يا رب. نبدأ؟
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مدارس ملكة، حيث طريق على أصول وأفروع مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى. وقد وصل بنا الحديث في أخصر المختصرات إلى باب الوقف، بقي علينا إن شاء الله ثلاثة أبواب: الوقف، والهبة، والوصايا، وكلها عقود تبرعات.
فنبدأ بالوقف. قال عليه رحمة الله: «فصل في الوقف. والوقف سنة». قبل أن نأتي إلى حكم الوقف لابد وأن نعرفه، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره. الوقف في اللغة مصدر وقف يقف وقفاً. وأما في الشرع، ما هو الوقف في الشريعة الإسلامية؟ قال: «هو تحبيس مالك التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه».
تحبيس شخص، يعني شخص مالك التصرف أو جائز التصرف -وإذا أردت أن نحافظ على المصطلح الذي كنا نستعمله: أن يحبس شخص جائز التصرف- ونحن عرفنا سابقاً من هو جائز التصرف: مكلف حر رشيد. يحبس ماله المنتفع به، لأنه لابد أن يكون مالاً منتفعاً به، مع بقاء عينه. يصرف ريعه، ريع هذا المال في جهة بر، ونكتفي هنا أنه قد يتقرب إلى الله، ومع أن فيها اعتراضات ونقاشات، وقد لا يفعل ذلك الشخص على وجه التقرب، قد يفعله لمصالح وأمور، فنحن يهمنا أن يفعلها على جهة بر، يعني هو يريد أن يفعل معروفاً قصد به وجه الله، وقد يقصد أموراً معينة عائلية أو سمعة أو صيتاً، فهذا يعود له.
فهذا تعريف الوقف؛ هو التحبيس. والتحبيس نلاحظ كيف مأخوذ من الحبس، وكأنك تحجر على شيء، تحبس شيئاً وتمنعه. ما معنى أنني أحبسه هنا؟ أنه خلاص هذا الشيء لا يباع، لا يورث، ولا يصح عليه أي تصرف من التصرفات. خرجت هذه العين لله، خرجت هذه العين من ملكي لله، فلا يمكن بيعها ولا ميراثها ولا إجراء أي تصرف عليها عموماً، وتبقى هذه العين ينتفع بها؛ ينتفع بها إذا بقيت العين، ولكن يؤخذ نفعها، هذا النفع الذي يؤخذ منها يصرف في وجه من أوجه البر التي ستأتي معنا بإذن الله.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن الوقف من خصائص هذه الأمة، فهذا العقد لم يكن معروفاً في الأمم السابقة، وإنما جاء به الإسلام. وكما قلنا هو عقد من عقود التبرع، وعادة الأصل العام في عقود التبرعات أن حكمها الاستحباب، إذا تلاحظون هذا الملاحظ مثل العارية وعموم العقود التي فيها جانب خيري، عادة ما يكون حكمها الاستحباب. فإذا قال: «الوقف سنة»، سنة هنا بمعنى مستحب أطلقها بالمعنى الفقهي.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ عبادك المستضعفين. آمين.
قال رحمه الله تعالى: «ويصح بقول وفعل دال عليه عرفاً، كمن بنى أرضه مسجداً أو مقبرة وأذن للناس أن يصلوا فيه ويدفنوا فيها».
الآن عقد الوقف إخواني هو عقد من جهة واحدة؛ يعني يحتاج إلى إيجاب لكن لا يحتاج إلى قبول. حتى لو وقفت على شخص معين، لا يحتاج إلى قبول. فلذلك سيهمنا هنا الإيجاب، كيف يكون؟ فقال: «ويصح»، يعني الإيجاب، إنشاء هذا العقد، «بقول أو فعل دال عليه»، أي دال على قصد الوقف، وهذه الدلالة ستكون عرفية.
سيأتي معنا بعد قليل الأقوال ما بين صريح وكناية؛ فالآن هو اقتصر على شرح الفعل، أما القول فإن فيه تفصيلاً سيأتي بعد قليل إن شاء الله. لكن المهم أنه يصح بالقول ويصح بالفعل. ما المراد بـ «يصح»؟ كيف ينشأ عقد الوقف بالفعل؟ قال: «ويصح إذًا بفعل دال على الوقف في العرف»، أي أن هذا التصرف الذي يقوم به في العرف دلالة على أنه يريد به الوقف.
مثل: «كمن بنى أرضاً»، سيذكر مثالاً على الفعل: «كمن بنى أرضه مسجداً». إنسان عنده أرض بنى عليها مبنى على هيئة المسجد، وهذا لم يذكروه في المتن لكن يذكرونه في الشروح، «وأذن للناس إذناً عاماً في الصلاة فيه». لأنهم يفرقون هنا بين الإذن العام وبين الإذن الخاص؛ فرق بين أن أعمل مسجداً صغيراً وأقول هذا ليس للناس، بل لبعض الشباب ليأتيهم درس ونغلقه على أنفسنا، هذا ما عاد وقفاً. لابد أن تبني في أرضك مسجداً وتقرن ذلك بإذن عام، أنه يا ناس الذي يريد أن يأتي فليأتِ.
طبعاً هذا قد يكون الإذن العام بالقول، وقد يكون الإذن العام بالفعل؛ بأن يفتح أبواب المسجد، وهذا الذي يقع الآن. فاليوم الذي يبني فيه شخص مسجداً على أرضه ولا يتحدث للناس بالميكروفون: «السلام عليكم، تفضلوا يا جماعة فقد فتحت لكم الأبواب»، ولكنه يفتح أبواب المسجد ويصبح الأذان يرفع فيه، فنعلم بذلك أنه وقفه لله. فلذلك قالوا: «كمن بنى أرضه مسجداً»، لكن لابد أن نضيف الشرط الثاني: «وأذن إذناً عاماً»، وهذا الإذن العام لا يشترط فيه أن يكون قولياً، قد يكون بمجرد فتح أبواب المسجد لمن يذهب ويأتي أو رفع الأذان فيه.
أو مثال آخر، قال: «أو مقبرة»، إنسان جعل أرضه مقبرة «وأذن للناس»؛ لاحظوا قال: «أن يصلوا فيه»، هنا ذكر هذا القيد، ونضيف إذناً عاماً، «ويدفنوا فيها»، هذه تعود على المقبرة. فكذلك إذا جعلت أرضي مقبرة وأذنت للناس إذناً عاماً أن يدفنوا فيها أصبحت وقفاً. أما إذا لم أذن إذناً عاماً، وقلت هذه المقبرة فقط لأقاربي وأحبائي، فهذا لا يعتبر في العرف وقفاً. الفعل المقبرة يعتبر وقفاً إذا أعطيت إذناً عاماً للناس أن يدفنوا فيها.
هذا بالنسبة للصيغة الفعلية، نعود للصيغة القولية قال...
قال: «وصريحه: وقفت وحبست وسبلت، وكنايته: تصدقت وحرمت وأبدت».
الآن الوقف؛ هناك صيغ صريحة تدل عليه، وهناك صيغ كنائية. الصيغ الصريحة التي تدل على الوقف ثلاثة: وقفت، هذه الأرض أو هذا المبنى أو هذا الكتاب أو هذه المكتبة أو هذه العين وقفت وهي لله، لفظة «وقفت»، أو «حبست»، أو «سبلت» منفعتها. هذه الألفاظ الثلاث تعتبر صريحة في الوقف إذا قالها الشخص على عين، فإننا نلزمه بالوقف ولو لم ينوِ الوقف.
الفرق بين الصريح والكنائي أن الصريح لا يحتاج إلى نية، مثل الطلاق؛ لو قال لزوجته: «أنت طالق»، خلاص وقعت، ولو قال: «يا أخي ما نويت»، نقول: لفظ صريح لا يحتاج إلى نية. فإذا قلت: «وقفت هذا الشيء لله» وأنت بكامل قواك العقلية، عاقل بالغ، أمورك طيبة، وأنت مستيقظ ومنتبه وتتكلم عن عقد واضح، خلاص، مجرد ما قلت «وقفت»، حتى لو قلت: «لا، أنا قصدت الهبة، أنا قصدت البيع»، شو ما قصدت، هذه لفظة صريحة في الوقف فلا تُحمل إلا على الوقف، ومثلها «حبست» و«سبلت»، هذه الألفاظ الثلاث تحفظ بعينها.
وأما كنائيتها فهي: «تصدقت». لاحظ الصدقة ليست صريحة في الوقف لأنه ممكن تُحمل على الصدقة الطبيعية وممكن تُحمل على الوقف. كذلك «حرمت»، وهي لفظة فضفاضة؛ «حرمت هذا الشيء على نفسي» مثلاً، ممكن قصدك أنه خلاص حرمته عليّ يعني وقف لله، وممكن تقصد أشياء أخرى فيه. وكذلك «أبدت»، كلمة «أبدت هذا الشيء» ليست واضحة ولا صريحة؛ ماذا تقصد بالتأبيد هنا؟ هل مجرد هبة أو وقف؟ فإذن هذه الألفاظ الثلاثة كنائية: تصدقت بهذا الشيء، حرمت هذا الشيء على نفسي، أبدت هذا الشيء لله مثلاً، نقول هذه ألفاظ في العرف تحتمل، فهي كنائية.
متى نحمل هذه الألفاظ الكنائية على أنك أردت بها الوقف؟ بذلك بأحد ثلاثة أمور: الأول: إذا نويت بها الوقف؛ فإن النية هنا أصبحت حاكمة، إذا قلت: «تصدقت بهذا الشيء» وقلت لنا: «والله نيتي الوقف»، فإذا قصدت ونويت بها الوقف أصبحت تدل على الوقف.
الحالة الثانية: إذا أتى مع أحد الألفاظ الكنائية الثلاث بلفظ من الألفاظ الخمسة الأخرى؛ الآن نحن عندنا كم لفظة؟ الصريحة ثلاثة، والكنائية ثلاثة، فإذا استعملت لفظة كنائية مع أحد الألفاظ الخمسة الأخرى، أصبحت تدل على الوقف دون النظر إلى النية. مثل قوله: «تصدقت بهذا المبنى وقفا»، أو «تصدقت بهذه المكتبة حبسا لله»، أو «تصدقت بهذه المكتبة وسبلتها مسبلة»، أو «بهذه المكتبة محرمة»، يعني أتيت بشيء من المفعول المطلق، كأنك أتيت باللفظ الثاني مفعولًا مطلقًا، أو «تصدقت بهذه المكتبة مؤبدة».
إذا أتيت بواحد من الألفاظ الخمسة مع اللفظ الكنائي، أصبحت تدل على الوقف دون النظر إلى النية، كأنك أتيت باللفظ الثاني مفعولًا مطلقًا لفظيًا أو معنويًا، مثل: «قعدت قعودًا» أو «قعدت جلوسًا». فإذا جمعت مع «تصدقت» أو «حرمت» أو «أبدت» أحد الألفاظ الخمسة الأخرى، فعندئذٍ تتحول من كنائي إلى صريح. وهذه الإضافة مؤثرة فقط في الكناية، أما الصريح فهو غير مؤثر في الكناية؛ لأن الألفاظ الثلاثة الأولى بالصريح وحدها كافية.
وقد يُناقش من جهة أنك لم تستعملها ابتداءً إنشائيًا، وإنما أتيت بها مفعولًا مطلقًا، فممكن هذا يؤثر على دلالتها، لكن حتى لا نشوش على أنفسنا، احفظها كقاعدة: متى استعملت لفظة كنائية وقرنتها بأحد الألفاظ الخمسة الأخرى أصبحت وقفًا، وانتهينا.
الطريقة الثالثة للألفاظ الكنائية حتى تدل على الوقف، هي إذا قارنت اللفظ الكنائي بحكم خاص من أحكام الوقف؛ كأن تقول: «تصدقت بهذه الأرض على ألا تباع ولا تورث». الوقف خصائصه حكمية، بأنه لا يقبل البيع ولا يقبل الميراث بشكل من الأشكال، فهذا الحكم من خصائص العين الموقوفة أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا يجوز إجراء العقود عليها. فإذا قلت: «تصدقت بهذه الأرض ألا تباع ولا توهب ولا تورث»، أو «حرمت هذه الأرض ألا تباع ولا توهب»، أو «أبدت هذه الأرض ألا تباع ولا توهب»، قارنت هذا اللفظ الكنائي بأحد الأحكام الخاصة بالوقف، أيضًا يتحول اللفظ الكنائي إلى صريح في الوقف.
إذًا كيف يستخدم الكنائي لإنشاء الوقف؟ عندك ثلاث طرق: إما أن تطلق لفظًا كنائيًا وتنوي به الوقف، أو تطلق لفظًا كنائيًا وتقرنه بأحد الألفاظ الخمسة الأخرى، أو تطلق لفظًا كنائيًا وتقرنه بحكم خاص من أحكام الوقف.
ممتاز، إذًا قال: «وصريحه: وقفت وحبست وسبلت، وكنايته: تصدقت وحرمت وأبدت». بعد أن عرفنا كيف يتم إنشاء هذا العقد، سننطلق إلى شروطه، فقال: «وشروطه خمسة: كونه في عين معلومة يصح بيعها، غير مصحف، وينتفع بها مع بقائها، وكونه على بر، ويصح على من...».
خلاص، خلينا الآن نبدأ شرطًا شرطًا. أول شرط من شروط الوقف سنتكلم الآن عن العين الموقوفة؛ قال: «كونه في ماذا؟ في عين». إذًا هل يصح وقف المنافع؟ لا. فالوقف عقد على الأعيان وليس على المنافع، هذا أول شيء. وبعد أن تنهي كتاب المعاملات، من الجيد أيضًا أن تفرز المعاملات؛ المعاملات التي تصح على الأعيان والمنافع، والمعاملات التي تكون على المنافع فقط، والمعاملات التي تكون على الأعيان، ممكن تعمل هذه التشجيرة. فعقد الوقف ليس مثل عقد البيع؛ في البيع يجوز أن أبيع عينًا ويجوز أن أبيع منفعة، أما في الوقف فلا؛ الوقف عقد على الأعيان، لكن هذه الأعيان لها شروط حتى يصح وقفها. قال: «عين معلومة»، وكلمة معلومة هنا تترتب عليها أكثر من قضية؛ أولًا لابد أن تكون هذه العين ليست مبهمة من أشياء، فلو قلت: «وقفت...»
عنده مجموعة سيارات، قال: وقفت سيارة من سياراتي. ما يضبط؛ في نوع من الإبهام، فلا يصح أصلًا العقد لأنك أنت ما عينتها، لازم تكون معلومة. كذلك قالوا لا يصح أن تكون موصوفة في الذمة، لابد تكون معينة.
إذا شخص قال: أوقف سيارة هونداي أكسنت موديل 2014 بس، أعطاها وصف، كيف اللي بيعمل وصف؟ بده يوقف بالوصف، نقوله برضه ما يضبط، بيقول: بهين بروح بشتري، لا ما يصلح. يجب إذًا أن العين الموقوفة أن تكون معينة بعينها، ليست مبهمة ولا مجهولة ولا في الذمة، ونحن نتكلم عن عين معينة قائمة موجودة مقصودة لذاتها أنها هي توقف.
يشترط أن تكون حاضرة؟ لا، لكن ممكن أقول خلص البيت اللي في مادبا، خلاص ما بتكلم عن عين معينة هنا، انتهى لله سبحانه وتعالى. إذا كونه في عين كما قلنا معلومة، طيب إذا كان مشاع؟ سيأتي معنا هذا المساء.
ثانياً: يصح بيعها. يصح ماذا؟ بيعها. الشرط الثاني في العين المعلومة ما هو؟ أن يصح بيعها. فإذا كانت عين معلومة لكن لا يصح بيعها، كأن كانت خمراً، أو كلباً مما يقتنى، أو جلد ميتة؛ نحن عرفنا أن الكلب الذي يقتنى وجلد الميتة حتى ولو جاز استعماله لكنه ليس مالاً، بالتالي لا يصح بيعه. فالشرط إذًا عين معلومة يمكن أن يجرى عليها عقد البيع، فكل عين لا يصح بيعها لكونها ليست مالاً شرعياً لا يصح وقفها.
ثم قال: «إلا المصحف». هنا هو ماذا قصد بالاستثناء؟ قصد بالاستثناء مسألة المصحف؛ تعرفوا في خلاف بين الإقناع والمنتهى في تحرير بيعه. في الإقناع لا يجوز ولا يصح بيع المصحف ويحرم بيع المصحف، فكحكم تكليفي حرام وكحكم وضعي باطل. وفي المنتهى لا يحرم بيع المصحف لكن يصح، فكحكم تكليفي حرام بس كحكم وضعي العقد يبقى صحيحاً.
فلما يقول هنا: كون العين المعلومة يصح بيعها غير مصحف، هنا هو مشى على طريقة الإقناع؛ لأنه عندما قال بالاستثناء «إلا المصحف» فإنه لا يصح بيعه ولكنه يصح وقفه. يعني باختصار المصحف باتفاق يصح وقفه، فكل هذه المصاحف في المساجد ما هي إلا أوقاف. الفكرة أنه المصحف أول شرط من شروط الوقف أن تكون العين المعلومة يصح بيعها، والمصحف لا يصح بيعه على طريقة الإقناع، لكنه يصح وقفه، فنقول خلص هذا مستثنى، فيكون المصحف لا يصح بيعه ولكن يصح وقفه استثناءً، هذا إذا مشينا على طريقة الإقناع. أما إذا مشينا على طريقة المنتهى، فالمنتهى ما قال لا يصح بيعه، يصح بيعه لكن حرام، فبالتالي لا حاجة للاستثناء لأنه سيصبح داخلاً تحت قيد عين معلومة يصح بيعها، فهو داخل في القيد لأن المصحف يصح بيعه بغض النظر عن الإثم وعدم الإثم.
ثم قال: لاحظ كل هذه شروط في العين، إذاً لا بد أن يكون عيناً لا منفعة، وهذه العين تكون معلومة غير في الذمة أو غير معينة مبهمة، وأن يصح بيعها، فالأعيان المعلومة التي لا يصح بيعها لا تصلح. وأن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ فهذه يصح أن أوقف تفاحة أو بوكسة بندورة، لماذا؟ لأنك تستعملها، وتذكر في عقد الإجارة أن هذه طبيعتها أن لا ينتفع بها مع بقاء عينها، فبوكسة البندورة ماذا تريد أن تفعل بها؟ تريد أن تأكلها، وهذه هي المنفعة المقصودة فيها عادة، فلا بد أن تكون هذه الأعيان في إمكانية أن أنتفع بها وآخذ منها منافع مع بقاء عينها.
هذا هو الشرط الأول متعلق بماذا؟ بالشيء المعقود عليه. الشرط الثاني قال: «وكونه على بر»، والشرط الثاني متعلق بجهة الوقف، ليس في العين، بل متعلق على جهة الوقف، قال: أن يكون على بر، والبر قالوا: اسم جامع للخير. وهذه جهة البر قد تكون آدمي معين، أقول: والله هذا وقف على ابني، أو هذا وقف على زيد طالب العلم، وقفت على شخص معين، وقد يكون على مجموعة محصورة كأن يكون وقفاً على طلاب المركز الفلاني، وأنا بالتالي وقفت على أشخاص لكن محصورين.
وقد يكون على جهة غير محصورة، كأن يكون وقفاً للفقراء، وقد يكون وقفاً على جهة عامة كالمساجد والمستشفيات، إذا لاحظت لما نقول أن يكون على جهة بر عندك خيارات متعددة؛ قد يكون على معين، أو على مجموعة محصورة، أو على مجموعة غير محصورة كالفقراء والمساكين في العالم الإسلامي، وقد يكون على جهة عامة ليس على أشخاص أصلاً، كالمساجد والمستشفيات والمكتبات، أنا ما تكلمت أصلاً عن أشخاص أبداً، هذه كلها تعتبر من أوجه البر.
هل يكفي هذا؟ لا، سيذكر مسألة، فقال شيخنا: لما يقول «على البر» ما الذي خرج؟ أن يكون الوقف ليس على شكل من أشكال البر، كأن يقول: هذا وقف على دور النصارى، أو دور المجوس، أو هذا وقف على كتابة كتب أهل البدع، نقول هذا ليس جهة بر، فلا بد أن تكون جهة فيها خير، أما أن تقفها على كنيسة ولا على معبد بوذي ولا على كتب مبتدعة أو على مشاريع تضر الأمة، لا هذا لا يقبل، فليتنبه الأشخاص الذين يقفون أوقافاً على مشاريع تضر الأمة أو تضر الشباب وليس فيها خير، فإثمه أكبر من نفعه، هذه لا تصح الأوقاف فيها.
قال: «ويصح من مسلم على ذمي وعكسه». الآن لما ذكر قضية وكونه على بر، كأنه يمكن يطرح هذا السؤال: طب يصير يا شيخ أقف على كافر؟ يعني هذا الكافر الذي في بلدتي، هل يجوز أن أقف عليه؟ قالوا: شوف الحنابلة، يصح من مسلم أن يقف على ذمي مش محارب، يكون في عقد ذمة، قالوا لا يصح أن يقف على عموم أهل الذمة في البلد لأنه قد يكون تقوية لهم، لكن قالوا على ذمي معين ما في مشكلة.
قالوا: وكذلك العكس، ويصح من الذمي أن يقف على مسلم معين، نتبادل المعروف فيما بيننا؛ فكونه ذميًا لا يخرجه عن كونه من أوجه البر. لأنه أنت ممكن مثلاً تريد أن تصل بعض أقاربك، ويروى في الأثر أن صفية بنت حيي زوجة النبي ﷺ أوقفت وقفًا على ابن أخ لها، ومن هنا أخذوا فكرة الوقف على الذمي، وابن أخيها كان يهوديًا، أعتقد أنه لم يكن مسلمًا. فمن هنا أخذوا هذا الحكم، أنه يصح من المسلم أن يجعل الوقف على ذمي معين، وعكسه؛ أن الذمي يجعل وقفًا على مسلم معين، ما في مشكلة.
قال: وكونه في غير مسجد ونحوه على معين يملك. الشرط الثالث من شروط الوقف، إحنا عرفنا من خلال الشرط الثاني أن أوجه البر متعددة، فقد أوقف على أشخاص، وقد أوقف على جهات، وهي المساجد والمستشفيات وتسمى جهات.
إذا أوقفت الوقف على جهة، مثل المساجد، أو على طلب العلم في الأردن، على حالة عامة، قالوا مثلاً ممكن يوقف وقفًا على الغزو في سبيل الله، أوقف خيلاً وقال هذه الخيل للغزو، ما قال لأناس معينين، قال للغزو أو للحج، هذا اسمه وقف جهات. وقف الجهات لا يشترط أن يكون فيه شخص معين يملك، لأن الوقف على جهة، وهل الجهة لها ذمة وتملك؟ لا، لما أقول هذا وقف على المساجد، فالمساجد عبارة عن طوب وبناء وحجارة، ليست أشخاصًا لهم ذمة يملكون، ففي هذه الحالة لا نحتاج إلى الشرط الثالث باختصار؛ إذا كان الوقف على جهات عامة لا نحتاج إلى الشرط الثالث.
متى نحتاج إلى الشرط الثالث؟ قالوا إذا كان الوقف على أشخاص. فهنا يشترط أن يكون معينًا، وأن يكون هذا المعين يملك، يعني له ذمة يملك. لماذا يا إخواني؟ لأنه عند الحنابلة هذه مسألة فيها خلاف؛ الوقف لما يخرج من ملكك يصبح ملك لمن؟ هذه فيها خلاف، البعض يقول يصبح ملكًا لله خلاص. الحنابلة بالنسبة إلى إذا كان الوقف على أشخاص، يقولون يصبح ملكًا لهؤلاء الأشخاص الموقوف عليهم، لكنه ملك ناقص.
لماذا هو ملك ناقص؟ لأنك لا تستطيع أن تبيعه ولا تتصرف فيه ولا توهبه، فقط حضرتك تنتفع فيه، وإذا مت الله يسهل عليك ويأتي غيرك إذا كان هناك طبقة ثانية وثالثة. فعند الحنابلة، الوقف الذي يكون على أشخاص، من يملكه؟ هؤلاء الأشخاص، لكن هل هو ملك تام؟ لا. وهي قضية الملك، ونظرية الملك هي من النظريات التي تحتاج أن يُنظر فيها.
نعود إلى ما نحن فيه، فقلنا الوقف إذا كان على معين، إن الملك إخواني أنواع: هناك ملك تام، وهناك ملك ناقص، وهناك ملك مراعى. فكرة الملك وأنماطه وأشكاله حقيقة تفيدك؛ إذا درستها بعمق في باب المعاملات ستصبح تفهم أكثر وأكثر. هناك الملك التام المستقر، وهناك ملك غير مستقر، إذا تذكروا موضوع المضاربة، يملك لكنه ملك غير مستقر، وأحيانًا تجد ملكًا يقولون عنه مراعى، كما سيأتي معنا ربما في الهبة، ملك لكن يقبل الزوال في لحظة، وهناك ملك ناقص.
هي قضية الملك نظرية اسمها نظرية الملك، وكما قلت أحيانًا الطالب حتى يكون أكثر استيعابًا لفقه الشريعة وفقه المذهب، يجب أن يكون قادرًا أن يشكل المفهوم العام لبعض المفاهيم، والملك مفهوم عريض، مثلما حكينا في نظرية الضمان المرة الماضية، والضمان مفهومه عريض. النظريات المنتشرة في كل أبواب المعاملات لازم أنت تدرسها وتأخذ قواعدها العامة، إما من باب القواعد الفقهية، وكذلك من باب الكتب المعاصرة التي عملت نظرية الملك في الشريعة الإسلامية ونظرية الضمان في الشريعة الإسلامية، هي تساعدك على أن تفهم فلسفة الموضوع وكيف يفكر فيه، بالتالي تكون أنت لست حافظًا للمذهب حفظًا، بل فاهمًا فهمًا، أي كيف تأسست هذه النظريات.
سأل شيخ: هل يختلف الناقص والتام عن المستقر وغير المستقر؟ الجواب: نعم، غير المستقر هذا يزول كله، أما هنا الملك الناقص فهو موجود وثابت ومستقر، لكنه ناقص. هو مستقر لا يستطيع أحد أن يزيله عنك، لكنه ناقص؛ أنت لا تستطيع أن تتصرف فيه ولا توهبه. الأصل إذا ملكت شيئًا أنني أستطيع أن أفعل فيه ما أريد، أستطيع أن أبيعه أو أرهنه أو أهبه، هنا في الموقوف عليهم، الأشخاص الموقوف عليهم يملكون الوقف صحيح، لكنهم لا يستطيعون بيعه، لو واحد اقترح منهم: «شو رأيكم نبيعه يا شباب؟» ما يقدر يبيعه، طب يرثونه؟ لا يرثونه، فما هو هذا الملك؟ نقول له ملك ناقص، يعني أنت تنتفع منه ونعتبرك مالكًا له، لكن لا تملك جميع صلاحيات الملك التام. فهمتم لماذا سميناه ملكًا ناقصًا؟ لأن مالكه لا يملك كل صلاحيات الملك التام الحقيقي من حيث البيع والهبة وما شابه ذلك والتصرف والرهن، لا يستطيع إلا أن ينتفع به فقط.
قال: وكون الواقف نافذ التصرف. ركز، إذا كان الوقف على أشخاص، ولا يستطيعون أن يملكوا، فلا يصح هذا الوقف. مثل من هم الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يملكوا؟ العبيد، لا تستطيع أن توقف على عبد، لماذا؟ لو قال: «هذا وقف على العبد الفلاني»، نقول: هل يصح ملك العبد؟ لا، فالعبد لا يملك، إنما الذي يملكه سيده، فلذلك يقولون: المكاتب، والقن، والبهيمة.
قالوا: والملك، يعني حتى في عمدة الطالب ذكر الملائكة، لو قال هذا وقف على جبريل ما يصح، لأنه أنت لا تتعامل هنا مع عالمك الخاص، الوقف على الملائكة أو الجن لا ينفع، لأنه لا يوجد بينك وبينهم تعامل يُمكّنهم من الملك، فالملائكة والجن والمكاتب والعبد والبهيمة كلياتها لا يصح أن يوقف عليها لأنها لا تقدر أن تملك. طيب، هل يجوز أن أوقف على نفسي؟ يجوز، لا، في مذهبنا لا يصح الوقف على النفس، لو قال شخص: «والله هذا الكتاب وقف علي».
اشترى كتاباً، ها أنا اشتريت كتاباً من المكتبة، فقلت: هذا الكتاب وقف عليّ. يقولون هذا الكلام يعتبر لغواً؛ لأن الوقف لا يصح على النفس، فما هو هذا اللغو؟ هو يبقى ملكاً حقيقياً يورث عنك، فلا يصح الوقف على النفس.
لكن لو قال شخص: هذا وقف على نفسي، فإن مت فعلى أولادي، قالوا مباشرة ينتقل للأولاد. نلغي عبارة النفس ومباشرة ينتقل للأولاد؛ لأنه لو قال هذا وقف على نفسي فإذا مت يصبح لأولادي، فيقول مباشرة يروح لأولادك، ونلغي عبارة نفسي لأنه لا يصح الوقف على النفس، لأنه جاب لفظ الوقف في الموضوع.
الوقف كما تكلمنا أنه نوع؛ ثلاث صريحة. لا، هي ليست قضية الألفاظ؛ لأنه لا فائدة من أن توقف على نفسك شيئاً تملكه أنت، فبالتالي أنت تنتفع منه. أنا أقصد انتقاله للأولاد باعتبار أن الأول لغى، فمباشرة ينتقل إلى من يمكن حمل اللفظ عليه؛ لأن الأصل تصحيح العقود وليس إفسادها. فلما قال: هذا وقف علي فإن مت فعلى أولادي، حتى أصحح هذا، لا ألغي كل العبارة، بل أقول ألغي كلمة نفسي وأعديه على أولادك؛ لأن القاعدة تقول: إعمال الكلام أولى من إهماله، وتصحيح العقود أولى من إلغائها، فإذا استطعت أن أصحح العقد بطريقة ما فإنني أصححه.
تفضل سريعاً. ما يحكي وقف على الفقراء أو طلاب العلم؛ لأن هذه جهة أو أشخاص معينين، وهم هنا يفرقون بين المحصور وغير المحصور. هذا غير محصور، فغير المحصور أقرب إلى أن يكون جهة. لكن إذا قال وقف على حتى العبيد ما ينفع، الطلاب هم أوجه. أنت تقصد أن يقف عليهم مش كأشخاص معينين، كجهة من الجهات، وهذا تحتاج أن ننظر هل نص المذهب عليها أم لا. معقول، أنا ما وقفت على شيء، حتى أعطيك هل ذكروا هذا المثال بعينه، لكن فهمت كلامك كجهة بر عامة، والله أعلم.
خلينا نمشي فيها وما نقطع الدرس. قال: «وكون الواقف نافذ التصرف». الآن هذا واضح أن يكون الواقف، كما قلنا، جائزاً نافذ التصرف، يعني جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد. بالتالي من لا يملك، كمن كان صبياً أو مجنوناً أو سفيهاً، هؤلاء -كما هو الحال في جميع العقود عموماً- لا تصح منهم.
قال: «ووقفه ناجزاً». الوقف مثل البيع؛ هل يصح البيع المعلق؟ لا، هل تصح البيعة المعلقة؟ لا، كذلك لا يصح الوقف المعلق، فالوقف يجب أن يكون الآن. أما إذا قلت هذا وقف إذا جاء شهر رمضان، نقول لك سامحني، هذا كله لا يصح، بل إذا جاء شهر رمضان، الله يجزاك الخير، بتعمل وقف من جديد.
إلا إذا أوقف شيئاً بعد الموت، قال: «إذا مت فهذا وقف»، فهذا قالوا يعامل معاملة الوصية؛ يعني هو وقف ضمنياً، ولكنه يعامل معاملة الوصية في أنه يخرج من الثلث من أمواله، ولكنه يصح وقفاً. الوقف وصية؛ لأنه سنحكم أن يكون من ثلث مالك، ولكن سيعامل من حيث المعاملة معاملة الوقف؛ أنه تبقى عينه ويستفاد من نفعها ولا يجوز بيعها ولا هبتها ولا ما شابه ذلك، فتستطيع أن تقول إنه جمع بين الأمرين، بس يهمنا أن يكون وصية حتى لا يزيد عن الثلث، لأن الوصية فيما زاد على الثلث تتوقف على إجازة الورثة، فسنعتبر في بعد الوصية وسنعتبر في بعد الوقف من جهة ما.
شيخ، إذا مثلاً أحد وقف وقفاً وقال: نقول على طلبة العلم، وعين فرقة أو طائفة، هذا يعتبر على جهة أو على ناس غير معينين؟ الآن إذا قال طلبة العلم عموماً، فهذا أقرب إلى أن يكون جهة؛ لأنه هنا لا أتكلم عن ناس معينين. طيب إذا عين مثلاً طائفة بدعية وجاء واحد تأول لنفسه أنه ينتسب إليها عشان يستفيد من الوقف؟ شيخ بعدين، بعدين يا شيخ الله يسعدك، كمل شيخ الله يرضى عليك.
قال: «ويجب العمل بشرط الواقف إن وافق الشرع». الآن الواقف له أن يشترط من الشروط الواجبة والمستحبة والمباحة، أنت واقف وأنت صاحب قرارك. سيدنا عمر رضي الله عنه لما أوقف أرضه في خيبر أوقفها لله، قال: «على لا يباع أصلها ولا يهب ولا يورث، لكن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف». فعمر قال هذه الأرض التي في خيبر وقف لله، ولكن اشترط أنه من يكون ناظراً عليها، ناظر الوقف يجوز أن يأكل منها بالمعروف، أنا مسامحه، خليه يأكل، صح أنا أوقفتها على الفقراء والمساكين أو شيء، لكن أنا اشترط أنه ناظر الوقف له أن يأكل منها، وإذا زاره صديق له أن يطعم صديقه. عمر اشترط هذا الشرط.
فقالوا بالتالي: يجوز للواقف أن يشترط من الشروط ما شاء، بشرط ألا تكون هذه الشروط مخالفة للشريعة. كأن يقول -وكما قلنا قبل قليل- والله هذه وقف بس بشرط أن تصرف على الطائفة الصوفية النقشبندية، بنقول والله هذا شرط مخالف للشريعة؛ لأن هذه الجهة أصلاً في نقاش هل هي جهة بر أم لا؟ فبالتالي إذا كانت الشروط جائرة، ظالمة، تعسفية، أو مخالفة لشريعة الله، فلا نقبلها.
قال: «ومع إطلاق يستوي غني وفقير وذكر وأنثى». سيدي هذه فيها مشكلة وناقشها الشيخ أحمد، وعندكم نقاش طويل؛ هل هكذا هو المذهب؟ إيش يعني مع إطلاق؟ يعني من قال مثلاً: هذه المكتبة وقف لطلبة العلم، فقد أطلق؛ ما قال لفقراء طلبة العلم، وما قال لأغنياء طلبة العلم، وما قال للذكور من طلبة العلم، وما قال للإناث من طلبة العلم. أو رجل مثلاً أتى بعمارة كاملة وقال: ريع هذه العمارة وما يخرج من الأجور يصرف على طلاب العلم، ولم يحدد هل هم ذكور ولا إناث؟ هل هم أغنياء أو فقراء؟ ما حدد، قال على طلاب العلم، وهذه عبارة مطلقة.
فهنا الكلام إذا أطلق، أو ممكن يقول: هذا البستان وقف على أقاربي، طيب مين أقاربك؟ الأغنياء ولا الفقراء منهم؟ الذكور ولا الإناث منهم؟ هذه كلها تسمى إطلاقات، فمن وقف وأطلق ولم يحدد تفصيلاً، فمن ظاهر عبارته الأقصر ما هو؟ أن نسوي بين الغني والفقير وبين الذكر والأنثى.
الكل على قدم المساواة. هذه ظاهر عبارة الأقصر، التسوية بين الغني والفقير وبين الذكر والأنثى. لكن هنا الشيخ أحمد يقول لك إنه في المنتهى وفي الإقناع كذلك، حقيقة عبارتهم أن الأصل والبدايه أن نبدأ بما هو عادة، ثم ما هو عادة هذا النوع من الوقف، ثم ما هو العرف العام في مثل هذه الإطلاقات، ثم التسوية؛ يعني مش الخطوة الأولى التسوية.
في المنتهى وفي الإقناع يقولون إن جهل شرط الواقف في مقدار الإعطاء، كشخص وقف وقفًا مطلقًا، هل هذا لطلاب العلم أو لأقاربه؟ وما عرفنا، هو لم يحدد غنيًا أو فقيرًا أو شيء من ذلك. قالوا نرجع أولًا إلى العادة المستمرة في مثل هذا الوقف. ما هي العادة في مثل هذا الوقف؟
العادة لمن يقف مكتبة ويقول: هذه مكتبة لطلاب العلم، هل هناك عادة مستمرة بين الناس أن هذا يكون فقط للفقراء؟ إذا كانت هناك عادة مستمرة أن من يقول هذه المكتبة لطلاب العلم المراد بها في العادة الفقراء، نحمل هذا الإطلاق على الفقراء فقط ولا نعطي الأغنياء، أو لا يستفيد الأغنياء من هذا الوقف.
أو شخص قال: هذه العمارة ريعها على طلاب العلم. في الحقيقة ممكن نقول في عادة أنه لما يقرع على طلاب العلم هو مش قصد طالب العلم الذي يعطيه أبوه 5000 دينار في الشهر، نحن فاهمون هذا وإن لم يقلها، ولكن في العادة المستمرة أنه لما أقول: والله هذه العمارة ريعها لطلاب العلم، في العادة هو يقصد طلاب العلم الفقراء، المحتاجين. هو ما نص عليهم على المحتاجين، لكنها مأخوذة في العادة المستمرة من هذا الوقف. ففي الإقناع والمنتهى يقول لك أول شيء تنظر في العادة.
إذا ما في عادة مستمرة في مثل هذا الوقف، قال: يرجع إلى العرف المستقر في البلد. وكأن هنا العرف أوسع من العادة المتعلقة بهذا الوقف؛ العرف أوسع من العادة المستقرة في هذا الوقف، يعني العرف في هذا البلد لمن يعطي عطاءه؟ لمن يقوم بأعمال الخير يوجهها للذكور أم للإناث؟ للأغنياء أم للفقراء؟ بغض النظر في الوقف ولا في غيره، هناك العرف شيء أوسع من دائرة الوقف.
الحالة الأولى، الطريقة في الخطوة الأولى، أن ننظر في العادة المستمرة في مثل هذا النوع من الوقف إلى أين يصرف. الخطوة الثانية، ما وجدنا عادة مستمرة، يقول لك: يرجع إلى العرف المستقر في البلد في مثل هذه المعطيات وفي مثل هذه الأمور، وهي ليست متعلقة بنفس الوقف، بل العرف المستمر في البلد في مثل هذه الإطلاقات؛ لما شخص يطلق مثل هذه الإطلاقات، فما تحمل عندهم في هذا البلد، قد يكون عرف الأردن غير عرف غيرنا. قد يكون عرف بعض البلدان أن هذه العبارة تطلق على الحضري ولا يدخل فيها البدوي، أو يطلع يعني مش ضروري فقط غني وفقير وذكر وأنثى ومنتصف، ممكن أجناس أخرى: حضري وبدوي، مقيم ومسافر، هذه كلها متقابلات.
قالوا: فإن لم يوجد عرف ولا عادة، نذهب إلى التسوية التي ذكرها ابن بلبان. قال: عندئذ نسوي بين الغني والفقير والذكر والأنثى. طبعًا شيخ أحمد ذكر كلامًا كبيرًا، هل ابن بلبان انتقل؟ البعض حاول يقول لك لا، كلام ابن بلبان على جهة وكلام الإقناع والمنتهى على مسألة أخرى، لكن ما اختاره شيخ أحمد هو قال: «والأولى»، والأولى أن يقال إن عبارة المؤلف فيها قصور ونقص، هذا الذي اختاره شيخ أحمد؛ فيها قصور ونقص ولم يأتي إلا بالمرتبة الثالثة وهي التساوي.
ويحمل كلامه على ما في الإقناع والمنتهى من أنه يجب أولًا أن يعمل بالعادة، ثم بالعرف، ثم بالتساوي. يعني كأنه هو لم يخالف المذهب، كأنه اختصر خطوتين، ولكن هذا الاختصار يعمل خللًا؛ شئنا أم أبينا، أنت لما تختصر في مكان فيه تفصيل يعمل خللًا. فنقول إذًا ابن جامع رحمه الله تعالى عليه في الفوائد المنتخبات، على أقصر المختصرات، هذا الذي قرره أنه فيه خلل، وأنه كان ينبغي على صاحب الأقصر أن يذكر أولًا العادة، ثم العرف العام في البلد، ثم بعد ذلك التسوية.
اقرأ: «والنظر عند عدم الشرط لموقوف عليه إن كان محصورًا وإلا فللحاكم، كما لو كان على مسجد ونحوه».
الآن مسألة ناظر الوقف، المراد به من هو ناظر الوقف؟ ما معنى ناظر الوقف؟ ناظر الوقف في الشريعة الإسلامية هو الشخص المسؤول عن إدارة الوقف، باختصار مدير الوقف. ناظر الوقف من هو؟ مدير الوقف. الآن الأمر موكل ابتداءً للشخص الواقف؛ إذا أنا أوقفت وقفًا، لي أن أجعل نفسي أنا مديرًا للوقف، ولي أن أجعل شخصًا آخر مديرًا للوقف.
فإذا الواقف لم يجعل نفسه مديرًا للوقف، ناظرًا له، ولم يحدد شخصًا، من سيكون ناظرًا للوقف؟ من الذي سيدير الوقف؟ هنا يصير في تفصيل. نقول إن كان الوقف على شخص معين، أو مجموعة أشخاص محصورين، فسيكونون هم الذين يديرون الوقف. الآن في وقف لم يقم الواقف بتحديد من سيديره، فلمن نعطي إدارة الوقف؟ فقالوا إذا كان الوقف على شخص واحد معين أو على مجموعة أشخاص معينين، فإدارة الوقف ستكون لهم، هم سيديرونه لأنهم هم الذين يملكونه، صحيح؟ مش قلنا هم الذين يملكونه ملكًا ناقصًا، لكن في النهاية ملكي، بالتالي سأعطى أحقية أن أديره.
وإلا، وهذه "وإلا" تشمل بأن لم يكن الوقف أصلاً على أشخاص، كان الوقف على جهة: مساجد، مستشفيات، أو على أشخاص غير محصورين، يعني الفقراء في العالم الإسلامي؛ هذا أكيد مش هم الذين سيديرون الوقف، تتكلم عن 3 ملايين شخص أو 20 مليون شخص، ليس من الممكن أن يديروا هذا الوقف، فبالتالي سيكون من الذي سيدير الوقف في هذه الحالة هو الحاكم.
طيب، ليس بالضرورة أن يكونوا هم الذين يضعون وزارة، أو كما نسميها وزارة الأوقاف، بل يكون ناس ينتبهون على هذه الأمور. «كما لو كان على مسجد ونحوه». الآن ماذا يعني كما لو كان مسجدًا ونحوه؟ الآن لما يكون على جهة عامة، أصلًا الجهة لا تملك؛ مساجد، مستشفيات، في هذه الحالة لا ننظر هل هم محصورون أم غير محصورين، لأنه أصلًا نتكلم عن إسمنت وطوب، هؤلاء لا يتصور ملكها أصلًا، فهنا مباشرة.
بدون تفصيل أنه محصور ولا غير محصور، مباشرة إذا لم يقم الواقف بتحديد الناظر ينتقل النظر إلى من؟ إلى الحاكم.
فهمتم؟ في حالة كان الوقف على أشخاص، في تفصيل أنه إذا أنا ما حددت الواقف هذا الأشخاص الذين أوقفت عليهم محصورين ولا غير محصورين، فإذا كانوا محصورين بيكونوا هم اللي يديروا الوقف، وإذا كانوا غير محصورين بتكون إدارة الوقف للحاكم. أما إذا كان هو من البداية مش وقف على أشخاص، وقف على جهات عامة مثل المساجد أو الأوقاف أو المكتبات، لا هنا أصلًا ما فيش داعي أنظر محصور ولا مش محصور، هنا مباشرة إذا لم يقم الواقف بتحديد الناظر فالمسؤول عن الوقف من هو؟ الحاكم.
يعمل بالشرط هنا؟ نعم، يعمل بالشرط حتى بالجهة العامة؟ يعمل بالشرط الواقف حتى لو الآن إذا الواقف حدد ناظر، نعم، سواء على الجهات العامة ولا الجهات الخاصة، أنا حددت واقف من جهتي هو اللي يدير المستشفيات، هذا وقفي، أنت ما بتقدرش تلزمني كحاكم. لكن إذا لم تقم أنت بتحديد الواقف ففي الجهات العامة مباشرة ننتقل إلى الحاكم. لذلك قال: "والنظر عند عدم الشرط يكون لمن؟" لموقوف عليه، فإن لم يكن الموقوف عليه محصورًا فالنظر للحاكم ومن ينيبه الحاكم كما قلنا، أو كان لـ مسجد ونحوه من الجهات العامة فالنظر للحاكم.
ثم قال: «وإن وقف على ولده أو ولد غيره فهو لذكر وأنثى بالسوية، ثم لولد بنيه». سنأتي الآن لقضية الوقف على الأقارب. إذا أنا أوقفت على ولدي أو على أولاد غيري، كأولاد الشيخ عمر. كلمة ولد في اللغة وهنا شوية دلالات لغوية راح تفرق معنا، كلمة ولد تشمل ماذا؟ الكل، الأولاد. الذكر والأنثى ولا الذكر فقط؟ لا تأخذ عرفك المعاصر، نحن في عرفنا المعاصر يقولوا: والله جاك ولد ولا بنت؟ هذا عرف ناشئ، ليس هو عرف أهل اللغة، أهل اللغة عندهم الولد يشمل الذكر والأنثى، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. فكلمة ولد تشمل ذكر وأنثى، فإذا قلت هذا وقف على ولدي، مين راح يدخل؟ الذكور والإناث، أو على أولاد عمر، سيدخل الذكور والإناث.
طيب، بالسوية ولا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ بالسوية هنا، مش للذكر مثل حظ الأنثيين. في الوقف يكون التوزيع بين الأولاد بالسوية وليس كما هو في الميراث، لأنه سيأتي معنا أنه في الهبة لا يجب التعديل بـ للذكر مثل حظ الأنثيين، لكن في الوقف لا، الوقف يكون توزيع الوقف بالسوية. إذا قلت هذا وقف على ولدي أو على ولد غيري.
فقال: «ثم لولد بنيه»، إيش معنى ثم لولد بنيه؟ يعني إذا الأولاد ماتوا، شخص قال هذا وقف على ولدي، الأصل فيه يدخل مين؟ الطبقة الأولى اللي هم أولادك المباشرين ذكورًا وإناثًا، طيب ماتوا، أنا ربنا أخذ ودعته، وطبعًا أولادي كذلك، لمن سيذهب هذا الوقف بعد ذلك؟ لأولاد الأولاد، لأولاد الأبناء، لأولاد الأبناء الذكور.
الآن إذا مات أولادك والوقف لسه موجود، لمن سيذهب؟ سينتقل لأولاد أبنائك، مش لأولاد بناتك، ليه؟ لأنه لا يعتبر من ولده. أحسنت، أولاد البنات، بنتكم إذا كبرت وتزوجت والولد اللي بتجيبه، ينسب لها ولا لزوجها؟ لزوجها، هو حفيدكم بالمعنى العام، مش مشكلة، بس في النهاية من حيث المعنى المالي، المسؤول عن النفقة والإنفاق عليه وأمواله جهة زوجها، فبالتالي، قالوا من وقف على أولاده، فأولاده استفادوا ذكورًا وإناثًا بالسوية، ثم مات أولاده، سينتقل الوقف والاستفادة منه لأولاد أبنائه، أي لأولاد الذكور، فأولاده وبناته راح يستفيدوا الآن.
هنا الشيخ عدي سأل سؤالًا مهمًا ودقيقًا: نحن ننتظر أن تموت الطبقة الأولى كاملة حتى تنتقل الاستفادة للطبقة الثانية؟ أم نقول مثلاً أنا قلت هذا وقف على أولادي وعندي ثلاثة أولاد، مات واحد منهم ولسه الاثنين موجودين، هل بنقول نصيب هذا اللي مات ينتقل إلى أولاده مع بقاء الباقي لأعمامه، ولا بنقول استنى، نصيبه اللي كان يستهلكه يتوزع على إخوانه، ولما يموتوا كلهم الطبقة الأولى ساعتها بننظر في الطبقة الثانية؟
المذهب عند أصحابنا أنه ينظر فيهم طبقة طبقة، نصيب هذا الذي مات يوزع على إخوانه وليس على أولاده، فإذا انقرضت الطبقة الأولى كاملة ينتقل الاستفادة من الوقف للطبقة الثانية. طبعًا شيخ الإسلام خالف في هذا، قال: لا، كل واحد بنصيبه، فإذا مات هذا الشخص ينتقل نصيبه إلى أحفاده ولا يعود إلى الإخوة، هذا رأي آخر في المسألة، لكن المذهب عندنا أنه يعامل طبقة طبقة.
واضح يا إخواني؟ «وإن وقف على ولده أو ولد غيره فهو لذكر وأنثى بالسوية، ثم...»، "ثم" هنا معناها أي بعد أن تنتهي الطبقة الأولى، ينتقل استفادة الوقف للطبقة الثانية لكن فقط لأولاد الأبناء وليس لأولاد البنات. إذا توفوا كل اللي في الطبقة الأولى وكان عندهم إناث فقط، وانتهت الطبقات تمامًا، يوزع للفقراء، إذا انتهت كل الطبقات يعني باختصار ما يوجد شيء طبقة فيها الشرط.
قالوا: «وعلى بنيه أو بني فلان». الآن سيذهب إلى مسألة أخرى، لو أنا من البداية ما قلت هذا وقف على أولادي، لو قلت هذا وقف على أبنائي. لو أنا قلت من البداية هذا وقف على مين؟ على أبنائي.
وقف على أبنائي. هنا أنت من البداية حددت الذكور، صح؟ أنت من البداية حددت الذكور. هل يصح هذا؟ واحد عنده ذكور وإناث، وقف على الذكور فقط، هل يصح؟ ولا نقول: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
هذا يخص صاحب الأولاد بهدية، في باب الهبة لا يجوز، لكن في باب الوقف قالوا يجوز. الآن تأتي بعض الاستثناءات والفوارق بين الأبواب؛ في الوقف قالوا له أن يقول: «هذا وقف على أبنائي». نحن من فضلكم هذه أشياء ثابتة، بس الفكرة أن باب الوقف يختلف عن باب الهبة والعطية.
في باب الهبة والعطية ماذا قال النبي ﷺ؟ «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». بس في باب الوقف، قالوا ذكر النبي ﷺ في باب الهبة تمليك عين، وهنا هي منافع، ليست تمليك أعيان؛ فقالوا إذًا الأصل أن يبقى على الجواز، فيجوز أن تقف على الأبناء ويجوز أن تقف على البنات.
ربما اللفظ يا شيخ، بس هي العلاقة ما هو اللفظ في سياقه؛ كان السياق في الحديث سياق هبة، وهذا خصوص السبب بالنوع، سيناقش في هذا.
قال: «وعلى بنيّه أو بني فلان». بني فلان زي ما قلنا، إذا قلت هذا على أبنائي أو أبناء عمر، نفس الشيء، راح يدخل الذكور ولن يدخل الإناث. ثم قال: «وإن كانوا قبيلة دخل النساء دون أولادهن من غيرهم».
أنا هيك ما استوعبت شوي، قال: «وإن كانوا قبيلة». لو شخص قال: هذا وقف على القبيلة الفلانية، هو يريد أن يرجعك للفظ السابق، لو قلت هذا وقف على بني تميم، نحن قلنا كلمة "ابن" الأصل أنها للذكور، لكن سياق بني تميم هنا ما عدنا نتكلم عن عدد محصور، صرنا نتكلم عن قبيلة كاملة، فقالوا فإذا استعملت لفظة بني تميم، أو مثلاً نحن في الأردن بني حسن، بني فلان، كلمة "بني" إذا كانت في سياق عشيرة وقبيلة كاملة، هنا يدخل النساء.
إلا إذا كانت في سياق قبيلة أو عشيرة، فكلمة "بني" هنا لا تبقى على أصل وضعها للذكور بل يدخل فيها النساء. لذلك قال: «إذا كانوا قبيلة دخل النساء»، بس إيش؟ قال: «دخل النساء دون أولادهن من غيرهم». يعني امرأة من بني تميم تزوجت رجلاً من قريش فجاءت بأبناء، لما أقول هذه العمارة وقف على بني تميم، هي راح تدخل، بس بنقول لأولادها ما راح يدخلوا؛ لأن أولادك مش محسوبين على بني تميم، محسوبين على أبوهم من قريش، لكن لو كانت هي متزوجة واحد من بني تميم، راح يدخلوا أولادها؛ لأن الأب من بني تميم.
فهذا معنى قوله: «وإن كانوا قبيلة»، هؤلاء بنو فلان إذا كانوا قبيلة وعشيرة سيدخل النساء، لأنه هكذا لاحظ العرف هنا، في تحديد ما معنى "بني فلان". "دون أولاد هؤلاء النساء من غيرهم" أي من غير هذه القبيلة؛ أي كأن تكون المرأة تزوجت رجلاً من قبيلة أخرى.
طب لو قال شخص: هذا وقف على قرابتي، أو أهل البيت، أو القوم، ماذا يدل عند الحنابلة؟ هي كلها مناقشات في الصياغ. لو قال شخص هذه العمارة أو هذه المكتبة وقف على قرابتي أو على أهل بيتي أو على قومي؛ كلمة قوم، أهل بيت، قرابة، ماذا يدخل فيها؟ يقولون يدخل ذكر وأنثى من أولاده، يدخل الذكور والإناث من أولادك، وأولاد أبيه وجده.
أولاد أبوك هم إخوانك، الذكور والإناث. ثالثاً، أولاد جدك هم أعمامك وعماتك. قال: "وجد أبيه"، أي أعمام الأعمام، من جهة الأب طبعًا. إذًا باختصار يدخل أربع طبقات: أولادك، إخوانك، أعمامك وعماتك، وأعمام الأب وعمات الأب، كله من جهة الأبوة.
إذًا هي أربع طبقات: أولادك ذكورًا وإناثًا، إخوانك وأخواتك، أعمامك وعماتك، وأعمام وعمات من جهة الأب؛ لذلك قال: دخل فيه ذكر وأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه.
طبعًا من باب الفائدة، يقول: ودلالة ذلك عدم مجاوزة النبي ﷺ بني هاشم إلى من هو أبعد منهم كبني عبد شمس في سهم ذوي القربى. لما كان النبي ﷺ في سهم ذوي القربى، واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى؛ من دخل في سهم ذوي القربى؟ إلى هاشم جد النبي ﷺ؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فدخل أولاده وأولاد أبيه وأولاد جده ذا هاشم، وهذا هو الرابع. لم يتجاوز هاشم النبي ﷺ في الاستحقاق من سهم ذوي القربى.
فقالوا: إذًا هذا دلالة على، شوف كيف العلماء يستنبطوا الدلالات؛ كيف أخذ الأفكار من أن النبي ﷺ لما اقتصر على بني هاشم ولم يتجاوزهم إلى بني عبد مناف، لم يتجاوز إلى الجد الذي بعد هاشم، قالوا: هذا إشارة أن الأمر موقوف على الطبقة الرابعة، هؤلاء هم الذين يدخلون ويستفيدون، ما بعد الطبقة الرابعة لم يأتِ دليل يدل على إدخالهم في لفظ ذوي القربى، ومثل لفظ ذوي القربى لفظ أهل البيت ولفظ القوم. عين الوصف، جنس الحكم.
قال: «وعلى قرابتي أو على بيتي أو قومي دخل ذكر وأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه»، وقال: «لا مخالف دينه»، ما يدخل الذي يخالفك في الدين. قالوا: لا يدخل من خالفك في الدين، لأنك إذا قلت: قومي، أهل بيتي، قرابتي، أي واحد فيهم دينه يخالف دينك ما يدخل.
إلا إذا استعمل قرينة دلت على أنه يقصد مسلمهم وكافرهم، فيدخل. والأصل أنك تقصد من كان مؤمناً منهم، إلا إذا استدلت قرينة على أنك تقصد تعميم المسلم والكافر فيدخلون.
ثم قال: «وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم وإلا». الآن المسألة الأخيرة تتعلق بآلية توزيع الوقف في حال كان الوقف على جماعة. إذا كان الوقف إخوانياً على شخص معين، فهو سيأخذ النفع كاملاً. وإذا كان الوقف على جهة عامة كالمساجد، فإن الحاكم أو الناظر سيوزعها على حسب ما يقتضيه المصلحة.
لكن المشكلة تكمن إذا كان الوقف على مجموعة أشخاص، فهنا سيفرق بين هل هؤلاء الأشخاص محصورون أم غير محصورين؟ فإذا وقفت على مجموعة أشخاص يمكن حصرهم، فالأصل أنه يجب تعميمهم في العطاء من الوقف والتسوية بينهم، إلا إذا كان الواقف قد اشترط شيئاً. أي وجب تعميمهم والتسوية بينهم في حال كون الواقف لم يشترط تفضيل بعضهم على بعض؛ لأنه ممكن يكون الواقف شرط، قال مثلاً: «أعطوا الفقهاء الحنابلة مئة دينار وأعطوا فقهاء الشافعية خمسين ديناراً»، فهو حر، ما عنده مشكلة إذا لم يرد التعميم ما دام أي شرط يشترطه لا إثم فيه وله حق.
فقوله: «وجب تعميمهم والتسوية بينهم»، اكتب: إذا كان الواقف لم يشترط خلاف ذلك. هذا مقيد بما إذا كان الواقف لم يشترط خلاف ذلك، إذاً وجب تعميمهم والتسوية بينهم ذكوراً وإناثاً، أغنياء وفقراء.
وإلا، أي إن لم يمكن حصرهم؛ إذا قال: «هذا وقف لطلاب العلم»، أو «للفقراء» في البلد، وكان عندك في البلد مليون فقير، فالوقف هذا ماذا يريد أن يغطي؟ يريد أن يغطي مليون فقير. هنا ماذا سيفعل ناظر الوقف؟ قالوا هنا لناظر الوقف أن يفضل من يشاء، وله أيضاً حتى أن يقتصر على واحد. هنا نعطيك مساحة مطلقة؛ ما دام لا يوجد تحديد وكان عدد الأشخاص غير محصورين، فلك أن تفضل في العطاء، فأعطيت هذا ديناراً وأعطيت هذا عشرة، فلا مشكلة. وله أيضاً أن يحرم، فليس فقط يفضل، بل له أن يحرم، فلا يعطي إلا واحداً أو اثنين والباقي لا يعطيهم.
لو أن شخصاً قال: «هذا وقف للفقراء»، والفقراء غير محصورين، هنا لك أن تفضل؛ فتقول: «أنا والله رأيت هذا الفقير وحزنت عليه فأعطيته خمسين، ورأيت فقيراً آخر لم أحزن عليه كثيراً فأعطيته ثلاثين»، لا مشكلة، أنت لم تخالف شيئاً لأنهم أصلًا غير محصورين. فلي أنا كناظر وقف أن أفضل من أشاء، ولي أن أحرم حتى وإن كان هناك عدد كبير من الفقراء، فأقول: «لا أريد أن أعطي كل هؤلاء الفقراء بل أريد أن أعطي واحداً فقط»، فيجوز ذلك.
والأفضل طبعاً، ونحن هنا نتكلم عن حد الجواز وليس عما هو الأفضل تصرفاً، لو أنه أعطى واحداً وترك الجميع فلا مشكلة لأنه لا نتحدث عن عدد محصور، فهو ليس ملزماً بشيء. لكن الأفضل هو مراعاة المصلحة، والأفضل حقيقة من حيث كمية العطاء؛ كأن يرى أن هذه العائلة تستحق أكثر من تلك العائلة، فيكون هناك معايير وأمور منضبطة حتى يكون الأمر إن شاء الله في مرضاة الله سبحانه وتعالى. لذلك قال: «وإلا جاز التفضيل بينهم بل جاز حتى الاقتصار على واحد منهم».
الباب الذي بعده، قال رحمه الله: «والهبة مستحبة». نأتي الآن إلى الهبة، الهبة أيضاً أيها الكرام من عقود التبرعات. وهي شرعاً: تمليك جائز التصرف مالاً معلومًا أو مجهولًا تعذر علمه في حال حياته بلا عوض. هذا هو التعريف؛ شخص جائز التصرف، يملك مالاً معلومًا أو مالاً مجهولًا تعذر علمه بهذا الشرط، لأنه سيأتي معنا المجهول الذي لا يتعذر علمه، فإنه لا تصح هبته، بل يجب أن تقف عليه. لذلك قال: «مالاً معلومًا أو مجهولًا تعذر علمه في الحياة بلا عوض» تمليكه لشخص آخر.
والهبة من عقود التبرعات، وحكم التبرعات عموماً أنها عقود مستحبة. لاحظوا أنه أحياناً يقول الوقف سنة، وهنا قال الهبة مستحبة، فعند الحنابلة كلمة سنة، ومستحبة، ومندوب، مترادفة من حيث الأصل في باب الفقهيات.
قال: «ويصح هبة مصحف وكل ما يصح بيعه». الآن نفس الفكرة التي كانت معنا في الوقف ستأتي معنا هنا؛ هل التنصيص على المصحف مهم هنا؟ إذا قلت يصح بيعه، فهل يدخل المصحف دون الحاجة إلى نص؟ إذا كنت تابعاً للإقناع، فالإقناع لا يصحح بيع المصحف لكن يصحح هبته، فلا بد من التنصيص على المصحف. أما إذا كنت تمشي على طريقة المنتهى، فقد قلنا في المنتهى يصح بيع المصحف مع الحرمة، وبالتالي ما دام قال «وكل ما يصح بيعه يصح هبته» فلا داعي للنص على المصحف على طريقة المنتهى، لكنها تحتاج إلى التنصيص على المصحف على طريقة الإقناع، تماماً كما مر معنا في قضية الوقف. لذلك هو ينص على المصحف من باب مراعاة الإقناع، وإلا فالمصحف يصح بيعه مع الإثم على مذهب المنتهى.
وحري بنا، وأنا في العادة لا أحب توسيع المادة، لكن أن نعرف شروط الوقف وشروط الهبة هذا جيد وإن لم ينص عليها، حتى نعرف بعض الفوائد النفيسة المتعلقة بمبحث الهبة عند الحنابلة.
يُشترط لصحة الهبة عدة شروط، ذكرها في الحواشي السابغات، الشرط الأول: كون الموهوب يصح بيعه، وهذا الشرط قد نص عليه بقوله: «وكل ما يصح بيعه». فكل ما يصح بيعه كسيارة ودار تصح هبته، وكل ما لا يصح بيعه كخمر لا تصح هبته. إلا المجهول الذي يتعذر علمه، فلا يصح بيعه لكن تصح هبته؛ وهذا أول استثناء، المجهول الذي لا يمكن أو يتعذر علينا أن نعرف تفاصيله، قلنا في باب البيع إن هذا لا يصح بيعه لأنه مجهول جهل فاحش، لكن يصح هبته.
المجهول الذي لا أو يتعذر الوقوف على تفاصيله، كأن كان غائبًا عنك وأنا مش قادر أوصل له. أقول له: والله اسمع، أنا والله بذكر لما كنت مقيم في مصر في بيتي في كومة قمح، بس والله يا شيخ لا أنا قادر أروح على مصر ولا أعرفها. كومة القمح اللي في مصر في بيتي هذه هبة لك. طب أنت قادر تعرف؟ والله ما أنا قادر أعرف شو تفاصيلها. يعني كم هي؟ 20 صاع؟ 50 صاع؟ ما عنديش أكثر من التفاصيل هذه.
هل يمكن أن يعرف ضبطها ووصفها؟ قال: والله ما أنا متذكر أنها قمح، هي قمح بلدي، مش بلدي، 20 صاع؟ 100 صاع؟ كل هذا أنا ناسي، جاهله ويتعذر علي أن أعلمه. الآن لو كان بده يشتريها شراء، هل يصح أبيع إياه بهذه الطريقة؟ لا. إنه إذا أنت بدك تبيع في شيء موصوف، مش لازم يكون الوصف دقيق؟ بدي أعطيه وصف واضح بين أنه تمر ونوعية كذا، كمية كذا، هيك بدها تكون القضية.
أما في الهبة فمش مشكلة؛ لأنه الهبة أصلًا هو مش خسران شيء، الطرف الآخر ما هو شو بده يخسر؟ أحسن من هيك لا، هدية يعني، إذا مش لن تدفع لي شيئًا. فلذلك اغتفر فيها من الجهالة ما لم يغتفر في البيع؛ لأن الطرف الآخر غير متضرر. لكن قالوا بشرط أن يتعذر العلم. أما إذا كان بإمكانك تبعث واحد يشوف كم هي وشو نوعها وشو كذا، يمكن واحد يروح على مصر يعرف لنا كم هي تفاصيلها وشو نوعها، عند المذهب المعتمد لا يصح هبتها. عليك أن تحدد ما هي وكم وصفها وشكلها وهيئتها ومقدارها ثم بعد ذلك تهبها. فإذًا هذا استثناء: المجهول الذي يتعذر علمه لا يصح بيعه، لكن تصح هبته إذا اضبطها.
قالوا وأما المجهول الذي لا يتعذر علمه، هنا مثل مثال بإيش؟ كالحمل الذي في بطن الحيوان. بس أنا مثلًا عندي ناقة حامل أو شاة حامل، أقول اسمع يا فلان، الجنين اللي ببطنها إلك. الآن الجنين اللي ببطنها هل هو معروف شو نوعه؟ شو شكله؟ هو ذكر ولا أنثى؟ ممكن يكون ذكر، ممكن يكون أنثى، صح ولا لا؟ يعني في كثير من التفاصيل مجهولة بطبيعته. هل يصح أن أهابه وهو ما زال حملًا مجهولًا؟ قالوا لا. ليه؟ لأنك يمكن أن تعرفه؛ كيف يمكن أن تعرفه؟ استناه حتى تولد، بس تولد هبه إياه.
فالمذهب ضيق في هذه المسألة في مسألة المجهول الذي يمكن معرفته؛ قالوا فلا تصح هبته، لكن تصح الوصية به. وهنا بدنا إياكم تركزوا معنا في الفروق بين الوصية وبين الهبة. هذا أول فرق بين الوصية والهبة: أن الوصية تصح حتى بالمجهول الذي يمكن العلم به، أما الهبة فلا تصح بالمجهول الذي يمكن العلم به. هذا حطوه هيك بس على جنب، فرق بين الوصية والهبة، هذا أول فرق رح يجي معنا.
الآن بقي علينا نتكلم عن موضوع الأمور التي لا يصح بيعها ولكن يجوز الانتفاع بها، زي الكلب الذي يقتنى؛ كلب الصيد والزرع والماشية، والجلد الميتة. دائمًا لما نذكر هي الأشياء كثير تتكرر معنا؛ الكلب والجلد الميتة باعتبارها أمور ليست مالًا شرعيًا فلا يصح بيعها لكن يصح اقتناؤها بالضوابط. فهذه هل يجوز هبتها؟ هل يجوز أهب شخص كلب صيد أو أهب شخص كلب لماشيته؟
الآن مذهبيا قالوا لا تسمى هبة، عقد هبة لا يصح، لا يكون عقد هبة، لكن بإمكانك أنك ترفع يدك عن هذا الكلب وتقول لفلان خذه أنت كذا، بالتالي أنت تعتقد أنها نوعًا ما فيها نوع من الشكلية. من حيث العقد قالوا لا يصح كعقد هبة، خلاص عقد هبة لازم يكون على شيء يصح بيعه، والكلب لا يصح بيعه والجلد الميتة، لكن ماذا يمكن أن تفعل؟ أن ترفع يدك عن الكلب ليأتي هو ويأخذه، خلاص تقول له خلاص أنا رفعت يدي عن هذا الكلب الصيد حابب تأخذه خذه.
فقالوا لا نسميها هبة، ولكن هو نوع من العطاء، لكن هي في النهاية في الواقع العملي -هم من باب المحافظة على أصول المذهب ما سموها هبة- لكن من حيث الواقع أنت ساعدته في شيء، يعني خدمته خدمة ومعروف. لذلك قالوا: «وما يباح الانتفاع به ولا يصح بيعه كالكلب والجلد الميتة فإنه يصح رفع اليد عنه لشخص آخر». أرفع يدي عنه أقول له حابب تأخذه تنتفع به انتفع به، ولكنه لا يسمى هبة كما ذكر ذلك الشيخ منصور البهوتي، وإنما يكون مما تنقل فيه اليد، يسمى نقل يد. خلاص هذا الكلب كانت يدي عليه صارت يد عمر عليه. الآن بس أنت ضمنيًا في داخل الباطن راح تعرفها أنها نوع من أنواع المساعدة والهدايا والعطايا، لكن من ناحية الأحكام الفقهية، فلو قال شخص والله لا أهب فلانًا شيئًا فأعطاه كلبًا هل حنث؟ لا لأنها لا تسمى هبة. لو قال لزوجته: إذا وهبتي هذا الكلب فأنت طالق، لا تطلق، لأنه لا يمكن هبته، يعني تنفعك في هذه الأحكام. هي من حيث الواقع أنا أعطيته إياه مجانًا، لكن من حيث الحكم الفقهي لا يسمى هبة.
إذًا هذا أول شرط، لاحظنا فيه التفاصيل: أن يكون الموهوب يصح بيعه، سواء كان معلومًا أو مجهولًا. واستثنينا من هذا إلا إذا كان مجهولًا يتعذر علمه، فهذا لا يصح بيعه لكن تصح هبته، أما المجهول الذي لا يتعذر علمه فلا تصح هبته لكن تصح وصيته. شوف هذه وهذه قضية معركة الفقه؛ إنه بدك ترجع على البيت وتضلك تحفظ هذه المسألة، أنت الآن متذكرها وأنت فاهمها الآن، العبرة إنه بعد شهرين نضلنا متذكرينها هذا التفصيل. وأما ما يباح الانتفاع به ولا يصح بيعه كالكلب وجلد الميتة فهذا يصح رفع اليد عنه لشخص آخر ولكنه لا يسمى هبة.
يعني هي حيلة شرعية؟ هي مش حيلة، خلص هو محاولة تمسك بالقواعد؛ أن الهبة يجب أن تكون فيما يصح بيعه، لكن هذا خلص بدنا نسميه رفع يد ما بدنا نسميه هبة، هي مش نوع من التحيل، أكثر من كونها التزام بالضوابط والقواعد اللي أنت ماشي عليها مذهبيًا.
الشرط الثاني: كون الواهب جائز التصرف. أما الموهوب له فلا يشترط؛ لأنه أنا ممكن أهب لصبي ويقبض عنه، ممكن أقول والله هذه سيارة لهذا الشاب اللي عمره ثماني سنين.
وليه، شو مصلحته؟ شو بدك أحسن من إنه تهب له شيء ينتفع به؟ فلاحظ إنه اشترط في الواهب فقط؛ لأنه هو اللي عم بيخسر من حيث الدنيا، إن شاء الله ثوابه عند الله كبير، بس من حيث الدنيا هو اللي يبذل. فاشترط في الواهب أن يكون ذا أهلية التصرف، لكن لم يشترط هذا في الموهوب له، ممكن أحب أنا ليس فيه شغل ينتفع منها ويقبض عنه وليه.
ثالثاً، قال: كون الواهب مختاراً جاداً. أن يكون الواهب في حال لما هو يهب في حال الاختيار مش مكره، وأن يكون جاداً مش في حالة هزل. أنا ممكن أمزح معك وأقول لك خلاص هذه السيارة حسابك، وأنت مش تصدق شيخ لاقيك واخذ السيارة وطالع، اللي واضح أنه الموضوع باب هزل؛ فإذاً أن يكون مختاراً مش واحد مكرهني، وجاداً ليس هازلاً.
رابعاً، كون الموهوب له يصح تمليكه؛ فلا تصح الهبة للحمل، وتصح الوصية له بشرط وجوده أثناء الوصية. الشرط الرابع أن يكون الموهوب له له ذمة يصح تمليكه، إيش يعني؟ له ذمة. يصح تمليكه بغض النظر أنه هو يقبض ولا وليه يقبض، بيهمني الآن أنه يصح تمليكه له ذمة.
لذلك ماذا استثنى؟ قال بالتالي لا تصح أن تهب للحمل، لو زوجتك حامل أو مثلاً شقيقتك حامل مثلاً فقلت والله هذه السيارة هبة للحمل اللي ببطنك. قلت هذه السيارة بدي أهبها للحمل الذي في بطنك هل تصح الهبة؟ قالوا هذا ليس له ذمة، فلا يصح تمليكه، ليس له ذمة هذا لساته حمل. بخلاف ما لو كان صغيراً موجوداً، عرفت؟
لكن هل تصح الوصية له؟ قالوا نعم. وتصح الوصية للحمل بشرط أن يكون الحمل موجوداً في أثناء الوصية، مش نكتشف أنه حمل كاذب. فإذا كان حمل موجود وقلت لأختك هذه بدي أوصي للحمل اللي ببطنك بعد موتي أنه له سيارة أو شيء، هل تصح الوصية للحمل؟ نعم. فهذا الفرق الثاني بين الهبة والوصية؛ أن الوصية تصح حتى لمن ليس موجوداً، لمن ليس له ذمة، بس بشرط أن يكون الحمل موجود، أما الهبة لا تصح لمن لا يمكن أن يتملك كالحمل.
خامساً، قال: كون الموهوب له يقبل ما وهب له بقول أو فعل في المجلس. والقبول شرط في الهبة والوصية دون الوقف والإبراء من الدين ولو كان بلفظ الهبة. الآن إحنا قلنا الوقف هل يحتاج لقبول؟ يحتاج لإيجاب، صح؟ أما الهبة لا، الهبة تحتاج إلى قبول. وقوله: يكون بقول أو فعل في المجلس، يعني كأنه زي البيع؛ كيف البيع يقبل يكون بصيغة قولية وفعلية؟ كذلك الهبة يكون قبولها بصيغة قولية أو فعلية في المجلس.
والقبول شرط في الهبة والوصية دون الوقف ودون الإبراء من الدين، وإن كان شكلاً من أشكال الهبة، لكن يقول: لا يشترط له رضا الطرف الآخر. فلو أنا بدي منك 10,000 وقلت: سامحتك يا فلان منها، أبرأتك منها، هل يحتاج إنه أنت تقول: وافقت؟ لا، فأستطيع أن أبرئك منها، بس مذهبياً أستطيع أن أبرئك منها ولو لم ترضى. فالإبراء والوقف لا يحتاج إلى قبول الطرف الآخر، أما الهبة ومثلها الوصية كما سيأتي إن شاء الله تحتاج إلى رضا الطرف الآخر.
قال: الشرط السادس كون الهبة منجزة. ومنجزة وهذا عامة في العقود، إذا أنتم بتلاحظوا الحنابلة الفكرة عامة في العقود؛ البيع وغيره كل الأصل في العقود أن تكون منجزة، ولا تقبل العقود المعلقة إلا بالموت، هذه قضية أخرى لأنه الهبة إذا علقتها بالموت تصبح وصية. زي الوقف، مش قلنا الوقف يجوز تعليقه على الموت، لكن يعتبر شكلاً من أشكال الوصية؟ نفس الشيء الهبة.
طيب، الشرط السابع، قال: ألا تكون مؤقتة؛ فلا يصح قوله: وهبتك هذه السيارة سنة، لكن تصح هبة الشيء مع استثناء نفعه زمناً معيناً. فلا يصح أن أقول: وهبتك هذه السيارة لمدة سنة، بعدين بترجع لي إياها، ما بتنفع، هذه الهبة. ولكن يصح أن أستثني أنا نفعها، أني أقول: وهبتك هذه السيارة مؤبدة لك، بس بدي نفعها لمدة شهر، زي البيع؛ وهبتك هذا بشرط أن يحصل لي انتفاع به لمدة معينة، مش قلنا هذا يصح شرط في البيع؟ فيصح شرط في الهبة. موضوع العمرة والرقبة ما بدي أدخل فيها الآن، عموماً.
الشرط الثامن، قال: ألا تكون بعوض، وإلا صارت بيع، لو كانت بعوض صارت بيع. الشرط التاسع، قال: كون الموهوب مقدوراً على تسليمه، وهذا مثله مثل البيع؛ أن تكون مقدوراً على تسليمها، هذا من شروط البيع، فكذلك من شروط الهبة أن يكون الشيء الموهوب قادراً على تسليمه، فلا يصح أن أهب طيراً في الهواء أو السمك في الماء أو السيارة الضائعة.
الشرط العاشر ركزوا لي فيه لأنه شرط جداً جوهري ومهم، وتنتبہ عليه أحكام كثيرة سيأتي معنا، ما هو؟ قال: كون الموهوب عيناً. أن تكون الهبة للعين. هل يصح هبة المنافع؟ ركز، هل يصح هبة المنافع عند الحنابلة في المذهب؟ ما يصح هبة منافع. يعني هل يجوز أن أقول لك: هذه الدار وهبتك منفعتها مؤبدة؟ حتى لو مؤبدة، بس ما وهبتك عينها بالضبط، لا. لو قلت لك: هذه السيارة وهبتك منفعتها لكن ما وهبتك عينها، منفعتها تروح تسوق فيها، تمشي وتروح وتيجي وتعمل اللي بدك إياه، بس عينها تبقى لي، ما ينفع هبة. فلذلك قالوا: خلص ينفع إيش؟ عارية، اعملها عقد عارية بس ما تعملها عقد هبة، لأن الهبة عند الحنابلة لا تكون إلا على الأعيان.
زي الوقف، مش قلنا أن يكون عيناً؟ قال: نفس الشيء. الشرط العاشر كون الموهوب عيناً، لذلك قال: أما المنافع شوف شو قال شيخ أحمد: فلا تصح هبتها على المذهب ولا وقفها كما مر معنا في عقد الوقف، ولا قرضها كذلك في عقد القرض. تستثني إيش؟ وكل ما يصح بيعه، كل عين يصح بيعها، هي المشكلة نفسها اللي مرت معنا في القرض؛ لأن الهبة هبة أعيان مش هبة منافع.
لكن هل يصح هبة الوصية بالمنافع؟ نعم، قالوا: تصح الوصية بالمنافع. وهذا الفرق الثالث بين الهبة والوصية. إذاً الفرق الأول بين الهبة والوصية إيش هو؟ نسينا ها؟ عشان تعرفوا أهمية المراجعة، الفرق الأول بين الهبة والوصية إيش هو؟ أن الشيء المجهول الذي يمكن معرفته...
لا تصح هبته لكن تصح الوصية به. الفرق الثاني أنه لا تصح الهبة للحامل لكن تصح الوصية للحامل. والفرق الثالث أنه أن الهبة تكون للأعيان، أما الوصايا فتكون بالأعيان والمنافع؛ هكذا تضبطوا وهكذا تفهموا الأمور. بدنا نعمل فوارق بين العقود ونعرف هذا العقد شو بيعطيني مميزات، هكذا الأمور تفهم، وإلا أنت ما بتضبط المذهب إذا لم تكن هذه الفروق واضحة عندك.
تفضل. لو قال: وهبتك سيارة سنة، هل يعتبر عقد إيجار؟ لا، هو عقد إعارة؛ يعني أن قضية أنه يقصد بها العارية لكن عبر عنها بلفظ الهبة هذه مسألة أخرى، إذا كان السياق يقتضي ذلك، يعني عندنا بحبحة في هذه الأمور.
قال: وتنعقد بما يدل عليها عرفًا وتلزم بقبض بإذن واهب. كما قلنا أن القبول يصح بكل قول أو فعل، كذلك الإيجاب يصح بكل قول أو فعل؛ لذلك قال: وتنعقد بما يدل عليها عرفًا، فنحن مش ملزمين بلفظ معين، كل قول أو فعل يدل على الإيجاب والقبول تنعقد به.
لكن متى تلزم؟ قال: وتلزم بقبض بإذن واهب. إذًا لو سألتك في الامتحان: عقد الهبة عقد جائز ولا لازم؟ لازم بالقبض. بتقولي قبل القبض جائز، يستطيع الواهب أن يتراجع عنه، بعد القبض بإذن الواهب بشرطين: بعد القبض، وبإذن الواهب؛ لأنه إذا قبضت أنت بدون ما أذن لك برضه ما بضبطش، بعد أن تقبض بإذني يصبح العقد ملزمًا لي.
لو كانت العين الموهوبة هي حاليًا في تصرف الموهوب له، يعني أنت الآن أعرتك سيارتي، وأنت بتسوق فيها ورايح فيها وجاي، قلت لك اسمع يا فلان، شوف هذه السيارة التي أعرتك إياها هي هبة لك، قالوا: خلص الآن أصبح العقد لازمًا من البداية؛ ليه؟ لأنها مقبوضة ضمنيًا، أصبحت مقبوضة. فإذًا قضية "وتلزم بالقبض" هذه إذا كانت العين الموهوبة لسه معي في يدي، أما إذا أنا معطيك إياها على سبيل العارية أو الإجارة -باختصار هي تحت تصرفك- فقلت لك شايف العين التي تحت تصرفك وهبتها لك، يلزم العقد مباشرة؛ لأنه القبض حاصل تلقائيًا.
شيخنا، زي براءة الدين مثلاً؛ لأننا حكينا فوق قلنا لا يشترط في القبول في الهبة، لا، بس هناك في قبول، لما أقول لك وهبتك إياها حتى لو كانت في يدك أنت بدك تقبل وممكن ترفض كهبة. في الهبة ممكن ترفض، لكن في الإبراء ما بتقدر ترفض. لذلك ماذا قال؟ الآن سيأتي مسألة الإبراء، قال: «ومن أبرأ غريمه من دينه برئ ولو لم يقبل».
الإبراء أعطي حكماً استثنائياً عن الهبة، فقالوا إذا أنا بدي منك مال وسامحتك فيه، أنت ما بتطلع، طبعاً بعض الشباب ما بتأخذوا شوية هيك عزة النفس، يقول لك: لا لا يا شيخ لا تسامحني ولا شيء، أنا بسدك إياها. إيه، أنا فعلياً إذا قلت أبرأتك أنا سامحتك، إذا قلت أبرأتك سقطت من ذمتك. أنت إذا أصررت تعطيني، أنت ما بتعطيني حق أنا بدي إياه منك، أنت كأنك بتعطيني هدية جديدة من عندك؛ لأنه خلص سقط الحق من ذمتك، هذا معنى «ولو لم يقبل»، يعني أصبحت ذمتك بريئة ولو لم تقبل أنت إبرائها. إذا أرجعت المال، ستكون عبارة عن هبة أو هدية.
قال: ويجب التعديل في عطية وارث بأن يعطي كلاً بقدر إرثه، فإن فضل سوى برجوع. الآن إذا أنت كنت تعطي ورثة، ركزوا معي جيداً، إحنا بنتكلم عن الهبة، ما بنتكلمش عن النفقة على الأبناء. النفقة شيء والهبة شيء، أنا لما أنفق على أبنائي هذا واجب، ما دام ابني في سن النفقة أو في حال يجب علي أن أنفق عليه، إنفاقي هل يسمى هبة ولا نفقة واجبة؟ نفقة واجبة، هذا مهم تفرقوا بين المفهومين لأنه سينبني عليه أحكام.
نحن بنتكلم الآن عن موضوع الهبة، إذا قال: ويجب التعديل في عطية وارث؛ إذا أعطيت أحد الورثة -مش فقط الأولاد- القاعدة عند الحنابلة في المعتمد إذا أعطيت أحد الورثة، قالوا أن يكون ميراثه من جهة القرابة، مش من جهة الزوجية. إذا أعطيت أحد الورثة قد يكون هذا وارثاً، قد يكون ابني الذكر وقد تكون ابنتي الأنثى، قد يكون مثلاً أعطيت أخوي أو والدي الكريم. باختصار عند الحنابلة إذا أعطيت هبة لأحد الورثة من جهة القرابة، يجب أن تعطي الباقين كل الورثة كل على مقدار إرثه.
يعني أنا الآن أعطيت ابني الذكر، تعال احصر لنا مين ورثتك؟ فبقولي والله يرثني والدي ووالدتي على قيد الحياة، وهذا ابني الذي أعطيته ومعه أخته. ممتاز، بدك تعطي الجميع كل على مقدار إرثه. يعني أنت أعطيت ابنك 100 دينار؟ لو كان عندنا معادلة ميراث، كم يأخذ الأب في حال وجود الابن؟ السدس، والأم تأخذ السدس في حال وجود اثنين ولدين، والبنت تأخذ نصف مال الولد، فبدك تعطي الآن توزيعة بهذه القسمة، بدك تعدل بينهم في العطية.
فرضاً بدنا نعتبر أن أبوه وأمه ميتين، حتى أسهلها عليك، هو عنده بس ولد ذكر وأنثى، أعطى ابنه الذكر 100، مباشرة بدك تعطي بنته الأنثى 50، مش 100، لأنه هنا سيطبق قاعدة الميراث، وهذا هو العدل هنا عند الحنابلة في المعتمد، وليس التسوية.
«اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». الحنابلة قالوا: العدل في باب الهبة هو ما قسمه الله في الميراث، وليست تسوية بين الذكر والأنثى، بخلاف الوقف؛ ففي الوقف سوّوا بين الذكر والأنثى. أما في الهبة، فالمعتمد يرجع بقول إنه في رواية أخرى في المعتمد تعطي للذكر مثل حظ الأنثيين؛ إذا أعطيت ابنك مئة، بدك تعطي بنتك خمسين، وإذا كان عندك ورثة آخرون كلهم يريدون الأخذ، فكأنك توزع ميراثاً.
فلذلك قال: «ويجب التعديل في عطية وارث بأن يعطي كلاً بقدر إرثه». لكن كما قلنا، بشرط أن يكون الورثة الذين يجب أن أعدل بينهم هم الورثة من جهة القرابة. أما مثلاً إذا أعطيت ابني، ويرثني ابني وزوجتي، فهل لازم أعطي زوجتي؟ لا؛ لأنها لا ترث من جهة القرابة، بل ترث بسبب آخر وهو الزوجية. فالمسألة عند الحنابلة متعلقة فقط بمن يرثك من جهة القرابة، وليس من جهة سبب آخر كالزوجية أو الولاء بالعتق أو ما شابه ذلك؛ فالقضية متعلقة فقط بسبب القرابة.
طبعاً يستثنى عند الحنابلة الشيء التافه فلا يجب التعديل فيه، يعني لو أعطيت واحداً من أولادك الذكور تمرة، أو تمرتين، أو ثلاث ليرات، فمش راح تروح تعدل بين الجميع وتجمع الورثة كلهم؛ قالوا الشيء التافه الذي لا تتبعه همة أوساط الناس كما رفعنا في الوقف، هذا لا يجب التعديل فيه. ويستثنى أيضاً ما لو سامح الباقي، وهي ممكن تريحك؛ يعني لو جئت إلى باقي الورثة من جهة القرابة وقلت لهم: يا جماعة بدي أعطي ابني خمسين ديناراً، مسامحين؟ إذا قالوا خلص مسامحين انتهينا، فأنت متى يلزمك أن تسوي؟ إذا كل واحد تمسك بحقه، فاللي تمسك بحقه وكان حنبلياً يقول لك: لا، أنا بدي تطبق المذهب، بدي آخذ نصيبي، لكن من سامح سامح.
هذه التسوية يا إخواني تجب في جهة ماذا؟ في باب الهدايا والعطايا، لكن في باب النفقات قالوا: لا يجب التعديل والتسوية، وإنما يجب تحقيق الكفاية. يعني أنت الآن عندك أبناء وعندك بنات، ممكن تكون حاجة الابن المالية في النفقة أكثر من حاجة البنت، صحيح ولا لا؟ وممكن العكس، ممكن تكون حاجة البنت أكثر من حاجة الابن. فأنا في باب النفقة أعطي كل شخص حاجته، ولا يجب أن أجمع كل الورثة كلما بدي أعمل نفقة وأعطي كل شخص؛ لا، خلاص كل شخص له، وكل شخص يجب علي أن أنفق عليه، ويجب أن أنظر في كفاياته الخاصة.
البنت لها متطلبات الحياة وأغراض شخصية تحتاجها في الحياة وأمور حياتية، والشاب له أغراض وأمور حياتية. أحياناً حتى في البلد ممكن أسعار الثياب هنا مثلاً أسعار ثياب الشباب أقل من أسعار ثياب البنات؛ هل بنقول لا خلاص أنا بشتري لك قطعة بنفس السعر اللي أعطيته لأخوك أو للذكر مثل الأنثى؟ لا، مثلاً أنا بشتري قطعة بـ ٢٥ ولأخيك بـ ٥٠؛ باب النفقة مختلف تماماً، باب النفقة مبني على الكفاية وليس على التعديل. هذا هو العدل أصلاً، العدل هو الكفاية، وهذه كما قلنا تختلف بحسب الاحتياجات الطارئة للأبناء والبنات ومتطلباتهم.
هذه الفكرة تريحك، أن بعض الشباب أو بعض الأهالي يكون مثل مثلاً يريد أن يعطي ابنه شيئاً لأمر حياتي يحتاجه كنفقة وليس هدية؛ ليس عملاً بهدية، لا، أنت عندك شيء من مستلزمات الحياة، ثياب معينة، طعام معين، حتى احتياجات الحياة تتوسع شوية اليوم مع العرف ومع طبيعة الحياة. لا أقول ذلك جزماً، لكن حتى الدراسة الجامعية؛ ممكن تخصصات مناسبة للأنثى قد تختلف عن التخصصات المناسبة للذكر.
هذا طبعاً لا يزال فيه بعد مناقشات كثيرة؛ هل هي من النفقة الواجبة أصلاً؟ لأن بعض الناس قد يقول لك هي أصلاً نفقة واجبة على الأب، بينما الأنثى تأخذ شيئاً يناسبها كأنثى، وفي ذلك مناقشات كثيرة اليوم في هل هي من النفقة الواجبة على الأب تدريس الأبناء والبنات في الجامعات؟ لكن لو بدي أمشي على من يرى أنها من النفقات الأساسية؛ لأن الشهادة سلاح والبنت غداً لا تعرف ماذا سيصير معها.
أنا فقط من أجل ألا يعترض بمثاله، حتى نفهمها؛ إذا أنا صرفت على ابني في الجامعة على تخصص فعلاً هو يحتاجه مثلاً ٦٠٠٠ دينار، والبنت رأيت أن تخصصاً آخر هو المناسب لها وصرفت عليه ٢٠٠٠، هل بنقول والله أنت ما سويت؟ أو ما عملت للذكر مثل حظ الأنثيين؟ بدك تعوض البنت؟ لا، بنقول هذه نفقات مش هدايا، إحنا في باب النفقات مش في باب الهدايا. وفي باب النفقات لا يلزم التسوية وإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين، ولا حتى أنظر إلى باقي الأقارب الذين لهم حق في الميراث، لأنني الآن أنفق نفقات واجبة.
ممكن أنت أيضاً من النفقات الواجبة قد يجب عليك النفقة على والديك، فمثلاً تريد أن تعطي أباك شيئاً معيناً يحتاجه، ما يصير أن يأتي الابن ويقول: لا، أنت أعطيت أباك بدك تعطيني. بنقول لا، يجب تطبيق قاعدة الحنابلة هنا؛ لأننا هنا نتحدث عن نفقات واجبة وليست عن هبات، فباب النفقة يختلف عن باب الهبة. هذه معلومة مهمة لأن بعض الناس يخلط بين المعلومتين، فيفكر أنه إذا أنفق على ابنه طعاماً معيناً يجب أن ينفق على بنته نفس الطعام، أو إذا أعطى ابنه لحاجة حياتية يجب أن يعطي بنته لحاجة حياتية. بنقول أنت أعطيتها هبة ولا نفقة؟ إذا كانت لحاجات أساسية في الحياة، وقال نفقة، لا مش هبة، يعني أنا أنفق عليهم حاجاتهم، بنقول لا يلزم التسوية ولا تطبق أصلاً القاعدة، وإنما حقق كل شخص كفايته.
نعم، إذا كانت في هدية، تصبح قضية أخرى الآن. لاحظ لكن الآن خلينا نختم اليوم بهذه الفائدة، قال: «فإن أعطاهم وفضل بعضهم على بعض»؛ حرم، صح؟ الآن نرجع للهدية، إذا أنت أعطيت -ولنعتد على المتعارف- أنه أعطى أحد أولاده ولم يعطِ الباقين، قلنا هذا إيش حكمه؟ حرام على سبيل الهدية والهبة، «إن أعطاهم وفضل بعضهم على بعض حرم». قال: «ووجب عليه أن يرجع»، الآن كيف تريد أن تحل الموضوع؟ قال: «ووجب عليه أن يرجع على من أعطاه»، فيسحب منه. لكن هذا من يستطيع فعله؟ الأب، لأنه هو الوحيد الذي يستطيع الرجوع في الهبة بعد أن تخرج منه؛ قال: «والرجوع هذا خاص بالأب مع أولاده»، أما غيره فلا يجوز له الرجوع في العطية. لو أنا أعطيت أخاك، وأنا ليس عندي أبناء، هل يجوز لي؟ لا.
بس ما أعطيتش أختك. الآن، أنت حرام اللي عملته، صح؟ اتفقنا، حرام لأنه الأصل للذكر مثل حظ الأنثيين.
طيب، شو أسوي الآن؟ أسحب هدية أخوي؟ ما بتقدر تسحب، ليه؟ لأنه أنت الأخ ما بيسحب الهدية من أخوه، الأب بيقدر يسحب الهدية من عند أولاده. لا يجوز للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولد، هكذا قال النبي ﷺ.
فطيب، كيف طريقة معالجة الموقف؟ هسا إذا كان الموضوع أب خص أحد أولاده، فهذا له طريقتان: إما أن يسحب الهدية ممن خصه، أو يعطي من حرمه. أما إذا كانت مش علاقة أبوة، زي أخ أعطى أخوه وما أعطاش أخته، هنا كيف تكون طريقة معالجة الموضوع؟ ما بتقدر تسحب الهدية ممن أخذتها، وإنما تعطي من حرمتها.
يعني هي هيك فكرة؛ إذا كانت أب مع أولاده إما أن يسحب ممن أخذ أو يعطي من حرم. أما إذا كانت هدية من أخ لأخ ولم يعطِ هذا، أو من أم لأحد أبنائها، ممكن الأم، لأن الأم ليست مثل الأب هنا. أم أعطت أحد الأبناء ولم تعطِ الآخر، فكيف يكون حلها؟ ليس أن تسحب ممن أعطت، بل أن تعطي من حرمت. ليس أن تسحب الهبة بعد أن أعطتها.
فالأم ليست كالأب، ولا الجد كالأب؛ هي فقط قضية السحب هذه خاصة بمن؟ بالأب حصريًا ولا غيره. فنقول: والرجوع خاص بالأب مع أولاده، أما غيره فلا يجوز له الرجوع في العطية، وإنما يسوي بين باقي الورثة بإعطاء من حرمه، أو واحد أعطيته أقل مما يستحق، بتكمل له لحتى يحصل ما يستحق.
والحقيقة سيورد إشكال شوي؛ يعني بجوز أنا أقول لك: طب أنا ما معي يا شيخ، أنا معي أعطي كذا، طب أنا مش عارف أنا كيف شو أسوي، أنت مانعني أسحبها وبدك إياني أعطي الجميع؟ طب كيف بدي أعطي الجميع وأنا الآن ما معي؟ وأنت مانعني أسحب، يعني أسحب ما أقدرش، وبطالبني إني أعطي الكل على قدر ميراثه؟
ساعتها على المذهب راح يتورط، يعني راح تبقى في ذمتك إنك تعطي الجميع، يعني الآن ما معك، بتضلها في ذمتك حتى تستطيع في دهر من الدهور ويوم من الأيام صار معك مال واستطعت أن تعدل وتعوض، بتخبرهم يا جماعة الباقيين حقهم في ذمتي، أنا الآن ما بقدر أعطيكم والمذهب مانعني أسحب الهدية، فبالتالي إن شاء الله في يوم من الأيام راح أعوضكم، بتضلها في ذمتك.
أما الأب، فمعاه مساحة إنه يسحب، وإذا سحب خلص يعني انتهت القضية ومش مطالب بشيء تجاه الآخرين، لذلك قال: «فإن فضل سوى برجوع»، كلمة «سوى برجوع» هاي لمن؟ اكتب هذه خاصة بالأب مع أولاده. وإن مات قبله ثبت تفضيله.
طيب، هنا نبحث مسألتين فقهيتين ختاميتين؛ صراحة التتمات هنا مفيدة جداً لأنها مسائل متعلقة بحياتنا العملية والواقعية بشكل شديد. التتمة الأولى، اقرأ يا شيخ عمر. قال: هل يجوز أن يفضل أحد أبنائه لمعنى فيه، ككونه مريضاً أو موظفاً ونحو ذلك؟
طيب، هل يجوز أن أخص أحد أبنائي لأنني أريد أن أفضله لظرف خاص يمر به؟ يعني هدول الأولاد كلهم تزوجوا ما شاء الله، ربنا هذا يشتغل في شركة جوجل وهذا بيشتغل في أمازون، واحد يوم طفران، لا مش ضابطة معاه الحياة، فبقول للشباب: أنا بدي أفضّل هذا، ليس من باب أنني أريد أن لا أسوي وأريد أن أنا بدي إياكم كلكم حبايب، بس إنه هذا أخوكم طفران بدي أساعده، ففضله من باب حاجته، أو كونه مريضاً.
الآن مثال كونه مريضاً، بدها شوية نظر؛ لأنه إذا قلنا إنه هي نفقة، فالأصل لا تبحث هنا. يعني إذا كان واحد مريض ومش قادر ينفق على حاله، مش الأصل هذه نفقة مش هدية؟ فذكره المريض هنا عندي فيها توقف حقيقة، لو قال لحاجة؛ إنه كونه والله موظف راتبه محدود أو محتاج يتزوج أو شيء، يعني هذا الشيء بيختلف عن كونه يجب عليّ أن أنفق عليه، فهنا بدنا ننظر. يعني مجرد كلمة مريض فيها إشكال؛ إنه إذا كان مريض مش قادر ينفق على حاله علاج، هنا بده يتدخل أبوه أو من يجب عليه أن ينفق عليه، فهذه تحتاج إلى تحرير.
لكن عموماً أنتم فهمتم الفكرة العامة؛ إذا أريد أن أعطي عطية لأحد أولادي لأنه أكثر حاجة من إخوانه، فهنا هل يجوز هذا؟ أو قال يريد أن يعطي جميع الأبناء بس بده يحرم واحد لأنه في العادة إذا أخذ مالاً من ورثه يعصي الله فيه، شو رأيكم؟ يعني أنا الآن بدي أعطي هذا الولد وهذا الولد وهذا الولد، وأنت الرابع مش راح أعطيك لأنه بعرف إذا أعطيتك بتصرفها في الدخان، أو بعرفك راح تروح فيها على بلد من البلدان، هل له أن يحرمه لأنه يعرف أن الولد هذا ممكن يتصرف بالمال بطريقة خاطئة؟
مذهبيًا لا يجوز تحريمه، بالأولى مذهبيًا. أن تعطي واحد لحاجة يحتاجها دون إخوانه ليس على سبيل النفقة وإنما على سبيل الهبة، أو تحرم واحد منهم لأنه أنت تعلم من حاله أنه يتصرف بالمال بطريقة خاطئة، لا، مذهبيًا قالوا لا يجوز أن تحرمه.
الآن نوفق ابن قدامة؛ اختار قولاً آخر قال: «ويجوز التفضيل والتخصيص في مثل هذه الأحوال». وقال المرداوي في الإنصاف: «وهذا قول الموفق قوي جداً»، وذكره في الإقناع رواية. وحقيقة أنا في اعتقادي القول الثاني هو الذي أفتي به حقيقة مع الناس؛ يعني أنا بقولك في الفتوى مع الناس أنا أمشي على القول الثاني في المذهب، لأنه حياة الناس واعتباراتها مختلفة.
فأنا كأب ممكن فعلاً أشوف واحد من أولادي متعثر كثير في الحياة، إخوانه ما شاء الله هذا بيشتغل شركات وكل واحد أموره طيبة، لا أعتقد أن هذا يتنافى مع مقاصد الشريعة أنه أعطيه ويعلم الباقون من السياق إني ترى بعطيه مش عشان أفضله عليكم، لأن إحنا بنخاف إنه يصير قلوبهم مش على بعض الأولاد، فهم فاهمين إنه أنا عم بعطيه لأنه متعثر أخوكم أنتم ما شاء الله عليكم كل واحد بياني وأموره طيبة، فإذا كان هناك ملحظ واضح في إعطائي وتخصيصي لهذا الابن بالعطية وفهم ذلك الباقون من السياق، ففي...
اعتقادي كلام الموفق بن قدامة، واللي قال عنه المرداوي إنه قوي جداً، هو الأحرى أن يفتى به حتى تمشي حياة الناس. أنا إذا كل شيء بدي أعطيه لواحد، بدي أعطي الباقي، مش راح تصير عملية القضية. كذلك إذا أنا بعرف إنه واحد هذا راح يفسخ في المال إذا أعطيته إياه، ما أنا هيك ساعدته على الخطأ، فإذا كنت أعلم كيف سيعمد به، فهذا لا يجوز.
المسألة الثانية: قال، هل يجوز للأب أن يخص أحد أولاده بمنفعة عين كأن يسكنه داراً؟ هي مسألة مهمة وتتكرر في حياة الناس، وراح تسألوا عنها في حياتكم أو تمر في حياة كثير منكم. هنا أبوك ما خصك بعين، خصك بمنفعة عين. يعني مثلاً أب باني شقق سكنية، باني عمارة فيها شقق سكنية، يسكن فيها أولاده الذكور وليس البنات. هل بيجوا البنات على إخوانهم ويقولوا: أبونا يعطيكم تنتفعوا بالشقق وإحنا ما أعطانا؟
هنا إذا كان يعطيهم نفس الشقة تمليك للأولاد الذكور، قلنا ما بيصير، حتى يعطي البنات. لكن لو قال: يا بنات، هي العمارة هي إلي مش للأولاد، أنتم تزوجتم والله ستر عليكم ورحتوا مع أزواجكم، وأولادي سكنتهم في هذه الشقة، أعطيتهم ينتفعوا بس بعد ما أموت هذه الشقق ميراث تقسم بينكم جميعاً ميراث. هل يجوز للأب أن يعطي أولاده الذكور الانتفاع بشقق سكنية، أو الانتفاع بسيارات أو شيء ولا يعطي الإناث؟ وهل يعتبر هذا من عدم العدل في الهبة؟
الآن ماذا قال؟ قال الحالة الأولى: إذا كان الولد غير قادر على تحصيل أجرة المسكن ولا ثمنه، يعني الابن الذكر مش قادر يقوم بأعباء الزواج، محتاج للزواج ومش قادر. هنا يكون صرف الأب عليه مش هدية، سيكون نفقة واجبة؛ إنك تستر على ابنك وتعفه، ابنك فقير أو مشلول أو ما عنده قدرة. تصبح نفقة، وقلنا في باب النفقات يجوز التفضيل لأنه من باب الكفاية.
لكن الحالة الثانية التي ستتكرر عليكم هي أن يكون الولد فعلياً لو اشتغل بيشتغل، ويقدر يجيب أجرة شقة، مثلاً ٢٧٠ أو ٣٠٠ دينار في الشهر، بيقدر. بس أبوه -وتعرف الأب لما يكبر يحب أولاده الذكور يكونوا عنده- البنات بيقولك: بتزوجوا والله يسهل عليهم ويصير عندهم عائلات أخرى، بس أولاده الذكور يحب يكونوا حواليه، فببني لهم ويسكنهم، بس بيقول لهم: هي كلها إلي، الشقق لكن أنا أعطيكم الانتفاع بها، وبعد ما أموت ورثة مع أخواتكم.
فهنا ماذا يقول الشيخ؟ يقول وظاهر المذهب أنها من العطايا ولا يجب فيها التعديل حتى في الحالة الثانية. بس أنا عندي توقف في قضية أنها من العطايا. قال: ولا يجب فيها التعديل، يعني يصير تسكن أولادك الذكور وما تعطي الإناث لأنه هذه مش عين. لكن قوله هو من العطايا؛ نحن مر معنا قبل شوي أن الهبة شرطها أن تكون عيناً، عين مش منفعة. فالشيخ فرق هنا بين الهبة والعطية.
في اعتقادي هذه العبارة تحتاج لتحليل أكثر. حتى النسخ الجديدة نفس الشيء، قال هي من العطايا. أنا في اعتقادي إذا بدنا نمشي على الكلام السابق، هذه أصلاً مش هبة؛ نعم هي نوع من أنواع العطية، كأني أعطيتك خدمة، بس مش هبة بالمعنى الفقهي؛ لأن الهبة لازم تكون عيناً وأنا ما أعطيتك عيناً، أنا أعطيتك فقط منفعة، والهبة لا تكون بالمنافع وإنما تكون بالأعيان.
بالتالي، ما دامت مش هبة بالمفهوم الفقهي، يجوز أن أعطي أولادي الذكور أن يسكنوا في الشقق، حتى ولو كانت البنات مثلاً ساكنات ومستورات مع أزواجهم. ما يحق للبنات يحكوا إن اللي بيعمله أبونا حرام؛ لأن أبوكم ما أعطى الأولاد عين الشقق، أعطاهم الانتفاع في الشقق، وبعد ما يموت، الشقق راح ترجع كلها ميراث وتوزع بالعدل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. وإذا طلعت الشقة لكم نصيب فيها، مطلوب منه يعوضك مكانها أموال، يعني تتفقوا بينكم وتتصالحوا على حل. لكن مجرد أنه يسكن فيها، هل هذا من الهبة المحرمة التي فيها عدم تعديل؟
قال: وظاهر المذهب أنه لا يجب فيها التعديل، ويجوز للأب أن يعطي أحد أولاده منفعة داره، لأنهم قاسوا على مسألة مرت معنا قبل شوي، وهي الوقف. قلنا: هل يجوز أن تقف على أولادك الذكور دون البنات؟ قلنا يجوز في الوقف. قال: لأنهم جوزوا الوقف على بعض الأولاد دون بعض، وفسروا: إن كان وقف على بعض أولاده لحاجته فيجوز، هيك قالوا في باب الوقف.
إن الوالد إذا أوقف على بعض أولاده لحاجة فيجوز، عشان هيك أنا قلت لكم في المسألة السابقة إنه إذا خصصت أحد أولادك، صح مذهبياً لا يجوز، لكن فتوى ابن قدامة إنه يجوز لحاجة، لها منطق؛ لأنه حتى مذهبياً في باب الوقف قالوا إذا وقف على بعض أولاده لحاجة جاز، وإلا فيكره. إذا وقفت على بعضهم دون البعض بدون حاجة في باب الوقف يكره، بس ما صارت حرام. فلذلك قلت لكم الفتوى الثانية تبعت ابن قدامة قوية مذهبياً. المهم، والوقف في حقيقته تمليك منفعة دون رقبة، فيكون الحكم في هبة المنفعة لبعض الأولاد كالوقف.
ثم قال: فليحرر. يعني هذا كلام الشيخ، هل هو تحرير الشيخ أحمد للمسألة ولا يجزم أنه هو المذهب؟ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
- شيخ، يوجد تناقض بين الجملتين؟ - نعم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل