بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابنا إلى المجلس الثاني في مناقشة ومدارسة كتاب العالم المربي والشيخ المزكي فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه. في المجلس السابق إخواني تكلمنا عن سيرة الشيخ فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه، وكان هناك أهمية كبرى لدراسة مسيرة الشيخ فريد الأنصاري لأنها هي التي ستجعلنا نستوعب مقاصد كلمات الشيخ فريد الأنصاري وللماذا أطلق الحبيب هذا المشروع القرآني الكبير وإعادة بث روح القرآن أو الظاهرة القرآنية إذا صحت تسميتها في شباب الأمة. عرفنا أن مسيرة الدكتور فريد في العمل الإسلامي هي التي أثمرت في النهاية وتوجت في النهاية اقتناع الشيخ الوجداني بأهمية تصحيح البوصلة للعمل الإسلامي وللحركة الإسلامية، وأهمية بعث روح القرآن وجدانيا وسلوكيا حقيقة في حياة الأمة بدلا من أن يكون القرآن شعارا، أو يوظف في خطابات دعوية مجرد توظيف، أو يستعمل لمجرد إثارة عواطف، أو يستند إليه في مجرد خلافات فقهية؛ كيف نعيد القرآن ليكون منهج حياة كما كان عليه الحال في الجيل الأول عند الصحابة وعند التابعين؟
فهذا هو مقصد رحلة الشيخ فريد الأنصاري في مشروعه القرآني: إعادة القرآن إلى الواجهة، إعادة القرآن حقيقة في قلوب العوام، وفي قلوب طلبة العلم، وفي قلوب الدعاة، وفي قلوب المصلحين، وفي قلوب المتصدرين للعمل الإسلامي. لا بد أن يكون القرآن هو المنطلق، هو الحاضر، هو الأساس، هو الفكر، هو المنهج؛ يجب علينا أن ننطلق في حل مشكلاتنا الحضارية والفكرية والسلوكية من خلال مدرسة القرآن. كيف نكابد حقائق القرآن الإيمانية في حياتنا قبل أن ننطلق بها إلى فضاء الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟ كيف نكابد هذه الحقائق ونجاهد عليها حتى بعد ذلك ينصبغ بها فكرنا وعقلنا ووجداننا؟ فحينما نكون في هذه الحياة الدنيا دعاة إلى الله، وعندما نكون مفكرين، وعندما نكون علماء، وعندما نكون دعاة، وحينما نكون في العمل الإسلامي، يكون القرآن قد صبغ وجداننا وصبغ عقولنا وأفكارنا، فنتكلم بالقرآن ونفكر بالقرآن ونسير مع القرآن ولا نخرج عن عتباته ولا نعارضه بأهوائنا وعقولنا، ولا يصبح القرآن عندنا مجرد كتاب على الرف كما يقولون؛ متى أردنا أن نأتي أظهرناه شعارا ومتى انتهت وظيفته أعدناه إلى مكانه. هذه إشكالية كبرى إخواني يحياها الصف الإسلامي اليوم.
فلذلك حبيبنا الدكتور فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه أطلق هذا المشروع الكبير: وجوب إعادة التفكير القرآني الصحيح إلى حياة الأمة. وهذا في الحقيقة مشروع رائع، مشروع رائد لا محيص عنه إخواني إذا أردنا أن نعلن حضارة جديدة لهذه الأمة، إذا أردنا أن نجتث أنفسنا من هذا الواقع المرير وننطلق إلى فضاء جديد، لابد جميعا أن نصوغ أفكارنا كما صاغ شيخنا فريد الأنصاري: إعادة القرآن إلى الوجدان، أن نعود في قراءتنا لسيرة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ننظر كيف تلقى الجيل الأول جيل الصحابة، كيف تلقوا هذا الكتاب العزيز وبهذه الطريقة يجب أن نتلقى نحن.
أنا أظن إخواني هذه من المفارقات الكبرى بيننا وبين الجيل الأول: الطريقة التي تلقى بها الكرام هذا الكتاب العزيز من النبي صلى الله عليه وسلم، الطريقة التي فيها تنجيم كما يقول المفسرون -يعني المفرقة مش التنجيم النجوم، لا، أنا أقصد كيف نزل القرآن منجما أي مفرقا خلال ثلاثة وعشرين عام- كيف كان الصحابي إذا تلقى مجموعة من الآيات يبدأ يكابدها ومعالجتها في وجدانه وفي قلبه وفي روحه قبل أن يأخذ قسطا آخر منها؟ كيف كان أبي إذا أخذ مجموعة من الآيات يشعر جزما ويقينا أن هذه الآيات هي رسالات الإله إليه؟ فكان الصحابة إذا سمعوا ربهم يقول لهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] الكل يرعي سمعه وعقله وفكره وقلبه ليأخذ ومتأكدون أن هناك الآن توجيه، هناك أمر، هناك نهي، هناك حث، فيأخذ هذه التوجيهات يبدأ يمارسها ويعاركها في حياته، فاذا ما شعر أنه انصبغ بهذه الآيات تأتيه بعد ذلك دفعة أخرى، فيبدأ يكابدها ومكابدة هذه الآيات كانت في آناء الليل من خلال قيام الليل، من خلال إعادة النظر فيها مرات ومرات، من خلال العزلة والقراءة الهادئة المطمئنة المتدبرة، ثم إذا جاء النهار ينطلق للعمل بها إذا كانت هذه الآيات تتكلم عن أعمال سلوكية أو أعمال اجتماعية أو ما شابه ذلك.
فكانت قضية أن القرآن روح وفعلا منهاج حياة؛ إنسان يتلقى رسائل ثم يخرج يعمل بها بهذه الطريقة. نحن أظن أننا ابتعدنا ربما قليلا بعضنا وبعضنا كثيرا عن هذه الطريقة في التعامل مع القرآن؛ فالقرآن أصبح لدينا شعارا، شيئا نحبه، نشعر أنه كلام جميل، لكن لما نسمع ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] في الحقيقة لا تسترعي انتباهنا، لما تأتي الآيات التي تتكلم عن جهنم وعن التخويف منها لا تقشعر جلودنا، لما تأتي الآيات التي تتكلم عن الجنة لا نشعر بذاك الشوق والحنين، لما تأتي الآيات التي تتكلم عن الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وعظمته لا نشعر بتلك الهيبة، مع أن ربنا سبحانه وتعالى يخبرنا أن المخلوقات سوانا لو أنزل عليها هذا القرآن لكان حالها مختلفا عن حالنا.
وهذه مفاصلة، يقول سبحانه: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. يعني لو أن هذا القرآن نزل على جبل أصم، على حجارة صماء، هذه الحجارة خشعت وتصدعت وتشققت من هول هذا الكلام ومن فخامته ومن جلالته؛ فما بال قلوبنا يا إخواني لا تشعر بتلك القضية، بذاك الخشوع، بتلك الهيبة، بتلك الصدمة التي يمتلكها النص القرآني!
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلُّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]. يعني لو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، لكان -جواب الشرط محذوف تقديره: لكان هو هذا القرآن الذي بين أيدينا-. فربنا سبحانه وتعالى يبين لنا عظمة هذا الكتاب العزيز، أن هذا الكتاب العزيز تسير به الجبال، تقطع به الأرض، تتصدع منه الصخور الصلبة، إذا هناك سر إخواني ما زلنا نحن نغفل عنه في طبيعة هذه الآيات. هذه الآيات لديها من الطاقة، من النور، من القدرات الهائلة التي تستطيع أن تغير إنسانا، تغيره كليا.
هذا الكتاب العزيز الذي نتعامل معه بجفاء له قدرات وطاقات، وفي ثناياه نور يستطيع أن تغير حياة إنسان رأسا على عقب كما حدث مع الجيل الأول، لكن هناك إشكالية عندنا في تلقي هذا النور الإلهي، هناك إشكالية في الشعور بهذه الطاقة، نحن لا نشعر بالطاقة الكامنة في نصوص الكتاب العزيز، لا نشعر بذاك الشفاء، بتلك الروح، بذاك النور. ربنا سبحانه وتعالى سمى كتابه ووصفه في القرآن الكريم بعدة أوصاف؛ وصفه أنه روح، ولما الله سبحانه وتعالى يصف كتابه بأنه روح سبحانه يدرك ما يقول، يعلم أن هذا الكتاب لا يبعث فقط إنسانا بل يبعث جيلا وحضارة لو أنهم تمسكوا به، لما وصف كتابه سبحانه وتعالى بأنه نور وسبحانه وتعالى يعلم أنه نور قطعا وأنه ينير الظلمات ويخشع الضباب والغيوم التي تمنعك من الرؤية بوضوح في مسيرتك.
فهناك حقائق كبيرة جدا تتعلق بهذا الكتاب العزيز، حقائق تجعل هذا الكتاب هو المصدر، هو الأساس، هو المنطلق لتغيير الإنسان، لتغيير المجتمع، لتغيير الحياة، لتغيير الكرة الأرضية، وحق له ذلك، فإن هذا القرآن تكلم به ربنا سبحانه وتعالى.
لذلك إخواني من أهم وظائف النبوة، من أهم وظائف بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي ركز عليها القرآن كثيرا، أن يتلو القرآن وأن يعلمه للناس. قال سبحانه وتعالى يخبرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: 91-92]. لاحظوا الأوامر الأساسية: قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها -أمر بالتوحيد لله- وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين، والامر الثالث: وأن أتلو القرآن.
إذا من وظائف بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو القرآن وأن يبثه في المجتمعات لتنطلق هذه المجتمعات. إذا بالتأكيد اختصاص الله أو يعني اختصاص الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وظيفة قراءة القرآن وتلاوته تلاوة تدبرية تفكرية، هو كفيل بأن يغير مجتمعا، ولو كان هذا غير صحيح لما أمره سبحانه وتعالى بهذه الوظيفة الأساسية.
قال سبحانه وتعالى أيضا في آية أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2]. يتلو عليهم آياته. وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: 164]. أنتم ملاحظين يا إخواني هذه القضية؟ لماذا سبحانه وتعالى ركز في وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم على موضوع تلاوة القرآن؟ فكأن ربنا سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ليكون البشرية في وصول القرآن إلى هذه البشرية؛ جبريل هو الواسطة الملائكية أعطى هذا القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، البشرية ليصل هذا القرآن إلى البشر على لسان سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه الأمور يجب أن تسترعي انتباهكم وأن تلتفتوا إليها؛ أهم وظائف النبوة، أهم وظائف النبي صلى الله عليه وسلم تلاوة القرآن. إذا تلاوة القرآن لها دور أساسي في تغيير حياة الإنسان، في تغيير عقل الإنسان، في تغيير مشاعر وسلوكيات وتوجهاته في الحياة، لكننا ما زلنا لا نستشعر هذه الأمور، إذا المشكلة فينا، هناك مشكلة فينا إخواني يجب بأن نعالجها سريعا وأن نستيقظ وأن ننتبه من هذا السبات قبل أن يفوت الأوان، أن نستيقظ على أنفسنا ونعرف ما هو الاشكال عندنا في أننا لا نشعر بتلك الطاقة التي تنبعث من تلك النصوص، ما هو الاشكال عندنا الذي يسبب أننا لا نشعر بذاك النور ينبعث من هذا الضياء الكبير؟
لماذا هذا القرآن استطاع أن يغير جيلا كاملا من حياة الصحابة ووصلوا إلى مشارق الأرض ومغاربها به؟ ولماذا حكم هذا القرآن سنوات كثيرة وخرج العلماء والدعاة والمصلحون عبر تاريخ الأمة؟ ولماذا نحن اليوم لا نشعر بهذه المشاعر؟ لماذا لما نقرأ في سير الأوائل كيف كانوا يعالجون الآيات القرآنية ويحيون معها نشعر كأنها عجب عجاب وكأنها سحر لا ندرك في إشكالية؟ يعني هي هذه الفكرة التي أحيول أن أوصلها لكم أن هناك إشكالية في تعاطينا مع النص القرآني وفي حياتنا معه، هناك جفوة، جفاء، قسوة قلب، جمود عين، يجب أن نتداركه سريعا.
وهذا رمضان إخواني أتاكم تداركوا هذه القضية، مدرسة رمضان هي أفضل وقت لإعادة بناء علاقة جديدة مع النص القرآني، وإعادة فهم الارتباط بين المسلم وبين القرآن، وأننا حينما نقول إن القرآن هو دستور الأمة المسلمة هو الطلاق يجب أن يكون هذا الشيء واقعيا حقيقيا ملموسا وليس مجرد شعارات أو شيء تلطيفي كما يقولون نحيا به في حياتنا ولكنه ليس واقعا معاشا.
أحيانا لما أقرأ في سير الأوائل يعني تجدني بانتباه بعض القصص وبعض المواقف والمواقف كثيرة طبعا التي تدل على أن السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم لم يتعاطوا مع النص القرآني كما نحن نتعاطى معه اليوم، كانوا تشعرون حقا أن هذا القرآن مليء بالاعاجيب، مليء بالمشاعر، مليء بالطاقات، مليء بالنور، أن هذا القرآن يستحق أن يهجر إنسان فراشه في ظلمات الليل ويستيقظ من أجل أن يقرأه وينظر في عجائبه. هناك شيء ينبعث من القرآن كان يلامس قلوبهم، نور على نور، هي هذه الفكرة باختصار؛ نور القرآن كان يلتقي مع نور تلك القلوب الطاهرة فاستطاع اجتماع النور أن يحدث طاقة إيجابية تنبعث في حياة الأمة عند ذاك الجيل.
يعني أنظروا قصة محمد بن كعب القرظي رحمة الله عليه، ربما قرأتها قبل البارحة وأنا أقرأ في كتاب مر علي هذا الرجل وأمه تتكلم معه عن قيام الليل؛ يقولون محمد بن كعب القرظي -وهوه من المفسرين المعروفين رحمه الله عليه- كانت أمه تقول له: يا بني، لولا أني أعرفك صغيرا طيبا وكبيرا طيبا لظننت أنك أفت ذنبا موبقا لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار. هذا الرجل كان ملازما لثغر الطاعة والعبادة وقيام الليل، فأمه تقول له: لولا أنني أععلم انك ما اقترفت فاحشة وأنت صغير وأنت كبير لولا أني أعلم ذلك لقلت إن شدة قيام الليل التي تعافسها في حياتك هي أمارة أنك فعلت شيئا كبيرا وذنبا عظيما يستوجب كل هذا التعب وكل هذه التوبة، لكنني والله أعلم أنك طيب، أعجبا من حالك يا بني.
فالمهم، فهو الآن يجيب والدته ويقول لها: يا أماه، وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي وأنا في بعض ذنوبي فمقتني فقال: أذهب لا أغفر لك؟ هناك إذا شعور أولا في داخله أنني يا أماه أنا عندي ذنوب بالتأكيد بغض النظر عن حجم هذه الذنوب، وما يدريني أن الله سبحانه وتعالى اطلع علي في بعض ذنوبي فمقتني، فأحتاج إلى قيام الليل وأن أواظب على هذا الباب.
لكن هناك أمر آخر في هذه الفكرة التي أريدها كان يدفع محمد بن كعب القرظي لقيام الليل؛ ما هو؟ قال: مع أن -انتبهوا على هذا الكلام- قال: مع أن عجائب
تورد علي أمور حتى إنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي. لاحظوا هذا الكلام، ويخبر لماذا يديم قيام الليل، ولماذا يديم قراءة القرآن في الليل؟ يقول مع أن عجائب القرآن تورد علي أموراً حتى إنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي. عجيب حال هذا الرجل! يقول: وأنا أقرأ القرآن هناك أمور عجيبة جداً ترد على قلبي من هذه النصوص ومن ثناياها، ينقضي الليل وأنا ما زلت أفكر في هذه العجائب، ولم تنقض نهمتي وحاجتي منها. أحياناً الإنسان يستغرب؛ يقرأ هذا الكلام وربما نمر عليه مرور الكرام، لكنهم قوم صادقون إخواني.
كانوا يشعرون أن هناك شيئاً عجيباً في هذه الآيات القرآنية، إذا دخل على نفس نقية طاهرة فإنه يحدث فيها تغييراً كلياً، ونعماً لا يستطيع الإنسان أن ينفك عن قراءة القرآن، ذلك كما قال عثمان -فيما أظن- قال: «لو صفت قلوبنا لما شبعنا من كلام ربنا». لو صفت القلوب وتطهرت وكانت نقية ستشعر بهذا النور. وإخواني، ما الذي يحجب هذا النور أن يصل إلى هذه القلوب؟ هناك كثافة الذنوب والمعاصي، كثافة الذنوب والمعاصي التي تغشى هذه القلوب هي التي تمنع هذا النور أن ينفذ وأن يصل إلى الداخل.
قلوبنا تعيش في غفلة، في بعد، في جفاء عن الله سبحانه، فحينما يأتي هذا النور الإلهي المنبعث من آيات القرآن الكريم لا يصل هذا النور إلى الداخل، كأن هناك حجباً وسحباً وظلمات تحجب. لكن هؤلاء القوم الكرام كان عندهم تنقية وتخلية للقلب، هذه التنقية تجعل القلب كالبلورة الصافية النقية، فحينما ينبعث نور القرآن يصل شعاعه إلى داخل القلب ويستقر فيه، فيرى هذا القلب ببصيرته حقائق القرآن. يرى حقائق القرآن، يرى ذاك الخيط الذي يجمع بين الآيات القرآنية في السورة الواحدة وفي الجزء الواحد وفي الأجزاء جميعاً، يرى تلك الخيوط التي يرتبط أولها مع آخرها، يرى كيف أن القرآن متناسق عجيب رهيب في تحقيقه للحقائق وفي إيضاحه لمعاني الوجود وحقائق الحياة وحقائق اليوم الآخر، وفي تعريفه بالله سبحانه وتعالى.
لكن نحن إشكالية كما قلت لكم؛ كثافة القلب، كثافة الذنوب والمعاصي، عدم الاستعداد النفسي لاستقبال ذاك النور الإلهي يحرمنا كثيراً من تلك الجماليات التي يتكلم عنها محمد بن كعب القرظي، يقول لك هناك عجائب ينقضي الليل ويذهب الليل وأنا ما زلت فيها. دلني يا محمد على هذه العجائب.
أبو سليمان الداراني -رحمة الله تعالى عليه- يقول: اسمعوا ماذا يقول هذا العارف بالله، يقول أبو سليمان الداراني -رحمة الله عليه-: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة أرددها. لاحظوا مكابدة النصوص القرآنية التي تكلم عنها الشيخ فريد الأنصاري البارحة، وسيكررها اليوم؛ يقول أبو سليمان الداراني: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة. تصوروا إنسان خمس ليالي يقوم الليل بآية واحدة! لماذا؟ هذه المكابدة التي يحاول فريد الأنصاري أن يبعثها في الأمة. قال: أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها. أخذ مقطعاً من القرآن آية واحدة، قام بها خمس ليال متوالية، يردد هذه الآية ويطالب قلبه ونفسه بالعمل بها.
هؤلاء هم الرجال إخواني، هؤلاء هم الذين عرفوا القرآن بحق، هو ما احتاج أن يموت على كل القرآن دفعة واحدة، يمارس مرة واحدة هذا صعب، بل الصحابة الكرام لم يفعلوا هذا الفعل، فلا تأخذوا أنفسكم أنكم ستكونون أفضل من ذاك الجيل، لابد تأخذوا حقائق القرآن وآيات القرآن حقيقة حقيقة، وتبدأ مصارعة النفس عليها رويداً رويداً. لذلك القرآن كما قال الشيخ فريد مشروع حياة، معركة الحقائق ومكابدة هذا مشروع حياة، هذا لا يأتي بشهر رمضان فقط، ولا باليوم، ولا باليومين، ولا بالسنة، ولا بالسنتين، وإنما استمرار المكابدة القرآنية، استمرار الحياة مع هذه الحقائق قسماً قسماً وجزءاً جزءاً، إلى أن تصبغ فكرك وعقلك ووجدانك.
دعوني أعود للداراني ويقول: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة، أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها، ولولا أن الله تعالى يمن علي بالغفلة والنسيان لما تعديت تلك الآية طول عمري؛ لأن لي في كل تدبر علماً جديداً، والقرآن لا تنقضي عجائبه. سمعتم ماذا يقول؟ يقول: لولا أن الله عز وجل يخليني أنسى شوي وألتهي شوي بأمور الحياة وأمور العائلة والأسرة وما شابه ذلك من أمور المعيشة لما تعديت تلك الآية، ما استطعت أن أتجاوز آية واحدة. لماذا يا داراني؟ قال: لما استطعت أن أتعدى الآية الواحدة طول عمري؛ لأن لي في كل تدبر علماً جديداً.
تصور هو في كل مرور على هذه الآية يأخذ زاوية جديدة من زوايا الإيمان، وحقيقة جديدة من حقائق القرآن، والقرآن لا تنقضي عجائبه. إذاً إخواني، أنا لا أريد أن أقول لكم على طريقة الأسرار والرموز، لكن سأقول لكم كلام حق: إن هناك شيئاً عجيباً في هذه الآيات القرآنية ما زلنا نحتاج أن نكشفه أكثر وأكثر. فهم النص القرآني العام الإجمالي هذه الخطوة الأولى فقط للدخول إلى عجائب الإيمان وحقائقها الكبرى التي تنبعث من هذه النصوص. هكذا كانوا -رحمة الله تعالى عليهم- كلما مروا على الآية أخذوا منها فهماً جديداً، تصوراً جديداً، حقيقة إيمانية جديدة. الآية القرآنية أحدهم يأخذ منها أربعين أو خمسين حكماً ولفتة ونظرة، وشخص آخر ضعيف التدبر يأخذ منها نظرة أو نظرتين.
لذلك مثلاً كانوا يقولون: أحد السلف -أحد تلاميذ ابن عباس- يقول إن ابن عباس في يوم عرفة فسر -أظن- سورة الأنعام أو الأعراف، إحدى السور، قال: أفسرها تفسيراً قال لو سمعه العجم والفرس والروم لآمنوا كلهم. لآمنوا كلهم من عظمة تفسير ابن عباس بهذه الصورة الواحدة. ففي الحقيقة كلما قرأت أكثر وأكثر عن حياة السلف مع القرآن، ونظرت إلى طريقة تعاملهم مع الآيات ومع النصوص القرآنية اكتشفت أنني ما زلت بعيداً بعداً عن تلك الأجواء التي يتكلمون عنها. هناك إشكالية في نفسي في طريقة تعاطي مع النص القرآني يجب أن أعيد النظر فيها مرة أخرى، وبداية الطريقة والمنطلق تكون إخواني من تصفية هذه النفس وإعدادها لاستقبال النور الإلهي. هذه الفكرة التي عليكم أن تنتبهوا لها جيداً.
البعض يقول: يا شيخ ماذا نفعل حتى نبدأ نستشعر شيئاً من ذاك الشعور القرآني الإيماني الذي كان يحيا به الجيل الأول؟ علينا أولاً أن ننظف هذا القلب وأن نعده قبل رمضان، حتى إذا دخل عليه الشهر الكريم دخل وهو مستعد لاستقبال النور من تلك النصوص القرآنية. الإعداد القلبي إخواني؛ ما يصلح أن نبقى بقلوب قاسية ونحن مدمنون على المعاصي، على وسائل التواصل الاجتماعي نقلب النظر، نعطي العين أريحيتها في النظر إلى الحرام، ثم بعد ذلك هذه العين التي كانت قبل قليل تنظر إلى معاصي الله تريد أن تنظر إلى مصحف وإلى كلام الله! لا بدك تطهر هذه العين، تشرف هذه العين، تغسلها بالدموع خشية وإنابة لله سبحانه. لما تغسل عينك بالدموع من الخشية والإنابة لله سبحانه وتعالى، حينئذ تستحق هذه العين أن تنظر في كتاب الله عز وجل لترى ذاك النور الذي ينبعث من النصوص القرآنية. الله سبحانه سماها نوراً، فكيف لي أن أسميها غير ذلك؟ هي نور قطعاً، لكن هذه العين لأنها رتعت في الحرام أو لربما تقلبت فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى فيها غباش، تحتاج أن تنقيها بدموع التوبة، بدموع الإنابة، بدموع العودة إلى الله سبحانه وتعالى. بعد ذلك عندما تنظر هذه العيون مرة أخرى في نصوص الكتاب العزيز ستنظر نظرة أخرى، ستشعر أن ذاك النور ينبعث إلى العين ثم يتسرب إلى القلب. فعليك إذاً ابتداءً بهذه التنقية القلبية.
ثانياً عليك عبدالله أن تنظر إلى هذا الكتاب على أنه مصدر التغيير في الحياة، وهذه ليست مجرد مشاعر أو لطائف أو تخيلات وتوهمات، هي حقائق. أنت لم تتحقق بها لكنها حقائق بدليل أننا وصلنا أو وصل الإسلام إلى بلادنا اليوم عن طريق هذا القرآن، فإن هذا القرآن صنع جيلاً من الصحابة، وصنع جيلاً من التابعين، وصنع جيلاً من المجاهدين في سبيل الله، حملوا هذا الإسلام على عاتقهم حتى وصل إلينا. فنحن اليوم في بلادنا، في بلاد المغرب الإسلامي، في مشارق الأرض ومغاربها، إنما نرفل بنور القرآن الذي سطع على قلوب الصحابة الكرام، فجعلهم يحملون هم هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها. فكون القرآن هو مصدر التغيير في الحياة هذه حقيقة لا يشك فيها عاقل، لكن المشكلة كيف يكون هذا القرآن مصدر للتغيير في حياتي أنا؟ هو أكيد غير في حياة الكثيرين، أعطى انطلاقة ودفعة كبيرة لحضارة استمرت قروناً وليست سنة أو سنتين، لكن هي الإشكالية: كيف يكون هذا القرآن مصدر للتغيير في حياتي أنا كعبد أو هي كفتاة؟ هذا الذي نحتاجه اليوم.
لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، دعونا ندخل في رحلتنا التشويقية اليوم مع الشيخ فريد الأنصاري -رحمة الله تعالى عليه- وهو يتكلم عن مجالس القرآن، هي منهاج الغرباء. موعدنا اليوم مع الرسالة الثانية للدكتور فريد الأنصاري، وهذه مجرد أحببت أن أضعها بين أيديكم قبل أن ندخل في هذه الرسالة المباركة. الرسالة المباركة التي بين أيدينا يريد منها الشيخ فريد الأنصاري أن يحيي مجالس القرآن في حياتنا، وأن يعيد مفهوم المدارسة القرآنية إلى حياة شباب الحركة الإسلامية عموماً. لما نقول الحركة الإسلامية بجميع أطيافها، بجميع روادها، يعني أي إنسان يريد أن يعمل لهذا الدين وأن يرتقي بهذه الأمة وأن ينتشلها من الضياع، هؤلاء هم الشباب الذين نعول عليهم.
فالدكتور فريد الأنصاري يريد أن يبعث مجالس القرآن في حياة هؤلاء الشباب، بعد أن أصبحت هذه المجالس للأسف غريبة عن حياة كثير من طلبة العلم وعن حياة كثير من الدعاة ومن المتصدين للعمل الإسلامي، أصبحت مجالس القرآن بعيدة عنهم. فهم يحتاجون إلى مراجعة أنفسهم من جديد، ليعرفوا أن طلب العلم لا يكون إلا مع مجالس القرآن، وأن الدعوة إلى الله لا تكون إلا منطلقها مجالس القرآن، وأن العمل الإسلامي بكل أطيافه لا ينطلق إلا من مجالس القرآن. ومن ظن أن الجلوس مع القرآن ومدارسة القرآن ومكابدة حقائق القرآن هي من فضول العلم أو من فضول الدعوة أو من فضول الحركة إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا الإنسان تائه حائر، ما عرف منهج النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان ينتسب إليه لكنه لم يعرفه حقاً؛ لم يعرف أن التغيير إنما يبدأ من مجالس القرآن. الجلوس، تعرف ما معنى أن تجلس مع القرآن؟ تضع المصحف بين يديك وتجلس وتأخذ منه الحقائق وتعافسها في نفسك، ثم تبعث هذا النور إلى من حولك في المجتمع من النساء والشباب، من الشيب والشبان، تبعث هذا النور في قلوبهم وفي وجدانهم. هذا إخواني الذي سيحقق لنا التغيير، وأي عملية تغيير للأفراد والمجتمعات بعيدة عن منهج محمد صلى الله عليه وسلم ستبوء بالفشل، يعني قولاً واحداً وأنا لا أشك في ذلك.
يقول الدكتور فريد الأنصاري في مطلع هذه الرسالة: أيها الشباب المتلقون لرسالة القرآن، هذه وظيفتكم، هذه وظيفتكم. أختصر لكم في كلمات، اسمعوا الكلمات من هذا الأب وهذا المربي والعالم الرباني: إن الانتساب لرسالة القرآن تلقياً وبلاغاً، أن تنتسب إلى رسالة القرآن بالتلقي لها ثم إيصالها وتبليغها للمجتمع، ما معناه؟ هل معناه مجرد الذهاب إلى حلقة تحفظ فيها القرآن وتبدأ بعد ذلك تسمع القرآن لأناس آخرين وانتهت القضية، هل هذه هي الرسالة القرآنية المضمنة في هذا الكتاب العظيم؟ كلا. يقول: إن الانتساب لرسالة القرآن تلقياً وبلاغاً معناه الدخول في ابتلاءات القرآن، الدخول في ابتلاءات القرآن، أن تدخل نفسك ووجدانك في هذا البلاء القرآني.
إيش معنى ابتلاءات القرآن؟ أنه كما قلت لكم إن الحقائق القرآنية هذه النفس تحتاج إلى مجاهدة ومكابدة حتى تتحقق بها، حتى تنصهر هذه النفس، حتى تذوب هذه النفس في تلك الحقائق القرآنية وتنسجم معها وتنصبغ بها. إذاً إن الانتساب للقرآن تلقياً وبلاغاً معناه الدخول في ابتلاءات القرآن وامتحانات القرآن من منزلة التحمل إلى منزلة الأداء؛ من اللحظة الأولى التي تبدأ فيها بتحمل النصوص القرآنية وحفظها أنت يجب أن تدخل نفسك في ابتلاءات هذه النصوص وتحقيقها واقعاً في حياتك، حتى اللحظة التي تبدأ فيها بتأدية هذه الأمانة. فهناك مرحلة للنص القرآني ومرحلة الأداء، وفي كلا المرحلتين يجب أن تنصهر هذه النفس في ابتلاءات القرآن وحقائقه.
إنها تلقٍ صادق لكلمات الله، هذه هو الانتساب لرسالة القرآن، ما هو؟ أنها تلقٍ صادق لكلمات الله وتعليم القلب طريقة الاشتعال بلهيبها. تلقي القرآن هو أن تعلم قلبك كيف يشتعل بلهيب هذه الآيات. لاحظوا الكلمات الرنانة من الشيخ فريد الأنصاري، كيف تعلم قلبك الاشتعال بلهيب هذه الآيات القرآنية والصبر على حر جمرها؛ فهذه الآيات نعم فيها حرارة، حرارة مهمة جداً حتى تحرق هوى النفس. لا بد من هذه الحرارة، الحق طبعاً حرارة ونور في الآيات القرآنية، حرارة ونور. نور تشرق معه القلوب، لكن لن تشرق قلوب هذه بهذا النور حتى تشعر بالحرارة التي تذيب هوى النفس وتنقي هذه النفس، تزيل عنها الأدران، بعد ذلك سيشعر النور بالاستقرار في قلبك. إذاً إنها تلقٍ صادق لكلمات الله وتعليم القلب طريقة الاشتعال بلهيب هذه الآيات والصبر على حر جمرها حتى يصير هذا القلب يعني مشكاة بلورية تفيض بنور الله سبحانه وتعالى. توصيف عالٍ جداً لطبيعة القرآن؛ لأنه الحقائق القرآنية إخواني ابتداءً كما قلت لكم تحرق هوى النفس، وهذا فيه كيف جزء منك احترق الآن، تشعر بالحرارة، لكن لا بد تقبض على الجمار، لا بد تصبر على هذه الآيات القرآنية وهي تحرق هذا الهوى وتزيل هذه الأدران وتنقي وتبعد هذه الحجب عن القلب. بعد أن تصبر وتعض على النواجذ وتقبض على هذه الجمار بعد فترة من...
ستستريح هذا القلب، وتكتشف أن الحمد لله أنني صبرت على هذه الجمار. الحمد لله أنني جعلت هذه الآيات القرآنية تصهر هوى نفسي، لأنني الآن أرفل في واحة من الجمال، في واحة من الضياء والنور.
أنا أحيا مع كتاب الله سبحانه وتعالى؛ إذ إنها تلقٍ صادق لكلمات الله، وتعليم القلب طريقة الاشتعال بلهيبها والصبر على حر جمرها حتى يصير مشكاة بلورية تفيض بنور الله. بعد أن تتلقى القرآن بهذا المنهج، ها أنت الآن في مرحلة التلقي. تلقيت آيات القرآن، صبرت على حرها وهي تذيب الأدران من قلبك. الآن دخل هذا الضياء في قلبك، وقلبك الآن كالبلورة النقية؛ سينبعث الآن هذا الضياء من قلبك يا حامل القرآن إلى الأمة جمعاء.
ستصبح مصدر إشعاع، وكما يقول الدكتور فريد: التيار الكهربائي الذي صدمك أنت ابتداء لا بد وأن تسربه إلى من حولك في المجتمع، إلى أسرتك، إلى إخوانك، إلى شباب العمل الإسلامي؛ تصبح أنت مصدرًا لهذا الإشعاع بعد أن تلقيته. إذن، ثم تعليم ذلك للآخرين بتذويقهم، تبدأ تذوق الناس حولك هذا الطعم الذي ذقته أنت ابتداءً؛ بتذوقهم شيئًا شيئًا لذة المعاناة لنور الوحي، ومتعة الحياة بمكابدة القرآن. كلمات عالية جدًا.
أنت ابتداءً انصهرت وصبرت وشعرت بحرقة هذه الآيات، ثم بعد ذلك أصبح قلبك مجلوًا، مرآة ساطعة؛ فالنور القرآني الذي يأتي على قلبك الحمد لله الآن ينبعث شعاعًا إلى الآخرين من حولك. فعليك أن تعلم الآخرين من حولك كيف يعيشوا مع القرآن كما عشته أنت. فأنت أولًا تتعلم كيف تحيا مع القرآن، ثم علموا من حولك كيف يتعلمون مع القرآن. علينا أن نخرج من الإطار التنظيري في الحياة مع القرآن ولمجرد الكلام العاطفي الذي في الحقيقة لا يثمر، وإنما نريد كلامًا حقيقيًا ومكابدة حقيقية لنصوص القرآن. هذا هو الذي سيثمر في قلبي وفي قلبك، ثم بعد ذلك نبدأ ننشر هذا النور في مجتمعاتنا وفي واقعنا.
أيها الأحبة المشوقون بالله، المتشوقون المشغوفون بحب الله سبحانه؛ إن النور المنبعث من القرآن طاقة لاهبة شديدة الصعق، كأنها التيار الكهربائي، صاعق كالبرق. نعم، لكن القلوب المشوقة الوهاجة حقًا تشتعل به فتائلها اشتعالًا، وتلتهب به مصابيحها التهابًا ثم لا تحترق. القرآن نور فيه طاقة لاهبة، فيه تيار كهربائي صاعق؛ هذه عبارة الشيخ فريد المشهورة عنه.
هذا التيار الكهربائي الصاعق، هذه الصدمة وهذا النور اللاهب حينما يأتي إلى القلوب المنيرة، أو القلوب المستعدة لاستقباله، هذه القلوب تحترق فتائلها بهذا النور اللاهب. لاحظوا كيف يرسم الصورة: القلوب عبارة عن مصابيح، هذه المصابيح لها فتائل، عندما يأتي نور القرآن اللاهب فإن هذا النور يشعل هذه الفتيلة فتيلة القلب، فيضيء القلب حينئذ، وتضيء المصابيح، ثم بعد ذلك تضيء لمن حولها الطريق. الحمد لله، هذا القلب سيشعر ابتداءً كما قلنا بحرارة ذاك النور، لكنه لن يحترق ويذوب، بل ستكون هذه الحرارة هي سبب في اشتعاله وإنارته، والحمد لله سيحتمل هذا القلب ابتداءً هذه الحرارة، ثم تصبح هذه الحرارة مع الوقت بردًا وسلامًا عليه.
إخواني، أقول لكم حقيقة لا مجاملة فيها: لن تشعروا بالقرآن حق الشعور حتى تمروا ابتداءً على صدمة القرآن؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى أخبرنا بهذه الحقيقة في كتابه لما قال عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]. هذه مرحلة الصدمة بالنص القرآني، مرحلة الحرارة التي تحرق هوى النفس، هذه المرحلة الأولى؛ مرحلة اقشعرار الجلود. من لم يمر بهذه المرحلة لن يمر بالمرحلة التي تليها، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. مرحلة أن يصبح القرآن بردًا وسلامًا وراحة وطمأنينة وأنسًا، هذه المرحلة لن تصل إليها حتى تمر بالمرحلة الأولى؛ مرحلة الصدمة، مرحلة الاحتراق بلهيب القرآن، الأدران والأهواء والشهوات والملذات وفراغ النفس، أن تصبح مستعدة لأن تشتعل بنور القرآن. هذه المرحلة الأولى مرحلة الصدمة والاحتراق لا بد أن تمر بها ابتداءً، لا بد وأن تقبض على جمارها، تتحمل قليلًا أو كثيرًا، المهم بعد ذلك ستمر إلى المرحلة الأخرى؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى رتب هذه المراحل بنص كتابه: تقشعر جلودهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
فمرحلة أن يصبح قلبك وجلدك لينًا هادئًا مطمئنًا، هذه التي يشعر بتلك الأعاجيب التي يتكلم عنها أبو سليمان الداراني ومحمد بن كعب القرظي، هذه لن تصل إليها إلا بعد أن تتجاوز حالة الصدمة؛ كما يقولون مرحلة التيار الكهربائي الذي يلسعك، والحرارة الحارقة التي تذيب جمود هذا القلب، ثم حينما تذهب كل هذه الأدران وتبدأ مرحلة الراحة والأنس واللذة والجمال التي يتكلمون عنها. فمشكلتنا أننا لساتنا في المرحلة الأولى، وبعضنا لم يأتِ للمرحلة الأولى؛ مرحلة الصدمة بالنص القرآني، مرحلة الاحتراق بلهيب القرآن. ما زالت نفوسنا تنازعنا، لسنا دائمًا منقادين للنص القرآني؛ هذه هي الحقيقة. لما نقرأ ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، كثير منا ما زالت هذه الآية عنده مشكلة. ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]، هناك منا من كان يعاني مشكلة معها.
لما نقرأ الآيات التي تتكلم عن الحلال والحرام، هل نحن ننقاد لها فعلًا كما انقاد الصحابة الكرام لما أنزل تحريم الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]؟ مباشرة مسكوا الخمر وأهراقوها. هل نحن نتلقى هذه النصوص القرآنية بهذه الطريقة التي يتلقاها الصحابة الكرام؟ إذن هنا الإشكالية؛ فنحن ما زلنا باختصار لم نتجاوز مرحلة الصدمة، مرحلة الاحتراق بلهيب القرآن لننتقل بعد ذلك للمرحلة التي نسمع عنها عند السلف وعند الصحابة وعند الأولياء الكرام رحمة الله عليهم، لكننا ما زلنا لم نتذوقها بعد.
دعونا نكمل مع الشيخ فريد الأنصاري وهو بإذن الله سيصور لكم كثيرًا من الأفكار. أيها الأحبة المكابدون، يناديكم أيها المكابدون لنصوص القرآن؛ والمكابدة أخي الكريم يا من تسأل عن الصدمة، هو أنك تعالج الآيات التي تتكلم عن عظمة الله سبحانه وتعالى في قلبك، معالجة المتفكر المتدبر إلى أن تصل لمرحلة الهيبة والشعور بأنه إله عظيم. أن تعالج الآيات التي تتكلم عن حقائق الحلال والحرام، وترى لماذا نفسك لا تنقاد لها ولا تنصاع ولا تجاهدك على الثبات عليها لتكتشف مدى افتقار هذه النفس وضعفها وبعدها عن الله. أن تقرأ الآيات التي تتكلم عن النار وتبدأ تشعر أن هذه الآيات التي تتكلم عن النار تكاد تحرق قلبك، وتكاد تفزعك وتخرج هذا القلب من مكانه خوفًا وفزعًا؛ هذه مرحلة المكابدة، مرحلة الشعور بصدمة هذه الآيات.
لكن أنا سأكون صريحًا معك: إن مرحلة الصدمة بالتيار الكهربائي كما يقول الشيخ فريد، أو اللهيب الناري الذي يأتي من هذه النصوص القرآنية، لا بد مع قبلها ابتداءً من تجهيز القلب وإعداده لاستقبال هذا اللهيب، وإلا إذا كان الإنسان مسرفًا على نفسه بالذنوب والمعاصي، فإن هناك حجبًا تمنع هذا اللهيب من الوصول. والله إخواني، إذا كان هذا القلب ما زال غافلًا، القلب لم يقرر باختصار أن يخوض رحلة مكابدة القرآن، إذا لم يقرر هذا القلب أن يشعر بصدمة النصوص القرآنية، إذا لم يقرر هذا القرار جازمًا عازمًا من خلال الابتعاد عن الذنوب والمعاصي وتخلية القلب وإعداده، ستبقى مرحلة الصدمة أو مرحلة اللهيب القرآني مرحلة بعيدة المنال. أعدوا قلوبكم، نقوا قلوبكم، طهروا قلوبكم؛ حينئذ ستشعرون بهذه الصدمة الكهربائية أو النور الملتهب الذي يتكلم عنه السلف رحمة الله تعالى عليهم.
أيها الأحبة، الكلام المجرد لا يكفي، يكفي تنظيرًا باختصار؛ إن الكلام المجرد لا يكفي لبلاغ رسالات القرآن. يمكن أن أعطيك جلسات طويلة مع القرآن وأعطيك عن أهمية القرآن وعظمة القرآن، الكلام باختصار إخواني سهل كما يقولون، لكن القوة والعزيمة هي التطبيق العملي والنزول إلى الميدان، النزول إلى الميدان؛ هناك الشجاعة وهناك الرجولة. إن الكلام المجرد لا يكفي لبلاغ رسالات القرآن، بل امدوا قلوب الآخرين بتيار من شرايينكم المشتعلة، يعني يا من اشتعلتم بالقرآن، يا من شعرتم بصدمة النص القرآني ابتداءً ثم تجاوزتم إلى مرحلة تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، أوصلوا هذا التيار الكهربائي إلى القلوب الأخرى، أعينوا إخوانكم على أن يشعروا بهذه الصدمة الكهربائية وبهذا النور الملتهب، ليمروا بالمراحل التي مررتم بها. امدوا قلوب الآخرين بتيار من شرايينكم المشتعلة، تستضيء أرواحهم كما استضاءت أرواحكم، فتغمر الأنوار حينئذ البلاد والعباد؛ لأن عملية الإصلاح المجتمعي لا بد تبدأ من هذه المجالس، من مجالس القرآن. من شعر بصدمة القرآن وشعر بوهج القرآن ثم استقر هذا القرآن في قلبه بردًا وسلامًا، عليه أن يبعث هذه الصدمة وهذا الاشتعال في قلوب الآخرين من حوله، في حيه، في مسجده، في بلاده، لتعمر الأنوار حينئذ بلادنا ومجتمعاتنا.
أيها الأحبة المكابدون، إن اللغة عاجزة عن وصف النور، ولكن مهما تكلمت في وصف النور القرآني فإن العبارات تقف حائرة، لا تعرف كيف تعبر عن عظمة النور الملتهب الذي ينبعث من هذه النصوص، ولكن الوسيلة الوحيدة لوصفه وللتعريف به هو سيحاول أن يقرب لكم النور القرآني من خلال شيء في الحياة ملموس في حياتنا المعاصرة، والوسيلة الوحيدة لوصفه والتعريف به إنما هي قدح زر كهربائه، كأنك تقدح زر الكهرباء وإشعال فتيل المصباح، وإنما قلوبكم هي مصابيح القرآن، وإنما قلوبنا هي المصابيح للقرآن، وهي الشرايين لمجرى التيار الكهربائي. هو يتكلم بمثلين؛ أحيانًا يمثل قلوبنا بأنها المصابيح، ويمثل شراييننا في جسمنا بأنها كالأسلاك يمر فيها التيار الكهربائي؛ إنما قلوبكم هي المصابيح، وشرايينكم هي مجرى التيار الكهربائي، فأشعلوا نار القرآن في قلوبكم في المصابيح، واقدحوا فتيله في نفوسكم، والتهبوا به التهابًا. أنتم متخيلون الصورة، هذا القلب الملتهب المشتعل بنور القرآن، والتهبوا به التهابًا حتى تكتووا بناره وتجدوا حر تياره إذا صافحتم الناس بعد ذلك، فإذا صافحتم الناس بحقائق القرآن بعدها وجدوا حر النور القرآني في أيديكم، وتلقوا لهيبه من أنفسكم، ووقعت عليهم كلمات الله من سيمائكم وقوع النيازك المشتعلة، وذاقوا حقيقة مكابدة القرآن كما ذقتم؛ فحينئذ يدرك الناس معكم رسالتكم. لن يدرك الناس ولن تدرك المجتمعات رسالة الإسلام العظيم حتى نمر بهذه المراحل يا دعاة الإسلام، يا طلبة العلم، يا عموم الناس. عليكم أولًا أنتم أن تحترقوا وأن تلتهبوا، وأن يسري هذا التيار القرآني في شرايينكم، بعد ذلك حينما تصافحون الناس، حينما تلقون كلامكم إلى الناس، يشعر الناس معكم بذاك اللهيب بذاك التيار، فينتقل هذا التيار الكهربائي وذاك اللهيب المنبعث من نور القرآن إلى قلوب الآخرين؛ حينئذ سيفهم الناس معنى رسالة الإسلام الخالدة.
أيها الأحبة المكابدون، إن حملة هذه الحقائق الإيمانية في الأمة اليوم هم القليل، هذه الحقيقة أن الذين يحملون رسالات القرآن بالمنهج الذي يتكلم عنه الشيخ فريد هم قليل اليوم في الأمة. وإن لجمرة واحدة من جمرة آية واحدة، يقول لك آية واحدة كما قال لكم أبو سليمان الداراني، وإن الحامل لجمرة واحدة يكفيك جمرة واحدة ابتداءً، وإن الحامل لجمرة واحدة من جمرة آية واحدة يكتوي بلهيبها ويستهدي بنورها هو أنفع لنفسه وللناس بإذن الله من مئات الحفاظ للقرآن كاملًا الذين استظهروه بألسنتهم من غير شعور منهم بحرارته ولا معاناة للهيبه ولا مشاهدة لجماله وجلاله. يقول الذي يكتوي ببعض آيات القرآن وتلتهب في نفسه، انتفاعه هو وانتفاع المجتمع به أكثر من انتفاع المجتمعات بكثير من حفظة القرآن الذين يحفظون القرآن بألسنتهم لكن القرآن لم يلتهب في قلوبهم، ولم يشعل النار فيهم، ولم يسِر التيار الكهربائي في شرايينهم. طبعًا هو لا يزهد حاشاه من قضية حفظ القرآن، بل حفظ القرآن هو الأساس، لكنه يتكلم عن معاناتنا اليوم في مجتمعاتنا، وهو الاهتمام بجزئية واحدة من جزئيات القرآن، جزئية الحفظ اللساني، والغفلة عن الجزئية الأهم والأخطر وهي جزئية الالتهاب بنور القرآن.
إخواني، كثير من الصحابة لم يحفظوا القرآن كاملًا، صحيح؟ لكنهم جميعًا التهبوا بنور القرآن؛ هذه هي الفكرة، الكثير من أكثر الصحابة لم يحفظوا القرآن لكنهم جميعًا التهبوا بنور القرآن فاستحقوا شرف الصحبة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا الذي نريده. نعم نحن نريد حفظة القرآن وهذا القرآن محفوظ بإذن الله، لكننا نريد ما هو أعظم من ذلك، نريد أن يسري هذا التيار الكهربائي وأن تلتهب قلوبنا وقلوب الحركات والجماعات والطوائف والأفراد في مجتمعنا بنور القرآن؛ حينئذ نستطيع أن نقول إننا جيل القرآن، نستطيع أن نقول إننا فهمنا رسالة الإله في هذا الكتاب العظيم، أما قبل ذلك فما زلنا في غاية البعد عن حقيقة هذه الرسالة العظيمة.
فلا يحقرن نفسه؛ انظروا فيها رفع همم لإخواننا ربما كبار في السن، يقول لك أنا مضى بي العمر لا أستطيع أن أحفظ القرآن، احفظ ما استطعت ولكن لا يحقرن نفسه صاحب الآية والآيتين والثلاث، لا يحقرن نفسه صاحب الجزء والجزءين والثلاث إذا اكتوى بنور القرآن، لا تحتقرن نفسك، ترى معك كنز عظيم لا تخف. لا يحقرن نفسه صاحب الآية والآيتين والثلاث إذا كان حقًا ممن قبض على جمرهن بيد غير مرتعشة؛ لأن اليد المرتعشة تسقط الجمرة منها، ويريد اليد الثابتة التي تقبض على جمار القرآن بقوة. إذا كان حقًا ممن قبض على جمرهن بيد غير مرتعشة، وارتقى بقراءتهن ثلاث أربع آيات، أربع خمس أجزاء، ما هي مشكلة؛ المهم أنك تكتوي بنارها وبلهيبها إذا كان حقًا ممن قبض على جمرهن بيد غير مرتعشة وارتقى بقراءتهن.
إلى منازل الثريا، نجماً ينير شبراً من الأرض في ظلمات هذا العصر العصيب. يكفينا منك يا من معك ولو جزئين ولا تستطيع أكثر من ذلك، أن تتحقق بهذه الأجزاء وبهذه الآيات التي معك، وأن تصبر عليها حتى تصبح مع الوقت شمساً تضيء شبراً من الأرض؛ ما عندنا مشكلة. تضيء شبراً من الأرض لهذه الأمة، وهذا يضيء شبراً، وهذا يضيء شبراً، إلى أن يعمَّ أرجاء البلاد المباركة. أيها الأحبة المكابدون؛ لاحظوا دائماً يناديكم بهذا اللقب، لأنه يريد أن يزرع الفكرة في أذهانكم: المكابدون. المكابدة للنص القرآني، والحياة الحقيقية مع هذا الكتاب العظيم، والالتهاب بهذه النار، والشعور بالصدمة، هذه كلمات يدندن حولها دائماً الشيخ فريد -رحمه الله عليه وأسكنه فسيح جناته-.
أيها الأحبة المكابدون، يا أيها السالكون إلى الله في زمن الغربة، إن قلة السائرين على الطريق لا ينبغي أن تثني عزم الصادقين، ولا أن تثبط المؤمن عن الانخراط الإيماني في حمل رسالات القرآن وبلاغها. كثير من الشباب ومن الفتيات ربما يستصعب منهج الدكتور فريد، وهو منهج الصحابة ومنهج الأمة السابقة، لأنه يشعر بوحشة الطريق، لا يجد رفيقاً يؤنسه. فالدكتور فريد يقول لكم: وحشة الطريق لا يعني أن تتخلوا عن هذا المنهج، قلة السائرين لا يعني أنكم يجب عليكم أن تغيروا البوصلة، كلاً. نعم سيأتيكم من يقول لكم: دعوكم من هذا المنهج، دعوكم من هذا اللهيب الذي تدندنون حوله، عليكم بثقافة العصر، عليكم أن تقرأوا لفلاسفة الشرق والغرب، هذا هو الفكر، هذه هي النهضة. ستسمعون هذا كثيراً في حياتكم، إياكم أن تضعفوا وأن تغيروا بوصلة الحياة؛ هذه كلماته، هذه همساته -رحمه الله عليه-. ستسمعون كثيراً كثيراً من الغثاء ممن يريد أن يأخذكم بعيداً عن مجالس القرآن وعن مكابدة حقائقه.
إخواني، الصحابة الكرام الذين صنعوا الحضارة ما احتاجوا إلى أن يقرأوا لا لفلاسفة الشرق ولا لفلاسفة الغرب، وإنما كانوا ينطلقون من مكابدة القرآن إلى العمل بالقرآن فصنعوا التاريخ؛ معادلة سهلة. فنحن ليس قصورنا أننا لم نقرأ ثقافة الغرب، ليس قصورنا أننا لم نفهم الفيلسوف الفلاني أو الفلاني، ليس قصورنا ضعف الكتابة الفلسفية أو ما أشبه من الهرطقات التي لا معنى لها؛ قصورنا أننا ضعفنا عن مجالس القرآن، وأننا لم نكمل المسير وحرفنا البوصلة في العمل الإسلامي وفي غيره، فانخارت القوى عندنا وابتعدنا عن نهج المدرسة الأولى، فلذلك ما زلنا لم ننتصر بعد.
ربما يقول الدكتور فريد: ربما أحياناً كانت القلة دليلاً على صواب المنهج. هو لا يجزم، لكن نقول أحياناً قد تكون قلة السائرين دليلاً على صواب المنهج، لأن المنهج الحق منهج فيه شيء من التعب، وفيه شيء من المجاهدة والمكابدة، وقليل هم الذين يصبرون على هذا. قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 13-14]. وقال في حق نوح عليه السلام: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]. وقال في حق موسى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83]. وقد كان الأنبياء من قبل ليس يتبع الواحد منهم إلا الرجل والرجلان والثلاثة أو النفر القليل، فلا تغتروا بكثرة الهالكين، واثبتوا على الطريق.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرُّهَيْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، ونبي وليس معه أحد». أحياناً قد تسير وحدك في الطريق، هذا نبي من أنبياء الله. هل تظنون أن هذا النبي لم يمارس الدعوة بالشكل الصحيح لذلك ما جمع جمهوراً حوله؟ حاشاه صلى الله عليه وسلم. نبي من الأنبياء لم يستطع الناس أن يكملوا معه رحلة الوهج، رحلة الثبات، رحلة المكابدة للنصوص، فتساقط أكثرهم على الطريق، وبقي النبي معه رجل، رجلان، نبي معه رهيط، ونبي ليس معه أحد؛ ما استطاع أحد في زمنه أن يكمل معه الطريق. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عُرضت عليَّ الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي وليس معه أحد». وكذلك كان بدء دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صار بعد هو أكثر الأنبياء اتباعاً، لكن في بداية طريقه صلى الله عليه وسلم بدأ وحيداً.
ولنا اليقين أن القلة -يقول الدكتور فريد-: "وأنا متيقن أن هذه القلة الثابتة التي تكابد القرآن وتحيا مع آياته، إذا تحققت بولاية الله صنع الله بها الأعاجيب". فعلاً أنا أوافق الدكتور؛ نحن لا نحتاج إلى الكثرة الكاثرة، إخواني ليست غلبتنا ابتداءً بالكثرة ولا بالعدد، وإنما سننتصر حينما يكون عندنا رموز وعلماء ودعاة يحيون بمنهج الصحابة الكرام مع القرآن، كابدوا حقائق القرآن، شعروا بصدمة القرآن، ثم أخذوا ينشرون هذا الضياء في مجتمعاتهم. هذه القلة القليلة، خمسة، ستة، سبعة، عشرة، الله عز وجل يصنع بها الأعاجيب، لا تظنوا إخواني. وإن الله سبحانه إذا نظر بعين الرضا إلى عبد من عباده أو إلى ثلة قليلة منهم، ولو كانوا معدودين على رؤوس الأصابع، جعل منهم مفاتيح للخير شهداء على الناس.
وقد نقل عن الفضيل بن عياض حكمة من أبلغ الحكم فيما نحن فيه، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلال ولا تغتر بكثرة الهالكين". وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتُهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب».
وقال: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرأه نائماً ويقظان». هذا الكتاب الذي بين أيدينا لا يذهب إذا غسلت المصاحف بحبرها؛ لأنه محفوظ في صدور الرجال وفي عقولهم وفي أفكارهم. والشاهد عندنا في هذا الحديث هو نظر الرحمن بعين الرضا إلى تلك البقية القليلة، بل النادرة من موحدي أهل الكتاب. وهذا الكلام كلام عن مرحلة الفترة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيسى؛ هذه تسمى مرحلة الفترة، كيف أن الله سبحانه وتعالى مقت العرب والعجم بشركهم بالله سبحانه وتعالى، ولانحرافهم عن ملة إبراهيم، سوى قلة قليلة، بقي سبحانه وتعالى راضياً عنها. من هذه القلة القليلة؟ هم الموحدون من أهل الكتاب؛ استثناهم سبحانه من مقته ومن غضبه، مع أنهم قلة قليلة.
إن بضعة رجال من النصارى الموحدين ممن بقي على دين عيسى من غير تحريف ولا تبديل، قد فروا بدينهم خوفاً من اضطهاد الكنيسة البيزنطية القائمة على عقيدة التثليث وعلى عبادة الصليب، وتفرغوا لعبادة الله الواحد الأحد بعيداً في أطراف جزيرة العرب. ومنهم من التقاه سلمان الفارسي رحمة الله عليه في رحلة النور، رحلة الهداية التي خاضها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا انظر ماذا قال لك؛ انظر إلى قصة إسلام سلمان الفارسي وهي بطولها في مسند الإمام أحمد، وفيها قوله رضي الله عنه لمعلمه الراهب عندما حضرته الوفاة، وما بقي على الأرض أحد سواه ممن هو على دين عيسى الحق. فقال له سلمان: إلى من توصي بي أيها الراهب وما تأمرني؟ فقال: "يا بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس، أمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلَّك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج في أرض العرب".
فالتفت إليهم الرحمن، إلى هذه الفئة القليلة الموحدة من أهل الكتاب في هذه الفترة، التفت إليهم الرحمن بعنايته ورحمته، وذكرهم بخير في محكم كتابه، قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، مدحهم الله. هذه الثلة القليلة التي بقيت من أهل الكتاب موحدة على منهاج الله، خلد الله ذكرها؛ لأنها القلة القليلة التي اكتوت بنور رسالات الله سبحانه وتعالى، وتمسكت بالحقيقة وراء الحقيقة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الحق الذي أنزل على عيسى، ولم تذهب إلى التحريفات التي وقعت؛ فخلد سبحانه وتعالى ذكرهم.
قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 82-83]. وعلى هذا الميزان جرى ذكر أصحاب الكهف قبلهم، ثلة قليلة صبروا وقبضوا على الجمر، كابدوا طريق الإيمان، لم يتجاوزوا سبع شباب هناك في سواد عظيم من الكفار، فخلد الله ذكرهم. فالخلود إخواني هو لمن يصبر، حتى ولو كانوا قلة قليلة.
الخلود والمجد والرفعة؛ انظروا كيف خلد الله سبحانه وتعالى صاحب يس، رجل واحد! كيف خلد الله أصحاب الكهف؟ سبعة رجال! كيف خلد الله سبحانه وتعالى قلة قليلة من موحدي أهل الكتاب؟ الخلود إخواني لمن يثبت على مرارة الطريق. فهل من شباب يستجيبون لنداء الله؟ يناديكم الشيخ فريد الأنصاري: فهل من شباب يستجيبون لنداء الله ويسلكون مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخلون في ابتلاءات القرآن المجيد؟ هذه هي الرسالة. علينا جميعاً إخواني، يا شباب الدعوة، يا شباب الإسلام، أن نعيد النظر في طريق تعاطينا مع النصوص القرآنية.
علينا جميعاً أن ندخل قلوبنا لتنصهر في ابتلاءات القرآن المجيد، تخلُّقاً بأخلاقه، وتحقُّقاً بمنهاجه، وتلقياً لتلاوته، ثم البلاغ؛ بلاغ هذه الرسالات إلى سواد الأمة عبر مجالس القرآن ومدارسة القرآن تدبراً. فالكرة من يبادر إلى إنقاذ نفسه مع من وفقه الله إلى إصلاحهم من المسلمين، فيعود بهم من متاهات الشرود عن منهج القرآن إلى هدي القرآن الكريم، ويتحلل من تلك الشكوى التي شكاها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه حين قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]. إن تأسيس مجالس القرآن، مجالس الغرباء، والسلوك إلى الله عبر مدارج التربية الربانية، واتخاذها مدارس لتلقي حقائق الإيمان من خلالها، وأخلاق القرآن من خلالها، والترقي بمعارج العلم بالله والمعرفة به؛ لهو المفتاح الرئيسي للولوج إلى مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، والسير على خطاه في تجديد الدين.
إذا تريدون أن تجددوا الدين، أن تصنعوا حضارة، البداية ستكون من مجالس القرآن، والسير على خطاه في تجديد الدين ومنهاج الدعوة إلى رب العالمين. ولعلك تتقالّ هذا العمل إلى جانب ما ترى اليوم في الساحة الإسلامية من كثرة المناهج والبرامج والخطط والهياكل والأشكال والألقاب، مع غفلة شبه تامة عن موارد القرآن. يعني لربما أيها القارئ وأنت تقرأ كلامي تتقالّ هذا العمل، تقول: "إيش يعني مجالس القرآن؟ ماذا سنفعل بمدارسة القرآن؟" فتشعر أن الموضوع موضوع لا يستحق، أو موضوع هامشي. والساحة في المقابل مليئة بالمناهج والأسماء والحركات والألقاب والرموز، فتظن أن ما أدعوك إليه من مدارس القرآن عمل سهل لا يستحق ذاك البذل، فتتساءل وتقول: أيمكن أن يكون كل هذا العجيج والضجيج من الجماعات والمناهج والحركات والطوائف والرموز على غير صواب في المنهج؟
لاحظوا الآن هنا ينوي إلقاء كلمة، أنه نعم هو طبعاً لم يعطِ الجواب، لكنه طرح السؤال، وهذا من ذكائه، ولم يعطِ الجواب لكنه طرح السؤال: أن هناك من يتساءل، هل يمكن أن تكون كل هذا العجيج وهذا المخاض في الأسماء والأشكال والرموز لم يهتدِ بعدها إلى الصواب، إلى منهج محمد صلى الله عليه وسلم؟ الجواب الذي يريد أن يقوله: نعم، يمكن ذلك وبقوة، أن تكون هذه الكثرة الكاثرة من المناهج والحركات والأسماء والتيارات لم تهتدِ بعد إلى منهج محمد صلى الله عليه وسلم. لربما طائفة أخذت بجزء منه، وطائفة أخرى أخذت بطرف آخر، وطائفة ثالثة أخذت بربع، وهذا بخمس، وهذا بسدس، لكن هل يمكن أن تكون لا توجد طائفة أخذت بالمنهج كاملاً؟ نعم، يقول لك: يمكن ذلك، لا مانع يمنع من هذا الأمر.
فيقول: ولكننا نقول لك كلمة واحدة، أن القرآن وبياناته النبوية في هذا الدين هي كل شيء. يعني هو ترك الجواب؛ أنه أنت فكر هل كل هذه الكثرة الكاثرة تسير على منهاج القرآن، ثم عاد إلى قضية أخرى فقال لك: نقول لك كلمة واحدة، أن القرآن وبياناته النبوية في هذا الدين هي كل شيء؛ باختصار، دستور الأمة، منهج الأمة، منهج هذا الدين الكتاب والسنة، وآراء الرجال إذا خرجت عن معدن الكتاب والسنة فلا عبرة بها ولا حاجة إليها. إن القرآن وبياناته النبوية في هذا الدين هي كل شيء. نعم هي كل شيء هكذا قال: نعم هي كل شيء.
وإننا نعيش اليوم أزمة خفية في تحديد مفهوم الدين، أصبح كثير من الإسلاميين يعانون إشكالية في تحديد مفهوم الدين، ترتب عليها أزمة أخرى في تحديد مسلكه ومنهاج تجديده. ومن قبل تقالّ رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادته لربه، بتعرفون الحديث المشهور أن بعض الرجال، نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهبوا إلى بيوت أزواجه يسألون عن عبادته، فكأنهم تقالّوها.
النبي ﷺ عبادته ليست كثيرة جدا، فرغبوا في الزيادة على مقادير سنته، فغضب من ذلك ﷺ وخطب وقال: «من رغب عن سنتي» أي عن منهجي وعن طريقي «فليس مني». وهنا يقتبس الدكتور فريد الأنصاري هذه العبارة ويقول: «والعبرة بعموم اللفظ في كل من خالف النبي ﷺ وسار على غير منهاجه في الدين والدعوة، فهؤلاء جميعاً نقول لهم: قال ﷺ: من رغب عن سنتي أي عن منهجي وطريقي فليس مني أي ليس على منهج الإسلام الحق».
إن القرآن المجيد مع البيانات النبوية التي يعطيها النبي ﷺ بهذا القرآن هو كل شيء، لا يوجد شيء ناقص للمنهج والطريق. كل هذه الثقافات والقراءات والاجتهادات كلها وسائل، وأما الكليات الكبرى والمنهج العام واضح، فالكليات الكبرى والمنهج العام كامل في دين الله العظيم، هو القرآن والسنة. كل شيء كما يقول الشيخ فريد: دعوكم من الهرطقات، دعوكم مما يقوله أصحاب الفلسفة الكلامية اليوم على وسائل التواصل، وما يتكلم به فلان وهو فلان من تشدقات لا معنى لها؛ هذا هو المنهج، هنا البداية وهنا النهاية.
كل شيء من مجالس القرآن؛ إن القرآن المجيد مع البيانات الدعوية هو كل شيء، وهو في مسلك الدعوة إلى الله. البرنامج والمنهاج بما للكلمة من معنى، أي القرآن والسنة هما البرنامج وهما المنهاج. فعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قالوا: بلى، فقال: «إن هذا القرآن اسمعوا هذا الكلام، إن هذا القرآن سبب أي حبل، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنه لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً».
إخواني، تؤمنوا بمدرسة محمد ﷺ، من كان يؤمن بمدرسة محمد ﷺ حق الإيمان، فيجب عليه أن يؤمن بهذا النص، ويجب عليه أن يؤمن بهذه الحقيقة؛ أنه من اعتصم بكتاب الله وكان كتاب الله والمنطلق بحق في منهجه في التغيير والإصلاح، ومن عال وكابد الحقائق القرآنية واصطلى بوهجها، ثم بعث هذا النور في أرجاء المجتمع، هؤلاء هم الذين لن يضلوا، ولن يهلكوا، ولن يبتعدوا أبداً عن مدرسة محمد ﷺ.
قال: والأحاديث الصحيحة في هذا المعنى كثيرة وافرة. وماذا يكون معنى قوله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»؟ إذا لم يكن تعلم آياته وأحكامه وحكمه وتزكية النفس به والدعوة إليه وبه، على ما هو مقرر في غير موطن من كتاب الله في بيان وظائف النبوة الثلاث. فوظائف النبوة ثلاث أساسية، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]. ماذا يفعل هذا الرسول؟ أول وظيفة يتلو عليهم آياته، ثاني وظيفة يزكيهم بهذه الآيات، ثالث وظيفة يعلمهم الكتاب، التي هي الآيات والحكمة، وهي السنة كما فسرها الإمام الشافعي في الرسالة نقلاً عن السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وإن كانوا من قبل أن يأتيهم هذا النور وهذه الآيات وهذا الرسول الذي يتلو عليهم هذه الآيات، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
إن مجلساً ينعقد لهذا الهدف العظيم، هدف تعليم القرآن وتلاوة القرآن وتزكية النفس بالقرآن والاصطلاء بنور القرآن، لهو حلقة من حلقات الصديقين. هذه المجالس هي حلقة من حلقات الصديقين، ومشكاة نور مستمدة من مصباح سيد المرسلين ﷺ، متحد مع قافلة الربانيين، من أوائل المؤمنين من عهد نوح عليه السلام مروراً بخالص الحواريين تلاميذ عيسى إلى أصحاب محمد ﷺ، ثم من تبعهم من الدعاة المخلصين رضوان الله تعالى عليهم.
يا أصحاب مجالس القرآن اليوم، يا من تكابدون الثبات على هذا المنهج، أنتم من ضمن السلسلة التي تبتدأ من آدم ومن نوح، مروراً بالحواريين، مروراً بمدرسة محمد ﷺ ودين الصحابة، إلى جيل التابعين، إلى مدرسة الأولياء والصالحين. أنتم حلقة من هذا النور الفريد، فما أجملها من حلقة ومن سلسلة منيرة مضيئة!
يا شباب الإسلام، هذا نداء الله فمن يجيبه؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. يحيي هذه القلوب الميتة المريضة السقيمة الجافة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، إن الله يحول بين المرء وقلبه، فقلبك هذا بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعليك أن تتوجه به إلى نور الله، وأن تكابد حقائق القرآن، وأن تنيره بضياء الله حتى يحيا هذا القلب، وإلا إياك أن تظن أنك ستقتبس هذا النور وهذه الجدوى من غير هذا الكتاب العظيم.
وأي حياة أعظم للنفس وللأمة من حياة القرآن؟ وكيف لا وقد جعله الله روحاً، وقد جعل الله الروح اسماً من أسماء القرآن، قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]. وقال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ [النحل: 2] أي بالقرآن على قول جمهور المفسرين، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 1-8]، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ * مُدَبِّرُ الْأَمْرِ﴾ [البروج: 15-16]، أي يلقي الروح من أمره، أي القرآن والآيات القرآنية على قول كثير من المفسرين، وكفى بذلك دلالة على سره الإيحائي العجيب.
تسمية القرآن روح، أخواني، ألا تستفز النفوس؟ ألا تشعرون أن تسمية القرآن روحاً تعطيه معنى وطعماً لا تكاد تجده في أي شيء آخر؟ القرآن روح سيبعث الحياة في النفوس؛ إذا كنت ميتاً، إذا كنت مريضاً، إذا كنت سقيماً في متاهات الحياة، القرآن سيعيد لك روحك وينعنشها ويجعلك تحيا في هذه الحياة الدنيا حياة حقيقية، حياة القلب وليس مجرد حياة البدن.
إن نداء الدعوة بالقرآن هو نداء عام لكل مسلم ومسلمة، بمعنى أنه لا يلزم أن يكون الداعي به، الذي يحيا مع القرآن ويشع بالقرآن، لا يلزم أن يكون عالماً من علماء الشريعة، لا يلزم أن يكون متخصصاً في التفسير، كلا والله. لا يلزم أن يكون الداعي به أو المنخرط في مدرسة القرآن والعاقد لمجالسه والمكابد لتكاليفه من أهل العلم الكبار المتخصصين به، رغم أن حضور العلماء بالتأكيد في إشرافهم على مسيرة الدعوة وتفهيم بعض الآيات القرآنية للأجيال هو ضرورة شرعية، فنحن نحتاج لعلماء التفسير، هذا ليس تقليلاً من شأنهم، لكنه يريد أن يقول إن الدخول في مدرسة القرآن ومكابدة هذه المدرسة لا يحتاج أن تكون متخصصاً، فها هم الصحابة الكرام.
المزارع والراعي والتاجر والحداد والنجار والمحارب، والصحابة على مختلف أعمالهم وأجناسهم وأشكالهم: الرومي والحبشي والفارسي إلى غيره. كلهم دخلوا في مجالس القرآن وكابدوا حقائق القرآن وعاشوا هذه الحقيقة في قلوبهم ووجدانهم. فالموضوع هذا ليس متعلقا بأهل الاختصاص بل هي وظيفة كل مسلم موحد.
بل يجوز أن يكون الداعية المنخرط في مدرسة القرآن مختصا بعلم آخر من العلوم الإنسانية أو الطبيعية، كالهندسة والطب والفلك والرياضيات أو علوم الأرض والحياة، وربما كان تقنيا في هذا الفن أو ذاك، أو كان تاجرا أو فلاحا أو صاحب صناعة. وربما كان ما كان، فيكفي أن يحوز على رصيد من العلم بالعربية، يكون عندك عربية تتقن بها قراءة القرآن بشكل صحيح، ويكفيه هذا الرصيد لفهم خطاب القرآن جملة على الإجمال، وله بعد ذلك في كتب التفسير وفي إرشاد أهل العلم ما يسدده في خطواته في التدرج في منازل القرآن، وفي الترقي في معارجه الإيمانية حتى يكون من المهرة به تلاوة وتعبدا وبلاغا للأمة. قال رب الرحمة جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
وبإذن الله يا إخواني، حينما نمر على الرسالة الرابعة الأخيرة، مفهوم التدبر، أعرف الفرق بين التفسير والتدبر، وأن ممارسة التدبر متاحة لكل مسلم ومسلمة مهما اختلف موطنه في الحياة. وإنما كان المخاطبون بهذا القرآن في البدء قوما أميين، لا يكتبون ولا يقرؤون، ولا معرفة لهم بعلوم الفلسفة ولا التخصصات المعقدة اليوم، وإنما كانوا على فطرة صافية من اللسان العربي، تلقوا بهذه الفطرة الصافية كلمات الله، فجعلت منهم خير أمة أخرجت للناس.
وتلك خاصية هذا القرآن العظيم أنه سهل التدبر، لكن الشجاعة والجرأة هي في مكابدة حقائقه. القرآن سهل التدبر إخواني، وكلما ازدادت معرفتك ازددت تدبرا. والحمد لله من أيام محمد ﷺ وإلى اليوم أنتم تقرأون القرآن وتشعرون أن جل المعاني يمكن فهمها جملة؛ لما تقرأوا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ولما تقرأوا سورة البقرة عموما، تشعرون أن المعاني في الجملة هناك وضوح فيها. بعض الآيات التي تتعلق بالأحكام فيها للرجوع إلى أهل الاختصاص، وإلا ففي الجملة فهذا الكتاب من خصائصه النيرة العظيمة العجيبة أنه يقرأه الجميع ويفهمه الجميع، وهي مستمرة إلى يوم الدين.
لكن المشكلة أنه قل في وقتنا خاصة من يحرق نفسه في جماره ويصطلي حقائقه ويدرب نفسه على قبض الجمار. قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: 2]. تلك حقيقة القرآن المجيد؛ فمن يتلقى رسالاتها من يسلم نفسه لله فيدخل في ابتلاءاتها، ابتلاءات القرآن. من ينطلق في الناس ببلاغاتها، ويبادر إلى عقد مجالسها، ويجدد عمران روحه بلبناتها وبركاته، ومن يطهر نفسه بأنوارها وأمطارها، ومن يجاهد حزب الشيطان ببوارقها، من يتجرد لها فيكون من أهلها ورجالها.
ولعساه يكون من أهل الله وخاصته بمكابدة آياتها، فإن أهل الله هم أهل القرآن، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته. لكن متتى يرتقي أهل القرآن ليكونوا من أهل الله ومن خاصته؟ أو من هم أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وليسوا مجرد الذين حفظوا القرآن بلسانهم ثم في سلوكيات الحياة هم في غاية البعد؟ أهل القرآن هنا هم الذين كابدوا حقائق القرآن واصطلت قلوبهم بنور وبجمار هذه الآيات إلى أن توطنت في نفوسهم وأصبحت بردا وسلاما. فيا عبد الله، بحق هذا، زمانك قد أتى، فحتى متى الانتظار؟ حتى متى؟ وإلى متى ذلك؟ إنما الموفق من وفقه الله.
خادمكم المحب فريد الأنصاري، الخميس 7 مايو 2009 ميلادي، رحمة الله تعالى عليه. إذا أظن الرسائل واضحة التي بثها الدكتور فريد الأنصاري في هذه المقالة: رسالة مجالس القرآن، وجوب إحيائها، الدخول في مكابدة آيات القرآن والاصطلاح بنور القرآن، وأن المرحلة الأولى هي مرحلة الصدمة والمكابدة ثم تنقلب بعد ذلك مرحلة السرور والارتياح. وإن من لم يمر على تلك المرحلة الأولى لن يصل إلى تلك المرحلة الثانية. يخبرك الدكتور أن هناك قلة في السالكين بالتأكيد، لأن قلة من يصبرون عن المرحلة الأولى، مرحلة المكابدة والدخول في ابتلاءات القرآن. فكن عبد الله من أولئك القلة الذين يصبرون على هذا.
ها هو رمضان قد أقبل، فعش مع القرآن بنفس آخر. حاول أن تأخذ جزءا من القرآن، قسما من القرآن تعيش معه، تتحقق بحقائقه، بناره، وتلتهب بلهيبه، لعل ذلك يكون سببا في تغيير بوصلة حياتك بالكلية، تخرج من هذا الضياع، من هذا التشتت، ومن الخوف من الأمراض النفسية والأسقام، تخرج وتصبغ النفس بشيء جديد في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل