دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس الثاني والأربعون | المسابقة/العارية

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في يوم جديد من أيام ملكه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يملكنا مفاتيح العلم، وأن يجعلنا من أهله، وأن يبصرنا، وأن يعصمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. درسنا الأول سيكون إن شاء الله في مادة أخص المختصرات، وقد وصلنا إلى باب المسابقة.

نبدأ بالتعاريف، دائماً كطريقتنا في العقود أن نبدأ بتعريفها. قالوا: المسابقة في اصطلاح فقهائنا هي المجاراة بين حيوان ونحوه. هذا أصل المسابقة، هي المجاراة بين حيوان ونحوه، فكلمة سابق فاعل تدل على وجود مجاراة وتنافس بين شيئين فصاعداً، وقد يكون التنافس بين حيوانات. وهذا دائماً يعني الفقه القديم يتصور الأشياء التي عنده؛ فأنت في واقعك المعاصر الحيوانات أصبحت آخر شيء تهتم به، يعني سباق الفروسية عن سباق السيارات والدراجات والأمور توسع الناس كثيراً، لكن فقهاء الأقدمين بناءً على ما هو كان الأكثر دوراناً عندهم يتكلمون.

أي هناك السبق والسبق؛ ما الفرق بينهما من حيث الدلالة اللغوية؟ السبق بإسكان الباء والسبق بفتحها. وجاء اختلاف الرواية بناءً عليه في حديث: «لا سبْقَ إلا في خفٍّ أو نصٍّ أو حافرٍ»، وضبطت «لا سبْقَ إلا في خفٍّ أو نصٍّ أو حافرٍ». يعني هذه فائدة لغوية استطرادية. السبْق بإسكان الباء؛ ما هو المصدر؟ المصدر السبْق هو المسابقة نفسها. والسبَق بفتح الباء هو العوض الذي يعطى، يعني الجائزة التي تعطى للفائز. فالسبْق بإسكان الباء المسابقة نفسها، والسبَق العوض أو الجائزة التي تعطى للفائز.

الآن المسابقة تعتبر في تصنيفها من أي عقد من العقود؟ هم يصنفون المسابقة على أنها جعالة؛ لأن سيأتي معنا أن الجعالة أن تفعل شيئاً وتقول: من يفعل هذا الشيء فله كذا. الجعالة سنأتي معنا إن شاء الله أن شخصاً يقول لمجموعة من الناس أو لشخص: إنه من يفعل هذا الفعل أو ينجز هذا الإنجاز أعطيه كذا، فهنا لا أتفق معك لمدة معلومة، وهي تكون في العادة مقابل إنجاز مهمة. أنجزت أو ما أنجزت ما لك شيء، وهي عقد جائز، ليس لازماً مثل الإجارة، يمكن أحد الأطراف يتركها، لكن إذا تركها طبعاً لها أحكام، ماذا سيترتب على كل من تركها؟

فالمسابقة هي من هذا الجنس؛ لأنني أقول: من يسبق فله كذا. إذا كانت مسابقة بين فرسين أو كذا، وقد تكون بين شخصين، وستأتي بين أحكام، إذا أنا فزت عليك لي كذا وتجعل لي كذا، وإذا أنت فزت عليّ أجعل لك كذا. صيغتها أحكامها، لكن فيها صيغة الجعالة: أنه من يفعل يحصل، وفيها شروط الجعالة. وأهم فرق بين الجعالة والإجارة هو عدم الإلزام؛ فالجعالة عقد غير ملزم، والمسابقة عقد غير ملزم، لأنني ممكن أبدأ أتساابق معك وفي الطريق غيرت رأيي ولا أريد أن أكمل، ولست ملزماً شرعاً بإكمال المسابقة إذا دخلت فيها.

فلذلك تصنيفها على أنها جعالة هو الصحيح، هي ليست إجارة وإنما هي عقد يقال فيه: من يفعل كذا أعطيه جائزة كذا، من يحفظ القرآن كذا، من يتسابق في القرآن والذين أقلهم خطأً أعطيه كذا، أو خمسة يتسابقون في الشعر، أو تكون مسابقة في الركض أو الجري أو ما شابه ذلك. وسنأتي للأحكام، هل هذا كله جائز أم غير جائز، كله نأتي له، لكن فقط من باب تصوير المفاهيم.

إذاً تصنيفها جعالة؛ والجعالة ضمن شبكة العقود، هل هي عقد معاوضات، إرفاق، توثيق، تبرعات؟ لا، هي في الأصل أنها عقد معاوضة. أنا عندما أقول في الجعالة: من يعمل لي كذا أعطيه كذا، أنت تعطيني خدمة وأنا أعطيك مالاً، إذاً هي مثل الإجارة من حيث أنها معاوضة، ليس هناك أحد تبرع. من الذي تبرع؟ ما أنت لم تعمل إلا عندما قلت: من يفعل سأعطيه، وأنا في نفس الوقت لم أعطك حتى تعمل لي. فليس فيها صورة تبرع، كل شخص قدم؛ أنا قدمت مالاً، وقبل ذلك أنت قدمت عملاً. في المسابقة أنت قدمت جهدك، ركضت، ماذا قدمت؟ أنت ستأخذ المال تبرعاً أم ستقوم بشيء حتى تحصله؟ ما دمت ستقوم بشيء حتى تحصله إذاً هو ليس تبرعاً، وليس فيها منفعة للخارج.

من قال ما فيها منفعة؟ أنا قد أريد عمل مسابقة ويكون لي منفعة فيها، خاصة بين الطرفين؛ إظهار التفوق منفعة، وإظهار أنني أقوى منك منفعة، وهي طريقة منفعة نفسية، قد لا تكون كل المنافع، الفكرة أنه فيها منفعة لي خاصة. طبعاً المسابقة شكل من أشكال الجعالة، لكن الجعالة أوسع من ذلك، كقول الشخص: الذي يجد محفظتي أعطيه كذا، هي جعالة، وفيها منفعة؛ لقيت المحفظة والهوية وكل الأمور. فالجعالة عموماً هي عقد معاوضة.

الآن ما دامت المسابقة جعالة، فالأصل أنها من العقود الجائزة، إلا في حالة واحدة تصبح المسابقة ملزمة. قالوا: إلا إذا ظهر تفوق الفاضل فيلزم المفضول الاستمرار. يعني اثنان يتسابقان، فقالوا إذا ظهر تفوق الفاضل؛ الفاضل هو الذي يستطيع أن ينسحب من المسابقة، تبقى في حقه عقد جائز، أما المفضول فتكون في حقه عقد ملزم. لماذا؟ لأنني مشيت في الأمور.

طبعاً الحنابلة يقصدون بهذه الحالة المسابقة التي على عوض، ليست المسابقة المجانية. المسابقة المجانية الأصل فيها أن يكون فيها سعة أن أساابق أنا، لكن إذا كانت مسابقة على عوض، أي جعل عليها، هنا ستصبح جعالة، لأن المسابقة المجانية ليست جعالة؛ لأنه في النهاية ما رأيك؟ نتنافس أنا وإياك في حفظ الكتاب، إذا سبقتك ماذا يخرج لي؟ إذاً هذه ليست جعالة. فالمسابقة التي هي جعالة، المسابقة التي فيها جائزة، عندما تكون فيها جائزة أصبحت جعالة؛ لأن هناك عوضاً أقدمه مقابل عوض أحصله. فإذا كانت المسابقة فيها جائزة فهي جعالة، فالأصل أنها تبقى عقداً جائزاً، ممكن قبل أن نتسابق أقرر أن أنسحب، أقول: يا شباب أنا أريد أن أنسحب، لا أحد يلزممني بالاستمرار، لكن إذا بدأنا المسابقة التي على عوض، وأنا بخيلي وأنت بخيلك وظهر تفوقي عليك...

فأنت كمفضول قد قررها كمتاخر خايف تخسر، قلت: أنا خلاص بدي أفَسخ. لا، ما بطلع لك؛ لأنه أنت هنا تريد أن تفسخ المهمة، وسيضيع العوض على الفاضل.

المهم في الأمور، هو ما الذي حركني على السباق؟ إنه في جائزة، فبعد ما ظهر تفوقي وأصبحت ما بيني وبين الجائزة قاب قوسين أو أدنى، وأنت خسران، تروح تنسحب وتضيع عليك الجائزة؟ إذاً لا بد أن يكمل السباق. فإذا ظهر التفوق من الفاضل، لا يمكن للمفضول أن ينسحب.

طبعاً هنا ستأتي قضية؛ لأن الجائزة أحياناً قد تكون من طرف خارجي، وأحياناً قد تكون الجائزة هي مراهنة بين طرفين، وهي تظهر أثرها عندما تكون مراهنة بين طرفين؛ هو يخاف أن ينسحب فينسحب. أما إذا كانت الجائزة من طرف خارجي، فالمسابقة ماشية، والمفضول لو انسحب الجائزة من طرف خارجي، المسابقة مستمرة.

لكن متى تحتاجه؟ إذا كانت مراهنة بين طرفين: إذا غلبتني أعطيك، وإذا غلبتني أنت تعطيني. وطبعاً هي بصورة المحلل، وتصح عندنا في المذهب، إذا دخل طرف ثالث ستأتي معنا إن شاء الله. ونحن في أثناء السباق، إذا فزت وبدأ يظهر فوزك علي، فأنا حتى لا أدفع العوض، أقرر أن أوقف المسابقة. لا، هذا يعني أنك خدعتني؛ أنا بذلت جهداً وتعبت وأصبحت أريد أن أفوز وأنت انسحبت حتى لا تعطيني العوض، لا، يجب أن تعطيني العوض.

فإذا كانت المسابقة التي على عوض هي جعالة، والجعالة في الأصل عقد جائز غير ملزم، يمكن لأحد الأطراف أن يفسخها، إلا متى؟ تتغير إذا ظهر تفوق الفاضل على المفضول، فتكون هنا المسابقة أو الجعالة ملزمة في حق المفضول، جائزة في حق من؟ الفاضل. زي الرهن، الرهن لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن. قلنا أحياناً بعض العقود تكون ملزمة من أحد الأطراف، جائزة للطرف الآخر، فهمتم هيكلة الموضوع كيف إخوانا؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ولجميع عبادك المستضعفين، آمين.

قال: «وتجوز المسابقة على أقدام وسهام وسفن ومزاريق وسائر حيوان». قال: «تجوز المسابقة...» أكمل... «لا بعوض إلا على إبل وخيل وسهام». قال: «وشرط تعيين».

وقف؛ إذاً المسابقة التي ليست على عوض، التي ليست مجانية، أطلق الإباحة فيها. قال: «تجوز المسابقة على أقدام»، يعني مسابقة جري على الأقدام، مسابقة بالسهام (من يصيب أكثر)، مسابقة بالسفن (أي السفن تصل). لاحظ كلها أمثلتهم من واقع حياتهم العملية: الأقدام، المزاريق التي هي الرماح، وسقول الرماح القصيرة، وسائر حيوان؛ ممكن تسابق على بغال أو حمير، فإذا أعطاك الأصل فيها أنها الإباحة.

الآن، هو ماذا قال؟ هنا فقط فائدة في الحواشي؛ أن المسابقات ثلاثة أنواع. إذا أردنا ترتيب المسابقة بتفصيل أكثر، نقول هناك المسابقات المباحة، وهي كل مسابقة فيها منفعة وليس فيها مضرة راجحة. المسابقة متى تُصنف أنها مباحة؟ إذا فيها منفعة وليس فيها مضرة راجحة. ممتاز، كالمسابقة بين الطيور والحيوان.

هذا النوع من المسابقات المباحة عند المذاهب الأربعة، ووافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، لا يجوز أخذ العوض عليها. اللهم قول عند المالكية استثناء، ليس موضوعنا أن نتطرق إليه، لكن كمعتمد للمذاهب الأربعة ومحقيقي أهل العلم، أن هذا النوع من المسابقات المباحة (جري، سفن، سيارات، مشاريع إلكترونية، منافسة قضائية)؛ كل هذه المسابقات المباحة عند المذاهب الأربعة، ووافقهم ابن تيمية رحمه الله وابن القيم وغيرهم، لا يجوز أن يكون عليها عوض، لا من أحد الأطراف ولا من جهة خارجية.

لماذا؟ أنا دائماً أحب أن أبحث في العلل، والعلل هي الفقه؛ لكي تفهم روح مقاصد الشريعة، كيف يفكر الإسلام، وكيف يفكر فقهائنا، وكيف تصور الإسلام لهذه القضية. من يقول لي لماذا الإسلام قد يرفض هذه القضية؟ طبعاً نحن لم نقل إجماعاً، أنتم مركزون؛ أنا قلت الأربعة وابن تيمية، ولكن لا ينبغي أن أقول إجماعاً، لكن يكفي أن الأربعة وإذا وافقهم ابن تيمية، في اعتقادي تكون المسألة صلبة وقوية وراسخة ومتجذرة.

حتى لا يأخذ الإنسان المال بالسهولة، حتى لا يظن الإنسان أن المال يُكتسب بسهولة فيتراخى، فتصبح المسابقات وسيلة كسب بدلاً من أن يعمل في مشاريع نافعة. كما يقول الشيخ حذيفة، حتى لا يكتسب الإنسان أو يظن أن المال يُكتسب بسهولة فيتراخى. حتى لا تصبح حياة الناس كلها تميل إلى الانشغال بهذا النمط من المسابقات والمنافسات بدلاً من العمل والتكسب والزراعة والتجارة والفلاحة والصناعة وما شابه ذلك.

حتى تبقى الجعالة على شيء من المنفعة، أن الشخص الذي يفعل المسابقة نفسه يستفيد فائدة بدنية، إما بشيء يفيده في الجهاد أو بشيء يفيده في البدن نفسه بشكل عام. لكي لا تكون هناك أشياء ثانوية، لنقل إنها أشياء مباحة ليس فيها مصلحة للإسلام والمسلمين، بل فيها منفعة عامة فقط.

ابن القيم في كتاب الفروسية وضع تعليلاً وهو قريب مما ذكره الإخوة، فيقول إن تجويز بذل العوض في هذا النوع من المسابقات، وهي المسابقات المباحة، ليس مستحباً؛ قال فيه: «إنه ذريعة لاشتغال النفوس به واتخاذه تكسباً». انظر ماذا يعلل ابن القيم! إذا فتحنا باب أخذ الجوائز والعوض في هذه المسابقات المباحة التي فيها منفعة عامة ولكن ليست منفعة الإسلام والمسلمين، قال فيها إنها ذريعة سيصبح الناس منشغلين بهذا النمط، وهو نمط مفضول؛ أي أن هذه تكون في وقت الراحة، نوع من الترويح عن النفس، فتصبح ذريعة لاستخدامها للانشغال بها واتخاذها طريقاً للتكسب. ولذلك إخوانا، إسلامنا عميق، حتى في اللهو واللعب، لأنه يخاف عليك من طغيان النفس.

النفس تميل إلى نوع معين في التكسب، ولا يؤدي إلى إنتاج في السوق الاقتصادي الإسلامي ولا نفع عام للعائلات والأسر الإسلامية. فبقول لك الإسلام: أنا بعطيك مساحة تعمل مسابقات مباحة، بس بشرط ما بدك تعمل عليها عوض؛ طبعاً مهما كان العوض، ميداليات، كؤوس، دروع، أي مكان العوض، معنوي، محسوس، مالي، نقود، كله ممنوع؛ عندها نابلة قال: سداً للذريعة، هذه فكرتها حتى تقطع الباب أن تتشوف نفس الدخول من أجل أن تكسب أي شيء. خلص، بدك تكسب روح اكسب بالطرق، روح اعمل مشروع، اعمل شركة، اعمل عقد إيجار، اعمل بيع وشراء، اعمل حركة في السوق.

لكن لا تجلس لي؛ بعض الشباب اليوم للأسف على التلفون والذكاء الاصطناعي، مسابقات بلياردو وأشياء زي هيك وصار عليها تكسبات. أحد الإخوة بقول له حتى مسابقات أي طقطقة ولا شيء من ذلك، تروح تشتري إيميل وكذا بريد إلكتروني، وبتصير كل ما تجمع نقاط تيك ماله، نحن هيك وصلنا مستوانا. حتى لو كانت اللعبة الإلكترونية فيها عناصر محرمة؛ نساء عاريات تم تصميمهم، بدي أفترض أنها كرة القدم في الفيفا، يعني تمام، أو أنت بناءً على ايش عم تأخذ مالي؟

إذا بتلاحظوا في آخر سنوات صار نقط الشباب المعاصر يميل للكسل وتفضيل الربح السريع، عشان هيك أكثر الأسئلة اللي بتيجينا: العملات الإلكترونية شو حكمها يا شيخ؟ نحن الآن لما أجي بدي أتكلم عن حكمها، بدي أكون أنا شامل النظر، أن أنا عارف أنه في أيضاً حالة من الكسل العام عند الشباب المعاصر يبحث عن الربح؛ المال يولد مال، مش مال يولد شركة وشركة بتجيب موظفين وموظفين بيشتغلوا، ماكينات بتولد إنتاج، بعدين يجي المال. لا، صرنا بدنا المال اللي بيجيب مال مباشرة وبدون وساطة، والوساطة في الإسلام مطلوبة.

أنا لما أقول لك اعمل شركة، أنت بتشغل معك عشر عائلات؛ هذا رب عائلة، وهذا رب عائلة، وهذا رب عائلة، وهذا رب عائلة، بيشغل مصانع اللي بتصنع الماكينات تبعت الشركة، فتبقى الحياة الاقتصادية قائمة في المجتمع وعامرة والكل بلاقي وظيفة والكل بلاقي شغل. لكن إذا في 20% معهم مال ما بدهم يعملوا شركات، بدهم بس مال يولد مال، شو رح يصير في 80%؟ رح يشحدوا، أصبحوا فقراء.

غير أن الإسلام باختصار له نظرية عميقة في توزيع الثروة وفي التوازن فيها، وعدم السماح لأي شيء يمكن أن يؤدي إلى كسب المال من خلال الراحة والدعة وعدم العمل والإنتاج؛ الإسلام بيغلق لك إياها، الإسلام بيمنعك منه لأنه هناك مقصد. طيب يا شيخ أنا بدي أرتاح؟ حتى لو بدك ترتاح، أنت في نهاية جزء من مجتمع مسلم، وظيفتك أن تتكامل مع إخوانك ليبقى المجتمع الاقتصادي قائماً. هكذا يعطيك، ولذلك أصلاً حرم الإسلام الربا.

الناس بقول لك ليش حرم الإسلام الربا؟ حتى ما بدي أكرر لك كيف نظريتها، بس هو حرم الإسلام الربا أساساً من أجل هذا الموضوع؛ أن مال يولد مال، ونحن ما بدنا مال يولد مال، نحن بدنا مال يولد شركة وصناعة وتجارة. أما أنك تشعر أنه أنا بس من خلال أعطيتك مالي رجع لي مال مع ربح، لا ما بينفع، بدك تأخذ ربح بدك تكون يا بتقدم خدمة، يا بتقدم عمل، يا بتقدم سلعة، تقدم شيء للمجتمع. أما بس أعطيت مال عشرة دنانير رجعوا لي أحد عشر دينار، ليه سبحان الله؟ هكذا لا، معناته أنت ما قدمت شيء.

إذا كانت الأحد عشر، هذا الأحد عشر وصلك لأجل خدمة قدمتها، ما عندي مشكلة. عشان هيك البنوك الإسلامية اليوم تعمل هذه الفكرة، أنه هو مثلاً ممكن يعطيك تحويل من خلاله ويفرض عليك زيادة، يعني أقول لك مئة، مئة وعشرة أو مئة وخمسة، الخمسة هي مقابل خدمة، الخمسة دنانير زيادة فليس هناك مشكلة؛ اللي هو فاهم أنه أنا أعطيتك خدمة، أنا عندي موظفين في البنك وهذا قاعد بيعمل لك الخدمة، وعنده كمبيوتر وعنده كذا، والآن بيحسبها، يعني أقول لك كل تحويلة بدك تدفع لي دينار، دينارين، ثلاثة دنانير عليها مقابل إني أنا موفر لك هذه الخدمة. فالمال لازم يأتي من قبيل خدمة، معاوضة، ربح، أما وأنت جالس بالساهل ما تصنع بهذه الطريقة.

فهذا النوع الأول من المسابقات، النوع الثاني المسابقات المحرمة. خليني أجي على المسابقات المحرمة حتى أتكلم عن بعض القضايا؛ المسابقات المحرمة كل مسابقة نهى الشارع عنها مباشرة أو تضمنت محظوراً شرعياً. الآن الشيخ ما هي الأمثلة التي أتى بها الشيخ أحمد؟ قال: كالملاكمة، والنرد، ومناطحة الديوك. طبعاً مناطحة الديوك، التحريش بين الديوك، ورد النهي عنه نصاً: «نهى النبي ﷺ عن التحريش بين البهائم». وكذلك نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضاً؛ أن تقول يلا شباب نحط لنا حمامة نربطها ونصير يلا مين يصيد، هذا أذى، طبعاً هذا مش مسابقة بهذه الطريقة، أنت بتؤذي حيوان حي، فهذه مسابقاتنا هي بعينها.

ونهى الإسلام عن النرد، وقص على النرد كل ألعاب الحظ. كل ألعاب الحظ، لأن النرد شو مشكلته؟ الإسلام مش مشكلته مع النرد أنه مربع الشكل، الإسلام مش مشكلته مع النرد أنه شكله مربع، فكرته يحرم النرد للفكرة التي يقوم عليها وهو الحظ؛ أن تكسب من خلال الحظ هي أيضاً فكرة مرفوضة في الإسلام، حتى بدون كسب، أقصد الكسب المعنوي؛ أن تكسب، أن تفوز، أن تشعر بالإنجاز من خلال الحظ، هي فكرة مرفوضة في الإسلام.

لأن الإسلام بده يعلمك اتخاذ قانون السببية، أنه بشتغل بنجز، لكن هذه تولد كسل، تولد حالة من الركون العام للمصادفة؛ خلص أنا بدي أربح بالصدفة، بدي أربح بكذا، هذا الإسلام يرفضه. بدك تربح؟ الإسلام عنده منظومة، بدك تكسب مال، المال لا يُكسب بالصدفة. مش هي طرق كسب المال؛ الآن قضية لقيت ركاز، لقيت كذا، هذا نصيب يعني عام مش مطلوب لذاته، لكن أن يصبح إنسان تكسبه من خلال يلا هي رمينا الحجر إذا طلع ستة أنا بأخذها خمسة دنانير، طلع أربعة أنت بتاخذها، شو هذه الطريقة؟ على الحظ أنا بدي أكسب مال، يعني شيء أنت لم تبذل فيه جهداً ذهنياً وعقلياً ومعرفياً لخدمة البشرية، الإسلام يرفض هذه الفكرة.

ولذلك ينتبه الإخوان حتى في ألعاب الأطفال؛ أنه يصبح عندنا تساهل فيها، في ألعاب الأطفال السلم والحية، ايش عندنا كمان؟ هذه ألعاب الكروت، البطاقات، المينوبولي، هذا كله ما يجوز؛ هذه فكرة تقوم على الحظ. الشدة، الشدة، أنا ما بعرف أنه طلع فيها خمس عشرة لعبة، بس إذا كانت فكرة اللعبة التي تقوم فيها على الحظ فهي حرام مبدئياً.

والله يا شيخ، المشكلة أن البعض قاعد يشرح لي وقاعد ساعة، والناس تستحدث ألعاباً فيها، بس أنا المتبادر للذهن هي فكرة أنه يحط الرقم الأعلى يسحب، هي ما تجوز، لكن بعض الألعاب الجزئية ممكن تستحدث، وتحتاج دراسة كل لعبة على حدة. بس أنا أوحد الفكرة؛ أن الألعاب التي تقوم على الحظ لا تجوز، ولذلك حتى أطفالنا لا نعودهم تربوياً على أن الكسب من خلال الحظ.

ترى هي بتصير في الجزء من العقل الباطن؛ أنه لما ابنك طول عمره، وعمره تسعة وعشرة، بيلعب ألعاب الحظ وبيكسب من خلالها، سواء كسباً معنوياً أو كسباً مادياً، يصبح يظن أن الحياة ستظل هكذا ماشية معه، وأنه بكره عندما يكبر سيظل على الرخاء، ويقول: "أنا كنت وأنا صغير أربح بالحظ، وأنا كبير سأربح بالحظ"، فيصبح جزءاً من حياته هذا الاستسهال للربح من خلال الحظ، أو من خلال النصيب أو القمار، ويصبح فلسفته في الحياة: "لماذا لا أكسب بأسهل الطرق بدون ما أتعب؟". لا، الإسلام يصنع شخصية عاملة.

فلذلك ذكر الشيخ -بتلاحظوا- النرد باعتبار ألعاب الحظ عموماً، وذكر الملاكمة، وهي كل لعبة ليست حظاً بل فيها شغل، لكنها تؤدي إلى الأذى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. الآن هي الملاكمة، نريد أن نفصل فيها قليلاً؛ هو يقصد مسابقة الملاكمة إخواني إذا كان المطلوب منها الضرب والأذى من أجل أن يظهر تفوقي عليك، نعم هذه لا تجوز. يعني أنا أضرب وآذي حتى آخذ لقب الأول على العالم أو الأول على الأردن، فأؤذي إخواني من المسلمين من خلال ألعاب القتال لكي يظهر تفوقي وتميزي، هذا لا يجوز تماماً.

أما إذا لعبت لعبة الملاكمة بالاحتياطات المطلوبة من أجل تعويد النفس على القوة والجلد، فـ «المؤمن القوي» خير وأحب إلى الله، هذا ليس فيه مشكلة. أصلاً هو أعده؛ إذا كان أعده ممنوع، أما أن نتصارع، فأنتم ترون دائماً أن النبي ﷺ صارع ركانة، صحيح؟ ولو كانت اللعبة هذه غير مشروعة. المصارعة في زمن الرسول ﷺ كانت على القاع، مستحيل أن يكون فيها ضرب.

أنت الآن لا يمكن لأخيك الكريم أن يصبح قوياً دون أن يتعلم، وصعب أن أقول له الآن نعم نحط ضوابط عامة، بل نضع بعض القواعد لضبط الفنون القتالية مع أخذ الاحتياطات. يمكن أن يأخذ الاحتياطات بحيث أن عدوك اليوم أصبح متقدماً عليك في هذه الأمور، ويتعلمون رباطة الجأش من خلال هذه الرياضات العنيفة، فأنا كمسلم أيضاً أريد أن أكون قوياً وأستطيع أن أواجه عدوي، فأتعلمها مع أخذ الاحتياطات، وأنا عندما أضرب أكون لابس قفازات وشيئاً ومحتاطاً في الضرب، ويحاول قدر المستطاع ألا يؤذي، فهذا ليس فيه مشكلة.

طيب، لو عملنا منافسة بعد أن أخذ الشباب الدورة، من باب تحفيزهم؟ الشيخ وضع الملاكمة مباشرة ضمن المحرم، لكن في اعتقادي يمكن أن تُضبط ويمكن أن يُستفاد منها بشرط أن يتعلم المتسابق أنه ممنوع أن يؤذي أخاه، يعني المطلوب منك فقط حركات استعراضية أو شكلية، وليس الهدف أن تؤذي وتقصيه، وحتى يكون مرتاحاً من البداية بأن هدفنا هو المنافسة لنرى من الأقوى أو من يفوق إخوانه، يكون ذلك من باب التحفيز.

حتى إذا ذكرنا غزوة أحد، بين رافع والصباحي الآخر، رافع بن خديج، لما قالوا «ابن عفراء»، كانوا صغاراً في العمر، فقال النبي ﷺ فلان رامي، فقيل له ترى رافعاً يغلبه في الصراع؟ فتصارع فغلبه، فأخذه النبي ﷺ. يعني الإسلام يتيح مساحة من هذه المنافسات بشرط ألا يكون فيها تقصد أذى.

أما ما يحصل حقيقة في المنافسات والبطولات القتالية في الملاكمة وبعض الفنون القتالية، أن هدفه الضربة القاضية، مهما حدث، يغمى عليه أو يموت، فهذا حرام. هذا المستوى من المسابقة الذي يتكلم عنه الشيخ أحمد اتفق أنه حرام، لكن ما هو أدنى منها؟

حتى قديماً، سبحان الله، شاركنا في مسابقات عندنا في الإعدادي، وكان معنا أخ ما شاء الله رجله كبيرة، ذكرتوني كانت اللعبة "كونغ فو"، فكنا مجموعة من الإخوة وكان معنا أخ أكبر منا سناً، وكانت مسابقة على مستوى الأردن في المدينة الرياضية، وكان هو أكبرنا وأقدرنا وربنا معطيه بسطة في الجسم والعلم، فدخل في المنافسة مع نادي آخر، فأقصى الأخ الذي في النادي الآخر بطريقة مؤذية، ضرب وكسر أنفه، باختصار أمامنا، الدم نزل على وجه الأخ، بهدله بهدلة، وهو رجل معطى، وكان هو متوقعاً أن يفوز لأنه يتقن اللعبة، فكان يضرب وينما جاءت رجله يضرب، فكسر أنفه.

هذا حقيقي، الواحد لما يكبر ويتعلم يدرك أن هذا حرام، في النهاية لا نريد الميدالية إذا كان التنافس يؤدي إلى كسر أنف أو كذا، حتى لا يصبح الإنسان في جو التنافس ولهيبته والناس تنادي فلان وفلان، فهذا يصنع حالة من أنني أريد أن أضرب مهما كانت الطريقة، وهذا غير شرعي طبعاً. أما كما قلت، النوع المنضبط الذي يعرف فيه أنك كلما شددت رح تخسر، بل ممارسات حركات وضربات مع أخذ الاحتياطات اللازمة والوقايات، والهدف تقوية "أعدوا" في نفس الشباب، فالمؤمن القوي، هذه مساحة أخرى، حتى لا يُعمم الكلام، لأننا نحن كمسلمين ضعاف، ونزيد حالنا ضعفاً من خلال الشباب.

فالمسابقات المحرمة، إذا لم يكن فيها أذى أو حظ، فهي أساساً محرمة؛ إما أن تكون طبيعة المادة المستعملة محرمة، كأن تكون فيها خمور أو معازف أو ما شابه، أو أن تكون المادة والمحتوى محرمين، وهذا أيضاً يؤدي إلى تحريم نفس المسابقة. إذا أردت أن أضع ضوابط للألعاب المحرمة، فهي: الحظ، والأذى، أو...

يكون المحتوى بذاته محرماً؛ كالمعازف، أو النساء، أو ما شابه ذلك في الموضوع.

تفضل يا شيخ.

منها أيضاً في... كيف؟ لماذا يا قمار؟ لأنه مال؛ يكسبه مال، بالنهاية مال يباع ويشتغل. أنت اشتريت لعبة، طيب، ماذا اشتريت؟ اللعبة عندما يلعب أولاد صغار ويكسبون العوض، العوض كله في حرام، حتى في المباحة. نحن لن نناقش في هذا العوض، يا شيخ، فالكل يريد أن يربح، وهذا عوض. العوض حتى في المباح لا يجوز؛ نحن قلنا حتى في المسابقات المباحة، المسابقات العلمية، لا يجوز عوض.

أنت رأيك على الذي يقول لي أنت رأيك يا شيخ؛ أصلاً أحسن أحوالها أن تكون مباحة، فلا يجوز أخذ عوض فيها. لا يجوز أن يأخذ الرابح العوض، حتى لو كانت مفيدة لا يجوز، المباحة لو كان فيها نفع، فما بالك بمثل هذا الذي لا نفع فيه إلا تعلم المهارات؟ هي ليست قماراً، أقصد أنها ليست لعبة حظ.

نقاشك ليس في لعبة الأطفال، هل فيها عوض أم لا، لأن العوض أصلاً لا يجوز سواء في القسم الأول أو القسم الثاني. نقاشك هل هي لعبة جائزة أم لا من أصل المسابقة؟ نعم، لأنها لا تظهر لي أنها تقوم على الحظ، بل تقوم على التدقيق في الرمي حتى تصل إلى الحفرة، وهذا يحتاج لتعلم مثل السهام؛ السهام رمي، فإذا لم يكن فيها عوض فلا مشكلة.

تفضل بسؤال.

شيخ، بحكم الممارسة في مجال البرمجة تحديداً، فوق الـ 95% من الألعاب المحاسبية يدخل الحاسوب فيها جانباً من الحظ، من ناحية أن الحاسوب لا يتخذ قراراً إلا بسحب عشوائي، يكون هو حاطط احتمالاً معيناً، يبرمج اللعبة بوضع احتمال معين يحدث معك، لكنها خفية لا تظهر للاعب، أنا أتحدث بواقع التجربة.

شوف، أحياناً هذه الأمور التفصيلية التي لا تكون ظاهرة للاعب نفسه، أن فيها حظاً، لا تحسب. إذا كنت أنت المتحكم وبما أنك متخصص برمجة وتعرف أن فيها تدخلاً للحظ، أنا لا أطالب الناس بهذا المستوى.

لكن ليس عن ألعاب يلعبها الواحد وحده على الهاتف؛ أعطني مثالاً على المسابقة.

هناك مثال واضح جداً في الألعاب القتالية الإلكترونية؛ إذا ضغط اللاعبان في نفس الوقت والحاسوب لا يعرف من ضغط أولاً، فهو فعلياً يقرر.

لا، هذا لا يعتبر من الحظ الأساسي. أنا لا أريد إدخالك كثيراً في قواعد المسابقة حتى لا نخرج عن الأخصر؛ الحظ الذي يدخل تبعاً لا إشكال فيه، أما الأصل فيجب ألا يكون أصل اللعبة حظاً. أما إذا كان الحظ تبعاً فلا مشكلة.

هناك لعبة خرجت في فترة، لعبة السيرة النبوية، بطاقات بدلاً من "المونوبولي". "المونوبولي" وضعوها بحيث تمشي بناءً على فائدة، فكانت هناك بطاقات تسحبها وفيها حديث، إذا أكملت الحديث يقول لك: "امشِ كذا وكذا". الآن، هو في حظ بجانب سحب البطاقة، لكن هل الحظ هو أساس اللعبة؟ لو كنت عالماً يمكنك إنهاء كل البطاقات بالإجابة على كل الأحاديث، فمثل هذا الحظ الذي يدخل تبعاً لا قصداً، لا إشكال فيه ولا يفسد اللعبة، لكن المشكلة أن تكون أساس اللعبة والكسب فيها هو الحظ فقط، هذا من باب التنبيه والتخفيف.

نيجي الآن إلى النوع الثالث، وهي المسابقات الشرعية. عندنا المسابقات المباحة، وهي كل مسابقة فيها منفعة عامة وليس فيها مضرة راجحة. والمسابقات المحرمة هي كل مسابقة نهى عنها الشرع أو تضمنت محظوراً شرعياً. والمسابقات الشرعية هي كل مسابقة يستعان بها على الجهاد، والتقوي على إظهار الدين، وتحصيل النكاية بالأعداء؛ أي كل منافسة فيها إعانة على الجهاد، وتقوية الشباب المسلم المؤمن القوي، وإعانة على إظهار الدين وقوته، وتحصيل النكاية بالأعداء بحيث يحسب لنا العدو حساباً.

اليوم ترى في الدول العالمية، مثل روسيا والصين، يعملون يوماً للاستعراض العسكري ومسابقة حربية بينهم، وهي رسالة للدول الثانية؛ وكذلك الدول تفعل ذلك لأن هذه المسابقات فيها نكاية بالأعداء، بأنني مجهز نفسي وعندي ضباط وجنود وهكذا.

هذه المسابقات، فكرتها مستحبة وليست مجرد مباحة؛ إقامة مثل هذه الأمور من أجل تعليم الناس ما يؤدي إلى نتيجة مطلوبة مقصودة شرعاً كإظهار الدين، فيكون مستحباً.

أخذ العوض عليها، هل هو جائز؟ عند الحنابلة لا يجوز إلا في ثلاث مسابقات بالتحديد: الخف (وهو الجمل)، والنصل (وهو السهم)، والحافر (وهو الخيل).

هل يقاس عليها غيرها؟ هذه ستأتي إن شاء الله إذا أعطانا الله عمراً. في أصول الفقه: المستثنى من القياس، هل يجوز القياس عليه؟ القاعدة العامة هي عدم جواز أخذ العوض، واستُثنيت ثلاث مسابقات يجوز أخذ العوض عليها: مسابقات الجمال والخيل والسهام. فهل يجوز أن أقيس عليها مسابقات القرآن والدب واللغة العربية والبحث الإسلامي، من باب أنها أيضاً فيها إظهار للإسلام وإعزازه؟

هناك مساحة فضفاضة، هل يجوز هنا أن يقاس عليها أم لا؟ القضية تعتمد: إذا كان الاستثناء تعبدياً، أي الأشياء التي استُثنت تعبداً ولم تظهر لنا العلة، فلا يجوز القياس عليها. لكن إذا كان الشيء المستثنى قد ظهرت علة استثنائه، فالأصل جواز القياس عليه؛ حقيقةً الأصل جواز القياس على المستثنى.

من القاعدة: إذا عُرف علة استثنائه فيقاس على المستثنى.

هنا الذي يظهر من وجهة نظر الحنابلة في المذهب المعتمد أن القضية تعبدية؛ فالحنابلة رأوا أن هذه الثلاثة خلص تعبداً، قالوا: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، مع أنه في أشياء أخرى بتعين على الجهاد في زمن النبي ﷺ. لماذا اختاروا أنها تعبدية؟ لأنه في مسابقات مثل الجري على الأقدام، مثل البغال والحمير وغيرها، كانت موجودة في زمن النبي ﷺ، ومع ذلك لم يأذن بأخذ العوض عليها مع أنها فيها إعداد للجهاد وما شابه ذلك، فهذا يدل على أن هذه الثلاثة هي مقصودة لذاتها. وإلا لو كان المراد أنه أي مسابقة فيها تقوية للجهاد وما شابه ذلك، لكان ذكر: «إلا في خف أو نصل أو حافر أو قدم»، أي مسابقات الأقدام، لمَ لم يستثنها؟ أليس أنا عندما أعد سلاح المشاة بالركض أعمل هذا لتعيين على الجهاد؟ ما أنت بدك عندك سلاح مشاة، يا بده يركض يا بده يركض. وعندك أيضاً مسابقات الرماح مثلاً والسيوف، والسيوف هي آلة الجهاد قديماً، لماذا لم يأذن بمسابقات السيوف بل أذن بمسابقات الرمي؟ فإذن هنا قال الحنابلة: إلا هذه الأمور الثلاث استثنيت تعبداً. وبالتالي، ومر معنا في القياس أنه إذا كان الأصل تعبدياً هل يجوز القياس عليه؟ إذا قالوا ما بنقيس عليه.

الآن رأي آخر في المسألة، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه وبقية ومجموعة من العلماء، أنه لا، حقيقة مثل هذا الحصر: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، هذا ليس حصراً يقصد به ابتداء أن هذه الأمور فقط هي محل المسابقة، بل قال هي ذكرها تنبيهاً بها على غيرها ولم يقصد الحصر فيها تعبداً. أحياناً أنا قد أستعمل أسلوب حصر ولكنني لا أقصد الحصر حقيقة، وإنما أقصد التنبيه على رؤوس الأشياء، وأنت تعود تفهم وتقيس عليها غيرها. فهذه طريقة نظر طائفة أخرى من الفقهاء، بس مش طريقة المذهب في المعتمد.

لذلك هنا نعود إلى ما نحن فيه، بعد أن أنهينا بيان أنواع المسابقات، عرفنا أنه لا يجوز أخذ العوض في المسابقات المباحة، ولا المسابقات المحرمة من باب أولى، وإنما العوض يكون في المسابقات الشرعية إذا كانت خف أو نصل أو حافر. أما المسابقات الشرعية التي ليست من خف أو نصل أو حافر فهي شرعية، وفي المعتمد لا يجوز أخذ العوض عليها؛ لا مسابقات قرآن، ولا مسابقات حديث نبوي، ولا مسابقات شعر، ولا مسابقات. لكن القول الذي عليه الفتوى اليوم حقيقة هو الفتوى بجواز أخذ العوض على المسابقات عموماً التي فيها نفع للإسلام والمسلمين.

لكن ستبقى معضلة المسابقات المباحة؛ كثير من إخواننا في نواديهم الصيفية أو غيرها، ممكن أنتم مشرفين، ممكن تعملوا مسابقة كرة قدم، الفريق الفائز، هسه مذهبياً على مذاهب الأربعة، بل وبن تيمية وابن القيم، كلها لا تجوز هذه. فالأصل إخواني هو الاحتياط، يعني أنا أقول لك الأصل هنا الاحتياط؛ أنت مسألة مذاهب الأربعة وعليها علماء ومحققون، حتى لو ماشي في قول فقهي بس يبقى قول فقهي محدود جداً في المساحة، ونحن فهمنا فلسفة الفكرة، لها معقولية كما حكيتم أن لها معقولية. فالأصل حقيقة الامتناع عن تقديم العوض في هذا النوع من المسابقات أنك تفتح باب العوض في المسابقات التي فيها حفظ قرآن وسنة ولغة عربية وخطابة وفقه، ومشاريع لخدمة الإسلام تطوعية وكذا، فهذه فيها مساحة. أما المسابقات المباحة البحثة ككرة القدم، مسابقة مباحة ما عندي مشكلة فيها مع ضبط العورات وما شابه ذلك، بس مش مساحة أنك تعمل عليها عوض، كرة سلة، كرة طائرة وهكذا، نحاول أن ننتبه في هذه الأمور قدر المستطاع.

قال: «حتى لو كان العوض من طرف خارجي، وشرط تعيين مركوبين واتحادهما وتعيينهما وتحديد مسافة وعلم عوض وإباحته وخروج عن شبه قمار، والله أعلم».

الآن هو خلص يذكر شروط المسابقات التي بعوض ويختم الباب، ليس هناك أكثر من ذلك؛ هي شروط المسابقات التي على عوض. بناءً على الكلام السابق، المسابقات التي على عوض هي قسمان فعلياً: يا مركوب يا رمي؛ الخف والحافر ركوب، والنصل رمي، إذاً خلاصة المسابقات التي يجوز أخذ العوض عليها يا مركوب يا رمي.

الآن هذه المسابقات التي أخذ العوض عليها لها خمسة شروط: أولاً، إذا كانت مسابقة ركوب، تعيين المركوبين، أن يحدد أن المسابقة بين هذا الحصان وهذا الحصان، ما ينفع الوصف بأنه حصان عربي موديل كذا، لا، بدك تجيب الحصان وتعين حصان فلان هو الذي سيسابق؛ لأن الحيوانات مهما كان في نهاية الوصف، قد يختلف الوزن أو النفسية، فهناك ظروف كثيرة تحكم من يفوز، فبسبب هذا التفاوت من حصان لحصان قال لك ما ينفع الوصف، هنا بدك تعين الحصان بالضبط. ولا يشترط تعيين الراكب، يعني الآن هي مسابقة بين حصان وحصان، ممكن يكون بينهما وحدهما دون وجود من يركب عليهما، وهي مسابقة موجودة، يجرون الأحصنة لحالها بدون وجود الراكبين، وفي نوع يكون فيه راكب، إذا كان عليه راكب فلا يشترط تعيين الراكب، المهم تعيين المركوب.

ثانياً، تعيين المركوبين اثنين، قال: «واتحادهما»، قالوا في الجنس والنوع، فلا يصح أن تكون المسابقة بين جمل وحصان، لأنها أصلاً ستكون غير عادلة، فالحصان سيغلب مباشرة إذا كان الوضع طبيعياً. ثانياً، تحديد النوع، فقالوا اتحاد النوع، فلا يصح بين فرس عربي وفرس هجين أو فرس إنجليزي؛ لأن هذه مواصفات مختلفة، وبالتالي حتى يكون هناك عدل، يكون من نفس المواصفات، عربي عربي، إنجليزي إنجليزي وهكذا.

وإذا كانت مسابقة رمي، فلا بد من تعيين الرماة؛ لأن في الرمي يعتمد الأمر على الرامي، أما في مسابقة الركوب فيعتمد أساساً على المركوب، ففي مسابقة الأحصنة والجمال تعيين المركوب، وفي مسابقة الرمي تعيين الرامي. الشرط الثالث، تحديد المسافة، وهذه في كلا المسابقتين إذا كانت مسابقة.

لا بد من تحديد خط البداية وخط النهاية؛ فلو كانت مسابقة ركوب، وقلنا: «اركضوا»، وأول واحد يوقف فيه حصانه هو الذي يخسر، فهذا لا ينفع، لأن هذه ليست منضبطة، ودائماً العقود تبنى على الانضباط. مع بعض الناس يقول لك: «خلص اركضوا»، فيجوز أن يركض أحدهم بحصانه حتى يصل إلى السعودية، وأول واحد ينشر حصانه على الطريق يخسر، هذه لا تصلح، لا بد من تحديد بداية ونهاية.

ثانياً، إذا كانت مسابقة رمي، فلا بد من تحديد مسافة الرمي. لا ينفع أن نقول أكثر واحد يسدد سهماً هو الفائز، بل لا بد أن نحدد مسافة الرمي؛ مطلوب منك أن تصيبها على بعد 200 متر مثلاً، فيتم تحديد مكان معين وتكون المسافة معلومة من مكان الوقوف إلى المكان الذي ستصيبه.

أما أن يكون الشيء مفتوحاً فلا يصلح عندنا، وقالوا مذهبياً: لا يصح أن يكون أكثر من 300 ذراع؛ لأنه لا يمكن أن يصل السهم غالباً إلى هذه المسافة، فبالتالي أنت كأنك تحدد مسافة فوق المعقول. وكما في الإجارة، لا يصح أن تحدد مدة إيجار لا يبقى فيها الشيء غالباً، فهي نفس الفكرة. فلو قال أحدهم: «أريد تحديد 1000 متر»، فالسهم لا يصل إلى 1000 متر، لذا المذهب عندنا لا يصح أن يجعل أكثر من 300 ذراع لأنه لا يبلغ السهم عادة.

هنا كان هناك نقاش: إذا قلنا إن هذه الثلاث (الإبل والخيل والسهام) تعبدية، هل يجوز أن نقيس عليها الرمي بالرصاص اليوم؟ فالقتال اليوم ليس بالإبل ولا الخيل ولا السهام. فإذا قلنا إن المسابقة في هذه الثلاث تعبدية، فسنغلق فعلياً باب المسابقة في أدوات الجهاد في الواقع المعاصر؛ لأن أدوات الجهاد اليوم ليست الخف ولا النصل ولا الحاف، فكيف يمكن أن نخرج المسابقة بالدبابات أو الهمر أو الرصاص أو القنا؟ هل يمكن أن نخرجها على المذهب؟

هناك قاعدة، وهذا كلام بحث وليس تقرير مذهب، انتبهوا؛ ففي أحياناً أحكي أشياء بحثاً وليس تقريراً للمذهب. ذكرها ابن قدامة في «المغني» (أو في كتب الأحكام)، وهي جميلة، يقول: «ولا يمنع في الشيء التعبدي أن يكون فيه شيء من المعقولية». أي أن الشيء الذي أصله تعبدي لا يتعارض مع أن يكون فيه شيء من المعقولية في بعض تفاصيله. فهل الشيء الذي أصله تعبدي يجب أن يكون تعبدياً في كل تفاصيله؟ أم يجوز أن يكون أصله تعبدياً وتدخل إمكانية المعقولية في جزئياته؟ فيقاس عليه في هذه الجزئية، وهنا الحنابلة يعملون بهذا.

من يعرف أين عمل الحنابلة بذلك؟ لها جائزة فعلاً، وهي قياس العبادات في مسألة فقهية مرت معنا في الإخصار. ومن يعرفها أعطه كتاباً. أحسنت، هي في مسألة غسل النجاسة للكلب.

في نجاسة الكلب، أمرنا أن نغسل سبع غسلات، إحداها بالتراب. لماذا الكلب والخنزير؟ قالوا هي تعبدية، لكن فيها جانباً من المعقولية. الحنابلة لم يروها تعبدية بحتة، بل قالوا: التعبد في الكلب والخنزير هو أن الماء وحده لا يكفي، لكن هل التراب مقصود لذاته تعبداً، أم أي مادة منظفة أخرى تقوم مقام التراب؟ رأوا أن أي مادة أخرى تقوم مقام التراب كالصابون والاشنان، ففكرة إضافة شيء إلى الماء من أجل الكلب والخنزير هي فكرة تعبدية، فلا يجوز أن تأتي اليوم لنجاسة جديدة وتقول نضع معها شيئاً بعد سبع غسلات؛ لأنها ليست كلباً ولا خنزيراً.

لكن ضمن هذا التعبد، تبقى فكرة: هل التراب بحد ذاته تعبدي؟ أم يجوز أن أقيس عليه الأشنان وما شابه ذلك؟ قالوا: يجوز القياس عليه، لأن التراب هنا معقول باعتباره منظفاً وطهوراً، فقد جاز استعماله في التيمم، فاختير لأنه طهور وليس لذاته فقط مادة تساعد في الإزالة، فأي شيء يساعد في الإزالة يأخذ حكم التراب. طبعاً البعض يخالف الحنابلة ويقول: «التراب غيره لا يصلح»، ويعتبر التعبد حتى في التراب، لكن مذهبياً، المعتمد في الفتوى أن غير التراب من المنظفات يجزئ وإن كان أصل الفكرة تعبدية.

لو أردت إسقاط هذه القاعدة على ما نحن فيه؛ إذا قلنا إن أصل أخذ العوض في الخف والنصل والحاف تعبدي، لكن هذا لا يمنع أن أقول: هي نعم تعبدية، وبالتالي لا نتعدى إلى مسابقات أخرى فكرتها مختلفة عن هذه الأدوات حتى ولو كانت تعين على الجهاد كالسيوف. أما مسابقات الرمي والركوب، فلو كانت بالرصاص أو بالهمرات أو شيء ما، فهي تأخذ حكم الإبل والخيل والسهام.

قد تقول لي: «والحمير والبغال يا شيخ؟»، فالحمير والبغال لم تكن آلات جهاد قديماً، أنت تقيس الإبل والخيل فهي التي كانت تستعمل في المعارك، ولم تقرأ في السيرة النبوية وكان معهم في المعركة بغلان. في معركة بدر كان هناك فرسان، لأن آلة الجهاد هي إما الخيل أو الإبل. البغال والحمير لم تكن آلة جهاد، قد يدخل بها أحد لكنها ليست آلة جهاد. وبالمثل اليوم، إذا أردت أن أقيس على الإبل والخيل والسهام، أستطيع أن أقيس المركوبات المستعملة في الجهاد، والأسلحة المستعملة في الجهاد، وأسلحة الرمي المستعملة في الجهاد.

الرَّمي المستعمل في الجهاد؛ لأنها هي الفكرة. الرَّمي قديمًا آلة الرَّمي كانت القوس، اليوم آلة الرَّمي هي البندقية. نفس الشيء، قديمًا آلة التحرك في المعركة الإبل والخيل، اليوم آلة التحرك في المعركة الدبابة.

الدبابة، وآلات الحرب هي السيارات التي تستعملها الجيوش النظامية؛ ففي اعتقادي مذهبيًا لا مانع من أن تقاس عليها هذه الأمور لأنها ركوب، ولكن لأنها أصل تعبدي فما أقيس عليها أسلحة أخرى. وطب الطيارات؟ والله الطيارات ركوب، يعني بالنهاية هي ركوب في الهواء، والله أعلم. طبعًا هذا بحث، وأعود لأقول هذا بحث وليس تغيير المذهب.

ثم قال: «وعلم العوض وإباحته». يشترط في المسابقة التي على عوض أن يعلم العوض؛ إما برؤية أو بوصف. أما بأن يرى بالرؤيا أو أنه يصف وصفًا يعلم به العوض، لأنني أريد أن أكون عالمًا بالشيء الذي سآخذه، فلن ينفع بعد المسابقة أن يقال: «يلا إيش بدك تعطوني؟»، «والله بدنا نعطيك ميدالية»، «أنا أفكر في مصاري»، «بطلت يلا عوضوني». سيحدث خلاف بينك وبينه بعد كل هذا التعب؛ فلا بد أن تعلم العوض من البداية حتى لا تختلف، إذا فزت تقول: «والله أنا أستحق أكثر»، فيقال: «لا تستحق»، فمن البداية قلنا لك هذا هو العوض.

وإباحته: أن يكون من مادة حلال، وألا يكون مغصوبًا أو مسروقًا، يعني ألا يكون مادة محرمة، كالحرير للرجال أو مثل الخمر، أو يكون مغصوبًا أو مسروقًا أو ما شابه ذلك.

آخر شرط قال: «وخروج عن شبه قمار». الآن إخواني، العوض إما أن يكون من طرف خارجي يقدم للمتسابقين، أو يكون من بينهم. إذا كان العوض من طرف خارجي سيقدمه المتسابقون من هيئة الإشراف على المسابقة، والمتسابقون لم يدفعوا شيئًا، هم فقط يتسابقون، وهذا لا إشكال فيه، ليس فيه قمار أصلًا.

لكن المشكلة في الحالة الثانية إذا كان العوض من المتسابقين. ويكون العوض من المتسابقين له عدة صور: الصورة الأولى أن آتي لمشعل أقول: نتسابق أنا وإياك، والذي يغلب فينا يأخذ من الآخر مائة دينار فرضًا.

صورة أخرى، هي أننا ندفع للاشتراك في المسابقة، وهذا الاشتراك تم الإعلان أن الجائزة التي سيحصل عليها الفائز هي من مجموع الاشتراكات في المسابقة، وهذا كثير ويحدث في الاتصالات الهاتفية. طبعًا تكون مثلاً في البرامج التلفزيونية، يكونون معلنين: يلا في مسابقة، ويصبح الناس يتصلون ويحاولون الإجابة. الآن يكون هذا الاتصال مثلاً سعره أغلى من الاتصال الطبيعي، فشركة الاتصالات تكون متفقة مع إدارة التلفزيون أن هذا الاتصال سعره أعلى من السعر الطبيعي؛ المكالمة عادة قرش تصبح قرشين. هم لماذا يفعلون ذلك؟ من أجل أن الفائز لن يكون التلفزيون هو من يعطيه الجائزة، بل يكونون قد اتفقوا مع شركة الاتصال: أنت لك القرش الخاص بك، وأنا لي القرش الثاني من مجموع هذه المبالغ التي ستأتي من الاتصالات؛ لو اتصل ألف شخص، هذه المبالغ من مجموعها سنعطي الجائزة للفائز، وطبعًا يخرج لهم حصة ربح منها. هذه كلها تعتبر ابتداءً من القمار إذا كان العوض سيدفعه كل المتسابقين بالصيغة الأولى، أنه أنا وإياكم نتسابق والذي يغلب فينا يعطي الثاني، أو بالصيغة التي ذكرتها لكم، أن كل من يشارك في المسابقة يدفع، وعلم أن الجائزة ستؤخذ من الاشتراكات، فهذه تعتبر قمارًا.

كذلك مثلاً، من صورها في الواقع المعاصر: بعض المولات تعمل عروضًا، تأتي وتقول لك: تعالوا اشتروا اليوم وخذ كوبونًا بدينار وادخل السحب، يعني يقول لك: اليوم يوجد كوبون بدينار ادخل السحب على غسالة وثلاجة وكذا وكذا. فأنت تدخل المول وتشتري أغراضك التي تريدها، ولما تصل عند الكاشير يقول لك: في كوبون للسحب تشتريه، فتقول: بشتريه بدينار، تقول: دينار مبلغ تافه، أنا فاتورتي التي اشتريت بها من المول ستكون ستين دينارًا، فتقول: سأجعلها واحدًا وستين وأضع الكوبون، بجوز يطلع لي غسالة وثلاجة مجانًا. طبعًا هذه الغسالة والثلاجة تُغطى من سعر الكوبونات، وهذا كله قمار.

كذلك ممكن من الدهاء الذي يفعلونه؛ لأن هناك ناس يقولون: إذا فعلت هكذا فلن يقال عنها قمار، هذا واضح، فيذهب ويفعل أنه يقول لك: الكوبون مجاني، لكنه يرفع في هذا اليوم أسعار المواد في المول أو المحل. الأسعار في العادة طبيعية، لكنه يريد أن يعمل سحبًا على سيارة كبيرة، فيقول لك: الدخول في المسابقة مجاني، أنت ماذا تقول؟ الأمور طيبة. لكن هو في الواقع ماذا يكون قد حصل؟ يكون في الواقع أنه عندما تأتي في هذا اليوم على المول تشتري وتجده رافعًا أسعار المواد. ولو رفعها قليلًا قد لا يبدو معك كثيرًا، لكنه رفعها لأنكم كلكم باختصار بتشتروا، فكلكم دفعتم في سعر الجائزة وستأخذها واحدة منكم، كلكم ساهمتم في سعر الجائزة. أنت فاتورتك في الوضع الطبيعي ستكون ستين، فهذا اليوم تطلع ستة وستين، والشيخ فاتورته الطبيعية أربعون تطلع هذا اليوم اثنين وأربعين، وهذه الزيادات هي التي ستخرج منها قيمة الجائزة، وهذا قمار.

مثلاً من الصور أيضًا: أحيانًا تأتيك رسائل على الهاتف الجوال: أرسل رسالة للرقم كذا وكذا وادخل السحب معنا مجانًا على كذا وكذا. أنت تسمع كلمة مجانًا فتظن أنك فعليًا دخلت مجانًا ولم تدفع شيئًا، لكن هم لهم أساليبهم؛ فتكون هذه الرسالة بالتحديد سعرها عند شركات الاتصال أغلى من الرسالة الطبيعية. أو خيار آخر، ليس أغلى ولكنهم متفقون مع شركة الاتصال أن السعر الطبيعي سيكون نصفه لي ونصفه لك، قد لا يرفعون السعر ولكنهم يتقاسمونه. كله هذا حرام، تنتبهوا له؛ أنه ممكن تكون شركة اليوم وصلت لك رسالة من هذه الإعلانات التي تأتي على الرسائل النصية: ادخل معنا السحب مجانًا على غسالة أو جلاية، فقط أرسل رسالة نصية لهذا الرقم وادخل السحب مجانًا. أنت متوهم أنك دخلت مجانًا، بس فعليًا ما الذي يحدث؟ إما أن سعر الرسالة ارتفع، أو الرسالة تتقاسمها شركة الاتصال مع الشركة التي تريد عمل المسابقة. فأنت باختصار دافع قرشين؛ قرش راح لشركة الاتصال وقرش راح لشركة المسابقة. ولو افترضنا أن السعر الطبيعي للرسالة قرش، في الأردن مثلاً عندك مليونين، ممكن يرفعوا مليونين قرش.

وصل لهم هذول مليونين قرش، منهم رح تكون سير الثلاجة، وفعلاً رح يحصلها واحد منا إذا فعلياً إحنا دفعنا لكم قرش، أنا دفعت قرش وأنت قرش، وأنت قرش، وأنت قرش، وأنت قرش، واللي سيحصل في النهاية واحد. هذه كلها ألاعيب للمسابقة بالقمار، بس طبعاً هم لا خاف ولا نصر ولا حافر، هم مسابقاتهم أصلاً في جانب آخر، بس حتى أوريك أنه القمار يأكل في كثير من المسابقات التي لا ينتبه لها بعض الإخوة.

كيف سنحل هذه المشكلة؟ كيف تحل مشكلة القمار؟ سهلة عند الحنابلة، قالوا: إذا أردت أن تحل مشكلة القمار، أدخل محللاً واحداً. من هو المحلل؟ هو شخص يشارك في المسابقة دون أن يدفع شيئاً، بس هذا هو، شوف حال ما أسأله، هو شخص منافس حقيقي مش شكلي، ترى الحنابلة المصحصحين بعمق، منافس حقيقي؛ لأن بعض الناس يقول لك خلص بجيب محلل يكون بيعرف يلعب في المسابقة، لا، منافس حقيقي. فعلاً هو أحد الاحتمالات أنه هو يفوز ويدخل في المسابقة ولا يدفع شيئاً، يعني نحن في المسابقة خمسة؛ أربعة دفعوا للجائزة وواحد ما دفع، خلص هيك أموركم تمام.

شايف ميزة الحنابلة في هذه المسألة؟ لا بد يكون واحداً ليس أكثر، قال: واحداً ليس أكثر. المحلل يكون عندنا واحداً وليس اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، يعني ما يدخل اثنين ما دفعوا، لازم عند المذهب يكون المحلل واحداً، ولا يدفع، ومنافساً حقيقياً. إذا دخل هذا الواحد، خلص أستطيع أن أقول: يا مشعل، الذي سيفوز في مسابقة الرمي بده يعطي 100 دينار، فأنت تقول لي بالضبط يا شيخ هذا حرام، أقول لك: دخل محلل واحد، لن يدفع، وبيعرف يرمي، هيك خلص صارت الأمور تمام.

إذا كانت هناك 100 دينار، كيف ستكون موجودة؟ خلص 50 مني و50 منك، بنحطها ونقول: هذه يا إخوان لمن الذي يفوز فينا، إذا أنا فزت أخذتها كاملة، وإذا أنت فزت أخذتها كاملة، وإذا لم يفز أحد يأخذها كاملة. طيب إذا كنا ثلاثة؛ واحد الذي يدفع، صار كأنه في محللين، صحيح؟ نحن ثلاثة، واحد الذي يدفع فينا كأنه متبرع، يا شيخ مش مشكلة طرف خارجي، هو في النهاية عم يلعب معهم.

هذه الصورة الأخيرة تحتاج إلى نظرة. هنا الشيخ أحمد يقول: «فإن اخرجا معاً لم يخرجا من شبه القمار إلا بإدخال شخص لا يدفع شيئاً»، بس إذا دخل واحد، هل صار الاثنين الباقيين كأنهم محللون؟ هذه تحتاج نظر، أنه يمكن أن تخرج على صور من صور الجواز.

هكذا نكون انتهينا من هذا الموضوع سريعاً. ما تعليقك يا شيخنا بخصوص المحل الذي يرفع الأسعار في اليوم الذي يكون فيه الكوبون المجاني؟ هسه ممكن واحد يحكي لي إنه هذا بيع وشراء وأنا أقدر أغير الأسعار متى ما أردت، وفعلياً لا، هذا مقصد، نحن الحنابلة والمالكية ننظر إلى مقاصد العقود؛ أنت لماذا رفعت السعر اليوم؟ عشان تغطي الجائزة، مفهوم؟ يعني هذه يمكن نقول حيلة محرمة، طبعاً حيلة محرمة.

هو ما رفع السعر إلا عشان مثلاً يجيب رجل على حلة، ويضع مسابقة. في مشكلة؟ لا، ما دامت الأسعار كما هي. لكن في شرط تعيين المَرْكُوب، يعني في إشكال أنه نحن لم نشترط جودة المَرْكُوب، لأنه هو المقصد الأعلى في المَرْكُوب.

طيب الآن، أين فائدة العلة التي لأجلها كان السبق؟ إذا أصابت الحصان الحال، ولا وين الفروسية في الموضوع؟ هي ليست الفوق، هي الحصان نفسه، أننا نريد تعليم السرعة، هم يريدون تعليم الحصان قوة الجري في المعركة، أنا أريد أن أقوي حصاني، أنت ستتقوى بحصانك جزاك الله خيراً، بس أنا أريد أن أشكل حصاناً قوياً، جملاً قوياً قادراً على أن يروح ويجيء، فالمَرْكُوب تبعٌ وليس أصالة.

وكذلك إخوانا في الرمي، لابد أن يكون هناك اتحاد في النوع، هذا اتحاد النوع في الأحصنة وفي الإبل وفي الرمي؛ أن يكون القوس قوساً عربياً، أو قوساً فارسياً. فالاتحاد في الجنس والنوع هذا ليس فقط في المَرْكُوب، بل حتى في أي آلة رمي، لابد أن تكون من نفس النوع، فإذا كانت هذه مصنعة عند العرب، فتكون آلة الرمي الأخرى المشاركة مصنعة عند العرب، أو آلة الرمي الأخرى مصنعة عند العجم.

أخيراً يا شيخ، الصور التي ذكرناها كلها هي القمار، ولا هي شبه قمار؟ هناك فرق، قال: شبه قمار. هي صور تشابه القمار أصلاً، وهو الحظ البحت. فأنت إذا كان كل واحد فينا دفع، نحن نتنافس وداخلين وفي تعب مني وتعب منك، بس في النهاية أصبحت مشابهة للقمار. هي ليست من البداية حظاً بحتاً، لا، أنت في مَرْكُوب وفي جري، فهي إذا لم يوجد محلل ستشابه القمار فتصبح حراماً لمشابهتك للقمار، فالقمار في أصله هو الحظ البحت، والركوب ليس حظاً بحتاً، فيه شغل مني وأنت تركض، فهو مشابه للقمار في التحريم، وحتى نخرج من مشابهة القمار بدنا نجيب محللاً.

هل يجوز أن يكون هناك محللان أكثر من واحد؟ نحن قلنا لا يجوز أن يكون المحلل أكثر من واحد. هذه مسألة مختلفة تماماً، هنا لم يخرج العوض من الطرفين، يعني نحن لم نشترك في دفع العوض، لا، هو الذي دفع عوضاً واحداً والباقون كلهم جاءوا مجاناً، فهذه خليها محل بحث.

طيب سريعاً حتى ننجز، في باب العارية، قال رحمه الله: «والعارية سنة». العارية يا إخوان ما هي؟ العاريه هو أن تعطي شخصاً عيناً ينتفع بها دون استهلاكها مجاناً، ثم يردها عند طلبك. وهي عقد تبرع لأنك تبرعت بالمنفعة، لا أنت العين تبرعت بها، العين يجب أن ترجع، تبرعت بالمنفعة. الآن الفرق بين الإجارة والعارية في مقضي المنفعة؛ أن الإجارة أنا أملكك المنفعة، أما في العارية أنا لا أملكك المنفعة، أنا...

أبيح لك الانتفاع، وفرق بين تمليك المنفعة وإباحة الانتفاع. الفرق الهائل ما هو بينهم أنه إذا أنا ملكتك المنفعة، بالتالي أنت تستطيع أن تستهلكها وحدك وتستطيع أن تعطيها لغيرك؛ ولذلك في الإجارة إذا أنا استأجرت عيناً أستطيع أن أؤجرها لغيري ولو رفض المؤجر، مش هيك حكينا؟ لأن أنا ملكت المنفعة. أما في العارية، إذا أنا أعرتك شيئاً، أنت ما بتقدر تعيره لغيرك إلا باستئذانه، لأني أنا ما ملكتك منفعة، أنا أبح لك الانتفاع. فتقول العارية هي إباحة انتفاع وليس تمليك منفعة، بخلاف الإجارة فهي تمليك منفعة.

ما حكم العارية؟ العارية عموماً مثل عقود التبرعات عموماً، حكمها سنة. القرض سنة، العارية سنة، الصدقة والهدايا سنة؛ فعقود التبرعات عموماً دائماً مستحبة لأنها فعل معروف، وفعل المعروف سنة.

ثم قال: «وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه نفعاً مباحاً تصح إعارته». إذاً القاعدة: كل ما ينتفع به مع بقاء عينه نفعاً مباحاً تصح إعارته. وظاهر هذا الكلام أنه يشمل... هل نفع مباح مطلقاً؟ بحيث أنه بالتالي الكلب والجلود وكذا لا تصح؟ ولا، هذا النوع يدخل هنا. الذي يظهر أنه هذا النوع يدخل هنا أنه يصير أعيرك كلب صيد أو كلب ماش؛ هذا ما كان يدخل معنا في الإجارة، ما كان يدخل معنا في البيوع لأنه إباحته ليست مطلقة، لكن في باب العارية لو أعرتك كلب صيد أو ماش، الذي يظهر أن هذا يدخل ولا إشكال فيه، فهنا نفعاً مباحاً. ممكن نقيدها، ولا يشترط أن يكون مباحاً مطلقاً، يجوز أن يكون من النفع مباح في حال دون حال.

إخواني، الفروق بين العقود مهمة جداً، وبها أنت تميز بين العقد وفكرته وآلية تنفيذه، وتستطيع أن تعرف نقاط الاشتباك ونقاط الانفصال بينها.

لاحظ، هو قال: «كل ما ينتفع به مع بقاء عينه». إذا كان الشيء الذي عرتك إياه لا يمكن أن تنتفع به إلا باستهلاك عينه، هذا ما يصلح عارية، هذا يصلح صدقة أو هبة. أما أنا بدي أعيرك، معناتها بدك ترجع. بصير أعيرك تفاحة يا شيخ مشان تاكلها؟ لا، ما بينفع؛ لأنه هذه لا يلتفاء بها إلا بالآكل، ما راح أقدر أرجع لك إياها، بدي أروح أجيب لك واحدة ثانية من السوق، فهذه لا يصح عقد عليها بعارية. بصير أعطيك، أعيرك لبن عشان تشربه؟ هذا استهلاك، فهذا يصلح صدقة أو هبة، لكن عارية لا يصح. فالعارية العين يجب أن تكون من الأعيان التي ينتفع بها مع بقائها، ويكون نفعها نفعاً مباحاً.

يستثنى من هذا، قال: «إلا البضع». ما بصير أعيرك جارية حتى تطأها وترجعها، ما تصلح بهذه الطريقة. حتى تعرفوا أن الإسلام ضبط موضوع الإماء والتسري؛ ما بصير أعيرك جارية يومين أقول لك يلا تطأها وترجع لي إياها، ما يصلح.

وكذا عبداً مسلماً لكافر، لا يجوز أن أعير عبداً مسلماً لكافر. هنا ضبطها أصحابنا للخدمة؛ عبداً مسلماً لخدمة كافر، يعني يصير يجيب له شاي وقهوة، وأما إذا أعرته له من أجل يبني له حائط، يعمل له بس عمل يعني مش خدمته، قالوا هذا لا إشكال فيه. فرق بين أنه أنا أعير عبد المسلم لكافر؛ الكافر إيش يستخدمه؟ خدمة بده إياه، تمام، روح جيب لي شاي، روح جيب لي قهوة، روح اطلع كذا، روح اشطف الدرج. هنا يستدل الحنابلة بالآية: ﴿لَّن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

أما إذا جاءك كافر قال لك والله يا شيخ بدي واحد يبني لي حائط، فأنا من باب التعامل معه بأخلاقية، بدي أعطيك عبدي اليوم يبني لك الحائط، هذا مشان إيش؟ مش عشان يخدمه، أنا أعطيته إياه عشان يبني الحائط بس يقدم منفعة معينة ويرجع، فهذا قالوا لا إشكال فيه.

ثم قال: «وكذا الصيد ونحوه لمحرم». المحرم ما بصير أعيره صيداً ولا آلة صيد؛ لأنه أثناء إحرامه، هل يجوز أن يتعامل مع الصيد أو مع آلة الصيد فيصيد بها؟ لا، لا يجوز.

الآن هذه طبعاً ممكن ناخذ منها فكرة، لأنك ممكن تحولها لضابط: إعارة ما يستعان به على الحرام. أحسنت، ما بصير تعين شخص بشيء سيستعين به على الحرام، هذا ضابط المسألة. ما بصير أعيرك شيئاً أنت تستعين به على الحرام، يعني شيء أنت لن تستعمله إلا بطريقة غير مشروعة.

مثلاً الصيد لما أعير المحرم، هو أثناء إحرامه ممنوع عموماً يتعامل معه. الآن في الآلات، بعيرك إياها أنت ممكن تستعملها صح، ممكن تستعملها غلط؛ هي إذا أنا ما أتيقن أنك ستستعملها خطأ بصير أعيرك إياها، وإن كان في احتمال أنك كنت تستعملها خطأ، لا. الكلام أني بدي أعيرك شيء وأنا أعلم أنك الآن شرعاً لا يمكن أن تستعمل هذا الشيء الذي سأعيره إلا على وجه الخاطئ؛ إذا أعرتك شيئاً وأنا أعلم أنه لن يستعمل إلا بصورة غير شرعية أو بصورة خاطئة شرعاً، ما بصير أعيرك إياه.

فأنت مثلاً تعير أي أدوات تجميل لامرأة وأنت تعلم أنها الآن تريد أن تستعمل هذه الأداة... نحكي بجوز أدوات التجميل لا تصح عاريتها لأنها تستهلك العين، خلينا نجي على استشوار يا شيخ، عرض استشوار لامرأة وأنت تعلم أنها ستستعمله وتخرج فيه الآن في الشارع، والله أخت بتجي تستفتيك، والله جارتي متبرجة طلبت مني استشوار، طلعت ما حرام اللي عملتي؟ ما بصير تعيريها استشوار. طيب لو هي حكت لك: لا أنا بدي استشوره لزوجي، أو جايتني صاحباتي على البيت بدي استشور، بصير، لأنها الآن طلبتها لشيء مباح.

عند الحنابلة التحريم منوط بالعلم اليقيني، إذا كان في احتمال واحتمالين واضحين، وحتى لو كانت هناك قرينة يقينية، غير هيك تبقى مساحة الاحتمال، الآن باب الورع شيء آخر، لكن أنا أتكلم كمذهب.

«وأمة لأمراض لغير مأمون»، ما بصير أعير أمة لجاري تنظف له البيت وتشطف له الشبابيك وتعمل له إياها وهو غير مأمون، ما بصير أعير الأمة لجاري إذا كان غير مأمون. طب هذا معناته شيخ، يعني بشكل عام قضية النساء اللي بتعمل في البيوت...

النساء اللاتي يعملن في البيوت، ما حكمهن الآن عند الحنابلة؟ نص أحمد على أنه لا إشكال في ذلك بشرط أن يكنَّ مأمونات.

سأحدث عن العارية والإجارة؛ لأن الواقع اليوم هو إجارة، فتأتي العاملة باكستانية أو فلبينية، فتعمل مقابل أجرة. في هذه الحالة، يجوز الحنابلة ذلك بشرط أن تكون مأمونة، وألا تخلو بها. فإذا كنت لا تخلو بها وهي مأمونة، فليس عندنا مشكلة مذهبية.

ولكن أنت طبعاً يجب أن تضع احتياطاتك، كقاعدة فقهية: إذا لم تخلو بها وكانت مأمونة، فلا مشكلة سواء كانت عارية أو إجارة. مثلاً، قد تأتي زوجتك لتستعير من صديقتها الخادمة، أو تكون أنت رجلاً محافظاً ولكن شقيقك مختلف عنك كثيراً، فتذهب زوجتك لبيت أخيك الشقيق حيث توجد خادمة، وتقول لها في يوم تعب: «خلينا نجيب الخادمة التي في بيت أخيك اليوم لتساعدنا»، فتقول لها: «بصير نجيبها؟ أنا موجود اليوم ومعطل في البيت». مذهبياً، إذا لم تخلو بها، وهي طبعاً إذا كانت ستظهر أمامك وتتظهر بجمالها، وأنت مأمون، تضمن على نفسك وتأمن عليها أنه لا تصير فتنة، فلا إشكال في هذه الخدمة أو هذه العارية أو هذه الإجارة.

أما إذا كانت غير مأمونة، فلا يجوز أن تعيرها ولا أن تؤجرها. وكذلك الأمرد، والأمرد هو الشاب الذي لم يظهر شاربه ولحيته، وقضية المردان وإمكانية أن يكون هناك شذوذ جنسي -والعياذ بالله- عند بعض الناس موجود، فبالتالي لا يجوز أن يُعار أمرد ليعمل عند شخص غير مأمون.

ثم قال: «وتضمن مطلقاً»، أي يد المستعير على العارية يد ضمان لا يد أمان، وهذا على خلاف الجمهور؛ فعند الحنابلة المستعير يده يد ضمان. ومعنى الضمان أنك ضامن على كل الأحوال؛ سواء تلفت بتعدٍ أو تفريط، أو بدون تعدٍ أو تفريط.

ثم قال: «فإذا تلفت العين عندك فعليك أن تضمن المثل بمثله». ما هو المثل يا سهيل؟ ما هو المثلي؟

الضبط هو: «كل مكيل أو موزون يصح وصفه، أسقطتُ -أحسنت- كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة». يجب أن تحفظ هذا الضبط؛ لأن كلمة المثل ستتكرر معنا في الغصب وفي كثير من الأبواب. فالمثل هو كل مكيل أو موزون. باختصار، إذا أعرتك شيئاً مكيلًا أو موزوناً، ككمشة حديد أو نحاس، فليس هذا بمثله؛ لأن هذا قد كفَّ الفرض. والاحتمال أنه إذا أعرتك مكيلاً أو موزوناً لم تدخله صنعة مباحة وتلف عندك، فإنه يجب أن ترد لي مثله، وإذا كان شيئاً ليس مثلياً، فعليك قيمته يوم التلف.

هل هناك إشكال من التلف مسامح فيه ومغتفر؟ قال: «لا، إن تلفت باستعمال بمعروف كخمل منشفة، أو إن كانت وقفية ككتب علم، إلا بتفريط».

هناك أحوال مستثناة أنت مسامح فيها ولا تعتبر ضامناً إلا إذا ثبت التعدي أو التفريط؛ أي أن الأحوال التي تتحول فيها اليد من يد ضمان إلى يد أمان.

أولاً: إذا تلفت باستعمال معروف، كخمل منشفة. لو استعرت من جاري منشفة واستعملتها لمدة شهر، والمنشفة عبارة عن وبر وصوف وخمل، ومعروف أنني استعرتها لأنشف بها وجهي، فإذا جاء آخر الشهر من كثرة الاستعمال والتحمم بها استهلكت، أي أن وبرها نقص، هل يطالبني بشيء؟ لا، لأن هذا تلف باستعمال المعروف، والعين طبيعة استهلاكها يقتضي أن ينقص حجمها قليلاً مع الوقت، وهذا في العرف تلف مغفور أو مسامح فيه.

ثانياً: إذا كانت العين وقفية. إذا ذهبت إلى مكتبة عامة أو مكتبة وقفية واستعرت كتاباً، كأن يكون رجلاً أوقف مكتبته لطلاب العلم، أو مكتبة مسجد، واستعرت منها كتاباً، فإذا تلف الكتاب هنا، فلا تضمن يدك؛ لأنها يد أمان ما لم يحدث تعدٍ أو تفريط، باعتبار أنه لا يوجد مالك معين للشيء، بل هي جهة عامة وقفية لطلاب العلم، فتخفف فيها.

ثم قال: «وعليه مؤنة ردها»، ومن الذي يتحمل مؤنة رد الشيء المستعار إذا كان له مؤنة؟ تكون على المستعير لا على المعير. قد تكون مثلاً عند شخص لديه مجموعة من الإناث من الخيل، فيستعير من رجل فحلاً ليطرقها، فيقول له: «أعطني إياه لمدة أسبوع لأجل مزرعتي ثم أرجعه لك»، فمن المسؤول عن تكاليف شحن هذا الفحل ذهاباً وإياباً؟ المستعير. وهذا هو الحق.

وهذه هي الصورة الثالثة من صور الاستثناء: «وإن أركب منقطعاً لم يضمن». والمنقطع هنا -كما يقول الشيخ أحمد- هو ابن السبيل الذي انقطع في سفره.

إذا أنا ماشي من عمان للعقبة، ورأيت رجلاً منقطعاً على الطريق، بصير يأشر، فركبته معك أو أعرته. طبعاً هي قديماً ممكن يكون الفكرة أنه يكون مثلاً قافلة أنا ماشي فيها ومعي جملي، وجمل آخر معي "جنيب" يسمونه، إذا بتع الجانب حاطه زيادة احتياط.

أنا ماشي في هذه القافلة معي جملي وجمل جنيب، أو فرسي وفرس جنيب اللي جايبه احتياطاً، فخلينا نحكي: شفت رجلاً يشير على الطريق منقطعاً، قلت له اركب هذا الفرس الفاضي، فاركبته. الرجل ما عمل شي في الطريق، ولكن قدر الله الفرس الذي ركبه هذا الرجل وقع وهو طالع فيه ونازل. هل نقول: تعال أنت، يدك يد ضمان؟ أنا أعرتك إياه، فيدك يد ضمان؟ قالوا: لا، هذه أيضاً حالة مستثناة، قالوا فيها اليد تبقى يد أمان، لا يضمن إلا بحصول تعدٍ أو تفريط.

ذكر صاحب الغاية المنتهى الشيخ مرعي اتجاهاً بعدم خصوصية هذه المسألة بالمنقطع، فعلى ذلك لو أركب سيارته شخصاً داخل البلد ثم تلفت. ليش أنا عدلت على المثال أنه أنا لقيته وركبته معي؟ الآن إذا أنت أركبته معك، أنت قائد السيارة، يعني أنت من النهاية ما أعطيته السيارة، أنت حملته معك. عشان هيك بدها تكون صورة المسألة أنه أنا عندي سيارتين، سيارة وجنيبها سيارة سبير، وأعطيته إياها وقلت له: خلص اطلع اركب فيها.

ممكن يجيك صاحبك يقول لك: شيخ أنا والله اليوم عندي مشوار ما عندي سيارة، ممكن تعيرني سيارتك؟ لو كان داخل البلد، وجاء صاحبه قال له: أعِرني سيارتك، فركب سيارتك، ثم تلفت السيارة معه، هل يده يد أمان ولا يد ضمان؟ على كلام صاحب الغاية المنتهى قال: ويتجه اتجاه أنه موضوع العفو وأن اليد يد أمان ليس فقط لابن السبيل، قال اتجاه أنه حتى في من كان داخل البلد. فيقول الشيخ أحمد: فعل ذلك لو أركب سيارته شخصاً داخل البلد، ثم تلفت السيارة حال كونه سائراً معه لم يضمن.

يقول أصحابنا الحنابلة في مسألة المنقطع، تكون الصورة زي ما صورناها قبل قليل، أنه أنا ماشي في القافلة وركبته بجنبي، يعني على الحصان الذي بجانبي، فيكون أنا معه في الرحلة، ما يكون وحده في الطريق، يعني مش يأخذ الجمل وحده ويكمل طريقه ويرجع لي إياه بعدين. إذا هو سيكمل الطريق وحده على بلد آخر وأنا أكمل على بلد آخر ويقول رجع لي إياه بعدين، لا، هنا حتى المنقطع، عفواً، المنقطع الذي يأخذها ليكمل بها طريقه وحده يضمن، وتكون يده يد ضمان.

خلينا نعيد المسألة لما قال: «وأن أركبه منقطعًا لله لم يضمن». خلينا نضع قيدًا فيها؛ هو ذكره عندكم في الحواشي أنه إن ترك تكون يده يد أمان وليست يد ضمان.

هذا الراكب إذا كنت أنا وإياه ماشيين في نفس الرحلة، ما خليته وحده يستقل ويذهب بالحصان لبلده وأنا ذاهب لمنطقة أخرى، فإذا كنت معه في نفس الرحلة في نفس الطريق وأركبته فحصاني، وعلى عينه هو ماشي جنبي، يعني أنا مش غائب عن الرجل، ففي هذه الحالة تكون يد أمان.

أما إذا أركبته هذا المنقطع، أركبته لله لكن طريقه سيكون مختلفًا عن طريقي وقلت له: "رجع الحصان بعدين سهل الله طريقك"، لا؛ هنا رجعت القاعدة الأصلية أن اليد يد ضمان. فلذلك لما قاس عليها السيارة قال لك نفس الشيء.

السيارة إذا بدنا نقيسها على الحصان، بدي أكون أنا ماشي في سيارتي وهو ماشي في السيارة جنبي، يعني إذا بدي أعيره سيارة "سبير" عندي في الدار، حتى تعتبر نفس صورة المسألة أنه أنا ماشي بالسيارة وهو ماشي بجانبي بسيارة التي أعرتها إياه، فتلفت معه لن يضمن، بس هي الصورة بتكون صعبة، يعني أنه بدي أمشي أنا وإياه في نفس الشبان، معناتها نادر أن تحصل هذا إلا إذا كنا ماشيين بفردة عص. ممكن يكون ماشيين جنب بعض لكن غير كده مش يعني.

السيارة تختلف عن الجمل والحصان، ليش؟ الحصان مكشوف ويأخذ مزاحه، المكان مفتوح. لا، هذه علة كلها طردية، هنا هي ما راح تؤثر على الحكم؛ قضية مكشوف قضية كذا، هو قضية أنه مركوب وأنه أنا عيني على سيارتي وهي بجانبي.

ممكن يعيرك تسوق سيارته هو بالسيارة، نعم، ممكن يعيرك تسوق سيارته وهو بالسيارة، مش شرط تكون أنت بسيارة وهو بسيارة. يعيرك تسوق السيارة وأنت بالسيارة، يعني أنه أنت وصلته، هو محتاج أنك توصله، حاب أنت تسوق.

هذه صورة أخرى، هي مش الصورة التي يحكي عنها الصول، يحكوا عنها أنه أنا أعرتك دابة. هسه هل إذا أنا كنت قائد الجمل وأنا قررت أنه تعال اركب أنت وخليني أنا وراك، هل أعتبر أنا هنا أعرتك؟ ممكن رجل مع ابنه مثلاً، واحد مع صديقه، هل هذه تسمى عارية؟ لا، هذه خدمة.

يعني أنا خدمة قدمت لك إياها، أقرب من أن تكون عارية؛ أنا ما أعطيتك عين، ما سلمتك عين، أنا موجود في العين، أنا معي بس خليتك تنتفع معي، يعني ممكن بس بدها تفكير أعمق.

صلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، حياكم الله.

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.