دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس السادس والأربعون | الجعالة/اللُّقطة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على «أقصر المختصرات» لابن بلبان الدمشقي الحنبلي عليه رحمة الله. وقد انتهى الحديث أيها الأكارم في باب الجعالة. وفي بعض المصنفات الحنابلة تجد الجعالة بعد باب الإجارة، ولعل هذا هو الأنسب من حيث التصنيف؛ لأن الجعالة قالوا هي شكل من أشكال الإجارة، لكن هناك فوارق دقيقة بينها وبين الإجارة من عدة نواحي، ولذلك ذكرها عقب الإجارة أفضل من حيث التصنيف، كما فعل صاحب «عمدة الطالب» الشيخ منصور البوتي في «عمدة الطالب»، حيث وضعها بعد الإجارة مباشرة ليكون الطالب على دراية بالفوارق الدقيقة بين البابين.

والجعالة مثلثه كما قال ابن مالك، فيجوز أن تقول: جعالاً، وجعالاً، وجعالة. ومعنى مثلثه أن الحرف الأول منها يجوز فيه الحركات الثلاث، فتقول جعالاً وجعالاً وجعالة، فأيما حركة حكيت بها تأتي معك.

أما معناها من حيث المفهوم الفقهي، فقد قالوا هي عقد من العقود يُجعل فيه الإنسان مالاً معلوماً لمن يعمل له عملاً ولو مجهولاً، ولمدة ولو مجهولة. فالجعالة إذاً: أن أجعل مالاً معلوماً لمن يقوم لي بعمل، ولو كان هذا العمل مجهول التفاصيل كما سيأتي معنا؛ ليس مراد مجهول الأصل، ولا أنه لن يعمل أحد، ولكن مراد مجهول التفاصيل. وهذا العمل مجهول التفاصيل قد يكون لمدة معلومة وقد يكون لمدة مجهولة أيضاً.

فالشيء الذي يشترط أن يكون معلوماً في الجعالة هو الجعل الذي وضعته، والذي يشترط أن يكون معلوماً، وأما تفاصيل العمل، وكم يحتاج العمل، ومن هو العامل، فكل هذه لا يشترط فيها أن تكون معلومة واضحة بينة. وصورتها: أن أقول «من يبني لي هذا الحائط أمام منزلي أعطيه مائة دينار» مثلاً، فيأتي شخص ويبني، وبغض النظر كم المدة التي جلس يبنيها وبغض النظر عن التفاصيل، إذا بنيت الحائط فهو يستحق الجعل الذي وضعته، وهو المائة دينار.

ومن صورها أيضاً: «من يجد سيارتي التي سرقت أعطيه ألف دينار»، فيبدأ الناس بالبحث في البراري والصحاري وفي الطرقات والشوارع، فإذا ظفر بها أحد بعد عدة أيام، يكون مستحق الجعل المعلوم. وكل إنسان سيعمل ويبذل، وربما لم أتعاقد مع شخص معين، بل قد يقوم بها عدة أشخاص، فإذا ظفر بها أحدهم فهو مستحق الجعل المعلوم.

وقد قاس على هذا كثير من الأفكار؛ فكما قلنا عند الحنابلة القربات لا يجوز عقد الإجارة عليها، ولكن يجوز أخذ الجعالة، فبالتالي تعليم القرآن وتعليم الدروس الدينية وإقامة الدورات الشرعية، هذا كله يعتبر من عقود الجعالات وليس من عقود الإيجارات عند السادة الحنابلة؛ لأن الإجارة من شرطها ألا تكون في الأعمال التي يشترط في صاحبها أن يكون مسلماً، من هذه القربات. بالتالي يصور الحنابلة هذه الدورات الشرعية وتعليم القرآن وما شابه ذلك على أنه إذا أُخذ عليه المال فهو من قبيل الجعالة وليس من قبيل الإجارة.

لكن في الدورات الدينية، الجعالة تأتي بالعكس في العادة؛ فالعادة أن تقول: «يا جماعة أنا مستعد أدرس كتاب أقصر المختصرات، فمن أراد أن يأتي فليتدفع عشرة دنانير وأنا أدرس الكتاب»، فالعادة في الجعالة أن الذي يريد الجعل هو الذي يبادر، كقولك «من يجد سيارتي أعطيه كذا»، أما في الدروس فأنت من يقدم خدماتك وهو يأتي ليشترك معك ويدفع لك. فالذي حصل في الجعالة في الدروس هو العكس من جهة أن الذي بادر هو أنت؛ حيث عرضت أنك ستدرس هذا الكتاب الفقهي أو هذه المادة التفسيرية مقابل مبلغ معين، فجاء شخص وقال: «خذ هذه عشرون ديناراً ودرسني هذا الكتاب»، وتكييف الحنابلة لهذا أنه جعالة وليس إجارة؛ أي أن الاشتراكات في الدورات الشرعية تعتبر من قبيل الجعالات وليس من قبيل الإجارة.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ عبادك المستضعفين. قال رحمه الله: «ويجوز جعل شيء معلوم لمن يعمل عملاً ولو مجهولاً، كرد عبد ولقطة، وبناء جدار أو حائط، فمن فعله بعد علمه استحقه».

ويجوز جعل شيء معلوم؛ إذاً الجعل ينبغي أن يكون معلوماً، فلا ينفع أن أقول: «من يرد لي سيارتي أعطيه شيئاً»، بل يجب أن تحدد هذا الشيء، فلو قال: «من رد لي سيارتي، أو وجد محفظتي، أو بنى حائطاً لي، أو حفظني قرآناً أعطيه شيئاً»، نقول عقد الجعالة باطل؛ لأنك لم تحدد ما هو الجعل، فمن شروط الجعالة تحديد الجعل.

قال: «ويجوز جعل شيء معلوم لمن يعمل لك عملاً ولو مجهولاً»، أي مجهول التفاصيل؛ كأن أقول: «ابنِ لي حائطاً»، فما طوله وعرضه؟ المهم إذا بنيت أي حائط فأنا أعطيك، ما دمت لم تعطني التفاصيل. وإذا قلت: «رد لي سيارتي الضائعة وأعطيك مائة دينار»، فتفصيل العمل هنا غير واضح، فهو سيرحل في السهول والبراري والجبال، وقد تطلب منه أعمال كثيرة غير معلومة التفاصيل، ومع ذلك فهي معلومة الأصل وتصح، وليس عندنا مشكلة في ذلك.

لكن هنا لابد وأن يذكر قيد، وهو «لمن يعمل له»؛ فقوله «يجوز جعل شيء معلوم لمن يعمل له» له أهمية كبيرة؛ لأن تحرير المذهب في باب الجعالة أن في الجعالة يجب أن يكون العمل الذي يقوم به العامل لصالح الجاعل، وليس لجهة أجنبية عن العقد. كيف أقول؟ «من يبني لي حائطاً»، «من يرد لي سيارتي أعطيه»، لكن مذهبياً إذا قلت: «من يجد للشيخ عمر سيارته الضائعة أعطيه مائة دينار»، فهذه لا تصح جعالة.

ليه؟ لأن العمل الذي ستقوم به أنت ليس لصالح الجاعل، بل لصالح طرف أجنبي. فعلى تحرير المذهب كما قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى في تحرير المذهب: هذه ليست جعالة؛ لأن في الجعالة يجب أن يكون العمل الذي يقوم به العامل لصالح الجاعل وليس لصالح جهة أجنبية.

بالتالي هذه ممكن تطرح عليها عدة إشكالات؛ حقيقة مثلا ياتي شخص يقول: والله من يحفظ زوجة القرآن من الأخوات مثلاً أعطيها كذا وكذا. أنت الآن قلت لأخت: إذا حفظتِ لزوجك أو لبناتك القرآن، الآن العمل الذي تقوم به لي ولا لأطراف أخرى أجنبية؟ فهمتوا؟ هي المشكلة أنه الآن ستتعدى؛ أن العمل ليس لي، ومن لن يحفظني أنا سيحفظ زوجتك أو سيحفظ ابن عمك.

ماذا يقولون؟ هذه ليست جعالة، لكن إذا قام العامل بالعمل أنت تضمن له المال. فهمتوا ماذا قالوا؟ قال الحنابلة: هذه لا تحرر جعالة، طيب إذا هو قام بها أنت ملزم تعطيه المال؛ لأنه في النهاية قام بالعمل بناء على كلامك، وإن لم يكن ينصح على أنه عقد جعالة بالمعنى والمفهوم الشرعي، فأنت ضامن له المال الذي تكفلت به، ولكن العقد لا يصح جعالة.

لماذا ضمنت المال ما دام العقد لم يصح؟ لأنه الرجل قام بالعمل؛ فإذا فسدت العقود أنت مطالب بأجرة المثل أو جعالة المثل، فليس كذلك، حتى لو فسدت العقود فأنت تطالب بتعويض العامل على عمله، فإنه حتى لو قلنا الجعالة فاسدة لكنك في النهاية ستضمن ما قام به لذلك الشخص الأجنبي حتى لا يظن أنه سيذهب عمل العامل مجانًا.

ويجوز جعل شيء معلوم لمن يعمل لك. كيف؟ الأذان، من يؤذن في هذا المسجد الآن؟ أنت ذهبت إلى نقطة مش حاب أستطرد أكثر من كذا، حتى قالوا: يستثنى من هذا الشرط إذا قام بعمل خير يعم الناس نفعه فلا يستثنى. قال الحنابلة: ويستثنى من هذا إذا جعلت جعلاً لمن يقوم بعمل خير ينفع المجتمع، وجعلت له جعالة كالآذان، فهذا قالوا يغتفر وإن لم يكن العمل لك شخصياً؛ لكن قالوا أعمال البر التي يتعدى نفعها تستثنى من هذه القاعدة، وهي قاعدة أن الأصل في الجعالة أن يكون العمل الذي سيقوم به العامل لصالح الجاعل وليس لصالح جهة أجنبية.

مفهوم إخواني؟ استثنى قالوا أعمال البر التي يتعدى نفعها. تفضل شيخنا. صورة تحفيظ الزوجة ليست من هذه القبيل. يعني الآن بقول لك أنا قلت لك هي إشكالية، لكن هنا الذي يظهر لي لما قالوا الأذان -الذي هو عمل اجتماعي عام- هنا المنفعة تتعلق بشخص معين، زوجة شخص معين؛ ليس عملاً يتعدى نفعه عاماً. ولو بهذه الطريقة كل شيء يتعدى نفعه حتى الأجنبية عموماً، لكن الذي يظهر لي أن قضية تحفيظ زوجة، تحفيظ ابن، تحفيظ ما شابه ذلك، سيطر عليها نفس الإشكال على قواعد المذهب؛ لأن هنا يقوم بعمل لشخص وليس لمجتمع. هم استثنوا بالعمل المجتمعي مش العمل الشخصي.

طيب، إذا لمن يعمل عملاً ولو مجهولاً؛ قال كذا: «إذا هذا يسمو العبد الأبق»، هذه أمثلتهم قديمة؛ إذا عبدك هرب قلت يا جماعة من يأتي لي بعبد الهارب الأبق أعطيه كذا وكذا، واللقطة؛ يعني أنت ضاع منك محفظة، ضاع منك كذا يا إخوان، من يجد مالي، لقطتي، سيارتي، بناء حائط؛ أي عمل يمكن أن تعطي عليه جعلاً.

ثم قال: «ولكل فسخها، فمن عامل لا شيء له، ومن جاعل لعام، فمن فعله بعد علمه استحقته». الآن الناس على أحوال؛ ممكن شخص يعمل لي هذا العمل وهو لا يعرف أنني وضعت عليه جعالة. شخص هو ماشي في الطريق وجد محفظتي على الأرض، طلع هويتي الشخصية، استطاع أن يأتي برقمي، يتصل بي: السلام عليكم، وجدت محفظتك تفضل، مع أني أنا كنت معلناً على السوشال ميديا أنه يا إخوان من وجد محفظتي سأعطيه مائة دينار. هذا الشخص وجد المحفظة وردها وهو لا يعلم أنني واضع هذا العرض، هل يستحق المائة دينار؟ دينياً وفقهياً وأخلاقياً نعم، بس دينياً لا؛ لأنه لما عمل هذا العمل ورد المحفظة لي هل كان يعلم بالجعالة؟ لا. إذاً من الذي يستحق وجوباً فقهياً؟ من عمل بالعمل بعد علمه بالجعالة. يعني باختصار الذي راح واشتغل لأنه عرف أن هناك جعالة، فهذا الذي يستحق، أما ذاك فأخلاقياً أعطه، لكن فقهياً أنت غير ملزم لأنه لما عمل ما كان يعرف أن في جعالة.

طيب، إذا كان الشخص عمل نصف العمل وهو لا يعلم أن هناك جعالة، ثم أكمله بعد أن علم أن هناك جعالة؟ يعني مثلاً شخص شرع في بناء حائط لي، وهو في نصف البناء بناه وهو لا يعرف أنني واضع جعالة، مثلاً أنا كنت مقترحاً عليه أو كذا قلت: يا فلان والله يا ريت واحد يبني لي حائط هنا، فهو لقيني الصبح جاء بالطوب وبدأ يبني لوجه الله، وفي نصف العمل عرف أنه أنا واضع جعالة على من يبني، فأكمل بناءً على الجعالة؛ ماذا يستحق؟ نصف الجعل؟ يستحق قسط الجعالة إلى تمام العمل.

الآن تدخل طبعاً فيها مخمنين؛ أن هو مثلاً أنا واضع جعالة خمسمائة دينار على من يبني الحائط كاملاً، أنت متى عرفت بالجعالة وأصبحت تعمل بناءً عليها؟ فرضا لما بنيت نصف الحائط، فبالتالي نعطيك نصف الخمسمائة عند تمام العمل، ما نعطيك كل الخمسمائة، نعطيك نصف الخمسمائة؛ ليه؟ لأن نصف العمل أنت أنجزته بعد علمك بالجعالة، والنصف الأول أنجزته جعالة لوجه الله فلا تستحق عليه أجرة أو جعالة. فلذلك قوله: «فمن فعله بعد علمه» أي بعد علمه بوجود الجعل استحقته.

فهذه عليك أن تفصلها بالتفاصيل الثلاث: فتقول من عمل وهو لا يعرف بوجود الجعالة فلا يستحق شيئاً، ومن عمل ابتداءً من البداية وهو يعلم بالجعالة فأنجز المطلوب استحقه كاملاً، ومن عمل جزءاً من العمل وهو لا يعلم بالجعالة ثم في أثناء العمل عرف بالجعالة استحق قسطه من الجعل وهذا على حسب كم أنجز من العمل.

الجعالة يا إخواني من حيث تصنيفها واضح أنها من عقود المعاوضات أكيد؛ لأنها في النهاية استرباح، أنا أضع مالاً مقابل أن تقدم لي خدمة، ولاحظ أنها تشبه الإجارة.

الإجارة عندك لأن هنا أنت تقدم منفعة، أليس كذلك؟ أنت تقدم منفعة، لكن الفرق بينها وبين الإجارة من جهات: أولاً، أن الإجارة عقد لازم، والجعالة عقد جائز، فلأي شخص أن يفسخها، وسنعرف أحكام فسخها.

ثانياً، أن الإجارة يشترط فيها أن يكون العمل معلوماً والمدة معلومة، أما الجعالة فلا يشترط فيها أن يكون العمل معلوم التفاصيل، ولا أن تكون مدة العمل منضبطة التفاصيل. ثالثاً، في الإجارة قلنا على المذهب: هل يجوز الجمع بين المدة والعمل في التقدير؟ قلنا لا يجوز مذهبياً؛ فإما أن تقدر بمدة وإما أن تقدر بإنجاز عمل. في الجعالة يجوز أن تقدرها بالمدة والعمل معاً، فأقول: «من حفظني أو درسني المختصرات خلال أسبوع أعطيه كذا»، فأنا طلبت إنجاز العمل وخلال مدة محددة؛ «من درسني المختصر كاملاً خلال أسبوع أعطيه مئة دينار»، فيجوز الجمع فيها بين العمل والمدة.

إذاً هي عقد جائز، والإجارة عقد لازم. في الجعالة لا يشترط فيها أن يكون العمل معلوم التفاصيل ولا المدة معلومة التفاصيل بخلاف الإجارة، ويجوز فيها الجمع بين المدة والعمل في التقدير، بينما في الإجارة تقديرها إما بالعمل وإما بالمدة، والمذهب لا يجوز فيه الجمع بين المدة والعمل. هذه الفروق الأساسية.

الفرق الآن: الإجارة يشترط معرفة الأجير، هل هذا أيضاً من الفروق التي يمكن إضافتها؟ كما قلنا إنه في الإجارة أنت لابد أن يكون الذي ستستأجره معلوماً، شخصاً. أما في الجعالة فلا يشترط أن أعرف من الذي سيقوم بالعمل؛ لأنني أقول من البداية: «من يأتي لي بسيارتي»، فنصف الشعب سيذهب للبحث عن سيارته، فهذا أيضاً من الفوارق التي يمكن أن تُذكر.

هل يجوز تحديده في الجعالة؟ يجوز، طبعاً يجوز تحديده؛ يجوز أن أقول: «إذا أنت درستني هذا الكتاب أعطيك»، لا مشكلة، ففي الجعالة يجوز أن أتعاقد مع معين، ويجوز أن يكون مفتوحاً. يعني لما أتعاقد مع معين صارت تشبه الإجارة أكثر، هناك فروقات لكن صارت تشبهها أكثر.

طبعاً ستبقى فروق قائمة. في الإجارة في العمل شرط الشخص؛ ممكن أنت تطلب مني أن أستأجرك في بناء حائط، وهذه قضية، لكن أنا استأجرتك أنت، يعني أنا تفاهمت معك، أنت لم تجعلها مفتوحة، يعني في النهاية رحت وأتيت بشخص آخر، لكن أنا ابتداءً تعاقدت مع معين، لم أقل يا إخوان من يبني لي هذا الحائط أعطوه. صحيح فإنا تعاقدت مع معين، لكن قلنا في الإجارة يجوز أن تقوم بالمنفعة بنفسك ويجوز أن يقوم بها غيرك، أما في الجعالة فأنت من البداية أصلاً ممكن لا تتفاهم مع شخص معين، ممكن تنزل على السوشيال ميديا وما أصلاً شفت أحداً.

قال: ولكل فسخها. إذا قلنا إنها عقد جائز، فهذا ينبني عليه أن لكلٍ فسخها؛ يجوز للعامل أن يفسخ ولا يكمل العمل، ويجوز للجاعل أن يفسخ ولا يكمل العقد، لكن هناك أحكام. فإذا فُسخت من جهة العامل، أنا قلت على السوشيال ميديا: «من يأتي بسيارة الضائعة أعطيه ألف دينار»، فذهب رجل فتش، فتش ووصل الطريق، ثم قال: لا أريد أن أكمل، هل يطلع له يرجع علي؟ يقول لي: والله يا شيخ أعطني نصف المبلغ لأني تعبت لي يومين أو ثلاثة وأنا أبحث. لا، ما أنت في النهاية تركت ولم تنجز المهمة، فلا شيء للعامل إذا هو فسخ. وأما...

إذا فسخ الجاعل، يعني شخص قال على السوشيال ميديا: «من يأتي بسيارتي الضائعة أعطه ألف دينار»، أو قال للناس هنا أمام مجموعة شباب: «من يأتي بسيارتي أعطه ألف دينار»، وذهب الشباب يعملون يومًا أو ثلاثة أيام، ثم بعد ثلاثة أيام مسح المنشور وقال: «أنا بطلت». كل الناس التي ذهبت وبحثت، يجب أن تعطيها أجرة المثل عن الأيام الثلاثة؛ لأنك أنت حفزتهم، ولست مجرد شخص أعطى كلمة، بل قلت أمام خمسة شباب: «اللي بيجيب سيارتي بعطيه ألف دينار»، والشباب قضوا يومين أو ثلاثة وهي تبحث في عمان.

عندما ترفع العرض بعد ثلاثة أيام، يأتون إليك الشباب الخمسة ويقولون: «أجرة المثل لمن يشتغل عشر ساعات يوميًا بحثًا عن سيارة، يقدرها المخمن مثلاً بـ 40 دينارًا، فهل ستعطينا 40 دينارًا عن كل يوم؟». إذا كانوا خمسة، أو عشرة، أو مائة، يجب أن تتحمل مسؤولية وعودك، وإلا فإنك تتلاعب بالناس وتستهتر بجهودهم. إذا ذهب مائة أو اثنان بحثوا عن سيارتك، ثم رأيت أن الأمور ليست مبينة فرفعت العرض، فهذا لا يصلح.

قال: «ومن جاعل فعليه أن يعطي العامل أجرة العمل»، فكأنها ستتحول من جعالة إلى إجارة عند الفسخ. لكن هنا، كما قال الشيخ أحمد، سيشكل عليه قضية أنه إذا كان العمل دينيًا. الجعالة في الأمور الدينية، مثلاً إذا قلت: «من يدرسني الأقصر أعطه ألف دينار»، وجاء شخص ودرسني، وفي منتصف الطريق قلت له: «والله خلص أنا شيخ مليت من الدراسة، ما بدي أكمل معك»، فيقول لك: «أعطني الجعالة»، فتقول له: «لا، أنا قلت من يدرسني الأقصر، وأنا درست معك العبادات فقط، فليس لك حق في الجعالة كاملة لأنه لم يتم إنجاز المهمة».

أقول: يا أخي، أليس من حقي في الجعالة أن أفسخ؟ أنا فسخت معه، وخلص درست العبادات ومليت. الآن كيف نحولها إلى إجارة؟ والعبادات الدينية لا يمكن تقييمها بالإجارة. قلنا هل الأمور الدينية يجوز أخذ الأجرة عليها؟ فهذه قد تكون إحدى الإشكالات التي ستعرض في حالة كان الأمر أمرًا دينيًا: كيف سيتم تحويل الجعالة إلى إجارة؟ وكيف سيتم أصلاً تقدير أجرة المثل هنا؟ إلا أنك ستصبح تقيمها بالساعات فقط دون النظر إلى طبيعة الخدمة.

لذلك، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له رأي قد يساعد على حل القضية، وهو أنه يقول: لا يقول الجاعل إذا فسخ: «للعامل أجرة المثل» أو «أجرة العمل»، بل له «نصيبه من الجعالة». ماذا يعني نصيبه من الجعالة؟ يعني نأتي ونقدر؛ كم وضعت أنت مبلغ الجعالة؟ ألف دينار مثلاً. فإذا أنت فسخت بعد يومين أو ثلاثة أو أربعة، نأتي ونخمن كم يستحق هذا العامل بنسبة من الجعالة، وليس بأجرة المثل.

لأن الجعالة قد تكون أعلى من أجرة المثل بكميات كبيرة؛ فالعامل في الأردن يوميته كم؟ 30 دينارًا، لكنني قد أضع جعالة قدرها 50,000 دينار. فبالتالي، عندما أريد أن أحسب بعد أن فسخت بعد يومين أو ثلاثة، كم سيعطى العامل؟ هل سيقدر بأجرة المثل أم بنسبة من الجعالة؟ بالتالي هنا نأتي للمخمنين، ويقول شيخ الإسلام: أتي المخمنين، أقول له لا، لا يعطى بأجرة المثل.

أجر المثل، بل يعطى نسبة من الجعالة.

يقدرها الخبير أنه يا عمي هؤلاء اشتغلوا لمدة ثلاث أيام، فخبرنا في هذا العمل الذي طلبته بده تقريبًا من سبعة إلى عشرة، بالكثير عشرين. فيصير هو يأخذ وسطًا حسابيًا بطريقة اقتصادية معينة، يحسب كم يستحق العامل، ليس من أجرة العمل، بل من نسبة الجعالة؛ يقول هذا يستحق 20% من الجعالة أو 30% من الجعالة. أنت الذي فسخت في منتصف الطريق معهم، هل هو مستحق لـ 20% أو 30%؟ وهذا قد يكون أضعاف أجرة المثل، وقد يكون أقل، وهو احتمال آخر قد يكون أقل من أجرة المثل.

هذا يحل لنا موضوع الأمور الدينية؛ أنه إذا أنا درستك نصف الأقصر وبعدين أنت قلت لي سلام عليكم ما بدي أكمل، فآتي وأقول لك تعال، هل تريد أن تعطيني جزءًا من الجعل؟ إذا كان مقدرًا، فإذا كان في العبادات أعطيك ربع الجعالة، وإذا كان في المعاملات أعطيك نصف الجعالة. فشيخ الإسلام يعالج المشهد، ولكن ليس هو المذهب؛ المذهب أن العامل يتحول من جعالة إلى أجارة، فيأخذ أجرة عمله للمثل.

يقول شيخ الإسلام قد يستخدم إذا كان الشيء محصورًا، مثلاً يحصل الدعاء في أيام محددة، لكن مثلاً إذا كانت سيرة ضائعة لا أستطيع تحديدها. كلامك مفهوم، ولكن يمكن أن يقدر بالظن، يعني غلبة الظن أن مثل هذا كم يحتاج وقتًا حتى يُلقى بناءً على تجارب سابقة، في السيارات السابقة وهكذا، فيمكن ضبطها تقريبيًا وليس حدّيًا كما اتفقنا. ممكن السيارة تقعد شهرين ما حد منّها، لكن نحن نرى في العرف العام أنه في هذا البلد إذا ضاعت سيارة كم يجلس الأمن أو الشرطة حتى يجدها، فممكن أن تعمل أنت مقاربة نوعًا ما.

ثم قال: «وإن عمل غير معد لأخذ أجرة لغيره عملاً بلا جعل، أو معد بلا إذن، فلا شيء له إلا في تحصيل...». هنا أراد أن يذكر مسألة فيها فائدة، وهو أن العامل على نوعين. يقول هناك عامل قد أعد نفسه للعمل، يعني هو معروف أنه هذا عتال، معروف أنه هذا حمال، معروف أنه هذا بيشتغل بوصل الناس، فهناك عامل عند الناس معروف أنه يعمل مقابل أجرة، وهذا أعد نفسه للعمل.

وهناك إنسان لا يتضح أنه أعد نفسه للعمل، فمثلاً لما يكون جارك يريد أن يصعد إلى الطابق الرابع وحمل معك الأكياس، هل أنت أصلاً عتال؟ لا، بل قلت أنا والله خدمةً لجار حملت معه الأكياس على الطابق الرابع. أو رأيت امرأة مسنة تقطع الشارع، أو رجلًا ضريرًا يريد أن يذهب إلى مكان فنزلت من السيارة وقلت والله لأوصل هذا الرجل وأمشي معه، هنا أنت لست معدًا نفسك لهذا العمل، وليست وظيفتك، بل قمت بها من ناحية إنسانية أخلاقية دينية.

فالعامل الذي يقوم بعمل على نوعين: إما عامل أعد نفسه لهذا العمل، كنجار أو حداد معروف، فأنا عندما أذهب إليه في الوضع الطبيعي أذهب إليه لأنه عرف نفسه على أنه نجار أو حداد أو ميكانيكي وما شابه ذلك. والنوع الثاني كما قلنا من لم يعرف نفسه بوظيفة وإنما يساعد الناس هكذا سياق حال.

فماذا قال هنا؟ نتكلم الآن عن النوع الأول؛ الذي يشتغل وهو ليس معدًا نفسه لأخذ أجرة، الذي المعروف من السياق أنه يشتغل تطوعًا، وليس هناك شيء في السياق يدل على أنه سيأخذ مالًا. قال: «وإن عمل غير معد لأخذ أجره لغيره عملاً بلا جعل»، أي لم يتم الإعلان عنه من قبلك، أنت لم تعلن عن جعل، فهل له شيء؟ قال: «فلا شيء له».

إذا شخص غير معد لأخذ أجرة عمل لك عملاً، وأنت لم تضع جعلًا، قال: «فلا شيء له». هنا الشيخ أحمد وضع تفاصيل، حتى هو أطال فيها قليلاً ولكن أعتقد أنها أخصر من ذلك. سأعطيكم نموذجًا أحيانًا يشكل على الإنسان؛ أنت ذاهب إلى "مول" لتشتري، ولما تصل إلى الكاونتر، يكون هناك شخص يقوم بتكييس الأغراض، وفجأة تجده يكيّس لك ويحمل الأكياس ويوديها لك إلى السيارة، هذا نعتبره من المعد أم من غير المعد؟ هذا ليس من النوع غير المعد، لأنه واضح من السياق يكون لابس عادة الزي الخاص بالشركة أو المؤسسة وعليه شعارها، فأنت تعرف من السياق أنه معد.

طيب، هل هذا يستحق؟ والآن نأتي للجملة الثانية؛ لو جاء شخص ليس منهم، ليس من "المول" نفسه، جاء شخص وشافك طالع بالأكياس، وكان شخصًا عفويًا وقال لك: تعال والله سأساعدك، ووضع الأغراض في السيارة، ثم قال لك: أعطني شيئًا، دينارًا مثلاً، هل يستحق أم لا؟ أنا أنظر للسياق؛ أنت غير معد لأخذ الأجرة، لست موظفًا في هذه المؤسسة، والسياق كان أنه حابب يساعدني، فبعد أن وضع الأغراض في السيارة، أنا لم أجعل لك جعلًا، ولم أقل لك يا فلان تعال ساعدني وأعطيك، فليس لك أن تطالبني بأي جعل، وإذا أعطيتك من عندي بطيب نفس فهي صدقة أو هدية، لكن لا تعتبر إلزامية.

الحالة الثانية هي المعد؛ وهو من يبين من هيئته أنه معد للعمل. فإذا كان شخصًا معدًا للعمل وجالسًا على "الكاشير" ويعبئ الأغراض بدون أن يستأذنني، هل له شيء؟ نحن ننتقل للثاني، المعد؛ إذا كان يعبئ الأغراض ويحملها وأنا أعرف أنه موظف ويشتغل على "الكاشير" ولكن أنا لم أقل له اشتغل هذا الشغل، هل له شيء؟ قال: «لا شيء له». وطبقًا للقاعدة، إذا كان معدًا واستأذنني، كأن قال لي: يا شيخ أعبي لك؟ قلت له: عبّي لي.

بعد ما وصلنا السيارة قال حاسبني، هل أنا ملزم أعطيه شيء؟ طيب، أنا ما اتفقت معه، ولا نويت معه لا على أجرة ولا على جعالة، هو قال أعبي له، قلت له عبي لي، إيش رأيكم؟

ظاهر الكلام، نعم، ظاهر حديث كلام صاحب الأقصى أنه يستحق. أحسنت، الآن هو إذا قال أو عَمِد بلا إذن فلا شيء له. قال أصحابنا: إذا عمل بإذن ولم تتفق أنت وإياه على مبلغ، فله أجرة المثل.

فهمت علي؟ هذا العمال الذي... إذا قال لك: أعبي لك يا شيخ؟ أنت شو قلت له؟ قلت له: عبي لي، وواضح أنه لابس فيزت المؤسسة. تمام، فلما وصلت السيارة قال لك: أعطيني شيخ مقابل أجرة التعبئة والتحميل، أنت إيش قلت له؟ قلت له: أنا قلت لك عبي لي، بس ما اتفقت أنا وإياك لا على أجرة ولا على جعالة. لا يلزمك أجرة المثل، ليه؟ لأنه أنت شايفه بعينك عَمِد، يعني هذا واضح أنه هو عَمِد، لابس شيء، يعني إيش بيعمل هون؟ هذا رجل أكيد جاي يشتغل، وأنت استأذنته.

لاحظ، هو ما أجبرك، قال لك: أعبي لك؟ أنت إيش قلت؟ نعم. مجرد ما أعطيته الإذن وهو عَمِد، أنت تلزم نفسك بأجرة المثل. الآن إذا أنت وضعت له جعالة أو أجرة معينة، أنت ملزم بالأجرة أو الجعلة التي أعطيته إياها؛ والله عبي لي وبعطيك دينارين، خلص، أنا ملزم ساعتها مش بأجرة المثل، ملزم بالجعلة التي أعطيته إياها أو الأجرة إذا كنت عملت معه عقد إجارة. بس إذا ما أعطيته لا جعالة ولا إجارة، فقط استأذنني وقلت نعم عبي، هذا الإذن بحد ذاته يلزمك بأجرة المثل له.

فبنيجي بنقول العرف: هؤلاء لما يعبوا ويوصلوا كم يأخذوا؟ دينار؟ دينار ونصف؟ بدك تعطيه دينار ودينار ونصف. في حال أنه صار بينك وبينه تشاح، لأنه ممكن تعطيني أنت ربع ليرة، يقول لك: شو ربع ليرة؟ تقول له: طب يعني أنت أصلاً أنا ما اتفقت معك. لا، بدك تعرف حدود الشريعة. أنت هو أنت شايف ومَعِد واستأذنك، لو ما استأذنك وغصباً عنك حمله، لا، أنت غير ملزم بشيء. لكن ما دام استأذنك، فأنت كأنك تعاقدت معه.

إذًا المَعِد إذا استأذن فله حق أجرة المثل، أما غير المَعِد، حتى لو استأذن، قال لك: أساعدك يا شيخ؟ حتى لو استأذن ليس له شيء إذا لم أقم بوضع جعالة أو أجرة. فهمتوا الفرق بين المَعِد وغير المَعِد؟ إذا برجع المَعِد بمجرد أن يستأذن يستحق، إذا أنا اتفقت أنا وإياه على مبلغ استحق المبلغ، ما اتفقنا أجرة مثل. غير المَعِد الإنسان الذي ليس واضح في السياق أنه مَعِد، هذا حتى لو استأذن ليس له أن يطالبني بشيء إلا إذا أنا اتفقت أنا وإياه على جعالة أو أجرة. هذا هو الفرق بينهم الواضح.

تفضل، كان العرف أصلاً يقتضي هو هذا عمله، يعني الأغراض مثلاً من باب أن السيارة من باب أن نشر المؤسسة هي من باب أنه تسويق لها. هي قضية ثانية إذا كانت هي أصلاً من الخدمة؛ يعني أنا الآن بعطيك دينار لتبع الماء، هي الدينار خدمة التبعت المحل أنه يعبي لك ماء ويوصّله لسيارتك، فالدينار شامل خدمة التوصيل. فبالتالي لما جاء العامل وقال لي: أضع لك إياها في السيارة، هو مش عم يطلب عملاً زائداً عن المطلوب، لا، هو ضمن العمل المطلوب، أنت هيك أصلاً شروط العمل.

فهذه أنه أنت استأذنتني، هذه من باب أن صاحب المحل ما إنهم يجيك سبون تعطيه مثلاً قلم وتضع له في السيارة ومقابل هذا دينار، وأنت ماخذ أصلاً راتب. في النهاية هذا العامل عم يأخذ راتب مقابل أنه يودي ويجيب على السيارة، جاء يشتغل مجاناً؟ مش عم يشتغل مجاناً، فهو ليش تأخذ أنت راتب من صاحب المحل وتأخذ من الناس؟ إذا أنا أعطيتك عن طيب خاطر مني ما لك مشكلة، أما أنت ماخذ راتب على الذهاب والعودة والخدمة التي تقوم بها في العمل، فهذه قضية أخرى. هو الكلام إذا ما كان ماخذ راتب، وإنما المؤسسة قالت له: وقف على الكاشير، وإذا واحد قال لك: خذ خذ، فهذه قضية أخرى، أحسنت.

طيب، بالتالي هو الآن جاب لنا مثال الشيخ من أجل أن هؤلاء الذين على الكاشير يعبوا، إذا كان أصلاً هذه من الخدمة التي تقدمها لك المؤسسة وهو ماخذ راتب عليها من المؤسسة، انتهى. فهمتم علي؟ يعني إذا هذا موظف خدمة مطلوب منه، المؤسسة قالت له: اقعد هون، وقف على الكاشير، عبي للناس ووصلهم، مقابل هذا نحن معطينك 300 دينار آخر الشهر، هذا خلاص، هذا بيتعاقد معك. ليه؟ لأنه هو العمل المطلوب منه ماخذ عليه أجرة من المؤسسة. أنت متى مطالب تتعامل معه؟ إذا كان لابس فيزة المؤسسة، واضح أنه مَعِد العمل. مش ضروري كمان لابس فيزة المؤسسة، ممكن بعضهم يكون واقف بره، بتعرف أحياناً بعض خارج بعض المؤسسات بتلاقي ناس: أساعدك يا شيخ؟ هسه واضح من السياق أنه هذا عتال، يعني هي شغلته، فهذا لا ينتمي للمؤسسة، مش عم يأخذ منها راتب، فهذا الذي نتكلم عنه؛ أنه إذا كان هو مَعِد واستأذنك وأنت أذنت له، بده أجرة المثل. أما الموظف الذي يعمل ويأخذ مقابل التعزيل من نفس المؤسسة، هذا عقده جاهز وانتهى، ولست أنت مطالب بدفع مال له إلا على سبيل التكرمة.

قال: «إلا في تحصيل متاع من مهلكة فله أجر مثله، وفي رقيق دينار أو اثنا عشر درهماً». هذا مستثنى من قضية عدم الإذن عموماً، سواء في المسألة الأولى أو المسألة الثانية. قلنا أي واحد، سواء مَعِد ولا غير مَعِد، إذا اشتغل بدون إذن ما له شيء. المَعِد وغير المَعِد بأيش بيتفقوا؟ أنه كلاهما إذا ما استأذن ما له شيء. وبيختلفوا في حالة إيش؟ الإذن. هيك أنت احفظها حتى ما تنساها: يتفقون في حالة عدم الإذن، ويختلفون في حالة الإذن. فهاتان المسألتان متعلقتان بحالة عدم الإذن، بالتالي يشترك فيها المَعِد أو غير المَعِد.

ما هاتان المسألتان؟ المسألة الأولى: تحصيل المتاع من مهلكة. إذا أنت شخص مواطن ضاع متاعك في مهلكة، المهلكة قد تكون بحراً، قد تكون صحراء، قد تكون أشياء، جبال الهملايا، بغض النظر إذا ضاعت متاعك في مهلكة، فذهب شخص بدون إذنك فأحضر المتاع من المهلكة، غاص في أعماق المحيط أو صعد على أعالي...

فأتى بالمتاع وأوصله إليه، هل له أجرة؟ نعم له أجرة.

يا شيخ، ما أستأذني؟ الأجرة الشريعة هي التي أعطته إياها، ليست من باب العقود، بل من باب تحفيز الناس على رد الأموال. هذه الأجرة من أعطاها إياه؟ ليس العقد، بل الشريعة؛ لأنه أصلاً لم يتعاقد معك ولم يستأذنك.

من أين استحق هذا المال مع أنه لم يستأذنني؟ قالوا: من الشرع، لأن الشرع يريد أن يحافظ على الأموال. شوف حرص الشريعة على المحافظة على الأموال؛ فلأنه حافظ على الأموال، وحب الشريعة أن لا تضيع أموال الناس في المهالك، أعطته هذا الحق؛ أنه بعد ما يرجع لك المال يقول لك: أريد أجرة المثل، فتعطيه أجرة المثل لمن قام بهذا الصنيع.

حتى لو كنت مستغنياً عنها، أو كنت أنت مستغنياً عنها، فهذا مال له احترامه، وبالتالي إذا رده لك عليك أن تعطيه أجرة مثله. كذلك الحالة الثانية في رقيق، وهذه مسألة رد العبد الآبق؛ إذا أبق لك عبد فذهب شخص بدون أن يستأذنك، بحث عن عبدك الآبق فأرجعه إليك، عليك أن تعطيه ديناراً ذهبياً أو ما يعادل بالفضة وهو اثنا عشر درهماً فضياً، وهذا أيضاً من الشرع، وفيها فتاوى للصحابة الكرام؛ من باب أنه في النهاية هذا إنسان وروح يجب أن يهتم بها ويعتنى بها، وحفاظاً على هذه الروح وحفاظاً على أملاكك، أنت كسيد إذا استطاع شخص أن يرد لك العبد الآبق ولو لم يستأذنك في التفتيش، فأنت ملزم أن تعطيه ديناراً أو اثني عشر درهماً. طبعاً اليوم ما في عبيد آباق، فخلينا نعدلها على مسألة المتاع.

تفضل يا شيخ، ما الفرق بين هذا المتاع الذي من البحر أو غيره وبين اللقطة؟ اسمها اللقطة. لا، هي ليست لقطة؛ هو يعرف أن هذا المتاع لك، يعني الذي ذهب هو يعرف أن المتاع لك. ذهب شخص عارف أنه الشيخ إبراهيم وقعت سفينته في البحر، فقال: خلص أنا بجيبها، فنزل في البحر وجابها وطلعها لي، وهي ليست لقطة لأنه يعرف أنها لي.

حتى لو كان في البداية يجهل صاحبها، لكن أول ما وصل قالوا له: واحد عارف أن هناك سفينة غرقت، ومش عارف لمين بالضبط من التجار، لكن عارف أنها سفينة للتجار غرقت، فأخذها من البحر وهو مش عارف لمين، وبعد ما طلعها من البحر أتى إلى المدينة وقال: يا إخوان أنا جبت البضائع، قالوا له: والله هي للتاجر الفلاني وللتاجر الفلاني. هو لا يشترط أن يكون يعلم من صاحبها ابتداءً.

لكن الفكرة أن اللقطة عادة تطلق على من وجد شيئاً مصادفة، وهنا في شخص بذل مجهوداً، بحث عن شيء يعلم أنه ضائع وأتى به، فنحن مقابل المجهود الذي بذله في رد الضائعات وإنقاذها من البحر -جزاه الله خيراً- سنعطيه. فهي في بعض صورها قد تشترك مع اللقطة، لكنه عندما عاد عرف صاحبها وقال: أنا أنقذتها لك من مهلكة، لاحظ أن هذه لها صورة دقيقة؛ فهي ليست كأي لقطة، هذا مال وقع في مهلكة. لو كانت سيارة على الطريق العام في مكان آمن وأرجعها لصاحبها فلا يستحق شيئاً، فلها ضابط معين أن تكون في مهلكة حتى تستحق أن تأخذ أجرة المثل.

إذا كان يعلم صاحبها، فهو من البداية ليست لقطة؛ لأنه يعرف لمن سيردها بعد أن يستنقذها، فليست دائماً ستكون لقطة، بل هو يتعمد عملاً فيه معروف وإنقاذ للناس.

الباب الذي بعده: «فصل في اللقط». اللقطة الآن جاز الموضوع، اللقطة إخواني تصرف وليس عقداً، اللقط مثل إحياء الموات؛ تصرف ينبت ويثمر ملكاً. قلنا إن التصرف قد ينبني عليه تملك، وتعريفها في الاصطلاح الفقهي: «مال أو اختصاص ضل عن ربه، فالتقطه غير ربه».

إذاً اللقطة مال أو اختصاص. حتى ندخل في الجلد الميت مما يجوز استعماله في اليابسات، ككلب الصيد أو كلب الماشية؛ هل هذا يسمى مالاً فقهياً؟ الكلب لا يسمى مالاً، لكن جلد الميت يسمى اختصاصاً عند الحنابلة. هذا الكلب تبع الصيد لمين؟ هو لشيخ مشعل يصيد به، فنقول إنه مال لمشعل أو نقول هو اختصاص لمشعل. نفس الشيء قربة من جلد ميت من حيوان طاهر حال حياته، فهذه يجوز استعمالها في اليابسات كما في مذهبنا. فلو أنها ضاعت، وقال: هذه القربة المصنوعة من جلد، رجعتها للشيخ عثمان، فأنا رجعتها له اختصاصاً. فإذاً اللقطة لا يشترط أن تكون في الأموال فقط، يمكن أن تكون في الاختصاصات؛ الفكرة أن هذا المال أو الاختصاص ضل عن ربه ووجده شخص آخر.

هذه اللقطة على ثلاثة أقسام؛ قال: «ما لا تتبعه همة أوساط الناس كرغيف وشسع، فيملك بلا تعريف». النوع الأول من اللقطات هو مال أو اختصاص لا تتبعه همة أوساط الناس، يعني الطبقة المتوسطة من الناس، إذا ضاع منها هذا الشيء لا تلتفت إليه ولا تبحث عنه، تستغني عنه لدناءته وقلة أثره. مثلاً، في العرف عندنا لو ضاع دينار أو ديناران أو ثلاثة، أوساط الناس لا تجعل عليها قصة، فهي تمشي الحال.

وما هو من هم أوساط الناس؟ هل أوساط الناس هنا باعتبار الغنى والفقر، أو باعتبار الهمة والخلق؟ هذه إحدى المشاكل في تعريف من هم أوساط الناس؛ هل العبرة بالفقر والغنى أم بالنسية النفسية؟ فهناك إنسان بخيل، والبخل هنا من حيث النفسية، فلو ضاع منه دينار وهو من أغنى الأغنياء، يرجع يبحث عنه وهو...

من أغنى الأغنياء، وفي إنسان نفسه كريم؛ فهنا وقع الإشكال، بماذا نضبط أوساط الناس؟ هل باعتبار أنه غني مالياً أو فقير مالياً، أو باعتبار النفسية؟ لأن هناك ناساً وسطاً بين البخيل والكريم، وفي ناس وسط بين الغني والفقير، فمن هو الوسط هنا؟ هل هو بين الغني والفقير أو بين الكريم والبخيل؟

وقع نزاع في هذه، وهي من المباحث التي تحتاج إلى تحرير، لكن عموماً ضبطها بما بين الكريم والبخيل بالأمور النفسية قد يكون أعدل من ضبطها بالأمور المالية، خاصة أن الغنى نسبي يختلف بحسب أحوال الناس والتزاماتهم وضوابطهم والفقر كذلك.

لذلك لو ضبطناها من حيث النفسية قد يكون جيداً. هنا أظن الشيخ ابن عثيمين ضبطها بماذا؟ الشيخ ابن عثيمين يقول في الشرح الممتع: حد المراد أوساط الناس بالمالي والنفسي. والجواب أن الشيخ ابن عثيمين يرى أن الضابط بهما جميعاً، يعني أن يعتبر قضية الغنى والفقر، ويعتبر قضية الشح والكرم؛ فالوسط في الغنى والفقر، والوسط في الشح والكرم.

كيف تنضبط هذه القضية؟ ستصبح تحديد أوساط الناس معقدة؛ شخص وسط من حيث أنه غني وفقير، وفي نفس الوقت وسط من حيث أنه كريم وبخيل، يأتي في النص، أي وسط اقتصادياً ووسط نفسياً، هؤلاء هم من يمكن أن يعتبروا أوساط الناس.

المهم، هؤلاء أوساط الناس هم الذين لا يلحقون وراء ما ضاع منهم، كرغيف خبز واحد سقط منه على الطريق، أو "الشسع". والشسع هو -كما تعرفون- من الأحذية قديماً، مثل حذاء النبي ﷺ يكون له رباطان، فهذا أحد الرباطين يسمى شسعاً، ويكون له شسعان يوضعان بين الأصابع، فالشسع هو الرباط الذي فوق الحذاء باختصار، وهو شيء تافه، ويسمى سيراً أيضاً.

فمن ضاع منه رغيف أو شسع وهو من أوساط الناس في العادة، هذا لن يلحق وراءه، فلو أنا وجدت هذا الرغيف أو هذا الشيء التافه أو هذا الدينار، ما الحكم هنا؟ قال: يملك بلا تعريف، أتملكه وأتصرف به ولا أحتاج أن أعرفه بشرط أني لا أعلم صاحبه.

أما إذا عرفت صاحبه، فعلي أن أرجعه له حتى لو كان شيئاً حقيراً، يعني لو ديناراً وجدته على الأرض وأنا عارف أن هذا الشيخ عدي، لا أقول ما هو هذا ولا أتبعه، بل أضعه في جيبه. لا، إذا أنا عارف صاحبه أرجعه له، لكن الكلام إذا أنا لا أعرف صاحبه فأتملكه بلا تعريف، لا يحتاج أن أعرف ولا أعلن في الجرائد وأقول وجدنا ديناراً على الأرض.

لكن ماذا لو كنت أعرف صاحبه فبدأت أتصرف به، وفي أثناء ذلك عرفت صاحبه أو جاء طالبني به؟ الآن تملكت، لكن هذا تملك قلق وليس تملكاً مستقراً، فإذا جاء صاحبه وتبين أنه صاحب الرغيف يجب أن أرجعه له. طب إذا جاءني بعد أن أكلت الرغيف، هل أضمنه له؟ لا، راحت عليك. هذه هي المعلومة المهمة هنا؛ أنه إذا جاءني قبل أن آكل الرغيف وثبت أنه صاحبه علي أن أرجعه له، فإنه ملك غير مستقر، لكن إذا جاءني بعد أن أكلته، فعوضك الله خيراً، انتهى هذا الرغيف، لأنه مال مستحق فإذا تلف فأنت لست ضامناً له.

سؤال: هل يستقر الملك في وقت معين؟ أم متى ما رجع مثلاً؟ الجواب: ما إذا في أي وقت جاء وثبت أنه صاحبه، له الحق أن يأخذه، فإذا تصرفت فيه وذهب، خلص ما عاد عندي، ليس له أن يطالبني بتعويض. ولو كان المالك محصوراً معروفاً، يعني إذا كان يمكن معرفته بسهولة بدون الحاجة إلى تعريف، كأن أقول للشباب: في أحد سقط منه دينار؟ إذا لم يعرفه أحد تملكه، لكن ما دام يمكن معرفته لأن عدده محصور، فلا يلزم السؤال.

ثم قال الثاني من اللقط: «الضال»، قال: الضال التي تمتنع من صغار السباع كخيل وابل وبقر، فيحرم التقاطها ولا تملك بتعريفها. النوع الثاني من اللقط هو "الضوء" و"الضال"، ولا تكون إلا في الحيوانات وليس في الأمتعة. الضال هذه لا تكون إلا في الحيوانات التي تستطيع أن تحمي نفسها من صغار السباع كالخيل والإبل والبقر.

فقالوا هذه لو تعرض لها شبل أو ضبع صغير هل تحمي نفسها؟ نعم، قادرة أن تواجه شبل ضبع صغير، ليس مطلوباً منها تواجه أسداً كبيراً، لكن يكفي أنها تستطيع أن تواجه ضبعاً أو ثعلباً أو ذئباً، فهي الحيوانات التي يمكنها أن تحمي نفسها من صغار السباع. فهذه لها حكمان: يحرم التقاطها، ولا تملك بتعريفها.

يعني يحرم أن تلتقطها، وإذا التقطتها فيدك عليها تضمنها مطلقاً، سواء تلفت بتعدٍ أو تفريط أو بدون تعدٍ وتفريط، لأنك كالغاصب؛ لأننا قلنا لك لا يجوز أن تلتقطها. فكيف أتخلص من يد الضمان هذه؟ قالوا: إما أن يدفعها إلى الحاكم، أو يرجعها إلى مكانها الذي أخذتها منه بإذن الحاكم. يعني تبلغ الجهات أنك رجعت الدابة إلى مكانها، هكذا تخلص من هذه الورطة. ولو عرفتها حتى لو بعد سنة أو سنتين لا تدخل في ملكك، لأنك أصلاً كالغاصب هنا.

إلا إذا كانت في المتاع؛ لاحظ ما قالوا "ضوال في المهلكة"، قالوا: في تحصيل متاع، وليس في تحصيل الضوائل، فالظاهر أن الأمر أعم. وهنا في فائدة: يلحق الحنابلة بهذا القسم -أي عند الشيخ أحمد- القدور والآلات والأخشاب الكبيرة كالتي تضعها الشركات في البر لمشاريعها، فهذه ليست لقطة فلا تلتقط ولا يجوز تملكها، وهي أولى بعدم جواز التقاطها من الإبل. يعني لو وجدت هنغراً كبيراً أو جرافات ضخمة وضعتها شركة في منطقة معينة في الصحراء، ما ينفع تأتي تقول وجدت جرافة وأريد تملكها، لأن هذه للشركات والشركة يمكنها بسهولة تتبعها.

وتعرف، وفرضا، فقالوا: الماكينات والآلات الضخمة التي تتركها الشركات في البرية، هذه أولى من الإبل، ألا يتعرض لها الإنسان ويتركها حتى يأتي أرباب الشركات فيأخذونها؟

ثالثا: قال باقي الأموال؛ كثمن ومتاع وغنم وفصلان وعجاجيل، فلمن أمن نفسه عليها أخذها. النوع الثالث وهو موطن الشاهد أو موطن البحث: باقي الأموال؛ إذا أخرجنا ما لا تتبعه همة أوساط الناس، وأخرجنا ضوال الحيوانات، يبقى الباقي من الأموال مثل الثمن، يعني النقود من الذهب والفضة، هذا المراد بالثمن. والمتاع: ثياب، سيارات صغيرة، أشياء عادية. والغنم: الغنم لا يحمي نفسه من صغار السباع. والفصلان: هي أبناء، جمع فصيل، وهي ابن الناقة، وابن الناقة لا يحمي نفسه من صغار السباع. والعجاجيل: جمع عجل، والعجل أيضا صغير البقرة لا يحمي نفسه. فهذه كلها، والحيوانات الأصغر منها، هذه لا تحمي نفسها من صغار السبع، فمثل هذه هي موطن اللقطة التي يتكلم عنها بالتفصيل.

فهذه يباح التقاطها بشرطين. الشرط الأول ذكره قال: «فلمن أمن نفسه عليها أخذها»، إذا عرف من نفسه الأمانة فأخذها. فإذا أن يعلم من نفسه الأمانة، وطبعا الأمانة المراد ماذا؟ أنه إذا أخذها لن يقوم بإتلافها أو تضييعها أو تملكها قبل التعريف؛ يعني عارف أنه أنا إذا أخذت هذا الشيء الضائع فإنني لن أقوم بإتلافه وتضييعه، أو أن حتى أتجاسر على أن أتملكه قبل التعريف، لا، سأحافظ عليه، وأنتبه لأمره وأقوم بتعريفه.

ثانيا: أن يقوى على تعريفها. حتى يباح لك الأخذ لابد من شيئين: أن تعلم من نفسك الأمانة، أنك إنسان قادر، أنا عندي سنة كاملة سياتي معنا، هي كلها سنة ما يصير المس فيها هذا الشيء، فخلال هذه السنة هل أنت ضامن نفسيتك؟ هل أنت تحفظ ولا تتلف ولا تضيع؟ ثانيا: هل تجد في نفسك القوة على التعريف؟ الآن أنا ممكن أجد في نفسي الأمانة، بس أنا مش فاضي أعرف، أنا مشغول في دورات وتدريس وكذا وكذا، أو واحد مشغول بسفرات وبيطلع على السعودية وبيجي على دبي، يعني ما هو فاضي يعرفها، فهو أمين لكنه غير متفرغ للتعريف. فمن اختل فيه أحد الشرطين لا يجوز له أن يأخذها، يحرم أخذها.

حتى يجوز لك الأخذ بدك تنتبه، الله يكرمك، لأنه بعض الشباب ورط حاله، بيكون أمين الله يجزاه الخير بس يقول لك: يا شيخ والله أخذتها والله ما عندي وقت أعرفها. طيب ليش أخذتها؟ الآن إذا أخذتها ورطت، فماذا نقول؟ لا يجوز أخذها إلا بشرطين: أمن النفس والقدرة على التعريف. قالوا: فإن اختل أحد الشرطين لا يجوز له أن يأخذها، والأفضل لو اجتمع الشرطان مذهبيا عند الحنابلة أن لا تأخذها.

قال: «والأفضل لو اجتمع مع الشرطين مذهبيا ألا تأخذها»، يعني حتى والشيخ القائم يقول: «ولو وجدها بمهلكة»، تخيل لو كانت في منطقة ستضيع يا شيخ. مذهبيا -وإن كنت أنا قد أناقش في هذا حقيقة- لكن يقول مذهبيا: والأفضل عدم التقاطها ولو مع توفر الشرطين ولو وجدها بمهلكة. ليه؟ حتى الإنسان ما يحط نفسه في موقف أنه يريد أن يعرف وليس عنده وقت يعرف، فقد تخون الأمانة، قد لا تؤديها كما يجب، فلا تورط نفسك هكذا، يقولون لك. لكن حقيقة إذا وجدها في مهلكة، نحن قبل قليل في باب الجعالة حفزناها على المحافظة على أموال الناس، فآتي هنا أقول: الأفضل ألا تلتقطها حتى ولو في مهلكة، خشية ألا تقوم بتعريفها. طيب، ممكن الآن تضيع وتتبدد ولا يستطيع الرجل الوصول إليها، فهذه قضية، ولو وجدها بمهلكة تحتاج هذا نقاش فقه، المهم.

الآن ماذا نقرأ؟ قال: «ويجب حفظها وتعريفها في مجامع الناس غير المساجد حولا كاملا». ما المطلوب الآن؟ ما الإجراءات التي سأفعلها إذا وجدت لقطة؟ إذا قلنا أولا متى يجوز لك أن تلتقطها -وإن كان الأفضل عدم الالتقاط- إذا التقطتها ما هي الخطوات؟

أولا: يجب أن تحفظها أنت خلال سنة كاملة، يجب أن تحفظها وتنتبه عليها وتضعها في حرز مثلها، وأن لا تفرط وأن لا تستهتر بوجودها، يجب عليك أن تحفظها وكل شيء على حسب حرزه. ثانيا: تعريفها في مجامع الناس غير المساجد، مدة حول كامل منذ التقاطها. متى بحسب الحول؟ من لحظة الالتقاط، حولا كاملا منذ التقاطها، وهذا يجب أيضا أن يكون فورا، لا يجوز التراخي في هذا، واجب فوري. ومجامع الناس يعني الأماكن التي يعتاد أن يعرف فيها، في ملتقيات الناس، ومنها اليوم السوشيال ميديا؛ حقيقة اليوم تطورت مجامع الناس، كانت قديما مجامع واقعية، اليوم صار عندك مجامع افتراضية عبر السوشيال ميديا، وقد تكون أكثر وقعا وأكثر فائدة، إلا المساجد؛ فالتعريف باللقطة في المساجد مكروه، للحديث: «من انشرط ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليه». فالتعريف في المساجد مكروه، وأما غير المساجد فهذه الأماكن المعتادة فيجب.

يجب أن تعرف في مجامع الناس غير المساجد حولا كاملا، وهذا التعريف فوري لا يجوز التراخي فيه. وكيف يكون؟ قال: «كل يوم مرة لمدة أسبوع»؛ أول أسبوع من الالتقاط كل يوم مرة تطلع على مجامع الناس أو تعلن على السوشيال ميديا: يا جماعة وجدت لقطة كذا وكذا، ولا تذكر تفصيلها، إذا ذكرت تفصيلها وكل الناس سيقولون لك: أنا صاحبها، إياك أن تكون مغفلا وأحمق، ما تعطي تفاصيل، وجدت مبلغ من المال عند المحطة الفلانية، لا تعطي تفاصيل، حتى يجي هو ويقول: أنا ضاع مني مبلغ، آتي أسأله عن التفاصيل لحتى أعرف هو صاحب المبلغ أو لا، وأسأله عن أوصافها.

طيب، قال: «ثم بعد ذلك»، قال: «ثم شهرا كل أسبوع»، يعني بعد ما ينتهي الأسبوع الأول نخفف عليك، فنقول لك بعد الأسبوع الأول: «ثم شهرا كل أسبوع مرة»، يعني بعد الأسبوع الأول يأتي شهر، هذا الشهر مطلوب منك في كل أسبوع منه مرة تعرفها في مجامع الناس. بعد ما يخلص هذا الشهر، إلى آخر السنة كل شهر مرة واحدة تنادي عليها في المجامع أو تعلن عنها في السوشيال ميديا. لكن حقيقة هنا يقولون إن صاحب "الإقناع" خالف الأعلى في المذهب أو المعتمد في المذهب؛ لأنه في "المنتهى" اقتصر على قوله: «كل يوم مرة أسبوعا ثم المعتاد». هيك قال، ما قال: «ثم شهرا كل أسبوع مرة، ثم مرة كل شهر إلى آخر السنة»، هذا التفصيل في "الإقناع". أما في "المنتهى" اختصر على أنه: أول أسبوع كل يوم مرة، ثم المعتاد، خلص ارجع للعادة التي قد تختلف من مكان إلى مكان.

خلاها على ما هو متعارف، لأنه هذا المتعارف قد يزيد وقد ينقص على حسب طبيعة السلعة، على حسب طبيعة المكان، وعلى حسب طبع الناس. ممكن الناس بتشتد وجودها في أيام معينة، فبالتالي قضية أن يتم تعريفها كل أسبوع مرة هي قضية غير منضبطة، فممكن الشخص صاحبها معروف أنه يأتي في أسبوع معين، أو أنا أشتد في هذا الأسبوع لأنني كنت مسافراً.

هناك طرق تتعلق بالعادة والأعراف أفضل من أن تضبط بأن يتم التعريف كل أسبوع مرة، أو كل شهر مرة، لأنه لا يوجد عليها تحديد شرعي؛ فما في نص يقول هكذا، فتركها للعادة أولى، والله أعلم.

بعد الشهر أو بعد التعريف سنة، ماذا يحصل؟ قال: «وتملك بعد هذا التعريف بعد السنة تملك بعده حكماً». ماذا يعني حكماً؟ يعني أن هذا التملك من جهة الشرع وليس من جهة اختيارك، بل جبراً عنك تدخل في ملكك. لو أنا لا أريدها، تدخل في ملكي بعد السنة، تماماً مثل الميراث، تدخل حكماً أي بحكم الشريعة، ستدخل في ملكك وليس باختيارك، وليس بأني أريد أن تدخل أو لا أريد. ما دمت التقطتها وعرفتها، فبعد السنة دخلت في ملكك جبراً.

ممتاز، نعم، جزاه الله خيراً. بمجرد أنها دخلت في ملكك، معناها أنك تقدر تتصرف بها، وأصبحت يدك عليها يد ماذا؟ خلال السنة يدك عليها يد أمان، أما بعد السنة فما دامت دخلت في ملكك أصبحت أنت ضامناً لها مطلقاً. قالوا: «وتصبح يد الضمان».

طبعاً هذا ماذا سينفع؟ ركز؛ إذا خلال السنة هي ليست في ملكك، فأنت تحت يدك شيء ليس لك شرعاً، فهنا نسأل عن يدك: اليد أمان، لا أضمن إلا بتعدٍ أو تفريط. أما بعد السنة، فقد أدخلناها في ملكك جبراً، فأصبحت ضامناً لها مطلقاً؛ لأنه ملكك أصلاً، لكنه ملك غير تام. لماذا هو غير تام؟ لأنه حتى لو بعد السنة جاء ربها فوصفها وعرفها، يجب أن تدفعها إلى ربها.

ماذا ينبني على قضية الملك أو يد الأمان ويد الضمان؟ قلنا خلال السنة إذا تلفت لا تضمن إلا بتعدٍ أو تفريط. أما بعد سنة التعريف، إذا جاء صاحبها فأنت ضامن للسلعة مطلقاً، بحيث إذا تلفت عندك سواء بتعدٍ أو تفريط أو بدون تعدٍ وتفريط، يجب أن ترجعها له.

قد يقول قائل: ماذا استفدت من هذه القصة؟ أنا هكذا تورطت؛ دخلت في ملكي بعد السنة ولكن صرت ضامناً لها مطلقاً، فما فائدتي؟ أنت مستفيد لأنك بعد السنة مسموح لك أن تتصرف فيها، تقدر تعمل فيها ما تشاء؛ إذا كانت دابة تريد ركوبها اركبها، وإذا كانت سيارة تريد قيادتها قدها، وإذا كانت شاة أو بقراً أو غنماً وأنت تطعمها وصارت تنتج، فكل الإنتاج المنفصل لك. القاعدة هي: «الغنم بالغرم»، أنت معطونك الاستفادة المطلقة مقابل الغرم الذي سيكون عليك.

ولذلك يقولون إذا جاء صاحبها: الزيادة المتصلة -إذا كانت شاة مثلاً- فإنه يجب ردها إلى صاحبها الأصلي، لكن الزيادة المنفصلة؛ إن كانت قبل الحول فلصاحبها الأصلي، وإن كانت بعد الحول فلي؛ لأنني بعد الحول ملكتها فأصبحت الزيادات المنفصلة لي، وأنت أرجع لك ما أخذته منك.

قال: «ويحرم تصرفه فيها قبل معرفة وعائها، ووكائها، وعفاصها، وقدرها، وجنسها، وصفتها». الآن إذا انتهت السنة التعريفية وأصبحت في ملكك قهراً، يحرم أن تباشر أي تصرف بها قبل أن تحفظها بأي وسيلة من وسائل الحفظ، لأننا هنا سنطبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». إذا كنت تريد التصرف، يجب أن تسجلها على ورقة أو على الكمبيوتر أو على جوالك، أو تشهد ناساً لكي تحفظها.

قبل أن تباشر التصرف عليك أن تعرف وعاءها؛ والوعاء هو المحفظة أو الكيس الذي كان فيه المال، فإذا كان هناك مال داخل كيس، يجب أن تحفظ شكل المحفظة أو الوعاء الذي وجد فيه المال. والوكاء؛ والوكاء هو الرباط الذي ربطت به، وطبعاً هنا يتكلم عن أمور قديمة، في زمنهم كان المال يكون في "صرة" ومربوطة، فعليك أن تعرف الوكاء، وهو الرباط الذي ربطت به.

والعفاص؛ والعفاص هو طريقة الربط، هل كانت ربطة واحدة أم ربطتين؟ يجب أن تحفظ ذلك؛ لأنه قد يأتي صاحبها بعد سنين ويقول لك: أنا ضيعت كذا وكذا، فكيف ستعرف أن هذه له أم لا؟ يجب أن تسأله: أين كانت موجودة؟ وكيف كانت مربوطة؟ هل هي ربطة أم ربطتان؟ فإني لازم أظل محافظاً على الأوصاف، حتى إذا جاء صاحبها -حتى لو كنت قد استهلكتها أو ضاعت وتلفت- أستطيع أن أضمنها له، وإذا كانت لا تزال موجودة أستطيع أن أعرف هل هو عارف بها أم لا.

قال: «ويعرف قدرها» قبل أن تتصرف فيها؛ الأثمان مثلاً يجب أن تعرف قدرها، هل فيها عشرون ديناراً ذهبياً؟ و«جنسها»؛ هل هي ذهب أم فضة؟ و«صفتها»؛ هل هي أردنية أم سعودية؟ وهكذا. متى يجب أن يكون هذا؟ بعد انتهاء السنة وقبل أن تتصرف.

وقال: «ولكن يسن أن تحفظ هذه الأمور منذ لحظة الالتقاط». يعني هي مسنونة أن تضبط هذه الأمور منذ اللحظة الأولى للالتقاط، لكن متى يصبح حفظها واجباً؟ إذا انتهت السنة التعريفية وأردت أن تتصرف، هنا ما عادت سنة بل أصبح واجباً عليك أن تضبط هذه المواصفات؛ فلذلك قال: «ويحرم تصرفه فيها قبل معرفة وعائها، ووكائها، وعفاصها، وقدرها، وجنسها، وصفتها».

وإذا جاء ربها في يوم من الأيام ولو بعد عشرين سنة، فوصفها؛ لأنك كيف ستعرف أنه هو صاحبها؟ يجب أن توصف، فبمجرد الوصف تُلزم بدفعها إليه بدون مطالبته ببينة ولا بيمين، تدفع إليه بمجرد وصفه؛ لأن الأصل أنني عارف وعاءها ووكاءها وكل شيء، فإذا أعطاني إياها بوصفها، فالمعنى أن الأصل أنها له، وأنه أعطاني إياها كما هي.

داخلي، أو أنه واحد خبره عنها بطريقة ذكية، لكن غير ذلك فالأصل أنه صاحبها، فلزم وجوبًا دفعها إليه إذا كانت قائمة. وإذا كانت تالفة بعد السنة فإنا علي أن أضمنها إن كانت مثلية بمثلها، وإن كانت قيمية فبقيمتها. وهنا كما قلت بعد السنة إن يدي يد ضمان، قبل السنة يدي يد أمان، فلا أضمن التالف إلا بتعدٍ أو تفريط.

سأنتقل سريعًا، المقال يسن قبل ذلك عند وجدان اللقطة، وهذا يقتضي الأمور الخارجية لا الداخلية، لأنه أصلًا لا يصح تصرفها، لا يصح التصرف بها قبل السنة. والتصرف هو البيع والشراء، لكن أن يعرف ما هي اللقطة، يجوز أنه يفتحها ليعرف ما هو المبلغ الموجود داخلها، وليست مثل الوديعة، لأنني هنا أريد أن آخذ احتياطاتي مع الرجل.

ثم قال: «ومن أخذ نعله ونحوه ووجد غيره مكانه فلقطة». هذه مسألة ضياع الأحذية في الجوامع؛ من أخذ نعله من المسجد فوجد غيره مكانه، هل تقول هذا الحذاء الثاني واضح أن الرجل خلط بينهما؟ الرجل إما أن يكون قد أخطأ أو سرق، لا يوجد احتمال ثاني، إما أنه خلط ووضع حذاءه مكان حذائي، أو أنه أخذ حذائي وأعطاني حذاءه.

هل اعتبر حذاءه بديلًا عن حذائي فآخذه وأتملكه؟ المعتمد في المذهب أن هذا الحذاء يعتبر لقطة، الحذاء البديل يعتبر لقطة عن الحذاء الأصيل، فليس لك أن تأخذه، وإنما عليك أن تطبق عليه أحكام اللقطة في التعريف. لكن هناك قول آخر قال عنه المرداوي في الإنصاف وهو الصواب، وهو أنه لا يجب التعريف إن وجدت قرينة على السرقة لعدم الفائدة فيه.

وفي الإنصاف يقول عن هذا القول الثاني: «لا يجب التعريف إن وجدت قرينة على السرقة». لاحظ أنه اقتصر على أنها وجدت قرينة على السرقة وليس على الخطأ. فيقول لك لا يجب التعريف إن وجدت قرينة على السرقة؛ لأن الموضوع واضح أنه سرقة، مثلاً من خلال كاميرات المسجد، شخص جاء وأخذ حذائي، وواضح من السياق عبر الكاميرا أنه سارق، فإن وجدت قرينة على السرقة فهناك قول آخر قال عنه المرداوي في الإنصاف وهو الصواب، وهو ما قال المذهب، قال هو الصواب أنها لا تحتاج إلى تعريف، وأنها تتملك مباشرة. وبالتالي ما دامت لا تحتاج إلى تعريف، فإنه إذا جاء صاحبه في دهر من الدهور تعطيه إياه، طبعًا بعد ما يثبت أنه ليس سارقًا لحذائك.

لكن على الطريقة الأولى مذهبيا، لا تستطيع أن تتملك هذا الحذاء إلا بعد أن تعرفه سنة. وطبعًا هنا الشيخ أحمد وضع قيدًا قد يكون جيدًا ويخدمك حتى على المذهب، قال: «إن كان هذا الحذاء مما يعرف بخلاف النعال البالية»، لأنه ستكون من النوع الأول من اللقطات، ما لا تتبعه همة أوساط الناس. يعني لو أخذت حذائي وكان حذاءً مهترئًا لا يبيعه أحد، فهذا لا تتبعه همة أوساط الناس، فخذه وتملك، فلا مشكلة في ذلك. فالكلام عن الأحذية التي توضع مكان بعضها، ولكن إذا كان الحذاء له قيمة، فهنا يأتي قرينة أنه ليس سرقة لأن الحذاء الموجود مكان حذائي حذاء ذو قيمة لا تتبعه همة أوساط الناس، وهذا سيعطيك قرينة أن الموضوع ليس سرقة بل هو خطأ، وبالتالي يجب أن تعامله معاملة اللقطة.

ثم قال سريعًا: «واللقيط طفل لا يعرف نسبه ولا رقة، نبذ أو ضل إلى التمييز». الآن سنذهب إلى مسألة أخرى، البعض في بعض كتب الحنابلة يضع لها أحيانًا بابًا مستقلاً وهو باب اللقيط، لأن هذه أحكام مختلفة تمامًا وليس لها علاقة باللقطة، لكن أحيانًا الاشتراك في الاشتقاق العام يجعل الموضوع يبدو مرتبطًا، مع وجود التقاء في أصل الفكرة وهو أنه شيء ضائع.

اللقيط هو طفل، وهذا الطفل شرط حتى يسمى لقيطًا عند الحنابلة ألا يعرف نسبه، وألا يعرف هل هو رقيق أو حر؛ فإن عرف النسب أو الرق أو الحرية، قالوا لا يعد لقيطًا، حتى لو لم يعرف بعينه لكن عرفنا أنه ابن فلان، حتى لو لم نجد أبوه، فبمجرد معرفة والده زال عنه اسم اللقيط. واللقيط لا يعرف نسبه ولا رقة، أي لا يعرف هل هو حر ابن حر أم رقيق ابن رقيق، وهذه كانت مشكلة في المجتمعات الإسلامية القديمة لوجود الرق.

فبالتالي قال: هو طفل لا نعرف نسبه ولا نعرف هل هو حر أو رقيق، ونبذ أي تم طرحه، وهذا قد يكون من السياق، كما للأسف يفعل بعض الناس اليوم حين يلقون الطفل عند سلة المهملات، فالسياق يوضح أنه ليس ضائعًا بل هو منبوذ مرمي. أو ضل، وطبعًا الضال يجب أن يكون قادرًا على المشي، أي صار عمره ثلاث أو أربع سنين. يبقى اسمه لقيطًا إلى سن التمييز، والتمييز عند الحنابلة يكون عند إكمال سبع سنوات قمرية. فاللقيط ضابطه: طفل لا يعرف نسبه ولا هو حر أو رقيق، تم نبذه أو ضل، ويبقى اسمه لقيطًا إلى سن التمييز.

حكم التقاطه فرض كفاية؛ إذا لم يقم به من يعرف حاله، فكل من قال أنا لا دخل لي، أثم كل من يعلم، وإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. طيب، إذا التقطت هذا اللقيط، من أين سأصرف عليه؟ هذا ما يخيف الواحد، يقول أنا أصرف على أولادي، فإذا دخل عنصر جديد تلتقطه أنت، فنحن في مجتمع إسلامي نحتاج أن نتكاتف مع بعضنا.

فقالوا: الآن إذا اللقيط وجد معه شيء، يعني لقينا مثلاً الذي نُبذ وضع تحته خمسين ألف دينار أو معه بعض الذهب، فإني الذي التقطت أصرف على هذا اللقيط من المال الذي وجدته داخل المعطف أو داخل الجيب.

إذا لم يوجد معه شيء، وهذا هو الأغلب، هنا أبلغ الجهات القضائية أني أريد أن آخذ من بيت مال المسلمين راتباً أو اقتطاعاً شهرياً حتى يُصرف على هذا اللقيط.

فالقاضي، الأصل إذا ثبت لديه القضية وحداثتها، يعطيني راتباً شهرياً ليس مصروفاً لي، بل لأصرف على هذا. قالوا: فإن لم يوجد ما في بيت مال المسلمين، فإذا كان بيت مال المسلمين فارغاً، فالخطوة الثالثة قبل أن أكون مسؤولاً عن الإنفاق هي أن الحاكم يقترض على بيت المال. تخيلوا أنه الأصل أنا لا أكلف المواطن المسكين أن يصرف على هذا اللقيط، فيأتي الحاكم يقول: يا أيها المسلمون يا أغنياء المسلمين، بيت المال فارغ الآن وهناك لقطاء نحتاج أن نصرف عليهم، فيقترض على حساب بيت المال.

يعني ماذا يقترض؟ الحاكم يأتي للأغنياء والتجار ويقول لهم: أقرضوني، ولما يتعبأ بيت مال المسلمين من الغنائم أو الخراج أرجع لكم. يعني الحاكم لن يأخذ من الأغنياء ضريبة، بل يقترض منهم ليرجع لهم حين يصبح في بيت مال المسلمين ذخر.

طب ما ضبط؟ لا أحد أقرض الحاكم، ولا وجدنا معه مالاً لهذا اللقيط، ولا بيت مال المسلمين فيه شيء، ولا الحاكم قادر أن يقترض، هنا قال: خلص، أنفق عليه علماً به بلا رجوع. على الطفل عندما يكبر، يعني إذا كنت أنا الذي التقطته وقادراً على الإنفاق عليه، سأنفق عليه وأحتسب عند الله، وليس إذا كبر اللقيط بعد السبع سنوات وانتهى التمييز أقول له: تعال اذهب واشتغل، تريد أن ترجع كل الأموال التي صرفتها عليك؟ لا، خلص أنفق عليه مجاناً وتحتسب بالأجر عند الله سبحانه وتعالى.

أنفق عليه علماً به بلا رجوع، بلا رجوع على من؟ على اللقيط بعد أن يصبح قادراً على العمل، لا أرجع عليه. طبعاً تبقى قضية: إذا وجدنا والديه، هل أرجع على اللقيط هذا؟ مرادهم إذا عرفنا من أبوه، فإذا طلع أبوه ساكناً في مكان ما، وجاء في يوم من الأيام وقال: هذا ابني، وعرفنا أنه ابنه، هل أطالبه بالنفقة؟

لماذا؟ يعني أنا لم أجد شيئاً مخصوصاً في المذهب في هذه المسألة حقيقة، لكن إذا طبقنا القواعد التي ذكروها سابقاً، فإذا أنفق بنية الرجوع، رجع على والده. أما إذا أنفق مجاناً، فقد ذهبت عليك، حتى والده لا تستطيع أن ترجع عليه، لأنه خلال هذه الفترة من كان المسؤول عن الإنفاق عليه؟ والده، وأنا أنفقت عليه خلال هذه المدة، ثم لقيناه. فالأصل أن والداً مسؤولاً عن النفقة يتحمل هذه المسؤولية.

أقول هذا فقط بحثاً وليس تقريراً للمذهب، لأني لم أجد في البحث العام من ذكر هذه المسألة، قضية الرجوع على والده، لكن ما يشبهها من نظائر المسائل تقتضي أنه إذا أنفق بنية الرجوع، فأنا أرجع على من كان مسؤولاً بالإنفاق عنه. أما هو كطفل، مهما بلغ، مذهبياً لا يرجع عليه، لأنه لم يكن مسؤولاً عن الإنفاق على نفسه في الصغر، فكيف أطالبه بأن يسد في الكبر؟ وما كان شرعاً المسؤول أن ينفق عليه هو والده، أو بيت مال المسلمين في حال غياب والده، فإذا وجد فهو ليس عليه دين تجاهك.

ثم قال: «وإن وجد في بلد يكثر فيه المسلمون». طب كبر هذا الصغير، أو هذا الصغير عموماً وهو لقيط قبل أن يكبر، هل يعامل في أحكامه معاملة المسلمين أم معاملة الكفار؟ هل أحكم عليه أنه مسلم أم كافر؟

إن وجد في دار الإسلام فيحكم عليه أنه مسلم، إلا إذا وجد في دار إسلام سكانها كلهم ذميون، ففي هذه الحالة الأصل والمنطق أن يكون ذمياً مثلهم، فيحكم عليه أنه ذمي. إذاً اللقيط بدنا نعرف أين وجدناه؛ إذا وجدناه في دار الإسلام فنحكم عليه أنه مسلم، إلا إذا كانت هذه الديار التي تشمل بعض المناطق التي يسكن فيها ذميون، كما قال: «إلا إذا كانت المدينة أو القرية التي وجد فيها كلهم ذميون»، يعني إذا فيها مسلم وكافر يظل مسلماً، أما إذا كانوا كلهم ذميين في هذه الحالة نحكم عليه أنه ذمي.

طب إذا وجد في دار الكفر، قال: «إذا وجد في دار الكفر»، فإن كانت هذه دار الكفر لا يوجد فيها مسلمون، دار الكفر أو دار الحرب تسمى دار الحرب، لا يوجد فيها مسلمون أو يوجد فيها مسلم أو مسلمان، فهذا أيضاً يعامل على أنه كافر، إلا إذا كانت دار الحرب يكثر فيها المسلمون، ففي هذه الحالة نعامل على أنه مسلم.

إذاً اللقيط مسلم أم كافر؟ تقسم الدار أين لقيناه؟ في دار الإسلام أم في دار الحرب؟ سهلة؛ إذا لقيناه في دار الإسلام فالأصل أنه مسلم إلا إذا كانت البلدة التي في ديار الإسلام كلهم ذميون، فحكم عليه أنه ذمي. والعكس في دار الحرب، إذا وجدناه في دار الحرب فالأصل أنه كافر، معاملة على ديانة أهل هذه الدار، إلا إذا وجد في دار حرب يكثر فيها المسلمون، فعندئذ سيعامل على أنه مسلم.

ثم قال: «وإن أقر به من يمكن كونه منه، والله أعلم». جاء شخص فقال: والله هذا اللقيط الذي التقطته ابني، سواء كان هذا الشخص رجلاً أو امرأة، فقال لك: هذا اللقيط ابني، هنا نكتفي بالإمكان؛ إذا أمكن كونه منه، أي أن السردية التي طرحها منطقية وعقلياً يمكن أن يكون منه، فهنا مباشرة يلحق به، لأن الشريعة تتشوف إلى إلحاق النسب، وتتساهل في ذلك حرصاً على إثبات النسب.

فإذا جاء وأقر به من يمكن كونه منه، يلحق به، سواء كان الذي أقر به مسلماً أو كافراً، حتى لو جاء واحد كافر والسردية التي طرحها يمكن أن يكون هذا الطفل ابنه، يلحق به. طيب، ماذا يعني يمكن كونه منه؟ يعني إذا كان في الطرح سردية مستحيلة، خلص لا يكون ابنك. قالوا مثلاً: إذا كان هذا اللقيط قد كبر وصار عمره مثلاً عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة، فجاء شخص عمره ثمان سنوات، أصغر منه، وقال: والله هذا ابني، فمن المستحيل أن يكون ابنه لأنه أكبر منه.

ما في منطقية رياضية، قالوا بأن كان مثلاً الذي ادعاه أصغر منه سناً، قال هذا لا يمكن. أو ادعى قضية لا يمكن أن تكون؛ قال هذا الولد مثلاً عمره سبع سنين، قال: «أنا هذا ولدته قبل خمسين أو عشرين سنة»، ما هو كله عمره سبع سنين، كيف بده يكون جاء قبل خمسين سنة أو ثلاثين سنة؟

فإذا ادعى شيئاً لا يمكن أن يكون، عادةً لا يُقبل، لكن إذا طرح سردية معقولة، فيمكن أن يكون منه، الحقنا به في النسب.

وهذا نهاية مجلس، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.