دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس الرابع والأربعون | تصرُّفات الغاصب/الشُّفعة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

سهلة، إلا ما علمته سهلاً سهلة. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «أخصر المختصرات» لابن بلبان الدمشقي الحنبلي رحمه الله تعالى. انتهى بنا الحديث في باب الغصب إلى القسم الثاني أو الأحكام التابعة لباب الغصب. الدرس الماضي كان في الأحكام الأساسية له، الآن سينتقل إلى الأحكام التابعة.

فقال عليه رحمه الله: «فصل: ومن اشترى أرضاً فغرس أو بنى ثم استحقت وقلع ذلك رجع على بائع بما غرمه».

يقول: «ومن اشترى أرضاً». أنا مواطن بريء، اشتريت أرضاً، غرست فيها أشجاراً أو بنيت فيها بناءً، ثم استحقت، أي بان أن الأرض التي اشتريتها ليست للبائع، بأن الأرض التي اشتريتها ليست من حق البائع أن يبيع لأي سبب من الأسباب. قد يكون البائع غصبها، قد يكون البائع هو أيضاً غرر به وهي مغصوبة من شخص قبله. فأنا في النهاية كمواطن ليس لي علاقة بالموضوع، وما كنت أعرف حيثيات أن هذه الأرض ليست من حق البائع، وإنما هي من حق شخص آخر تم غصبها أو الاستيلاء عليها بأي طريقة من الطرق، أو حتى شرائها بعقد باطل؛ ممكن يكون ليس غصباً، لكن ممكن يكون تم العقد عليها قبلي بعقد باطل.

كثيراً ما تحصل اليوم صورتها، أنه مثلاً شخص اشترى سيارة عن طريق بنك ربوي، أو عقد ربوي فيه فوائد، الآن ما حكم هذه السيارة؟ العقد عليها باطل مذهبياً، وما دام العقد عليها باطلاً لأن تم العقد عليها عقداً ربوياً، بالتالي هل هي من حق المشتري الذي اشتراها بالربا؟ لا، هي للبائع وليست للمشتري لأن العقد باطل.

بالتالي الآن هذا المشتري الذي اشترى السيارة أو الأرض بعقد ربوي، خيرين نمثل على الأرض الآن؛ إذا باعها، هل هو باع شيئاً له مذهبياً؟ لا. انظر كيف تتكاثر المشكلة، أنت لم تبع شيئاً لك لأن هذه الأرض اشتريتها بعقد ربوي فهو عقد باطل، بالتالي السلعة ما زالت ملكاً للبائع وثمنك ما زال لك، فأنت إذا ذهبت فبعتها، أنت بعت شيئاً لا يحق لك أن تبيعه، فبعتها لشخص مواطن مسكين. هذا المواطن المسكين جاءه شخص وقال له: يا أبا فلان، هل ترى الأرض التي اشتريتها من هذا البائع؟ لقد اشتراها بعقد ربوي، وهذه ورطة؛ يعني هو باعني شيئاً لا يمكن أن يبيعه لأنه ليس ملكاً له في الشريعة الإسلامية، على الأقل على مذهب الحنابلة.

أنت بعتني شيئاً استحقت، فهي بانت مستحقة. بيان الاستحقاق له صور كثيرة؛ إما أن الأرض مغصوبة، إما أن الأرض تم العقد عليها ابتداءً أصلاً بعقد ربوي، وتبدأ الإشكالات. ففي هذه الحالة أنا كمواطن اشتريت هذه الأرض وما كنت أعرف أنها مستحقة لشخص آخر سوى البائع، فغرست أو بنيت ثم عرفت ذلك.

الآن نحن عرفنا في الدرس الماضي أنه من غصب أرضاً فغرس أو بنى ماذا سيفعل؟ يقلع، ليس فقط يقلع بل يقلع ويضبط الأرض، كل هذه الأمور على من ستكون الآن؟ أنا كمشتري مطالب أن أفرغ الأرض فعلياً، لكن كل ما دفعته من غرس أو بناء وتسويه سأرجع فيه على البائع؛ سأقول للبائع: أنا بنيت وغرست بقيمة كذا وكذا، والآن طُلب مني أن أفرغ الأرض لأنها باتت مستحقة لشخص، فأنا في النهاية غرر بي. سواء كنت يا بائع تعرف أو لا تعرف، في النهاية انتهت القضية، أنت أيها البائع مسؤول عن أن تعوضني، إذا كنت أنت يا بائع الغاصب فدبّر حالك، وإذا كنت أيضاً قد غرر بك فتعود على من غرر بك، وهكذا تبقى سلسلة متراكمة حتى نصل للمتسبب الأول في هذه الإشكالية.

إذن: «ومن اشترى أرضاً فغرس أو بنى ثم استحقت وقلع ذلك الغرس أو البناء رجع المشتري على بائع بما غرمه».

ثم قال: «وإن أطعمه لعالم بغصبه ضمين أكل». إذا غصبت شيئاً، غصبت طعاماً وأطعمته لشخص، ممكن رجل غصب ماءً أو غصب طعاماً وأطعمه لزوجته، وهذا كثير ما يفعله أصحاب النفوس المريضة، يغصب أو يسرق، وطبعاً هي نفس الفكرة لأن الغصب والسرقة هنا باب واحد؛ أخذت شيئاً بغير حق. فإذا غصبت طعاماً أو سرقته وأطعمته لعالم بغصبه، إذا كانت زوجتك تعلم أن هذا الماء الذي أتيت به إلى المنزل مغصوب أو مسروق، أو أن هذا الطعام الذي أتيته به مغصوب أو مسروق فأكلت وهي عالمة بذلك، فهي تضمن؛ لأن القاعدة في الضمان هي: «إذا اجتمع المباشر مع المتسبب فالذي يضمن هو المباشر».

الغاصب هنا متسبب في تلف الطعام، لكن من المباشر لإتلاف الطعام الذي أكله؟ المباشر للإتلاف هو الذي أكل، والغاصب أو السارق يعتبر متسبباً. وقاعدة الضمان: إذا تعارض المباشر للإتلاف مع المتسبب للإتلاف فالأصل أنه يضمن المباشر، لكن هنا كما قلنا بشرط أن يكون المباشر عالماً بغصبه. أما إذا أطعمت زوجتك هذا الطعام المغصوب أو المسروق وهي جاهلة بذلك، فيبقى الضمان على المتسبب؛ لأنه هنا المباشر لم يكن يعرف أنه يتصرف في شيء ليس له حق أن يتصرف فيه.

إذن: «وإن أطعمه» أي أن أطعم الطعام أو الشراب، إذا أطعم الغاصب الطعام أو الشراب لشخص آخر يعلم الغصب، فالذي سيضمن هو الآكل وليس الغاصب.

ثم قال: «ويضمن مثله بمثله وغيره بقيمته». هذه قاعدة الضمان عموماً في المذهب؛ أن المثليات تضمن بمثلها. وقلنا ما هو المثل؟ «كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة». أحسنت، كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة يصح السلم فيه، إذاً لا بد أن يكون مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة يصح السلم فيه، يعني يمكن ضبطه بالصفة حتى تطالب برد المثل، وكل ما ليس كذلك فعليك أن ترد قيمته. ونعرف أن الغاصب يده على ما في يد غيره يد ضمان لا يد أمان، الضمان مثل من؟ لا، الوديعة يد أمان، أما العارية، أحسنت، مثل العارية.

ثم قال: «وحرم تصرف غاصب بمغصوب ولا يصح عقد ولا عبادة». حرم تصرف الغاصب بالشيء الذي غصبه، ولا يصح عقد على هذا الشيء المغصوب، أي عقد سيعمله على الشيء المغصوب حكمه باطل.

فلا يصح أي عقد على شيء أنت غصبته أو سارقته، ولا عبادة؛ أي مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، أو الوضوء بالماء المغصوب، أو الصلاة في الثوب المغصوب إذا كان الشخص عالماً عامداً ذاكراً.

فنحن عرفنا في باب الطهارة والصلاة أنه من صلى في أرض مغصوبة، أو من توضأ بماء مغصوب، أو من استجمر بحجر مغصوب، أو ستر عورته في الصلاة بثوب مغصوب عالماً، فكل هؤلاء ما حكم أعمالهم؟ أعمالهم باطلة. فلا يصح العقد بالأشياء المغصوبة، ولا تصح عبادة فعلت بشيء مغصوب، وطبعاً بشرط أن يكون الشيء المغصوب له أثر مباشر في العبادة، أما إذا لم يكن له أثر مباشر فهذا لا يؤثر على العبادة.

قالوا: لو كان الماء في إناء مغصوب، الذي توضأت منه الآن في إناء مغصوب وضعت فيه ماء وتوضأت منها، هنا صح؛ لأن عنصر الغصب في المشهد ليس مباشراً في العبادة بل هو ثانوي تبع، فمثل هذا لا يؤثر على صحتها، وإنما الذي يؤثر هو ما كان له أثر مباشر في العبادة، كالماء نفسه أن يكون هو المغصوب، أو المكان نفسه الذي تصلي فيه يكون هو المغصوب، أو ما شابه ذلك.

قال: «والقول في تالف وقدره وصفته، قوله وفي رده وعيب فيه قول ربه».

إذا غصب شخص شيئاً فتلف، ثم لم تُرفع قضية عليك للمحكمة، وقع خلاف بين الغاصب والمغصوب منه في تحديد ماهية الشيء التالف كجنس، أو وقع الخلاف في مقدار الشيء التالف. أنا مثلاً أنت غصبت مني عشرين كجنس، أنا أدعي أنك غصبت مني شعيراً، وأنت كغاصب تقول: لا، الذي غصبته منك قمح، وهكذا نختلف في جنس المغصوب. وممكن نختلف في قدره، أنا غصبت منك عشرين صاعاً، فالغاصب يقول: أنا غصبت منك عشرة فقط. أو نختلف في صفته، أنا غصبت منك زيت سنة هذه، فتقول أنت: لا، بل غصبت مني زيت قديم، أو زيت منطقة معينة.

إذا اختلفنا في تالف المغصوب، فما هو القول؟ قالوا في تحديد جنس التالف وقدره وصفته: القول قول الغاصب، وليس هذا القول قول ربه. ومعنى أن القول قول الغاصب أي من المطالب بالبينة؟ المغصوب منه هو المطالب بالبينة، والغاصب مطالب باليمين فقط. لماذا رجعنا لقول الغاصب؟ لأن القاعدة في باب القضاء أن الغارم الأصل قوله؛ لأن المطلوب منه هو الذي يدفع. الغصب ثبت، لكن نحن مختلفون في جنس المغصوب أو مقداره أو صفته، فنقول دائماً الغارم -أي الذي مطلوب منه أن يدفع- فالقول قوله في تحديد الجنس والقدر والصفة. وهذه ليست قاعدة في الغصب فقط، بل هي قاعدة عامة؛ أن الشخص المطلوب منه هو الذي سيدفع للطرف الآخر، فنعتبر قوله في تحديد الجنس أو القدر أو الصفة.

أما في الرد والعيب، قال: «وأما في رده وفي عيب فيه فالقول قول ربه». في مسألة الرد واضحة أن الأصل أنك لم ترده لي، الآن ثبت الغصب، أنا أقول يا قاضي ما أرجع لي الشيء الذي غصبه، فهو الغاصب يقول: لا، ترى أنا أرجعته لك، ثم تلف عندك. هنا من المدعي ومن المدعى عليه؟ دائماً المدعى عليه هو المتمسك بالأصل. ما هو الأصل؟ الأصل أنك لم ترده حتى تثبت أنك رددته. نحن الآن اليقين أنك غصبت، والخلاف هل رددت أم لم ترد؟ فنحن عادة نبني على اليقين، واليقين أنك غصبت، أما هل أرجعت أم لم ترجع فهي نقطة خلافنا، فالأصل أنك لم ترجع حتى تثبت أنك فعلت، لذلك قال: وفي رد الشيء المغصوب القول قول ربه، أي قول المغصوب منه وهو المالك الحقيقي.

وقال: «وعيب فيه»، هل يوجد عيب فيه؟ هل تعيب عند الغاصب أم بالأصل المتعين؟ عندما نقول الأصل قول ربه، ماذا سيكون في قضية العيب؟ العيب عند الغاصب، أن مثلاً وجد فيه عيباً واختلفنا: هل صدر العيب عند الغاصب أم عند المغصوب منه؟ المغصوب منه سيقول: حدث العيب عند الغاصب، فالقول قول ربه وليس قول الغاصب. لأن الغاصب لو قال: أنا غارم، على قاعدتك سيقول لك: أنا غارم، وأنت تريد أن تلقي العيب عليّ، فيقول المغصوب منه: أنت غصبت مني السلعة سليمة بدون عيب.

الغاصب ماذا يقول؟ يقول: لا، غصبتها متعيبة. هذا هو مكمن المسألة؛ لماذا مصلحة الغاصب أن يقول إنني غصبتها متعيبة؟ حتى يخف عليه الدفع. فن الغاصب سيقول: أخذتها متعيبة، والمغصوب سيقول: أنت أخذتها سليمة. اختلفوا هل أخذها متعيبة أم سليمة؟ ما هو الأصل؟ الأصل أنها سليمة. أنت كغاصب ملزم بأن تثبت أنك أخذتها معيبة، وأنا كمغصوب منه أقول: أنت أخذتها مني سليمة، فإذا حدث عيب عندك، فقل إنك أخذتها سليمة وأنت مطالب بالبينة. فالأصل عدم العيب. دائماً يجب أن تكون في مهارتك الفقهية قادراً على تحديد ما هو الأصل في الأشياء؛ فالأصل في الأشياء السلامة، والأصل فيمن ثبت في ذمته شيء أنه لم يرده. لما تصبح لديك مهارة في تحديد الأصول، يصبح سهلاً عليك أن تحدد من المطالب باليمين ومن المطالب بالبينة.

ثم قال: «ومن بيده غصب أو غيره وجهل ربه فله الصدقة به عنه بنية الضمان ويسقط إثم الغصب». إذا غصب شخص شيئاً -وهذه مسألة مهمة إخواني- أو صور كثيرة أنك أودعت شيئاً وجهلت ربه، أو ضاع ربه ولم تستطع الوصول إليه، أو مات ولم تستطع أن تصل إلى ورثته، فهذه ممكن أن تصير معك. أما أن تغصب شيئاً أو تأخذ شيئاً بغير حق ثم تندم، فمثلاً بعد عشرين سنة تقول: يا شيخ، أنا أخذت من شخص قبل عشرين سنة عشرين ديناراً والآن لا أعرف كيف أصل إليه، لا أعرفه ولا أعرف أراضيه ولا أعرف ورثته. فإذا أنت غصبت منه مالاً أو احتلت...

عليه في مال، أو أخذت مالاً منه بغير حق، أو أودعك وديعة؛ إذا قال أو غيره، لأن قد تكون المسألة في غير صورة الغصب، قد تكون واحدة وضعت عندي وديعة وغابت أخبارها، ما أعرف أين ذهب ولا من ورثته ولا أي شيء، أليس كذلك؟

في هذه الحالة ماذا تفعل؟ يقولون: «ومن بيده غصب أو غيره -يعني وديعة- وجهل ربها». ما عدت أعرف كيف أصل إلى ربها أو إلى ورثتها؟ هنا عندك حلان: إما أن تتصدق به عنه بنية الضمان، إما أن تتصدق بهذا المال المغصوب أو المودع عندك وجد عن صاحبه بنية الضمان، فله الصدقة به عنه، بس بدك تعرف أنك ستتصدق على نية الضمان.

ما معنى بنية الضمان؟ يعني إذا جاء في يوم من الدهر فإنا ضامن له، هذا معنى بنية الضمان؛ أنه إذا جاء وبان في يوم من الدهر أنني ضامن له. الحل الآخر هو أن تسلمه للحاكم. قالوا: أو يسلمه للحاكم. يعني واحد يقول لك: لا، أنا شيخ بنية الضمان، أنا لا أريد أن أتصدق عنه ثم أكتشف بعد سنة وسنتين أن الرجل جاءني ومبلغ ألفان وأنا مطلوب مني أن أضمنه له.

طبعاً أنت مطلوب تضمنه له في حال أنه لم يقبل الصدقة، هو إذا قال: خلص أنا قبلت أنك تصدقت، جزاك الله خيراً خلصنا، بس إذا هو ما قبل، قال لك: لا، بدي إياك تضمن لي إياه، فأنت لا تريد أن تضمنه، فممكن شخص يخاف من مسلك الصدقة يقول لك: خليني في الطريق السليم وسلم للجهات القضائية وهم يدبرون أنفسهم معه، هذا لمن يبحث عن السلامة.

لكن إذا كانت الجهات القضائية تمنع، بدك تنتبه لو أن هناك مشكلة هنا، بالتالي يا إما أن تحافظ عليه عندك حتى يأتي صاحبه، يا إما تتصدق فيه وعسى ربنا عز وجل أن يكتب لك الأجر، وإذا جاء صاحبه تعوضه، لكن هو مذهبياً قالوا: إما أن يتصدق به عنه بنية الضمان، وإما أن يسلمه للحاكم.

قال: ويسقط إثم الغصب في حال أنك تصدقت به عنه أو سلمت للحاكم. خلص يسقط إثم الغصب؛ لأنك الآن لم تعد غاصباً، كأنك الآن تريد أن تتخلص من موضوع الغصب، أنت إذا كانت القضية قضية غصب فأنت الآن غاصب شيء أو ماخذه بغير حق، وتشعر بالإثم، وتقول: أنا متأثم، أريد أن أفتك يا شيخ من هذا الحرام، وأنا أجهل ربه. أقول لك: تريد أن تفتك من الحرام؟ إذا كنت الآن تعرف ربه عليك أن ترجعه إلى ربه أو إلى ورثته، لكن إذا جهلت ربه وبدك تخلص من إثم الغصب، فلك خيار الصدقة ولك خيار التسليم للجهات القضائية.

تفضل. - هل يدخل في اللقط الشيء الذي قصر في التعرف عنه؟

نعم، هذا في النهاية يأخذ الآن في مشكلة، يعني في النهاية يريد أن يعرف، أنت إذا قصرت في التعريف فسترجع لتعرفه، لا يريد متعة في التفصيل، الآن خلص أصبحت معتدياً. فإذا أصبحت معتدياً، يعني لم تقم بالتعريف المطلوب منك، فأنت ضامن مطلقاً هنا، وبالتالي عليك إثم، وبالتالي إذا أردت أن تخرج من إثم هذه العملية؛ إما أن تتصدق به عنه، وإما أن تسلمها للجهات القضائية، ولا يتصدق بنية الضمان.

نعم، ثم قال: «ومن أتلف ولو سهواً محترماً؛ ضَمِنَه». «ومن أتلف ولو سهواً محترماً»، إذا أنت تتلف واحداً محترماً، عليك أن تضمنه. هنا مسألة مهمة؛ ذكر الشيخ أحمد ضوابط عامة في قضية الإتلاف عموماً، لأن الإتلاف قاعدة عامة ليست متعلقة فقط بباب الغصب.

قواعد الإتلاف: متى يضمن الإنسان شيئاً أتلفه؟ أولاً: أن يكون المتلف مالاً شرعياً. إذا لم يكن مالاً في الشريعة، قد يكون مالاً عند الناس لكنه ليس مالاً في الشريعة، مثل الخمر. ثانياً: أن يكون مالاً محترماً. فمال الحرب إذا أتلفته، قد يكون له قيمة شرعية كالذهب والفضة، لكنه غير محترم لأنه مال حربي.

فقالوا: لابد أن يكون مالاً شرعياً، وأن يكون محترماً. فإذا كان مال حرب فهو مال غير محترم، فإذا أتلفته لا أضمن. لذلك لما قلنا في الدرس الماضي عن موضوع جلد الميتة؛ إذا غصبته فتلف، هل تضمنه؟ جلد الميتة، أو الكلب الذي يقتنى، أو خمر الذمي، لا تضمن؛ لماذا؟ لأن ليس مالاً شرعياً. الكلب الذي يقتنى ليس مالاً شرعياً، والجلد الميت ليس مالاً شرعاً وإن كان يصح الانتفاع به في اليابسات، وخمر الذمي المحترم ليس مالاً شرعياً.

فلا بد أولاً حتى أثبت الضمان في ذمتك أن يكون الذي أتلفته مالاً في الشريعة. وما هو تعريف المال الشرعي يا مشعل؟ هو «ما يباح نفعه مطلقاً من غير حاجة ولا ضرورة»، هذا تعريف المال في الشريعة الإسلامية. كما قلنا الشرط الثاني أن يكون محترماً.

ثالثاً: أن يكون المتلف ممن يضمن مثله. وهذه أخرجنا بها المسألة، إذا تتذكرون مرت معنا في باب الحجر؛ إذا سلمت مالك إلى محجور عليه لنفسه كالصغير أو المجنون أو السفيه فتلف في أيديهم، قلنا لا يضمنون، لأنك أنت الذي دفعت المال إليهم. فالمحجور عليه لا يضمن، وإنما يضمنون إذا هم جاؤوا على مالك، أما إذا أنت أعطيتهم المال فتتحمل مسؤولية تقصيرك.

رابعاً: أن يكون المتلف ليس مكرهاً. فإذا كان مكرهاً، فالذي يضمن هو المكره وليس المباشر. إذا وضعوا عليك مسدساً وقالوا لك: أتلف هذا الشيء وإلا طعنتك، فأنت أتلفته؛ الذي يضمن حقيقة هنا ليس المتلف المكره.

طبعاً تبقى مسألة: إذا أتلف شخصاً؛ هنا يضمنان كليهما، لكن المسألة تستثني القتل؛ أنه إذا أكرهتك على قتل شخص ما، لا يجوز أن تقتله، فإذا قتلته يختص به المكره، فهذه مسألة إتلاف الأشخاص، أما إتلاف الأعيان فلا مشكلة لو أتلف...

قال لك: «بطخك ولا تتلف»، لا أتلفها، فليس هناك داعٍ لتموت من أجلها، ونحمل القضية على المكره. إذاً هذه أربعة شروط لضمان المتلفات: أن يكون مالاً شرعاً محترماً، والمتلف ممن يضمن مثله، وأخرجوا بهذا المحجور على أنفسهم إذا سلموا المال، رابعاً: أن يكون باختياره وليس إكراهاً.

قال: «وإن ربط دابة». طبعاً في الإتلاف لاحظ ما اشترطنا؛ ألا يكون شرطاً أن يكون عمداً. ما اشترطنا أن يكون عمداً، فالشروط الأربعة لا تتضمن العمد، لأنك تريد أن تضمن ما أتلفته سواء أتلفته عمداً أو سهواً؛ فإذا ضربت سيارة جارك بالخطأ تضمن، وإذا وقع شيء على سطح جارك تضمن، ما دمت مباشراً أو متسبباً في حكم المباشر، وطبعاً ستأتي التفاصيل هنا.

قاعدة نظرية الضمان إخواني في الشريعة نظرية مهمة، وأظن كتاب «فتح الدليل» عندكم، هذا الكتاب ألف في نظرية الضمان. الضمان له فلسفة في الشريعة، وكل مذهب وضع فلسفته الخاصة. أنصحكم بتخرج كتاب نظرية الضمان لفتح الدليل؛ لأنه يعطيك تصوراً عاماً كيف بنيت نظرية الضمان في الشريعة الإسلامية؛ متى أعتبر مباشراً؟ ومتى المتسبب يأخذ حكم المباشر فيشترك معه في الضمان؟ ومتى المتسبب لا يأخذ حكم المباشر فلا يشترك معه في الضمان؟

لهذه النظرية قواعد في الشريعة الإسلامية، ولما تقرأها كفكر متكامل تتنور أكثر، فعندما تصبح تدرس الفقه المذهبي تصبح فاهماً لفلسفة الموضوع، وليس فقط كمسائل متناثرة في باب الغصب أو الضمان. النظريات علم معاصر، والنظريات تساعدك على أن تحكم الفكرة وتفهم فلسفة الموضوع، وهذا مهم.

لذلك مثلاً لاحظ ماذا قال في المسألة بعدها: «وإن ربط دابة بطريق ضيق ضمن ما أتلفته مطلقاً، وإن كانت بيد راكب أو قائد أو سائق ضمن جناية مقدمها ووطئها برجلها».

إن ربطت دابة، وانظر كيف ستختلف هذه المسألة في بعض الصور؛ فأنت في بعض الصور تعتبر متسبباً، وفي صور أخرى لا تعتبر متسبباً، وما عليك ضمان. كل مذهب له نظرته في هذه القضية. مثلاً إذا ربطت دابة، وقديماً كانت وسيلة النقل هي الدواب لا السيارات، فالمتصور أن الواحد يمسك له فرساً أو جملاً وينزل ليشتري حبة بندورة من البياع، فيضع الفرس أو الجمل على الباب ويربطه أو ينسى ربطه، فهذا هو المتصور عندهم، فيقول لك: «إذا ربطت دابة بطريق ضيق».

الآن كلمة «ضيق» من الأمور التي نوقش فيها ابن ملبان؛ لأن المذهب عندنا أن الأمر ليس متعلقاً بالطريق الضيق كما ذكر في «الإقناع» و«المنتهى»، بل سواء كان الطريق ضيقاً أو واسعاً فالحكم واحد، فهنا قالوا وقعت منه مخالفة للمذهب المعتمد في هذا القيد. وطبعاً ما ذكره ابن ملبان هو رواية أخرى في المذهب، وليست هي المعتمدة كما في «الإقناع» و«المنتهى»، إذ إن من ربط دابة بطريق، سواء كان ضيقاً أو واسعاً، ضمن ما أتلفته الدابة مطلقاً.

ما معنى الإطلاق هنا؟ قالوا: سواء كانت يده عليها، أي هو واقف بجانبها، أو كان قد دخل يشتري البضاعة من السوق وتاركها ولا يعرف ماذا تفعل، في كلا الحالتين أنت ضامن؛ باعتبار أن هذا طريق والناس تذهب فيه وتأتي، فالأصل أن تحتط، وإذا رأى أن هذا الطريق يطرقه الناس فالأصل ألا يربط الدابة فيه أصلاً، بل يبحث عن مكان بعيد عن الناس ويضع الدابة في مكان ليس في الطريق العام الذي يرتاده الناس.

فإذا ربطت دابة في طريق ضيق أو واسع فأنت مسؤول عما ستجني الدابة؛ سواء رفصت في رجل رجل، أو ضربت بذيلها شخصاً في وجهه فجرحته، أو كسرت شيئاً في البقالة؛ فبما أنك ربطتها في طريق فأنت تتحمل مسؤولية الدابة سواء كنت معها أو كنت غائباً عنها لقضاء حاجة من حوائجك.

ثم قال: «وإن كانت بيد راكب»، إذا كانت الدابة ليست مربوطة بل تمشي والراكب فوقها، أو قائد لها، والقائد هو الذي يمشي أمام الدابة، أو سائق لها وهو الذي يمشي خلفها؛ فالذين يسوقون الإبل يكونون خلفها والذين يقودونها يكونون أمامها، وهذا لتعرف الفرق في اللغة بين قائد الإبل وسائق الإبل.

إذا كانت الدابة التي تمشي أنت راكب عليها أو قائد لها أو سائق لها، فما الذي ستضمنه في هذه الحالة؟ ومتى تعتبر هنا متسبباً؟ في الحالة الماضية مجرد ربطك لدابتك في طريق الناس يجعلك متسبباً وتضمن. أما في حالة الدابة وهي ماشية، فلنطبقها على حوادث السيارات اليوم؛ إذا كنت راكباً في السيارة، ماذا تضمن من جناية سيارتك؟ قال: «ضمن جناية مقدمها».

لهذا السبب في قانون السير إذا ضربت شخصاً من الخلف فأنت الذي تضمن، لأن السائق الخلفي هو الذي يضمن؛ لأنه يجب أن تسيطر على سيارتك من الأمام وأنت تراها أمامك، فكذلك يقولون من ركب دابة، سواء كنت تسوقها أو راكباً فيها، فالأصل أنك ترى أمامها، فإذا أتلف شيئاً بمقدمها، كأن هضمت شيئاً، فالأصل أنك ماسك الزمام، فالراكب لا يكون ماسكاً للزمام، فإذا أتلف شيئاً بفمها فمعناه أنك متسبب لأنك لم تسيطر عليها تماماً، هكذا قال الحنابلة.

وكذلك «وطئها برجلها»، لأنك أنت الذي تتحكم في مشيها، فإذا وطئت برجلها -بالخطأ- طفلاً رضيعاً أو كيس بندورة موجوداً على جانب الشارع فأنت ضامن؛ لأنك تتحكم في أين تضع رجل هذه الدابة. كذلك في السيارة، إذا خرجت سيارتك على رصيف أو على شخص فاتح بسطة على الطريق، فأنت المسؤول عن عجلاتها، وهذا منطقي.

قالوا: بخلاف ما لو تحركت حركة برجلها لا وطئاً بها، قالوا: لو رفصت برجلها أو بذيلها في هذه الحالة أنت غير مسؤول؛ لأن هذا صعب في السيارات أن يحدث، لكنه يحدث في الحيوانات، فهناك حركات لا إرادية تصدر من الحيوانات لا أستطيع التحكم فيها، فهنا لا عليك مسؤولية؛ كأن يأتي شخص من وراء فرسك، فترفص الدابة فترجمه أو تضربه بذيلها.

الطفل ورامي، بس أنا ما بقدر أتحكم بذيله. فهنا أنت، أو مثلاً الدابة وهي ماشية، عملت لها حركة ما وطئت، أو ضربت برجلها هكذا ذات اليمين، هي لحالها عفوياً ضربت برجلها ذات اليمين أو ذات الشمال؛ ما أضمن أنا، أضمن أين تضع رجلها الذي تطأه برجليها لأني أنا مسؤول، لكن وهي ماشية فجأة عملت لها ضربة يمين برجلها أو ضربة شمال، هذا يعني في النهاية هذا كائن حي له إرادات.

ولذلك جاء في الحديث: «العجماء جبار». شو يعني العجماء جبار؟ العجماء يعني الدابة، ما تضربه برجلها وما تتلفه، مش جبار يعني هدر، يعني ما أحد يضمنه لأنه هذا كائن حي له ضربات عشوائية، فما ترفصه بذيلها أو ما تضربه برجلها هدر؛ كما قال النبي ﷺ: «العجماء جبار»، وفي رواية: «جرحها جبار»، لكن العجماء جبار.

بالتالي بدك تفهم، لاحظ أن هذا الكلام -وهكذا دائماً إخواني- الفقه الإسلامي؛ أنا لا أريده أن الإخوة ليس فقط يحفظوا كتاباً، لا، بدنا الوعي؛ أن العجماء جبار. إذاً هذه مش على إطلاقها عند الحنابلة، هذا الحديث مخصوص. صح، بيجي واحد يقول لك نحن جماعة فقه الدليل، وبيجي يقول لك العجماء جبار خلص معناها أي شيء بتعمله الدابة هدر، لا؛ يعني في تفصيل، العجماء جبار في الحركات التي أنت لا تسيطر عليها ولست مسؤولاً عنها، أما ما تجنيه بمقدمها وتطأه برجلها فلا مش جبار.

إذاً لاحظوا حتى عموم أحاديث النبي ﷺ يخصص بأحاديث أخرى، أو آثار صحابة، أو حتى المصلحة، أو ما تقتضيه المصلحة الشرعية والمقصد الشرعي. هذه فلسفة يا إخواني؛ أنني كيف أخصص النص العام بالمصلحة المرسلة؟ أخذنا المصلحة المرسلة، وكيف أخصصه بأثر صحابي؟ أن نشوف الصحابة، يا أخي لا، ضمنوا ما تجنيه الدابة بفهمها، فنعرف أن حديث «العجماء جبار» هذا مخصوص وليس على عمومه كما يفهم البعض. هذه قضية تحتاج منك إلى جهد كبير في تتبع آثار الصحابة وتتبع اجتهادات العلماء، وهذا مهم جداً أن يفهم الإنسان.

مثلاً السيارات، ممكن يكون قلاب كبير مثلاً ينفتح يضرب السيارة وراء وكذا. على مسألة، والله شوف شيخ، لا؛ يعني هذه حركات مبنية على... برضه أن تكون متأكداً متوثقاً من أنك أغلقت الباب الخلفي بإحكام، أحياناً ممكن تكون المشكلة منك، يعني أنت مش مسكر الباب الخلفي للبيك أب ففتح. يعني مش على إطلاقها، تحتاج إلى تفصيل؛ أن ممكن تأتي لجنة تثبت أن الباب الخلفي للبيك أب، الرمل أو الإسمنت أنت لازم تغلقه، فنزوله هو نتيجة عدم إغلاقه بإحكام.

بدي أقول هنا أنت مش رح تضمن، لكن ممكن نفهم كلامك أنه إذا كان مغلقاً بإحكام تماماً الباب الخلفي، وجاءت لجنة وخرجت وأثبتت أنه كان مغلقاً بإحكام، لكن خلص في هيك قدر سماوي، لا يعلم أنه فتح، تمام مثل هذه. ممكن الأعجوبة الناقلة التي وقعت في مكة، بتذكروا قبل سنوات وقعت داخل الكعبة فقتلت أناساً؛ الآن والله إذا ثبت أن الرجل أحكم تثبيتها ومتقن تثبيتها، وإنما ريح عاتية غير متوقعة خارج الأقدار جاءت فضربتها، هذه لا يضمنها صاحبها. لكن ثبت أن هناك نوع من الإهمال وعدم تثبيتها بالشكل القانوني والضوابط الأمنية، وبالتالي لما جاءت الريح جاءت على شيء غير متقن، ساعتها بده يضمن.

فهنا نأتي بقولنا لنظرية الضمان: ما مدى التسبب هنا؟ بدك تأتي لما مدى التسبب من هذا الشخص حتى أقول إنه أضمنه ولا ما أضمنه؟ في بعض الأمور تبقى تحتاج إلى لجان تضبطها، حقيقة تحتاج إلى لجان تضبط؛ لأن التسبب جانب منه عرفي، كل صنعة لها قوانينها في الأحكام والأمان، فبالتالي العرف هو الذي سيحدد.

تفضل شيخنا، في قانون السير أنه الذي يضمن دائماً هو الذي يضرب بالمقدمة. مش يحصل إشكال أنه أحياناً الذي في الأمام يقف موقوفاً مفاجئاً؟ لا، كلامك صحيح، لأنه يجب أن يكون عنده مسافة أمان. حتى لو مسافة أمان؟ لا، بس هي فكرة أنه أحياناً يسحب فيها، أحياناً بتثبت الكاميرا أن ذاك هو رجع بشكل مفاجئ، يعني أنا عامل مسافة أمان وذاك رجع فجأة خابط فيك، طب أنا في النهاية أنا واقف، أنت ليش ما نظرت في مرآتك؟ التقصير منك، راجع هيك في القانونية.

ثانياً، لما تلاقي واحد مثلاً ماشي وقف فجأة، لكن إذا رجع هي مسألة أخرى، إذا رجع هو... تمام. طيب إذا أنا مثلاً في قانون السير عندنا، إذا أنا أسير وتارك مساحة أمان وذاك وقف بشكل مفاجئ مذهل، لو حتى لو أنك تارك مسافة أمان 100%، مسافة أمان نص شرح في "الإمتع" يعني شرطك 150% مستحيل. خلص، إذاً أنا ما أدري الشيخ شكله بيدافع عن خمسة.

شوف، أنا قلت لك ممتاز، إذا في شيء يضبط، وأنه لو في مسافة أمان صحيحة أنت ملتزم فيها مهما وقف الذي أمامك أنت تستطيع التحكم بأمورك. إذا في شيء ضابط، يعني هذا يرجع فيه إلى هذه الخبرة في المجال أيضاً.

عن السيارة مثلاً، سؤال أول: إذا أوقف سيارته بطريقة واسعة وظلت واسعة، لأن السيارة ما تتحرك، يعني هي ما تتحرك من نفسها، ضمن ماك مطلقاً؟ هذا البداية. نعم، هذه أقرب الأمثلة للدابة؛ أنها ممكن تتحرك في الطريق وتروح وتمشي وترفص برجلها، بالتالي أنت كيف توقفها في طريق عام؟ الآن السيارة، بقول لك نحن الآن كلها عبارة عن اجتهادات وتفكير، تخريج عن المذهب معاصر.

وجود سيارة في الطريق العام، كيف بدها تتلقى؟ هذا السؤال يعني ممكن بحالة واحدة؛ صاروا تحت، كان في الكوابح فيها مشكلة، أو سيول، أو ما حكمت... مثل قضية أن سيارة أنت ما وقفتها في طريق عام وما أحكمت رفع الكوابح "البريكات" وفعلاً ارتخت ونزلت. حتى نضع باباً جامعاً: إذا ثبت التسبب، فحنا نخرج لجنة هي التي ستثبت لنا أنه أنت متسبب، أنت متسبب. أما الدابة، إيش مشكلتها؟ أن هي مجرد ربطتها في الطريق العام، مشكلة هي مجرد ربطتها في الطريق العام، هي دابة بتتحرك، هذه مش جمال مش صخرة ثابتة في مكانها وانتهت كالسيارات.

طيب، خلها بعديها، خلها بس حتى نمشي على باب الشفعة، الله يرضى عليك، كمل باب الشفعة. تعريف...

نبدأ بالتعريف؛ الشفعة أيها الكرام، طبعاً الشفعة أصلها مأخوذ من الشفع، والشفع هو ضد الفرد والوتر، فالشفع هو الزوجي.

أما معناها شرعاً، فالشفعة ليست عقداً، بل هي حق من الحقوق؛ لذا يسمى حق الشفعة، كما أن إحياء الموات ليس عقداً بل هو حق من الحقوق. تعريفها: استحقاق الشريك انتزاع نصيب شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي، إن كان مثله في الدين أو دونه.

سأشرح لكم الآن صورة الشفعة: أنا والشيخ عمر اشترينا أرضاً معاً، لكننا لم نفرزها، أي أن المنطقة لي والمنطقة لك، لكن على وجه الشيوع، بحيث توجد نسبة مئوية معروفة، أنا لي النصف وأنت لك النصف، أو أنا لي الثلث وأنت لك الثلثان، ولكن العين التي لي من هذه الأرض مجهولة. وهذا هو معنى المشاع؛ أن تكون النسبة معلومة لكن العين التي لك بالضبط مجهولة، لأنها لم تُفرز بعد.

فأنا لي ربع من هذا المكان، أو نصف، أو سدس، لكن أين السدس بالضبط لم يتم تعيينه. فإذا أنا والشيخ عمر اشترينا أرضاً معاً على وجه الشيوع، وبعد سنتين قرر الشيخ عمر أن يبيع نصيبه لمشعل، ولم يخبرني بذلك، وفجأة أجد مشعل جاء إلى الأرض، فأقول له: حياك الله يا شيخ مشعل، ماذا تفعل؟ فيقول لي: أنا اشتريت الأرض من شريكك.

فأقول له: لا، لم يخبرني شريكي أنه باع نصيبه، نحن شركاء، وأنا في النهاية لا أريد الشراء إلا مع عمر؛ فربما لا أرتضي الشراكة مع مشعل. لماذا تجبرني يا عمر أن أدخل شريكاً قد يكون شخصاً مشاكلاً أو لأسباب كثيرة قد لا تجعلني أفضل الشراكة معه؟

هنا الشريعة تحترم خصوصيتك، وهذه من جمالية الإسلام أن تحترم خصوصيتك؛ فتقول ما دام عمر لم يخبرك، فلك الحق أن تذهب إلى مشعل وتطالب بالأرض، على أن تدفع لمشعل الآن مثل الثمن الذي دفعه مشعل لعمر.

أقول لمشعل: تعال، كم باعك عمر نصيبه من الأرض؟ قال: بـ 500,000. هنا الشريعة عملت توازناً، فتقول: نحن نعطيك حق أن تأخذ النصيب من مشعل جبراً عنه، لكن يجب أن تدفع لمشعل نفس المبلغ الذي دفعه لعمر. ليس لك أن تقول: أنا معي 500,000، سأعطيك 250,000 وتدبر حالك؛ لا، ما يصح ذلك، ما دام مشعل أخذ نصيب عمر بـ 500,000، فأنا جبراً عن مشعل وعن عمر أستطيع أخذ هذا النصيب، لكن عليّ أن أدفع لمشعل نفس الثمن الذي دفعه لعمر، إلا إذا تنازل مشعل، كأن يقول: ادفع لي 400,000 وأنا راضٍ، فهذه أخلاقه، لكنني ابتداءً ملزم بأن أدفع له نفس الثمن الذي دفعه لعمر.

وهذا الحق عند الحنابلة يثبت لمن كان المشتري مثله في الدين أو دونه. ماذا يعني مثله في الدين؟ الآن أنا مسلم والحمد لله، والمشتري مسلم، يثبت حق الشفعة. أما إذا كان المشتري كافراً، فهل يثبت لي حق الشفعة؟ والعكس، إذا كان شريك عمر كافراً والمشتري مسلماً، هنا أصبح المطالب بحق الشفعة أقل ديناً ممن اشترى، فلا يثبت حق الشفعة.

إذاً، حق الشفعة مبني على أن يكون المطالب بالشفعة دينه كدين المشتري أو أعلى منه. وإذا كان الاثنان كفاراً، يفرق بالكتابة وغيره. وقد اطلعت في حاشية الإقناع والمنتهى ولم أتوقف على تفصيل دقيق هنا؛ هل هو يهودي أو نصراني أو ذمي، فربما يرجع ذلك إلى تفاصيل ذكرها أصحاب الحواشي، لكنهم قالوا: "يكون مثله أو دونه"، وقالوا: "فالكافر يأخذ من الكافر". أما هل في تفصيل داخل الكافر، كأن يكون كتابياً أو غير كتابي، فلا أعلم شيئاً من ذلك، ولكن يمكن البحث في هذه المسألة.

سُئل شيخنا: هل ينظر في كون كلاهما مسلمين، أحدهما فاسق أو أحدهما لا؟ فقال: لا، بل يكفي الإسلام.

بعد أن فهمنا صورة حق الشفعة، نجد أن له شرطاً أساسياً؛ وهو أن يكون عمر عندما تخلى عن نصيبه لمشعل قد انتقلت إلى مشعل بعوض مالي. أما إذا كان الشريك قد وهبها لمشعل هبة، أو تزوج فتاة وجعل نصيبه من الأرض مهراً لها، فهنا انتقل إليها بغير عوض مالي، أي بصداق الزواج.

باختصار، إذا انتقل النصيب بأي طريقة غير العوض المالي، يسقط حق الشفعة. لا أستطيع أن أطالب المرأة التي تزوجها الشيخ عمر، فتقول لي: لقد أخذتها بلا حق مالي. الفكرة هي أنني عندما أذهب لمشعل، أريد إعطاءه نفس المبلغ الذي دفعه لعمر، أما الزوجة فلم تدفع شيئاً، بل أعطته حق المتعة مقابل الأرض، أو الهبة فهي بلا ثمن؛ لذا يجب أن تنتقل الأرض بحق مالي حتى أستطيع أخذها بالشفعة وأدفع للمشتري نفس المبلغ المالي.

لذلك قال رحمه الله: «وتثبت الشفعة فوراً لمسلم تام الملك في حصة شريكه المنتقلة لغيره بعوض مالي بما استقر عليه العقد».

تثبت الشفعة، وهنا ذكر الشروط بشكل غير مستوفٍ لكل الإتقان؛ قال أولاً: تثبت الشفعة فوراً. ماذا يعني فوراً؟ الشفعة إخواني قائمة على الفورية، وهذه أول قضية فيها؛ فبمجرد أن يعرف الشريك أن شريكه باع نصيبه، وبمجرد أن تصلني المعلومة بطريقة صحيحة، لازم أطالب بالشفعة.

إذا تأخرت بدون عذر يسقط حقي، يعني أنا الآن وصلني خبر أنه عمر باع نصيبه لمشعل، الآن وصلني مباشرة، أريد أن أرفع سلامًا: "يا مشعل، أنا أريد أن أطالب بحق الشفعة، فهو حق فوري إذا تراخيت فيه". إذا تراخيت في المطالبة بدون عذر سقط حقك.

كم مدة التراخي هنا؟ حقيقةً عرفية، ما وجدت أنه ٢٤ ساعة أو ٧٢ ساعة، ما أحد ذكر شيئًا، وإنما ما يعتبر في العرف نوع من التراخي، ففي هذه الحالة يسبق حقك في الشفعة، لذا قال: "وتثبت الشفعة فورًا".

أما إذا لم يبلغ الخبر، كأن يكون مسافرًا في أوروبا ثم رجع إلى عمان ولقي شريكه بايعًا نصيبه وانتهت القضية، فمن متى بايع؟ إذا بايع من قبل سنتين، يثبت لي حق الشفعة لأنه ليس عندي علم، فإذا كانت الشفعة تثبت فورًا فهو حق فوري، يجب أن تطالب به بعد أن تعلم بحصوله فورًا، ولا يصح لك أن تؤخره.

بخصوص قول "لمسلم"، أعتقد أن هناك مشكلة في هذا التعبير، لأن الشيخ أحمد كيف شرحها قائلًا: أما الشريك الكافر فلا شفعة له على المشتري إذا كان المشتري مسلمًا؛ لأننا قلنا إذا كان المطالب بالشفعة أدنى دينًا من المشتري فلا يطلع له. لكن إذا كان المشتري كافرًا، فيطلع له؛ إذا كان كافرًا بكافر، فيطلع له. بقي علينا أن ننظر هل فرقوا في دين الكفار، لكن عمومًا كافر مع كافر، ذمة مع ذمة، فيطلع لهم.

بالتالي، كلمة "لمسلم" لا أعتقد أنها عبارة دقيقة هنا، لأنها توهمك أن الشفعة هي حق فقط للمسلم. في الشراكة، المسلم مسلم، لكن عبارته في المنتهى وفي الإقناع هي: "تثبت للشريكين إذا كان مثله أو دونه"، لم يقولوا مسلم، بل قالوا بشرط أن يكون مثله أو دونه. فقوله "مثله" معناه أنه إذا كان كافر بكافر فليس هناك مشكلة.

لذلك كلمة "لمسلم" هذه نقول: إذا كان المشتري مسلمًا نعم يشترط أن يكون صاحب الحق مسلمًا، وهذه فقط في هذه الحالة، أما إذا كان المشتري كافرًا فهنا لا يشترط أن يكون المطالب بالشفعة مسلمًا. فكلمة "لمسلم" هي شرط في صورة فقط وليس في كل الصور.

طبعًا "تام الملك" يعني ملكه مستقر على الأرض، أن يكون ملكه مستقرًا على نصيبه، سواء على الثلث أو الربع، في حصة شريكه المنتقلة لغيره. إذا تثبت الشفعة على وجه الفور يجب أن تطالب بها في حصة شريكك التي انتقلت لغيرك بعوض مالي؛ لأنها إذا انتقلت إلى غيري بدون عوض مالي، كما قلنا بهبة أو صداق في زواج، هنا ليس لي حق الشفعة. فكلمة "بعوض مالي" أخرج بها إذا انتقلت الحصة بغير عوض مالي كالهبة أو الصداق في الزواج أو ما شابه ذلك، أو وقف، أو إرث، فكل هذه صور.

بما استقر عليه العقد، يعني أنت تطالب بأن تدفع للمشتري الثمن الذي دفعه المشتري لشريكك؛ إذا دفع ٥٠٠,٠٠٠ فأنا مطالب أن أدفع للمشتري ٥٠٠,٠٠٠ وهكذا.

ثم قال: "وشرط تقدم ملك شفيع"، هذا شرط آخر. نحن كما قلنا تثبت الشفعة فورًا (اشتراط الفورية)، "ولمسلم" إذا كان المشتري مسلمًا (الشرط الثاني)، "تام الملك" أي ملكه مستقر (الشرط الثالث)، "في حصة شريكه المنتقلة إلى غيره بعوض مالي" (الشرط الرابع هو أن يكون انتقال النصيب بعوض مالي وليس بهبة أو صداق)، "بما استقر عليه العقد" (الشرط الخامس) وهو أنه يجب أن تدفع للمشتري ما استقر عليه العقد.

أعتقد أن ابن بلبان يحتاج لإعادة ترتيب الأوراق هنا حتى يكون الكلام أكثر تنسيقًا، لكن المهم هو هذا الشرط الخامس: "وشرط تقدم ملك شفيع"، أي أنه يجب أن يكون ملكي متقدمًا على ملك المشتري. فمثلاً لو عمر الأرض كلها له، فباع نصفها لي مباشرة في نفس الوقت، وباع نصفها لمشعل في نفس الوقت وعمل عقدين وقعهما، فقال هذا النص للشيخ إبراهيم وهذا النص للشيخ مشعل في نفس الوقت، هل يحق لي أن أقول: "لا يا شيخ عمر، أنا أريد حق الشفعة من مشعل"؟ لا، لأن القطعة كلها لعمر، ولما ملكني هو ملكني وملك مشعل في نفس اللحظة، فملكي للنصيب ليس متقدمًا على ملك مشعل، فكل واحد أخذ نصيبه في نفس الوقت، فهنا ليس لي حق أن أطالب بالشفعة.

متى يثبت لي حق الشفعة؟ إذا كان ملكي مع عمر متقدمًا على ملك مشعل ولو بتدخل في المشهد، أما إذا دخلنا أنا ومشعل في نفس اللحظة، فأنا لا يطلع لي أن أقول لعمر: "أنا أريد حق الشفعة منه"، لأن ملكك لم يتقدم على ملك مشعل.

أما إذا تقدم بقليل، ففي الحقيقة ظاهر الإطلاق هو الاقتران، لكن إذا تقدم بقليل، كأن ثبتت لي الشراكة بخمس دقائق، فهنا يثبت لي حق الشفعة؛ لأن في خمس دقائق تفرق كثير من الأمور، أنا أريد أن آخذ من عمر، فربما بعد خمس دقائق أجد أن شريكي أصبح واحدًا جديدًا.

قال: "وكون الشقص مشاعًا من أرض تجب قسمتها"، وهذا يمكن أن تخليه شرطًا سابعًا، وهو أن يكون المشاع. بالتالي إذا كانت الأرض مفروزة، فالفرز يلغي المشاع. الفرز يعني تم تحديد نصيبي بالعين، أن لي المنطقة التي على اليمين، فانتهى الأمر ولم تعد مشاعًا. فإذا كان "الشقص" وهو نصيبك من الأرض مفروزًا، وأنت لك الجهة اليمين وعمر له الجهة الشمال، فذهب عمر وباع الجهة الشمال لمشعل، هنا ليس لك أن تطالب بالشفعة، تضع سياجًا وينتهي أمرك.

لماذا؟ لأن الحديث ورد: «قَضَى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم»، ومن مفهوم المخالفة، فإن ما قُسم وفرز انتهى حق الشفعة فيه. فلذلك في الشقق السكنية لا توجد أصلاً عند الحنابلة شفعة لجهتين؛ لأنها ليست مشاعًا وليست أرضًا.

استثنينا شيئًا؛ كان طريقهم واحدًا وليس الثاني. قضية فتح باب الاستطراق وغيرها، أما قضية أنه مثلًا أنا أملك شقة في عمارة وجارنا يملك شقة في عمارة، وأنا وعمر جئنا لعمارة، فقلت له: يا عمر، أين نأخذ الشقق؟ قلت: أنا آخذ الشقة التي على اليمين وأنت تأخذ الشقة التي على الشمال، نسكن قبال بعض جيرانًا نعرف بعضنا ونرتاح. فقال لي: أبشر، أنا اشتريت الشقة التي على اليمين. هو اشترى الشقة التي قبالي، وبعد شهرين قام عمر ببيع الشقة بعدما اشتريتها أنا وضبطت أموري وكنت راكنًا أنه بجانبي جار لطيف حبيب.

هل آتي وأقول: لا يا شيخ عمر، أنا اشتريت الشقة على أساس أن تكون ساكنًا قبالي، لماذا بعتها لشخص ثاني؟ هل لي حق الشفعة؟ فآتي للمشتري وأقول له: يلا، أريد أن أشتري منك الشقة جبرًا عنك. لا، لا يصح ذلك؛ لأنه أولًا ليست أرضًا، وثانيًا الشفعة عندنا فقط في الأراضي، وأصلًا هي مفروزة، يعني انتهت القضية.

سألني: شيخ، مش لو كانت عمارة ولكن مشاعًا تكون نفس الأرض؟ يعني نحن نملك عمارة. قلت: هي مفروزة يا شيخ. قال: لا، ما كانت مفروزة، يعني أنا وشخص آخر شركاء في هذه العمارة، عمارة كاملة، كل شخص بيني وبينه... قلت: يعني أنت قصدك ملكت العمارة؟ قال: نعم. قلت: مع عرضها؟ ملك العمارة كلها، ما طرزناها، يعني لست أنا في أول خمس طوابق وأنت في خمس... قلت: أنت ضمنيًا في العرف، إذا ملكت العمارة فقد ملكت الأرض، صح؟ هي ستأتي معنا إذا كان على الأرض بناء، لأنك فعليًا لما تشتري عمارة أنت دفعت قيمة الأرض بما عليها. نعم، يثبت فيها إذا كنا مشاعًا.

إذاً، قوله: ﴿وَكَوْنُ شِقْسٍ مُشَاعًا مِنْ أَرْضٍ﴾، هي كلمة "أرض" التي تجعل الأمر مرتبطًا بشرط، فالحنابلة عندنا لا تثبت الشفعة إلا في الأراضي، أي شركة مشاعية لا تثبت فيها الشفعة إلا في الأراضي. أنا وإياك شركاء مشاع في سيارة، أنا وإياك شركاء مشاع في تليفون، أنا وإياك شركاء مشاع في شجرة، أنا وإياك شركاء مشاع في ثمار، أنا وإياك شركاء مشاع في أي شيء يخطر في بالك؛ كل هذا لا يثبت فيه حق الشفعة، لا يثبت إلا في الأراضي، لازم تكون أرضًا.

الحديث يعتمدون فيه على رواية، وفي روايات الحديث المختلفة عمل خلاف كبير بين الفقهاء في أين يثبت حق الشفعة بالضبط؛ فالحنابلة اعتمدوا أنها رواية الأرض وأن تكون مشاعًا. ممتاز، يستنبط العلم، ممكن يستنبط العلم الخلاف. الحديث أكيد معلوم، هل تقصد أنك تريد أن تستنبط لأن الحديث لم ينص عليها؟ نعم، لم ينص عليها الحديث، لكنك تحاول هل القضية متعلقة بأن الشركة في الأراضي أثقل من الشركة في غيرها؟ العسر في هذا الموضوع هو أنها مساحة كبيرة للتفكير.

حتى لا أدخل في موضوع الاستدلال، نثبت المفهوم؛ كون الشيء مشاعًا في أرض، ثم قال: تجب قسمتها. هذا يمكنك أن تجعله شرطًا آخر، ممكن أن تجعله مع اللفظ أيضًا. ما معنى تجب قسمتها؟ الأراضي والقسمة عمومًا على نوعين في باب القضاء: هناك قسمة إجبار، وهناك قسمة تراضي، وهذا ليس متعلقًا بالأراضي فقط، أي شيء أنت داخل فيه مع شخص بشركة مشاع، سواء أرضًا أو غيرها، في حال طلبت القسمة والفرز فهناك احتمالان.

الاحتمال الأول: أن يكون الشيء يقبل القسمة بالعدل والسوية، ولا فرق بين هذه المنطقة وهذه المنطقة، فهذا يقسمه القاضي أو الفارز غصبًا عن الجميع. يعني أنا وإياك اشترينا عشرين كيلو شعير على الشيوع، نصفه لي ونصفه لك، أنت طلبت القسمة والفرز؛ هنا ليس هناك فرق، فهو نفس الشعير ومن نفس البائع، بالتالي جبرًا عنك يجب أن تقبل القسمة لأنه لا فرق بين هذا الكيلو وهذا الكيلو، من نفس البائع ومن نفس الجهة. نفس الشيء إذا اشترينا أرضًا مستوية تمامًا في صحراء، مربعة متساوية الأضلاع، فلا شيء طالع ولا شيء نازل، فإذا جئت للقاضي وقلت أنا أريد الفرز، يخرج القاضي إلى الأرض، فإذا وجدها مستوية تمامًا، يجبرنا على القسمة، فيأخذ كل واحد نصفًا، غصبًا عني وعنك؛ لأنه لا يوجد فرق بين القسمين. فأي شركة على وجه الشيوع في أي سلعة من السلع يوجد فيها أي تفاوت بين أجزاء هذه السلعة، سواء كانت أرضًا أو غيرها، إذا طلب أحد الشركاء الفرز ورأى القاضي أن هذه العين تقبل الفرز دون أن يتضرر أحد الأطراف، تسمى قسمة إجبار.

النوع الثاني يسمى قسمة التراضي. وهو أن تكون العين التي نحن شركاء فيها على وجه الشيوع، ولكن في الحقيقة يوجد فرق بين أجزائها؛ منطقة فيها أحسن من منطقة ثانية، كأن يشتري شخص أرضًا فيها سهل وجبل، أو أرضًا جهتها اليمين فيها بئر وجهتها الشمال ليس فيها بئر، أو أرضًا جهتها اليمين على النهر وجهتها الشمال ليست على النهر. هذه مشكلة، لماذا تريد فرزها؟ لأن أحد الأطراف سيرتضى في حال قسمناها بالنصف، فواحد سيأخذها على جهة النهر أو التي فيها بئر، وواحد لن تطلع له هذه الجهة. فيضطر الشخص الذي طلعت له القطعة الأحسن أن يعوض ماليًا الشخص الذي طلعت له القطعة الأدنى، وهذه تسمى قسمة تراضي؛ لأنها لا تقسم إلا بالتراضي بينهم، فنقول: الذي طلع له القسم الأعلى يدفع للذي طلع له القسم الأدنى تعويضًا ماليًا مقداره كذا وكذا، وإذا لم يرضوا، في النهاية القاضي يبيعها كلياتها ليفض الشراكة، وفي هذه الحالة يبيعها القاضي ويقسم الثمن عليهم بحسب أملاكهم.

طيب، هذه هي قسمة التراضي. الآن، الشفعة تثبت في أي نوع من الأراضي؟ التي قسمتها قسمة إجبار أم التي قسمتها قسمة تراضي؟ الشفعة تثبت في التي قسمتها قسمة إجبار؛ أي الأرض المستوية التي لا فرق فيها بين يمين أو شمال، ولا توجد فيها منطقة مميزة ومنطقة غير مميزة. ولاحظ أنه هنا الحنابلة ضيقوا حق الشفعة في صور محدودة جدًا، حتى صارت محصورة في أنك تتحدث في أرض فقط.

مشاع وهي الأرض لا فرق بين أجزائها، بحيث لو طلب أحد الشركاء الفرز تجب الفرز فيها بالإجبار لأنها مستوية، لا الأجنحة مستوية الأطراف، ما في فيها سهل ووادي أو منطقة نهر ومنطقة ما فيها نار. فهذا النوع من الأراضي هو الذي تثبت به قسمة التراضي، فإذا كانت قسمة التراضي ليس لك علاقة، ليس لك حق الشفعة، لأنه في النهاية بتروح عند القاضي وبتقول للقاضي: خلص يا بنعمل قسمة التراضي، يا بتنباع وريحنا، يا بتنباع وتوزع على الجميع على حسب حصصهم وينتهي الموضوع.

إذاً هذه شروط الشفعة. ثم قال: «ويدخل غراس وبناء تبعا لثمره وزرع». الآن هذه بتيجي القضية اللي تكلمت عنها يا عدنان، وهي فكرة أننا الآن سنشتري أرضاً وعليها عمارة. فعليّ أنت لما تشتري العمارة كاملة، أنت اشتريت الأرض بما عليها. فيقولون: «ويدخل غراس وبناء تبعاً». يعني إذا نحن شرينا الأرض وكان عليها غرس أو عليها بناء، هي غراس، شو قصتها يا شيخ؟ تدخل تبعاً.

طيب، يدخل غراس وبناء تبعاً؛ يعني إذا أنا شريت أرض شراكة مع عمر، وهي الأرض التي شريناها عليها غرس وعليها بناء، فلما عمر باع نصيبه، باع نحن شاريناها على وجه الشيوع، باع نصيبه منها الأرض بما عليها، أربع شقق باعها تقريباً. هي قسمة ستكون عقلية الآن؛ أنا وإياك شريناها نصفاً بالنصف، فذهنياً ستطلع يعني أنا دخلت شريكاً جديداً فعلياً، إذا كانت العمارة ثماني شقق مثلاً، فعلياً أخذ نصف الأرض بالثمن بأربع شقق.

الغرس والبناء يدخل تبعاً للشفعة؛ كيف يعني يدخل تبعاً؟ يعني لما أنا آتي على المشتري أقول له: تعال أنا لي حق الشفعة، أنت كم دفعت لعمر؟ قال لي: والله دفعت له 500,000، أقول له: هي الخدمة 500,000 وآخذ فيها الأرض والبناء والغرس والشجر. المشتري يقول: أنا حق الشفعة لك في الأرض فقط، أما الشقق الموجودة أنت ما لك علاقة فيها، أو الغرس الموجود أنت ما بيطلع لك، أنا ما دام ثبت لي حق الشفعة في الأرض التي أخذتها ودخلت فيها شراكة معي، يطلع لي فيها وما عليها من أرض، وما عليها من غرس وبناء.

قال: «لا ثمرة وزرع»، يعني لا ثمرة ظاهرة وزرع، هنا باعتبار أن الثمرة والزرع لمين أصلاً؟ يعني الآن المشتري اشتراها من البائع، صح؟ المشتري اشتراها من البائع، إذا بتذكر في باب بيع الأصول والثمار، أن البائع إذا باع أشجاراً وعليها ثمر ظهر، فالثمر لمين؟ للبائع إلا أن يشترطه المشتري. وكذلك اشتريت أرضاً عليها زرع ظاهر، فالزرع الموجود الآن المحصود هو لمين؟ وجزه ولقطه ظاهرتان للبائع، صح؟ ولا لا؟ فهي أصلاً الثمر والزرع الموجود الآن هو أصلاً حق للبائع، وليس للمشتري.

فلذلك قالوا: الثمر والزرع ما يدخل في حق الشفعة، وإنما الذي يدخل في حق الشفعة هو الأصول الثابتة، أما هي ثمرة وزرع، هذا أصلاً لعمر نفسه هو سيقطفها ويأخذها آخر الموسم، فليس لك أن تطالب المشتري بما ذاك الثمر والزرع في حق الشفعة، وإنما تطالبه بالأصول الثابتة وهي الأرض بما عليها من غرس وبناء لو شرطها المشتري.

طيب، هي لو شرطها المشتري -سبحان الله كانت يعني خطرت في ذهني هذا السؤال- يعني لو كان المشتري دفع ثمنها، هل يحق للشفيع أن يطالب بها؟ والله لا متوقف في هذا لأنه ليست أصولاً ثابتة، يعني ممكن المشتري يقول: لا، خذ حق الشفعة بس الثمرة التي اشتريتها أنا آخذها للموسم بقطفها، والله يسهل. فهذا يحتاج إلى نظر.

ثم قال: «وأخذ جميع المبيع»، فإن أراد... هذا شرط آخر، ما أعرف كم شرط وصلنا، عدوها أنتم، كل واحد يحط، يعني كلها شروط الشفعة. قال: «وأخذ جميع المبيع»، كما قلت مشعل اشترى من عمر نصيبه، أنا لما بدي آجي أطالب مشعل بالشفعة، بقدر أساوم مشعل؟ أقول لمشعل: أنت تأخذ منك نصف النصف، مش أنا النصف عمر والنصف على وجه الشيوع، فعمر باع النصف تاعه لمشعل، ما بقدر أساوم مشعل أنه يعطيني جزءاً منه؛ الشفعة يا تأخذ كل نصيب مشعل، يا تترك كل نصيب مشعل. ما بتستطيع تجبره، ما بتستطيع تجبر مشعل أن يتخلى عن جزء من نصيبه، بقول لك أنت شرعاً بيطلع لك يا تأخذ كل نصيبه يا بتترك للجميع. لذا قال: «وأخذ جميع المبيع»، وليس لك أن تطالب بتجزئته لأنه مشعل يتضرر، والإسلام أعطاك حق الشفعة بس ما أعطاك حق أنك تضر المشتري.

طيب، «فإن أراد أخذ البعض أو عجز عن بعض الثمن بعد أنظاره ثلاثاً سقطت». الآن إذا أراد المشتري... هم يقولون بمجرد الإرادة، يعني بمجرد أن أساوم، بمجرد أن أساوم مشعل على نصف الأرض أو عفواً على جزء من نصيبه، بمجرد أن أساومه سقطت الشفعة. قالوا ليه؟ لأنه مساومتك إياه على جزء من النصيب دلالة على أنه أنت ما عندك مشكلة في مشعل، أنك ستأخذ جزءاً وتخلي الباقي لمشعل. يعني إذا مشعل أنت ما قبلت أن يبقى شريكاً، إذاً معناتها ما تطالبنا بالشفعة، نحن ليش بدنا نعطيك الشفعة عشان نخلصك من مشعل؟ يعني أعطيك الشفعة مشان نخلصك من هذا الشريك ما بدك إياه، ما دمت أنت عم بتساومه أنه اسمع باخذ ربع نصيبك أو خمس والباقي، معناته أنت ما عندك مشكلة، مباشرة يسقط حقك.

قال: «فإذا أراد أخذ البعض وترك البعض أو عجز عن بعض الثمن بعد ثلاثة أيام»، هنا في توقيت، أنا الآن لن أتكلم، قال لي أنا أخذت النصيب وأنت هيك بتطالب بحق الشفعة، ممتاز، معك مدة ثلاثة أيام تدفع لمشعل الـ 500,000، إذا ما دفعتها بعد إنذاره ثلاثة أيام، سواء لو بقي دينار تخيل، يعني ممكن أدفع له نصف المبلغ وأقول له بعدين، ما ينفع إلا في حالة واحدة، سيأتي معنا إذا كان هو أصلاً ماخذها بالتقسيط، وأصلاً يعني ماخذها من عمر بالتقسيط، فهنا ينفع إذا كان في رهن محرز أو كفيل مليء، على قاعدة الرهن المحرز أو كفيل المليء.

لكن إذا كان مشعل دفع حالاً المبلغ لعمر، فله إذا أنا طالبت بالشفعة أن يقول لي: بدك تدفع لي المبلغ خلال ثلاثة أيام، خلال ثلاثة أيام، إذا عجزت عن بعض الثمن، مش كله، حتى عن بعضه، لو عجزت عن آخر 20 دينار بعد ثلاثة أيام، يقول لي يعطيك العافية أنت ما سددت المبلغ سقط حقك في الشفعة، يرجع لي المصاري التي دفعتها ويثبت حقه فيها. أو عجز عن بعض الثمن بعد إنذاره للشفيع ثلاثة أيام، يسقط حق الشفعة. أو من الأمور التي تسقط حق الشفعة أو قال مشتر...

الذي يطالب بحق الشفعة للمشتري، بعني أو صالحني، الذي يظهر لي أنها نوع من التخيير. يعني إذا قال له: بعني أو صالحني، كأنه يساومه؛ الآن هنا كأنه يقول: يا تبيعني يا تصالحني. تصالحني أنه أي: خلص، أعطني خمسين ألف دينار زيادة وخلص، بس قد حقي في الشفعة.

هذا حقك في الشفعة، صرت أنت تساوم عليه معه. فإذا قال صاحب الشفعة للمشتري: يا بتبيعني يا بتصالحني، أنا أشعر أن العبارة هي عبارة تخيير. مش إذا قال له "بعني" هي مسألة، أو قال له "صالحني" هي مسألة أخرى، لا، الذي يظهر أنها عبارة تخيير. إذا قلت لك: يا بتبيعني يا بتصالحني، فهمتوا؟ أنت فعلياً لما تعرض عليه عرضاً كأنك تعرض عليه: يا بتبيعني نصيبك يا بتصالحني، هذه المساومة بحد ذاتها تسقط حقك في الشفعة.

لأنه حق الشفعة حق أسميه أنا "حق طيار"، يعني خلص هذا حق سريع سريع. لأن إخواني، سبحان الله عدالة الإسلام، هذا مشتري اشترى وخلص أموره، نحن ما بدنا نمرمطه، يعني هو ما عمل شيء غلط حتى نحن نبهدله. لأنه لو تعرفوا الناس إذا عرفوا أن له حق في شغله، يا ويلك إذا عرف؛ يقول لك: يلا استنى حتى أفكر وبدي أروح أستخير لخمسة أيام. المشتري هذا بتلاقيه عنده مشاريع وعنده كذا، تقول له: ماشي يا شيخ أنت لك حق الشفعة، بس تبهدلني؟ صح ولا لا؟ يعني أنا مش أقعد أستنى فيك وأنت بدك تدفع مصاري وبدك تقسط لي إياها لخمس سنين، وبدك تقول لي: يا عمي أنا كل هذه البيعة كرهتها لأنكم بدكم تعطوه حق الشفعة، بس هذا على حسابي.

عشان هيك نحن ضيقنا حق الشفعة؛ خلال ثلاثة أيام بدك تدفع له. يعني هذا المشتري حرام حرام أنه يتبهدل، حرام صناعة أن يتبهدل وأن نقعد نمرمط فيه لحتى أنت تدفع له الثمن، وأنت لسه بدك تفكر ولسه بدك تستشير. حق الشفعة حق فوري؛ الآن بدك تطالب فيها وخلال ثلاثة أيام بدك تدفع وبدك تأخذ كل نصيبي. اختر شيئاً، وإذا بدأت تساوم فيها مباشرة يسقط حقك، يعني مجرد ما بدأنا نشعر أن في مساومات وبدأت تعرض عروضاً على المشتري، سقط حقك. فهو حق طيار بنسميه، سريع الذهاب؛ فرصة يا بتستغلها يا بتروح، فليس هناك مجال للأخذ والرد والتجاذب؛ لأن المشتري سيتضرر إذا صار الموضوع في أخذ ورد ومساومة.

نحن هنا نعطي الشفيع حقاً قهرياً، هنا المشتري مسلوب الإرادة. أنتم عارفين المشكلة؛ حق الشفعة يجعل المشتري مسلوب الإرادة جبراً عنك، بدك تعطيني. فما دام هذا الحق حقاً جبرياً، بدي أضبطه بضوابط كثيرة، لأن البعض يقول لك: ليش أنتم ضبطتموها هكذا؟ لأنني أتحدث عن حق جبري، وهذا يحتاج أن يتخلى عنه، فالشريعة لا تجبر شخصاً، إلا إذا ضبطت الأمور بطريقة أنني لا أضره وأنا أنفذ هذا الحق الجبري عليه. عشان هيك ضيقنا الأمور على صاحب الشفعة؛ أنه خلص أمورك في أسرع وقت، خلال ثلاثة أيام بدها تخلص.

لذلك قال: "أو قال لمشترٍ: بعني أو صالحني"، هذا يعني خلص أنت مش جاد، هي إشارة أنك مش جاد في حق الشفعة. أو أخبره عدلٌ أن هناك بيعاً حصل فكذبه. يعني إذا كما قلت أنا ما كنت أعرف أن هناك عمر باع نصيبه لمشعل، جاء شخص عدل فقال لي: يا شيخ إبراهيم أنا شفت العقد، شريكك عمر باع حصته لمشعل، قلت له: لا لا، عمر ما عملها. إذا أنا كذبت المخبر مع أنه عدل، سقط حقي في الشفعة. يعني إذا اكتشفت بعدين أن عمر باع، فالموضوع منتهي من القضية، ساعتها تقول: والله طلع صادق، خليني ألحق أموري. راحت عليك؛ لأنه إذا جاءك شخص عدل كان يجب أن تذهب وتتثبت، ما دمت أنت أهملت انتهت قضيتك.

أما لو جاء شخص فاسق، شخص معروف بالفسق والنميمة وبدنا يفرق بيني وبين عمر، فجاء أخبرني وقال لي: والله شريكك باع، وأنا ما صدقته لأنني أعرف أنه نمام وفاسق، فهنا إذا ثبت أن عمر فعلاً باع، يطلع لي حق الشفعة لأنني ما صدقت هذا لفسقه.

ثم قال: «ونحو»، يعني هناك صور أخرى تسقط فيها حق الشفعة، لكنه لا يريد الإطالة في البيان أكثر من ذلك. «سقط»، إذاً كلمة "سقط" ترجع على الصور الأربع كلها؛ فإن أراد أخذ البعض، أو عزف عن الثمن بعد إنذاره، أو قال لمشترٍ -يعني قال صاحب الشفعة للمشتري- "بعني أو صالحني"، أو أخبره عدل فكذبه، ونحو هذه الأحوال تسقط الشفعة.

طيب، خلينا حتى نخلص سريعاً: «فإن عفا»، أي إذا عفا بعضهم، أخذ الباقون الكل أو تركوا الكل. هذه مسألة إذا كان الشركاء ليسوا اثنين فقط، كنا أربعة شركاء في أرض، كل واحد له ربع على وجه المشاع. واحد من الأربعة باع نصيبه لمشعل دون أن يخبر باقي شركائه الثلاثة. لما عرف الثلاثة الباقون أنه باع، اثنان قالوا: نحن ما عندنا مشكلة، وواحد هو الوحيد الذي قال: لا، أنا عندي مشكلة ما بدي أدخل فيها.

نقول لهذا الذي طالب بحق الشفعة: عليك أن تأخذ الربع كاملاً من مشعل، وليس لك أن تقول: يا جماعة نحن ثلاثة شركاء وصاحبنا الرابع الله يسامحه باع دون أن يخبرنا، الربع الذي أخذه مشعل توزع علينا بالثلاثة، أنا لي ثلث هذا الربع وأنت لك ثلث هذا الربع. لا، ما دام شركاؤك سامحوا في حق الشفعة، أنت تأخذ الربع كاملاً. لأننا دائماً ما نريد ألا نضر المشتري، المشتري يقول لك: أنا أخذته على أنه ربع، بدكم تجزؤوه علي يا جماعة؟ بدكم تعطوا لواحد ثلث هذا الربع؟ هذا يظل بهدلة للمشتري، فنحن نقول لك: إذا عفا بعض الشركاء، الباقي يأخذ الكل أو يترك الكل، انتهى.

ثم قال: «وإن مات شفيع قبل طلب بطلت». الآن فكرة مذهبية في المذهب عندنا؛ بمجرد أن يطالب الشفيع بالشفعة، دخل الحق في ملكه قهراً.

بمجرد أن أطالبتُ مشعلًا بحق الشفعة دخل أصبح ملكي، لكنه ملك غير مستقر حتى أدفع الثمن. هذه هي الفكرة؛ قضية أن لاحظوا أن المذهب عندنا فيه أكثر من مسألة فقهية مبنية على المطالبة. إذا تذكرتم، مرت معنا مسألة معلقة على المطالبة، وهناك مسائل أخرى مبنية عليها، مثل سداد الدين: متى يجب أن تسد الدين؟ إذا طلبه الدائن، يعني إذا حلَّ الأجل وهو يستطيع أن يطلبه، لكن متى يجب أن أدفع وجوبًا؟ قلنا إذا طلب. وإذا كان هناك اثنان شريكان في شيء وأراد أحدهما الإصلاح، يجب على الشريك أن... إذا طلب شريكه.

هناك عدة مسائل مبنية على المطالبة، ومنها مسألة الشفعة؛ فدائمًا حاول أن تضبط المسائل في قاعدة أو فرع حتى تظل متذكرًا. الشفعة مبنية على أنك إذا طالبت، اشتريت بالشفعة بالمبلغ الذي دفعه، فدخلت في ملكك، لكنه ملك غير مستقر. وهي ممكن تدخل في مثال على الملك غير المستقر لأنك تملك، لكنه ملك غير مستقر حتى تدفع الثمن، فإذا بعد ثلاثة أيام لم تدفع الثمن رُجع فيها. فدخولها في ملكك يحصل بمجرد المطالبة ولو لم تدفع بعد.

كيف نستثمر هذه المسألة؟ لاحظ ماذا قال: «وإن مات شفيع قبل أن يطالب بطل حق الشفعة». فلا يأتي ورثته ويقولون للمشتري: تعال، والله أبونا مات قبل أن يطالب بالشفعة، نحن نريد الشفعة، لا نريد إياك يا مشعل أن تكون شريكًا معنا. هنا لا يطالب الورثة؛ لأن الحق لا يورث هنا.

أما إذا طالبت بحق الشفعة ومت قبل أن يتم التنفيذ والإجراء، فهنا أنا حكيت بمجرد ما طالبت دخلت في ملكي قهريًا عنه، وبالتالي ورثتي يكملون الطريق؛ لأنها صارت ملكي. أحسنت، لأنها صارت ملكي، صح، ملك غير مستقر بس صارت ملكي. انظر كيف تهمك؛ صارت ملكك، فالورثة الآن يريدون جمع ملك أبيهم، فيقولون: والله أبونا ملكها بالمطالبة، فنحن نريد أن نكمل المشوار، وبما أن المبلغ كامل، يريدون أن يأخذوه ويدفعوه ويكملوا المشوار. فالمطالبة بها يحصل بها الملك، وبناءً عليه يستطيع الورثة أن يكملوا المشوار.

أما إذا كان الثمن مؤجلًا، كما قلنا الآن أنا مطلوب مني أن أدفع خلال ثلاثة أيام؛ إذا كان مشعل قد دفع المبلغ لعمر مباشرة. لكن إذا كان مشعل قد أخذ الأرض من عمر بالتقسيط لخمس سنين، هل أنا كشفيع مطالب أن أدفع مباشرة للمشتري مع أن المشتري أصلًا لم يأخذها إلا بالتقسيط؟ لا. فإذا كان المشتري من البداية قد أخذ القطعة أو النصيب من الشخص مؤجلًا، فأنا كشفيع لي أن آخذه مؤجلًا، بشرط أن أكون مليئًا.

والملاءة تذكروا أنها ثلاثة عناصر: بالمال، وبالبدن (أنه إذا استُدعيت إلى القضاء حضرت)، وباللسان (أن أكون غير مماطل). إذا كنت مليئًا بعناصر الملاءة الثلاث، أقول للمشتري: أنت أخذتها من عمر تقسيطًا لخمس سنين، كل سنة بدفع لك مثلما أنت دافع لعمر؛ أنا لست مجبرًا أن أدفع لك الآن لأنني مليء. طيب، إذا لم تكن مليئًا، عليك أن تأتي بكفيل مليء. وأضاف النجدي في حاشية المنتهى: «أو رهن محرز»، أي أنها يجب أن تكون قاعدة واحدة؛ إما أن تأتي بكفيل مليء يكفلك، أو رهن ترهن لي إياه يحرز حقي في حال لم تسدد خلال الخمس سنين.

ثم قال: «ولو أقر بائع بالبيع وأنكر مشترٍ». يعني جاءني شخص وقال لي: يا شيخ، عمر شريكك باع نصيبه لمشعل؟ قلت له: لا، الشيخ عمر لا يفعلها، فذهبت إلى عمر مباشرة وقلت له: يا شيخ عمر، أنت بعت نصيبك؟ قال لي: نعم. ذهبت إلى مشعل وقلت له: أنت اشتريت من عمر؟ قال لي: لا، وأنا صار عندي مشكلة؛ كشفيع أذهب إلى البائع الذي هو عمر وأقول له: أنت بعت لمشعل؟ فيقول: نعم. ثم أذهب لمشعل وأقول له: أنت اشتريت؟ فيريد أن يخبي الموضوع لأنه يعرف أني أريد حق الشفعة، فيقول: لا، لم أشترِ شيئًا.

هنا هل تثبت الشفعة أم لا؟ تثبت إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري. أذهب للباب وأقول له: بكم بعتها؟ فيقول: والله بعتها، فالمصدق عندي الآن هو البائع. فأقول له: الآن بكم بعتها؟ فنحدد المبلغ ونعرف كم المبلغ، وطبعًا يكون حالًّا أو مؤجلًا، ويتم الترتيب بناءً على هذا، فالبائع عندي هو المصدق في هذه الحالة، وبالتالي يثبت حق الشفعة.

هذه هي الأحكام العامة المتعلقة بالشفعة، والدرس القادم إن شاء الله ندخل في عقود أخرى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.