السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحبا بالكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتني إلى سلامة البث صوتاً وصورة، من بعد إذنكم، أرجو طمأنتني إلى سلامة البث صوتاً وصورة.
الحمد لله، بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة، لعلكم تعلمون موضوع اليوم الذي أعلنت عنه قبل قليل، وهو حول المنزع البياني للشعر الجاهلي. هذه المحاضرة أيها الإخوة محاضرة خطيرة جداً، ومهمة جداً، ودقيقة جداً. والذي سيوعب قضيتها ولو على الجملة هو الذي له نوع فهم؛ لا أقول شرط أن يكون طالباً لعلم الشعر، أو أن يكون شاعراً ناقداً ومغرقاً في علوم الشعر والنقد كما بعض الفئات الخاصة، لا أقول من له متابعة معنا على الأقل، له متابعة معنا ويفهم قضية الشعر وقضية الدلالة والبيان، سيحيط بهذه المسألة ولو على الجملة إن شاء الله.
هذه المحاضرة خطيرة جداً، ومن أسباب خطورتها -مع وجود خطورة ذاتية فيها- من أسباب خطورتها الطارئة أننا الآن نعيش مرحلة، للأسف الشديد، تقدمت فيها أسنان الأحداث. كنا نتكلم، أو كان الناس تتكلم قديماً حول الأحداث، أو حدثاء الأسنان الصغار الذين يتحدثون في ما لا يحسنون ويتجرون على القول دون تحقيق وبمعرفة قريبة الغور، لكن واضح أن هؤلاء تقدمت سنهم، وصار من هؤلاء من يتكلم وهو يتخذ هيئة العالم الممارس، أو هيئة الذي يفتي في الأدب والنقد والعربية وطبقات الشعراء للأسف الشديد، وصاروا كأنهم يستلذون الحديث في المسائل التي يكسرون بها النمط العام، وكان كل كسر للنمط العام أو للنمط السائد، وكان كل خروج عن المألوف، هو نوع من الشجاعة والصحة الفكر المرموق الذي سيأخذ مكانه سامقاً في المستقبل بعد أن يحدث الصدمة في الناس.
تصورات طفولية جداً، على طريقة الأطفال المراهقين "خالف تعرف" كما نقول في مصر. فأنا أتكلم هنا بكلام لا يهمني فيه أن أجيب عن فلان أو أن أرد على فلان، أحياناً يكون الأمر أقل شأناً من ذلك، وإن كنا قد نجيب لأحوال معينة وعوامل معينة، ولكن أنا هنا أعطيكم قضية أخطر ومفهوماً أوسع حول منزع البيان في الشعر الجاهلي.
في البداية، القضية هي قضية منزع بيان؛ كيف ما الطريق الذي سلكه الشعر الجاهلي في البيان؟ فأحدث هذه البلبله التي ترونها، سواء أحدثت إشكالاً عن طريق أناس يسلمون للشعر الجاهلي ولا يفهمون، أو عن طريق أناس هم مثلهم في مستوى الإدراك والعلم والوعي ويهاجمون أو يستهينون أو يقولون الأمر ليس كما تظنون. وكلاهما قد قصر، أو كان فيه لا أقول التقصير بل القصور؛ عجز في ذاتهم عن إدراك هذه الحقائق. فنحتاج إلى أن نعرف ما المشكلة، ما المنزع هذا؟ عنوان هذه المحاضرة: المنزع البياني في الشعر الجاهلي، أو كما كتبنا: التفصيل نظرات وهكذا، لأنني سأقف على أمثلة في هذا.
لكن في البداية، ما مشكلة الشعر الجاهلي مع الممارس العام، قد نسميه بلغتنا الدارجة أو استعمالنا الدارج الممارس العام أو المثقف العام؟ القاعدة أيها الإخوة أن الإنسان عدو ما يجهل، والقاعدة أن الإنسان لا يقدر على تقدير ما لا يحيط به. أوعبوا هذه القضية جيداً حتى تفهموا الأمر؛ الإنسان لا يقدر على تقدير ما لا يحيط به، هو لا يراه، بالتالي هو لا يراه، حتى لو كان فوق الذي يراه ويدركه هو لا يراه، حتى لو كان أجود مما يراه لكن هو لا يرى هذه الجودة. فالإنسان لا يقدر على تقدير ما لا يحيط به علماً، ما لا يدرك، وبالتالي هو لا يراه وإن كان فوق ما يدركه.
وكما قالوا: الإنسان عدو ما يجهل. إذاً التقدير في الإدراك؛ هذه قاعدة، حتى تقدر شيئاً لابد وأن تدركه أولاً، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. في بداية اشتغالي بالشعر جاءني صديق شاب صغير وقال لي: "أنا لا أدري"، وكان ذلك في بداية انغماسي الشديد في الشعر الجاهلي، فقال: "أنا لا أدري لماذا أشعر بأن شعر المتنبي أجود وأوقع في نفسي من شعر امرئ القيس أو من شعر الجاهلية؟". فقلت له: "لأنك فهمته، أنت لم تفهم الآخر". والله وافقني مباشرة قال: "نعم صحيح". هو يدرك؛ لأنه كان طالب علم وكان عاقلاً، أنا أعرفه جيداً، كان طالب علم وكان عاقلاً. قال: "لماذا أشعر؟" وهو ليس مشتغلاً بالأدب، بل ربما يتقن بعض اللغات الأجنبية أكثر من العربية، فقال: "لماذا أشعر بأن المتنبي أعلى في نفسي من الشعر الجاهلي؟". فقلت له: "لأنك فهمته". ليس أكثر. فقال: "آه صح، هذا هو".
التقدير فرع عن الإدراك، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فالذي لا يتصور شيئاً معيناً سيخرج به عن الحكم عليه، لن يراه من الأساس. فإذا جئنا إلى الشعر الجاهلي خاصة، وجدنا مشكلته على التحديد؛ وجدنا مشكلته على التحديد هي أنه يجمع بين شيئين، ركزوا في الكلام واكتبوا -وأنصح الإخوة أن يتفاعلوا مع البث يا إخوة لو سمحتم حتى يصل إلى إخوانكم، المحاضرة خطيرة جداً فتفاعلوا مع البث لو سمحتم- الشعر الجاهلي الذي جعله دون الإدراك، مشكلته على التحديد هي أنه يجمع بين صفتين، أو فيه خاصتان.
الأولى أنه يحوي طبقة الدلالة المطبوعة القريبة في ذاتها، والصفة الثانية أنه بعيد المرماه؛ انتبهوا إلى هذا، هو الخطر في قضية الشعر الجاهلي. أنا رجل أشتغل به منذ زمان، واشتغالي به اشتغال متطرف، تفرغت وأوقفت الحياة عليه، فاشتغالي هو أضعاف سنوات الاشتغال الطبيعي العادي المألوف المعهود. وأقول لكم هذه النقطة الخطيرة في الشعر الجاهلي، احفظوها وانقلوها، سأبرهن لكم عليها. الشاعر الجاهلي يجمع بين صفتين، هاتان الصفتان من القليل النادر من العسير اجتماعهما في القدرة البشرية القريحية اللغوية، تحدثت عن هذا على مستوى الطبقات وليس على مستوى البشر، فالجاهليون بشر ليسوا كائنات فضائية.
وكما أن اجتماع هاتين الصفتين عسير، كذلك اجتماع هاتين الصفتين يعمل شركاً للعقل غير المتمرس وغير المنتبه؛ اجتماع عسير بالنظر إلى الصانع، واجتماع ملغز مضلل لصاحب العقل اللغوي الضعيف، أو القوي المتأخر الضعيف عن هذه الدرجة.
متداخلة تفهم بسياقاتها، لكن أقول لكم بلغة قد تكون عصرية: أن تكون بلاغته غير جرمية، أن تكون أصلية الدلالة، وأنا تكثر الصنعة في الكلام، هذا معنى المطبوع.
شعر عمر بن أبي ربيعة مطبوع لكن ليس بعيد المرمى، وشعر النابغة الذبياني مطبوع، خلاص. شعر البحتري ملغز، قصة واحدة وأنا شرحت هذا من قبل. شعر أبي تمام مصنوع، شعر المتنبي مصنوع، ليس مطبوعاً بالمرة، شعر المتنبي مصنوع، وشعر أبي تمام مصنوع. شعر ابن الرومي أبو الصنعة، وشعر سريع الغواني مصنوع، وشعر أبي نواس يمتاز فيه وفيه وفيه. والبحتري أيضاً فيه، لكن هو يداخل ويغطي الصنعة الشديدة، لكنه مليء بالصنعة.
أما عمر بن أبي ربيعة مثلاً فشعره مطبوع، والمطبوع هو البعيد عن الصنعة المقصودة التي تخرج الكلام عن دلالاته الأولى. خلاص، هذا معنى المطبوع: البعيد الخالي من الصنعة، ليس الخالي من الاستعارة، ليس الخالي من الجناس، ليس الخالي من الطباق. لكنه مثلاً امرؤ القيس لما قال: «مكرمٌ مفرٌ مقبلٌ مدبرٌ معاً»، شطر واحد ملئ بماذا؟ ملئ بالجناس والطباق، يعني احتشد فيه الجناس والطباق. لما قال: «مكرم مفر مقبل مدبر معا»، ثم قال: «تجلمد صخر حطه السيل من علي»، هذا مطبوع مع كون الشطر الأول حشد فيه الجناس والطباق.
لكن سترى فرقاً بينه وبين قول أبي تمام: السيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيد الصحائف لا سود الصحائف ... في متونهن جلاء الشك والريب
«مكرم مفر مقبل مدبر معا» فيها جناس لكنها مطبوعة. المقصود بالصنعة هو أن يظهر قصد إخراج الكلام عن دلالاته الأولى، وهذا ما لم يحصل في «مكرم مفر». لما يقول مثلاً المتنبي بهذه العلاقة التبادلية: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
هذه العلاقات الهندسية ليست مطبوعة، هي صنعة زائدة من خارج الكلام، هذا معنى مطبوع.
ما الذي يراد بالصنعة؟ ركزوا معي في هذه المقدمة، هذا الكلام خطير، هذا التقعيد خطير، لهذا أنا جعلت هذه المحاضرة في أثناء التجهيز لها، يعني على البث، جعلتها في سلسلة التكوين الفكري، أنصحكم بهذه السلسلة فهي شديدة. هذه المحاضرة بالنسبة إليكم جوهرية ومحورية يا إخوة، ستفهمون بها هذا اللغط وهذه المراهقة الفكرية التي تحصل حول الشعر الجاهلي الآن، وستفهمون لماذا عجزوا عنه. المحاضرة محفوظة وخطيرة وباهة وتداولواها لو سمحتم، وسأبحرن لكم بها إن شاء الله.
ليس الآن موضوع التفرقة، هذا له كلام كبير، ولي محاضرات ألقيتها في الأردن ولي كتابات في كتاب التأسيس حول معرفة المطبوع والمصنوع، ليست القضية الآن. لكن المطبوع، نرجع إلى السياق، الشعر المطبوع، أسأل هنا سؤالاً: ما الذي يراد من الصنعة؟ الذي يراد من الصنعة تعميق الكلام، تعميق الدلالة وأبعادها. لماذا؟ لأن الأصل في المطبوع إذا قيل أن يكون قريب الغور، مفهوم.
الأصل في المطبوع ماذا قال عمر بن أبي ربيعة؟ أمنّا لنعم أنت غادٍ فمبكرُ ... غداة غدٍ أم رائحٌ فمهجرُ لحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذراً والمقالة تعذرُ أهيم إلى نعم فلا الشمل جامعٌ ... ولا الحبل موصول ولا القلب مقصرُ ولا قرب نعم إن دنت لك نافعٌ ... ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبرُ وأخرى أتت من دون نعم ومثلها ... نهى ذنوي أو يفكرُ إذا زرت نعماً لم يزل ذو قرابةٍ ... لها كلما لاقيتها يتنمرُ عزيز عليه أن ألمّ ببيتها ... يسر لي الشحناء والبغض يظهرُ أكنّي إليها بالسلام فإنه ... يشهر أماني بها وينكر بأيه ما قالت غداً تلقيتها ... بمدفع أكنان أهذا المشهر؟ قفي فانظري أسماء هل تعرفينه؟ ... أهذا المغيري الذي كان يذكر؟ أهذا الذي أطريتُ نعت فلم أكن ... وعيشك أنساه إلى يوم أقبر؟ فقالت نعم لا شك غير لونه ... سرّ الليل يحيي نصه والتهجرُ لأن كان إياه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغيرُ
هذا كلام مطبوع، كلام يأتي على أصول الدلالة الطبيعية في تسلسلها ونظامها ودلالتها، لكنه قريب الغور. كذلك لما يقول: ألا قل لهند احرجِي وتأثمي ... ولا تقتليني لا يحل لكم دمي وحلي حبال السحر عن قلب عاشقٍ ... حزين ولا تستحقبي قتل مسلمِ فأنت وبيت الله همي ومنيتي ... وكبّر منانا من فصيح وأعجمِ ووالله ما أحببت حبك ما ولا ... ذات بعل يا هنيدة فاعلمي فصدت وقالت كاذب وتجهمت ... فنفسي فداء المعرض المتجهمِ فقالت وصدت ما تزال متيماً ... صبوفاً بنجد ذا هوى متقسمِ ولما التقينا بالثنية أو مضت ... مخافة عين الكاشح المتنمِّ أشارت بطرف العين خشية أهلها ... إشارة محزو ولم تتكلمِ فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباً ... وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيمِ
هذا مطبوع، قريب. فماذا فعل أبو تمام لما أراد أن يعمق؟ انظر الفرق الآن وأخبروني: أأبيات أبي تمام ستكون أعمق أم أبيات عمر؟ السيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيد الصحائف لا سود الصحائف ... في متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب؟
هذا شعر أعمق أيها الإخوة. والبحتري، انظر قارن بين البحتري وعمر بن أبي ربيعة. طبعاً البعض يظن أن القديم على طول الخط سيُرجح، القديم أجود، لا، طبعاً لا. لا يقوم عمر بن أبي ربيعة لأبي تمام ولا للبحتري في جودة الشعر، لا يقوم لهما. عمر ولد عام ٢٣ وتوفي عام ٩٣، يعني من السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى، عمر من السلف الصالح، أبوه كان صحابياً ولاه النبي ﷺ على اليمن أو في اليمن بعض الأعمال، خلاص، فعمر من القرن الأول ولد ومات في القرن الأول. وأبو تمام والبحتري في القرن الثالث، أبو تمام توفي عام ٢٠٣ أو ٣١ أو قيل ٣٤ لا أذكر، والبحتري توفي عام ٢٠٨.
لكن انظر إلى قول البحتري مثلاً، انظروا ما قرأته في شعر عمر، واسمعوا إلى قول البحتري: لمحمد بن علي الشرف الذي ... لا يرمق الجوزاء إلا من علي وسماحه لولا تتابع مزنها فينا لبات ... المزن غير مبخلي والجود يعذله عليه حاتمٌ ... سرفاً ولا جود لمن لم يعذلي
فضل وأفضال.
وما أخذ المدى بعد المدى كالفاضل المتفضل، سار إذا أدلج العفاة إلى الندى، لا يصنع المعروف غير معجل، عال على نظر الحسود كأنما جذبته أفراد النجوم بأحبلِي. ويقول: أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آل طلحة ثم لم يتحول؟ ضيف لهم يقري الضيوف ونازل متكفل عنهم ببر النزل زلي، نفسي فداؤك يا محمد من فن يوفي على ظلم الخطوب فتنجلي. إني أريد أبا سعيد والعدا بيني وبين سحابة المتهلل، مضر الجزيرة كلها وربيعة الخابور توعدني، وازد الموصل قد جت بالطرف الجواد، فثنه لأخيك من أدد أبيك بمنصلي.
البحتري هنا وأبو تمام صاحب صنعة وعمق، فما الذي يراد من الصنعة والعمق؟ لماذا لا تسلك عن طريق الطبع؟ ولهذا انقسم الشعر بعد ذلك قسمين من بعد الجاهليين والإسلاميين الأوائل. استمعوا إلى هذا جيدًا؛ لأني لم أرَ من انتبه إلى هذا التقسيم وهذا التتبع التاريخي للقضية وتعليل فكرة الانقسام.
يقولون على المطبوع، أو يقولون كلمة "مطبوع" على الشعر الخفيف القريب، ويقولون للشعر الثقيل إنه "مصنوع"، شعر صناعي جميل عالي. فكيف صارت كلمة "طبع" وكلمة "صنعة" مترادفتين للخفيف والثقيل؟ إنه من بعد الجاهليين والإسلاميين -أو الطبقة الأولى من الإسلاميين- صار الجمع بين الطبع والثقل صعبًا، ولهذا استغنى الشعراء عن الطبع، وقد خفت القرائح، فاستغنوا عن الطبع ومالوا إلى الصنعة لأجل الثقل في البلاغة وأبعاد المرمى.
صار الذي يأتي بالمطبوع يُخف في الثقل البلاغي ويأتي بقريب الغور، مثل عمر بن أبي ربيعة؛ هذا تحقيق مهم لمن غنمه وعليه غرمه، وهو على استعداد للمناقشة. صار هذا استقراء للقضية وتتبع الطبع وفكرة الشعر المطبوع، وانطلق فيه من حال الشعر القديم نفسه؛ لأن الجاهلية وجدته مطبوعًا لكن ليس خفيفًا، فكيف سميت المطبوع؟ وكيف جعلت المطبوع قريبًا للخفيف كما نستعمله الآن؟ وجدت الجاهلية ثقيلًا وليس مصنوعًا في أغلبه، فكيف صار "المصنوع" مرادفًا للشعر الثقيل؟
هذا ما حصل لما خفت القرائح منذ العهد الإسلامي، صار الذي يأتي بالمطبوع يعصر عليه أن يبعد في المرمى، فصار يخفف. نموذج هذا الأول عمر بن أبي ربيعة، في أكثر شعره يهدي -بمنطق كلام جرير- ويأتي بالمطبوع شعرًا لكن خفيفًا، وبعد ذلك صار من يعمق الشعر يأتي بالمصنوع. وأنت تستطيع أن تشعر الفرق في الشعر المطبوع عن المصنوع، وترى كيف أن غرض المصنوع أن يأتي بالثقيل.
لماذا مثلاً يقول المتأخر: «وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد»؟ هذا شعر ضُخت فيه الصنعة. «وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد»، هذه بلاغة "جرمية" يفهمها المعاصر وفي برامج البودكاست يقول "الله الله". الناقد له كلام آخر في مثل هذا الذي يعرف طبقات الكلام، لكنه يصنع. «وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد»، هذا مصنوع جدًا، ابتعد عن الطبع تمامًا وضخت فيه الصنعة، وصارت بلاغته كما أسميها جرمية، أي بني على استعارة صريحة ومجاز صريح، كأن المرأة اختفت تحت المجازات.
فهمتم؟ هذا شعر صنع، وهذه مشكلة الشعر الجاهلي أنه جمع بين الصنعة وبين الطبع وبعد المرمى. وهذا ما يجعل المعاصرين، وبخاصة الحداثيين، لا يدركون بلاغته. لماذا إذا كان مطبوعًا ثقيلًا لا يدركون بلاغته؟ الجواب لأن المطبوع له طبقة دلالة أولى، والمعاصرون وبالأخص الحداثيون ينخدعون في الطبقة الأولى، لكن المصنوع هو كله صنع، ليست هناك طبقة مطبوعة تكون شركًا كما قلت منذ قليل.
«وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد» بلاغة جرمية تقول لك لن تفهمني إلا إذا كنت تعرف البلاغة الواضحة الجرمية؛ أي البلاغة الظاهرة. مثل: «بيد الصفائح لا سود الصحائف»، واضح يقول لك بيد الصفائح الحديدية، صفيحة السيف، لا سود الصحائف، فيها جناس وطباق ومعشق، فانت لن تفهمه إلا إذا فهمت الجناس والطباق. وكذلك: «في حدة الحد بين الجد واللعب»، فيها جناس وطباق.
«على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم، وتعظم في عين الصغير صغارها، وتصغر في عين العظيم العظائم»؛ انتبهتم؟ هذه بلاغة جرمية، هي هندسة، فيها جناس وطباق، هي مصنوعة ومقصودة. أما الشعر المطبوع فله معنى قريب ظاهر يخدعك عن المعنى البعيد، وهو له معنى بعيد يخدعك.
فالمعاصر يسقط؛ يأتي رجل معاصر يقرأ: «وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد»، أو يقرأ: «في حدة الحد بين الجد واللعب»، أو يقرأ: «بيد الصفائح لا سود الصحائف»، أو يقرأ: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم»، ثم يقرأ مثلاً: «وأبيض فياض يداه غمامة، على معتفيه ما تغب فواضله، بكرت عليه غدوه فرايته، قعودًا لديه بالصريم عواذله»؛ هذا مطبوع، هو ليس فاهمًا، هذا المعنى قريب. بيت زهير في جسمه، أجيبوا لي الآن بنعم أو لا: هل أبيات زهير في جسمها أسهل من أبيات النرجس والمطر؟ ومن تمام المتنبي، صح أو لا؟
أبيات زهير أسهل، وأبيات امرئ القيس أسهل، فالذي هو أصل الشعر عند العرب أبياته أسهل من أبيات "اللؤلؤ والنرجس" هذه. أو مثلاً: «تراه خلف القوم خضراء عيونها، جلوس الشيوخ في ثياب المرانب»، هذا أيضًا أسهل. قارن هذه القطع الثلاث التي جئتك بها: «وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد»، و«على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم»، و«السيف أصدق أنباء من الكتب في حدة الحد».
بين الجد واللعب، بيض الصفائح وسود الصحائف، في متونه جلاء الشك والريب. هذا أعسر بكثير في الظاهر.
«وأبيض فياض يداه غمامة، على معتفيه ما تغب، فواضله بكرت عليه غدوة، فرأيته قعودا لديه بالصريم عواذله».
«وأصعب من تراهن خلف القوم خزرا عيونها، وجلوس الشيوخ في ثياب المرانب، وأصعب من كان مجر الرامسات ذيولها عليه حصير في بطون آل».
«إيه، في ماذا؟ قال: كان مجر الرامسات ذيولها عليه حصير نمقته الصنائع».
«فإنك كالليل الذي هو مدركي، وإن خلت أن المنتأ عنك واسع، خطاطيف حجن في حبال متينة، تمد بها أيدٍ إليك نوازعه».
هذا أسهل بكثير. فماذا يحصل؟ يأتي بعض المعاصرين ويتجرأون، سنكسر المألوف؛ نحن علماء وننظر، ولنا ذوق، فيقولون: الشعر الجاهلي أسهل بكثير، حتى إن أحد الذين لا يخافون على سمعتهم الأدبية والعلمية يقولون: «قفا نبكي» تقال وأنت نائم! تخيلوا إلى أي حد وصلت استهانة المرء بنفسه، وظلمه لنفسه، وإهانته لنفسه أن يقول هذا الكلام؛ أشعار الجاهليين تقال ونحن نائمون؟ فهمتم القضية؟
السؤال الآن: لماذا قلت بالأخص الحداثيين؟ لماذا؟ الجواب لأن الحداثيين تخطوا مرحلة البلاغة الجرمية. نحن قلنا إن هناك من لن يشعر بالبلاغة إلا إذا رأى كثيراً من المعاصرين هكذا، إلا إذا رأى... ومن هؤلاء شعراء مجيدون، لكن ليس مجال التسمية الآن، شعراء مجيدون وأنا أثني عليهم بلغتهم الجرمية؛ لن أقول بدر الدريع مثلاً، لكن بلاغتهم جرمية، لكن بلاغة صنعة، أنا أقول بدر الدريع شاعر صنع، خلاص هذا ليس به بأس، لأن الإدراك الجاهلي أو المطبوع العالي لا يتأتى، فهم شعراء يصنعون للتعميق.
فإذا كان هناك من المجيدين أو من المعاصرين يستطيعون أن يأتوا بـ «فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد» ولا يفهمون إلا هذا، أو في حده: «بين الجد واللعب، بيض الصفائح وسود الصحائف، في متونه جلاء الشك والريب»، إذا كان هناك أناس هكذا، فالحداثيون تخطوا البلاغة الجرمية، تخطوا الاستعارة والمجاز والمجانسة والمطابقة والتورية وكذا، تجاوزوا كل هذا إلى الإخلال بدلالة الطبقة الأولى من الكلام.
تجاوزوا إلى الإخلال، هم أصلاً صار حتى الكلام القريب، أول طبقة في المطبوع سواء كان ثقيلاً أو خفيفاً، أو أول طبقة حتى في البلاغة الجرمية التي هي الطبقة العميقة، تجاوزوها؛ فصار يشرب الكهرباء المقطوعة، ويمشي على كرسي ليس له سقف، ويتخطى من ثلاث ريشات من رقبة العدم، ويسير إلى حيث لا يسير، حتى تجاوز نفق الأعين.
هذا الحداثي المعاصر، هذا الحداثي من المعاصرين، مستحيل يتجاوز الطبقة الأولى، هو صار يحتقر الدلالة الأولى. إذا كان القارئ التقليدي، صاحب البلاغة الجرمية كما أسميها، يقف عند الدلالة البليغة، وإذا قرأ المطبوع لم يفهم أكثر من المعنى حوله، فالحداثي يحتقر الدلالة الأولى، فهمتم؟
ولهذا بعضهم لما سُلّط على «أبي قيس» قبل سنوات قليلة ليدافع عن نص سمي نصاً لحداثي معاصر، نقدت نصه لما زعم أنه أفضل مدحة نبوية جاءت بعد البصيري، وما بين البصيري وبين هذا الشاب لا قيمة له، ولولا أنهم يخافون ربما الاتجاه الصوفي عند البصيري الذي ينصر القصيدة، لقالوا لا البصيري حتى... لكن ما بين البصيري إلى هذا الشاب قالوا: هذا ليس شعراً.
طبعاً تعرفون جماعة الحداثة وجرأتهم، لأنهم نشأوا في بيئات معادية للتراث العربي أصلاً، حتى وإن كانوا اتجاهات إسلامية وعروبية، هم نشأوا في البيئات الشامية واللبنانية والفلسطينية والسورية؛ هذه بيئات نشأت معادية للتراث. سترى الشعراء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين يرون هؤلاء الشعراء حداثيين؛ أشهر هؤلاء من فلسطين محمود درويش، وفي لبنان سعيد عقل، وفي سوريا... إذا وضعت يدك في القفص ولم تلدغ، ستجد كل شوية يطلع لك واحد، مئات، غير أدونيس، أعوذ بالله لا أحسبهم عليه.
هؤلاء صاروا يحتلون... لا يا إخوة، لا أستمرئ نفسي وأنا أعمي الأسماء، لماذا أعمي؟ أنا رجل صريح. ما جرى أن صلت أختنا الكريمة، إيثاء صالح من سوريا، فمررت على مقطعها وهي ترد علي فقالت: «سبحان الله، اللحظة التي دخلت فيها هي التي سمعتها الوحيدة، ووجدتها تقول: أبو قيس لن يفهم الرموز الحداثية الجديدة لأنه غارق في الشعر الجاهلي المباشر».
أنتِ يا أستاذة تظنين أن الشعر الجاهلي مباشر؟ هي نعم قرأت الدلالة المطبوعة المباشرة ووقفت عندها واحتقرتها، رأت أن هذا نظام قديم بخلاف أمثال جماعة بدر الدريع وشعراء الشيعة والشعراء المحسنون في كل مكان؛ هؤلاء حتى لو وقفوا عند الجرمية لا بأس، هم على طبقة شعرية جيدة إلى حد كبير، فيدركون، حتى لو كان مطبوعاً سيعجبهم، حتى لو لم يفهموا المرمى سيعجبهم.
لكن الحداثيين وقفوا عند الدلالة المطبوعة ثم احتقروها، فإذا كانوا احتقروا المطبوع فكيف سيتجاوزون إلى المرمى البعيد؟ فهمتم لماذا قلت وبخاصة الحداثيين؟ لأنهم يدمرون اللغة المبينة كما يقولون، هذا من نصوصهم بالمناسبة، فكيف سيتجاوزون إلى بعد المرمى؟
نأتي الآن إلى قضية التمثيل يا إخوة، وهذا أصلاً أساس المحاضرة الآن، الذي أقوله هو التمثيل، لكن قاعدته في أول الكلام كانت مهمة جداً. الآن سأقيم لكم البرهان من جهة الأمثلة، أمثلة ستجلي لكم تلك القضية. في الصباح والله أخذتني نشوة هكذا لإنشاد قصيدة زهير بن أبي سلمى اللامية: «القلب عن سلمى وأقصر باطله، وعرّف إفراس الصبا ورواحله».
أخذتني نشوة فحتى سجلت لكم قطعة هكذا، لكن كنت أصلاً بعثتها لطلابي في المجموعات الخاصة ثم قلت أضعها للناس، وهي قول زهير بن أبي سلمى:
«وأبيض فياض يداه غمامة، على معتفيه ما تغب، فواضله بكرت عليه غدوة، فرأيته قعودا لديه بالصريم عواذله، يفدينه طوراً ويفدينه طوراً، ويلنه واعيا، فما يد إذن مخاتلة».
بكرت عليه غدوه، فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله.
سأجلي لكم الآن بالمثال الواضح، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً. سأجلي لكم الآن بالبرهان الواضح كيف جمع الشعر الجاهلي بين المطبوع الأصلي الدلالة وبين بعيد المرمى. هذه مشكلة الشعر الجاهلي، فهذه المشكلة التي لا يقدر عليها المعاصر: هل يمكنك أن تأتي بدلالة مطبوعة على أصلها مع كونها بعيدة في الإشارة؟ ما أنت لا تدري، تبدأ من المعنى أم الكلام؟ أم مش عارف تخش منين؟ تريد أن يكون ربنا أوعلك.
هذا تصور المعاصر؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفكر خارج قدرته، خارج التصورات. الإنسان عنده تصورات يفكر بها، لكن هل ممكن أحد يصل؟ لا يمتنع، هل ممكن أحد يصل في عصرنا إلى مطبوع ثقيل؟ لا يمتنع. وكأني أرى بعيني بعضهم، خلاص لا يمتنع، كيف سيقرؤون هذا؟
بكرت عليه غدوه، فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله. يقول: ذهبت إليه، أشوف هناك. أول شيء تعال نتكلم في الدلالة المطبوعة، سأكلمكم أول شيء في الدلالة المطبوعة الأولى: «بكرت عليه في الغداة». لم يكتفِ بالذهاب في الغداة، لكن بكرت أيضًا في الغداة.
«فرايته» على «الصريم»، والصريم هو القطعة من الرمل تنقطع بفعل الرياح وتُجمع قطعة هكذا، وبالتالي هي تكون خارج البيوت. فوجدته جالساً هناك وحوله النساء، نساؤه يعذلنه يلمنه. «بكرت عليه غدوه فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله».
فسيقولون لك ماذا؟ إنه يذكر أن نساءه يعذلنه على أنه أنفق المال وضيعه، هكذا البيت. هذا ما قد يفهمونه، أو يفهمه الحداثي، لأنه لا يفهم الدلالات إذا كانت أحياناً مصنوعة، فكيف إذا كانت مطبوعة؟ هل تعلمون أن هذه القصيدة من المدائح؟ هل تعلمون أنهم قالوا: امدح الناس زهير؟ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من أشهر نقاد القدماء، مدحه بهذا شديداً بأنه عميق، أو بأنه من أمدح الناس، وأنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه، وكذا أو بما تمدح به الرجال. وأجمع القدماء على أن أشد المدح أجود المدح مدح زهير.
تعالوا الآن نذهب إلى بعيد المرمى والدلالات التي ستنقلنا من طبقة دلالة المطبوع إلى الإشارة الشعرية بالمطبوع، التي جعلت المطبوع الجاهلي الثقيل أعسر شعر على وجه الأرض في التاريخ.
يقول: «بكرت عليه غدوه». يعني لو قال «بكرت عليه» فقط ماشي، ما هو ممكن «غدوه» تكون، أو لو قال «اغتديت عليه» ماشي، أيضاً وهذا بكور أيضاً، لكن لما يقول -اسمع يا مؤمن، اسمع يا صاحب العقل المكلف- «بكرت عليه غدوه»، يعني في الغداة التي هي بكور بالنسبة إلى اليوم، بكرت أنا داخل الغداة.
زهير لا يلقي الكلام هكذا؛ «بكرت عليه غدوه» يعني بكرت في أول الغداة. التبكير الذي هو نفسه في ذاته ظرف، هو طبعاً فعلاً أتكلم أقول في معناه ظرف، يعني التبكير الذي هو ظرف كان له ظرف وهو الغداة، لأن «غدوه» ظرف نحوي. فماذا؟ أول ما قال «بكرت عليه غدوه» صار هناك شيء دلالة؛ يقول لك بكرت في الغداة، إذاً سيقول شيئاً يتعلق بهذا المعنى.
«فرايته قعوداً لديه بالصريم». الصريم قطعة الرمل التي اقتطعت، صرمت من الصرم، اقتطعت من رمل أكبر أو من جبل أو من كثيب أو كذا وصارت قطعة هكذا، وهذه تكون خارج الديار لأن العرب يسكنون في الأماكن المطمئنة، فمعنى الصريم الذي يكون خارج الديار أنه خرج من الديار.
«قعوداً لديه بالصريم عواذله». متى؟ لما بكرت عليه غدوه. هذا وقت استيقاظ الناس. الرجل فعل شيئاً بالليل، ولما يقول «بكرت عليه غدوه فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله»، أي أنهن لاحقنه في الديار فتركهن وذهب إلى الصريم، فلحقن به إلى الصريم؛ لأنهن وجدنه قد أنفذ الطعام في الليل، وأطعم الناس ولم يترك شيئاً لأهل بيته.
«بكرت عليه غدوه فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله». بره المكان ده هو خرج، وهن خرجن وراءه من الهم، ليس هناك ما يطعمهم به أو يطعمهن ويطعم الأهل. «بكرت غدوه» يعني هذا يشير إلى ما تفعله العرب في الليل. أسألكم: هل هناك ذكر للليل في البيت؟ لا يوجد ذكر للليل، وهو جعل كل الأمر يدور حول ما حصل في الليل.
أحسنت، دل عليه الكلام. كيف دل عليه المطبوع؟ ما هو مطبوع ثقيل؛ «بكرت عليه غدوه». أنا رايح غداة بكور، يعني لم يحصل شيء في اليوم أصلاً، بكرت عليه في الغدو، في الغداة. بكور في وقت الغداة، هيجي واحد عريض القفا ثقيل للطبع يقول لك هناك حشو، قال «بكرت عليه غدوه» وإحداهما تغني عن الأخرى. لم يقل «غدوت عليه غدوه» أو «غدوت في الغداة»، بل قال «بكرت عليه غدوه».
«فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله». ذهبت، بكرت غدوه، فرايته خارج الديار على كثيب الرمل وعلى الصريم، والنساء حوله يلمنه يعذلنه. يعني أنا أتخيل أنهن استيقظن ووجدنا الوجود جوه البيت لا طعام فيه، فأجْرنه؛ لأنه لا يكون خارج في الصريم خارج البيت إلا بعد ضجر. فاضجرنه فخرج، ومن لوعتهن وغيظهن خرجن وراءه على الصريم. يعني حصلت أول ملاومة داخل البيت ثم خرج، خرج فلم يكتفِ بهن وخرجن وراءه.
«بكرت عليه غدوه»، ولهذا قال قبلها ماذا؟ اسمع البيت الذي قبله، أول الفصل في القصيدة، أول فصل المدح في الكرم: «وأبيض فياض يداه غمامة ... على المعتفيات على الطالبيه ما تغب فواضله»
يعني لا تتقطع شيئاً فشيئاً، متصلة. هذا الرجل جواب رب، لأن «أبيض فياض يداه غمامة» جواب رب ماذا؟ «بكرت عليه غدوه فرايته قعوداً لديه بالصريم عواذله».
تعالوا، عرفتم لماذا لا يفهمون الشعر الجاهلي؟ عرفتم لماذا قالوا الشعر الجاهلي نقوله ونحن نائمون؟ لأنهم بالفعل نائمون. هل يعرفون هذه الدلالات؟ هل انتبهوا إلى دق الشعر ولمح تشيرته وليس بالهذر؟ طولت خطبتي. عرفتم لماذا استنكفت عن مواجهتهم مرة أخرى؟ لأنهم أقرب إلى عقول الأطفال يا إخوة، أقرب إلى عقول الأطفال. لماذا لا ينتبهون؟ لماذا لا يمكثون عقداً أو عقدين على الشعر الجاهلي ليفهموه؟
بدلالات اللغة، لماذا لا يغرقون في اللغة؟ لماذا لا يقرؤون بل يحفظون معاني النحو؟ لماذا لا يغرقون في معاني الحروف، وفي قضية الجمل وإعراب الجمل ومعرفة الدلالات؟ يغرقون في مغني لبيب لابن هشام مثلا. لماذا لا يغرقون في معاني النحو للسمراء؟ لماذا لا يحفظون الفصيح؟ لماذا لا يعرفون الفروق والدلالات؟
لماذا لا يمنحون أنفسهم خمس عشرة عامًا مثلا على الشعر؟ أنا أقول خمس عشرة عامًا حتى لا أقول عشرين. أنا مكثت على الشعر خمس عشرة عامًا، غير طبعًا مكوثي في الدراسة العربية العادية السابقة والأزهرية. تفرغ على الشعر خمس عشرة عامًا تفرغًا متطرفًا؛ لماذا لا تفعلون هذا وتعرفوا تراث أمتكم؟ لماذا لا تعرفون تراث أمتكم؟
لكن يأتي بجهلهم وخفتهم للأسف، وكأنما استخفتهم وسائط التواصل الاجتماعي وسهولة الكلام، وخرج أحدهم شيخًا يورطه بما يشينه بالكلام. هو يظن أنه كذا، واجه الناس وتحدى وكذا، والله أشنته؛ لماذا؟ لأننا نعرف ما هو الشعر الجاهلي ونعرف لما تكلمت.
لماذا لا تمكث من عمرك عشرة أعوام، وعشرة أعوام تمكث على الشعر وتصبر عليه؟ بكرت عليه غدوه فرايته قعودًا لديه، أنا لم أشرح كل شيء في البيت والله، لم أشرح كل شيء في البيت: بكرت عليه غدوه فرايته .. قعودًا لديه بالصريم عواذله
لم أقل لك مثلا لماذا قعودًا وليس قعدت؟ ولماذا أخر الفاعل "عواذله" وقدم "بالصريم"؟ شوف، لم أتكلم في شيء من هذا بعد، لأنه ليس غرضي الآن، غرضي التمثيل: يفدينه طورًا وطورًا يلمنه .. واعيا فما يدري أين مخاتله
"يفدينه طورًا" يعني فدتك آباؤنا، فدتك أمهاتنا. "وطورًا يلمنه"؛ لا يصلح هذا، عندك بيت وعندك أولاد وعندك نساء وينبغي أن تقدم أهل بيتك، ما الذي تفعله؟ قمنا صباحًا باكرًا ما وجدنا طعامًا لنا ولأولادنا! "يفدينه طورًا وطورًا يلمنه".
"واعيا"، وما أسحر قوله "واعيا"؟ "أعيا" فعل متعدٍ، يعني أعيا فلان فلانة، أعياهم الأمر. ركزوا معي فقط الآن: أعياهم الأمر. فلو أن معربًا لهذا البيت أو هذه القصيدة كان يعرب، فجاء إلى "أعيا" وسُئل عن المفعول، ماذا سيقول من المفعول؟ يا أخوة النحو، في قوله "واعيا" من المفعول؟ وكيف يعرب المفعول هنا والفعل متعدٍ؟
أحسنت أختنا يسرى، أحسنت، أحسنت، أحسنتم أخانا البلوي: «أعياهن». أحسنتم جميعًا، كل من قال هذا. لا، ليس "أعيا"، هذا لا أتكلم عن الفاعل ولا "أعياه"، هو "أعياهن"؛ أعياهن القيم عن المفعول. فالذي يعرب ماذا سيقول؟ سيقول: حذف المفعول للعلم به، خلاص، هذا في جهة النحو.
أما في جهة نقد الشعر، فلهم كلمة أخرى، ويصححون هذا عادي، هو حذف طبعًا، لكن لماذا حذف؟ لماذا حذف هو حذف العلم به ولشيء آخر تكلم عنه عبد القاهر لما شرح قول عمرو بن معديكرب: «فلو أن قومي أنطقتني رماحهم .. نطقت ولكن الرماح أجرتي». يعني أجرتني.
عبد القاهر تكلم في هذا كلامًا طويلاً، قال لماذا؟ قال: "أجرت" وحذف المفعول للعلم به، فقال: "أجرت" ليجعل فعل الرماح عامًا، وإن فعل قومه "أجرت" كان سيجر كل من كان في موقعه. فقوله هنا "واعيا" يعني استعصى، لم يقل "فأعياهن". لكن "واعيا" يأتي الناقد لا النحوي؛ النحوي يقول: "أعيا" فعل متعدٍ لا بد له من مفعول والمفعول محذوف، تقدير الكلام "أعياهن" وحذف للعلم به، خلصت وظيفة النحو.
وظيفة الناقد للشعر أن يقول: "واعيا" أوحى بأن صفة الإعياء للغير هي صفة فيه، كان سيعي أي أحد غيره، سواء كان ذلك زوجاته أو كان غير ذلك. "واعيا"، لكن الفعل الذي فعلنه، الفعل الذي فعلنه هن، الفعل الذي فعلنه ظهر فيه المفعول: "يفدينه طورًا وطورًا يلمنه واعيا".
والفعل الذي هو لهن على صيغة المضارع ليصور لك تجدده وحدوثه: "يفدينه طورًا وطورًا يلمنه". وكلمة "طورًا وطورًا" يعني على التعاور. "يفدينه طورًا وطورًا يلمنه" يفدينه يلمنا، وهو "واعيا" فعله منجز ماضٍ، الله أكبر، مع أن الإعياء يتجدد مع الفعل، صح؟ وهو يعييهن.
ركزوا، شفتوا الشعر الجاهلي يشرح هكذا؟ فيه أعماق لم يرها. وهو يعييهن، وهو يلمنه ويفدينه، هو يعيهن، أعياؤه إياهن تحصل في أثناء لومهن وتفديهن، أليس كذلك؟ أعياؤه لهن فعل يتجدد بتجدد اللوم والتفدية، لكن قال "واعيا" وحذف حتى المفعول، لم يقل "أعياهن". اقرأ الشطر: "يفدينه طورًا وطورًا يلمنه". "يفدينه طورًا" فدتك أمهاتنا، "وطورًا يلمنه"؛ لا يصلح، لا يصلح، "واعيا" بس، خلصت خلاص.
"واعيا" والله كلمة بالدنيا! فن زهير هنا فن عجيب. والله يا إخوة على طول اليوم وأنا في هموم وفي كذا وأعيش همومًا وأقول: "يفدينه طورًا وطورًا يلمنه واعيا". اقرأ البيت لا تصل إلى "واعيا" بس، خلص حط نقطة وبعدين ابدأ ثاني: فما يدري أين مخاتله .. فاقصرن منه عن كريم مرزا
الله أكبر! "فاقصرن منه" ليس "عنه"؛ يا خرابي! يا لهوي على "منه"! لماذا لم يقل "فاقصرن عنه عن كريم مرزا"؟ لماذا قال "فاقصرن منه" مع أنه قال بعدها "عن كريم مرزا"؟ لماذا "فاقصرن منه"؟ لأن "منه" أراد أنهن كن منغمسات فيه، فخرجن منه وأقصرن منه. ألم يقل: "جلوسًا أو قعودًا لديه بالصريم عواذله"، يحتفن به، يلمنه، يفدينه وهو أعيا، "فاقصرن منه"؛ خرجن منه، "فاقصرن منه عن كريم مرزا". خلاص، "منه" هو لما خرج الآن الصفة أنه كريم، "كريم مرزا" صار عنه تجاوزناه، تجاوزناه عنه خلاص، "فاقصرن منه عن كريم".
رأيت كيف نقرأ الشاعر؟ الشاعر الجاهلي المزرد بن ضرار نفسه يقول: «تكر فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل». أنت بتقول: "فاقصرن منه عن كريم مباشر"، شعر قديم مباشر تجاوزته الألسنة والعقول اللغوية. الآن نحن في الحداثة لا يفهمها أبو قيس. كلام أختنا المسكينة ثناء الحاجة، أكرمها الله، مسكينة يعني أنا أحترمها، ما علينا عادي، حداثة، ممكن أقول مسكينة وأنا أصلاً أحترمها، المسكينة يعني الطيبة الجيدة المحترمة.
"فاقصرن منه" الشعر يُقرأ هكذا. خلاص، أبو قيس يفهم الشعر الصريح، الدلالة الصريحة التي جاوزتها الأزمان والعصور. تكر، فالجاهليون كانوا يروزون الشعر بالشفاه العوامل، وأبيض فياض، أنا كأني أراهم يقرؤون الشعر هكذا: "وأبيض فياض وينظر في وجوه القوم".
يداه غمامة، يداه يداه غمامة، على معتفيه ما تغب فواطله، بكرت عليه غدوه، فرايته قعودا لديه، بالصريم عواذله، يفدينه طورا وطورا يلنه، واعيا.
أحمد ربي على هذا الشعر إن أنزله الله، هذا وحي من الله. يفدينه طورا، طبعاً أنا لأني منفعل، أنا لم آتِ امرأ القيس، كنت أتحرق وأنا قاعد، امرؤ القيس فوق هذا كله، أخاف أتحرق، أنا جبت زهير. بالنسبة لزهير ابن كلس، ممكن أتحرق وأنا قاعد، ما ينفعش إذا رزت شعره هو سيتحرق؛ يفدينه طورا، يفدينه طورا، إذا رزت الشعر.
فما يدرين، فاقصرن منه، عن كريم مرزا، عزوم على الأمر الذي هو فاعله. الله أكبر! هو فاعله! أنت طبعاً تقرأ بسذاجة، بعقل التعفن الدماغي الحاصل الآن والحداثة؛ «الأمر الذي هو فاعله»، أي الذي سيفعله. شلل دماغي!
عزوم على الأمر، تعرف لماذا وصف الشيء بالجملة وأتى بالاسم الموصول؟ «عزوم على الأمر»، لأنهم كما قال لك العلماء، الاسم الموصول يُستعان به على وصف المعارف بالجمل، لا النكرات؛ لأن الجمل نكرات، فلا يمكنك أن تصف بها المعارف، ستأتي أحوالاً. خلاص، بدون «الذي»، «عزوم على الأمر» ستأتي حالاً للأمر، ستكون في موقع ماذا من الأمر؟ ستكون حالاً، سواء ستكون حالاً من الأمر أو من شيء قبلها. «عزوم على الأمر يفعله»؛ لأن الجمل نكرات يا إخوة، والجمل نكرات فلا توصف بها المعارف، إذا جاءت ستكون أحوالاً. جاء زيد يركب دابته، يركب دابته حال من زيد، لأن زيد معرفة والجملة نكرة، والنكرات بعد المعارف أحوال.
فإذا أردت -الله يرضى عليك يا شيخ الدبيخي- أن تصف المعارف بالجمل تستعمل الاسم الموصول: «عزوم على الأمر الذي هو فاعله». القضية الآن هو فاعله، جعل الأمر واقعاً، هو فاعله. تخيل: «عزوم على الأمر الذي هو فاعله». بعض أصحاب العقل الحداثي يقول لك: هنا زيادة في الكلام، لماذا «الذي هو فاعله»؟ هو تربى على الترجمة؛ الذي هو يذهب، الذي هو يأتي. هناك من ربوا على الترجمة يا إخوة وظهر هذا في كتاباتهم وفهمهم، تراجم سقيمة، وأغلبها سقيم أصلاً: «الذي سوف لن يفعل».
«عزوم على الأمر الذي هو فاعله»، فاعله يعني اسم صيغة اسمية ثبوت ودوام، هو فاعله، انتهى. «عزوم على الأمر الذي هو فاعله»، ما هو هذا الأمر؟ إنه سينفق المال مرة أخرى. أقصـرنا منه، يمدح الرجل بالكرم، رأيتم كيف مدحه؟ رأيتم لماذا وصف زهير بأنه أمدح الجاهليين؟
وقال سيدنا النابغة الذبياني كذلك: وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت .. كتائب من غسان غير أشائب بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر .. أولئك قوم بأسه غير كاذبي إذا ما غزوا في الجيش حلق فوقهم .. عصائب طير تهتدي بعصائبي يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم .. من الضاريات بالدماء الدوارب تراهن خلف القوم خذراً عيونها .. جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
يأتي العقل السقيم يقول لك: يصف تجمعات العقبان حول الأشجار أو على الصخور في الفلوات. تخيلوا! الرجل في الحقيقة، وهو والشعر لمح، يكفي هذا، مطبوع ثقيل. النابغة الذبياني ما جلس في سوق عكاظ من فراغ، وقد قال الشعر في الخس، بلا سبب. ولذلك أنا أحسب أن تجرؤ حسان بن ثابت عليه كان بسبب هذا. والله إني لأشعر منك ومن أبيك، ربما حسان بن ثابت يقول الشعر من شبابه، فربما شعر أنني أقول الشعر من صغري، وأنت قلته الآن وأجلستوك، فربما هذا ما جراه، وانتهت بكلمة واحدة: إنك لا تحسن أن تقول.
النابغة الذبياني ليس من فراغ جلس بعد الخمسين في سوق عكاظ، مطبوع ثقيل، كان يحاول أن يصل إلى امرئ القيس، أرى هذا في شعره، لكنه بلغ مبلغاً عظيماً. «تراهن خلف القوم خذراً عيونها»، غريب بالضبط كما في «بكرت عليه غدوه فرايته»، كذا وكذا، يحكي مشهداً وشيئاً ينسقه. وهذا التنسيق سيحدث في نفسك إذا كنت منتبهاً يقظاً الغرض الذي يرمي إليه الشاعر.
يقول: هذه العقبان التي تطير وراء الجيش والجيش يمشي وهي معه، تجلس على الصخور وعلى الأشجار. كيف تجلس؟ يقول النابغة لك أنت يا من تسمع شعره: «تراهن خلف القوم»، يعني القوم يسيرون وهي ترتاح قليلاً، تهبط، تراهن خلف القوم، «خذراً عيونها»، والخزر انكسار في العين، يعني هي مستقرة لكن عينها على الجيش لأنها خلف القوم، ترتاح لكن عينها على الجيش حتى إذا ابتعد طارت معه مرة أخرى، لا تنسوا هو يمدح الجيش.
«تراهن خلف القوم خذراً عيونها، جلوس الشيوخ»، شوف الاختصار، «جلوس الشيوخ»، كيف يجلس الشيوخ؟ كبار القوم أو كبار السن إذا اجتمعوا وتجالسوا، تحلقوا، وهذه الحلقة تدل على أنهم قد اجتمعوا إلى بعض ولم ينتبهوا إلى شيء من خارج، ولا يروعهم شيء من خارج، سكينة، كأنها جلسة المسامرة، ولا كأنهم يسيرون خلف جيش، «جلوس الشيوخ».
ثم أراد أن يدلك على اطمئنان زائد: «في ثياب المرانب». قالوا هي معاطف سود ذات ياقات بيض، هذه التي يلبسها الحكام وأهل الحكم وكبار القوم. قال «جلوس الشيوخ في ثياب»، يعني إذا جلسوا ويرتدون ثياب المرانب، وهذا يدعم أن المراد بالشيوخ هنا هم شيوخ القبائل، يعني إذا اجتمعوا لأمر بين القبائل ارتدوا هذه المعاطف أو ارتدوا هذه البرد، قالوا تكون سوداء وبعضهم فسرها بأن ياقتها من فرو، وبعضهم فسر الفرو بأنه فرو الأرنب، ولهذا تسمى المرانبيات أو المرانب. لماذا هذه المعاطف سود؟ وإذا جلس القوم كان جلوسهم راسياً.
فيقول لك إن العقبان أو النسور لما اجتمعت، النسر إذا لم يكن مطمئناً كان جسمه أفقياً هكذا يتصدر ويتحفز، إنما لو كان مطمئناً فكأنه يكون رأسياً، فيكون ريشه الأسود رأسياً فيشبه هذه العباءة أو هذا البرد المرنبي المنسدل إلى أسفل.
فيقول لك في العقبان أو في النسور تراهن خلف القوم خضراً عيونها، جلوس الشيوخ في التقابل في ثياب المرانب تنسدل إلى أسفل، والذيل والجسم عمودي هكذا، وهذا معناه أنه مطمئن، أنه غير متحفز إلا مما ذكره من جوانح يعني يرفعن أجنحتهن شيئاً ما هكذا.
جوانح قد أيقن أن قبيلة إذا ما التقى الجمعان أول غالبها، إذا وصف العقبان هو يمدح به الجيش؛ لأن العقبان لما جلست خلف القوم وعينها منكسرة على القوم وتجلس مطمئنة متحلقة في حلقات وأجسادها متدلية جلوس الشيوخ في ثياب المرانب، دل على أنها مطمئنة لما تحصله من الطعام، وأنها اعتادت الخروج حولهم أو وراءهم وتظل حولهم مطمئنة مجتمعة، جلوس الشيوخ في ثياب المرانب يدل على هذا قوله بعدها: «لهن عليهم عادة قد عرفنها إذا عرض الخطي فوق الكواثب».
لهن عليهم سارة صارت العادة حقاً للنسور على الجيش، لهن عليهم عادة، ليس لهن فيهم عادة، شوف الفرق: «لهن عليهم عادة» واجب، «لهن فيهم عادة».
«لهن عليهم عادة قد عرفنها إذا عرض الخطي فوق الكواثب»، إذا جلس الفرسان وأتوا بالرماح الخطية ووضعوها بالعرض على القرابوس أو على الكاهل، إذا عرض الخطي فوق الكواثب، رأيتم... في عينيه.
النابغة الذبياني، أنا أنفعلت وتعبت، يا رب يجي بفائدة، أنا أنفعل وأتعب وأستهلك نفسي يا رب يجي بفائدة، بلا سفه، تراثكم افهموه، لا تتركوا أحداً يخبط فيه وأنتم لأنكم لا تعرفون كيف تجيبون، لا تتركوا الدنيا، تراثكم تراثكم الله يرضى عليه.
النابغة الذبياني له بيت من أعجب أو بيتان، يا أخي تشبيه في بيتين من أعجب ما وقفت عليه في عمري والله، عجيب، وأشهد على نفسي أنني ما فهمتهما من أول عهد بالنابغة الذبياني، لا من أول عام ولا العام الثاني، كنت أمر بهما، لكن بعد ذلك مكثت على القصائد وأغرقت فيها، وطبعاً بطبيعة الحال مع الزمان مع السنين قريحتك تزداد وترتفع.
أنا الآن لست كالعام الماضي، أنا الآن أسمع كلاماً قلته قبل عشرة أعوام أقول ليتني ما قلته، ليس تماماً أنه خطأ، لكن هو طلب الكمال أو طلب الصحة التامة والعمق، فطبيعة الحال الإنسان إذا كان هنا ثم ذهب هناك يشعر أن هنا صار منخفضاً.
أنا بعض الإخوة قال لي: والله كلامك القديم أفهمه أكثر، كلامك الجديد فيه عمق وتفصيلات، أنا الكلام القديم يا سلام، خليني مع القديم ماليش دعوة بالجديد. البعض تعجبه الشروح القديمة، المهم، منذ عشرة أعوام مثلاً، الوضع الآن مختلف تماماً، أنا أشهد على نفسي بهذا، لا أدعي أنني كنت هكذا في كل شيء، لكن قبل عشرة أعوام ربما لم أكن أشرح بنفس هذا العمق.
النابغة الذبياني له بيتان في العينية تشبيه عجيبان جداً، يقول:
كَأَنَّما جَرَّ الرّامِساتُ ذُيولَها ... عَلَيهِ حَصِيرٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوانِعُ عَلى ظَهْرِ مِبْناءٍ جَدِيدٍ سُيورُها ... يَطُوفُ بِها وَسْطَ اللَّطِيمَةِ بائِعُ
الرامسات يا إخوة هي الرياح التي تكنس التراب، والمجر هو المكان الذي جُرّ إليه التراب الذي كسته الرامسات، وذيول الرامسات هي الرياح التي تجر الرمال، وكأنها ذيولها، والمجر هو المكان الأخير الذي يصنع كثيباً من الرمال بفعل جر الرياح عليه، المكان الذي جرت إليه الرامسات ذيولها، المستقر.
تتخيلونه كثيباً من الرمل طويلاً ناعماً، لماذا؟ الرياح لها دورتها بشكل معين تظل تجر التراب وتراكمه في النهاية في قطعة معينة كبيرة، هذا مجر الرامسات ذيولها، حيث جرت ذيولها، وكأنها ذيولها التي رمستها وكنستها وجمعت الرمس والتراب.
هذا المجر، عليه الضمير في "عليه" يعود على المجر، عليه حصير نمقته الصوانع، الرجل يشير إلى قدم المكان وأنه مر عليه عهد طويل رعت فيه الرياح وفعلت فعلها، وليس فيه إلا الرمال والرياح، فالمجر هذا التجمع الرملي الذي جرت الرامسات ذيولها عليه كأنه من تعرجات الرمل ودقتها، هذا الحصير نمقته الصوانع أي منسوج، المجر منسوج كأنه عليه حصير نمقته الصوانع، هو عبارة عن مكان رملي ولكن الرمل أخذ أشكالاً هندسية وجمالية متداخلة مما يدل على أن لا فعل إلا للرياح والرمل الناعم حتى غزل من كثرة توارد الرياح غزل.
البيت الثاني: «على ظهر مبنات»، هذا الحصير كأنه على ظهر مبناء، والمبناء قالوا شيء يشبه الهودج، يبنيه الشخص على ظهر الجمل بأعواد ويشدها بالجلد.
ويربط الأعواد وتكون طويلة؛ لأنه بعد ذلك ترتخي، لأنه يضع في داخلها كل البضائع، في هذه المبناه يطوف بها وسط اللطيمه. اللطيمه يا إخوة قالوا هي السوق التي تباع فيها البضائع على ظهور الإبل، ولا يفرش فيها.
اللطيمه سوق مكان للتجارة لا يفرش فيه، وإنما يباع على ظهور الإبل؛ يبرك الجمل وعلى ظهره البضائع يبيعون وينصرفون، كأنه سوق مؤقت. ويأتي الرجل وعلى ظهر ناقته أو جمله مبناه، والمبناه قالوا هو بناء يصنع خصيصاً للبضائع، يكون من أعواد تشد وتربط، ويوضع عليها جلد أو حصير يغطي به البضائع. وقال بعض الشراح هو من جلد ويوضع على الجلد حصير.
بالضبط، بسطة متجر متحرك، كشك متحرك، فقال: على ظهر مبنات هذا الحصير. عندما يكون جديداً، سيورها لا تكون معوجة هكذا، تكون مستقيمة قائمة؛ على ظهر مبناه جديد سيورها. هذه المبناه يطوف بها بائع وسط اللطيمه. واللطيمه هي المكان الذي اجتمعت فيه الإبل تبرك وعليها البضائع لا تفرش.
فيقول: «مجر الرامسات ذيولها... عليه حصير نمقته الصوانع... على ظهر مبنات جديد سيورها... يطوف بها وسط اللطيمه بائع». كأنه وسط جبيلات، أكوام الرمال الأخرى المتجمعة في المكان بفعل الرياح؛ فالرياح فعلت كل فعلها، وكان هذا المجر الكبير عليه حصير نمقته الصوانع، هذا الحصير كأنه على ظهر مبنات، هذا المتجر الذي فوق الجمل.
هذه المبناه يطوف بها بائع وسط اللطيمه، وسط الإبل المجتمعة بالبضائع على ظهرها. الإبل قليلة صغيرة في الحجم وهي باركة، أما المبناه فمرتفعة، سيورها مشدودة قائمة، عليها حصير يطوف بها وسط اللطيمه بائع.
فالرجل نظر إلى مجر الرامسات وهي مغزولة، ونظر إلى ما حولها من أكوام صغيرة من الرمال المتجمعة أيضاً، فقال: كان هذا المجر مبناه عليها الحصير يطوف بها وسط هذا المكان بائع، فهي بارزة والجبيلات صغيرة.
نسقت الأبيات نسق مشهد الوحشة لو كنت مرهف البيان، طويل النفس الذهني. أما لو كنت حداثياً، فإني أخشى أن لا تدرك ذلك لو كنت من أصحاب التقزمات الدلالية. شبه المجر المغزول بالرمل والأكوام الرملية الصغيرة المتجمعة، كما في اللطيمه شبهها بمبنات، كأنها تطوف بين هذه الأكوام الصغيرة المتلاحمة.
تعرفون لماذا يا إخوة؟ لأن هذه الأكوام تكون صغيرة جداً وكثيرة وقريبة من بعضها، وبينها هذا الجبل الثابت أو الكثيب الثابت المغزول؛ فإذا تحرك الشاعر بعينه أو شاهده في مسيره، من كثرة الأكوام وثبات الكثير بالمجر، يبدو كأنه يتحرك. تخيلتم؟ لذلك قال: «وسط اللطيمه بائع».
رأى الجبل أو رأى الكثيب وحوله أكوام متلاحمة كثيرة، فكان كأنه مبناه بين الإبل الباركة الكثيرة المتقاربة، ويبدو كأنه يتحرك؛ لأنه مع تقارب الكثبان الصغيرة وكثرتها، إذا تحرك أدنى حركة تبدو كأنها تنفصل عن الكثيب الثابت. فصور لك الوحش تصويراً دقيقاً نسقه لك من مشهد تراه في هذه السوق التي لا يفرش فيها، وإنما تظل جملاً وأكواماً صغيرة كثيرة، وهناك مبناه كبيرة تمشي. كل هذا صوره لك بمشهد قريب، والحقيقة أنه لا يشبه التشبيه وإنما يأخذك إلى وحشة المكان، فاستعمل المبناه واللطيمه التي تطوف فيها المبناه.
رايتم ماذا تريدون بعد ذلك يا إخوة؟ هذا الشعر الجاهلي. لماذا؟ لما قال النابغة الذبياني لحسان بن ثابت، لما قال له حسان: «إني والله أشعر منك ومن أبي»، فقال له:
«يا بني إنك لا تحسن أن تقول فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المأتى عنك واسع خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع»
لأن حسان بن ثابت لا يستطيع أن يركب هذا التركيب. لم تنتبهوا إلى البيت يا إخوة؟ تعرفون ماذا فعل سيدنا حسان رضي الله عنه؟ قالوا: طأطأ رأسه ورجع خائباً وجلس في مكانه، يعني يقول: نعم أنا لا أحسن أن أقول هذا، أنا لا أقدر أن أقول هذا. وشوف الجبروت يا أخي، كلمة واحدة ورد غطاها: «إنك لا تحسن أن تقول»، وبيت واحد! الرجل يعلم أن حسان لا يحسن أن يقول.
هل ترون هذه الدقة؟ الآن عندنا في أمورنا عندما يجلس شخص ويقول: اسمع مني، وصح لسانك، والآخر يقول له: يا سلام عليك، والآخر يمشي على المبلول ولا يعرف شيئاً، وكلها مجاملات وملاطفات. أما هنا، فبيت واحد «إنك لا تحسن أن تقول» يعرف به أن حساناً لا يحسن أن يقول، وحسان يعلم أنه لا يحسن أن يقول.
ما السر يا إخوة؟ لأن البيت ينسب إلى شعر صريح مباشر. أتمنى من الإخوة الحداثيين أن يفكروا قليلاً، وينظروا إلى هذا الشعر الذي يصفونه بالساذج والمباشر الذي دلالاته حرفية؛ كيف عجز حسان بن ثابت عن بيت واحد؟ لو كان كما تقولون، لكان الجميع يحسن أن يقول.
ولكنه، يا الله على هذا الوصف، انظر إلى تتابع النعوت: «خطاطيف حجن»، هي خطاطيف معقوفة حجن؛ لأنه يخاطبه عن الوسيلة. عندما قال: «فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المأتى عنك واسع»، أثار سؤالاً: ما هي الخطاطيف التي تطالني؟ لماذا؟ فقال: «خطاطيف حجن».
هي الخطاطيف التي تسأل عنها، هذه الخطاطيف في حبال متينة. نقرأ لكم البيت بالتقطيع: «خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع». هي خطاطيف إلى وسيلتك، هذه الخطاطيف في حبال متينة، مما يدل على كثرة الحبال لأنه قال: «في حبال»، لم يقل مربوطة بحبال، بل قال «في حبال»، يعني حبال كثيرة تخرج من الخطاطيف. هذه الحبال تمد بها أيدٍ إليك نوازع. هذا ما قال النابغة الذبياني لحسان؛ لا تقدر عليه، هذا التتابع والتركيب واتصال الذهن فيه مع أداء الغرض.
المعنى لا يقدر عليه حسان، إنك لا تحسن أو لا تقدر أن تقول. يفهمونها: خطاطيف حجن في حبال متينة، تمد بها أيد إليك نوازعه؛ هذا هو حبال خطاطيف معقوفة مدفونة في حبال، الحبال تمسكها أياد، هذه الأيادي تنزع إليك خطاطيف حجن في حبال متينة، تمد بها أيد إليك نوازعه.
نريد القصيدة كلها بهذا التفصيل، طب مش لما نخلص الزهيرية الشماخ؟ تعالوا نختم بشاعر جاهلي آخر. ألا يبلغ أن يسب الشاي لهؤلاء؟ إن مع احترامنا لعنترة العبسي، هو إن كان أخذ حريته وصار فارساً، ما زال عبداً تحت أقدام امرئ القيس والنابغة وزهير؛ ما زال لم يتخلَّ، لم تفارقه عبوديته في الشعر، ما زال عبداً تحت هؤلاء الأملاك، الأملاك سراة القوم، عبد عبيد الشعر.
لماذا كل هذه الحدة؟ خلقه ربنا، خلقه ربنا يا عمي، اعترض! خلقه ربنا، الحمد لله عليها. عن الذي لا يبلغ أن يكون عبداً لهؤلاء، يصب لهم الشيء، ربما يتكرمون فيصب لهم الشيء؛ هذا حقيقي في الشعر، هذا يصب جرير يرفع أذيال امرئ القيس. جرير المتفرغ على الشعر الفحل يرفع أذيال امرئ القيس من الأرض، شفت الحتة دي يا عم؟ بدر حلوة، صح؟
بشكل شرير، بص المهم؛ عنترة يقول: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني .. وبيض الهند تقطر من دمي
هل تقرأ اللغة العربية؟ هل انتبهت إلى أن الرجل بدأ باللام التوكيدية، و«لقد» التي تؤكد أيضاً، وبالفعل الماضي «ذكرتك»، ثم جاء بواو الحال فقال: «والرماح نواهل». ولا بد أن نقف هنا وقفة؛ قال: «والرماح نواهل مني»، نواهل من مادة النهل، النون والهاء واللام، وتعني يا إخوة الشرب مرة، يقال النهل إذا شرب مرة، ويقال العلل إذا شرب الثانية والثالثة، كل هذا بعد ذلك علل.
فلماذا إذا كانت الرماح نواهل، لماذا لم يذكر أنها تأخذ النهلة بعد النهلة؟ فلما لماذا لم يذكر العلل؟ قال: «والرماح نواهل» مني مثلاً، وإنما قال «والرماح نواهل» على وزن فواعل جمع ناهلة؛ لأنه أراد أن يحسب الأمر بالشربة الواحدة، جعل الرماح وهي تنغرز في جسمه وتخرج كأنها تنهل منه نهلة، تنهل من دمه نهلة. فلما قال «والرماح نواهل»، يعني تنغرز فيه وتنهل نهلة، ثم تدخل الثانية وتنهل نهلة، وهكذا تستمر الرماح نواهلاً.
ثم قال: «وبيض الهند تقطر من دمي»، والبيض هي السيوف، وبيض الهند هي السيوف، ولا يكون تقطير الدم منها إلا بعد أن تثبت، لا يكون في أثناء الضرب. فقوله: «ولقد ذكرتك والرماح نواهل .. وبيض الهند تقطر» فيه ما لم يصرح به، وإنما أشار إليه إشارة عجيبة قوية، وهي أن السيوف بدأت به وقاتلته، ثم جاءت الرماح التي هي أطول؛ فلم يذهبوا إلى السيوف بعد الرماح، وإنما هربوا من قرب السيوف إلى الرماح، فصارت الرماح تنهل منه في حين أن السيوف سبقت وثبتت واستقرت حتى صارت الدماء تقطر منها.
فيصور أن السيوف ضربته وتقهقرت، وتقدمت الرماح، والحال أن السيوف تقطر من دمه وقت نهل الرماح منه؛ «أذكرك.. ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند.. الآن بعد أن ضربتني تقطر من دمي». ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي. هذا عنترة.
هل تكفيكم هذه الأمثلة على الشعر المطبوع البعيد؟ هل رأيتم ما الذي أساء إليه هؤلاء بعد أن أساءوا لأنفسهم؟ طبعاً، هل رأيتم ما الذي أساءوا إليه؟ أساءوا إلى هذا التراث العجيب العميق الذي لا تراث مثله في الدنيا.
نعم، هذه محاضرة مهمة جداً، تداولوها أيها الإخوة وبعثوها إلى بعضكم البعض، ليستمع إليها بعضكم إلى بعض، واستمعوا إليها مرة أخرى، وأوعبوا ما فيها من مادة في التطبيق أو في التأصيل. في الأول هذا التطبيق تطبيق يؤيد ما قلت في الأول؛ هل رأيتم الآن كيف جمع الشعر الجاهلي المطبوع الثقيل بين الطبع القريب وبين بعد الدلالة الذي يتجاوز الدلالة المطبوعة الأولى؟
هذا ما عجز هؤلاء أن يقدروا الشعر الجاهلي حق قدره. وإذا كان للإنسان الذي لا يدرك هذا، ولا بد إذا كان أي منه، ولا بد إلا يفهم ذلك الآن، فلا أقل من أن يصبر ويتأنى، وأن يمنح نفسه عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً من الدراسة المتواصلة، ويُفتح عليه في ذلك إن شاء الله. وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد