دخولتسجيل الدخول

الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ (4) | المجلس الثامن والأربعون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

مازال ابن تيمية يتكلم عن الأحاديث الدالة على كفر شاتم النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب قتله، وصلنا عند الحديث الرابع، فقال: الحديث الرابع ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد»، رواه أبو محمد الخلال وأبو القاسم الأزاجي وأبو ذر الهروي، ورواه أبو ذر الهروي ولفظه: «من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاجلدوه».

وهذا الحديث قد روى عبد العزيز بن الحسن بن زبالة، قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفر عن بن موسى عن أبيه عن جدة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه، في القلب منه حزازة، فإن هذا الإسناد الشريف قد ركب عليه متون منكرة، والمحدث به عن أهل البيت ضعيف، فإن كان محفوظا فهو دليل على وجوب قتل من سب نبيا من الأنبياء، وظاهره يدل على أنه يقتل من غير استتابة، وأن القتل حد له.

لكن هذا الحديث كما يقولون شبه ضعيف، أو ضعيف باتفاق شبه اتفاق بين أهل العلم على ضعفه، قال بعضهم حكم أنه موضوع، فلذلك هناك ما هو أقوى منه وأفضل في الاستدلال، أكمل.

قال الحديث الخامس: ما روى عبد الله بن قدام عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقلت: اقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه النسائي منحديث شعبة عن توبة العنبري عنه.

والمراد أن رجلا شتم أو تكلم مع أبي بكر بصيغة غير لائقة، أغلظ رجل لأبي بكر، يعني تكلم مع أبي بكر الصديق بطريقة وبأسلوب بألفاظ غير لائقة، فقلت يعني عبد الله بن قدام عن أبي برزة، أبو برزة يقول: فقلت لأبي بكر اقتله، لأنه تكلم معك بطريقة غير لائقة، قال: فانتهرني أبو بكر وقال: ليس هذا القتل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الذي يقتل من يتكلم معه بطريقة غير لائقة هو النبي صلى الله عليه وسلم فقط.

وفي رواية أبي بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه عن أبي برزة: أن رجلا شتم أبا بكر، فقلت: يا خليفة رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: ويحك أو ويلك، ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر رضي الله عنه فتغيض على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إليه فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: قلت إذا لي أضرب عنقه.

يعني أبو بكر غضب على هذا الرجل كيف تكلم معه، فبمجرد أن قال له أبو برزة اقتله، يعني أبو بكر نسي غضبه، قال له: تعال أنت ايش قلت قبل قليل؟ أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم. قال: لا والله ما كانت لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو داود في مسائله: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث أبي بكر (ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فقال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بأحد ثلاث، في رواية إلا بأحد الثلاث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل.

وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم جماعات من العلماء، منهم أبو داود وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وغيره من العلماء، وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيض أبو بكر، استأذنه في أن يقتله لذلك، وأخبره أنه أمره لقتله، فقال أبو بكر: ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له، وأن له أن يأمر من لا يعلم الناس منه سببا يبيح دمه، وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك، لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا يأمر بمعصية الله قط، بل من أطاعه فقد أطاع الله.

يعني النبي عليه الصلاة والسلام لو أمر أحد الصحابة أن يقتل رجلا ولم يعرف لماذا أمر بقتله، عليك أن تقتله لأنه لا يأمر إلا بحق، لذلك قال: ولو لم يعرف ما هو السبب المبيح لدمه، بمجرد أن قال لك صلى الله عليه وسلم اقتل فلانا، عليك أن تقتله.

فقد تضمن الحديث خصيصتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إحداهما: أن يطاع في كل من أمر بقتله، والثانية: أن له أن يقتل ولو لم يعرف سبب القتل، والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ، وهذا المعنى الثاني الذي كان له باق في حقه بعد موته صلى الله عليه وسلم، فكل من شتمه هو أو أغلظ في حقه، كان قتله جائزا، بل ذلك بعد موته صلى الله عليه وسلم أوكد وأوكد، لأن حرمته بعد موته أكمل، والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن، وهذا الحديث يفيد بأن سبه في الجمله يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم.

والحديث السادس: قصة العصماء بنت مروان، ما روي عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم، خطمة يعني من هذه القبيلة. فقال: من لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله، فنهض فقتلها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «لا ينتصح فيها عنزان».

وقد ذكر بعض أصحاب المغازي وغيرهم قصتها مبسوطة، قال الواقدي: حدثني عبد الله بن الحارث بن فضيل، طبعا هذه قصتها ربما تقبل من حيث السير، لكن من حيث الإسناد فحقيقة حتى هذه القصة في إسنادها الحديث على طريقة المحدثين نظر، لكن من حيث السير كما يقول السير: لا يطلب لها من الإسناد ما يطلب للحديث، ولذلك الأصل أنت هنا في سياق الحكم الشرعي، يعني الأصل أن يبحث عن ما هو أعلى، وإنما تذكر هذه استئناسا.

قال: حدثني عبد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه أن عثماء بنت مروان من بني أمية بن زيد، كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام وتحرض على النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت شعرا في بست بني مالك والنبيت وعوف وبست بني الخزرج: أطعتم أتاوي من غيركم فلا من مراد ولا من مذحج، ترجونه بعد قتل الرؤوس كما يرتجى مرق المنضج.

قال عمير بن عدي الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرا لئن رددت رسول الله من المدينة لأقتلنها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بدر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فجسها بيده فوجد الصبية ترضعه فنحاها عنها، ثم وضع سيف على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما صرف النبي صلى الله عليه وسلم، نظر لعمير فقال: أقتلت بنت مروان؟ فقال: نعم بابي أنت وأمي يا رسول الله، خشي عمير أن يكون فتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها، فقال: يعني تجاوز الحد، افتأت يعني ايش؟ يعني تجاوز أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مثلا يريد تأتي أسيرة، أنه هو تجاوز الحد فلما قتلها.

فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: «لا ينتطح فيها عنزان»، وأصبح هذا مثل، أصبح بعد هذه الجمله تعتبر من الأمثال أنه هذا الموضوع لا ينتطح فيه عنزان، يعني أنه هذا متفق عليه.

فإن أول ما سمعت هذه الكلمه من النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمير: فالتفت النبي صلى الله إلى من حوله فقال: هذا يقول لك هذه أول من عبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لا يوجد مثلا في شيء شعر عربي أو مثل عربي سابق لا ينتطح عنزان، أول من عبر بهذه العبارة، قال: فإنه أول ما سمعت هذه الكلمة هي الجملة من النبي عليه الصلاة والسلام، أظن هناك كتاب اسمه كتاب الأمثال النبوية أظن الأصفهاني أو شيء جمع فيه هذه الكلمات التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام وأصبحت مثلا.

قال عمير: فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله فقال: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي»، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يشري في طاعة الله، فقال: «لا تقل الأعمى ولكنه البصير».

فلما رجع عمير من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد بنيها في جماعة يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه قيل من المدينة، فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فهو الذي نفسي بيده الوقت لو قلتم باجمعكم ما قالت لضربتكم بسيف هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمه وكان منهم رجال يستخفون بالاسلام خوفا من قومهم.

فقال حسان بن ثابت يمدح عمير بن عدي، قال أنشدنا عبد الله بن الحارث: هذا يدل لك أن أحيانا بعض المواقف القوية قد تثبت الإسلام، يعني شوف هذا الرجل موقفه لما قال لهم كيدوني جميعا ثم لا تنظرون، وشجاعته جعلت الإسلام يثبت في هذا الفخذ أو في هذه القبيلة بني خطمه، لما رأوا شدة هذا الرجل في دين الله وأنه لا يساوم عليه، كان سبب هذه الجرأة وهذا الموقف القوي في تثبيته.

بني وائل وبني واوقف وخطمه دون بني الخزرج متى ما دعت اختكم ويحها بعولتها والمنايا تجي، فهزت فتى ماجدا عرقه كريم المداخل والمخرج، فبرجها من نجيع الدما قبيل الصباح ولم يحرج، فأوردك الله برد الجنان جذلان في نعمة المولج.

قال عبد الله بن الحارث عن أبيه: وكان قتلها لخمس ليال بقينا من رمضان مرجع النبي صلى الله وسلم بدر. وروى هذه القصة أخصر من هذا أبو احمد العسكري، ثم قال: كانت هذه المرأة تهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وتؤذيه، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم العنزه دون سائر الغنم أن العنزه تشام العنز ثم تفارقها، وليس كنطاح الكباش وغيرها، وذكر هذه.

يعني كأنها أدنى أدنى أشكال النطاح، كأن الأطناح بين العزم، ماذا قال مثلا لا تنتطح فيه كبشان؟ لماذا كان المثل لا تنتطح فيه عنزان؟ قل لأن العنز كأنها لما تأتي تشام يعني تضع أنفها على الأنف، فتناطحها أدنى أنواع التناطح، وهذا يكون أبلغ في النفي، صح لما أقول لك العنستين لا يتناطحان فيها، مع أن العنز تناطحه خفيف جدا، لأنه قال لا ينتطح كبشان اه ممكن، لأنه الكبش الكباش نطاحها عنيف، اه إذا ما راح يكون فيها خلاف قوي، بس ممكن يكون في خلاف ضعيف، أن أقول لك حتى العنزتين ما بينتطحوا فيها، فهذا من المبالغة في نفي الخلاف، من المبالغة في نفي الخلاف.

قال: وذكر هذه القصة مختصرة محمد بن سعد في الطبقات، وقال أبو عبيد في الأموال: وكذلك كانت قصة عصماء اليهودية إنما قتل لشتمها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المرأة ليست هي التي قتلها سيدها الأعمى ولا اليهودية التي قتلت، لأن هذه المرأة من بني أمية بن زيد أحد بطون الأنصار ولها زوج من بني خطمة، ولهذا والله أعلم نسبت في حديث ابن عباس إلى بني خطمة، القاتل لها غير زوجها وكان لها بنون كبار وصغار.

كان القاتل من قبيلة زوجها كما في الحديث. وقال محمد بن إسحاق: أقام مصعب بن عمير عند أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إنما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة وائل وواقف وتلك وتلك أوس الله، وهم من أوس هم من الأوس بن.

الحارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، كان شاعرهم، يسمعون منه، يعظمونه. هذا الذي ذكره ابن إسحاق يصدق ما رواه الواقدي من تأخر ظهور الإسلام ببني خطمة، والشعر المأثور على حسان يوافق ذلك.

وكان ابن تيمية يحشد النصوص التي قد تؤيد هذه القصة ووجودها، يعني كما قلنا هي من حيث الإسناد الحديثي ليست قوية، لكن يعني كان ابن تيمية يحاول يحشد أن قد يكون لها أصل، باعتبار ما ذكره علماء السير. قالوا: إن ما سقنا القصة من رواية أهل المغازي مع ما في الواقدي من الضعف لشهرة هذه القصة عندهم. شايف؟ إذا بقول لك هو ابن تيمية يعلم أن هذه القصة -قصة قتل هذه المرأة تماماً- إنما شهرتها عند اللي هي بنت مروان عند أهل المغازي.

قال: لشهرة هذه القصة عندهم، مع أنه لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي وأخبار الناس بأحوالها، وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه. نعم، هذا الضد يدخله خلط الرواية بعضها ببعض حتى يظهر أنه سمع مجموع القصة من شيوخه، وإنما سمع من كل واحد بعضها ولم يميزه. أخذ ذلك هو يحاول أن يظهر الواقدي أنه سمع مجموع القصة من كل من شيخه، يعني سمع كل القصة من هذا الشيخ، وسمع كل القصة من هذا الشيخ، لكن في الواقع ايش بيكون الواقدي سمع جزءاً من القصة من الشيخ الأول وجزءاً من القصة من الشيخ الثاني وجزءاً، فهو ما بيشعرك بهذا الشكل من أشكال التدليس، هذا شكل طبعا يعتبر عند المحدثين شكلاً من أشكال التدليس، أني أوهمك أني كل القصة سمعتها من كل شيخ من الشيوخ وفي الواقع أنت سمعت من كل شيخ طرفاً من القصة.

قال: يدخله أخذ ذلك من حديث المرسل والمقطوع، وربما حدث الراوي بعض الأمور لقرائن استفادها من عدة جهات. حدث، يعني خما، يعني الراوي تدخل برضه شوي. قالوا: يكثر من ذلك إكثاراً ينسب لأجله إلى المجازفة في رواية وعدم الضبط، فلم يمكن الاحتجاج به بما ينفرد به، فأما استشهاده بحديثه والاعتضاد به فمما لا يمكن المنازعة فيه.

لا زعم في قصة تامة يخبر فيها باسم القاتل والمقتول وصورة الحال؛ فإن الرجل وأمثاله أفضل من أن يقعوا في مثل هذا في كذب الوضع. على أن لم نثبت قتل الساب بمجرد هذا الحديث، وإنما ذكرناه للتقويه والتوكيد، وهذا مما يحصل ممن هو دون الواقدي.

جميل، يعني هذا بيعطيك منهجاً علمياً كيف أنت تستدل، وانه هل بمجرد أنه، لأنه بعض الناس اليوم لما تشوف بعض المناقشات على شاشات التلفاز أو غيرها بتكون ضحله جداً، وبيكون بعض المؤرخين بمجرد أن يذكر اسم الواقدي وكانه هذا إلى خلاص -عفواً- الواقدي هذا لا يقبل؟ لا، ابن تيمية بقول لك: ليس هكذا منهج الاستدلال. ليس بمجرد أن القصة عند الواقدي لا تقبل، هناك منهجية فيما يقبل من الواقدي وما لا يقبل، تفرداته مثلاً تمام؟ هذه قضية الواقدي، لم يصل لمرحلة أن يتهم بالوضع والكذب، هذه قضية. الواقدي من أعلم الناس بالمغازي، هذه برضه قضية ثابته. فبعض الناس لضحاله أمورهم، خاصة اللي مش متخصصين شرعاً، اللي بيكونوا دارسين التاريخ -بتعرفوا هذول بتكون في أقسام التاريخ في الجامعات بس مش دارس الشريعة ولا منهج المحدثين- بتلاقيه خلاص، بمجرد أن سمع أن الواقدي أو درس في الجامعة أن الواقدي عليه مشاكل وأن الواقدي كذا، بيلغي كل رواياته، بيعتبر أننا لا يجوز أن ولا يصح أن نستدل برواياته. فابن تيمية هنا بعطيك منهجاً: لا، الواقدي ممن يعتبر به ويستانس به ويتقوى بكلامه، خاصة أنه رجل ذو ديانة -عفواً- ليس رجل وضاع، ليس رجل متهم بالكذب.

نعم، قد يكون يمارس بعض الاشكال من بيسموها التدليس، الذي قد يقع في حتى بعض الأفاضل من أهل العلم، فهذا لا يمنع أن يعتضد برواياته، لكن إذا شيء تفرد به هو فقط ولم يوجد عند غيره، اه نعم، صعب ناخذ منه حكم شرعي فقط بناء على روايته.

قال: وجه دلالة أن هذه المرأة لم تقتل إلا لمجرد أذى النبي صلى الله عليه وسلم وهجوه، وهذا بين من قول ابن عباس أنه: «هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من لي بها؟» فعمرو أنه إنما ندب إليها لأجل هجوها. وكذلك في الحديث الآخر فقال عمير حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذراً لإن ردت رسول الله إلى المدينة لأقتلنها. في الحديث لما قال له قومه: أنت قتلتها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون، فالذي نفسي بيده لو قلتم جميعا ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم.

فهذه مقدمة ومقدمة أخرى؛ هو أن شعرها ليس فيه تحريض على قتال النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقال التحريض على القتال قتال، وإنما فيه تحريض على ترك دينه وذم له ولمن اتبعه، وأقصى غائلة ذلك أن لا يدخل في الإسلام من لم يكن دخل أو أن يخرج عنه من دخل فيه، وهذا شأن كل ساب. يبين ذلك أنه أنها هجته بالمدينة، وقد أسلم أكثر قبائلها، وصار المسلم بها أعز من الكافر، ومعلوم أن الساب في مثل هذه الحال لا يقصد أن يقاتل الرسول وأصحابه، وإنما يقصد إغاظتهم لا يتابعوه.

وأيضاً فإنها لم تكن تطمع في التحريض على القتال؛ فانه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم بيد ولا لسان، ولا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك، وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن اتباعه أو أن يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة، ونحو ذلك مما فيه تخذير عنه وحظ على الكفر به لا على قتاله.

على أن الهجاء إن كان من نوع القتال فيجب انتقاض العهد به ويقتل به الذمي؛ فإنه إذا قاتل انتقض عهده، لأن العهد اقتضى الكف عن القتال، فاذا قاتل بيد أو لسان فقد فعل ما يناقض العهد، وليس بعد القتال غاية في نكث العهد.

إذا تبين ذلك، فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يحارب أحداً من أهل المدينة، بل وادعهم حتى اليهود، خصوصاً بطون الأوس والخزرج، فإنه كانوا يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذا قدمها على طبقات؛ منهم المؤمن وهم الأكثرون، ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب. وكان الناس إذ قدمه -يعني الناس المراد به الأوس والخزرج يعني- وكان الأوس والخزرج عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على أحوال من الأوس والخزرج؛ المؤمنون وهم الأكثرون، ومن الأوس والخزرج الباقي على دينه، وكان هذا القسم متروكاً لا يحارب ولا يحارب، وهو والمؤمنون من قبيلته، حلفهم أهل السلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على حلفهم.

قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فيها دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين، إلا بني خطمة وبني واقف وبني وائل، كانوا آخر الأنصار إسلاماً، وحول المدينة حلفاء الأنصار، كانوا يستظهرون بهم في حربهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلوا حلف حلفائهم للحرب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من عادى الإسلام. وكذلك قال الواقدي فيما رواه عن يزيد بن رومان وابن كعب بن مالك وجابر بن عبد الله في قصة ابن الأشرف، عن جابر بن عبد الله.

قال: فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة واهلها أخلاط؛ منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام، فيهم أهل الحلقة -حلق السلاح نعم- والحصون، ومنهم حلفاء للحيين جميعاً الأوس والخزرج. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم أو موادعتهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركاً. ومن المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض، فاذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرهم كانت هذه المرأة من المعاهدين، وكان منهم المظهر للإسلام المبطن خلافه، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وكان الإسلام والإيمان يفشو في بطون الأنصار بطناً بعد بطن حتى لم يبق فيهم مظهر للكفر، بل صاروا إما مؤمناً وإما منافقاً.

وكان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادعاً مهاڈراً، أو هو أحسن حالاً من اليهود لما يرجى فيه من العصبية لقومه وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاملهم إلى الكف. أكيد، كفار الأوس والخزرج كانوا ألطف من اليهود، إنه حتى وهو كافر بضل في عصبية لقومه، ولذلك في بعض المعارك مش دخل رجل من المنافقين وقاتل في أحد وقتل؟ فهو في الرمق الأخير قال -يعني أنت قاتلت من أجل ايش؟- قال: والله ما قاتلت من أجل الدين، قاتلت من أجل قومي، فكان -يعني بقول لكم- أفضل حالاً من كفار اليهود.

قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاملهم من الكف عنهم واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود، لما كان يرجوه منهم ويخاف من تغيير القلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم، وهو في ذلك متبع لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. وتبع إذاً للأمر بالصبر: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾.

قال: ثم إنه مع ذلك ندب الناس إلى قتل المرأة التي هاجته وقال فيمن قتلها: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا». فثبت ذلك أنه جاءه وذمه موجب لقتل غير الكفر، وثبت أن الساب يجب قتله وإن كان من حلفاء والمعاهدين، ويقتل في الحال حتى يحقن في الحال التي يحقن فيها دم من سواه في غير السب، لا سيما لو لم تكن معاهدة فقتل المرأة. فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل، لأنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة فقال: «ما كانت هذه لتقاتل»، ونهى عن قتل النساء والصبيان. ثم إنه أمر بقتل هذه المرأة ولم تقاتل بيدها، فلو لم يكن السب موجبا للقتل لم يجز قتلها.

إن قتل المرأة لمجرد الكفر لا يجوز، ولا نعلم قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من الأوقات، بل القرآن وترتيب نزوله دليل على أنه لم يبح. لأن أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: 39-40] الآية. فاباح للمؤمنين القتال دفعاً عن نفوسهم وعقوبة لمن أخرجهم من ديارهم ومنعهم من توحيد الله وعبادته، وليس للنساء في ذلك حظ. ثم إنه كتب عليهم قتاله مطلقاً وفسره بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]، فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله، والنساء لسنا من أهل القتال.

فإذا كان قد أمر بقتل هذه المرأة، فإما أن يقال إنها جاءها قتال، فهذا يفيدنا أن جاء الذمية قتال فينقض العهد ويبيح الدم، أو يقال ليس بقتال وهو الأظهر، لما قدمناه من أنه لم يكن فيه تحريض عن القتال ولا كان لها رأي في الحرب، فيكون السب جناية مضرة بالمسلمين غير القتال موجبة للقتل بمنزلة قطع الطريق عنهم ونحو ذلك. وذلك يفيد أن السب موجب للقتل لوجوه:

أحدها: أنه لو لم يكن موجباً للقتل لما جاز قتل المرأة به وإن كانت حربية، لأن الحربية إذا لم تقاتل بيد ولا لسان لم يجز قتلها إلا بجناية موجبة للقتل، وهذا ما لا أحسب فيه مخالفة، لا سيما عند من يرى قتالها بمنزلة قتال الصائل.

الثانية: أن هذه السابة كانت من المعاهدين، بل ممن هو أحسن حالاً من المعاهدين في ذلك الوقت، فلو لم يكن السب موجباً لدمها لما قتلت ولما جاز قتلها، ولهذا خاف الذي قتلها أن تتولد فتنة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينتطح فيها عنزان». مع أن انتطاحهما إنما هو كتشام. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يتحرك لذلك قليل من الفتن ولا كثير، رحمة من الله بالمؤمنين ونصراً لرسوله ودينه. فلو لم يكن هناك ما يحذر معه من قتل هذه لولا الهجاء لما خيف هذا.

الثالث: أن الحديث مصرح بأنها إنما قتلت لأجل ما ذكرته من الهجاء، وأن سائر قومها تركوا إذ لم يهجوا، وأنهم لو هجوا لفعل بهم كما فعل بها.

قال: فظهر بذلك أن الهجاء موجب بنفسه للقتل، سواء كان الهاجي حربياً أو مسلما أو معاهداً، حتى يجوز أن يقتل لأجله من لا يقتله بدونه، وإن كان الحربي المقاتل يجوز قتله من وجه آخر. وذلك في المسلم ظاهر، وأما في المعاهد فلأن الهجاء إذا أباح دم المرأة فهو كالقاتل أو أسوأ حالاً.

القتال الرابع: أن المسلمين كانوا ممنوعين قبل الهجرة في أوائل الهجرة من الابتداء بالقتال، وكان قتل الكفار حينئذ محرماً، وهو من قتل النفس بغير حق، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوَا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 77] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [النساء: 77]. ولهذا أول ما نزل ما نزل القرآن فيه، نزل بالإباحة بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: 39]. وهذا من العلم بين أهل المعرفة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يخفى على أحد منهم أنه كان قبل الهجرة وبعدها ممنوعاً عن ابتداء القتل والقتال.

ولهذا قال للأنصار لما بايعوه ليلة العقبة لما استأذنوه في أن يميلوا على أهل منى، أنه لم يؤذن لي في القتال. وكان في ذلك حينئذ بمنزلة الأنبياء الذين لم يؤمروا بالقتال، كنوح وهود وصالح وإراهيم وعيسى، بل كأكثر الأنبياء غير أنبياء بني إسرائيل. ثم لما هاجر لم يقاتل أحد من أهل المدينة، ولم يأمر بقتل أحد من رؤوسهم الذين كانوا يجمعونهم على الكفر ولا من غيرهم. والآيات التي نزلت إذاك إنما تأامر بقتال الذين أخرجوهم وقاتلوهم ونحو ذلك.

يعني الآيات لم تكن تأمر بقتال رؤوس أهل المدينة من الكفار. يعني لما نزل أول أمر بالقتال أو إباحة، حتى قيل أول نزلت الإباحة وليس الأمر ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾. وكانت الإباحة لمقاتلة من أخرجوهم من ديارهم فقط؛ أهل مكة. نعم.

وظاهر هذا أنه لم يؤذن لهم إذاك في ابتداء قتل الكافرين من أهل المدينة. قال: فان دوام إمساكه عنهم يدل على استحبابه أو وجوبه، وهو في الوجوب أظهر لما ذكرنا؛ لأن الإمساك كان واجباً.

فان دوام إمساكه عنهم، يعني أنه لم يقتل الكفار من أهل المدينة، يدل على أن هذا كان هو المستحب أو الواجب، وإن كان الأظهر أنه واجب أن يقتل الكفار من أهل المدينة لما ذكرنا، تمام من أنه كان مأموراً بقتال من أخرجوهم من ديارهم.

قال: والمغير لحاله لم يشمل أهل المدينة فبقوا على الوجوب المتقدم مع فعله صلى الله عليه وسلم. قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدوه قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله.

والمغير إذاً؛ لأن الإمساك أصلاً كان واجباً ابتداءً حتى قبل الهجرة؛ الإمساك عن القتال كان واجباً ابتداءً. والمغير لحاله، اللي هي إيه؟ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلُمُوا﴾ [الحج: 39] لم تشمل أهل المدينة؛ لأن هذه الآية المغيرة كانت تتكلم عن مين؟ عن أهل مكة الذين أخرجوهم من ديارهم، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. فالمغير إنما خص القتال بأهل مكة الذين أخرجوا الصحابة، فيبقى باقي الكفار من غير أهل المدينة على أصل المنع من القتال، فيبقى إذاً على الوجوب المتقدم. نعم.

قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدوه قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله، ومن كف يده وعاهده كف عنه. قال الله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90].

ومن كف يده وعاهده كف عنه. قال الله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90]. وكان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، فإذا نزلت آية نسخت التي قبلها وعمل بالتي أنزلت، وبلغت الأولى منتهى العمل بها، وكان ما قد عمل بها قبل ذلك طاعة لله، حتى نزلت براءة. وإذا أمر بقتل هذه المرأة التي هجته، ولم يؤذن له في قتل قبيلتها الكافرين؛ علم أن السب موجب للقتل، وإن كان هناك ما يمنع القتال لولا السب كالعهد ونحوه.

وهذا الذي يريد أن يصل إليه ابن تيمية، أنه يقول لك إن كل هؤلاء الكفار من أهل المدينة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مأموراً بقتالهم، بل كان واجب عليه أن يكف عن الكفار من أهل المدينة. طيب، لماذا قتل إذاً بنت مروان؟

طبعا هي كانت الظاهر أنها من الكفار ما زالت من قبيلة بني خطمة وهؤلاء ما زالوا في ابتداء الأمر من الكفار. لماذا قتلها إذاً؟ أكيد في سبب خاص فيها هو الذي أوجب قتلها. ما الذي أوجب قتلها؟ الشتم هذا الذي يريد أن يقول لك: ما دام استثناها من عموم الكفار من أهل المدينة وقال: لا ينقطع عن زن في قتلها؛ إذاً هذا يدل على أن السبب الموجب لقتلها بالتحديد هو الشتم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم. نعم.

قال: وهذا وجه حسن دقيق، فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم، لا يقتل إلا بالحق. وليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع، ولا أوقات الشريعه الوحيدة؛ كالقتل قوداً، فانه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول.

وكان أقول لك: القتل بسبب الكفر هذا لم تتفق عليه الشرائع، والكثير من الشرائع الأنبياء فيها لم يؤمروا بقتل الكافر. صحيح، في شرائع كثيرة الأنبياء لم يؤمروا فيها بقتل الكافر، بخلاف القتل عمداً، يعني القود؛ هو قتل عمداً، يعني من قتل عمداً فإن أن يقتص من هذا مما اتفقت يقول عليه الشرائع القصاص، لكن الكفر هل هو علة للقتل؟ مجرد الكفر هل هو علة للقتل؟

نحن لا نعلم كل الديانات السابقة ماذا فيها، لكن على الأقل كثير مما نعلمه عن شرائع الأنبياء السابقين أنهم لم يكونوا يقتلوا بسبب الكفر؛ كانوا مطالبين بالدعوة، بالاصلاح، بهداية الناس، ولم يأمرهم الله أن يقتلوا بسبب الكفر. فلذلك يقول لك ايش؟ اقرأ مرة أخرى.

قال: وهذا وجه حسن دقيق، فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بحق. دم الآدمي عموماً، الانسان بغض النظر شو دينه، بغض النظر ما دينه؟ الأصل أن دم الآدمي معصوم بغض النظر عن دينه، فلا يقتل الآدمي إلا بحق.

وليس القتل لعلم الكفر من الأمور اللي اتفقت عليها الشرائع كما قلنا، ولا أوقات الشريعة الواحدة؛ حتى الشريعة الواحدة قد تأمر ابتداءً بالكف عن القتل بسبب الكفر، ثم ممكن بعدين تأمر بالقتل بسبب الكفر، يأتي حكم متأخر. نعم.

قال: كالقتل قوداً، فانه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول. أما القتل قوداً؛ يعني أن القاتل يقتل، لا، هذه قضية يقولون اتفقت عليها الشرائع والعقول جزاءً وفاقاً. نعم.

قال: وكان دم الكافر في أول الإسلام معصوماً بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتله. ودماء هؤلاء القوم كدم القبطي الذي قتله موسى، وكدم الكافر الذي لم تبلغه الدعوة في زماننا، أو أحسن حالاً من ذلك؛ أن الآن القبطي الذي قتل موسى كان لا يجوز أن يقتله مع أنه كان كافر، صحيح؟ لماذا لا يجوز أن يقتله؟ لأنه موسى لم يؤمر إذ ذاك بالقتال، فالاصل أن دم القبطي كان معصوماً حتى لو كان قبطياً ولم يكن متبعا لموسى، حتى لو كان على دين فرعون، الأصل أنه معصوم ولذلك موسى اعترف أنه أذنب أو سيدنا موسى عليه السلام شعر بالذنب في هذا إلى أن تاب الله عز وجل عليه. نعم.

قال: وقد عد موسى ذلك ذنباً في الدنيا والآخرة مع أن قتله كان خطأ بشبه عمد أو خطأ محضاً، ولم يكن عمداً محضاً. نعم، هو كان خطأ شبه عمد أو خطأ، يعني سلوكي، مش إنه تعمد الخطأ، رضوان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نعم.

قال: فظاهر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وظاهر ما أذن له فيه، أن حال أهل المدينة إذ ذاك ممن لم يسلم كانت كهذه الحالة. نعم، أنه لم يجوز أن يقاتلهم كفار أهل المدينة. نعم.

قال: فاذا قاتل المرأة التي هاجته من هؤلاء، وليسوا عندهم محاربين بحيث يجوز قتالهم مطلقاً، كان قتل المرأة التي تهجوه من أهل الذمة بهذه المثابة أو أولى؛ لأن هذه قد عاهدناها على ألا تسب وعلى أن تكون صاغرة، وتلك لم نعاهدها على شيء. الحديث السابع: قصة أبي عفك اليهودي، ذكره أهل المغازي والسير.

قال: وقد حدثنا سعيد بن محمد عن عمارة بن غزية قال: وحدثناه أبو مصعب إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت عن أشياخه قال: إن شيخاً من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك، وكان شيخاً كبيراً قد بلغ مئتين وعشرين سنة، قدم النبي صلى الله مكة المدينة، كان يحرض على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يداخل في الاسلام. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وظفره الله بما ظفره، فحسده وبغى فقال وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي صلى الله عليه وسلم وذم من اتبعه، أعظم أعظم ما فيها قوله: فسلبهم أمرهم راكب حراماً حلالاً لشتى معه.

قال سلمة بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه. فامهل، فطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف، فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش، وصاح: عدو الله.

فتابع إليه أناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به. وذكر. وتابع إليه أناس ممن هم على قوله؛ يعني من يتكلمون بالكفر أو يسيئون إلى النبي عليه الصلاة والسلام. نعم.

قال: وذكر محمد بن سعد أنه كان يهودياً، وقد ذكرنا أن يهود المدينة كلهم كانوا قد عاهدوه، ثم إنه لما هجا واظهر الذم قتل. قال: وقد يعني عن أبي رقيش قتل أبو عفك في شوار على رأس عشرين شهراً، وهذا قديم قبل قتل ابن أشرف.

وهذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا ظهر سبة ينتقض عهده ويقتل غيلة. لكن هو من رواية أهل المغازي، وهو يصلح أن يكون مؤيداً مؤكداً بلا تردد. الحديث الثامن: حديث أنس بن زنيم الديلي، وهو مشهور عن.

يقتل غيلة؛ يعني وكانه نوع أنه هذا القتل بأي طريقة يصح، مش داعي أعطيه والله أن أرفع له أرفع عنه الأمان وأخبره أنه صار بيني وبينك الآن حرب، لا، لا يقتل في أرضه يعني. نعم.

قال: الحديث الثامن: حديث أنس بن زنيم الديلي، وهو مشهور عند أهل السير، ذكر ابن اسحاق والواقدي وغيرهما. قال الواقدي: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير عن محجن بن وهب قال: كان آخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعه غلام خزاعة فوقع به، فخرج إلى قومه فاراهم شجته، فثار الشر مع ما كان بينهم؛ طلب بنو بكر من خزاعة من دميائها، وقال الواقدي.

فثار الشر مع ما كان بينهم، وما تطلب بني بكر من خزاعة من دمائهم. طب لذلك أصلاً بنو بكر آخر شيء في صلح الحديبية مش هم دخلوا في حلف قريش، أبوا بنو بكر وخزاعة دخلت في حلف النبي عليه الصلاة والسلام، ثم خانت بنو بكر وأغارت على خزاعة في ليلة مظلمه وأعانهم خروجاً قريش، إلى أن كان هذا سبب في فتح مكة. نعم.

قال الواقدي: حدثني حزام بن هشام بن خالد الكعبي عن أبيه قال: وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين ركباً خزاعة يستنصرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم، وذكر قصة فيها إنشاد والقصيدة التي أولها: اللهم إني مجير الأفعى فقد نصرت، يا كعب بن مالك. نعم.

قال: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك. فنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه. فبلغ ذلك أنس بن زنيم ف. نذر دمه يعني أهدره. نعم.

قال: فقدم معتذراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما بلغه عنه، فقال وذكر قصيدة فيها مدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولها: أنت الذي تهدي معد بأمره، بل الله يهديها. وقال لك اشهدي: فما حملت من ناقة فوق رحلها أَبَرُّ وأوفى ذمة من محمد. تعلم رسول الله أنك مدركي، وأن وعيداً منك كالأخذ باليد. تعلم رسول الله أنك قادر على كل ساكن من تهامة ومنجدي. ونبي رسول الله إني هجوته، فلا رفعت صوتي إلي إذا يدي، سوى أنني قد قلت: يا ويح فتية أصيب بنحس يوم طلْقٍ وأسعدي. ويقول فيها: فإني لا عرضاً خرقت ولا دماً هرقت، فكر يا عالم الحق واقصده.

قال الواقدي: أنشدنيها حزام، وبلغت رسول الله صلى الله صلى قصدته، يعني يقول: أنا ما هجوتش هجو واضح، يعني أنا فقط كلام عام وبكيت على أناس ولم أهجو هجواً ولا أرقْت دماً، ففكر يا عالم الحق واقصدي. نعم.

قال: وكلمه نوفل بن معاويه الديلي فقال: يا رسول الله، أنت أول الناس بالعفو، منا من لم يعادك ويؤذك، ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذه وما ندع، حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك. وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك.

يعني الجماعة اللي خزاعة بالغوا أن هذا الرجل هجاك وحكوا أشياء كثير يعني مش صح، العفو يا رسول الله. نعم.

قال: فقال: دع دع دع دع دع دع الركب عنك، فإنا لم نجد اتهام أحد من ذي رحم ولا بعيد رحم كان أبر من خزاعة، فسك. تحكي عن الركب هؤلاء، فإن خزاعة كانوا عيبة.

النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام مشركهم وكافرهم، مشركهم ومسلمهم يقولون بنو خزاعة كانوا واقفين مع النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى المشركون من خزاعة كانوا واقفين مع النبي عليه الصلاة والسلام فزعة يعني.

قال: فاسكت نوفل بن معاوية، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت عنه». قال نوفل: فداك أبي وأمي. وقال ابن إسحاق، وقال أنس بن زنيعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان، قال فيهم عمرو بن سالم حين قدم على رسول الله يستنصره ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنشد تلك القصيدة، وفيها: تعلم بأن الركب ركب عويمر هم الكاذبون المخلف كل موعد.

فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صالح قريشاً وهادنهم عام الحديبية عشر سنين، ودخلت خزاعة في عقده، وكان أكثرهم مسلمين، وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مسلمهم وكافرهم -شايف، كان نصح مسلمهم وكافرهم يعني كلهم فزعة للنبي عليه الصلاة والسلام- نعم.

قال: ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فصار هؤلاء كلهم معاهدين، وهذا مما تواتر به النقل ولم يختلف فيه أهل العلم. نعم.

ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا النبي صلى الله عليه وسلم على ما قيل عنه، فشجه بعض خزاعة، ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنه هجاه، يقصدون بذلك إغراءه ببني بكر فندر دمه، أهدره ولم ينظر دم غيره، فلولا أنهم -نعم، هم كانوا خزاعة أذكياء أنه يا رسول الله هذول بنو بكر في واحد منهم هجاك، هم ماذا يقصدون أنه النبي عليه الصلاة والسلام يقتل كل بني بكر؟ قال إيه، قال يقصدون بذلك إغراء النبي صلى الله عليه وسلم على بني بكر كلهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما أهدر دم فقط الذي شتم، قال: فندر وأهدر دم الذي شتم ولم يندر دم يعني لم يهدر دم بني بكر عموماً، لا يعني ما وافق بني غزاة على طريقته في التفكير-. نعم.

قال: فلولا أنهم، فلولا أنهم، فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي صلى الله عليه وسلم من المعاهد مما يوجب الانتقام منه لم يفعلوا ذلك. إذاً بنو خزاعة لولا أنهم استقر عندهم أن هجاء النبي صلى الله عليه وسلم يهدر الدم لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك، إذاً هذا كان مستقراً، لاحظ هذا موطن الشاهد أصلاً كل القصة من أجل هذا. فلولا أن بني خزاعة كانوا يعلمون أن هجاء النبي صلى الله عليه وسلم من شخص معاهد يوجب الانتقام منه وأنه أصبح دمه حلال، لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروا أن فلان هجاك، لأنهم كانوا يريدون بهذا إغراء النبي عليه الصلاة والسلام على قتال كل بني بكر، إذاً كان مستقراً ذا عند، جاء النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة يوجب القتل. نعم.

قال: ثم أن ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نذر دمه لذلك، مع أنه هجاه حال العهد، وهذا نص في أن المعاهد الهاجي يباح دمه، فمنه لما قدم أسلم في شعره، ولهذا عدوه من أصحابه، ولهذا هذا عده من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: تعلم رسول الله، تعلم رسول الله ونبي ونبي رسول الله، دليل على أنه أسلم قبل ذلك، أو هذا وحده إسلام منه، لأن الوثنية إذا قال: محمد رسول الله حكم بإسلامه. مع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي صلى الله عليه وسلم، ورد شهادة أولئك بأنه أعداء له لما بين قبيلتين من الدماء والحرب، فلو لم يكن ما فعلهم يحل دمه لم يحتاج إلى شيء من ذلك. ثم، فهذا الرجل إذاً أنس بن زنيم بن زنيم لما أعطى هذه القصيدة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر فيها، أما أن يكون اسلم قبل ذلك وهذه القصيدة كانت يعني توطئة أو بعد اسلامه، عفواً، أو أن نفس القصيدة هي إسلام. قال: أما أن يكون أسلم في نفس القصيدة لأنه قال: تعلم رسول الله، وإذا هذا أقر للنبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أنه رسول الله، فقالوا: أما أن تكون نفس القصيدة إسلام، أو أنه أسلم قبل ذلك. نعم.

قال: ثم إنه بعد اسلامه واعتذاره وتكذيب المخبرين ومدحه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طلب العفو من النبي صلى الله عليه وسلم عن اهدار دمه، والعفو وإنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب، فعلم أن فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يعاقبه بعد مجيه مسلما معتذرا، وإنما عفى عنه حلماً وكرماً. ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية الذي هو الذي شفع له إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر عامة أهل السير أن نوفرا هذا هو رأس البكريين الذين عدوا الذين عدوا على -يعني هو يريد أن يقول إنه حتى لو أسلم بالقصيدة، حتى لو أسلم لو كان ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه هجاه كان يحق له أن يقتله ولو بعد إسلامه، ولذلك هو طلب العفو عن إهدار الدم، هو جاي مسلم خلص مسلم، لكنه يعلم أن مجرد إسلامه لا يعني أن دمه ما عاد مهدرا، أنه سيهدر دمك للشتم، فطلب العفو عن إهدار الدم-. نعم.

قال: ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية والذي شفاعة له -نعم- للنبي صلى الله عليه وسلم -نعم- وقد ذكر عامة أهل السير -نعم- أن نوفل هذا هو رأس البكريين الذين عادوا على خزاعة وقتلوهم، وأعانتهم قريش على ذلك، وبسبب ذلك انتقض عهد قريش وبني بكر، ثم إنه أسلم قبل فتح مكة، حتى صار يشفع في الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أن الهجاء أغلظ من نقض العهد بالقتال، بحيث إذا نقض قوم العهد بالقتال وأخر هجا ثم أسلم، عصم دم الذي قاتل، وجاز الانتقام من الهاجي، ولهذا قرن ولهذا قرن هذا الرجل خرق العرض بسفك الدم، فلم أن كلاهما موجب للقتل، وأن خرق عرضه كان اعظم عند. ثم قال: فإني لا عرضاً خرقت ولا دماً في القصيدة، فجعل كلاهما بنفس المنزله. نعم.

قال: وأن خرق وأن خرق عرضه كان أعظم عندهم من سفك دما دماء المسلمين والمعاهدين. ومما يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهدر دم أحد من بني بكر نقضاً للعهد بعينه، وإنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر، هذا مع أن العهد كان عهد هدنة وموادعة، ولم يكن عهد جزية وذمة، والمهادن المقيم ببلده يظهر لبلده ما شاء من منكرات الأقوال والأفعال المتعلقة بدينه ودنياه ولا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب، فعلم أنه جاء من جنس الحراب وأغلظ منه، وأن الهاجي لا ذمة له. الحديث التاسع قصة ابن أبي سرح، وهي ما اتفق عليها أهل العلم واستفاضت عندهم استفاضة تستغني عن رواية الأحاد، وذلك إثباته أقوى مما رواه الواحد العدل، فذكرها مسندة مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها. تب، كمل كمل شيخ.

الحديث التاسع.

بسم الله، قال رحمه الله تعالى: المصعد بن سعد عن سعيد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم يوم الفتح مكة، اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثة، كل ذلك يأبي، فبايعه بعد.

عبد الله بن أبي السرح كان مسلما ثم ارتد، والنبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمه، فلما كان يوم فتح مكة هرب عبد الله بن أبي السرح إلى عثمان بن عفان لأنه من قبيلته ومن عشيرته محتميا به، فعثمان بن عفان جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله بايع عبد الله، يعني عبد الله بن أبي سرح جاء خلاص يريد الإسلام مرة أخرى. النبي عليه الصلاة والسلام رفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبي، أبى في البداية أن يبايع هذا الرجل طيب. ف، النظرات الثلاث قال: فبايعه بعد ثلاث، والآن سنعرف لماذا تأخر النبي صلى صلى الله عليه وسلم في البيعة. نعم.

قال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاث، كل ذلك، فبيعه بعد ثلاث، ثم أخبر على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث راني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟

آه، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام تأخر عن بيعته ثلاث مرات رجاء واحد من أصحابه يقوم فيقتله، كان يريد من واحد من الأصحاب، لذلك يعني كأنه يلام أصحابه، فقال: أما فيكم رجل رشيد راني كففت عن بيعته يقوم فيقتله؟ طيب.

قالوا: فقالوا يا ما أدري يا رسول الله ما في نفسك أومات إلينا بعينك؟ قال: قال: أومات إلينا بعينك يعني إشارة بالعين. فقال: قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة عين، لا يتحرك بهذه الأساليب. نعم.

قال: ورواه النسائي أبسط من هذا. قائن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا نفراً، قال: اقتلهم إن وجدتمتهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.

فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشبه الرجلين فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه. وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا. فقال عكرمة: والله لإن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجي ينجني في البر غيره، اللهم إن لي عليك عهدا إن أنت عافيتني مما فيه أن أتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلاجدنه عفواً كريماً، فجاء فاسلم.

وأما عبد الله بن أبي ابن سعد بن أبي سرح فانه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الباقي كما أورد كما رواه أبو داوود. وعن عبد الله بن عباس قال: لكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل.

كان إذاً من كتاب الوحي. نعم.

قال: فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داوود. وروى محمد بن سعد في الطبقات عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح، وفرتني وابن الزبعرى وابن خطل. فاتاه أبو برزة وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه، وكان رجل من الأنصار قد نذر أرا ابن أبي سرح أن يقتله، فجاء عثمان وكان أخاه من الرضاعة فشفع له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اخذ الأنصاري بقائم سيفه ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم متى يومئ إليه أن يقتله، فشفع له عثمان حتى تركه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: هلا وفيت بنذرك؟ فقال: يا رسول الله، وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومئ فاقتله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الإيماء خيانة، ليس لنبي أن يومئ.

وقال محمد بن إسحاق وفي رواية في رواية ابن بكير عنه قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحداً إلا من قاتلهم، إلا نفراً قد سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اقتلوهم وإن وجدتم تحت أستار الكعبة: عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. وإنما أمر بابن أبي سرح لأنه كان قد أسلم فكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فرجع مشركاً ولحق بمكة، فكان يقول لهم: إني لا أصرفه كيف شئت وانه أنه لا يأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له أو كذا أو كذا فيقول هذا. فكان إذاً في كلامه نوع استهزاء، أنه أنا كنت اكتب له في الوحي زي ما بدي وأنا أصرف له الأمور وهو لا يعرف ماذا كتبت، فكان في كلامه نوع استهزاء بالنبي عليه الصلاة والسلام، هذا موطن الشاهد. نعم.

قال: فيقول نعم. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: عليم حكيم، فيقول له أو أو اكتب: عزيز حكيم، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم كلاهما سواء سواء. قال ابن إسحاق: حدثني شراحيل بن سعيد أن فيه نزلت: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93]. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة.

فر عبد الله، قال: وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم استأمن له، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً وهو واقف عليه ثم.

قال: نعم، فانصرف به. فلما ولى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صمدت إلا رجاءً يقوم إليه بعضكم فيقتله». فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، ألا أومأت إليّ فأقتله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النبي لا يقتل بالإشارة».

وقال ابن إسحاق في رواية إبراهيم بن سعد عنه: حدثني بعض علمائنا أن ابن أبي سرح رجع إلى قريش فقال: والله لو أشاء لقلت كما يقول محمد وجئت بمثل ما يأتي به، إنه ليقول شيئاً وأصرفه إلى شيء مثله فيقول أصبت! ففيه أنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] الآية، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله.

قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا أحداً قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان أسلم، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فارتد مشركاً راجعاً إلى قريش، فقال: والله إني لأصرفك حيث أريد، إنه ليملي عليّ فأقول أو كذا أو كذا فيقول نعم!

قال: فيقول نعم. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يملي عليه فيقول: عزيز حكيم، أو حكيم عليم، فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: كل صواب. وروينا في مغازي معمر عن الزهري في قصة الفتح.

قال وروينا في مغازي معمر عن الزهري في قصة الفتح قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أصحابه بالكف، وقال: «كفوا السلاح إلا خزاعة من بكر ساعة»، ثم أمرهم فكفوا، فآمن الناس كلهم إلا أربعة: ابن أبي سرح، وابن خطل، ومقيس الكناني، وامرأة أخرى. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لم أحرم مكة ولكن الله حرمها، وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي إلى يوم القيامة، إنما أحلها الله لي ساعة من نهار».

فقال: ثم جاء عثمان بن عفان بابن أبي سرح فقال: أتبايعه يا رسول الله؟ فأعرض عنه. ثم جاءه من ناحية أخرى فقال: أتبايعه يا رسول الله؟ فأعرض عنه. ثم جاءه أيضاً فقال: أتبايعه يا رسول الله؟ فمد يده فبايعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أعرضت عنه وإني لأظن بعضكم سيقتله». فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول الله؟ فقال: «إن النبي لا يومض»؛ فكأنه رآه غدراً.

وفي مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتل أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والحويرث بن نقيذ، وابن خطل، ومقيس بن صبابة أحد بني ليث، وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ثم قال: ويقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل النفر أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان ارتد بعد الهجرة كافراً فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عنه ليقوم رجل من أصحابه فيقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعر بالذي في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أحدهم: لو أشرت إليّ يا رسول الله ضربت عنقه. فقال: «إن النبي لا يفعل ذلك». ويقال أجاره عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكتمت الأخرى حتى استؤمن لها.

وذكر محمد بن عائد في مغازيه هذه القصة مثل ذلك، وذكر الواقدي عن أشياخه قالوا: وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فربما أملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سميع عليم فيكتب عليم حكيم، فيقرؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: كذاك الله، ويقره. فافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقوله، إني لأكتب له ما شئت، هذا الذي كتبت يوحى إليّ كما يوحى إلى محمد. خرج هارباً من المدينة إلى مكة مرتدّاً، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح.

فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فقال: يا أخي، إني والله اخترتك فاحبسني هاهنا واذهب إلى محمد فكلمه فيه، فإنه إن راني ضرب الذي فيه عيني -قال: راسي لأن عينيه في الرأس- إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائباً. فقال عثمان: بل اذهب معي. فقال عبد الله: والله لا يضامنّ ليضربن عنقي ولا ينظرني وقد أهدر دمي واصحابي يطلبوني في كل موضع. فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء الله. فلم يرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعثمان آخذاً بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح واقفين بين يديه.

فأقبل عثمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمه كانت تحملني وتمشيني وترضعتني وتفطمني، وكانت تلطفني وتترك، فهبه لي. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام. وإنما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم أراده أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه. فلما رأى أن لا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويقول: يا رسول الله، بايعه بذات أبي وأمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم».

ثم التفت إلى أصحابه فقال: «ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله» أو قال: «الفاسق»؟ فقال عباد بن بشر: ألا مأتّ إليّ يا رسول الله؟ فو الذي بعثك بالحق، إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إليه فاضرب عنقه. ويقال قال هذا أبو اليسر، ويقال عمر بن الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النبي لا يقتل...».

وقائل يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: «إن النبي لا تكون له خائنة الأعين». فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما راه. فقال عثمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بأبي وأمي، لو ترى ابن أمي عبد الله يفر منك كلما راك! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألم أبايعه وأؤمنه؟» فقال: بلى يا رسول الله، ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما كان قبله». فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس.

فوجه الدلالة أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح حين افترى على النبي... طبعاً ألوب ابن تيمية في استقراء النصوص -يعني ابن تيمية لما بيجيب لك القصة بحاول يستقرئ مواطنها في كتب السنة والسير، لأن هذا منهج علمي؛ كل رواية وكل طريق فيه إضافات، يعني يكون في إضافة كلمة، إضافة جملة، إضافة حرف، قد تساعدك في تشكيل الصورة الحقيقية، وهذا منهج ينبغي على الطالب أن يسلكه في مقام الاستدلال، لا يكتفي بذكر حديث من مصدر واحد- الأحاديث خاصة الأحاديث أنت الآن في سياق بناء حكم، الأصل أن تستقرئ مواطن هذا الحديث من كتب السنة والسير؛ لأنه سينبني على اختلاف الروايات تصور أو أعلى، أو أنه يظهر لك أنه لا في تعارض بين الروايات بالتالي أنا ساكون مضطر أن أرجح رواية على أخرى. فبعض الناس بيستعجل، خلص باخذ الرواية مثلاً عند أبي داود يبني عليها، وقد تكون رواية غيره أكمل أو أظهر أوضح. تفضل شيخ.

فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ألم أبايع... قال رسول الله: ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يجب ما قبله». أم يقول لك إنه كيف حتى لو أنت بايعته كيف هو خايف طول الوقت إنه يجي يسلم عليك أو يتكلم معك؟ نعم.

قال: فوجه الدلالة أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتمم له الوحي ويكتب له ما يريد فيوافقه عليه، وأنه يصرفه حيث شاء ويغيّر ما أمر به من الوحي فيقره على ذلك، وزعم أنه سينزل مثل ما أنزل الله إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته، قدر زائد على مجرد الكفر به والرّدة في الدين وهو من أنواع السب، وكذلك لما افترى عليه كاتب آخر مثل هذه الفرية قصمه الله وعاقبه عقوبة خارجة عن العادة ليتبين لكل أحد افتراؤه.

إن كان مثل هذا يجب في القلوب المريضة ريباً، يقول القائل: كاتبه أعلم الناس بباطنه وبحقيقه أمره وقد أخبر عنه بما أخبر، فمن نصر الله لرسوله أي أن أظهر فيه آية يبين بها أنه مفترٍ. البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: كان رجل نصرانياً فاسلم وقرأ البقرة وآل عمران... بدي أجيب لك من هذا الرجل الآخر الذي كان يكتب الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام وارتد وأنه الله قَصَمه مباشرة. هذا شخص آخر: كان رجل نصرانياً فاسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم -أي الوحي- فعاد هذا الرجل نصرانياً ارتد.

قال: فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فاماته الله فدفنوه، فاصبح وقد لفظته الأرض! فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه. فحفروا له وأعمقوا في الأرض بما استطاعوا، فاصبح قد لفظته الأرض! فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه.

نعم، هذا الرجل لم يوفق للإسلام مرة أخرى، سبحان الله الحياة كذا وهذه أقدار الله الجائرة. عبد الله بن أبي السرح ارتد لكن كتب له نصيب أن يسلم مرة أخرى، هذا لا، هذا لم يكتب له أن يسلم مرة أخرى ولله حكمه. هذا رجل عاد نصرانياً ودفن في الأرض ولفظته الأرض، أصحابه ابتداء ظنوا أنه الصحابة هم اللي نبشوا قبره، قالوا نحفر له 5 متر في الأرض عشان ما حدا ينبش قبره، حفروه لـ 5 ولا 7 متر في الأرض دفنوه، وجدوه اليوم الثاني فوق الأرض! قالوا هذا إذاً ليس من فعل أحد -يعني هذا مش مين بدو ينزل 7 متر في الأرض مشان يرجع يطلع جثة، مش مستاهل يعني-.

قال: فعرفوا أنه ليس من شغل الناس، وأن هذه عقوبة. وغريب أن الناس -يعني- تعلم أنها عقوبة ناس، يعني لا، قالوا هذا أكيد ليس من شغل الناس، هذا من فعل رب محمد صلى الله عليه وسلم. طيب، إذا عارف أن رب محمد صلى الله عليه وسلم يفعل هذا أسلم! لكن في بعض الناس سبحان الله.

قال: ورواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه، قالوا هذا قد كان يكتب لمحمد فيعجبون به، فما لبث أن قَصَم الله عنقه فيهم فحفظوا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفظوا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفظوا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذاً.

فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلا ما كتب له، قَصَمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مراراً، وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد أن هذه عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذباً، إذ كان عامة موتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم الأعظم من مجرد الارتداد، إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله صلى الله عليه وسلم ممن طعن عليه وسبه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.

ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين والعدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية؛ لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا الروم بن الأصفر لهم الروم نعم.

قالوا: كنا نحصر الحصن أو المدينة الشهر وأكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والواقعة في أرضه تعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتاخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة ويكون فيهم ملحمة عظيمة. قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظا عليهم بما قالوه فيه، هم يستبشرون بالفتح بس مش أنهم مبسوطين يلا هي سبوا النبي عليه الصلاة والسلام خلينا نروح لا هم متغايضين، لكن يعني هم مع كل الغيض على شتمهم للنبي عليه الصلاة والسلام لكن بنعتبر هي النقطة من جهة أخرى نقطة بالنسبة لنا لصالحنا أن الله سبحانه سينزل الهلاك بهم سريعا نعم.

قال: وهكذا حدثني بعض أصحاب الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب عداه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عباده المؤمنين.

وكذلك لما تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي سرح أهدر دمه لما طعن في النبوة وافترى عليه الكذب مع أنه قد آمن جميع أهل مكة الذين قتلوه وحاربوه أشد المحاربة، ومع أن السنة في المرتد أن يقتل حتى يستتاب أما وجوبا أو استحبابا، وسنذكر إن شاء الله أن جماعة ارتدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعوا إلى التوبة وعرضت عليهم حتى تابوا وقبلت توبتهم، وفي ذلك دليل على أن جرم الطاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم الساب له أعظم من جرم المرتد.

ثم إن إباحة النبي صلى الله عليه وسلم دمه بعد مجيئه تائبا مسلما وقوله: «هلا اقتلتموه» ثم يعفو عنه بعد ذلك دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتله وأن يعفو عنه ويعصم دمه، وهو دليل على أن له صلى الله عليه وسلم أن يقتل من سبه وإن تاب وعاد إلى الإسلام. يوضح ذلك أشياء منها: أنه قد روي عنكر كلمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة، وكذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بها. وقد تقدم عنه أنه قال لعثمان قبل أن يقدم به على النبي صلى الله عليه وسلم: إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا وتوبة المرتد إسلامه، ثم إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وهدوء الناس وبعد ما تاب، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يقتله حينئذ وتربص زمانا ينتظر فيه قتله ويظن أن بعضهم سيقتله، وهذا أوضح دليل على جواز قتله بعد اسلامه، وكذلك لما قال له عثمان إنه يفر منك كلما راك، وهذا دليل واضح على جواز قتله بعد إسلامه.

يعني لو أسلم عبد الله بن أبي السرح في مكة ولم يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعفي من دمه لجاز لأحد المسلمين من الصحابة أن يقتله حتى لو عرف أنه مسلم؛ لأنه إهدار دمه ليس بسبب الكفر وإنما إهدار دمه كان بسبب السب، فحتى لو أسلم في مكة دمه غير معصوم نعم.

قال: وكذلك لما قال له عثمان إنه يفيض منك كلما راك قال: «ألم أبايعه أو منه» قال: بلاء. ولكنه يتذكر عظيم جربه في الإسلام، فقال: «الاسلام يجب ما قبله»، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خوف القتل سقط بالبيعة والأمان وأن الإثم زال بالإسلام، فعلم أن الساب إذا عاد إلى الإسلام جب الإسلام إثم السب وبقي قتله جب الإسلام ركز هي النقطة جدا مهمة جب الإسلام إثم الس للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن القتل حدا حدا يبقى جائز حتى يوجد الأمان، وهذا الأمان يوجد من النبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته، لكن بعد وفاته ما في أمان الذي له أن يعطي حق الأمان هنا النبي عليه الصلاة والسلام على حياته لكن بعد وفاته ما في حد يعطيه حق الأمان، لكن تبقى قضية المصلحة الشرعية يعني إذا كان الحاكم يرى أنه القتل سيسبب مفسدة أعلى من المصلحة المرجوة فهذه قضية المصالح والمفاسد هي ميزان الإسلام نعم.

فإن غرضنا هنا أن نبين أن مجرد الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والواقعة فيه القتل في الحال التي لا يقتل فيها لمجرد الردة، وإذا كان ذلك موجبا للقتل يستوي فيه المسلم والذمي؛ لأن كلما يوجب القتل سوى الردة يستوي فيه المسلم والذمي، وفي كتمان الصحابه لابن أبي سرح ولاحدى القينتين دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب قتلهم وإنما أباحه مع جواز عفوه عنهم، وفي ذلك دليل على أنه كان مخيرا بين القتل والعفو وهذا يؤيد أن القتل كان لحق النبي صلى الله عليه وسلم.

جميل هذه القاعدة أيضا الفقرة فيها فكرة أنه الآن كتمان الصحابة الآن عثمان كتم وخبى عنده ابن أبي السرح صحابي آخر أي خبى عنده إحدى القينتين مش إحدى القينتين كتمت هذا فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ايش عندك لم يوجب قتلهم صحيح لم يوجب قتلهم.

لم يوجب قتلهم يعني هو ما قال قتلهم فرض عين؛ لأنه لو كان قتلهم فرض عين لما يعني حصل لعثمان ولا ما جاز لعثمان أن يؤمن ابنه بالسرح، فعثمان الله يرضى عنه كان فاهم أن هو جوز قتل ابن أبي السرح ولم يلزم، وفي مساحة يعني الصحابة كانوا فقهاء بيعرفوا وين كلام النبي عليه الصلاة والسلام الإلزامي وين كلامه اللي هو سياسة شرعية خلينا نسميه أو اللي فيه نوع من المساحة، فعثمان لما كان يعرف أن موضوع هنا في مساحة وأنما هو إباحة قتل وليس بوجوب قتل.

وفي ذلك دليل على أن النبي عليه الصلاة والسلام هو كان مخيرا بين أن يقتل شاتمه وبين أن يعفو عنه، وهذا يؤيد أن القتل إذا في النهاية كان لحق النبي صلى الله عليه وسلم نعم.

قال: واعلم أن افتراء ابن أبي سرح والكاتب الآخر النصرانية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان يتعلم منهما افتراء ظاهر، وكذلك قوله: إني لا أصرف كيف شئت أنه لا يأمرني أن اكتب له شيء فأقول له أو كذا أو كذا فيقول نعم فرية ظاهرة. قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يكتبه إلا ما أنزله الله، ولا يأمره أن يثبت قرآنا إلا ما أوحاه الله ولا يتصرف له كيف شاء بل يتصرف فيه كما يشاء، بل يتصرف كما يشاء شاء الله.

وكذلك قوله: إني لأكتب له ما شئت هذا الذي كتبته يوحى إلي كما يوحى إلى محمد، وأن محمدا إذا كان يتعلم مني فإني سانزل مثل ما أنزل الله فظاهرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتبه ما شاء ولا كان يوحى إليه شيء. قال: وكذلك قول النصراني ما يدري محمد إلا ما كتبت له من هذا القبيل، وعلى هذا الافتراء حاق بهم العذاب حاق به العذاب واستوجب العقاب.

ثم اختلف أهل العلم: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أقره على أن يكتب شيئا غير ما ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته وهل قال له شيئا؟ على قولين: أحدهما أن النصراني وابن أبي سرح افتريا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله وأنه لم يصدر منه قول فيه إقرار على كتابه غير ما قاله أصلا.

إذا هذا أحد الاقوال في المسألة يا شيخ عمر أنه قضية أنه قال له عليم حكيم فقال له عزيز حكيم اكتبها قال نعم اكتبهما سواء، هذا كله حكاية لكلام عبد الله بن أبي السرح وأنه كل هذا المشهد لم يكن هذه الطريقة الأولى أن كل هذه القصة أصلا ما كانت وأنه النبي عليه الصلاة والسلام قال اه اكتب فكلاهما سواء أن هذا كله لم يحصل نعم.

قال: وإنما لما زين لهما الشيطان الردة افتريا عليه لينفر عنه الناس ويكون قبول ذلك منهما متوجها؛ لأنهما فارقاه بعد خبرة ذلك أنه لم يخبر أحد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول له هذا الذي قلته أو كتبته صواب، إنما وإنما هو حال الردة أخبر أنه قال له ذلك وهو إذ ذاك كافر عدو يفتري على الله ما هو أعظم من ذلك.

يبين ذلك أن الذي في الصحيح أن النصراني كان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له. نعم ربما كان هو يكتب غير ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ويغيره ويزيده وينقصه، فظن أن عمدة النبي صلى الله عليه وسلم على كتابته مع ما فيها من التبدير ولم يدري قال ولم يدري أن كتاب الله آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وانه لا يغسله الماء وأن الله حافظ له وأن الله يقر نبيه فلا ينسى إلا ما شاء الله مما يريد رفعه ونسخ تلاوته، وأن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل عام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزلت عليه الآية أقرأها لعدد من المسلمين يتواتر ونقل الآية بهم.

وأكثر من ذكر هذه القصة من المفسرين ذكر أنه كان يملي عليه سميعا عليما فيكتبه عليما حكيما، إذا قال عليما حكيما كتب غفورا رحيما وأشباه ذلك، ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له شيئا.

قالوا: إذا كان الرجل قد علم أنه من أهل الفدية والكذب حتى أظهر الله على كذبه آية بينة والروايات الصحيحة المشهورة لم تتضمن إلا أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال أو أنه كتب ما شاء فقط، علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له شيئا. قالوا: وما روي في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فهو منقطع أو معلل، ولعل قائله قاله بناء على أن الكاتب هو الذي قال ذلك، مثل هذا قد يلتبس الأمر فيه حتى يشتبه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما قيل أنه قال، وعلى هذا القول فلا سؤال أصلا.

والقول الثاني أن النبي وعلى هذا القول فلا سؤال أصله يعني ما بنسال كيف النبي عليه الصلاة والسلام قال له كلاهما سواء كله ملغي لأنه كل هالقصة مخترعه أصالة القول الثاني نعم.

قال: القول الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له شيئا، فروى الإمام أحمد وغيره من حديث حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أملى عليه سميعا عليما يقول كتبت سميعا بصيرا قال دعه، وإذا أملى عليهما حكيما كتب عليما حليما قال حماد نحوذا.

وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنا كثيرا، فذهب فتنصر وقال: قد قالت كنت أكتم لمحمد ما شئت فيقول دعه، فمات فدفن فنبذته الأرض مرتين أو ثلاثا. قال أبو طلحة: فلقد رأيته منبوذا فوق الأرض.

ورواه الإمام أحمد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عمران جد فينا يعني عظم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يملي عليه غفورا رحيما فيكتب عليما حكيما فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب كذا وكذا فاكتب اكتب كيف شئت، ويملي عليهما حكيما فيكتب سميعا بصيرا فيقول: اكتب كيف شئت. فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين وقال: وانا أعلمكم بمحمد إن كنت لأكتب ما شئت. فامات ذلك الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأرض لا تقبله». قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا، قال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض.

فهذا إسناد صحيح، وقد قال من ذهب إلى القول الأول علل البزار حديث ثابتا عن أنس وقال: رواه عنه ولم يتابع إليه، ورواه حميد عن أنس قال: أظن حميدا أن ما سمعه من ثابت. قالوا: ثم أنسا لم يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم أو شهده يقول ذلك ولعله حكى ما سمع، وفي هذا الكلام تكلف ظاهر.

والذي ذكرناه في حديث ابن إسحاق والواقدي وغيرهما يوافق ظاهر هذه الرواية، وكذلك ذكر طائفة من أهل التفسير وقد جاءت آثار فيها بيان صفة الحال على هذا القول.

ففي حديث ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عليم الحكيم فيقول أوكتب عزيز حكيم فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم كلاهما سواء».

وفي الرواية الأخرى: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبني عليه فيقول عزيز حكيم أو حكيم عليم فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: «كل صواب». ففي هذا بيان لأن كلا الحرفين قد نزل كان قد نزل وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقراهما ويقول له: «اكتب كيف شئت من هذين الحرفين فكل صواب».

وقد جاء مصرحا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف إن قلت عزيز حكيم». ايوه كمل

أو غفور رحيم، فهو كذلك ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة. يعني ما بينفع آية بتتكلم في العذاب تختمها إن الله غفور رحيم، أو آية بتتكلم عن الرحمة بتتكلم عن الجنة وكذا فاعلموا أن الله شديد العقاب، هذا غير ما فيها بلاغة. هيك من البلاغة إنه آية العذاب تنتهي بشديد العقاب، وآية تتكلم عن الجنة تنتهي بالرحمة والمغفرة. نعم.

قال: وفي حرف جماعة من الصحابة: ﴿وَإِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]. والأحاديث في ذلك منتشرة تدل على... مع أن المشهور أنها إيش؟ عزيز حكيم. هي عزيز حكيم إنه هذا سيدنا عيسى يقولها يوم القيامة. نعم، بس في حرف أحد الصح... بعض الصحابة، يعني أحد الأحرف السبعة عند بعض الصحابة أنها اختتمت غفور رحيم؛ لأنه قال إن تعذبنهم، إن تغفر لهم، مقام المغفره يقبل هذا، وإن كانت المشهورة أنها عزيز حكيم. نعم.

قال: والأحاديث في ذلك منتشرة تدل على أن من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن أن تختم الآية الواحدة بعدة أسماء من أسماء الله على سبيل البدل، يخير القارئ في القراءة بأيها. شايف، هذا من الأحرف السبعة؛ إنه قالوا من الأحرف السبعة التي نزلت ابتداءً أن الإنسان له أن يختم الآية بمجموعة من الأسماء الحسنى يخير بينها، ما دام طبعاً لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة. هذا كان جزء من مفهوم الأحرف السبعة. نعم.

قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخيره أن يكتب ما شاء تلك الحروف، وربما قراها النبي صلى... كلمة حروف يعني كلمات. نعم.

قال: وربما قراها النبي صلى الله عليه وسلم بحرف من الحروف، فيقول له أو اكتب كذا وكذا؛ لكثرة ما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخير بين الحرفين، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، كلاهما سواء؛ لأن الآية نزلت بالحرفين. ربما كتب هو أحد الحرفين ثم قراه على النبي صلى الله عليه وسلم فأقره عليه؛ لأنه قد نزل كذلك أيضاً. وختم الآية بمثله سميع عليم أو عليم حكيم، وغفور رحيم، أو بمثل سميع بصير أو عليم حكيم أو عليم حليم، كثير في القرآن.

وكان نزول الآية على عدة من هذه الحروف أمراً معتاداً، ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف لما كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم في كل رمضان، وكانت العرضة الأخيرة هي حرف زيد بن ثابت الذي يقرأ الناس به اليوم، وهو الذي جمع عثمان والصصحابه رضي الله عنهم أجمعين عليه الناس. فبالتالي، التخيير الذي كان موجوداً ابتداءً ذهب، وكانت العرضة الأخيرة على ما وثبت عليه ما في مصحف عثمان. نعم.

ولهذا ذكر ابن عباس هذه القصة في الناسخ والمنسوخ، وكذلك ذكره الإامام أحمد في كتابه في الناسخ والمنسوخ لتضمنها نسخ بعض الحروف. روي فيها وجه آخر رواه الإامام أحمد في الناسخ والمنسوخ، قال: حدثنا مسكين بن بكير، قال: حدثنا معان، قال: وسمعت أبا خلف يقول: كان ابن أبي سرح كتب للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن فكان ربما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن خواتم الآية تعملون وتفعلون ونحو ذا، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب أي ذلك شئت. فقال: فيوفقه الله للصواب من ذلك.

فأتى أهل مكة مرتدًا فقالوا: يا ابن أبي سرح، كيف كنت تكتب لابن أبي كبشة القرآن؟ قال: أكتبه كيف شئت. قال: فانزل الله في ذلك: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] الآية كلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: من أخذ ابن أبي سرح فليضرب عنقه حيثما وجد وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة. ففي هذا الأثر أنه كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حرفين جائزين فيقول له: اكتب أي ذلك شئت، فيوفقه الله للصواب فيكتب أحب الحرفين إلى الله إن كان كلاهما منزلاً، أو يكتب ما أنزله الله فقط إن لم يكن الآخر منزلاً.

وكان هذا التخيير من النبي صلى الله عليه وسلم إما توسعة إن كان الله قد أنزلهما، أو ثقة بحفظ الله وعلماً منه بأنه لا يكتب إلا ما أنزل، وليس هذا ينكر في كتاب تولى الله حفظه وضمن أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

قال: وذكر بعضهم وجهاً ثالثاً، وهو أنه ربما كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يملي الآية حتى لم يبق منها إلا كلمة أو كلمتان، فيستدل بما قرأ منها على باقيها كما يفعله الفطن الذكي فيكتبه، ثم يقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: كذالك أنزلت. كما اتفق مثل ذلك لعمر في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]. نعم. وهذا نوع من أنواع البلاغة، وهو أنك تأتي أنت بكلام فيعرف السامع ماذا سيختم الكلام به. هذا نوع من أنواع البلاغة، تمام؟ إن المتكلم يتكلم بكلام قبل ما يوصل للأخير السامع يتوقع ماذا سيكون الختام. نعم. كان له مصطلح بلاغي، مش جاي على ذهني الآن. نعم.

قال: وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثل هذا في هذه القصة، وإن كان هذا الإاسناد ليس بثقة، قال عن أبي... قال عن ابن أبي سرح أنه كان يتكلم بالإاسلام، وكان يرسل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث، فإذا أملى عليه عزيز حكيم كتب غفور رحيم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا وذاك سواء. فلما نزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] أملى عليها، فلما انتهى إلى قوله خلقاً آخر عجب عبد الله بن سعد فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا أنزلت علي فاكتبها. فشك حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إلي وإن كان كاذباً... هو فكر أنه أوحي إليه لما قال فتبارك الله الخالقين، قال: فهي زبطت معي إذا كان محمد صادقاً صلى الله عليه وسلم فإذا هي أوحي إلي كما أوحي إلي. طيب.

قال: ومما ضُعِّفت به هذه الرواية أن المشهور أن الذي تكلم بهذا عمر بن الخطاب، نعم، مش هذا الرجل. نعم.

قال: ومن الناس من قال قوَلاً آخر، قال: الذي ثبت في رواية أنس أنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم ما كتبه بعد ما كتبه، فيملي عليه سميعاً عليماً فيقول: قد كتبت سميعاً بصيراً، فيقول: دعه أو اكتب كيف شئت. وكذلك في حديث الواقدي أنه كان يقول: كذاك الله، ويقرا... كذلك أنزل الله. كذاك إيش؟ إنه كان يقول: كذاك الله مش كذاك أنزل الله. لا، أنا أظنها؛ لأنه يقول وكذلك في حديث الواقدي أنه كان يقول كذاك أنزل الله. ما في عندنا كلمة أنزل؟ آه، أنا عارف عندكم مش... معنى قبل نفس الشيء، يعني كذاك الله رحيم سميع غفور. لأنه بس هي رواية الواقدي إيش كانت السابقة؟ هي رواية الواقدي هي اللي رح تحكمنا السابقة. نعم، هي ذكر الواقدي.

قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم به حاجة إلى من يكتب لققلة الكتاب في الصحابة وعدم حضور الكتاب منهم في وقت الحاجة إليهم؛ فإن العرب كان الغالب عليهم الأمية، حتى إن كان الحواء العظيم يطلب فيه كاتب فلا يوجد، وكان أحدهم إذا أراد كتاب وثيقة أو كتاب وجد مشقة حتى يحصل له كاتب. فإذا اتفق للنبي صلى الله عليه وسلم يكتب له انتهز الفرصة في كتابته، فإذا زاد الكاتب أو نقص تركه لحرصه على كتابة ما يمله ولا يأمره بتغيير ذلك خوفاً من ضجره وأن يقطع الكتابة قبل إتمامها، ثقةً منه صلى الله عليه وسلم بأن تلك الكلمة أو الكلمتين تستدرك فيما بعد بالإالقاء إلى من يتلقانها منه أو بكتابتها تعويلاً على المحفوظ عنده في قلبه، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: 6-7].

والأشبه والله أعلم هو الوجه الأول، وأن هذا كان فيما أنزل القرآن فيه على حروف عدة؛ فإن القول المرضي عند علماء السلف الذي يدل عليه عامة الأحاديث وقراءة الصحابة أن المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه هو أحد الحروف السبعة، وهو العرضة الأخيرة، وأن الحروف الستة خارجة عن هذا المصحف، وأن الحروف... الوجه الأول طبعاً من القول الثاني يقصد، الوجه الأول من القول الثاني وهو أن هذا من الحروف السبعة. نعم.

قال: وأن الحروف السبعة كانت مختلف الكلم مع أن المعنى غير مختلف ولا متضاد. نعم، فهو في الوجه الثاني ذكر ثلاثة وجوه أن من الأحرف السبعة، ثم قال وروي وجه آخر كذا وكذا، ثم قال وذكر بعضهم وجهاً ثالثاً، صحيح، ورجح الوجه الأول. نعم. في رابع كذلك آخر واحد؟ شو؟ وفي قول آخر أيضاً هون وجه رابع آخر واحد قراناه. وين الرابع؟ قلة من يكتب وكذا. قال: وكان هذا يعتبر وجه رابع. آه، عندنا بالحاشية وهو من الناس قال قول آخر، فيعتبر وجه رابع.

قال الحديث العاشر: حديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومولاه بني هاشم وذلك مشهور مستفيض عند أهل السير، وقد تقدم في حديث سعيد بن المسيب أنه صلى الله عليه وسلم امر بقتل فرتنى. وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: وأمرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتل أحداً إلا من قاتلهم، وأمر بقتل أربعة نفر. قال: وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وقتلت إحدى القينتين وكتمت الأخرى حتى استؤمن لها. وكذلك ذكر محمد بن عائذ القرشي في مغازيه.

وقال ابن إسحاق وفي رواية ابن بكير عنه: قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحداً إلا من قاتلهم إلا نفراً قد سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، عبد الله بن خطل.

ثم قال: وإنما امر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً. مصدقاً يعني يجمع الصدقات، المصدق هو الذي يذهب إلى القبائل فيجمع منهم الزكاوات. نعم.

قال: وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلما، فنزل منزلاً وأمر المولى يذبح له تيساً ويصنع له طعاماً، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدى عليه فقتله ثم ارتد مشركاً. فقتل حنظلة بن خطل مولاه وكان مولاه مسلما، ليش؟ لأنه مش طابخ له يعني بس، فاستيقظ فلما راه لم يطبخ له ذبحه. نعم. ثم ارتد مشركاً. نعم.

قال: وكانت له قينة وصاحبتها كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم فامر بقتلهما معه. قال: ومقيس بن صبابة لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه وساطة مولاة لبني عبد المطلب وكانت ممن تؤذيه بمكة. وقال الأموي حدثني أبي قال: وقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة، وقال: إن وجدتم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم وسماهم بأسمائهم ستة: ابن أبي سرح، وابن خطل، والحويرث بن نقيد، ومقيس بن صبابة، ورجل من بني تيم بن غالب.

قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة فكتم اسم رجلين وأخبرني بأربعة. قال: والنسوة قينة ابن خطل، وسارة مولاة مولاة لبني عبد المطلب. ثم قال: والقينتان كانتا تغنيان بهجائه، وسارة مولاة أبي لهب كانت تؤذيه بلسانها.

وقال الواقدي عن أشياخه: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوه، ثم عدّدهم وقال: وابن خطل، وسارة مولاة عمرو بن هاشم، وقينتين لابن خطل: فرتنى وقريبة، ويقال فرتن وأرنب، هيك اسمها. فرتنة هيك اسمها. نعم.

قال ثم قال: وكان جرم ابن خطل أنه أسلم وهاجر إلى المدينة، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً، وبعث معه رجلاً من خزاعة وكان يصنع طعامه ويخدمه، فنزل في مجمع فامره يصنع له طعاماً ونام، قال ونام نصف النهار فاستيقظه الخزاعي نائم ولم يصنع له شيئاً، فاغتاض عليه فضربه فلم يقلع عنه حتى قتله. فلما قتله قال: والله ليقتلني محمد به إن جئته. فارد عن الإسلام وساق ما أخذ من الصدقة وهرب إلى مكة. فقال له أهل مكة: ما ردك إلينا؟ قال: لم أجد ديناً خيراً من دينكم. فأقام على شركه، فكانت له قينتان وكانتا فاسقتين، وكان يقول الشعر يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمرهما تغنيان به فيدخل عليه وعلى قينته المشركون فيشربون الخمر وتغني القينتان بذلك الهجاء.

وكانت سارة مولات عمرو بن هاشم مغنية نواحة بمكة، فيلقي عليها هجاء النبي صلى الله عليه وسلم فتغني به، وكانت قد قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب أن يصلها وشكت الحاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان لك في غنائك ونوحك ما يكفيك؟ فقالت: يا محمد إن قريشاً منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء. فوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقر لها بعيراً طعاماً فرجعت إلى قريش وهي...

على دينها، فأمرها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن تقتل، فقتلت يومئذ. وأما القينتان فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهما، فقتلت إحداهما أرنب أو قريبة. وأما فرتنا فاستؤمن لها حتى أمنت وعاشت، وحتى كسر ضلع من أضلاعها زمن عثمان رضي الله عنه فماتت، فقضى فيها عثمان ثمانية آلاف درهم ديتها وفين تغريضا للحرم.

وحديث القينتين مما اتفق عليه علماء السير واستفاض نقله استفاضة يستغنى بها عن رواية الواحد، وحديث مولاة بني هاشم ذكره عامة أهل المغازي ومن له مزيد خبرة واطلاع، وبعضهم لم يذكره. فوجه الدلالة أن تعمد قتل المرأة لمجرد الكفر الأصلي لا يجوز بالإجماع، وقد استفاضت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. وفي حديث آخر أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه فانكر قتلها وقال: «ما كانت هذه لتقاتل». قال: ثم قال لأحدهم: «الحق خالدا فقل له: لا تقتل ذرية ولا عسيفا». رواه أبو داوود وغيره.

وقد روى الإمام أحمد في المسند عن ابن كعب بن مالك عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان، وهذا مشهور عند أهل السير. وفي الحديث من رواية الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك: ثم صعدوا إليه فقرعوا عليه الباب، فخرجت إليهم امراته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: حي من العرب نريد الميرة، ففتحت لهم. فقالت: ذلك الرجل عندكم في البيت؟ فغلقنا علينا وعليها باب الحجرة، ونوهت بنا فصاحت، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثنا عن قتل النساء والولدان. فجعل الرجل منا يحمل عليها السيف ثم يذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء فيمسك يده، فلولا ذلك فرغنا منها بليل. وذكر الحديث، وكذلك روى يونس بن بكير عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: حدثني عبد الله بن أنيس قال في الحديث: فقامت ففتحت، فقلت لعبد الله بن عتيك: دونك، فأشهر عليها السيف. وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نهى عن قتل النساء والصبيان فأمسك، وكذلك رواه غير واحد.

شوف عفة الصحابة وضبطهم للنفس حتى مع أن الموقف صعب، يعني أنت رايح تغتال ابن الحقيق وفتحت الباب ومرته صرخت وأنت بدك تنجز المهمة وتطلع، ربما البعض الآخر يتساهل بيقول لك: خلص يا شيخ إحنا معذورين، رايحين نقتل هذا اليهودي بالتالي لنا عذر. لا، شوف الصحابة عم بيرفع السيف بده يقتلها عشان ما تفضح، بعدين بيرجع يصبر نفسه خشية أن يخالف أمر النبي عليه الصلاه والسلام، هذا نوع من التقوى عال في الحروب.

وكذلك رواه غير واحد عن ابن أنيس أن قال: فصاحت امراته، فهم بعضنا أن يخرج إليها، ثم ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتل النساء. وهذه القصة كانت قبل فتح مكة بل قبل فتح خيبر أيضا بلا خلاف بين أهل العلم. وذكر الواقدي أنها كانت في ذي الحجة من السنة الرابعة من الهجرة قبل الخندق، وذكر ابن إسحاق أنها كانت عقبة الخندق، وهما جميعا يزعمان أن الخندق في شوال في سنة خمس. وأما موسى بن عقبة فقال في شوال سنة أربع، وحديث ابن عمر يدل عليه، وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان.

وإنما ذكرنا هذا رفعا لوهم من قد يظن أن قتل النساء كان مباحا ثم حرم بعد ذلك، والا فلا ريب عند أهل العلم أن قتل النساء لم يكن مباحا قط؛ فإن آيات القتال وترتيب نزولها كلها دليل على أن قتل النساء لم يكن جائزا. وهذا مع أن أولئك النساء اللاتي كن في حصن ابن أبي الحقيق إذ ذاك لم يكن يطمع هؤلاء النفر في استرقاقهن، بل هن ممتنعات عند أهل خيبر قبل فتحها بمدة، مع أن المرأة قد صاحت وخافوا الشر بصوتها، ثم أمسكوا عن قتلها لرجائهم أن ينكف شرها بالتهويل عليها.

المحرم إنما هو قصد قتلهن، فأما إذا قصدنا قصد الرجال بالإغاره أو برمي منجنيق أو فتح بثق أو إلقاء نار فتسبب بذلك نساء وصبيان فلم نأثم بذلك لحديث الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم فقال: «هم منهم». متفق عليه.

يعني أنت لما تكون العملية مفاجئة وإغارة مفاجئة بالتالي شيء طبيعي أن يحصل قتل النساء والصبيان زي ما حصل في السابع من أكتوبر، هم دخلوا وأنا بدي أقعد هسه أفرزهم فرز؟ هذه غارة، كان يبيتون الغارة السريعة الهجوم السريع، أو رمي مثلا، اليهود لما يرموا اليهود أساسا لا يفرقون بين شجر وبشر، فانت لما ترمي عليهم ما حدا يسوق مثالية، الشريعه نفسها لم تأمر بها، بل قال النبي عليه الصلاه والسلام: «هم منهم». إذا هذا كلام وتفصيل جيد أن يفهم الإنسان أن قتل النساء والصبيان المحرم هو أن تقصدهم بذاتهم للقتل، أما إذا كان ضمن غارة، ضمن هجوم استباقي، ضمن شيء مفاجئ وبين الرجلين راح نساء وصبيان فهذا نصيبهم.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى أهل الطائف بالمنجنيق مع أنه قد يصيب المرأة والصبي، وبكل حال فالمرأة الحربية غير مضمونة بقود ولا كفاره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من قتل المرأة في مغازيه بشيء من ذلك، فهذا ما تفارق به المرأة الحربية المرأة الذمية. فالمرأة الحربية تفارق المرأة الذمية في أنه إذا قتلت لا دية لها ولا قود ولا كفارة، أما من جهه أنه كلاهما لا تقتل، فالاصل أن كلاهما لا يجوز تقصد قتلها.

وإذا قاتلت المرأة الحربية جاز قتلها بالاتفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من قتلها بأنها لم تكن تقاتل، فإذا قاتلت وجد المقتضي لقتلها وانتفى المانع، لكن عند الشافعية تقاتل كما يقاتل المسلم الصائل فلا يقصد قتلها بل دفعها، فاذا قدرت عليها لم يجوز قتلها، وعند غيره إذا قاتلت صارت بمنزلة الرجل المحارب.

إذا تقرر هذا فنقول: هؤلاء النسوة كن معصومات بالأنوثة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمضى بقتلهن لمجرد... هؤلاء النسوة المغنيات اللواتي أهدر دمهم يوم فتح مكة، مغنيات ابن خطل، هؤلاء النسوة كن معصومات بالأنوثة تماما، يعني الأنوثة هي علة العصمة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهن لمجرد كونهن كن يهجون وهن في دار حرب، فعلم أن من هجا أو سب جاز قتله بكل حال. وهذا الظن الصحيح أنه بالتالي ايش الذي أجاز قتلهن؟ أن عندنا الأصل في الأنثى أنها لا تقتل بالأنوثة، الأنثى غير المقاتلة لا تقتل بالأنوثة إلا إذا في علة أخرى استجدت أوجبت قتلها وهي هنا الهجاء.

ومما يؤكد ذلك وجوه:

أحدها أن الهجاء والسب إما أن يكون من باب القتال باللسان فيكون كالقتال باليد، والمقاتل بلسانه من النساء تقتل كما لو قاتلت بيدها، تكون المرأة الهاجية كالمراه التي يستعان برأيها على حرب المسلمين كالملكة ونحوها، مثل ما كانت هند بنت عتبه، أو يكون بنفسه موجبا للقتل. هند الله يرضى عنها قبل أن تسلم كانت من أصحاب الرأي والمشورة في الحرب، يعني مش امرأة سهلة كانت، أو يكون بنفسه موجبا للقتل. إذا السب إما أن يكون صورة من صور القتال فيكون القتل به بسبب أنه شكل من أشكال القتال، أو أن يكون السبب ليس شكلا من أشكال القتال، لكنه سبب منفصل ومستقل للقتل، لما فيه من أذى الله ورسوله والمؤمنين وإن لم يكن من جنس المحاربة، أو لا يكون شيء من ذلك.

فإن كان من القسم الأول أو الثاني جاز قتل المرأة الذمية إذا سبت؛ لأنها حينئذ تكون قد حاربت أو ارتكبت ما يوجب القتل، والذمية إذا فعلت ذلك انتقض عهدها وقتلت، ولا يجوز أن يخرج عن هذين القسمين؛ لأنه يلزم منه قتل المرأة من أهل الحرب من غير أن تقاتل بيد ولا لسان ولا ترتكب ما هو بنفسه موجب للقتل، وقتل مثل هذه المرأة حرام بالسنة والإجماع، فالاحتمال الثالث بالتاكيد غير وارد.

الوجه الثاني أن هؤلاء النسوة كن من أهل الحرب، وقد آذينا النبي صلى الله عليه وسلم في دار الحرب ثم قتلن بمجرد السب كما نطقت به الاحاديث، فقتل المرأة بذلك أولى وأحرى من المسلمة؛ لأن الذمية بيننا وبينها من العهد ما يكفها عن إظهار السب ويجب عليها التزام الذل والصغار، ولهذا تؤخذ بما تصيبه للمسلم من دم أو مال أو عرض، والحربية لا تؤخذ بشيء من ذلك. فإذا جاز قتل المرأة لأنها سبت الرسول وهي حربية، فتشريع ذلك من غير مانع فقتل الذمية الممنوعة عن ذلك بالعهد أولى وأحرى، ولا يقال: ذمة الذمي أوكد لأنه مضمون والحربي غير مضمون، لان نقول: الذمي أيضا ضامن لدم المسلم والحربي غير ضامن، فهو ضامن ومضمون؛ لأن العهد الذي بيننا اقتضى ذلك، وأما الحربية فلا عهد بيننا وبينها يقتضي ذلك. فليس كون الذمي مضمونا يجب علينا حفظه بالذي يهون علينا ما ينتهكه من عرض الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ذلك أغلظ لجرمه وأولى بأن يؤاخذ بما يؤذينا به، ولا نعلم شيئا تقتل به المرأة الحربية قصدا إلا وقتل الذمية به أولى.

الوجه الثالث أن هؤلاء النسوه لم يقاتلن عام الفتح بل كن متدللات مستسلمات، والهجاء إن كان من جنس القتال فقد كان موجودا قبل ذلك، والمراه الحربية لا يجوز قتلها في غزوه هي فيها مستسلمه لكونها قد قاتلت قبل ذلك، فعلم أن السب بنفسه هو المبيح لدما ئهن لا كونهن قاتلن. إذا هو يريد أن يؤكد لك ماذا؟ أن السب ليس من جنس القتال، بدليل أن هؤلاء النسوة المغنيات اللواتي يهجون النبي عليه الصلاه والسلام لما يوم فتح مكة كن مستسلمات ولا كن محاربات، عم بيهجون كن مستسلمات، والهجاء إذا كان يعتبر من جنس القتال لذلك يقتل صاحبه. والهجاء إن كان من جنس القتال فقد كان موجودا قبل فتح مكة مش يوم فتح مكة، ممتاز. والمرأة الحربية إذا قاتلت في غزوة سابقه ولم تقاتل في هذه الغزوة واستسلمت، هل نقتلها والله بناء على الغزوة السابقة أنها قاتلت فيها؟ لا، فيقول: المرأة الحربية لا يجوز قتلها في غزوة هي فيها مستسلمة لم تشارك لا في رأي ولا في يد باعتبار والله أنها كانت قاتلت في غزوة سابقة، فهذا يؤكد أن قتل هؤلاء النسوة ما كان بسبب ماذا؟ أن الهجاء شكل من أشكال القتال، بل لأن الهجاء سبب مستقل للقتل؛ لأنه لو كان سبب من أسباب القتال فلذلك تقتل المرأة الحربية به، نقول إذا لو كان من هذه الجهة لما أمر بقتلهن في غزوة فتح مكة لأنه في الغزوة ما قاتلن.

الوجه الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن جميع أهل مكة إلا أن يقاتلوا، مع كونهم قد حاربوه وقتلوا أصحابه ونقضوا العهد الذي بينه وبينهم، ثم إنه أهدر دماء هؤلاء النسوة فيمن استثناه وإن لم يقاتلن، لكونهن كن يؤذينه، فثبت أن جرم المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالسب ونحوه أغلظ من جرم القتال وغيره، وأنه يقتل في الحال التي ينهى فيها عن قتال من قتل وقاتل.

الوجه الخامس أن القينتين كانتا أمتين مأمورتين بالهجاء، وقتل الأمة أبعد من قتل الحرة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل العسيف، وكونها مأمورة بالهجاء أخف لجرمها حيث لم تقصده ابتداء، ثم مع هذا أمر بقتلهما، فعلم أن السب من أغلظ الموجبات للقتل حيث أمر بقتل الأمة مع أنها مأمورة، هذا لو كانت حرة فمن باب أولى وأحرى. شيخنا، ايش مين العسيف؟ العسيف الأجير، لأنه هو مأمور.

الوجه السادس أن هؤلاء النسوة إما أن يكن قتلن بالهجاء لأنهن فعلنه مع العهد الذي...

كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، فيكون من جنس هجاء الذمي، أو قتلن بمجرد الهجاء مع عدم العهد؛ فإن كان الأول فهو المطلوب، والثاني: فإذا جاز أن تقتل السابة التي لا عهد بيننا وبينها يمنعها، فقتل الممنوعة بالعهد أولى وأحرى؛ لأن مجرد كفر المرأة وكونها من أهل الحرب لا يبيح دمها بالاتفاق على ما تقدم، لا سيما والسب لم يكن بمنزلة القتال على ما تقدم.

فإن قيل: ما وجه الترديد وأهل مكة قد نقضوا العهد وصاروا كلهم محاربين؟ قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبح أخذ الأموال وسبي الذرية والنساء بذلك النقض العام؛ أما لأنه عفا عن ذلك كما عفا عن قتل من لم يقاتل، أو لأن النقض الذي وجد من بعض الرجال بمعاونة بني بكر ومن بعضهم بإقرارهم على ذلك لم يسر حكمه إلى ذرية.

ومما يوضح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن الناس يوم فتح مكة إلا بني بكر، فإنه أهدر دمهم ساعة وخالفوا ساعة فاقتلوا فيهم، وإلا النفر المسمين؛ وهم ابن خطل ومقيس و... وكانوا عشرة أو أقل من عشرة على اختلاف بين الروايات؛ لأن بني بكر هم الذين باشروا نقض العهد وقتلوا خزاعة، فعلم أنه فرق بين من نقض العهد وفعل ما يبيح الدم، وبين من لم يفعل شيئاً غير الموافقة على نقض العهد.

فبكل حال لم تقتل هؤلاء النسوة للحراب العام والنقض العام، بل لخصوص جرمهن من السب الناقض لعهد فاعله، سواء انضم إليه كونه من ذي عهد أو لم ينضم.

واعلم أن ما تقدم من قتل النسوة اللاتي سببن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل اليهودية وأم الولد وأسماء، لو لم يثبت أنهن كن معاهدات لكان الاستدلال به جائزاً؛ فإن كل ما جاز أن تقتل به المرأة التي ليست مسلمة ولا معاهده من فعلها وقولها، فإن تقتل به المرأة المعاهدة أولى وأحرى؛ فإن موجبات القتل في حق الذمية أوسع من موجباته في حق التي ليست بذمية، شوف هي الفكرة يعني: ما تقتل به المرأة الذمية إذا نقضت عهدها أوسع مما تقتل به المرأة الحربية ابتداء التي ليست بذمية.

قال: ومما يدل مثل هذه الدلالة، ما روي أن امرأة كانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لم يكفيني عدوي»، فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها. الحديث الحادي عشر: ما استدل به بعضهم من قصة ابن خطل؛ ففي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه».

قال: وهذا مما نقل بين اهل العلم واتفقوا عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دم ابن خطل يوم الفتح فيمن أهدره وأنه قتل. وقد تقدم عن ابن المسيب أن أبا برزة أتاه متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه. وكذلك روى الواقدي عن أبي برزه قال: في نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 2]، أخرجت عبد الله بن خطل وهو متعلق، حل يعني حل لك القتال على هذا الرأي، وانت حل يعني وانت حلال لك القتال في هذا البلد وهي ساعة من نهار.

لكن هذا قول قيل، والمشهور أن هذه السورة كلها مكية، وإن نزلت قبل أصلاً الهجرة إلى المدينة، فيكون المعنى المشهور: وانت حل بهذا البلد، يعني وانت مستباح في هذا البلد يا محمد صلى الله عليه وسلم يشتم وتؤذى وتضرب وكذا، هذا المعنى الاقوى للحل، وإن كان هذا تفسير آخر.

قال: متعلق بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام. وذكر الواقدي أن ابن خطل أقبل من أعلى مكة مدججاً في الحديد، ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة فرأى خيل المسلمين ورأى القتال، ودخله رعب حتى ما يستمسك من الزيادة حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه وطرح سلاحه، فأتى البيت فدخل بين أستاره.

وقد تقدم عن أهل المغازي أن جرمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الصدقة وأصحبه رجلا يخدمه، فأغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعاماً أمره بصنعه فقتله، ثم خاف أن يقتل فارتد واستقبل إلى الصدقة، وانه كان يقول شعراً يهجو به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمر جاريتيه أن تغنيا به؛ فهذا له ثلاث جرائم مبيحة للدم: قتل النفس، والرده، والهجاء.

فمن احتج بقصته يقول: لم يقتل لقتل النفس، لان أكثر ما يجب على من قتل ثم ارتد أن يقتل قواداً، والمقتول من خزاعة له أولياء فكان حكمه لو قتل قواداً أن يسلم إلى أولياء المقتول، فإما أن يقتله أو يعفو أو يأخذ الديان. ولم يقتل لمجرد الردة، لأن المرتد يستتاب، وإذا استنظر أنظر، وهذا ابن خطل قد فر إلى البيت عائداً به طالباً للأمام تاركاً للقتال ملقياً للسلاح حتى ينظر في أمره، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه بذلك كله أن يقتل، وليس هذا سنة من يقتل لمجرد الردة.

فثبت أن هذا التغليظ في قتله إنما كان لأجل السب والهجاء، وأن الساب وإن ارتد فليس بمنزله المرتد المحض يقتل قبل الاستتابة ولا يؤخر قتله، وذلك دليل على جواز قتله بعد التوبة. قد استدل بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلم يقتل وإن أسلم حدا.

واعترض عليهم بأن ابن خطل كان حربياً فقتل لذلك. وجوابه: أنه كان مرتداً بلا خلاف بين أهل العلم بالسير وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلماً منقاداً قد ألقى السلم كالأسير، فعلم أن من رتد وسب فيقتل بلا استتابة، بخلاف من رتد فقط.

ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن يوم الفتح جميع المحاربين إلا ذوي الجرائم المخصوصة، وكان ممن أهدر دمه دون غيره، فعلم أنه لم يقتل لمجرد الكفر والحراب. السنة الثانية عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل جماعة لأجل سبهم وقتل جماعة لأجل ذلك مع كفره وامساكه عمن هو بمنزلتهم في كون كافراً حربياً.

فمن ذلك ما قدمناه عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم الفتح بقتل ابن الزبعرى. وسعيد بن المسيب هو الغاية في جودة المراسيل، ولا يضره أن لا يذكره بعض أهل المغازي فإنهم مختلفون في عدد من استثني من الأمان وكل أخبر بما علم، ومن أثبت الشيء وذكره حجة على من لم يثبته.

وقد ذكر ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصرفاً عن عين الطائف، كتب جيرض بن أزهر بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل رجالاً بمكه ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش عبد الله بن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه؛ ففي هذا بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من كان يهجوه ويؤذيه بمكة من الشعراء مثل ابن الزبعرى وغيره.

وأما ما لا خفاء به أن ابن الزبعرى إنما ذنبه أنه كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه، فإنه كان من أشعر الناس وكان يهاجر شعراء الإسلام مثل حسان وكعب بن مالك؛ فإن ما سوى ذلك من الذنوب قد شرك فيه وأربع عليه عدد كثير من قريش، ثم إن ابن الزبعرى فر إلى نجران ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مسلما وله أشعار حسنة في التوبة والاعتذار، فأهدر دمه للسب مع أمانه لجميع أهل مكة إلا من كان له جرم مثل جرمه أو نحو ذلك.

ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، قصته في هجائه للنبي صلى الله عليه وسلم وفي إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن. طبعا هذا غير أبو سفيان بن حرب، أبو سفيان بن الحارث هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: وقد ذكر الواقدي قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قماذين عن عبد الرحمن بن ثابت وغيره قال: كان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعته حليمة أياماً، وكان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له ترباً، كان ترباً يعني عمره زي عمر النبي عليه الصلاه والسلام.

فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أعاده عداوة لم يعاد أحدا قط، ولم يكن دخل الشعب وهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاج أصحابه، وذكر الحديث إلى أن قال: ثم إن الله القى في قلبه الإسلام، قال أبو سفيان: فقلت: من أصحاب ومع من أكون قد ضرب الإسلام بجيرانه؟ فجئت زوجتي ووالدي فقلت: تهيا للخروج فقد أظل قدوم محمد، قالوا: قد آن لك أن تبصر أن العرب والعجم قد تبعت محمداً وانت توضع في عداوته وكنت أولى الناس بنصرته، فقلت لغلامي مذكور: عجل بابعرتي وفرسي، قال: ثم سرنا حتى نزلنا بالأبواء وقد نزلت مقدمته بالأبواء فتنكرت وخفت أن أقتل -نزلت مقدمة الجيش يعني يقصد نعم جيش النبي عليه الصلاه والسلام وهو متجه لفتح مكة-.

قال: وكان قد ندر دمي فخلصت، وأخذ ابني جعفر على قدمي نحوا من ميل في الغداة التي صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء، فأقبل الناس رسلاً رسلاً؛ أي قطيعاً قطيعاً، فتنحيت فرقا من أصحابه، فلما طلع في ركيبه تصديت له تلقاء وجهه، فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى وعرض عني مراراً، فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه، وأتذكر بره ورحمته وقرابته فيمسك ذلك مني، وقد كنت لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحاً شديداً لقرابتي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: فلما رأى المسلمون إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عني أعرضوا عني جميعا، فلقيت ابن أبي حافة عني ونظرت إلى عمر يغري بي رجلاً من الأنصار، فالزمني رجل يقول: يا عدو الله، انت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتؤذي أصحابه، قد بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته.

فرددت بعض الرد عن نفسي فاستطال علي ورفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من الناس يسرون بما يفعل بي، قال: فدخلت على عمي العباس فقلت: يا عم، قد كنت أرجو أن سيفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي لقرابتي وشرفي وقد كان منهما رايت فكلمه ليرضى عني، قال: لا والله لا أكلمه كلمة فيك أبداً بعد الذي رأيت منه، إلا أن أرى وجهاً، إني أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهابه، فقلت: يا عم إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك.

فلقيت علياً فكلمته فقال لي مثل ذلك، قال: وذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى راه إلى الجحفة، ولا يكلمني ولا أحد من المسلمين، وجعلت لا ينزل منزلاً إلا أنا على بابه ومعي ابني جعفر قائماً، فلا يراني إلا أعرض عني.

فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة وأنا في خيله التي تلازمه حتى نزل الابطح فنظر الي نظراً هو ألين من ذلك النظر، قد رجوت أن يتبسم، ودخل عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهن زوجتي فرققته علي، وخرج إلى المسجد وأنا بين يديه لا أفارقه على حال حتى خرج إلى هوازن فخرجت معه. وذكر قصته بهوازن وهي مشهورة.

قال الواقدي: وقد سمعت في إسلام أبي سفيان؛ ووازن هي فتح غزوة حنين. قال: وقد سمعت في إسلام أبي سفيان بن الحارث بوجه آخر، قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنق العقاب، وذكر الحديث نحو مما ذكره ابن إسحاق.

قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمس الدخول عليه فكلمت أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، فقال: «لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، واما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال».

فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بن الحارث ابنه قال: والله ليأذنن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت جوعاً وعطشاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما فدخل عليه فأسلما، فانشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره بما كان مضى منه: «لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد لك المدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدي وأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلني على الله».

من طردت كل مطرد وذكر باقي الأبيات؟ فقال طبعا النبي عليه الصلاة والسلام نهره، فقال أنت طردتني كل مطرد يا ابن كذا نعم. قال وفي رواية الواقدي: قال فطلب الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يدخلهما عليه، فكلمته أم سلمة زوجته، فقالت: يا رسول الله، صهرك وابن عمك وأخوك من الرضاعة، وقد جاء الله بهما مسلمين إليك، وأنا أشقى الناس بك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي بهما، أما أخوك فالقائل لي بمكة ما قال: لن يؤمن لي حتى أرقَى في السماء. فقالت: يا رسول الله، إنما هو من قومك، وكل قريش قد تكلم، ونزل القرآن فيه بعينه، وقد عفوت عن من هو أعظم من جرم منه، وابن عمك قرابتك به قريبة، وأنت أحق الناس عفا عنه جرمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الذي هاتك عرضي، فلا حاجة لي بهما.

فلما خرج إليهما الخبر قال أبو سفيان بن الحارث: وما ابنه؟ والله لا يقبلن مني أو لأخذن بيد ابني هذا فلأذهبن في الأرض حتى أهلك جوعًا عطشًا وجوعًا، وأنت أحلم الناس وأكرم الناس مع رحمي بك. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته فرقَّ له. وقال عبد الله بن أبي أمية: إنما جئت لأصدقك، ولي من القرابة ما لي، والصهر بك. وجعلت أم سلمة تكلمه فيهما، فوقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما، فأذن لهما ودخلا فأسلما، وكانا جميعًا حسني الإسلام. قتل عبد الله بن أبي أمية بالطائف، ومات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في خلافة عمر رضي الله عنه لم يغمص عليه في شيء، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه قبل أن يلقاه.

فوجه الدلالة أن ندر دم أبي سفيان لم يغمص عليه في شيء، يعني لم يوجد عليه ممسك، يعني كان لم يوجد عليه انتقاد بعد إسلامه نعم. قال: دون غيره من صناديد المشركين الذين كانوا أشد تأثيرا في الجهاد باليد والمال، وهو قادم إلى مكة لا يريد أن يسفك دماء أهلها بل يستعطفهم على الإسلام، ولم يكن لذلك سبب يختص بأبي سفيان إلا الهجاء، ثم جاء مسلما وهو يرض عنه هذا الإعراض، وكان من شأنه أن يتألف الأباعد على الإسلام فكيف بعشيرته الأقربين؟ كل ذلك بسبب هتكه عرضه كما هو مفسر في الحديث. يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل من كل من حاربه الإسلام ويتألفهم، طيب لماذا أبو سفيان لم يقبل منه ابتداء الإسلام؟ في سبب زائد هو العلّة وهو أنه كان يؤذيه ويشتمه، هذا هو موطن الشاهد نعم.

قال ومن ذلك أنه أمر يوم الفتح بقتل حويرث بن نقيض وهو معروف عند أهل السير. قال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري، وهي من أصح المغازي -كان مالك يقول: من أحب أن يكتب المغازي فعليه بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة-: قال: وأمرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتل أحدا إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر منهم الحويرث بن نقيض. وقال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني أبي قال، وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة، وقال: إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم، وسماهم بأسمائهم ستة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن خطل، والحويرث بن نقيض، ومقيس بن صبابة، ورجل من بني تيمية بن غالب. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة، فكتب اسم رجلين وأخبرني بأربعة، وزعم أن عكرمة بن أبي جهل أحدهم.

قال: وأما الحويرث بن نقيض فقتله علي؛ فقتله علي بن أبو طالب. قال: وكذلك ذكر ابن إسحاق في رواية ابن بكير وغيره عنه من النفر الذين استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اقتلهم إن وجدتم تحت أستار الكعبة الحويرث بن نقيض، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الواقدي: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود، وابن أبي سرح، ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيض، وابن خطل.

طب لا تقول هناك اختلاف بين الروايات، يعني لا تقولوا هناك تعارض أنه بعضهم كان يقول أمر بقتلهم إلا أربعة، والبعض يقول أمر بقتل إلا ستة، والبعض يقول عفا عنهم إلا عشرة، ففي هنا خلاف بين الروايات، ولعل هذا يعود إلى أن كل شخص روى ما سمعه من الأسماء؛ ففي واحد سمع إهدار دم ثلاثة، وواحد سمع إهدار دم أربعة، وواحد سمع إهدار دم خمسة وستة وهكذا نعم. قال: وقال الواقدي عن أشياخه نعم إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القتال منهم.

طيب وأما الحويرث بن نقيض قال: فإنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر دمه، فبينا هو في منزله يوم الفتح قد أغلق عليه، وأقبل علي رضي الله عنه يسأل عنه، فقيل: هو في البادية. فأخبر الحويرث أنه يطلب، يتنحى علي عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر، فتلقاه علي فضرب عنقه. مثل هذا مما يشتهر عند هؤلاء مثل الزهري وابن عقبة وابن إسحاق والواقدي والأموي وغيرهم، وأكثر ما فيه أنه مرسل، والمرسل إذا روي من جهات مختلفة، لا سيما من له عناية بهذا الأمر وتتبع له، كان كالمسند، بل بعض ما اشتهر عند أهل المغازي واستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد، ولا ينهى يذكر في الحديث المأثور عن سعد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لأن المثبت مقدم النافي، ومن أخبر أنه أمر بقتله فمعه زيادة علم.

ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتله ثم أمر بقتله، ذلك أنه يمكن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه أن يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا النفر الأربعة، ثم أمرهم أن يقتلوا هذا وغيره، ومجرد النهي عن القتال لا يوجب عصمة المكفوف عنهم، لكنه بعد ذلك أمنهم، الأمان العاصمة للدم، وهذا الرجل قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله لمجرد إذاه له، مع أنه قد أمن أهل البلد الذين قاتلوه وأصحابه ففعلوا بهم الأفاعيل.

قال ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما قفل من بدر راجعًا إلى المدينة قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، ولم يقتل من أسرى بدر غيرهما، وقصتهما معروفة. قال ابن إسحاق: وكان في الأسرى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب كما أخبرت، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: ولم يقتل من الأسرى صبرًا غير عقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.

طبعا الصبر هو أنك أنت توثق شخص ثم تقتله تمام، تربطه وتقتله. قال: ولما أبصره عقبه مقبلا إليه استغاث بقريش فقال: يا معشر قريش، علام أقتل من بين من ها هنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على عدوتك الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك ذكر محمد بن عائد في مغازيه هذا والله أعلم؛ لأن النضر قتل بالصفراء عند بدر فلم يعد من الأسرى عند هذا القائل لقتله قريبًا من مصارع قريش، وإلا فلا خلاف علمناه أن النضر وعقبة قتلا بعد الأسر.

وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش، مالي أقتل من بينكم صبرًا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بكفرك وافترائك على رسول الله. وقال الواقدي: كان النضر بن الحارث أسره المقداد بن الأسود، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر فكان بالأثيل عرض عليه الأسرى، فنظر إلى النضر بن الحارث فأبدّه البصر، فقال لرجل إلى جنبه: محمد والله قاتلي، لقد نظر إليّ عينين فيهما الموت. فقال الذي إلى جنبه: والله ما هذا منك إلا رعب. فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب، أنت أقرب من هاهنا بي رحما، كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو والله قاتلي إن لم تفعل. قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيه كذا وكذا. قال يا مصعب: يجعلني كاحد أصحابي، إن قتل قتلت، وإن منَّ عليهم منَّ علي. قال مصعب: انك كنت تعذب أصحابه، وذكر الحديث إلى أن قال: فقتله علي بن أبي طالب صبرًا بالسيف.

قال الواقدي: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى حتى إذا كان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط. فجعل عقبة يقول: يا ويلي على ما أقتل يا قريش من بين من ها هنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعداوتك لله ورسوله. قال: يا محمد منك منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي، إن قتلتهم قتلتني وإن مننت عليهم علوت، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يا محمد من للصبية؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النار. قدمه يا عاصم فاضرب عنقه. قال: فقدمه عاصم فضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الرجل كنت، والله ما علمتك كافرا بالله وبكتابه وبرسوله مؤذيًا لنبيه، فالحمد لله الذي هو قتلك وأقر عيني منك.

ففي هذا بيان أن السبب الذي أوجب قتل هذين الرجلين من بين سائر الأسرى إذاهما لله ورسوله بالقول والفعل، فإن الآيات التي نزلت في النضر معروفة، وأذى ابن أبي معيط له مشهور بلسانه ويده حين خنقه بابي هو وأمي بردائه خنقًا شديدًا يريد قتله، وحين ألقى السلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك.

ومن ذلك أنه أمر بقتل من كان يهجوه بعد فتح مكة من قريش وسائر العرب مثل كعب بن زهير وغيره. قال الأموي: حدثني أبي قال، وقال ابن إسحاق، وذكره يونس بن بكير والبكائي وغيرهما عن ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة منصرفا من الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في قتل رجال بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه. ولفظ يونس والبكائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانجو إلى نجائك من الأرض.

وكان كعب قد قال أبياتًا نال فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رويت وعرفت، وكان الذي قال: ألا أبلغ عني بجيرًا رسالةً فهل لك فيما قلت ويحك هلّكِ، لتخبرني إن كنت لست بفاعلٍ على أي شيء غير ذلك دلّكِ، على خلق لم تلفِ في يوم أبا له ولا أنت لم تعرف عليه أبالِكِ، فإن أنت لم تفعل فلست بآسفٍ ولا قائلٍ، أما عثرت لعن لك سقاك بها المأمون كاسًا رويّةً، فإنه لك المأمون منها وعلك. وإنما قال كعب المأمون لقول قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأمين الذي كانت تقوله له. فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق. هذا كعب بن زهير بن أبي سلمى، وزهير بن أبي سلمى هو الشاعر المشهور، وهذه قصة قصيدة بانت سعاد القصة المشهورة لهذه القصيدة كعب بن زهير نعم.

قال: وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضرة من عدوه فقالوا: بجير... -من هو بجير؟ أخوه، بجير هو أخو كعب بن زهير نعم- فقالوا هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بد قال قصيدة يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر فيها خوفه وأرجاف الوشاة به، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينه كما ذكر لي، فغدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح، فلما صلى مع الناس أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله فقم إليه. فذكر لنا أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير استأمن منك تائبًا مسلمًا فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دع عنه فإنه قد قدم تائبًا مسلمًا.

الله عليه وسلم: «دعه عنك فقد جاء تائباً نازعاً». قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم أنشد ابن إسحاق قصيدته المشهورة بانت سعاد، وفيها: أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول، مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الفرقان فيه مواعيظ وتفصيل، لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت فيّ الاقاويل. وفي حديث آخر وذلك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندر دمه لقول بلغه عنه، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ودخل مسجده وأنشد القصيدة.

فقد أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في قتل رجال بمكة لأجل هجائهم وأذاهم، حتى فر من فر منهم إلى نجران، ثم رجع ابن الزبعرى تائباً مسلما، وأقام هبيرة بنجران حتى مات مشركاً. ثم إنه أهدر دم كعب لما قاله، مع أنه ليس من بليغ الهجاء، لكونه طعن في دين الاسلام وعابه وعاب ما يدعو اليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه تاب قبل القدرة عليه وجاء مسلما وكان حربياً، ومع هذا فهو يلتمس العفو ويقول: لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب. ومن ذلك ما نقل أنه صلى الله عليه وسلم كان يندب إلى قتل من يهجوه ويقول: «من يكفيني عدوي؟». قال الأموي سعيد بن يحيى بن سعيد في مغازيه: حدثنا أبي قال: أخبرني عبد الملك بن جريج عن رجل أخبره عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلا من المشركين شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يكفيني عدوي؟». فقام الزبير بن العوام فقال: أنا. فبرزه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه، ولا أحسبه إلا في خيبر حين قتل ياسر. ورواه عبد الرزاق أيضاً.

قال: وروى أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من يكفيني عدوي؟»، فقال خالد: أنا. فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليه فقتله. ومن ذلك أن اصحابه كانوا اذا سمعوا من يسبه ويؤذيه صلى الله عليه وسلم قتلوه، وان كان قريباً فيقرهم على ذلك ويرضاه، وربما سمى من فعل ذلك ناصرا لله ورسوله.

فروى أبو إسحاق الفزاري في كتابه المشهور في السير عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن سميع عن مالك بن عمير قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لقيت أبي في المشركين فسمعت منه مقالة قبيحة لك، فما صبرت أن طعنته بالرمح فقتلته فما شق ذلك عليه. قال: وجاءه آخر فقال: إني لقيت أبي في المشركين فصفحت عنه فما شق ذلك عليه.

قال وقد رواه الأموي وغيره من هذه الطريق. وروى أبو إسحاق الفزاري أيضا في كتابه عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة وجابر، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رجل من المسلمين فقال: أنا فلان بن فلان وأمي فلانة، فسبني وسب أمي وكف عن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يزده ذلك إلا إغراء، فأعاد مثل ذلك وأعاد الرجل مثل ذلك، فقال في الثالثة: لئن عدت لأرحلنك بسيفي. فعاد فحمل عليه الرجل فولى مدبراً، فاتبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه، وأحاط به المشركون فقتلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله». ثم إن الرجل برأ جراحه فاسلم، فكان يسمى الرحيل. ورواه الأموي في مغازيه من هذا الوجه.

وقد تقدم حديث عمير بن عدي لما قال حين بلغه أذى بنت مروان للنبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني علي نذراً لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها. فقتلها بدون إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي».

وكذاك حديث اليهودية وأم الولد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمها لما قتلت لأجل سبها، قال وقد قتلت بدون إذنه، فهذا مما يدخل في أنه صلى الله عليه وسلم أقر من قتل رجلاً لأجل سبها. قال وقد تقدم أيضا حديث الرجل الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح لما افتراه على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عن مبايعته ليقوم اليه ذلك الرجل فيقتله ويفي بنذره.

وقد ذكروا أن الجن الذين آمنوا به كانت تقصد من يسبه من الجن الكفار فتقتل قبل الهجرة وقبل الأذن في القتال له وللانس فيقرها على ذلك ويشكر ذلك لها. قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني محمد بن سعيد يعني عمه قال: قال محمد بن المنكدر إنه ذكر لي عن ابن عباس أنه قال: هتف هاتف من الجن على جبل أبي قبيس فقال: قبح الله رأيكم آل فهر ما أدقول والأحلام حين تغضي لمن يعيب عليها دين آبائها الحمامات الكرام، حلف الجن جن بصرى عليكم ورجال النخيل والأطام، توشك الخيل أن تروها نهاراً تقتل القوم في حرام التهامة، هل كريم منكم له نفس حر ماجد الجدتين والأعمام، ضارباً ضربة تكون نكالاً وروحاً من كربة واغتمام.

قال ابن عباس: فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر والله مخزيه». فمكثوا ثلاثة أيام، فاذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا إذ سفها الحق وسن المنكرا، قنعته سيفا حساما مبترأ بشتمه نبينا المطهرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا عفريت من الجن اسمه سمحج، قال آمن بي سميته عبد الله، أخبرني أنه في طلبه منذ ثلاثة أيام». فقال علي: جزاه الله خيراً يا رسول الله.

وممن ذكر أنه قتل لأجل أذى النبي صلى الله عليه وسلم أبو رافع بن أبي الحقيق اليهودي، وقصته معروفة مستفيضة عند العلماء، فنذكر منها موضع الدلالة. عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز.

فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فاني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل. فأقبل حتى دنى من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس فتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الأبواب. فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأقاليد على وتد. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علو، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله.

فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع. قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربي بسيفي وأنا دهش، فما أغنيت شيئاً وصاح. فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا صوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف في بطني حتى أخذ في ظهري، فعرفت أني قتلته.

فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض. فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته. فلما صاح الديك قام النعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز.

فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاة، قد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: «ابسط رجلك». فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط. رواه البخاري في صحيحه.

وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين، لا يصنع أحدهما شيئاً إلا صنع الآخر. يقولون: لا نعد ذلك فضلا علينا في الاسلام وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قتل الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلا هو في العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فتذاكروا ابن أبي الحقيق بخيبر، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم. وذكر الحديث إلى أن قال: ثم صعدوا إليه في عليّة له فقرعوا عليه الباب، فخرجت إليه امرأته فقالت: من أنتم؟ فقال: حي من العرب نريد الميرة، ففتحت لهم. فقالت: ذاكم الرجل عندكم في البيت. وذكر تمام الحديث في قتله.

فقد تبين في حديث البراء وابن كعب أن مسرى المسلملjn لقتله كان بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لأذاه للنبي ومعادته له، وأنه كان نظير ابن الأشرف، لكن ابن الأشرف كان معاهدا فأذى الله ورسوله فندب المسلمين إلى قتله، وهذا لم يكن معاهدا. فهذه الأحاديث كلها تدل على أن من كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذيه من الكفار فإنه كان يقصد قتله ويحض عليه لأجل ذلك، وكذلك أصحابه بامره يفعلون ذلك، مع كفه عن غيره ممن هو على مثل حاله في أنه كافر غير معاهد، بل مع أمانه لأولئك أو إحسانه إليهم من غير عهد بينه وبينهم.

ثم من هؤلاء من قتل من جاء مسلما تائبا، فعصم دمه لثلاثة أسباب؛ أحدها: أنه جاء تائبا قبل القدرة عليه، والمسلم الذي وجب عليه حد لو جاء تائبا قبل القدرة عليه لسقط عنه، فالحربي أولى. الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من خلقه أن يعفو عنهم. الثالث: أن الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية، لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد بغير خلاف نعلمه، لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما قبله» رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية» متفق عليه.

ولهذا أسلم خلق كثير وقد قتلوا رجالا معروفين فلم يطلب أحد منهم بقود ولا دية ولا كفارة، أسلم وحشي قاتل حمزة، وابن العاص قاتل ابن قوقل، وعقبة بن الحارث قاتل خبيب بن عدي، ومن لا يحصى ممن ثبت في الصحيح أنه أسلم وقد علم أنه قتل رجلا بعينه من المسلمين. قال: فلم يجب النبي صلى الله عليه وسلم على أحد منهم قصاصا، بل قال صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر -قال: كلاهما يدخل الجنة- يقتل هذا في سبيل الله فيدخل الجنة ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقتل في سبيل الله فيدخل الجنة» متفق عليه.

وكذلك أيضا لم يضمن النبي صلى الله عليه وسلم أحدا منهم مالا أتلفه للمسلمين، ولا أقام على أحد حدا لزنا أو سرقة أو شرب أو قذف، سواء كان قد أسلم بعد الأسر أو قبل الأسر، وهذا مما لا نعلمه بين المسلمين في خلافة لا في روايته ولا في الفتوى به. بل لو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه مما لا يملك به مسلم لكونه محرما في دين الإسلام، كان له ملكا ولم يرد.

هذه مسألة الكفار إذا غنموا من المسلمين، هل الغنيمة تصبح ملكا للكفار؟ هذه فيها خلاف حقيقة، لكن كثير من أهل العلم نعم يقولون: إنه يصبح ملكا للكفار، ولم يرده إلى المسلم الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم. قال: وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ومنصوص أحمد، وقول جماهير أصحابه به، بناء على أن الإسلام أو العهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له، لأنه خرج عن مالكه المسلم في سبيل الله ووجب أجره على الله، وأخذه هذا مستحلا له، وقد غفر الله له بإسلامه ما فعله في دماء المسلمين وأموالهم، فلم يضمنه بالرد إلى ملكه، كما لم يضمن ما أتلفه من النفوس والاموال، ولا يقضي ما تركه من العبادات، لأن كل ذلك كان تابعا للاعتقاد، فلما رجع عن الاعتقاد غفر ما تبعه من الذنوب، فصار بيده من المال لا تباعة عليه فيه، فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها من ربا وغيره.

ومن العلماء من قال: يرده إلى مالكه المسلم، وهو قول الشافعي وأبي الخطاب من الحنابلة، بناء على أن اغتنامه فعل محرم، لا يملكون به مال المسلم كالغصب، ولانه لو أخذه المسلم منهم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم، بأن لا يملك به مسلم من مسلم أن يغنمه أو يسرقه، فانه يرد إلى مالكه المسلم بحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما اتفق الناس فيما نعلمه عليه، ولو كانوا قد ملكوه لملكه الغانم منهم ولم يرده. والأول أصح، لأن المشركين كانوا يغنمون من أموال المسلمين الشيء الكثير من الكراعي والسلاح وغير ذلك، وقد أسلم عامة أولئك المشركين، فلم يسترجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد منهم مالا، مع أن بعض تلك الأموال لابد أن يكون باقيا، ويكفي في ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: 8]، سماهم فقراء مع أنه كان لهم أملاك في مكة، ما يدل على أن أملاكهم في مكة التي استولى عليها الكفار بعد هجرتهم ما عادت لهم.

وقال: أذن للذين يقاتلون إلى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: 40] وقال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِ مِنْهُ﴾ [البقرة: 217] وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: 9] قال: فبين سبحانه أن المسلمين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، حتى صاروا فقراء بعد أن كانوا أغنياء، ثم المشركون استولوا على تلك الديار والأموال، وكانت باقية إلى حين الفتح، وقد أسلم من استولى عليها في الجاهلية، ثم لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد ممن أخرج من داره بعد فتحه، والاسلام دارا ولا مالا، بل قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: ألا تنزل في ذلك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دار؟».

وسأله المهاجرون أن يرد عليهم أموالهم التي استولى عليها أهل مكة فأبى ذلك صلى الله عليه وسلم، وأقرها بيد من استولى عليها بعد اسلامه، وذلك أن عقيل بن أبي طالب بعد الهجرة استولى على دار النبي صلى الله عليه وسلم ودور اخوته من الرجال والنساء مع ما ورثهم من أبيه أبي طالب. قال أبو رافع: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: «فهل ترك لنا عقيل منزلا؟». وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزل اخوته من الرجال والنساء بمكة. وقد ذكر أهل العلم بالسيرة منهم أبو الوليد الأزرقي أن رباع عبد المطلب بمكة صارت لبني عبد المطلب، ومنها الشعب شعب بن يوسف، وبعض دار ابن يوسف لأبي طالب، وبعض دار ابن يوسف دار المولد، مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما حوله لأبي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد المطلب.

ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له هذه الدار ورثها من أبيه وبها ولد، وكان له دار ورثها هو وولده من خديجة رضي الله عنها. قال الأزرقي: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنيه كلاهما، قال: مسكنه الذي ولد فيه، ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة بنت خويلد وولد فيه ولده جميعا. قال: وكان عقيل بن أبي طالب اخذ مسكنه الذي ولد فيه، وأما بيت خديجة فأخذه معتب بن أبي لهب، وكان أقرب الناس إليه جوارا، فباعه بعد من معاويه. وقد شرح أهل السيرة ما ذكرنا في دور المهاجرين. قال الأزرقي: دار جحش بن رئاب الأسدي التي بالمعلى لم تزل في يد ولد جحش، فلما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الهجرة إلى المدينة خرج آل جحش جميعا، الرجال والنساء إلى المدينة مهاجرين، وتركوا دارهم خالية، وهم حلفاء حرب بن أمية، فعمد أبو سفيان إلى دارهم هذه فباعها بأربعمائة دينار من عمرو بن علقمة العامري، فلما بلغ آل جحش أن أباع سفيان باع دارهم، أنشأ أبو أحمد يهجو أباع سفيان ويعيره ببيعه، وذكر أبياتا -أبو أحمد اللي هو أخو عبد الله بن جحش-.

قال: فلما كان يوم فتح مكة أتى أبو أحمد بن جحش وقد ذهب بصره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها، فقال: يا رسول الله إن أبا سفيان عمد إلى داري فباعها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها، فساره بشيء فما سمع أبو أحمد بعد ذلك ذكرها، فقيل لأبي أحمد بعد ذلك: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال لي إن صبرت كان خيرا، وكان لك بها دار في الجنة. قال: فقلت فإنا أصبر، فتركها أبو أحمد. قال: وكان لعتبة بن غزوان دار تسمى ذات الوجهين، فلما هاجر اخذها يعلى بن أمية، وكان استوصاه بها حين هاجر، فلما كان عام الفتح وكلم بنو جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارهم أن يرجعوا، فكره أن يرجعوا في شيء من أموالهم أخذ منهم في الله تعالى وهجروه لله، أمسك عتبة بن غزوان عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره هذه ذات الوجهين، وسكت المهاجرون فلم يتكلم أحد منهم في دار هجرها لله ورسوله، وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنه الذي ولد فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة. قال: وهذه القصة معروفة عند أهل العلم.

قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم وزبير بن عكاشة بن أبي أحمد قال: أبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح عليهم في دورهم، فقالوا لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره لكم أن ترجعوا في شيء من أموالكم مما أصيب في الله. وقال ابن إسحاق أيضا في رواية زياد بن عبد الله البكائي عنه: وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد منهم بمكة إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهلهم وأموالهم إلى الله وإلى رسوله إلا أهل دور مسمون: بنو مظعون من بني جمح، وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني أمية، وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء عدي بن كعب، قال: فإن دورهم غلقت بمكة هجره ليس فيها ساكن، ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة اخي بني عامر بن لؤي.

فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة؟» فقال: بلى، قال: «فذلك لك». فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كلمه أبو أحمد في دارهم، فأبطى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبي أحمد يا أبا أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله، فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي عن أشياخه قالوا: وقام أبو أحمد بن جحش على باب المسجد على جمل له حين فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته -يعني الخطبة التي خطبها وهو واقف بباب الكعبه حين دخل الكعبة فصلى فيها ثم خرج يوم الفتح- فقال أبو أحمد وهو يصيح: أنشد بالله يا بني عبد مناف حلفي، أنشد بالله يا بني عبد مناف داري. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فسار عثمان بشيء، فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره، فنزل أبو أحمد عن بعيره وجلس مع القوم، فما سمع أبو أحمد ذاكرها حتى لقي الله.

فهذا نص في أن المهاجرين طلبوا استرجاع ديارهم فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرها بيد من استولى عليها ومن اشتراها منه، وجعل صلى الله عليه وسلم ما أخذه منهم الكفار بمنزلة ما أصيب من دمائهم وما أنفقوا من أموالهم، وتلك دماء وأموال اشتراها الله وسلمت إليه ووجب أجرها على الله فلا رجعة فيها، وذلك لأن المشركين يستحلون دمائنا وأموالنا وأصابوا ذلك كله استحلاله وهم اثمون في هذا الاستحلال، فاذا اسلموا جب الإسلام ذلك الاثم وصاروا كأنهم ما أصابوا دما ولا مالا، فما بأيديهم لا يجوز انتزاعه منهم.

فإن قيل: ففي الصحيحين عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أتنزل في ذلك بمكه؟ قال: «وهل ترك لنا عاقل من رباع أو دور؟». وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين. وفي رواية للبخاري أنه قال: يا رسول الله اين تنزل غدا؟ وذلك زمن الفتح فقال: «وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟». ثم قال: «لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر». خلال الزهري: ومن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب. وفي رواية معمر عن الزهري: اين تنزل غدا في حجته؟ رواه البخاري. وظاهر هذا أن الدور انتقلت إلى عقيل بطريق الارث لا بطريق الاستيلاء ثم باعها.

قلنا: أما دار النبي صلى الله عليه وسلم التي ورثها من أبيه وداره التي هي له وولده من زوجته المؤمنة خديجة فلا حق لعقيل فيها علم أنه استولى عليها، وأما دور أبي طالب فإن أبا طالب توفي قبل الهجرة بسنين، والموارث لم تفرض، ولم يكن نزل بعد منع المسلم من ميراث الكافر، بل كل من مات بمكة من المشركين أعطي أولاده المسلمون نصيبه من الارث كغيرهم، بل كان المشركون ينكحون المسلمات الذي هو أعظم من الارث، وإنما قطع الله الموالاة بين المسلمين والكافرين بمنع النكاح والارث وغير ذلك بالمدينة، وشرع الجهاد القاطع للعصمة.

قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة نظر إلى تلك الرباع فما أدرك منها قد اقتسم على أمر الجاهلية تركه لم يحرك، وما وجده لم يقسم قسمه على قسمة الإسلام. وهذا الذي رواه ابن أبي نجيح يوافق الأحاديث المستندة في ذلك مثل حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على ما قسم الإسلام» رواه أبو داوود وابن ماجه. وهذا أيضا يوافق ما دل عليه كتاب الله، ولا نعلم فيه خلافا، فإن الحربي لو عقد عقدا فاسدا من ربا أو خمر أو خنزير أو نحو ذلك ثم أسلم بعد قبض العوض لم يحرم ما بيده ولم يجب عليه رده، ولو لم يكن قبضه لم يجوز له أن يقبض منه إلا ما يجوز للمسلم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] فأمرهم بترك ما بقي في ذمم الناس ولم يأمرهم برد ما قبضوه.

وكذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس: كل دم أصيب في الجاهلية، وكل ربا في الجاهلية حتى ربا العباس، ولم يأمر برد ما كان قبض. فكذلك الميراث إذا مات الميت في الجاهلية واقتسموا تركته أمضيت القسمة، فإن أسلموا قبل الاقتسام أو تحاكموا إلينا قبل القسمة قسم على قسم الإسلام، فلما مات أبو طالب كان الحكم بينهم أن يرثه جميع ولده ولم يقتسموا رباعه حتى هاجر جعفر وعلي إلى المدينة فاستولى عقيل عليها وباعها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يترك لنا عقيل منزلا إلا استولى عليه وباعه». فكان معنى هذا الكلام أنه استولى على دور كنا نستحقها إذ ذاك، ولولا ذلك لم يضف الدور إليه وإلى بني عمه إذا لم يكن لهم فيها حق.

قال ثم قال بعد ذلك: «لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن». يريد والله أعلم لو أن الرباع باقية بيده إلى الآن لم تقسم، لكن نعطي رباع أبي طالب كلها له دون اخوته، لأنه ميراث لم يقسم فيقسم الآن على قسم.

الإسلام. ومن قِسم الإسلام: أن لا يرث المسلم الكافر، فكان نزول هذا الحكم بعد موت أبي طالب وقبل قسمة تركته في منزله، نزوله قبل موته، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن علياً وجعفراً ليس لهما المطالبة بشيء من ميراث أبي طالب لو كان باقيًا، قال: فكيف؟ فإذا أُخِذ منهم في سبيل الله. فإذا كان المشرك الحربي لا يُطالب بعد إسلامه بما قد أصابه من دماء المسلمين وأموالهم وحقوق الله، ولا يُنتزع ما بيده من أموالهم التي غنمها منهم، لم يُؤاخَذ أيضًا بما أسلفه من سب وغيره، فهذا وجه العفو عن هؤلاء.

وهذا الذي ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحتم قتل من كان يسبه من المشركين، مع العفو عمَّن هو مثله في الكفر، كان مستقراً في نفوس أصحابه على عهده وبعد عهده؛ يقصدون قتل السَّاب ويحرضون عليه وإن أمسكوا عن غيره، ويجعلون ذلك هو الموجب لقتله ويبذلون في ذلك نفوسهم، كما تقدم من حديث الذي قال: سبني وسب أبي وأمي، وكفَّ عن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حمى عليه حتى...

وإنَّ كلَّ هذه القصة أتى بها لما قال: ومنهم من جاء مسلما تائباً فعُصم دمه لثلاثة أسباب؛ أحدها: أنه جاء تائباً قبل القدرة عليه، الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من خلقه أن يعفو عنه، ثالثاً: أن الحربيَّ إذا أسلم لم يُؤاخَذ بشيء مما عمله في الجاهلية لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد.

لما تكلم عن هذا الوجه الثالث، أن الجاهليَّ إذا أسلم لم يُؤاخَذ بشيء من عمله في الجاهلية، تطرق لقضية ما استولى عليه المشركون من المسلمين عن طريق الغنائم، كيف أنها تبقى ملكاً لهم وأنهم لا يُطالبون عند الإسلام بردها، وأن هذا جزء من الأشياء التي لا يُؤاخَذون بها، فقال: فإذا كان المشرك الحربي لا يُطالب بعد إسلامه بما كان أصابه من دماء المسلمين وأموالهم وحقوق الله، ولا يُنتزع ما بيده من أموالهم التي غنمها منهم، لم يؤاخَذ أيضاً بما أسلفه في الجاهلية من سب وغيره.

هذا الحربي. الكلام هنا عن مين؟ عن الحربي، فهذا وجه العفو عن هؤلاء وهذا الذي ذكرناه، نعم.

قال: وحديث الذي قتل أباه لما سمعه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث الأنصاري الذي نذر أن يقتل العصماء فقتلها، وحديث الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح وكفَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته ليوفي بنذره.

وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: أي عم، أتعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، وقال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه؟ قال: فابتدره بسيفيهما فضربه حتى قتله، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» فقال: لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال: «كلاكما قتله»، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، والقصة مشهورة في فرح النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم وسجوده شكراً، وقوله: «هذا فرعون هذه الأمة».

هذا معناه عن قتل أبي البحتري بن هشام مع كونه كافراً غير ذي عهد لكفه عنه وإحسانه بالسعي في نقل صحيفة الجور، ومع قوله -هي صحيفة الحصار، نعم- ومع قوله: لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النَّتْن -يعني الأسارى- لأطلقتهم له؛ يكافئ المطعم بإجارته له بمكة.

نعم، لما دخل من الطائف وعاد إلى مكة، النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يدخل مكة إلا أو بشكل عام طلبه أن يدخل في جوار المطعم بن عدي، والمطعم بن عدي قبل الجوار، فهذا كان نوعاً من المكافأة لهم مع أنه المطعم لم يكن واعداً، فعُلم أن مؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين إهلاكه والانتقام منه، بخلاف الكافِّ عنه، وإن اشتركا في الكفر، كما كان يكافئ المحسن إليه بإحسانه وإن كان كافراً.

طيب، خلاص هيك في اليوم هذا القدر، إن شاء الله صلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.