السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله ومرحبا بكم جميعا يا رب. قبل أن نبدأ، فقط نريد أن نتاكد من جودة الصوت، أننا أتينا بمايك جديد؛ فجودة ممتازه الله يرضى عنكم. طيب، ما في غباش، ما في شيء، كل الأمور طيبة إن شاء الله، يا أرحم الراحمين.
شيخنا، صبحكم الله بالخيرات والمسرات. طيب، معناته صوت جيد. ننطلق بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من جند الحق ومن أهله. اللهم إنا نسألك الاستقامة والثبات حتى نلقاك. اللهم اشغلنا بالععلم النافع والعمل الصالح حتى نصل إليك.
حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة هذا اليوم الطيب المبارك، لننطلق في أرجاء هذه الرحلة وفي ثناياها؛ برنامج تراث، هذا البرنامج الجديد من برامج أكاديمية غراس العلم، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهمة على المداومة فيه والاستمرار عليه.
حقيقة هذا البرنامج، إذا اردت أن أقول فكرته الأساسية، تنطلق من شعور الإنسان بالتقصير في الانشغال بالعلوم الشرعية وتحصيلها والانكباب عليها. فإن العمر يمضي بالإنسان، ويشعر أن هناك كثيرا من الكتب والمصنفات التي تحتاج لمدارس ونظر وتحليل. وعندما ينظر الإنسان في سير الأقدمين، ويقرا في أحوالهم وانشغالهم بطلب العلم ساعات الليل والنهار، والسفر والترحال، والانكباب أيام طويلة على قراءة الكتب والمصنفات، يشعر أن بينه وبين السلف بونا شاسعا في الجد والهمه في تحصيل العلوم الشرعية. فيحاول دوما أن يشغل نفسه وأن يشغل إخوانه في تحصيل هذه العلوم على قدر الاستطاعة، وعلى قدر ما يصلح في هذا الزمان، ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في الهمم، وأن يبارك في الساعات والأوقات.
أما إذا يريد الإنسان أن يبقى منتظرا مترقبا للفرص وفسحة العمر والتفرغ من الانشغالات، فإن الانشغالات لا تنتهي، والعمر يبقى ياخذك من جولة إلى جولة ومن ميدان إلى ميدان حتى تلقى الله سبحانه وتعالى، وأنت لم تنجز الكثير من المصنفات التي ربما كنت تطمح أن تنجزها. فالقاعدة العامة في طلب العلم: فإذا عزمت فتوكل على الله. يعني ما تبقى تنتظر اللحظة المناسبة؛ أنت عليك أن تصنعها، وأنت عليك أن تبدا وتستعين بالله سبحانه وتعالى، وتحاول أن ترتب جدولك وأيامك وحياتك حتى يبارك الله عز وجل لك، وتحصل من العلوم ما يمكن تحصيله فيما قدره الله عز وجل لك من الأعمار.
الفكرة الثانية، كما قلنا، وهذا ربما ذكرته في البث التعريفي، أن برنامج تراث له غاية عظيمة في نفسي وفي نفس كل إنسان أصلا غيور على هذا العلم؛ هي ليس فقط أن نقرا التراث ونفهم، وإن كان هذا هو مطلب أساسي لطلاب العلم، بل هو أن نحمي التراث من عبث العابثين وتسلق المتسلقين. اليوم في عالم السوشيال ميديا أصبحنا للاسف نرى كثيرا من أنصاف المتعلمين ومن الجهال الذين يتصدرون ويزعمون زعما أنهم يقراون التراث وأنهم فهموه، ويشغلون طلاب العلم بمسائل لا تنفع ولا تسمن ولا تغني من جوع، وكلها ناتجة عن سوء الفهم، عن الفهم السقيم للسلف رضوان الله تعالى عليهم لأئمة المحققين، لأنهم لا يحسنون قراءة التراث. يعني باختصار، ليس كل إنسان يحسن قراءة التراث، وإنما هي ملكة تنشا مع المدارسة وطول الدرس والانشغال العلم المستمر. يرزقك الله عز وجل ملكة لتفهم هذا التراث وتقراه قراءة صحيحة متوازنة جامعة لكل يعني أبوابه ومداخله ومخارجه، أما هؤلاء الذين يقراون قراءة عابرة...
وهكذا أصلا تنشا البدع، هكذا تنشا الضلالات، هكذا تنشا الانحرافات ممن لا يحسن أن يقرأ. ترى بعض الناس قراءته طويلة، لكن لا يحسن أن يقرأ؛ ليست العبرة بكمية المقروء، وإنما العبرة بطريقة القراءة والأساليب الصحيحة والمهارات الصحيحة التي تمارسها أثناء القراءة. انتبهوا لهذا؛ لأنه أحيانا يغتر الإنسان بكثره ما يستجلب من أسماء كتب، من أسماء كذا، فيظن أن كثره استجلاب أسماء الكتب والمصنفات هي دليله على العلم وإحكامه، وهذا ليس بصحيح. وإنما أحيانا الإنسان يكون قرأ أربع، خمس، ست كتب، لكنه يحسن الفهم. وإنسان قرأ مئة كتاب، لكن قراءة رديئة لا تنبني على طريقة صحيحة.
طيب، كيف أتشكل القراءة الصحيحة؟ هذا هو السؤال المهم. القراءة الصحيحة لابد وأن تلزم فيها المشايخ مدة من الزمن. لذلك، باستقراء العام لهؤلاء الذين لا يحسنون القراءة، وإن كان لهم قراءات موسعة، أن الإشكالية الأساسية أنهم لم يعتادوا القراءة مع اهل العلم، وإنما هو يريد أن يفهم وحده، ويشكل نظيرته وحده، ثم بعد سنوات يتصدر للناس بناء على ما فهمه هو، ولم تتلاقح أفكاره في فترة الطلب. طبعا، دائما الحياة في طلب علم، هذه كلمة فترة الطلب أنا فقط أستجلب للمرحلة الأساسية حتى لا يظن أنه في هناك فترة طلب بعدين بعد ذلك لا يوجد طلب، لكن أصدق في المراحل الأولى من حياة طالب العلم، إذا لم تتلاقح أفكاره في قراءة كتب التراث مع المشايخ ومع أهل العلم المحققين الكبار على قدر الاستطاعة، أو على الأقل مع زملائه ومع إخوانه بحيث هذا يطرح وجهة نظر، هذا يصوب، وهذا يقول: لا، ترى الفهم هكذا فيه تعسف، هذا فيه تكلف، لا، ترى أنت لم تقرا النص الآخر، ويبدأ يعجل نفسه مع هذه الكتب فترة إلى أن يستقيم له العقل الفهمي، حتى تستقيم له الحياة في هذا الميدان، عندئذ بعد سنوات تجد نفسك أي نعم تقرا قراءة صحيحة متوازنة هادئة، تصبح تدرك من الذي يقرأ أصلا قراءة صحيحة، ومن الذي يهجم هجوما على كلام السلف وهو لا يففهمه، وفقط يأخذ اجتزاء ويقدمها لك، والمشكلة أنه يقدمها على أنه الفهم الوحيد والرأي الأوحد الذي إذا خولف فانت خرجت عن إطار السلف، وهذه إشكاليات كبيرة.
فمن هنا تاتي مثل هذه الدورات أو مثل هذه المجالس حقيقة عظيمة الأثر والنفع، ونقفز من قضية فقط دراسة المتون والقواعد العامة إلى الشيء العملي. هذه الكتب هي الشيء العملي التطبيقي؛ أنت ترى العلم حيا هنا، ترى تطبيق القواعد الأصولية واللغوية والفكرية والعقدية، كلها تجدها هنا في مثل هذه الكتب التراثية لابن تيمية ولغيره. فدراسة المتون، أنت تدرس الآجرومية، ألفية ابن مالك، متنا في أصول الفقه، متنا في الفقه، تشكل النظريات، لكن كيف أراها حية وأحسن تنزيلها وتطبيقها على أرض الواقع؟ تاتي إلى هذه الكتب فيعرفك ابن تيمية وابن القيم وابن حزم والغزالي والمعلم، بغض النظر يعني، يعلمك كيف يتم تنزيل هذه الأمور، ثم بعد ذلك أنت تقيم من الذي ينزل أحيانا بشكل صحيح، ومن الذي ينزل بشكل خاطئ، ومن هنا أهمية أن تبدا بالقراءة للسلف؛ يعني من كان على طريقة أهل السنة والجماعة، ثم بعد ذلك تقرا للغزالي وللعز وما شابه ذلك، حتى تعرف أين أصاب الغزالي وأين حاد عن الصواب في اختياراته.
فهذه الفكرة الثانية. الفكرة الثالثة، طبيعة التراث الذي سنبدأ به. طبعا طبيعة هذا البرنامج أننا نقرا تراث عالم، ثم تراث ثان، وثالث. وعندما نقول: نقرا تراث عالم، لا أقصود كل كلمة سطرها في كل المجلدات والكتب، وإنما الجل الغالب من كتبه التي يمكن تداولها في الأوساط يعني القرائية والبحثية، وأبتدئ ب ذروة السنام في أئمة المتاخرين، شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه؛ لأنه حقيقة، شاء الخصم أو أبى، ابن تيمية يعتبر ركيزة أساسية للسلف المتاخرين، للسلف المتاخرين لا يمكن تجاوزها، ركيزه أساسية لا يمكن تجاوزها، وتتسم بموسوعية فذة، وقدرة على الجدل والمناقشات مع دراية وأحكام لتفسير القرآن والأحاديث النبوية ومعرفة صحيحها مع ضعيفها، مع اطلاع عام، وهذا الحقيقة ليس هو شهد له، يعني هو لم يشهد لنفسه بذلك، بل خصومه من شهدوا له بذلك. يعني هذه أيضا قضية فارقة؛ لما تقرا من الذي كان يشهد لابن تيمية بالنبوغ وانه لم يرى مثل نفسه، ابن دقيق العيد وابن الزملكاني؛ خصومه الذين كانوا يناظرونه ويحاورونه ويحاولون إسقاطه، لكنهم في لحظة الصدق كانوا صادقين أن هذا الرجل لم يرى مثل نفسه، هذا الرجل نابغة من النوابغ وعقلية جبارة، والله سبحانه وتعالى يجدد لهذه الأمة دينها، فكان هو فيما نحسبه أحد المجددين الكبار لعقيدة السلف في زمن يعني دخلت فيها العقائد البدعية والأفكار الرديئة على الأمة من يمين وشمال.
وبالتالي، لما نبدأ بابن تيمية رحمه الله عليه، نحن نعرف من أين نبدأ؛ نبدأ من إنسان لا يمكن تخطيه لطلاب العلم المعاصرين، إذا أرادوا أن يصلوا إلى السلف الأوائل فهو الجسر والقنطره التي من خلالها نصل إلى هؤلاء القوم. وهذا طبعا لا يعني بالضرورة أن ابن تيمية رحمه الله عليه لم يخطئ في كلمة قالها، لا، بالتاكيد لا، يعني الموافقة التامة المطلقة حتى لا يظن أن هناك نوع من التقديس للكلام والعصمة وهذا لا يدعى، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر. لكن الاستقراء العام من العلماء المعاصرين ومن قبلهم ومن قبلهم لتراث هذا الرجل يدرك حجم التوفيق الكبير في الكلمات التي صنفها.
الآن، طريقة تعاطي طالب العلم مع تراث كبير مثل تراث ابن تيمية. القضية الأولى التي عليك أن تفهمها لما تعالج تراثا مثل تراث ابن تيمية أن تعرف المعارك التي كان يخوضها ابن تيمية في حياته؛ لأنه الإنسان ابن زمنه، كانوا يقولون: الإنسان ابن زمنه، فهو عندما يكتب أو يناظر أو يصنف أو يتكلم في العادة ضمن المشاكل التي يراها في حياة الزمن في حياة زمنه، والناس الذين يقابلهم ويواجههم ويحاورهم. وبالتالي لما نقرا تراث ابن تيمية سنجد أن هناك أفكارا تتردد عند ابن تيمية ومعالجات تتكرر في مختلف مصنفاته. هذه المعالجات قد يراها طالب العلم المعاصر ليست اولويته فيقول: يعني ايش ابن تيمية دائما يتكلم عن ابن عربي وابن سبعين مثلا والصوفية الاتحادية؟ لماذا ابن عربي دائما؟ موضوع الأشاعرة ولماذا دائما موضوع الفلاسفة يستحضر في كلامه؟ حتى في الكلام التذكري يستطرد استطرادات كبيرة في هذه الأمور.
لأ، وأنت عليك أن تفهم السياق الزمني؛ ابن تيمية رحمه الله عليه عاش في فترة مليئة بالإشكاليات العقدية والفكرية في حياة الأمة، وهو انتدب نفسه ليواجه كل هذه التيارات؛ فواجه الأشاعرة والماتريدية، واجه الفكر الاعتزالي، واجه الفكر الفلسفي وابن سينا وهؤلاء، وعالج واجه الفكر الصوفي بأسوأ وأبشع صورة وأخف صورة، حاول أن يعالج حتى كثير من القضايا الفقهية والسلوكية في حياة الأمة، عالج أيضا مشكلة التتار والغزو التتري ومواقف المسلمين في هذا وكيف يجب أن يقف أهل الإسلام، حتى في القضايا الفقهية مثل الطلاق وما شابه ذلك، وطلاق ثلاث واحدة صنف لك كتبا لأنه كان يرى إشكاليات الناس حتى الواقعية الملموسة التي تحتاج لحضور الفقه.
بالتالي أيها الأكارم، هذه المشاكل والحياة التي عاشها ابن تيمية ضغطت بالتأكيد على كتاباته، وهذا رح ياخذنا إلى قضية أخرى وسمة بارزة أيضا في تراث ابن تيمية عندما نعالجه؛ أن ابن تيمية لم يهتم بكتابة متون، ولم يكن مهتم بكتابة مصنفات نظرية، القاعدة الأولى كذا وكذا، القاعدة الثانية كذا وكذا، وإنما ابن تيمية، دعني أقول: خمسة وتسعون بالمئة من تراثه هو عبارة عن ماذا؟ عن ردود أو إجابة مسائل؛ خمسة وتسعون بالمئة من تراثه الذي ستقراه هو عبارة عن ماذا؟ أما ردود على مناقشين ومخالفين له، واما عبارة عن أسئلة وجهت إليه: ماذا تقول السادة العلماء؟ وهو يقوم بماذا؟ بالإجاب.
لكن جواب ابن تيمية يخرج به كتاب؛ اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، الذي نقرا في برنامج المدارسة، كتاب أربع مئة صفحة هو جواب عن سؤال جاء فيه: حكم مشاركة الكفار في أعيادهم فقام بالإجابة. الصارم المسلول على شاتم الرسول عليه الصلاه والسلام، اللهم صل وسلم وبارك عليه، هو رد على واقعه معينة صارت في زمنه أن شخصا شتم النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الذمة، وما حكم الشرعي في حالة. بيان تلبيس الجهمية هذه الموسوعة الضخمة ورد على كتاب تأسيس التقديس للرازي. تمام، حتى درء تعارض العقل والنقل هو في باطنه إجابة عن إشكاليات فكرية كانت موجودة في زمنه. أما طبعا جامع الرسائل ومجموع الفتاوى وباقي الكتب الأخرى فالرد على البكري، الرد على الأخ، الرد... كل هذا إنما هو ردود ومناقشات.
لذلك، يعني دعني أقول من هنا تاتي صعوبة هذا التراث؛ أنا كثير من الشباب يقول لك: أنا لا استطيع أن أفهم ابن تيمية. السبب في ذلك أنه يشعر أن ابن تيمية الكلام غير منظم؛ لأنه هو عليك أن تفهم وهو غير منظم، هو لم يصنف كتابا تعليميا، ليس كالكتب الجامعية الفكرة الأولى الثانية، وإنما هو بعقله السيال يواجه إشكاليات فكرية كثيرة، بالتالي تشعر أن الكتاب يحتاج إلى هدوء في القراءة حتى تفهم أوله من آخره من وسطه، ارتباط الأفكار فيه، وهذه من هنا تاتي صعوبة.
لذلك دائما كان يقولون مشايخنا: إذا اردت أن تفهم ابن تيمية فاقرأ لابن القيم؛ لأنه ابن القيم رحمه الله عليه، لا، إنسان أغلب كتبه بالعكس هي كتب شرحية منظمة منسقة، فكان الرجل سخر حياته من أجل ماذا؟ أن يهذب تراث شيخه، سخر حياته ليهذب تراث شيخه؛ فابن القيم هو الشارح وابن تيمية هو الماتن إذا صحت التسمية. ولكن طبعا لا يعني هذا أنه الكلام مغلق أو شيء، لكن هي نوع من المهارة والتربة تصبح لا تستطيع تقرا لابن تيمية وتفهم عوائد الكتاب من أواخره وتربط به، لكن بالهدوء ولكن يعني هذا أوجهه فقط حتى يفهم أثناء القراءة إن شاء الله في مختلف الرسائل لماذا هناك أفكار تتكرر ولماذا هناك الاستطرادات؛ هو يعالج مشاكل.
في زمنه وفي نفس الوقت ويرد على أجوبة السائلين، بالتالي شيء طبيعي أن يكون هذا هو المخرج. طبعاً، قد تقول لي بعض المشاكل التي يواجهها ابن تيمية في زمنه قد لا تعنيني أنا اليوم كطالب علم في زمني، مثلاً الصوفية الاتحادية؛ هم موجودون ولهم أتباع وأنصار، لكن ربما البعض يقول: أنا لست مشتبكاً مع هذه الفئة الآن، وحال الأمة اليوم أو الأفكار المنتشرة للحداثة وما بعد الحداثة والإلحاد وما شابه ذلك والقضايا الفكرية ربما تختلف في بعض جوانبها. أقول: أنت عندما تقرأ هذا التراث عليك أن تهتم بأن تأخذ أسلوب النقاش وطريقة إدارة الحوار؛ فما يميز ابن تيمية رحمه الله عليه أنه يعلمك كيف تناقش المسائل، وكيف تتحدث، وإذا تنزلنا، وإذا فعلنا، وكيف تبدأ بمسك الأمر من أصله، ولا تناقش في الفروع والجزئيات، وإنما في الأصول والكليات.
فالمهم عندما تعالج تراث ابن تيمية حاول أن تستفيد من أسلوب الاستدلال، من نمط الحوار، من طريقة الجدل، طريقته في تفكيك الشبهة، طريقته في وضع يده على الجرح في فهم عقلية المخالف، وطريقته في الإعذار. وهنا يظهر بهاء ابن تيمية؛ الرجل الذي ينسف الباطل نسفاً، لكن عندما يتكلم عن أهل الباطل يتوازن، ولا يستعجل، ولا تجد التهور والغلو ومحاولة الإسقاط والغلو في التكفير والتبديع. لا، بل هو قادر أن يجد ليس عذراً، بل مئة عذر للمخالفين له بعد أن يكون طحنهم طحناً في المناظرة والمجادلة العقدية والفكرية، في النهاية يقول لك: ولعله معذور عند الله، ولعل له اجتهاداً يغفر الله عز وجل له به.
هذه التوازنات النفسية التي نفقدها في طلاب العلم اليوم، أن هو فقط يأخذ من ابن تيمية الموقف العقدي من فكرة؛ طب هل أخذت من ابن تيمية السلوك والأخلاق؟ هل أخذت من ابن تيمية كيف تعامل مع مخالفيه من خلال وقائع عملية؟ أنت تتكلم عن واقع عملي، هو نفسه يرد ويجيء، ثم بعد ذلك ينزل على المخالف؛ هل أخذت أسلوبه وتوازناته أم أنت فقط أخذت الكلام العام لما قال ابن تيمية: «وهؤلاء الذين يفعلون أفعال المشركين»، فيأخذ لي كلمة المشركين وينسى بعد ذلك في مصنفات أخرى أن ابن تيمية عذر؛ فابن تيمية هنا يتكلم في مقام التنظير، ثم في مقام التطبيق له سياقات أخرى تختلف تماماً.
فأيضاً ابن تيمية فيما أزعم يصنع شخصية متوازنة؛ شخصية متوازنة تعرف كيف ترد على البدع والكلام الفاسد والآراء العقدية المنحرفة، لكن في نفس الوقت تعذر المخالفين وتتفهم محركات الأفكار وأسباب وقوع الخطأ. وهذا بالتالي، من أظن أن ابن تيمية قراءة تراثه تنقل طالب العلم إذا فهم التراث نقلة هائلة من عكف على تراث ابن تيمية، طبعاً بعد أن يمتلك أصول العلم؛ يعني ما ينفع الإنسان يريد قراءة ابن تيمية وهو ضعيف اللغة، ضعيف في أصول الفقه، ضعيف في القواعد الفقهية الأساسية؛ لا، لابد يكون لديك شيء من التأسيس المتين حتى تستطيع أن تنطلق مع هذا التراث.
لكن من عاش مع تراث ابن تيمية حقيقة سيجد أن هذا التراث ينقل نقلة هائلة في النظر للأفكار والمعتقدات والتصورات والفرق والمخالفين والتحامل، فتصبح تتعامل مع الواقع بتوازن وتكتشف أن كثيراً من مواقفك المتشنجة أو الخاطئة أو المميِّعة أو الغالية هي نتيجة عدم القراءة وعدم التعلم، عدم أخذ الفترة الجيدة للنهل من هذا المعين العذب. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على قراءة هذا التراث وتفهمه وتفحصه واستنباط القواعد النافعة والانشغال به والعكوف عليه، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تراث آخر وثالث ورابع إلى أن يأتي الله عز وجل لنا بالفتح من عنده.
الرسالة الأولى، اتفقنا أننا نتكلم في رسالة العبودية، وهذه أبرز نموذج على ما تكلمنا عنه، أن كتاب العبودية هو أيضاً إجابة عن سؤال. فالكتاب الذي نقرؤه، أو حتى اسميها إجابة العبودية، هي عبارة عن إجابة عن سؤال ورد على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه؛ فهذه ستجد الميزة الأولى التي تكلمت عنها في تراث ابن تيمية، أنه في العادة إجابة عن أسئلة موجودة في هذه الرسالة الأولى. ثانياً، ستجد أن الرسالة، بعض الناس لما أعلنّا عن الكتاب ظن أنه هذا أكيد كتاب إيماني، فتجد مباشرة بدنا نأخذ كتاب العبودية لشيخ الإسلام سيتكلم لنا عن قواعد عامة، لكنه سيتفاجأ لما يقرأ الكتاب أن النقاش الأبرز كان نقاشاً ضد الصوفية، النقاش الأبرز في هذا الكتاب نقاش ضد الصوفية الذين يلغون التعبد الاختياري ويقتصرون على التعبد الاضطراري والإشكالية المتعلقة بهذا الجانب؛ فتتفاجأ أن الكتاب طلع يا شيخ ليس كتاب تزكية بهذا المعنى، طلع نقاشات عقدية وفكرية من هذه الرسالة القصيرة ما كنت أتوقع.
لذلك ابن تيمية لا تغتر بعنوان الكتاب؛ لا تغتر بعنوان الكتاب، عليك أن تفهم المضمون قبل أن تحدد هل هو الكتاب المناسب؟ يعني ما يصلح إنسان يريد يعلن دورة تزكية لنادي قرآني، يلا خلاص نقرأ كتاب العبودية لابن تيمية؛ ما يصلح، ترى هذا موضوع مختلف ويعالج إشكالية معينة طُرحت، فقدم لها وسُميت العبودية. أنا حتى أظن أن هذه التسمية ليست من ابن تيمية نفسه، هذه التسمية انتشرت ممن جاء بعده، رأوا الرسالة تتكلم عن مفهوم العبودية فسموها العبودية، ولا هو مجرد إجابة عن سؤال، وأُصدر كتاباً، طبعاً هو موجود أظن في مجموع الفتاوى، حتى هذه الإجابة موجودة في مجموع الفتاوى لمن لم يكن عنده الكتاب ولم يستطع أن يقتنيه؛ موجودة في المجلد العاشر طبعة المجمع. الإخوة الذين عندهم المكتبة الشاملة يمكن أن يحصلوا نسخة من هذا الكتاب.
فلا أطيل، أنا أحب دائماً الدخول مباشرة، طبعاً كان الأصل لمن يريد أن يتوسع أن يقرأ سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه وينظر فيها، لكن أنا بكثرة ما ذُكر في سيرة وأحواله وأيامه سأكتفي بالدخول مباشرة في تراثه استغلالاً للأعمار والأوقات، وإلا فمن الجيد أن الإنسان حتى يفهم ابن تيمية أكثر وأكثر أن يقرأ في سير حياته والمناظرات والمجادلات التي خاضها والسجون التي عاشها؛ يعني الرجل سُجن من أجل أفكاره. الشيخ بكر أبو زيد في المدخل لتراث شيخ الإسلام يقول: سُجن ست مرات، ومجموع سجون يصل إلى من خمس سنوات ونصف إلى ست سنوات، هذا هو محصلها من أجل أفكاره العقدية، وقاتل من أجلها وثابر عليها، وإن كان في النهاية يتوازن مع مخالفيه. أنت شوف حتى هي الفكرة، السجن لم يُحدث لديه حالة من الغلو، حالة من التطرف، حالة من إسقاط الله، بقول لك: السجن هذا احتسبه عند الله وانتظر ثوابه وليس حالة انتقامية، لكن الأفكار يجب أن يبقى الإنسان ينافح ويناضل من أجلها.
حتى لا نتأخر إن شاء الله نبدأ؛ لعلنا اليوم لا أدري إذا كان يسع الوقت لأن نقرأها كاملة أو نقرأ أغلبها مستعينين بالله. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجِّ المستضعفين من المؤمنين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. سئل شيخ الإسلام، الإمام، العالم، العلامة، محيي السنة، مميت البدعة، أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه عن قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21]، فما العبادة وفروعها؟ وهل مجموع الدين داخل في العبادة أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات أم فوقها شيء من المقامات؟
هذا طبيعة السؤال الذي وُجه لشيخ الإسلام ابن تيمية وبسببه جاءت هذه الإجابة: ما العبادة؟ يعني ما تعريف العبادة وما الذي يتفرع عنها؟ وهل الدين بمجموعه داخل تحت هذا المفهوم أم هناك جزء من الدين يخرج عن مفهوم العبادة؟ وما حقيقة العبودية؟ يعني ما هو الفرق بين العبودية والعبادة؟ وهل العبودية أعلى المقامات أم هناك مقام أعلى منها؟ فبدأ شيخ الإسلام بالإجابة بسم الله.
قال أجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين، العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.
قال: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات لله. تمام، إذاً هنا بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية بتقديم التعريف الذي أظن معروف لديكم جميعاً ودائماً المشايخ يرددونه، أن تعريف شيخ الإسلام للعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. طبعاً هو ذكر نموذجاً من الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام، ثم ذكر نموذجاً من الأعمال الباطنة كحب الله ورسوله والخشية والإنابة وما شابه ذلك. لكن حقيقة كان العلماء يقولون هذا التعريف من ابن تيمية هو ليس للعبادة بحد ذاتها كمفهوم، وإنما هو تعريف للمتعبَّد به؛ هذا تعريف للمتعبَّد به وليس للعبادة. وأما العبادة، سيأتي ابن تيمية بعد قليل يعطيك المفهوم المتعلق بها كفعل إنساني، وهي قمة الحب مع قمة الخضوع والذل. فهذا التعريف الذي ذكره شيخ الإسلام "اسم جامع لكل ما يحبه الله" هذا تعريف لما يُتعبد به وما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة أو الباطنة. وأما العبادة باعتبارها بالمعنى المصدري، فعل يقوم بالإنسان، فأقول العبادة بحد ذاتها هي قمة الحب مع قمة الخضوع، وسيُشير ابن تيمية إلى ذلك بعد قليل.
قال: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وبها أرسل الرسل كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]. وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم؛ بالتالي يعني فكرة أن الخلق خُلقوا للعبادة هذه فكرة راسخة في القرآن، تكررت على لسان الأنبياء.
قال وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، وجعل ذلك لازماً لرسله إلى الموت كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، أي جعل العبادة ملازمة لرسله ولأتباع الرسل حتى يلقوا الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، يعني الموت.
طبعاً الذي ينظر في تراث ابن تيمية يجد ابن تيمية له قدرة عالية على استحضار النصوص القرآنية في مناقشاته الفكرية، بخلاف المتكلمين؛ يعني انظر في تراث الغزالي أو في تراث الرازي أو في تراث هؤلاء، تجد أن استحضار النصوص ضعيف جداً في كلام هؤلاء والاعتماد عادة على المنطق الفلسفي في النقاش. أما ابن تيمية رحمه الله عليه قادر أن يجمع بين النظر الفلسفي العميق، وهو قبل ذلك يبدأ بتقديم الآيات القرآنية وبكثافة، يعطيك إياها بكثافة وبغزارة: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. ونعت صفوة خلقه بالعبودية فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 63-64].
فابن تيمية ماذا يفعل هنا؟ هو يريد أن يؤكد الآن على الفكرة الثانية، بعد أن قدم التعريف للعبادة باعتبار ما يُتعبد به، يريد أن يؤكد أن العبادة هي مقصد الخلق وغاية الوجود. فذكر لك أن العبادة بها أُرسل الرسل، وبها الله عز وجل أمر رسله بالتزامها، وبها وصف ملائكته وأنبياءه، وذم المستكبرين عنها؛ ومن خلال هذا الجمع لنصوص القرآن سيعطيك الخلاصة، وهو يستقرئ موارد العبادة في القرآن، ويعطي كيف أن العبادة جاءت في سياق المدح للملائكة، وهنا جاءت في سياق ذم المستكبرين عنها، جاءت هنا في سياق الطلب والحث عليها. فماذا تُحصل من مجموع هذه النصوص؟ أن العبادة هي المقام الأعلى والغاية الأرفع من وجود الخلق. هذا الذي يفعله من خلال هذا الاستقراء.
قال: ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]. وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 26-27].
وَمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنَشَّقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 88-93].
وهذا مطين الشهد إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا؛ فالإنسان والبشرية والمخلوقات كلها يعني في مقام العبودية لله نعم. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.
وَقَالَ تَعَالَى عَنِ المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لَبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. نعم إن هو إلا عبد نعم إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
هذه علاقة المخلوقين بالخالق، هي علاقة معبود بعباده، هذه علاقة كل المخلوقات بالله، وكل مش البشر، كل المخلوقات بالله علاقة معبود بعبده.
نعم قال: وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله؛ فقال في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]. وقال في الإيحاء: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10]. وقال في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: 19]. وقال في التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23].
ففي كل السياقات التي تكلم الله فيها عن نبيه تجد أنه يعبر عنه بأنه في النهاية عبد. نعم قال: فالدين كله داخل في العباة، وهذه إجابة السؤال الثاني؛ أنه سُئل: وهل الدين كله داخل في العبادة؟ قال: فهذه الخلاصة؛ فالدين بكل أشكاله وفروعه داخل تحت هذه المظلة.
نعم قال: وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام والإيمان والاحسان؛ فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.
قال: فمن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
قال: فمن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك.
ثم قال في آخر الحديث: هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم؛ فجعل هذا كله من الدين، والدين يتضمن معنى الخضوع والذل. يقال: دان؛ إذا جعل هذا كله من الدين.
طبعا الإسلام بفروعه من الدين، الإيمان بفروعه من الدين، والإحسان من الدين، وهذه كلها تعبدا، فإذا ما دام هذا كله دين وهذه كلها تعبدا، إذا الدين بكل فروعه داخل في مفهوم التعبد.
ثم أصلا حتى يؤكد لك أن الدين والعباده يعني فيهم نوع ترادف؛ دعنا نقول: أن الدين أصلا في اللغة من إيش أخذ المحاسبة؟ لا. هو في اللغة قال: أصل دلالته الخضوع، تقول: دنت لفلان، إيش يعني؟ خضعت له، ودان لي فلان خضع لي، فأصل الدين لغة من الخضوع، والعبادة في اللغة أيضا من الخضوع.
يقول لك حتى من حيث المعاني اللغوية الدين والعبادة متقاربان من حيث المعنى اللغوي، لاحظ ماذا قال؟ قال: والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنت فلانا أي أذللت فذل، دنت فلانا أي أذللت.
طيب قال: ويقال يدين الله ويدين لله؛ أن يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فاذا في اللغة الدين بمعنى الخضوع والاذلال.
طيب قال: فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. نعم تمام، سواء دنته ولا هو دان لي ولا أنا دنت في كلا الحالتين يعني بغض النظر مين الفاعل مين المفعول به، هي تحوم حول الذل والخضوع. فدنت فلانا أنا أذللت، ودنت لفلان هذا بس اختلاف حرف الجر، دنت فلانا مفعول به هنا يعني أنا أذللت، دنت لفلان أنا اللي ذليت له فلانا أذللت أنا.
بس دين يدين الله الأولى دينت فلانا لما كان مفعول به فكان هو هو المذلول، طيب يدين الله فكانها يعني نفس المشابهه به وقال مفعول به فكيف الأولى يعني؟
لا، هنا سياق يدين الله يعني بمعنى يدين لله، أنت لما تقول يدين الله أو يدين لله هي في هذا المقام يعني يصح أن تاتي فيها بحرف الجر ويصح أن تتعدى بدون حرف الجر، ويكون المعنى خضعت لله، لما تقول يدين الله أو يدين لله هي كلها بهذا المعنى، ما أدري إذا الفكره وصلت شيخ؟
أه يا شيخ، الأولى دنت فلانا يعني أنا الذي قمت باذلاله، طيب بس هل هذا لا يصلح هنا؟
أه وفي السياق الثاني يدين هو لله ويدين الله بمعنى هو ذل لله سبحانه وتعالى.
أنت قصدك يجب أن تكون يدين لله في كلا السياقين، يعني في السياق الأول دنت فلانا مفعول به بمعنى الإذلال، فيدين الله ما بتضبط بمعنى أذللت بالعكس، تكون بالمعنى المعاكس، فهمت علي؟
لا، الذي يظهر لي هنا أنه يجوز تضمينها المعنى المعاكس أيضا، نعم هذا الذي يظهر، لأنه يجوز تضمينها في سياق آخر المعنى المعاكس وتكون بمعنى أنا الذي خضعت له.
نعم قال: فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضا، يقال: طريق معبد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام.
لكن العبادة إذا، والعبادة إذا قال والعبادة أصل معناها الذل أيضا، والعبادة أصل معناها الذل أيضا. فإذا هذا يريد تقارب بين معنى الدين وبين معنى العبادة، فالدين يأتي بمعنى الإذلال والخضوع، والعبادة تأتي بمعنى الإذلال والخضوع.
نعم قال: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، هذا تعريف العبادة باعتبارها بحقيقتها.
قال: فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، هذا هو العبادة بمعناها الحقيقي وليس معنى ما يتعبد به.
طيب قال: فهي تتضمن غاية الذل لله، اعلى غاية يعني اعلى انواع الذل لله، مع اعلى انواع الحب له.
نعم قال: فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب عليه، ثم الغرام وهو الحب اللازم للقلب، ثم العشق، واخرها التتيم.
يعني إذا أردت أن تكلم عن درجات الحب أول ما تحب شخص تبدأ بما يسمى بايش بالعلاقة، فإن تطور معك الحب أصبح ماذا صبابة، فاذا تطور الحب أكثر وأكثر أصبح غرام مش اليوم بقول لك عن الغرام، فاذا تطور أصبح عشق.
طب هل هناك مرتبة فوق العشق؟ نعم، يقولون: أعلى مراتب الحب هو التتيم، والتتيم بالتعبد للمحبوب، التتيم ما هو؟ هو التعبد هذه أعلى من العشق، فلذلك مثلا من ه القبائل هذه تيم الله تعرف بعض القبائل العربية أو تتيم الله يعني عبد الله، هذا معناها، فالتتيم بمعنى التعبد.
نعم قال: يقال تيم الله أي عبد الله، فالمتيم المعبد لمحبوبه. ومن خضع لإنسان مع بغضه له فلا يكون عابدا، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه.
إذا العبادة لابد لها من جناحين؛ من جناح الذل ومن جناح الحب، لذلك هو أراد أن يبين هنا أنه صح احنا قلنا العبادة فيها معنى الذل كما أن الدين فيه معنى الذل، لكن العبادة تدل على قدر زائد أصلا من حيث اللغة، فهي ليست فقط تدل على الذل، بل تدل على الحب، يعني الدين بمعنى الجزاء الخضوع الإذلال، لكن العبادة هي صحيح فيها معنى الذل، لكن فيها إضافة إلى ذلك معنى الحب.
فلذلك ماذا ختم؟ قال: فمن خضع وذل لإنسان لكنه لا يحبه ويبغضه هو ليس عبدا له، والعكس من أحب إنسان ولكنه لم يخضع له برضه ليس عبدا له، فلا تكتمل العبودية إلا بجناحيها بتحقيق الخضوع وتحقيق الحب.
نعم قال: ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذلة التامة إلا الله.
فكل ما أحب لغير الله تعالى فمحَبَّتُه باطلة، وكل ما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلا.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].
فجنس المحبة تكون لله ورسوله، كالطاعة لله ورسوله، وإرضاء لله ورسوله، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، والتاء لله ورسوله، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك، فلا يكون إلا لله وحده.
طبعا وأراد أن يبين أن جنس المحبة كجنس، أنت تحب الله وتحب رسوله، وتحب أيضا كل من تحب كل من يحب الله ورسوله، فالمحبه كجنس لا يعني أنها لا يجوز أن تصرف لغير الله.
المحبة كجنس أنت تحب الله، تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحب كل مؤمن يحب الله ورسوله، وهكذا.
فيقول لك: فجنس المحبة تكون لله ورسوله، وأيضا اضف عليه: وتحب كل من يحب الله ورسوله كذلك.
جنس الإرضاء هل يجوز أن أقول أنا أرضي الله وأرضي رسوله؟ نعم قال: الإرضاء أيضا يجوز أن يصرف إلى الله وإلى رسوله، فتقول: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، فالرضا لله ورضا الرسول عليه السلام كذلك.
الإيتاء جاء في القرآن الكريم: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. ففي هناك امور يشترك فيها الخالق مع المخلوق، وإن كان صرفها للخالق يكون على وجه الكماّلات بالتأكيد، لكن في هناك امور لا يجوز أن تصرف إلا إلى الخالق.
صحيح، إذا يقول لك: هناك امور تكون للخالق والمخلوق، وإن كان إذا قدمت للخالق ينبغي أن تكون في أعلى درجات الكمالات؛ فأنت تحب الله وتحب رسوله وتحب المؤمنين، ولكن محبة الله تكون في غاية الكمال، ومحبّة ما سوى الله الأصل أن تكون موصلة إلى محبة الله.
وأما العبادة بحد ذاتها فهذه لا تكون إلا لمن لله، لأن العبادة ما هي؟ يعني هو أراد إذا أردت أن أجمع هذا الكلام مع الكلام السابق؛ هو فسر لك أن الحب إيش مراتب صحيح، وأعلى هذه المراتب ما هي؟ التعبد اللي هو التتيم.
فيقول لك: المحبة كجنس العلاقة والصبابة، المحبة كجنس تصرف للخالق والمخلوق، إلا المرتبة الأخيرة منها، إلا المرتبة الأخيرة وهي مرتبة ماذا؟ التعبد.
هذه المرتبة الأخيرة من مراتب المحبة هذه لا يجوز أن تصرف إلا لله، لذلك هو أعطاك مراتب المحبة وأخبرك أن التتيم والتعبد هي المرحلة الأعلى.
فأخبر ثم قال لك بعد ذلك: فجنس المحبة يصرف لله ولرسوله ولكل من يحب الله ورسوله، أما العبادة وما يناسبها فهذه لا تكون إلا ل.. هذا النوع من المحبة لا يكون إلا لله، لأنه هو ايش غاية الحب، حتى نحنا مش بنعرف العبادة مش نقول غاية الحب؟ طب ما هو غاية الحب هو التتيم بمعنى التعبد، وهذه غاية الحب أعلى أنواع الحب.
وأما محبة الزوجة ومحبه الأولاد ومحبه الآباء وما شابه ذلك، فهذه تبقى في درجات الحب الأدنى، فلو أحببتهم عشقا غراما علاقه كل هذا يعني لك فيه فسحة وسعة.
نعم قال: كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهِ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59].
فالإيتاء لله تعالى ولرسوله لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وأما الحسب وهو الكافي فهو الله تعالى وحده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قد جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64] أي حسبك وحسب من اتبعك الله.
ومن ظن أن المعنى حسبك الله والمؤمنون معه فقد غلط غلطا فاحشا كما قد بطناه في غير هذا الموضع، أن هذه الآية ابن عثيمين يرى أن الفهم فهمها: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين أن نجعل من اتبعك من المؤمنين عطف على الله، هذا فهم فاحش في الخطا، يعني حسبك يعني يكفيك الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين هذا غلط، لأنك سويت المؤمنين بالله في تحصيل الكفاية، وإنما المعنى حسبك وحسب من اتبعك الله، وهذا لأن الكافي كفاية تامة لا يكون إلا الله سبحانه وتعالى فهذا من متعلقات الربوبية.
نعم شيخ اه موضوع الكلام السابق اللي ذكره الشيخ الآن قال المحبة جنس المحبة تكون لله ورسوله نعم اللي بعده قال: أما العبادة وما يناسبهم تكون لله وحده نعم وكانه سياق الكلام هو مش ما اجى يفرق بين ما يجوز صرفه لله وغير الله نعم، وبين ما يجوز أن يكون لله وحده انما كان الموضوع ما يصرف لله ورسوله وما يصرف لله وحده تمام دون التطبيق لما كان سوى الله ورسوله.
هسه ما سوى الله ورسوله هذه احنا اضفناها من باب أن تعرف أنها تدخل في هذا، وليس هو اصل الكلام، جنس المحبة أنه المحبة هذه تكون لله وغشه، مثل الطاعة أن الطاعة تكون لله ورسوله لكن لا تكون لمن سواهما، تمام والطاعة لا تكون.. سه الامر.
يعني الان هو لما ذكر إذا كانوا بطاعة الله طبعا ورسوله ط تمام، بس هو قصدي أن سياق الكلام ما تطرق لمن سوى الله ورسوله.
لا، هو لم يتطرق صحيح، لكن أنا أقصده أنا هو.
الاستطراد الذي حصل أنه هل سوى الله ورسول يجوز أن نعطيهم أيضاً من جنس المحبة من باب الاستطراد؟ أي نعم، بس هو قصده لأن هو سياق الكلام هو أراد أن يفرق في أسلوب القرآن؛ إنه القرآن عم يقول لما تكلم عن المحبة أعطاها لله ورسوله، لما تكلم عن الإيتاء أعطاه لله ورسوله، تكلم عن الرضا أعطاه لله ورسوله، لكن لما تكلم عن العبادة لم يعطها إلا لله سبحانه وتعالى.
لكن احنا من باب توسعة الدلالة نقول: حتى المحبة هل يجوز إعطاؤها لأولياء الله؟ نعم، بس هو هنا يعني شعرت ما أعرف إنه سياق الكلام هي المحبة؛ يعني المحبة التي تكون على وجه العبادة؛ يعني سياق الكلام الآن هو يتكلم عن المحبة التي هي جزء من العبادة، مش سياق الكلام عن المحبة. طب محبة الأولياء، هل تدخل في هذا؟ أقصد، لذلك ما بديش أحصر حالي في العبارة نفسها، لأنه هي هنا هو في سياق خليني أقول الأسلوب القراني أنه في أشياء أعطاها إلى الله ورسوله، بل إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا والذين يقيمون الصلاة؛ ففي أشياء القرآن عم يعطيها لله ورسوله وللمؤمنين، وفي أشياء خاصة لله.
فهو يريد أن يفرق لك ما هو خاص بالله وحده، وما الذي يمكن أن يعطى لرسوله وللمؤمنين حتى على وجه التعبد؛ حتى هنا لما قبل قال: فقد يحب الانسان ولده وصديقه، تطرق لها في الصفحة، فأنا يعني أعتقد أنه يتكلم عن المحبة كجنس حتى ولو محبة تعبدية، قصدي أنا عفواً بس حتى السياق بعديها كالطاعة، نعم لا، قال الطاعة تكون لله ورسوله، الإرضاء لله ورسوله، الأمر تمام، بس والله ورسوله أحق أن يرضوه، يعني إن الحقية في الإرضاء هي لله ولرسوله دون من سواهما.
هذا هو يعني الآن هل يريد أن يتطرق إلى دون من سواهما، هي يعني هل هو سياق كلامه الآن دون من سواهما، يعني هنا أنا بناقش أنه الآن فيما يظهر لي أنه هنا عم يتكلم ما يجوز أن يعطى لله ولاتباع الله، وما هو يعطى لله وحده، خليني أقول ما يعطى لله واتباعه الذين يسيرون على طريق الله سبحانه وتعالى في التعبد، وما لا يكون إلا لله وحده، تمام، هذا قد يظهر معنا أكثر وأكثر في أثناء القراءة.
طيب قال، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83] وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله تعالى فذلله ودبره وصرفه، وبهذا الاعتبار فجميع المخلوقات عباد الله عباد الله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار وأهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، فما شاء كان وإن لم يشاؤوا، وما شاؤوا إن لم يشأ لم يكن، وهذه معنى العبادة.
الآن ابن تيمية سيبين أن هناك تعبد قهري وهناك تعبد اختياري، هناك تعبد قهري وهناك تعبد اختياري، فكل المخلوقات الأبرار والفجار هي عبد لله بالمعنى الاضطراري القهري، فهذا معنى قوله لما قال: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه، لما نقول: أليس الله بكاف عبده، أصل العبد هو من ذلله الله ودبره وصرفه.
هذا المعنى للعبد من ذلله الله وصرفه، هل هذا خاص بالمؤمن فقط؟ لا، فكل المخلوقات هي عبد لله بهذا المعنى العام، لذلك قالوا: بهذا الاعتبار فجميع المخلوقات عباد لله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار وأهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته، فهو يتكلم إذاً عن التعبد الاضطراري الذي لا يمكن لأي إنسان ومخلوق أن يخرج عنه.
نعم قال: كما قال تعالى، وهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه ولا خالق إلا هو، سواء اعترفوا بذلك أو انكروه، وسواء علموا بذلك أو جهلوه، ولكن أهل الإيمان منهم علموا ذلك واعترفوا به، بخلاف من كان جاهلاً بذلك أو جاحداً له مستكبراً على ربه، لا يقر ولا يخضع لهم مع علمه بأن الله ربه وخالقه، فأهل الإيمان ميزتهم أنهم أيضاً خضعوا لهذه العبودية اختياراً، وأما الكافر الفاجر فلم يخضع لمقتضى هذه العبودية باختياره، فهو عبد اضطرار لا عبد اختيار، أما المؤمن فهو عبد اختيار وعبد اضطرار.
طيب قال: فمعرفتك مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذاباً على صاحبه، كما قال: فإذا عرفت الحق سبحانه ولكنك استكبرت عن عبادتي، استكبرت عن خضوع، هذا عذاب عليك.
نعم قال: كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33] فكل هذه الآيات وجحدوا بها واستيقنت أنفسهم، الذين آاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين، كل ها تدل على ماذا؟ أن هؤلاء المعارضين المستكبرين هم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عن الخضوع له فكان ذلك وبالاً عليهم.
نعم قال: فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه ومحتاج إليه عرف عبوديته المتعلقة بربوبيته، العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان والأصنام.
إذاً، ماذا يقول هنا؟ يقول شيخ الإسلام: فإذا عرف العبد، إذا عرف الإنسان أن الله هو ربه ومدبر أمره وخالقه وأنه هذا العبد مفتقر إلى الله ومحتاج إليه، فهنا عرف ماذا؟ عرف العبودية المتعلقة بجناب الربوبية؛ هو الآن سيقول لك ابن تيميه: هناك عبودية تتعلق بالربوبية، وهناك عبودية تتعلق بالالوهية، هناك عبودية تتعلق بالربوبية وهناك عبودية تتعلق بأيش؟ إنه هو شوي شوي رح يسحبك للفهم الخاطئ للعبودية عند الصوفية، هو هذا الذي يريد أن يصل إليه للفهم الخاطئ للعبودية عند غلاة التصوف، أنهم حصروا العبودية بمعناها الربوبي وليس بالمعنى الألوهي.
فيقول: إذا أنت عرفت الله سبحانه وتعالى وأقريت له أنه الخالق المدبر وأقريت أنك مفتقر ومحتاج إليه، أنت هنا حققت العبودية بأي معنى؟ الربوبية، حققت العبودية من جانب الربوبية، يعني أنت أحسن من الملحد، أكيد أحسن من الملحد الذي رفض أن يقر أن له رب وخالق ومدبر، أنت أكيد أفضل منه، لكن أنت لساتك ترى ما أملت الموضوع، أنت فقط حققت بهذه الاعترافات حققت العبودية من جانبها الربوبي، لذلك قال: فقد عرف عبوديته المتعلقة بأي جانب؟ بجانب الربوبية، وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان والأصنام كما كان حال كفار قريش في اختصار.
فكفار قريش حققوا جانب كبير من العبودية لله المتعلقة بالربوبية، نعم في الجملة أكيد كان عندهم بعض الخرم في بعض الأمور، لكن كفار قريش كانوا محققين للعبودية لله بمعنى الربوبية، بمعنى أنهم كانوا يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المدبر، كانوا يعرفون، يتوجهون إليه في بعض الأمور، يحجون إليه في كثير، لكنهم جمعوا مع ذلك ماذا؟ خرموا العبودية بمعناها الثاني العبودية المتعلقة بالالوهية، فكانوا يعبدون الله في أشياء، ويطيعون أصنامهم أو يعبدون أصنامهم في أشياء، يذبحون لله ويذبحون لأصنامهم نصيباً، فهم خرموا العبودية بالجانب الثاني العبودية المتعلقة بمقام الألوهية.
نعم، شيخ، ممكن نقول أن العبودية التي تتكلم فيها هون هي نفس عبودية الإجبار والعبودية القدرية هي نفس عبودية الربوبية كلها من هذا الباب؟ تمام، بس في كافر وصل يعني لمرحلة أنه يريد أن يلحد حتى يجحد، يجحد أن الله سبحانه وتعالى هو الرب الخالق.
الآن احنا عندنا مقامين، في عندك ما نعرفه نحن أن كل العباد أو أن كل المخلوقات عباد لله عبودية اضطرار، هس هذا المقام الأول كل المخلوقات هي عبد لله عبودية اضطرار ممتاز هذا المقام، سواء هو ملحد ولا مش ملحد، يعني هو سواء شو تصوره لا يعنيني، حتى هذا الملحد أنا أعرف أنه ماذا هو عبد لله بمعنى الاضطرار أن الله خالقه مدبر شؤونه، فكل المخلوقات عبد لله اضطراراً.
طيب الآن المقام الثاني، هناك من اعترف لله بعبودية الاضطرار وأقر أنه أنا أقر أن الله خالقي مدبري رازقي، ولكنه ضن أن يعطيه عبودية الألوهية، فوقف عند مقام ماذا؟ الاعتراف بعبودية الربوبية، قال: أنا بعترف أن الله الخالق الرازق المدبر، ولكنه ماذا؟ فأشرك في عبادة الأصنام والشيطان، فهذا وإن كان أفضل من الملحد الذي لم يعترف بعبودية الاضطرار، لكنه لم يصل إلى العبودية التامة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون وهي عبودية الألوهية.
تفضل، أستاذ.
ممكن نقسم العبودية الاختيارية نفسها إلى عبودية متعلقة بمقام الربوبية، ومقامات كما التوكل؟
صح، أحسنت، ومن وقف عند العبودية المتعلقة بالربوبية لم يكمل العبودية، لسه بقيت عليك المرحلة الأخيرة، والرسل والنبي صلى الله عليه وسلم أصلاً دعوته مع كفار قريش، أصل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش هي إيصالهم للعبودية المتعلقة بالالوهية؛ لأن العبودية المتعلقة بالربوبية كانت متحققة في الجملة عند كفار قريش.
وهذه أصلاً كل نقاشات ابن تيمية مع الصوفية الغلاة، أنه أنتم لا تزيدون عن كفار قريش؛ فإن المقام الذي وقفتم عنده هو المقام الذي وقف عنده كفار قريش في الجملة.
نعم، قالوا: مثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، نعم، عبودية الربوبية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار إذا لم يتبعها عبودية الألوهية.
نعم قال: ولا يصير بها الرجل مؤمناً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106] فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38] وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89].
وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهد هذه الحقيقة وهي الحقيقة الكونية التي يشترك في شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر، هنا بدأ شوية شوي يدخل في موضوع أهل التصوف الذين يتكلمون عن شهود الحقيقة؛ هذه مصطلحات ومفردات صوفية، مصطلح الشهود، ويقول إننا شهدنا الحقيقى؛ ماذا تعني بأنك شهدت الحقيقة؟ يعني شهدت أن الله خالق رازق مدبر لهذا الكون، الآن هذا الذي شهدته، شهدت أن الله خالق مدبر، هذا شهد كفار قريش؛ يعني أنت لا تمتدح في هذا كثيراً، ولو سميته شهوداً للحقيقى فإنهم كانوا يشاهدون ما شاهد إذاً.
وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهد وهم أهل التصوف، الآن هنا يتكلم طبعا نوع معين ممن يستعملون هذه المفردات، إنما يشاهد الحقيقة الكونية، أنت فقط شهدت الحقيقة الكونية، ما معنى الحقيقى الكونية هنا؟ أن الله خالق مدبر رازق لهذه المخلوقات محيي ومميت، هذه الحقيقى الكونية تمام، وهذه يشترك في شهودها المؤمن والكافر، يعني كفار قريش كانوا يشهدون والبر والفاجر، بل حتى أبليس هو معترف بها الحقيقة الكونية التي تقول إنك شاهدتها، إبليس شاهدها.
تمام، فقال: قال إبليس، قال إبليس، قال: «رَبِّ»، إبليس قال: «رَبِّ»، إذاً هو مش لما قال إبليس ربي، إذاً هو معترف أن الله رب يعني خالق رازق مدبر، نعم قال: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36] وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾، فبعزتك يعني إبليس مشاهد لعزة الله، لما يقسم بعزة الله إذاً إبليس مشاهد لعزة الله.
نعم قال: وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62] وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره، وكذلك أهل النار قالوا: لما قال كرمت علي فضلت علي، إذاً هو يشهد أن صاحب الفعل من الله، هو لما يقول: أرأيتك هذا الذي كرمت علي، إذاً هو يشاهد أن الله هو الذي كرم وفضل وأعلى آدم على إبليس ومشاهد للحقيقة.
نعم قال: وكذلك أهل النار قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106] ودون الحقيقة أيضاً وهم في النار، هم في النار، إذاً لست متميزاً في مشاهدتك لهذا المقام.
نعم قال: وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام: 30] أقسموا بالرب المدبر الخالق.
نعم قال: فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر به من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بالألوهية وإطاعة أمره وأمر رسوله، كان من جنس إبليس وأهل النار، اه، هذا الخلاصة.
إذاً بقول لهم: فمن وقف عند العبودية المتعلقة بالربوبية أو من وقف عند مشاهدة فقط الحقيقة الكونية، هذا لم ينجو من النار بعد، قال: فمن وقف عند هذه الحقيقة اللي هي الحقيقة الكونية المتعلقة بالربوبية ولم يقم بالخطوة الثانية والإجراء التالي، وهي الحقيقة الدينية، إذاً في حقيقة كونية وفي حقيقة دينية، الحقيقة الكونية هذه مقام ربوبية، أما الحقيقة الدينية هي مقام الألوهية، ولم يقم بالحقيقة الدينية التي هي أن تعبد هذا الإاله المتعلقة قال: بماذا؟ بالألوهية المتعلقة بمقام الإلاهية والعبودية لله، فهو إذاً ليس متميزاً، بل هو من جنس.
إبليس وأهل النار نعم قال: وإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله تعالى وأهل المعرفة والتحقيق الذين سقط عنهم الأمر والنهي الشرعيين. نعم كثير من الصوفية كان يرى أنه إذا بلغ مرتبة الشهود خلص سقط عن التكليف، يقول لك: أنا خلاص أنا صرت أرى الحقيقة الكونية وأشاهدها، فيظن أنه من أولياء الله الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيين، يعني سقط عنه التكليف فليفعل ما شاء. قال: هذا مسكين كان من أشر، قال: كان من أشر اهل الكفر والإلحاد، يعني انت مش من أولياء الله انت من أكثر الناس إلحادا.
طبعا الإلحاد هنا بالمعنى العقدي القديم اللي هو ايش الميل عن الحق مش الإلحاد بالمعنى المعاصر وهذا مهم جدا، إنه بعض الناس ممكن يقرأ الإلحاد فيفكر بالمعنى المعاصر، الإلحاد المعاصر إنكار وجود الرب، لا الإلحاد بالمعنى القديم عند العقدين هو الميل عن الصواب والجادة. الحقلا الذين ينكرون وجود الله سبح يقول منكر وجود الله الآن هو يدخل بالإلحاد بالمعنى العام، ممكن يعبر عنه بالإلحاد بالمعنى العام فإن هو شكل من أشكال الابتعاد عن الصواب، لكن لم يعني لا أعرف على الأقل اسم خاص بهؤلاء، وإنما عادة يقال منكرون وجود الرب.
بس أصلا ابن تيمية ما عالج هؤلاء لأنهم غير موجودين إلا شذاذ آفاق، ما كانت مشكلة في عصره، لكن كانت موجودة يعني ولو شيئا يسير شذاذ، لم تكن حتى في الكفار الاقدمين ما كانت بحجم تضخمها اليوم، عشان هيك المعالجات لها قديما كانت هيك سريعة وخاطفة، حتى القرآن تمت معالجات لأن هي خلاف الفطرة سبحان الله.
نعم قال: من ظن أن الخضر أو غيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك، كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله، وكان يقول أن الخضر الذي صحب موسى عليه السلام، أن الخضر أيضا سقط عنه التكليف لأنه شاهد الحقيقة، وهذه كلها طبعا خزعبلات. نعم قال: كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسله، حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد، وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابدا لله لا يعبد إلا إياه فيطيع أمره وأمر رسله، ويوالي اولياءه، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين، ويعادي أعداءه.
من هون ممكن نأخذ إنه ابن تيمية يفرق بين العبد والعابد. نعم هنا قال هنا يقول: وهو العبد بمع العابد. ليش قال وهو العبد بمعنى العابد؟ في عبد بمعنى معبد، عبد بمعنى العابد، عبد بس ايش الفرق بين العبد والعابد؟ العبد اسم فاعل معناته منتار العبد العابد قصدك آه أحسنت، يعني هو يريد يقول: العبد يشمل البر والفاجر والمؤمن والكافر، فالكل عبد بمعنى زي ما حكيت إنه معبد خاضع لامر الله الكوني، أما العابد لا، هذا معناته دخل في مقام الألوهية، فالعابد أعلى من العبد من حيث دلالتها على أنه دخل في مقام الخضوع للحقيقة الدينية، دخل في مقام الخضوع الحقيقة الدينية.
العبد كلاهما عبد صحيح، لكن العبد له له إطلاق، إطلاق العبد بمعنى المعبد، وإطلاق العبد بمعنى العابد. جميل العابد هو عبد، والمعبد عبد، يعني كلاهما شوف هو كلاهما راح يكون عبد أصلا في النهاية عبد الله، حتى نصوص غالبها جاءت بعبد، ما جاءت بعابد، لكن ما معنى عبد؟ عبد معناها عابد باطلاق، ومعناها المعبد، اللي هو العبدي الاضطراري. كلاهما عبد، ل هو شوف هو كلاهما عبد بمعنى أنه معبد لله. لا قصدي لا، هو نفس كلمة عبد تطلق بمعنى المعبد، وهي العبودية الاضطرارية. طيب والعبد يطلق يطلق بمعنى العابد، فهمت؟ وهي العبودية الاختيارية.
لكن أنا أقصدف الآن في هذا السياق، سياق أن كلمة العبد، إذا كلمة العبد هي تشمل المؤمن والفاجر، لكن الفاجر هو عبد لكنه لم يحقق مفهوم عابد. المؤمن هو عبد بمعنى الاضطراري، وعبد بالمعنى الاختياري الذي هو عابد، حتى يستقيم لدينا المؤمن والكافر. الكافر عبد، لكنه هل حقق مفهوم عابد؟ لا. المؤمن عبد حققها بمفهومها، عبد بمعنى المتعبد خضوعا لله واضطرار، وهذا الكافر موجود عنده، وعبد بمعنى العابد الذي هو ماذا؟ الذي هو خضع لألوهية الله سبحانه وتعالى فلم يقصد سواه.
نعم قال: وهذه العبادة متعلقة بالإلهية، والعبد بمعنى المعبد متعلق بالربوبية، فقد يقر بربوبيته ولا يعبده أو يعبد معه إلها آخر، بخلاف إذا من يقر بعبود الربوبية لكنه لا يعبد الله أصلا أو عبد الله ويعبد معه أصناما كحال كفار قريش. طيب قال: فالإله الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والاجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك، وهذه العبادة هي العبادة التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده، وبها بعث رسله.
وأما العبد بمعنى المعبد، سواء أقر بذلك أو أنكره، فتلك يشترك فيها المؤمن والكافر. نعم العبد بمعنى المعبد اللي هي معنى الاضطراري كما قلنا. نعم قال: وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخله في الع في عباده الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها الله ويرضاها، ويوالي أهلها ويكرمهم بحسبه، وبين الحقائق الكونية التي يشتركوا فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من اتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض أو في مقام أو حال، نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية.
نعم قال: وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالط، وكثر فيه الاشتباه على السالكين حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المنتسبين إلى التحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيهم إلا الله الذي يعلم السر والاعلان. يعني يقول: كثير من مشايخ الزهد والسلوك أخطأوا في هذا المقام، فقصروا العبودية بمعناها الأول على معنى شهود الحقيقة الكونية، وقصروا في المقام الثاني، بالتالي وقع عندهم الشرك في عبادة القبور والاستغاثة بالأولياء، ووقع عندهم ما وقع من هذه الانحرافات.
نعم قال: وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيدر رحمه الله عليه، وهو من أئمة الحنابله، وتنسب إليه الطريقة الجيلانية، لكنه على طريقة السلف رضوان الله عليه، وهو البدع التي أنشاها اتباعه ومنها براء. نعم قال فيما ذكر عنه: بأن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فاني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازع للقدر لا من يكون موافقا للقدر. الروزنة يعني مثل فتحة، يعني فتحة تكون في السقف أو في الحائط.
نعم قال: فنزعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازع للقدر لا من يكون موافقا للقدر، والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله. ما معنى هذا الكلام؟ قال: وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر الجيلاني لما قال: إن كثيرا من الرجال أقصد رجال علم السلوك إذا بدنا نقول مثلا: كثير من الرجال أو ممن تكلم في علم السلوك، إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا! فاذا وصلت إلى باب القضاء والقدر اللي هو الحقيقة الكونية ومشاهدة أن الله هو الفاعل الحقيقي في هذا الكون، قال قال: إلا أنا! فاذا شاهدت الحقيقة الكونية، كأنه قال: انفتحت لي روزنة يعني كأنه فتحة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق.
فنازعت أقدار ايش الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازع للقدر لا من يكون موافقا للقدر. غريبة هي العبارة، ممكن شخص يفهم فهم خاطئ، ايوه نبدأ أسامة ايوه لأن تنازعت أقدار الحق أن أقدار الله عز وجل بالحق مستعينا به للحق ابتغاء وجهه بالعبادة له، إذن فنازعت أقدار الحق يعني أقدار الله بالحق يعني مستعينا بالله للحق يعني للوصول إلى ما يريد الله سبحانه وتعالى أن يكون.
طب بس دعني نرجع لأول العبارة لما يقول: بأن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، ايش يعني أمسكوا هنا؟ أمسكوا عن ايش الرجال؟ ايوه هو أمسكوا يعني توقفوا وقالوا: خلص نحن كالريشة، بتعرف الاستسلام الصوفي الخاطئ للاقدار، لم يدافعوا ولم ينازعوا ولم يوادوا ولم يقوموا بفعل ما أراد الله سبحانه وتعالى، فكانوا يستسلمون يعني كان نوع من الاستسلام أمام حتى لو جبروا على المعاصي قالوا: هذه ايش قدر الله النافذ.
حتى المعاصي إذا أقبت عليهم مش يدافعون، لا يقפים معها يفعلونها، وقالوا ماذا: هذا مقام القضاء والقدر ولا ينازع. طبعا الآن ابن تيمية سيبين أن هذه نفس فكرة المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: 148]، أنت المطلوب منك تقول لو شاء الله ما أشركنا ولا أن تدفع الشرك وتبحث عن الحق وتطلب الهدايات؟ فيقول: كثير من الرجال الذين تكلموا في مقام التصوف، إذا وصلوا إلى القضاء والقدر اللي هي مشاهدة الحقيقة الكونية أمسكوا، يعني توقفوا، قالوا: خلاص وصلنا مقامنا نقف عند القضاء والقدر ولا نخوض بعد ذلك.
قال: إلا أنا لا، نعم صحيح أنني شاهدت الحقيقة الكونية وأن الله هو الفاعل في هذا الكون والذي يدبر الأمر، لكنني أعرف أنه أراد مني أن أدافع الأقدار بالأقدار، وأن أدافع الذنوب والمعاصي والشهوات بفعل الطاعات والقربات، وأن أدافع الشبهات بطلب العلم النافع وما شابه ذلك من باب تقريب الصورة.
قال: إلا أنا فاني إذا وصلت إلى القضاء والقدر انفتحت لي روزنة، يعني نافذة كأنه يقول: فنازعت أقدار الله مستعينا بالله للوصول إلى مراد الله والمراد الشرعي، والرجل من يكون الرجل الصواب يعني الرجل الحق من يكون منازع للقدر لا من يكون موافقا للقدر. شو هي العبارة الفخمة؟ الإنسان الحقيقي المستقيم هو من يدافع الأقدار بالأقدار، إذا جاءته الشهوات أو الشبهات فإنه يدافع ويصورها ويبحث عن العلم النافع والعمل الصالح، ولا يقول: خلاص المعاصي فرضت علي معناته أظني في سلك المعاصي والذنب، لا دافع أبذل استعن بالله، خذوا خطوات حتى تخرج من هذه المعاصي.
فقال: هذا معنى منازعة الأقدار، فهمتم ما منازعة الأقدار؟ ذنوب معاصي خطايا شبهات شهوات، نازعها لا تستسلم لها. قال: لا من يكون موافقا للأقدار، فإذا جاءت الذنوب والمعاصي أقر فيها أو الشبهات استسلم لها فضاع وأض.
نعم شيخنا ممكن كلت بالحق، ممكن هيك يعني هو بس تفريق شي بسيط، مش لا تفسر بالاستعانه فقط، فسر بما هو بعبادة الله، يعني لأن الاستعاستة هي جزء، فقد تكون استعانة على باطل، وقد تكون استعانة على حق، يعني هو تفريق هيك بسيط يعني بس هو ضمن هذا السياق.
آه بس هو ضمن هذا السياق المراد الاستعانة بما يعين على مواجهة الأقدار، أحيانا كل شي يفسر بصياغة ف ينازع القدر الكوني بامر شرعي فم شرط يكون فقط يعني بالاستعانه، يمكن لو فصنها بالعبودية تكون يعني معنى أدق يكون مش خطا. ممكن ممكن، يعني مش خطا كلامك أبشر.
قال: والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله، نعم هذا هو من الذي ذكره عبد القادر الجيلاني؟ هذا هو المطلوب من المؤمن أن يفعله.
نعم قال: لكن كثير من الرجال غلطوا، فانهم قد يشهدون ما يقدر على أحدهم من المعاصي والذنوب، شايف ما يقدر من المعاصي والذنوب. نعم قال: أو ما يقدر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون أن الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة.
فيظنون أن استسلام الإنسان للكفر والعياذ بالله، خلص هذا قضاؤك وقدرك نصيبك انك تكون كافر، فاستسلامك لهذي القضية هو عبودية لله، وهذا قمة الكفر أصلا، كيف استسلم للكفر؟ كيف استسلم للشبهات وتزعم أن هذا الاستسلام هو عبودية لله؟ هذه مشكلة من وقف، شوف كيف ابن تيمية عم بيعالج طريقة التصوف الخاطئة في التفكير: الاستسلام للأمر الكوني وعدم مدافعته بما أمر الله سبحانه وتعالى أن يدافع به من الأسباب.
نعم قال: فيضاهون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]، وقالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: 20]، ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن باللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11].
يريد أن يقول: إن القدر على نوعين، هناك قدر لا تستطيع أن تدفعه، هذا الذي موقفك منه التسليم والرضا كالمصائب تصيبك من الفقر أو فقد الأحبة. وهناك قدر لا، أنت تستطيع أن تدفعه بمزحه، قدر آخر، فالتسوية بين القدرين خطأ. هناك قدر يستطيع أن يدافعه الإنسان، وهناك قدر نعم أنت مجبور عليه لا تستطيع أن تدفعه كفراق الأحبة.
ولذلك قال: ولو هدوا إلى الصراط المستقيم لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه في ايش؟ في أي جانب؟ في المصائب التي تصيبنا في هذا الموضوع، لأنك لا تستطيع أن تدافع كفراق الأحبة والخوف. قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وقال تعالى نعم قال: وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى ما فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23].
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبا علي قبل أن أخلَق؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى» -أي غلب آدم موسى-.
فالآن سيعلق ابن تيمية كيف غلب آدم موسى عليه السلام، قال: وادم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظنا أن المذنب يحتج.
بالقدر؛ فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لإبليس وقوم هود وقوم عاد وكل كافر. نعم، فلا يجوز لأهل الابتداع أن يقولوا: «آدم احتج على معصيته بالقدر».
كيف تقول: «لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي»؟ فيقول: «آدم لم يحتج على موسى بالقدر ظناً أن المذنب إذا وقع في ذنب يقول: خلص ما هي قضاء الله وقدره!». طيب، هو يعني بماذا احتج آدم بالقدر في أي جزئية؟ سيبين ذلك.
قال: ولا موسى أيضاً لام آدم عليه السلام لأجل الذنب؛ فإن آدم قد تاب الله عليه فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة. نعم، إذن هو موطن النقاش بين آدم وموسى عليهما السلام هو في ماذا؟ في النتيجة أو الأثر الذي صار بعد الذنب. النقاش بين آدم وموسى في ماذا؟ في المصيبة التي نتجت بعد الذنب؛ اللي هي ايش؟ الهبوط إلى الأرض والخروج من الجنة. فهنا وقع النقاش بين آدم وموسى، هكذا يقول ابن تيمية.
طيب، قال: ولهذا قال له: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم بأن هذا كان مكتوباً قبل أن يخلق. فموسى أراد أن يلوم آدم: لماذا أخرجتنا من الجنة؟ فآدم رد عليه أنه هذا قضاء الله وقدر الخروج من الجنة الذي هو أثر المصيبة؛ هذا قضاء الله وقدره، فعلى ماذا تلومني؟
أما المصيبة نفس الذنب، ما كان هو مكان النقاش، الذنب ما كان مكان النقاش، إنما النقاش كان في أثر الذنب، وبالتالي حج آدم موسى؛ يعني آدم هو الذي غلب موسى؛ لأنه كلامه هو الصحيح هنا، أنه هذا قدر الله أن تكون هذه النتيجة النهائية. وأما لماذا تعترض على نتيجة لم أكن أنا الذي باشرتها بنفسي، وإنما كتبت علي؟
نعم شيخنا، يعني بس ممكن يكون في إشكال عند بعض الناس، يقول مثلاً: طب هو إذا لم يذنب لم ينزل الأرض، فهل يمكن أن نقول إن الله عز وجل هو خلقه للأرض أصلاً، ولكنه أراد في بداية حياته في مرحلة معينة أن يسكن الجنة فيحدث ما يحدث بينه وبين إبليس حتى يستفيد من بعده من ذلك، ثم ينزل إلى الأرض المكان المقدر له أصلاً، هو لم يخلق دائماً حتى يكون في الجنة، فبسبب ذنبه نزل؟
طبعا يعني هو بس بدي أوضح هذه الفكرة: إذا كان هذا الإشكال عند بعض الناس أنه لولا أنه ذنب لم يكن ينزل الأرض، فلذلك لا هو، هو، لكن هو السؤال: هل الله سبحانه وتعالى هو قبل أن يذنب كان كتب عليه أنه سينزل إلى الأرض؟ نعم، هو كتب عليه.
أحسنت، يعني هو يريد أن يقول: إن الله كتب علي هذا قبل أن يخلقني، حتى هنا ماذا قال؟ بأن هذا كان مكتوباً قبل أن يخلق. هكذا قال ابن تيمية، يعني قضية أنني سانزل من الجنة إلى الأرض هي لا تناقشني فيها يا موسى، كأنه قال: هذه لا تناقشني فيها، ليه؟ لأنه هذه قال: مكتوب قبل أن أخلق أنني سانزل من الجنة إلى الأرض، فلا تناقشني لماذا حصل هذا؟ إذا بدك تتكلم ماشي؛ تكلم عن الذنب والخطأ الذي وقع، وإن كان طبعا كما قال: موسى لا يمكن أن يحاج آدم في هذا من باب أن آدم تاب، ومن تاب من الذنب لا يقال له: لماذا أصلاً عصيت؟ فيقول لك: خلص أنا تبت. لو لم يتب كان نقاشاً آخر.
فالنقاش كان: لماذا حصلت النتيجة؟ فآدم قال له: نعم، إن الله عز وجل زي ما تفضلت خلقني، وكان كاتب علي قبل أن يخلقني ويدخلني الجنة أنني سانزل إلى الأرض، فمثل هذا لا يعترض عليه.
هذا موطن النقاش، وإن كان ابن القيم أيضاً أبدى فكرة أخرى في هذا، أظن في الداء والدواء، وقضية أن الإنسان هل يمكن يقع في ذنب ويحتج بالقضاء والقدر عليه بعد ذلك بعد أن يتوب؟ نعم، هذه فكرة ابن القيم طرحها، أظنه ناقشناها قديماً، أنه هل يمكن أن نقول إن الإنسان قد يقع في ذنب ومعصية ثم تاب منها، وبعد مثلاً فترة جاء شخص لامه على هذه المعصية فقال: أخي خلص، قدر الله وغلط.
هل هذا غلط تام ممتنع؟ يمكن أن يصوب في بعض السياقات. يقول ابن القيم: يمكن أن يصوب في بعض السياقات الاحتجاج بالقدر على الذنب؛ إذا كان سياق مثلاً جلد للذات زائد. بعض الناس قد يقع في معصية ويتوب منها، لكن بظل طول عمره ايش؟ في مقام جلد لذاته. جلد لذاته: يا أخي كيف أنا وقعت في هذه المعصية؟ كيف وقعت في هذا الخطأ؟ فهنا ممكن أن يستصحب سريعا مقام القضاء والقدر من باب التخفيف عن نفسه، أنه خلص غلطنا وتبنا وخلص قدر الله وما شاء فعل، مش من باب الحجج الإبليسية التي تجعل القدر حجة على المعاصي، وإنما من باب التخفيف على النفس من جلدها وإشعارها أنه أنت كيف تخطئ ومثلك لا يخطئ وما شابه ذلك؛ لأنه بعض الناس الاستمرار في هذه الخطرات ممكن يولد له إحباط، ممكن يولد له انتكاسة، أنه مثلي كيف يعصي؟ أنا طالب علم، أنا إنسان على استقامة، أنا إنسان على كذا وكيف أغلط وكيف وقعت؟
فقد يكون الفزع للقدر بعد التوبة بعد التوبة فيه نوع من الإراحة النفسية له حتى يستمر في طريقه ويكمل ولا يبقى ينظر إلى الخلف النظرة السلبية النظرة التي تحدث بينه وبين التقدم. فهذا ذكر ابن القيم أنه يصح أيضاً الاحتجاج بالقدر عليه لمصلحة الإنسان.
نعم، قال: فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فانه من تمام الرضا بالله ربه، وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر الله فيتوب من صنوف المعائب، ويصبر على المصائب.
نعم، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
فاصبر إن وعد الله حق؛ الصبر على ماذا؟ على الأقدار الكونية، واستغفر لذنبك؛ آه، هذا متعلق بذنبك وخطيئتك، لا ذنبك بدك تستغفر منه، مش بتقول خلص ما هو برضو قضية كونية! لا، قال: فاصبر، هذا على ما يتعلق بالأمر الكوني، واستغفر لذنبك، هذا ما يتعلق بخطيئتك التي جنيتها.
نعم، قال وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
جميل، الجمع بين الصبر والتقوى في الآيتين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، وفي سورة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾. فالصبر هذا يكون على ما ينزل ويحل، والتقوى واجتناب المعاصي والاستغفار هذا فيما يكون على ما يجنيه الإنسان ويحاول باجتنابه.
نعم، قال: وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله تعالى.
كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَنجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وضرب الله مثل الرجلين؛ أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأامر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
ونظائر ذلك كثيرة مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل المعصية والطاعة، والفجور وأهل الهدى والضلال، والغي والرشاد، والصدق والكذب.
طيب، هو ماذا يريد بكل هذه الآيات وبكل هذا السياق أن نستشهد على ماذا؟ هي الفكرة الأساسية التي تتكلم فيها، أنه يا إخوان، فيما يتعلق بالقضاء والقدر، مشاهدة القضاء والقدر لا تعني عدم منازعة الأقدار، ثم قسم لك القضاء والقدر قال لك: في قضاء وقدر هي مصائب تنزل بك لا يمكنك أنك تدفعها، هذه موقفك منها ايش؟ الصبر والتسليم. في المقابل هناك أمور أنت مطلوب منك منازعتها، وهو كلام الجيلاني، ومن هنا ينشأ المؤمن والكافر والبر والتقي، أين؟ من منازعة الأقدار.
هناك إنسان يقاوم الشهوات، يقاوم الشبهات، يستغفر من الذنوب والمعاصي، في حالة مجاهده مستمره، وهذه الآيات كلها دلت على ذلك. ولماذا يأتي بهذه الآيات: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وكل ما جاء بعدها؟ هو يريد أن يخبرك أن الله عز وجل طلب من المؤمن أن يعمل وأن يسعى وأن يتوب ويستغفر ولا يحتج بالقدر على معصيته.
هنا أحد الإخوة يسال: إن الله كتب على ابني آدم حظه من الزنا، فكيف نقول إن... هو يظن الأخ: إذا قلنا إن الإنسان لا يحتج بالقدر على المعصية، أن المعصية ليست بقدر؟ لا، نحن نقر أنه كل ما يفعله الإنسان هو بأقدار الله، لكن وين المشكلة؟ أن تفعل المعصية، وبدلاً من أن تنشغل بعد ذلك بمدافعة آثارها بالاستغفار والتوبة، أن تحتج عليها بالقدر. لا، نقول: نعم، إن الله كتب على كل انسان حظه من كل المعاصي، لكن هو سؤالي: أنت عندما فعلت المعصية، هل كنت تعلم قبل أن تفعلها أنها مقدرة عليك؟ لا، يعني لما قررت أنك تفعل المعصية، هذا القرار أنت اتخذته وأنت لا تعرف ما في القدر، ممتاز.
فبالتالي هنا سيحاسبك الله على لحظة اتخاذ القرار؛ أنت فعلت هذه المعصية والقدر كان مخبأً عنك، فستحاسب على لحظة اتخاذ القرار وما نتج عنها بعد ذلك من أفعال. ثم بعد أن فعلت، أي نعم، أنت تعرف أن هذا كان قدر سابق، لكن ما بصير احتج بالقدر السابق الآن -وإن كانت بقدر- أنك في النهاية لحظة اتخاذ قرار المعصية أنت ما كنت تعلم القدر، صح؟ في لحظة الاتخاذ، إن ما كنت تعلم القدر. بعد أن وقعت المعصية عرفت أنها مكتوبة مقدرة عليك، فالله عز وجل يقول لك: لا تحتج لي بالقدر الآن بعد الانتهاء، لا تحتج لي بالقدر ليه؟ لأني سأحاسبك على لحظة اتخاذ القرار، أنت ما كنت تعرف عندئذ القدر، كان مخبأً عنك، هي اللحظة التي تتحمل فيها مسؤوليتك.
فبعد أن تقع في الذنب لا تبدأ تحتج بالقدر، وإنما عد إلى نفسك فاستغفر فاستغفر، وأعد العدة حتى لا توقع في خطأ آخر وهكذا. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان جوابه: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». فالمطلوب من الإنسان في المساحة التي يستطيع أن يعمل فيها أنه لا يحتج بالقدر ويتوقف عند القدر، بل المطلوب منه أن يدافع وأن يزاحم وأن يعمل.
فابن تيمية في هذا يعالج مشكلة عويصة في الفكر الصوفي متعلقة بقضية الاستسلام للقضاء والقدر في الزاوية والمساحة التي يمكن فيها مدافعة الأقدار بالأقدار، ومنازعة الشهوات والذنوب والمعاصي والكفر بطلب الهدايات والعمل الصالح والاستغفار وما شابه ذلك.
نعم، قال: فمن شهد الحقيقة الكونية دون الدينية سوى بين هذه الاجناس المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى يؤول به الأمر إلى أن يسوي إلى أن يسوي الله بالاصنام. إذاً، فمن شهد الحقيقه الكونية، وهي القضاء والقدر هنا، دون الدينية، سوى بين هذه الاجناس المختلفة؛ اللي هي ايش؟ بين ما يمكن للإنسان أن يدافعه، وبينما لا يمكن للإنسان أن يدافعه. وهذا خطأ، في أشياء تستطيع تدافعها، ما بصير تسوي بينها وبين المصائب التي لا يمكن مدافعته.
قال: حتى يؤول به الأمر إلى أن يسوي حتى بين الله وبين الأصنام والعياذ بالله، كما قال الله تعالى.
نعم، قال: كما قال كما قال الله تعالى عن... طبعا هو لما يقول سوى بين هذه الاجناس المختلفة ويتكلم عن السياقات السابقة في أصلاً نقول: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ وكذا وكل السياقات السابقة الآيات القرآنية هي مقارنة بين فريقين، فكيف أنت تسوي بين الاجناس المختلفة؟ لأنه خلص، أنت ترى الاستسلام للقضاء والقدر وعدم مدافعته، فالبر والفاجر كلهم مستسلمون للقضاء الكوني، العبد المملوك الذي جيد والعبد المملوك غير الجيد كلهم خاضعون، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَجْتَرِحُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الكل خاضع للمشيئة. فالذي لا يشاهد المقام الثاني، وهو مقام الحقيقة الدينية، وفقط يشاهد مقام القضاء والقدر، سيجعل الجميع كلهم في نفس الزاوية، وفي نفس البكسة، والكل في النهاية خاضع لباب واحد.
نعم، قال: كما قال كما قال الله تعالى عنهم.
﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالِ مُبِينٍ * إِذ نُسُوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]. بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود، إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، أو هذه أحيانا المرحلة التي وصل إليها ابن عربي وجماعته، الذين جعلوا الله هو نفس هذا الكون. يعني حتى تعرف كيف تنشأ البدع سبحان الله من بداية الأفكار الخاطئة، الوقوف عند مشاهدة الحقيقة الكونية وعدم مشاهدة الحقيقة الدينية أوصل غلاة الصوفية إلى مرحلة ايش؟ أن سووا بين الله وبين الأصنام، ثم سووا بين الله وبين كل المخلوقات، فجعلوا ذات الله هي ذات الكون، الكون هو الله والله هو الكون، ما في ذات قائمة منفصله عن الكون اسمها الله، ما عادوا يشاهدون ذلك.
فيقول بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله مش بالاصنام، قال بل بكل موجود وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة ليس حقا لذات منفصلة عن الوجود، بل أصبح حق الطاعة هو لله الذي هو أصبح يمثل هذا الكون، إذا وجعلوا ما يستحق من العبادة والطاعة حقا لكل موجود. ليه؟ لأنك لما جعلت الله يساوي الموجودات وحق الله هو العبادة، إذا أصبح حق الله وهو العبادة لكل الموجودات، فأنت لا ما عدت تعبد الله وحده، أنت أصبحت تعبد الوجود، أنت أصبحت تعبد الكون الذي خلص وضعت في يدينك أن الكون هو الله، وإذا أنا أعبد الله إذا أنا أعبد الموجود كاملا، وهذه والعياذ بالله قمة الكفر.
نعم، قال وهذا من اعظم الكفر والالحاد والكفر برب العباد. قال وهؤلاء يصل بهم الكفر الى انهم لا يشهدون انهم عباد، لا بمعنى انهم معبد ولا بمعنى انهم عابدون، إذا أنفسهم هي الحق كما صرح بذلك طواغيت كابن عربي، يشهدون أنفسهم هي الحق، ايش يعني هي الحق؟ هم الله أصلا، يشهدون أنفسهم أنهم هم الحق هم الله، ليه؟ وانه خلص رأوا ان الله هو الوجود واحنا من ضمن هذا الوجود، إذا في وجهه نظر ابن عربي وهؤلاء أنت وغيرك أنتم تمثلون الله والعياذ بالله، وهذا أكثر كفرا من كفر النصارى، لأن النصارى جعلوا الله عز وجل يتحد أو يحل في عيسى بن مريم، هؤلاء جعلوا الله يحل أو يتحد بكل الموجودات، حتى والعياذ بالله بأقذر الأشياء.
نعم قال كما صرح بذلك طواغيت كابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من الملحدين المفترين كابن سبعين وأمثاله، ويشهدون أنهم هم العابد والمعبود. طب سبحان الله، في بعض سياقات ابن تيمية حتى تعرف كيف الإنسان يرتقي بحياته العلمية في الفهم، ابن تيمية في بعض كتبه كان يقول وكنا ونحن في مقتبل العمر نقرا كتب ابن عربي ونحسب أنه يتكلم بكلام الزهاد والسالكين وأمور احنا مش فاهمين شو يعني مقامات عالية في الإيمان، قال فلما كبرنا يعني بمعنى السياق يعني كبرنا وأصبحنا نقرا القراءة الصحيحة فهمنا أن الرجل كان يتكلم بمصائب وكفريات، هذا الارتقاء في القراءة الصحيحة الجادة أنه كان في حقبة زمنية ابن تيمية نفسه يقرأ لابن عربي ويظن أنه كلام تزكوية رفيع، لكن لما تدرج في العلم أكثر وأكثر ونبغ انتبه أن هذا الرجل لا، هذا طلع كلام مش كلام، هو يريد أن يوصل به إلى فكرة إلحادية والعياذ بالله تجعل الله هو الكون والكون هو الله، فانتبه لهذا ابن تيمية وبدا يحذر من فكر ابن عربي.
نعم قال وهذا ليس بشهود لحقيقة لا كونية ولا دينية بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتا للخالق والموقع هذا عندهم. واما المؤمنون بالله ورسوله يعني ابن عربي حتى تجاوز مرحله شهود الحقيقه الكونية، له شهود الحقيقه الكونية انك تشاهد ماذا زي ما حكينا ان الله هو الخالق المدبر الرازق لهذا الكون وتقف عند هذا المقام، لا ابن عربي هو جعل الله هو الكون والكون هو الله، حتى الحقيقه الكونية راحت عند ابن عربي، حتى الحقيقه الكونية التي كانت تقتضي وجود رب مدبر لشيء منفصل عما عاد لها وجود، لأنه أصبح الرب هو المربوب والمربوط هو الرب.
نعم قال واما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم اهل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ان لله اهلينا من الناس قيل منهم يا رسول الله قال اهل القرآن هم اهل الله وخاصته، فهؤلاء يعلمون ان الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وان الخالق سبحانه باين للمخلوقات، مباين يعني ذات الله منفصله عن مخلوقاته ما بيصير يكون هناك اتحاد. نعم قال ليس هو حالا فيها ولا متحدا بها ولا وجوده وجودها، والنصارى كفرهم الله بان قالوا بالحلول والاتحاد بالمسيح خاصه، فكيف من جعل ذلك عاما في كل مخلوق، يعني النصارى كفروا لما جعلوا المسيح يتحد بالاله والاله يتحد فيه وهم قالوا بنوع واحد من الاتحاد، طيب فكيف من جعل الله يتحد بكل المخلوقات سيئها وحسنها، هذا سيكون اكفر من كفر النصارى والعياذ بالله.
نعم قال ويعلمون مع ذلك ان الله امر بطاعته وطاعه رسوله ونهى عن معصيته ومعصيه رسوله، وانه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وانه على الخلق ان يعبدوه ويطيعوا امره ويستعينوا به على ذلك، كما قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، ومن عبادته وطاعه امره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الامكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق، فيجتهد في إقامة دينه مستعيناً به.
لماذا يجيب دائما الأمر بالمعروف والجهاد هو لأنه أبرز أمثله مدافعة الأقدار، فاستحضر هذين المثالين لأنه الأمر بالمعروف إذا شفت معصية مش أقول والله هذه قدر الله خلص لا أنكر على صاحبها لا بدي أدافع بالإنكار عليها، كذلك إذا هجم الكفار على بلاد المسلمين كان بعض أهل التصوف ايش يقول لك هذا قدر الله نستسلم للكفار ولا ندافع الأقدار بالأقدار، فلذلك هو يحب استحضار هذين المثالين، أنه كيف استسلم للأقدار طب ما هو سبحانه هو الذي ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: 104] وهو سبحانه وجاهد الكفار والمنافقين، فكيف تقول لي استسلم للأقدار هو أمرني أن أنازع الأقدار، نعم قال أهل الإسلام.
مساله نعم الان هو قالب ال الامر بهؤلاء الى ان سووا الله بكل موجود، نعم بس ايش رابط بين تسويتهم بين الكفار المؤمنين، اللي هو ما ذكر بين الاشياء التي فرق الله سبحانه وتعالى بها، كيف ال بهم الى الحلول والاتحاد؟ هو بقول لك الغلو في هذه البدعه اللي هو الوقوف فقط مع مشهد الحقيقه الكونية، الوقوف فقط مع مشهد الحقيقه الكونية اوصلهم في مرحله معينه اولا في مرحله الى ان سووا بين الله وبين الاصنام، كيف ايش هو مش هو الفكره الغلو في هذا المقام جعله حتى ينسى الفرق، وانت لما تسوي بين الله وبين الاصنام قد تصل لمرحله معينه الى انك تجعل الجميع كله في مقام واحد ثم دمجوا بينهما.
حتى تسويه الأصنام كيف آل بهم التسوية بين المؤمن مثلا والكافر؟ هذاك ماشي واضح من خلال تسوية الله بالأصنام هي المراد التسوية بينهم في ماذا في مقامات الألوهية، لأنه هو حتى لما استدل بالآية كما قال الله تعالى ﴿إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: 98] لما بدأ بعضهم يعطي أصنام ما يعطي الله حتى من جانب الربوبية، ما هو انت هو ايش كانت المرحلة؟ المرحلة الأولى أنهم كانوا يعطون أصنامهم فقط جوانب ألوهية يقربون لها القرابين يذبحون لها، بس كانت الربوبية لمن؟
لله مش هيك كانوا كفار قريش، الآن نشأ جيل آخر دعنا نقول أصبح أسوأ حتى من كفار قريش لا يعطي حتى مقامات الربوبية من الخلق والفعل والتدبير حتى للأصنام وهي صارت التسوية، أنه أنت مش جعلت الأصنام فقط واسطة ولكنك تقر لله بأعمال الربوبية، التسوية جعلتهم رفعوه أعلى من ذلك فأعطوه أيضا مقامات ربوبية، فأصبح الله رب متصرف فاعل ثم بعد ذلك والأصنام أيضا متصرفة فاعلة، ثم كأنها في سياق آخر صار فيها دمج حتى ما عاد يشاهدوا أنه الله كرب ومدبر والأصنام كرب ومدبر، دمجوا كل شيء فأصبح المدبر والمدبر والرب والاصنام كأنها كلها شيء واحد، فهمت هو يريد أن يلاحظ مراحل يعني البدعة كيف نشات وكيف تطورت، كيف الصنم كان معبود فقط مع أنه ليس مدبر ثم أصبح للقدر استسلام للأقدار حتى في المعاصي آل بهم إلى الشر، عدم مشاهدة الفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية أو خلينا نسميها إلغاء موضوع الحقيقة الدينية وعدم الاكتراث بها واعتبار أن المطلوب هو فقط مشاهدة القضاء والقدر والمدبر جعلهم أصلا لا يفرقون بين المؤمن والفاجر، بين المعاصي والطاعات، لأنه كل هذا الملف ما عاد له أي قيمة لأنه في النهاية ما هو هو قضاء وقدر، يعني بس القضية قضاء وقدر قضاء وقدر ومشيئة بدون النظر في أنه في شيء أستطيع أدافع في شيء لا أستطيع أدافع، وضع الكل في مقام واحد فأصبح المراد فقط مشاهدة أن هناك قضاء وقدر اللي هو نوع من الجبر أصبح فيه نوع من الجبر، هناك شيء يحكم جبري، هذا النوع يصل ببعضهم هو لا يتكلم عن الجميع، وأنت عارف يص أحسنت وحصل الشرك.
ثم الأصنام اللي كانت فقط تعبد وليست لها أصبحت لا سووها برب العالمين وأصبحوا يعتقدون فيها أنها جزء ممن له القضاء والقدر والنفوذ، ثم بعد ذلك دمج كل شيء بأصناف دمجوه بهذا الكون باعتبار أن خلص هذا الكون هو الحقيقه الموجودة، يعني هذا كانه أصبح الكون هو الحقيقه المشاهده النافذة بكل ما فيه من الأقدار، كأنك تريد أن تصل لهذا الكون، الكون كل ما فيه هو الحقيقة المشاهدة بما فيه من الظلم والمظلومين، بما فيه من المعاصي والذنوب، بما فيه من الخير، فكان الله ما عاد شيء حتى مدبر منفصل عنه، أصبح الكون هو القضاء والقدر هو المشيئة بذاته، مش هناك صاحب مشييئة منفصلة هو الذي يدبر هذه الأقدار، كل شيء اندمج ببعضه البعض، بس هذه طبعا مراحل متاخره في هذا المقام.
طيب كان في عندك شي اسامه هنا هل قد يقال انه مما يكرس هذا الاشكال لا يفرق بين الإرادة الشرعية والارادة الكونية اصلا العقيدة؟ اه طبعا هو هو الكلام اصلا بهذه الطريقه بس هو كل كتاب بيعالج الموضوع بطريقه مختلفه.
نعم شيخ، ممكن شيخ الاسلام في الرد الاخنائي في نهايته ممكن يوضح هذه الفكره أكثر، حيث أن هذا على مراتب أنه كان يقول على الصوفي عندهم اربع مراتب هون يكون في حاله فرق ثم جمع ثم فرق الجمع ثم جمع الفرق، سيشير إلى الفرق والجمع، شي يفرق بين الذات والكون ثم بعد ذلك يجمع بين الذات والكون سيشير إلى ذلك إشارة سريعة خلينا نكمل فيه.
نعم قال فيجتهد في إقامة دينه مستعينين به، دافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين بذلك ما قد يخاف من ذلك كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل، وكذلك إذا أزال البرد ودفعه باللباس وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه، كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أرايت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله». في الحديث أن الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والارض، يعني يتدافعان، كان الدعاء يحاول يدفع البلاء، وهذا يؤكد أن الله عز وجل لم يامر بالاستسلام لما يمكن دفعه بل امر بمنازعاته.
نعم قال فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله وكل ذلك من العبادة، وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقه الكونية وهي ربوبيته تعالى لكل شيء ويجعلون ذلك مانعا من اتباع امره الديني الشرعية على مراتب في الضلال، هؤلاء الذين غلوا في التصوف فشاهدوا فقط المشيئه الكونية اللي هي القضاء والقدر ولم وجعلوا ذلك حجة في ترك الانقياد للعبادات الدينية، هؤلاء على مراتب في الضلال، فغلاتهم قال فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، فبالتالي يفعلون الفواحش والمنكرات وكل شيء خطأ ثم يحتجون يقول لك حقيقه كونيه بدك تشاهدها.
نعم قال وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148] وقالوا ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: 20]، ففطائفة من المشركين كانوا يحتجون على شركهم بايش؟ بمشاهده الحقيقه الكونية، خلص هيك ربنا بده شايف خلص احنا مشركين هيك ربنا بده لو شاء الله ما تركنا هكذا.
نعم قال وهؤلاء من اعظم اهل الارض تناقضا، بل كل من احتج بالقدر متناقض، فانه لا يمكنه لماذا لماذا ابن تيميه يرى ان الذي يحتج بالقدر على حاله في الذنوب والمعاصي متناقض؟ قال قال فانه لا يمكنه ان يقر كل ادمي على ما فعل، فلا بد اذا فلا بد اذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم وسعى في الارض بالفساد واخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من انواع الضرر التي لا قوام للناس بها ان يدفع هذا العدوان، بحيث ان يعاقب الظالم بما يكف عدوان امثاله، فيقال له ان كان القدر حجه فدع كل احد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وان لم يكن حجه بطل اصل قولك، فهمتم الانش وجه الدليل انه اذا رجل دخل على بيتك ليعتدي على.
هل لو أتاك من يسرق مالك ستقول له تفضل لأنك أنت قدر الله النافذ، أم ستدافع عنه وتضربه وتنادي الشرطة؟ إذا جاء رجل أراد أن يسرق مالك، هل تقول له تفضل أنت قدر الله النافذ، أم ستقطع يده؟ ما في أحد عاقل أصلاً يقول هذا، فهذا كلام يخالف الفطرة. ما في إنسان يقبل أن أحداً يعتدي على حرماته ويقول له تفضل أنت القدر وقد شاهدت فيك القدر، ويعتدي على ماله. فإذا كنت تزاحم الأقدار في هذه الأمور، وتمنع الزاني أن يصل إلى زوجتك، وتمنع السارق أن يصل إلى مالك، إذاً لا تحتج بالقدر، وزاحم الأقدار في ذنوبك ومعاصيك، وامنع نفسك من الذنوب والمعاصي والشرك.
قال: وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول ولا يلتزمون، وإنما هم بحسب أهوائهم غير مضطردين؛ ومعنى غير مضطرد أنه ليس ماشياً على قاعدة دائماً. في أشياء معينة يزاحم الأقدار، وفي شهواته لا يزاحم الأقدار، بل يقول لك: قدر الله النافذ. قال: كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري؛ أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. كيف يكون عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري؟
القدرية هم الذين يقولون: لا قدر، والقدرية هم الذين يقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه، والجبرية هم الذين يقولون إن العبد مجبر ليس له أي اختيار. فيقول: أنت عند الطاعة قدري، لا تشاهد توفيق الله لك؛ يعني إذا صدرت منك طاعة لا تشاهد توفيق الله لك وأنه هو الذي يسرها لك، تقول: أنا الذي فعلتها، أنا الذي عملت الطاعة. وإذا وقعت في معصية لا تشاهد تقصير نفسك، بل تشاهد قدر الله النافذ؛ يا أخي شو بدنا نسوي؟
عند الطاعة تنسبها لنفسك وتنسى أن تقول الله وفق ويسر والحمد لله الذي قدرها لي، وإذا فعلت معصية لا تنسب التقصير إلى نفسك وأنك اقتربت من أسوارها، لا يا شيخ، العبد مجبر؛ فيقول الذي يوافق هواك مشيت معه.
ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة، فيزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلاً وأثبت له صنعة، وأما من شهد أن أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك الشيء، فسقط عنه ذلك. هو الآن سيقسم الصوفية إلى أنواع، أسوأ أنواعهم من هو؟ قال: فغلاتهم هذا القسم الأول الذي ذكرناه في الصفحة الماضية، يجعلون ذلك عاماً مطلقاً، فيحتجون بالقدر على كل ما يخالف الشريعة، خلاص جعلوا القدر حجة على كل ما يفعلونه مخالفاً للشرع.
الصنف الثاني منهم يدعون أنهم محققون، فيقولون: إن الأمر والنهي لازم للإنسان، لكن لازم لمن؟ لمن شهد لنفسه فعلاً وأثبت له صنعاً؛ يعني إذا أنت لا تزال في مقام العوام، في مقام العامة الذين ما زالوا يشهدون أنفسهم وأن لهم أفعالاً ولا ينسبون كل شيء إلى الله على طريقة الجبرية؛ ما دمت تشاهد حضور نفسك في هذا الكون وما زلت تشاهد أن لك صنعاً، فأنت إذاً من العامة، فنعم يلزمك الأمر والنهي.
أما من شهد، وهكذا هم يعتبرون هذا مقام الشهود، شهد أن أفعاله مخلوقة وأنه مجبور عليها؛ وهذه هم يعتبرون أن تصل لمرحلة الجبر والإيمان بالجبر هي مرحلة الشهود، أنك أنت مجبر كالريشة في مهب الريح. كيف الريشة في مهب الريح مجبرة لا تستطيع شيئاً؟ إذا وصلت لمرحلة مشاهدة الجبر أنك مجبر على أفعالك، فعندئذ سقط عنك الأمر والنهي لأنك وصلت لمرتبة الشهود.
فهؤلاء أحسن حالاً من الجماعة الأولى؛ الجماعة الأولى أسقطوا التكليف على الكل على العامة والخاصة، وأي واحد وقع في معصية سواء شهد لنفسه فعلاً أم لم يشهد هو مسامح لمشاهدة مقام القدر. الثانيون حصنوها شوي، قالوا: إذا أنت لا تزال عامياً لم تصل لمرحلة الشهود، فأنت عليك أمر ونهي ودير بالك تخطئ، لكن إذا وصلت لمرحلة شهود الجبر وشهود المشيئة الكونية وأنك كالريشة في مهب الريح، خلاص أنت وصلت لمرحلة عالية، بالتالي تستطيع الاحتجاج بالقضاء والقدر ولست مكلفاً كما يكلف العوام.
قالوا: فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة. فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد لجميع الكائنات. وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علماً وبين من يراه شهوداً، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن عمن شهد.
ما الفرق بين العلم والشهود؟ وهؤلاء يفرقون بين من علم؛ العامة يؤمنون أن القضاء والقدر موجود بس لم يصلوا لمرتبة الشهود، فيفرقون بين مرتبة العلم بذلك وبين مرتبة الشهود. فالشهود حالية روحانية عندهم، أنك تجلس هكذا فكأنك تستشهد أن هذا فعل الله، وأما العلم هي مجرد حالة نظرية، أنك تأخذ كتاباً في العقيدة تدرس أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب القضاء والقدر، بس بدون أن تصل للحالة الروحانية، الإيمان أنك كأنك تشاهد هذا أمام عينيك.
فلا يرى لنفسه فعلاً أصلاً، وهؤلاء يجعلون الجبر وإثبات المقدور مانعاً من التكليف على هذا الوجه. وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد، وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة وغيرهم من القدرية عن ذلك.
ما السبب في هذا القسم الثاني من الصوفية؟ هم يشهدون الإرادة الكونية فقط، فإذا أتاهم القدر الذي يمكن أن يُدافع في جهة معينة، فهم لا يستوعبون كيف يمكن أن الإنسان يخالف القدر ويسير في الاتجاه المعاكس، وكأنه يرد قدر الله بإثبات الأمر الشرعي في مقابل القدر الكوني. إذا جاءهم قدر كوني على خلاف الأمر الشرعي ما استطاعوا أن يجمعوا بينهما، هذه مشكلتهم.
يقولون: ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه؛ يعني أبو جهل أُمِر بالإيمان، لكن ماذا قُدِّر عليه؟ الكفر. فهؤلاء الطائفة ليست قادرة على استيعاب كيف الله يأمر أبا جهل بالإيمان مع أنه كان في قدره السابق مكتوب عليه الكفر. قالوا: إذاً هناك مشكلة، فكان خيارهم أن يلغوا الأمر الشرعي ويقفوا عند الأمر الكوني أو الحالة القدرية الكونية، ليسوا قادرين أن يجمعوا كيف أن الله أمر أبا جهل بالإسلام وفي نفس الوقت قدر عليه أن يكون كافراً ويموت على الكفر، هذا هو المربع الذي أُشكِل عليهم.
المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين وردت القضاء والقدر الذي هو إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد. فقول هؤلاء أشر من قول المعتزلة، ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد. تخيل يقول لك هؤلاء الجبرية قولهم أشر من قول المعتزلة؛ لأن قولهم أوصلهم إلى القول بوحدة الوجود بالتدرج الذي ذكرناه سابقاً، فلذلك يقول: لم يكن في السلف من هؤلاء أحد. المراد في زمن السلف، لا يعني أنه في سلف كانوا جبرية بالمعنى؛ ممكن بعض السلف ابتُلوا بشيء من هذا، لكن المراد في زمن السلف عموماً لم يكن هناك من الجبرية، وإن كان بدأت تظهر نوابت قول المعتزلة.
وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، ولهذا يجعلون من وصل إلى هذه الحقيقة سقط عنه الأمر والنهي وصار من الخاصة. وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، وجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة. نحن قبل قليل قلنا الآية معناها الموت، اعبد ربك حتى يأتيك الموت، أما الصوفية فيقولون حتى يأتيك اليقين عن المشاهدة، إذا حصلت الشهود سقط عنك التكليف.
وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طوائف ولم يعلموا أنه كفر؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازم لكل عبد ما دام عقله حاضراً إلى أن يموت، لا يسقط عنه الأمر والنهي لا بشهود القدر ولا بغير ذلك. فمن المعلوم من الدين بالضرورة أن التكليف لا يسقط عن أحد، فمن أنكر هذا وقال إن التكليف يسقط عن أحد مع أن العقل لم يزل، فهذا مخالف لما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو كفر.
فمن لم يعرف ذلك وعُرِّف وبُيِّن له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يُقتل؛ يعني ابن تيمية يقول لك في النهاية هي مسألة يُستتاب حتى لو كان من مشايخ الصوفية. قال: فمن قال إن الأمر والنهي يسقط عن مكلف بسبب هذه الحجج التافهة، يُعرَّف وتقام عليه الحجة، لا يُستعجل عليه، بل يُعرَّف وتقام عليه الحجة، فإن أقيمت عليه الحجة وبقي معانداً فقد كفر، يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
وقد كثرت مثل هذه المقالات في المتأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة بينهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداته وصد عن سبيله ومشاقة له وتكذيب لرسله ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين. فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما يحصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك، عافانا الله.
ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله. هو يقول لك بالاستقراء: المشركون الذين كذبوا الرسل يترددون بين الابتداع في دين الله واختراع عبوديات، وبين الاحتجاج بالقدر على المعاصي والذنوب ومخالفة أمر الله، فهم في باب الطاعة مبتدعة، وفي باب الذنوب والمعاصي جبرية. يقول لك المشركون عبر تاريخهم في باب الطاعات مبتدعة يخترعون من العبادات ما يهوون، وفي باب الذنوب والمعاصي جبرية يفعلون الذنوب والمعاصي ويحتجون عليها بالقدر.
فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين، ولذلك الصوفية فيهم هذا، ولاة التصوف في باب الطاعات أئمة الابتداع، وفي باب الذنب والمعاصي أئمة الجبرية، يقولون: قضاء الله وقدره. إما أن يبتدعوا وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۖ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]، وكما قال تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148].
وبين أن يجمعوا بين الأمرين، ثم شوف الاستدلال اللطيف هنا، قال بهذه الآية ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا...﴾؛ هذه ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ قدر، و﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ بدعة. هنا قال: جمعوا بين أمرين، جعلوا الفاحشة من جانب الأمر والمطلوب، وبرضه فيها جانب قدري أنه هكذا وجدنا آباءنا، فلم يدافعوا الأقدار، فالفاحشة كأنها أصبحت من الدين، قال: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، وهذه يعني تتخيل إنساناً هنا المعصية مش فقط احتج عليها بالقدر، لا جعلها مطلوبة والله أمرنا بها، فهي ابتداع من جانب أنه ادعى أنها مطلوبة، واحتجاج بالقدر من جانب وجدنا عليها آباءنا، فجمع والعياذ بالله فيها بين السيئتين، ورد فقط على الثانية.
الاحتجاج بالقدر، أعرض عنها جميل، واعترض على الثانية أو أجاب: والله أمرنا بها ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28]. وأما قضية: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: 28]، هذا احتجاج بالقدر وتسليم له، ولا يصح مثل هذا التسليم، وقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148]. طيب قال: وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام والعبادة التي ما شرعها الله بمثل قوله: وقالوا هذه، فهنا بس حتى فقط من باب الفائدة، هي الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ هذا في باب ايش؟ القدر. القدر في باب الذنوب والمعاصي، ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا باب ايش؟ الابتداع في العبادات. ويريد أن يقول لك: إن القرآن لما ذكر حال المشركين, بين أن المشركين عندهم في باب الذنوب والمعاصي والشركيات احتجاج بالقدر، وفي باب ما يتقربون به يحرمون ما يشاؤون: ﴿وَمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103]. فهؤلاء أهل التصوف وقعوا في هذين الأمرين: في باب التقرب والتبتل بدع، وفي باب الذنوب والمعاصي قدر. قال: هؤلاء يسيرون على خطى المشركين. الثاني: هم احتجوا بالقدر على الابتداع، وين هو؟ لو شاء الله بدَنَا من شيء، مابدنا، ما أشركنا ولا جميل، أحسنت، وهذه لفتة طيبة أنه حتى واحتجوا بالقدر ولا حرمنا من شيء، وهذا أظن هو السياق المطلوب هنا، أنه قال: لو شاء الله ما أشركنا ولو شاء الله ما حرمنا. فهم لما حرموا أشياء لم يحرمها الله ابتدعوا، ثم احتجوا على بدعتهم بماذا؟ بالقدر، فجمعوا -نحسن في نفس الجزئية- بين الابتداع والاحتجاج على بدعتهم بالقدر مثل الآية السابقة.
نعم، قال: وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام والعبادة التي ما شرعها الله بمثل قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 138] إلى آخر السورة. قال: وكذلك في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 27] إلى قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29] إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 31-32] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
قال: وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع حقيقة، شوف يعني كما قال: يجمعون بين الابتداع وجعلوا قضاء وقدر، فيحدثونك: هذه هي الحقيقة وهذا هو الشهود. فابتدعوا واحتجوا على بدعتهم بالقدر، كما يسمون ما يشهدون من القدر حقيقة. طيب قال: وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه، ولكن بما يراه ويذوق ويجده ونحو ذلك، نعم هذه الحقيقة الصوفية هو السلوك الذي يعتمد على الذوق والهوى وما يجده في نفسه، وليس السلوك المربوط بماذا؟ بمنهج الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، وفرق بين السلوك بين سلوك السلف وبين سلوك المتصوفة.
نعم، قال: وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا، بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة، وامرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات. ما معنى: وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا؟ اللي هي الفكرة السابقة، اللي هو التناقض اللي حكينا عندهم، لا، لا، فعليا هم يحتجون بالقدر دائما، دائما، لا، اللي حابينه يهوونه، بسموه ايش؟ قدر، يعني خلص إذا جاء على باله يعتبر الشيء قدر ويستسلم لأنه قدر، بقول لك: والله هذا قدر، ولكن لما يعتدى على ماله أو عرضه لا، ببطل في قدر هون تمام! فبقول لك هو فعليا هم لا يحتجون بالقدر مطلقا، بل عمدتهم آراء وأهواء، وبعدين بقوها في القدر متى ما شاؤوا ويبعدون وقت ما شاؤوا.
نعم، قال: فثم الكتاب والسنة، إما أن يحرف القول فيهما عن مواضعه، وإما أن يعرض عنه بالكلية، فلا يتدبرون ولا يعقلون، بل يقولون: إن نفوض معناه إلى الله مع اعتقادهم لنقيض مدلوله. فالصوفية في باب الأهواء كالمتكلمة، يقول لك: الصوفية في باب اهوائهم أو في اتباع اهوائهم كالمتكلمة في اتباع عقلياتهم. فالمتكلمين قال: نظير وهؤلاء بدع من المتكلمين الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة الكتاب والسنة ايش بتصير هي الحقائق؟ وبيصير أي واحد بدّو يرد على بدعهم الكلامية: أنت مخالف لأيه؟ للحقيقة. ثم لما يأتي الكتاب والسنة على خلاف عقلياتهم التي زعموها فإما أن يحرفوا ويؤولوا، وإما أن يعرضوا عن القرآن بالكلية ويقولون: خلص تفويض، ماء شو تفويض؟ يعني هذا كلام ما حدا فاهم شو معناه نفوض إلى الله، بس أهم شيء حقائقنا العقلية التي نحن جعلناها حقائق بدكم تتبعوها.
نعم، قال: وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة وجدت جاهليات وجدت جهل واعتقادات فاسده. نعم، فما يزعمونه عقليات هي جهل وإن سموها عقليات، وما سماه الصوفية حقيقة هو عبارة عن أذواق وأهواء وليس من الحقيقة في شيء. نعم، قال: وكذلك أولئك إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه. وكذلك أولئك، أولئك رجع للصوفية يشير إلى الصوفية، إذا حقق ما يزعمون من حقائق أولياء الله وجدت أهواء وليست حقائق.
نعم، وأصل ضلال من ضل، قال: وأصل ضلال من ضل هو تقديم قياسه على النص المنزل من عند الله واختيار الهوى وعلى اتباع على اتباع أمر الله. هو في هذه القاعدة -عشان كتبها بالخط العريض- رد على المتكلمين والصوفية فيقول: أصل ضلال المتكلمين ما هو؟ تقديمهم قياسهم العقلي على النص الشرعي، وأصل ضلال الصوفية: اختيار الهوى على مراد الله، فهو بهذه القاعدة رد على هؤلاء وهؤلاء في جملة واحدة. استذكر أخرى أنه هذا الأصل هو الذي هو كان أصل ضلال إبليس؛ رأى أنه أفضل، أفضل من آدم، آدم جاف النار، أفضل من الطين بنظره، فكان هذا هو أصل الضلال؛ استقدام الهوى على تقديم القياس العقلي وعلى الهوى على أمر الله سبحانه وتعالى والنص.
نعم، قال: فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب بحسب محبته، فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا» عليه الصلاة والسلام. ويريد أن يقول: إن أي محب لابد وأن يجد ذوقا ووجدا، وأهل الإيمان أيضا لهم ذوق ووجد، لكن ذوقهم ووجدهم ناتج من الاتباع وليس من الابتداع، بخلاف أهل الأهواء فإنهم يجدون ذوقا ووجدا، لكن ذوقهم ووجدهم ناجم من الهوى والابتداع، هذا الفرق بين الوجد الإيمان الصحيح والذوق الإيمان الصحيح المرتبط بالاتباع وبين الذوق والوجد المرتبط بالابتداع.
طيب، قال: وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فلهم وجد ولهم ذوق، لكن كل بحسب هواه وحسب شهوته. قال: قيل لسفيان بن عيينه: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ قال: انسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93]. جميل، هذه الإجابة حقيقة وتوصيف دقيق من سفيان بن عيينة، يعني لماذا أهل البدع اليوم من المتكلمين وغيرهم من الفرق تجد متشبث بفرقته وطائفته ومقولاته العقدية لو جلست تناظره بـ 20 30 سنة صعب، خلص امتنع، لماذا أهل البدع يحبون أقوالهم؟ قال: هكذا طبيعة الإنسان. قال وأشك، قال: إذا كان أهل قوم موسى، قوم موسى الذين عبدوا العجل، ايش ربنا قال؟ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 93]، طبعا في كلمة مقدرة: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، كلمة التشرب أشرب، هذه مفردة مهمة، تشربوا حب العجل، فصار نزع هذا من قلوبهم مش عملية سهلة أبدا.
كذلك أهل البدع، هو لما تجد 20 30 سنة عند شيخ وبيسمع الكلام و و و شو تتوقع منه؟ هو متشرب لهذه البدعة تشربا تاما كاملا، لدرجة أنه نزع منها وإقلاع عنها هي عملية مضنية، ولهذا كانوا يعني يعذرهم ابن تيمية كأعيان وأشخاص لادراك ما الذي يحصل في الجنس الإنساني، أنه هو رجل متشرب لهذه الفكرة. بعض الشباب الله يكرمهم ظن أنه: يا اخي والله جلست مع أشعري وقمت عليه الحجة! يا اخي ما... وأنت مفكر أنك جلسة، جلسة؟ هذا رجل صار له 30 سنة في بدعة، أنت مفكر سهل يجي يقول لك: آه والله كلامك صحيح والله باقي مشايخنا على ضلال! القضية مش بهي السهولة يعني، ما تكون عندك نوع من السذاجة أن تظن أن القضية بهذه السهولة وبهذه البساطة ستقيم الحجج وتنزع الإنسان، إنسان صار له 30 40 سنة في شبهات وأشكاليات ويدرس كتب، تظن أنك في جلسة واحدة خلص نهيت الملف، واقعت، وأنت أيضا هذه مشكلة الإنسان لما تنظر للآخرين، انظر لنفسك، ما هو كل شخص ينظر لنفسه باعتبار أنه صاحب الحق وشيء ثابت، يعني كما أنك أنت ترى نفسك صاحب الحق وبالتالي المخالف مبتدع، هو أصلا الطرف الآخر يرى أنه ايش؟ هو صاحب الحق ويراك مبتدع، فهو ينظر إليك فيقول: أنت لما تناقش واحد تيمي بتربى على كتب ابن تيمية بتفكر أنك بدك تقنع أن يترك ابن تيمية مرة واحدة؟ يا اخي بدك تصبر عليه زي ما أنا بحكي لك، هو بحكي لشي الشيخ بحكي لطلاب، وهي هكذا الحياة، تمام! هو بيتكلم بنفس المنظور، فلأنه أنت متشرب لطريقة ربنا وفقك لها ونشات عليها فاحمد الله، وهو متشرب لطريقة هو يعتقد بمنظوره أنه هو الصواب ويحمد الله، كما أننا نحمد الله يعني، هي حتى تفهم الدنيا كيف تسير، فهذه تقط هذا فهم طرائق البشر يساعد على الأعذار قدر المستطاع ضمن مساحات معينة.
فلذلك قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء يعني أصحاب البدع يحبون بدعهم؟ قال: خلص تشربوها، يعني ايش تتوقع؟ وأشكال قوم موسى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 93] فهذا يحتاج إذا إلى تأني.
نعم، قال: فعباد الأصنام يحبون آلهتهم، كما قال الله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]. وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23]. ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة، التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمان ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان.
فيقول، فيقول هؤلاء الذين يتبعون أهواءهم وجدانياتهم من أهل التصوف: يحبون سماع القصائد والأناشيد التي تتكلم في الحب، وأي حب؟ ويحاول طبعا هي قصيدة ممكن تكون أصلا في حب النسوان، هو بده يسقطها على ايش؟ حب الله، هو أهم شيء يسمع قصيدة في الحب مفردات الحب مفردات مفردات الألفة، وكل واحد فيهم خلص يعني القصيدة قال عامتك أصلا لا تتعلق بحب الله، هو يحاول أن يسقطها على وجدانيات ومشاعره وإن كانت هي أصلا إنما قيلت في محبة إنسان لأنثى فلذلك قال: ولهذا يميل هؤلاء يقصد أهل التصوف من هذا إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة، يعني هي مش أصوات تتكلم عن محبة الله تتكلم عن تهييج المحبة وعاد هو بيحملها على المحبة اللي بدّو ياها، التي لا تختص بأهل الإيمان، مش بتكلم عن تهييج المحبة الإيمانية، بل يشتركوا فيها محب الرحمن والشيخ والنسوان، كل واحد بيحملها، واحد بيسمع قصيدة غزل أنت بتحملها على الوطن هذا بيحملها على محبوبته هذا بيحملها على وهذا بحملها على الله، كل واحد ماشي، بدل من أن يقتصر على السماع القرآني الصحيح الذي يتكلم عن محبة الله سبحانه وتعالى ويزيد علاقة بربه عز وجل. ولهذا من الخطا دائما يا شباب الاعتماد على الأناشيد الدينية في تهييج معاني محبة الله، من الخطا الاعتماد على الأناشيد الدينية في تهييج معاني محبة الله، يعني لو سمعت عرضا وأنت في سيارة وشيء ما في مشكلة، لكن أن يصبح الانسان إذا سمع القرآن لا تهيج مشاعر المحبة لله وإذا سمع أنشودة هكذا يطرب لها ويبدأ عينه تدمع! إذا عينك تدمع عند الأناشيد ما تدمع عند القرآن معناه بدك تراجع بعض الملفات على الأقل أنه في مشكلة، أنه الذي يهيجك هو ربما الصوت اللي بيجك الصوت أو الحنان اللي فيه أو الدفء اللي فيه أو المشاعر أو الكلب وطريقه إخراجه مش اللي عم بيهيجك معاني إيمانية حقيقية موجودة في قلبك وفي وجدانك، وهذا خطير حقيقة على مستقبلك الإيماني.
نعم، تلبيس إبليس مش قاعد يسمع أغاني ما هو مشكلة أنت مش قاعد تسمع أغاني أحيانا ممكن.
تكون في مرحلة معينة تلك المعصية أخف وطأة على قلبك مما ينتجه السماع البدعي، لأن البدعة أشد من المعصية في بعض آثارها. البدعة أشد من المعصية في بعض آثارها تماماً؛ وبالتالي أنت جعلت تدينك يقوم على بدع، السماع الصوفي هذا من حيث الآثار قد يكون أسوأ من أغنية فيها معصية سمعتها ومشت؛ إنه تلك معصية قد تتوب منها، مش معتقد فيها شيء، أما أنت هون عم تعتقد أن هذا السماع البدعي هو مسلك إيماني، فهنا هذا الأثر أسوأ فعلياً. جد الشيطان يقرآن أعظم من فيصد أنشودة أو كذا فيها معاني جميلة. أحسنت شيخنا، يعني السماع البدعي هو الذي يعتاد به حتى يعتاد به عن سماع القرآن والإقبال عليه. يعني أنا شيت في مدح النبي عليه الصلاة والسلام وما فيش فيها معاني خاطئة، ما فيش فيها مشكلة، وسمعت عرضاً وكلنا يحب ذلك النمط، ما فيش فيها مشكلة، لكن هو المراد أن يتوجه إلى هذا ويصبح نوعاً من التعبد كالحفلات الصوفية، يصبح نوعاً من التعبد والممارسة الدينية، فرق بين من سمعها ماشي في الطريق كذا؛ إيه والله يا فلان أنشد لنا أنشودة عرضاً وبين من تصبح ديناً وحالة عامة.
طيب، أكل، قال: وهؤلاء الذين يتبعون أهوائهم ومواجع تبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة؛ فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وطاعته وطاعة رسله لا يكون متبعا للدين الذي شرعه الله، كما قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18-19]، بل يكون متبعا لهواه بغير هدى من الله، قال تعالى: ﴿أَم لَهُم شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَم يَأذَن بِه اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على شريعة الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على شريعة الله كما أخبر به تعالى عن المشركين كما تقدم. ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم قدرا وهم مستمسكون بالدين في اداء الفرائض المشهورة، طبعا وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها الحقيقة ويقدمونها على شريعة الله أو يحتجون بالقدر الكوني على شريعة الله. ايش وين هنا يحتجون بقدرك على شريعة الله يا شيخ عبد الرحمن؟ أحسنت، يعني على ترك الالتزام بشرع الله وفعل المعاصي، لانه كما قلنا في باب المعاصي يشاهدون القدر، وفي باب الطاعات بدعة وهي البدعة بيعتبروها حقيقة كونية وبتصير أيضا بطريقه من الطرق وبترجع للقدر.
نعم، قال من هؤلاء طائفة قال الآن خلصنا الطائفة الثانية، الطائفة الثانية الذين فرقوا بين العامة والخاصة، نيجي على الطائفة الثالثة من الصوفية وهذا مهم اخواني، ترتيب كتب ابن تيمية إعادة ترتيبها، خلوا هذا أحد المشاريع التي نخوضها ونحن بنقرا استنباط الفوائد، هذا مهم دائما الفوائد أثناء القراءة في هذه الكتب، فوائد في العادة تعالج في الصفحة الأولى من الكتاب حتى يعني تدخرها لديك وتضع القواعد الأساسية التي خلصت منها على الصفحة الأولى. وأيضا إعادة ترتيب الكتاب له كذا رسائل مبعثرة شوي أنت ممكن تعيد ترتيبه، فالطائفة الثالثة وهم أعلاهم قدرا وهو أن يعني أحسنهم حالا، أعلاهم قدرا يعني أحسنهم حالا وهم قال وهم مستمسكون بالدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يغلطون في ترك ما أمروا به من الاسباب التي هي عبادة ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم بأن من علم بأن ما قدر سيكون فلا حاجة إلى ذلك، وهذا غلط عظيم.
نعم هؤلاء هم لماذا هم احسن حالا عموما؟ هؤلاء لا هم يعني متمسكون على القيام بالواجبات المشهورة لاحظ قيدها الواجبات المشهورة وترك المحرمات المشهورة، ويقول هذا على الجميع فيش شي اسمه عامة وخاصة، الكل عليه أن يقوم بالواجبات المشهورة ويترك المحرمات المشهورة، لكن وين غلطهم؟ أنه في بعض المناطق المحدودة يتركون الاسباب مع أنك مطلوب منك انك تفعلها، ويكون فعل الاسباب من المستحبات أو المطلوبات المعلومة من باب ايش الاحتجاج بالقضاء والقدر، مثلا كان شخص منهم مثلا يبتلى بمرض: يا فلان ادعو الله عز وجل يشفيك، بقول لك لا ليه الشهود يا اخي الدعاء؟ بقول لك لا الدعاء لا ينفع هنا، فهذا خلص مقام ابتلاء بمرض لا أدافع بأقدار الله مع أن الله سبحانه أمرك بماذا؟ بالدعاء وطلب الشفاء وأن يدفع عنك هذا والسوء، فخطابه يكون أقل مقارنة بمن قبلهم، لانهم عموما هو بيصلي الصلوات الخمس وبصوم رمضان وبيؤدي الزكاة والحج، يعني قام بالفروض المشهورة، لكنه يخطئ في ماذا؟ في الأخذ بالاسباب التي اصلا الأخذ بها عبادة، الأخذ بها العبادة ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، فإذا حل به بلاء يمكن أن يدفعه بقدر الله بقول لك أنا لن أدفعه ولن أخذ بالاسباب، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو يقول لك من مقامات العامة دون الخاصة.
طبعا لماذا يعني الدعاء فهمت؟ لكن من يجعل منهم التوكل يعني أنا استغربت من إدخال التوكل هنا، المعروف أن جعل الدعاء سبب اه بعضهم يترك الدعاء بحجه أنني سأستسلم للقدر، لكن من يجعل منهم التوكل أيضاً؟ يعني ليترك التوكل على الله يعني إذا واحد فيهم بلغ لهي الدرجة ممكن يعني بس أنه مش هي الحالة الطبيعية فيهم في ما أعلم أنه يترك حتى التوكل على الله من باب الاستسلام للقدر المطلق أنه يا رب يعني لا أتوكل عليك في دفع هذا القدر بل أنا مستسلم اعمل ما تريد أن تعمله ممكن، لكن يعني المشهور أنهم يتركون الدعاء لدفع البلاء بحجه الاستسلام للبلاء، أما أن يترك التوكل من جهه الاستسلام للبلاء إذا واحد فيهم وصل لهي المرحلة والله مشكلة عويصة يعني الله أعلم، يتوكلون على الله سبحانه وتعالى كون الأخذ بالأسباب هس هو هذا الذي أنا أريد أن أفهمه، لكن هي كلمة أو هنا عملت مشكلة، في حد عنده نسخة أخرى؟ يعني نقول مثل من يجعل التوكل منهم أو والدعاء من المقامات العامة، يعني هذه مشكلة يعني من مقامات العامة دون الخاصة بناء على أن من شهد القدر علم بأن ما قدر سيكون.
هسة هو ممكن أنا أفهم كلامه أنه هو بيقول لك خلص القدر حتى أتوكل على الله في دفعه ما بدي إياها، وهذا يعني في النهاية واصل لمرحلة يعني حتى التوكل على الله ما بدك إياها معناه نوع من الاستسلام التام الغير مقبول بشكل من الأشكال بهذه الصورة. وهذا غلط عظيم، قال: فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق للجَنَّةِ أهلها، خلقهم لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلاً، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون».
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير، فقالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: «لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيسر لعمل أهل الشقاوة». فما أمر الله به عباده من الأسباب هو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وفي قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30]، وقول شعيب عليه السلام: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
يعني هو إذا لا إذا هو قصد التوكل فيما يظهر ابن تيمية باعتبار أن التوكل سبب قلبي والدعاء سبب لساني، لذلك واضح أنه يقصد ذلك وانه وجد جماعة من الصوفية حتى التوكل لا يريدونه، أنه التوكل هو سبب بس سبب من أعمال القلوب والدعاء سبب بس سبب من أعمال خلينا نقول اللسان ابتداء، فهم يتركون كل هذا الجانب فيقول الأخذ بالأسباب هو عبادة، قال والتوكل أصلاً جاء مقرون بالعبادة، قال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، قول: ﴿رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
ممكن شيخ تكون قصده في التوكل هنا أن الأخذ بالأسباب هذا أصلاً من لوازم التوكل، الأخذ بالأسباب من لوازم يعني التوكل حتى يتم التوكل على الله أن الإنسان يكون ماخذ بالأسباب، تمام بس أنا أنا الشاعر لما قال التوكل أو الدعاء هي هي المقارنة، فما أمر الله به عباده من الأسباب هو عبادة عبادة، بعدين والتوكل مقرون بالعبادة، فبتشعر ما بعرف أن كانه فالله عباده من الأسباب هو عبادة، مشكلة في السياق الأول شو قال؟ في ترك ما أمر به من الأسباب التي هي عبادة ظانين أن العارف إذا شهد قدر أعرض عن الأخذ بالأسباب، مثل من يجعل التوكل أو الدعاء فبتشعر في السياق السابق أن جعل التوكل أو الدعاء من أنواع الأسباب، في الفقرة فوق تحسب قال فما أمر الله بعدب هو عبادة والتوكل مقرون بالعباده، يعني مقرون به هو من باب عطف الخاص على العام وشيء من ذلك.
نعم شيخنا، يعني ممكن قضية التوكل هي نوعا ما هي أخص من قضية اليقين بالله، فهو يقين وزيادة، فمجرد اليقين هذا شيء، وأن يكون هناك توكل على الله بأن يكون هناك يقين وميل قلبي بالرجاء إلى أن يدفع نعم، فكون هناك ميل قلبي بالرجاء من الله عز وجل أن يدفع عنه هذا البلاء، فهذا لا يدخل في موضوع القدر وموضوع اليقين، خلص أنا استسلم للقدر ولا حتى ولا عندي ميل إلا أن يدفع الله عز وجل هذا القدر أو أن أرجو منه شيء، والتوكل هو يشمل الميل القلبي، لذلك أنا قلنا يعني هي ليست يعني لا نقول إنها خطأ، نحن نحاول نفهم هل بلغ الصوفية منهم هذا المبلغ أنه حتى التوكل بمعنى أن أتوكل على الله في دفع الشيء ما بدك إياها، وتبقى مستسلم أنه خلص اعمل ما تريد ترى بعضهم كان يقول هذا، بالعكس بعضهم كان يتمنى البلاء، بعض الصوفية ورد أنه كان يتمنى البلاء مش أنه يعني ما عنده توكل في دفع حتى البلاء، هو يطلبه ويعتبر أن هذه من مقامات الخاصة.
ومنهم طائفة لهذه الطائفة الرابعة الآن قال منهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات فتنقص بقدر ذلك، نعم أو بقدر ذلك، منهم طائفة يغترون هذه خامسة نعم قال ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة لمكاشفة أو استجابة دعوة مخالفة للعادة العامة ونحو ذلك، فيشتغل أحدهم عما أمر به من العبادات والشكر ونحو ذلك، يعني بعضهم أصبح شغله الشغل انتظار الكرامات، ما بذكر مش عارف أي درس كنا نتكلم عن شخص اقتضاء الصراط المستقيم شو كانت المساله ذكرني فيها؟ اه يخرج الحوت من البحر الذي ذهب لتلميذ الجنيد الذي وقف عند دجله وقال: لا أغادر نهر دجله حتى يخرج حوت ينتظر تحصل له كرامة، فخرج له حوت خرج له الحوت وجلس بين يديه، فعاد إلى الجنيد وأخبره أن يا شيخي ذهبت إلى نهر دجله ورفضت أن أغادره حتى يخرج لي الحوت، فقال له الجنيد: ماذا؟ حتى تعرف أن الجنيد كان على طريقة السلف عموماً قال: تمنيت أن تخرج حية فتقتلك.
يعني أنت جالس لي على البحر تنتظر تخرج لك حوت، يعني هكذا طريق السلف، انتظار وقوع الكرامات الكرامات هذا شيء عرضي يحصل وليس شيء يقصد حصوله فهمتم؟ الكرامة الصحيحة هي التي تحصل عرضاً في أثناء قيامك بامر الله وانشغالك به، والله حصلت عرضاً هذه هي الكرامة الشرعية، أما أن يذهب الإنسان ينتظر وقوع الكرامة ويبحث عنها ويترقب حصولها، قال فهؤلاء انشغلوا بحصول الكرامات عن الانشغال بالتعبد المطلوب، هذا كلام ابن تيمية هنا نعم.
قال فهذه الأمور ونحوها كثيرا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، وإنما ينجو العبد منها بملازمه أمر الله الذي بعث به له في كل وقت، كما قال الزهري: كان من مضى من سلفنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة. الاعتصام بالسنة يعني بطريقة السلف نعم. قال وذلك أن السنة كما قال مالك رحمه الله: مثل سفينه نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. سبحان الله هذا الكلام ما أعظم، قال مالك: السنة هي سفينة نوح سفينة نوح اللي خرج مع نوح في السفينة نجا، واللي ما ركب في السفينة غرق، وهذا حال هذه الأمة إخواني إلى يوم القيامة، من تمسك بالسنة ركب السفينة ووصل إلى الله سبحانه وتعالى بأمان، وأما من كان حاله كحال ابن نوح يعني سآوي إلى جبل يعصمني من الماء سأذهب إلى طريقة أخرى غير طريقة السلف أتعبد بها فهؤلاء كلهم غرقا، أسال الله السلامة والعافية.
قال والعبادة والطاعة نعم قال والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد ولها أصلان: أحدهما أن لا يعبد إلا الله، والثاني أن نعبده نحو ذلك من الأسماء ماء، يعني أقول لك كلمة عبادة كلمة طاعة كلمة استقامة كلمة صراط مستقيم كلها تحوم حول معنى متقارب يقوم على أصلين، ما هما؟ قال: أحدهما أن لا يعبد إلا الله، والثاني أن نعبده بما أمر وشرع. نعم فهذه معنى هذه الأمور أن لا تعبد إلا الله اللي هو الإخلاص، ثانياً
الاتباع وهذا معروف، نعم قال لا بغير ذلك من الأهواء والبدع. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وقال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]. فإسلام الوجه لله هو الإخلص، وهو محسن هو الاتباع، نعم قال: وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].
قال: فالعمل الصالح هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب. فما كان من البدع في الدين التي ليست مشروعة فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن ما يعلم أنه فجور فلا يشرك بعباده ربه أحدا. وقوله: أسلم وجهه لله، فهو إخلاص الدين لله وحده.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وقال الفضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلا في اسم العباد، فلماذا عطف عليها غيرها؟ كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهَ﴾ [هود: 123]، وقول نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]. سيأتي له الفكرة التي ذكرناها؛ لماذا إذا كان جميع ما يحبه الله ويرضاه... مش قلنا العُبادة تعريفها في البداية ما هو؟ اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضى كُتب تعبد به. فلماذا يعطف: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] يعني؟ هل يُفهم من هذا أن الاستعانة غير العبادة؟ طب ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهَ﴾ [هود: 123] هل يُفهم من هذا العطف أن التوكل غير العبادة؟ بناءً على أن العطف يقتضي المغايرة، فقال: وكذلك قول غيره من الرسل.
قيل: هذا له نظائر، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر. وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب. وكذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90] ودعاؤهم رغبا ورهبا من الخيرات هو أصلا من جملة الخيرات، فلماذا عطف؟ هل هنا العطف يقتضي المغايرة؟
طيب قال: أمثال ذلك في القرآن كثير، وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر فيعطى عليه تخصيصا له بالذكر لكونه منوباً بالمعنى العام والمعنى الخاص. نعم في العادة هذا الأسلوب القراني -وهو أسلوب عربي أصلا- أن يذكر الشيء عاما ثم يذكر فردا منه على وجه الخصوص، ليكون هذا الفرد له مزيزة أكثر؛ أكرم الطلاب وزيدا، مع أنه زيد من الطلاب، لكن ذكرته مرة ضمن العموم ثم ذكرته مرة باسمه الخاص ليععرف أن له مزية. هذه هي الفكرة، ويسمى عطف الخاص على العام.
نعم قال: وتارة تكون دلالة الاسم تتنوع بحال الأفراد والاقتران، فإذا أفرد عم وإذا قرن بغيره خص. هذه الحالة الثانية من هذا النوع، أن يكون الشيء إذا اقترن بغيره أفاد معنى خاصا به يخالف المعطوف عليه، وإذا أفرد بالذكر كان له معنى عام يشمل المعطوف والمعطوف عليه. يعني مثل أسهل مثال؛ دائمًا الإسلام والإيمان، أن الإسلام والإيمان إذا عطف على بعضهما في سياق واحد فالإسلام هو الأعمال الظاهرة، ويكون الإيمان له معنى آخر الأعمال الباطنة، وإذا ذكر كل واحد على حدة فالإسلام بمعنى الإيمان يشمل الظاهر والباطن، وإذا ذكر الإيمان وحده فهو أيضا يشمل الظاهر والباطن.
فيقول: إذا ذكر أمران مع بعضهما البعض، فأحيانا يكون من باب عطف الخاص على العام هذا احتمال، أو يكون من النوع الثاني، وهو النوع الذي إذا ذكر فيه هذا الشيء مع المعطوف عليه يكون كل واحد له معنى مستقل، وإذا ذكر كل واحد مفردا فيكون كل واحد منهما شاملا لآخر، اللي هي فكرة الإسلام والإيمان واضحة ولا لسة ضيعت معنا؟
طيب قال: وتارة تكون دلالة الاسم تتنوع بحالة الإفراد وحالة الاقتران، فإذا أفرد عن المعطوف عليه عم كل شيء، وإذا قرن بغيره خص، كاسم الفقير والمسكين؛ لما أفرد أحدهما في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] فهنا الفقير يشمل حتى المسكين، وفي قوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] المسكين هنا يشمل حتى الفقير، لكن إذا ذكر الفقير والمسكين معا في سياق واحد وعطف أحدهما على الآخر فيكون الفقير له معنى، والمسكين له معنى؛ فعند الحنابله مثلا ايش قلنا؟ عندنا الفقير من يجد أقل من نصف كفايته، والمسكين من يجد نصف الكفاية فأكثر ولم يصل إلى الكفاية التامة.
وهكذا قال: ولما قرن بينهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] صار نوعين، آه صار نوعين، فيكون عطف المساكين على الفقراء هل هو عطف خاص على العام؟ لا، فهمت الفكرة؟ فعطف المساكين على الفقراء مش عطف خاص على العام، لا؛ الفقراء لهم مفهوم، والمساكين لهم مفهوم. فبقول لك هذه هي الاحتمالات الواردة، نعم، إما عطف خاص على العام، أو أنه في حال الاقتران يكون هذا له معنى وذاك له معنى مختلف.
وإن قيل: قال وقد قيل إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب، والتحقيق أن هذا ليس بلازم. نعم، فقولك البعض يقول أي خاص عطف على العام يكون دائما من الثاني ولا يمكن أن يكون من حالة عطف الخاص على العام، لكن يقول ابن تيمية: والتحقيق أن هذا ليس بلازم.
نعم قال: قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]. وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة؛ أراد أن يبين لا أنه الخاص إذا ذكر بعد العام فهذا له أسباب متنوعة؛ منها الاهتمام الذي ذكرناه قبل قليل، ومنها مقاصد أخرى.
يقول تارة قال: تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإراهيم وموسى وعيسى، وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا﴾ [البقرة: 2-4] طب هو يقول كما في نوح وإراهيم وموسى وعيسى هو مثال على ماذا؟ على أي إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل، طب النبيين من بعده مش بتشمل مثلا إبراهيم وإسماعيل؟ ما تشملهم، بس ذكرهم على وجه الخصوص من باب ماذا؟ الآية السابقة أو الآية السابقة ذكر: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الأحزاب: 7] فهم داخلين تحت عموم النبيين في الآية السابقة، لكن ذكرهم لما لهم من الخصيصة.
طيب وتارة قال: وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 2-4]. فقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
نعم، لما الله وصف المتقين ماذا قال؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]. هسا كلمة الغيب هي عامة بالتأكيد هي عامة، لكن عمومها وإطلاقها قد يرد على بعض الأفهام أنه هل يشمل هذا العموم أن أومن بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل على من قبله أيضا من الأنبياء؟ فيقول: فقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الغيب يتناول أي شيء يجب الإيمان به، لكن العبارة فيها ايش؟ إجمال، لم يأتِ فيها تفصيل؛ ما المراد بالغيب الذي يجب الإيمان به؟ قال: فليس فيه دلالة على أن من الغيب الذي يجب الإيمان به أن نؤمن بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل على موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، فبالتالي جاءت الآية التي تليها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]، مع أن هذا وما أنزل من قبلك نوع من أنواع الغيب خلينا نقول، ذكره من باب عطف الخاص على العام لأنه يدخل تحت عموم الإيمان بالغيب. لماذا احتيج إلى ذكره؟ حتى يتفطن، حتى يتفطن أن هذا من جملة الغيب الذي يجب أن تؤمن به ولا تنكره.
طيب قال: وقد يكون من المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالآخر بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. وقد يكون المقصود -يعني لماذا جمع الله بين ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ و﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 3-4]- أنه ليس من باب عطف الخاص على العام، وإنما من باب أن الذين يؤمنون بالغيب يعني يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب الأخبار عن الدار الآخرة، ويؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك الإيمان بالمخبر؛ فكأنه يقول: الذين يؤمنون بالغيب الخبر، ويؤمنون بما أنزل إليك وانزل من قبلك إيمان بايش؟ بالمخبر، فالقرآن مخبر، أخبر عن ماذا؟ عن أشياء غيبية، فأنت عليك تؤمن بايش؟ بالمخبر وهو القرآن، والمخبر به وهو الأمور الغيبية التي أخبر عنها القرآن من الدار الآخرة وما يكون فيها ومن أسماء الله وصفاته وقضائه وقدره.
فيقول هذا احتمال آخر، أن يكون ليس قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 4] من باب عطف الخاص على العام، بل يكون المراد أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، ويؤمنون بالأخبار بالغيب وهو نفس نص القرآن ونص التوراة والإنجيل التي أخبرت عن ذلك الغيب، فيكون الثانية إيمان بالمخبر -اللي هو القرآن والتوراة والإنجيل- والأولى الذين هنا بالغيب المخبر به ما يوجد داخل هذه النصوص من قضايا غيبية، فيكون بالتالي في تباين ولا يوجد عطف خاص على عام على هذا الاحتمال الثاني.
آه شيخنا التفسير الثاني بالمصدر، فقد يكون تفسيرا للاية أن ما أنزل إليك هنا مصدر مصدر مسبوك وبإنزال إليك وبإنزال إلى الذين من قبلك، نفسر ما قبله بالمصدر، قال: بالأخبار بالغيب. نعم بس أنت حتى هنا المصدر قد يكون المراد الإخبار يعني المخبر، يعني هذا الذي أفهمه لأنه قال وهو ما أنزل إليك ما أنزل اللي هو القرآن قد يكون مصدر مؤول شوف هو القرآن أخبار هسا في احتمال أنا مش عم بقول لك ما في احتمال، لكن خلينا نقول ايش الذي تشعر به في السياق وفي النهاية يعني هو بده نفس المؤدى يعني قلت الإخبار أو المخبر يعني رح يصف بنفس الاتجاه.
نعم قال: ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: 45] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، فتلاوة الكتاب هي اتباعه، كما قال ابن مسعود في قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121] قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصصها بالذكر لمزية. نعم، فلما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: 170] طب كيف يعني يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ؟ يعني يفعلون ما فيه، طب إقامة الصلاة أليس من التمسك بالكتاب؟ فلماذا عطفها مادامت داخلة في عموم؟ هذا للمزية والخصيصة.
طب قال: وكذلك قوله لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وإقام الصلاة لذكره من أجل عباداته. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، فإن هذه الأمور هي أيضا من تمام تقوى الله. وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، فإن التوكل والاستعانة هي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصد المتعبد بخصوصيتها؛ فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة، إذ هو سبحانه لا يُعبد إلا بمعونته.
إذا تبين هذا، فكمال المخلوق في تحقيق عبودية الله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته. ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق وأضلهم. فكمالُك في عبودية الألوهية، وكلما كنت أشد تعبدا لله كلما كنت أشد كمالا.
نعم قال: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الأنبياء: 26-28]. هو الآن بدأ يستقر نفس الآيات السابقة التي ذكرها في البداية؛ مثلا في آية مريم: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93] وقال في المسيح: ﴿لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]، وقال في الآية التي تليها في الملائكة: ﴿وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: 19] -الآيات التي في أول الرسالة أتى بها ليستنكف المسيح أن يكون عبدا، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60]، كذلك فإن فإن استكبروا في: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: 206] وقال: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: 205] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]- وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج عن العبادة، هذا متعدد في القرآن؛ أخبر الله أنه أرسل جميع الرسل بذلك، فقال: أرسل الرسل يدعون إلى تحقيق هذه العبادة عبادة الألوهية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] ولقد
﴿وَجَعَلْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، واقْرَأْ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وأيضاً الآيات الأخرى: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى العبادة: اعبدوا الله؛ هذا على لسان الأنبياء والرسل.
وقال صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ بالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ حتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وحدَهُ». وقد بيّن أن العباد هم الذين ينجون من الشيطان؛ قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]. فمن عبد الله عبادة الألوهية؛ وهذا -طبعاً- مستلزم أن يكون حصل أصلاً عبادة الربوبية سابقة؛ فهذا هو الذي ينجو: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]. وقال في حق يوسف: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. دائماً وصف العبودية هو المتكرر في القرآن؛ لان هو الوصف الملازم للإنسان. وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99].
وبه نعت كل من اصطفاه الله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: 45]، و﴿اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِي إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]، نعم العبد. وعن أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. وعن نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]. وقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]، و﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: 19]، و﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]. فأوحى إلى عبده، عيناً يشرب بها عباد الله، وعباد الرحمن. فهذا يدل على أن العبودية هي الوصف الملازم للإنسان.
قال فصل: إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس في هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلاً عظيماً، وهو تفاضل في حقيقة الإيمان؛ هم ينقسمون فيه إلى عام وخاص. ولهذا كانت ربوبية الرب سبحانه لهم فيها عموماً وخصوصاً وضروب. ولهذا كان الشرك في هذه الأامة أخفى من دبيب النمل. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».
الآن يريد أن يبين أن الناس في مقام العبودية -ما بين كمقام الإيمان يزيد وينقص- أن الناس في مقام عبوديتهم لله -يعني التزامهم بمقتضياتها في مقام الإيمان- يزيد وينقص؛ فهناك عبد للدرهم، هناك عبد للدينار؛ فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفَة والخَميصة، وهذه أنواع من الثياب. وذكر ما فيه دعاء وخبر، وهو قوله: «تعس وانتكس» هذا خبر، «وإذا شيك فلا انتقش» دعاء؛ هذا دعاء قول أخبر ودعا.
قال: هذا الذي يعبد الدينار والدرهم هذا تعس وانتكس على عقبيه وترك العبادة التي ينبغي أن ينشغل بها. «وإذا شيك» ما معنى إذا شيك؟ دخلته الشوكة. «فلا انتقش» النقش ماذا هو؟ إخراج الشوكه من الرجل، والمِنقاش ما يخرج به الشوكة. قال: وهذه حال من إذا اصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه؛ وهذه حالة من عبد المال.
شوف سبحان الله! إيش يقول؟ وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه؛ يعني «وإذا شيك فلا انتقش» يعني كأنه إذا دخل فيه الشر لم يخرج منه ولم يفلح، لماذا؟ قال: لكونه تعس وانتكس، فلما انتكس لم يستطع أن يخلص من هذه الانتكاسة وأن يخلص من هذا الشر؛ فلا هو نال المطلوب -يعني أنت ما الذي يجعلك تدخل في الشهوات لتنال شهواتك فلم تنل المطلوب- ولا خلص من المكروه. وهذا حال من عبد المال، لم ينل به شيئاً كبيراً يريده وسعاده الدنيا والآخرة، وإنما شهوات عابرة، ولا خلص من ماذا من المكروه الذي فيه.
وقد وصف قال: وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإذا منع سخط؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58]. فرضا لغير الله وسخطهم لغير الله. هكذا حال من كان متعلقاً برئاسة، أو بصورة، ونحو ذلك من نفسه؛ بصورة -يعني- بصورة معشوق؛ من عشق امرأة أو عشق شيئاً حراماً. قال: كل من تعلق برئاسة يريد جاه سلطان، أو تعلق بصورة امرأة يتعشق، أو شيء ونحو ذلك من هوى نفسه، نعم. إن حصل له، قال: إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط؛ فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له.
إذا الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته؛ فمن استرق القلب واستعبده فهو عبده. ولهذا يقال: العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع. وقال الشاعر: أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا. ويقال: الطمع غل في العنق وقيد في الرجل، فاذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر، واليأس غنى؛ وأن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الانسان من نفسه، فإن الأمر الذي يياس منه لا يطلبه ولا يطمع فيه، فلا يبقى قلبه فقيراً إليه ولا إلى من يفعله. وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه وتعلق قلبه به، فصار فقيراً إلى حصوله وإلى من يظن أنه سبب في حصوله؛ وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك.
سبحان الله! قال الخليل صلى الله عليه وسلم: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: 17]. فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيراً إليه، وإذا طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيراً إليه. ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحيح.
مسألة المخلوق -يعني- أن تسأل من المخلوق أن يقضي حاجة لك؛ المخلوق الحي تساله أن يقضي حاجتك أو أن يعطيك. الأصل في المسألة ومد اليد إلى الناس حرام، قال: وإنما أبيحت للضرورة، وإن كان الحنابله يقولون: كل مش -قلنا في بداية العابد- كل من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله؛ هذا في المذهب عندنا.
قال: وفي النهي عنها أحاديث كثيرة: «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ...» -يعني- لا يزال الرجل يمد يده إلى الناس وليس في حتى ياتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. و: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ» -أي طلب أموالهم- «وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ خُدُوشاً»؛ وقال: «لا تحل المسألة إلا لذي غُرْمٍ مفزع، أو دَمٍ مفجع، أو فقر مدقع». وهذا المعنى في الصحيح. وقوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس» ونحو ذلك من الأحاديث؛ فكره أخذه مع سؤال اللسان واستشراف القلب. وما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك.
النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ورد في عمر؛ النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يعطي عمر مالاً، عمر قال: يا رسول الله، أعطِهِ أفقر مني. قال: «خُذْهُ يَا عُمَرَ». ولهذا في باب الزكاة الحنابلة يقولون: من أعطي مالاً -شقل، من أعطي مالاً بدون أن يستشرف بالنفس إليه- يجب عليه أن يقبله؛ يجب، إذا لم تستشرف نفسه إليه. وإن كانوا في باب الهبة يذكرون قولا آخر. فالمهم أن سؤال الناس والاستشراف لما عندهم هذا خلاف مقام التعبد. لماذا الإسلام يحرم مسألة المخلوق واستشراف النفس إلى ما عنده؟ لأن هذا نوع من التعبد لغير الله، فالاصل لا يكون هذا إلا في حالة الضرورة.
وقال في الحديث الصحيح: «وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً أصلاً. وفي المسند أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يسقط من يده شيء فلا يقول لأحد: نولني إياه. ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً. في صحيح مل -حتى- آفة الأشياء، حتى إنك تطلب حديث سعدك تحمل شنه.
قال في صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه في طائفة، وأسَر إليهم كلمة خفية: أن لا يسألوا الناس شيئاً. فكان بعض أولئك النفر ليسقط الصوت من يده فلا يقول لأحد: نولني إياه. عوف بن مالك أتى مع قومه، فالنبي صلى الله عليه وسلم بايعهم، بعدين أعطاهم نصيحة كأنها وصية قال لهم: لا تسألوا الناس شيئاً. فهؤلاء النفر -قوم عوف بن مالك- كان هذه صفة فيهم: إذا وقع صوت أحدهم بالخطأ لا يطلب من أحد أن يساعده في مناولتها، تمسكاً بوصيّة النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع؛ كقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]. وإلى ربك فارغب وليس إلى غيره، حصر تقديم المجرور يفيد الاختصاص. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ». ومنه قول الخليل صلى الله عليه وسلم: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر؛ ابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ، قدم الظرف على الرزق ليدل على الحصر هنا. كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله.
وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]. والانسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ومن دفع ما يضره؛ وكلا الامرين شرع له أن يكون دعاؤه لله، فاليه يسأل وإليه يشتكي؛ كما قال يعقوب عليه السلام؛ فاليه يسأل ما يحتاج، واليه يشتكي في دفع ما يضر؛ كما قال يعقوب.
قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوَ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل. وقد قيل: إن الهجر الجميل هو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بلا شكوى إلى مخلوق. ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاووساً كان يكره أنين المريض ويقول: إنه شكوى. فما أنين أحمد بن حنبل حتى مات؛ بان أحمد أن يتمسك بطريقة طاووس لا يشتكي إلا إلى الله.
أما الشكوى إلى الخالق سبحانه فلا تنافي صبراً جميلاً، فإن يعقوب عليه السلام قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18] وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوَ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. قوله صبر جميل لا ينافي أنه قال بعد ذلك: أشكو بثي وحزني إلى الله، ما في تعارض.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل، فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. ومن دعاء موسى عليه السلام: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك. وفي الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ». وفي بعض الروايات: ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي بعض الروايات: ولا حول ولا قوة إلا بك.
وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه. فكلما قوي الطمع العبدي في فضل الله ازدادت العبادة. متى يكون الإنسان في أقوى درجات العبودية؟ كلما كان طمعه بالله أكثر من طمعه بالمخلوقين؛ هذا مقام قلبي وتحرر مما سواه.
فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه؛ كما قيل: استغنِ عمن شئت تكن نظيره، افضل على من ش -استغنِ عمن شئت تكن نظيراً- يعني تكن أنت وإياه في نفس المقام؛ إذا استغنيت عن المخلوق -حتى شو ما كان منصبه الوزاري والدولي- إذا استغنيت عنهم تكون نظيره؛ يعني في نفس المقام. لكن إذا شعرت بالطمع لما عند المخلوق كنت أسيره.
قال: أفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. أحسن إلى أي إنسان تكن أميره أعلى منه، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. فكذلك طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق، بحيث يكون قلبه معتمداً إما على رئاسته وجنوده واتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه -كمَلكه وملكه وشيخه وخدومه وغيرهم- ممن هو قد مات أو يموت. قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58]. لأن كل من يموت لا يستحق أن تعطيه الاستعانة والتوكل؛ يموت يزول. إنما التتوكل يكون على الحي القيوم.
من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو يهدوه، خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم. يعني حتى لو كنت ملكاً ولكن قلبك مرتبط بجنودك، أنت عبد لجنودك يقال. وإن كان في الظاهر هو الملك، لكنه في الباطن هو لا يستقر قلبه إلا إذا وجد حاشيته بجانبه ووجد اتباعه، أليس كذلك؟ فقال هو في النهاية صح ملك في الظاهر، لكنه عبد أسير لأتباعه في الباطن بمجرد أن ينفض عنه يسقط.
نعم قال، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر. فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له، يبقى قلبه أسيراً لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد. نعم، كم من شخص في الظاهر هو زعيم الأسرة، لكن في الباطن هو عبد لزوجته في الباطن؛ ليه؟ لأنه هو متعشق لها، فهي التي تأمره وتنهى اشتري لي حط لي وهو مش قادر يخالفها لأنه عشق لها. فيقول لك العبرة بالحقائق وليس بالظواهر، في الظاهر أنت رجل البيت وكذا، لكن في الباطن أنت يعني أمرك مختلف.
نعم قال، هو في الظاهر سيدها لأنه زوجها، وفي الحقيقه هو أسيرها ومملوكها، لا سيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها. لا سيما إذا هي عرفت بفقره إليها وعشقه لها، المرأة إذا عرفت أنك تعشقها عشقاً مرضياً أسرتك مسكتك. نعم قال، وانه لا يعتاد عنها بغيرها فإنها تحكم فيه حينئذ حكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن.
يعني الإنسان قد يكون مأسور البدن لكن قلبه ليس مأسوراً، صحيح؟ مش كان يقول ابن تيمية نفسه: ما يصنع أعدائي بي؟ سجني خلوة، لو سجنتني أنا قلبي مع الله أنا حر القلب. فأعظم الأسر هو أسر القلب وليس أسر البدن، وأعظم الاستعباد هو أن يستعبد قلبك في الباطن لصورة أو مال أو جاه، أما استعباد البدن هذا ينحل. فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص من استعباد البدن. أما استعباد القلب هذا مصيبة المصائب.
وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية. لما استعبد القلب، وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب. فإن المسلم لو أسره الكافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق موليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك.
هذا كله دلالة على أن عبودية البدن لا تضر المؤمن، لو أن إنسان استعبد على وجه الظلم أو استعبد بوجه حق -وهذا قديماً كان ممكن- فانت في النهاية أنت لست آثماً ما في عليك مشكلة إذا استعبدت بدناً، بل حتى لو أن إنساناً تسلط عليك وجعلك تقول كفراَ وأنت قلبك مطمئن بالإيمان، كل هذا ما في مشكلة. المشكلة عند الله سبحانه وتعالى أو الإشكالية التي تأثم عليها عند الله إذا استعبد قلبك لغيره، هنا تأتي المشكلة.
نعم قال، واما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس. فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى القلب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض». الغنى ليس عن كثرة الأموال والتجارات، وإنما الغنى غنى النفس.
نعم قال، وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فاما هذا كله إذا كانت اللي استعبدت زوجتك. قال، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة والعياذ بالله، اصبح يتعشق النساء الأجنبيات وخواطره دائماً في النساء الأجنبيات، قال: فهذا يقوي العذاب الذي لا ثواب فيه. يعني فهذا العذاب فيه أشد. نعم قال، وهؤلاء من أقل الناس ثواباً وأعظمهم عذابا، فإن العاشق لصورة إذا كان قلبه متعلقاً بها متعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد سبحان الله، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه.
شوف هذه النقطه مهمة جداً ممكن تضع تحتها خط حتى تسجلها فائده في مطلع الكتاب، ماذا يقول هنا هذه القاعدة؟ يقول شيخ الاسلام: ولو سلم من الذي يتعلق بصورة النساء الأجنبيات ودائماً يفكر فيهن وعقله سارح بجمالهن فإذا استيقظ ونام فقط هو، قال: ولو لم يفعل الزنا، لو لم يفعل الفاحشة الكبرى، لو لم يزن بها، فدوام تعلق القلب بهذه المرأة الأجنبية عنك بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً على قلبك ممن يفعل ذنباً ويتوب.
إيش يريد أن يقول؟ يعني لو أن إنسان -طبعا هو كله معصية وذنوب بس هو الكلام في تفاوت المراتب- أيهما أشد ضرراً على الإنسان؟ لماذا أقول هذا؟ بعض الناس يظن أنه إذا ما فعل فاحشة حتى لو ضليتني أفكّر في النساء الأجنبيات لساتني في الوضع السليم، لا. ابن تيمية يقول: من يفكر دوماً في النساء الأجنبيات فيصرح في خاطره بهن، أشد ضرراً ذلك على قلبه وإيمانه من شخص ممكن تعرف على فتاة في الجامعة قبلها لمسها ثم نسيها. طبعاً هذه معصية وهذه معصية انتبهوا، لكن هو الكلام أيهما أشد ضرراً على قلب الإنسان؟ واحد تعرف علاقة عابرة لم تأسره هي بتعرفوا الشهوة الدقائق، يعني قال فوقع في ذنب كتقبيل أو لمس أو مباشرة، ولكن هذه الحالة تاب منها وعاد إلى الله ونسي الموضوع وما عادت تستعبد مخيلته، قال: هذا ذنب وأمره سهل أن ينساه ويشتغل بشيء ينفعه، لكن الذي لم يقع في التقبيل أو اللمس والمباشرة اليدوية خلينا نقول لكن أربعة وعشرين ساعة ذهنه في النساء، قال: هذا أمره أشد وأمرك أصعب.
تخيلوا، حتى لا يظن الإنسان المبتلى بقضية الخواطر أنه أمره أسهل ما دام يقول لك أنا ما عملتش فواحش معناه أنا لساتني في الزاوية السليمة، هذا مش صحيح. يقول شيخ الإسلام: ولو سلم هذا المستعبد للصور من فعل الفاحشة الكبرى التي هي الزنا مثلاً، فدوام تعلق القلب بها بهذه الصورة بلا فعل الفاحشة -مع أنك ما عملت فواحش- أشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنباً كلمس أو تقبيل ثم يتوب منه ولا تبقى الخواطر تعشعش فيه، هذاك تنحل أموره، لكن أنت مستعبد للصور ويزول أثره من قلبه. هذه قاعدة مهمة أن يتعلمها الإنسان لنفسه ويعلمها للناس.
نعم قال، وهؤلاء يشبهون بالسكارى، كما قيل: سكران سكر هوا وسكر مدام. المدامة هي الخمر. نعم قال، ومتى أفاق من به سكران؟ وقيل في آخر قالوا: جننت بمن تهوى، فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين، العشق لا يستفيق الدهر صاحبه، وإنما يصرع المجنون في الحين. أنا أقول لك المجنون ممكن يصحى، لكن العشق أعلى من الجنون، العشق لا يستيقظ صاحبه حتى يلقى الله. طيب قال، كلام مبالغة ممكن يصحى العاشق يعني.
طيب قال، ومن أعظم اسباب هذا البلاء أعراض القلب عن الله، فإن القلب... أحسنت. طب ما سبب ابتلاء الإنسان بداء العشق عشق الصور المحرمة والتخيل المستمر لها؟ قال: ومن أعظم أسباب هذا البلاء -اللي هو التعبد للصور- أعراض القلب عن الله، عدم انشغالك بذكر الله، عدم انشغالك بالأعمال الصالحة، عدم انشغالك بقيام الليل والقرآن. أعراض القلب عن الله، فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن شيء قط عنده أحلى من ذلك ولا أطيب ولا ألتذ. الذي يبتلى بداء العشق الصور نقول هذه مشكلة أنت عندك غفلة عن الله، ولو أنك أقبلت على الله والعلم النافع والعمل الصالح لحلت هذه محل ذاك العشق.
والإنسان قال، والانسان لا يترك محبوباً إلا لمحبوب آخر يكون أحب إليه جميل، أو خوفاً من مكروه. يعطيك فلسفة في الإنسان، الإنسان لا يترك محبوباً، بدك تفهم أنت أيها الإنسان طبيعتك أنت لا تترك محبوباً معيناً إلا إذا وجدت محبوباً أكثر تلذذاً به. يعني إيش بخليك تترك صاحب تحبه وتذهب إلى صاحب آخر؟ أما إنه هذاك الصاحب أحببته أكثر من صاحبك، أو إيش؟ أو خوفك من صاحبك، أحد أمرين. إذا كنت تحب شخص يا شيخ محمد وتركته إلى آخر، قل لماذا يفعل الإنسان ذلك؟ لأحد أمرين، أما لأن الآخر أكثر حبا أصبح يحب أكثر، أو الجزء الثاني: أنا ما أحبه أكثر بس أنا خايف من الأول. يقول هكذا الإنسان.
فيقول هذه القاعدة: الإنسان لا يترك محبوباً إلا لمحبوب آخر يكون أحب إليه من الأول، أو يكون ماذا؟ بدأ يخاف من الأول، فذهب يبحث عن محبوب آخر. نعم قال رحمه الله: والانسان لا يترك محبوباً إلا لمحبوب آخر يكون أحب إليه منه أو خوف من مكروه، فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح أو بالخوف من الضرر.
جميل، قال تعالى في حق يوسف عليه... بالتالي إذا كان عندك تعلق بصورة محرمة وهذا ما يريد أن يقوله، كيف تعالج ذلك؟ بأحد أمرين، أن تعلق نفسك بمحبوب أعلى من الصورة المحرمة هو الله سبحانه وتعالى والسنة والنبي صلى الله عليه وسلم والأفعال، أو على الأقل على الأقل إذا لم تصل لهذه المرحلة أن تخاف من ضرر الصورة المحرمة على حياتك ومستقبلك وإنجازاتك، يعني على الأقل يعني هكذا يمكن أن تترك العشق أو الصور المحرمة.
قال تعالى في حق يوسف عليه السلام: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه قهر له هواه بلا علاج. هذا جيد أن يسمعه الشباب المسلم المبتلى بعشق الصور والابتلاءات هذه، إذا قويت معاني الإخلاص في قلبك ومعاني الإيمان ومحبة الله تقهر الصور المحرمة، أما إذا لم تقو هذه المعاني ما فيش علاج حقيقي، العلاج هو العلاج الرباني. العلاج الرباني هو تقويه معاني الإخلاص.
نعم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلِذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]. فإن في الصلاة دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، فأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التباع.
جميل، إذاً «ولذكر الله أكبر» كيف فسرها ابن تيمية هنا في هذا السياق؟ يعني «ولذكر الله أكبر» ما يحصل في الصلاة يقول لك الصلاة تعطيك النهي عن الفحشاء والمنكر وتعطيك ما هو أكبر من ذلك، ما هو؟ ذكر الله الذي هو تحصيل محبوب أعلى. قال: فإن في الصلاة دفعاً للمكروه وفيها تحصيل للمحبوب وهو ذكر الله، لذلك قال: «ولذكر الله أكبر» أي أكبر ما تجنيه من الصلاة، كما أنها تنهاك عن الفحشاء والمنكر لكنها تجني تعطيك شيئاً أعلى من ذلك.
نعم قال، والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل. ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفُظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: 21]. فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك.
وكذلك الطالب للرئاسة والعلو في الأرض قلب رقيق لمن يعينه عليها ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوه ويخافه فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عنهم ليطيعوه ويعينوه، فالخلفاء كانوا هم فعلاً عبيد لجنوده؛ لأنه هو بيستعمل هذا الجندي يثبت لي هذه المنطقة الفلانية، وبيستعمل واحد عنده يثبت لي هذيك المنطقة، ويخاف إنه جنوده ينقلبوا عليه. إذا بتذكر قصة أبو جعفر المنصور وغيرهم، هم الخلفاء كانوا يخافوا من أبو مسلم الخرساني، حتى ظل أبو جعفر يكيد له يكيد له حتى قتل أبا مسلم. أبو جعفر أنت الخليفة في زمنك خايف من مين؟ خايف من أحد ولاته إنه ينقلب عليه، فهو إن كان في الظاهر ملك الخلافة الإسلامية، لكنه في الباطن مستعبد يخشى من أحد ولاته.
نعم قال، تحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله. وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق، والتحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر، إيش يقصد كلاهما؟ صاحب الرئاسة والمعين، أحسنت. صاحب الرئاسة والجندي كل واحد فيهم عبد للثاني، صاحب الرئاسة عبد للجندي لأنه إذا راح الجندي قلبه يرجف خوفاً، والجندي عبد لصاحب الرئاسة لأنه مأسور له يريد أن يحصل منه المناصب والأماكن. قال فكلاهما الرئيس والمرؤوس كل واحد عبد لصاحبه، وكلاهما تارك لحقيقة
عبادة الله، وإن كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق، كان بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق. فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترق، يستعبده الآخر، كل واحد منتفع من الآخر، فقلبه مرتبط به، مستعبد له في زاوية ما.
قال: وهكذا أيضاً طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترق. وهذه الأمور نوعان، منها ما يحتاج إليه العبد، كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك. فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، الكنيف يعني دورة المياه.
قال: من غير أن يستعبده، فيكون هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً. والامور التي تستعبد الإنسان في الدنيا ما سوى الله، من المرأة والمال والطعام والشراب. الأمور التي تستعبد الناس على نوعين: أمور أصلاً يحتاجها الناس في الجملة، يحتاجونها كزواج من امرأة، كمال يستعين به، كطعام وشراب. فهذه الأمور التي تحتاجها الأصل أنك تطلبها من الله، وإذا حصلتها تبقى في يدك تستعين بها على قضاء حوائجك ولا تدخل إلى قلبك. القسم الثاني: أمور تستعبد الإنسان ولا يحتاجها، كعلاقات محرمة مع نساء، أو حتى من الأمور المباحات التي هي ثانويات الحياة الدنيا. فيقول: ومنها ما لا يحتاج إليه العبد، فهذا قال: فهذه لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها، فاذا تعلق قلبه بها صار مستعبداً لها، وربما صار معتمداً على غير الله فيها، فلا تبقى معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله. وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة». وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط. وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما حب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله.
يعني تخيل يقول بعض الناس: قد يطلب الشيء من الله وهو ليس عبداً لله حقيقة، ليه؟ لأن هو يطلب الشيء من الله، فإذا أعطاه ربه رضي، وإذا لم يعطه ربه سخط على ربه. فأنت حتى ولو كنت في الشكل طلبت من الله المال أو الرزق وفي القلب ساخط إذا تأخر، إذاً أنت لست عبداً لله؛ لأن العبد الحقيقي لله إذا أعطي رضي، وإذا لم يعط رضي.
قال: ويحب من أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله. وهذا الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». وقال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحب إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر. فكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة المحبوب من تمام محبة المحبوب. فإذا أحب أنبياء الله وأوليائه لأجل قيامه بم محبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره. وقد قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بما يحب الله وينهى عما يبغضه الله، ويفعل ما يحبه الله، ويخبر بما يحب الله التصديق به. فمن كان محباً لله لزم له أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل. ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله فيحبه الله تعالى. فجعل الله لأهله محبة، علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيله؛ وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول لما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسق والعصيان. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٍ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٍ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. فعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد. بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي. فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: «الآن يا عمر». فحقائق المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب وهو موافقته في حبه ما يحب وبغض ما يبغض. والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، وكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات. فاذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات، فإذا كان العبد قادراً عليها حصلها، وإن كان عاجزاً عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له كأجر الفاعل لها.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً». وقال: «إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم». بالتالي المحبة عندهم حاضرة تامة، لكن لماذا لم يحصل أثرها وهو العمل؟ ويقول لك: المحبة التامة تستلزم حصول العمل، فإذا كانت المحبة تامة وعجز الإنسان عن القيام بالعمل لعجز بدني فإنه يحصل أجر الفاعل الحقيقي. وهذا مثال الذين كانوا بالمدينة ولم يستطيعوا المشاركة في غزوة تبوك، فهم حبهم لله ورسوله تام، لكن لماذا لم يستطيعوا القيام بالعمل اللي هو استلزام المحبة؟ العجز، ما في معهم مال. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا في هذه الغزوة إلا كانوا معكم في الثواب عند الله سبحانه وتعالى»، لماذا؟ لأن المحبة تامة كمحبتكم، لكن العجز هو الذي حال بينه وبين الغزو.
قال وهم بالمدينة حبسهم العذر.
والجهاد هو بذل الوسع والقدرة في حصول محبوب الحق وما يكرهه الحق. فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه. ومعلوم أن الجهاد يحمل على المعنى العام والمعنى الخاص، يعني الجهاد حتى مجاهدة النفس على شهواتها. إذا كنت تجد نفسك قوية على مجاهدة نفسك على شهواتها فهذا دلالة المحبة التامة في قلبك لله، وإذا وجدت نفسك تستسلم للشهوات والمعاصي وما عندك رغبة في مدافعته فهذه علامة ضعف محبتك لله. هي هكذا، لذلك قال: فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، سواء جهاد النفس أو جهاد البدن، كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله بدون ما تخادع نفسك.
ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة. قال: فالمحبون للرئاسة والمال والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة. قد يتعرض للسجن مشان الوصول لرئاسة، قد يتعرض لفضيحة.
فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الراي من المحبين لغير الله في حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله. ايش يعني هذا الكلام؟ بس خلينا نحرر العبارة هي، فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل -يعني يتحمل- ما يرى ذو الراي من المحبين لغير الله في حصول محبوبهم، طبعا إذا شفتوا هنا نسخة ستة أو هامش ستة عفوآ، في طابع جوز عبارة أخرى: أي لغير الله مما يحتملون في سبيل حصول محبوب. فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الراي من المحبين لغير الله مما يحتملون في سبيل حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله. شو يريد يقول ابن تيمية؟ العاقل من المحبين، حتى الأمور ذو الراي يعني العاقل، العاقل من المحبين يبذل في سبيل محبوبه الغالي والنفيس، فإذا لم يبذل المحب لله عز وجل نفس هذا البدل فهذا دليل على ضعف حبه، أحسنت. بقولك عاقل من المحبين، من المحبين للرئاسة، من المحبين للنساء، العاقل اللي فاهم، يعني أنت فاهم وبتحب الرئاسة، يعرف أن محبته للرئاسة سيدفع من أجلها ثمناً، قد تكون أسرة، اعتقاله، نفيه. الذي يحب امرأة، إذا هو فاهم بيعرف أنه سيدفع ثمناً، ممكن مشاكل مع أهلها كذا كذا كذا. فأي محبة تريد الوصول إلى جناها في ثمن سيدفع. فأنت تحب الله ورسوله ما بدك تدفع ثمن؟ فان كل العقلاء يعرفون أن أي محبوب الوصول إليه له ثمن، فمن كان يحب الله ورسوله بده يفهم أنه بده يدفع الثمن مثلك مثل أي محبة في الدنيا، كل شيء له ثمن. فإذا لم ترغب بدفع هذا الثمن دل هذا على ضعف محبتك لله، أنك تخادع نفسك في هذا.
قال: إذا كان ما سلكه أولئك هو الطريق الذي يسير به العقل -ما سلكه أولئك يعني أصحاب الراي في تحصيل الرئاسة، في تحصيل الزواج، في تحصيل النساء، مش سلكوا المخاطر وارتكبوا الفيافي وركبوا الفيافي؟- بدك يسلك نفس الطريق لكنه يوصلك إلى الله وليس إلى حب دنيوي ساقط.
قال: ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. بل انت يقول بل أنت الأصل أنك تكون حبك مش كحب هؤلاء. هؤلاء ايش بحب رئاسة دنيا ومع ذلك ارتكب الأمور وسلك المخاطر، طب المؤمن يجب أن يكون حب لله أعلى من حب أصحاب الشهوات لشهواتهم، فركوب المؤمن للمخاطر تحقيقاً لهذه المحبة ومقتضياتها إذاً يجب أن يكون أعلى وأشد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165] من حب كل صاحب دنيا لدنياه.
قال: نعم قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقاً لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة، فكيف إذا كانت المحبة فازت والطريق غير مصلح؟ يقول لك نعم، أحياناً المحب الصادق قد يسلك طريقاً إلى محبوبه يكون خطأ، صح؟ وهذا وقع حتى في بعض أهل البدع من علماء الأمة أننا نزعم أنهم محبون صادقون لله، لكن وقع أنهم سلكوا طرقاً غير صحيحة في الوصول إلى هذه المحبة. فبقول لك ومع ذلك تبقى طرقاً غير صحيحة، وكونك تحب حبا صادقاً لا يشفع للطريق البدعي، فما بالك أن تكون محبتك غير صالحة وتكون طريقه خاطئة؟ فهذا جماعة الكوارث كلها.
قال: كما يفعله المتهورون في طلب الرئاسة، بيجي بده يطلب رئاسة أولاً الهدف فاشل، وبيروح بيسلك طريق ايش؟ غلط في تحصيل الرئاسة، فلا حصل ديناً ولا دنيا. كما يحب الرئاسة ويسلك الطرق الخاطئة في تحصيلها، كما يفعلون متهورين في طلب الرئاسة والمال والصور في حب امور توجب لهم ضرراً ولا تحصل لهم مطلوباً. وإنما المقصود الطريق التي سلكها العقل لحصول مطلوبه. فإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية وحرية عما سواه، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه. والقلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانه والتوكل وهي العلة الفاعلية.
كل قلب هو فقير إلى الله من جهتين، والفقر هذا ملازم لنا الافتقار إلى الله من جهة العبادة وهذه العله الغائية. ايش يعني العلة الغائية؟ يعني هي الغاية التي خلق من أجلها هذا القلب والافتقار إلى الله من جهة الاستعانة والتوكل عليه لتحقيق العبادة وهذه العلة الايش الفاعلية. فأنت كيف تفعل العبادة؟ تحتاج إلى استعانة بالله سبحانه وتعالى. ولذلك كانت أجمع الآيات في القرآن ايش؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. إياك نعبد هي العلة الغائية الغاية، وإياك نستعين هي العلة الفاعلية التي بها تفعل وتستطيع الوصول إلى الغاية. وأنت مفتقر في العلة الغائية وفي العلة الفاعلية إلى الله، يعني أنت لست مفتقراً إلى الله في الوصول إليه فقط، بل أنت مفتقر إلى الله أن يعينك على الوصول إليه. فهمتم العبارة؟ أنت لست مفتقراً إلى الله فقط في الوصول إليه، أنت مفتقر إليه في الوصول إليه وفي الإعانة على الوصول إليه، فكانت ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] جامعة لهذين المعنيين.
فالقلب قال فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا
يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا لعباده ربه تعالى وتقدس وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه.
جميل هذا كلام مهم نفهم إخواني في فلسفة القلب، أي إنسان متعلق بدنيا سيبقى قلبه مضطرب؛ قال لأن القلب خلق بطبيعة افتقار ذاتي ملازم له إلى ربه، فإذا افتقرت إلى غير الله وسكنت إلى غير الله أنت لم تحقق حاجة القلب، لم تحقق للقلب حاجته وافتقاره الذاتي الذي لا يستطيع أن يهدا إلا به، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه؛ لأنه هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.
وهذه العله الغائية، كيف أصل إليها؟ وهذه العلة الغائية لا يحصل له إلا بأعان الله له، لا يقدر على تحصيل ذلك لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائما مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فإنه لم يعن على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده لم يحصل له عبادته لله، بحيث يكون هو في غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له بالقصد الأول.
قال فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده لم يحصل له عبادته لله؛ يعني لو أعانك الله على تحصيل ملذ من ملذات الدنيا وشهوة من شهواتها، لو أعانك الله على تحصيلها أنت ما حققت العبودية لله، نعم أنت أعانك الله عليها لكنك في النهاية حصلت شهوة نفس، فيقول فإنه لو أعين على حصول ما يشتهي ولم يحصل العلة الغائية وهي العبودية لله، بحيث يكون هو الغاية النهائية ونهاية المقصود وهو المحبوب بالقصد الأول؛ يعني فكل محبوبات الدنيا يجب أن تكون تصب في ماذا في النهاية في حبك لله، فأنا أطلب الزواج من أجل الله، أطلب الدراسة والتعلم المقصود الأخير الله.
فإذا طلبت شيئا للدنيا فقط من أجل الدنيا وأعانك الله على تحصيله فأنت حققت الإعانة لكن لم تحصل العبودية في طلبك لهذا الشيء، قال وكل ما سواه فإنه يحبه أي كل ما سواه فإنك تحبه لأجل الله لاجله لا يحب شيء لذاته لذاته إلا الله، هي فلسفة المؤمن ما في شيء أحبه لذاته لذاته إلا الله.
فإذا أحببت شيئا لذاته لذاته دون أن يكون يصب في الاتجاه الأخير نحو الله فاعلم أنك قاصر في هذا المقام فاعلم أنك قاصر، فمتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة لا إله إلا الله، وحقيقة لا إله إلا الله أن تكون الله هو المقصود الأول والمطلب الغائي، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبه وكان فيه من النقص والعيب بل ومن الألم والحيرة والعذاب بحسب ذلك.
ولو سعى في هذا المطلوب فلم يكن مستعينا بالله متوكلا على الله -تلك الحالة المعاكسة إذا كنت تطلب الله لكنك لم تستعن بالله ومتوكلا على الله مفتقرا إليه في حصوله- لم يحصل له هو، قال ولو سعى في تحقيق هذا المطلوب فلم يكن مستعينا بالله متوكلا على الله مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له، يعني لا تظن أن اعتمادك على المخلوقين هو الذي يجعل المطلوبات تحصل، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو مفتقر إلى الله من حيث أن الله هو المطلوب المحبوب المراد المعبود هذه واحد، ومفتقر إلى الله من حيث هو المسؤول المستعان المتوكل عليه، فهو إلهه لا إله له غيره وهذا مقام عبودية، وهو ربه لا رب له سواه وهذا مقام الاستعانه والتوكل.
فلذلك قال هو الإله بمعنى المعبود العلة الغائية، وهو الرب هنا مقام الاستعانه والتوكل وقضاء الحوائج، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين، بأن يكون الله هو المطلوب الأول وأن يستعان به على تحقيق هذا، فمتى كان محبا لغير الله لذاته -إذا أحببت شيئا لذاته ما سوى الله أو ملتفتا إلى غير الله أن يعينه ملتفتا إلى شيء سوى الله أن يعينه- كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه.
لذلك كأنه هنا رجعنا لفكرة أن العبودية لله لا تتم إلا بتحقيق عبودية الربوبية وعبودية الألوهية، عبودية الألوهية أن يكون الله هو المطلوب، وعبودية الربوبية أن يكون الله هو المستعان المتوكل، فلا يتم مقام العبودية إلا بتحقيق عبودية الألوهية والربوبية.
قال كان عبدا لما أحبه هذا ألوهية، وعبدا لما رجاه واستعان به ربوبية، بحسب حبك له ألوهية ورجائه إياه ربوبية، وإذا لم يحب أحدا لذاته إلا الله وكل ما أحبه سوى الله فانما يكون يحبه لأنه يصير إلى الله، ولم يرج شيئا إلى الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب وطلب من المخلوقين أن يعينوه أو حصل ما حصل منها فهو لا يشاهد في أخذة بالأسباب إلا أن الله جعل فلان سبب في قضاء حاجتي -يعني أنا مش مشكلة ممكن أطلب من فلان يساعدني لكنني ينبغي أن أشاهد أنه سبب وليس هو المعان المعين على وجه الحقيقة وإنما هو سبب- ولم يرج قط.
وإذا فعل من الأسباب أو حصل ما كان شاهدا أن الله هو الذي خلق السبب وقدره، وأن كل من في السموات فالله ربه وملكه وخالقه وفقير إليه، كان بالتالي قد حصل تمام عبوديته لله سواء في مقام الألوهية أو في مقام الربوبية.
والناس في هذا على درجات متفاوته لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم أقربهم إلى الله وأقواهم وهداهم هو أتم عبودية لله من هذا الوجه، أتم مقام الألوهية وأتم مقام الربوبية.
طيب نقف إن شاء الله عند هذا القدر اليوم، وإن شاء الله في الدرس القادم ننهي هذه الرسالة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرا الإخوة الذين يتابعون معنا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل