بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «أقصر المختصرات» للإمام ابن بلبان الدمشقي الحنبلي رحمه الله تعالى عليه. وكنا في الدرس السابق نهينا الحديث عن الحجر بشقه الأول، وهو الحجر على المحجور عليه لحظ الغير، وليس لحظ النفس.
قبل أن نبدأ في درس اليوم، نبهني أحد الإخوة -سامحوني بدي أرجع على مسألة في الحوالة لم أذكر فيها التفصيل، وعدم ذكر التفصيل هو فعلاً خلل، والأصل يذكر التفصيل فيها. هي مسألة؛ نحن قلنا في الحوالة -وهذا الرجوع فقط على باب الحوالة- يشترط رضا المحيل، وأما المحتال، الذي نحن أحلناه، يعني هل يشترط رضاه إذا أحيل على غير مليء؟ يشترط رضاه صحيح. إذا أحيل على مليء فلا يشترط رضاه.
الآن إذا أحيل على من هو ظنه مليء فبان غير مليء، نحن قلنا أنت لا يعتبر رضاك إذا أحلتناك على مليء؛ فأنتم أحلتوني على مليء، ما اعتبرنا رضاك، فاكتشفنا أنه غير مليء، طلع مش مليء؛ يا بماله، يا بلسانه، يا بأركانه، الملاءة عرفت؟ هل هنا نقول له الرجوع مطلقًا؟ نقول لك لا، أنتم لم تعتبروا رضاي بناء على أنه أحيل على مليء، الآن اكتشفنا أنه ليس مليئًا.
هذه فيها ثلاثة أحوال إخواني، وذكرها الشيخ أحمد حتى في الحوائج السابقات، وأنا أظن ذكرتها في شرح الدليل لكن لم أذكرها هنا، ولكن التفصيل فيها مهم. إذا أحلت على من ظننته مليئًا فبان غير مليء، هنا ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: إذا اشترط المحتال على المحيل الملاءة، قال له: أنت أحلتني، ماشي، بس أنا هيني بشترط من الآن إذا اكتشفت أنه غير مليء رح أرجع لك. إذا اشترط هذا، فأنتم لم تعتبروا رضاي لأنكم أحلتوني على مليء، لكن هيني من الآن اشترطت صراحة إذا وجدته غير مالي رح أرجع، وفعلاً وجدناه اكتشفنا أنه المحال عليه غير مليء، هنا يحق له الرجوع.
الحالة الثانية: إذا لم يشترط الملاءة، لكنه لم يرضَ بالحوالة ابتداء، يعني نحن الآن أحلناه على شخص الأصل أنه مليء، فقلنا له سامحنا رضاك مش معتبر، وهو لم يظهر الرضا، بل سكت، فبان الشخص غير مليء. في هذه الحالة إذا ذهب ووجده غير مليء، ما بيطلع له يرجع؛ ليه يا شيخ؟ لأنه كان بإمكانه أن يشترط ابتداءً، أو على الأقل أن يظهر الرضا، فبإختصار تعتبر أنك قصرت في حق نفسك. نحن أحلناك على شخص وظننا أنه مليء، أنت كان بإمكانك تقول اشترط أنني إذا وجدته غير مالي أرجع، أو كان على الأقل أنك لا تظهر الرضا بالحوالة وتسكت، لكن أنت هنا ما اشترطت وأظهرت الرضا بالحوالة، فاعتبر الحنابلة أن هذا الرجل قصر في حق نفسه، بالتالي لو ذهب إليه فوجده غير مليء ليس له حق الرجوع.
فهذه فقط القضية التي أحببت التنبيه عليها لأنها مهمة؛ أنه إذا قلنا لا يعتبر رضاه إذا أحلناه على مليء، ثم اكتشف أنه غير مليء، هنا يأتي التفصيل الثلاثي: في حال اكتشفنا أن المحال عليه ليس مليئًا، ماذا يحلم للمحتال؟ في صورتين يحق له الرجوع، وفي الصورة الثالثة لا يحق له الرجوع.
نرجع لباب الحجر، الآن سنأتي بالمحجور عليه لحظ أنفسهم، وهو الصغير والمجنون والسفيه. هؤلاء الثلاثة نحجر على تصرفاتهم المالية، ليس لحظ الآخرين، ليس لأنهم قصروا أو استدانوا من الآخرين، لا، نحن نحجر عليهم ابتداءً لمصلحتهم هم؛ لأن هؤلاء مظنة تبديد المال ومظنة عدم التصرف الصحيح العقلاني في أموالهم، فالإسلام من رحمته بهم أن يحجر عليهم التصرف بأنفسهم وأحال الأمر على أولياءهم.
الفرق بين الحجر على هؤلاء والحجر في صورته السابقة (الحجر لمصلحة الغير) أن الحجر لمصلحة الغير يكون بحكم حاكم، أما الحجر على هؤلاء الثلاثة: الصغير والمجنون والسفيه، فهذا لا يحتاج إلى حكم حاكم، هو حجر ثابت تلقائيًا، ولا يحتاج إلى حكم القاضي. حتى نحجر على المفلس، قلنا لا بد أن بعض الغرماء يرفعوا للقاضي والقاضي هو الذي يقرر إذا ثبت لديه الأمر، أما المحجور عليهم لحظ أنفسهم فهؤلاء محجور عليهم بدون احتياج إلى أن يصدر بيان من المحكمة، وهذا هو الأصل، وهذا فرق فقهي تسمى الفروق الفقهية. الفرق بين المحجور عليه لحظ الغير والمحجور عليه لحظ النفس أن ذاك يحتاج إلى حكم قاضٍ، وهذا لا يحتاج.
قال رحمه الله تعالى: «ويحجر على الصغير والمجنون والسفيه، ومن دفع إليهم ماله». والسفه هنا هو السفه في المال، ومن هو السفيه هنا؟ هو رجل بالغ عاقل لكنه سفيه، وسياتي معنا تعريفه، ما هو ضابط السفه في المال؟ سياتي معنا إن شاء الله، لا أستعجل عليه. فهؤلاء يحجر عليهم لحظ أنفسهم.
بناءً على أن هؤلاء محجور عليهم، فمن دفع إليهم ماله -أنت أيها الإنسان الذكي رضي الله عنك دفعت مالك، قد يكون المال نقودًا قد يكون أعيانًا، إذا دفعته إلى هؤلاء بعقد، يعني بعته إياهم، أو أجرتهم إياه، أو وهبتهم إياه، أو بدون عقد وضعت وديعة عندهم أو أمسكته إياه بيده، فمن دفع إليهم ماله سواء من خلال عقد أجراه معه أو بدون عقد أمسكوا له هذا المال، فترَ جزءًا من هذا المال، هنا لك أن ترجع بما بقي لك حق فيه أن ترجع.
بما بقي لا بما تلف، فإذا هذا الصبي أو هذا المجنون أو هذا السفيه أفسد عليك المال لا يضمن. الصغير والمجنون والسفيه لا يضمنون ما سلم إليهم من الأموال بعقد أو بدون عقد.
لماذا؟ لأن الحق على من؟ الحق عليك أنت، لماذا أعطيتهم المال؟ لماذا سلمت مادي الأعيان؟ فهؤلاء إذا أنت سلمت مالك إلى هؤلاء وأنت عارف أنه هذا صغير، أو واضح أن هذا الرجل مجنون، وكذلك قالوا السفيه هو مظنة الشهرة؛ هذا تعليل أصحابنا لهذه المسألة، قالوا مظنة الشهرة.
يعني خاصة المجنون والصغير ما هي واضحة، ليس محتاج أن تذهب إلى قاضٍ حتى تعرف أنه محجور عليه، مجنون، تصرفاته كيف تدفع إليه مالك؟ صغير واضح على الصغر، وكذلك السفه في الجملة، وإن كان السفه يمكن أن يناقش فيه لأنه أحياناً قد لا يكون فعلاً واضحاً.
لكن بالنسبة لأصحابنا عموماً، سواء كان الصغير أو المجنون أو السفيه، إذا دفعت إليهم أموالاً بعقد أو بدون عقد فبددوها، ليس لك أن تطالبهم بالضمان، وإنما تعود بما بقي؛ اللي بقي ما بددوها خذه مباشرة لحق حالك، كما يقولون، قبل ما يخلصوا على باقي المال.
ماذا يضمن الصغير والمجنون والسفيه؟ قال: «ويضمنون جناية وإتلاف ما لم يدفع إليهم». لكن يضمنون ماذا؟ يضمنون الجناية. الصغير والمجنون يضمن إذا هو جنى على مالك، يضمن إذا هو جنى على مالك واعتدى عليه، هي اسمها جناية، هو اعتدى في هذه الحالة. يضمنون فقط هي القضية.
إذا فالصغير والمجنون والسفيه، ولأن الكلام عام، إذا جاؤوا على أموال الآخرين، فهنا في هذه الحالة في اعتداء بدر منهم سيضمنون مالياً ما أتلفوه. وكذلك إذا أتلفوا ما لم يدفع إليهم، يعني هم أخذوا أشياء لم تدفع إليهم وقاموا بإتلافها، وصار هناك إتلاف بدون جناية، يعني هو ما اعتدى ولكن حصل إتلاف تحت يده لشيء لم يدفع له.
الجناية هذا نقول هو نوع من الاعتداء، جنى على أموال الآخرين. وفي الحالة الثانية، إتلاف ما لم يدفع إليهم، أنه شيء وقع تحت أيديهم ولكن صاحبه لم يدفع إليهم وهو في أيديهم تلف، قد لا يكون تقصد ذلك لأن ما تحت يدك، وهذا من لم يدفع لك كيف وصل له؟ بطريقة من الطرق، في هذه الحالة أيضاً يضمنون لأنه أتلف شيئاً لم يدفع إليه، حتى ولو كان غير متقصد للجناية والاعتداء واضح.
وبناءً على هذا، طبعاً هنا الضمان على الصغير، هذه فقط فائدة بالنسبة للصغير؛ الصغير يضمن الشيء من ماله، ليس من مال أبيه. بالتالي من المسائل المهمة لو أنه صغير في مدرسة، أتلف كرسياً يجلس عليه في المدرسة، أو أتلف مقتنيات في المدرسة، هل صحيح شرعاً أن يطالب أبوه بالتعويض؟ لا.
والله مدير المدرسة يقول: تعال ترى ابنك أتلف كرسي الصف، أو السبورة، يلا بدك تدفع. أو مثلاً الصغير أتلف سيارة الجار، فيذهب الجار إلى الجار: بدك تدفع ابنك أتلف. يقول له: تعال، إذا ابني معه مال شخصي من عيديات العيد أو من ورثه اجته من خلال موت قريب، والله خذ حقك.
طب ما في له مال شخصي؟ هذا الطفل ما له مال، وهذا الأكثر، فيقال: تبقى في ذمة الصغير، متى جاء مال في المستقبل أو بلغ وصار يشتغل، نقول له: بدك تدفع هي في ذمتك، وأما الأب فليس له علاقة هنا.
يحدث خطأ عند كثير من الناس أنه يطالب أبو الصبي بأنه يدفع في المدرسة أو في السيارات أو في أي إتلافات عند الجيران، يقال لأبي الصبي: أنت الذي ستدفع حقّي. حقيقة هذا ليس له علاقة فيه، أنا ما جنيت، ابني الذي جنى وأنا لست مسؤولاً عن تصرفاته، إلا إذا أنا أمرته، أما إذا هو وحده فعل هذا الشيء في المدرسة وتلف، بالتالي نقول للصبي: جَبْراً جَبْراً، طبعاً يؤخذ من عيدياته وأمواله الشخصية حتى يعوض.
طبعاً هذا كله في حال أن الأب يريد أن يتطوع، يعني الأب إذا تطوع جزاه الله خيراً، لكن يبقى تطوعاً منه أن يضمن ما أتلفه ابنه، هو غير ملزم شرعاً. هذه افهموها خاصة الإخوة الذين يعملون في المدارس أو الجمعيات أو المؤسسات، أنك لا تضمن أبو الصبي، أنت تطلب منه أن يضمن لنا كرماً منه، ممكن أقول له كرمه منك، بس ما أقدر أعامل معاملة أنه هو ظالم إذا لم يضمن، لأنه هو غير مسؤول شرعاً، المسؤول هو الطفل وتبقى في ذمته إلى أن يكبر ويعمل.
قال: «ومن بلغ رشيداً أو مجنوناً ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه بلا حكم وأعطي ماله لا قبل ذلك بحال».
من بلغ رشيداً، أي بلغ رشيداً، إذا هو بلغ ما عاد صغيراً، ورشيد إذا هو عاقل غير سفيه، عاقل يعني ما عاد مجنوناً وغير سفيه لأنه رشيد، فكلمة «من بلغ رشيداً» يعني خلص زالت عنه كل المشاكل الثلاث: زال عنه الصغر والجنون والسفه.
أو بلغ مجنوناً؛ هي الحالة الثانية، بلغ ولكن فيه جنون ثم الحمد لله شُفي وعاد إليه عقله وأصبح رشيداً، عندئذ ينفك الحجر عنه. «من بلغ رشيداً أو بلغ مجنوناً ثم رشد ينفك الحجر عنه بلا حكم»، لأننا أصلاً في بداية الحجر هل كان في حكم؟ لا، فانتهاء الحجر لا يحتاج إلى حكم، لا يحتاج إلى حكم قضائي ولا نذهب إلى المحكمة الشرعية لنأخذ ورقة أن هذا الطفل الذي بلغ رشيداً خلص ما عاد محجوراً عليه، لا نحتاج إلى ذلك.
«وأعطي ماله»، يجب على الولي أن يدفع إليه ماله، لأنه أثناء الحجر ماله لم يكن في يده بل كان عند الولي هو الذي يدير له أمواله، صحيح؟ متى بلغ رشيداً يجب أيضاً بعد انفكاك الحجر أن يعطى ماله كاملاً.
ثالثاً، قال: «لا قبل ذلك بحال»، يعني إذا لم يبلغ رشيداً، بأن لم يبلغ أصلاً أو بلغ وهو غير رشيد، لا يدفع إليه المال بحال، ولو بلغ عمره 90 سنة. شخص عمره 90 سنة بالغ، ولكن والله يا شيخ إنه ليس رشيداً، لا ندفع إليه ماله.
هنا في خلاف بين بعض المذاهب، لأن بعض المذاهب ترى أنه إذا بلغ 25 سنة حتى لو كان سفيهاً خلص، يدفع إليه ماله ليدبر حاله، لكن مذهب السادة الحنابلة لا؛ إذا لم يصل إلى الرشد لا يدفع إليه ماله ولو بلغ 100 سنة، قال: «لا قبل ذلك بحال»، ويتعمد أن يقول «بحال» حتى لا يعني ما...
لا تحكي لي بعد الثلاثين ولا بعد الأربعين؛ لا يدفع إليه ماله حتى يموت. لماذا؟ حرصًا على هذا المال؛ فالشريعة ترى أن المال يجب أن يحافظ عليه، وهذا الرجل حتى لو بلغ تسعين سنة له ورثة، نحن نريد أن نحافظ على أموالهم، لأن هذا الشيخ الكبير المسن قد يكون سفيهاً ويبدد الأموال، فلا بد أن نحافظ على الأموال للأجيال القادمة.
قال: «وبلوغ ذكر بإمناء، أو تمام 15 سنة، أو نبات شعر خشن حول قبله، وأنثى بذلك، وبحيض وحملها دليل أمناء». هذه علامات البلوغ تُذكر عادةً عند الحنابلة. وجيد دائماً عندما تقرأ في كتب المذهب أن تعرف مظان المسائل؛ يعني لو أردت أن تعمل بحثاً عن علامات البلوغ عند الحنابلة، أين ستجد هذا المبحث في كتبهم؟ ستجده في باب الحجر. عندما تطرح أمامك مسألة، فكر أين تبحث عنها في المذهب، فليس هناك عنوان اسمه باب البلوغ أو علامات البلوغ، فتتحير أين تبحث عنها، فعند الحنابلة يذكرون هذه المسألة في عامة كتبهم في باب الحجر.
علامات بلوغ الذكر واضحة لديكم؛ سواء أمنى باحتلام، أو أثناء جماع، أو بالاستمناء باليد، بغض النظر عن الحرمة، فمتى ظهر المني فقد بلغ. والثانية هي إتمام 15 سنة قمرية، وهذا في حال لم توجد العلامة الأولى والثالثة. فبمجرد أن يتم 15 سنة قمرية يعتبر بالغاً ولو لم يمني ولو لم يظهر الشعر الخشن على عانته.
ثالثاً: «أو نبات شعر خشن حول قبله»، وهو شعر العانة. الطفل عموماً يكون هناك شعر أشقر أو ناعم حول العانة وهو صغير، وأحياناً بعض الناس يظن أن عليه شعراً وهو أمرد، لكن لو نظرت من بعيد تجد طبقة شعر شقراء خفيفة، بالتدقيق تبين، لكن هذه ليست محسوبة؛ فلا يقل لك أحد إن وجدنا قليلاً من الشعر. المراد هو الشعر الخشن الأسود المعروف، وليس الشعر الذي هو عبارة عن زغب خفيف يكون موجوداً على العانة حتى قبل البلوغ، لذلك تم التركيز على الشعر الخشن؛ لأن هناك شعراً ناعماً وهو الزغب الجسير الذي لا يعتبر علامة على بلوغ، وربما يوجد من عمر أربع أو خمس سنوات، فينتبه لهذا.
ثم قال: «وأنثى»، أما الأنثى فما علامات بلوغها؟ أيضاً بالإمناء، أو نبات شعر خشن حول القبل، أو إتمام 15 سنة إذا لم تظهر علامة بلوغ سابقة، ونزيد عليها من علامات البلوغ ما هو الحيض؛ فإذا حاضت قبل الـ 15 سنة قمرية فهذا علامة بلوغ. قال: «وحملها دليل أمناء». هذه المسألة بحثناها، هل يعتبر النفاس علامة من علامات البلوغ؟ لا، لكنه دليل على بلوغ سابق؛ لأن الحمل كيف يحصل؟ هو اجتماع مني الرجل مع مني المرأة، فإذا حملت المرأة، فمن الضمنية أنها أمنت، ولو لم يظهر لنا، فالحمل دليل أمناء.
متى نحكم بالبلوغ بناءً على هذا؟ نحن نعرف أن الحمل دليل على أنها أمنت، ولكن أريد موعداً محدداً أقول إنها بلغت فيه. قالوا: «إذا وضعت»، ونقدر ذلك بستة أشهر قبل وضعها. مثلاً هي وضعت في شهر 12، فالمتيقن أن أقل مدة للحمل ستة أشهر، فالمتيقن أنها في شهر 6 الماضي كانت بالغة. قد يسأل سائل: ربما تكون حاملاً تسعة أشهر، فلماذا لا نعتبر شهر 5 أيضاً؟ قديماً لم تكن هناك أجهزة السونار التي تكشف الحمل مبكراً، فالمرأة قد تكون في الشهر الأول أو الثاني ولا تفهم التغيرات الهرمونية التي تطرأ عليها.
بالنسبة للفقه القديم، هو يقول: هي وضعت الآن، والمتيقن عندي أنه منذ ستة أشهر كانت حاملاً، أما قبل ذلك فقد تكون حاملاً وتضع على تسعة أشهر، لكنني لست متيقناً، والأحكام لا تثبت إلا على اليقين. البلوغ تُبنى عليه أحكام كثيرة، مثل الجنايات، وكذلك الحجر؛ فانفكاك الحجر يُبنى على تاريخ البلوغ. فنحن نعتمد على اليقين، ويقيناً هي من قبل ستة أشهر من وضع الحمل كانت بالغة لأن أقل مدة للحمل ستة أشهر.
لكن اليوم، بناءً على الطب الحديث ووجود السونار، يمكن للمرأة من الشهر الأول أن تذهب وترى البويضة المخصبة وتعرف أنها حامل يقيناً، بغض النظر عن الإجهاض من عدمه. بالنسبة لنا، البويضة المخصبة موجودة وبداية الحمل ظهرت يقيناً، لذا لا نعتمد على ما قالوا إنه ستة أشهر، بل نعتمد منذ اللحظة التي تيقنا فيها وجود الحمل طبياً، ولو قبل الستة أشهر. لأننا في النهاية نريد التأكد متى أمنت، فإذا وصلنا إلى أول تشكل للبويضة المخصبة يقيناً، فقد عرفنا متى أمنت. فهل يمكن طبياً من خلال الأجهزة أن نعرف يقيناً متى تشكلت البويضة، أي متى التقى مني الرجل بمني المرأة وتشكلت؟
هو أنت طبياً أعطني، كأنك طبيب مرتبط؟ لا، نحن بالنسبة لنا هذا الذي تتحدث عنه، الله أعلم متى بلغت، بس هذا مشكوك فيه؛ لأنه لم يحصل أمناء واضح أمامنا، لم يحصل أمناء قبل الحمل ولا نبات شعر خشن.
طيب، لقيناها حامل، متى عمر؟ أحسنت، متى هي البويضة المخصبة حصل فيها الاجتماع؟ ممكن الأصل إذا ثبت هذا طبياً بشكل قطعي أن هذا اليوم هو يوم البلوغ، أنه هذا هو اليوم المتيقن عنه 100% أنه كان عندها أمناء. قبل كذا كان أمناء ممكن، لكن نحن لا نثبت البلوغ بالممكن، نثبت البلوغ باليقين، هذه هي الفكرة.
واضح مشايخنا؟ قديماً لماذا قلت ذلك؟ لأنه قديماً ما كان عندهم هذه الأجهزة وهذه التقدمات. في الزمن الخامس الهجري والرابع هجري، بالنسبة لهم كله في سقف الممكن، فعلقوا القضية على شيء؛ أن اليقين ستة أشهر، أنه هذه أقل مدة للحمل.
سريعاً، شوف عندنا اليقين أنه في حمل، مش على قواعد المذهب في التكليف؛ نأخذ أعلى مدة الحمل؟ لا، هنا بالعكس، قواعد المذهب تأخذ باليقين. أنا سأحملها أشياء كانت قبل الستة أشهر؛ ضمانات وجنايات وأشياء وقصص، فأنت بالنسبة لك لا أحمل هذا الموضوع إلا على وجه اليقين، وممكن يكون تعلق بالذوق طبعاً. أحكام مثل الطلاق والعدة وما شابه ذلك، فالاحتياط أن تأخذ باليقين وليس بالأكثر. الاحتياط المخل في باب العبادات، أما قاعدة اليقين في باب المعاملات، كلام صحيح، أكمل.
قال: «ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر بما يليق به ويؤنس رشده». قال: «ولا يدفع إليه ماله»، هذا الصغير الذي بلغ الآن -الحمد لله- لا يدفع إليه ماله حتى يختبر بما يليق به. الآن عادة الاختبار أيها الكرام يكون ماذا؟ قبيل البلوغ. عادة الاختبار يكون قبيل البلوغ، بحيث يجرب؛ بتجارة معينة، نبدأ معه بأشياء صغيرة، بعدين بأشياء أضخم، وننظر هل هو قادر أو ليس قادراً، هل هو عاقل أو رشيد أو ليس برشيد؟
ما حكم هذا الاختبار؟ قال: «ولا يدفع إليه حتى يختبر»، هذا مبهم، نحن لازم نعينه، الاختبار واجب؛ يعني يجب على الولي الاختبار، مش قضية استحبابية. يعني بنقول والله الأفضل قبل ما تعطيه المال أنك تختبره؟ لا، مش الأفضل، يجب وجوباً ألا تدفع إليه المال حتى تختبره، وإذا دفعت إليه المال قبل الاختبار أنت آثم، هذا معتمد المذهب.
«ولا يدفع ماله حتى يختبر بما يليق به»، طبعاً ماذا يعني يليق به؟ هنا الشيخ أحمد ذكر فكرة، قرأها شيخ عمر في حاشية رقم اثنين، قال: «فإن كان ابن تاجر مثلاً فإنه يختبر بأن يشتري ويبيع مع التجار وينظر كيف يتعامل بالمال، وإن كانت أنثى اختبرت في الغزل بأجرة المثل وتوكيلها، وينظر في تصرفه».
شايف؟ يقول لك إذا كان ذكراً وكان ابن تاجر مثلاً، يعطيه في تجارته أنه يمارس التجارة مثله؛ يعني أنا تاجر سيارات بخلي ابني تاجر سيارات، بدي أختبره فيها، أنا تاجر حديد بخليه تاجر في الحديد، أنا تاجر سوبر ماركت بخليه تاجر سوبر ماركت. طيب إذا كانت بنتاً؟ قال إذا بنتاً، قالوا مغزل، وتصير تغزل وكذا وتبيع بالأجرة ونشوف، تعرف تبيع الغزل الذي تعمل به أم لا؟ ونضحك عليها! طبعاً هذه الأمور حقيقة لا ينبغي أن تُحد حداً، ولذلك هنا يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه: «فلا يرى لزوم اختبار ابن الرجل في صنعة أبيه، لأنه قد يختار صنعة أخرى».
أحسنت؛ يعني أنا ابني إذا أنا تاجر سيارات لازم أختبر ابني في تجارة السيارات؟ افرض ابني لا يعرف تجارة السيارات، بس ممكن يعرف تجارة الإلكترونيات، فكلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه أظنه هو أوسع وأريح في العرف، أن أقدر له اختباراً يناسبه بغض النظر سواء كان من جنس تجارتي أنا كأب أو من غيرها، المهم أقدر له اختباراً. حتى البنت اليوم، البنات يخرجن، فبماذا سأختبرها حتى أتأكد أنها رشيدة في المال؟ ممكن نفس الشيء، أعطيها بعض الأشياء الخفيفة وأقول لها بيعيها خضرة أو شغلات بسيطة، أو أذهب معها للسوق وأرى كيف تشتري مثلاً ثوباً لها أو قماشاً لها؛ خلوا القضية عرفية أريح حتى لا نعجق الناس في هذا الموضوع.
أكمل، قال: «حتى يختبر بما يليق به ويؤنس رشده»، ومحله قبل البلوغ، «ويؤنس» يعني يُعلم رشده. قال: «ومحله»، ومحل هذا الاختبار كما قلنا قبل البلوغ. ولذلك أصلاً إذا تتذكروا في أول باب البيع: الصبي المميز هل يجوز له أن يبيع ويشتري المحقرات؟ في المحقرات علبة لبن وشيبس، قلنا هذه ولو بدون إذن السيد صحيحة، لكن في الأشياء التي لها قيمة هذه تحتاج إلى إذن السيد.
فإذا أذن له السيد، هذا الإذن هو كأنه نوع من الانفكاك المؤقت للحجر، حتى يمارس الممارسة الصحيحة والتصرف الصحيح. فالسيد لما يأذن للصغير، للصبي المميز، طبعاً في ماله؛ لأن هو كما قلنا هذه أصلاً كانت المسألة تصرف الصبي المميز في ماله، فالصبي المميز تصرفه في ماله بإذن جائز في غير المحقرات، وأصلاً سيحتاجه السيد؛ لأنه سيحتاج أن يختبره، فهذا نسميه انفكاكاً مؤقتاً في الحجر، حتى من خلاله اضطررنا أن نعمل هذا الانفكاك المؤقت حتى نعلم الصبي المهارات حتى يبدأ يتدرب. ولذلك قلنا للولي أن يأذن للصبي المميز في مال الصبي المميز أن يشتري ويبيع، طبعاً بشرط أن يكون متأكداً من وجود المصلحة ولا يكون فيها فساد على الصبي.
قال: «والرشد هنا»، طيب ما هو الرشد الذي يدفع السفاهة؟ إخواننا بدنا نعرف من هو السفيه؟ السفيه عكسه الرشيد. من هو الرشيد؟ قال: «إصلاح المال بأن يبيع ويشتري فلا يغبن غالباً، ولا يبذل ماله في حرام وغير فائدة».
ممتاز، هذا ضابط الرشد عند الحنابلة؛ الرشد عندنا هو صلاح المال، بخلاف الشافعية فإنهم زادوا صلاح المال والدين. الحنابلة قالوا نحن موضوع ديانته ما لنا علاقة فيه هنا، ممكن يكون الشخص ليس متديناً، يتابع مسلسلات ويحضر أفلاماً سيئة وعنده علاقات مع نساء، بس في المال تاجر، وما أكثر أهل الزمان الذين هم كذلك، أنه شاطر في التجارة، يعني يعرف يدير ماله، بس أنه ليس عنده صلاح دين، رجل للأسف غير متدين أبداً، فالحنابلة لم يعتبروا صلاح الدين هنا، قالوا هذا الموضوع مالي فنقتصر على صلاح ماذا؟ المال. طيب ما هو ضابط صلاح المال؟ قالوا: أن يقدر على البيع والشراء.
فلا يغبن غالباً. قالوا: إذا كان يغبن مرة ومرتين أو ثلاثاً فليس مشكلة، فكلنا ذاك الرجل الذي يُغبن في الحياة. لكن "يغبن غالباً" يعني من كل عشرين صفقة تروح عليه عقدين أو ثلاث، فليس مشكلة أنه لا يخلو من هذا الإنسان أن يضحك عليك. لكن إذا كان من عشرين صفقة سبع عشرة صفقة، فهذا ما يعرف يبيع ويشتري، لذا قال: فلا يبيع ويشتري.
فلا يغبن غالباً؛ النقطة الثانية هي: وأن يبذل ماله في حرام أو غير فائدة. نحن قلنا إن الرجل غير المتدين، إذا كان عدم تدينه هو مجرد نظر نساء وأفلام وقصص، وليس أنه يبذل ماله في الحرام، فهو إذا راشد من حيث المال وإن كان ضائعاً من حيث الدين. لكن إذا كان عدم تدينه أنه أيضاً يبذل المال في الحرام أو في غير الفائدة، مثل هؤلاء الذين يشترون أرقام السيارات ويعملون عليها مزاداً؛ يشتري رقم سيارة بمليون، إذا كنت ترى المزادات ولا هي بـ 20,000 ولا 50,000، فهذا مباشرة اترك عليه؛ هذا سفيه. ما رقم سيارة تدفع عليه 50,000؟ ماذا سنفعل بهذه الرقم؟ لا تأتي بخير لا في دين ولا في دنيا. وما أكثر هذه الأشياء التافهة التي تجد بعض الناس يدخل فيها. فمن كان يبدد ماله في حرام أو في غير فائدة، فهذا أيضاً سفيه يحجر عليه.
تبقى قضية: ما ضابط أن يبذل ماله في حرام؟ يعني الذي يشتري دخاناً، يجلب المال لكنه يشتري دخاناً ويبذل ماله فيه وهو حرام، مع أنه يبذل فيه حلالاً؛ هل مجرد أنه يشتري الدخان معناه أنه أصبح سفيهاً يحجر على هذا الرجل؟ هل فهمتم الآن ما هي القضية وتوابعها عند الحنابلة؟
قال الشيخ أحمد: «ولا يبذل ماله في حرام كالقمار، ولا يبذل ماله في غير فائدة». ولما مثلوا لمن يبذل المال في غير فائدة، مثلوا بالمفرقعات. الحنابلة قالوا: كمن يشتري النفط؛ طبعاً النفط قديماً، أي الجراء، ليحرقه ويستمتع برؤيته. كانوا قديماً، مش قضية نار كذا يشترونها، بل الفقهاء كانوا يروها في زمنهم ويلعبون بها، فبناءً على هذا يقول لك: الذي يشتري مفرقعات ويفجرها لنا في الهواء، هذا ضيع ماله في غير فائدة.
الحنابلة هنا حقيقة فيما وقفت عليه -على الأقل ولا أريد القول جميعاً- أطلقوا الكلام أنه لا يبذل ماله في حرام وغير فائدة. لكن ما هو مقدار هذا البذل الذي يخرج إلى حيز السفاهة؟ هل مجرد أنه يشتري -وأرجع أقول مثال باكيت الدخان- هل مجرد أنه يشتري باكيت دخان مباشرة نجعل نحكم عليه أنه سفيه يحجر عليه؟ أم هي قضية نسبة وتناسب على حسب دخله؟
لأن هناك إشكالاً؛ فواحد راتبه 1000، شراء الدخان حرام، لكنه فعلياً 1000 أو 2000، وراتبه ليس شيئاً كبيراً، فليس معطلاً حياته ولا أموره ولا أرزاقه. لكن موظفاً راتبه 250 أو 350، وذاهب 100 دينار، أي ثلث الراتب دخاناً، هذا سفيه؛ لأن هذه الأموال أحق بها أبناؤه، لعلاجهم وحياتهم، صح؟ لأنه هنا إذا أردت أن تعمم هذا الكلام أن أي شيء حرام تشتريه -ولنقل بشكل مستمر ومتكرر- وما هو مقدار التكرار أيضاً؟ هذه كلها أمور في اعتقادي تحتاج إلى ضبط.
واحد يشتري مرة واحدة شيئاً حراماً وخلص، هل نقول يعتبر سفيهاً إلى أن يعلن توبته؟ ما هو ضابط أنه خلاص توقف ولم يعد سفيهاً؟ هناك مشكلة في كم مرة يبذل؟ هو قال: يبذل، لكن كم مرة يبذل هي مسألة تحتاج إلى تحرير. ثانياً: هل أي بذل في أي حرام ولو يسير؟ هو يقول لك: أنا مصاريفي الحمد لله لست مبدداً، لكن في شيء ابتليت به، وهو شراء هذه السلعة المحرمة اليسيرة التي لا تؤثر عليه، ولو كانت ستؤثر هو لن يفعلها، لكنه يقول لك: ليست مؤثرة على حياتي ولا أرزاقي وأنا تاجر وأعرف التجارة وما شابه ذلك. هذه أيضاً قضية النسبة والتناسب؛ فآحياناً كما قلت الراتب محدود وثلثه يذهب لشراء الدخان، هذا سفيه 100% بالنسبة لنا، لكن راتبه 5000 أو 6000، رئيس شركة كبير وماسك له غليون ويبذل فيه، هل تعتبره هذا سفيهاً يحجر عليه؟
وهذه تنبني عليها أحكام السفه المذكورة. أظنها تحتاج إلى تحرير أكثر: ما هو البذل في الحرام أو غير الفائدة الذي بناءً عليه يُحجر؟ أنا دائماً أحب أن أصل إلى حد فاصل؛ حتى مباشرةً الأمامي هنا سيقول لي: قضية عرفية، خلص إذا أحلتها للعرف، سأصبح أنا الذي أجتهد، فلان سفيه يشتري دخاناً وفلان ليس سفيهاً لأنه يشتري دخاناً، لأن القضية نسبية. أما إذا كانت القضية حدية، أعطني إياها، إذا كان لها حد واضح نتفق عليه. أما أن يترك الأمر فضفاضاً بهذه الطريقة، فسنرجع للنسبية. أما إذا كان الحد هو أنه لا يبذل أي شكل ولو مرة واحدة، فمعناه ستحجر واسعاً وسيكون أكثر مجتمعنا -الله يكرمهم- من السفهاء الذين يُحجر عليهم، لأنه يا يشتري شيئاً بلا فائدة، يا يشتري شيئاً محرماً. بالتالي أعود فأقول: هذه فقط خلوها للبحث.
ثم قال: «وليهم الحجر: الأب، ثم الوصي، ثم الحاكم». هؤلاء الصغار أو المجنون أو السفيه، من وليهم أثناء الحجر عليهم؟ أولاً الأب؛ إذا كان الأب موجوداً، فالأب هو الولي في المال. فإذا لم يكن الأب عند الحنابلة، فإلى وصي الأب؛ أي الأب رحمه الله، قبل أن يموت أوصى بأن يكون الولي هو عمهم أو خالهم أو أمهم، أو وصي الأب إذا كان الأب قد أوصاه.
قال: «ولا يتصرف لهم إلا بالإذن». الآن بعد الوصي، إذا لم يكن هناك وصي، قضية هنا ليست ميراثاً، أي لا تنتقل تلقائياً للأم أو للأب أو للعم أو للخال عند الحنابلة، إذا لم يكن هناك وصي فالأمر للحاكم. انتهينا، إذا لم يكن الأب موجوداً فالوصي هو وصي الأب، وإذا لم يكن هناك وصي تنتقل مباشرة إلى الحاكم، والمقصود بالحاكم هنا هو قاضي البلدة، أي القضاء. «ولا يتصرف لهم هذا الولي»؛ الولي على أموال الصغار والمجنون.
والسفيه لا يتصرف له إلا بالأحظ، يعني ما فيه المصلحة الراجحة؛ فأنا الآن مسؤول عن أموالكم، ما ببيع أو بشتري أو بقرض أو بعمل صلح أو شيء، إذا بتذكره كذلك زي ما قلنا، إلا إذا كان هذا فيه مصلحة أموال هؤلاء من حيث تنميته أو المحافظة عليه. فأي قرار بده يتخذه الولي بده يكون لصالح المال، إما محافظة على المال حتى لا يضيع أو يسرق، أو يكون فيه تنمية للمال. فالتصرفات التي ليس فيها محافظة على المال أو تنمية له لا تجوز.
فهل يجوز للولي أن يتصدق عنهم من أموالهم؟ يعني أنا حطيتك ولي على طفل، بصير أنت كولي تقرر تتصدق من أموال الطفل؟ يلا هي عن هذا الطفل أو عن هذا السفيه، ما بصير؛ لأن هذا التبرع محض، والتبرع المحض ضرر.
هل يجوز أن أقرض من ماله؟ إذا كان في مصلحة للإقراض أنه بيحمي ماله، أحياناً في بعض الكوارث والنكبات أو كذا، ممكن يكون الإقراض وسيلة لحفظ مال الصبي بطريقة ذكية؛ أن أنا بقرضه لأنه في مثلاً ناس تتربص بهذا الصبي، أعمامه يتربصوا بأمواله وأخواله، فأنا كوصي من باب الذكاء شو أعمل؟ آخذ أموال وأقول له اسمع في واحد بده قرض، خذه يا فلان 5000، بس بتحرى أني اللي أقرضه يكون مليئاً يخاف الله، أنا ليش بدي أقرض؟ حتى ما يسطو أحد على مال اليتيم المسكين. فإذا جاء أعمامه وأخواله بدهم يأخذوا المال، يقول: خلص أقرضناها لفلان، فتكون حصرت أخواله، هم جايين يسطوا على الأموال فيكتشفوا أنها مش موجودة، راحت قرض. هنا ممكن للولي فعلاً يتخذ هذا القرار، لأنه هو هدفه مش التبرع، هدفه المحافظة على مال الصبي، خاصة أنه أقرضه لمليء، لكن إذا القرض ما في فيه أي فائدة دنيوية تعود على الصبي، فلا يقرض؛ لأن هذا ليس تصرفاً لصالحهم. فدائماً لا يجوز التصرف إلا لما فيه مصلحة لمال الصغير والمجنون والسفيه.
قال: «ويقبل قوله بعد فك حجر في منفعة وضرورة وتلف، لا في دفع مال بعد رشد إلا من متبرع». بعد ما بلغ هذا الصغير أو هذا المجنون أو رشد السفيه، جاء عند القاضي وقال: يا قاضي، الولي كان مسؤولاً عني، تصرف في مالي بطريقة ما فيها منفعة ودون ضرورة، أو أنه أتلف جزءاً من مالي. جاء الولي بده يدافع عن نفسه أمام القاضي، قال: لا يا قاضي، أنا تصرفت هذا التصرف في ماله لمنفعة تعود للمال مثلاً. قال للقاضي: يا قاضي هذا الولي أقرض مالي لشخص، وهذه قضية القرض وهذا القرض لسه ما رجع إلى الآن، فرضا يا قاضي بدي حقي منه لأنه هو تصرف بشيء لا منفعة لي فيه. فالقاضي بيستدعيه للولي: تعال أنت هيك فعلاً تصرفت؟ فيأتي الولي يقول: نعم أنا أقرضت من ماله، أو تصرفت هذا التصرف، أو عملت صلحاً مثلاً، إذا كان كذلك صلح رجع من خلاله بعض مال الصبي، ولا بدون الصلح ما كان شيء رح يرجع، ممكن يكون هذا قرار بالنسبة لي إنه عشان ما يرجع ولا شيء رجعت 50% مما بدل من أن لا يرجع شيء، على قاعدة الصلح، على الإقرار أو الإنكار.
فالولي الآن بيجي يدافع عن نفسه أمام القاضي بيقول: لا، أنا تصرفت هذا التصرف لمنفعته والمنفعة كذا وكذا وكذا، أو لضرورة مرت بنا، اضطررت أن أفعل هذا التصرف، أو أنا ما أتلف؛ تقول لك إنه هو أتلف، الولي بيقول: لا أنا ما أتلف، هي تلفت وحدها. من المصدق ابتداءً الولي هو المصدق، حتى يأتي هذا الشاب البالغ أو اللي عقل مع الجنون بالبينة.
قال: «ويقبل قوله»، يعني قول الولي بعد فك الحجر عن الصغير أو المجنون أو السفيه في منفعة رآها في استثمار المال، أو ضرورة اضطر إليها، أو تلف لم يتلفه هو بل تلفت وحدها؛ هنا يكون المصدق بيمينه من؟ الولي، والطرف الآخر هو المطالب بالبينة.
هنا في فائدة، كان ذكرها الشيخ أحمد وذكرها أصحابنا: يستثنى مما تقدم في قبول قول الولي إذا خالف قوله عادة أو عرف، فلا يقبل قوله لمخالفته الظاهر. وزاد في الإقناع أيضاً: «ما لم يعلم كذبه»، قال البهوتي: «بأن يحس دعواه». كيف يعني؟ الولي قلنا له ليش تصرفت هذا التصرف؟ الشاب بيحكي إنه أنت تصرفت من هواك، قال: لا يا قاضي أنا صرفت هذا التصرف ضرورة لأنه كان في قحط أو مجاعة في الأردن في عام 2016 فاضطررت أن أفعل. يا فلان، عام 2016 لا كان في مجاعة في الأردن ولا شيء، من وين هي المجاعة اللي حكيت لنا عنها؟ فبالتالي هنا عُرف كذب الولي؛ فإذا عُرف كذب الولي من خلال الواقع أنه ادعى شيئاً وحصل قبل خمس سنين وما حصل، أو ادعى شيئاً يخالف العرف أو العادة.
ادعى شيئاً يخالف العرف أو العادة مثل إيش؟ رجل مليونير في الأردن، فالولي -أنا بحاول أركب المثال حتى يضبط معنا- مثلاً رجل مليونير، فيحكي الولي: أنا أقرضت مال الصبي لهذا المليونير لأنه كان محتاج 50 ديناراً، وشفت أنا من مصلحة الصبي أن هذه الـ 50 ديناراً أعطيها لهذا الرجل مثلاً محافظة على مال الصبي حتى لا يضيع. هنا بنيجي بنحكي، بشوف هيك حبكة القصة في العرف والعادة هل هي الحبكة؟ رجل مليونير يتحدث بالملايين، يجي على واحد صبي محتاج 50 ديناراً، ولم يثبت في تاريخ هذا المليونير أنه جاءت عليه حالة انهيار اقتصادي، أموره ماشية، فهنا لو ادعى الولي أنه تصرف هذا التصرف، هو ليس يقيناً كاذب، ولكن في شيء يخالف العادة والعرف؛ أنه ليس منطقياً أن رجلاً مليونيراً جاء يستدين 50 ليرة، وأنت دينته إياها فقط من باب المحافظة على مال الصبي. يعني حبكة القصة مخالفة لسياق الأحداث الطبيعي، وإن كنا لا نملك معطيات بينة يقينية أنه كاذب، لكن سياق الأحداث ينفر من ذلك ويأباه، فهنا نقول للولي: لا، سامحنا، بدك تجيب بينة، روح جيب لنا تبع الاسم هذا اللي بتحكي عنه، ودب لنا أنه استدان. فيصبح المدعي هو الولي، وهو المطالب بالبينة، والطرف الآخر هو المدعى عليه.
إذن: «ويقبل قول الولي بعد فك حجر في منفعة فعلها، أو ضرورة اضطر لفعلها، أو أنه لم يتلف إذا كان كلامه...»
ضمن العرف والعادة ولم يخالف الحس، أما إذا كان كلامه خارج العرف والعادة ومنطق الأحداث أو خالف الحس، فهنا يصبح الولي هو المتهم ومطالب بالبينة.
ثم قال: "لا في دفع مال بعد رشد مسألة واحدة الأصل فيها لا"، قول المولى عليه. إذا الشاب بعد ما بلغ قال للقاضي: إنه لم يسلمني أموالي، والولي قال: لا، سلمته أمواله، هنا العكس، هنا الأصل قول مين؟ الشاب البالغ؛ لأنه الأصل أنك لم تستلم المال، ما هو الأصل؟ الأصل أنك لم تستلم المال، كان المال عند الولي، الأصل أني استلمته أم لا؟ الأصل أني لم أستلمه حتى يثبت الولي ذلك.
فمسألة واحدة يكون الولي مطالبًا فيها بالبينة، العكس يعني وهي في دفع المال بعد الرشد للشاب؛ فإذا ادعى الشاب أنه لم يقبض، وادعى الولي أنه دفع، فالأصل قول الشاب حتى يثبت الولي أنه دفع. لذلك هي القضايا خطيرة، فالأصل في الولي أنه لا يدفع المال إلا بحضور شاهدين، بلاش غدًا الشاب ينكر أمام القضاء ويرجع يقول: أثبت أنك رجعت لي مال أبي الله يرحمه. لا بد أن تنتبه؛ لأن هذه القضايا يصير فيها تجاحد وتتورط، فأنت كولي في اللحظة التي تريد فيها دفع المال للشاب البالغ، أحضر لك شاهدين، أو اجعل هناك تصويتًا، يعني تريد أن يكون هناك حضور أمام الناس حتى توثق، حتى لا يُجحد بعد ذلك وتتورط، وتصبح تريد أن تبحث عن بينة ولا تجد.
إلا في حالة واحدة في هذه المسألة يقبل فيها قول الولي ويحتاج الطرف الآخر إلى البينة، قالوا: إلا إذا كان الولي متبرعًا بولايته. هذه قاعدة فقهية عامة عند الحنابلة؛ أن المتبرع في باب الوكالة، وفي باب الوديعه، وفي باب الولاية، المتبرع الذي يعمل لوجه الله ليس مقابل شيء، هذا يُقبل قوله، الأصل أن قوله هو المقبول حتى يثبت الطرف الآخر خلاف ذلك.
فإذا كان الولي مقابل ولايته على مال اليتيم يأكل من ماله -وتعرفون الآن أن الله عز وجل أذن للولي أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف- فإذا كان الولي يأخذ أجره على ولايته وإدارته لمال اليتيم أو المجنون، فهذا ولي بأجر، فينبغي أن ينطبق عليه ما سبق، فنقول له إذا الطرف الآخر نفى أنك دفعت المال إليه: أيها الولي أنت مطالب بالبينة.
أما إذا كان متبرعًا، تقول له: أنا أدرت ماله عشر سنين لوجه الله، أنا أريد أن آتي في آخر شيء ولا أعطيه ماله؟ أنا من أول ما دخلت في الولاية أصلاً ومعروف أني متبرع، في هذه الحالة الأصل قول من؟ قول المتبرع، والشاب البالغ هو المطالب أن يأتي ببينة أنه لم يقبض. لماذا؟ هنا في هذه المسألة، وفي مسألة الوديعه، وفي مسألة الوكالة التي بدون أجرة، اعتبر الحنابلة أن المتبرع الأصل قوله أنه دفع، مع أن هذا خلاف الأصل، فالأصل أنه أنت لم تدفع حتى تثبت أنك دفعت، إلا إذا كنت متبرعًا، لا، نريد أن نعتبر الأصل أنك دفعت حتى يثبت الطرف الآخر أنك لم تدفع.
لماذا؟ أحسنت، لكي لا يُغلق باب الخير، لأنني أتخيل أنني عشر سنين متبرع، وآخر شيء عندما دفعت المال للشاب لما بلغ، نسيت أن أحضر شاهدين، وطلع هذا الشاب لئيمًا وذهب يشكيني في المحكمة! يصير الواحد الذي يريد أن يشتغل تطوعًا لوجه الله يقول لك: أنا لماذا أشتغل تطوعًا وآخر شيء أقع في قضية وأتورط بها؟ لا، من الأول أشتغل بأجر، ما دام القضاء في كل الأحوال سيعتبر أنني أنا المتهم وأن ذاك الحق معه حتى آتي ببينة، أنا لماذا أورط نفسي بهذه الورطة؟ فنغلق وهكذا نسد باب التبرع والعمل للخير.
فهنا انظر، هذه الأفكار وهذه التعاليل تبدأ أنت تفهم فيها التصور الإسلامي؛ أن الإسلام من باب تحفيز الخير اعتبر أن الأصل قول المتبرع، حتى وإن كان خلاف الواقع، يعني أنا صحيح أن هناك احتمالًا أنك لم تدفع، والأصل أنك لم تدفع حتى تثبت، ولكن لأنك متبرع ومعروف أنك متبرع، سنخدمك ونعتبر القول لك؛ ليبقى أصحاب الخير في البلد متوافرين.
ثم قال: «ويتعلق دين ماذون له بذمة سيده، ودين غيره، وأرش جناية قن، وقيم متلفاته برقبة».
نختم مسألة تتعلق بباب العبيد، هي مسألة تتعلق بالعبيد سريعًا. الآن العبد إذا أذن له سيده بالتصرف المالي، نحن قلنا إن السيد والعبد لا يملكان أصلاً، العبد وماله لسيده. إذا أذن السيد للعبد أن يتصرف ماليًا، فهذا العبد مثلاً اشترى سيارة أو قطعة أثاث بالدين وغيرنا سيد وأذن له، قال له: اذهب وافعل وأنا أذنت لك، فذهب العبد واشترى سيارة أو اشترى قطعة أثاث بالدين، الآن صاحب معرض السيارات أو صاحب محل الأثاث يطالب من؟ يطالب السيد؛ لأن العبد وماله لسيده، فآتي نقول: يا أيها السيد، هذا العبد أنت أذنته أن يشتري السيارة أم لا؟ السيد قال: نعم، أنا أذنته أن يشتري، نقول له: إذاً أنت مسؤول عن سداد ديونه. فبقي العبد ما شاء الله رائعًا على محل الأثاث أو محل السيارات، اشتركوا له طبعًا، ففي النهاية السيارة والعبد للسيد، أي أن حقه للسيد أن يضع يده على كل شيء، فمن هنا نقول للسيد: أعانك الله، أنت سوف تدفع ديونه.
الحالة الثانية: لا، إذا كان العبد اشترى وباع أو دخل في قضايا دين دون أن يأذن له السيد وحده، إذا اشترى بديون دون أن يأذن له السيد، ودين غير الماذون له. وأرش جناية، وهي مسألة مشابهة لها؛ أن العبد جنى على رجل في الشارع، ضربه كسر سيارته، عمل له شيئًا، ما هو الأرش؟ الأرش هو التعويض، قيمة التلف، أو إذا كانت جناية جسدية -وهنا عفواً الجناية على البدن- وقال: «وأرش جناية وقيم متلفاته»، إذاً الجنائي يقصد على البدن، هذا العبد جرح واحد أو عمل له مشكلة في البدن، فما هي الدية؟ الدية هي التعويض، وكذلك قيم المتلفات، هذا العبد أتلف سيارة، هذا العبد كسر شيئًا للجيران، من سيدفعها؟
فهنا هي الأمور التي لم يأذن له فيها السيد: دينه، وجناياته على أجساد الآخرين، وقيم متلفاته؛ هذه عند الحنابلة تتعلق برقبة العبد وليس بذمة السيد. ما معنى أنها تتعلق برقبة العبد وليست بذمة السيد؟ قالوا في هذه الحالة، إذا جيء إلى السيد فقيل له: عبدك اشترى بديون، فقال: ما أذنته، أو عبدك جنى على فلان وعليه دية، أو عبدك أتلف شيئًا وعليه قيمته، الآن السيد يقول: أنا لا علاقة لي به، الموضوع متعلق برقبة العبد.
في خيار السيد بين ثلاثة خيارات، نقول للسيد: ممتاز، أنت ما لك علاقة، بس أنت الآن أمام ثلاثة خيارات، بدك تختار واحدًا منها.
الخيار الأول أنك تسلم العبد لصاحب الحق، خلص تستغني عن العبد. ماذا تفعل؟ تسلم العبد لصاحب الدين، أو لصاحب أرش الجناية، أو لصاحب القيمة. لأنه هنا -سامحني على التعبير، سنتبع الواقع الفقهي- سنتعامل مع العبد كأنه قيمة مالية؛ لأن العبد أصلاً يباع ويشترى، وقيمة مالية، هكذا تصور العبد، ونقول له: ها هي عوضنا، خذ العبد ونسامحك فيه. هذا هو الحل الأول.
الحل الثاني هو أن السيد يفتدي. أقول لك لأن هذا العبد والله حابه ومكسب للسيد، يقول: خلص، كم المطلوب؟ كم المطلوب في الدين، أو أرش الجناية، أو قيمة المتلفات؟ هنا ركزوا شوي، هل سيدفع السيد بالضبط قيمة الجناية أو قيمة التلف أو قيمة الدين، أو سيدفع الأقل من قيمة العبد أو قيمة الجناية؟
تذكروا، فكرة الأقل مرت معنا في باب الرهن؛ إذا أنفق على الدابة وكان ينوي الرجوع بالأقل مما أنفق. فهنا نفس الفكرة؛ السيد مطالب أن يدفع إذا أراد الخيار الثاني وهو الفداء، هو يدفع الأقل من قيمة العبد أو قيمة الجناية، أو قيمة العبد أو قيمة الدين. لماذا؟ لأنه هو ابتداءً في الحالة الأولى لو سلم العبد، خلص افتك. ففي الحالة الثانية ماذا يقولون له؟ إذا أنت ما بدك تسلم العبد وبدك تخليه عندك، تدفع الأقل من قيمة العبد أو قيمة الدين.
يعني إذا الدين 5000، والعبد باقي 5000، طيب هو العبد كله كم يسوى؟ 2000. السيد لو أراد أن يفتدي، يدفع كم؟ فقط 2000. لماذا؟ لأننا أصلاً في الخيار الأول ماذا قلنا للسيد؟ بدك تفتك من كل القضية، أعطهم العبد واخلص، فإذا أعطيتهم العبد أنا أعطيتهم فقط 2000 فعليًا. ففي الحالة الثانية إذا أراد أن يفتدي السيد، أنا لا أطالبه بكل قيمة الدين، أنا أطالبه بقيمة العبد إذا كانت قيمة العبد أقل من قيمة الدين. أما إذا كانت قيمة الدين أقل من قيمة العبد، يعني الدين هو 2000 والعبد قيمته 5000، هنا السيد مطالب بالـ 2000 فقط، نقول له: تسدد الـ 2000 ويظل عبدك عندك.
واضح؟ الحالة الثالثة أو الخيار الثالث هو أن يبيع السيد عبده ويدفع من ثمنه بقدر ما عليه. هذا خيار ثالث؛ يحكي للسيد: أنت ما بدك تسلمه للجماعة؟ يقول: لا ما بدي أسلمه. طيب بدك تدفع الأقل من قيمة العبد؟ يقول: لا. يقول: طيب ماذا ستفعل؟ في الخيار الثالث، إذا رفض الخيار الأول والثاني، يلزم السيد أن يبيع العبد، ومن الثمن الذي يحصله يدفع الدين أو أرش الجناية أو قيمة المتلف؛ من الثمن الذي قبضه يدفع بقدر ما عليه.
هنا قال: «بقدر ما عليه». يا شيخ أحمد، هل نقول أيضًا بقدر ما عليه، يعني الأقل من قيمة العبد أو قيمة ما عليه؟ هل نفس الفكرة؟ هل يدفع من ثمن العبد الأقل من قيمة العبد أو قيمة الدين؟ أم قال هنا: «بقدر ما عليه» فأطلق الكلام؟ الظاهر أن الكلام «بقدر ما عليه» يعني من الدين أو الدية أو كذا. لكن لماذا لا نقول أيضًا في الحالة الثالثة مثل الحالة الثانية أنه يدفع الأقل من قيمة العبد؟ لأنه هو في الحالة الأولى أصلاً لو دفع كل العبد برئت ذمته.
هذه تحتاج لبحث، لا أتحدث بالأقل، لأنه ممكن يكون ثمن العبد أعلى من قيمته. أنا كنت شاطرًا في التجارة، العبد قيمته السوقية 1000 وأنا بعته لشخص بـ 5000، لأن الثمن غير القيمة. الآن من الـ 5000، من الثمن كم لازم أدفع؟ هل أدفع كل ما عليه، أم على نفس القاعدة السابقة أدفع الأقل من قيمته أو قيمة الدين؟ هل سنطبق نفس القاعدة السابقة، أم أنت ملزم بدفع كل ما عليه؟
هنا الشيخ أحمد أطلق الكلام، لكنها تحتاج لبحث بالنسبة لي؛ لأنني أرى أن القضية ينبغي أن تكون بنفس الطريقة السابقة. لماذا يدفع بالثمن وهو في الحالة الأولى أصلاً لو أعطاهم كل العبد خلصت ذمته؟ فلماذا بعد ما باعه وحصل الثمن يلزم بدفع كل ما عليه؟ هو في الحالة الثانية لو افتدى وقرر ألا يبيعه، سيعمل نفس الشيء، سيدفع الأقل، أليس كذلك؟ فإذا بعته وجبت الثمن، هذا الثمن أنا مطلوب مني أدفع كل ما على العبد، أم على نفس القاعدة أدفع ما هو الأقل، قيمة العبد ولا قيمة الدين؟
صحيح، هذه تفكر فيها بهذه الطريقة، إلا إذا كان هناك ملحظ آخر لم ننتبه له. لكن هنا الشيخ أحمد لأنه قال: «أو يبيع ويتع من ثمنه بقدر ما عليه» وسكت، هذه تحتاج إلى نظر أكثر يتأكد فيها. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل