ما يضاد ذلك. فالله يصرف عن قلبك
ما يضاد مقام محبتك له من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، تمام قال: فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك. كأن الله يغار على قلبك أن يجد فيه سواه، يغار على قلبك أن يجد فيه سواه، فيصرف عنه ضد ذلك كل ما هو ضد من التعلق بالصور وما شابه ذلك، طيب قال: بخلاف القلب الذي لم يخلص لله، فإن فيه طلباً وإرادة وحباً مطلقاً، فيهوى ما يسنح له، أي شيء يخرج له؛ من امرأة، من مال، من دنيا، ويتشبث بما يهواه كالغصن الضعيف، أي نسيم مر به عطفه وأماله، مرت فتاة تعلق فيها، راحت اجت غيرها راح عليها، دنيا منصب راح قلب غصن ضعيف. فتاره تجذبه الصور المحرمة بل حتى غير المحرمة، يعني تجد مثلاً يتعلق بزوجته تعلقاً مرضياً، يعني أحياناً قد تكون الصورة مش محرمة عليك، لكن التعلق بها تعلق مرضي عم يشغلك عن محبة الله سبحانه وتعالى، فتجده متعلقاً بالصور سواء محرمة أو حتى غير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك نقصاً وعيباً وذماً.
نعم، قال: وتاره يجذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، يعادي من يذمه ولو بالحق. وتاره يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله، ومن لم يكن مخلصاً لله عبداً له، قد صار قلبه مستعبداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من سوء الفحشاء ما لا يعلمه إلا الله.
إذاً، بس هذه باللغة اقرأها عندك في نسختك ومن بداية الفقراء ومن لم هي آخر فقرة أخيرة، ومن لم يكن مخلصاً لله عبداً له قد صار قلبه مستعبداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه ويكون ذليلاً له خاضعاً وإلا نعم استعبدته الكائنات. تمام يعني يقول لك إذا لم تحقق هذا المعنى من الإخلاص والعبودية إلا ستستعبد.
يقول هذا نعم، شخص كلمة وإلا هون ما لها موضوع، هي تتردد كثيراً في كلام ابن تيمية وابن القيم، يعني وإلا هون بتعكس المعنى، يعني لا هو شوف هو بده يقول لك: إذا لم يكن مخلصاً لله قد صار قلبه مستعبداً لربه وحده لا شريك له، يريد أن يقول: ستعبد الكائنات، من لم يحقق هذا الإخلاص ستعبد الكائنات، فهمت علي؟ لو أزيلت كلمة وإلا لو قال: ومن لم يكن مخلصاً لله استعبدته الكائنات، أنا فاهم عليك هي ستكون كأنها حشو هنا ذكر هنا حشو، بس هو كأنه يستحضرها في سياق الطرد أو الاستبعاد، وإلا هي الجملة تكمل ومن لم يكن مخلصاً لله استعبدته الكائنات هيك بده يقول، فذكر وإلا هنا في نوع من الحشو، ولا أدري لماذا هو يستعمله في أكثر من موضع.
نعم، قالوا: هذا أمر ضروري لا حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفا مقبلاً على الله معرضاً عما سواه وإلا كان مشركاً، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]. وقد جعل الله سبحانه إراهيم وآل إراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين من أهل المحبة، أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين المتبعين أهوائهم.
قال تعالى في إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 72-73]. وقال في فرعون وقومه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 41-42]. ولهذا يصير اتباع فرعون أولاً إلى أن لا يميز بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشامله، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق، بل يجعلون وجود هذا ووجود هذا يقول محققهم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله بهم من الأمر والنهي.
تمام هو رجع يرد على الصوفية في هذه الفكرة التي ذكرناها مرارا وتكرارا، تمام أن الإنسان عبوديته لله تقتضي أن لا يقف فقط مع مقام الربوبية بل يجب أن ينتقل إلى مقام العبودية، وأن العبودية لله كما أنك تتعبد الله في ربوبيته فتقر به ربا مدبرا مصرفا عليك أن تتعبد في ألوهيته فتخلص العبودية له وشرعه، فالصوفي وقفوا مع مقام الربوبية وغفلوا الانتقال إلى مقام الألوهية وهذا الذي قادهم إلى الوقوف مع القدر مطلقا ومحبه القدر مطلقا محبه المقدرات خليني أقول عموما ليش محبه المقدرات مطلقا الطاعة والكفر المؤمن والكافر فسوى بحجه أنها كلها ماذا قدر الله، وهذا والعياذ بالله من أكبر الكفر والبهتان وعدم فهم وتحقيق معاني العبودية التامة لله سبحانه وتعالى.
ليش الحقيقه فيها معصية؟ نعم، لماذا الحقيقه فيها معصية بلا طاعة؟ ويقول محقق انت بس خليني أقف على أي مقولة تقول، نعم نعم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، هذا كلام ويقول محقق الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، هو كأنه لا يقصد بالمعصية أيوه ممكن تكون إنه الشريعة فيها طاعة وعصيان، الشريعة تحكم على الشيء إنه هذا طاعة وهذا معصية، أما الحقيقة فلدرجة أنه يرى أنه كل عمل يققدمه ليس شيئا في جنب الله فكله معصية، بعدين إذا وصل للتحقيق بيقف مع القدر.
ماذا ايش قلت في الحقيقة؟ إنه وصل لدرجة أنه يعني لا يرى ما يفعله شيئاً بجنب مراد الله عز وجل، يرى كل ما يفعله معصية. يعني هو شوف الذي يظهر لي أن قوله: الشريعة فيها طاعة ومعصية، أنه هذا المقام أنت تشاهد فيه الطاعات وتشاهد فيه المعاصي، يعني هذه ببسموها مقام العامة اللي فعلاً في طاعات يشاهدوها ومعاصي عليهم أن يتركوها. قال: والحقيقة فيها معصية بلا طاعة، معصية بلا طاعة يعني الذي يظهر لي والله أعلم أنه يقصد هنا أنه أصبح يرى أن كان انشغاله بهذه الأمور التي ينشغل بها العامة هي كأنها معصية لله، يعني انشغاله بما ينشغل به العامة معصية، فيجب أن لا أنشغل بما ينشغل به العامة حتى في مقام الطاعات، حتى الطاعات التي يفعلها العامة أنت تجاوزت مقام العبودية فإذا انشغلت بالطاعة حتى بالطاعات وأصبحت تفر فكان هذا نوع من المعصية في حق من وصل إلى هذه المراتب، ما زال عندهم نوع تمييز لكن هذا التمييز والعياذ بالله يوصلهم إلى ماذا؟ يقول إنه كل يجب أن أترك كل شيء وأكون مع الله، مش هي الحقيقة اللي هو مشاهدة الله بس، فإذا وقفت مع أي شيء سوى الله حتى لو كان طاعات أنت عاص.
الفرق التي بعد اه الفرق التي والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، اللي هو أعلى مقامات الفناء. الدر لا لا لا مش أعلى مقامات الفناء اتحاد الخالق بالمخلوق بالتالي لا تصبح تشاهد أصلاً السوى، حتى السوى لا تشاهده، يعني أنت في المقام كأنه يريد أن يقول هناك ثلاثة مقامات، مقام العامة الذين يشاهدون كل شيء وبالتالي في طاعات وفي معاصي، في مقام الثاني مقام أنت تشاهد فيه سوى الله أنت تجاوزت مقام العبودية اللي في طاعات ومعصية لكنك ما زلت تشاهد السوى فترى أن كل ما سوى الله ما هو معصية انشغالك به ونظرك إليه حتى ما كان فيه طاعات وإقبال وعبوديات كل ما سوى الله ما هو معصية والله هو الموجود الوحيد. المرتبة الثالثة حتى مشاهدة السوى ما عاد تراها فما اصبحت تقول أن هناك ما سوى الله معصية والله هو الحق الوحيد، لا حتى فيش سوى اللي هي مرحله الاتحاد اللي وصل إليها ابن عربي ومن شابههم، أن كل شيء هو واحد الله هو الكون والكون والله، فحتى السوى ما عدت تشاهده أصلاً، فما عاد لا طاعة ولا معصية ما عاد حتى أنت تقول ما في الحالة الثانية أنت ايش كنت تقول؟ ما سوى الله النظر إليه معصية ذنب في حق هذا الذي وصل إلى مرتبة المشاهدة، لكن في المرتبة الثالثة حتى ما في سوى حتى السوى راح وأصبح ترى الاتحاد بين الخالق والمخلوق اللي هو مذهب ابن عربي، فلما تصبح ترى أن الكون هو الله والله هو الكون وأنه لا يوجد شيء اسمه سوى الله، فبالتالي ما في فرق بين الطاعة والمعصية.
نعم، في صفحة 116 نعم مقرا هو سطر الرابع المتخ افتارت تجذبه صور المحرم وغير حرم فيبقى اسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا لكان ذلك ص عيب المدمن العبارة الأخيرة ما فيبقى أسيراً طيب، فتاره تجذبه الصور كالغصن أي نسيم مر به عطفه أماله، فتاره تجذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى هذا الإنسان التي تجذب صور أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لمن لو اتخذه هو عبداً له هو يعود على من أزن ما تعود على الصور المحرمة وغير المحرمة اه لو لطب لمن لو اتخذه هو يعني تلك الصورة عبداً له لكان ذلك ايش نقص نقصاً في من نقصاً في الشخص المتخذ هذا الشخص الذي يعني وكان هذا الشخص الذي هو محب صورة محرمة أو غير محرمة طيب فيقول لك أنت تعبده تلك الصورة وهذه الصورة لو كانت عبداً لك لو كانت هي عبدك الذي اتخذته لك لكانت نقصاً فيك ومن فيك فكيف إذا اتخذته أنت إلهاً لك مربوب تعبده؟ إذا لو هي الصورة أصبحت تتخذ كأنت عبداً لكان ذلك نقصاً وعيباً وذماً فكيف لو أنت اتخذتها واستأثرت لها؟ يعني هي لو لو لو هو يريد يقول فيبقى أسيراً عبداً لهذه الصورة التي هي لو اتخذتك أنت عبداً لها لكان ذلك نقصاً وعيباً وذماً.
العبارة الأولى فيبقى أسرا عبدا يعني هو العبد هو عبدا نعم لو اتخذه يعني لو انعكست الصورة لو هو اتخذ هذه الصورة عبداً لكان نقصاً عفواً عفواً لو هو لو هو اتخذ الصورة عبده له عفواً أحسنت لو هو اتخذ الصورة عبده له لكان ذلك ذماً. هو يريد أن يقول بالخلاصة هي لا تصلح أن تكون عبداً فضلاً أن تصلح أن تكون ربا، هو يريد أن يقول إنه هذه الصورة لو وأنت جعلتها عبد الك لكانت منقصة فيك فكيف أنت متخذها رباً لك؟ فهمت ما بعرف إذا العبارة واضحه هي الصورة يا زلم أنت يعني كيا رجل أنت ما بترت بتقول مثلاً واحد عندك مغلبك وأنت حاطه مسؤوله في الشغل بقول يا رجل لو كان شغال عندي ما برتضي، فكيف أخليه مسؤول علي فهمت علي؟ لو كان شغال عندي أنا ما برضاه لكان عيب يعني أحياناً بتكون صورة مهترئة صورة يعني تقول بتلاقي واحد تعلق بصوره فارطة تعبانه بتقول يا شيخ لو كانت عبده عندي والله ما برضاها أخليها سيدة علي يعني أنا مستأسرين يريد أن يقول.
نعم، قالوا: أما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء هم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق وبين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما زاد تحقيقاً زادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له وإعراضه عن عبادة غيره وحبه غيره وطاعة غيره، وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وخلقه، والخليل يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77]. ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى، مثال ذلك اسم الفناء، فإن الفناء ثلاثة أنواع: نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء، ونوع للقاصرين من الأولياء والصالحين، ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين.
فأما الأول فهو الفناء عما سوى الله بحيث لا يحب إلا الله، الآن أراد أن يبين أن الفناء وإن كانت عبارة تكثر عند أهل التصوف لكن يمكن أن تقطى معنى صحيحاً. قال: مثال ذلك اسم الفناء، فإن هناك هو نوع للكمان عند الأنبياء والأولياء ونوع للقاصرين ونوع للمنافقين، كل واحد له فناء خاص به. فالفناء الأول هو الفناء عما سوى الله تعالى بحيث لا يحب إلا إياه ولا يخاف إلا منه ولا يرجو إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره، وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد البسطامي حيث يقول: أريد أن أريد إلا ما يريد، يعني أريد أن لا أريد شيئاً إلا ما يريده ربي سبحانه وتعالى، وهو المراد بالإرادة الأيش هنا طبعا الدينية الشرعية.
طيب قال: أي المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية، وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين. وهذا معنى قولهم في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بَقْلِبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]. قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، فالمعنى واحد. وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسمى هو أول.
الإسلام آخره وباطن الدين وظاهره، سميته فناءً ما سميته فناءً، لا يهمني هذه التسمية، لكن هي حقيقة الدين. نعم، سمو الفناء عن قصد السوى، ماشي؟ هي يسمى فناءً عن قصد السوى، أن تقصد سوى الله عز وجل محبة ورضا. نعم، قال: وأما النوع الثاني فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين، فإنهم لفرط جذب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، ولا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون إلا به، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فَؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: 10]، قالوا: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى. يعني هذا معنى الفراغ، فرغ قلبها من كل شيء إلا من ذكر موسى. نعم، قالوا: هذا كثيراً يعرض لمن دهمه أمر من الأمور، أما حب وأاما خوف وأاما رجاء، يبقى قلبه منصفاً عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه، حيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجودات الله عن وجوده، عن شعوره بوجوده هو أو وجود شيء آخر، نعم، ومشهده عن شهوده، ويغيب بمشهد وهو الله عن ماذا؟ عن شهوده، عن شهود نفسه أنه في الدنيا وما حوله، تمام.
قال: وبمكون عن ذكره، ومعروفه عن معرفته حتى يفنى من لم يكن هي المخلوقات المعبدة ممن سواه، ويبقى من لم يزل هو الرب تعالى، أو حتى يغيب مشهوده عن شهوده يمكن تفسر بشكل أدق أن يغيب بمشهد التي يمارسها له، لأنه شوف شو قال بعدها: ويغيب بمذكوره عن ذكره، يعني حتى استحضار أنني أنا الآن أذكر الله ينسى هذا، لأنه فاني في مشاهدة الله، فيغيب بمشهد وهو الرب عن ملاحظة عملية الشهود، ويغيب بالمذكور وهو الرب عن ملاحظة عملية الذكر، ويغيب بالمعروف وهو الرب عن ملاحظة أنه عرف الله وإدراك المعرفة، فحتى هذه الأفعال التي يفعلها هو مع الرب ينساها ولا يشاهدها.
طبعا، وهذه حال ليست هي حالة السلف عموماً حتى نفهم هذا الكلام. نعم قال: ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى، والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره، وفنائه عن أن يدركها أو يشهدها، وإذا قوي هذا وضعف المحب حتى الطل في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه، كما يذكر أن رجلاً ألقى نفسه في اليم فألقى محبه نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ فقال: غبت بك عني حتى ظننت أنك أني. لكن هذا ليس مقامات السلف، يعني أنت انتبه، يعني واحد محبوبي وقع في البحر هو رمى حاله وراه فقال له: أنا وقعت في البحر، أنت ليش لحقتني؟ قال: أنا لاني بحبك كثير، تمام؟ فغبت بك عني، حسيت حالي أنت، حسيت أني أنا أنت، حتى عرفت، فلما أنت وقعت حسيت كأني أنا وقعت، فرميت حالي وراك، تمام؟ غبت بك أي بمشاهدتك عن مشاهدة نفسي حتى ظننت أنك أني، فرميت حالي تبعا لك، وهذا ليس طبعا مقام صحيح.
وهذا الموضع زل فيه أقوام، وظنوا أنه اتحاد وأن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق، حتى في نفس الوجود. هنا أخطأ ابن سبعين وابن عربي وهؤلاء الذين ظنوا يتكلموا في هذه مقامات الفناء، حتى وصلوا إلى أن اتحد عندهم الرب بالكون والكون بالرب، لذلك يقول: وهذا الموضع زل في أقدام حتى وصلوا فيه إلى الاتحاد، فالإحاد يعني حتى اعتقدوا فعلا فعلا أنه في الواقع الخارجي هناك اتحاد بين ذات الرب وذات الكون، وأن وجود الرب هو نفس وجود الكون.
هسه شوف، لو أنت وقفت مع هذا المقام، أنه أنا غبت عن شهودي ومعرفتي، عن شهودي ومعرفتي وذكري، وأصبحت فقط أشاهد الله، جزاك الله خيراً، بارك الله فيك، صح، مش هذا هو المقام الأعلى للسلف؟ لأنه مقام السلف هو أن يحب الله ويبقى متذكراً لوجوده، هذه كانت فعل النبي عليه الصلاة والسلام وفعل الصحابه.
لكن هذا المقام أنك تشاهد الله ولا تشاهد سواه من المقامات المقتصدين سماه وقبل قليل، يعني مقام جيد، أفضل من المنشغل بالدنيا وبشهوات والملذات، لأنه منشغل بربه معرض عما سواه، بس بشرط لا تصل لمرحلة ماذا؟ اعتقاد الاتحاد المطلق، يعني مشاهدتك الله وغيبتك عن مشاهدة أعمالك وعن مشاهدة كل ما في هذا الكون نقبله لحد معين، ما هو الحد اللي بقبله؟ إذا أصبحت تعتقد اتحاد الوجود، وأنك أصبحت ترى وجود الله حقيقة هو وجود ذات الكون، قال هنا زلت الأقدام.
فنحن نقبل هذا المقام الثاني إلى مرحلة لا تزل فيها الأقدام، أين تزل الأقدام؟ إذا أصبح لا يفرق في نفس الوجود بين وجود الرب ووجود العبد، وبين وجود الله ووجود الكون، إذا أصبح يعتقد الاتحاد هنا كفر وخرج عن الإسلام، فينتبه صاحب هذا المقام، لذلك قال: وهذا غلط، فإن الخالق لا يتحد به شيء أصلاً، بل لا يتحد شيء بشيء إلا إذا استحال أو فسد، حصل من اتحادهما أمر ثالث، يعني نتكلم عن الاتحاد عموما في الحياة، لا يتحد شيء بشيء إلا إذا صار شيء من التحول، ولا كيف يتحد ذات بذات عموماً؟ نعم.
كما إذا اتحد الماء واللبن والماء والخمر، فإن هذا يقتضي حصول شيء من التغير، طيب. ولكن يتحد المراد. نعم قال: ولكن يتحد المراد المحبوب والمراد والمراد والمكروه، ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة، فيحب هذا ما يحب هذا ويبغض هذا ما يبغض هذا ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويككره ما يكره ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي، وهذا الفناء كله فيه نقص، وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر هذا الفناء طبعا بشرط أنه ما يصل لاعتقاد الاتحاد، لأنه إذا وصلت للاتحاد هذا أصبح مش نقص، كفر.
نعم، وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر رضي الله عنه، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في هذا الفناء، فضلاً عن من هو فوق من الأنبياء، وإنما وقع شيء من هذا بعد من بعد الصحابه. شيخ ايش قصد يعني؟ وكل تحد المرادة المحبوب والمراد المكروه ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة، الذي أعتقد أن العبارة تحتاج إلى نظر، لكن مفهومها الجملة واضح، أنه الذي يتحد ليس الذوات، وإنما التي تتحد إرادتي مع إرادته فيصبح أحب ما يحبه وأبغض ما يبغضه، فالإتفاق والاتحاد يكون في الإرادات هذا مقبول وليس في الذوات، تمام.
اقرأ النسخة التي عندك بالله يا شيخ. ولكن يتحد ولكن يتهد المراد والمحبوب والمكروه ويتفق (يعني حتى عنده في النسخة: ولكن يتح تحد في الحاشية أيضاً شو يقول: ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه هي ثلاث أشياء يعني قد تتحد الإرادات، قد تتحد المحبوبات، قد تتحد المكروهات، ذكر المراد مرة ثانية قلق، لذلك قالوا: ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة، مثلاً فيحب هذا ما يحب هذا) فانت تحب ما يحب الله مثلاً، اتحاد في الإرادة بمعنى أن مرادي مراده والمراد الكلام هنا عن الإرادة الدينية طبعا، لذلك قال: ويبغض هذا ما يبغض هذا، ويرضى هذا ما يرضى هذا، ويسقط هذا ما يسقط هذا، ويكره هذا ما يكره هذا. هذا الاتحاد ما في مشكله وهذا هو المطلوب أصلا أن يكون مرادك مراد الله، أن يكون محبوبك محبوب الله، أن يكون مكروهك مكروه الله، هذا الاتحاد ما عندنا مشكلة فيه نحن، المشكلة عندنا في الاتحاد الوجودي أن تعتقد أن وجود الله هو وجود المخلوق، هذا الذي نرفضه ونراه كفراً.
نعم قال: وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيها غيبة العقل والتمييز لما يرد على القلب من أحوال الإيمان، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم أو يحصل لهم غشي أو ضعف أو سكر أو فناء أو ولاة أو جنون، وإنما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين من عباد البصرة، فانه كان فيهم من يغشى عليه إذا سمع القرآن، ومنهم من يموت كأبي جهير الضرير وجرارة بن أوفى قاضي البصرة.
وكذلك صار في شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء والسكر ما يضعف معه تمييزه، حتى يقول في تلك الحال من الاقوال ما إذا صح عرف أنه غالط فيه، كما يحكى ذلك عن أبي يزيد وأبي الحسين النوري وأبي بكر الأشبل وأمثالهم، بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وفضيل بن عياض، بل وبخلاف الجنيد وأمثاله، مما كانت عقولهم وتمييزهم تصححهم في أحوالهم فلا يقعون في الفناء والسكر ونحوه، بل الكمل تكون قلوبهم ليس فيها سوى محبة.
حتى الجنيد شيخ الطريقة ما كان يصل إلى هذا النوع من الفناء الذي يغيب فيه بمشاهدة الله عن مشاهدة النفس وأفعالها. نعم قال: بل الكمل تكون قلوبهم ليس فيها سوى محبة الله وارادته وعبادته، عندهم من سعة العلم والتمييز ما يشهدون به الأمور على ما هي عليه، بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله، مدبرة بمشيئته، مستجيبة له، قانتة له، وهذا الكمال أن تشاهد الله وتشهد المخلوقات، هذا هذا هو الكمال، ليس الكمال أن تفنى بالله عن مخلوقاته، بل أن تشاهد حتى المخلوقات وهي مدبرة لله بمشيئة الله مستجيبة له، فيكون له في ذلك تبصرة وذكرى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات.
طيب، ويكون ما يشهدون من المخلوقات مؤيداً ممداً لما في قلوبهم من إخلاص الدين وتجليد التوحيد والعبادة لله وحده لا شريك له، هذا هو أعلى مقامات الإنسان. نعم قال: هذه الحقيقة التي دعا إليه القرآن وقام بها أهل تحقيق الإيمان والكمال من أهل العرفان، ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام هؤلاء وأكملهم.
ولهذا لما عرج به إلى السماوات وعاين ما هناك من الآيات وأوحي إليه ما أوحي من أنواع المناجاة، أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله ولا ظهر عليه، أصبحت فيهم (يعني لما رجع لكفار قريش وأصبح في مكة هل قال لهم أنا خلص شاهدت الله عز وجل بالتالي فنيت عن السوى؟ لا، رجع فيهم وعاد يمارس حياته الطبيعية في مكة صلى الله عليه وسلم، وليس لأنه رأى ما رأى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ما ما جعله ذلك يدعي أو يقول لهم إنني خلص ما عدت أشهدكم يا كفار قريش، بل دخل وعارك واستمرت الحياة).
نعم قال: ولا ظهر عليه ذلك، بخلاف ما كان يظهر على موسى عليه السلام من التغشيش. نعم، واما النوع الثالث مما قد يسمى فناء فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله وأن وجود الخالق وجود المخلوق، فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والالحاد.
بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشيش صار تصيب اغشاء واغماء مستمرة كل ما تذكر مشاهدته لله سبحانه وتعالى، لذلك أصبح مقام النبي عليه الصلاة والسلام أعلى من مقام موسى عليه السلام، لذلك موسى حتى يوم القيامة إيش هو أصلا صعق؟ يعني موسى لما رأى الله عز وجل ماذا؟ خر موسى صعقاً، فلما أفق قال: سبحانك تبت إليك، فقيل إن مقام النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج حينما ظهر له من الآيات الكبرى وكلم ربه كان أثبت من مقام موسى لما تجلى ربه للجبل وجعله دكاً، وقيل إنه يعني البعض يقول صار عنده تغشيش مستمرة، لذلك يقول إن مقام بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشيش في تلك اللحظة وما بعدها.
نعم قال: وأما النوع الثالث مما قد يسمى فناء فهو أن يشهد أنه لا موجود إلا الله، وهذا هو الكفر، وهذا كلام الصوفية الاتحاديين. لأنه قال: الفناء ثلاثة مراتب، هذا مهم نضبط إخواني مفهوم الفناء هذا. هناك فناء أهل السنة والجماعة، الفناء الذي طبعا هو احنا مش محتاجين طبعا لكلمه الفناء، بس هو ابن تيمية بده يحاول يتماشى مع الصوفية في زمانه ليقول: يا عمي، بدكم فناء؟ خليني أعطيكم الفناء الصحيح بهذا المفهوم، وأنت مش محتاج أصلاً لكلمة الفناء، لكن هو تمشياً مع الصوفية فيقول: إذا كنتم تريدون الفناء الصحيح، فهناك فناء أهل السنة والجماعة.
ما فناء أهل السنة والجماعة إيش هو؟ فناء أهل السنة والجماعة: ألا تحب إلا لله، ولا تبغض إلا ما يبغضه الله، وأن تكون موالاتك لله، وكل حياتك وكل إرادات خطواتك وفق مراد الله، إذا جعلت كل خطواتك وفق مراد الله سبحانه وتعالى فهذا هو فناء أهل السنة والجماعة. لكن في فناء أهل السنة والجماعة نحن نبقى نشاهد الله ونشاهد المخلوقات، لكن نجعل مشاهدتنا للمخلوقات وتعاملنا معها تزيدنا إيماناً وإخلاصاً واتباعاً، هذا فنائنا.
النوع الثاني: الفناء المقبول، لكنه أنقص من فناء أهل السنة والجماعة. ما هو الفناء المقبول لكنه أنقص من فناء أهل السنة والجماعة؟ السوى ألا يشهد إلا الله، ويف نعم أن تشاهد الله ولا تشاهد أي شيء سواه فتقف حتى عن نفسك وتغفل حتى عن أفعالك وتصرفاتك بل تغفل حتى عن عبادتك لله، (تصبح لا تشاهدها وإنما تشاهد الله وحده)، هذا قال مقام المقتصدين وهو ليس مقام الأنبياء ولا مقام كبار الصحابة وأهل العلم، تمام، ولكنه يبقى مقبولاً لا يخرج الإنسان من دائرة الدين، وقد يثاب صاحبه عليه إن شاء الله إذا صلح قصده.
المقام الثالث: الفناء الكفري، وهو الفناء الذي يعتقد فيه أن الله هو الوجود، ولا يوجد وجود سواه، وأن الله هو الكون.
والكون هو الله، وأن كل شيء هو الله؛ فهذا هو ابن عربي ومن شابههم الذي كفي به، فقال: فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله. قال: فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق ووجود المخلوق واحد، فلا فرق بين الرب والعبد؛ فهذا فناء أهل الضلال والالحاد واقعين في الحلول والاتحاد.
والمشايخ المستقيمون إذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أو لا أنظر إلى غير الله ونحو ذلك؛ فمرادهم بذلك ما أرى ربا غيره، ولا خالقا غيره، ولا مدبرا غيره، ولا إلها غيره، ولا أنظر إلى غيره محبة له وخوفا منه أو رجاء له؛ فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب. فمن أحب شيئا أو رجاه أو خافه التفت إليه، فهذه هي المشكلة؛ ولذلك كان السلف يحرضون على التحذير من العبارات المجملة في الزهديات.
ما الذي حصل؟ بعض مشايخ الصوفية المتقدمين الذين كانوا من أهل السنة والجماعة، كان بعضهم يقع في أخطاء العبارات الفضفاضة، مثل الجنيد والبسطامي وغيرهم ممن نعلم إجمالا إن شاء الله أنهم على طريقة أهل السنة والجماعة، كانوا يستعملون عبارات فضفاضة شوي، فيقول مثلا أحدهم: ما أرى غير الله. الآن هو قصده صحيح، بمعنى ما أرى غير الله، يعني لا أحب إلا الله، ولا أتعلق إلا بالله، ولا أرتبط إلا به، وكل محبة لما سوى الله فهي تربطني بالله؛ هذا الذي كان يقصده بمعنى ما أرى غير الله.
لما أجا ابن عربي وابن سبعين والطوائف اللي بعدهم، ماذا فهموا ما أرى غير الله؟ قالوا: والله مشايخنا قالوا ما أرى غير الله. فهموا أن مراد الجنيد وغيرهم أن الكون هو الله والله هو الكون، فقولهم ما أرى غير الله أنه ما في شيء إلا الله، فالكون هو الله وكل المخلوقات هذه هي الله؛ شوف العبارة كيف كان لها معنى صحيح، لكن تحورت مع الوقت وأصبح لها معنى كفري فهمه منه الضالون.
لذلك كان لما بعض السلف يشدد في هذه الأمور، بيجي واحد متأخر اليوم بيقول لك: والله السلف كان يشدد. السلف كانت أعينهم تنظر إلى البعيد، أنه هي العبارة الآن أنا فاهمها، لكن سيأتي جيل ثالث ورابع وخامس يحورها لمعنى آخر فلا يفهم منها المقصود، فتصبح كفرا؛ وهذا ما حصل فعليا في عبارة بعض المتقدمين من الأفاضل لما قال: ما أرى غير الله، حورت وأصبح معناها كفريا.
قال: فمن أحب شيئا ورجاه وخافه التفت إليه، فإذا لم يكن في قلبه محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له، لم يقصد القلب أن يلتفت إليه ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه، وإن راه اتفاقا رؤية مجردة كمن راى حائطا ونحوه، مما ليس في قلبه تعلق به. والمشايخ الصالحون رضي الله عنهم يذكرون شيئا من تجريد التوحيد وتحقيق إخلص الدين كله بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ولا ناظرا إليه ما سواه، لا حبا له ولا خوف منه ولا رجاء له، بل يكون القلب فارغا من المخلوقات خاليا منها، لا ينظر إليها إلا بنور الله؛ فبالحق يسمع، وبحق يبصر، بالحق يبطش، بالحق يمشي، فيحب منها ما يحبه الله، ويبغض منها ما يبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله. فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحق بمعرفة الأنبياء والمرسلين وتحقيقهم وتوحيدهم.
وأما النوع الثالث هو الفناء في الوجود؛ فهو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم. قال: وإنما النوع الثالث اللي هو الفناء الثالث قال هذا يسمونه مقام التحقيق، قال هو تحقيق فرعون وجماعته تماما ومعرفتهم وتوحيدهم كأمثال القرامطة وغيرهم ممن كانوا يقولون بهذا النوع. قال: وهذا النوع الذي عليه اتباع الأنبياء هو الفناء المحمود، الذي يكون صاحبه ممن أثنى الله عليهم من أولياء المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.
وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسماوات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال. هنا رجع للعبارة السابقة؛ أنه يعرف ابن تيمية أن الذين تأخروا إنما أخطأوا في فهم عبارات المتقدمين، فيقول: معنى قول المشايخ المتقدمين لا أرى غير الله ماذا كانوا يقصدون؟ أن الذي أراه بعيني ليس مراد المشايخ والصالحين لا أرى غير الله أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو نفس الله، لا، المخلوقات غير الله، فانتم فهمتوها خطأ. قال: فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلالات والفساد، أما فساد العقل، أما فساد الاعتقاد، وهو متردد بين الجنون والالحاد.
وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا. قال: وهم قد تكلموا على ما يعرض القلوب من أمراض وشبهات، وأن بعض الناس قد يشهدون وجود مخلوقات فيظنه خالق الأرض والسماوات لعدم تمييزه لعدم التمييز والفرقان في قلبه بمنزله من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس الذي في السماء، وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع، ويدخل في ذلك من العبارات متفقه نظير ما دخل في الفناء، طبعا الفرق والجمع سياتي معنا في كتب أخرى.
الفرق والجمع، طبعا الفرق والجمع سياتي معنا، الفرق إثبات فرق أنه في خالق في وفي مخلوق، الجمع أنه يصير كله واحد، وهذه من عبارات الصوفية التي تكثر الفرق والجمع. في العبارة: إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متفرقا بها، متشتتا، ناظرا إليها، متعلقا بها، أما محبة، وأما خوفا، وأما رجاء. الآن الفرق والجمع نفس كفنا، يمكن إعطاؤه معنى صحيح ويمكن أن يحمل على معاني فاسدة.
فالمعنى الفاسد هو عند الصوفية الذين مثل الفناء كما يقولون: الفرق مقام العامة أن تبقى تفرق بين وجود الله ووجود المخلوق، والجمع مقام الخاصة أن ترى الكل واحدا؛ فهذا والعياذ بالله كفر إذا بدك تيجي تحمل الفرق والجمع على الكلام الصوفي. لكن بدك تحمله على معنى أهل السنة والجماعة ممكن نقول: الفرق هو أن يبقى قلبك متعلقا بالمخلوقين متفرق الشعاب هنا وهناك، والجمع أن تجمع قلبك على الله ولا يتفرق قلبك بالتعلق؛ فهذا يصح، إذن هذه العبارات يمكن نعطيها معنى صحيح ويمكن تحمل على المعنى الباطل.
فإذا انتقل القلب إلى الجمع، اجتمع قلبه، هو الآن يعطيك الفرق والجمع بالمعنى عند أهل السنة والجماعة فيقول: الفرق والجمع عند أهل السنة والجماعة، الفرق أن يبقى قلبك ماذا؟ أن تشهده متفرقا بين المخلوقات مشتتا متعلقا بها أما حبا أو خوفا أو رجاء، فاذا انتقل قلبك إلى الجمع اجتمع قلبك على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين، فصارت محبته لربه، يخاف من ربه، ورجاؤه لربه، واستعانته بربه. وفي هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق، فقد يكون مجتمعا على الحق معرضا عن الخلق نظرا وقصدا، وهو نظير النوع الثاني من الفناء الذي هو عدم يعني نفس الشيء بقول لك مصطلح الفناء كما قسمناه ثلاثة أقسام، الفرق والجمع يمكن يقسم ثلاثة أقسام.
الفرق والجمع عند أهل السنة والجماعة ويكون معنى الفرق أن يكون قلبك مرتبط بالمخلوقين يخافهم متعلقا بهم، الجمع أن تترك كل هذه التعلقات ويتعلق قلبك وتجمع قلبك على الله؛ هذا عند أهل السنة. أما النوع الثاني الذين يرون المرتبة الثانية من أهل الفناء الذين يشاهدون الله، الفرق أن يبقى قلبك يشاهد المخلوق ويشاهد الخالق، والجمع أن يشاهد قلبك المخلوقين ويشاهد الخالق وحده فجمعت على مشاهدة شيء واحد. والفرق والجمع عند جماعة الحلولية والاتحادية، الفرق أنك تبقى تشاهد وجود للخالق ووجود للمخلوق، والجمع أن ترى أن وجود الخالق ووجود المخلوق شيء واحد اللي هو الحلول والاتحاد. فالفرق والجمع مثله مثل الفناء، يمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام: عند أهل السنة والجماعة له معنى، وعند المقتصدين له معنى، وعند الحلولية والاتحادية له معنى.
ولكن بعد ذلك، الفرق الثاني هو أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله مدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه وتعالى، وانه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها، فيكون مع اجتماع قلبه على الله إخلاصا وحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فيه ومعاداة فيه وأمثال ذلك، ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق ومميزا بين هذا وهذا، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء وملكه وخالقه وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم.
وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته، في حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، وذلك تحقيق شهاده لا إله إلا الله؛ فإنه ينفي عن قلبه إلهية ما سوى الحق، ويثبت في قلبه إلهية الحق -يعني لا إله إلا الله هي فيها فرق وجمع، لا إله إلا الله تنفي تعلق القلب بغير الله، إلا الله تجمع القلب على الله- فيكون نافيا لإلهية كل شيء من المخلوقات مثبتا لإلهية رب العالمين، رب الأرض والسماوات.
وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقه ما سواه، فيكون مفرقا في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته، بين الخالق والمخلوق؛ بحيث يكون عالما بالله ذاكرا له عارفا به، وهو مع ذلك عالم بمباينة خلقه وانفراده عنهم وتوحده دونهم، ويكون محبا لله معظما له عابدا له راجيا له خائفا منه مواليا فيه معاديا فيه مستعينا به متوكلا عليه ممتنعا عن عبادة غيره، والتوكل عليه والاستعانه به والخوف منه والرجاء له والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة لأمره وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهية الله سبحانه وتعالى، ويقر بإلهية الله دون ما سواه متضمنا للإقرار بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء وملكه وخالقه ومدبره.
فحينئذ يكون موحدا لله، ويتبين بذلك أن أفضل الذكر لا إله إلا الله كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله». وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
ومن زعم أن هذا ذكر العامة وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر؛ فهم ضالون غالطون. واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ من أبين غلط؛ فإن اسم الله مذكور في الأمر بجواب الاستفهام وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: 91]. والاسم مبتدا وخبره قد دل عليه الاستفهام.
ولا أيضا يرد على الصوفية في اعتقادهم أن أفضل الذكر أن تقول الله الله؛ مشكلتهم في جلساتهم يقولون: هذا ليس ذكرا، الذكر لابد أن تعطي معنى كامل، سبحان الله، الحمد لله، تعطي معنى للاسم. طيب الصوفية من أين أتوا؟ ما دليلهم على أن الله هيك وحدها هي أفضل الذكر؟ قالوا: الله عز وجل ماذا يقول في كتابه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، بيقول لك قل الله هي خذها لحالها، ايش هي مش ربنا؟ بيقول لك قل الله هي قل الله. طيب وهذا مبتدا بس في خبر، أنتم يا جماعة بتعرفوا عربية؟ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هذا مبتدا له خبر يفهم من سياق الآية، ما تضحك علي تأخذ الآية من سياقها وتقول لي ربنا علمني إنه أفضل الذكر الله ليه؟ لأنه قل الله، لا، قل الله، الله هنا مبتدا والخبر مقدر في السياق.
لذلك يقول: ومن زعم أن هذا ذكر العامة -يعني بعض الصوفية يقول لا إله إلا الله ذكر العامة- أفضل الذكر هو أن تقول الله الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة الاسم المضمر اللي هو ايش؟ هو مش بقول لك هو قال وذكر خاصة الخاصة هو يعني حتى ما تذكر الله تصير تحكوا هو هو قال فهؤلاء ضالون غالطون احتجوا بماذا؟ بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، وهذا من أبين الغلط؛ فإن الاسم الله مذكور في الأمر بجواب الاستفهام.
الآن ايش الاستفهام أول الآية؟ ايش قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91]. ما جواب الاستفهام؟ ربنا يسالهم: قل من أنزل الكتاب؟ شو الجواب؟ قل الله الذي أنزل الكتاب؛ فقل الله في.
تقدير خبر محذوف: الله الذي أنزل الكتاب هكذا تقدير الجواب. أنت أخذت الجواب بدون ما تجيب لي السؤال، هم أخذوا الجواب وتركوا السؤال، وهذا من التلاعب والتحريف. نعم، خلص، أنه أنت أصلاً ما حتى تشاهد الاسم كأنك ممكن يكون هذا نشوف إذا ذكر، قال: فالاسم مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام، يعني نقول: الله هو الذي أنزل الكتاب، كما في نظائر ذلك تقول: من جارك؟ مثلاً، فتجول: زيد وتسكت، يعني التقدير: زيد جاري، أنت حذفت الخبر عادية يعني.
وإنما الاسم المفرد "الله" أو مضمراً هو فليس بكلام تام؛ العرب لا تتكلم بالله وحدها، العرب لا تتكلم بكلام مفرد إلا يكون هناك شيء محذوف حتى تتم الجملة، يا جملة اسمية يا جملة فعلية، ولا جملة مفيدة به، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا أمر ولا نهي، فاستعمال الاسم المفرد ليس مقاماً من مقامات الدين.
شيخنا، على اسم مضمر، أنا بذكر أنهم يستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]، فما... بس ايش بيسوو؟ "وما يعلم تأويل كلمة هو إلا الله". اه، هذا ذكره بعضهم صحيح، نعم. على هذا، قال: ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة، ولا حالاً نافعة، ولا يعطيه تصوراً مطلقاً لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات، بس تصور أنه في الله، بس تصور، لكن لا يعطي أي حكم.
نعم، قال: فان لم يقتب معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره. وقد وقع من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع. نعم، فلما أصبح الذين يعتمدون على "هو" أو "الله" وحدها، أصبحوا يقولون: نحن لا نشاهد إلا الله! ثم انتقلوا إلى أن الله هو الكون، والكون هو الله أصلاً.
نعم، قال: ما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، حال لا يقتدى بصاحبها. فإيش بقول لك البعض؟ بقول لك: لازم نحكي "الله"، بصير نحكي "لا إله إلا الله"؟ ليه؟ بخاف يجي ملك الموت ياخذ روحي وأنا بحكي "لا إله"، ولسا قبل ما أحكي "إلا الله" طلعت روحي! هذا معنى "أخاف أن أموت بين النفي والإثبات". يعني إذا واحد حكى "لا إله"، هم ليش قالوا هيك؟ بيحكوا هو، طبعا، ولماذا يخاف يقول "لا إله إلا الله"؟ بقول لك: لازم أحكي "الله" مباشرة. قال: لأني إذا قلت "لا إله" وقبل ما أحكي "إلا الله" ممكن ملك الموت ياخذ روحي يا شيخ أديب، فأموت بين النفي والإثبات، بالتالي ما أدخل الجنة لأني حكيت "لا إله" لسا ما حكيت "إلا الله"، فلذلك بختصر على حالي، شو بحكي؟ "الله"، يعني حتى أرتاح!
فيقول: هذا حال لا يقتدى به، فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء فيه، لأنه في النهاية الله يعلم ما في قلبك، يعني إذا قلت "لا إله" ومت، هو ربنا عارف أنك بدك تحكي "لا إله إلا الله" وأنت تغالط نفسك. قال: إذ لو مات العبد على هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه، ربنا عارف أنك بدك تكمل "إلا الله"، إنما الأعمال بالنيات.
نعم، قال: وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتلقين الميت «لا إله إلا الله»، وقال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». يعني النبي عليه الصلاة والسلام هو اللي قال نلقن الميت الذي يحتضر -طبعاً- «لا إله إلا الله»، مع علمه عليه الصلاة والسلام أنه ممكن يموت بين النفي والإثبات، ومع ذلك قال: «لقنوه»، لأن الأمر يتعلق بما قصده ونواه، ولو كان ما ذكروه محذوراً لم لم يلقن الميت خشية أن يموت بين النفي والإثبات كما يزعمون؟ قال: ولو كان ما ذكروه محذوراً لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في اثنائها موتاً غير محمود، بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد والذكر بالاسم المضمر.
المفرد أبعد عن السنة، وأدخل وإن تذكره أن تعبر عن الله بالاسم المضمر، هذا أبعد عن السنة من مجرد الله. الله يقول لك لسا هذا أبعد وأبعد، وأدخل في البدعة، وأقرب إلى إضلال الشيطان. فإن من قال: يا هو يا هو، أو هو هو، ونحو ذلك، لم يكن الضمير عائداً إلا إلى ما يصوره المتكلم في قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل. وقد صنف صاحب الفصوص، اللي هو ابن عربي، كتاباً سموه "كتاب الهو"، ابن عربي والله أعلم. هذا الكتاب موجود ولا لا؟ يقول: صنف كتاباً اسمه "كتاب الهو" بقول لك. بعدين ابن عربي.
طيب، قال: وزعم بعضهم أن قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] معناه: ما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو "الهو"! اه، يعني وما يعلم تأويل "هو" إلا الله، شوف كيف قراها! حتى الآية بقراها على أهوائهم، شو بقولوا؟ وما يعلم تأويل "هو" إلا الله. ومعناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو "الهو"، يعني ما يعلم تأويل، ما معنى كلمة "هو"؟ هيك قراوها: وما يعلم تأويل كلمة "الهو" إلا الله. فاحنا هو بنقراها ضمير متعلقة بتأويله، تعود على ما سبق، هم لا، هم بيقولوا: وما يعلم تأويل كلمة "هو" إلا الله.
نعم، قال: وقيل، هذا وإن كان مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل، فقد يظن من ذلك من يظن من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال بشيء من ذلك: لو كان هذا كما قلته، لكتُبتَ "وما يعلم تأويله" منفصلة! يعني قال: لو كان فعلاً الآية "وما يعلم تأويل هو إلا الله" لكانت "هو" مكتوبة منفصلة، طب هي ضمير متصلة بتأويله.
طيب، قال: ثم كثير ما يذكره بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل "الله" بقوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]، ثم ذرهم، ويظن أن الله قد أمر نبيه أن يقول الاسم المفرد! وهذا غلط متفق عليه عند أهل العلم، فإن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19] معناه: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وهذا جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91]، أي: الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. ورد بذلك قول من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]، فقال: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى؟ ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]، أي أنزله، ثم ذر هؤلاء المكذبين.
ما يبين ما تقدم ذكر سيبويه وغيره من أئمة النحو أن العرب يحكون بالقول ما كان كلاماً، لا يحكون به ما كان ماذا؟ قولا. ايش يعني أن العرب يحكون بالقول ما كان كلاماً، لا يحكون بالقول ما كان قولا؟ أيوه، يحكون بالقول، يعني إذا كان قال كذا، لا يأتي بعده إلا كلام، جملة كلام تام. يعني العرب قال لك "قل" أو "قال"، "قل" أو "قال" لا يأتي بعدها إلا كلام، يعني جملة تame، مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل. فمش ممكن "قل الله" تكون فقط اسم مفرد، لأن قال وتصرفات قال "قل" و"يقول" لازم يأتي بعدها ماذا؟ كلام تام. فمستحيل يكون "قل الله"، "قل" وهي فقط كلمة مفرده.
قال: لا يحكون به ما كان قولا. القول هو ايش؟ ايش تعريف القول عند النحاة؟ اللفظ المستعمل سواء كان مفرداً أو مركباً، فلا يحكون بعد القول قولا. المراد بالقول هنا عند النحاة، القول عند النحاة هو اللفظ المستعمل سواء كان مفرداً أو مركباً، فبعد "قال" وتصرفاتها لا يأتي إلا كلام، ولا يمكن أن يأتي بعد "قال" وتصرفاتها قول، والقول أعم من الكلام لأنه يشمل المفرد ويشمل المركب.
طيب، فالقول لا يحكى به إلا كلام تام، يعني جملة اسمية وفعلية، ولهذا يكسرون أن إذا جاءت بعد القول، صح، أن يعني فقط فائدة نحوياً، إذا جاءت بعد قال ولا يقال إن، حتى يكون بعد قال جملة كاملة. فالقول لا يحكى به اسم مفرد.
والله تعالى لم يامر أحداً بذكر اسم مفرد، ولا شرع للمسلمين اسماً مفرداً مجرداً، والاسم المفرد المجرد لا يفيد الإيمان، يعني حتى لو أن كافراً قال: "الله، الله"، لا يدخل في الإسلام، لا، لا يقد، يقول: "لا إله إلا الله" معتقدا معناها، ولا يؤمر به في شيء من العبادات، ولا في شيء من المخاطبات.
ونظير من يقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعراب مر بمؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله. فقال: رسولاً؟ رسولاً الآن صارت نعتاً لمحمد عليه الصلاة، بالنصب! فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا الاسم، أين الخبر؟ هذا أعرابي بسيط مر بمؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله. وسكت، فأعي بقول: طب وين الخبر؟ لأنه الأعرابي بقول لك: إن محمداً رسولاً، رسولاً صارت نعتاً لمحمد وتحتاج خبر! إن محمداً رسول الله، جاء، إن محمداً رسول الله بعثه الله، هي لازم يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، خبر. لما لم يأت بالخبر، الأعرابي نفسه استنكر كيف لم يأت بالخبر؟ فهذا يعني يؤكد أنه لابد أن يكون كلام تام.
وما في القرآن من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى: 14-15]، هذه ما استدل به الصوفية على كلمة "الله". قالوا استدلوا بأن الله عز وجل يقول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، إذاً لازم نذكر اسم الله وحده، ونحو ذلك.
فهذا لا يقتضي هذه الآيات أن يذكر اسم الله مفرداً، بل في السنن أنه لما نزلت أصلاً: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة: 96]، ماذا قال؟ «اجعلوها في ركوعكم»، فنحن ماذا نقول؟ «سبحان ربي العظيم»، ما نقول "الله الله" واحنا راكعين! كذلك في السجود نقول: «سبحان ربي الأعلى»، فشرع أن يقولوا في الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى». وفي الصحيح أنه كان يقول في ركوعه: «سبحان ربي»، وهذا معنى قوله: «اجعلوها في ركوعكم وسجودكم»، فسبح أو فسبح اسم ربه الأعلى، أو فسبح باسم ربك، أي ذكر اسم ربه ونحو ذلك هو بالكلام التام المفيد.
لذلك في نسخة ألف: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الواقعة: 96] هو أن تذكر اسم، أن يذكر اسم ربه بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح أنه قال: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
اقرا قال: في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال في يوم مئة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه. ومن قال في يومه مئة مرة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر».
وفي الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له». وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله». مثل هذه الأحاديث كثيرة كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء، وكذلك في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4]، إنما هو قول: "بسم الله"، إنما هو اسم الله هنا ليس "الله"، هو أن تقول: "بسم الله"، هذا هو المراد.
نعم، قال: وهذا جملة تامة، إما اسمية على أظهر قولي النحاة، أو فعلية والتقدير: أذبح بسم الله، أو نقول: بسم الله، إما تقدير تعلقها باسم: "بسم الله ابتدائي"، أو تعلقه بفعل: "بسم الله أبتدئ"، والخلاف المشهور أو أقرأ.
نعم، قال: وكذلك قول القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقديره: أقرأ بسم الله، أو أقرأ الله. من الناس من يضمر في مثل هذا: "ابتداءً بسم الله" أو "ابتداءً بسم الله"، والأول أحسن، لأن الفعل كله مفعول بسم الله وليس مجرد ابتدائه كما أظهر. يعني الأفضل أن يكون فعلاً خاصاً يقول: وليس فعلاً عاماً، إذا "بسم الله" ربطتها بفعل مقدر أن يكون ليس متعلقاً بالابتداء بل يكون فعلاً خاصاً بحسب السياق، إذا كنت في الأكل: بسم الله أكل، إذا كنت تقرا: بسم الله أقرأ، أما إذا جعلته متعلقاً بسم الله أبتدئ دائماً جائز، لكن الأحسن أن يكون فعلاً خاصاً.
نعم، قال: كما أظهر المضمر في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] وفي قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41]، فهو لما يظهر أصلاً يعلقه بفعل خاص، فلما يضمر بفعل خاص.
طيب، قال: وفي قوله النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح بسم الله». ومن هذا ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لربي به عمر بن أبي سلمة: «سم الله وكل»، لأنه هذا ابن أم سلمة فهو تربى في حجره: «سم الله وكل بيمينك». المراد أن يقول: "بسم الله"، ليس المراد ذكر الاسم مجرداً "الله الله"، وذلك قول في الحديث.
الصحيح عن عدي بن حاتم: إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله. وذلك قوله: إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله. وأمثاله هذا. وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم وأعيادهم من ذكر الله: إن ما هو جملة تامّة كقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، وقول المصلي: الله أكبر وسبحان ربي العظيم ونحو ذلك، وقول الملبي: لبيك اللهم لبيك، وأمثال هذا. فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام، لا اسم مفرد ولا مظهر ولا مضمر.
وهذا هو الذي يُسمى في اللغة كلمة؛ يعني حتى الكلمة في اللغة لما تطلق في استعمالاتها، إيش هي الكلمة في اللغة؟ هي الجمل. كلمة التوحيد شو هي؟ لا إيله إلا الله... لا إله إلا الله. فأقول لك: حتى كلمة إذا أطلقت في اللغة العربية مفردة كلمة، فإنما يراد بها في العادة الجمل المفيدة، كقوله: كلمتان خفيفتان سبحان الله وبحمده، وأفضل كلمة جعلها بيت كُلِّ شيء ما خلى الله باطل. ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: 5]، وهي كلمة الكفر، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. ومراد أمثال ذلك ما ورد في القرآن من خبر وأمر وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة في الكتاب والسنة، بل وسائر كلام العرب؛ فإنما يراد بالكلمة إذا أطلقت عندهم الجملة التامة.
كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم، فيقولون -يعني كمثل الحرف- الحرف على ماذا يطلق عندهم؟ على أي كلمة، فالاسم يسمونه حرفاً، نقول: هذا حرف عبد الله بن مسعود في القراءات، هذا حرف فلان؛ أي الاسم الغريب. وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، وكل من هذه الأقسام يُسمى حرفاً؛ يعني الاسم يُسمى حرفاً، والفعل يُسمى حرفاً، والحرف الذي جاء لمعنى يُسمى حرفاً. قال: لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. وهذا تقسيم نحوي ناشئ؛ يريد يقول لك: تقسيم الكلمه إلى اسم وفعل وحرف، هذا من كلام النحاة المتأخرين، وليس هو أسلوب العرب المتقدمين.
وسمّي حروف الهجاء باسم الحرف، وهي أسماء تماماً. وسمى حروف الهجاء باسم الحرف، إيش يعني؟ وهي أسماء، نقول مثلاً: زاء أو ألف، هذا هذا اسم، ولكنه سماه حرفاً؛ سماه حرفاً، يعني زاء، تاء، طاء، هي عبارة عن أسماء وسماها حروفاً تماماً. قال: لفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فيُعرَب فله بكل حرف عشر حسنات. أما إني لا اقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وقد سأل خليل بن أحمد أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد، فقالوا: زاء، فقال: جئتم بالاسم، وإنما الحرف ز.
ثم النحاة اصطلحوا على أن هذا المُسمّى في اللغة بالحرف يُسمى كلمة، وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل؛ كحروف الجر ونحوها. وأما ألفاظ حروف الهجاء، فيُعبَّر تاره بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف. ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب، ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظاً مشتركاً بين الاسم مثلاً وبين الجملة، ولا يُعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة إلا الجملة التامة.
والمقصود هنا: أن المشروع في ذكر الله هو ذكره بجملة تامة، والمُسمّى بالكلام والواحد منه بالكلمة هو الذي ينفع القلب، ويحصل به الثواب والأجر، والقلب إلى الله ومعرفة محبته وخشيته وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية. وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً، فلا أصل له فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات واحوال فاسدة، ومن أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد؛ كما قد بُسِط الكلام عليه.
إذاً، الغرض هنا ليس تحرير مسائل اللغة، وإنما الغرض أن يحذر الإنسان أن يظن أن الله أو هو أن هذا من الألفاظ المشروعه، ويعلم أن ما يستدل به أهل البدع عليها لا تقوم عليها قائمة الاستدلال. وقال: وجماع الدين أصلان: ألا يُعبد إلا الله، وألا يُعبد إلا بما شرع؛ إخلاص الدين لله والاتباع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله؛ ففي الأولى لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية أن محمداً هو رسوله، وبالتالي طاعة وانقياد، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة.
قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]. كما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله، ونتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إليه، ولا نستعين إلا بالله، وأن تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به، فالحلال ما حلاله، والحرام ما حرامه، والدين ما شرع. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فدع الإيتاء لله والرسول، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. وجعل التوكل على الله وحده، وقالوا: حسبنا الله، ولم يقل: ورسوله، كما في الآية الأخرى. وهذا مر معنا في بداية الكتاب.
ومثل قول النبي: حسبك الله من اتبعك من المؤمنين. حسبك وحسب المؤمنين الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُمَر: 36]. ثم قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولِهِ﴾، فتعد الإيتاء لله والرسول، وقدم ذكر الفضل لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم وهو الفضل على رسوله وعلى المؤمنين، فالفضل لله وحده. وقال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]، فجعل الرغبة إلى الله وحده، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَرَرْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». والقرآن يدل على مثل هذا، وقد ذكر في غير هذا الموضع.
فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، وطاعة المحبة لله ورسوله، كما قال نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]. وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]. وأمثال ذلك، فالرسل أمروا بعبادته وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه، والطاعة نعم. في نسخة أربعة في حاشية أربعة: والطاعة له، فالرسل أمروا بعبادته وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه، والطاعة -أيس هو؟ نعم ما في مشكلة- نقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. يعني شوف، في مقام العبادة والخشية والتقوى كانت لله، في مقام الطاعة والمحبه يجوز هذه إضافتها إلى الله وإلى الرسول. يعني يريد أن يفرق أنه في أشياء لا تضاف إلا لله وفي أشياء يجوز أن تضاف إلى الله وإلى رسوله، فقال: فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، بينما الطاعة والمحبة يجوز أن تضاف إلى الله وإلى رسل الله، كما في قول نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]، أطيعون نسب الطاعة إليه، فالطاعة يمكن أن تنسب إلى الرسول باعتباره متبعاً لله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.
فالرسل إذاً أُمروا بعبادة الله وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه، والطاعة. طيب، إذاً لازم تكون: إذا مش أمروا، أمروا! يعني إذا أخذنا مثلاً كلام نوح السابق، فنقول: الرسل أُمروا بعبادة الله وحده، وأُمروا بالرغبة إليه، وأُمروا بالتوكل عليه، وأُمروا بالطاعة لهم، لأنه قال: وأطيعون. إذاً، ينبغي أن يكون بداية الفقرة: فالرسل أُمروا -إيش الأشياء التي قدموها لله وحده، وإيش الأشياء التي طلبوها لهم تبعا لله؟- وأمروا بماذا؟ بالطاعة لهم.
فأضل الشيطان النصارى وأشباههم؛ فأشركوا بالله وعصوا الرسل، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، فجاءوا يرغبون إليهم ويتهافتون عليهم ويسألونهم مع معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم. وطيب، وهذا الله هدى المؤمنين المخلصين لله الصراط المستقيم؛ الذين عرفوا الحق واتبعوه، فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا من الضالين، فأخلصوا دينهم لله، وأسلموا وجوههم لله، وأنابوا إلى ربهم، وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروه ووقروه وأحبوه ووالوه واتبعوه واقفتوا آثاره واهتدوا بمناره.
وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد ديناً إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لله رب العالمين. ونسال الله العظيم أن يثبتنا عليه ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلوات الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وهكذا تكون انتهينا من التعليق على كتاب العبودية لشيخ الاسلام ابن تيمية.
طبعا أجعل لك في رحلتك تراث مشروع وهو أن تلخص من كل كتاب المفاهيم التي تحتاج منه له؛ كما قلنا: ابن تيمية أفكار واستطرادات وتأصيل. لذلك أنا بعد كل نهاية كتاب، لو تضع ورقة على صفحة الكتاب هنا الخارجية، تقول: تناول ابن تيمية في هذا الكتاب القضايا التالية، تناول الكلام عن تحرير مفهوم العبودية سواء العبودية لمقام الربوبية، العبودية لمقام الألوهية. رد على الصوفية الذين يرون أن التعبد إنما هو الوقوف عند مقام التعبد في جوانب الربوبية ومشاهده القضاء والقدر، ولم يعتبروا التعبد أو لم يهتموا بالتعبد في مقام الألوهية. رد ابن تيمية على من يفرد اسم الله بالذكر مثلاً ذكرنا آخر شيء، وذكر وما يتعلق بهذه المسائل. كلام ابن تيمية مثلاً أفكار عامة ممكن تذكرها هنا؛ أن العشق المستدام ولو لم يقع فيه الزنا هو أسوأ من ماذا؟ من الزنا الذي يتوب منه صاحبه. يعني في أفكار لقطات يعني صعب تجدها، فأنا أنصح دائماً أن يكون لك في إذا عكفت على تراث عالم معين أن تذكر في بداية الكتاب، إما هنا أو في الصفحة الأولى، ما المواضع أو المواضيع التي ناقشها صاحب الكتاب، حتى إن شاء الله غداَ بعد ما تنهي قراءة ثلاثين أربعين كتاباً، تستطيع أنك تجمع والله أين كلام ابن تيمية في هذه الأمور؟ لأنه سيعيد ويكرر هذه الأفكار في أماكن كثيرة.
دعونا الآن ندخل مثلاً في التحفه العراقية ونعرف كيف كثير من الأفكار التي ذكرناها في العبودية سيعود ابن تيمية يتكلم فيها مرة أخرى في كتاب ماذا؟ التحفه العراقية في الأعمال القلبية. تمام، نستعين بالله سبحانه وتعالى في قراءة الكتاب الثاني. طبعا أنا كما قلت: الكتاب الذي بين أيديكم ليس مرتباً على الجدول الزمني الذي أريد أن أقرأ فيه، فالتحفة العراقية مش عارف هي مشكلة الكتاب هو عبارة عن مجموعة رسائل جمعناها هي رقمها 289 بس هي أظنها الرسالة الأخيرة، وستبدأ بصفحة 289، افتحوا صفحة 289.
طبعا موجودة أيضاً التحفة العراقية في مجموع الفتاوى، التحفة العراقية في الأعمال القلبية. بعود فأقول: إن الطالب لما يسمع عنوان الكتاب (التحفة العراقية في الأعمال القلبية)، سيدون إيش يا سند؟ أن ابن تيمية يتكلم أن أعمال القلوب بالطريقة المعاصرة: معنى العبودية، معنى التوكل، معنى الخشية. بينما سيجد ابن تيمية يعيش في لما يتكلم عن أعمال القلوب هو يرد على الأفكار الخاطئة التي طرحها أهل التصوف في زمانه على أعمال القلوب، فتجد النقاش يغلب عليه الأفكار العقدية والتحليل العقدي والرد على أهل البدع في ماذا؟ في فهم أعمال القلوب، وليس الكتاب كما يتصور هو كتاب متسلسل سهل ميسر في أعمال القلوب؛ لا. كما قلت، هو عبارة عن ردود نقاشات حوارات من ابن تيمية لأهل زمانه في فهم أعمال القلوب، وما هو الصواب منها وما ليس بصواب من هذه الفهوم. فنستعين بالله في القراءة الكتاب الثاني التحفة العراقية في الأعمال القلبية.
طبعا هو الإخوان الذين أخذوا الكتاب الذي صورناه، هو ليس أول رسالة مطبوعة في الطبعة وإنما آخر رسالة، البي دي إف 4، نعم البي دي إف 430. على البي دي إف 430 أنت نزلت الكتاب شيخ على القناة العامة؟ هي الإخوان أنزل لكم الكتاب على القناة العامة. يا رب اللهم يسر وأعم. بسم الله، شيخ إيش رايك تفتح هيك المخيف شوي على هيك عشان الشباب تصحصح؟ قالت لهم أيبه بارد. عشان أموت؟ لا لا خلاص خليه على المروحة المروحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد فهذه كلمات مختصرة في أعمال القلوب التي قد تُسمى المقامات أو الأحوال. شوف، أعمال القلوب تسمى عند علماء السلوك المقامات أو الأحوال. طبعا هناك من يفرق بين المقامات والاحوال، ولكن هنا ابن تيمية يعطيك إياها أنه ما فيش هذا الفرق الكبير، فسميت أعمال القلوب، سميت مقامات القلوب، سميت أحوال القلوب؛ كله يصب بنفس الاتجاه.
طيب قال: وهي من اصول الإيمان وقواعد الدين، مثل محبه الله ورسوله، وتوكل على الله، وإخلاص الدين له، وشكر له، وصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له. وما يتبع ذلك اقتضى ذلك بعض اقتضى ذلك بعض من أوجبه الله حق من أهل الإيمان. لماذا كتب ابن تيمية هذه الرساله؟ قال: اقتضى ذلك -يعني طلبها- بعض من أوجب الله حقه من أهل الإيمان؛ في واحد من أصدقاء ابن تيمية طلب منه أن يكتب له هذه الرسالة ليحقق له هذه.
المعاني فهو يخبر أن هذه الرسالة في أعمال القلوب، طلبني أن اكتبها بعض اللي لهم حق عليّ من أهل الإيمان، واستكثر مني كتابتها، قال: وكل منا عجلان، يعني أنا مستعجل وهو مستعجل، هذا اللي طلع معكم، يعني كأنه يقول: تحموني، نعم.
فأقول: هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين باتفاق أئمة الدين، والناس فيها على ثلاث درجات كما هو. إذاً، أعمال القلوب واجبة، هذه كقاعدة عامة؛ هذه الأعمال اللي ذكرها قبل شوي: أعمال القلوب، الخوف، الرجاء، التوكل، في أصلها واجبة. قال: فهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين باتفاق أئمة الدين، والناس في تحقيق أعمال القلوب على ثلاث درجات، نعم، كما هو في أعمال الأبدان الصلاة والزكاة على ثلاث درجات، ما هي؟ قال: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
فالظالم لنفسه العاصي بترك مأمور أو فعل محظور، والمقتصد المؤدي للواجبات والتارك للمحرمات، والسابق بالخيرات المتقرب بما يقدر عليه من واجب ومستحب. فالظالم هو الذي يقع في المعاصي، والمقتصد الذي يفعل الواجبات لكنه لا يفعل المستحبات، والسابق بالخيرات لا، هذا اللي بيفعل الواجبات والمستحبات.
طيب قال: وإن كان كل من المقتصد والسابق قد تكون له ذنوب تمحى عنه، أما بتوبة، والله يحب التوبة، يعني هو يريد أن يقول: لا تفكر لما أقول لك إنه المقتصد أو السابق يعني هم يفعلون الطاعات، ما تفكروا ما لهم ذنوب، لا، هو أكيد لهم ذنوب، لكنها تمحى وتغرق في بحر فضلهم حتى لا يظن أن المقتصد والسابق وصلوا لدرجة العصمة، بخلاف الظالم لنفسه. لا، حتى المقتصد والسابق لهم ذنوب، لكنها تمحو إن شاء الله، نعم.
قال: وأما بحسنات ماحية، وأما بمصائب مكفرة، وأما بغير ذلك. وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله، وإن أولياء الله هم الذين ذكر الله في كتابه بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63].
فإذا يقول ابن تيمية: أولياء الله، هذا المصطلح يشمل السابقين والمقتصدين. لماذا؟ لان الله ماذا عرف أولياءه في القرآن؟ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. شو قال؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، يتقون إيش؟ الذنوب والمعاصي. واتقاء الذنوب والمعاصي يشترك فيه المقتصدون والسابقون، لذلك يقول: أولياء الله يشمل المقتصدين والسابقين، لأن كليهما يصدق عليه التعريف: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، مش هيك تعريف أولياء الله في القرآن؟ وكلاهما متقي للذنوب والمعاصي اتقاءً جملياً، وليس المراد أنه لا تقع منهم الهنات، تقع منهم الهنات كما تقع من أي إنسان، لكن المراد الاتقاء العام حاصل في حياته.
كمل قال: فحد أولياء الله هم المؤمنون المتقون، ولكن ذلك ينقسم إلى عام وهم المقتصدون، وخاص هم السابقون، وإن كان السابقون على درجات كالأنبياء والصديقين. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القسمين في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: «من عاد لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب...». وما تقرب إلي عبدي بأداء ما افترضته عليه، هذا مقام المقتصدين، ثم مقام السابقين: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».
نقول: هذا الحديث ذكر مرتبتين، قال: هو الحديث يتكلم عن أولياء الله، ومع ذلك ذكرهم على مرتبتين، مرتبة من وقف عند حد الفرائض، ومرتبه من أدا بعدها النوافل وازداد منها، نعم. قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبه يبصر، وبي يبطش، وبه يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه».
وأما ظالم لنفسه من أهل الإيمان، فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره. جميل، هذا سؤال: هل الظالم لنفسه من أهل الإيمان، يعني المؤمن العاصي، هل له قدر من ولاية الله أم نقول ليس له أي قدر من ولاية الله؟ له قدر اه، هذا الذي حتى الظالم لنفسه له قدر من ولاية الله بقدر ما عنده من طاعة، وله ابتعاد عن الله بقدر ما عنده من الفجور، فهذه فكرة يؤكدها ابن تيمية أن الشخص الواحد يجتمع فيه من ولاية الله ومن ضدها، قد يجتمع في الشخص الواحد من ولاية الله ومن ضدها.
لذلك قال: واما الظالم لنفسه فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه، كما معه من ضد ذلك، أي من ضد الولاية، بقدر ما فيه من المعاصي والذنوب. إذاً، الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب، والسيئات المقتضية للعقاب، خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، حتى يمكن أن يثاب ويعاقب، وهذا قول جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة، الذين يقولون إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وأما الخوارج والمعتزلة، فهم الذين صعب عليهم أن يجمعوا أن يكون في الشخص ثواب وعقاب، لذلك ماذا قال الخوارج؟ من يدخل النار لا يخرج منها، حتى من المؤمنين. وهكذا قال المعتزلة، إنهم مش قادرين يفهموا إنه ممكن الشخص يا جماعة الخير يعاقب ويثاب، فربنا يدخلونه في النار شوي عقاب، ثم يدخلونه الجنة ثواب. هذه كانت مشكلة عند الخوارج والمعتزلة، أما أهل السنة فواضح عندهم الأمور.
كمل قال: لذلك قال: وأما القائلون بالتخليد من الخوارج والمعتزلة، القائلون بأنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة، وأنه لا شفاعة للرسول ولا غيره في أهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعدها، فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب وحسنات وسيئات، بل من أثيب لم يعاقب ومن عوقب لم يثب، وهذا خطأ.
هذه فكرة عقدية يشير إليها سريعاً، أن أهل السنة يرون إمكانية اجتماع الحسنات والسيئات في الشخص، وبالتالي إمكانية اجتماع الثواب والعقاب، فيعاقبه الله في النار فترة ثم يخرجه إلى الجنة.
طيب قال: ودلائل هذا الأصل من كتاب وسنة وإجماع سلف الأمة كثيرة، لكن ليس هذا موضوعه، ماشي، لأن هي مش مسألتنا الآن، اجتماع الثواب والعقاب والرد على الخوارج والمعتزلة. طيب قال: قد بسطناه في مواضعه، وينبني عليه أمور كثيرة. ولهذا من كان معه إيمان حقيقي، فلا بد أن يكون معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه، وإن كان له ذنوب.
كما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً كان يدعى حماراً، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يشرب الخمر، يجل النبي صلى الله عليه وسلم، فؤتي به مرة فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله».
طيب، المراد: ولهذا من كان معه إيمان حقيقي لابد أن يكون معه من هذه الأعمال، الآن يتكلم عن إيش؟ عن أعمال القلوب التي هي موضوع الكتاب، يعني أي إنسان عنده إيمان حقيقي حتى لو كان ضمن درجة الظالم لنفسه، لابد أن يكون عنده ولو قدر من أعمال القلوب يدخل به الجنة. ومثال ذلك هذا الرجل اللي كان يشرب الخمر من الصحابه، فقال: اعتبر ظالم لنفسه، ومن كثرة ما شرب الخمر الصحابة سبوه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تلعنه، فإنه يحب الله». فهو إن كان ظالماً لنفسه لكن عنده من أعمال القلوب.
نعم قال: فهذا يبين أن المذنب بالشرب وغيره، قد يكون محباً لله ورسوله، وحب الله ورسوله أوثق عرى الإيمان، كما أن العبد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطاً من ذلك الوجه عند الله ورسوله، كما استفاض في ما تفكر.
إذاً، أنت كنت عابداً زاهداً، أصلاً أنت من درجة المقتصدين له، قد يكون عندك يا أيها الذي تدعي أنك عابد زاهد، عندك من البدع والنفاق ما يجعلك مسخوطاً من هذا الوجه عند الله سبحانه وتعالى. نعم قال: كما استفاض في الصحيح، بعض الناس إذا رأى أصحاب الذنوب والمعاصي يبدأ يزدريه، ويظن أنه هو يعني لأنه عابد أو طالب علم أن وضعه أعلى منهم، يقول لك: هذا الذي عنده ذنوب ومعاصي قد يكون عنده من معاني حب الله ومن الأمور الخيرة، فيكون جمع بين طاعة ومعصية. وأنت من تدعي أنك عابد زاهد أو طالب علم، ترى فيك نفس الشيء، فيك رياء، فيك حب للدنيا، عندك بدع، ما يجعلك أيضاً مسخوطاً من جهة وإن كنت أنت مش منتبه لهذا؛ لأنه بعض الناس يظن أن السخط فقط على الذنوب والمعاصي، ولا يعرف أن السخط أيضاً يأتي من جهة الرياء والبدع، قد يأتي من جهة الرياء والبدع ولو كنت من العابدين الزاهدين العلماء.
نعم قال: كما استفاض في الصحيح وغيرها من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، إن لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قاتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
لماذا أتى بحديث الخوارج ليدل به على ماذا؟ أن الخوارج كانوا إيش؟ عباداً زهاداً، ومع ذلك كانوا مسخوطين عند الله من جهة بدعهم، فممكن شخص يكون عابد ويقرأ قرآن لكنه مسخوط من جهة أخرى.
نعم قال: وهؤلاء يقاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: «تمرق مريقة على حين فرقة من المسلمين»، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق. ولهذا قال أئمة المسلمين كَسفيان الثوري وغيره: البدعة أحب إلى إليس من المعصية.
إذاً، هو عم يرد بيقول: لا تفكر إذا أنت عابد زاهد أنك ما عندك... أن الله لا يسخطك من جهة معينة، أو لا يبغضك من جهة معينة، ترى البدع التي عندك -ترى أيها العابد الزاهد- أحب إلى إبليس من الفجور الذي عند العاصي والمذنب الذي تزدري به، لأن البدع لا يتوب منها صاحبها، لكن المعصية قد يتوب منها صاحبها.
نعم قال: ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ورسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يتوب ما دام يراها حسنة؛ لأن أول التوبه العلم بأن فعله سيء ليتوب منه، أو بأنه ترك حسناً مأموراً به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب فيفعله. فما دام يرى فعله حسن وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبه منه ممكنة وواقعه.
ولكن في النهاية هل يمكن للمبتدع أن يتوب؟ لما نقول إن البدعة لا يتوب منها صاحبها، هو يقيد ابن تيمية أن البدعة لا يتوب منها صاحبها ما دام يراها حسنة، لكن إذا صاحب البدعة ربنا هداه وأصبح يرى البدعة خطأ، هنا يمكن يتوب. فلا بد من هذا الكلام أن يقيد، لما نقول: البدعة لا يتوب منها صاحبها، يعني واحد يقول لك: كيف لا يمكن أبدا أن يتوب؟ يقيد هذا الكلام: لا يتوب منها ما دام يراها حسنة.
قال: ولكن، لاحظ ماذا قال: ولكن التوبة ممكنة من البدعة وواقعة، بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق، عندئذ يمكن يتوب. طيب قال: كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين والطوائف من أهل البدع والضلال، نعم، كثير من الأشاعرة والمعتزلة هداهم الله إلى جادة السلف.
نعم قال: وهذا يكون بمن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. آه، ما معنى هذا الكلام؟ وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ماذا يريد أن يقول بهذه الجمله ابن تيمية؟ كيف المبتدع يفتح له باب الهدايه والرشاد؟ متى المبتدع يعينه الله على الهداية والرشاد؟ آه، سمت أنه إذا كان عنده علم صحيح يعمل بهذا العلم الصحيح، فيفتح الله... فيعلمه الله عز وجل أن ذلك علم الآخر علم باطل، يهدي إلى... إنه يعني الآن إذا أنت قد تكون عندك بدع، لكنك عندك علم حق صحيح وتعمل به، إذا كان عندك علم من الحق الصحيح وعملت به، ببركه عملك بعلمك الصحيح، يورثك الله الهدايه إلى ما أنت واقع فيه من البدع ويجعلك تعرف أنها بدع فيهدي إلى الصواب.
فكثير من الأئمة الذين هداهم الله إلى جادة السلف بعد أن كانوا واقعين في بدع، من أسباب هدايتهم إلى جادة السلف أنه هو كان عنده جانب من الحق وهو صادق في العمل به: «فمن علم بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم». فإذا أنت عاملت بعلمك الله ينور بصيرتك في الزاوية التي...
أنت مش شايفها، مش شايفها؛ إما جاهل بها أو مخطئ فيها، لذلك سبحان الله هذه بركة العمل بالععلم. لذلك إخواني، أي إنسان فينا ترى ممكن يكون عنده بعض العقائد الخاطئة، صح؟ أو بعض التصورات الخاطئة. طيب بتقول يا شيخ: كيف بجعل الله عز وجل يهديني إلى الصواب في كل شيء؟ أقول لك: الشيء اليقيني أنه صواب اعمل به، والله ينور بصيرتك في الزوايا الأخرى التي أنت قد تكون واقع فيها في خطأ أو تشوه أو ما شابه ذلك، فهمت؟
فمن عمل بالعلم الصواب، هداه الله إلى البدع التي قد يكون ساقطاً فيها، فأنار بصيرته تجاهها فتركها، هذه من بركة العمل بالععلم. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17]. شوف، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى﴾ وبصيرة ونوراً، فيعرفون حتى الأخطاء التي يقعون فيها.
قال وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّفَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مَّسْتَقِيماً﴾ [النساء: 66-68]. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، يعني ما يؤمرون به، لهديناكم صراطاً مستقيماً في مساحات أخرى هم مش منتبهين لها.
قال وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُم كِفْلَيْنِ مِّن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28]. شايف، اتقوا الله وآمنوا، يعطيكم نوراً تمشون به في حياتكم، فتبصر البدع من الضلال من الهدى، والبدع من السنة.
قال وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. كيف يعني الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور؟ إيش كنت أقول؟ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، طب كيف يخرجهم وهم مؤمنون أصلاً؟ قد البعض يفسر يخرجهم قبل أن يكونوا مؤمنين من الظلمات إلى النور، ويمكن البعض يقول إيش؟ أيوه، بإقدامهم على الإيمان وقصدهم. النتيجة أنه يفر.. يعني أنت قد تكون مؤمن، لكن قد تكون في ظلمات من البدع والجهل بإيمانك واتباعك لمقتضى الإيمان يكون هذا السبب أن الله يزيدك نوراً وبصيرة فتترك كثيراً من الجليات التي أنت تعتقدها ديناً. هي دائماً هذه أبعاد إسقاط الآيات على المسائل؛ أنه هي الآيات قد تكون في سياق الكلام عن الكافرين، لكن أنت أيضاً يمكن تسقطها على الموحدين الذين يسقطون في البدع وظلمات الجهل. كيف أن ببركة الإيمان والعمل به أن الله يخرجك من ظلمات جهل، حيرة، شكوك، عدم استيعاب، بدع، إلى نور الإيمان والسنة واتباع السلف، فهمت؟
قال وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]. وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة. إذاً هذه مسألة جعلها أصل الآن؛ أن الإنسان إذا أراد أن يتقي البدع والجهالات، اعمل بما عندك من العلم، يورثك الله سبحانه وتعالى علم ما لم تعلم، وإن شاء الله يبصرك فتترك ما أنت فيه من البدع.
قال وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعاً لهواه، فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح. شوف هذه القاعدة والعكس بالعكس، يقول: ومن أعرض عن اتباع الحق والعمل بالحق الذي يعلمه اتباعاً لهواه مع الوقت يتطور الأمر معه فيصبح عنده جهل وضلال وعمى حتى عن الحق الواضح الذي كان يعلمه.
من لا يعمل بما عنده من العلم مع الوقت يتطور الأمر عنده، فالله عز وجل والعياذ بالله يجعل فيه انتكاسة فيصبح يرى الحق الواضح اللي كان زمان يراه حقاً يصبح يراه باطلاً وضلالاً. لذلك من أعظم الأدعية: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. فيقول ابن تيمية: ومن أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه حقاً -ليش ما عملت فيه؟ هواً، ما بدي أعمل فيه- قال: فإن الله أو فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح الذي لا ينكره شخصياً.
يعني أحياناً بتشوف شيخ أو إنسان متصدر في مقام إفتاء، يا اخي أنت بتشوف المسألة واضحة واضحة في أحوال المسلمين، وبتشوفه واقف مع الظالم، صح ولا لا؟ بتشوفه واقف مع جبار أو طاغية من طغاة الأرض، بتقول هذا الشيخ يعني مش شايف أنه هذا سفاح للدماء، أنه هذا ظالم طاغية، يعني كيف بتوقف معه؟ هسه أنا بفهم أنه أنت خايف كذا بتجنب، أما أنك شيخ ولحية وتؤلف كتب مصنفات شرعية ودارس وخريج ورئيس جامعة وكبير، واخر شيء أراك واقف مع ظالم سفاح للدماء، هنا تفهم قضية أن الإنسان قد يكون عنده علم، وقد يكون له مصنفات في الدين وأستاذ ودكتور شريعة عنده شيء كثير، لكنه لم يعمل بعلمه.
بدك تفهم ما الذي يحصل حتى ما تتعجب مما يحصل؛ هو لم يعمل بعلمه، فلما جاءت الأمور الواضحة التي أبسط الناس ممكن يراها واضحة، الله أعماه عنها، فما عاد يراها بهذا الوضوح وأصبح يتاول لنفسه الدخول مع معاونة الظالمين والفاسدين والمجرمين. هذا هو مصداق كلام ابن تيمية هنا: ومن أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه لهواً -بده رئاسة يا اخي، بده وزارة، بده يصير مسؤول، بده يصير له منصب- فان ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه حتى عن الحق الواضح اللي أقل مسلم ممكن شايفه، حتى تستفهم ما الذي يجعل كبار رؤساء هيئات شرعية يمكن يفسدوا أو يختلفوا أو يتركوا أمور هي واضحة لعوام المسلمين.
قال كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم؛ لما زاغوا عن العمل بالععلم أزاغ الله قلوبهم، فما عادوا يرونه حقاً وصواباً. قال وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: 10]. إذاً من في قلبه مرض ربنا يزيد مرضاً.
قال وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 109-110]. وهذا استفهام نفي وإنكار، يعني وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ طبعا في قراءتين: وما يشعركم أنها، وفي قراءة: أنها، تمام. فهذا استفهام، أي وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟
وأنا لنقلب أفئدتهم وأبصارهم، حتى عند الآية الثانية هم إيش قالوا؟ أنه جاءت آية يا محمد صلى الله عليه وسلم خلص إحن رح نؤمن فيها، فالله عز وجل يقول: دعوكم من هؤلاء، وما يدريكم ترى إذا جاءت هذه الآية الجديدة ترى لا يؤمنون، فتتفتنهم عندها كما فتناها عند الآية الأولى. ونفتنهم عندها كما فتناها عند الآية الأولى، وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يحصل منهم الإيمان عند مجيء هذه الآية، وأننا سنقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها.
شوف تقليب الأفئدة، ما يرونها حقاً كما لم يؤمنوا به أول مرة. قال على قراءة من قرأ أنها: وما يشعركم أنا.. وعلى قراءة قد تكون في واو هنا، في حدا عنده نسخة أخرى؟ في حدا عنده: وعلى قراءتي؟ نعم نفس النسخه. حتى شيخ أنت عندك نفس النسخة؟ أنا أظن أن هنا وعلى قراءة من قرأ أنها بالكسر تكون جزماً. وما يشعركم ثم تقف: أنها إذا جاءت لا يؤمنون.
فييكون على القراءة الأولى لا يكون جزم، على القراءة الثانية يكون جزم. إيش الفرق عن القراءة الأولى اللي هي قراءتنا: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ إيش بيكون تفسير الآية؟ يعني وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم. على القراءة الثانية: وما يشعركم، ثم تقف، ثم يجزم ربنا: أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم. فالقراءة الأولى لسه عملت احتمالية: وما يشعركم أنها إذا جاءت؟ القراءة الثانية جزمت، وهذا يصير قراءة بقراءة.
لذلك لذلك أظنها وعلى، أظن في واو ساقطة هنا، وعلى قراءة من قرأ أنها بالكسر تكون جزماً. قال: ونقلب مع لا يؤمنون، ونقلب. نعم، لا لا هي تكمله لها. قال: وهل يمكن تكون جملة جديدة؟ ممكن، لكل حمال الوجوه، أنا مش شايف أنه ممكن غلط كمان أن تفسر كأنها استئنافية، وهي أننا سنقلب أفئدتهم وأبصارهم، يكون إخبار، ممكن.
قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]. ولهذا قال من قال من السلف، سعيد بن جبير وغيره: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من العقوبة من عقوبة السيئة السيئة بعدها.
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق أصل يستلزم البر، وأن الكذب يستلزم الفجور. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13-14]. ولهذا كان بعض المشايخ إذا أمر بعض متبعيه بالتوبه وأحب ألا ينفره ويتعب قلبه، أمر بالصدق.
لماذا يقول؟ ولهذا كان بعض المشايخ إذا أمر بعض متبعيه بالتوبة، قديماً الشيخ كان يكون له طلاب ومريدين ويربيهم، فإذا وجد مثلاً أحد الطلاب عنده معاصي وذنوب ولِسّ شديد -على باب التوبة- إذا أمر بعض متبعيه بالتوبة وأحب ألا ينفره ويتعب قلبه بمعالجة التوبة، يقول له: أمر بالصدق.
ليه؟ الحديث: الصدق يهدي إلى البر. بقول: ماشي، خليك صادق، يعني إذا أنت مش قادر تتوب من بعض المعاصي والذنوب، شاعر عندك ضعف، هذه المعاصي لسه تستهويني، فممكن زي ما تفضلت فممكن أقوله: طب على الأقل بدي أيدك إيش تكون صادق وتلتزم الصدق في امور حياتك، اعترف. بس اعترف؛ لأن الصدق بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: من عود نفسه الصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، يعني إن شاء الله يأخذ بايدك الله عز وجل بسببه إلى أبواب البر، أهم شيء انك تصدق.
وهذا هو، طبعا هو الفكرة هنا لسه صدق بحد ذاته ابتداء، وإنما يريد أن يقول: كيف أن العمل الصالح له بركة وتظهر آثاره في هدايات الإنسان، وأن العمل السيء له شؤم وتظهر ضلالات في حياة الإنسان، فمن اتبع الحسنات وواظب عليها رزقه الله نوراً فيورثه حسنات أخرى، ومن واظب السيئات فإن ذلك يورثه سيئات أخرى.
قال هذا يكثر في كلام مشايخ الدين وأئمته، ذكر الصدق والإخلاص، حتى يقولون لمن لا يصدق: لا يتبعنا. ويقول: الصدق سيف الله في الأرض، وما وضع على شيء إلا قطعه. ويقول يوسف بن أسباط وغيره: ما صدق الله عبد إلا صنع له، وأمثال هذا كثير. ما صدق الله، ركزوا هنا: عبد إلا صنع له، يعني كافأه وأعطاه. وأمثال هذا كثير.
والصدق والإخلاص هما في الحقيقة تحقيق الإيمان والإسلام، فإن المظهرين للإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق، والفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق. فأساس النفاق الذي ينبني عليه هو الكذب، ولهذا إذا ذكر الله حقيقة الإيمان نعته بالصدق. كما في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 14-15]. لما ذكر الله الإيمان قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، الصدق الإيمان هو صدق.
نعم، قال وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]. الصدق.
نعم قال: فأخبر أن الصادقين في دعوة إيمانهم هم المؤمنون الذين لم يتعقب أي إيمانهم ريبة، وجاهدوا في سبيلهم بأموالهم وأنفسهم، وذلك أن هذا هو العهد المأخوذ على الأولين والآخرين. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].
قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا اخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته ليؤمنن به ولينصرنه. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25].
فذكر سبحانه أنه أنزل الكتاب والميزان، وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط، وليعلم الله من ينصره ورسله. ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر. نعم، كيف يقوم دين بكتاب يهدي (علم) وسيف ينصر (جهاد)؟ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان: 31]. والكتاب والحديد وإن اشترك في الإنزال، فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث المنزل الآخر، حيث نزل الكتاب من الله. كما قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: 1]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِّن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]. والحديد أنزل من الجبال.
التي يخلق فيها هو يقول ابن تيمية: إنزال الحديد هل هو نفس إنزال الكتاب أم يمكن يختلف الإنزال؟ يقول: إنزال الكتاب من الله من فوق سبع سماوات، وأما الحديد فيمكن يكون مراد بالإنزال أنزاله من رؤوس الجبال على الأرض، ويمكن أن يتصور بصورة أخرى ليس مشترطاً أن يكون الحديد نزل هكذا من السماء كما نزل القرآن، قد يختلف معنى الإنزال.
وكذلك وصف الله الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الإيمان، فقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 177]، قال في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾. فالايمان يقوم على الصدق، وهذا الذي يريد خلاصة الموضوع؛ أن الإيمان يقوم على الصدق، وأما المنافقون فوصفهم الله بالكذب في آيات متعددة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وقال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77]. فالنفاق تقوم قاعدته على الكذب وعدم الصدق، ونحو ذلك في القرآن كثير.
قال: مما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال والأعمال. كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «كتب على ابن آدم حظه». هذه قاعدة، هل الصدق هو مجرد عمل؟ هل الصدق هو فقط عمل لساني؟ لا، الصدق عمل لساني وعمل جوارح؛ هناك صدق في الأقوال وهناك صدق في الأعمال، وهناك كذب في الأقوال وهناك كذب في الأعمال. فمثال الصدق في الأقوال الحديث الصحيح: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». شوف شو قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». كيف الفرج يصدق ذلك أو يكذبه؟ أحسنت، إما أن يقع في الفعل -هذا معنى أو يكذب فلا يقع في الفعل تماماً-. فالمراد أن يعبر بالصدق هنا عن العمل، جعل وقوع الفرج في الحرام أو عدم وقوعه في الحرام تصديقاً وتكذيباً.
قال: ويقال حملوا على العدو حملة صادقة إذا كان حملت على العدو حملة صدق، فالصدق هنا هو الحملة القوية الجادة التي فيها إثخان في العدو، إذا كانت إرادتهم للقتال جازمة. ويقال: فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك. ولهذا يريدون بالصادق الصادق في إرادته وقصده وطلبه، والصادق في عمله، ويريدون الصادق في خبره وكلامه. والمنافق ضد المؤمن الصادق، وهو الذي يكون كاذباً في خبره وكاذباً في عمله. والمرائي فهو كاذب في عمله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. هو لماذا أتى بهذه القاعدة هنا؟ لانه لما نقول النفاق مبني على الكذب ليس مراد مجرد كذب اللسان، لا؛ هو كذب لأنه يقوم على إظهار شيء وإخفاء باطنه، هذا هو النفاق. فهو كذب في الأعمال قبل أن يكون كذبا في الاقوال، أنك أنت لما تنافق أنت تظهر أنك منيح وموحد وعبد الله، ولكنك في الباطن مش صادق، فهو كذب في المظهر العام كأعمال، وقد يصاحبه كذب في الأقوال. وكذلك المؤمن متى نقول المؤمن صادق؟ ليس فقط أن يكون صادق بلسانه، بل صادق أن يكون باطنه موافقاً لظاهره.
قال: وأما الأخلاص لله فهو حقيقة الإسلام، إذ الإسلام هو ليس إسلاماً لغيره، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم له ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والاسلام ضد الكبر والشرك، ويستعمل لازماً ومتعدياً، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَسْحَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]، وأمثال ذلك في القرآن كثير. ولهذا كان عنوان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين ديناً سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 18-19].
وهذا الذي ذكرناه مما يبين أن أصل الدين في الحقيقه هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال. إذاً هو لماذا يأتي بكل هذا الكلام؟ يخبرك أن أصل الدين -احنا ايش قلنا أصل الدين الآن؟ صدق وإخلاص- والصدق والإخلاص هما رأس أعمال القلوب، وهو طبيعة الرسالة موضوعنا، فيريد أن يخبرك ابن تيمية بعمقه ولما يأخذك بعيد بعيد ويرجعك فيقول: وهذا الذي ذكرناه مما يبين أنه... مش ذكر هو أول شيء في الرسالة ماذا قال؟ لما قال هنا في أول الرسالة: بسم الله، فأقول: هذه جميعها واجبة والناس فيها على ثلاث مراتب. الآن هو يريد يخبرك أن أعمال القلوب هي أساس دين الإسلام، فقال لك: الصدق والإخلاص هو قاعدة الدين، فالصدق به يعرف المؤمن من المنافق، والإخلاص هو الاستسلام أصلاً، الإسلام إنما هو إخلاص واستسلام لله. فإذا عرفنا ذلك والصدق والإخلاص هما من أعمال القلوب، فحصل بذلك كله أن أصل الدين في الحقيقة التدين مش هو شيء ظاهر في الابتداء، التدين في الابتداء هو عمل قلب. لذلك وهذا الذي ذكرناه يبين أن أصل الدين هي الأمور الباطنة أعمال القلوب ورأسها الصدق والإخلاص.
قال: وإن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدون الأعمال الباطنة. قال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده: «الإسلام علانية والإيمان في القلب». ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد كله، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد كله، ألا وهي القلب». فالقلب بصلاحه صلاح الجوارح، فالاصل عمل الباطن وعمل الظاهر ثمار وفرع له وإن كان كله طبعا داخل تحت مفهوم الإيمان.
قال وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده.
قال فصل: وهذه الأعمال الباطنية كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك، كلها مامور بها في حق الخاصة والعامة، لا يكون تركها محموداً في حال أحد وإن ارتقى مقامه. الآن هو بدأ يردع الصوفية في تقسيم اعمال القلوب أن هناك ما هو للخاص وهناك ما هو للعامة، فيقول هذه كقاعدة عامة أولاً غير صحيحة، أعمال القلوب يحتاجها العامة والخاصة، هي أول قضية.
وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله. الآن استطراد سريع؛ هل الحزن من أعمال القلوب المطلوبة؟ الآن الخوف، الرجاء، التوكل من أعمال القلوب، طيب هل الحزن من أعمال القلوب؟ نعم، هذا أيضاً ناقشه ابن القيم في مدارج السالكين وغيره وبينوا أن الحزن ليس من أعمال القلوب التي يريدها الله ويطلب تحصيلها منك. قال: بل قد نهى عنه في مواضع، وإن تعلق بامر الدين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139]. بل الله نهى عن الحزن في مواضع خاصة لما تتعلق بإضعاف الدين، ماذا قال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: 127]، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: 40]. إذاً ما دام نهاه عن هذا الفعل إذاً هو ليس من أعمال القلوب المطلوبة، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: 76]، ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: 23]. الأسى هنا الحزن. وأمثال ذلك كثير، وذلك لأنه لا يجيب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه كعمل قلب، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم من لطم أو شيء أو يأس أو قنوط.
كما يحزن على المصائب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يؤاخذ بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا ويرحم» وأشار بيده إلى لسانه. وقال صلى الله عليه وسلم: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب». ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. فالحزن لا إشكال فيه، لكنه ليس من أعمال القلوب. طبعا لا إشكال فيه إذا لم يؤثر على دين الإنسان ولم يردك يأساً ولا إحباطاً فلا إشكال فيه، لكنه ليس من مقامات القلب، هو طبعا هم يردون هنا على بعض أهل التصوف الذين جعلوا الحزن من مقامات الإيمان، وهذا غير صحيح.
وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين عموماً، فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة... هذا كلام مهم اخواني.
وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، يعني إذا الحزن اقترن به شيء محمود أنت تحمد على هذا الشيء المحمود، مثلاً كالحزن على مصيبة في دينه أو على مصائب المسلمين، يعني اللي حزين على إخواننا في غزة مثلاً هو ثوابه على ماذا؟ على شعوره بإخوانه مش على الحزن باعتباره حزن. فهمت هذا تحرير لابن تيمية؛ الحزين على نقص حصل في دينه هو يثاب على اهتمامه بدينه لذلك حزن عليه وليس يثاب على نفس الحزن باعتباره حزن.
قال: فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير للمسلمين وبغض الشر وتوابع ذلك. والعكس بالعكس، أما الحزن إذا اقترن به ماذا؟ ترك مأمور به من الصبر والجهاد، إذا أصبح الحزن سبباً في الجزع وعدم الصبر والتحمل أو أدى إلى ترك الجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه، تمام يعني إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وترك جلب المنافع ودفع المضار أصبح الحزن هنا ماذا؟ منهياً عنه نهي عنه، وإلا كان بحسب صاحبي رفع الإثم عنه من جهة الحزن.
قال: وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله به ورسوله، كان مذموماً عليه من تلك الجهة وإن كان محموداً من جهة أخرى.
وأما المحبة لله والتوكل عليه والإخلاص له ونحو ذلك، فهذه كلها خير محض. فإذن أعمال القلوب التي ذكرناها فهي ماذا؟ خير محض، أما الحزن هو ليس من أعمال القلوب، لذلك أحياناً يكون محموداً وأحياناً يكون مذموماً بحسب ما ينبني عليه أو يتفرع عنه.
قال: فهذه كلها خير محض وهي صفات محبوبة في حق كل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. من قال إن هذه المقامات تكون العامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك، إن أراد خروج الخاصة عنها فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عنها الكافر المنافق. وقد تكلم بعضهم في ذلك كلاماً بيناً غلطه فيه، وانه تقصير في تحقيق هذه المقامات من مدة بكلام مبسوط.
وليس طبعا أنا بس اريد أن أعلّق على الفقرة السابقة حتى تكون مفهومة، هو يعني حتى لما قال من البداية: وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزن على مصيبة في دينه وعلى مصائب.
المسلمين عموماً، فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك. ولكن الحزن على ذلك، أي على مصائب المسلمين، إذا أفضى إلى ترك مأمور به من الصبر أو الجهاد ومدافعة المشركين مثلاً، وجلب المنافع ودفع المضار، نهي عنه؛ أي نهي عن هذا الحزن؛ لأنه ما عاد. أنت صح حزنت على مصائب المسلمين وأنت تحمد على هذه الجهة، لكن إذا أفضى إلى ترك مأمور به من الصبر والجهاد، نهي عنه من هذه الجهة الأخرى.
والا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن. ماذا يقصد هنا؟ هل يعني أن هذا الرجل الذي حزن ومنعه هذا الحزن عن العمل الصالح يحمد من جهة أنه حزن على المصائب، لكن ينبغي عليه أن يرفع الإثم الذي حصل عندما ترك المأمورات؟ هو إما أن يؤمر بأحد أمرين: إما أن يترك الحزن ليحافظ على العمل الصالح، وإما أن يحافظ على الحزن لكن يستحضر العمل الصالح، أي أن يعود العمل الصالح مع محافظته عليه. والمقصود أن المقام الذي سيقف عنده أنه فقط سيرفع الإثم الذي لحقه من جهة الحزن بترك تلك المأمورات، وهذا سيكون أحسن حال.
والذي يظهر لي لما يقول: ولكن الحزن على ذلك، يعني على مصائب المسلمين، أننا متفقون أن الحزن على مصائب المسلمين يحمد من جهة الموضوع الذي حزنت عليه، أنك تفكر بإخوانك، لكن الحزن على مصائب المسلمين إن أفضى إلى ترك مأمور به من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه. يعني نهي عن هذا الحزن. والا، أي وإن لم تتركه مع أنه يفضي إلى ترك مأمور، كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن. يعني في شخص حزن على أوضاع المسلمين، وهذا الحزن جعله يقع في ترك مأمور به من الصبر والجهاد وما شابه ذلك، فنقول له: والله هذا الحزن على أحوال المسلمين الذي يفضي بك إلى ترك الصبر والجهاد منهي عنه.
إذا لم تتركه سيرفع الإثم عنك من جهة الحزن، لكن سيبقى إثم ترك الجهاد والصبر الواجب متعلقاً بك. لن تأثم من جهة الحزن لأنه على قضية شريفة، لكن ستأثم من جهة تركك للمأمورات. إذا هو حزن على أحوال المسلمين، وهذا الحزن سبب للأسف ترك مأمور به من الصبر والجهاد، فإنه سيأثم لا من جهة الحزن، بل من جهة ما حصل من ترك المأمور به من الجهاد والصبر.
وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به، أي بالحزن، عن فعل ما أمره الله به ورسوله، كان مذموماً عليه من تلك الجهة، أي كان حتى هذا الحزن نفسه مذموماً عليه من هذه الجهة، وإن كنت محموداً عليه من جهة أخرى، وهي جهة الشعور بإخوانك المسلمين أو اهتمامك بأمر دينك.
وأما المحبة لله والتوكل عليه والإخلاص له ونحو ذلك، فهذه كلها خير محض، وهي حسنة محبوبة في حق كل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك، إن أراد خروج الخاصة عنها؛ فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عن أعمال القلب كافر ومنافق. وقد تكلم بعضهم في ذلك بكلام بينا غلطه فيه، وأنه تقصير في تحقيق هذه المقامات من مدة بكلام مبسوط، وليس هذا موضعه، ولكن هذه المقامات ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم.
هل نحن نمانع أن نقول إن هذه المقامات الناس فيها على خصوص وعموم؟ لا، لا نمانع؛ لأنه سيأتي معنا مثلاً، سيقول لك إن التوكل عامة الناس يستعملونه في أمور الدنيا، وأما الخاصة من الأولياء الصالحين فيستعملون التوكل ويستحضرونه في أمور الدين، فيتوكلون في إقامة الدين وما شابه ذلك، فهذا نوع تمايز أكيد في توظيف أعمال القلوب. فما عندنا مشكلة أن نقول إن الناس تنقسم في أعمال القلوب إلى خصوص وعموم، فللخاصة خاصها، وللعامة عامها.
ولكن الآن سيعطيك مثالاً على تصور خاطئ للتفريق بين الخاصة والعامة في أعمال القلوب عند أهل البدع؛ فمثل ذلك أن هؤلاء قالوا: التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت، والخاصة لا يناضل عن نفسه. وقالوا: المتوكل يطلب بتوكله أمراً من الأمور، والعارف يشهد الأمور مفروغاً منها فلا يطلب شيئاً. فبعض الصوفية يقول: التوكل هذا للعوام؛ لأن التوكل هو مناضلة عن النفس في طلب القوت.
والشراب والأرزاق، كأنك ماذا تريد من ينازع عنك ويكافح عنك من أجل أن يأتي لك ماذا بطعامك وشرابك؟ والخاصة لا يناضل عن نفسه، يعني الأولياء ليس شغلهم قوتهم وطعامهم وشرابهم، الذين وصلوا إلى مقامات المشاهدة لله عز وجل، تعلقهم أعلى من طعام وشراب وما شابه ذلك، فكأنهم يقولون: العامة لأنهم يحتاجون إلى القوت والطعام والشراب وغير ذلك فيحتاجون إلى التوكل وإلى من يناضل عنهم من أجل أن يحصل لهم قوتهم، وأما الخاصة ما عادت أفكارهم وطموحاتهم متعلقة بالقوت والطعام والشراب وغيره لأنهم شاهدوا الله، فهل يحتاجون إلى من يتوكلون عليه في تحصيل القوت؟ لا.
هيك وجهة نظرهم، طبعا هذا ناتج عن ماذا؟ هي القصور اللي حكيناه، وهذا ما سبيينه ابن تيمية: هل التوكل هو فقط للقوت والطعام والشراب؟ أخ، وين التوكل في أمور الدين؟ وين التوكل في أمور الدين؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] على تحقيق الدين، وين راح هذا المفهوم للتوكل؟ ضيعوه، فلذلك نفوا التوكل عن الخاصة لاعتقادهم أن التوكل هو يكون فقط لتحصيل أمور الدنيا، القوت طعام وشراب.
وقال بعضهم: المتوكل يطلب بتوكله على الله أمرا من أمور نفسه، بدك شيء من أمور الشخصية عشان هيك بتتوكل على الله، يا رب بدي أتزوج، بدي كذا، بدي كذا، وأما العارف بالله فإنه يشهد الأمور مفرغاً منها، أنه هي القضاء والقدر ومشاهدة الإرادة الكونية، وبالتالي مستسلم، مستسلم استسلام سلبي، فبقول: ليش ما في حاجة أتوكل ما دام الأمر فرغ منه؟ فهم لا يدافعون القدر بالقدر، كما مر معنا في العبودية، نفس الأفكار، نفس المشاكل، والعارف بالله يشهد الأمور يعني الكون قد فرغ من قضائه فلا ينازع القدر بالقدر فلا يرى حاجة للتوكل، كما لا يرى حاجة للدعاء كما مر معنا، ويرون أن الدعاء وغيره هذا لا فائدة منه، فكل شيء انتهي وفرغ منه.
فهنا ابن تيمية يقول: لا، شو هالتفكير العوي العقليم؟ قال: فيقال: أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدين أو الدنيا، فإن المتوكل يتوكل على الله سبحانه في صلاح قلبه ودينه وحفظ إيمانه وزيادته، وهذا أهم الأمور إليه، ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] كما في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
آه، إذا هنا ابن تيمية يبين لهم ماذا؟ أن التوكل ليس فقط في أمور الدنيا، بل التوكل أعظم التوكل في أمور الدين، وهذا أنتم أغفلتموه.
نعم، قال: وقوله، نعم، فإن المتوكل يتوكل، آه، فحط الميم، فإن المتوكل يتوكل، في خطأ في النسخة، فإن المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه.
نعم، قال: وقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30]، قال: فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع، أن هذين يجمعان الدين كله، ولهذا قال ومن قال من السلف: إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، يعني خلاصة القرآن في آية واحدة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، عبادة الله والتوكل عليه في تحقيق العبادة، لأنه الاستعانة والتوكل متقاربان كمفهوم في هذا المقام.
طيب، قال: وهاتان الكلمتان هما الجماعتان الآن للرب والعبد، كما جاء في الحديث الصحيح الذي جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله سبحانه وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، يقول: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علي عبدي، يقول: مالك يوم الدين، يقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، يقول الله: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، يقول الله: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل».
فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير، والعبد نصف الدعاء والطلب، هاتين الجامعتين، يعني سورة الفاتحة مقسمة قسمين، قسمها للرب نصفها للرب ثناء عليه، ونصفها للعبد يعني تحقيق لمراد العبد: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7] فهذا حظ العبد منها، والأول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3] هذا حظ الرب منها.
قسمت الـ، هذا معنى قسمت الصلاة، يعني قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي.
طيب، قال: وهاتان جامعه ثانية مال الرب سبحانه مال العبد، نعم، هنا هذه الآية بين بين عبدي نصفين، أشار، خليني أرجوها، أنت هسه شيخ وقتك بس خليني امشي معك، أنا بر أنظر إليها ممكن حالة يا رب، قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، كيف قسمت؟ قسمت الصلاة إلى نصفين، يعني قسمت الصلاة نصفين ممكن تكون مفعول به ثاني، قسمت التفاحه قسمين، تمام؟ ويمكن تقولها، ويمكن تقولها أيضا ماذا؟ أن تكون مفعول مطلق لبيان العدد، يصلح بعض ذلك: ضربت ضربتين، سرت سيرتين، ويمكن تقول أيضا نصفين مفعول به لبيان العدد، نعم، ممكن حال مؤكدة، ويمكن حال، مش ضروري لا، حال مؤكدة صعب، ما يمكن حال مؤكدة لأن ليست هي مضمون القسمة بحد ذاتها، ممكن تكون قسمة الشيء أكثر من قسم، قسمين، لكن أنا أضر، أما أن تكون يعني حالا، أو أن تكون مفعولا مطلقا لبيان العدد، ويمكن أن تكون مفعولا به ثاني.
نعم، قال: وهاتان الجامعتين مال الرب سبحانه مال العبد، فاياك نعبد للرب، وإياك نستعين للعبد، وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاذ، أتَدري ما حقُّ الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حقَّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً. أتَدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقُّهم عليه أن لا يعذبهم».
والعبادة هي الغاية التي خلق الله لها العبادة من جهة أمر الله ومحبته ورضاه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وهي اسم يجمع كمال الحب ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته.
لماذا يتكلم عن العبادة؟ لأنه يقول لك إنه أهم شيء توكل على الله فيه هو الآيش؟ الدين، فلا تقول لي التوكل هذا من أمر العامة، أهم توكل تتوكل على الله فيه هو تحقيق العبودية التي من أجلها خلق الله الخلق، الله لم يخلق الخلق للطعام والشراب، لم يخلق الخلق لهذه الأمور حتى يكون التوكل خاص بهذه الأمور، بل الغاية العظمى التي خلق من أجل خلق العبادة، بالتالي التوكل من أعظم مقامات العارفين، وليس كما يزعم الصوفية أن العارف بالله لا يحتاج إلى التوكل، لأن العارف بالله يوظف التوكل في أهم غايات الوجود الإنساني وهو العبودية لله.
نعم، قال: فالحب الخلي عن الذل والذل الخلي عن حب لا يكون عباده، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين، ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله، وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عن العالمين، فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها، ولهذا كان الله أشد فرحا بتوبه العبد من فاقد لرحلته عليها طعامه وشرابه في أرض دوية مهلكة إذ نام أيس منها ثم استيقظ فوجدها، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا برحلته، وهذا يتعلق به امور جليله قد بسطناها وشرحناها في غير هذا الموضوع.
والتوكل لسانه للعبد إنما هو إنما هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه عن العبادة، توكل هي الوسيلة التي تحصل بها العبادة طبعا فالاستعانة بالله تعالى طريق يحصل بها العبادة المطلوبة، ولهذا قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فما كان من حمد وثناء فهو لي، وما كان من سؤال ودعاء فهو لعبدي، وما كان من تذلل فهو لي، وما كان من طلب استعانة فهو لعبد، وما بيني وبين عبدي فنصفين، فما لي فإني أكرمك به، وما لك فعلي إعانتك عليه»، ما أحسن هذه العبارة: فما لي فإني أجازيك به، وما لك فعلي إعانتك عليه، هكذا، فما لي فمنك العبادة وعلي الجزاء، فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وما التي بيني وبينك فمنك الدعاء عليه الإجابة، وما التي بينك وبين خلقي فأت إلى الناس ما تحب، فما تحب أن يأتيه إليك.
وكون هذا لرب وهذا للعبد هو باعتبار تعلق المحبة والرضا ابتداء، فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له، والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصد في رضاه وحبه، وحبه الوسيلة تبعا لذلك، وإلا فكل، وإلا فكل مامور به فمنفعته عائدة على عبد وكل ذلك يحبه، أراد أن يبين حتى لا يخطئ في الفهم لما نقول هذا للرب وهذا للعبد أو نقول نصف الفاتحه للرب ونصفها للعبد هل المراد بهذا الامر أن الله ينتفع بشيء من عبده؟ لا، بقولك ديري بالك تفهم غلط، لما نقول هذا للرب ليس معناه أن الرب ينتفع به شيء، وكون هذا للرب وهذا مفهوم جيد أن يفهمه الناس، وكون هذا للرب وهذا للعبد ما معنى أنه هذا الجزء للرب؟ إياك أن ياتي في ذهنك أن هذا شيء ينفع فيه رب العالمين، وهذا شيء ينفع فيه أنا، لا، الله عز وجل غني عني وعنك وعن عبادتي وعبادتك، صحيح؟ طيب، ايش معنى هذا للرب؟ ما معنى للرب؟ ما معنى اللام هنا؟ هسه هذا للعبد انتفاع، لكن هذا للرب مش معنا انتفاع، ماذا قال؟ محبة ورضا.
لذلك قال: هي وكون هذا للرب هو باعتبار تعلق المحبة والرضا ابتداء، فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائماً له، والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصود في رضاه، فالله يحب ويرضى أن يثنى عليه، يحب ويرضى أن يعبد، تمام؟ فكما الله سبحانه وتعالى قال: والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة في رضاه وحبه الوسيلة تبعا لذلك، فالله عز وجل لماذا يحب عبادتك؟ لأنها وسيلة لرضاه صحيح وحبه الوسيلة، الله يحب أن تعبده لماذا؟ لأنك إذا عبدته أّرّضيته، فهو المقصود، فهو يحب سبحانه وتعالى، يحب هذه الوسيلة لذلك لأنها تحقق المقصود والغاية.
والا فكل مامور به يعني والا يعني إياك أنك تفهم الموضوع غلط والا فكل مامور به منفعته عائدة على مين في النهاية؟ على العبد، فالله لما يحب العبادة مش لأنه ينتفع بها حاشاه سبحانه، هو يحب العبادة لأنها تحقق مراده ومقصوده هذا حبه لعبادتك وليس حبه لها لأنه ينتفع بها أو أنت تقدم له شيء لم يكن له حاصلا عز وجل وجل، والا فكل مامور به فمنفعته عائلة على العبد بلا شك، وكل هذه العبادة التي منفعتها لك أيها العبد يحبها ويرضاها لأنها تحقق مراده وليس لأنه ينتفع بها.
وعلى هذا فالذي ظن المهم، نعم قال: وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا هو غلط، بل التوكل في الأمور الدينية اعظم شأن، الأفضل كان يضع نقطة هناك بعدين يقول وعلى هذا، هذا يدل لك أن ترتيب الفقه أحيانا بيكون المحقق اخواني وما قرأ الرسالة قراءة فهم، فبتكون النسخة خرجت قراءة تجارية أنه خلص أهم شيء أن طلع الكلام صح، ففي أخطاء إاملائية وخرجها، لكن في النهاية مكان الفواصل مكان البدايات والنهايات خطا ويسبب إشكال للقارئ بعد ذلك، فالاصل أنه الذي يحقق كتابة ويخرجه بنسخه مستقله يكون فاهم الكلام حتى لا يربط فقرة فقرة بشكل مغلوط وهذا اللي بيعمل لك مشاكل اليوم في القراءة.
وأيضاً قال: وأيضاً فالأمور الدينية التي لا تتم الواجبات أو المستحبات إلا بها هي من الدين، والزاهد في زهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه، وزهد مشروعة هو ترك الرغبة فيما ينفع في الدار الآخرة.
إذا وأيضاً في الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات أو المستحبات إلا بها هي من الدين، هسه شوف أنا عندي شعور داخلي ما بعرفش وافقني أنه الكلام، وأيضاً في الأمور الدنيوية، هيك اتوقع النص في حدا وافقني توافقني ولا بتخالفني؟ لا شيخ ما هو إذا كانت من الدين فالتقييد التي لا تتم إلا بالواجبات والمستحبات يعني ما له معنى.
لا، أنا أعطيكم فهمي وانت قول لي شو هو، لا أنا مع هو الآن لازمك تكون معي، قال الآن هو شو قال؟ وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة هو يظن أن التوكل لا يطلب به إلا ايش؟ بس أمور الدنيا طعام شراب وكذا وهو غلط، بل التوكل في أمور الدين أعظم، بعد شوف كيف أنا فاهم النص، وأنت قل لي: وأيضاً في الأمور الدنيوية، الأمور الدنيوية التي لا تتم الواجبات أو المستحبات إلا بتحصيلها، ألا تعتبر من الدين؟ صح، الأمور الدنيوية التي لا تتم المستحبات والواجبات إلا بها، يعني عفواً إذا أنا ما أكلت وما شربت بقدر أقوم ليل؟ بقدرش أقوم ليل، إذا أنا ما يعني شربت شيئا هيك سخن بقدر أحكي معكم اليوم؟ تمام، فالأمور الدنيوية التي لا تتم الأمور الدينية إلا بها هي من الدين صحيح، فالتوكل على الله هيك بدي أحكي في طلب هذه الأمور الدنيوية، ترى مين قال لك إنها من مقامات العامة وليست من مقامات الخاصة، وأن الخاصة يجب يتورعوا عن هذه الأمور الدنيوية؟ عشان هيك جاب الورع بعدين، أن نحن الامور نحن الجماعة الخاصة بورع عن الأمور الدنيوية؟ لا سيدي، ما هي الأمور الدنيوية هي لا تقوم الأمور الدينية إلا بها، فمش هذا مقام الورع المحمود، هذا ورع خاطئ، فأنا أعتقد والله أعلم أن هنا في خطأ في النسخة وأن وأيضاً في الأمور الدنيوية التي لا تتم الواجبات أو المستحبات إلا بها هي من الدين أيضاً، فالطعام والشراب من الدين لما يقودك إلى
طاعة الله النوم من الدين لما يقودك إلى طاعة الله، والزاهد فيها في هذه الأمور الدنيوية هو زاهد في شيء يحبه الله ورسوله. هذا الطعام يحبه الله ورسوله، هذا الشراب يحبه الله. تقوليش دنيا، أنت فاهم الدنيا غلط. تمام، ما أعرفش عندك تعليق؟ تفضل شيخنا.
هي بس الفكرة أنا بحكي إنه إذا كانت الأمور الدينية، وأصلا أطلقها دينية فهذا القيد بعده ما له اعتبار، عشان تحكي له هو من الدين. فعن قصد النص خطأ بيكون إذا قلت الدينية هون وهون، لأن الأمور الدينية سواء كانت وسيلة إلى غيرها لم تكن فيها الدين. أنا بقول لك آه، أنت موافقني في أنا فكرت إنك بدك تحكي لا إنه مش الأمور الدينية كلامك صحيح. وهذا اللي بيخلي الواحد يتوقف، مع إني أنا مستغرب إن المحشي ما وضع أي نسخة أخرى أو أي حاشية أخرى، وهذا بؤكد إن النسخ التجارية مهلكة للأديان.
طيب تمام، قال: والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهي فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله. كما أن الورع المشروع -تليفون يا شيخ عمر بالله- ادخل.
نعم، قال: كما أن الورع المشروع هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله ترك ما فعله -إيش ترك ما فعله- أرجح منها كالواجبات. طيب، قال: فاما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة، فالزهد فيه ليس من الدين، بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].
كما أن الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع، فإن اشتغل بها عن واجب أو تفوت بها محرماً كان عاصياً، وإلا كان منقوصاً عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين. وأيضاً فالتوكل هو محبوب لله، مرضياً له، مأمور به دائماً، وما كان محبوباً لله مرضياً له مأموراً به دائماً، لا يكون من فعل مقتصد دون، إذن فالزهد الحقيقي هو الزهد في فضول المباحات وليس في أصل المباحات. هيك بدي أقول لك، الزهد المشروع هو الزهد عن الفضول في المباحات، وأما أصل المباحات فالزهد فيها ليس شرعياً؛ لأنك إذا زهدت في أصل المباحات لابد وأنك ستقصر عن العبادات الواجبات والمستحبة.
طيب، قال: فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم المتوكل لا يطلب حظوظه. وأما قولهم إن الأمور قد فرغ منها، فهذه ثلاثة أجوبة على قولهم المتوكل لا يطلب حظوظه. بس أظن في مشكلة في العبارة أيضاً. المتوكل يطلب حظوظه مش لا، هم يقولون إنه ليش التوكل من المقامات العامة؟ لأن المتوكل يطلب حظوظ نفسه، فهذه ثلاثة أجوبة على قولهم المتوكل. الآن أصلاً هو شو التعريف؟ نرجع لصفحة 314 أن هؤلاء قالوا التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت اللي هي حظوظ النفس، والخاص يعني الولي العارف لا يناضل عن نفسه، لا يطلب حظوظ نفسه، فهذا أظنه في لا هذي زائدة خطأ. أنهم يرون أن المتوكل يطلب حظوظه، وهذا من مقامات العامة، فهمتم؟ هم يرون أن المتوكل يطلب حظوظ النفس وهذا من مقامات الإيش؟ العامة.
فبنقول لهم: لا يا سيدي، المتوكل لا يطلب حظوظ نفسه الدنيوية البحتة. أولاً، التوكل يكون في امور الدين أكثر من امور الدنيا، هذا الرد الأول. والرد الثاني ما هو؟ أن الأمور الدنيوية التي تعتبرونها أنتم حظوظ النَّفس إذا كانت تؤدي إلى الحفاظ على امور الدين فهي إذن ليست من حظ النفس، بل هي من حق الله سبحانه وتعالى فالتوكل فيها مطلوب. وظل الجواب الثالث اللي هو إيش؟ الزهد -لا- الزهد، وتتمة عاد بدكم تدوروا على الجواب الثالث؛ لأنه هو أكيد يعني ذكره، بس أنا من سرعة الكلام فقوله: فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم المتوكل يطلب حظوظه، لا هنا على الأقل فيما أعتقد أنها خطأ؛ لأنهم يرون أن المتوكل يطلب حظوظه، فاحنا بدنا نبين لا أن التوكل أمر عام مش حظ نفس فقط.
طيب، قال: وأما قولهم إن الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه. نعم، هذا نظير من يقول إن الدعاء أيضاً لا حاجة إليه؛ لأن الأمور فرغ منها. نعم، قال: لأن المطلوب إن كان مقدراً فلا حاجة إليه، وإن لم يكن مقدراً لم ينفع الدعاء. وهذا القول من أفسد الأقوال شرعاً وعقلاً، وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلبه منفعة ولا يدفع به مضرة، وإنما هو عبادة محضة، وأن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض، وهذا وإن كان قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضاً.
وكذلك قول من قال إن دعاءه إنما هو علامة محضة. نعم، لأنه بعضهم يقول: لا أدعوا منيح، بعض الصوفية ما بقول لك لا تدعو لا تتوكل، بقول لك ادعو أو توكل، لكنها مجرد علامات وليست سبباً بحد ذاته، يعني التوكل ليس سبب في تحصيل مرادك، وهذا غلط، التوكل من الأسباب الشرعية مثل الدعاء، فهذه لو قال وما أشبهها يجمعه أصل واحد عند هؤلاء، وهو أن هؤلاء الصوفية ظنوا أن كون الأمر مقدور مقضي يمنع أن يتوقف على أسباب مقدرة أيضاً تكون من العبد، يعني ظنهم أن القدر لا ينازع بالقدر. طيب، الله عز وجل ألا يمكن أن يكون جعل دعاءك وتوكلك سبباً لتحصيل مرادك ومطلوبك؟ شو المانع من هذا؟
طيب، ولم يعلموا أن الله سبحانه وتعالى يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها من أفعال العباد وغير أفعالهم. هناك أسباب هي التي تحقق المنتجات، سواء قد تكون من فعل العبد أو من غير فعل هذه الأسباب، ولهذا كان طرد قولهم -ترى لو بدنا نطرد مع الصوفية الذين لا يرون تأثير الأسباب في الكون- ولذلك كان طرد قولهم يوجب تعطيل الأعمال بالكليّة، خلص ما حدا يعمل حاجة، ما هو كل شيء بقضاء وقدر. هل أحد يقول هذا؟
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأصل، فأجاب لما قيل له: يا رسول الله، أأعلم أهل الجنة وعلم أهل النار؟ مش كل شيء بقضاء وقدر؟ وخ؟ قال: نعم. قيل: إذن ليش نعمل؟ قال: «كل ميسر لما خلق له». هل قال: اترك الأسباب ولا طلب، الأخذ بالأسباب وهي الأعمال الصالحة؟ وفي الصحيحين عن ابن أبي طالب: كنا في جنازة فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فجلسوا معه مخصرة، فجعل ينكت بالمغسلة في الأرض، ثم رفع رأسه وقال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة، إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل المسلم: يا نبي الله، أفلا نمكث على كتابنا يعني على قدرنا وندع العمل؟ قال: «فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة»، يعني يصيرن، كان هنا بمعنى صار. فقال: «اعملوا فكل ميسر»، «اعملوا فكل ميسر». رون -أما أهل السعادة إذا فيسرون للسعادة بعمل أهل السعادة- فالعمل هو السبب لحصول المقدور، وأما أهل الشقاوة فيصيرون -لاحظ فسرها بالسيرة- ثم قرأ نبي الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5-7] إلى آخر الآيات.
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، فقيل: يا رسول الله، أرايت أدوية نتداوى بها ورقى نسترق بها وتقى نتقيه هل ترد من القدر شيئاً؟ فماذا قال؟ «هي من القدر»، يعني الأخذ بالأسباب ومدافعة القدر بالأعمال الصالحة هو من القدر أصلاً. وقد جاء هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، فبين أن تقدم العلم والكتاب -الكتاب اللي هو القدر بالسعيد والشقي- لا يعني وكتابة ذلك لا ينافي أن تكون سعادة هذا مبنية على أنه سيقوم بأعمال صالحة، فإذا أنت باشرت السبب فهي إشارة لما كان مقدراً لك، وشقاوة هذا بالأعمال السيئة.
فإنه سبحانه وتعالى يعلم الأمور على ما هي عليه، وكذلك يكتبها، فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة، والشقي يشقى بالأعمال السيئة، فمن كان سعيداً سيسر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة، ومن كان شقياً فإنه سيسر للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة، وكلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله عز وجل: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118-119]. وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهي الإرادة الدينية التي يأمر بموجبها، فذلك مذكور في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
سأقف اليوم إن شاء الله عند هذا القدر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
هنا يقولون: الإجابة الثالثة، فالتوكل هو محبوب لله مرضي له، هذه الإجابة الثالثة مش قال هي ثلاثة أجوبة على من قال إن التوكل حظ للعبد؟ احنا قلنا الإجابتين، الإجابة الثالثة أن الله عز وجل أحب التوكل ورغبه، فكيف يكون التوكل حظ للعبد؟ مش الله يحب التوكل إذاً هو يريده، فكيف تقول إنه هو حظ للعبد فقط؟ فهذه الإجابة الثالثة. بارك الله فيكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
يا رب طلعت مس.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل