السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا ومرحبا بالإخوة الكرام، أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا اللقاء أيها الإخوة تحت عنوان: «بين البيان الأندلسي والبيان الجاهلي». ابتداءً، كل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا أقول له: حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. وأرجو أيها الإخوة أن تتفاعلوا مع البث حتى يصل إلى إخوانكم، سواء من كان حاضراً معنا ومن كان يستمع إلى البث المحفوظ أو المادة المحفوظة المسجلة.
هذا اللقاء بعنوان «بين البيان الأندلسي والبيان الجاهلي»، وهذا يعد امتداداً لحديثنا أمس أو أول أمس، في المحاضرة الأخيرة التي كانت قبل أمس تحت عنوان: «نظرات في منزع البيان الجاهلي». هذه التي وقفنا فيها على طريقة العرب، وقلنا إن المشكلة عند الشعر الجاهلي، أو في فحول الشعر الجاهلي، أن الشعراء الجاهليين المطبوعين يجمعون بين صفة المطبوع وصفة الإبعاد في المدى البياني أو المدى البلاغي، وهو المطبوع الثقيل.
وقلت إن هذا يكون أعثر على الفهم من المصنوع الثقيل؛ لأن المصنوع له طبقة واحدة، لأن صناعته ظاهرة، فليس فيه شرك، فمن يفهم البلاغة سيفهمه، ومن لا يفهم البلاغة لن يفهمه. أما الشعر الجاهلي المطبوع الثقيل ففيه شرك، فيه حفرة، فيه شبهة، وهي الطبقة المطبوعة من الدلالة. هذا كله تحدثت فيه قبل أمس في محاضرة «نظرات في منزع البيان الجاهلي»، ومعنى منزع يعني الطريقة التي ينزع إليها البيان الجاهلي الثقيل.
هذه المحاضرة أيها الإخوة يمكن أن تعدوها امتداداً لهذه المادة. لماذا أنا بينت المنزع الجاهلي وضربت له في المقابل مثلاً واحداً من البلاغة الجرمية -أسميها البلاغة الجرمية- وهي قول متأخر: «أمطرت فأسقطت لؤلؤاً من نرجس، وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد»؟ فهذه بلاغة ظاهرة جرمية شديدة.
أخي يقول: وأيضاً ضمن سلسلة التأسيس، نعم، لأني أهتم شديداً بالبيان عن هذه القضية لكن صرت أركز عليها أكثر في هذه المدة. فأيها الإخوة، هذه المحاضرة -التي كانت أو تلك المحاضرة التي كانت قبل أمس- كان تركيزي فيها على بيان المنزع البياني الجاهلي، أو منزع الشعر الجاهلي في البيان، وتحدثت وأتيت لكم بأمثلة بعد أن تحدثت على الصفتين اللتين جمعهما البيان الجاهلي، وأن هذا هو سر العسر في هذا الشعر.
تحدثت بأمثلة شرحتها كقول النابغة الذبياني: «تراهن خلف القوم خزراً عيونها، جلوس الشيوخ في ثياب المرانب»، وكقوله: «كأن مجر الرامسات ذيولها، عليه حصير نمقته الصوانع». وأتيت بقول زهير بن أبي سلمى: «وأبيض فياض يداه غمامة، على معتفيه ما تغب فواضله، بكرت عليه غدوة فرايته، قعوداً لديه بالصريم عواذله، يفدينه طوراً وطوراً يلنه، وأعيانا فما يدرين أين مخاتله، فأقصرن منه عن كريم مرزا، عزوم على الأمر الذي هو فاعله».
كان حديثي في هذه الأمثال حتى أتيت إلى بيت عنترة: «ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني، وبيض الهند تقطر من دمي». فبينت طبيعة البيان في الشعر الجاهلي. رأيت اليوم، وابتداءً أعتذر عن عدم عقد زائية الشماخ، فقد شغلت جداً هذه الأيام، والرجوع إلى زائية الشماخ يحتاج مني إلى تأهيل نفسي وذهني. أما هذه المحاضرة فهي أقرب إلى أن تكون مرتجلة؛ لما وجدتني غير مهيأ ذهنياً ولا نفسياً للثقل في زائية الشماخ، رأيت الشيء الذي كان جديراً، وهو عمل ما قد يكون جزءاً ثانياً لهذه المحاضرة أو لمحاضرة قبل أمس.
رأيت أيها الإخوة أن تكون هناك موازنة، مقارنة. المحاضرة الماضية في قضية منزع الشعر أو منزع البيان الجاهلي أوقفتكم على الشعر الجاهلي في نفسه، شرحت لكم القضية وتمثيل التمثيل كان جيداً للجاهلي، وفي المقابل كان التمثيل خفيفاً. اليوم قلت بضدها: تتباين الأشياء.
اعتبروا هذه المحاضرة جزءاً ثانياً لمحاضرة أول أمس التي كانت في بيان المنزع الجاهلي؛ هذه محاضرة توضيحية أضع فيها الشعر الاندلسي، ولهذا الأجود أن تسمعوا ما كان خلافه، وفي المقابل قبل أن أقول لكم هذا الشعر الأندلسي هنا سيتبين لكم منزع الشعر الجاهلي كيف كان، وهذا الذي عجز عنه المتأخرون.
دعونا أولاً نصطلح معاً على مصطلحين، أيتوا بالورق لو سمحتم، ورقة واحدة صغيرة أو كبيرة، ودونوا هذين التعبيرين لنصطلح عليهما في الكلام. المصطلح الأول هو «المدى البياني»، ولنقل المدى البياني حتى لا يرتبط بظواهر علم البلاغة. الأمر الثاني أو التعبير الثاني هو «ظهور الوجه».
تعالوا إلى قصيدة تعرفونها، وهي عينية أبي ذئب الهذلي. المدى البياني وظهور الوجه، وسنستعمل هذين التعبيرين على أنهما مصطلحان بيننا الآن لتفهموا القضية، وأنا سأستعملهما في كتبي، أو استعملهما فعلاً في بعض الكتب المخطوطة.
تعالوا الآن إلى قصيدة نعرفها، وهي عينية أبي ذئب الهذلي، وجئت إلى هذه القصيدة لأنه كان بيننا من قبل وقوف فيها وتأمل، وأنا وعدت بشرح مكتوب عليها، وأنا أعد الجمهور كما وعدت بشرح مكتوب في كتاب مستقل على «سما لك شوقاً»، وشرح على «زائية الشماخ» أيضاً، وشرح على «عينية أبي ذئب». هذه ثلاثة كتب على الأقل في شروح القصائد، غرضي منها -وأنا هنا مغرض بهذه الكتب- هو أن يعرف الناس طريقة البيان الجاهلي، وأنه في الحقيقة بيان عسير الإبداع بعيد المرمى.
لأنه بدأ يشيع عند كثير من الضعاف المعاصرين أو المتأثرين بالحداثة الغربية أن الشعر الجاهلي شعر قريب مباشر، وهذا أعجب ما يكون، أنه مباشر في الدلالة. فكما ذكرت في محاضرة أول أمس، هذه الشروحات ستبين لهم أن ما يرونه هو خارج عن طوقهم البشري أصلاً، عن طوقهم، عن طاقتهم، عن قدرتهم البشرية. هو معجز بالنسبة إليهم، ليس بمعجز البشر بإطلاق، لكن هو معجز بالنظر إلى هؤلاء الذين تأثروا بالغرب أو ضعفت قرائحهم شديداً فتجرأوا.
والذي أعرفه أن من يضعف لا يتجرأ، كنت يوماً ضعيفاً لكنني بالمنطق صرتُه حتى تبينته، لم أتجْرأ، لم أقل هذا البيان كذا، بل كانت هناك مقدمات منطقية تجعلني أصرُّه. لكن كل إنسان يتكلم بدرجته، إذ العجماء التي تمشي على أربع ستتكلم، هي أيضاً ستقول ما عندها.
أبو ذئيب الهذلي، التي وقفتكم كثيرا على كثير من بيانها، وكيف أنها جاءت في فصلها الأول: «أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ، وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ». قالت أميمة: «مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا مُنْذُ ابْتَذَلْتَ؟ وَمَا لَكَ لَا يُلائِمُكَ مَضْجَعُ؟ أَلَا أَقَضَّ عَلَيْكَ ذَاكَ الْمَضْجَعُ؟». فأجبتها: «أَمَا لِجِسْمِي إِنَّهُ أَوْدَى بَنِيَّ مِنَ الْبِلَادِ، وَوَدَّعُوا أَوْدَى بَنِيَّ وَأَعَاقَبُونِي حَسْرَةً بَعْدَ الرُّقَادِ وَعَبْرَةً لَا تُقْلَعُ. وَلَقَدْ أَرَى أَنَّ الْبُكَاءَ سَفَاهَةٌ، وَلَسَوْفَ يُولَعُ بِالْبُكَاءِ مَنْ يُفْجَعُ. سَبَقُوا هَوِيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمْ، فَتَخَرَّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ».
إلى آخر هذا الفصل الذي انتهى بقوله: «وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا، وَإِذَا تُرِدْ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ». خلاص، في هذا الفصل الأول يقول: «وَلَقَدْ حَرَصْتُ بِأَنْ أُدَافِعَ عَنْهُمْ، فَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لَا تُدْفَعُ، وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا، أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ». سبقوا هوي قبل ذلك وأعنقوا لهواهم، فتخرموا ولكل جنب مصرع. فهو بكى في الفصل الأول في أربعة عشر بيتاً ذكر حزنه على أبنائه الذين تخرموا وبكاهم.
ثم قال في ثلاثة فصول متتاليات، والدهر لا يبقى على حدثانه. الفصل الأول قال فيه: «وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، جَوْنُ السَّرَاهِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ، صَخِبُ الشَّوَارِبِ لَا يَزَالُ كَأَنَّهُ، عَبْدٌ لِآلِ أَبِي رَبِيعَةَ مُسْبَعُ، أَكَلَ الْجَمِيمَ وَطَاوَعَتْهُ سَمْحَجُ، مِثْلُ الْقَنَا وَأَزْعَلَتْهُ الْأَمْرَعُ، بِقَرَارِ قَيْعَانٍ سَقَاهَا وَابِلٌ، وَأَهْنَ فِأَفْجَمَ بُرْهَةً لَا يُقْلَعُ».
إلى آخر الفصل، والفصل الذي يليه قال: «وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، شَبَبٌ أَفَتَّهُ الْكِلَابُ مُرَوَّعُ، شَعَفَ الْكِلَابَ الضَّارِيَاتِ فُؤَادُهُ، فَإِذَا يَرَى الصُّبْحَ الْمُصَدِّقَ يَفْزَعُ، وَيَعُوذُ بِالْأَرْطَا إِذَا مَا شَفَّهُ، قَطْرٌ وَرَاحَتْهُ بِلَيْلٍ زُعْزِعُ». إلى آخر الفصل. ثم قال في الفصل الثالث الأخير، والدهر لا يبقى على حدثانه أيضاً، نفس الشطر، وبالمناسبة هذا الشطر مأخوذ من أستاذه، من أستاذه سعد بن جؤي؛ هذا الفصل مأخوذ من سعد بن جؤي، قال: «وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، مُسْتَشْعِرُ حَلْقِ الْحَدِيدِ مُقْنَعُ، حُمِيَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ حَتَّى وَجْهُهُ، مِنْ حَرِّهَا يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَسْفَعُ». إلى آخر الفصل.
أهلاً دكتورة شيماء، رضي الله عنكم، يا مرحباً. بعد الفصل الصريح، بدأ يضرب الأمثال، وهنا بدأنا ندخل في الصعوبة. هذه الصعوبة التي جعلت دكتورا كبيرا، البروفيسور عبد الله الطيب السوداني، لا يعي حقيقة القصيدة، ويقول لو وقف عند الفصل الأول منها لكان قد أجاد. قال: «وَأَمَّا الْفُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا: وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، جَوْنُ السَّرَاهِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ؛ وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، شَبَبٌ أَفَتَّهُ الْكِلَابُ مُرَوَّعُ؛ وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، مُسْتَشْعِرُ حَلْقِ الْحَدِيدِ مُقْنَعُ». قال: هذه الفصول أجنبية عن القصيدة، جرى فيها على طريقة الهذليين من عشيرته، وابتعدت عن الصدق العاطفي.
قال كلاماً، وهذا معناه -وهذه مصيبة المصائب- أن هذا يعني أن عبد الله الطيب لم يصل إلى بيان الجاهلي حتى يفهم لماذا أورد أبو ذئيب هذا، وقف فقط على الصريح. ودائماً أحذر من الاتجاهات الغربية، والدكتور عبد الله الطيب رومانتيكي النزعة والهوى، والطريقة الشعرية رومانتيكية، فلم يفهم القضية ولم يمهل نفسه حتى يفهم ماذا أرادوا من هذه الفصول.
تعالوا أقفكم على أبيات، تعرفون أنه قال في الفصل الأول من القصيدة: «وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ»، وقال: «وَلَقَدْ حَرَصْتُ بِأَنْ أُدَافِعَ عَنْهُمْ، فَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لَا تُدْفَعُ، وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا، أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ». بعد ذلك بدأ أبو ذئيب يسلو بالعبرة والقياس.
قال: «وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ»، الحدثان يعني التجدد والحدوث. «وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ، جَوْنُ السَّرَاهِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ». جون السراه حمار، ومعنى جون السراه يعني سراته جونا، يعني تميل إلى السواد، يعني أن انفصل سواده، سواد السراه الأعلى عن بياض الأسفل، وهذا معناه أنه قوي، تام الخلق، كبير، له جدائد أربع.
«صَخِبُ الشَّوَارِبِ لَا يَزَالُ كَأَنَّهُ، عَبْدٌ لِآلِ أَبِي رَبِيعَةَ مُسْبَعُ». صخب الشوارب لا يزال كأنه... شوف، تشبيه وتركيب. صخب الشوارب لا يزال كأنه عبد لآل أبي ربيعة مسبع. آل أبي ربيعة الذين منهم عمر بن أبي ربيعة، كانوا أثرى أسرة في مكة، وكانت لهم أنعام كثيرة، وكان عبيدهم يذهبون في الأنعام، والأنعام ممتدة على مرمى البصر كثيرة في الفلوات. فإذا جاء سبع كالذئب أو القط البري أو النمر الموجود عند العرب ليأكل شيئاً من الأنعام، يصرخ عليه العبد.
لماذا ذكر آل أبي ربيعة؟ ذكر آل أبي ربيعة ليس من فراغ، وليس للوزن، بل لأن أنعامهم كثيرة، هم أكثر أهل مكة أنعاماً، فكان عبيدهم يجرون، يعدون عدواً طويلاً بين الأنعام من أطراف ما تمتد إليه أبصارهم وهم يصرخون. فلو أنك رأيت المشهد من بعيد، يصرخ العبد والعبد غالباً يكون أسود، فتستطيع أن تتخيل صورته وهو يصرخ بصوته الحبشي، ويصرخ ويجري، ومسبع يعني جاء السبع وأصاب من الأنعام.
يصف لك هذا الحمار الوحشي، ويصف لك، ركزوا يا إخوة الكلام خطير وعظيم وجلل، يصف لك كيف هذا الحمار نعم بحياته، وكان يجري جرياً طويلاً ويعدو بين الآتن وبين المرعى الذي يرعى فيه، ينعم بالأمان ويصرخ ولا يخشى الصيادين. صخب الشوارب، الشوارب لحم الحنجرة، ومعنى صخب يعني يفتح فمه وتكاد ترى الشوارب، وهي ليست أحبالاً بل هي زوائد جلدية، رقائق جلدية ترتعد، صخب الشوارب لها صخب شديد. ونسب الصخب إلى الشوارب لا إلى الحمار ولا إلى فمه، ليشير إلى أنه يفتح فمه، فالشوارب هي التي تباشر الصوت.
«صَخِبُ الشَّوَارِبِ لَا يَزَالُ كَأَنَّهُ، عَبْدٌ لِآلِ أَبِي رَبِيعَةَ مُسْبَعُ». صخب الشوارب لا يزال، وهو صخب الشوارب يجري في المراعي جرياً طويلاً، وهو صخب الشوارب ينهق كأنه عبد لآل أبي ربيعة يرعى في المرعى الكبير أو الممتد في الفلوات، ويجري ويصرخ حتى يخيف السبع. هذا بيت، ماذا سنلاحظ هنا؟ أسألكم هنا سؤالاً: هل البيان هنا بعيد، يعني فيه عمق أكثر من الألفاظ، بعيد المرمى دون تصريح، أم قريب؟ الدلالة هنا بعيدة الغور أم قريبة الغور في هذا البيت؟
بعيد. لماذا؟ ليس لأنه شبه، اسمعوا جيداً، لأن أحداً من الإخوة قال قريب، وأحد الأخوات قالت قريب، فأنا أبين، ليس الجواب هنا. طبعاً بعيد، الحمد لله أكثركم قال بعيد، كلكم تقريباً ما عدا اثنين. لأن التشبيه ليس المراد أن يشبه الحمار بعبد آل أبي ربيعة، بل وراء التشبيه ما الذي وراء التشبيه؟ ما الذي وراء التشبيه؟ هو بيان الغرض، أحسنت، بيان الغرض هو أن هذا الحمار يرتع في مظاهر الحياة، والدهر.
لا يبقى على حدثانه على تقلبه. صخب الشوارب لا يزال كأنه الحمار صخب الشوارب الذي يجري، الذي يجري هنا وهنا؛ هذه علامة حياة أو ليست علامة حياة؟ هذه علامة حياة واستقرار.
فلما قال: «لا يزال كأنه عبدٌ لأبي ربيعة مسبع»، يتجاوز التشبيه إلى شيء بعيد وهو استقرار الحياة؛ لأنه بعد ذلك «ولكل جنب مصرعه». هذا أراد به أنه عاش ونعم، عاش وتنعم، وأكل وشرب وعاش مطمئنًا لا يخشى من شيء، حتى إنه يعدو بين أطراف مترامية كعدو عبد مسبع لأبي ربيعة الذين لهم الأنعام مترامية في الفلوات، فهو يجري سريعًا وهو يصرخ من هنا إلى هنا.
تتخيلون هذه الصورة يا إخوة؟ يجري العبد يصرخ ويجري من هنا؛ لأنه لو أكل السبع من الأنعام شيئًا سيحاسب عليه، سينهر على الأقل أو يعاقب، فهو لا يزال يصرخ. فالتشبيه أراد أن الحمار يجري في فلوات بعيدة وفي مراعٍ بعيدة، سبحان الله في مراعٍ بعيدة كأنه عبد لأبي ربيعة يرعى أغنامهم أو يرعى أنعامهم فيجري بين أطراف المراعي ويصرخ. هذه صورة بعيدة الدلالة، بعيدة المدى البياني.
إذن هذا المدى البياني، تعالوا الآن إلى الوجه البلاغي. عرفنا أول تعبير اصطلاحي وهو المدى البياني، وهذا المدى البياني بعيد. أسألكم سؤالًا آخر: الوجه الذي دل على هذا البعيد من حيث البلاغة، هل هو جرمي بلاغة ظاهرة شديدة أم خفي مطبوع وأنت تفهمها بإرهاص الحس؟ ظهور الوجه البلاغي ليس الدلالة الأصلية، الدلالة لابد أن تكون دقيقة أو تكون ظاهرة في كل الشعر، فقضية الحداثة هذه ليست معنا.
نتكلم الآن في الوجه البلاغي، هل هو ظاهر ظهورًا شديدًا أم رهيف خفيف؟ هل هذا البيت مطبوع من جهة الطريقة أم مصنوع؟ هل هو مطبوع أم مصنوع؟ خفيف، إذاً ظهور الوجه خفيف.
تعالوا، هذه المحاضرة مفصلية، هذه المحاضرة والمحاضرات قبلها محاضرتان مفصليتان، سأضعهما لكم إن شاء الله في سلسلة واحدة. ركزوا معي الآن. أحسنت دكتورة شيماء، أحسنت الجميع، ما شاء الله، وجه خفيف. الله يرضى عليكم ويرضى الله عنكم.
المكافأة الحقيقية لي أن تعوا هذا الكلام وأن تنشروه، أن تتكلموا به وأن تفهموه بعد أن تعوه جيدًا. أما أنا فالحمد لله وعيته وها أنا أقدمه بين أيديكم بأفهام، لا أفرض عليكم رأيًا، لا أحب من يأتي ويقول لي: «وأنت ما رأيك يا أبا قيس؟ أنت ستُقلدني؟»، لا أريدك أن تقلدني أصلاً، هذا غلط، لكن أريدك أن تفهم، هذا هو العلم. لأن الذي يقلدك لأنه يحبك، في الآخر قد يتضايق منك في شيء، يذهب يؤيد عدوك، عادي، يقول لك: «طب أنا كرهت أبا قيس، سأذهب مع الحدثيين».
إذا لاحظنا في البيت الجاهلي أنه بعيد المدى البياني، وخفي ظهور الوجه البياني. نأخذ بيتًا ثانيًا، وطبعًا أنا أنتقي الأبيات التي يتضح بها ويسهل الشرح، وإلا فكل الشعر هكذا، كما أنتقد البعض على عبد القاهر وغيره؛ لماذا انتقوا آيات معينة من القرآن ليشرحوها وتداولتها الناس؟ لأن الآيات وإن اتفقت في كونها معجزة وإن اتفقت في بلاغتها، فهي مختلفة في مدى البيان والشرح، ومختلفة في وجوه القرب الشرحي من حيث ظهور الوجوه، فأنا أنتقل لكم أبياتًا يسهل بيانها في مجلس كهذا.
«صخب الشوارب لا يزال كأنه عبدٌ لأبي ربيعة مسبع... أكل الجميم وطاوعته سمحج مثل القناة، وأزعلته الأمرع». الجميم هو العشب الذي ينبت في الأول ويكون غزيراً، أكل العشب الأخضر اللين الطري. وطاوعته سمحج، معه أتَان سمح طويلة قوية مثل القناة، أي تامة الخلق، مكثت وعمرت معه طويلاً وطال جسدها وعاشت طويلاً. وأزعلته الأمرع، الأمرع جمع المراه، وأزعلته يعني نشطته، حتى نحن في العامية المصرية نقول «هزعلك»، أي ستنشط وتغضب وتمشي من المكان، وهذا معنى أزعلته، أي نشطته فصار يجري بها في الأماكن التي فيها الخصب والمرعى.
«بقرار قيعان سقاها وابل... فلبث حيناً يعتلجن روضة، ويجد حيناً في العلاج ويشمع، حتى إذا جزرت مياه رزونة، فبأي حين ملاوة تتقطع؟ ذكر الورود بها وشاق أمرُه شؤم، وأقبل حينه يتنبع».
«فافتنهن من السواء وماؤه بثر، وعانده طريق مهيع». يقول: فافتنهن، والافتان يا إخوة ركزوا معي، الافتنان يعني الحمل على الصور الكثيرة، فافتنهن الحمار أي حمله على أفانين الجري. وعانده يعني اعترضه طريق مهيع، والطريق المهيع هو الطريق الواسع الذي يمكن أن يتشتتوا فيه إذا عدوا شديدًا. المعاندة هي الاعتراض، فاستعملت هنا في أصل اللغة: «وعانده طريق مهيع».
«فكان كأنه بالجزع بين نبايع، والآت ذي العرجاء نهب مجمع. وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدعه، وكأنه مدوس متقلب بالكف، إلا أنه أضلع». يعرفون المبرد؟ المبرد في مصر قطعة حديد خشنة لها ثلاثة أضلاع يسن بها السلاح. وكأنه مدوس متقلب بالكف، إلا أنه أضلع، أي أضلع من المدوس في الضلاعة والقوة.
يبين ماذا؟ يبين أن هذا الحمار يساق بالقدر ويستجيب، «ولكل جنب مصرعه». وإذا المنية أنشبت أظفارها، أفلتت كل تميمة لا تنفع. «ولكل جنب مصرعه»، ألم يقل: «حتى إذا جزرت مياه رزونة، فبأي حين ملاوة تتقطع؟»؛ ذكر الورود بها فشاق أمره شؤم، وأقبل حينه يتنبع كالماء الذي يذهب ليشرب منه.
وبدأ يشرح كيف يتنبع حينه، الهلاك يا إخوة. الموت الآن هو الهلاك، وأقبل حينه هلاكه يتنبع شيئًا فشيئًا كالماء الذي يريد أن يشرب منه مياه رزونة. تلك البؤر جزرت، بدأت ترجع وتخف.
أما الذي جاء، أما الموت الآن بدأ يتنبع، اسمع اسمع: «حتى إذا جزرت مياه رزونة.. وبأي حين ملاؤه تتقطع.. ذكر الورود بها». الشاعر يحدث نفسه، والشاعر يحدثك كالراوي؛ هو يعرف أن هناك ما ينتظر هذه الحمر. ركزوا معي يا إخوة، هو يعلم أن هناك ما ينتظر هذه الحمر، كيف يعلم ذلك؟ من أين علمت أنه يعلم؟
الشاعر أخبرني، كيف أخبرك الشاعر؟ يقول: «حتى إذا جزرت مياه رزونة.. وبأي حين ملاؤه تتقطع.. ذكر الورود بها». هذا الشطر الثاني في البيت الأول هو حديث نفس، اعتراض من الشاعر؛ الشاعر يخبرك بأنه يعلم شيئًا ما. إذاً أصل الكلام: حتى إذا جزرت مياه رزونة ذكر الورود بها، لكن وقع منه عبارة بين شرطتي اعتراض، كأنه هكذا يتكلم ثم أقبل عليك يقول: «حتى إذا جزرت مياه رزونة.. وبأي حين ملاؤه تتقطع.. ذكر الورود بها وشاق أمره شؤم وأقبل حينه يتنبع».
إذا جزرت مياه رزونة وأقبل حينه يتنبع؛ المياه تذهب، والحين الهلاك، الموت يتنبع مكان الماء. ما رأيكم؟ رأيتم هذه البلاغة؟ «حتى إذا جزرت مياه رزونة وبأي حين ملاؤه تتقطع ذكر الورود بها وشاق أمره شؤم وأقبل حينه يتنبع». بدأ يشرح تنبع الحين، فافتنهن.
«من السواء وماؤه بثر.. وعانده طريق مهيع.. فكأنها بالجزع بين نبايع.. والآلات ذي العرجاء نهب مجمع.. وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع.. وكأنه هو مدوس متقلب بالكف.. إلا أنه هو أضلع».
«فوردنا والعيوق نجم الصيف الشديد.. فوردنا والعيوق مقعد رابئ.. الضرباء فوق النجم لا يتلعون..» الثابت والحرارة ثابتة، والليل حار. «فشرعنا في حجرات نواحي..» يعني توزعنا، ما زال هناك أمان يشعرن به لكن لا أمان. «فشرعنا في حجرات عذب بارد حصب البطاح..» يعني فيه حصب الحجارة الصغيرة، وهذا يجعله أبرد ويجعله أنقى، الحجارة تهبط وتخفض التراب والتعكير. «فشرعنا في حجرات عذب بارد حصب البطاح تغيب فيه الأكرع فشربنا». وهذا آخر الحياة الخالصة عندها، وبدأت ترى حينها يتنبع، بدأت تعلم بتنبع الحين فشربنا.
«ثم سمعنا حسا..» هذا الحس دونه شرف الحجاب، يعني حجاب كثيب من الرمل مرتفع يحجب بينها وبين مصدر الصوت. «شرف الحجاب وريب قرع يقرع»، لم تسمع قرعًا مريبًا، سمعت «وريب قرع يقرع»، أي اصطدام القوس مع الجراب أو صوت السهام في الجراب. «ونميمة» معطوفة أيضًا، سمعنا حسا وريب قرع ونميمة، والنميمة هي صوت ينم عن شيء.
«فشربنا ثم سمعنا حسا دونه شرف الحجاب وريب قرع يقرع ونميمة من قانص متلبب في كفه جشء أجش..» القوس والسهام الحادة. «فنفرن وامترست به الآتان..» يعني احتكت الميراث، «وامترست به عوجاء هادية وهاد جرشع.. فرمى فأنفذ من نحوص عائط سهما..» يعني من قوية تركت الإناث مدة، قوية مذكرة.
«فخر وريشه متصمع..» فخر أي السهم، ومعنى متصمع أي ملتصق، كما يلتصق الريش إذا غُمست في الدم أو الزيت. «فخر السهم فرمى فأنفذ»، يعني السهم مر منها واخترقها، فخر السهم وريشه متصمع، أي مر في مقدر السهم ونفذ منها وقد تصمع بدم هذا الحمار.
«فبدا له..» انظر إلى الفاء، الشاعر يعلم أنك تراه. «فبدا له لص صائد.. فبدا له أقرب هذا رائغا عجلا.. فعيث في الكنانة يرجع.. فرمى فالحق صاعديا مطحرا بالكشح فاشتملت عليه الأضلع..» السهم مبعد، «فأنفذ من نحوص عائط سهما فخر وريشه متصمع.. فبدا له لص صائد.. فعيث في الكنانة يرجع.. فرمى فالحق صاعديا مطحرا بالكشح فاشتملت عليه الأضلع.. فابدهن حتوفهن». خلاص سقط الحمار، فالآتان الآن «فابدهن» يعني وزع عليهن الحتوف، وجعل السهام حتوفًا إشارة إلى أن كل سهم يحقق الحتوف، هو لم يزع عليها الحتوف بل الموت هو الذي وزع السهام التي تسببت في الموت، فكأن كل سهم صار يأتي بموت، فصار كأنه يوزع عليهن الموت نفسه: «فابدهن حتوفهن».
«فهارب بذمائه.. أو بارك متجعجع.. يعثرن في علق النجيع.. كأنما كسيت برود بني تزيد الأذرع». هذا فصل الحمر.
طبعًا مررنا سريعًا على البلاغة. أسأل الآن عن المدى البياني: بعيد أم قريب؟ المدى البياني بعيد أم قريب؟ أحسنتم، بعيد. الوجه: ظهور الوجه ظاهر أم خفي؟ الوجه البلاغي صريح أم غير صريح؟ صريح أم غير صريح؟ الوجه البياني البلاغي خفي أم ظاهر؟ غير صريح.
تعالوا، هذا نموذج إلى الآن، هذا نموذج الشعر الجاهلي الذي تحدثنا فيه أمس؛ الدلالة مطبوعة، فالدلالة خفيفة رهيفة، الدلالة البيانية للأولى خفيفة رهيفة، أما المدى فبعيد جدًا، وهذه هي الطريقة التي عليها شعر امرئ القيس، وشعره أو كثير من شعر النابغة وشعر زهير بن أبي سلمى.
تعالوا الآن نذهب إلى قصيدة أندلسية، قصيدة أندلسية في ٢٦ بيتًا، وأنا في الحقيقة أحب هذه القصيدة أيها الإخوة. وهي بائية ابن خفاجة الأندلسي.
خلاص يا إخوة، الضوضاء في الشارع تؤثر معكم، اللاقط التقطها قوية. أم الدنيا مستقرة، بس في أعراس تمر وكذا، تمام. مصر تاهلت لأيه؟ أنا أعرف أننا مش متأهلين لحاجة خالص أصلاً. تاهل؟ معرفش أي تاهل الصراحة، ما علينا. المهم أنا أحب أتأهل مع الشعر. دور الـ ١٦، إحنا رقم ١٦، ماشي تمام. يعني إيه دور؟ والله ما أعرف. أنا أعرف الدور يعني الطابق الـ ١٦، الطابق ١٥، الطابق السادس، لكن ما أعرفش القصة دي، دور يعني إيه؟ دور البناية؟ البداية؟ مش عارف. والله ما أعرف يا إخوة أي شيء، ولا مصطلح أعرف، للأمانة مصطلح واحد لما الكورة تيجي في إيده يقوله «هندس»، بس لو الكورة جت في إيد الشخص «هندس»، غير كده ما أعرفش.
المهم، نأتي إلى المباراة التي نحن بصددها، وهي بائية ابن خفاجة الأندلسي. يقول -وأنا بالمناسبة أحب هذه القصيدة جدًا وأحفظها، أحبها حقيقة، من الشعر المتأخر والأندلسي- وأنا أحب ابن خفاجة فوق ابن زيدون. يقول:
بعيشك هل تدري أهوج الجنائب ... تخب برحلي أم ظهور النجائب؟
بعيشك، هي يا جمال، بعيشك هل تدري أهوج الجنائب؟ الجنائب هي الرياح، ريح الجنوب، والهوج يعني الهائجة. بعيشك هل تدري أهوج الجنائب تخب برحلي أم ظهور النجائب؟ الرحل هنا ليست الراحلة الحقيقية؛ لأنه قال: أهوج الجنائب تخب برحلي، فبطبيعة الحال ليست الركاب أو الرحلة الحقيقية، يريد رحل العمر.
بعيشك هل تدري أهوج الجنائب ... تخب برحلي أم ظهور النجائب؟
يعني أم ظهور الإبل، النوق النجائب، وهنا تعلم أنه يتكلم عن شيء مجازي وهو عمره وحياته، وليس الرحل الحقيقي. ركزوا في الكلام معي لو سمحتم، وليس الرحل الحقيقي. يقول له: بعيشك أخبرني ما الذي يجري بي تحت رحلي، تحت هذا الغبيط والركاب، أهي رياح الجنوب، ريح أهوج الجنائب، أم ظهور النجائب؟
لماذا هذا السؤال؟ يجيب: فما لحت في أولى المشارق كوكبا ... فأشرقت حتى جبت آخر المغارب. يقول: لما بلغ الستين رأى عمره قد جرى، بمناسبة أنه جمع ديوانه في الستين، لذلك أنا قلت الستين. يقول: فما لحت في أولى المشارق كوكبا فأشرقت حتى جبت آخر المغارب، يقول: أنا لم أشرق إلا وجدتني في المغرب. إذاً الكلام حقيقة أم مجاز؟ حقيقة أم استعارة؟ الكلام حقيقة أم استعارة يا إخوة؟ استعارة، أحسنتم.
بعيشك هل تدري أهوج الجنائب ... تخب برحلي أم ظهور النجائب؟ فما لحت في أولى المشارق كوكبا ... فأشرقت حتى جبت آخر المغارب وحيدا تهاداني الفيافي فاجتلي ... وجوه المنايا في قناع الغياهب
اجتلي وجوه الموت في قناع الغياهب.
ولا جار إلا من حسام مصمم ... ولا دار إلا في قت تود الركائب ولا أنسى إلا أنضاحك ساعة ... ثغور الأماني في وجوه المطالب
جعل للأماني ثغورًا، تبتسم الأماني، لها وجوه تبتسم بها الثغور. قال: في وجوه المطالب؛ المطالب لها وجوه، والأماني لها ثغور، هذه الثغور في وجوه المطالب. السؤال الآن: هذه الوجوه البلاغية ظاهرة جهرية أم خفية؟ هذه الوجوه ظاهرة أم خفية؟ أحسنتم، ظاهرة.
الآن، هل أنا أقنعتكم بشيء أم أنتم وقفتم على هذا بأنفسكم؟ عند أبي ذئب وعند ابن خفاجة؟ أنتم وقفتم على هذا بأنفسكم، صح؟ وجوه البلاغة هنا وجوه لطيفة خفية، صح؟ «ولا أنسى إلا أنضاحك ساعة ثغور الأماني في وجوه المطالب» ظاهرة جداً.
بليل إذا ما قلت قد باد فانقضى ... تكشف عن وعد من الظن كاذبي سحبت الدياجي فيه سود ذوائب ... لاعتنق الآمال بيض رائب
شوف: «سحبت الدياجي فيه سود ذوائب لاعتنق الآمال بيض رائب». رأيتم فرق السياق البياني في الظهور والخفاء بين كلام أبي ذئب وكلام ابن خفاجة الأندلسي؟ ابن خفاجة الأندلسي بلاغته جهرية ظاهرة جداً؛ «ثغور الأماني في وجوه المطالب»، هناك ليس عنده شيء من هذا تقريبًا.
نأتي إلى العبارة الثانية أو المصطلح الثاني بعد المرمى. ما رأيكم في بعد المرمى هنا؟ المرمى هو المعنى البعيد. سنقول قولكم، أنتم طبعًا خرجتم من أبي ذئب فستشعرون بأن هذا قريب، الحقيقة هذا فيه بعد، يعني فيه بلاغة لكنه أقرب من أبي ذئب. لا، ليس معدومًا طبعًا، لا، مليء بالبلاغة يا إخوة، لكن أنتم كنتم مع أبي ذئب، خلاص، طبعًا مقارنة مع أبي ذئب بالضبط. لكن انظر:
بليل إذا ما قلت قد باد فانقضى ... تكشف عن وعد من الظن كاذبي سحبت الدياجي فيه سود ذوائب ... لاعتنق الآمال بيض رائب فمزقت جيب الليل عن شخص أطلس ... تطلع وضاح الثنايا مضاحق رأيت به قطعًا من الفجر أغبشًا ... تأمل عن نجم توقد فاقب وارعن طماح الجبل وارعن طماح الذؤابة ... باذخ يطاول أعنان السماء بغاربي يسد مهب الريح في كل وجهة ... وقور على ظهر الفلاء
هل لاحظتم؟ أن البلاغة هناك، مع كون الكلام مطبوعًا وقريبًا جدًا، أن البلاغة هناك بعيدة المرمى. والبلاغة هنا أقرب من هناك بكثير، حتى مع أن هناك هنا بعد ويوجد بلاغة، لكن البلاغة هنا أقرب بكثير، والوجوه أظهر بكثير. هذا النوع من البلاغة هو الذي هو الذي...
قدر عليه المتأخرون، أتوا ببلاغة جرمية، ببلاغة ظاهرة الوجوه، ومع ذلك وقعوا دون الجاهليين كثيرا. الجاهليون أتوا في منزعهم بكلام مطبوع وأبعدوا جداً، أبعدوا ماذا؟ عرفتم لماذا أجمع العلماء المعتبرون على تقديم الجاهليين؟ هناك فرق طبقي كبير جداً؛ الجاهلي يأتي بكلام من مطبوع ظاهر الدلالة الأولى في نفسه، ويرمي بهذا إلى طبقات بعيدة من البيان في غور النفس، كما رأيتم في أبيات أبي ذؤيب مع الحمر.
المعاصرون والمتأخرون والأندلسيون، هؤلاء أرادوا أن يبعدوا قليلاً، فأتوا بالبلاغة الجرمية الثقيلة؛ قصيدة لا يخلو بيت منها من استعارة وتشبيه، في ستة وعشرين بيتاً لا يخلو بيت من استعارة وتشبيه مكدسة مركبة. يقول: «وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا»، هذا بيت المطبوع الوحيد تقريباً.
نعم يا جمال، محاضرة مهمة، نعلم هذا جيداً، رأيتم الفرق؟ الجاهليون لماذا رفعوا في طبقة نبيلة؟ لماذا كلام ظاهر هين الدلالة الأولى، وبالتركيب والنظم أتى بمرمى بعيد جداً جداً؟ هنا المرمى أقرب جداً والبلاغة أظهر. ما الفرق بين الطبقتين؟ القريحة.
ابن خفاجه الأندلسي من واقع شعره لا يستطيع أن يصنع ثلاثة أبيات على طريقة أبي ذؤيب، لا يستطيع، مستحيل. طبعاً لا تقل هنا لا، هو يستطيع أن يأتي بنص، أنا لم أقل لا يستطيع أن يكون عمر بن أبي ربيعة، أقول لا يستطيع أن يكون أبا ذؤيب؛ هو يستطيع أن يصوغ الدلالة القريبة الظاهرة، لكن لا يستطيع أن يبعد فيها المرمى كما أبعد الجاهليون، فهمتم؟ لا يستطيع أن يبعد فيها المرمى كما أبعد الجاهليون.
الدكتورة شيماء تقول: محاضرة مهمة جداً لدارس الأدب المقارن، الحمد لله. مثلاً يقول: فما كان إلا أن طوتهم يد الردى .. وطارت بهم ريح النوى والنوائب فما خفق إيك غير الجبل يتكلم .. فما خفق إيك غير رجفة أضلع ولا نوح ورق غير صرخة نادبي .. وما غيض السلوان دمعي وإنما نزفت دموعي في فراق الأصاحب .. فحتى متى أبقى ويضعن صاحب أودع منه راحلاً غير أبي .. وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا فمن طالع أخرى الليالي وغاربي .. فرحماك يا مولاي دعوة ضارع يمد إلى نعماك راحة راغبي .. فاسمعني من وعظه كل عبرة يترجمها عنه لسان التجارب .. فسلى بما أبكى وسر بما شجى وكان على ليل السرى خير صاحبي .. وقلت وقد نكبت عنه لطية سلام فإنا من مقيم وذاهبي ..
أنا أحب القصيدة، أنا أحب القصيدة يا إخوة، أنا أحب هذه القصيدة، لكن أقول: انظروا فرق التشبيه، انظروا فرق الكلام، انظروا فرق البيان، بعد المرمى الجاهليون. الجاهليون -رضي الله عنكم- منزعهم الطبع مع أبعاد المرمى. والمتاخرون، منزع أكثرهم لأجل الأبعاد لأن الذي يأتي بالبلاغة هو بالوجوه البلاغية يريد الأبعاد، يريد أن يرفع المستوى الدلالي البعيد. أما المتاخرون، فمنزع أكثرهم البلاغة الظاهرة الجرمية، ظهور الوجوه الظاهرة الشديدة الظهور.
والذي نزع منهم إلى غير الظاهر، خفض المعنى، خفض المرمى، قرب المرمى، قرب الغور؛ يعني كل من أراد التعميق من المتأخرين أتوا بالبلاغة الظاهرة الوجوه الظاهرة. ستقول لي من؟ أقول لك: صرع الغواني، ومسلم بن الوليد، وابن الوليد، وأبو تمام، وابن الرومي، والبحتوري، وأيضاً وإن كان البحتوري له لذة خاصة، هكذا له صفة خاصة، لكن البحتوري أيضاً، والمتنبي، كل هؤلاء مصنعون. وفي عصرنا بدر الدريع، بالمناسبة، من هذا النمط؛ بدر الدريع من هذا النمط، كلهم إذا أراد أن يذهب إلى طبقة أبعد في البلاغة أتى بالوجوه الظاهرة لا يعرفون غيرها أصلاً.
والذي اختار منهم التقريب، يعني أن يأتي ببلاغة غير ظاهرة، اضطر إلى أن يقرب المدى؛ لم يستطيعوا في جملتهم أن يجمعوا بين بعد المدى وخفاء الدلالة أو طبع الدلالة. ولذلك ارتبط -وأنا بينت هذا في محاضرة في الأردن- المطبوع، ابحثوا عن المطبوع والمصنوع في قناتي هنا، ولهذا ارتبط الشعر القريب أو الشعر المطبوع بالقريب الغور.
أضيف إلى هذه الأمثلة أو إلى أبي ذؤيب ما قلناه أمس أو أول أمس من النابغة الذبياني وزهير: بكرت عليه غدوه فرايته .. قعودا لديه بالصريم عواذله عرفتم الدلالة، لكم أن ترجعوا وأن تسمعوا مرة أخرى. وكذلك تراهن خلف القوم خزراً .. عيونها جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
دلالة غير صريحة بعيدة، لكن الكلام مطبوع، له طبقة، الكلام مطبوع وله طبقة دلالية أولى. أما الكلام كما رأيتم هنا، الكلام الآخر المصنوع، فليس له طبقة دلالية أولى لأن البلاغة وجوهها ظاهرة، فأنت من الأول تدرك هذا المبعد. فالجاهليون قربوا اللفظ، لفظه وأبعدوا المرمى، أتوا بالمطبوع بعيد المرمى. المتأخرون لم يستطيعوا هذا الجمع، ففعلوا ماذا؟ أخذوا إذا أرادوا التعميق الوجوه البلاغية الظاهرة جداً، ومن أراد الطبع ماذا فعل؟ اضطر إلى التخفيف، بخلاف الجاهلي الذي أتى بهذا مع الأبعاد، المتأخر لم يستطع أن يجمع بين الاثنين.
ولهذا يقول أبو عبيد الله، وزير المهدي، وهو معاوية بن عبيد الله بن يسار، توفي عام 170، وكان المهدي يجلّه جداً، وكان فيه تيه في نفسه؛ له كلمة رائعة جداً يقول فيها بالنص: «خير الشعر ما فهمته العامة ورضيته الخاصة». يعني العامة سيفهمونه لأنه قريب مطبوع، والخاصة يعلمون ما وراءه، بعيد، يسير وعميق.
ولهذا كان القرآن كذلك، كما قال ابن الأثير في كتابه المثل السائر: «خير الكلام ما فهم العامة معناه وعرف الخاصة فضله». ولهذا تجدون في القرآن: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. وفي نفس الوقت القرآن معجز، فكيف قريب في الذكر؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾، ومع ذلك القرآن معجز لبلاغته، كأمرئ القيس والنابغة وزهير؛ لأن له دلالة أولى تحصلها، وبعد ذلك الخاصّة يعرفون فضله، طبقة أخرى. هذا هو.
محاضرة مهمة يا إخوة، وهكذا اذهبوا واقرأوا الشعر الصناعي الأندلسي وغير الأندلسي، واقرأوا الشعر الجاهلي العالي، سترون الجاهلي مطبوعاً بعيد المرمى، سترون الأشعار المتأخرة الجيدة العالية مصنوعة، الجيدة العالية مصنوعة ومرماها قد يبعد لكن هو أقرب من الجاهلي بكثير، هذا ما لم يقدر عليه المتأخرون.
المعاصرون وجاؤوا وظنوا أنهم فهموا الشعر الجاهلي، فقالوا نقوله ونحن نائمون، والله يقبرهم! بيت لأبي ذؤيب كالذي رأيناه اليوم.
نعم، شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد