دخولتسجيل الدخول

المجلس 4 - حول مفهوم التدبّر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابنا في المجلس الرابع والأخير بإذن الله في مناقشة كتاب "هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها" للشيخ المربي والعالم الفاضل وصاحب المنهج القرآني وإحياء القرآن في مجتمعاتنا المسلمة الشيخ فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه. عشنا مع الشيخ فريد الأنصاري في أكثر من حلقة من حلقات هذا الكتاب وفي أكثر من رسالة من رسالاته، وتعرفنا في المجلس الأول على مسيرة حياته، وكيف أن مسيرة حياته في العمل الإسلامي هي التي وجهته ودفعته لأن يطلق مشروعاً قرآنياً متيناً، وليتعمق في دراسة كيفية إحياء روح القرآن في الأمة من جديد، وما هي الجوانب التي يغفل عنها المسلمون اليوم في الحياة مع القرآن؛ في الولوج في اختبارات القرآن، في تطبيق القرآن كمنهج حياة. وحاول أن يخط العديد من الأفكار المهمة في الحقيقة والدقيقة، والتي قل أن يقف عليها إلا إنسان زكى نفسه وربى نفسه على موائد القرآن، فجزاه الله عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

رسالة اليوم إخواني تتكلم حول موضوع مهم جداً يثير تساؤلات في أذهان الكثير من الطلبة ومن الإخوة ومن الأخوات، وهو مفهوم التدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى. ما معنى التدبر لكلام ربنا عز وجل؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. ما هو التدبر لكتاب الله؟ وهل هناك فرق بين التدبر لكتاب الله وبين التفسير لكلام الله؟ هل هناك فرق بين هذا المصطلح وهذا المصطلح، أو بين هذا المفهوم وهذا المفهوم؟ إن كان هناك فرق فما هو؟ وهل يجوز لي كمسلم لست متخصصاً في علوم الشريعة أن أمارس عملية التدبر، أم أن عملية التدبر هذه فقط عملية خاصة بالعلماء الشرعيين وبالمتخصصين؟ ما هي الآلات والمعارف العامة التي أحتاجها كمسلم حتى ألج في عملية التدبر؟ وما هي المعارج التي علي أن أرتقي بها رويداً رويداً حتى أحيا مع القرآن؟ هذه الأفكار وغيرها هي التي سندندن حولها بإذن الله في هذا المجلس الختامي مع الشيخ فريد الأنصاري رحمة الله عليه.

وعليكم ابتداءً إخواني أن تعلموا أن هذا القرآن العظيم إنما نزل ابتداءً لمقصد أساس وهو التدبر. قال سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. بالتالي التدبر هو العملية الأساس أو المقصد والثمرة النهائية المطلوبة من نزول هذا الكتاب العظيم؛ لأن عملية التدبر هي التي -كما سنتعلم اليوم- ستنقل هذا القرآن من مجرد آيات تتلى في سطور إلى منهج عمل ومسلك حياتي للإنسان. عملية التدبر هي العملية الفاصلة التي ستنقل النصوص القرآنية من مجرد نصوص نقرؤها بأعيننا إلى منهج حياة، ومن دون عملية التدبر إخواني سيبقى القرآن مجرد كلمات نسمعها، لربما نتعاطف معها أو نشعر معها بشيء من الجمال، لكنها ستبقى في حيز الكلمات ولن تخرج إلى واقع التطبيق، لن تغير من واقعنا.

فعملية التدبر إذاً هي العملية الأساس باختصار ليصبح القرآن منهج حياة. ومن هنا أقول ابتداءً -أنا أعطيكم النتيجة- إن عملية التدبر عملية يجب أن يمارسها كل مسلم وكل مسلمة مع كلام ربه سبحانه وتعالى. نعم، هناك ضوابط وهناك قواعد سنتكلم عنها بإذن الله، لكن إياكم إخواني في لحظة من اللحظات أن تحولوا بين الناس وبين تدبر القرآن، هذا خطأ كبير جداً. إياكم أن تضعوا حواجز بينكم وبين كلام ربكم سبحانه وتعالى، إياكم أن تتهيبوا تذوق كلام الله سبحانه وتعالى والعيش في أفيائه بحجة أن هذه العملية هي عملية خاصة بعلماء الشريعة؛ إياكم إخواني لأنكم تحجبون عن أنفسكم وعن إخوانكم أنوار القرآن تتدفق إلى وجدانكم وإلى داخلكم.

عملية التدبر إخواني عملية يجب أن يقوم بها كل مسلم ومسلمة حتى يحيا مع القرآن في حياته، والقول بأن هذه العملية هي عملية متخصصة أو عملية لا يقوم بها إلا أناس معينون، في الحقيقة كما يقول الشيخ فريد الأنصاري: هذا القول هو الذي أعادنا خطوات إلى الوراء. بدل من أن نتقدم وأن نرتقي بكلام ربنا سبحانه وتعالى خطوات إلى الأمام، وضعنا حواجز وتوهمات وتخيلات أن هذا الكلام يصعب فهمه، أن هذا الكلام لطائفة معينة، وأن هذا الكلام كلام لا يفهم إلا من خلال أدوات معقدة، فحجبنا ذلك عن تلقي أنوار القرآن، ولعل هذا أن يكون من تلبيس الشيطان على الإنسان. إن الشيطان يريد أن يجعل هناك هالة من الخوف والشعور بصعوبة المسألة وصعوبة الاقتراب من النصوص القرآنية حتى يصرف الإنسان عن عملية التدبر وعملية التفكر، فاحذر عبد الله من هذا التلبيس.

الشيطان يريد أن يصرفك عن مدرسة القرآن من خلال إيهامك بأن هذا القرآن صعب فهمه، صعب تدبره، وأن أي عملية فهم إجمالي وتدبر تقوم به لهذه النصوص سيكون خطأ، ويحاول أن يضع بينك وبين القرآن حواجز تلو الحواجز، حتى لا تصل إلى مدرسة القرآن ولا تستضيء بنور القرآن، وهذا خطر عظيم والله على الأفراد وعلى المجتمعات. هذا الكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات هو نفسه أخبرنا فقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، هل من متعظ به؟ ويخبر أنه يسّره وقربه من عبيده على مختلف طبقاتهم وأشكالهم ووظائفهم في الحياة، يأخذ كل إنسان منه بمغرفته وبقدر علومه وتصوره ما يمكن أن يأخذه. الصنايعي يأخذ، والمهندس يأخذ، والطبيب يأخذ، والمعلم يأخذ، والمزارع يأخذ، والفلاح يأخذ، والبدوي يأخذ، والحضري يأخذ.

الكل يستطيع أن يتعلم على مائدة القرآن، والكل يستطيع أن يغترف من هذه النصوص، والكل يستطيع أن يمارس عملية التدبر على مستوى من المستويات وعلى شكل من الأشكال مع ضبط هذه العملية بما سنقوله الآن بإذن الله، من حاجة إلى شيء من كتب التفسير تستعين بها، من حاجة إلى شيخ موجه أحياناً تظفر به، لكن في العموم في الجملة عملية تدبر القرآن والله ليست عملية صعبة معقدة، ليست عملية متخصصة جداً، ليست عملية خاصة بطبقة معينة. هذه النتائج أقدمها لكم ابتداءً حتى تفتحوا قلوبكم وتشرحوا صدوركم لمدرسة القرآن في رمضان؛ اشرحوا صدوركم، أقدموا على كلام ربكم سبحانه وتعالى لتعيشوا معه حياة حقيقية، ولتتخلصوا من تلك الأوهام التي جعلت بينكم وبينه حواجز تحول بينكم وبين الفهم والتدبر والانتقال بهذه النصوص من حيز المصحفية -كما يقول الشيخ فريد- إلى حيز القرآنية الحقيقية.

اليوم إخواني الكلام عن الخطوات المنهجية لمن يريد أن يحيا مع القرآن. سأبدأ الكلام حول هذه الفكرة مع الشيخ فريد الأنصاري، ومن خلالها سندخل ونتعمق أكثر وأكثر في تصور قضية التدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى والفرق بينها وبين الخطوات المنهجية التي يجب أن يسلكها كل إنسان مسلم وكل امرأة مسلمة من أجل أن يحيا مع القرآن. هذه الخطوات إخواني استنبطها وأخذها الشيخ فريد رحمة الله تعالى عليه ليس من بنات أفكاره أو من تذوقاته ووجدانياته، بل من خلال تتبع واعٍ ناضج لكلام الله سبحانه وتعالى.

ربنا عز وجل في أكثر من آية في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي سورة الجمعة أخبرنا عن وظائف النبوة الثلاث، عن وظائف النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث لما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. هذه الوظائف الثلاث، وفي سورة البقرة دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، قدم التعليم على التزكية في سورة البقرة. وظائف النبوة الثلاث إخواني تلاوة القرآن وتعليم القرآن -ها هو يتلو عليهم آيات ويعلمهم الكتاب اللي هو القرآن- والحكمة ويزكيهم، هذه الوظائف الثلاث للنبوة هي منهج الحياة مع القرآن، هي منهج الحياة مع القرآن؛ تلاوة القرآن وتعلم القرآن والتزكية بالقرآن.

هذه الخطوات الثلاث بها تلج -عبد الله- وبها تلج -أمة الله- إلى الحياة مع القرآن وإلى مدرسة القرآن، وهذه الخطوات الثلاث ليست خطوات متتالية، يعني أولاً تلاوة، ثم تعلم، ثم تزكية، بل هي خطوات متوازية؛ فأنت تتلو القرآن، وأنت تتعلم القرآن وتتدارسه، وأنت تتزكى بالقرآن، فهذه الخطوات الثلاث تلاوة القرآن، وتدارس القرآن وتعلمه، والتزكية بالقرآن خطوات متوازية تسير في حياة المسلم في نفس الوقت، وليست خطوات متتالية؛ أولاً أتلو، فإن فرغت وانتهيت من موضوع التلاوة أنتقل لموضوع آخر في حياتي موضوع التعلم ثم موضوع ثالث التزكية، لا، ليست في هذا التصور، بل هي خطوط متوازية تصب في النهاية أو توصلك في النهاية لمنهج القرآن.

لكن الشيخ فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه لما رتب هذه الخطوات الثلاث للحياة مع القرآن قيدها بقيود مهمة جداً بها تؤدي هذه الخطوات مفعولها في حياة المسلم وفي حياة المسلمة. سأقرأ الآن كلام الشيخ فريد الأنصاري ليس في كتاب "هذه رسالات القرآن" بل سأقرأه من خلال كتابه الآخر "مجالس القرآن"، سأقرأه من خلال كتاب آخر "مجالس القرآن"، ثم أعود بعد ذلك وأعرج إلى ما ذكره في "هذه رسالات القرآن" في الرسالة؛ لأن كلامه في "مجالس القرآن" حول مفهوم التدبر كلام أوسع ومتعمق أكثر ومنهجي أكثر، ولعل الشيخ رحمة الله عليه تطرق إلى أبواب وإلى مسائل لن تجدوها عند غيره إخواني، والله سبحانه وتعالى فتح عليه في هذا الباب عجيبة تدل على عمق هذا الرجل في عملية التفكير والتمحيص لمنهج القرآن ولحياة القرآن في الأمة.

إذاً يقول الشيخ فريد الأنصاري في "مجالس القرآن": الخطوات المنهجية الثلاث للحياة مع القرآن هي الخطوة الأولى -فسأعطيكم الخطوات سرداً ثم نعود لتفصيلها خطوة خطوة- الخطوة الأولى هي كما قلنا تلاوة القرآن بمنهج التلقي بهذا القيد، الخطوة الأولى تلاوة كلام ربنا بمنهج التلقي، الخطوة الثانية تعلم القرآن بمنهج التدارس، الخطوة الثالثة تزكية النفس بالقرآن بمنهج التدبر. هذه الخطوات الثلاث هي التي ستنتقل بكم إلى حياة القرآن؛ تلاوة القرآن بمنهج التلقي، ثانياً تعلم القرآن بمنهج التدارس، ثالثاً تزكية النفس والارتقاء بالنفس بالقرآن بمنهج التدبر.

قلت لكم قبل قليل هذه الخطوات الثلاث تلاوة القرآن، تعلم القرآن، تزكية النفس بالقرآن، هذه ليست ذوقيات للشيخ فريد الأنصاري أو تأملات، بل هي نص كلام الله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. طبعاً نلاحظ في سورة الجمعة وفي سورة آل عمران أن التزكية تقدمت على التعليم، لكن في الحقيقة تقدم التزكية على التعلم هو مجرد تقدم المقاصد على الوسائل، وإلا فالتعلم منهجياً هو عملية سابقة على التزكية، وبدليل سورة البقرة في سورة البقرة جاء التعلم قبل التزكية في دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. فإذاً الحياة مع القرآن هي تقوم على هذه الخطوات الثلاث، لكن دعونا نفكر في كل خطوة من هذه الخطوات الثلاث بعمق أكبر لنفهم ما هو المطلوب منا لنؤدي كل وظيفة وكل خطوة منها.

فنبدأ إذاً بهذه الخطوات المنهجية الثلاث للحياة مع القرآن، الخطوة الأولى كما قلنا هي تلاوة القرآن، لكن هل هي مجرد تلاوة عابرة؟ لا، تلاوة القرآن بمنهج التلقي. ماذا يقصد الشيخ فريد تلاوة القرآن بمنهج التلقي؟ دعونا نبدأ معه الكلام، قال رحمة الله عليه: الخطوة الأولى في الحياة مع القرآن هو أن تتلو القرآن بمنهج التلقي، قل أما الخطوة الأولى فهي التلاوة، وهي بركة وزكاة في نفسها، فقد ثبت الأجر على كل حرف تتلوه من القرآن الكريم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف».

ولذلك كان لقارئ القرآن ما وعده الله إياه من رفيع المنازل في الجنان العالية وما أسبغ عليه من حلل الجمال، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا». والله سبحانه وتعالى أمر بتلاوة القرآن في العديد من الآيات فقال سبحانه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾، وقال في موطن آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾، وفي آية أخرى: ﴿سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي تأمر بالتلاوة.

إلا أن الشيخ هنا بدأ يقيد، عن أي تلاوة للقرآن نبحث إخواني؟ عن أي تلاوة للقرآن نبحث؟ قال: إلا أن التلاوة إنما تكون بما وصفت به من البركة والتأثير الإيماني في النفوس إذا أخذت هذه التلاوة بما أسميناه بمنهج التلقي. التلاوة بهذا القيد ليست أي تلاوة، التلاوة بمنهج التلقي؛ حيث يؤخذ القرآن بحضور قلبي، وتُتلى آياته باللسان على أنها ذكر من الله سبحانه وتعالى، وبيان ذلك هو كما يلي.

سنبدأ نتعمق أكثر وأكثر في فهم كيف نتلو القرآن بمنهج التلقي وليس مجرد تلاوة عابرة. يقول: لا شك أن القرآن العظيم هو رأس الذكر ومفتاحه وتاج الذكر، بل القرآن هو الذكر بنفسه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: 51]. لكن هنا تبصرة، أن تعلموها، تبصرة في كيفية تلاوة القرآن وأخذه بمنهج التلقي. كثيرون هم أولئك الناس الذين يتلون القرآن اليوم، كثير الناس التي تتلو القرآن اليوم وفي رمضان وتفتح المصحف أو يستمعون للقرآن على الإجمال، له أغراض مختلفة، ولكن قليل منهم هم الذين يتلون القرآن بمنهج التلقي له. وإنما يؤتي القرآن ثماره حقيقةً لمن تلاه على منهج التلقي، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يتلقى القرآن من ربه. قال عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]. من هنا أخذ الشيخ مفهوم التلقي من هذه الآية. ولا يزال القرآن معروضاً لعملية التلقي حتى يومنا هذا. فعملية التلقي ليست عملية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. نعم، يختص صلى الله عليه وسلم بأنه يتلقى القرآن من جبريل بالوحي الإلهي مباشرة، هذا يختص به، لكن نحن كمسلمين نستطيع أيضاً أن نتلو القرآن بمنهج التلقي.

وإن كان الوحي بمعنى النزول من السماء قد انقطع عنا، لكن هذا القرآن بحد ذاته كوصف ما زال وحياً كما أخذنا في مجلس البارحة، ما زال وحياً يُسمى وحياً ويُوصف بأنه وحي، فعلينا أن نتلقاه وأن نتلوه بالمنهج والطريقة التي كان يتلقاه بها صلى الله عليه وسلم. نحن مشكلتنا أننا نتلو القرآن مجرد تلاوة، ولا نتلقاه تلقياً في قلوبنا كما كان صلى الله عليه وسلم، وكما كان يلقيه للصحابة. فالصحابة يتلقونه يأخذونه بأيديهم ليدخلوه في قلوبهم، هذه الإشكالية التي يريد الشيخ فريد الأنصاري أن يدندن حولها. التلاوة بمنهج التلقي أنك تأخذ الآية تتلقاها في قلبك وفي وجدانك، وليس بمجرد أن تمررها على عينيك. ولا يزال القرآن معروضاً لمن يتلقاه، وليس لمن يتلوه فقط.

التلقي في اللغة هو الاستقبال عموماً. وأما تلقي القرآن بعبارة مختصرة فهو استقبال هذا القلب للوحي، إما على سبيل النبوة كما هو الشأن بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، وإما أن يكون هذا على سبيل الذكر. إذاً، تلقي القرآن معناه استقبال هذا القلب لآيات القرآن، وهذا الاستقبال القلبي لنصوص القرآن ولهذا الوحي الإلهي إما أن يكون على سبيل النبوة وهذا لا مجال لنا فيه فهو مختص لنبينا صلى الله عليه وسلم وللأنبياء، وإما أن يكون على سبيل الذكر والتذكر والتبصر، وهذا ما زال قائماً ويبقى قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

تلقي القرآن على سبيل الذكر هو عام في كل مؤمن أخذ القرآن بمنهج التلقي على ما سنبينه بحول الله، فذلك المنهج هو الذي تنبعث به حياة القلوب؛ لأنها تتلقى القرآن حينئذ روحاً من لدن الرحمن سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]. وتلقي القرآن بمعنى استقبال القلب للوحي على سبيل الذكر الذي هو واجب كل مسلم ومسلمة، إنما تكون بحيث يتعامل معه العبد بصورة شهودية، أي كأنما هو يشهد تنزله الآن. بنظرية التلقي للقرآن، استقبال قلبك للوحي هي عملية شهودية؛ أن تشاهد كأن القرآن وآيات القرآن تتنزل عليك الآن غضة طرية كما أتت على قلب الجيل الأول من الصحابة والتابعين، فأنت تمارس نفس العملية التي مارسها الصحابة في أخذ القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم.

لا بد وأن تستحضر هذا المشهد، مشهد تلقي القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم ودخوله إلى قلبك كما كان الصحابة يأخذون القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخلونه إلى قلوبهم. إنما يكون منهج التلقي أن يتعامل العبد معه بصورة شهودية كأنما هو يشهد تنزله الآن غضاً طرياً؛ فيتدبره آية آية باعتبار أنها تنزلت هذه الآية عليَّ وعليك لتخاطبه هو في نفسه وفي وجدانه، قلبه حياً في عصره وفي زمانه الذي يحيا فيه. ومن هنا وصف الله تعالى العبد الذي يتلقى القرآن بهذا المعنى بأنه يُلقي له السمع بشهود القلب. قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. ألقى سمعه للقرآن وقلبه شاهد حاضر له، ذلك هو الذاكر حقاً للقرآن، ذلك الذي يتعظ بالقرآن ويحرك القرآن حياته ولا يكون من الغافلين.

أن تتلقى القرآن معناه في خلاصته أن تصغي إلى الله وهو يخاطبك، فتبصر حقائق الآيات وهي تتنزل على قلبك روحاً يبعث فيك الحياة، وبهذا تقع اليقظة والتذكر بهذه النصوص. ثم يقع بعد ذلك التخلق بالقرآن حقاً في الحياة على نحو ما هو مذكور في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلقه عليه الصلاة والسلام فقالت: «كان خلقه القرآن». يعني كان القرآن خلقاً وطبيعة انسجمت في داخله فمارسها في حياته. ليس المراد كان خلقه القرآن مجرد فضائل الأخلاق كما يتصور كثير من الناس، لا، الأمر أعمق من ذلك؛ كان القرآن أي أنه صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن آية آية وعاش معه نصاً نصاً حتى أصبح القرآن سجية له وطبيعة له، منصبغاً بوجدانه وفكره وعقله يحيا به في حياته.

أن تتلقى القرآن معناه أيضاً أن تتنزل الآيات على موطن الحاجة من قلبك ومن وجدانك، بدأ يعمق أكثر وأكثر معنى التلقي للقرآن. ركزوا على هذا المفهوم، مفهوم تلقي أن تقرأوا القرآن وأن تتلوا القرآن وأنت تشعر أن هذه الآية التي تتلوها تتنزل الآن على قلبك غضة طرية، تتنزل الآن، تشاهد هذا المشهد وتستحضر هذا المشهد. نعم، لربما الصحابة الكرام عاشوا هذا المشهد حقيقة في حياتهم وشاهدوه بأعينهم، لكن أنت الآن عليك أن تشاهده بعيني البصيرة أكثر من عيني البصر. إذاً، أن تتلقى القرآن معناه أن تنزل الآيات على موطن الحاجة من قلبك ووجدانك كما يتنزل الدواء على موطن الداء. فآدم عليه السلام لما أكل هو وزوجه من الشجرة المحرمة ظهرت عليهما أمارة الغواية بسقوط لباس عن جسديهما، فظل آدم عليه السلام كئيباً حزيناً ولم يزل كذلك حتى تلقى كلمات من ربه فتاب عليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37].

فعندما تقرأ القرآن إذاً استمع وأنصت، فإن الله يخاطبك أنت. هذه هي القضية يا إخوان التي تغيب عن مشهدنا ونحن نتلو القرآن؛ نحن نتلو لكننا لا نشعر بالتلقي. فهمتم الخلاصة ما هي؟ نحن نتلو القرآن لكننا لا نتلقى القرآن، فهي مجرد تلاوة لا نستحضر معها أن هذه النصوص هي من الله لتخاطبني أنا، نعم أنا، ولتخاطبك أنت ولتخاطبك أنت. إذا لم نتلو القرآن بمنهج التلقي نبقى بعيدين غاية البعد عن الحياة مع القرآن. لا بد يا إخواني في مدرسة رمضان أن تقتحموا هذه البوابة، بوابة تلاوة القرآن بمنهج التلقي؛ أن تتلو الآية وأنت تستحضر وتشاهد في قلبك أن الله يخاطبك بها، نعم أن الله يخاطبك بها الآن وكأن الآية نزلت الآن لتخاطبك أنت ولتعطيك إرشاداً وتوجيهاً وتقويماً ومسلكاً ومنهجاً. لا بد تتلو القرآن بهذه الطريقة إذا أردت أن يغير القرآن من حياتك.

فعندما تقرأ القرآن إذاً استمع وأنصت فإن الله يخاطبك أنت، وادخل بوجدانك مشاهد القرآن فإنك في ضيافة القرآن. هناك حيث ترى من المشاهد في مشاهد القرآن والله سترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، هذا ليس فقط في الجنة بل حتى في موائد القرآن. فاقرأ إذاً كما استطعت وتعلم لكن بحضورك، بحضور قلبي تام كي تتزكى، فقد رأيت أن التلاوة بدء فعله صلى الله عليه وسلم من التعليم والتزكية كما مر في قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164]. فالتلاوة هي الوظيفة الأولى والمهمة الأساس، لكنها ليست أي تلاوة بل هي تلاوة على منهج.

فالتلاوة نور في نفسها، إن أبصرتها حقاً فهي صلة مباشرة برب العالمين ذكراً ومناجاة، إن العبد بتاليه لكتاب الله سبحانه إنما يتكلم بكلام الله، وهذا وحده معنى عظيم في نفسه. فتدبر، وهو يمهد القلب ويهيئه للخطوة التربوية التالية. إذاً انتهينا من الخطوة الأولى الآن يا إخواني، الخطوة الأولى حياتي مع القرآن حتى نعرج إليه هو أن نتلو القرآن لكن نتلوه بمنهج التلقي. فهمتم هذه الفكرة يا إخواني؟ هذه الفكرة الأساس التي علينا أن نعدلها في أنفسنا في مدرسة رمضان القادمة بإذن الله، يكفينا تلاوة للقرآن مجردة عن التلقي له. حان الآن لنمارس طريقة أخرى أكثر تأثيراً في أخذ هذا الكتاب العظيم، وهو أن نتلوه وقلبنا يستقبل الآيات ويتلقاها ويشعر ويشاهد أن هذه الآية تنزلت الآن على قلبه لتنقله ولترتقي به.

يشعر استشعاراً حقيقياً أن هذه الآية هي خطاب من الله لك أيها العبد ولكِ أمة الله، فليست هذه الآية جزءاً من تاريخ مضى، ليست هذه الآية لتاريخ الصحابة ولعهدهم وزمنهم ولمعالجة قضايا اجتماعية كما يقول للأسف كثير من الحداثيين اليوم الذين يريدون أن يهدموا النص القرآني، لا والله، هذا القرآن في كل عصر وفي كل زمان سيبقى وحياً، على كل جيل أن يتلقاه على أنه وحي وأن يتعامل معه كأنه نزل الآن غضاً طرياً ليغير من واقعهم الأفراد وواقع المجتمعات. إذاً أن نتلو القرآن بمنهج التلقي.

الخطوة الثانية، بعد أن تتلو القرآن وأنت تتلقاه تلقياً في قلبك، دعونا ننتقل للخطوة الثانية وهي تعلم القرآن بمنهج التدارس، وليس أي تعلم، تعلم القرآن بمنهج التدارس. الخطوة الثانية يقول الشيخ فريد هي تعلم القرآن والتعليم له؛ أنت تتعلم ثم تعلم. الخطوة الثانية هي التعلم والتعليم، وذلك يكون في أحكام القرآن العظيم ولحكمه؛ إذ خير العلم خير علوم الشريعة إنما هو العلم بالكتاب العظيم. عقبة بن عامر الجهني قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، قال: «أيكم يحب» -يعني صفة المسجد النبوي التي كان فيها فقراء المهاجرين وفقراء الصحابة- «أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق» -منطقة في المدينة- «فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما بغير إثم بالله سبحانه وتعالى ولا قطع رحم؟». فقالوا: كلنا يا رسول الله. كل واحد فينا يحب يروح لمنطقة العقيق يأخذ جملين ما شاء الله سمينين رائعين فحلين، الكل يحب ذلك، كلنا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث آيات خير له من ثلاث نوق، وأربع آيات خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل».

لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يعظم مفهوم تعلم القرآن. قبل قليل الوظيفة الأولى تلاوة، الآن تعلم. فيقول صلى الله عليه وسلم تعلم آيتين من كلام ربنا سبحانه وتعالى لك أيها العبد خير من أن تظفر بشاتين أو بناقتين كبيرتين سمينتين جميلتين تأكلهما وتطعمهما لأهلك، تعلم آيتين من القرآن أعظم من ذلك بكثير. وتحصيل العلم بالكتاب الكريم للنفس أو تلقينه للغير بالتعليم إنما يكون بمنهج الدراسة والتدارس لآياته ولسوره مبنى ومعنى. الدكتور فريد الأنصاري من أهم الوظائف في مشروعه القرآني أن يُحيي مدارسة القرآن في حياة المجتمعات. هذه المدارسة التي للأسف يكاد يأفل نجمها ولا تظهر إلا عند بعض الأصفياء الأنقياء الذين وجّه الله قلوبهم للحياة مع القرآن، اختفت للأسف منهجية تدارس القرآن في أسرنا، في جامعاتنا، في عملنا الإسلامي، بين طلبة العلم، بين الدعاة، بين الواعظات، أصبحت عملية ضعيفة جداً ركيكة.

أحدنا لا يكاد يتجاوز عملية تلاوة القرآن، وإن حَسُن حاله لربما تصفو نفسه ليفتح شيئاً من كتب التفسير يقرأ فيها وانتهت القضية إلى هنا. ووالله هذا لم يؤدِّ بعد حياة القرآن أو لم يصل بعد إلى حياة القرآن بحق. لا بد أن تدخل في هذه الخطوة الثانية، خطوة تدارس، فتعلم القرآن وتعليم القرآن إنما يكون بمنهج التدارس، أن نلتقي على موائد القرآن نتدارس، نخلص، ونعتبر. انظروا ماذا سيقول ومن أين أتى الشيخ فريد الأنصاري بفكرة التدارس، ستعلمون أن هذا الرجل لا يأتي بكلام ذوقي وجداني شعوري، بل كل مصطلحاته التي يستعملها هي المصطلحات القرآنية، يحاول أن يضخها وأن يبعثها في الأمة من جديد.

يقول وتحصيل العلم بالكتاب للنفس يعني أن تحصل العلم بالتعلم لنفسك والتلقين لغيرك، إنما يكون بمنهج الدراسة والتدارس لآيات هذا الكتاب العظيم وسوره، مبنىً أي للالفاظ دراسة الألفاظ، ومعنىً دراسة المعاني، لقول الله تعالى -انظروا المستند الذي بنى عليه منهجية التدارس القرآني-: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]. هذا هو السبيل إلى الربانية؛ تعلم الكتاب بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، الدراسة للكتاب. وقد قرأت هذه الآية كلمة تعلمون قرأت تعلمون في إحدى القراءات وفي قراءة أخرى أيضاً صحيحة تُعلِّمون. وفي الحقيقة كلا القراءتين يجب جمعهما مع بعضهما البعض، لأن كل واحدة تتكلم عن وظيفة؛ فتعلمون أي أنتم تتعلمون، وتُعلِّمون أي أنتم تعلِّمون غيركم. فالقراءة الأولى تعلمون عملية التعلم، وتُعلِّمون تدل على عملية التعليم، فالجمع بين القراءتين.

يعطينا المنهج الكامل للتعلم والتعليم على منهج التدارس: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]. خذوا الآية بكاملها ستصلون إلى ما وصل إليه الشيخ فريد الأنصاري. إن الله سبحانه وتعالى يعطينا الخطوة في الحياة مع القرآن، وهي التعلم والتعليم على طريقة التدارس؛ فقد قرأت "تعلمون وتُعلّمون"، فهي عملية مزدوجة، الجمع بين شقيها في الفهم والعمل أولى: تعلم وتعليم. وأقل الأحوال إذا لم تستطع يا عبد الله أن تكون متعلماً معلماً في نفس الوقت، أقل الأحوال أن تكون أحد الرجلين، فأن تكون متعلماً أقل شيء مقبول. لكن ألا تكون لا هذا ولا هذا، هذا غير مقبول لمن يبحث عن الحياة مع القرآن؛ لا تكون متعلماً ولا تكون معلماً، هذه إشكالية كبيرة في حياتك أيها المسلم، فأدنى الأحوال أن تكون متعلماً، وأكمل الأحوال أن تكون متعلماً تتلقى ومعلماً تعطي وتبذل.

بيد أن العلم هاهنا ما هو المراد بالعلم بالقرآن؟ سواء العلم أن تتلقاه أو أن تعطيه، المراد بالعلم هاهنا العلم الذي يثمر العمل، ليس مجرد العلم النظري؛ وإنما العلم هاهنا إنما هو ما أفاد العمل وقادك إلى العمل على قاعدة علماء المقاصد: أن كل علم ليس تحته عمل فهو باطل. المقصود بقوله تعالى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ بعد أن تكلم عن كلمة ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ وبين القراءات فيها، انتقل إلى كلمة ﴿تَدْرُسُونَ﴾: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قال: والمقصود بقوله تدرسون في هذه الآية يعني تدرسون الكتاب نفسه على اعتبار أن الدراسة والتدارس أو المدارسة هي منهج التعلم. فالتعلم هذه الوظيفة المطلوبة، ومنهجيتها التي عليك أن تتعلم من خلالها هي منهجية التدارس. المدارسة هي منهج التعلم أي طريقة التعلم، كما ذهب إليه الإمام الطبري رحمة الله عليه في تفسيره ابن جرير. والتدارس للقرآن الكريم إخواني هو المنهج التعليمي الكفيل بالوصول إلى الحكمة التي مقتضاها يسير هذا العبد ربانياً. التدارس هو المنهج الكفيل لأن يصل بك أيها الدارس إلى الحكمة، والحكمة هي التي يقصد بها أن تكون ربانياً. وقد روي عن ابن عباس وعن عدد من التابعين في تفسير ربانيين أي حكماء.

فالدراسة والتدارس إذن هو تتبع الصيغ والعبارات، وتتبع وجوه المعاني والدلالات، وتتبع المقاصد والغايات من كل آية ومن كل سورة. فتدرس الألفاظ وتدرس المعاني وتنظر في الغايات لكل آية ولكل سورة، وتعلم ذلك كله ترتيلاً وتفسيراً بما فيه ضبط ألفاظه وآياته وسوره حتى تتعرف في النهاية على أسراره وحكمه. وذلك جماع ما كان يفعله جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليالي رمضان؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. ما هي المدارسة التي كانت تقوم بين جبريل من الطرف الملائكي وبين محمد صلى الله عليه وسلم من الطرف البشري؟ مدارسة ماذا؟ هي مدارسة للألفاظ وضبط للصيغ مراجعة لها، ودراسة للدلالات وللمعاني والكشف عن أسرارها وعن حكمها. لذلك قلت لكم سابقاً إن أول من طبق منهج التدارس القرآني هو النبي صلى الله عليه وسلم، طبقه واقعاً عملياً في حياته مع جبريل عليه السلام.

من ثم تلقى الصحابة منهج التدارس القرآني وأصبحوا يمارسونه بينهم، وقد حثنا صلى الله عليه وسلم أيضاً على ممارسة هذا المنهج حين قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله» الوظيفة يتلون كتاب الله بمنهج التلقي، «ويتدارسونه بينهم» الوظيفة الثانية وهي تعلم القرآن بمنهج التدارس، «نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». لاحظوا المناهج التي يتكلم عنها الشيخ فريد الأنصاري للحياة مع القرآن كلها مبثوثة في كلام ربنا وفي توجيه نبينا صلى الله عليه وسلم، لكن تحتاج من يتعقل ومن يتدبر ومن يتبصر بهذه الحقائق الإيمانية التي نحن للأسف في غفلة عنها.

يقول الشيخ فريد الأنصاري ويجمع المرحلتين المذكورتين؛ المرحلة الأولى: التلاوة بمنهج التلقي، المرحلة الثانية: التدارس، ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة. فبعث معهم النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء. إيش وظيفتهم هؤلاء القراء ولماذا سموا بالقراء؟ هل لمجرد أنهم كانوا يتلون القرآن فيما بينهم وبين أنفسهم؟ أو يتلون القرآن في المحافل والمشاهد؟ كلا. قال: فبعث معهم النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون. هؤلاء هم القراء؛ يتلون القرآن، ويتدارسون بالليل، يتدارسون القرآن كانوا فيما بينهم ليلاً ويتعلمونه مع بعضهم البعض. انظر كيف التدارس؛ منهج محمد صلى الله عليه وسلم ومنهج الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ومنهج التابعين، فالتدارس هو أساس التعلم كما في الحديث "يتدارسون بالليل يتعلمون". تدارس إذن هو أساس التعليم وهو منهج التعليم؛ لا علم حقيقة إلا به، فأنت تبحث عن وجوه المعاني مع إخوانك لتتعلم أحكامها وتقف على مقاصدها.

وقد ذكر التدارس أيضاً في الحديث النبوي الشريف الذي ذكرت لكم قبل قليل: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه». لاحظوا الآيات والأحاديث التي تعطيكم إخواني من الحياة مع القرآن، إياكم أن تمر عليكم هذه الكلمات مروراً عابراً. يا من يسألنا دائماً كيف نحيا مع القرآن؟ هو منهج القرآن كيف يكون المسلم قرآنياً؟ ترى المنهج الله سبحانه وتعالى أخبركم به، والنبي صلى الله عليه وسلم أعطاك خطواته، لكن تأملوا وتدبروا وطبقوا فقط. الشيخ فريد الأنصاري هذب لكم وأعطاكم الخلاصة، وفي الحقيقة كلامه عالٍ جداً واستنباطه لهذه القواعد عالٍ، إياكم أن تقفزوا عنه. إذاً الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن أهمية تلاوة القرآن تلقياً له وليس مجرد تلاوة، وأخبرنا عن أهمية تعلم القرآن تدارساً له، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم بكلتا الوظيفتين: التلاوة والتدارس مع جبريل، والصحابة كانوا يقومون بنفس المنهج: منهج التلاوة والتدارس، والنبي صلى الله عليه وسلم امتدح أولئك القوم الذين في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه.

بقيت الآن الخطوة الثالثة؛ أخذنا التلاوة بمنهج التلقي، الخطوة الثانية: التعلم للقرآن بمنهج التدارس، أن تجلس مع إخوانك تتدارسون الألفاظ والمعاني وتأخذون الحكم والمقاصد. ننتقل للخطوة الثالثة، وربنا سبحانه وتعالى أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وظائف، وهذه الوظائف تنتقل إلى من بعده من حملة الدين من المسلمين عموماً: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ تلاوة القرآن بمنهج التلقي، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]. التزكية بالقرآن هي الخطوة الثالثة للحياة مع القرآن. فيقول الشيخ فريد: الخطوة الثالثة التزكية للنفس بمنهج التدبر للقرآن، فكل خطوة لها منهج؛ التلاوة منهجها التلقي، التعلم منهجه التدارس، والتزكية منهجها التدبر. فلاحظوا أين وردت كلمة التدبر؟ الخطوة الثالثة.

والآن سيبدأ الشيخ يعرف ويوضح ما معنى التدبر إذاً بحق؟ لأن التدبر كثير من إخواننا لا يعرف حقيقته، وأنا أدرك ذلك، كثير من إخواننا لا يعرف ما معنى تدبر القرآن بالشكل الصحيح، يظن أن التدبر هو مجرد فهم معنى النص القرآني، وهذا ليس بصحيح إخواني، ليس هذا هو التدبر، فهم معنى النص هذه الخطوة الأولى للوصول إلى التدبر، لكنه ليس هو التدبر. طب ما هو التدبر يا شيخ؟ انظروا ما هو التدبر واسمعوا هذا الكلام جيداً: الخطوة الثالثة هي التزكية للنفس بمنهج التدبر، التزكية ما المراد بها؟ هي عملية التطهير للنفس والتربية لها بمراعاة غير الله للوصول إلى الله، أعيد ما هي تزكية النفس؟ هي أن تطهر النفس من الأدران، من الشبهات، من الشهوات، من حظوظها، رويداً رويداً حتى تخلصها من مراعاة والنظر إلى غير الله، وترتقي بها للوصول إلى الله سبحانه.

عظمة وخطورة وأهمية عملية التزكية إخواني، الله سبحانه وتعالى أقسم أحد عشر قسماً متتابعاً متوالياً على أهميتها، تصوروا أحد عشر قسماً متتابعة متوالية على أهمية التزكية، قال سبحانه اسمعوا: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 1-8]، طبعاً أنا قفزت؛ والشمس قسم، وضحاها قسم آخر، والسماء قسم ثالث، وما بناها قسم رابع، والأرض خامس، وما طحاها سادس، ونفس سابع، وما سواها ثامن. فالهمها فجورها وتقواها جواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]. لاحظوا قسم متتابع متتابع بأجرام وظواهر كونية عظيمة ليكون جواب القسم أو ما يقسم عليه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أنتم تتخيلون هذه الهيبة؟ لماذا الله سبحانه وتعالى يقسم أحد عشر قسماً أو عشرة أقسام متتابعة؟ أكيد المقسم عليه أمر عظيم جداً جداً وأمر مهول ومصيري، وإلا لما أقسم عليه سبحانه وتعالى بهذه الأقسام المتتابعة؛ فكل هذه الأقسام تدل إخواني على عظمة المقسم عليه، وأنه أمر خطير مرعب يجب عليكم جميعاً أن تنتبهوا، هكذا الصحابة كانوا يفهمون هذه السورة، لما كانوا يسمعون ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ الآن ينتظرون الجواب لكن لم يأتهم، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ لما سمعوا كل هذا القسم تلو القسم تلو القسم انتظروا أمراً مهماً جداً سيقسم عليه الآن، فكانت نتيجة القسم أو جواب القسم أو الشيء المقسم عليه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، فهذا يدل على أن تزكية النفس أمر عظيم جداً جداً جداً، به صلاح الأفراد والمجتمعات والبشرية جمعاء، ولذلك عظم الله من أمره وهون من شأنه إذاً ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾.

يقول الشيخ فريد الأنصاري بعد ذلك: انظر رحمك الله كيف ذكر التزكية؟ الآن بده يتكلم الشيخ فريد الأنصاري عن قضية لماذا في سورة الجمعة وفي سورة آل عمران تقدم ذكر التزكية على ذكر التعليم، يعني الخطوة الثالثة التي هي التزكية بمنهج التدبر تقدمت في سورة آل عمران وفي سورة الجمعة على التعليم التي هي الخطوة الثانية، بينما في سورة البقرة قدم الله سبحانه ذكر التعليم على ذكر التزكية. إحنا الآن اتفقنا أن التزكية بمنهج التدبر هي الخطوة الثالثة، ممتاز هي الخطوة الثالثة، لكن عندما ننظر في سورة آل عمران وفي سورة الجمعة نجد الله سبحانه وتعالى قدم هذه الخطوة على الخطوة الثانية وهي خطوة التعلم؛ فقال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾. لماذا قدمت التزكية على التعليم في سورة آل عمران وفي سورة البقرة أيضاً ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾. بينما في سورة البقرة جاء التعليم قبل التزكية، فقال سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. بدنا نجمع بين الآيات حتى نفهم لماذا في آل عمران والجمعة قدمت التزكية على التعليم بينما في سورة البقرة قدم التعليم على التزكية.

باختصار إخواني العلاقة بين التعليم وبين التزكية هي علاقة الوسائل بالمقاصد، فالتزكية تزكية النفس هي المقصد، والوسيلة الموصلة إليها هو تعلم القرآن، تزكية النفس بالقرآن هو المقصد النهائي، والطريق إلى ذلك الوسيلة هو ماذا؟ هي التعلم والتدارس للقرآن. ففي سورة آل عمران وفي سورة الجمعة قدم التزكية على التعليم من باب تقديم المقاصد على الوسائل، لينبهك أيها القارئ إلى أن هذا هو المقصد، فانظر إليه وما بعده هو الوسيلة. المقاصد ليستجلب انتباهك إليها، ولتعرف أن المقصود النهائي من التعلم للكتاب إنما هو الوصول إلى التزكية، فتقديم التزكية على التعلم في آل عمران والجمعة إنما هو من باب تنبيه القارئ للكتاب الكريم على أن هذا هو المقصد. وأما في سورة البقرة قدم ذكر التعليم على التزكية على الترتيب الطبيعي وهو أن الوسائل هي التي تقوده بعد ذلك إلى المقاصد، ففي سورة البقرة اهتم النص القرآني بإبراز الوسيلة التي ستقودك في الختام إلى المقصد، بينما في سورة آل عمران والجمعة اهتم النص القرآني بإبراز المقصد النهائي كتامي، حتى لا تضيع ولا تتيه وتقف فقط عند الوسائل.

فسبحانه وتعالى لا يريد منا أن نقف عند الخطوة الثانية؛ خطوة تعلم القرآن بمنهج التدارس ونقف، لا، هو يريد منا أن نرتقي من الخطوة الثانية إلى الخطوة الثالثة، فتكون الخطوة الثانية؛ خطوة تعلم القرآن بمنهج التدارس هي التي تقودنا إلى المقصد النهائي من هذا الكتاب، وهو تزكية النفس وتطهيرها وإعدادها لعمارة هذه الأرض. فمتى قدمت التزكية على التعلم فهو من باب تقديم المقاصد على الوسائل لإبراز المقصد حتى لا يغفل الإنسان عنه ويشتغل فقط بالوسائل، ومتى قدمت الوسائل على المقاصد في سورة البقرة فالمراد هو أن يرسم لك خارطة الطريق.

خارطة الطريق هو أن يبين لك أنه أولًا عليك أن تأخذ الوسيلة لتصل بها بعد ذلك إلى المقصد. جميل. إذا يقول: انظر رحمك الله كيف ذكر التزكية قبل التعليم في الآيتين من آل عمران، ويوم الجمعة؛ مع أنه لا تزكية للنفس بغير تعليم ابتداءً، على ما ترجم له الإمام البخاري لما قال: باب العلم قبل القول والعمل. بينما قُدِّم ذكر التعليم على التزكية بناءً على الأصل. الأصل ماذا يا إخواني؟ الأصل الحالة الطبيعية أن تقدم الوسائل على المقاصد؛ لأن الوسائل هي التي توصل إلى المقاصد. فمتى قُدِّم المقصد على الوسيلة، فهذا من باب التنبيه على أهمية المقصد حتى لا تغفل وتقف عند حد الوسائل. فهمتم الفكرة؟

وقد قُدِّم ذكر التعليم على التزكية بناءً على الأصل في دعوة إبراهيم في سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]. صحيح أن العطف بالواو في العربية لربما لا يفيد الترتيب كما يفيده الفاء أو ثم، لكن التقديم والتأخير في البلاغة يفيد الأهمية. ومن هنا جاءت التزكية في الآيتين الأوليين في آل عمران وفي الجمعة، جاءت التزكية مقدمة على التعليم من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ حتى يبين لك سبحانه شرف الغاية والمقصد وعلوها، وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية، فيضل عنها، أي فيبتعد عن المقصد ويبقى يعيش مع الوسائل. وما أكثر هذا الخطأ الذي نقع فيه إخواني! كثير من أحبابنا من طلبة العلم يقف عند الوسيلة، يقف عند مدارسة القرآن، لكنه لا يجعل هذه المدارسة سلمًا يرتقي به إلى المقصد الختامي والأخير من إنزال القرآن وهو التزكية والارتقاء بالنفس. وهذا خطأ يقع فيه كثير من الدعاة، كثير من المتصدرين للعمل الإسلامي، أنهم قد يرتقون لمنهج تعلم لكنهم لا يسيرون بعد ذلك للخطوة الثالثة والأخيرة وهي التزكية للنفس بمنهج التدبر. وفعلاً كلام ربنا دقيق جدًا، لما ربنا سبحانه قدَّم التزكية على التعليم؛ إذ هو يدرك عز وجل أن هناك أناسًا سيقفون عند التعليم ولن يصلوا بعد ذلك إلى التزكية، فنبَّههم إلى أن التزكية هي المقصد النهائي، فإياكم أن تقفوا عند الوسائل وتتركوا المسير إلى المقاصد. فإذاً تقديم التزكية على التعليم هو من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل لشرف الغاية وعلوها، وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية، فيضل عن الغاية ويكون من الخاسرين.

إذا كانت التزكية تربية كما قلنا، وتنمية لعناصر الخير والإيمان في الإنسان حتى يصفو هذا القلب ويتجرد لله وحده؛ فالتزكية ما هي حقيقتها إذاً؟ حقيقتها هي تحصيل مرتبة النفس الزكية. إذا قلنا التزكية ما معناها كعملية؟ التزكية هي عملية التربية والتنمية لهذه النفس حتى تتجرد لله تعالى وحده. فإذاً الثمرة النهائية لعملية التزكية هو أن أظفر أنا وأنت بالنفس الزكية المتخلقة بالقرآن. وهذا أمر، هذه قضية تزكية النفس وتجريدها حتى تصل إلى مرتبة النفس الزكية المتجردة لله، هذا أمر يبدأ في الحقيقة منذ اللحظات الأولى لشروع العبد في الاشتغال بكتاب الله. هذه الفكرة التي قدمتها لكم ابتداءً؛ قلت لكم التزكية بمنهج التدبر هذه ليست خطوة تمارسها أيها الإنسان مجردةً بعد أن تفرغ من الخطوة الأولى ومن الخطوة الثانية. يعني في حياتك أنت لا تقرأ القرآن بمنهج التلقي ثم تترك هذه العملية، ثم تنتقل لتعلم القرآن بمنهج التدارس، ثم تنتهي من هذه العملية وتنتقل للخطوة الثالثة تزكية النفس بمنهج التدبر، لا، ليست هكذا الأمور. أنت تسير في هذه الخطوط الثلاث بشكل متوازي؛ فانت تتلو بمنهج، وتتعلم القرآن بمنهج التدارس، وتزكي النفس بمنهج التدبر على مراحل متوازية متساوية، تسير هذه العمليات متواكبة مع بعضها البعض.

يقول الشيخ وهذا أمر يبدأ في الحقيقة، تزكية النفس بمنهج التدبر وهذا أمر يبدأ في الحقيقة منذ اللحظات الأولى لشروع العبد في الاشتغال بكتاب ربه، أي منذ بدء عملية التلاوة بمنهج التلقي، وعملية التعلم بمنهج التدارس. وليست التزكية متوقفة على الدخول في مرحلة منفصلة تمام الانفصال كما بينا؛ يعني عملية التزكية ليست عملية منفصلة تتم بعد الفراغ من عملية التلاوة وعملية التعلم، لا ليست هكذا التصور. هي عملية متوازية مع العمليات السابقة وليست منفصلة عنها، وإنما التزكية عملية متواصلة تنطلق بانطلاق الدخول في العتبات الأولى للقرآن الكريم. يعني منذ أن تبدأوا بمشروعكم القرآني في الحياة، منذ أن تبدأوا بتلقي آيات الله سبحانه وتعالى على أنها وحي، منذ هذه الخطوة الأولى ستمارسون عملية التزكية. إذاً هي عملية متواصلة تنطلق بانطلاق الدخول في العتبات الأولى للقرآن الكريم تلاوةً وترتيلًا، ثم تعلمًا وتعليمًا وتدارسًا وتدريسًا، ثم يكون من المؤمن حينئذ ما يكون من التزكية المنمية لعناصر الخير فيه، فإذا بهذا العبد كحقل القمح الصالح يفيض بالرزق الوفير والبركات.

التزكية إذاً هي أشبه ما تكون بنتيجة للتلاوة وللتدارس لكتاب الله سبحانه. نحن نقر أن تزكية النفس بالقرآن هي نتيجة لعملية التلاوة وعملية التدارس، لكن كما قلنا هذه النتيجة وهذه التزكية إنما تحصل رويدًا رويدًا مع عملية التلاوة ومع عملية المدارسة، فأنت تتلو شيئًا وتتدارس شيئًا فتزكو شيئًا، ثم تتلو شيئًا وتتدارس شيئًا فتزكو أكثر، ثم تتلو شيئًا وتتدارس فتزكو أكثر وأكثر، وهكذا تبقى العمليات متوازية. هذا ما نقصده، نحن نقر أن تزكية النفس بالقرآن لا بد وأن يكون قبلها تلاوة وتدارس، لكن التلاوة بمنهج التلقي والتعلم بمنهج التدارس ليست عمليات ستفرغ منها تمامًا ثم ترتقي للتزكية، لا ليس هذا هو المقصود، وإنما كلما تلوت جزءًا وتدارست جزءًا زكت نفسك رويدًا، ثم تتلو جزءًا وتتدارس جزءًا فتزكو رويدًا، وهكذا تستمر العمليات متناغمة مع بعضها البعض.

فالتزكية إذاً هي نتيجة بالتأكيد للتلاوة وللتدارس لكتاب الله سبحانه، إلا أن هذه النتيجة، لاحظ التزكية التي هي ثمرة التلاوة بمنهج التلقي والتعلم بمنهج التدارس، هذه تزكية لن يتم استثمارها على الحقيقة ولا تحصيلها على التمام إلا إذا التُقطت وأُخذت بمنهج تدبر. إذاً ليس بمجرد التلاوة بمنهج التلقي والتعلم بمنهج التدارس فجأة تحصل لك التزكية، لا، بقي عليك أن تصنع شيئًا حتى تحقق التزكية يا عبد الله. أعيد هذا الكلام مرة أخرى، ليس مجرد التلاوة بمنهج التلقي والتعلم للقرآن والتعليم بمنهج التدارس سيوصلك مباشرة إلى التزكية، لا هناك خطوة في عملية التزكية لا بد منها، وهي أن التزكية ستتم بعملية أو منهج التدبر. وهنا الآن سنبدأ أكثر وأكثر نتعرف على ما هو حقيقة التدبر، ما المراد بتدبرك ربنا سبحانه وتعالى. إذاً التزكية هي نتيجة للتلاوة والتدارس، إلا أن هذه النتيجة لن يتم استثمارها في الحقيقة ولا تحصيلها على التمام إلا إذا التُقطت بمنهج التدبر؛ إذ التدبر هو الذي يورث القلب الاعتبار ويمنح النفس العزيمة على الدخول في الأعمال. فالحقائق الإيمانية والحكم القرآنية لا تصطبغ بها النفس إلا عند التدبر والتفكر.

وذلك هو معنى أصلًا التخلق بأخلاق القرآن، حيث تصبح تلك الحقائق الإيمانية والحكم القرآنية خُلقًا طبيعيًا للمسلم. وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها بوصفها لحبيبي وقرة عيني محمد صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن». كان خلقه القرآن كما قلت ليس مجرد الأخلاق السلوكية، لكن الخُلق هنا كلمة عامة عميقة جدًا في دلالتها. كان خُلقه أي كان طبيعته وسجيته القرآن، يعني صلى الله عليه وسلم الحقائق الإيمانية والحكم القرآنية اصطبغت بنفسه بثمرة التدبر ومدارسة كتاب ربه سبحانه وتعالى، فأصبحت هذه الحقائق القرآنية خُلقًا وطبيعة وسجية له، فصح حينئذ أن تقول عائشة كان خُلقه في سجيته وطبيعته وصبغته القرآن. وهذا ما نريد أن نرتقي به في أنفسنا، كيف تصبح سجيتنا وطبيعتنا وصبغتنا هي كلام ربنا سبحانه وتعالى.

والتدبر وإن كان أمرًا ممكنًا حصوله مع الخطوتين السابقتين إلا أنه لا بد لتحصيل نتائجه التخلقية بصورة تربوية صحيحة تورث زكاة النفس وجمالها من أن تكون له في النفس والوجدان خطوة خاصة. يعني أنت ممكن تمارس التدبر أثناء تلاوة القرآن بمنهج التلقي وتعلم القرآن بمنهج التدارس، لكن التدبر بمعناه العميق لا بد وأن يكون له شيء خاص به وطعم خاص به. قال: والتدبر وإن كان أمرًا ممكنًا مع الخطوتين السابقتين، إلا أنه لا بد لتحصيل نتائجه التخلقية أن يصبح الآن صبغة وحقيقة، من أن تكون له في النفس والوجدان خطوة خاصة يتفرغ القلب لها بجامع شعوره وكامل حضوره في عملية التدبر. إذاً تحتاج إلى أمر نفسي وجداني، تحتاج عملية التدبر إلى خطوة خاصة يتفرغ القلب لهذه العملية بأن يجمع شعوره وأن يكمل حضوره وأن يلم هذا القلب شعثه لاستخلاص الهدايات التي وردت بها الآيات واستخلاص سبل التخلق بهذه الآيات. خطوة خاصة، هذه الخطوة تلي عملية التلاوة وتلي عملية التدارس، لكنها لا تنتهي بنهاية المجلس الذي عقدته لهذه الغاية لغاية التدبر، بل إن عملية التدبر تستمر في النفس حركة وجدانية لا تتوقف أبدًا. يعني التلاوة ستنتهي بمجرد أن تنتهي وتفرغ من قراءتك للنص القرآني، التدارس سينتهي بمجرد ما ينتهي مجلس التدارس، لكن التدبر لا ينتهي، لا يكون مجرد عملية محددة ثم بعد ذلك تنتهي. لا، الشيخ فريد يقول التدبر عملية وجدانية لا تتوقف أبدًا، تلك هي ثمرة القرآن الكريم. فالتدبر هو التخلق بالقرآن، تدبر القرآن هو الذي سيجعلك متخلقًا بالقرآن، وهذا أمر مستمر متواصل في حياتك في باطنك وفي ظاهرك، وليس مجرد عمل آني تتخلق بالقرآن فترة ثم بعد ذلك تنتهي، هذا لا يكون أبدًا، بل تستمر في النفس حركة وجدانية لا تتوقف أبدًا، وتلك هي ثمرة القرآن الكريم التي يتذوقها الربانيون.

الآن سيقول لكم الشيخ فريد الأنصاري: فما التدبر إذاً؟ أنه يا شيخ فريد أعطنا باختصار، أنا أطلت في بعض الأفكار وأشعرتمونا أن التدبر عملية غامضة عملية وجدانية، هل هذا هو التدبر؟ يقول: فما التدبر؟ فهمنا أكثر يا شيخ فريد ماذا يعني تدبر القرآن؟ لما ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، ما معنى التدبر؟ ولما يقول ربنا سبحانه وتعالى ذامًّا لمن لا يتدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: 24]، ما المقصود إذاً بالتدبر بعبارة أعمق وأوضح يا شيخ فريد؟ التدبر في اللغة، الآن هو يطرح سؤالًا فيقول: ما التدبر إذاً؟ واسمعوا هذا الكلام حتى تعرفوا الفرق بين التدبر وبين التفسير للقرآن، إن هذا شيء وهذا شيء، وإن كان التفسير يقود إلى التدبر ولابد. قال: تدبر الشيء في اللغة، نقول فلان تدبر الشيء يتدبر بمعنى تتبع دُبُره، أي نظر في مآلاته وإلى أواخره وإلى عواقبه. هذا معنى كلمة التدبر باللغة، التدبر في اللغة هو النظر إلى أواخر الشيء وإلى عواقب الشيء وإلى مآلاته، كيف هو صار إليها؟ كيف يكون الشيء على هذا؟ فهمتم هذا معنى التدبر، أن تنظر إلى مآلات الشيء النهائية وإلى عواقبه الأخيرة وإلى مآلاته، تمام؟ هذا التدبر في اللغة.

أما التدبر في المفهوم القرآني فلا بد أن يكون له علاقة إذاً بالمفهوم اللغوي. التدبر في المفهوم القرآني هو، واسمعوا هذا الكلام جيدًا، هو أنك إذ تقرأ القرآن وتتعلم وتدرس القرآن، تنظر إلى مآلات هذه الآيات وإلى عواقبها في النفس وفي المجتمع، اكتبوا هذا التعريف عندكم إخواني. هذا هو التدبر، التدبر هي العملية الختامية، هو أنك إذا قرأت الآيات بمنهج التلقي وتعلمت وتدارست وفسرتها ابتداءً في منهج التدارس، تنظر إلى مآلاتها وإلى عواقبها الختامية في نفسك وفي مجتمعك. فتبصر حقائقها الإيمانية إبصارًا فتكتسب بذلك من الصفات الوجدانية ما يعمر قلبك بالإيمان، ويثبت قدمك في طريق المعرفة الربانية، ويضعك على صراط السير إلى التخلق بأخلاق القرآن. إذاً التدبر هو أن تنظر إلى مآلات الآيات، إلى عواقبها، إلى ختاماتها في نفسك وفي مجتمعك. هذه الآية أنا تلوتها وفسرتها بالمدارسة وفهمت معناها العام، الآن ما مآلاتها وما عواقبها؟ وما آثارها التي يجب أن تظهر في نفسي وفي مجتمعي وواقعي الذي أحيا فيه؟ نظرك في مآلات الآيات وفي عواقبها وآثارها التي يجب أن تظهر على نفسك وفي واقعك الاجتماعي، هذا هو التدبر. هذا هو التدبر، إذاً مفهوم التدبر مفهوم أعظم من مفهوم التفسير فقط.

وبيان ذلك، الآن سيوضح أكثر وأكثر الشيخ فريد، يقول: إن منطلقك الأساس في طريق الربانية والتعرف على الله سبحانه هو أن تتعرف على القرآن، بل أن تكتشفه، ولذلك جاء الخطاب القرآني يحمل أمر القراءة للقرآن تلاوةً وترتيلًا، وأمر التعلم للقرآن مدارسةً، وأمر التدبر للقرآن. جميل، والتدبر هو غاية كل ذلك، ونتيجة التدبر هي الثمرة النهائية لتلاوة القرآن والثمرة النهائية لتدارس القرآن. التدبر هو الثمرة النهائية من تلاوة القرآن بمنهج التلقي ومن تعلم القرآن بمنهج التدارس، فالتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ لأن التدبر كما قلنا هو أن تنظر بعد فهمك النص إلى مآلاته وإلى عواقبه في نفسك وفي واقعك الذي تحياه، ولذلك قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، فجعل غاية الإنزال للقرآن الغاية النهائية، كتاب أنزلناه إليك مبارك، لماذا يا رب؟ هل قال...

في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. ذكر سبحانه في سورة ص الغاية النهائية العلية الشريفة من إنزال القرآن وهي التدبر. صحيح في نصوص أخرى ذكر التلاوة وذكر التعلم، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ [الجمعة: 2]. ذكر التلاوة والتدارس في آيات أخرى، لكن عليك أن تعقل عبد الله أن التلاوة والتدارس هي في النهاية الوسائل، وأما الغاية العظمى النهائية فهي التدبر، وهي ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾. فالتزكية بمنهج التدبر، هكذا هي الفكرة؛ ففي سورة ص اهتم سبحانه وتعالى بذكر الغاية النهائية، ولم يذكر الوسائل قبلها، فقال: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، فأعطاك الخلاصة والخطوة النهائية.

فجعل غاية الإنزال للقرآن هو التدبر، فالتدبر هو المنهج القرآني المأمور به لقراءة القرآن العظيم. ومن هنا زجر سبحانه وتعالى الناس الذين لا يتدبرون فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ما قال أفلا يتلون القرآن، ما قال أفلا يتدارسون! زجر من لا يقوم بالوظيفة الختامية، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾؛ معناه يا إخواني قد نكون نحن في مشكلة، وقد يكون هذا الزجر وهذا القرع الإلهي نحن مخاطبون به ونحن واقعون فيه، هو أننا ما زلنا قد نتلو القرآن، بل قد نفسر شيئاً من القرآن، لكن الله سبحانه وتعالى ما قال أفلا تتلون القرآن، ما قال أفلا تجلسون مع القرآن، بل قال سبحانه وتعالى زاجراً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. وقال في سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، مع أنه في سورة النساء هذه الآية المخاطب بها كان الكفار أصالة، فالكفار أصالة أيضاً مخاطبون بتدبر القرآن، فإذا كان التدبر عباد الله خوطب به الكفار، فلا نخاطب به نحن؟ ألسنا نحن أحق به أهل الإيمان؟

فتدبر القرآن وآيات القرآن إذاً هو كما ذكرنا إخواني، ويقول الشيخ فريد الأنصاري: هو النظر إلى مآلات هذه الآيات وإلى عواقب هذه الآيات وإلى الآثار التي يجب أن تثمرها هذه الآيات في أنفسنا وفي مجتمعاتنا وفي واقعنا. هذا هو التدبر، وذلك بأن تقرأ الآية من كتاب الله -سيعطيك الآن منهج التدبر- فتنظر إن كانت هذه الآية متعلقة بأخلاقك بنفسك بحياتك الشخصية، تنظر إلى موقع هذه الآية من نفسك، وإلى آثارها على قلبك وعلى عملك وعلى سلوكك. تنظر ما مرتبتك أنت من هذه الآية؟ وما موقعك أنت من تطبيقها أو مخالفتها؟ وما آثار ذلك كله على نفسك؟ وما تعانيه من قلق واضطراب في الحياة الخاصة والعامة؟ تحاول بذلك كله أن تقرأ سيرتك الشخصية عبد الله في ضوء هذه الآية باعتبارها مقياساً لوزن نفسك وتقويمها، وهو مقياس حقيقي ومقياس حق لأنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى، وتحاول أن تعالج أدواءك بدوائها، وأن تستشفي نفسك بوصفتها.

ما أروع هذا الكلام إخواني! هذا الكلام هو أروع شيء في فهم حقيقة التدبر، اعقلوه جيداً وعضوا عليه بالنواجذ. إخواني التدبر هو أن تنظروا في مآلات هذه الآيات على أنفسكم إن كانت هذه الآيات تتكلم عن النفوس؛ تنظر ما موقعكم من هذه الآية؟ هل مارستم هذه الآية؟ هل تخلقتم بها؟ أن تجعلوا هذه الآية علاجاً لمرض نفسي إن كانت تتكلم عن أمراض نفسية تعانون منها، هذا هو التدبر، وأن تستكشفوا أنفسكم وكوامنكم في ضوء آيات كتاب الله. هذا والله هو التدبر المقصود، لأنه هو الذي يعطينا تزكية النفس بالحقيقة.

قالوا وأما إن كانت الآيات تتعلق بالمجتمع وتتكلم عن المجتمع وليس عن أنفسنا، تتكلم عن الحياة، فعليك أن تنظر في سنن الله سبحانه في هذا المجتمع كيف وقعت؟ وكيف تراها اليوم تقع؟ كيف وقعت في الماضي؟ وكيف تراها اليوم واقعة في حياتك؟ وكيف ترى سيرورة هذا المجتمع وسيرورته في ضوء المنهج القرآني وهذه الآية القرآنية، عند المخالفة لها وعند الموافقة لها. يعني إذا كان عندك آيات تتكلم عن سنن الله في المجتمعات، فتنظر في واقع المجتمع الذي تحيا فيه، هل مجتمعنا يسير في ضوء هذه الآية أم مجتمعنا مخالف لهذه الآية؟ عملية تنزيل الآية على واقعك الذي تحياه، أن تقيس مجتمعك على ضوئها، هذه عملية التدبر؛ هذه عملية التدبر الحقيقية التي سترتقي بقلبك ووجدانك إلى سماء الحياة مع القرآن الكريم. ثم تنظر بعد ما علاقة ذلك كله بالكون والحياة والمصير، ثم ما موقع نفسك أنت من هذا كله.

إذاً عملية التدبر اتضح مرادها في مفهوم القرآن كما جلاه لنا الشيخ البارع فريد الأنصاري، ليست هي عملية التفسير؛ عملية التفسير هذه تكون في الخطوة الثانية، في تدارس القرآن وتعلم القرآن، التدبر هي الخطوة الثالثة الأخيرة؛ النظر في مآلات الآيات. وعرفنا التدبر لغة أن تنظر في دوابر الأمور يعني في عواقبها ومآلاتها. فإذا تدبرت الآيات، أن أنظر في مآلاتها وعواقبها وآثارها على نفسي وعلى مجتمعي، فأستكشف نفسي، أمراض النفوس، آفات النفوس، أخلاقي، سلوكياتي، أستكشفها بميزان الآية القرآنية. وأستكشف مجتمعي وواقع الحياة التي أحياها، هل هي تسير على منهاج الله أم هذه المجتمعات عندها انحراف، وما أوجه الانحراف؟ أستكشفها من واقع آيات الله سبحانه وتعالى، حينئذ تستطيع أن تقول عن نفسك إنك تدبرت. وأما قبل أن تنظر في مآلات الآيات وعواقبها في نفسك وفي مجتمعك، ترى أنت لم تقم بالتدبر بعد، وإنما أنت خلص فهمت معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، لكن ما تجليات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على نفسك؟ هل أنت فعلاً في قلبك وفي وجدانك جردت قلبك؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كتفسير هذا في مجالس القرآن وتعلم القرآن في الخطوة الثانية، لكن النظر في مآلات وعواقب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على نفسك، هذا هو التدبر. أن تنظر أنا لما أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هذه الآية، ما عواقبها وآثارها ومآلاتها على نفسي؟ هل أنا فعلاً في داخلي وفي وجداني أشعر بتفرد الله بالهيمنة والملك والتدبير والسيطرة على هذا الكون؟ هل هذه الآية تحيا في وجداني وفي سلوكياتي وفي واقعي أم أنا أرهب من غير الله وأرجو غير الله وأستغيث بغير الله وقلبي بغيره يتكل على غيره؟ إذا كنت لا تنظر في كل هذه الأمور في نفسك وإنما تفهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بمجرد معناها الظاهري إفراد الله سبحانه وتعالى فهذا تفسير وليس تدبراً، هذا تفسير وليس تدبراً؛ عليكم أن ترتقوا عباد الله.

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1] برب الصبح والفجر، لما تقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ أن تعرف ما معنى الفلق وتعرف أن معنى أعوذ أي أستجير برب الفلق، هذا تفسير، هذا ليس تدبراً. التدبر هو أن تنظر في نفسك؛ هل أنا أستجير وأعتصم وأدخل في حمى الله سبحانه وتعالى لما أقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾؟ هل أشعر بهذا في نفسي أم أنا غافل عن هذه المشاعر؟ أنا ألتجئ إلى المخلوقين ودائماً في قلق واضطراب، إذا كنت دائماً في قلق واضطراب وحيرة وشكوك ولا تستطيع أن تسقط ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ على قلبك، وأن تلتفت إلى علاقة هذه الآية بوجدانك، فاعلم أنك لم تتدبر القرآن بعد. أن تتدبر القرآن أن تنظر في مآلات ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ في مآلات ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1] واقعها على نفسك وكيف تعالج نفسك في ضوئها، ما معيارك القلبي والوجداني بالنسبة إليها؟ هل أنت معها أم لا تزال بعيداً عنها؟ هذا هو التدبر إخواني، هذا هو التدبر الذي سيرتقي في الحياة مع القرآن حياة حقيقية تنسجمون وترتقون به رويداً رويداً حتى نصل إلى النفس الزكية الطيبة الطاهرة.

يقول الشيخ فريد الأنصاري: تبين من ذلك كله إذاً أن هناك فرقاً أساسياً بين التدارس الذي هو التفسير وبين التدبر، رغم وجود تداخل منهجي بالتأكيد بين جميع العمليات والخطوات، لأن التدارس سيساعدك على التدبر والنظر في مآلات الآيات، صح؟ فهناك تداخل، لكن في الحقيقة هذا مفهوم وهذا مفهوم وإن كانا يلتقيان ويشتركان بشكل متوازن في الطريق. فالتدارس للقرآن عملية تعليمية تشتغل من داخل النص القرآني، التدارس هي عملية تعليمية، أن تشتغل بداخل النص القرآني لا تنظر في مآلاته على نفسك وعلى واقعك الاجتماعي؛ لا، التدارس والتفسير هو أن تشتغل بالنص بداخل النص، تفهم معناه وتعرف كيف تلفظه وكيف تنطق به دلالة العامة، هذا هو التدارس. إذاً هو عملية تعليمية تشتغل من داخل النص لا من خارجه، وينتجها العقل في علاقته بنص الخطاب القرآني مباشرة وفي ارتباطه باللغة، الأسلوب المستعمل، البلاغة إلى آخره، على قدر ما تتيحه تلك اللغة من معان ومن حكم ومن دلالة، فباختصار أن تفهم الدلالات اللغوية للنص، الأساليب البلاغية للنص، كيف استعمل النص أساليب العرب، هذا كله تدارس، أن تشتغل بالنص وحده، تدارس، تفسير.

أما التدبر فليس عملية تعليمية حقيقة، بل هي عملية قلبية ذوقية محضة. التدبر في واقعه عملية قلبية؛ لأن عملية إسقاط النص على قلبك فهذه ليست عملية تعليمية تحتاج لدراسة بل عملية قلبية وجدانية، إسقاط النص على نفسك، هذه عملية وجدانية وليست عملية تعليمية تحتاج أساساً لأستاذ يبدأ يعلمك هكذا تسقط النص على نفسك؛ لا، هذا أنت تمارسه في وجدانك وفي حياتك وفي روحك. بينما التدبر عملية قلبية ذوقية محضة، فهي وإن صاحبت وكانت متناغمة معه فهي واقعة في النفس لا في النص. عملية التدبر في الحقيقة هي ليست عملية في النص وإنما عملية في النفس؛ التدبر ليس عملية تمارسها على نفس النص، هي عملية نقل النص إلى النفس، وعملية نقل النص إلى المجتمع وإلى الواقع، هذا هو التدبر؛ فهي إذاً عملية تمارسها على النفس وليس على النص، إنها حركة وجدانية. التدبر حركة وجدانية تجري خارج النص القرآني، فأنت لا تتعامل الآن مع الألفاظ، أنت تتعامل في التدبر مع مآلات الألفاظ وعواقبها على واقعك النفسي والاجتماعي.

أن تتلقى المعاني والحكم من التدارس، عملية التدبر أنت ابتداءً تتلقى معاني الألفاظ وحكم الألفاظ من عملية التدارس السابقة، ثم تدخل هذه المعاني وهذه الحكم إلى أعماق النفس، أو تخرج بهذه المعاني وبهذه الحكم إلى أحوال المجتمع لترقب نفسك ومجتمعك معاً على موازينها. كلام عال جداً إخواني، حقيقة قل أن تظفروا به؛ التدارس والتفسير هو أن تأتي بالمعاني للنص فتفهم عموماً، ثم عملية التدبر أن تأخذ ما أثمرته عملية التفسير والتدارس لتنطلق بهذه المعاني إلى نفسك وإلى واقعك الاجتماعي، فتقيم نفسك وتعالج نفسك وتقيم واقعك الاجتماعي وتعالج واقعك الاجتماعي على ضوء هذه المعاني؛ ما أجمل وما أروع هذا الفهم لتدبر القرآن الكريم!

تراقب النفس والمجتمع معاً على موازينها، تشخص الأمراض والأسقام الواقعة بهما، ثم تنظر إلى وصفات العلاج التي قدمتها هذه النصوص لهذه الأمراض؟ كيف تتعامل مع هذه الأمراض؟ كيف تستشفي بها؟ وذلك باختصار هو عين التخلق بأخلاق القرآن والتزكية بأنواره، فهذا إذاً التدبر عمل في النفس وفي المجتمع، لا في النص القرآني أساساً. عملية التدبر يعني أكثرنا يظن أنها عملية تتعلق بالنص وبذات النص وهذا فهم خاطئ للتدبر، التدبر عملية أخذ معانٍ وإسقاطها على النفس والمجتمع باختصار. إذاً فهذا عمل في النفس وفي المجتمع، لكن النص القرآني وإن كان مداره هو النص القرآني، وذلك هو المقصود بالتدبر إذاً للقرآن في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

ما الفرق إذاً بين التدبر وبين التفكر؟ قال وهنا نلج إلى باب آخر من أبواب القرآن رديف للتدبر بل هو جزء منه، وذلك هو التفكر. إن التفكر غالباً -لاحظوا استعمال القرآن لمفهوم التفكر- مذكور في القرآن في سياق النظر إلى خلق الله الكوني؛ هذا عادة القرآن في استعمال مصطلح التفكر، والتأمل في بديع صنع الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191]. فمصطلح التفكر أساساً الاستعمال القرآني له أنه تفكر في الخلق المشهود في هذا الكون وليس التفكر في الآيات القرآنية؛ نحن نلاحظ أن مصطلح التدبر استعمل للآيات القرآنية، النظر في الآيات المستورة، وأما مصطلح التفكر فإنما استعمل عادة في الآيات المشهودة المنظورة.

فهناك فرق ربما يسير بين التدبر والتفكر؛ التدبر النظر في عواقب الآيات المقروءة، النظر في عواقب ومآلات الآيات المقروءة في النفس وفي المجتمع، أما التفكر هو النظر في مخلوقات الله المشاهدة في هذا الكون، والتعرف على الله سبحانه وتعالى من خلالها، إذاً ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 191-193]. يقول الشيخ: فكل هذه الأدعية العابدة الحارة الخاشعة الباكية إنما هي نابعة عن الإحساس الحاصل للعبد بعيد فكري في خلق الله؛ فاقرأ الآيات وتدبر، تجد أن المؤمن لما يسيح في جنبات الكون الفسيح يشعر بعظمة الله الواحد القهار إلى آخره، وبما أن هذا كتاب يحيل المتدبر له -لاحظوا ماذا يقول هنا- وبما أن هذا القرآن العظيم كتاب يحيلك أيها المتدبر.

النصوص القرآنية تحيلك على سعة الكون وامتداده الفسيح، وترجع به أي بالإنسان المتدبر إلى كشف كثير من أسرار الوجود وغرائب الخلق، فنستطيع أن نقول إن التدبر هو المنهج الرباني لقراءة القرآن، الذي يحيل الإنسان على التفكر الذي هو المنهج الرباني لقراءة الكون. هذا نص رائع؛ يقول: التدبر هو المنهج الذي أراده الله سبحانه للتعامل مع القرآن، وهو يحيلك في كثير من الآيات وفي كثير من الأوقات إلى التفكر، أي يقودك إليه.

التفكر هو المنهج الرباني لقراءة الكون، والتدبر منهج رباني لقراءة القرآن. والتدبر في القرآن يقودك إلى التفكر في الكون، فيكون كل متدبر للقرآن متفكراً في الكون. لاحظوا كيف الآية القرآنية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191]. لاحظ أن تدبرك لهذه الآية التي في آل عمران سيقودك قطعاً ولابد للتفكر في الكون، فالتدبر إذاً قادنا ووجهنا وأحالنا على التفكر.

إذاً فيكون كل متدبر للقرآن متفكراً في الكون، فتقرأ بقراءة القرآن المسطور كل آيات الله المنظورة المشاهدة في هذا العالم. وبذلك كله يتم لك شيء آخر وهو الإبصار، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]. إن التدبر والتفكر كليهما يعتبران بمثابة الضوء أو الشعاع المسلط على الموجودات، تماماً كما تسلط الشمس أشعتها المشرقة على الموجودات فتبصرها حينئذ الأعين الناظرة. فكذلك التدبر يكشف حقائق الآيات القرآنية لأنه منهج القرآن، والتفكر يكشف حقائق الآيات الكونية لأنه منهج الكون. حتى إذا استنارت هذه الآيات القرآنية وتلك الآيات الكونية، أبصرها المتدبرون والمتفكرون واتضحت لهم خارطة الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. هكذا وجب علينا أن نقرأ القرآن آية آية، ثم نتعلم ونتدارس، ثم نتدبر، ثم بعد ذلك نصل إلى البصيرة.

عسى أن ترى عبد الله ما لم تره، وأن تدرك من حقائق الوجود ما لم تدرك من قبل، فتكون حينئذ المتدبر بحق. إذاً ذلك كله هو أساس التزكية، ومقياس التصفية، ومنهاج التربية، وسلم العروج إلى رضا الرحمن. فاقرأ القرآن أولاً بمنهج التلقي، وتعلم القرآن بمنهج التدارس، ثم زكِّ نفسك بمنهج التدبر، وحينئذ ستنكشف لك خارطة الطريق وتبصر أموراً لم ترها أبداً. اصبر على هذا المنهج، فإن كل آية من القرآن الكريم تتلوها وتتدارسها وتتدبرها تسلمك إلى آية أخرى تفتح لك باب أسرارها وأنوارها فتهبك المعرفة؛ تهبك معرفة جديدة بنفسك وبمجتمعك وبربك، وتبني لك من شخصية ما لم تستطع أنت بناءه من قبل. هذه الآيات ستكشف لك نفسك، وستكشف لك الطاقات الكامنة فيك، وتقومها على منهاج قويم على ميزان رب العالمين سبحانه وتعالى.

هنا انتهى كلام الشيخ رحمة الله عليه في كيفية الحياة مع القرآن والوصول إلى الغاية المقصودة منه. ودعوني سريعا، وأنا أدرك أني أطلت عليكم، أعود لأقرأ كلامه في الرسالة الرابعة في القرآن؛ فمن يتلقاها؟ لأن كلامه الذي قرأته قبل قليل هو شرح موسع، وما سأقرأه الآن في رسالات القرآن الرسالة الرابعة حول مفهوم التدبر هو اختصار لما بسطته قبل قليل يرتب الأفكار. يقول الشيخ في الرسالة الرابعة حول مفهوم التدبر؛ هناك طالب علم سأل الشيخ فريد الأنصاري عن قضية التدبر فماذا قال؟ كتب أخونا سعد كلمات قيمة، ترجم فيها إشكالاً مهماً أو شبهة تعرض لكثير من الناس حول تدبر كتاب الله ومدارسة آياته. وكان فيما قال سعد: شيخي، لا شك أنه من اللافت فعلاً إعراض الناس عن القرآن الكريم؛ فأغلب الناس اليوم لا يقبلون على القرآن إلا مرة في السنة أو في سنوات. ثم قال: يا شيخي يبدو لي أن أحد الأسباب التي تكمن وراء إعراض الناس عن القرآن الكريم هو تهيب الإقبال على القرآن. هذا ما ذكرت، وقلت لكم قبل قليل إن بعض الناس يخاف ويهاب من عملية التدبر ويظن أنها عملية تختص بالعلماء الكبار، وهذا مفهوم مغلوط.

ولعل أحد الأسباب التي تكمن في إعراض الناس عن القرآن هو تهيب الإقبال على القرآن مباشرة من دون واسطة عالم. صحيح أن من الناس من يترك هذا التدبر ويعرض عنه لأنه لا يعرف قيمة القرآن أساساً، لكن هناك أيضاً قسماً كبيراً من المسلمين يحبون القرآن ويعظمونه، لكنهم يخافون أن يعملوا فكرهم في آيات الله حتى ولو كان ذلك بحضور التفسير بين أيديهم؛ لأنهم يرونه شيئاً جديداً غير مألوف، أو يراه بعضهم اجتراءً على الله سبحانه وتعالى. فما هي الضوابط التي ينبغي الالتزام بها أثناء عملية تدارس القرآن وعملية تدبر القرآن؟ ما الذي يضمن أن العبد لن ينجرف وراء خواطر شيطانية أثناء تفكيره في القرآن وهو يظنها خواطر رحمانية؟ وإلى أي حد يمكن أن يقول هذا العبد المسكين برأيه في استخراج معاني القرآن وفي تدبر حقائقه الإيمانية؟ أعتقد أن توضيح هذه النقاط يا شيخي مهم للغاية، خاصة وأنني أعرف بعض الصالحين ممن يخافون فعلاً أن يتدبروا القرآن.

هنا الشيخ فريد الأنصاري سيبدأ يجيب عن هذا الاستشكال المهم الخطير، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيك أخي سعد، تساؤل في غاية الأهمية وملحوظة في غاية الدقة. ولقد أشرت إلى بعض حقائق التدبر في كتيب «مجالس القرآن» الذي كنا نقرأه الآن قبل قليل، وكشفت هنالك عن طبيعة هذا الإشكال وجليته. ولقد استقريت بتوفيق الله ضابطاً لمجلس التدارس والتدبر للقرآن. إخواني هذا واجب عليكم، كتاب «مجالس القرآن» بعد الفصل الذي قرأته لكم قبل قليل هناك فاصل عقده الشيخ فريد الأنصاري في منهج مجالس التدارس؛ ما هي الآداب العشرين والخطوات العشرين التي يجب أن تكون حاضرة في مجلس تدارس القرآن ومجلس تدبر القرآن؟ لأنه قد يكون مجلساً للتدارس والتفسير، وتستطيع أنت أن تحوله أيضاً لمجلس للتدبر في مآلات النصوص، تساعد أنت نفسك وإخوانك على هذا الأمر. فهناك ضوابط عشرون ذكرها الشيخ في «مجالس القرآن»، واجب عليكم أن تقرؤوا في بداية هذا الشهر الكريم حتى تقيموا تدارس القرآن في أسركم وفي عائلاتكم في هذا الشهر الكريم بناءً على ضوئها لتثمر هذه المدارسة واقعاً عملياً.

المهم، فالشيخ يحيلكم على ذاك الكتاب «مجالس القرآن» لتقرؤوا العشرين ضابطاً. يقول: ولعل الأحبة يجدونها في الطبعة الجديدة لكتاب المهمة. يكفي إن شاء الله وبثقة، وإنما الذي أفزعني ها هنا هو ما حاكاه سعد عن بعض الإخوان من استعظامهم وتهويلهم لفعل التدبر، ولإنكارهم على المتدبر بما يشبه السخرية منه. ولذلك فقد أحببت نزع ما يلقيه الشيطان في النفس تحت ستار الورع؛ الشيطان يعطيك أنه لا بد أن تتورع ولا تتدبر القرآن، خليك متورع وإياك أن تجترئ على الله، يعطيك هذه الكلمات وهو في الحقيقة يريد أن يحجزك وأن يبتعد بك عن تدبر القرآن والنظر في مآلاته على نفسك وعلى مجتمعك. فقد أحببت نزع ما يلقيه الشيطان في النفس من الصد عن تدبر كتاب الله تحت ستار الورع وحرمان الأمة من أصل في منهاج التعامل مع رسالات الله: منهج التدبر.

ويمكن توضيح القول بطريقة أخرى ها هنا تختلف عن الطريقة التي ذكرتها في كتاب «مجالس القرآن»، وبيان ذلك هو كما يلي: أولاً لابد من بيان أن التدبر غير التفسير، وهذا كررته لكم مراراً؛ التدبر غير التفسير، هذا أمر مهم جداً. وأنا أدرك أن بعض العلماء المعاصرين قد استعمل التدبر بمعنى التفسير، لكن هذا غير صحيح. فالتفسير هو بيان وشرح للمعنى فقط، بينما التدبر هو اتعاظ بالمعنى، يعني نظر في مآلاته، ما شرحناه لكم قبل قليل بالتفصيل، وبينهما فرق كبير. إن التفسير من «الفسر»، والفسر في اللغة هو الكشف والبيان؛ ولذلك سمي بيان وكشف معنى الكلمات في كتاب الله «تفسيراً»، لأن التفسير هو الكشف. فالتفسير يكشف اللثام عن المعاني اللغوية والسياقية وعن المعاني الشرعية من خلال استعمال قواعد التفسير المعروفة عند أهل التفسير، وهذا هو علم التفسير الذي يتخصص به.

بل كنا مع بعض إخواننا نتدارس كتاب الشيخ العلامة عبد الرحمن حبنكة الميداني، كتاب «قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله»، ففي الحقيقة وجدنا أنه كتاب ليس في قواعد التدبر، وهذا الكتاب إن شاء الله لنا وقفة معه في رمضان، المهم الكتاب قال: وجدته ليس في قواعد التدبر، وإنما هو في قواعد التفسير. فهنا الشيخ فريد الأنصاري يقول إن الشيخ عبد الرحمن حبنكة سمى كتابه «قواعد التدبر»، لكن التسمية الحقيقية التي يجب أن تكون له هي «قواعد التفسير»؛ لأنه لم يتطرق بكثرة إلى ممارسة عملية التدبر، وإنما كان يتكلم عن مجرد عمليات والقواعد التي تكشف النص القرآني، وهو كتاب عميق ومن الدقة بمكان، لكنه لا يتكلم عن التدبر وإنما يتكلم عن التفسير، يعني كشف المعاني ولا ينتقل بك إلى إسقاط المعاني على نفسك وعلى مجتمعك.

أما التدبر، فذكرنا لكم قبل قليل ما معناه: هو النظر إلى دُبُر الأمور وإلى مآلاتها وإلى عواقبها وما تؤول إليه. كما يدخل فيه النظر في دُبُر الأمور الواقعة؛ والنظر في مآلات الأمور وفي دُبُرها لا يشترط أن تكون الأمور مستقبلة تنتظر وقوعها، بل حتى تنظر أيضاً في مآلات ونهايات الأمور التي وقعت في الماضي؛ فأنت تنظر إلى مآلات ونهايات الأمور التي وقعت في الماضي لمعرفة ما هي الأسباب والمقدمات التي أنتجت هذه المآلات، وتنظر أيضاً في مآلات ونهايات الأمور التي قد تقع في المستقبل لتجتنبها ولئلا تقع فيها إن كان شراً، ولتقتحمها ولتقترب منها إن كانت هذه المآلات تؤدي إلى خير. إذاً، كما يدخل فيه النظر في دُبُر الأمور، إذاً النظر في دُبُر وعواقب الأمور، أما نظر في دُبُر وعواقب الأمور المتوقعة القادمة، أو نظر في دُبُر الأمور الواقعة الحاصلة مسبقاً.

وهذا يا إخواني التدبر كعملية لا تجدونه في كتب التفسير إلا نادراً، لذلك علماؤنا الكبار قديماً ما اهتموا بكتابة كتب للتدبر، بل الكتب التي بين أيديكم من ابن جرير إلى ما بعد هي كتب تفسير. لماذا؟ لأن التدبر ليس كما قلنا عملية تعليمية، ألم يقل لكم ذلك قبل قليل؟ التدبر عملية قلبية وجدانية على كل مسلم أن يقوم بها على نفسه وعلى مجتمعه. فعملية التدبر ليست عملية تعليمية يحتاج أن يكتب فيها للقرآن الكريم كاملاً، القرآن يحتاجه العلماء في التفسير، فنحتاج إلى كتب المفسرين، لكن بعد أن نأخذ التفسير الصحيح للنصوص القرآنية من كلام المفسرين، حينئذ على كل واحد منا أن ينطلق ليمارس التدبر على نفسه وعلى مجتمعه. لذلك لم يكتب العلماء كتباً في التدبر وإنما كتبوا كتباً في التفسير، ولهذا لا يوجد في كتب التفسير التدبر إلا نادراً؛ يعني قل من يهتم بإبراز جوانب التدبر والنظر في مآلاته وإبراز إيمانيات فيها، قد تجد بعضهم يكتب لطائف من المفسرين، لكن الجانب الأكبر الغالب هو كتب التفسير.

لأن التدبر عمل قلبي شخصي ونظر نفسي، لا ينوب فيه أحد عن أحد، يعني ليس ممكناً أن يجيء ابن كثير رحمة الله تعالى عليه يكتب لك التدبر؛ لأن التدبر هذا عمل يقوم به ابن كثير على نفسه هو وعلى مجتمعه هو، وأنت في القرن الخامس عشر أو الرابع عشر عليك أن تمارس التدبر على نفسك أنت وعلى مجتمعك أنت. لكن ما يهمنا من ابن كثير رحمة الله عليه ومن ابن جرير والزمخشري وابن عطية وأبو حيان وغيرهم من علماء التفسير أن نأخذ منهم تفسير الآيات ومعاني الآيات، حتى لا ننحرف في عملية التدبر، وأن تكون عملية التدبر تخرج من فهم صحيح لمعنى النص. هذا ما نريده من علماء التفسير الكبار، فهو عمل قلبي شخصي ونظر نفسي لا ينوب فيه أحد عن أحد، وهل يستطيع أحد أن ينوب عن غيره في الخوف والرجاء من الله؟ هل يستطيع أحد أن ينوب عن غيره في الإيمان والنشاط؟ هذا ممتنع عقلاً وطبعاً وشرعاً. اللهم إلا ما تعلق بشيء من ربط الأسباب بمسبباتها على المستوى الخارجي وما كان في معناه.

إذاً انتهينا من تفريقي بين التدبر والتفسير، وعرفنا أن التفسير هو كشف معنى النص، وأما التدبر فهو مآلات النص على النفس وعلى المجتمع كما ذكرنا، وبالتالي عملية قلبية وجدانية يقوم بها كل إنسان على حدة. وقد نتشارك مع بعضنا البعض في التقاط هذه الفوائد وهذه الدرر، نعم قد نتشارك ونجلس مجالس للتدبر، لكن علينا أن نعتقد في النهاية أن التدبر عملية شخصية وليست عملية تحتاج إلى قواعد وإلى نصوص وإلى النظر في كلام فلان وفلان. أنت تحتاج النظر في كلام العلماء للتفسير، وليس للتدبر ابتداءً.

ثانياً: إن التدبر غير التفسير، ثانياً: أن التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير؛ لأنك لا يصير أن تمارس التدبر -هذه نريد أن نتفق عليها- لا يصير أن تمارس التدبر على النص القرآني وأنت لا تفهم معناه. هنا يقع الإشكال، أن بعض إخواننا يمارس التدبر وهو لا يعرف معنى النص، فللأسف نأتي بتدبرات محرفة بعيدة غاية البعد عن النص القرآني، وهنا نشأ الفكر الباطني قديماً الذي يعطي لآيات القرآن الكريم معاني لا تدل عليها البتة، فهنا يحدث إشكال، نعم، فيجب علينا أن نتمهل؛ التدبر هي مرحلة ما بعد التفسير، أي ما بعد الفهم للآية.

ما هو الفهم المطلوب للتدبر؟ إذا قلت يا شيخ إن التدبر مرحلة تأتي بعد التفسير، فنحن نرجع إذاً إلى المفسرين. سيقول لك الشيخ فريد الأنصاري: صحيح، أنت تحتاج لفهم الآية أولاً وفهم معناها، لكن ما هو الفهم المطلوب لتحصيل التدبر؟ هل هو الفهم التفصيلي الدقيق لقواعد البلاغة وقواعد الصرف والنحو؟ لا، ليس هذا هو المطلوب. المطلوب منك أن تحصل الفهم الكلي العام الإجمالي، أي الفهم البسيط الأساسي لهذه الآية القرآنية. ولا يشترط في ذلك أن تحقق أقوال المفسرين وهذا رأي ابن جرير وهذا رأي ابن كثير؛ فأنت لا تحتاج إلى كل هذا. تحتاج أن تأخذ تفسيراً معتمداً، أي حد يعطيك المعنى الإجمالي للآية، ثم حلق بعد ذلك في فضاء التدبر؛ حتى يكون تدبرك نابعاً من فهم صحيح للنص قال به العلماء.

وترى في كثير من النصوص يا إخواني ستجدون معانيها واضحة، فمثلاً ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]، لا أظن أنكم بحاجة إلى فتح كتاب تفسير لتفهموا ما معنى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فالمعنى الإجمالي عموماً واضح لديكم، بقي عليكم أن تنطلقوا بهذا المعنى الإجمالي إلى داخل نفوسكم وإلى فضاء العمل. إذاً المطلوب هو فهم المعنى العام الكلي، الفهم البسيط، ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين ولا الغوص في دقائق كتب التفسير؛ وإلا لو اشترطنا في عملية التدبر أن تقف على أقوال المفسرين وأن تحررها وأن تغوص في دقائقها، لصارت عملية التدبر موجهة فقط إلى طائفة محصورة من علماء الشريعة، وأما باقي الأمة فليس لها علاقة بالقرآن. ومن ثم نقول يمكن لأي شخص يا إخواني أن يتدبر القرآن بعد أن يتحقق من المعنى المشهور للآية؛ يقرأه من أي كتاب تفسير معتمد أو يسمعه من أي شيخ متقن في التفسير، وخلصت القضية.

ففهم أو تفسير المعنى الإجمالي للآية عملية ليست معقدة أبداً. كل إنسان مهما كان عمله في الحياة؛ مهندس، طبيب، مزارع، أي إنسان يحسن القراءة -ويجب أن تتعلم القراءة حتى تعرف تقرأ- أو يحسن الاستماع، فسمع تفسيراً صحيحاً للآية من عالم مشهور، أخذ هذا التفسير وانطلق به إلى فضاء التدبر. فهو الآن يمارس عملية التدبر، ويجب عليه أن يمارسها؛ لأن التدبر حركة نفسية باطنية. تنظر إلى صيرورة النفس في الزمان والمكان؛ تنظر إلى النفس في الزمان الذي تحياه وفي المكان الذي تعيش فيه، بالنسبة إلى احتمالين: هل هذه النفس متابعة لهذا النص القرآني مستسلمة لأحكامه؟ أم هذه النفس متمردة شاردة؟ فتنظر في نفسك في علاقتها مع هذه الآية التي فهمت معناها جملةً، فإذا وجدت النفس شاردة عن ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]، فعليك أن تعيدها إلى أجواء ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. وإن وجدتها مقبلة على هذه الأجواء، على أجواء ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]، منصاعة لها تلتجئ إلى ربها، فعليك أن تزيدها ثباتاً على هذا النهج. ففي كلا الأمرين أن ينظر المتأمل إلى مآلات النفس، هذا هو التدبر.

ولذلك كان التدبر لغةً هو النظر إلى أدبار الحوادث، وربط الأسباب بالمسببات فيما وقع وفيما سيقع على المستوى النفسي، وعلى مستوى النفس، وعلى مستوى المجتمع. إن التدبر إذاً هو نظر في الآية باعتبارها مِبصاراً كاشفاً لك عن كوامن النفس وعن حقائق المجتمع؛ يكشف عن أمراض النفس وعن عللها، ويقوم في الوقت نفسه بتهذيب هذه النفس وتأديبها وإعطائها الدواء، وهو يقوم بتزكيتها وتربيتها. ومن ثم فإنه يكفي المتدبر للقرآن أن يعلم المعنى العام للآية. إذاً يا إخواني، هل يجوز أن أتدبر وأنا لا أعرف المعنى العام للآية من كتاب تفسير مشهور أو من شيخ مشهور؟ لا، ما بصير. لكن إذا أخذت المعنى العام للآية، هل أنطلق به إلى فضاء التدبر؟ نعم، لابد وأن تنطلق به إلى فضاء التدبر وأن تفتح على نفسك الآفاق. فعملية التدبر ليست عملية معقدة كما يصورها البعض للأسف، ليست عملية تحتاج إلى الغوص في كلام المفسرين، بل هي عملية يستطيع كل مسلم ومسلمة أن يمارسها؛ لأننا فهمنا ما هو التدبر: النظر في مآلات الآيات على النفس وعلى المجتمع، ويكفي في هذا النظر أن تعرف المعنى الجملي للآية من أي كتاب تفسير إن كان المعنى غامضاً ابتداءً.

ولا شك طبعاً أننا لا نشك أن علم العالم وخبرة المفسر، والإنسان كلما كان أخبر بالعربية وببلاغة العرب، هذا سيعطيه فرصة أكبر بكثير لتدبرات أعمق وأعمق، لذلك علماء التفسير الكبار عندهم تدبرات أعمق من الإنسان البسيط. لكن على الإنسان البسيط أن يمارس التدبر على مستواه؛ نعم، عليه أن يمارس على مستواه. إذاً لا شك أن علم العالم وخبرة المفسر تعطيه فرصة أكبر بكثير لتعميق التدبر في الآيات والوصول بها إلى أرقى الإيمان، ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن غير المختصين بالتفسير أو حتى العوام محجوبون عن التدبر، كلا والله. إن غير العالم، أي الإنسان العامي، لن يعجز عن تدبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وأن ينظر في مآلات الحمد؛ هل أنا أحمد الله سبحانه وأثني عليه؟ أن ينظر في مآلات حمد الله رب العالمين في نفسه وفي مجتمعه. هذا أمر الكل يطيقه والكل يستطيعه. وكذا أن ينظر في مآلات نقيض الحمد؛ لو أننا تركنا حمد الله والثناء عليه، ما عواقب ومآلات نقيض الحمد من النكران والجحود لله؟ كيف ستكون مآلات ذلك؟ هذا هو التدبر يا إخواني.

وإن غير العالم، لو فسرت له الإنسان العامل البسيط لو فسرت له الفلق وقلت له الفلق هو الفجر، أمكنه حينئذ أن يتدبر وأن ينطلق في فضاءاته: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2]. وكذا إذا علم هذا الإنسان البسيط مثلاً آية سورة فاطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: 27]. ستقول لي: نأخذ هذه الآية، صح فيها بعض المفردات قد تكون غريبة، ما معنى الجدد؟ فيذهب هذا الإنسان ببساطته إلى أي كتاب تفسير فيخبره أن الجدد هي الطرق التي تكون في الجبال، هذه الطرق الملتوية في الجبال والتي لها ألوان مختلفة. هذا معنى الجدد، جدد بيض، وطرق أخرى في الجبال تكون حمر. وعندما يقرأ في التفسير معنى الغرابيب السود أنها الصخور السوداء التي تكون في الجبال، خلص أصبح معنى الآية واضحاً. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، هذا الحمد لله واضح للجميع. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، كمعنى واضح للجميع. ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾، اتضح معنى الجدد هي الطرق والمسالك التي تكون في ثنايا الجبل بحمراء وبيضاء وسوداء، وهناك أيضاً صخور سوداء، خلاص فهمت الآية كتفسير، الآن تنطلق بها إلى فضاء التدبر؛ تنظر في عظمة الله في هذا الكون الذي تحيا فيه.

أنه فعلاً هذه السماء تنزل ماء، كيف تخرج الثمرات وتتشقق التربة فتنبت الشجر بأنواعه المختلفة، وتنظر هذه الجبال فيها طرق حمراء وطرق بيضاء وطرق بنية؛ شيء عجيب! تنطلق إلى الغرابيب السود فتنظر إلى هذه الصخور السوداء التي تجدها، من الذي أنزلها؟ لربما هي نيازك نزلت من السماء، طيب كيف نزلت من السماء؟ تبدأ تنظر في هذا الكون العجيب، هذا هو التدبر. لاحظوا أن العملية ما احتاجت أن نذهب إلى تعمقات كتب المفسرين ولا إلى حواشي الحواشي وإلى كلام، هل العملية ببساطتها، عملية التفسير العام انتهت ببساطتها بقراءة أي كتاب تفسير معتمد، ثم بعد ذلك انطلق إلى فضاء التدبر.

عبد الله، ولقد تعمدت أن أمثل بهذه الكلمات القرآنية الغريبة إلى حد ما -يقول الشيخ فريد- وإلا فجمهور، ترى المعجم القرآني، يعني أغلب الآيات القرآنية هي من الميسور، بل إن كثيراً من الآيات القرآنية متداول في اللهجات العربية العامة. فلماذا إذاً لا تتدبر؟ أليس يرى القارئ للآية المذكورة آنفاً، آية سورة فاطر، مشهد نزول الماء من السماء؟ هذا الحمد لله كلنا نشاهده. أليس يرى بعينيه هذا القارئ آثار الغيث كل ربيع في الروابي والجنات والبساتين؟ أليس يرى بعينيه هذا القارئ أشكال الفاكهة والجداول والأنهار والأطيار، بل في الحياة كلها؟ أليس ينظر هذا القارئ إلى الجبال الشاهقة المنتصبة؟ أليس يرى مسالكها وطرقها، أم من بعيد تتلوى حولها خطوط حمراء وبيضاء على حسب لون الصخور والتربة الناشئة لها؟ أليس يعجب من مشهد الحجارة الصماء سوداء راسية على قمم هذه الجبال أو تلك؟ فكل من أبصر عظمة الخالق في عظمة المخلوق، واتخذ من آثار الصنعة؛ يعني أنت بعد كل هذه المشاهد ماذا تريد؟ تريد أن تعرف عظمة الخالق، فعندما تنظر في عظمة هذه المخلوقات وعلى اختلافها وتنوعها وعجيب صنع الله فيها، تعرف أنك تتكلم عن إله عظيم. فهذه الرؤية للمخلوق تقودك إلى الخالق وتعرفك به. فكل من أبصر وشاهد عظمة الخالق من خلال عظمة المخلوق، واتخذ آثار الصنعة مسلكاً يسير به إلى معرفة الله، فهذا هو المتدبر المتفكر، وهذا أمر ليس حكراً على المفسرين ولا على علماء الجيولوجيا الذين يعرفون المعادن والصخور، وإن كان لعلماء التفسير ولعلماء الصخور الجيولوجيين لربما تدبر أعمق من غيرهم، لكن هذا لا يمنع غيرهم أن يمارس التدبر على مستوى من المستويات. نعم، لقد أتاح الله لكل ذي عينين وأذنين وقلب حي أن يسلك إلى ربه عبر ما ييسر الله له من التدبر والتفكر. فبما أن الله رزقك عينين ورزقك أذنين ورزقك قلباً وعقلاً، فأنت بالغ مكلف تستطيع أن تمارس، إذاً تستطيع أن تفهم القرآن وأن تتدبره في الجملة، فعليك أن تمارس التدبر.

ثم ذكر قصة لإنسان بسيط حداد كان عنده في مدينة مغربية، كيف كان الشيوعيون والملحدون يحاولون أن يحرفوا، لكن هذا الرجل مع أنه حداد بسيط كان يفهم القرآن الكريم في الجملة ويعيش تدبرات مع القرآن الكريم؛ وقته وحمته بإذن الله من الوقوع في شراك ومصائد الشيوعية والإلحاد في زمنه. كيف أنه نظر إلى الآيات التي تخوفه من نار جهنم، فجعل يأخذ يقارن بين كلام الشيوعي الملحد وبين الآية القرآنية التي تتكلم عن نار جهنم، ثم نظر في عمله وهو يدق الحديد، فنظر إلى النار التي يستعملها في حياته، فلما نظر إلى نار الدنيا وتذكر الآية التي تخوفه من نار جهنم وهولها، وسمع كلام الشيوعي، قال: هل يعقل أن ألقي بنفسي في الهاوية وأن أجرؤ نفسي على نار جهنم من أجل أن أنصاع لكلام هؤلاء الشيوعيين الملحدين الذين لا يعرفون شيئاً؟ مارس هذا الحداد البسيط عملية تدبرية بسيطة من واقع حياته كحداد استعمل النار، ومن واقع قراءته البسيطة لكتاب ربه سبحانه وتعالى، فعصمته ووقاه ذاك التدبر عن الوقوع في شراك الكفر والإلحاد. فالعملية إذاً ليست عملية معقدة يا إخواني.

إن المسلم، أي مسلم -يقول الشيخ فريد في ختام هذه الرسالة- إن المسلم، أي مسلم، عليه أن يصطحب مختصراً صغيراً من كتب التفسير؛ كتفسير الجلالين مثلاً أو مختصر تفسير ابن كثير للشيخ شاكر، وذلك فقط حتى يضبط بوصلة الاتجاه العام لمعنى الآية. بدك تتعب لك شوي أخي الكريم، ما بينفع؛ إذا كان هناك عمل أو وظيفة دنيوية تجد نفسك تدقق الحسابات، وإذا جاء الأمر لموضوع القرآن ما بدك تتعب وتفسح وتفتح كتاباً مختصراً يحدد لك البوصلة العامة التي يجب أن تتدبر في الآية من خلالها؟ يقول لك الشيخ فريد: اصطحب كتاب تفسير مختصراً؛ تفسير الجلالين أو مختصر تفسير ابن كثير، حتى يضبط لك البوصلة والاتجاه العام لمعنى الآيات، ثم يشرع بعد ذلك في مشروع التدبر ولا حرج، لا تخف بعد ذلك. بما أنك فهمت معنى الآية وتدبرك كان على ضوء هذه الآية، إذاً لا تخف بإذن الله؛ لأن التدبر لكتاب الله يعني أنت في النهاية، في النهاية عبد الله، تدبرك في كتاب الله لنفسك وعيشك مع الآية مع نفسك لا ينبني عليه حلال ولا حرام، ولن تصدر منه فتوى للناس تضرهم في دينهم أو دنياهم، ولن تبنى عليها قضاؤنا وحكم سياسي، وإنما هي مسلك روحي يقود القلب إلى التوبة والإنابة وإلى مجاهدة النفس من أجل الترقي بمراتب العلم بالله.

أما صناعة التفسير والاستنباط الدقيقة، فهذا هو الذي يختص به علماء التفسير وأهل الاجتهاد؛ ليستنبطوا الأحكام والحلال والحرام والقواعد المحددة والمنهج الدعوي والجهاد وأحكام هذه الأمور، نعم هذه تحتاج إلى شيء من التخصص، من كان ليس من أهله فلا يتجاسر عليه. فالمفسر عالم وفقيه يقوم ببيان الحقائق والأحكام الشرعية ويصدر الفتوى، أما المتدبر فهو ليس مفسراً، هو مجرد متعظ واعظ يأخذ المعنى العام للآية وينزله على نفسه وعلى مجتمعه. وقد يكون المرء، قد تكون مفسراً متخصصاً وتكون متدبراً ومتعظاً في كلا الوقتين، وهذا أمر عظيم. إن الذي يمتنع عن تدبر القرآن، الذي يمتنع عن تدبر القرآن أو ينهى غيره عن تدبر القرآن بدعوى أن التدبر أمر خاص بعلماء التفسير، إنما هو جاهل بهذا الفرق الجوهري الكبير بين التفسير والتدبر، وأخشى أن يكون هذا الإنسان، أخشى أن يكون الشيطان قد لبس عليه تلبيساً ليحرمه هو في نفسه من نور القرآن، وليجعله أداة ليحرم الآخرين من نور القرآن والحياة مع القرآن. إياكم أن تقولوا للناس لا تتدبروا القرآن؛ أنتم تحرمون وصول هذا النور إلى قلوبهم. علموهم كيف يأخذون تفسيراً مختصراً يفهمون من خلاله معنى الآية، أو فسروا لهم أنتم إن كنتم على قدرة من ذلك، فسروا لهم معنى الآية إجمالياً ثم قولوا لهم: من خلال هذا المعنى تدبروا الآية وعيشوا في أجواء الآية وانزلوها على أنفسكم وعلى مجتمعاتكم. إن التدبر للقرآن مطلوب من العالم، مطلوب من المهندس، من الطبيب، من الأستاذ، من الفلاح، من الحداد، من النجار، من التاجر، إلى آخره.

بل إن التدبر مطلوب حتى من الكافر الأعجمي؛ إنجليزياً أو فرنسياً أو صينياً أو ما كان، لكن فقط بعد أن تترجم له معاني القرآن. فنحن نريد أن نضع ضابطاً للتدبر هو أن نفهم المعنى المشهور للآية، لكن ما بعد ذلك إذا فهمت معنى الآية، فخذ هذا المعنى وعش معه في حياتك مهما كان موقعك في الحياة.

ثم ذكر الفرق بين مصطلح التدبر والتفكر، وقد ذكرناه قبل قليل لكم في الرسالة، إذاً هذا ختام كلام الشيخ فريد الأنصاري رحمة الله عليه في الفرق بين التدبر والتفكر، وقد ذكرته لكم قبل قليل.

إذاً إخواني؛ مدرسة رمضان أظنها الآن ستفتح أبوابها إن شاء الله لكم. عيشوا مع القرآن بنفس آخر، تعلموا من معارج التفكر التي يتكلم بها الشيخ فريد الأنصاري، طبقوا المنهج بخطواته الثلاث: تلاوة القرآن بمنهج التلقي، تعلم القرآن بمنهج التدارس، تزكية النفس بالقرآن بمنهج.

واعلموا أن التدبر هو النظر في مآلات الآيات وعواقبها على أنفسكم وعلى مجتمعاتكم. انتهى كلام الشيخ فريد رحمة الله عليه في هذه الرسالة الرابعة. جزى الله الشيخ فريد عنا خير الجزاء على هذه التجليات وعلى هذه الفتوحات وعلى هذا الاستكشاف للطريق. ويختم الشيخ فريد ويقول: إن نصب راية القرآن على تلال القلوب لهو نصر من الله وفتح قريب. أن نصب راية القرآن على تلال القلوب، جعل القلوب كالتلال ننصب عليها راية القرآن. إن نصب راية القرآن على تلال القلوب لهو نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين. المحب لكم فريد الأنصاري، يوم الاثنين ثمانية حزيران ألفين وتسعة ميلادي.

رحم الله هذا الشيخ المربي الفاضل وجزاه عنا خير الجزاء على هذه التكشيفات والتوضيحات والأخذ بأيدينا إلى معالم والتحليق بقلوبنا في معارج القرآن الكريم. لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، أظن أن أذان المغرب قد دخل علينا. إذاً أشكركم إخواني على أن أتحتم لنا اللقاء بكم، أشكركم على أن استمعتم لمجالس الشيخ فريد الأنصاري في مجالس أربع. هذه قراءة القرآن فمن يتلقاها اقرؤوا هذه المجالس اقرؤوها جيداً، عيشوا مشروع القرآن في حياتكم. ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نلتقي على خير ومودة ومحبة في مجالس أخرى علمية فكرية تربوية دعوية، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.