دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس الثالث والأربعون | باب الغصب

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

حياكم الله أيها الأكابر، مجلس جديد من مدارس التعليق على كتاب «أقصر المختصرات» من «ملتقى الدرر» الدمشقي الحنبلي عليه رحمة الله. قد انتهى بنا المطاف إلى باب جديد، وهذا الباب ليس عقدًا من العقود، وإنما هو تصرف من التصرفات.

هو تصرف غير مشروع، يعني أنت في باب المعاملات ستجد بعض الأبواب هي عبارة عن معاملات وعقود، بدك تدخلها دائمًا في شبكة العقود: عقد معاوضة، عقد إرفاق، عقد توثيق، عقد التبرعات. وفي بعض الأبواب التي تُعقد في باب المعاملات هي ليست عقودًا وإنما هي تصرفات؛ فالحجر باب الحجر تصرف، هذا ليس عقدًا. وما بين أيدينا الآن وهو الغصب، هذا تصرف، لكن الحجر تصرف مشروع مطلوب شرعًا، وهذا التصرف حرام وتتبعه مجموعة من الأحكام.

الآن نأتي إلى تعريف الغصب، فيقولون: الغصب هو استيلاء غير الحربي على حق غيره قهرا بغير حق. استيلاء؛ إذاً الغصب هو استيلاء، استيلاء من؟ استيلاء شخص غير حربي. علاقتنا ليست مع الحربي؛ الحربي مثل اليهود والنصارى الذين علاقتنا بهم ليست علاقة حرب، فإذا استولى الحربي على شيء من أموال المسلمين هذا لا يسمى في المفهوم الشرعي غصبًا، هو مجرم وكذا، ولكن كمفهوم شرعي تُبنى عليه الأحكام التي ستأتي، لا يسمى غصبًا لأنني سأغنم منه، وهذا هو الوضع الطبيعي في حال الحروب، وكل واحد يتحمل نتائج حربه كما يقولون.

فلذلك قالوا هو استيلاء غير الحربي؛ لأن علاقتي مع الحربي تختلف. واستيلاء الحربي على أموال المسلمين هذا في المفهوم الشرعي الفقهي، لو سمينا أرض فلسطين مغصوبة، ما يأتي شخص يقول: لا يا جماعة ليست مغصوبة؛ لأنه أخذنا اليوم في الدرس الفقهي أنه يجب أن تفرق بين المفهوم اللغوي والمفهوم الشرعي. في المفهوم اللغوي، كل استيلاء ظلم يسمى غصبًا، لكن في المفهوم الفقهي الذي تُبنى عليه الأحكام، الأمر يختلف.

حتى أعطيك مثالًا، الجهاد في كتاب الجهاد، ما مفهوم الجهاد؟ قتال المشركين خاصة، فقتال الخوارج والبغاة لا يسمى جهادًا بالمفهوم الفقهي، بل المفهوم الشرعي العام كله جهاد. بل النبي ﷺ قال: «طوبى لمن قتلهم، أو قُتل منهم»، أو «قتلاهم خير قتلى تحت أديم السماء»، فحث على قتال الخوارج وعظيم ثواب من يقتلهم، لكن في الفقه الإسلامي كمصطلح فقهي لا يسمى جهادًا، بل يسمى قتالًا؛ كقتال البغاة وقتال الخوارج. لا تجد في الأبواب الفقهية باب جهاد الخوارج، لأن الأحكام التي تنبني على كلمة جهاد غير الأحكام التي تنبني على كلمة قتال؛ فمن حيث قتال البغاة لا تغنم أموالهم ولا يجوز على جريحهم، أما في جهاد الكفار فالأحكام تختلف.

فلذلك الفقيه يحاول أن يحافظ على المصطلح الفقهي، لكن هذا لا يعني ألا تنتبه للفرق بين الدلالة الفقهية والدلالة اللغوية للمفهوم. فالغصب أي استيلاء ظلمًا يسمى غصبًا، لكن من حيث التبعات الفقهية، عرفه الفقهاء أنه استيلاء غير الحربي، أما الحربي فهذه قضيتنا معه ثانية ويتفاهم معه بطريقة أخرى.

واستيلاء غير الحربي على حق غيره؛ أما إذا أخذتُ حقي غصبًا عنك، فلا أسمى غاصبًا، لأن الغصب هو أن أستولي على حق غيري. الاستيلاء على حق الغير قهرا؛ فإذا استوليت على حق غيري من حرز أصبح سرقة ولها أحكام مختلفة، فالغاصب لا تُقطع يده حتى لو أخذ منك سيارة قيمتها مئة ألف، الغصب غير السرقة؛ لأن المصطلحات الفقهية كل مصطلح له دلالة وله أحكامه. فلذلك قال قهرا، يعني أخذته غصبًا عنك وجريته وأنت تحاول الممانعة، أما السرقة فلا تدخل على حرز بخفية، بل تأخذ وتخرج.

الاستيلاء غير الحربي على حق غيره قهرا بغير حق؛ قد يكون استيلاءً على حق غيري قهرا بحق، كيف؟ القاضي يأخذ مثلاً حق الآخر قهراً ولكن بحق، كأن يكون القاضي يملك صلاحية الاستيلاء على مالك لأنك مضيع لأموال الآخرين ونريد ردها لهم. فالقاضي قد يؤول له صلاحية الاستيلاء على حق غيره قهرا ولكن على وجه الأحقية. وهنا أصلاً يمكن أن يُناقش أنه لم يعد حقًا للغير، لأن الأموال التي في يد المحجور عليه أصلاً لم تعد أمواله لأن لها تعلقات بالآخرين. لكن عمومًا، أراد أن يخرج الاستيلاء القهري الذي يكون على وجه الحق، كأن يضع الحاكم أو الهيئة القضائية يدها على أموالك بسبب إشكاليات أو أشياء يجب أن تدفعها للآخرين، فهذا الاستيلاء الذي على وجه الحق لا يسمى غصبًا، لأن الغصب هو استيلاء على غير وجه أحقية شرعية.

هنا قال الشيخ منصور البوتي في الكشاف فائدة: «ويدخل في هذا التعريف ما يؤخذ من الأموال بغير حق كالمكوس»، والمكوس هي الضرائب، فهي من الغصب المحرم، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والمكوس هي الأموال التي تؤخذ من المسلم مقابل تجارته أو في بيعه وشرائه في بلاد المسلمين فتحرم، لأن المسلم إنما يؤخذ منه مال الزكاة فقط».

وطبعًا الجويني رحمه الله تكلم في «غياث الأمم» أنه إذا نفدت خزينة الحاكم المسلم واحتاج إلى أن يقيم سوق الجهاد والمدافعة، فيمكنه أن يفرض على الأغنياء دون الفقراء ما يأخذه مقابل أن يسد ثغر المسلمين، لكن هذا وضع له شروط؛ تخيل أنه مجرد أن يأتي الإمام ليفرض ضريبة على الأغنياء فقط، هذا له شروطه، لأنه بمجرد أن تلمس أموال الناس الشخصية التي لم يكونوا يتعاملون معها، فإن الأمر يختلف عما نتعامل معه اليوم الذي يكون فيه الدفع سهلاً في كل شيء.

الحمد لله، الحمد لله. فقال رحمه الله تعالى: «والغصب كبيرة».

بعد أن أخذنا تعريف الغصب، ما حكمه في الإسلام؟ الغصب كبيرة من الكبائر. يقول النبي ﷺ: «من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه الله يوم القيامة من سبع أراضين». من ظلم قيد شبر، تأخذ شبرًا ظلمًا من الناس، يوم القيامة يلفك الله سبحانه وتعالى طوقًا من سبع أراضين. يدل هذا الوعيد على أن الكبيرة هي ما كان عليها وعيد أو عقوبة في الدنيا ووعيد في الآخرة؛ أي ذنب عليه عقوبة في الدنيا -حدّية- أو وعيد في الآخرة تُصنف من العموم على أنها كبيرة.

فالغصب كبيرة، وفيه الأحاديث الكثيرة، ومن أعظمها هذا الحديث الذي فيه وعيد شديد لمن يغصبون ويأكلون أموال الناس بالباطل. اقرأ يا شيخ، بسم الله. قال رحمه الله تعالى: «والغصب كبيرة، فمن غصب كلبًا يقتنى، أو خمر ذمي محترمة، ردهما».

سيعطيك أمورًا هي في وجهة نظر الناس ليست محلاً للغصب، فيقول لك لا، حتى هذه لا يجوز أن تغصبها. الأصل أن الغصب في الأموال الشرعية، أي في كل ما يسمى مالاً شرعًا وله قيمة معه. الآن يناقش الحنابلة بعض الصور ابتداءً: هل هي أصلاً تعتبر من صور الغصب أم لا؟

قال: «فمن غصب كلبًا يقتنى»، أنا أخذت منك كلبًا يصلح أن يكون كلب صيد أو كلب زرع، أنت عندك هذا الكلب أخذته منك جبرًا عنك. نحن نعرف أن الكلب لا يسمى مالًا شرعًا، بالتالي لا يجوز بيعه ولا شراؤه، لا يسمى مالًا. لكن هل لكونه لا يسمى مالًا يعني أنه يجوز لك أن تأخذه من الآخرين قهراً عنهم؟

شوف، ما دام «كلبًا يقتنى»، وهذا قيد، يعني يصلح لهذه الأمور. أما كلب مسعور، كلب عقور، كلب مؤذي لا يصلح للخدمة ولا للصيد ولا للزرع، فهذا إذا أخذته لا يلزمك أن ترده؛ لأن هذا أصلاً لا احترام له، لأنه حتى في المنافع المسموح وجود الكلب فيها لا يصلح، مثل الكلب الأسود البهيم والكلب العقور وما شابه ذلك. فهذا لو شخص عنده كلب عقور مؤذٍ رحت أنت أخذته، هذا لا يلزمك أن ترده لأنه لا قيمة له ولا احترام شرعًا له بشكل من الأشكال.

بخلافه لو شخص عنده كلب ماشية، ماشي أموره، وكلب صيد، وكلب زرع، فأنت أخذته، نقول نعم أنت لم تأخذ مالًا بالمفهوم الشرعي، لكن هذا الكلب يصح اقتناؤه، فيجب أن ترده وجوبًا إلى صاحبه، وإلا فأنت آثم وغاصب.

«أو خمر ذمي محترمة»، وفي خمر محترمة يا شيخ؟ نعم، قال خمر ذمي محترمة. أي خمر محترمة؟ التي يسترها ولا يجاهر بها. وترى هذا مؤثر في الحكم، مش معلن لي فيها وعارض لي إياها وحاطها في الطريق العام وعام لها، هذه ليست محترمة.

خمر ذمي، أي خمر المسلم لا تكون محترمة؛ لأننا لا نقر المسلم على هذا المنكر، لكن في النظام الإسلامي أهل الذمة هم الذين يقرون، فكلمة «ذمي» هذا قيد. فإذا كانت الخمر لمسلم، هذه لا يمكن تكون محترمة، إما يسترها وإما يعلن بها. أما خمر الذمة فنعم، يمكن تكون محترمة بمعنى أننا نحترم خصوصياتك ما دمنا أقررناك في النظام الإسلامي تعيش معنا وتدفع الجزية وملتزم بالأدبيات والأخلاقيات أنك لا تجاهر، الخمر خلص خمرك شخصية أنا ما أقرب من موضوعك، بس لا تجاهر بها في أسواق المسلمين. فهذه هي خمر الذمة المحترمة؛ إذا جاء شخص دخل بيت ذمي فأخذها غصبًا عنه، الإسلام عدل، يقول لك: رجعها له، هو بيدفع لنا الجزية ونحن مطلوبون أن نحميه، والقاعدة أن الرجل ما جاهر بها فمن عادله الإسلام أن ترد.

قال: «فمن غصب كلبًا يقتنى أو خمر ذمي محترمة، ردهما وجوبًا». قال: «لا جلد ميتة». الآن جلد الميتة، هنا وقع نقاش حقيقة؛ لماذا لا يعامل معاملة الكلب الذي يقتنى؟ لو أنت غصبت جلد ميتة من شخص، المعتمد أنه لا يلزمك أن ترده، لماذا؟ قالوا لأنه لا يطهر بالدباغ.

لكن حقيقة هناك قول آخر في المذهب، وهذا القول يفتي به كثير من المشايخ وأهل العلم وهو أقرب للقاعدة، لأنه هو ماشي مع أن الجلد الميت لا يطهر بالدباغ، وهذا في باب الطهارة، لكن هل أنتم جوزتم الانتفاع به في بعض الصور؟ نعم، جوزتم الانتفاع به في اليابسات إذا كان من حيوان طاهر حال الحياة. إذا كان الجلد الميت مأخوذًا من حيوان طاهر حال الحياة وأريد أن أنتفع به في اليابسات، ليس في المائعات، يعني أخذت الجلد لأعمل به سلة بندورة أحط فيه برتقال أو أشياء يابسة، هذا سيأتي معنا في الزاد ربما.

فإذا قالوا: ما الفرق بين جلد الميتة وبين الكلب؟ الكلب يجوز في بعض الحالات ولا يجوز في بعض الحالات، فجلد الميتة يجوز الانتفاع به في بعض الحالات ولا يجوز في بعض الحالات. أحيانًا بدك تفهم طريقة الفقهاء؛ في الفقيه هنا يغلب زاوية على زاوية. فالمعتمد في المذهب غلبوا زاوية أنه لا يطهر بالدباغ فقالوا هذا ليس مثل الكلب، لكن الذي نظر لا، قال لك هذا مثله مثل الكلب الذي يقتنى؛ إذا كان يصلح الانتفاع به في اليابسات لأنه مأخوذ من جلد طاهر حال الحياة، فهذا إذا غصبته عليك أن ترده. ومن ناحية الفتوى، هذا القول الثاني وإن لم يكن المعتمد، فاعتقاده هو الأضبط.

طيب شيخنا، مش لازم ندخل في عامل أن هذا أصلاً قول الحنابلة؟ يعني عدم طهارة الدباغ، فلو كان الطرف الثاني الذي عنده إياه يرى أنه يطهر بالدباغ، فهذا أيضًا يجب أن ينظر فيه كملحوظ فقهي. الأصل أن تعامل بالطرف الآخر الذي يعتقد ديانة أنه يطهر بالدباغ، شافعي أو من هؤلاء الناس. فإذا كان هناك قاضٍ، فالقاضي يحسم الخلاف، القاضي سيفتي بما هو معتبر عنده، يقول لك أنت حنبلي مش حنبلي دبر حالك. القانون عندنا الشرعي أنك ترده، لكن أنت بالنسبة لك هل ستأثم ولا لا؟ هذه القضية. أنا بالنسبة لي، هل سأأثم إذا لم أردّه عند الشافعي أم لا؟ فأنا على معتمد المذهب.

أثر حتى قال له طالبني وأنا ما رجعت له إياه، مذهبياً أنا ما علي إثم لأنني أدين الله بأنه لا يطالب بالدماغ، هكذا تصبح الفكرة. لكن نحن نأتي على القول الآخر الذي هو حقيقة، أقعد في الفتوى وهو: الأصل أنك ترده؛ لأنه يجوز الانتفاع به في بعض الحالات، مثله مثل الكلب الذي يقتنى، والله أعلم.

ثم ماذا قال؟ قال: «وإتلاف الثلاثة هدر». كان الكلام عن موضوع الرد في المسألة السابقة، لكن لو أخذت الكلب الذي يقتنى وأتلفته، أو أخذت الخمر الذمية المحترمة وأتلفته، أو أخذت جلد الميتة وأتلفته؛ الآن جلد الميتة يعني إذا أنت أصلاً غير ملزم برده فمن باب أولى إذا أتلفته فهو هدر.

لكن الفكرة هي في الكلب الذي يقتنى، وجلد، والخمر الذمية المحترمة؛ يقولون إذا كان الشخص أخذها وأتلفها وانتهى، لا يطالبه القاضي بالضمان؛ لأنه هذا -كما قلنا- ليس مالاً شرعاً. لماذا لا يطالب بالضمان؟ لأنه أنت لم تتلف مالاً في المفهوم الشرعي، نحن سلوكياً نوجب عليك الرد إذا كان قائماً، لكن إذا لم يكن قائماً وأتلفته، خلص؛ أنت أخذت الكلب وأتلفته وطخيته، أو أخذت الخمر الذمية وكسرتها، لا أطالبك بماذا؟ بالتعويض.

لكنك آثم، تنتبه، يعني أنت لست مطالباً بالتعويض، بس أنت آثم؛ لأنك أخذت شيئاً من شخص لا يحق لك أن تأخذه، فلا تظن أن إعفاءك من التعويض يعني سقوط الإثم عنك، لا، أنت آثم وفعلت كبيرة من الكبائر، غصب، كبيرة واعتداء على حقوق الآخرين، بس لأن هذا المال لا قيمة له؛ لأن المال الذي عليك أن ترده هو المتقوم شرعاً، المثلي بمثله والمتقوم بقيمته، هذا لا مثلي ولا متقابض ليس مالاً أصلاً، فلذلك قالوا: هدر، يعني لا يطالب بالتعويض، ولكن لا يعفي هذا من الإثم.

أكمل، قال: «وإن استولى على حر مسلم لم يضمن، بل...» أكمل، قال: «بل ثياب صغير وحليه». إذا أنت الغصب كان لشخص، إذا أنت غصبت شخصاً، هل أضمنه ولا لا؟ قال: «وإن استولى»؛ الاستيلاء قاله أن يحبس شخصاً في غرفة، في سجن، في شيء، لكن دون أن يمنع عنه الطعام والشراب، ممتاز فمات؛ هل أنا أضمنه؟

غصبت شخصاً مثل جماعات الخطف هؤلاء الذين يأخذون شخصاً في وضح النهار من طريق كذا، ولا هو غاصبه ماخذه في السيارة وواضعه في سجن أو في غرفة أو في بيت، هو لم يمنع الطعام والشراب، أموره طبيعية مطعمية ومشربية، ناوي يأخذ فدية، ناوي يعمل كذا، تمام؛ هذا اسمه استيلاء وحبس لكن دون منع الطعام والشراب، فمات الشخص عندك، هل أعتبر ضامناً له؟ لا، لأنني لم أتسبب بالموت، هو الموت الطبيعي بسبب ماذا؟ حبس الطعام والشراب، أنا لم أحبس عنه الطعام والشراب، ماكل وشارب ونايم الرجل، لكن أنا آثم طبعاً، أنا آثم وفعلت كبيرة، ولكن هنا يقولون: «وإن استولى على حر مسلم».

طبعاً حقيقة هذه فائدة في الحاشية وهي صحيحة، أنه لم يقيد في الإقناع والمنتهى بكونه مسلماً، لم يقيد في الإقناع والمنتهى؛ «وإن استولى على حر» سواء مسلم أو ذمي، أنت ممكن تأخذ واحداً ذمياً وتسجنه، حتى هذا نفس الشيء، فالحكم ليس متعلقاً بالإسلام، فكلمة مسلم هنا يعني قيد لا قيمة له، بس للفائدة.

«فإن استولى على حر...» أنت اكتب، «فمات عنده» أو تلف، طبعاً تلف كلياً أو جزئياً، ممكن يكون تلفت يده وتلفت رجله، ما عليه ضمان شيء؛ ليه؟ لأن الاستيلاء ليس هو سبب الموت، هكذا الفرضية الآن. طبعاً هنا ممكن تأتي بعض النقاشات، طب إذا أنا استيلائي عمل له فزعة فمات من الفزعة والخوف؟

هذه أظن لها اعتباراتها التي يجب أن تؤخذ، ستأتي معك في باب الجنايات؛ يعني أن الحاكم إذا استدعى امرأة فمن الفزع أسقطت جنينها، فإن الحاكم يضمنه. فإذا كان الموضوع أن من مات ثبت من الفزع، فزع الاعتقال، فزع الاستيلاء، فهذا الأصل أن يضمن، نعم؛ لكن هنا هو ليس بصدد الطرح، بأنه واحد استولى عليه، قاعد شارب ونايم، فجأة صحينا الصبح لقينا هذا؛ ليس ثابتاً أنه في فزعة أو شيء، هل لأني مجرد استوليت عليه أعتبر ضامناً له؟ لا. أما إذا دخلنا في الأبحاث الطبية أنه هو مات من الفزع أو الجزع الذي أنت تسببت فيه، فهذا أظنه بعد آخر يتصور فيه الضمان طبعاً.

السؤال في هذه الحالة: هو خطأ قتل خطأ ولا قتل شبه عمد؟ لا هو ما قتل، لا، الآن هذا متسبب، لكن هو يعتبر ضماناً، يعني ينظر في هل سيعتبر ضمان الخطأ أو شبه العمد؟ لأن القتل العمد هو ما يكون بمثق، يعني في الآلة هي التي تدل على العمد والعدوان؛ القتل العمد والعدوان إشارته هي أن يستعمل آلات معينة تدل على العمدية العدوانية.

الآن مجرد أن تحبس شخصاً مع أنك تطعمه وتشربه، فاللي حصل نتيجة الفزع والهلع أنت لم تكن محدداً له وكنت تتصور أن رح تكون بهذه الطريقة، فأنت اعتديت أكيد لكنك لم تتقصد الوصول للقتل بهذه الطريقة، يعني أنا اعتديت عليه بس ما قصدت القتل، هو الفزع خاف فمات؛ مش ضروري كل الناس تفزع وتخاف تموت، الفكرة أن هذا يمكن أن ينظر في هل هو شبه عمد أو خطأ، لكن الأقرب أن يكون شبه عمد، الله أعلم.

ثم قال: «بل ثياب صغير وحليه». أي شيء؟ «بثياب صغير وحليه»؛ إذا أنا كنت أسره طفلاً وهذا الطفل كان لابس ثياب وعليه حلي، ومضبطينه أهله، حاطين عليه أشياء قد تكون أنثى محلاة وعليها أساور، صحيح؛ فإذا كان هذا الصغير الذي أنت حبسته ولم تمنع عنه الطعام والشراب عليه ثياب وحلي وتلفتت الثياب والحلي، أنت ضامن لها، أنت تعتبر ضامناً لها.

فإذا كان كإنسان لو تلف لست ضامناً له، بس هذا إذا كان -شوف ظاهر الكلام أنه علل بكونه صغيراً- هنا قال إذا كان صغيراً وعليه ثياب وحلي وتلفت فإنت هنا... لا تضمن؛ هذه عبارة المنتهى، أنه قيده بالصغر، لكن عبارة الإقناع جاءت مطلقة، سواء كان صغيراً ولا كبيراً، وكان عليه ثياب وحلي وتلفت أنت ضامن لها، ولذلك قال في الإقناع: «وإن استولى على حر لم يضمن»، أي بمجرد الاستيلاء لا يعتبر هذا ضماناً ولو صغيراً، ثم قال: «ويضمن ثيابه وحليه». في عبارة الإقناع «ويضمن ثيابه وحليه» تعود على من؟ في الظاهر أنها تعود على الحر كله، مش على الصغير بالتحديد، بس عبارة المنتهى.

وبناء عليها مشى في الأقصر، أنه ماذا؟ المسألة متعلقة فقط بالصغير باعتبار إيش؟ طبعاً إذا أردنا أن نفرق، نقول إنه الصغير لا عبرة لاختياراته وإراداته، فأنت بدك تكون بالتالي مسؤولاً عنه وعن الثياب والحلية التي عليه. فإذا تلفت، أنت أصلاً يدك يد غصب، والغاصب يده مش يد أمان، يعني عفواً لا يضمن إلا بتعدٍ أو تفريط. كل شيء تلف عندك بدك تضمنه بتعدٍ وتفريط أو بدون تعدٍ وتفريط.

فالصغير يقولون إن قراره ليس بيده. فإذا أنت غصبته مع ثيابه وحليه، وهو ليس صاحب اختيار، فأنت مسؤول عنه وعن توابعه التي أخذت معه، بخلاف الكبير؛ فالكبير له قرار في البيع والشراء ويصح منه هذه الأعمال لأنه صاحب قرار. فأنا لما حبستك، أنا ما بدأت في ثيابك، وعليك أنا كان قصدي أنت، فهنا لا تعتبر ثيابك تبعاً لعملية الغصب، فإذا أنا ما عملت فيها شيء وما لمستها وتلفت، أنا لا أتحمل مسؤوليتها، كما أنني لا أتحمل مسؤوليتك أصلاً.

لكن الصغير كأنه همّ، كأنك الصغير لما أخذته أخذته "باكج" كامل، أخذته هو وثيابه وحليه مع بعضه، لأنه ليس صاحب قرار وليس صاحب ولاية، فبالتالي كأنك أخذت ثياباً وحلية والطفل. فكل واحد له حكمه؛ فالصغير نفسه إذا مات على القاعدة العامة أنت لست مسؤولاً عن موته ما دام ما منعت عنه الطعام والشراب، بس ثيابه وحليه إذا تلفت أنت مسؤول عنها، كأن يدك عليها يد منفصلة عن الصغير. هذا إذا أخذنا بظاهر عبارة المنتهى، وهو أن هذه المسألة متعلقة فقط بالصغير، بل ثياب الصغير وحليه.

الشيخ أحمد أخذ بإيش؟ ما رجح شيء في هذه المسألة، ما ذكر. قال: «وإن استعمله كرهاً أو حبسه فعليه أجرته كقن». الآن، وإن استعمله؟ طيب، الآن حبستك ولم أمنع عنك الطعام والشراب خلال مدة الحبس، واستعملتك أعمالاً شاقة، يطلع يجيب لي كأساً من الماء، نزل كأساً من الماء، روح تعال، وإن استعملته كرهاً؛ لأنه ممكن يستعملك وأنت محبوس عنه برضاك، يعني ممكن يقول لك أنت أحبسك، أقول لك: شو رأيك تروح تجيب لك كأساً من الماء؟ تقول لي: بدي، أنت كيف تحبسني؟ أقول لك: خلص على راحتك، هسة أنت رحت جبت كأساً من الماء برضاك، ها أنا مش أكرهتك، فهذه عليها أجرة.

أما إذا استعملتك إكراهاً جبراً عنك، وهذا المتصور عادةً، فكل شغل ستستعملني فيه خلال مدة الحبس بدك تدفع الأجرة، بعد ما يخرجني يرفع قضية عليك للمحكمة، يقول له: حبسني مدة أسبوع واستعملني في زراعة أرض وحراثتها، فيجي القاضي يفرض عليه أن يدفع له أجرة هذا العمل الذي عمله له.

قال: «أو حبسه»، إيش حبسه؟ حبسه عن العمل، يعني واحد موظف حكومي، صح ولا لا؟ موظف حكومي رحت أنت حبسته وسكرت عليه الباب، طيب، وهذا الأسبوع سيخسر منه. هسة أنت ما استعملته لكن أنت منعته من العمل، هو موظف في مدرسة، موظف في مستشفى، فأنت فعلياً هو الرجل عنده منافع ومسؤول وأموره ماشية في الحياة، وأنت حبسته عن عمله. ليس لازم يكون موظفاً حكومياً، الشيخ يقول لك: أنت حبستني وأنا إنسان خلال هذه المدة بدي أشتغل وأنت منعتني، مش أنا لي حقي أن أتنفع بعملي؟ إذا حبسه عن العمل بغض النظر شو كانت وظيفته، فعليه أيضاً أجرته. نأتي بقدر أجرة أسبوع كامل عمل لمثل هذا الشخص، كم تطلع؟ فبالتالي عليك أن تدفع أجرة هنا، فالأجرة هنا على ماذا؟ أجرة ضياع المنافع، أنت غصبت منافعه. أنت لما تحبس شخصاً، أنت لم تحبس الشخص فقط، أنت حبست الشخص مع منافعه التي يقدمها للناس، فأنت هنا بدك تضمن ضياع المنافع أو الغصب على تقديم منافع.

المسألة الأولى: أن استعمله كرهاً، أنت ستدفع لأنك غصبته على تقديم منافع وهو لا يريد تقديمها. في الصورة الثانية: هو ما قدم منافع، بس هو حُبس عن تقديم منافعه الطوعية التي كان يقدمها في الوضع الطبيعي، أو هو حابٍ يقدمها خلال هذا الأسبوع، ففي كلا الحالتين أنت ضامن للمنافع، بدك تدفع أجرتها وفق التقييم، وهو أكيد حسب ما هو متعارف عليه، أجرة المثل.

لما قال هنا: «وإن حبسه»، والاستيلاء هو نفسه في الحبس، من يشعر مرض يستولي عليها، إيش هو؟ أشعر كأنه مرته بعد الاستيلاء عليه، قد يحبسه وقد لا يحبسه. لا، ليس هكذا التقسيم، هو هنا المقصود بالتقسيم أنه قد يستعمل وقد لا يستعمل، بس مجرد حبسه؛ يعني في الحبس أنا ممكن أستعملك وممكن فقط أحبسك بدون ما أستعملك، وفي كلا الحالتين أنت ضامن.

لما قال: «وإن حبسه»، هذا تقسيم. قال: «وإن استعمله كرهاً أو حبسه»، هو أن استعمله كرهاً أو حبسه بدون أن يستعمله، كأن أقول لك: إن حبستك فاستعملتك كرهاً، أو طبعاً قد يكون في النهاية مش ضروري الاستعمال، يكون بالحبس ضرورة، يعني ممكن أنا ما أحطك حبساً داخل غرفة، يعني آتي آخذك غصباً عنك، لكن حتى في مفهوم الحبسية، يعني في النهاية أنت مش قادر تطلع مني. فإذا أنت بدك تأخذ الحبس بالمفهوم العام، هو يريد أن يعمل تقسيماً بين الحبس مع الاستعمال، أو الحبس بدون أن أستعملك، وفي كلا الحالتين أنت ضامن. يعني أنا حبستك واستعملتك كرهاً سأضمن ما اشتغلت فيه لأن هذا يختلف ثمنه، يعني أنت ممكن شغلتك 24 ساعة عندي، بدك تضمن لي كل الـ 24 ساعة التي اشتغلتها، ففي حبس مع شغل عليك، وفي حبس لم أخلك تشتغل لي بس حبستك، لكن أنت ضيعت المنافع التي كنت سأقدمها، فنأتي ونقول كم منافعه، ونقيمها ونعطيه أجرة المثل عليها، فالمبلغ سيختلف. فهو كأنه يعمل تشجيراً بين مجرد الحبس دون الاستعمال، أو الحبس بالإضافة إلى الاستعمال كرهاً، وفي كلا الحالتين سيتم تقييم الإشكال وكم أجرة المثل عليه وتضمنه.

قال: «كقن»، إيش يعني كقن؟ قال: كما أنني لو غصبت قناً من سيده، عبداً من سيده لمدة أسبوع، السيد يستطيع أن يرفع عليه قضية للمحكمة ويطالبني بخدمة، أي أجرة هذه المنافع التي ضيعتها عليه خلال الأسبوع. فإذا كان كقن، يعني كما يلزم الغاصب أن يدفع أجرة منافع القن التي ضيعها على سيده؛ أنا سيد وعندي عبد، هذا العبد طول الأسبوع يشتغل لي، أنت حبسته، فأنت ضيعت منافعه.

«علي أنت غصبت منافعه مني، فكذلك عليك أن تدفع للسيد هنا قيمة وأجرة المنافع التي غصبتها من قن خلال مدة حبس القن».

فهمتم الآن المسألة؟ فيقول: كما أنك إذا استعملت حراً على وجه الإكراه خلال مدة الحبس، أو حبست هذا الحر ومنعته من العمل خلال مدة الحبس، فهذا يجب عليك أجرته، كما تجب عليك أجرة قن أنت أصبتَه ومنعت سيده من منافعه؛ فكأنه قاس مسألة على مسألة، قاس مسألة الحر على مسألة العبد. كما أنك لو غصبت عبداً ستضمن منافعه لسيده، كذلك لو غصبت حراً ستضمن منافعه لنفسه، هو ليس له سيد، هذا حر.

أكمل: قال: «ويلزمه رد مغصوب بزيادته، وإن نقص لغير تغير سعر فعليه الأرش».

الآن مسائل الضمان المتعلقة بالغصب، يقول: إذا زاد المغصوب عندك، الزيادة دائماً قد تكون إما متصلة وإما أن تكون منفصلة. الزيادة المتصلة مثل السمن في الدابة، والزيادة المنفصلة مثل ولد الدابة.

فإذا غصبت مني شاة أو جمل أو شيئاً فزاد زيادة متصلة عندك، كنت تطعمه خلال مدة غصبك للفرس حتى الفرس صار سميناً، أو الشاة صارت سمينة أو ولدت عندك؛ هل أنت كغاصب تقدر تقول للمغصوب: بدك تعوضني والله السمنة التي فعلتها عندي أو الولادة التي حدثت وحصلت؟ نقول له: لا طبعاً، لأنه أنت لا ملك لك معتبر، أنت أصلاً لماذا أخذتها؟ ماذا تفعل عندك الشاة؟ فهنا في الغصب أي زيادة متصلة أو منفصلة ترد، وليس للغاصب حق فيها ولا أن يطالب بتعويض ولا شيء.

هذا في الزيادة، طب النقصان؟ إذا الآن أنت رديت العين التي غصبتها فوجدها صاحبها ناقصة، فنقول: إن نقصت لغير تغير سعر؛ أي إن نقصت في قيمتها، أو نقصت في شكلها، لأن النقصان قد يكون نقصان شكل ولو لم تنقص القيمة، وقد يكون نقصان قيمة دون تغير شكل. أي نقصان، يضمن الغاصب الفرق بين قيمتها سليمة وقيمتها معيبة، كما أخذنا في باب البيوع، فالأرش صورة واحدة من النقصان.

الغاصب ما لا يضمنه؟ إذا كان نقصان القيمة لتغير السعر في السوق. يعني أنا غصبت منك سيارة، لما رجعتها ما فيها أي مشكلة في الشكل، ونقصان قيمتها أنا ما لي علاقة فيه، وإنما السوق العالمي صارت هي السيارة غير مرغوبة فيه، أصبحت هذه السيارة غير مرغوبة؛ فالغاصب فعلياً ليس له أي علاقة، هو العرض والطلب في السوق هو الذي تغير. فإذا نقصت لغير تغير السعر فعلي الأرش، أرش نقصان العيب، لكن مفهوم المخالفة أننا إذا نقصت لتغير السعر السوقي وليس لشيء فعله الغاصب، فمفهوم المخالفة أنه لا يتحمل الغاصب نتيجة هذا النقصان.

لكن يوجد إشكال، هذا سأستدركه، هناك إشكال ما هو على هذه الفتوى؛ أنني قد أكون متنبئاً أن السوق سينزل بعد شهر، وأنت فعلياً منعتني أن أبيعها قبل أن ينزل السوق. في عالم الاقتصاد الآن توجد نظرات سوقية، يأتي لي شخص يقول: بيع السيارة هذه، لأنهم يتحدثون عن بداية شهر ١٢ الحكومة سترفع سعر سيارات الكهرباء أو تمنع من كذا، فتبدأ أنت تستبق الأحداث وتبيع وتشتري قبل أن أخسر فيها.

إذا كنت خلال مدة غصبك -وأنت لست تعمل في السوق- ولكن كان بإمكاني أن أبيعها قبل أن ينزل السعر السوقي، فأنت منعتني، لذلك حقيقة يجب أن يؤخذ هذا بعين الاعتبار وإن لم ينص عليه هنا. لكن أعتقد أن الحنابلة في فقههم ينظرون لهذا الملحظ، لأن فكرة المسألة هي أن تغير السعر الغاصب ليس له علاقة فيه، لكن إذا كان بإمكاني أن أتصرف فيها وأحل مشاكلها قبل تغير السعر، وكان معروفاً أن السعر سيرتفع أو ينخفض خلال مدة وكان بإمكاني أن أبيعها وأتصرف فيها، ففي هذه الحالة بالتحديد يجب أن ينظر فيها ويعطى حق التعويض.

أما إذا كان تغير السعر مفاجئاً تماماً، لم يكن أحد من الاقتصاديين أو الخبراء يتوقعه، فهنا نعم، ممكن نرجع ونبقى على الفتوى الأصلية أن الغاصب ليس له علاقة، لأنه لا أحد كان يعرف، كأننا استيقظنا في الصباح ووجدنا العملة قد وقعت، أو استيقظنا ووجدنا هذه السيارة صدر فيها قرار معين مفاجئ.

ولكن قد يكون هناك إشكال، لماذا؟ لأنه قد يكون تاجراً أصلاً، شخصاً يتاجر، وطوال السنة كان مكانه أن يبيعها، ولم يكن أحد يتوقع أن ينزل السعر، ثم نزل السعر بعد سنة وضيع عليه.

والله شوف يا أخي، أنا صعب أقول لك نظرتك خاطئة، فأنت مجرد أنك مانعني من التصرف فيها والبيع والشراء، أظن لها حظاً؛ فكفتوى عامة أنت صحيح لست أنت من يلعب في السوق كغاصب، لكن كان عندي خيارات كثيرة أن أتصرف في السيارة خاصة إذا كان تاجراً. أنا افترضت فرضية أنه كما قلت إذا كانت هناك تنبؤات واضحة بأن سعرها سينزل، فأنت منعتني من بيعها، ولكن يمكن أيضاً إدخال اعتبارات أخرى، أن يكون هو أصلاً تاجراً وهو يقلب في بضاعته وأنت ضررت بتجارته، فحدث له ضرر بشكل من الأشكال بسببك أنت كغاصب. فالأصل أن أي ضرر يلحقه الغاصب مالياً الأصل أنه يضمنه حقيقة، وإن كانت مسألة تحتاج بحثاً أكثر من ذلك.

يا شيخ المذهب لم يضطرد في هذا، لأنه اعتبر أن النقصان ليس من فعل الغاصب. أحسنت، نعم، لكن الأصل في العلة عندنا هنا في الغاصب هي أن الغاصب ليس قصده إيذاءك. أنت تتكلم الآن عن مسألة الضمان: متى يضمن الغاصب؟ إذا رد إليك السلعة ونقصت قيمتها بفعل ما، فوجهة نظر المذهب أن الغاصب إنما يضمن شيئاً صدر منه، فهنا نقصان القيمة: هل هو فعل صدر منه أم من السوق؟ هو ليس له علاقة، لا متسبب ولا مباشر؛ فليس الغصب هو الذي نزل قيمتها، فنقصان قيمتها ليس بسبب فعل صدر من الغاصب، فلذلك قاعدة المذهب أنه لا يضمن، إلا إذا كان الشيء إما مباشراً له أو متسبباً فيه، هذه هي قاعدة الضمان، فهو هنا لا متسبب ولا مباشر.

مباشر، بس سيبقى اعتبار ماذا؟ الضرر الذي أنت ألحقته، أنت تظن نفسك أنك لست متسبباً ولا مباشراً، بس فعلياً أنت لك علاقة في وجهة نظري، طبعاً الفقهية؛ وجهة نظر بعض الفقهاء أنه لك علاقة من جهة أنك حجرت عليه أن يتصرف فيها ويدبر نفسه إذا كان تاجراً إذا كان كذا، فأنت أوصلت لهذا المربع الذي هو قد كان لا يصل إليه لولا غصبك ومنعك واستيلائك الذي أنت عامل به، فهذه خلوها مجالاً للنظر الفقهي.

ثم قال: «وإن بنى أو غرس لزمه قلع وأرش نقص وتسوية أرض وأجرة».

الآن سينتقل لصورة أخرى من الغصب، طبعاً هم تكلموا عن صور الغصب الموجودة في أزمنتهم، سأعطيك أنت لتستطيع أن تقيس وتفكر فيها على واقعك. إذا كان الغصب أن شخصاً بنى على أرض مغصوبة أو غرس في أرض مغصوبة؛ الآن نريد أن نفرض الفرضية التي هو ماشي عليها، أنه الباني هو الغاصب نفسه، وهناك احتمال أنه أنا أبني على أرض وبعدين أكتشف أنها مغصوبة، هي مسألة ثانية، لكن خلينا الآن في المسألة الأولى التي يطرح فيها أنه أنت غصبت أرضاً وبنيت عليها بنياناً أو غرست فيها شجراً، ماذا يلزمك كغاصب؟

فهمنا صورة المسألة، فقالوا يلزمه: واحد: أن تقلع؛ بدك تقلع البنيان أو الغرس. اثنين: أرش النقص؛ إذا كانت هي الأرض بطبيعتها تنقص قيمتها السوقية إذا بُني عليها أو غُرِس فيها، فليست في أرض بور، وهذه الأرض التي نسميها أرضاً بور، بل في أرض مزروعة، فالأرض التي غرس فيها أو بني عليها ليست كالأرض التي صفحتها بيضاء لم يُعلَ عليها ولا نقطة، فإذا نقصت قيمة الأرض بسبب الشجر المقلوع أو البناء المقلوع، أنت بدك تدفع أرش نقصان قيمة الأرض؛ كانت تساوي فرضاً 100,000، بعد ما قلعنا البناء والشجر الذي أنت عملته نزلت قيمة الأرض صارت 80,000، أنت تريد أن تضمن الفرق، هذا يسمونه أرش نقص قيمة الأرض. ثالثاً: تلزم كغاصب بتسوية الأرض، لأنه أكيد بعدما شلت الشجر صارت الأرض كلها حفراً، بدك ترجع تسويها، وأكيد بعدما هدمت البيت وشلت الأساسات من الأرض صار في حفرة عميقة، بدك ترجع الأرض كما كانت. رابعاً: الأجرة؛ أجرة استغلال الأرض وحبسها خلال هذه المدة، أنت غصبتها وبنيت عليها أو أدارعت فيها، بدك تدفع لي أجرة الأرض خلال مدة حبسك الأرض، أنا في النهاية أقدر أن أنتفع بها، وأنت حضرتك مانعها مني وبنيت أو غرست، فلها أجرة.

هذه كما أنه لما أنت أخذت شخصاً وغصبت منافعه في المسألة السابقة، فليست هناك أجرة على غصب المنافع، هي أجرة غصب منافع أرض، وتلك أجرة غصب منافع إنسان، ففيك اضطراد في الفكرة. إذاً عليه أربعة أشياء: قلع، أرش نقص، تسوية أرض، وأجرة؛ هكذا تريد أن تحفظها كقاعدة عامة.

ثم قال: «ولو غصب مالاً فاتجر به، فمهما حصل بذلك فمالكه، وما حصد به فعليه أجرته».

في نسخة عنده "وما حصد به"، وفي نص آخر "وما حصد به فله"، يعني أو بشفاء له في بعض النسخ، و"مهما وما حصد به أو صاد فلمالكه كذلك وما حصل به فلمالكه". في هذه الجملة الأخيرة هي: "وما حصد به فعليه أجرته"، في اختلاف بين النسخ؛ في بعض النسخ "وما حصد به فلمالكه" أيضاً، أو عبارة قريبة من ذلك، "فلمالك عندك هيك"، "وما حصد به فلمالكه"، أو "حصد به فمهما حصل بذلك فلمالكه"، أو "حصد به فمهما حصد بذلك فلمالكه". في نسخ من المختصر مثل ما قرأ عمر "وما حصد به فعليه أجرته"، هذه النسخة هي الصحيحة التي تمثل المذهب، والنسخ الأخرى من المختصرات لا تمثل المذهب في هذه المسألة، فلذلك أشار إليها، وأظن الشيخ أحمد أشار إليها، أن النسخة والرواية المعتمدة في المذهب هي على النسخ الأخرى من المختصرات: «وما حصد به فعليه أجرته».

الآن ما المسألة؟ إذا أنا غصبت منك مالاً فاتجرت به، الربح الذي سيأتي من المال لمن سيكون؟ هو أصل المال أكيد للمالك، بس الربح الآن كون الغاصب تعب واشتغل وربح، هل نعتبر تعب الغاصب؟ فنقول له خلص، رجع رأس المال للمالك وأنت الأرباح لا؛ لأنك أصلاً كل شغلك من أوله غلط، فمن غصب مالاً أو متاعاً أو أي شيء فاتجر به، فالربح الذي سينتج من هذا المال أو المتاع هو ورأس المال للمالك، والغاصب ليس له أي شيء.

كذلك قالوا: «لو غصبت منك كلباً أو آلة فصِدْتَ بها»، كالمُعلم؛ أنا غصبت كلب معلم، كلب صيد، فصدت به الصيد، الناتج صرت فيه غزلان وخيل، والصيد الناتج هذا لمن؟ أيضاً لمالك الكلب وليس للغاصب.

أما إذا غصبت منك منجلاً، تعرفوا قديماً كيف كانوا يعملون، منجلاً، إذا غصبت منك آلة الحصاد ورحت حصدت بها، حصدت بها شيئاً يحق لي أن أحصده، فهنا المحصود برضه لمالك المنجل ولا لا؟ مالك المنجل فقط له أجرة استعمال المنجل، والمحصول لي أنا.

يعني سيصير عندك الآن، إذا حاولت من باب الفروق الفقهية، هذا اسمه علم الفروق الفقهية: ما الفرق بين من غصب منك كلباً فصاد به، قلنا الصيد لمالك الكلب مش لك، وبين مسألة من أخذ منك منجلاً فحصد به، لا، المحصول الذي انحصد للغاصب، بس بدك تدفع أجرة المنجل لمن غصبت منه وليس لمالك المنجل، يقول لا يا عمي أنا أريد المحصول لأنه حصد به.

لماذا في مسألة الصيد يحق للمالك أن يطالب بالصيد، بينما في مسألة المنجل لا يحق لمالك المنجل أن يطالب بالمحصود؟ السؤال تفضل شيخ. مع أن في حالة المنجل هو الذي قام بالفعل فقط، استعمل، الآن الاستعمال في حالة الكلب؛ الكلب هو من اصطاد، أحسنت، هو من اصطاد في حالة الصيد، الذي مارس الصيد هو الكلب، مش أنت، يعني أنت واقف تنتظر الكلب يروح ويجي. لكن بالنسبة لي في حالة المنجل، المنجل يشتغل لحاله، أنت الذي تعبت وحرثت، فالفعل صدر منك وهذا فقط كان مجرد آلة وعينه، فلذلك اعتبروا أنه في حالة المنجل الفعل والتعب والجهد كان من الغاصب، فأعطيناك المحصول وقلنا لك بس تدفع أجرة المنجل خلال مدة استعمالك له، لكن في مسألة الصيد قالوا من أرسل كلباً معلماً فصاد، الذي مارس الصيد وتعب فيه هو الكلب، وأما أنت فكنت مجرد ناظر. هنا لو كانت آلة الصيد مش الكلب، يعني أنا غصبت سنارة صيد منك رحت صدت سمك وأنا طول النهار شغال، أحط في البحر وأطلع، عرفت؟

فهل سيكون الفرق واضحاً بالنسبة لك؟ كانت آلة صيد مش كلب، يعني ما قالوا «أوصاد به»، إلا أن يكون قصده بصاده به الكل، قد يكون الكلام عاماً يراد به الخصوص، مراد به هنا الكلب بالتحديد، الكلاب المعلمة مش مجرد آلة. أنت استعملت استعمال المنجل؛ لأن المقصود صورة الكلب المعلم بالتحديد، هنا يكون نعم في فرق شيخ، في فرق.

نعم، ليه؟ لأنه أيضاً يدخل عليك هنا يرد عليك التجار، أيضاً التجار المال نفسه لا يدخل، ليه؟ لأنه هنا المال هو الذي ولد؛ يعني أنت صح تعبت وتجرت، بس هنا المال هو الذي جاب بضاعة، المال هو الذي عمل ربح وأنت بس إدارة للمال، في المال إدارة، أما هو المال هو الذي جاب البضاعة هو الذي أنتج ربحاً.

أما في الحصاد، لا، فعلياً الحصاد لو أنا ممكن أحصده بيدي، يعني في النهاية لو ما في آلة بدبر حالي وإن كان شاقاً جداً بس ممكن يحصل الفعل، فهنا بتصير النظرة: أيهما أغلب؟ هل هو دور الغاصب ولا دور الآلة؟ هي النظرة الفقهية؛ ففي المال الأغلب هو دور المال، وأنت دورك هو إدارة للمال وحسن توجيهه في الشراء.

في كلب الصيد أنا برضه اخترت له المكان واخترت له الفريسة وأشرت له، أنا أكيد في جهد، نحن ما نقول إنه جهد الغاصب صفر، بس بتصير القضية مين الذي جهده أكثر؟ ففي قضية كلب الصيد جهد الكلب أكثر، أنا اخترت المكان، اخترت الفريسة وجهته لها، وهذا جهد لا تستطيع تنكره، لكن هو العمل الأكبر والثقل الأكبر كان على الكلب، عشان هيك صاحب الكلب له أن يطالب بجهده.

لكن في قضية المنجل، لا، الجهد الأكبر فعلياً على العامل، هو الذي يريد أن يقعد يمسكه ويقعد يضبطه، يعني 70% أو 80% نحكي من الشغل عليك أنت، و30% على المنجل، فهنا هي أيهما يغلب؟ فإذا كان المغلب جهد الغاصب، بالتالي ما نتج يكون له، وإذا كان المغلب جهد الآلة، فهي فعلاً المؤثر الأكبر وأنت مجرد تبع لها، يعني هي فكرة أيهما تبع للآخر.

فإذا كانت الآلة هي مجرد وسيلة وأنت الجهد الأكبر عليك، فساعيتها لا يكون الحق لك وأنت تضمن الآلة خلال مدة الاستعمال. لذلك ما أعرف إذا هو أشار لموضوع الآلة، نعم، لأن ما تجر به الربح ليس ملكه أصلاً، وما صاد به الصيد ليس ملكه أصلاً، لكن ما حصد به الحصاد هذا الزرع أصلاً ملكه.

حصيلة الكلب مش ملكه، نتج عن التجارة، لا، بس هو مباح، هذا حق الجميع، نفس الشيء، الكلب والمال أصالة المشكلة. الكلب هو الذي حاز الذبيحة، أنت ما عملت شيء، أنت بس أرسلت الكلب وهو صادق، فأنت رجعت لتعليلي؛ الكلب الذي حازه والحائز هو أصلاً للمخصوب منه، فإذا الجهد الأكبر من شيء ليس لك، وهي رجعت لنفس الفكرة، يعني أنت بترجع أن الذي عمل الحيازة شيء ليس لك، هو الذي كان منه الجهد الأكبر.

أما قضية أنه عفواً لأن الصيد الذي أنت صدته أنت بتحكي إنه الصيد مش لك، هو مباح، بس في النهاية لي حق فيه ولا لا؟ لو أنت الذي صدته مش الكلب، يعني أنا أقصد إذا المؤثر مش أنه هذا يحق لي وهذا ما يحق لي، لأنه حتى الصيد هو يحق لي أن آخذه وأحوزه.

فأثرك مش في الصيد أو المحصول، ليس حقي يا شيخ؟ ملكي ملكي، لأنه ممكن يصيد بسنار، ممكن يصيد بقوس، ممكن يصيد بمسدس، وهو يشتغل شغلاً كاملاً، فما صاد به مثلاً صاد أرنب، الأرنب هذا ليس مثل... وبالتالي هو لما صاد لمالك، الآلة الصيد، التجارة الربح، التجارة أصلاً ما كانت ملكاً فبالتالي هي لمالك المال الأصلي، أما بالحصاد الزرع ملكه، أنت كيف تأخذ زرع؟ قد لا يكون ملكي، ممكن قد يكون لليتامى.

إذاً الفكرة ما عاد التعليل أنه هو ملكي ولا مش ملكي، الآن في الصيد تصرف مباح ولا لا؟ مباح، أروح أصيد حيوان بري وأحصد لوليتي، وكلني أن أحصد له قمح، برضه الفعل مباح. يعني أنت في الحالتين أنا أقول ما هو المؤثر؟ المؤثر مش كون الشيء ملكي أو مش ملكي، أنا في النهاية هذا مباح وهذا ملكي وهذا مسموح للكل، في النهاية ضمن دائرة الجواز.

الذي يثّر عندي من هو الذي فعل الفعل؟ في الصيد الكلب هو الذي فعل، وأنت دورك كان تبع توجيه، في التجارة المال هو الذي أنتج ربحاً وأنا دوري إداري، بس في الحصاد أنا الذي اشتغلت، فوجود الآلة هو تبع وليس أصلاً في هذه العملية بخلاف الصيد.

لذلك بيرجع يقول لك لو كان بسناره الصيد، هل سيختلف الحكم عنه عن كلب الصيد؟ هذه بدها أن ينظر أنه إذا كان بالسناره، لا، هو فعلياً هو الجهد الشخصي، والسمك مباح للجميع، يعني أنا نزلت على البحر بصنارة مغصوبة، السمك مباح للجميع وأستطيع أن أفعل، يحق لي هذا الفعل، والجهد الأكبر مني، والسناره فقط وسيلة زيها زي المنجل، فالأصل في اعتقادي أن يكون الذي ينتج من الصيد لي، كضراد.

حتى يكون الكلام مضطرداً، وحتى مع كلام الشيخ أحمد، أظن في الحاشية قال: «وذلك لحصول الفعل من الغاصب»، لما تكلم في المنجل قال: الفعل الحقيقي صادر من الغاصب، والآلة هنا تبع، بخلاف مسألة الصيد فإنك أرسلت الكلب المعلم، فمثل بقضية الكلب المعلم، فهذه قضية، شايف حتى هو مثل بقضية «لو غصب جارحاً فصاد به شيئاً فإن الصيد يكون لمالك الجارح»، حتى هو ممثل لما صاد به، مثل بالجارح، ما ذكر قضية سنارة الصيد أو ما شابه ذلك، فهذه يجب أن ينظر فيها على قواعد الميسور.

لو وصف جهاز لاب توب مثلاً، يكون المال يكون له، إما أجرة استعمال اللاب توب، أحسنت، هون الآن نصير نطور المسألة على واقعنا المعاصر، لو غصب جهاز لاب توب.

الآن جهاز اللاب توب هو ليس منتجًا، هو وسيلة وأنت المبرمج الذي يقوم بالتخطيط وعمل البرنامج، فالجهد الأكبر منك، فهنا أنا سأدفع أجرة حجز اللاب توب عندي، ولكن لو غصبت مالاً، فالمال هو المنتج وأنا مدير فقط. فهمتِ؟ هي الموازنات التي ستحصل، فالعبرة بالشيء الذي غصبتَه: هل هو مجرد تابع وناقل، أم هو المنتج الأكبر وأنا فقط محرك له من بعيد؟ هنا يجب أن يكون هناك نوع من أنواع تحقيق المناط في المسألة: أيهما صاحب الأثر الأكبر؟

اقرأ هنا، قال: «وإن خلطه بما لا يتميز أو صبغ الثوب فهما شريكان بقدر ملكية كل منهما، وإن نقصت القيمة ضُمِنت». قلل العبارة قليلاً من كلام الشيخ ابن بلبان رحمه الله عليه، واقرأ من شرح أو تعليق الشيخ القعيمي؛ فالمذهب في هذه المسألة فيه تفصيل.

قال: إن خلط الغاصب المغصوب بما لا يتميز، فلا يخلو الأمر؛ الآن أنا غصبت منك شيئًا وخلطته بشيء من عندي، غصبت منك رزًا وخلطته بشيء من عندي، فالشيء الذي أضفته قد يكون يقبل التمايز وقد يكون لا يقبل التمايز. يعني لو أخذت منك حمصًا وخلطت معه طرمسًا، فهذا يقبل التمايز، بصير نفصل، نضع حبات الحمص على جنب وحبات الطرمس مبينة.

المشكلة أحيانًا إذا غصبت منك شيئًا وخلطته بشيء من عندي ولا يتميز؛ كأن تجلب كيس رز من عندك وتخلطه مع كيس رز من عندي وكانت نفس الحبة، فربما لا يمكن التمييز، فإذا كان نفس نوع الرز، حتى لو حاولت إخراج حباتي من حباتك لن تستطيع. فإذا خلطت المغصوب بشيء لا تمايز فيه، ودخلت الأمور ببعضها ولا يمكن معرفة حقي من حقك، فما الإجراء الذي يُفعل في هذه الحالة؟

قال: فلا يخلو أن يكون المخلوط مثل المغصوب جودة، كزيت زيتون خلطه بزيت زيتون مثل المغصوب في الجودة، فيلزم الغاصب للمالك مثل ما غصبه من ذلك الخليط، إن كان المخلوط الذي أضفته مثل الكمية المغصوبة من حيث الجودة. كزيت زيتون خلطه بزيت زيتون مثل المغصوب في الجودة، يعني زيت السنة بزيت السنة، ليس زيتًا قديمًا بزيت جديد، أنا غصبت منك زيت سنة من منطقة معروفة ومميزة، وبما أن الجودة تعتمد على القديم والحديث وعلى طبيعة المنطقة، فمنطقة جرش ليست مثل الجنوب، هذه الأمور تختلف، المهم أن تكون نفس الجودة.

إذا خلطت الزيت الذي غصبتَه بزيت عندي لكنه بنفس الجودة، فهنا يلزم الغاصب للمالك المثل، أي أضمن لك مثل المغصوب. أنا كم غصبت منك؟ ثلاثة لترات زيت من منطقة كذا، أنا مطالب أن آتي بمثلها، فإذا خلطت الزيت بزيت آخر لا يمكن الفصل فيه، فيقول الغاصب: "أنا مطالب برد مثل الزيت الذي غصبه مني"، فيقول: «فيلزم الغاصب للمالك مثل الكمية التي غصبها».

ثم قال: «وإن خلطه بدونه أو خير منه أو خلطه بغير جنسه فهما شريكان بقدر ملكية كل منهما، فيباع ويدفع إلى كل واحد قدر حقه كاختلافهما من غير غصب». أما إذا كان الذي خلطته بزيتك مختلفًا في الجودة، إما أنه دونه أو أنه أعلى منه، أو خلطته بغير جنسه، كأن خلطت زيت زيتون بزيت دوار شمس، فهذه صورة ثالثة، فكل هذا في الشيء الذي لا يتميز ودخل بعضه في بعض ولا يمكن الفصل فيه.

في هذه الحالة، قال عند الحنابلة: أصبحا شريكين في قيمة هذا الزيت، شريكين بقدر ملكية كل منهما؛ أنت تملك ثلاثة لترات وأنا وضعت لترين، ومن خلال الخبراء نعرف كم يملك كل شخص من هذا الخليط. «فيباع» هذا الزيت الخليط في النهاية، «ويدفع إلى كل واحد قدر حقه كاختلافهما من غير غصب»، أي كما لو كنا شركاء في شيء لا يقبل التمايز ونريد إنهاء الشراكة، فالحل في باب القسمة أن نذهب للحاكم ونقول له: "بعنا هذا وأعطِ كل واحد قدر ملكه".

كما لو كنا شركاء في ثوب، وبالتأكيد لن نقصه نصفين لأن هذا يفسده، فنقول للقاضي: "أريد فك الشراكة"، فيقول: "بما أنكما شريكان في ثوب، فسيُباع الثوب"، فإذا كنت تملك الربع والآخر ثلاثة أرباع، يأخذ كل واحد قدر حقه من الثمن. هذا في حال كان المضاف أقل جودة أو أجود أو من غير جنسه، اعتبر الحنابلة أنهما أصبحا في شراكة جبرية، فيأتي الحاكم ويبيع، ولكن إذا حدث نقصان في القيمة بسبب الخلط، كأن خلط زيت الزيتون بزيت دوار الشمس، فإنه يضمن النقص حتى لا يُظلم المغصوب منه، فالحاكم سيبيع على أنه زيت زيتون.

في وضعه الطبيعي لو انباع 3 لتر منه قدش بيجيب 10 دنانير، فرضًا هسه مباع مع إنه مخلوط بزيت دوار شمس قاوي زيت الزيتون؟ الزيت المخلوط بزيت دوار الشمس، الثلاثة لتر زيت زيتون المخلوطة بلترين دوار شمس، نزلت قيمتها السوقية بسبب الخلط. فهون بيجي الحاكم بيحكي للغاصب: عوضوا نقصان القيمة؛ لأنه هو لو باع في الوضع الطبيعي بدون حضرتك ما تغصب وتخلط مش رح يخسر فيها، الآن هو خسر في قيمتها السوقية بسبب الخلط اللي حصل.

بالتالي إيش قال؟ وان نقصت القيمة؛ آخر جملة في الباب إيش هي؟ «وإن نقصت القيمة». قال إنه ممكن يسبب الخلط نقصان في القيمة، نقصان في قيمة الشيء المغصوب نفسه بسبب إنك خلطته بغيره، ففي هذه الحالة الغاصب بده يضمن النقص الذي دخل عليه. بس خلينا نكمل هذه الفكرة، سامحونا حتى ما نطول أكثر من كده.

قال: «وأما إن خلط الغاصب المغصوب بما يتميز عنه كحنطة بشعير». هذه سهلة، أما إذا كان زي ما حكيت حمص خلطته بترمس، شيء يقبل التمايز، فهذا ماذا نفعل فيه؟ قال: «فيلزم الغاصب تخليصه من ذلك المخلوط معه إن أمكنه، وإلا فعليه مثله». فيلزم الغاصب أن يفصل الترمس عن الحمص؛ زي ما حكينا نقول له: بتقعد في الليل أنت بالمراه، بتضل تحط حمص على جنب وترمس على جنب حتى تصفي لنا إياه. قال لك: والله يا شيخ هذه أنا والله صراحة ماخذ رطل طن حمص على طن ترمس، بدي أقعد خمس سنين وأنا أطلعهم أفصلهم عن بعض. بنقول له: إذاً عليك هنا أن تضمن المثل، تعال أنت شو غصبت؟ أي طن حمص، يلا بدك تضمن ماذا؟ المثل، بدك تجيب له المثل من السوق مثل الحمص الذي غصبته وطحنته واللي عملت فيه ما عملت.

إذن هي صورة المسألة باختصار صورتين، فيها ضمان مثل، وصورة فيها شراكة؛ هيك طلعت المسألة كلها. الصورة اللي فيها ضمان المثل ما هي؟ إذا خلط شيئين لا يتميزان، وإذا خلط شيء يتميز وما استطعت تفك وشق عليك، مش ما بده شق عليّ، أنا في النهاية بلزمه. بس إذا في الواقع بتزبط، يعني شيء يتمايز لكن قسمه خلص في مشقة كبيرة، في هذه الحالة بقول للقاضي: اضمن له المثل.

الصورة الثانية فيها ضمان المثل إذا كان شيء لا يتميز وذات جودة، هنا عليه ضمان المثل. الصورة التي يدخل فيها شراكة إذا كان لا يتميز، وكان أنقص جودة أو أعلى جودة أو كان من جنس آخر، ففي هذه الحالة يدخلا شريكين، ويقوم الحاكم ببيعه ويعطي لهذا حقه، وإذا صار نقصان في القيمة بسبب الخلط، بدك تضمن له إيش؟ النقص الذي حصل في قيمة ما عنده. لذلك هو ماذا قال في الاختصار؟ قال: «وإن خلطه بما لا يتميز».

وذكر طبعًا بعدين مسألة ماذا صبغ الثوب، ذكر مسألة قال: أي لو غصب ثوبًا وصبغه، «فهما شريكان بقدر ملكيهما». لأنه لما قديما كان واحد يأخذ ثوب ويصبغه بثوب، بصبغه صفراء الزعفران ولا الموف المزعفر؟ أكيد سمعت الثوب المزعفر والمعمر، ولا هي فعليًا صورة من صور الشيء الذي لا يتميز ومن غير جنسه؟ صح، لأنه أنا أخذت منك ثوب وأنا أضفت من عندي صبغة، إذاً اللي أضفته أنا ليس من جنسي ما أخذته منك، وليس من جنسي ما أخذته منك. فإذا ضمن المسألة التي أخذناها، وطبعًا لا يمكن التمايز، خلص الصبغة دخلت في الثوب وانتهت، يعني كيف بدك تسحب الصبغة؟ ففي هذه الحالة على القاعدة اللي أخذناها، أنهما شريكان بقدر ملكيهما.

طبعًا هذه المسألة يعني أنا لاحظت أنه فيها في الفهم المذهبي إشكال، يعني حتى بين إخواننا المعاصرين؛ الشيخ أحمد القعيمي هو هذا خلاصة ما فهمه في المسألة، ولكن هناك أفاهيم أخرى، حتى أنس اليتامى وأخوه الشيخ عم يدموا فهمًا أقل عبارة: «فهما شريكان بقدر ملكيهما». ففي نقاش بس بين المشايخ في محاورة فهم المذهب اللي نحن قدمناه وطريقة الشيخ أحمد في فهم المسألة، لكن أعتقد أنه برضه تحتاج إلى إعادة نظر أكثر وأكثر لمحاولة تقرير ما هو المذهب فعليًا في هذه المسألة.

ممكن البعض يقول لك: ليش إذا اختلفت الجودة دخلتم شريك، وإذا استوت الجودة هناك يلزمه مثله؟ ليش ما يكون شركين في الحالة؟ يعني ليش ما يكون حتى شريكين في الحالة الأولى؟ فيقول والذي يظهر أن المعنى واحد، إلا أن عبارة «يلزمه مثله منه» أدق في التعبير، لأن القول بأنهما شريكان بقدر ملكيهما تكون بإرجاع المغصوب لمالكه ببيع المختلط وإعطاء كل واحد منهما بقدر حصته. أما القول بأنه يلزم مثله منه، فالمراد إعطاؤه مثل المغصوب من المختلط اللي هو اللي أنتم بتحكوا عنه، وليس بيعه وإعطاءه حق قيمته.

يعني هو لما نقول «ويلزمه مثله»، الآن ركز في المسألة الأولى، فلما يقول: «فيلزم الغاصب للمالك مثل ما غصبه من ذلك الخليط»، يعني المثلية هنا مش أنت مطلوب منك ترجع له 3 لتر زيت. مش أنت الآن في المسألة الأولى إذا خلطته بما لا يتميز وكان نفسه في الجودة، هل هذا المثل لازم أجيبه من السوق ولا من نفس الخليط؟ بقدر أعطيه من نفس الخليط، أنت المهم تعطيني مثله ما أخذته، جبت لي إياه من نفس الخليط. رحت جبته من السوق أنا ما بيهمني، يعني هذا جيد أن ينبه عليه، أنا بيهمني أخذت مني 3 لتر زيت من منطقة عجلون كذا، بدك تجيب مثلها بالجودة، بدك ترجع لي إياه من ذلك الخليط، بدك تجيبه من أي مكان آخر، أنت حر، جيب دبر حالك روح اشتري من أي مكان، لكن إذا رجعت لي إياه من نفس الخليط، أستطيع أن آخذه ليه أو ملزم أن نأخذه؟ لماذا؟ لأنه نحن اتفقنا نفس الجودة، يعني أنت اللي خلطته نفس جودة اللي أخذته، بالتالي في فرق. فاللي هو بالعقلنة والمنطقية أن المثل الذي سترده سيكون من وين؟ من ذات الخليط؛ لذلك قال هنا الشيخ أحمد: «فيلزم الغاصب للمالك مثل ما غصبه من ذلك الخليط»، شو؟ من ذلك الخليط. يعني يعطيه المثل بس من ذلك الخليط، في داعي يشوف خليط آخر ويتعب حاله ويشتري من السوق نفس المثل؟ هو حابب يتعب حاله بيرجع له، بس أنا بيهمني أن...

يرجع للمثل والمنطق والحالة السوية أنه سيأخذ المثل من نفس الخليط ويرجع له، أي له نفس الجودة، صح؟ مش هيك حكينا؟ أما في الحالة الثانية، لأن الجودة مختلفة أو لأن الخليطين كل واحد من جنس مختلف، هنا أنا بقدر آخذ شيء من نفس الخليط وأرجع لك إياه لأن الجودة مختلفة.

فكان الحل عند أصحابنا ما هو، أنه نعتبرهم شريكين. فهمت علي؟ اعتبرهم خلص شركاء، ويروح ينباع هذا الخليط غير القابل للتمايز في السوق، وبعدين كل واحد له قصته حسب أنت قد ايش أضفت على القيمة. وإذا اكتشفنا أن نصيب المغصوب نزلت قيمته بسبب خلطه -لأن بعض الأشياء مع الخلط تنقص قيمتها- بدي أضمن النقص الذي حصل له، وهذا يرجع فيه للمحكمين.

تبقى قضية الذي يتمايز، وماذا قال فيها؟ «وأما إن خلط الغاصب المقصود بما يتميز عنه كحنطة بشعير، فيلزم الغاصب تخليصه من ذلك المخلوط معه إن أمكنه، وإلا فعليه مثله». المثل هنا من أين سيؤخذ؟ هنا أنت بنيجي بقول لك أنت بدك تعطيه مثله، بدك تضمن له مثل ما أخذته؛ لأن أنت مش قادر تفصل، هو حقه حمص وأنت مش قادر تفصل. لم يمكنك فصل الحمص عن القمح نظراً لأنها كمية هائلة، فرضا نقول له: يا عمي قديش الحمص اللي أخذته ٣ طن؟ روح جيب له ٣ طن مثل هذه الكمية من السوق، فهنا يضمن المثل بهذه الطريقة. فذكر أنه للمالك المثل من ذلك الخليط، لكن في هذه المسألة قال: «فعليه ضمان المثل» عموماً؛ لأنه من ذات الخليط ما رح يزبط.

نعم، تفضل شيخنا. في الثوب المصبوغ، أي الطرف الأول الثوب، والثاني شو مشترك معه؟ الصبغة. أنا جبت الصبغة وأضفتها على الثوب، الثوب كان أسود صار أصفر، هي الصبغة لها سعر غير الجهد الذي بُذل في الصبغ. هو قال في الآخر: إن لم تزد القيمة ولم تنقص. طب ما هو أكيد متصور أنه لما أصْبُغ ثوباً، ممكن يغلى مع الصبغة، ما المقصود هنا؟

في أي مسألة إذا تقرأ في الحاشية، قال: «وإنما يكون الغاصب والمغصوب منه شريكين في الثوب بحسب ملكيتهما إن لم تزد القيمة ولم تنقص، فإن زادت فلصاحبها». يعني هو يقول، لنفترض أن قيمة الصبغة وحدها ١٠ دنانير وقيمة الثوب وحده فرضا لما صبغناه ارتفعت القيمة إلى ٣٠، هذه العشرة الزيادة لمين رح تكون؟ للمالك مش للغاصب؟

ذكر في الحاشية: «فلصاحبها»، أي صاحب الزيادة، من تسبب بالزيادة. قد تكون الزيادة نشأت من الصبغة، وقد تكون الزيادة نشأت من الثوب، فمن كان هو الذي أثر في الزيادة هو الذي سيأخذ الزيادة. يعني الثوب قيمته ١٠ والصبغة قيمتها ١٠، لما خلطتهم مع بعض صاروا ٣٠، في ١٠ دنانير زيادة؛ هل هي من الصبغة أم من الثوب؟

الثوب كان ١٠ والصبغة ١٠ كقيمة منفردة، لكن هذا الثوب لما صبغ صارت قيمته ٣٠. ما هو سبب زيادة قيمته؟ الصبغة، صح؟ مش أنه هو نفسه كان سعر الكتان في السوق ١٠، وممكن يكون سعر مادة الثوب علت قيمتها، ممكن يكون الكتان كان في فترة ١٠ وبعد شهرين صارت قيمة الكتان نظراً لارتفاع الأسعار صارت ٢٠. فإذا كان ارتفاع قيمة الثوب بسبب مادته، فالزيادة هذه ستعطى لصاحب الثوب. وإذا كان ارتفاع قيمة الثوب بسبب صبغته، فإن الزيادة ستعطى للصابغ.

فمن تسبب بالزيادة هو الذي سيأخذ الزيادة، لكن النقصان الغاصب هو الذي سيضمنه؛ إذ قد يؤدي الخلط إلى زيادة وقد يؤدي إلى نقصان. إذا أدى إلى نقصان فالمغصوب منه المسكين خسر بسبب الخلط، وأنا كغاصب ضامن له. وإذا أدى إلى زيادة، حسب من الذي تسبب بالزيادة. فإذا كانت الزيادة بسبب ارتفاع قيمة هذا الثوب أصلاً لأنه مصنوع من كتان أو صوف أو من مادة ارتفعت قيمتها السوقية، فالزيادة ليست الصبغة التي أثرتها، بل ارتفاع قيمة هذا النوع من الثوب، فالزيادة هو الذي يحصلها.

أما إذا كان الثوب كما هو قيمته السوقية، فلك قيمة ثوبك، أما أنا فالصبغة التي أضفتها صارت موضة فجأة، صارت "ترند" وصارت الناس تطلبها، وفي النهاية أنت ليس لك علاقة، أنا الصبغة التي عملتها وأنا التي تميزت بها والناس أحبت الصبغة، وليس الثوب كتاناً ولا صوفاً، فالأصل أن تكون الزيادة هنا للغاصب باعتبار أن كل الزيادة نشأت من عنده، بسببه هو وليس من أي شيء متعلق بمادة الثوب، فلذلك قال: «الزيادة لصاحب الزيادة». هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم.

وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.