دخولتسجيل الدخول

المجلس 3 - إنه وحيٌ فتعرضوا له

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.

حياكم الله يا أهل القرآن، يا من اجتمعتم لإعداد قلوبكم لاستقبال القرآن في رمضان استقبالًا جديدًا بقلب جديد. حياكم الله إخواني في مدارسة هذه الرسالات المباركة للشيخ المربي العالم المزكي الشيخ فريد الأنصاري، رحمه الله تعالى عليه، وجزاه عنا خير الجزاء على ما قدمه لهذه الأمة من إحياء جديد للظاهرة القرآنية، ومن نصح وإرشاد للشباب المسلم بأهمية العودة إلى هذا الكتاب العظيم لنقيم أنفسنا ولنقيم مجتمعاتنا وحياتنا على أسسه ومنطلقاته ومنهاجه.

إخواني، إنه وحي فتعرضوا له؛ ممتع ومدهش وعجيب في نفس الوقت. هو حديث القرآن عن القرآن؛ إنك لن تجد حديثًا ولا وصفًا أجل وأعظم للقرآن من وصف القرآن لنفسه. فإذا أردت يا عبد الله أن تعرف جلالة هذا الكتاب وفخامة هذا الكتاب وعظمة هذا الكتاب وأهمية هذا الكتاب وسطوة هذا الكتاب ومنهجية تلقيه، فعليك أن تصغي لما أخبر الله سبحانه وتعالى به عن كتابه.

فإنه عز وجل، جل ثناؤه، امتدح كتابه ووصفه بأوصاف متعددة في كلامه، وحمد نفسه أن أنزل هذا الكتاب على عباده: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. الله سبحانه وتعالى يثني على نفسه أن أنزل على هذه البشرية هذا الكتاب، فالسنا نحن أحق أن نثني على سبحانه وتعالى ونقول: الحمد لله الذي أنزل علينا هذا الكتاب؟

إذن يا إخواني، إذا أردتم أن تعرفوا عظمة هذا الكتاب حقًا، فعليكم أن تقرأوا وأن تسمعوا جيدًا كيف تحدث القرآن عن القرآن وبماذا وصف القرآن القرآن، فإنكم ستجدون الإجابة واضحة شافية كافية في كلام ربكم. إذا كان ربنا سبحانه وتعالى هو الذي يمدح لنا كتابه ويخبرنا عن قيمته وعن عظمته، فماذا لنا نحن المخلوقين أن نقول؟

إذا كان الخالق سبحانه الذي تكلم بهذا الكتاب في عليائه وفي قدسه، وأعطاه لجبريل من الملائكة، وأنزله على محمد ﷺ من البشر، يمتدح هذا ويمتدح إنزاله، ويخبر أنه تنزيل من رحيم، وأنه تنزيل من الله سبحانه وتعالى، وأنه تنزيل من الكريم، ويعطينا من جلاله ومن أوصافه ما يشوقنا إلى أن نلتفت لهذا الكتاب وأن نولي الاهتمام تمامًا لآياته وثناياه؛ أليس هذا يستحق منا يا إخواني جلسة صادقة مع هذا الكتاب العظيم؟ لنعيد ترتيب أولوياتنا معه، ونعيد التعاطي معه بالشكل الصحيح.

المقصد الأساس الذي أنزله ربه سبحانه وتعالى من أجله، سأذكره إخواني سريعًا قبل أن أدخل في كلام شيخنا فريد الأنصاري؛ دعوني أمر معكم قليلاً على عجالة عن شيء من أوصاف القرآن في القرآن. كيف وصف القرآن القرآن؟ هناك أوصاف عديدة، أكثر من عشرين وصفًا لكتاب الله سبحانه وتعالى في القرآن. وكلما عشنا مع هذه الأوصاف وانتبهنا إليها واسترعت انتباهنا وعرفنا مدلولاتها، كلما زاد هذا الكتاب في قلوبنا محبة وتعلقًا وشوقًا له وأنسًا وحنينًا؛ لأننا سندرك حينما نتأمل هذه الأوصاف أن هذا الكتاب العظيم يعني لنا كل شيء في الحياة.

إن أي حياة من دون هذا الكتاب العظيم فهي حياة ميتة. إخواني، إنني من أقوام يحيون في هذه الحياة الدنيا من دون أن يقرأوا القرآن، أتعجب كيف تطيب حياتهم؟ وكيف تأنس وحشتهم؟ وكيف تهدأ نفوسهم؟ والله عجب عجاب! والله إن هذا القرآن لهو لذة الحياة الدنيا، وهو أنسها وروحها وريحانها، به تحيا الحياة. وهذا لأن هذا الكتاب، كما سيبين لكم الشيخ فريد اليوم، هو من السماء، من آثار السماء؛ وليس كلام مصنف أرضي، وليس وجهات نظر، وليس ثقافة عامة، وليس كلام مخلوق. هذا كتاب من شيء نزل من فوق سبع سماوات، تكلم به ربنا سبحانه وتعالى، وأعطاه لجبريل في رحلة ينزل بها جبريل إلى الأرض ليعطيه لمحمد ﷺ، ليعطيه محمد ﷺ لنا.

شيء مدهش! وهو معلوم لي ولديكم لكننا لا ننتبه لهذه الحقيقة العظيمة؛ أن هذه الأسطر التي نقرأها ونسمعها بشغف وشوق ليست أسطرًا أرضية، وإنما أسطر من فوق السماء السابعة تكلم بها رب عظيم جليل. كلام كله صدق، كلام كله حق، كلام من الخالق للمخلوق. بالله عليكم، هل هناك أعظم وأجل من كلام الخالق للمخلوق؟

إخواني، دعوني أتكلم معكم عن شيء من أوصاف القرآن للقرآن. أول وصف سأتكلم عنه، وصف به ربنا سبحانه وتعالى كتابه، وهو أجل وصف وأعظم وصف وأخطر وصف للقرآن: أنه كلام الله تعالى. قال عز وجل في سورة التوبة في آخر آية منها: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]. لاحظوا هذه الإضافة: «فأجره حتى يسمع ماذا؟ كلام الله، ثم أبلغه مأمنه».

هذا هو أعظم وصف من أوصاف القرآن الكريم، وأجل وصف لو أننا أعطيناه الاهتمام والانتباه. هذا القرآن الذي نقرأه ونفتحه ونتصفحه ونجعل أعيننا تتقلب بين آياته، هو كلام من الله سبحانه وتعالى؛ أخذه جبريل وتلقاه من الله لينزل به جبريل على النبي ﷺ. هذه الحقيقة يا إخواني تقشعر منها الأبدان، وتجد منها القلوب المؤمنة؛ القلوب التي تسأل: من هو الله سبحانه وتعالى الذي تكلم بهذا الكلام من عليائه وأنزله لبشريته، ليكون نورًا وهداية وروحًا وحقًا وهدى؟

إخواني، هل تظنون أن الله سبحانه وتعالى، جل في عليائه، تكلم بهذا الكلام العظيم وأعطاه لجبريل ينزل به إلى الأرض نَجَمًا خلال ثلاثة وعشرين عامًا، لمجرد أن يكون ثقافة لأهل الأرض، أو مجرد أن يكون كلامًا عاطفيًا روحانيًا نستأنس به أحيانًا ثم نضعه على الرف؟ هل يعقل أن يكون الله سبحانه وتعالى قد أعطى جبريل هذا الكلام ليقسمه على محمد ﷺ على مدى سنوات ثلاثة وعشرين عامًا، لمجرد أن يكون هذا الكتاب مجرد كلام عاطفي أو كلام مجمل لا يتضمن السعادة الحق للبشرية، وإنما السعادة يبحث عنها البشر في حياتهم وحدهم؟ هل يعقل هذا الأمر؟

إخواني، هذه القضية انتبهوا لها؛ قضية أن القرآن كلام الله. والإله حينما يتكلم، يتكلم بالأمر الذي هو في غاية الأهمية بالنسبة للمخلوق. الخالق الذي خلقنا وخلق هذه الأرض وأوجدنا، وهو الذي يعلم كينونتنا من أولها إلى آخرها، تفضل علينا وتكرم علينا ومنة منه سبحانه، أن أنزل علينا هذا الكتاب الذي تكلم به ليعرفنا عن كل هذه الحقائق التي تحيط بنا في هذه الحياة، ليعرفنا عن نفسه.

ليعرفنا عن سر وجودنا، ليعرفنا عن المنهج الذي علينا أن نسير عليه في حياتنا، ليعرفنا عن حقائق الوجود، ثم ما بعد ذلك عن النهايات والمآلات. هذه الحقائق العظمى وهذه الأسئلة الفطرية التي تدور في خلد كل إنسان؛ الله سبحانه وتعالى كرم علينا نحن البشرية بأن خصنا بهذا الكتاب، وأن تكلم بهذا الكتاب وأنزله إلينا ليعرفنا، ولم يجعلنا في متاهات حائرين، لم يجعلنا مع أنفسنا ضائعين نتلقف حقائق الوجود من كلام فلان وفلان ومن آراء الرجال.

الحقيقة واضحة تمام الوضوح، والمنهج واضح بين. المسير إلى الله سبحانه وتعالى طرقه مكشوفة، لكن يحتاج من يثبت على هذا المسير إلى أن يلقى ربه سبحانه وتعالى. إذاً هذا القرآن الذي تقبلون عليه أحبتي، تذكروا هذه الحقيقة ولا تغفلوا عنها: كلام الله. الله تكلم به سبحانه وتعالى، هذه الحقيقة تطمئن معها القلوب وتستروح لها النفوس المؤمنة؛ إنها حينما تتلو آيات هذا الكتاب هي موقنة أنها تتلو آيات تكلم بها ربنا ابتداء، هو الذي تكلم بها ابتداء وأعطاها وأنزلها لنا.

فما أجمل أن تقرأ كلمات تكلم بها الله! حقيقة مذهلة ومرعبة في نفس الوقت، ومخيفة وجميلة، المشاعر معها تختلط. أنت تقرأ بلسانك كلمات تكلم بها الله سبحانه وتعالى جل في علاه، وأنزلها للبشرية. فهل تعقل عظم هذه الكلمات؟ من الذي تكلم بها؟ من الذي أنزلها؟ من الذي أوحى بها إلى هذه البشرية؟ هذه حقيقة متى استحضرتها وأنت تتعامل مع كلام ربك سبحانه وتعالى، ستشعر أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون تكلم به ربنا سبحانه وتعالى عبثاً.

لا يمكن أن أنزله خلال ثلاثة وعشرين سنة مفرقاً منجماً هكذا ليكون مجرد روحانيات وعواطف وأمور على هوامش الطريق، لابد أن هذا الكتاب فيه السر الأعظم، لابد وأن هذا الكتاب فيه السر الأعظم، وأنه المنطلق والأساس لهداية البشرية جمعاء. فعلي أن أبدأ بنفسي في أن أكتوي بناره، كما قال الشيخ فريد الأنصاري في مجلس البارحة: أن تدخل نفسك في ابتلاءاته، وأن تكابد حر جمره، إلى أن يصبح بعد ذلك برداً وسلاماً وروحاً وريحاناً لهذه القلوب، تأنس به وتطمئن عند سماعه وتقيم نفسها على منهاجه.

من أوصاف القرآن أيضاً أحبائي أنه بركة. قال سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: 29]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾. إذاً هذا القرآن، هذه الآيات بركة. وحينما تسمع كلمة البركة هكذا مطلقة، عليك أن توسع الآفاق في فهم مدلولها؛ فهذا الكتاب الحياة معه بركة، الجلوس معه بركة، تلاوته بركة. من يحمله أيضاً يشعر بالبركة في رزقه، في حياته، في طمأنينته، في هدوء قلبه، في استقراره.

بركة هذا الكتاب لا حدود لها. تبدأ بركته من اللحظة الأولى التي تتلقاه بها في الحياة الدنيا، وتستمر معك هذه البركة في كل أجواء الحياة؛ في رزقك، في ذريتك، في أنسك، في سعادتك، في تدبرك، في تفهمك، في تعقلك. ثم تستمر هذه البركة إلى أن تدخل معك في القبر؛ لتنير لك هذا القبر، لتنير لك تلك الظلمات وأنت تتوسد تحت التراب. ثم تستمر هذه البركة معك لتنتقل إلى عرصات يوم القيامة يا حامل القرآن.

فأنت في يوم القيامة مع نور القرآن في تلك الأهوال تجد هذا القرآن يأتي شفيعاً لك عند الله سبحانه وتعالى، يقول: «يا رب، صمتُ له ليله وأفطرتُ له نهاره، أفهو يشفع لي فيه؟». ثم بعد ذلك إذا دخلت الجنة تأتي بركة القرآن أيضاً لترتفع بك: «اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». هل تريد بركة أعظم من هذه البركة؟

نعم، إنها تلك الأسطر أخي الكريم التي تقرأها وتتصفحها، تلك الآيات فيها طاقة البركة، نعم تعطيك البركة؛ بركة في رزقك، في مالك، في أنسك، في سعادتك، وأنت تقرأ وأنت تتلو وأنت تتعرف على حقائق الحياة، وعلى عظمة الله سبحانه وتعالى وعلى جلاله وعلى أفعاله وعلى حكمه. هذا الكتاب الله سبحانه وتعالى يخبركم أنه بركة، فتعرضوا لبركات الله، وإياكم أن تحرموا أنفسكم. لست أنا من وصفت القرآن بأنه بركة، أنا مجرد ناقل مخبر لكم عما أخبر به الرب سبحانه وتعالى عن كتابه، وهو الصادق المصدوق.

يخبركم عن كتابه بأنه بركة. يا من تبحثون عن السعادة في هذه الحياة الدنيا، يا من تبحثون عن البركات لتهل عليكم، يا من تبحثون عن البركة في أرزاقكم وذرياتكم وأبنائكم وأزواجكم، تريدون البركة، وهذا ذكر مبارك أنزلناه، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾. فممن يملكها حقاً؟ وإياكم أن تطرقوا أبواب السعادة من أبواب أخرى لم يجعلها سبحانه وتعالى طريقاً إليها.

من أوصاف القرآن للقرآن مما وصف القرآن به أيضاً إخواني أنه روح. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾. هذا الوصف الثالث أنه روح، وهذه الكلمة حينما أسمعها تستدعي الانتباه وتجذبني لها بقوة. القرآن روح بمعنى الروح، وعظمة هذا الوصف للقرآن تكمن إخواني في ماذا؟

إذا عرفنا أن هذا الإنسان، هذا الكائن الحي، هو عبارة عن قبضة طينية كانت جسده ثم نفخ فيها روح إلهية شكلت روحه، أليس هذا هو الإنسان؟ جسد وروح، قبضة طينية شكلت هذه الأجساد وهذه الأبدان الظاهرة، ثم نفخ فيها من روح الله سبحانه وتعالى لتتشكل الروح وتجتمع الروح مع الجسد. وكل قسم من هذين القسمين لابد وأن يقتات من المادة التي خلق بها؛ هذان قسمان: البدن والروح، كل قسم لابد وأن يقتات ويعيش من المادة التي خلق منها.

فالبدن بما أنه خلق من طين، فلا بد وأن يقتات مما يخرج من الطين؛ من الطعام، من الخضار، من الفواكه، من الأشجار، من الثمار. وأما القسم الآخر وهو الروح، فلابد وأن يقتات على مادة من الروح. فالله سبحانه وتعالى كما اهتم بأن يعطينا مادة الأبدان بإخراج الطعام والشراب، وأعطانا قوت الأجساد، سبحانه وتعالى أيضاً لم يتركنا هملاً بالنسبة لأرواحنا، بل أعطانا قوت الأرواح، فأنزل إلينا هذا القرآن روحاً من عنده سبحانه وتعالى.

فغذاء الأرواح هو هذا الروح الإلهي، هذا القرآن الكريم، لأن هذه المادة مادة روحية. قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا﴾، فهي التي تقتات منها الأرواح، كما أن الجسد مادة طينية فتقتات من مادة الأرض مما يخرج ومما ينبت منها. انظروا إلى هذا التجانس الجميل وإلى هذه الكبرى! فالله سبحانه وتعالى لما أخبرنا عن كتابه بأنه روح، إذاً هو بالتأكيد حياة وقوت وغذاء لأرواح بني آدم.

والحياة الحقيقية والله إخواني ليست هي حياة الأجساد والأبدان المحسوسة، فإن هذا القدر نشترك فيه -أجلكم الله- مع البهائم؛ حياة الأبدان بما فيها من طعام وشراب ونكاح ومنام، هذا نشترك فيه مع البهائم. لكن الحياة الحقيقية هي...

آيات الروح: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]. هذه هي الحياة الحقيقية أحبائي، والله سبحانه وتعالى قوم لنا مفاهيمنا للحياة؛ لا تظنوا الحياة الحقيقية هي مجرد حياة البدن الذي يأكل ويشرب ويلهو في هذه الحياة، الحياة الحقيقية التي خلقنا من أجلها هي حياة الأرواح. فنزل هذا القرآن روحًا من عند الله سبحانه وتعالى ليبعث في أرواحنا الروح، وليبعث فيها الحياة ولتبقى حية نابضة منيرة.

﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَثَلِهِ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]. هل يستوي هذا وهذا؟ كلا والله. إذاً من أوصاف القرآن أنه مادة روحية، ومن أوصافه أيضًا أنه حق؛ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتَخْبُتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: 54]. فتخضع له وتلين له القلوب المؤمنة الزكية الطاهرة.

هذا الكلام الذي تقرأونه إخواني هو حق، وأهمية وصف القرآن وهذه الآيات أنها حق تكمن في أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا تمر به الفتن، تمر به الشبهات، تمر به آراء الرجال فتكثر حوله الظلمات؛ فيبحث عن الحق الذي يكشف له الهدى من الضلال، ويكشف له الذهب الصافي النقي من الزيف المغشوش. يحتاج الإنسان إلى هذا النور الذي يقشع ذاك الضباب وتلك السحب وتلك الغيوم.

الإنسان في هذه الحياة يحتاج النور والحق الذي يميز له الهدى من الضلال، ويجد كل ذلك في كلام ربه سبحانه وتعالى؛ لن تجد شيئًا أقوى ولا أجل ولا أنفع في تمييز الحقائق واكتشاف الحق من الباطل والهدى من الضلال من كلام الله سبحانه وتعالى، فهو الهادي وهو الحق المبين كما وصفه ربه الذي تكلم به سبحانه وتعالى.

من أوصاف القرآن أيضًا إخواني أنه نور؛ ﴿وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: 19]، وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]. قد جاءكم من الله نور إخواني، هل تعلمون هذه الحقيقة والله؟ أنتم تقرأون هذا الكتاب في رمضان وفي غير رمضان، أنتم تقرأون نورًا، والذي أخبركم أنه نور هو الذي تكلم به، يقول لكم سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ينير حياتكم نورًا معنويًا ونورًا حسيًا.

فالنور المعنوي هو إنارة الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، فإلى الله عز وجل وهم يستضيئون بالقرآن طريقهم مليئة بالنور، لا يوجد فيها ظلمات، الظلمات على الحواشي لكن الطريق عندهم واضح لا يوجد عندهم غباش في الرؤية. هذا بصائر أيضًا كما قال سبحانه وتعالى، فالقرآن نور ينير بصيرة الإنسان، ويعرفه كيف يسير إلى الله سبحانه وتعالى، ويعرفه المنهج الذي يجب أن يحيا عليه وأن يموت عليه؛ فهو نور القلوب، نور الأرواح، نور الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

وأيضًا هذا الكتاب من خصائصه أن له نورًا حسيًا؛ فإن أهل القرآن لترى في وجوههم النور. وكم من رجل والله قابلنا في بلاد الحرمين أناس كانوا أصحاب بشر سمراء تمامًا، لكنهم كانوا من أهل القرآن، والله كنا نرى النور ينبعث من تلك الجباه، كنا نرى النور ينبعث من تلك الجباه التالية لكلام ربها سبحانه وتعالى المشتغل به ليلًا ونهارًا، القائم به التي أظمأت نهارها به وأسهرت ليلها به؛ حقيقيًا ينبعث ويضيء من وجهها فتأنس إليها وتسكن إليها.

بخلاف تلك الوجوه التي قد تكون من أصحاب البشر البيضاء لكنها لم تعرف كلام ربها سبحانه وتعالى، فتشعر وأنت تنظر فيها بظلمة الوجه، تشعر بتلك الظلمات التي لربما أنت لا تستطيع أن تفسرها، لكن حقائق القرآن تفسرها؛ فإن النور متى تسرب إلى روحك فإنه ينسكب في وجهك، القرآن روح ونور يتسرب إلى القلب فيظهر له أثر على الوجه والبدن، فمن استضاء بنور القرآن في قلبه فإن هذا النور لابد وأن يظهر على وجهه وعلى جوارحه وحركاته وسكناته.

أخيرًا حتى لا أطيل عليكم، من أوصاف القرآن أنه هدى؛ قال سبحانه وتعالى في مطلع سورة البقرة: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]. هذا الكتاب هداية وإرشاد وبيان، ولذلك ندندن في مجالسنا أنه المنطلق. إذا كان ربنا سبحانه وتعالى يعطينا هذه المعلومة العظيمة الثمينة يقول لنا: أيها البشرية، يا من تبحثون عن الهداية، يا من تبحثون عن الطريق، هنا الهدى، هنا الانطلاق، هنا الأساس: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون مما رزقناهم.

ففعلاً ليس كل إنسان يستضيء ويقف على هذه المعلومة حق الوقوف، ليس كل إنسان مسلم موقن في قلبه بأن هذا الكتاب هدى. الذين يوقنون أن هذا الكتاب هو هدى ورشاد وبيان من الله هم المتقون الذين تحققوا بالتقوى وآمنوا بالغيب حق الإيمان، وأقاموا الصلاة حق الإقامة، وآتوا الزكاة حق الإيتاء؛ هؤلاء الذين يقفون على هذه الحقيقة ويحيون معها حقيقة أن هذا الكتاب هو دستور حقيقي ومنهج هدى وبيان من الله سبحانه وتعالى.

بيان، تعرفوا ما معنى البيان؟ بيان من الله سبحانه وتعالى للبشرية بمعالم الطريق، بمخاطرها، بآفاتها، بأمراض النفوس وكيفية التخلص منها، بكيفية الثبات، معالم النجاح، معالم السعادة، معالم التوفيق، الطريق إلى الخلود في الجنة، طرق الابتعاد عن النار، أوصاف النار؛ كل شيء بيان من الله سبحانه وتعالى، ما فرط في كتابه من شيء، لم يقصر معكم أيها البشرية لكن أنتم الذين قصرتم مع كلام ربكم سبحانه فلم تتعاملوا معه حق المعاملة، ولم تنزلوه في قلوبكم المنزلة التي يستحقها.

يا أمة القرآن عليكم بالعودة إلى هذا القرآن لتستضيء حياتكم لتنير دروبكم، كونوا هادئين مطمئنين سعداء في هذه الحياة الدنيا. لن تجدوا والله طعم السعادة والتوفيق ولذة الحياة وأنس معاني الإيمان وتستروحوا لحقائق العرفان من دون أن تطرقوا مدرسة القرآن، وأن تجالسوا آيات ربكم سبحانه وتعالى وتقفوا على حقائقها ودقائقها وتتدبروا وتجلسوا معها ساعات وساعات في آناء الليل عندما يسكن الناس وفي ساعات النهار في ضجيج الناس.

القرآن معكم حيثما كنتم، حينئذ تستطيعون أن تقولوا إنكم وصلتم إلى الهداية. من عاش مع القرآن وتربى على مدرسة القرآن وقلبه مقبل على هذا هو الذي وصل إلى مرتبة الهدى الحقيقي، هذا هو الذي يستحق أن يقال له إنه حامل القرآن، حامل راية الإسلام. من أوصاف القرآن أيضًا إخواني التي أخبر بها ربنا سبحانه وتعالى عنه أنه وحي، يعني إيحاء إلهي وصل إلى سيدنا محمد ﷺ.

وسلم عن طريق جبريل عليه السلام. هذا الوصف هو الذي سيتكلم ويدندن حوله الشيخ فريد الأنصاري، رحمه الله، في رسالة اليوم؛ ولذلك سأنطلق معه وأدرج معه رويدًا رويدًا لنرى كيف سيتحدث لنا الشيخ فريد الأنصاري عن هذا الوصف بالتحديد من أوصاف القرآن، أنه وحي إلهي.

ما دلالة وصف القرآن بأنه وحي على واقعنا وعلى نظرتنا وتعاملنا مع هذا الكتاب العظيم؟ أنه وحي، فتعرضوا له. هذه هي المقالة الثالثة للشيخ فريد الأنصاري، رحمه الله تعالى عليه. نبدأ إخواني بالقراءة معًا لهذه الرسالة الثالثة حتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، وهي رسالة لطيفة مليئة بالمعاني الفخمة والتصوير الرائع في بيان عظمة هذا الكتاب وجلالته وفخامته في حياة الإنسان.

يقول الدكتور فريد، رحمه الله: سألني بعض المشوقين بنور القرآن، الذين يشتاقون لهذا النور الإلهي والذين لفتهم هذا النور الإلهي، يسأل الشيخ فريد فيقول له: يا شيخ، هذا كتاب الله بين أيدينا، فكيف نقتبس نوره؟ كيف نتلقى رسالاته؟ كيف نشعر بوقع كلماته في قلوبنا؟ كيف نكتشف ذلك النور الذي تتحدث عنه هذه الآيات؟

أنا قبل قليل قلت لكم الله وصف كلامه بأنه نور، لكننا لم نستكشف مواقع النور التي تضيء من ثناياها. فهذا السائل يسأل هذا السؤال الذي هو حالنا جميعًا: كيف نستكشف ذلك النور الذي تتحدث عنه الآيات؟ كيف نتلقى ذلك الروح الذي تفيض به الكلمات؟ أليس القرآن روحًا؟ ماذا نصنع حتى نتفاعل مع القرآن كما تفاعل معه جيل الصحابة الكرام ومن سار على أشواقهم من الصديقين والشهداء والصالحين عبر التاريخ؟

أوليس هذا القرآن نفسه هو الذي تخرجت به هذه الأمة؟ أليس هذا القرآن هو الذي تلاه محمد ﷺ؟ أليس هو الذي تلاه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ذو النورين وعلي المرتضى، رضي الله عنهم أجمعين؟ أليس هو الذي أخرج ذاك الجيل الذين خاضوا المعارك الطاحنة في مشارق الأرض وفي مغاربها ليوصلوا رسالة القرآن للبشرية جمعاء؟ أليس هو القرآن الذي قرأه سعيد بن المسيب، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة؟ أليس هو الذي قرأه من قبلهم ومن بعدهم من الأفاضل ومن الثقات ومن العلماء ومن الأتقياء ومن الأولياء؟ أليس هو؟ لماذا أثّر وغير في حياتهم، وما زال لا يغير في حياتنا؟ ما هو السبب يا ترى؟

فقال الشيخ فريد، رحمه الله: قلت له بلى، هو هو ذات القرآن، إلا أن المشكلة اليوم هي لأننا نقرأ القرآن على أنه مجرد مصحف لا روح فيه. نتعامل مع النصوص على أنها مجرد نصوص كأي نص نقرأه، نتعامل مع هذا الكتاب على أنه مجرد كتاب كأي يطل علينا في حياتنا، لا نتعامل معه كما تعامل الجيل الأول.

صحيح أننا نؤمن أنه نزل في يوم من الأيام من السماء، ونؤمن أن الرسول ﷺ تلقاه عن ربه رسالة إلى العالمين كافة، هذا نؤمن به، تلك عقيدة لا يصح إيمان المسلم إلا بها، فالكل يؤمن بذلك. نعم، لكن المشكلة هي أن بهذه الحقيقة العظيمة اليوم شعور ميت لا حياة فيه؛ لأننا في الغالب نربطه بالتاريخ الذي كان فقط. فنحن نربط أنه هذا القرآن وحي وأنه روح وبالتاريخ فقط، أنه في يوم من الأيام نزل على هذه الأرض من السماء، ولا نعقل أنه ما زال وحيًا حتى وهو الآن بين أيدينا، فهو لم يخرج عن كونه وحيًا ونحن نتلوه، لم يخرج عن كونه كلام الله سبحانه وتعالى وإن كان مجموعًا في مصحف بين أيدينا.

فإشكاليتنا أننا نربطه بالتاريخ الذي كان فقط، وكأن الطبيعة التنزيلية للقرآن، أنه منزل من السماء، هذا شيء كان وانتهى، ولا معنى له اليوم في حياتنا المعاصرة. إنه في العامة أشبه ما يكون بحجر، أو قل نيزك، لاحظوا هذا التعبير سيهتم به كثيرًا، نيزك سقط يومًا ما من نجم مذنب عابر في السماء، كأنه هكذا ننظر إليه، فكأن أول قوته حامٍ ملتهب. هكذا أول ما سقط، يعني أول ما نزل القرآن كان حاميًا ملتهبًا، التهبت به قلوب الجيل الأول، لكنه لم يزل يبرد هذا النيزك شيئًا فشيئًا حتى خفت وذهب منه ذاك اللهيب، ثم انطفأت جمرته فصار في وجهة نظرنا حجرًا كأي حجر من الأحجار التي هبطت ونزلت من السماء.

وأقصى ما ينتبه إليه الناس اليوم هو أن هذا الحجر له قصة وقعت عبر التاريخ وهي أنه نزل في يوم من الأزمنة الغابرة من السماء، وعند هذه النقطة تنتهي مشاعرنا ونظرتنا لهذا القرآن، كأن ذاك الحجر والنيزك الآن أصبح فاترًا مظلمًا لا ينير الحياة، وكأنه لا قيمة له، أصبحت له قيمة نفسية معنوية لكن لا توجد قيمة حقيقية تلتهب لها الصدور. ذاك اللهيب الذي كان يشعل قلوب الصحابة بالقرآن، وقلوب التابعين والأئمة الكبار، كأنه لا يلهبنا وليس لنا علاقة بذلك اللهيب، نشعر في داخلنا بأن ذاك اللهيب انتهى ولم يعد يضيء أكثر من ذلك، وهنا موطن الإشكال.

فإذا فزعنا إلى التفاسير والدراسات القرآنية وجدناها في الغالب تحاول تحليل طبيعة القرآن على المستوى الشكلي العام، فتدرس المكونات اللغوية والبلاغية والطبقات الدلالية لهذه الآية أو تلك، وكأن هذه الألفاظ مجرد معانٍ، أجمل المعاني ليس إلا، تمامًا كما يدرس الجيولوجيون مكونات الحجر المعدني، وطبيعة مكوناته وتاريخ هذه المكونات ومستويات بريقه واختلاف ألوانها وأحجامها.

يعني الدكتور فريد يريد أن يخبرنا عن جفاء قلوبنا، كيف أننا نتعامل بجفاء مع هذا النور والوحي؟ أصبحنا ننظر إليه ونتعامل معه بشكل جاف كأنه معجم لغوي أو كلام عربي جميل فيه بلاغة وفصاحة، كما نقرأ أي كلام عربي لأصحاب الكلام الرفيع من العرب، هكذا نتعامل مع هذا الكتاب وليس بالحقيقة العظمى التي نزل ابتداءً لها. هكذا نتعامل مع القرآن في كثير من الأحيان.

إن ذلك كله شيء مهم، نحن لا نقلل، هو يريد أن يقول نحن لا نقلل من دور الرجوع إلى كتب التفسير في تدبر القرآن مع القرآن، فهو دور أساسي لكنه المرحلة الأولى وليس المرحلة النهائية. الوقوف عند كتب التفسير هذه الخطوة الأولى، الحياة مع القرآن وليست الخطوة الأخيرة، ولكنه إذا لا يرتقي بالتعامل؛ الوقوف عند كتب التفسير فقط من دون تدبر وحياة فعلية والدخول في مكابدة القرآن ومجاهدته لا يرتقي بالتعامل مع كتاب الله من مستوى المصحف إلى مستوى القرآنية. فالدكتور يقول نحن ما زلنا نتعامل مع هذا الكتاب على أنه مصحف، لكننا لا نتعامل معه على أنه قرآن، على أنه قرآن يتلى ويغير ويزكي ويطهر إلى يوم القيامة، فتعاملنا لا يرتقي بالتعامل مع كتاب الله.

من مستوى المصحفية إلى مستوى القرآنية. إن أهم جزء في تعريف القرآن المجيد هو أنه كلام الله رب العالمين. أهم جزء في تعريف القرآن إخواني ما هو؟ أهم جزء كما ذكرت لكم قبل قليل وأنا أعدد لكم أوصاف القرآن، أهم وصف للقرآن، أهم جزئية فيه أنه كلام الله رب العالمين.

وما كان كلام الحي الذي لا يموت أن يبلى أو يموت. عجيب حالنا، كلام الحي الذي لا يموت يبلى في أنفسنا ويموت، والله لا يحق ذلك أبدا. ما كان لكلام الحي الذي لا يموت سبحانه أن يبلى هذا الكلام وأن يموت في قلوبنا، ولكن في الحقيقة الذي يموت ليس هو القرآن، ليس هو كلام الله. الذي يموت هو شعورنا نحن، هو شعورنا نحن، مشاعرنا، قلوبنا، أرواحنا هي التي تموت، هي التي تضعف مع الوقت، مع الوقت وتقسو إلى أن تصبح في حالة من الجفاء والجمود. الذي يبلى هو إيماننا نحن.

أما الوحي فهو عين الحياة، عين نابضة، عين متدفقة، عين لا تنضب أبدا إخواني. كلام الله عين ستبقى على مدار التاريخ تبعث النور والضياء في حياة البشرية لمن يريد أن يبصر ذاك النور وذاك الضياء. أما الوحي فهو عين الحياة.

وحقيقة الوحي، لاحظوا الآن بدأ يتكلم عن قضية الوحي، وحقيقة الوحي هي أول صفة يجب أن نتلقى بها القرآن. يعني أول شيء، عليك أن تتعامل به مع القرآن وأنت تتلوه في رمضان وفي غير رمضان، أن تتعامل معه على أنه وحي من السماء. حقيقة الوحي هي أول صفة يجب أن نتلقى بها القرآن الكريم، وهي أهم جوهر يجب أن ننظر من خلاله إلى كلماته. فعندما تنظر إلى كلمات القرآن الكريم عليك أن تنظر بهذه العين، العين التي تنظر إلى الكلمة بأنها وحي. هي أهم جوهر يجب أن ننظر من خلاله إلى كلماته بما هي كلمات الله رب العالمين.

ذلك أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يتنزل على الرسل إلا وحيا بهذه الطبيعة الوحيية، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51]. وهذا شيء مهم جدا. فكون القرآن وحيا، وكون نظرتنا للقرآن أنه وحي، هو المعراج الذي يرتقي القارئ له إلى سماء القرآنية.

إذا أردت أن ترتقي إلى سماء القرآن وأن تحيا مع أجواء القرآن عليك أن تعرج على هذا المعراج، معراج الوحي. عليك أن تفكر دائما وأنت تتلو كل آية وكل كلمة أن هذه الكلمة وهذه الآية وحي. إذا كنت تقرأ بهذا النفس، بهذا الشعور، بهذا الإحساس، ستعرج على هذا المعراج حتى تصل إلى سماء القرآن وتقف حينئذ على حقائق القرآن وعلى بصائر القرآن.

إنه المصطلح، مصطلح الوحي، إنه المصطلح المفتاح الذي به تكتشف طبيعة القرآن، أو يكتشف طبيعة القرآن ويبصر نوره ويتلقى حقائقه الإيمانية ورسالاته الربانية. لن تتلقى حقائق القرآن وتشعر بها، لن تفهم رسالات القرآن، لن نور القرآن إلا إذا أدركت وبقيت متيقظا لهذه الحقيقة العظمى وهي أن هذا القرآن وحي من الله سبحانه وتعالى. إنه المصطلح المفتاح الذي به يكتشف طبيعة القرآن ويبصر نوره ويتلقى حقائقه الإيمانية ورسالاته الربانية ويشاهد شلالات الجمال والجلال حية متدفقة من منابع القرآن.

إن كون القرآن وحيا ليس معنى تاريخيا فحسب، هذه ليست قضية من الماضي وانتهت، كون القرآن وحي ليست قضية تاريخية وانتهت أبدا، بل هو معنى مصاحب لطبيعته أبدا على مدار الأزمان. بمعنى أن صلة قرآني بالسماء، صلة هذه الآيات التي تتلونها بالسماء، هي صلة أبدية لن تتغير أبدا. منذ أن نزل هذا القرآن على محمد ﷺ إلى أن يقبضه الله سبحانه وتعالى من قلوب العباد في آخر الزمان، هذا القرآن وحي. وحينما يدخل معكم في قبوركم سيبقى وحيا، وحينما تكونون في عرصات القيامة وفي الجنة ودرجاتها سيبقى هذا القرآن وحيا، فهذه حقيقة خالدة لا تتبدل.

إن المشكلة هي أننا عندما نقرأ القرآن نربط الوحي فيه بذلك الماضي الذي كان، بينما الوحي في الحقيقة نور حاضر وروح، أي يتدفق الآن في كل آيات القرآن وينبع من تحت كل كلماته شلالات من كوثر وفجاج. لقد قبض رسول الله ﷺ فإن انقطع الوحي التاريخي، نعم، الوحي الذي ينزل على الأنبياء من السماء للأرض انقطع بوفاته ﷺ، أي انقطع فعل التنزيل الذي كان في الزمان والمكان بواسطة الملاك جبريل. ولكن بقي الوحي القرآني حيا في حياة الأمة، بقي القرآن الكريم وحيا حقيقيا يوصف بأنه وحي.

فالوحي عن الفعل بالمعنى المصدري انتهى، لكن الوحي بالوصف القرآني يبقى حيا متدفقا في حياة الأمة بالخير الذي نزل من السماء. فالوحي هنا صفة اسمية من أسماء القرآن المجيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنذِرَكُم بِالْوَحْيِ﴾ [الجن: 2]. فالوحي هنا في كلامنا ليست عملية الإنزال الذي يقوم بها جبريل، بل أصبحت وصفا من وصافي القرآن التي لا تنفك عنه البتة. وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].

وإنما سمي القرآن وحيا لأنه نزل كذلك ابتداء من السماء، نزل وحيا ثم بقيت فيه هذه الصفة ملازمة له إلى قيام الساعة، إنه سيبقى وحيا لأنه نزل هكذا، بما أنه نزل وحيا، إذا سيبقى وحيا دائما مستمرا ولن تنقطع عنه هذه الصفة إلى أبد الآبدين. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ لِتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لَّمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِّن قَبْلِكَ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يس: 69].

إذا له دلالتان: الوحي بمعنى الحدث الفعلي وهو النزول من السماء إلى الأرض وهو سبب النبوة، وهذا قد انقطع، ما انتهينا منه، لكن الوحي الذي هو الصفة لذات الكلام فهذا لا ينقطع أبدا. ونحن للأسف ظننا أن الوحي بكلا دلالتيه انقطع، وحاشاه أن ينقطع. وعليه سمي هذا القرآن المجيد وحيا. فالمعنى الأول مصدري، أي أنه مصدر لفعل وحى يوحى، وأما المعنى الثاني فهو الوحي بالمعنى الاسمي الوصفي، أي بما هو اسم من أسماء القرآن وصفة من صفاته الجوهرية الثابتة.

وهو معنى يعني المعنى الثاني، وهو وصف القرآن بأنه وحي إنما هو متولد نابع من المعنى الأول وهي عملية الإنزال. فالوحي يطلق على عملية الإنزال، هذا الإطلاق الأول له، ويطلق أيضا على نفس النصوص المنزلة، لاحظوا الوحي يطلق على عملية الإنزال ويطلق أيضا على نفس النصوص المنزلة، تسمى هي أيضا وحيا. وتسمية النصوص منزلة ووحي هو متولد من الاستعمال الأول لكلمة الوحي وهو عملية الإنزال من السماء. فبقي المعنى الثاني وانتهى المعنى الأول بوفاة حبيبي ﷺ. إذن هو معنى، أي المعنى الثاني للوحي متولد من المعنى الأول، فلأن القرآن نزل وحيا ابتداء من الله صارت له، أي لنصوصه تلك الصفة.

فسمي هو بذاته وحيًا، وأصبح هذا اللفظ اسمًا علمًا على كتاب الله لا ينفك عنه على مدار الأزمان، فلك أن تقول القرآن هو الوحي والوحي هو القرآن. والآيات المذكورة قبل قليل دالة على ذلك، فقد قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 4]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرْتُم بِوَحْيٍ﴾ [الأنعام: 54].

قال الإمام الطبري رحمه الله: «أما الوحي فهو الواقع من الموحي إلى أوحى إليه»، ولذلك سمت العرب الخط والكتابة وحيًا؛ لأنه واقع فيما كتب ثابت فيه، ذكر ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [هود: 49].

بعد أن أجاب الشيخ فريد الأنصاري هذا السائل بهذه الإجابة المجملة، قال له السائل: يا شيخ، هذه الحقائق التي تتكلم بها معي حقائق بديهية، أنا أعرف أن القرآن وحي وأنه منزل من السماء وأنه سيبقى وحيًا، أنا أدرك كل هذه الحقائق، فلما العناء؟ لماذا تكابد معي في إيضاح هذه الحقائق وتجليتها، مع أني مؤمن أن القرآن هو وحي من السماء؟ لماذا تعاني وتكابد وتكرر هذه الفكرة وتكرسها أكثر وأكثر؟

أقول في إجابة هذا السؤال الآن، سيجيب الشيخ فريد لماذا يسعى لترسيخ هذه الفكرة لإحيائها مع أننا نعلمها ونعتقدها في الجملة، فأقول لك: نعم يا بني، ولكننا ننساها. أنا أدرك أنك تعرف أنه وحي، لكننا ننساها، ننسى أنه وحي فنضل الطريق إلى القرآن، وهنا المشكلة.

إن مشكلة أجيالنا المعاصرة يا بني أنها أضاعت هذه البديهيات التي تتكلم عنها، حتى صرنا في حاجة إلى إعادة تقرير عن الدين نفسه. نحن اليوم نحتاج أن نوضح للمسلمين ولأجيالنا المسلمة ما هو الدين الذي أنزله الله، مع أن أحدنا قد يقول: والله الدين معروف، ما هو الدين؟ لكننا والله نضيع هذه البديهيات فتصبح تائهة في حياتنا فنضل عن الطريق.

نحن لا نريد مجرد المعرفة العلمية، نريد المعرفة العملية السلوكية؛ هذه هي المعرفة التي تورث عملًا، أما مجرد المعرفة النظرية التي لا تورث عملًا ولا تطبيقًا ولا حركة في هذه الحياة، فبالله عليكم ما فائدة هذه المعرفة؟

إن تلقي القرآن بوصفه وحيًا هو المفتاح الأساس، عملية قراءتنا للقرآن وتعاملنا معه وانطلاقنا في حياة القرآن بوصفه وحيًا هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية والتخلق بحقائقه الإيمانية العظمى. هذا هو المفتاح.

بعض الإخوة يقول: يا شيخ، كيف نعرف حقائق القرآن وكيف نبصر نور القرآن؟ عليك وأنت تقرأ كل آية أن تستشعر، أن تقف وتستشعر أن هذه الآية وحي نزل من السماء ثم بعد ذلك تكمل قراءة الآية. لما تكمل قراءة الآية وأنت تستشعر داخليًا ووجدانيا أنك الآن تقرأ وحي السماء، ستدرك عظمة هذا النص، وستشعر لأول مرة بمعانٍ فخمة ومشاعر ملتهبة تحيا في وجدانك لم تمر عليها بالقراءات السابقة لهذا النص.

كثير ما قرأت القرآن يا شيخ لكنني لم أشعر بذاك اللهيب الملتهب الذي يتكلم عنه الشيخ فريد. عليك أن تأخذ الخطوات يا أخي الكريم، ليس مجرد أن تفتح القرآن معناها ستشعر بذاك اللهيب، لابد من هذه الممارسة القلبية، وهي عند كل آية: قف واستشعر أنك تقرأ وحي سماء، حينئذ ستتلقى هذه الرسائل وهذه الآيات بقلب آخر، بشعور آخر، بطريقة أخرى تختلف عن الطريقة المعتادة التي كنت تتلقى فيها هذه الآيات.

ستتلقى هذه الآيات وأنت تستشعر أنها كأنها تنزل على قلبك الآن من السماء، إذا قرأتها وأنت تستشعر أنها وحي، كأنها تقع الآن على قلبك وتنزل على فؤادك، فحينئذ ستشعر بحرها، ستشعر بها وهي تحرق وهج الذنوب والمعاصي وتزيل الشبهات والشهوات عن قلبك، لتكشف لك عن حقائق النور التي كان يراها الصحابة الكرام، الجيل الأول، في ثنايا هذه النصوص.

النور تلك هي طبيعة الوحي وصبغته، وصفته الثابتة للقرآن، حقيقة جوهرية لا تنفك عنه. والنور روح، لكنه روح يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنما المؤمنون وحدهم الذين تلقوا القرآن على أنه وحي هم وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة وهي تتدفق بالجمال والجلال.

سيعود بنا الآن الشيخ فريد الأنصاري للفكرة التي بدأ بها رسالته، وهي فكرة يحاول من خلالها مجرد تشبيه، يحاول أن يشبه لك القرآن بذاك النيزك الذي هبط من السماء، ليعطيك فكرة عن هذا القرآن من خلال هذا التشبيه.

يقول الشيخ فريد إن النيزك الناري الواقع من السماء إلى الأرض ما زال يحتفظ بأسرار العالم الخارجي الذي قدم منه، وهذا القرآن يشبهه بأنه نيزك وقع من السماء وهبط على هذه الأرض وما زال هذا النيزك يحتفظ بأسرار العالمين من الخارج الذي قدم منه.

إنه فهرس مكنون، لو دبرته لوجدته يكتنز خريطة الكون كله، لو تدبرت هذا القرآن ستكتشف أن هذا القرآن من أوله إلى آخره يعطيك خريطة هذا العالم الذي تحياه، ويحتفظ مما عجزت عن إدراكه أحدث مراصد الفلك وأعقد معادلات الرياضيات وأحدث نظريات الفيزياء.

إن هذا النيزك لم يفقد حرارته ولا طاقته قط ولن يفقد حرارته وطاقته قط، وإنما حجب لهيبه رحمة بالناس وتيسيرًا لهم. إخواني، هذا القرآن لو انكشفت كل حقائقه لتصدعت القلوب، بمعنى كلمة تصدعت من مكانها، هذا القرآن لو أنزله الله على جبل لتصدع الجبل وهبطت الصخور وتشققت الأرض.

الشيخ فريد يقول إن الله سبحانه وتعالى حجب عنكم شيئًا من لهيبه حتى لا تحترق القلوب، حتى تطيقوا أن تفهموا وأن تتدبروا وأن تعيشوا، وإلا لو كشفت لكم كل الحقائق فإن هذه القلوب ستتصدع وتتشقق وتتفطر خوفًا وخشية وإجلالًا، قال الله سبحانه وتعالى إنه لم يفقد حرارته ولا طاقته قط، وإنما حجب لهيبه رحمة بالناس وتيسيرًا لهم.

وتيسيرا لهم فقط، وتشجيعا للسائرين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، والقبض عليه بأصابع غير مرتعشة؛ الله سبحانه رحمة بكم لم يكشف لكم الحقائق كاملة، كما قلت لكم؛ لأن أجسادكم الضعيفة الآن لا تحتملها.

وما يكشف لنا الكثير من الحقائق في جنات النعيم، أسأل الله أن أكون أنا وإياكم من أهلها، لكن هناك كثير من الحقائق لم تكشف الآن تماما؛ لأن القلوب لا تطيق أن تتحمل تلك الحقائق العظمى الفخمة الجليلة المهيبة، وإنما حُجبت لهيبه رحمة بالناس، وتيسيرا لهم، وتشجيعا للسائلين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، وعلى القبض عليه بأصابع غير مرتعشة، بل على احتضانه وضمه إلى القلب نورا متوهجا بين الجوانح.

إن مثل القرآن ومثل الناس في هذا الزمان، هنا بدأت القصة وانتبهوا لها، إن مثل القرآن ومثل الناس في هذا الزمان هو كثلاثة مسافرين، ثلاثة أناس كانوا في سفر، تاهوا في الصحراء في ليل مظلم، صحارى وظلمات لا أول لها ولا آخر. فبينما هم كذلك في هذه الصحراء، إذ شاهدوا في السماء نجما مذنبا لاهبا، لم يزل يخرق ظلمات الأفق بنوره العظيم حتى ارتطم هذا النجم الوهاج بالأرض، فافترقوا ثلاثتهم إزاءه على ثلاثة مواقف.

هؤلاء الثلاثة المسافرون لما وجدوا هذا النيزك الذي اخترق ظلمات الليل وارتطم بالأرض، اتخذ هؤلاء الثلاثة ثلاثة مواقف من هذا النيزك، كل شخص نظر إليه بطريقة. فأما أحدهم فلم يعر ذاك النجم الذي نزل من السماء، لم يعره لتلك الظاهرة اهتماما أبدا، بل رآها مجرد حركة من حركات الطبيعة العشوائية.

وأما الآخران فقد هرعا إلى موقع النيزك، فالتقطا أحجاره المتناثرة هنا وهناك، وكان في تعاملهما مع تلك الأحجار الكريمة التي التقطاها كانا على مذهبين؛ أحدهما قد أعجب بالحجر لما وجد فيه من جمال وألوان ذات بريق، وقال في نفسه: «لعله يستأنس بهذا الحجر الجميل في وحشة هذه الطريق المظلمة»، ثم وضع هذا الحجر الجميل في جرابه، وانتهت حكايته معه، هو رآه جميلا أعجبه منظره، أصبح بينه وبينه علاقة عاطفية، فقال: «لعلي أستأنس به في طريقي»، فوضع الحجر في جيبه وانتهت حكايته ووقفت حكايته هنا.

وأما الآخر الثالث والأخير، فقد انبهر كصديقه بجمال الحجر الغريب، وجعل يقلبه في يده ويقول في نفسه: «لابد وأن يكون هذا المعدن النفيس القادم من عالم الغيب يحمل سرا، مستحيل هذا الحجر مجرد حجر جميل هكذا»، وانتهت الحكاية، «لابد وأنه يحمل سرا في داخله، لا يجوز أن يكون وقوعه على الأرض بهذه الصورة الرهيبة عبثا، كلا كلا لابد أن في الأمر حكمة ما».

ثم جعل صاحبنا يفرك حجرا منه بحجر آخر، أخذ يفرك حجر بحجر حتى تطاير من بين معادنهم الشرر، فجأة فانبهر هذا الرجل لذلك فازداد فركا للحجر، فازداد بذلك هذا الحجر شررا، وجعلت حرارة معدنه تشتد شيئا فشيئا، حتى وجد صاحبنا ألما بين كفيه، حرارة هذا المعدن بدأت تتسرب إلى كفيه، بل جعلت الحرارة الشديدة تسري بكل أطراف جسمه، وجعل الألم يعتصر قلبه حرارة شديدة.

يفرك المعدن بالمعدن، والحرارة تتسرب إلى جسمه حتى وصلت إلى قلبه، ويرتفع مع ذلك وتيرة نبضه والقلب يخفق، يخفق بقوة، لكن صاحبنا الذي يفرك الحجر بالحجر صبر، وصابر وتحمل عملية الفرك، فقد كان قلبه رغم الإحساس بالألم والمعاناة يشعر بسعادة غامرة وهو يرى ذاك الوهج وذاك النور الذي ينبع من هذه المعادن، يشعر بسعادة غامرة ولذة روحية لا توصف.

وما هي إلا لحظات حتى تحول الحجر الكريم بين يديه إلى مشكاة من نور عظيم، ثم امتد ذاك النور من بين يديه، من هذه المشكاة بين يديه إلى ذاته، هذا النور الذي نبع من هذا الحجر الكريم مع شدة الفرك وصل إلى ذاته، إلى قلبه، إلى وجدانه، حتى صار كل جسمه سبيكة منيرة بهذا النور، وأصبح صاحبنا ثريا، أو كأنه ثريا حطت سرجها ومصابيحها على الأرض، وجعل شعاع النور الذي أضاءه يفي من قلبه الملتهب فيعلو في الفضاء حوله في هذه الظلمات، في ظلمات الصحراء، يعلو ويعلو حتى اتصل بالسماء.

فإنار لصاحبه الذي تعب، نعم هو تعب ابتداء في فرك المعدن بالمعدن وإصابته حرارة المعادن وتسربت إلى قلبه وهج وشيء من الاحتراق، لكنه تحمل وهو مسرور لما يرى من ذاك الوهج وذاك النور، إلى أن أضاء ذاك النور جسمه وأصبح بردا وسلاما وأنار له طريقه في هذه الظلمات.

كان صاحبنا يتتبع ببصره المبهور حبل النور الذي يتصاعد من ذاته نحو السماء، حتى إذا اتصل هذا النور بالأفق الأعلى تراءت له وانكشفت له خارطة الطريق في الصحراء واضحة جلية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ووقع في قلبه من الفرح الشديد ما جعله يصرخ وينادي صاحبيه؛ صاحب الذي وضع الحجر الجميل في جيبه، وصاحب الذي لم يلتفت أصلا إلى الحجر ابتداء.

جعل صاحبنا يصرخ وينادي صاحبيه: «أخوي العزيزين هلمّا إلي، لقد وجدت خارطة الطريق في هذه الصحراء المظلمة، في هذه الظلمات، في هذه المتاهات، في هذه الشبهات، في هذه الشهوات، هلمّا إلي، لقد وجدت خارطة الطريق، لقد من الله علينا جميعا بالفرج أخوي العزيزين، انظرا انظرا هذا مسلك الخروج من ظلمات هذه الصحراء إلى النور، شهدا شعاع النور المتدفق من السماء، إنه يشير بوضوح إلى قبلة النجاة، إنه يدلنا على الطريق، فالنجاة النجاة رحمكم الله».

أما كيف استجاب صاحبه لهذا النداء؟ أما الذي احتفظ بقطعة من الحجر في جرابه، الذي أخذ القرآن واهتم به لكنه لم يبصر النور الذي رآه صاحبه، أما الذي احتفظ بقطعة من الحجر في جرابه فهذا لم يتردد في اتباع صاحبه وفي الاقتداء بهديه، لأنه كان يؤمن بأن لهذا المعدن الكريم سرا، ولقد أبصر شعاعه الآن ببصيرة صاحبه لا ببصيرة نفسه.

فهناك أناس إخواني في هذه الحياة يحبون القرآن لكنهم لا يحسنون التعامل معه، فعلى أهل القرآن الحق، وعلى حملة القرآن بحق، أن يأخذوا بأيدي هؤلاء المؤمنين الذين يحبون القرآن ويدركون أن فيه أسرار وحقائق، وعلى أهل القرآن الحق الذين رأوا نور القرآن وبصائر القرآن بأنفسهم، عليهم أن يأخذوا بأيدي هؤلاء معهم في طريق القرآن إلى طريق النجاة حتى يصلوا معا إلى بر الأمان.

وأما الأول الذي لم ير في النجم الواقع على الأرض شيئا ذا بال أساسا، فإنه ورغم نداء صاحبه له المتواصل لم يبصر شيئا من أمر الشعاع المتدفق الذي ينير ما حوله، وهذا للأسف حال من أعرض عن كلام ربه سبحانه، فمع أن هذا القرآن ينير الوجود، ينير الوجود إخواني، لكن من أعرض عنه فإن عليه حجبا تمنعه عن إبصار هذا النور المتدفق في أرجاء هذا الكون الفسيح، لقد كان محجوبا.

عن إبصار هذا النور باعتقاده الفاسد، فلم تعكس مرآة قلبه الصدئة نورًا ليبصره، ولذلك لم يصدق من نداء صاحب النور شيئًا من كلامه. هذه مجرد رجعية، عن أي نور تتحدثون؟ الفكر في كلام الفلاسفة، والتقدم والحضارة في كلام فلان وعلان؟ هذا الإنسان محروم والله، لم تعكس مرآة قلبه نورًا، لم يصدق من نداء صاحب النور شيئًا من كلامه، بل اتهمه بالجنون والهذيان. قال له: أين النور؟ أنت أحمق؟ أنا لا أرى نورًا في هذا الكون. وبالتأكيد أنت ترى نورًا لأنك محجوب عن كل هذه المعارف بالاعتقادات الفاسدة والشبهات تلو الشبهات التي وضعتها على قلبك، فأصبح صدئًا لا يستطيع أن يبصر ذاك النور الإلهي.

ومضى وحده هذا الرجل الذي أعرض عن كلام ربه، أعرض عن هذا النور الذي يضيء، مضى وحده يتخبط في الصحراء ضاربًا في تيه الظلمات. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: 40]. آية عظيمة في كلام ربنا سبحانه. والله وتالله وبالله ليس له نور أبدًا في هذه الحياة. مهما نعم، إنه تنويري، إنه مفكر، إنه فيلسوف، إنه يستضيء بثقافة الغرب؛ والله إنه محروم، والله إنه تائه في ظلمات النفس، حائر في هذه الحياة، لكنه يكابر كما كابر هذا الرجل، يكابر ويوهم نفسه أنه إلى بر الأمان، ولكنه المسكين مما فازة إلى مفازة، ومن صحراء إلى صحراء، ومن مهلكة إلى مهلكة.

ثم انطلق الرجلان المهتديان، لم تنته القصة بعد. انطلق الرجلان المهتديان؛ من صاحب البصيرة الذي انطلق النور منه، والثاني الذي اتبعه. يسيران في طريق النور، وإنما هما تابع ومتبوع. المتبوع هو الذي رأى النور بنفسه، والتابع هو الذي تبع صاحبه. فالمتبوع هو داعية يرى بنور الله، يسير على بصيرة من ربه بما كابد من نار الحجر وشاهد من نوره.

لماذا كان هذا هو المتبوع؟ لماذا كان هو صاحب المسير؟ لأن هذا الرجل تعب، وقدح الحجر بالحجر، وتحمل الحرارة التي تسربت إلى وجدانه وصلت إلى قلبه، فأذابت ذاك الدرن وتلك الشبهات وتلك الأمراض، ثم أصبح هذا البدن نورًا فأضاء لمن حوله، فاستحق أن يكون إمامًا متبعًا لأنه تعب وأصر. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24]. لما صبروا هكذا أصبحوا أئمة؛ صبروا على قدح الحجر بالحجر، صبروا على مكابدة آيات القرآن، صبروا على العيش في حقائق القرآن حتى صهرت وأذابت الشهوات والشبهات وأزالت أهواء النفوس، فاطمأنت هذه القلوب وآبت إلى كلام ربها.

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۙ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. لاحظوا هذه الازدواجية: «لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون». فهناك صبر وإتقان بآيات الله هو الذي أثمر منهم أئمة يهدون بأمرنا. فالمتبوع داعية يرى بنور الله ويسير على بصيرة من ربه بنفسه، أما الثاني الذي يتبعه فهو مؤمن بالنور، مؤمن به، مصدق بدعوة صاحبه، يسير على خطى صاحبه وعلى هديه، ولكنه سيبقى يكابد في سيره عثرات من حين لآخر وهنات.

هذا التابع إخواني سيبقى عنده شيء من الضعف ولابد، لأنه في النهاية تابع ولم يبصر من الحقائق ومن ذاك النور ما أبصر صاحبه الإمام، فلابد وأن يتعثر في الطريق، لابد وأن يصيبه شيء من الفتور، أو يأتيه أحيانًا عن صاحبه فيأتي صاحبه ليأخذ بيده مرة أخرى. سيحدث هذا معه بسبب ما يلقي الشيطان من وساوس ومخاوف: «لعلك سلكت الطريق الخطأ». سيبقى فيه وساوس، هذا التابع سيبقى يأتيه الشيطان يزعزع ثقته بصاحبه، سيأتيه الشيطان ويقول: لعل صاحبك أخطأ الطريق، لعل صاحبك يضحك عليك بقصة النور، لعله يتكلم عن شيء لكنه توهمه. سيبقى الشيطان يوسوس في هذا التابع ويخوفه ويشعره بالقلق، ويجعله لعله يعود أدراجه ويلحق ذاك التائه. فهذا التابع المسكين هو محط تذبذب في مسيره، لكنه بخير ما دام يصارع هذه الوساوس ولا يستسلم لها، وليس لديه ما يدفع به كيد الشيطان إلا ما يتلقى من صاحبه.

وبينما هما كذلك يسيران مطمئنين، سأل الرجل التابع صاحبه المتبوع، سأل الإمام فقال: «أناشدك الله أن تخبرني يا صاحبي، كيف اكتشفت سر النور في هذا الحجر الكريم؟». وهما يسيران معًا التابع يقول للمتبوع: «يا أيها الإمام، بالله عليك أخبرني كيف استطعت أن تصل إلى هذا النور؟ كيف قدحت الحجر؟ وكيف اشتعل في حياتك وأنار لك الطريق؟ أناشدك الله أن تخبرني كيف اكتشفت سر النور في هذا الحجر الكريم؟».

لكن صاحب النور وجد أن اللغة عاجزة عن بيان حقيقة النور لصاحبه، فما كان منه إلا أن قال: «الكلام لن يوفي، مهما نظرت علي يا صاحبي لن تستطيع أن تفهم كيف وصلت، لكن سأعطيك شيء عمليًا». فما كان منه إلا أن دس قطعة من الحجر الذي كان بين يديه في كف السائل، في كف صاحبه. فهذا الصاحب الذي لم ير النور بعينيه بعد، لما وصلت إلى يده صرخ وتألم من شدة حر الحجر الكريم والتهابه، وجعل يقلبه بين يديه سريعًا كما يقلب الإنسان الجمرة بين يديه، ثم ألقاه بسرعة وأعاده إلى الإمام.

لكن صاحب النور قبض عليه بيد ثابتة مطمئنة، لما ألقاه في يد صاحبه وأعاده إلى الإمام، وجد أن الإمام يقبض على هذا الحجر الملتهب بيد ثابتة مطمئنة، لم ترتعش يده ولم يشعر بالحرارة كما شعر التابع. فعجب منه رفيقه وقال: «يا أيها الإمام، أنت قابض على الجمر بيديك!». فقال الإمام: «نعم هو كذلك، إنه القبض على الجمر، لكن يا أخي لذة الروح بما يشاهد القلب من النور وبما يجده من سعادة غامرة في هذا القبض ترفع عن الجسد الشعور بالألم وتمنع حدوث الاحتراق، وإن نار الشوق والإيمان لا هي أقوى ألف مرة ومرة من نار الكفر والفسوق والعصيان».

ولو وقعت الأولى، أي نار الإيمان والشوق، على نار الكفر والفسوق والعصيان، فإن نار الإيمان والشوق تجعل نار الفسوق والعصيان سلامًا وأمانًا على قلب العبد المؤمن؛ ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 65]، قلنا: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. الإيمان والشوق عند إبراهيم عليه السلام استطاع أن يجعل نار الكفار، نار العصاة، نار الفجار، تتحول إلى برد وسلام. ما أعجب ذاك الكلام!

نعم يا رفيقي في طريق النور، إن مكابدة القرآن في زمان الفتن والصبر على جمره اللاهب... أنتم فهمتم من مثل إخواني كل القصة، فهمتموها، عرفتم ما هو الجمر، ما هو النيزك، هو الوحي الإلهي، وهذه الأحجار هي القرآن.

الكريم الذي أعرض عنه أحدهم، وتلقاه أحدهم لكنه لم يبصر نوره، وتلقاه الثالث فأبصر نوره بعد أن اكتوى بحقائقه؛ هذه الحقائق ما في بدنه من الشبهات والسحب أزالت كل الحجب، فأصبح هذا القلب يشعر بالأمان والراحة حول اللذة والسعادة وهو يقبض على جمال القرآن.

إن مكابدة القرآن في زمان الفتن، والصبر على جمره اللاهب في ظلمات المحن، تلقيًا وتزكية وتدارسًا وسيرًا به إلى الله في خلوات الليل، هو وحده الكفيل بإشعال مشكاته، واكتشاف أسرار وحيه، والارتواء من جداول روحه، والتطهر بشلال نوره. ذاك النور المتدفق يثب بالحياة على قلوب المحبين، فيضًا ربانيًا نازلًا من هناك، من عند الرحمن الملك الكريم الوهاب.

فتدبر يا صاحبي هذا المشهد القرآني الجليل في بيان حقيقة تلقي محمد ﷺ للوحي عن الملك العظيم جبريل عليه السلام، حيث تلقى عنه ما تلقى من القرآن الكريم وحيًا من الله رب العرش العظيم، وشاهد ما شاهد خلال ذلك من حقائق إيمانية ومنازل روحانية. انظروا إلى المشاهد التي شاهدها النبي ﷺ في مدرسة القرآن من الحقائق الإيمانية والمنازل الروحانية ضاربة في عمق الغيب الأعلى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 1-4].

ذلك هو القرآن الوحي، إنه حجر كريم، بل إنه نجم عظيم وقع على الأرض، ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه. تفرك هذه الآيات بقلبك لتشعل وهجًا يذيب كما قلنا الحجب والسحب، فتنكشف لك خارطة الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه وكابده بروحه تخلقًا وتحققًا، حتى يرتفع شعاعه عاليًا عاليًا في السماء دالا على مصدره ومنبعه وأصله، هناك في موقعه الأعلى في اللوح المحفوظ، ومشيرا من علو ببرقه العظيم إلى باب الخروج والنجاة.

فهنيئًا لمن تمسك بحبله، واتصل قلبه بتياره، وتزود من رقراق أسراره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره. نعم، ذلك هو القرآن الذي يصل قارئه وحيًا يملأ السماء مباشرة من أول كلمة يقرأها، فإذا به يطل على عالم الشهادة من شرفات عالم الغيب، بصائر قرآنية واضحة ومشاهدات لا يضام في حقائقها شيء، ومشاهدات لا تلبيس فيها؛ لا تدليس، لا خرافة، لا تخرصات، لا آراء رجال، لا أهواء، لا أمزجة، لا رأي فلان ولا رأي فلان، وإنما هو نور الفرقان.

قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 104]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: 104]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].

نعم، ذلك هو القرآن الوحي. فمن يفرك جمره عباد الله؟ من يقتبس من حر آياته نوره؟ فعسى أن يترقى ذاك الإنسان في معارجه إلى مقام الروح الأعلى، وعساه أن يكون بذلك من المبصرين ممن معهم خارطة الطريق في هذه الحياة. أيها القابضون على الجمر، أيها المراقبون لنيزك السماء، إنه وحي فتعرضوا له: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. وإنما الموفق من وفقه الله.

محبكم فريد الأنصاري، ثلاثة أيار ألفين وتسعة ميلادي. رحمة الله تعالى عليك من شيخ جليل. إذاً معاني هذه الرسالة الثالثة: كيف نتلقى القرآن؟ نتلقاه على أنه وحي هبط من السماء لينير قلوبنا، لكن هذا النور لن يُرى حتى نفرك هذا الوحي بقلوبنا ليشتعل الوهج، حين ستذوب السحب وتنكشف خارطة الطريق. هذه فكرة الرسالة باختصار. رحمة الله عليك شيخ فريد الأنصاري، ورحمة الله على تلك النفس الزكية الطاهرة، نحسبك والله حسيبك ولا نزكي على الله أحدًا.