حياكم الله أحبتي في مدارسة جديدة نشغل بها أذهاننا، ونعمر بها أوقاتنا، ونتقرب بها إلى مولانا، ونستعد بها لرمضان؛ فإن الإمداد كما قالوا بقدر الاستعداد، وإن القلوب لابد وأن تعد عدتها لهذا الشهر الكريم، وأن الأجساد لابد وأن تعد عدتها قبل أن يفجأها الشهر؛ فإن كثيراً من المسلمين يفجأهم الشهر قبل أن يعدوا قلوبهم وأرواحهم وأبدانهم لاستقباله.
في هذا الشهر نهتم بالأعداد للطعام والشراب وأمور الحياة الدنيا، لكننا نغفل عن الإعداد الأهم، وهو إمداد الأرواح، وإمدادها مادة القرآن ومادة حب الله سبحانه وتعالى والشوق إليه، حتى إذا ما جاء رمضان تكون هذه القلوب في تمام الاستعداد لقاء الله عز وجل فيه.
ننطلق يا إخواني في مدارستنا لكتاب رسالات القرآن للدكتور فريد الأنصاري، نذكر مقدمة فيها شيء من الطول لكنها مهمة لفهم طبيعة كتب الشيخ الفاضل رحمة الله تعالى عليه.
إخواني، ابتداء العلاقة بين القرآن وبين رمضان هي علاقة متجذرة عميقة لا تقبل الانفكاك، منذ أن شاء ربنا سبحانه وتعالى أن ينزل كتابه العظيم في ليلة القدر من هذا الشهر الكريم على خلاف بين أهل العلم هل الذي نزل في هذا الشهر هو القرآن من الله سبحانه وتعالى إلى بيت العزة في السماء الدنيا، أو كان ابتداء نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم فعلا في ليلة القدر.
المهم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، ومنذ تلك اللحظة نشأت هذه العلاقة الحميمة بين هذا الكتاب العظيم وبين هذا الشهر الكريم، هذه العلاقة رسخها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سنوات حياته مع جبريل عليه السلام، حينما كان يلتقيان في رمضان من كل عام لتدارس القرآن الكريم بينهما.
ومن هنا ظهر مفهوم التدارس القرآني؛ النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من مارس عملية التدارس القرآني حينما كان يلتقي هو من الجانب البشري مع جبريل عليه السلام من الجانب الملائكي في كل رمضان، لاحظوا الجانب البشري بعظمته المتمثلة في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يلتقي مع أعظم الملائكة جبريل عليه السلام ليتدارسا القرآن في كل رمضان.
وقد انتقل هذا المفهوم إلى الصحابة الكرام ورسخ في عقولهم ووجدانهم، لما رأوا حبيبهم وقرة أعينهم محمد صلى الله عليه وسلم يقوم بهذه الممارسة المستمرة في رمضان عرفوا أن رمضان هو الشهر الأعظم لتدارس هذا الكتاب العظيم، فنقلوا هذه الفكرة للأجيال اللاحقة من هذه الأمة.
فمن كان رمضانه أحبائي خالياً من مائدة القرآن أو ضعيفاً جداً من هذه المائدة ومن التدارس له، فهذا ما عرف حقيقة رمضان، وما عرف سر هذا الشهر، ولماذا أودعه الله عز وجل كل هذه الهدايا والجوائز والعطايا؟ لماذا فرض الله صيام رمضان؟ ولماذا فتحت فيه أبواب السماء؟ ولماذا غلقت فيه أبواب جهنم؟ ولماذا صفدت فيه الشياطين؟ كل هذه الجوائز والهدايا والمنح الإلهية من أجل أن ترقى أيها العبد لمدارسة كلام ربك سبحانه وتعالى في هذا الشهر الفضيل؛ لأنه يبعث فيك حياة جديدة.
فإن هذا القرآن العظيم أحبائي سماه الله عز وجل روحاً، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، لاحظوا تسمية القرآن روحاً؛ لأنه يبعث الحياة في القلوب الميتة، وسماه في موطن آخر شفاءً: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]؛ لأنه يشفي القلوب المريضة والسقيمة، وسماه في موطن آخر نوراً: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 15].
لماذا سماه نوراً؟ لأنه ينير الطريق لكل إنسان مسلم في خضم هذه الظلمات المتراكمة من الشهوات والشبهات والأهواء والآراء والأمزجة والأفكار، يأتي هذا القرآن نوراً من الله سبحانه وتعالى ينير لك الطريق: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 16]، سبل السلامة والنجاة والوصول إلى نهاية الطريق بنجاح لابد فيها من هذا الإشعاع والنور الإلهي المتمثل في كلام ربنا سبحانه وتعالى.
ومن هنا أحبائي ندرك لماذا كان الأئمة الأعلام والسلف الكرام يتجردون لتلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم، لم يكونوا يتجردون لتلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم من أجل مجرد زيادة النوافل والوجور فحسب، لم يكونوا يكثرون من أو يتجردون لتلاوة القرآن ويغلقون كتب العلم في هذا الشهر الكريم فقط من أجل التبرك أو من أجل أعمال للسان بهم، القضية أعمق بكثير بكثير من ذلك.
كانوا يدركون أن قضية التجرد لقراءة القرآن في رمضان هي قضية إيمانية منهجية تربوية سلوكية لإعادة ترتيب الأفكار وإعادة ترتيب الأوراق لعام جديد، كان السلف واعين بهذه المعادلة أن قراءة القرآن في رمضان ليست لمجرد الإكثار من النوافل أو لمجرد التبرك بهذا الشهر، أو قضية عميقة جداً إخواني هي قضية إيمانية تربوية فكرية سلوكية، إعادة غسل الأفكار مما علق بها من الآراء، إعادة إنضاج هذه النفس من جديد، وإعادة ترتيب أوراقها مع الله سبحانه وتعالى.
سلفنا الصالح والائمة الأعلام الكبار لم يكونوا ينقطعون عن القرآن الكريم في سائر العام، كانوا مع القرآن رائحين غادين مع القرآن في كل وقت، لكن رمضان لأنه نفحة إلهية كانوا يعطونه مزية أكبر في عملية التدارس القرآني، حيث كانوا يتجردون كما قلنا للقرآن في رمضان، كانوا يتجردون لهذه المهمة؛ لأن النفحات الإلهية فيها من الجوائز والعطايا ما تجعل عملية مدارسة القرآن خلالها أثرها النفسي والتربوي عميقاً جداً أكثر من قراءة القرآن في سائر العام.
فأنت في رمضان كما قلنا حاجز الشيطان ضعف لأنهم صفدوا، وأبواب جهنم صفدت، والنفس تهذبت وتشذبت بسبب الصيام، فقبولها الروحاني والإيماني واستعدادها لتلقي الرسالات الإلهية من كلام ربنا سبحانه وتعالى أكبر بكثير منه في سائر العام.
لكن أحبائنا لو أننا نظرنا في واقعنا المعاصر دعوني الآن أسلط الضوء، اخذنا حال السلف سريعا لو أنني سلطت الضوء على واقعنا المعاصر سنجد في الحقيقة إشكاليات متراكمة في العقل المسلم في طريقة تعاطينا مع هذه الرسائل الإلهية، هناك إشكاليات متراكمة في طريق وتعاملنا في واقعنا المعاصر مع هذه الرسائل الإلهية، هناك فتور مشاهد عند عامة المسلمين، بل حتى عند طلبة العلم، وعند كثير من الدعاة، وعند كثير من المتصدرين للعمل الإسلامي، هناك فتور في التعامل مع القرآن وعدم فهم بطبيعة هذه الرسائل الإلهية.
هناك نوع من الجهل أو التجاهل عند كثير من الإسلاميين لحقيقة هذا الكتاب العظيم، فقد أصبح هذا القرآن الكريم في كثير من الأحيان في حياتنا نقول كطلبة علم أو كدعاة أو كمتصدرين للدعوة، أصبح هذا القرآن الكريم في كثير من الأحيان وفي كثير من الأوساط الدعوية والأوساط العلمية هو مجرد كتاب لربما تبركوا به، أو نلتقط منه بعض اللطائف، أو نوظفه في بعض الخطابات الدعوية، أو لربما نستند إليه في شيء من الخلافات الفقهية الفرعية، لكن لم يعد هذا الكتاب بالنسبة لنا يشكل المنطلق للمنهج والحياة.
هذه الإشكالية، نعم هو يوظف في خطاباتنا الدعوية، نعود إليه في شيء من الخلافات الفقهية، نتبرك به أحياناً، نأنس بسماعه أحياناً، لكنه لم يعد في نهاية المطاف المرجع الأساس للمنهج والحياة التي نحياها، لم نعد نبحث عن حل مشكلاتنا الحضارية والفكرية والسلوكية في ثنايا هذا الكتاب العظيم الذي وصفه ربنا سبحانه وتعالى بأنه تبيان لكل شيء، ألم يقل ذلك سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]؟
أصبحنا نشعر بشيء من الجفاف في التعامل مع هذا الكتاب العظيم، وبقسوة القلب وجفاف العين ونحن نقرأه، لم نعد أو لم تعد قلوبنا تهتز وهي تتلو هذه الآيات العظيمة كما تهتز الجبال وتسقط الحجارة، لم نعد نشعر بقشعريرة الجلود الذي أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه يصيب الذي يقرأ هذا الكتاب: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]، اقشعرار الجلود لم يعد حاضراً في حياتنا، لم نعد نقبل على القرآن الكريم بيقين الموقن أنه سيجد في هذا القرآن علاجاً للأدواء والأسقام، وراحة للقلب وطمأنينة في الفؤاد، لم نعد نجزم أن هذا الكتاب هو المنطلق للحضارة لحضارة المستقبل التي نريد أن نبنيها.
باختصار هناك تراكمات سلبية في نظرتنا لهذا الكتاب العظيم ولهذه الرسائل الإلهية، هذه التراكمات السلبية نشأت نتيجة أخطاء متراكمة من خطابات دعوية، أو في ساحة العمل الإسلامي ممارسات معينة، أو يعني بالإضافة إلى شدة المعركة والغزو الفكري الذي يخوضه عدونا تجاه عقولنا، حيث يحاول عدونا بآلته الفكرية والإعلامية أن يسلخ هذا القرآن من قلوبنا، وأن يفرغه من وجداننا، بحيث يكون وجوده في حياتنا وجوداً شكلياً وليس وجوداً حقيقياً تصويبياً بخطوات الحياة.
إخواني الكرام عدونا يرضى لمرحلة من المراحل أن يوجد القرآن في حياة الأمة على مستوى أو على صعيد التبرك والتلاوة والاستناد الجزئي والتوظيف الجزئي، لكنه لن يقبل أن يكون هذا القرآن هو المنطلق والمرجع لحياة المسلمين كمنهج حياة، لن يقبل بهذا المستوى، لذلك كل خصوماته ومعركته الفكرية تتركز في إخراج القرآن الكريم من روح الأمة ومن وجدانها لتصبح هذه الرسائل الإلهية مجرد شكل وشعارات نرفعها، لكننا لا نشعر أنها تعيش في وجداننا وتبعث فينا طاقة العمل والانجاز وتصوب بوصلة الحياة عندنا.
لقد أصبح القرآن الكريم للأسف عند كثير من الإسلاميين على مختلف أطيافهم وأشكالهم، أصبح القرآن الكريم حتى نكون واقعيين ربما أحياناً المأزق والمشكلة في تقريراته وفي أحكامه، عندما يتكلم عن عقيدة التوحيد بتجرد، ويتكلم عن عقيدة الولاء والبراء بتجرد، وحينما يطرح القرآن الكريم مسائل الحاكمية لله سبحانه وتعالى، وحينما يطرح مسائل شرعية مفصلية، يجد يعني بعض الناس الذين يعملون في ساحة العمل الإسلامي أصبحوا يجدون مأزقاً في هذه وفي هذه الاحكام الصريحة الواضحة فيسعون عادة، هم لن يستطيعوا طبعا أن يغيروا النصوص القرآنية لأنها باقية موروثة إلى أن يرفعها الله سبحانه وتعالى، لكن أصبح هناك تفريغ لهذه الآيات ولهذه الرسائل الإلهية من محتواها ومن مضمونها الحقيقي وإكسابها معاني أخرى وتأويلات بعيدة جداً جداً ليست هي المقصودة قطعا بهذا.
إشكالية تفريغ نصوص القرآن الكريم من مفهومها الحقيقي ومن معانيها الحقة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإكسابها معاني أو تأويلات بعيدة جداً ليست هي التأويلات المقصودة ابتداء بهذه النصوص، يصبح في النهاية هذه الرسائل الإلهية العظيمة التي نزلت لتكون منهج حياة تغير النفوس والارواح والافكار والسلوكيات وبوصلة شباب الأمة، تصبح في نهاية المطاف شعارات براقة ودعايات وعواطف وتبركات.
ثم أين يذهب شباب الإسلام ليلتقوا أفكارهم من آراء الرجال، بدل من أن نوجه صورة الشباب المسلم ليأخذ المنطلقات الفكرية والسلوكية والتصحيحية من هذا القرآن، أصبحنا نتجه إلى آراء الرجال كارئ فلان وفلان وتصبح هي المنطلق، وغيبنا القرآن عن واقعه الحقيقي في حياتنا.
هذا الكلام وهذه المقدمة كان لابد منها لنفهم الدكتور فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه صاحب هذا الكتاب أكثر وأكثر، أنه كل هذه الاشكاليات التي نعانيها في واقعنا المعاصر في علاقتنا مع القرآن الكريم رصدها العالم الرباني المفكر الإسلامي والجهبذ الأصولي الدكتور فريد الأنصاري رحمة الله عليه في حياته الفكرية والدعوية والإصلاحية والتأليفية، رصد هذه المشاكل ودونها وبثها في خلال رسائله خلال حياته الفكرية والدعوية والإصلاحية، وسعى الدكتور فريد الأنصاري لتقديم الحلول لعلاقة الأمة بالقرآن من خلال قلمه السيال وقلبه النابض رحمة الله تعالى عليه المحترق على هذه الأمة الشغوف بالاتجاه الصحيح.
الدكتور فريد الأنصاري إخواني في الحقيقة من الشخصيات التي أثرت يعني في شخصياً، وهو من القلة القليلة في هذا الزمن الذي رفعت وحملت على كاهلها إعادة بث روح القرآن في حياة الأمة، الدكتور فريد من يسمع محاضراته المبثوثة على الشبكة ومن يقرأ مصنفاته يدرك أنه حمل على عاتقه في آخر عمره بعد تجربة طويلة سنتكلم عنها بعد قليل، حمل على عاتقه إعادة بث روح القرآن الكريم في جسد هذه الأمة، وحمل على عاتقه توجيه الشباب المسلم والفتيات المسلمات إلى أهمية اتخاذ هذا الكتاب العظيم بوصلة لتقييم أفكارهم وتحركاتهم، ودائماً ما يركز على موضوع المدارسة القرآنية والحياة مع القرآن والانطلاق مع القرآن، وأن يكون القرآن هو منطلق حقيقي في حياتنا وليس مجرد منطلق شكلي نفسي يعني لا يؤدي ذاك الغرض المقصود منه كما كان عند الجيل الأول.
سريعاً يعني قبل أن أدخل في أجواء هذا الكتاب الذي بين أيدينا رسالات القرآن، أقدم مقدمة مختصرة عن الدكتور فريد أكثر، الدكتور فريد الأنصاري أحبائي هو من مواليد ألف وتسعين ميلادي، وتوفاه الله سبحانه وتعالى بمرض السرطان نسأل الله العفو والعافية في ألفين وتسعة، فهو قريب بنا من ألف وتسعمائة وستين إلى ألفين وتسعة، وهو دكتور أصولي متخصص في أصول الفقه، وبشكل أدق متخصص في فقه اصول فقه الشاطبي رحمة الله تعالى عليه، فقد صنف العديد من الرسائل في الماجستير والدكتوراه حول أصول الشاطبي رحمة الله.
عليه ومقاصد الشاطبي في مؤلفاته المتعددة. وهو إذاً متخصص عميق مع الشاطبي في معالجة تراثه وفكره.
سأبدأ أتكلم أكثر وأكثر عن حياته الدعوية التي أثمرت في النهاية، بعد مخاض صعب، كل هذا المشروع الكبير؛ مشروع القرآن الحضاري الذي حمله الدكتور فريد. له العديد من المؤلفات والمصنفات في مختلف الأبواب في الحقيقة، وغلب عليه في نهاية الأمر المؤلفات التي تتكلم عن إصلاح العمل الدعوي ومسيرة الحركة الإسلامية، والمؤلفات التي تتكلم عن الجانب القرآني؛ فهو خلص فرغ حياته من أجل إعادة روح القرآن إلى الأمة المسلمة.
اخترت كتاب الدكتور فريد الأنصاري، وأريد منكم أن تتعرفوا عليه. الدكتور فريد الأنصاري صاحب مشروع قرآني حضاري كبير يجب أن يعتني به كل مسلم ومسلمة، وأن يقرأوا كلماته السائلة التي ينبعث منها النور والضياء والحرقة على هذه الأمة، ورغبة حقيقية في بث روح القرآن في وجدانها من جديد.
خلونا نبدأ ندخل أكثر وأكثر في أجواء هذه الرسالة، الكتاب الذي بين أيدينا "رسالات القرآن"، فمن يتلقاها هي إحدى الكتب التي كتبها في ضمن مشروعه القرآني الكبير. هذا الكتاب هو مجموعة من المقالات، الظاهر أنه كتبها في إحدى المجلات ثم جمع هذه المبثوثة وضمنها في هذا الكتاب المبارك "رسالات القرآن". كل مقالة لها عنوان يتكلم عن فكرة أو جزئية من جزئيات المشروع القرآني الكبير الذي بين أيدينا اليوم.
رسالة عنوانها "في تحديد الوجهة". وفي الحقيقة، فإن فهم مضمون هذه الرسالة، وفهم أيضاً أسلوب الدكتور فريد الأنصاري وكلماته عن مشروعه القرآني الحضاري، لن تفهموه حق الفهم إلا إذا تكلمنا قليلاً عن ظاهرة العمل الإسلامي في المغرب التي عايشها الدكتور فريد الأنصاري، وكان أحد فرسانها وروادها، قادة الحراك الإسلامي كما يقولون، وأحد فرسان الميدان.
الدكتور فريد الأنصاري له رحلة طويلة مع العمل الإسلامي، ثم في آخر عمره ترك الحركة الإسلامية وتفرغ لكتابة رسائل رصد فيها أهم الانحرافات التي وقعت في العمل الإسلامي على مدى السنوات التي عايشها. بين هذه الانحرافات وهذه الأخطاء، جسدها بالفكرة الأساسية وهو القرآن الكريم، عن بوصلة التأثير في العقول الإسلامية بهذه الفكرة، وخلاصة كل الانتقادات التي وجهها الدكتور فريد الأنصاري.
فالدكتور فريد الأنصاري بين أهم الانحرافات -أول أخطاء، خلينا نسميها وأهم الانتقادات التي يمتلكها لساحة العمل الإسلامي في المغرب- وأعطى الحلول وبين البوصلة كيف يتم توجيهها من جديد لإعادة العمل الإسلامي إلى المسار الصحيح الذي ينبغي أن يكون. وفكرة كل فكرته أن المشهد القرآني غاب عن العمل الإسلامي، وأصبح حضور القرآن في حياة رواد هذا العمل الإسلامي حضوراً شكلياً وليس حضوراً حقيقياً فعلياً، بحيث يكون القرآن هو المنطلق، هو الموجه للأفراد الذين يعملون في هذا الميدان.
لذلك سآخذكم في رحلة في عالم السياسة قليلاً لتفهموا ماذا يقصد الدكتور فريد الأنصاري في كل مشروع القرآن؟ الكلمات التي بثها في رسائله القرآنية في "رسالات القرآن" أو في مجالس القرآن لها مدلول عميق يتعلق بمخزونه في العمل الإسلامي، ورحمة الله عليه أن يوصله للأجيال اللاحقة. ويريد أن يعدل البوصلة بقلب الأب الرؤوم الرحيم بأبنائه، الذي لا يريد أن يراهم بعيدين عن منهج الله سبحانه وتعالى وعن رسالات الله عز وجل في هذا الكتاب العظيم.
سريعاً إخواني، إن شاء الله تكون رحلة ممتعة فيها شيء من الفائدة، ونحن عن الرحلة الدعوية للدكتور فريد الأنصاري ابتداءً بظاهرة العمل الإسلامي في المغرب. ظاهرة العمل الإسلامي في المغرب؛ البعض المؤرخين يؤرخها بنشأة حركة الشبيبة الإسلامية، وفي الحقيقة هذا التوصيف ليس بدقيق، بل هناك جهود لكثير من العلماء والدعاة والمصلحين والمفكرين قبل وجود حركة الشبيبة الإسلامية؛ وجود في الجانب العلمي، الجانب الدعوي، في جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجانب الإصلاحي والسلوكي.
في الوقت الذي كانت تحيا فيه المغرب موجة من انتشار الفكر الشيوعي والماركسي، سواء في الطبقة الحاكمة أو في ثنايا الجامعات والصالونات الثقافية، كانت المغرب تعاني من انتشار الشيوعية هي والماركسية في ثناياها وفي أروقتها. في المقابل برز بعض العلماء وبعض الدعاة وبعض المصلحين على الساحة، بذلوا جهوداً كبيرة جداً وجهوداً نضالية في إعادة بث روح الإسلام في المغرب، ومواجهة الفكر الشيوعي الماركسي الذي كان يغزو الشباب المسلم في تلك الفترة.
هذه الجهود المتواصلة المثمرة، إحدى ثمراتها نشوء حركة الشبيبة الإسلامية، وليست بداية العمل الإسلامي بالتحديد هي حركة الشبيبة، لأنه هذا في الحقيقة قفز عن حقائق الأمور، وهناك قنوات سابقة، هناك حلقات دعوية متواصلة هي التي أثمرت في النهاية كما قلنا حركة الشبيبة. فدعوني أتكلم لكم عن أهم رموز الدعاة والمصلحين الذين كانوا قبل وجود حركة الشبيبة الإسلامية.
ابتداءً، دعونا نتكلم عن الشيخ العلامة أبو شعيب الدكالي، رحمة الله تعالى عليه؛ كان حافظاً محدثاً علامة، يقولون كان أعجوبة في حفظه، وكان هذا الرجل حريصاً محترقاً على الشباب في المغرب، وكانت له آثار دعوية عظيمة وإصلاحية وفكرية وتربوية إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين. فهو قديم جداً في العمل الإصلاحي والدعوي قبل ظهور حركة الشبيبة الإسلامية تقريباً بثلاثين سنة. الشيخ أبو شعيب الدكالي الحافظ العلامة المحدث الكبير، وهو ينشر الإسلام في المغرب بقلمه وعقله ووجدانهم.
كذلك أيضاً تلميذه النجيب، العالم الكبير محمد بن العربي العلوي، الذي توفاه الله عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين. ابن العربي العلوي أيضاً ممن تأثروا بالشيخ المحدث أبي شعيب الدكالي، وكان له أثر في الناحية الفكرية في المغرب في تلك الفترة التي كان فيها الفكر الشيوعي والماركسي يغزو الجامعات الأكاديمية في المغرب؛ حتى يقولون لم يكن هناك في الجامعة في فاس إلا امرأة واحدة محجبة، وكانت تعرض للمضايقات والاستهزاء والتهكم.
حتى تعرفوا مدى الفساد في المغرب، هل هذا كان في عموم بلاد المسلمين في تلك الفترة إبان سقوط الخلافة العثمانية من عام ألف وتسعمائة وخمسة وعشرين إلى الستينيات والسبعينيات، على المد الإسلامي يعود من جديد رويداً رويداً؟ فاللي عليكم أن تدركوا أن هذه الأسماء بعيدة عن الأذهان، لكن هذه أسماء حفرت أسماءها في التاريخ، أن لها أيادي بيضاء في إصلاح العمل الإسلامي. فالشيخ كما قلنا أبو شعيب الدكالي، بعد ذلك تلميذه الشيخ محمد بن العربي العلوي، بعد ذلك أيضاً من الأسماء الكبيرة التي يجب أن نذكرها الشيخ علال الفاسي، رحمة الله عليه، الذي كان معترضاً ومناوئاً لعملية تغيير وتغييب الشريعة الإسلامية عن...
الدكتور والشيخ الكبير علال الفاسي لصاحب الكتاب المشهور مقاصد الشريعة ومكارمها، وكما قلنا؛ كان مدافعاً عن الشريعة الإسلامية مطالباً بحضورها في التشريع المغربي. نشر العديد من المؤلفات والمصنفات والرسائل لإحياء وبث روح الشريعة في الشباب المغربي، فهؤلاء كلهم كانوا قبل ظهور حركة الشبيبة.
أيضاً الشيخ الكبير -أظنه معروف عند كثير منكم- تقي الدين الهلالي؛ الشيخ تقي الدين الهلالي رحمة الله تعالى عليه داعية ومثقف وإنسان موهوب بقوة، كان يتكلم بعدة لغات، كأصالته كان يتكلم بالعربية ويتكلم أظن بالإسبانية والألمانية. فهو كان داعية ومثقف وعالم إذا صح القول، وله العديد من المؤلفات الدعوية والفكرية والإصلاحية، ودرس في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية؛ دعاه الشيخ ابن باز رحمة الله عليه ليدرس فيها.
وكانت له آثار كبيرة؛ خاصة في التنبيه على بعض حركات التصوف التي كان ينتمي إليها، وإن كان ينتمي إلى الطريقة التجانية، ثم بعد ذلك تركها بعد مناقشات كثيرة مع الشيخ محمد بن العربي، واتجه لطريقة أهل السنة والجماعة عموماً، والتحق بركب المفكرين الإسلاميين والدعاة والمثقفين، وكانت له أيادي بيضاء. الشيخ تقي الدين الهلالي له أيادي بيضاء؛ مصنفات، كتب دعوية، فكرية، إصلاحية، وهؤلاء كما قلنا كلهم كانوا قبل ظهور حركة الشباب. هو توفي الشيخ تقي الدين الهلالي عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين، ومن تلاميذه وبركاته الشيخ بو خبزة رحمة الله عليه، العلامة الذي توفي قبل شهرين -أسأل الله أن يسبغ على قبره الرحمات- الشيخ بو خبزة العلامة الكبير المحدث ومن تلاميذ تقي الدين الهلالي.
المهم ما أريد أن أتكلم عنه هو الفكر الدعوي والعلمي والإصلاحي. المغرب -أخواني- برز على أيدي هؤلاء العلماء الكبار، وعلى أيدي غيرهم أيضاً، ممن ربما يكون إخواننا من المغرب الذين يحضرون معنا الآن أعرف مني بهم. في عام ألف وتسعمائة وسبعين؛ كانت هذه الحركات الدعوية والاصلاحية متواصلة في المغرب لبث روح الإسلام العظيم، أثمرت في نهايتها وأنتجت هذا العمل المتواصل في عام ألف وتسعمائة وسبعين أن الشيخ عبد الكريم الحمداوي أنشأ حركة الشبيبة الإسلامية.
حركة الشبيبة الإسلامية ظهرت عام ألف وتسعمائة وسبعين على يد عبد الكريم الحمداوي. وفي عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين الشيخ عبد السلام أنشأ جمعية الدعوة الإسلامية؛ عام ألف وتسعمائة وسبعين كانت عندنا حركة الشبيبة، وعام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين ظهرت جمعية الدعوة الإسلامية. حاولت جمعية الدعوة الإسلامية أن تتحد مع حركة الشبيبة، لكن الظاهر كان هناك اختلاف بينهم. وأنا في الحقيقة الآن ما أسعى إليه -أخواني- أن أسرد تاريخاً موضوعياً؛ أنا لا أتعلق على التاريخ وأبين جوانب الصواب من الخطأ، أنا أسرد التاريخ بشكل موضوعي تماماً حتى بعد ذلك نعرف لماذا أخوض معكم كل هذه الرحلة.
لتفهموا كيف تشكل عقل الدكتور فريد الأنصاري وماذا يقصد؟ لأن الدخول مباشرة في كلام الدكتور فريد الأنصاري -أي من دون معرفة هذا التاريخ للعمل الإسلامي في المغرب- سيجعل ربما بعض الكلمات التي يلقيها إليكم ويبثها غير مفهومة الدلالة. لكن من يعرف التاريخ يدرك تماماً ما هي دلالة المصطلحات التي يستعملها الدكتور فريد الأنصاري. المهم كما قلناه في الأربعة وسبعين نشأت جمعية الدعوة الإسلامية على يد عبد السلام هراس وطائفة من أهل العلم، وكان ممن أسسها وأشرف عليها أيضاً الدكتور والشيخ الكبير الذي ما زال حياً إلى الآن الشيخ الشاهد البوشيخي.
الشاهد البوشيخي؛ وهو من علماء المغرب الكبار ومن علماء اللغة، ومن من له عناية كبيرة بالمصطلحات دراسة علم المصطلح. الشيخ الشاهد البوشيخي هو الذي ربى شيخنا الذي نتدارس كتابه الشيخ فريد الأنصاري. الدكتور والشيخ فريد الأنصاري كان مع جمعية الدعوة الإسلامية، وكان تلميذاً ومرتبطاً بشيخه الشاهد البوشيخي الذي كان أحد قادة هذه الجمعية.
في عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين -رکزوا في هذا التاريخ- عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين -يعني بعد خمس سنوات تقريباً من نشأة حركة الشبيبة- اغتيل أحد الزعماء اليساريين الشيوعيين اسمه عمر بن جلون، وألصقت تهمة اغتياله بحركة الشبيبة الإسلامية. يعني هو اغتيل في ظروف غامضة، وكالعادة ألصقت تهمة اغتياله بالحركات الإسلامية، فألصقت تهمة اغتيال عمر بن جلون بحركة الشبيبة الإسلامية. من هنا بدأ التضييق على حركة الشبيبة وملاحقة قادتها وزعمائها. عبد الكريم الحمداوي الذي أسس هذه الحركة هرب إلى الخارج وحكم عليه بالإعدام غيابياً.
بدأ يضيق على حركة الشبيبة، بدأت تتفكك يميناً وشمالاً، وانبثقت منها جماعات جديدة؛ يعني فرقت جماعات جديدة إسلامية، هذه الجماعات الجديدة أصبحت -يعني كما يقولون- تنأى بنفسها عن حركة الشبيبة وترفع شعارات أخرى حتى لا تلاحق من قبل الساسة ومن قبل الحكومة. فإذا حركة الشبيبة الآن تقريباً بدأت تنتهي وبدأت تنشق إلى أذرع أخرى وجماعات أخرى وليدة، هذه الجماعات الأخرى الوليدة إذا صحت التسمية تتبرأ من نسبتها لحركة الشبيبة حتى لا تلاحق قانونياً.
طبعا من أبرز الجماعات التي نشأت وانشقت؛ حركة الإصلاح والتجديد. حركة الإصلاح والتجديد هي أبرز جماعة انشقت عن حركة الشبيبة الإسلامية، وتزعمها عبد الإله بن كيران، وهذه الجماعة رفعت شعار السلمية ونبذ العنف والعمل المسلح والدعوة -يعني كما يقولون- الهادئة الناعمة. في عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين -أنا سامر سريعاً على التاريخ- في عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين -لاحظوا الآن يعني نحن انتقلنا من الست وسبعين أو من خمسة وسبعين من لما بدأت تتفكك حركة الشبيبة ونشأت جماعات إسلامية متعددة أبرزها حركة الإصلاح والتجديد.
طبعا بقيت جمعية الدعوة الإسلامية التي كان فيها الدكتور فريد الأنصاري قائمة؛ لأنها كانت -يعني جمعية الدعوة الإسلامية- تهتم بالجانب الأكاديمي أكثر منها بالجانب الدعوي الحركي، لها كتب، لها أفكار، لها نفحات وسلوكيات بثتها في الشعب المغربي، لكن اهتمامها الأكبر كان بالجانب العلمي الأكاديمي، فلذلك بقيت محافظة على تماسكها.
في الألف وتسعمائة وتسعين -أخواني- حدثت عملية مهمة، وهو اندمجت كثير من الجماعات الإسلامية في المغرب مع بعضها البعض. جمعية الدعوة الإسلامية اللي كان فيها فريد الأنصاري، كذلك الجمعية الإسلامية اللي كان فيها الدكتور الريشوني -رئيس رابطة العالم الإسلامي الآن- كذلك مجموعة من الحركات الإسلامية المبعثرة يميناً وشمالاً اجتمعت مع بعضها البعض وأسسوا رابطة المستقبل الإسلامي.
هذا في الأربعة وتسعين، وفي ألف وتسعمائة وستة وتسعين -يعني بعد سنتين فقط- حدث الاندماج الكبير النهائي إذا صحت التسمية؛ اندمجت رابطة المستقبل الإسلامي برموزها؛ الشهيد البوشيخي والريسوني وفريد الأنصاري، كلهم اندمجوا مع حركة الإصلاح والتجديد التي ذكرناها قبل قليل حركة عبد الإله بن كيران، اندمجوا مع بعضهم البعض ونتج في النهاية الحركة المسماة والمعروفة بحركة التوحيد والاصلاح، وذراعها السياسي الآن القائم هو حزب العدالة والتنمية، وأظنه أخذ -يعني الحكومة- تولى الحكومة المغربية في أكثر من فترة من ألفين واحداش إلى اليوم، هذا هو الذراع السياسي -عفواً لها-.
ططيب حركة التوحيد والإصلاح ترأسها الشيخ الريسوني؛ طبعا أنتم لما تسمعوا عن أعمار -يعني الشيخ الريسوني الشيخ الشاهد البوشيخي في تلك الفترة- لربما يظنون أنهم كانوا كبار في السن. لكن حينما نقرأ التاريخ -تاريخ المغرب- أجد أن الشيخ الريسوني تولى هذه الحركات وعمره ثلاثة وعشرون سنة، والشاهد البوشيخي حفظه الله تعالى كان عمره سبعة وعشرون سنة؛ يعني في ريعان شبابهم وهم يتولون الحراك الإسلامي.
المهم نأتي للدكتور فريد الأنصاري؛ الشيخ الفاضل والعالم الكبير الدكتور فريد الأنصاري كان يحيى ويعايش كل هذه المرحلة من العمل الإسلامي في المغرب؛ من الانشقاقات إلى الاندماجات إلى تطور البوصلة إلى الدخول في العمل السياسي إلى غيره. كل هذه الأمور عاشها الدكتور فريد الأنصاري، وكان أحد الرواد والمفكرين والموجهين، لكن بعد كل هذا الحراك الطويل والمشاركة في العمل الإسلامي للدكتور فريد الأنصاري في عام ألفين بالتحديد قرر الدكتور فريد الأنصاري أن يخرج من الجماعة الإسلامية من حركة التوحيد والإصلاح، وذكر العديد من المبررات؛ أهمها أنه هو -يعني- يتكلم عن وجود انحرافات كبيرة في بوصلة العمل الإسلامي في المغرب.
طبعا أنا الآن أطرح كلام الدكتور فريد الأنصاري؛ لست في مقام التقييم لمسيرة العمل الإسلامي في المغرب، هذا كلام طويل جداً ولست في مقام التقييم، لكن أتكلم على لسان الدكتور فريد من خلال كتبه ومصنفاته. الدكتور فريد الأنصاري في عام ألفين انسحب من حركة التوحيد والإصلاح، وقرر أن يخرج ليعيش مستقلاً، ليعيد توجيه بوصلة العمل الإسلامي التي كان يراها قد انحرفت عن الاتجاه الصحيح.
بعد أن خرج الدكتور فريد الأنصاري سجل وكتب مجموعة من المؤلفات الدعوية لإصلاح مسيرة العمل الإسلامي في المغرب؛ فكتب الرسائل الخمس؛ خمس مصنفات كتبها في بيان الانحرافات التي وقعت في مسيرة الإسلاميين عموماً بمختلف أطيافهم في المغرب، ثم بين ما هي الحلول التي يجب أن تقدم لإصلاح هذه المسيرة، وكانت حلوله أساساً تدور حول وجوب إعادة حياة القرآن للقواعد والأفراد وللشباب المسلم في العمل الإسلامي.
هذه فكرة مهمة، وأنا أطلب من أحبابنا في العمل الإسلامي أن يسمعوها جيداً؛ لأن الدكتور فريد الأنصاري هو أب وعالم وموجه وابن الإسلام كما يقولون وليس خارج الدائرة، إنسان من ألف وتسعمائة وستين وعاش كل هذه الفترات إلى عام ألفين حتى قرر الخروج وبداية منهج البناء والاصلاح والتوجيه وإيقاف الحركة الإسلامية على أبرز أخطائها، وأهمها في وجهة نظره وبناء عليها أطلق مشروع القرآن الحضاري؛ هو أن الشباب والقواعد والأفراد ابتعدوا عن القرآن الكريم كمنهج حياة، وأصبح حضور القرآن الكريم حضوراً عاطفياً توظيفياً شعارياً، وليس منهج حياة يوجه السلوكيات والأخلاق والأفكار ولا نتجاوز حدوده، هذه الإشكالية الكبيرة التي وجدها الدكتور فريد الأنصاري.
إذاً كما قلنا الدكتور فريد الأنصاري صنف خمس رسائل لتصحيح الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي في المغرب؛ دعونا سريعة نمر على عناوين هذه الرسائل، وأعطيكم إشارات عامة عن أبرز الأفكار التي أراد بأن يبثها الدكتور فريد الأنصاري من خلالها. الرسالة الأولى هي رسالة سماها التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، هذه الرسالة كتبها الدكتور فريد الأنصاري عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين -يعني قبل أن ينسحب من الحركة- قبل أن ينسحب ألف كتاب أو رسالة التوحيد والوساطة في التربية الدعوية.
في مرحلة كتابة هذا الكتاب لاحظ الدكتور فريد الأنصاري أن الجماعات العاملة في الساحة -قيادات، نزاعات، طبعا هذا كلامه عموماً- بمعنى أن الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة جنت نزعات تنظيمية عميقة، أصبحت تبالغ في التشبث وفي التعصب لهياكلها ولبرامجها، وكذلك الحركات ذات الطابع -تكلم أيضاً عن حركات التصوف التي كانت منتشرة في المغرب- أصبحت تبالغ أيضاً في التعلق بأقطابها واسيادها ورجالاتها أكثر من التجرد بحقائق التوحيد والعودة إلى قواعد الكتاب والسنة وربط قلوب الأفراد بالمنبع الأصيل.
طبعا عزا الدكتور هذه الإشكالية -سواء في وسط الحركة الإسلامية أو في وسط الجماعات الصوفية- عزا هذه الإشكالية: لماذا أصبح هناك تعصب للتنظيمات وللأشخاص أكثر من العودة إلى الكتاب والسنة، وكذلك في جماعات التصوف لماذا كان هناك تعصب وتعلق بالأقطاب والاسياد والرجال أكثر من الارتباط المباشر بالكتاب والسنة؟ هو يعزو هذا الدكتور فريد الأنصاري من خلال ملاحظته ومتابعته للساحة الإسلامية إلى إفراط في التعلق بالوسائل، فهو يقول إنه الهيكل التنظيمي والعمل الاسلامي داخل هياكل تنظيمية هذه وسائل دعوية اجتهادية؛ فعليها أن تبقى وسيلة، ولا يجوز أن تتحول لأن تصبح أصلاً ومقضداً يكون الولاء والبراء عليها.
فالدكتور فريد الأنصاري يشكو من الإفراط بالتعلق بهذه الوسائل بحيث أصبحت هذه الوسائل مقاصد وغايات بدل من أن تبقى في حجم الوسائل تماماً، فغلبت هذه الهياكل التنظيمية ورموزها ورجالاتها على تعلق الشباب والقواعد بنصوص الكتاب والسنة والوحي الإلهي مباشرة.
ويرى الدكتور فريد الأنصاري ليس الواجب هو إلغاء هذه الهياكل وعدم اعتبارها، بل هي يقول وسائل اجتهادية الدعوة إلى الله اسمها وسائل اجتهادية في الدعوة إلى الله سبحانه يجب أن تبقى في حيز الوسائل، ولا يجوز أن تطغى على عقول وأفكار الشباب في حياتهم وممارساتهم الدعوية. فالأصل والمنطلق في العمل الإسلامي -كما يقول الدكتور فريد الأنصاري- هو النص القرآني، الانطلاق من القرآن حقاً؛ تربية وتنشئة وربط العام وعموم الشعوب المسلمة بهذا الوحي الإلهي ارتباطاً حقيقياً، بحيث تصبح كل وسائل الدعوة الاجتهادية في مرتبة الوسائل، ولا تطغى على فكر العامة وعلى ذكر قواعد هذه الجماعات، ويبقى الولاء والبوصلة واضحة تتجه نحو القرآن الكريم.
فهو لما سمى هذه الرسالة التوحيد والوساطة -وماذا يقصد بالوساطة في العمل الإسلامي؟- هو يقصد أنه الهياكل التنظيمية بالنسبة لحركات العمل الإسلامي، والأقطاب والاسياد بالنسبة لجماعات التصوف؛ أصبحت لا شعورياً -وركزوا على هذه المفاهيم التي يركزها الدكتور فريد الأنصاري ذاك العالم الفاضل- يرى أنه الهياكل التنظيمية والأقطاب والاسياد أصبحت لا شعورياً تمثل طريق التعبد لتلك القواعد ولأولئك الأفراد الذين يعيشون في هذه الجماعات.
يعني أصبح كثير من الأفراد والقواعد يشعر أنه لا يستطيع أن يتعبد الله سبحانه وتعالى إلا بوجود هذه الواسطة -على تعبير الدكتور فريد الأنصاري- واسطة التنظيم أو الهيكل التنظيمي. وفي جماعات التصوف أصبح الفرد شعورياً يظن أنه لا يستطيع أن يعود إلى الوحي الإلهي ولأن يرتبط بمولاه إلا بوجود واسطة بينه وبين الله، وهي واسطة الأشياخ.
واعتبر الدكتور فريد الأنصاري أن هذا انحراف هائل لبوصلة الإسلاميين؛ أن عليك أن تتحرر أيها الفرد المسلم من اعتقاد أن هناك واسطة بينك وبين الله. طبعا هو -يعني- لا يقصد الواسطة بمعناها الحقيقي أن الفرد المسلم هو يتعبد الله بأشياخه واسياده أو بالهياكل، لكن يمكن هو يتكلم عن أمر لا شعوري أصبح يمر به كثير من الإسلاميين على مختلف أطيافهم وأشكالهم، أن تعلقهم بالهياكل التنظيمية أو بالنسبة لجماعات التصوف والاسياد شعور داخلي يشعرهم أنهم لا يتعبدون الله إلا من خلال هذه الأمور، وهذا انحراف كامل.
هذا انحراف شنيع يعتبره الدكتور فريد الأنصاري يجب أن يُعاد إلى منصبه الحقيقي وإلى مكانه الحقيقي، حتى لا يتيه العمل الإسلامي عن المقصد منه ابتداءً؛ وهي إعادة القرآن الكريم ليحكم منهج الأمة واقعاً حقيقياً. فالتوحيد الذي يطالب به هو أن يتجرد الأفراد والقواعد من تعلقهم القلبي بهياكلهم التنظيمية، وبأقطابهم وأسيادهم، ويكون توحيدهم في قلوبهم منطلقاً من القرآن الكريم، ويبتعد عن نظام الوساطة الذي يمارسونه من خلال التعلق بالهياكل التنظيمية، ومن خلال التعلق بالأقطاب والأسياد. وأن تبقى هذه الأمور وسائل يا جماعة الخير، ولا تطغى على القلب والتعلق الوجداني للشاب المسلم. كثير من هؤلاء الأفراد والقواعد يقول الدكتور فريد الأنصاري بلسان المقال: أنا لست متعلقاً، لكن لما دخلت في ساحة العمل وتسلمت ودخلت المعترك، وجدت تقديساً للأشخاص وللرجال وللهياكل التنظيمية أكثر من التقديس للنص القرآني.
انظروا ماذا يقول الدكتور فريد الأنصاري بالحرف: الأدبيات التي تمجد التنظيم بما يؤدي للحزبية والتعصب، حتى يكون التآخي بين شباب الصحوة مبنياً على الآصرة التنظيمية وليس على العقيدة الصافية، هذا شيء رصده الدكتور فريد الأنصاري. كذلك يتكلم في نص آخر فيقول: أصبح هناك تقديس لا شعوري -لاحظوا هذا المصطلح- للأفكار ولكتب بعض رموز الحركة، تقديس لا شعوري على حساب نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. فهناك إذاً ملاحظات كان يلاحظها الدكتور فريد الأنصاري في العمل الإسلامي، أبرزها نظام الواسطة أو الوساطة الذي سماه بكتابه «التوحيد والوساطة في التربية الدعوية». حيث طالب في هذا الكتاب -وهو أول رسالة إصلاحية للعمل الإسلامي صنفها الدكتور فريد الأنصاري- طالب الجماعات الإسلامية وجماعات التصوف أن يحرروا أفرادهم، وأن يربوا أفرادهم على أن هذه الهياكل التي تجمعهم هي وسائل دعوية اجتهادية وحسب، ولا يجب أن تطغى على تعلقكم وارتباطكم المباشر بالوحي الإلهي بالقرآن الكريم. فهذا حدث انحراف عند بعض الرموز الحركيين، والعودة والمنهج هو قرآن، والمحافظة على وضوح رسالة القرآن هي التي تقدم على الرجال والطوائف والأشخاص.
هذه أول رسالة صنفها، الرسالة الثانية التي صنفها لإصلاح العمل الدعوي، صنفها عندما خرج من حركة التوحيد والإصلاح في عام ألفين، وبين سبب خروجه عن كمية أو حجم الانحرافات الهائلة التي ما عاد -على حسب كلامه- يستطيع أن يبقى مع الجماعة الإسلامية بسببها، وألف كتاباً في عام ألفين بالضبط سماه «الفجور السياسي والحركة الإسلامية في المغرب». يقصد بالفجور السياسي أن يتكلم عن الساسة في المغرب، الطبقة الحاكمة ومن يعمل تحتهم، كيف أصبحوا يأصلون للفسق تأصيلاً. فيقول إن الساسة في المغرب الآن لا يسمحون فقط بوجود المنكرات والخمور وما شابه ذلك، بل يؤصلون لوجود هذه الأمور ويقننونها تقنيناً لأنهم عندهم فجور سياسي مع الإسلاميين. ثم يتكلم كيف أن الحركة الإسلامية واجهت هذا الفجور السياسي الذي يقوم به الساسة، ويقول: يا حركة إسلامية كانت أحد رجلين، حركات توجهت نحو العمل المسلح لمواجهة هذا الفجور السياسي وانتشار المنكرات، وطائفة أخرى اتجهت وانخرطت في العمل السياسي مع هؤلاء الساسة بحجة إرادة الإصلاح لهذه الطبقة الحاكمة. فيقول هو إن الحركة الإسلامية كانوا أحد رجلين: إما شخص توجه نحو العمل المسلح، أو ناس انصهروا سياسياً مع هذه الطائفة الحاكمة إرادة منهم فيما يقولون لعملية الإصلاح الديني.
ويرى الدكتور فريد الأنصاري أن كلا الطرفين مذموم؛ لا هذا هو الحل، ولا الحل هو الانصهار السياسي وتغييب مشهد القرآن وحضوره عن عقول العامة. فهو يرى -على كلامه- أن العامة أصبحت تائهة، فهي لا ترى إلا أحد نموذجين في الساحة: إما نموذج العمل المسلح أو نموذج المنصهر في السياسة، وما عادت تجد المربي وموجه القرآن الذي يغرس معاني القرآن في الشعب المغربي، ويعيد البوصلة بالاتجاه الصحيح. فالدكتور فريد يرى أن من أهم ما يجب القيام به في تلك المرحلة هو توعية الشعب المغربي والشعوب الإسلامية عموماً بالقرآن وربطهم بالقرآن مباشرة. نعم لا مانع من العمل السياسي في وجهة نظره، لكن أن يبقى ممارسة محدودة، والعمل الأكبر والضغط الأكبر الملقى على عاتق الدعاة والمصلحين والعلماء والمفكرين هو ربط الشعب المسلم بالقرآن، وبث روح القرآن في الأمة من جديد، وتوضيح الرسائل الإلهية والأفكار الإيمانية. لأن العامة -وهذا فعلاً له جزء كبير من الصحة، وسامحوني وافقته في جزء كبير من هذا الكلام- الانشغال والإفراط في العمل السياسي في الحقيقة يضعف الإيمان في قلوب العامة وفي قلوب قواعد العمل الإسلامي أيضاً؛ لأن ديدنهم أصبح التفكير في أمور انتخابية، نيابية، إصلاح سياسي، الدخول هكذا، من الذي يفوز ومن الذي ينهزم؟ وأما التعبئة الإيمانية والروحانية والفكرية والارتباط بالقرآن الكريم أصبح فيه ضعف كبير جداً عند العامة. فالعامة إذا تشتت وضعفت -وهذا ما رصده الدكتور فريد الأنصاري- فهي إما أن تنظر إلى إنسان سياسي ضعيف الخطاب الإيماني، وإما إنسان دخل في العمل المسلح وبدأنا في مشاكل أكبر وأكبر.
صنف هذا الكتاب ويدعو فيه إلى إعادة العلاقة مع القرآن الكريم بالنسبة للشعوب المسلمة، وبناء علاقة دعوية إصلاحية تجديدية مع حال القرآن الكريم، بدلاً من أن يطغى الخطاب السياسي على كلام الدعوة. الكتاب الثالث الذي صنفه هو كتاب «البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي»، وهذا صنفه في الألفين وثلاثة، وفكرة هذه الرسالة أنه ينتقد الجماعة الإسلامية أن الخطاب السياسي هو الذي أصبح غالباً على كلامهم. وتكلم عن نفسه لما كان في ضمن حركة التوحيد والإصلاح، لما كان يدعو إلى العودة إلى طلب العلوم الشرعية والتأصيل الفقهي، كيف كان يواجه داخل الجماعة بأنك صاحب خطاب وعظي، أو تريد إعادتنا إلى معركة فقهية يجب أن نتجاوزها، وأن خطابك تقليدي ونحن الآن هذا الخطاب لا يتلاءم مع ثقافة العصر. هو الدكتور يتكلم أنه كيف كان يواجه بهذا الإحجام وتحجيم حجمه في الجماعة؛ الذين يسلكون نفس مسلك الدكتور فريد الأنصاري كانوا يواجهون بهذا الخطاب. وهذا ما دعا الدكتور فريد الأنصاري في نهاية المطاف إلى أن يخرج من بوتقة هذه الجماعات؛ لأنه رأى أن خطابه القرآني والعودة إلى العلم الشرعي والتأصيل الفكري الصحيح لم يعد مقبولاً، فقرر أن ينأى بنفسه. ولعل الدكتور فريد الأنصاري هنا يلتقي بجزء من أفكار المفكر الجزائري الشهير مالك بن نبي، الذي خرج إلى فرنسا وصنف العديد من الرسائل أيضاً في الدعوة لإصلاح الحركة الإسلامية في الجزائر. هناك نقاط اشتراك بين مالك بن نبي في الفكر الذي يطرحه وبين الدكتور فريد الأنصاري في توجيههم للحركة الإسلامية عموماً، يجب ألا نغرق ويصبح عندنا تضخم سياسي نغفل فيه عن قواعدنا وشبابنا وعموم المسلمين على مائدة القرآن الكريم، تربية حقيقية ناضجة يصبح القرآن منهجاً ومنطلقاً.
هذه إشكالية الدكتور فريد الأنصاري الأساسية، أنه لاحظ أن القرآن الكريم أصبح مهمشاً عن الحياة السلوكية والواقعية، وإنما أصبح موظفاً في الخطابات الدعوية وشعاراً يرفع ومستعملاً. هذا طبعاً كلامه، أنا لست الآن كما قلت لكم في مقام التقييم البالغ، هل الدكتور فريد الأنصاري كان مبالغاً تدقيقاً؟ هذا أمر يتعلق به، لكني الآن أتكلم عن الواقع الذي يعني بعيني فريد الأنصاري -كما يقولون في لغة الإعلام- عن الواقع بعيني الدكتور فريد الأنصاري. فإذاً الكتاب الثالث في الألفين وثلاثة «البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي»، حيث انتقد فيه الدكتور انهمك زعماء الحراك الإسلامي بإشغال القواعد بالعملية السياسية ومجرياتها مع إغفال البناء الإيماني والتربوي للقواعد ولعموم الشعب المسلم. وهذا سماه الدكتور -أو قال الدكتور فريد الأنصاري- سبب ضعفاً دينياً تشرب إلى كثير من أفراد الشباب المسلم؛ شباب الحركة الإسلامية من الشباب والفتيات، وقلة المفاهيم الشرعية في حياتهم في مقابل تضخم العملية السياسية.
والذي يرفع شعار الإسلام في مقابل طبعاً انهمكهم في العمل الإسلامي، العمل الإسلامي الذي يرفع الشعار الإسلامي لكنه لا يحيى في وجدانهم. الدكتور فريد الأنصاري يقول إنه أصبح هناك تضخم عند الإسلاميين، انهمك بالعمل الإسلامي، العمل الإسلامي هو يرفع شعار الإسلام، يقول لا يحيى في الوجدان؛ هذا يعني توصيفه الدقيق أنه لا يحيى في وجدان الأفراد والقواعد بحق. وهذا الكلام له حظ من الحق عند كثير من الإسلاميين الذين اشتغلوا بساحة العمل الإسلامي عموماً، كيف أننا نرى في أنفسنا -نحن كمن عمل في ساحة العمل الإسلامي- نرى ضعفاً في الاهتمام بالجانب الإيماني، جانب الانطلاق الحقيقي من القرآن ومعالجة الحقائق القرآنية كما نمر الآن على رسالة الدكتور فريد الأنصاري، وانشغال وانهماك دائماً بالأمور السياسية والتضخمات السياسية ونهاياتها وما آل إليه المطاف. وهذا رآه الدكتور فريد الأنصاري انحرافاً دعوياً بحق. طبعاً هذا سماه الدكتور فريد الأنصاري في الرسالة التي سنقرأها بعد قليل، سماه الدكتور فريد الأنصاري قضية رفع القرآن كشعار للعمل الإسلامي لكن عدم الوجدانية معه؛ يسميه الدكتور فريد الأنصاري باسم جميل، يقول: هؤلاء يحيون حول القرآن وليس في القرآن. لاحظوا هذا التعبير الجميل، قال إن كثير من الإسلاميين يحيون حول القرآن، يعني هم أحسبهم صادقين، والله حسيبهم؛ الدكتور فريد الأنصاري أبداً لا يتعرض للنوايا، هو يرى أن هناك رغبة حقيقية وغيرة على الإسلام عند هؤلاء الأفراد، لكن حدث انحراف في البوصلة نتيجة لا شعورية، عدم انتباه لبعض القضايا الدعوية التي يجب أن تكون أساساً مفصلياً. فهو يقول هؤلاء يعملون حول القرآن لكنهم لا يعملون في القرآن، القرآن ليس منطلقاً إنما القرآن أصبح توظيفاً دعوياً.
الرسالة الرابعة التي تكلم عنها الدكتور فريد الأنصاري أو كتبها، الرسالة قبل الأخيرة، هي رسالة سماها رسالة «الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب»، كتبها عام ألفين وسبعة. طبعاً هذه الرسالة هي الرسالة الجدلية التي أحدثت ضجيجاً حول الدكتور فريد الأنصاري، والسبب في ذلك في الحقيقة حتى أكون منصفاً، أن الدكتور فريد الأنصاري كان في هذه الرسالة لربما كان عنيفاً في وجهة نظر مقابليه، كان عنيفاً في نظر مقابليه. في رسائله السابقة كان الدكتور فريد الأنصاري يجنح للكلام العمومي الإجمالي ولا يجنح إلى الكلام عن الأشخاص والطوائف بأسمائها. في هذا الكتاب بحد ذاته كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية، اقرأوا هذه الكتب إخواني حتى تكونوا على وعي وترتقوا لمن كان يبحث عن الحقائق والتطور في معرفته وعلمه، في هذا الكتاب الدكتور فريد الأنصاري لربما نقول اختلف أسلوبه، يعني لم يكتب هذا الكتاب بالأسلوب المعتاد، وإنما هنا اتجه للكلام عن الأشخاص خلاص، يعني ذكر أسماء وذكر أسماء جماعات بأعينها وبدأ ينتقد صراحة، وهذا سبب شيئاً من الجدل داخل دائرة العمل الإسلامي؛ لأنه الدكتور فريد الأنصاري حتى لما خرج عن حركة التوحيد والإصلاح بقي مرتبطاً بكثير من رموز هذه الحركة، وهم شيوخه وأساتذته، هو يحبهم وهم يحبونه وهناك جلسات بينهم وود واحترام متبادل.
لكن كما قلنا هذه الرسالة ذكرت أسماء وأشخاصاً وأعياناً، سببت شيئاً من الجدل واللغط لأنها خالفت الأسلوب المعتاد لكتابات الدكتور فريد الأنصاري، لكنني في الحقيقة أعذر الدكتور فريد الأنصاري؛ لأنني أدرك حجم الألم الذي كان يعتصر في داخله وهو ينظر لشباب الصحوة تنحرف بوصلتهم في الحياة عن القرآن، هناك ألم كان يحيى في قلب الدكتور فريد الأنصاري وكل من قرأ رسائل الدكتور يدرك ذلك، هناك ألم يعصر فؤاده على شباب الصحوة الذين انحرفت بوصلتهم قليلاً أو كثيراً عن القرآن، ويرى أنه كتب رسالة أولى، كتب رسالة ثانية، ورأى أن الانحراف ما زالت هي هي قائمة. من ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين لما كتب أول رسالة إلى ألفين وسبعة لم يتم أي إصلاح في العمل الإسلامي، زاد الانحراف، فمن حجم الألم صنف كتاب الأخطاء الستة وألقى فيه بضاعة كما قلنا. هذا الكتاب أحدث شيئاً من الجدل في المغرب، ولست في تقييم هذا الكتاب يعني هل كان من المناسب يذكر أشخاصاً وطوائف وجماعات، أم كان لو بقي على الأسلوب الإجمالي؟ أنا لست في مقام التقييم كما قلت لكم، وإنما في مقام عرض حياة هذا المفكر الإسلامي الكبير.
إذاً هذه الرسالة الرابعة حتى أختصرها لكم المسافة، أذهب للرسالة الأخيرة؛ الرسالة الأخيرة التي صنفها لأن هو ألفين وسبعة، وفي الألفين وتسعة توفاه الله سبحانه وتعالى. آخر كتاب صنفه هو كتاب سماه «الفطرية: بعثة التجديد المقبلة»، خلص هذه يعني آخر ما ألقاه للحركة الإسلامية، سماه الكتاب الأخير له كتاب «الفطرية: بعثة التجديد المقبلة». طالب في هذا الكتاب الدكتور فريد الأنصاري أبناء الحركة الإسلامية عموماً أن ينطلقوا من ضيق التنظيمات إلى الدعوة الفطرية العامة خارج هذه الهياكل التي أبعدتهم كثيراً عن البوصلة. هذه فكرته الأخيرة؛ هو يقول إن بعد هذه النصائح الكثيرة، أدعو شباب الغيورين على هذا الدين أن يخرجوا من إطار التنظيمات التي تضيق عقولهم وأفكارهم إلى ساحة الإسلام الرحب، يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بالفطرية التي كان يمارس فيها الجيل الأول من الصحابة والتابعين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من دون أي تضييقات، أو من دون أي انحصار في أسماء أو أشكال وما شابه ذلك. فلذلك سمى كتابه الفطرية، وأن يقول خلونا نعود إلى الدعوة ببساطتها، بأفكارها الواضحة، بعيداً عن كل هذه اللخبطة التي حدثت سابقاً، والاندماجات والانشقاقات والخروج وبروز قيادات وما شابه ذلك، وانشغال الشباب بالتضخم السياسي، إلى غير كل هذه الأمور؛ رأى الدكتور يجب الآن أن تزال وأن نعود إلى فطرية الإسلام.
الدعوة وبساطتها. طبعاً هذه وجهة نظر الدكتور، وكما قلنا توافقونه أو تخالفونه هذا أمر آخر ليس مجالي الآن؛ لكن ما يهمني هو أن هذه هي الرسالة الأخيرة التي وجهها الدكتور فريد الأنصاري للحركة الإسلامية. لقد لاحظتم إذاً أن الأنصاري يمتلك تجربة كبيرة، وعنده نظرات عميقة ورصد للانحرافات التي حدثت في العمل الإسلامي، وكيف انحرفت بوصلة الشباب المسلم عن أن يكون القرآن هو المنطلق، وهو المنهج، ومفتاح الطريق في أي عمل وجداني، حضاري، فكري، سلوكي، تربوي، وفي أي انطلاقة لهذه الأمة.
في آخر عمره، وبعد عام ألفين، ظهر تأثر الدكتور فريد الأنصاري بقوة بمدرسة بديع الزمان النورسي في تركيا، رحمة الله عليه، صاحب مجالس النور ورسائل النور، وصاحب حركة كبيرة جداً لا تزال آثارها في تركيا حاضرة. كان يهتم أيضاً بالجانب القرآني والجانب الروحاني في القرآن بقوة. الدكتور فريد الأنصاري في مصنفاته التي تتعلق بالقرآن وضح جداً تأثره وإشادته وتأييده للنورسي رحمة الله تعالى عليه، وفي المدرسة القرآنية التي أسسها هناك. طبعاً تقييم مدرسة النورسي ورسائل النور والجوانب الإيجابية فيها وبعض الأخطاء، هذا ليس مقامي الآن، أنا فقط أسرد التاريخ بموضوعية كما يقولون.
الدكتور فريد الأنصاري تأثر بشكل واضح وجلي وبشكل علني بأفكار النورسي رحمة الله تعالى عليه، وبدأ يأخذ أسلوب النورسي في الكتابة، ويضفي عليه جزءاً كبيراً من العلمية التي اكتسبها الدكتور فريد الأنصاري في حياته، ويكتب كتبه ورسائله المتعلقة بالقرآن وبالمشروع القرآني الحضاري الذي يرفعه. كأنك تقول وافق شن طبقة؛ فالدكتور فريد الأنصاري وجد بغيته لإعادة بث روح القرآن من جديد في الأمة المسلمة في فكر النورسي رحمة الله عليه. لذلك أعجب به أيما إعجاب وبدأ يقتبس من أفكاره، ورحل إلى تركيا؛ حيث تم علاجه هناك، وأظنه توفاه الله في تركيا إذا لم تخنّي الذاكرة عام ألفين وتسعة في مستشفى هناك، وكان يعالج وقابل كثيراً من رواد مدرسة بديع الزمان النورسي. فهناك التقاء فكري بينهم، والتقاء أيضاً في طريقة التصنيف والكتابة وطريقة إلقاء المشروع القرآني الكبير.
أخيراً إخواني، قبل أن أقرأ رسالة اليوم، أنا فقط أعطيتكم كل هذا التاريخ حتى تفهموا كلام الدكتور فريد الأنصاري لما تقرأوا له؛ ستقرأون وأنتم تفهمون لماذا يكتب هذا الكلام؟ ولماذا خط هذه الكلمات؟ ولماذا كل هذا الألم والحرقة على واقع الشباب المسلم؟ الآن ستفهمون جيداً كل هذه الحرقة، لأن الدكتور فريد الأنصاري لاحظ انحرافات البوصلة في التوجه، وكان محترقاً على هذه الدعوة أن تضيع وتُهدر بدل أن تُوجه بالاتجاه الصحيح. تركزت كتب الدكتور فريد الأنصاري في آخر حياته على إحياء الظاهرة القرآنية؛ توجهت كتاباته العلمية والفكرية لإحياء الظاهرة القرآنية للجيل الصاعد من الشباب المسلم، وبذل دكتورنا الحبيب رحمة الله عليه جهداً كبيراً في إيضاح معالم هذه الظاهرة القرآنية التي يريدها أن تنبعث في الأمة، وفي كيفية بعث هذه الظاهرة من جديد، وفي إذكاء نارها في الشباب المسلم حتى نعيد توجيه البوصلة من جديد وإصلاح المسار.
هذه القضية في الحقيقة أتفق فيها تمام الاتفاق مع الدكتور فريد الأنصاري، وهي أهمية إعادة المشروع القرآني لحياة الأمة وبعث روح القرآن من جديد. لا بد إخواني من الآن أن ننطلق في مشروع حضاري قرآني بحيث يصبح القرآن الكريم هو الحاضر الأبرز في حياتنا، في أفكارنا، اختياراتنا، توجهاتنا، وفي سلوكياتنا. دعونا نتحرر من قضية التقديس الأعمى للأشخاص أو الكتب أو المصنفات، ونحن نستفيد لكن قضية التقديس اللا شعوري التي يتكلم عنها يجب أن نتجاوزها، ونعود إلى القرآن الكريم لننهل منه المعارف، وننظر في رسائل الإله سبحانه وتعالى التي أرسلها إلينا، وننظر بالعين التي نظر فيها الصحابة والتابعون والأجيال الأولى من الأمة. إن هذه العودة الحقيقية للقرآن هي التي ستضمن بإذن الله لنا انطلاقة وانبعاثة جديدة للحضارة المسلمة.
من دون هذه العودة الحقيقية، سنبقى نضحك على أنفسنا أننا نعمل للإسلام ولكننا نعمل حول القرآن وليس بالقرآن، وسنبقى في هذه الإشكالات التي يتكلم عنها الدكتور فريد، وسيظل القرآن مجرد كتاب نتبرك به، أو حفظاً نحفظه باللسان لا نعايش ولا نكابد حقائقه. دعونا نقرأ كلام الدكتور فريد الأنصاري بعد قليل في هذه الرسالة المختصرة. هذه القضية مع الدكتور فريد الأنصاري محل اتفاق تام، بغض النظر عن أي كلام آخر له، فأنا لا أقيم انتقاداته للعمل الإسلامي في المغرب، فهي تحتاج استقراءات كثيرة لجميع الأطراف وهذا ليس موضوعي في هذه المجالس. موضوعي أن تعرفوا فكر الدكتور فريد الأنصاري، طبعاً الكلام عن الظاهرة القرآنية التي يريد الدكتور فريد بثها في الشباب المسلم بجميع معالمها كلام طويل، لكن من أراد أن يقف على هذا المشروع عليه أن يقرأ المصنفات التي تركها الدكتور فريد رحمة الله عليه في هذا المشروع القرآني الحضاري.
هناك الكثير من المصنفات التي كتبها الدكتور بأسلوب أخاذ وبقلم سيال؛ أسلوب الدكتور فريد الأنصاري أظن هو الذي شد كثيراً منكم لهذه المناقشة، فمن عرف كتابات الدكتور فريد يشعر أنه قل نظيره في هذا الزمن في إشعال روح القرآن في الشباب المسلم، وفي أخذهم إلى أجواء القرآن ورسم ذاك الطيف القرآني؛ فهو يدخل في الوجدان وتلك الحقائق الإيمانية وهي ترسخ في الأفكار. في الحقيقة هو من أبدع الناس الذين كتبوا في واقعنا المعاصر عن أثر القرآن في تغيير القلوب والوجدان بلا منازع. نقرأ لكثيرين تكلموا عن القرآن وقواعده وكيفية تدبره وهذا جيد جزاهم الله خيراً، لكن أسلوب الدكتور فريد الأنصاري في رسم الظاهرة القرآنية وإحيائها أسلوب عالٍ جداً ومميز، وكل شخص يقرأ له يشعر بذاك الأب الحاني الناصح.
حتى الحركة الإسلامية، على الرغم من الرسائل التي وجهها الدكتور فريد الأنصاري إليها، تدرك أن الدكتور فريد هو الإنسان الناصح الصدوق معها، نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً. هو الإنسان الذي يريد أن يصلح ويرتقي بشباب الأمة، وليس الإنسان الذي ينتقد من أجل الانتقام؛ الإنسان الغيور والأب الرؤوم الذي يحمل فكراً ومشروعاً وإصلاحاً وخيراً لشباب الأمة وشباب الصحوة. فكلامه عن المشروع القرآني ليس مجرد بعثرة كلمات عاطفية هنا وهناك عن أهمية القرآن ثم بعد ذلك لا ترى طحيناً كما يقولون، لم يكن الكلام عن رفع القرآن كشعار للعمل الإسلامي، بل على العكس؛ هو ضد كل هذه التوجهات، وكان يريد أن يعيد الأفراد والجماعات إلى التأثر الحقيقي السلوكي والوجداني بهذا القرآن العظيم.
طبعاً ما هي أهم الرسائل التي كتبها الدكتور فريد الأنصاري بالنسبة لمشروعه القرآني؟ أول كتاب وربما هو من أكبر كتبه في هذا المجال هو "مجالس القرآن"، وهو في ثلاث مجلدات، يصلح لشهر رمضان المبارك، يعلمكم كيف تحيون مع القرآن كمنهج وتطبيق ومشروع حياة، وليس مجرد قراءة ذوقية عاطفية، فاجعلوا "مجالس القرآن" مشروعكم في القراءة. كذلك "بلاغ الرسالات القرآنية"، وهو كتيب لطيف ومئة وخمسة وأربعون ورقة، حاول الدكتور فريد أن يرسل فيه أو يبين فيه ما هي مضامين رسالات القرآن التي أراد القرآن الكريم أن تحيا في عقول وفي قلوب الأجيال المسلمة، وبرزها وأوضحها على الساحة بشكل جريء وواضح وبأسلوب لطيف. أيضاً هناك الكتاب الذي بين أيدينا وهو كتيب صغير جداً، "رسالات القرآن: فمن يتلقاها؟"، وهي كما قلنا مجموعة من المقالات التي كتبها الدكتور فريد الأنصاري عن مشروعه القرآني الكبير.
كانت هذه مقدمة لمجالسنا القادمة، أردت فيها أن تعرفوا من هو فريد الأنصاري رحمة الله عليه، وما هو سر كل هذه الكتب والمصنفات. طبعاً محاضرات الدكتور فريد الأنصاري القيمة مبثوثة على "اليوتيوب"، احضروا محاضراته؛ ففي كل كلماته تجدون ذاك الأب الحاني والموجه، كلماته محسوبة بدقة، مؤثرة، تعايش وجدان الإنسان، وتشعر وأنت تسمع محاضراته عن القرآن الكريم أنه فعلاً يستفزك ويقودك إلى مشروعك، ولا تملك إلا أن تقول له جزاك الله خيراً ورحمك الله من عالم جليل ومربٍ ومفكر عميق، ليس إنساناً مبعثر الأفكار، بل إنسان منظم الأفكار، دقيق المنهج، صادق العاطفة، واضح الرؤية، يستطيع أن يعطيك الفكرة ويجليها لك ويقدمها بين يديك. فاسمعوا محاضراته في أوقات فراغكم وفي رمضان وفي هذه الأيام، واقرأوا رسائله.
الرسالة التي بين يدي الآن، حتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، عنوانها "في تحديد الوجهة". استعمل في هذه الرسالة مجموعة من المصطلحات المهمة التي تجلي مقصده رحمة الله تعالى عليه؛ سأسردها لكم الآن ثم نقف أنا وإياكم عليها، وسأبرز أهم هذه المصطلحات لكم حتى تحفظوها جيداً، فالدكتور فريد الأنصاري بشكل عام يهتم بالقضية الاصطلاحية، لأنه ورث هذه الفكرة من شيخه الشاهد البوشيخي، والشيخ الشاهد صاحب معهد كامل في المغرب يهتم بقضية المصطلح والاهتمام بإطلاق المصطلحات حتى لا تكون مطاطة أو فيها توسع أو اختزال، وهو مهتم جداً بالجانب الاصطلاحي، وهذا أثر كثيراً في شخصية تلميذه الدكتور فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه، فالدكتور فريد يعتني جداً بمصطلحاته في عموم كتبه ومصنفاته.
في هذه الرسالة "رسالة في تحديد الوجهة"، هناك مجموعة من المصطلحات والأفكار البارزة هي التي تقوم عليها هذه الرسالة. المصطلح الأول الذي استعمله هو "مصطلح التداول القرآني"، وقد عرّف هذا المصطلح فقال: "وأقصد بالتداول القرآني هو الانخراط العملي في تصريف آيات الكتاب العزيز في السلوك البشري العام". إذاً هذا هو التداول القرآني؛ كيف ننخرط عملياً واقعياً في آيات الكتاب العزيز؟ وكيف تصبح هذه الآيات هي المؤثرة في السلوك البشري العام، سواء السلوك الإيماني أو التربوي أو الأخلاقي أو الاجتماعي؟ مع مصطلح التداول، هو مصطلح كان يسعى الدكتور فريد الأنصاري إلى أن يحييه في حياة الأمة.
أيضاً المصطلح الآخر هو "الاشتغال حول القرآن وليس الاشتغال بالقرآن"؛ هو يتكلم ناقداً للجماعات الإسلامية، فيريد أن يبين أنه الخطأ الكبير عندكم أيها الإسلاميون عموماً بمختلف أطيافكم أنكم تشتغلون حول القرآن لكنكم لا تشتغلون بالقرآن نفسه حقيقة وواقعاً. المصطلح الثالث الذي حاول أن يبرزه أيضاً الدكتور فريد في هذه الرسالة هو "الحفظ الحقيقي للقرآن"؛ فهو يقول: نعم، القرآن مطلوب أن نحفظه بألسنتنا وفي قلوبنا، لكن هناك حفظ أدق هو المقصود حقاً من إنزال هذا الكتاب، فما هو الحفظ الحقيقي للقرآن؟ سنقرأ وجهة نظر الدكتور فريد الأنصاري.
المصطلح الرابع الذي استعمله هو "مكابدة الحقائق القرآنية"؛ فالدكتور فريد يقول: حقائق القرآن كيف تلقاها الجيل الأول من الصحابة والتابعين؟ كانوا يتلقون الخمس آيات والخمس آيات، ما كانوا يكثرون في الحفظ، بل يختارون الآيات التي تنزل يكابدون حقائقها الإيمانية في حياتهم، يحولون التعايش معها في وجدانهم وفي واقعهم، ثم بعد ذلك يأخذون رصيداً آخر من الآيات ويبدأون المكابدة القرآنية، هذه قضية المكابدة القرآنية أيضاً مصطلح لطيف جميل من الدكتور فريد الأنصاري؛ نحن في غاية البعد عنه، فنحن نقرأ القرآن الكريم نريد أن نختم القرآن في رمضان ختمتين أو ثلاثاً أو أربعاً، لكن هل اهتممت بمكابدة الحقائق القرآنية؟ جميلة القرآن عندي، لكن ما هو أعظم وأجمل وأفضل وأكمل هو أن تتعلم كيف تكابد وتجاهد الحقائق القرآنية حتى تكون واقعاً في حياتك، وليس مجرد إنسان تتكلم عنها في مواعظك وفي مجالسك وفي عملك الإسلامي لكنها لا تعشعش في وجدانك وفي قلبك.
هذه إذاً أربع مصطلحات سنمر عليها سريعاً ونحن نقرأ هذه الرسالة المباركة: مصطلح التداول القرآني، ومصطلح علينا أن نشتغل بالقرآن وليس حول القرآن، ومصطلح الحفظ الحقيقي للقرآن، ومصطلح مكابدة الحقائق القرآنية. خلونا الآن نبدأ إخواني بمدارسة وقراءة هذه الرسائل، ونبدأ بالرسالة الأولى اليوم وغداً. يقول الدكتور رحمة الله عليه: "عندما يُضرب على القرآن وأهله، وتُغلق مدارسه ومحاضرُه، وتُصادر ألواحُه وحناجره؛ فإن الله سبحانه وتعالى يبعث من يتلقى رسالاته من جديد، على سبيل التجديد لهذا الدين في النفوس، وتحدي الكيد الشيطاني للدين وأهله، ثم ينشر نوره في الآفاق: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]".
في هذه الفقرة يتكلم عن موضوع التحدي الذي يواجه القرآن من العدو الخارجي، الذي يريد أن يضيق على القرآن الكريم، ويريد أن يضيق على المحاضر القرآنية وعلى غرس معاني القرآن في الشعوب المسلمة، ويريد أن يسلخ القرآن من وجدانهم ومن شعورهم. وكما قلت لكم إخواني إياكم أن تنخدعوا؛ نعم قد يسمحون لكم بممارسة القرآن أو ربما حفظ آيات القرآن الكريم، ما عندهم مشكلة، لكن خصمك لن يسمح لك بأن يصبح القرآن منطلقاً في الحياة، هنا المعركة، معركة القرآن هنا.
الكتاب العزيز خصمك لن يسمح لك بأن يكون واقعاً موجهاً لبوصلة الحياة، سيقنع منك بتلاوته في حفلات في مسابقات، سيسمح لك بالقشور؛ ما يتكلم عنه الدكتور فريد سيسمح لك بالحياة حول القرآن لدرجة معينة، لكن إشكاليته معك الحياة في القرآن، هذه الإشكالية التي لن يسمح بها.
خلونا نكمل مع الدكتور فريد؛ يقول إن المسلمين في كثير من الأقطار يعانون اليوم أزمة غياب التداول الاجتماعي للقرآن الكريم، لاحظوا مصطلح التداول القرآني؛ إن المسلمين في كثير من الأقطار يعانون اليوم من أزمة غياب التداول الاجتماعي بالقرآن، فيتداولون القرآن، يتدارسونه بينهم، ومعنى التداول الآن سيعرف لنا مصطلح التداول القرآني؛ قال ومعنى التداول ها هنا الانخراط العملي، الانخراط العملي السلوكي الحياتي، الانخراط العملي في تصريف آيات الكتاب في السلوك البشري العام. تلاوة من ابتداء من التلاوة، هذا هو الانخراط العملي، يبتدأ بالتلاوة، التلاوة وتزكية وتعلمًا، وتعريض تربة النفس لأمطار القرآن. لاحظ العبارة الرفيعة العالية: تعريض تربة النفس بأمطار القرآن؛ لأن هو القرآن مطر، متى نزل على هذه النفوس أحياها وبث فيها روحًا جديدة، وتعريض تربة النفس بأمطار القرآن وفتح حدائقها المشعثة، هذه النفس فيها حدائق لكنها حدائق فيها شعث، فيها فوضى، فيها نباتات ضارة، قال وفتح حدائقها المشعثة لمقارضه ومقاصه. فالقرآن يشبهه الدكتور فريد الأنصاري بأنه مقص شجر ومقراض يزيح هذه النباتات الضارة عن حدائق النفوس، لتتشذب ولتتهذب حدائق النفوس على مائدة القرآن الكريم. حتى يستقيم المجتمع كله على موازين القرآن، فإذا هناك مصطلح التداول القرآني وهو الانخراط العملي في تصريف الآيات في السلوك البشري العام؛ تلاوة وتزكية وتعلم وعمل وتعريض تربة النفس لأمطار القرآن، وجعل القرآن يهذب هذه النفوس ويزيل عنها النباتات الضارة حتى يستقيم المجتمع كله على موازين القرآن.
إن ثمة أزمة منهجية في التعامل مع القرآن وبياناته النبوية في الصف الإسلامي المعاصر، بدأ يدخل أكثر وأكثر للعمل الإسلامي أن ثمة أزمة منهجية في التعامل مع القرآن وبياناته النبوية في الصف الإسلامي المعاصر، إن مشكلتنا أننا نشتغل حول القرآن وليس بالقرآن وفي القرآن، لاحظوا الكلام، إن مشكلتنا أننا كإسلاميين كدعاة كطلبة علم نشتغل حول القرآن، قال وليست بالقرآن وفي القرآن، وبينهما فرق كبير كما بيناه في كتابنا الفطرية الذي تكلمت عنه قبل قليل. إن الذي يشتغل بالعمل حول النص الشرعي، يعني حول القرآن وليس في القرآن، إن الذي يشتغل بالعمل حول النص القرآني أو الشرعي معناه أنه يتخذه شعاراً فقط ربما من حيث لا يدري، ربما أنت لا تدري أن القرآن أصبح لديك مجرد شعار، لكن هذا واقع عملك الإسلامي، معناه أنه يتخذه شعاراً فقط ربما من حيث لا يدري؛ لأنه في الواقع في واقع عمله الإسلامي يشتغل بمجموعة من الأفكار المجردة عن القرآن والآراء الشخصية أو الآراء الجماعية، ولذلك فإنك تجد عملية تداول القرآن ومكابدته بمثل هذا الصف الإسلامي ضعيفة جداً إن لم تكن منعدمة، لأن التحقق برسالات القرآن وبحقائق الوحي بالنسبة إلى هذا الصف الإسلامي ليس مقصوداً لذاته في حركة ذلك العمل وفي ذلك ما فيه من مثال ومخارب. إذا أصبح حضور القرآن حضوراً شكلياً يتكلم في كثير من الأحاديث في الصف الإسلامي، حضور كما قلنا تلطفات وجدانيات مشاعر عامة، لكنه ليس بوصلة بتعديل المسار، ليس منطلقاً للإصلاح الحضاري والفكري والسلوكي.
قال أما الاشتغال بالقرآن، أما المفهوم الآخر الذي أريده وهو الاشتغال بالقرآن وفي القرآن؛ قال فهو عمل، لاحظوا فهو عمل يتخذ كتاب الله أساس مشروعه وصلب عمله ومنهاجه، تلاوة وتزكية وتعلمًا وتعليمًا، إنه دخول في مسلك القرآن تلقيًا لآياته وخضوعًا لحركته التربوية في النفس ومكابدة لحقائقه الإيمانية، هذا المصطلح إذاً الذي قلته لكم قبل قليل؛ فالدكتور فريد الأنصاري يرى أن العمل في القرآن إنما هو في الحقيقة المكابدة للحقائق القرآنية ومجاهدة النفس على التحقق بها، قال ومكابدة لحقائقه الإيمانية واستيعابًا لأحكامه ولحكمه في طريق حمل النفس على التحقق بمنازلها والتخلق بأخلاقها. إن السير العملي في ميدان الدعوة والتربية على هذا المنهاج هو عين الالتزام بمنهج النبوة، يريدون إصلاح النفوس وإصلاح المجتمعات، يقول لكم الدكتور فريد الأنصاري هذا هو المنهج؛ الحياة في القرآن، إن السير العملي في ميدان الدعوة والتربية على هذا المنهاج هو عين الالتزام بمنهاج النبوة في إصلاح النفوس والمجتمع، إنه تمثل حقيقي بحياة الصحابة الكرام، واتباع للطريقة العلمية الحقة في تجديد الدين سواء الدين على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي.
إن اتخاذ القرآن أساس العمل الدعوي ليس معناه إنصاف الرجل وليس معناه إلغاء وسائل العمل الإسلامي الاجتهادي الأخرى من الهياكل التنظيمية أو ما شابه ذلك، سواء كانت وسائل اجتماعية أو سياسية واقتصادية أو إعلامية أو ثقافية، أنا لا أتعرض لهذا، وإنما هذا المنهاج يحكم عليها جميعاً، إنما يريد الدكتور فريد أن يصبح منهج القرآن وقواعد القرآن هي التي تحكم وسائل العمل الدعوي بمختلف أشكالها، وليست وسائل العمل الدعوي هي التي تحكم تعاملنا مع القرآن، لاحظوا انقلاب المعادلة، يجب أن يكون المنهج القرآني هو الذي يحكم وسائل العمل الدعوي، وهو الذي يقيم ما يصلح منها وما لا يصلح، وليست وسائل العمل الدعوي هي التي تفرض نفسها على تفسير النصوص القرآنية وعلى توجيهها، وإنما هذا المنهاج يحكمه؛ أي المنهاج القرآني يحكم عليها جميعاً؛ أي على كل وسائل العمل الإسلامي الاجتهادية بالانضواء تحت هيمنة القرآن والخضوع لتوجيهه وأولوياته، وكذلك بنى محمد صلى الله عليه وسلم مجتمع الإسلام الأول تحت عين الوحي وتوجيهه ودون سيرته العظمى.
فانظر سيتكلم الآن عن موضوع ما هو الحفظ الحقيقي للقرآن؟ يقول إن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، الحفظ الغيبي، مهم جداً، لا يقلل من شأنه أبداً، ولا يوجد عاقل أصلاً مسلم يقلل من شأنه، لكنه لا يمثل بمفرده حقيقة ما نحن فيه، رغم أن تعميم الحفظ والاستظهار لكتاب الله أو لبعضه ومن أهم خطوات السير فيه؛ يعني عملية الحفظ الغيبي للقرآن هو جزء من مشروعه الحضاري للقرآن لكنه ليس كل المشروع. إن الحفظ المطلوب في هذا المنهاج القرآني إنما هو الحفظ الذي مارسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يتلقون خمس آيات أو عشر آيات فيدخلون في مكابدة حقائقها الإيمانية ما شاء الله من الزمن، فلا ينتقلون إلى غيرها إلا بعد نجاحهم في ابتلائاتها، ومن هنا إخواني الحكمة من نزول القرآن منجماً هي قضية مكابدة حقائق القرآن، الله سبحانه وتعالى كان ينزل كتابه العزيز قسماً قسماً حتى يكابد الصحابة الكرام الحقائق القرآنية في كل قسم على حدة، وهذا ما يفسر لماذا نحن غائبون عن هذه المشاهد، مشاهد الصحابة؟ لأننا نحن نأخذ القرآن جملة من دون أن يكون على خاطرنا أن نغرس في أنفسنا وفي نفوس قواعدنا وشبابنا وبناتنا أهمية المكابدة بالنصوص القرآنية والحياة معها فقرة فقرة ونصاً نصاً. فيدخلون في مكابدة حقائقها الإيمانية ما شاء الله، فلا ينتقلون إلى غيرها إلا بعد نجاحهم في ابتلائاتها، ومن ثم يصير حفظ القرآن بهذا المسلك، مسلك الصحابة، يصبح حفظ القرآن هو مشروع العمر، مشروع حياة؛ لأنهم لا يحفظون القرآن جملة واحدة، بل يحفظونه بحسب حقائقه، بالتالي كما كان ابن عمر جلس في حفظ سورة البقرة ثماني سنوات؛ لماذا؟ هل تظنون كان عاجزاً عن أن يحفظها في شهر كما نفعل نحن أو يفعل بعض الطلبة؟ لا، هو كان يستطيع ذلك، لكن هو أراد الحفظ الحقيقي للقرآن، وهو أن يكون القرآن مهيمناً على مشاعره ووجدانه وأن يتعب بمكابدة تحقيق كل آية ممارسة عملية وسلوكية في حياته.
ومن ثم يصير حفظ القرآن بهذا المسلك، مسلك الصحابة، هو مشروع حياة وليس مجرد هدف لسنة أو لسنتين أو لبضع سنوات، ولاحظوا يا أصحاب العمل القرآني؛ الدكتور يقول إحنا أصبح عندنا المشروع القرآني وخلص أن نحفظ القرآن، ما شاء الله خرجنا حافظ، طب هذا الحافظ تحقق بالقرآن منهجاً حقيقياً في حياته؟ نجد هذا الحافظ بعيداً جداً عن معاني القرآن وعن أخلاق القرآن وعن الحياة مع القرآن وعن تأثير القرآن على قيام الليل عنده، وعلى أفكاره، وعلى منهجه، وعلى التعامل مع النصوص، وعلى الانقياد للأحكام وعدم التسلق عليها، طب مش حفظه؟ نعم هو حفظه بلسانه، لكنه لم يحفظه مكابدة وممارسة ومعاملة حقيقية في الحياة، هذه الفكرة التي نريد أن نعيد بعثها في الأمة من جديد.
إن الذي لا يكابد منزلة الإخلاص ولا يجاهد نفسه على حصنها المنيع ولا يتخلق بمقام توحيد الله في كل شيء رغبة ورهبة، لا يمكن أن يعتبر حافظاً لسورة الإخلاص؛ يقول ما تقول لي إنك أنت حافظ لسورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]، لا تعتبر نفسك حافظاً لها إذا لم تكابد منزلة الإخلاص لله؛ ما هي اسمها سورة الإخلاص، فإذا أنت لم تكابد منزلة الإخلاص والتجرد لله في حياتك أيها الشاب المسلم ولم تجاهد حصنها المنيع ولم تتخلق بحقائق التوحيد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وحدانية الله، تفريد الله سبحانه وتعالى بالهيمنة والحكم في هذا العالم؛ إذا لم تتخلق بمقام التوحيد الحق في كل شيء رغبة ورهبة، لا يمكن أن أعتبرك حافظاً لسورة الإخلاص.
وإن الذي لا يذوق طعم الأمان والطمأنينة عند الدخول في حمى المعوذتين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، الاستعاذة هي استجارة واحتماء بجناب الله العظيم سبحانه وتعالى، إذا أنت ما كنت مستحضراً ايش فـ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ واقعاً في حياتك، ما كنت مستحضراً ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ واقعاً عملياً في حياتك؛ إن الذي لا يذوق طعم الأمان عند الدخول في حمى المعوذتين لا يكون قد اكتسب بحق سورتي الفلق والناس. ثم إن الذي لا تلتهب أشواقه للتهجد لا يكون من أهل سورة المزمل، لا يكون من أهل سورة المزمل، لما ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2] من أهل التهجد؛ كما يقول لك الدكتور فريد الأنصاري، فأنت لم تحفظ هذه السورة، أنت لم تعِ هذه السورة بحق؛ بلسانك لكنها لا تحيا في قلبك وفي وجدانك. فكما أن الذي لا تحترق نفسه بجمر الدعوة والنذارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ليس من المتحققين بسورة المدثر، الذي لا يعيش العمل ولا يصطلي بنار الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ولا يعيش بجمر الدعوة والنذارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أسرته وفي مجتمعه وفي حيه؛ هذا لم يحفظ سورة بحق.
ثم إن المستظهر لسورة البقرة عن ظهر قلب إذا لم يسلم وجهه لله في كل شيء ولم يسلك بها إلى ربه متحققاً بأركان الإسلام وأصول الإيمان، متخلقاً بمقام الجهاد في سبيل الله، صابراً في البأساء والضراء وحين البأس؛ هذه كلها الأفكار الواردة في سورة البقرة، صابر في البأساء والضراء وحين البأس، متنزهاً عن المحرمات في المطعومات والمشروبات إلى آخره، واضعاً عنقه تحت ربقة الأحكام الشرعية في دينه ونفسه وماله، متحققاً بخلق السمع والطاعة لله على كل حال من غير تردد ولا استدراك على الشارع، من لم يحقق كل هذه المعاني في حياته لا يكون حافظاً لسورة البقرة؛ وإنما الحافظ للشيء بحق هو الحافظ بأمانته.
هذا هو الحفظ عند الدكتور فريد الأنصاري؛ يقول إن الحافظ للشيء بحق هو الحافظ لأمانته، المتحقق بحكمته، العامل بمقتضاه، المكابد لما تلقى عنه من حقوق الله سبحانه وتعالى، قد أجمع العلماء والدعاة على أن هذا الدين كتاباً وسنة منهاج حياة، وأنه لن يكون كذلك في واقع الناس أفراداً واجتماعات ومؤسسات إلا باتخاذه مشروعاً للحياة تفنى في سبيله الأعمار، وهذه قضية منهجية أساس لتلقي موازين ربانية والتخلق بحقائقه الإيمانية حتى يصبح هو الفضاء المهيمن على حياة المسلم كلها ديناً ودنيا.
إن هذا الهدف العظيم لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بعقد العزم، لاحظ كيف طيب يا شيخ نحقق هذا المشروع الكبير الذي يتكلم عنه الدكتور فريد الأنصاري؟ إن هدفي العظيم لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بعقد العزم على الدخول في مجاهدات ومكابدات مستمرة للتحقق بمنازل القرآن ومقاصده التعبدية، إذاً إخواني لما تدخلوا في مدرسة رمضان من الآن أقول لكم حاولوا أن تجعلوا هذا الرمضان رمضان آخر، حاولوا أن تجعلوا هناك برنامجاً لكم في حياتكم الرمضانية في التحقق ومكابدة الحقائق القرآنية، خذوا مجموعة من سور من آيات وحاولوا أن تعيشوها وجدانياً وروحياً وفكرياً؛ لأن هذه المعايشة الحقيقية الوجدانية هي التي سترتقي بكم نحو الأفضل، وأما إذا بقيتم على الحال في كل رمضان مجرد قراءة سريعة عابرة مع عدم الالتفات للحقائق القرآنية والرسائل الإلهية التي نزلت من الله سبحانه وتعالى أساساً من أجل أن نتدثر بها وأن نكابدها وأن نحققها في حياتنا؛ إذاً نحن ما زلنا بعيدين غاية البعد عن منهج الصحابة في تلقي القرآن، فلا تتعبوني في مناقشة الحراك الإسلامي والعمل الإسلامي والخطابات الدعوية إلى غير ذلك، دعونا نكون واقعيين؛ إذا بقي الشباب المسلم والفتيات المسلمات إذا بقيت قواعد العمل الإسلامي وعموم الشعوب المسلمة، إذا بقيت بعيدة إخواني عن حقائق القرآن في حياتها وممارساتها؛ اعلموا أننا ما زلنا بعيدين عن العمل الإسلامي الحقيقي، ما زال هناك بعد وانحراف في البوصلة. الأنصاري رحمة الله تعالى عليه هو من خلال كلماته ومن خلال همساته يريد أن يقول لكم هذا الكلام الذي أحاول أن أوصله لكم، عليكم أيها الشباب المسلم أن.
القرآن إلى حياتكم من خلال مكابدة حقائقه. لما تقرأ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» اقرأها وتمثل بها، واستشعر معاني التوحيد. ولما تقرأ «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، حاول أن تشعر أنك دخلت في حماية الله، وتشعر بذلك الأمان، وذلك الطيف وهو يدندن حولك ويشعرك بالالتجاء والاعتصام إلى ركن عظيم. إذا ما تعودت على هذه القضية في الصباح وفي المساء وفي معالجتك للنصوص القرآنية، وانطلقت مباشرة للعمل الإسلامي والحركة الدعوية ببصيرة ضعيفة جداً من مكابدة الحقائق الإيمانية، فاعلم أنك لن تكمل المسير.
إخواني، لماذا النبي صلى الله عليه وسلم جلس مع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ثلاثة عشر سنة في مكة وهو يربيهم على مكابدة الحقائق القرآنية؟ لأنه يدرك -بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- أن الثمرة والنتيجة ستخرج ما بعد ذلك في المدينة في المعارك والغزوات. حقيقة السمع والطاعة والانقياد لأوامر الله والثبات، عندما تجلت الآيات الإلهية بالثبات في الغزو والمعارك، وعدم تبديل المنهج، وعدم التنازل عن الثوابت؛ هذه الأمور إنما هي ثمرة تربية متواصلة على مائدة القرآن، وهي ثمرة المكابدة الحقيقية لمنهج القرآن.
خلونا نكمل، إن هذا الهدف العظيم لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بعقد العزم على الدخول في مجاهدات ومكابدات مستمرة، للتحقق بمنازل القرآن ومقاصده، عبوديةً من الاعتقاد إلى التشريع إلى مكارم الأخلاق وأشواق السلوك، سيراً بمسلك التلقي لحقائق القرآن الإيمانية والمكابدة لتكاليفها الشرعية، والسير إلى الله سبحانه من خلال معراجها العالي الرفيع. ثم تتبع آيات من أوله إلى آخره، آيةً آيةً، حتى يختم كتاب الله على ذلك المنهاج. إذاً الدكتور فريد يريد منك أن تمر على آيات القرآن الكريم آيةً آيةً، يريد منك أن تعالج آيةً آيةً. حفظت القرآن؟ جزاك الله خيراً، عليك أن تعود مرة أخرى لآيات القرآن في حياتك. إخواني هذه الفكرة أتمنى أن نعيد التفكير فيها؛ فكروا في طريقة تعاطينا مع القرآن الكريم في رمضانات سابقة، بل في حياتنا العامة. فنجد أننا كملتزمين، كطلبة علم، كدعاة، نعاني فجوة كبيرة في العلاقة مع القرآن. هناك بعد هائل عن حقائق القرآن في حياتنا، عن الممارسة له آيةً آيةً، وسطراً سطراً، وشعوراً واقعياً.
وإننا لنعلم أن الكمال في هذا، فيه الغاية؛ إن الوصول لمرحلة الكمال بمكابدة الحقائق القرآنية هو مما تفنى فيه الأعمار، صعب، ولكن ذلك لا يلغي المقاربة والتسديد، «سددوا وقاربوا». وإن أحق ما توهب له الأعمار -يعني أن تهب عمرك لكتاب الله سبحانه وتعالى- ليس أمراً ثانوياً، أو تقول أمر والله لا يستحق، بل أعظم شيء في حياتك هو أن تهب عمرك لهذا القرآن العظيم وفي الحياة معه. إن أحق ما توهب له الأعمار كتاب الله، وفي مثل بليغ، حق بليغ: أن نملةً انطلقت في طريقها عازمةً على حج بيت الله من أقصى الأرض، فقيل لها: كيف تدركين الحج وأنت نملة تسيرين بطيئاً، إنك ستموتين قطعا قبل الوصول إلى بيت الله الحرام؟ فقالت هذه النملة العاقلة: إذاً أموت على تلك الطريق أفضل من أن أموت خارج الطريق. وإن القرآن لهو بحق مشروع العمر وبرنامج التعبد في سيره إلى الله سبحانه وتعالى حتى يلقى الله.
وما كان ترتيل القرآن -أي نزوله مفرقا وتصريف آياته على مدى ثلاث وعشرين سنة- إلا خدمة لهذا المقصد الرباني الحكيم، فيه معالجة ومكابدة آيات القرآن في نفوس الصحابة وفي نفوس الأجيال اللاحقة أيضاً. ولقد استغرق القرآن في نزوله عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظوا القرآن هل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أو يومين أو سنة وسنتين وحفظ الصحابة وانتهت القضية؟ لا، بل كان مشروع العمر للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة من بعده. لقد استغرق القرآن عمر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام جميعاً، فكان منهم من قضى نحبه قبل تمام نزوله، ومنهم من لم يزل ينتظر حتى جاهد به في الآفاق بقية عمره إلى أن توفاه الله. لقد عاشوا بالقرآن وللقرآن وما بدلوا تبديلاً، فكانوا هم الأحق بلقب جيل القرآن وأمة القرآن.
لقد كان الواحد منهم إذا تلقى الآية أو الآيتين أو الثلاث، يبيت الليالي وهو يكابدها قائماً بين يدي ربه، متبتلاً في قيام الليل بهذه الآيات، يلهب نفسه الأمارة بالسوء بسياطها، ويبكي ضعفه تجاه حقوقها، أي حقوق هذه الآيات، وبعد المسافة وبين مقامها، فلا يزال كذلك مستمراً في صدقه الصافي ونسيجه الدامي، حتى يفتح الله له من بركاتها -أي من بركات هذه الآيات- ما يرفعه عنده ويزكيه. فإذا كان النهار انطلق هذا الصحابي مجاهداً بها نفسه في أمور معاشه ومعاده، وداعياً بها إلى الله، معلماً أو مقاتلاً عليها عدواً، شاهداً عليه أو مستشهداً.
ويرسم لك مشهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في تلقي القرآن؛ ثلاث آيات يعايشونها، يكابدونها، ثم بعد ذلك بعد قيام الليل معها والجلوس في أفيائها، ينطلقون بها إلى النهار، يعيشون واقعاً عملياً حياتياً، ثم يعلمونها للآخرين ويقاتلون في سبيلها ويموتون من أجلها. هكذا هي حياة القرآن التي نفقدها، أنا لا أحب في الحقيقة الكلام العاطفي فقط، يعني أن نبقى ندندن حول القرآن والقرآن جميل والقرآن كلام الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك نفقد هذه المعاني. إخواني لا بد -إخواني وأحبائي- أن نعيد النظر في طريقة تعاطينا مع القرآن. نعم، حدثت هناك أخطاء في الخطابات الدعوية السابقة وتراكمات فكرية مغلوطة، علينا أن ننسى الماضي، وأن نبدأ صفحة جديدة مع كلام ربنا من شهر رمضان المبارك بإذن الله.
دعونا نعود للقرآن الكريم عودة جديدة مؤثرة في قابل الأيام. كثير من الناس تأثروا بالقرآن تأثيراً لحظياً أو تأثيراً عاطفياً، أو يسمع صوت شيخ جميل فيتأثر بالقرآن ويطرب له، ولربما دمعت عينه، لكن لما ينطلق في واقعه العملي والحركي والمسير في هذه الحياة، نقول: هل هذا فعلاً فلان الذي قرأ القرآن قبل قليل؟ هل هذا فعلاً الإنسان الذي قرأ سورة المزمل والمدثر وقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة؟ هل هذا هو هذا؟ أشعر بشيء من انفصام، وهذا في الحقيقة شكل من أشكال العلمانية، هذا شكل من أشكال العلمنة في حياة كثير من الإسلاميين؛ لأنه العلمانية ليست فقط العلمانية في نظام الحكم، بل هناك علمنة في واقعنا، أننا نتعامل مع القرآن في مدارس وجمعيات التحفيظ أو في بيوتنا، فإذا خرجنا إلى واقع الحياة فإذا القرآن بعيد جداً عن تقييم مشاعرنا ومناهجنا.
إذا قرأنا القرآن، قرأت الفتاة الله سبحانه وتعالى يأمرها بالحجاب، يأمرها بالجلباب والستر، فإذا بها تخرج للحياة العملية منفكة تماماً عما قرأته قبل قليل. طيب كيف أثر القرآن على حياتك؟ هل أنت تقرأين القرآن بس مجرد تبرك من دون أن تتلقي منه المنهج؟ الشاب من المؤمنين ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]. ثم بعد ذلك هو نفسه هذا الشاب يطلق بصره إلى المحرمات وإلى الأمور التي تغضب الله سبحانه وتعالى، ما هي الإشكالية؟ إذاً علينا أن نعود فنقول الإشكالية هي أننا لا نتلقى القرآن كما يتلقاه الصحابة الكرام؛ تلقي الإنسان الذي يأتي إلى القرآن بنهم وشغف، وهو مقتنع أن هذا الكتاب هو المنطلق لكل مشكلاته الفكرية والسلوكية والحياتية، هو الذي يقيم سلوكه ومنهجه. هناك إشكالية عليك أن تعالجها وابدأ من شهر رمضان في معالجتها.
لم يكن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن أي جديد، حتى تكون الآية السابقة قد ارتفعت له في نفوس أصحابه، ورُعيت رعايةً على قصد بناء عمران الروح العظيم، الذي بلبناته الفردية ارتفع صرح الأمة. تألف ولم يزل التابعون وأتباعهم على هذا المنهاج القرآني بالتربية والدعوة والجهاد، حتى فتح الله لهم الأرض ومكن لهم فيها. يا قوم، إن الدخول الجماعي المؤلَّف من المؤمنين الربانيين بهذا المشروع القرآني العُمري -إذاً القرآن مشروع عمر، مشروع حياة- كما يقول الدكتور فريد، إن هذا الدخول المؤلَّف من المؤمنين الربانيين في هذا المشروع القرآني العُمري هو أساس تجديد الدين، تنبت جيل الفتح المبين. وإن أغلب فصائل الحركة الإسلامية للأسف في شغل شاغل عن هذا المنهاج، ولقد سجلنا في ورقة وكتاب تشخيصنا لأزمة العمل الإسلامي المعاصر، الرسائل الخمس التي ذكرتها لكم قبل قليل، وبياناً لانحرافه عن الميزان الشرعي مسلك الوحي، برنامجاً ومنهاجاً، ومخالفته لمراتب الأولويات الدعوية كما هي مقررة في الكتاب والسنة. إننا في حاجة إلى الدخول في ابتلاءات الآيات القرآنية؛ هذه كلمة تكتب بمداد الذهب إخواني، إننا في حاجة إلى الدخول بابتلاءات الآيات القرآنية والكلمات الرحمانية، تلقياً لحقائقها الإيمانية وخضوعاً لعملياتها الجراحية وهي تداوي نفوسنا، ومكابدةً لهداها المنهاج، حتى يشاهد كل منا عبوديته لله خالصة نقية، عبوديته له تعالى على أتم ما يكون الوقوف على باب الخدمة والطاعة.
إن الأمة اليوم في حاجة ماسة إلى من يبلغها هذه الرسالات على سبيل التجديد لدينها، والخروج بها من أزمتها، وتوثيق صلتها بكتاب ربها، عسى أن تعود إلى احتلال موقعها من شهادتها على الناس كل الناس، على منهاج النبوة الحق ووظائفها الكبرى: تلاوة للآيات بمنهج التلقي، وتزكية للنفوس بمنهج التدبر، وتعلماً وتعليماً للكتاب والحكمة بمنهج التدارس. وإن يقيننا راسخ في أن الانخراط العملي الصادق المخلص في هذا المنهج يجعل الأمة ترتقي بمدارج العلم بالله، والتعرف إلى مقامه العظيم، ما يجعلها تستأنف حياتها الإسلامية على وزان جيل القرآن الأول، الصحابة الكرام، وإن ذلك لهو السبيل الأساس لتحرير الأمة من الأهواء والأعداء. وإن يقيننا في أن أول من سيخضع بعمليات هذا المنهج القرآني ولجراحاته العميقة هو حامل رسالاته.
الآن يتكلم الدكتور فريد الأنصاري عن الشخص المؤهل لأن يقود حركة الدعوة الإسلامية، من هم الأناس المؤهلون لقيادة بلغتنا؟ من الذين يستحقون أن يحملوا رسالة القرآن ومشعل القرآن للناس؟ التقى بالإنسان الذي حفظ القرآن لكنه لم يتحقق به في حياته، يقول الدكتور فريد: وإن يقيننا راسخ في أن أول من تخضع لعمليات هذا المنهج القرآني، العمليات الجراحية للقرآن الكريم في نفسه، هو الذي هو حامل لرسالاته أولاً. إن نور القرآن -فركزوا- إن نور القرآن لا يمتد شعاعه إلى الآخرين إلا باشتغال قلب حامل كلماته وتوجهه بحقائقه الإيمانية الملتهبة. يعني لا يمكن أن توصلوا -أيها الداعية ويا طالب العلم ويا أصحاب الحراك الإسلامي- لا يمكن أن توجهوا هذا القرآن وأن تغرسوه في قلوب العامة إذا كنتم أنتم بأنفسكم بعيدون عن الالتهاب بنار القرآن، ومعالجة القرآن حقاً في حياتكم.
أن تصدروا أنفسكم للناس على أنكم للعمل الدعوي وللأمة وللأجيال، عليكم أن تخضعوا لمدرسة القرآن وللمنهج الذي يتكلم عنه الدكتور فريد الأنصاري، الحياة في القرآن من خلال مكابدة حقائقه في حياتكم، من خلال ملاحظة أثره على توجهاتكم وسلوكياتكم، بعد أن تتدثروا بالقرآن، أن يكون حقاً واقعاً عملياً، حينئذ سيؤهلكم القرآن لأن تحملوا رسالاته للبشرية جمعاء. يا شباب الأمة وأشبالها، هذا كتاب الله ينادي وهذه الأمة تستغيث، فمن ذا يبادر لحمل الرسالة؟ من ذا يكون في طليعة السفراء الربانيين الحاملين لرسالات هذا الدين إلى جموع التائهين والمحتارين هنا وهناك؟ من يفتح صدره لنور القرآن فيقدح به أشواق العلم بالله والمعرفة به، عساه ينال شرف الخدمة في صفوف الإغاثة القرآنية. الإغاثة القرآنية تستغيث، فهل من مغيث؟ والإنقاذ لملايين الغرقى في مستنقعات الشهوات والشبهات. من يمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يداً غير مرتعشة، يد قوية صلبة، فيبايعه على الأخذ بالكتاب بقوة، ويقبض على جمر هذا الإرث الدعوي العظيم؟ رسالات، من يقول: أنا لها يا رسول الله؟ فيقوم بحقها ويفي بعهدها، ثم ينخرط في مسلك بلاغات الوحي سيراً على أثر الأنبياء والصديقين الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله. فهل من عبد حق عبد لله يجعل حياته وقفاً على دين الله يتلقى كلمات الله ويبلغ هذه الرسالات، عسى أن يتحقق هذا العبد بولاية الله فيفتح الله له وعلى يديه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]. كتبه محبكم فريد الأنصاري، تسعة عشر نيسان ألفين وتسعة ميلادي.
رحمة الله تعالى عليك من شيخ فاضل ومربٍ ناصح. هذه هي الرسالة الأولى، رسالة إعادة توجيه البوصلة نحو الوجهة الصحيحة، التعامل مع القرآن وأن نخرج من تلك الفوضى والعبثية، وألا نخادع أنفسنا ونحن نتكلم عن منهج القرآن ووجود القرآن في حياتنا كطلبة علم، كدعاة، كمصلحين، كحراك إسلامي. الدكتور فريد الأنصاري إذاً أوقفكم على هذه المعالم الرفيعة وسلط الضوء عليها، أرجو أن تفهموا ماذا يريد الدكتور فريد أن يوصله لكم. أرجو أن يكون رمضان معكم في هذا الشهر للقرآن طعم آخر، أرجو أن نتواصى جميعاً على إعادة منهج التربية القرآنية والمكابدة القرآنية، لعل أحدنا يكون على يديه إن شاء الله انفراج الكرب عن هذه الأمة وإنقاذها من هذا الضياع ومن هذا البِعان. قلت لكم والله العظيم رب العرش العظيم أن أكون وفقت في تقريب فكرة الدكتور فريد الأنصاري في هذه الرسالة الأولى، وفي عرض مسيرة الدكتور في العمل الإسلامي التي تبنى هذا المشروع القرآني الذي كان حريصاً على بلورته لكم وعلى إيصال صوته. نحن أمناء على إيصال رسائل الدكتور فريد لأبنائنا وللأجيال اللاحقة، نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا علماً، وأن يرزقنا العمل بالعلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل