دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس السابع والثلاثون | الصُّلح «٢»/ أحكام الجوار/الحجر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لاح له أثر. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مدارس التأصيل والتقعيد على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى. ما زال حديثنا مستمراً في كتاب "أقصر المختصرات"، وصلنا إلى باب الصلح، وعرفنا أن الصلح قسمان: صلح في الأموال، وصلح في غيره.

الفصل الأول الذي عقده في صلح الأموال، وعرفنا أن الصلح في الأموال اسمَان: صلح على الإقرار، ويقابله صلح على الإنكار. قلنا: ما معنى الصلح على الإقرار؟ أن يكون المدعى عليه مقراً بالحق، ليس جاحداً به. وهذا الصلح على الإقرار له صورتان: أن يكون على جنس الحق، وأن يكون على غير جنس الحق.

الحالة الأولى: إذا كان على جنس الحق، ما صورته؟ ذكر المؤلف في "الأقصر" عبارة قال فيها: «مثل أن يقر له بدين أو عين، فأهب أو أضع لك جزءاً من العين أو الدين». فهذا نوع من التخلي، نوع من الهبة أو الوضع والإسقاط. وقلنا هذا يصح بثلاثة شروط.

الشرط الأول: ألا يكون بلفظ الصلح. لماذا لا يجوز بغير لفظ الصلح؟ لأن الإنسان لا يصالح عن جزء من حقه بنفسه؛ فإذا استعملت لفظ الصلح كأني أصالح عن جزء من الحق بجزء من الحق، فيظن الطرف الآخر أنه له حق في أن يدافع عن نفسه، وهذا غير صحيح، لأن الطرف الآخر مقر لك بهذا الحق وليس جاحداً له، ولا ينبغي أن يعتقد الطرف الآخر أن له أحقية في هذا الصلح، وإنما هو مجرد تفضل من صاحب الحق.

الشرط الثاني: أن يكون بلا شرط من المدعي. ما معنى بلا شرط من المدعي؟ أن يقول له: «أهبك عشرين بالمئة من المبلغ» أو «أضع لك جزءاً من العين»، بشرط أن تعطيني حقي؛ لماذا هذا لا يجوز؟ لأنه أصبح هبة معلقة، والهبة مثل البيع، لا تصح إلا منجزة، فلكي لا نقع في الهبة المعلقة يجب أن تكون منجزة.

وبلا شرط من المدعى عليه أيضاً؛ فلو قال له: «أعطيك ثمانين بالمئة أو أعطيك حقك بشرط أن تعطيني جزءاً منه»، نقول هذا لا يجوز أيضاً؛ لأنك تجبر المدعي على أن يعطيك، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل.

الشرط الثالث: أن يكون الذي دخل في هذه المصالحة، سواء المدعى عليه أو المدعي، ممن يصح تبرعه. والمراد بمن يصح تبرعه: أن يكون جائز التصرف، وزيد على ذلك أن يكون مالكاً للشيء الذي سيصالح عليه، أو مأذوناً له فيه، مثل ولي الأيتام وناظر الوقف، وهؤلاء مأذون لهم في مثل هذه التصرفات التي هدفها مصلحة الأيتام أو مصلحة الوقف، لأن المأذون له لا يتصرف إلا بحق أو بما وكله به صاحبه.

الحالة الثانية: المصالحة على غير جنس الحق، وهذا له صورتان. الصورة الأولى: أن يكون بين سلعة ونقد، فإذا كان نقد مقابل عرض، أو عرض مقابل نقد، فهذا سيكون بيعاً يطبق عليه أحكام البيع تماماً. وإذا صالحت بأثمان عن أثمان، بذهب أو فضة، أو دولار عن دينار، فهذا يسمى صرفاً وتطبق عليه أحكام الصرف.

ويمكن أن يكون كصورة ثالثة بأن يصالح مثلاً عن ثمن أو عين بمنفعة، فإذا صالحت عن ثمن أو عين بمنفعة -بمنفعة إلى أجل معلوم حتى نكون دقيقين- أصبحت إجارة. فمثلاً: أنا أريد منك حقاً، فأصالحك على أن أعطيك منفعة معلومة لمدة كذا، فتقول لي: «سأعطيك السيارة لمدة يومين تسوقها»، أنا هنا هذا ليس بيعاً ولا صرفاً، بل هي عبارة عن إجارة معلومة لمدة يومين.

وصلنا إلى هنا، تفضل بسؤال سريع. إذا لم يأتِ بلفظ الصلح، لكن قال الطرف الآخر: «وعد إذا أعطاني ثمانمائة ليرة»، ثم جاء وأعطاه الثمانمائة، وقال له: «أنا وعدتك، صحيح؟»، فدخل في كذب أو بخل، فما هذا؟ هذا ليس شرطاً، هذا وعد، ولكنه يأخذ إثم المنافق إذا وعد أخلف، لكنه قضائياً ليس شرطاً ملزماً.

القسم الثاني الآن، سنبدأ بالقسم الثاني، وهو الصلح على الإنكار. وصورته: أن يدعي المدعي على المدعى عليه أنه يريد منه عيناً أو ديناً، فالمدعى عليه ينكر ويقول: «ما لك عندي شيء»، أو يسكت، وفي أحسن أحوالك أنك لا تقول نعم ولا تقول لا، فلم تقر ولكنك لم تجحد في نفس الوقت، قال: «فينكر أو يسكت»، ثم بعد ذلك يذهب إلى المصالحة. فتصح المصالحة هنا، ويكون تكييف هذه المصالحة بأنها إبراء في حق المدعى عليه، وبيع للمدعي.

طبعا إخواني، في الصلح على الإنكار بدنا نعرف قضية أنه ليس شرطًا المدعي هو المحق؛ لأنه دائمًا لما تسمع أنت الصلح على الإنكار بتيجي في ذهنك صورة أنه المدعي إنسان يبحث عن حقه، والمدعى عليه إنسان ظالم جائر، لا قد يكون المدعى عليه هو المسكين والمدعي يدعي ما ليس له. فهنا انتبه، تذكر في الصلح على الإنكار ليس شرطًا أن يكون المدعى عليه ظالمًا، بل قد يكون مظلومًا ويدعى عليه بشيء ليس عنده، أو هو قد سدد زمان أو شيء من ذلك، ولكن المدعي فاجر يريد أن يأخذ منه أكثر وأكثر، إذاً بس هذه تذكرها: ليس شرطًا أن يكون المدعى عليه ظالمًا بل قد يكون مظلومًا.

المهم، المدعي ادعى على المدعى عليه حقًا، فالمدعى عليه أنكر أو سكت. الآن ما الذي يحصل هنا؟ عادة يحصل أنه أحد الأطراف، وممكن كلا الطرفين، لا يريد أن يذهب إلى القضاء؛ ما يحب أن يظهر أمام القضاء، تعرفوا المحاكم وبهدلة المحاكم والتحاليف أمام الهيئة، وتذهب أو يراك الناس وأنت شيخ محترم وماسك ورايح تدافع عن نفسك، الذهاب إلى القضاء فيها نوع من ابتذال النفس. فقد يختار المدعي أو المدعى عليه، أو كلاهما، قد يختار ماذا؟ أني خليني أصالحه وننهي الموضوع بيننا أفضل من أن توصل القضية إلى القاضي. قد يكون هذا أحيانًا بين الزوجين، الزوجة الداعي على زوجها أو الزوجة تدعي والطرف الآخر ينكر أو يسكت: «لا ما لك حق عندي»، فبتيجي عادة الناس تدخل بينهم أنه بدل ما تروحوا على القضاء وتصير بهذلة ومحاكم، يا أخي حلوها بينكم، صح؟ ليس هكذا، حلوها بينكم.

فهنا إذا اتفق وتراضى على الحل الودي، ماذا يحصل؟ يكون مثلاً المدعي يقول: «أنا المدعي أدعي عليك بـ 5000 دينار»، وأنت المدعى عليك تنكر أو تسكت. فماذا تفعل في هذه الحالة؟ كمدعى عليه تقول: «يا أخي أنا ما راح أذهب للمحاكم، وهذا وجه شر، هذا المدعي خلص خذها 2000 دينار وتنحل القضية بينه وبينك». فالمدعى عليه ايش فعل؟ أعطى المدعي 2000، والمدعي خلص رضي ومشى الحال، اتفقوا، أو أعطاه مثلاً سيارة أو شقة أو كتابًا بغض النظر ماذا أعطاه.

في هذه الحالة، المدعى عليه هل هو معترف أن عليه حق؟ لا، فالألفان أو السيارة التي دفعها وأعطاها للمدعي تكون بالنسبة له ماذا؟ إبراء؛ أنه أنا دفعت هذا فقط حتى أبرئ نفسي من كل التهم التي أنت تكيلها إلي وأكف شرك عني. باختصار هي إبراء من التهم التي تكيلها إلي أمام القضاء، فأبرئ نفسي من هذه التهم ولا أنا أصلاً لست مقرًا أن هناك حقًا ماليًا علي، فإنا أبرئ نفسي من التهم التي تكال إلي وأكف شر هذا الرجل عني.

وأما بالنسبة للمدعي، السيارة التي أخذها مثلاً؛ أنا مدعي دعيت عليك بـ 5000، أنت كمدعى عليك أنكرت، لكنك ما بدك تروح للمحاكم، قلت: «يا شيخ اسمع خذ هذه السيارة»، أنت المدعى عليك أتيت للمدعي قلت: «خذ هذه السيارة ونفتك من بعض». الآن أنا كمدعي، الأصل أنني فعلاً كنت صادقًا أنني أريد من فلان 5000، فلما أعطيتني أنت السيارة بدلاً من الـ 5000 أصبح في حق المدعي الموضوع ايش؟ بيع. صحيح أنا أريد منك 5000، قلت لي: «خذ مكانها السيارة»، أو «خذ مكانها هذا البيت»، أو «خذ مكانها كتبًا»، فبالنسبة للمدعي ما يتعلق بأمره هو بيع، وبالنسبة للمدعى عليه هو ليس بيعًا؛ لأنه أصلاً مش معترف، هو فقط الموضوع في حقه المصالحة هي مجرد إبراء من التهم التي يكيلها المدعي إليه.

طيب، هل هذا له أثر في الأحكام؟ نعم، ما دامت القضية هذه هي إبراء بالنسبة للمدعى عليه وبيع للمدعي. الآن سنطبق أحكام البيع في حق المدعي أم المدعى عليه؟ فقط في حق المدعي؛ فإذا المدعي وجد في السيارة عيبًا له أن يرجعها، لو المدعي مثلاً صار في خيار مجلس أو خيار شرط، هذا حقه هو فقط. كل أحكام البيع هي فقط للمدعي، وأما المدعى عليه ليس له في ذلك شيء، ليس له في ذلك شيء.

فلو فرضًا كان المدعى عليه هو الظالم وكان فعلاً في حقه مالي في ذمته، بس هو سكت أو أنكر وصالح عليه بسيارة أو صالح عليه بشقة، ثم اكتشف المدعى عليه أنه في الشيء الذي عنده فيه عيب أو خلل أو ما شابه ذلك، بيقدر يرجع أمام القاضي يقول: «ترى يا قاضي أنا أعطيت المدعي سيارة مقابل الـ 5000 بس اكتشفت أنه في السيارة عيب»؟ يقول له: يطلع لك؟ أنت أصلاً مش الآن صرت بدك تقر فيها، تمام؟ فليس له أن يقول: «والله طب أنا أعطيته السيارة مقابل الـ 5000»، يقول له: أنت في حقك ليس بيعًا، أنت في حقك الموضوع مجرد إبراء، فليس لك أن تطالب بأي حق، لا بخيار مجلس ولا بخيار شرط ولا بإقالة ولا شيء. بالنسبة لك، وأما بالنسبة للمدعي هو الذي يأخذ راحته في قضية البيع، هو الذي سيأخذ راحته، فيأخذ أحكام البيع أنه هو الذي يعتقد أن له حقًا وأخذ هذه السلعة مقابل الحق الذي يدعيه.

طيب، واضح إخواني؟ كيف هي نفس المسألة، لاحظ هذا التباين في الصورة؛ أنه بالنسبة لأحد الأطراف هو فقط إبراء، وبالنسبة للطرف الآخر بيع. شوف كيف تجزأت الصورة، لكن هنا قال ختمًا في النهاية فقال: «ومن علم كذب نفسه فالصلح باطل في حقه». إذاً في واحد فيهم، من المدعي أو المدعى عليه، يعلم في داخله أنه كاذب، فالصلح باطل في حقه، بس بدنا نزيد، فالصلح باطل في حقه في الباطن، أما في الظاهر خلص ما هو مشى القضية، هو الآن في الظاهر ما صرح بكذبه، لكن نحن نقولها له من شأن نذكر بينك وبين الله أن هذا الصلح الذي أجريته لا يعفيك عن المساءلة أمام الله يوم القيامة، وإنما يعفيك عن المساءلة في دار الدنيا هذه. لماذا يذكرونها؟ حتى يقولوا لمن يعلم في داخله أنه كاذب، لأنه في واحد يدعي والثاني ينكر وفي واحد كاذب.

الآن في صورة، يعني بدنا نفترض أن كليهما يظن أنه صادق، ممكن يعني هذا متوهم أنه صادق أنه صاحب حق، والمدعى عليه متوهم فعلاً أنه صادق أنه ما عليه، فربنا يسامح الجميع والصلح إن شاء الله جائز في حقهما في الدنيا ومسامحين يوم القيامة.

يوم القيامة، لكن لا، هنا إذا كان أحدهما يعرف من البداية أنه كاذب، سواء المدعي أو المدعى عليه، ومع ذلك دخل في المصالحة، فهنا ماذا نقول باطناً عند الله؟ الكاذب سيحاسب.

لماذا يقولون هذا؟ لأن بعض المذاهب تقول إن مثل هذه المصالحة تعفيك باطناً وظاهراً، خلص لأنها صارت بالتراضي. نحن نقول كحنابلة: تعفيك ظاهراً لكن باطناً لا تعفيك أمام الله؛ لأنه أنت مثلاً لو كان المدعى عليه هو المظلوم، وإنما رضي أن يدفع حتى يفتك من القضاء حتى لا يتبهدل، بس أنت أحرجته، أنت اللي دفعته لهذا يا مدعي.

إذا كان المدعي يعلم أنه كاذب والعكس، فقد يكون المدعي صادقاً والمدعى عليه كاذباً، وأنا خلص عارف أنه هذا المدعى عليه خرج مشاكل، ولو رحت عند القضاء شو ما رحت عند القضاء أم رح يعرف يفلت، فالمدعي قال: خلص بعطيك شغلة ودفتك بس مشان يخلص القضية. المدعي عليّ أنا، المدعي عليّ أعرف أنه كاذب وأنا بقول: يا عمي خذ منه شيء أفضل من أطلع بشيء، فأخذت منه شيء بس أقول في نفسي بينك وبين الله يوم القيامة رح آخذ حق الباقي، بيني وبين الله يوم القيامة رح آخذ حق الباقي منك، هل هذا صحيح؟ نعم.

فإذاً المصالحة في حال الإنكار تعفيك في الدنيا؛ يعني القضاء خلص ما بيلزمك بشيء، خاصة إذا تم التوقيع بين الأطراف على التنازل، وأنا لما أعطيني السيارة يصير تنازل مكتوب أمام الجميع أنه هي القضية انتهى ملفها، ففي الدنيا رفع عنك المطالبة، لكن في محكمة الإله سبحانه وتعالى يوم القيامة إذا الكاذب منكما محاسب على ما فعل. فهمنا إخواني؟

تفضل.

نعم، لا، هناك كنا نتكلم عن موافقته للشروط والأركان والموانع من حيث هل أنا ملتزم فيها ولا لا، هنا مسألة أخرى متعلقة بالضمير والنية، يعني هنا الباطن والظاهر أقرب لموضوع أنه هل أنت صادق في هذه المعاملة ولا غير صادق فيها؟ مش قضية أنه موافقته في الأمر من حيث استكمال الشروط والأسباب وانتفاء الموانع، يعني هناك بعد هنا بعد آخر متعلق بالنفس.

ماشي، ممكن تقول يعني أنه هو يصح ظاهرياً طبعاً، لكن الكاذب فيهم هو يحرم عليه ما فعله وهو آثم أمام الله. يعني الذي دخل في هذه المصالحة وهو يعرف أنه كاذب، هسه الذي يفعله حرام ولا حلال؟ في حقه حرام بينه وبين الله وسيحاسب عليه أمام الله، لكن نحن في الدنيا مش عارفين وخلص، والطرف الآخر بده ينهي الملف فتكاتبوا صلحاً وأمام القضاء، والله في ورقة صلح موجودة بينهم خلص، إذا القضية هي ملفها منتهي، لكن الذي دخل فيها وهو يعلم كذب نفسه هو آثم.

طيب تفضل.

أحسنت، أنا الحاكم يحكم، بس هناك قضية حكم الحاكم، من حكم الحاكم على الظاهرة، ما هون ما في حكم أصلاً، هنا مسألة شخصية تم الإنهاء بينها. طيب الآن نذهب إلى القسم الثاني وهو الصلح في غير المال، الصلح في مشاكل الجوار وغيرها، ما يسمى الصلح في مشاكل الجوار، المشاكل بين الجيران، الله يعافينا.

قال رحمه الله: «وإذا حصل في أرضه أو جدار أو هوائه غصن شجرة غيره أو غرفته لزم». طيب الآن الجار، خلينا نبدأ بمسألة أحكام الجوار، هذه يسمونها أحكام الجوار. ما هو تعريف الجار عند الحنابلة؟ من هو الجار؟ يعني ما مساحة الجيران عندنا؟

ضابط المذهب أن الجار 40 داراً من الجهات الأربع؛ فـ 40 داراً من الشمال، و40 داراً من الشرق، و40 داراً من الغرب، و40 داراً من الجنوب، هذا يعتبر في كله جار. هذا ضابطه عند الحنابلة والشافعية كذلك. طبعاً هذه المسألة لما يذكرها في الفقه القديم قد تكون أسهل من الفقه الحديث، يعني اليوم في إشكال في إنزال هذا الضابط على واقعنا المعاصر.

ليه؟ لأنه اليوم أغلب الأمور شقق، يعني بدنا نصير نحكي في الهواء؟ بطل، خلينا نحكي شرق وغرب وشمال وجنوب، يعني أنا ممكن تكون العمارة ناطحة سحاب، فالآن مين جيراني بالضبط؟ فهل لما نقول 40 شمالاً وجنوباً يعني طب فوقاً؟ لماذا هذا لم يتم اعتباره؟ قديماً ما كان في قضية الشقق هذه، هذه العمارات المبنية فوق بعضها البعض، فكانت عبارة عن طابق طابق وعليه شوية صغيرة، تمام، ممكن طابقين بالكثير.

الآن إذا بدي أمشي مع إطلاق الكلام، 40 داراً، بدي أمشي مع إطلاق الكلام 40 داراً، وطبعاً قديماً بعض الدور كانت تكون طابقين مثل بيت أبي أيوب الأنصاري، وفعلياً كان طابقين، مش كان النبي ﷺ أراد... نعم، كان النبي ﷺ في الأسفل وهم في الأعلى، وصبوا شوية مي، بتعرفوا هذه القصة، فإنه ما كان في عندهم أبداً طوابق صعبة، ممكن يكون بس أعلى ما يمكن الوصول إليه على البناء القديم ممكن يعني طابقين بالكثير ثلاث.

فلما يقول الحنابلة 40 داراً أو بيتاً من جهة الشمال، 40 بيتاً من جهة الشرق، 40 بيتاً من جهة الغرب، 40 بيتاً، هنا البيت يشمل حقيقة بما فيه من الطوابق. لكن الآن أنا بدي أعرف روح المذهب هنا، يعني في النهاية المذهب كان يعرف أنه الـ 40 بيتاً هذه لو كل بيت عبارة عن كحد أقصى طابقين، لكن اليوم أنت كمذهب محتاج أيضاً أن تتصور الجيران من الأعلى بقوة، وهذا ما تطرق له؛ الجيران من الأعلى.

لأنك اليوم في الجيران في الأعلى قد يكون لحالهم 40 شقة، هذا يحتاج إلى محاولة تخريج، كذلك قد تكون حولي أربع دور وكل دور عبارة عن خمس ست طوابق، يعني ممكن أنا أخلص عمارة هنا وعمارة هنا وعمارة هنا وعمارة هنا، هل المطلوب أنه لا، خلص بغض النظر، كل بناء هو عبارة عن بيت مستقل حتى لو كان عدة طوابق، فبدي أعد 40 عمارة من الشمال و40 عمارة جنوب بغض النظر عن كمية الطوابق الموجودة فيها؟ طب هذا سيكثر عدد الجيران.

هنا ممكن البعض يقول: طيب شيخ يعني هذه المسألة لها آثار؟ آه طبعاً لها آثار فقهية. لو قال رجل هذه المزرعة وقف لجيراني، من سيأخذ منها؟ لو قال هذه المكتبة وقف للجيران، هنا سيأتي التفصيل، لو جاء شخص من الحارة الثانية بعقل له يريد أن ينتفع من البستان أو من المكتبة، بدنا نأتي نحسب هل أنت من الـ 40 بيتاً الشرق أو الشمال أو الجنوب؟ لو قال رجل لزوجته إن ذهبت إلى بيت جار من جيراني فأنت طالق، طب هذا إذا كانت صاحبتها ساكنة بعد 40 بيتاً ما بتطلق، لكن إذا صاحبتها كانت ضمن الـ 40 بيتاً يعني تطلق، لأنها هي أحد الجيران على ضابط المذهب، فهذه لها أحكام كثيرة. والله لأذهبن إلى جار من...

«جيراني، مش طلق يمين، أنت قلت والله لا أدخل بيت جار من جيراني». على ضابط المذهب، أنت تحتاج إلى 40 بيتًا؛ شمال، جنوب، شرق، غرب. إذا رحت لمدينة ثانية أو كذا ودخلت لأصحابك، أنت لم تحنث، فالمسألة مؤثرة في باب الطلاق، في باب الإيمان، في أبواب الوقف؛ لأن هذه عبارات أنت ستتكلم بها، ونحتاج أن نعرف مسقطها ومصدقها، فلا تظن أن القضية بهذه السهولة. لذلك فقط أحببت أن أعطيك الضابط القديم وأترك مساحة إسقاط على الواقع. لا يوجد عندي شيء تطمئن إليه النفس حتى أجزم به، أي أقول والله ينبغي أن يكون المذهب هكذا، لكن جيد أنك تفكر كيف نحاول إسقاط هذا الضابط على واقعنا المعاصر بشكل منطقي، بس هذه فكرة الجار.

الآن الفائدة الثانية؛ يقولون: من ملك أرضًا ملك ما فوقها إلى السماء الدنيا، وملك ما دونها إلى الأرض السابعة، هكذا يقول الحنابلة. أنا اشتريت أرضًا، ممتاز، أنا أملك هذه الأرض والعمق إلى الأرض السابعة؛ مش في سبع أراضين ومن الأرض مثلهن؟ قالوا: من ملك أرضًا اشترى أرضًا، هل أملك بس قشرة الأرض ولا أملك أيضًا ما تحتها؟ قالوا: أنت تملك ما تحتها إلى الأرض السابعة، وأملك هذه الأرض أنا اشتريتها، صحيح، والهواء هواء أرضي إلى السماء الدنيا، هذا كله حقي.

ممتاز، تتصور برضه هذه القضية حتى نبدأ ندخل في ما بعدها؛ إذا فهمت هذا المبدأ أن من ملك أرضًا ملك ما تحتها، وملك الهواء الذي فوقها، فنقول: إذا حصل في أرضك أو جدارك أو هوائك غصن شجرة الغير، أو غصن شجرة جارك، أو غرفته؛ ما معنى هذا الكلام الآن؟ أنا هذه أرضي وبجانبي أرض جاري، وجاري زارع أشجارًا في أرضه، أغصان أشجاره امتدت حتى دخلت في هواء أرضي، في منطقة الطيران الخاصة بي، تمام، دخلت في هواء أرضي؛ هل لي الحق أن أمنع؟ نعم، لك الحق أن تمنع هذا هوائي، لأنني أنا صاحب الأرض فلي الهواء إلى السماء الدنيا.

دخلت أغصان أشجاره إلى منطقتي، إلى هوائي، أو دخلت إلى أرضي؛ كيف تدخل إلى أرضي؟ قال: إذا حصل في أرضه أو جداره أو هوائه غصن شجرة غيره. الآن أن يحصل غصن الشجرة في هوائي مفهوم، شجرة طويلة الغصن امتد وصار في هوائي. طيب، كيف يمكن يحصل في أرضي أو في جداري؟ التصور الأول أن يكون الغصن نفسه أتى على الجدار، الغصن نفسه طول ودخل في جداري، جداري وحده دخل في الجدار، مش في الهواء، لا، أصبح يعمل خرقًا للجدار وأصبح في الجدار، البيت أو جدار سوري، هذه مشكلة.

طيب، يحصل في الأرض؛ قد تكون من الأشجار الصغيرة التي تكون أغصانها أرضية، يعني مش هوائية. أنا مثلاً مش حاط بيني وبينه جدار، مفتوحة فرضًا بيني وبينه، أما هي الأشجار الممتدة على الأرض، أزرع له بطيخًا ولا أزرع له شمامًا، طيب، أنا لا ألاقي أغصانًا، ما هي مش أغصان، ما هي أوراقها وعروقها ممتدة على أرضي، أصبح البطيخ يطلع في أرضي عروقه، أو الشمام الذي زرعه عروقه في أرضي.

ولذلك عبارة عمدة الطالب أدق شوية، شعرت بها أو أوضح في مسألة الأرض؛ لأنه قال: «إذا حصل في أرضه أو جداره أو هوائه غصن شجرة الغير أو عروقه». شوف هناك العمدة عبر بالغصن أو ايش؟ بالعروق؛ لأنه في الأرض في العادة اللي بيكون على الأرض مش الأغصان، زي ما حكى أخونا، الجذور. والله شجرة جاري وأنا بحفر في أرضي لقيت جذور وعروق شجرة جاري في أرضي، وأنا قاعد بحفر في أرضي بدي أزرع، وإذا لقيت جذور شجرة، عروق، تبعت هذا العرق، إيه، هو عرق جذر شجرة جاري اللي في أرضه، هذه مشكلة، أنه صارت جذور أشجاره تأتي إلى أرضي، سواء على سطح الأرض أو في الأرض الأولى أو الثانية أو الثالثة، لأنني حكيت أنا مالك الأرض للسابعة، فلو حفرت للأرض الثالثة ولقيت عروق شجرة جاري هي في أرضه.

فهمتم؟ فإذا أن تحصل أغصان شجرة الغير في هوائك، أن تحصل أغصان شجرة الغير في جدارك، أن تحصل العروق -خلينا نقول زي ما قال عمدة الطالب بدل الأغصان- أن تجد عروق وجذور شجرة جارك في أرضك، هذا مشكلة. كذلك الغرفة؛ كيف يمكن أن تكون الغرفة الآن؟ الغرفة مثلاً كيف يمكن تكون في الأرض، أو كيف يمكن تكون في الجدار، وكيف يمكن تكون في الهواء؟ أن تكون في الأرض؛ أنك أنت مثلاً كنت مسافرًا غائبًا عن أرضك سنتين ثلاث، وجارك باني له مثلاً غرفة، لما رجعت أنت وجدت أنه جزء من الغرفة متجاوز لحدود أرضك، في حد أرضك، آه هنا مشكلة. أنت بنيت غرفة وأصبح، يعني ليس كلها في حد أرض الجار، للأسف الجار ممتد شوي سهوًا أو عمدًا، ووجدت أن جزءًا من الغرفة التي يبنيها أو كل الغرفة التي يبنيها في حدود أرضي.

كذلك كيف يمكن تكون على هوائك؟ مثلاً جار باني، الله يجزاه الخير، طابق أول، بده يبني الطابق الثاني، ومال فيه على شوية اليمين أو طوله شوية على اليمين، لما طول شوية على اليمين صارت الغرفة التي يبنيها في العلية أو الشقة الثانية داخلة في هوائي. صحيح الطابق الأول مش في هوائي ولا في أرضي، بس الطابق الثاني، حضرته أعمل له توسعة وأعمل له هيك بلكونة خارجية، لقيت البلكونة الخارجية الله يجزاه الخير في هوائي. لا، الهواء ما دمت أرفع بصري إلى السماء في أرضي، هذا الهواء بده يكون مفتوحًا لي، ما يصير أنك تبني، حتى لو بلكونة صغيرة، فأراها في هواء أرضي، حتى تستأذن، إذن إذا أذنتك انتهينا.

فالآن صورنا المسألة إخواني؛ ما هي إذا حصل في أرضك أو في جدارك أو في هوائك أغصان أشجار أو عروق أشجار أو غرف، تمام، دخلت على أرضك أو تجاوزت جدارك أو تجاوزت هوائك، هنا ماذا يلزم؟ لزمه طبعًا، هذا كله بدون إذن صاحب الأرض، إذا أنا استأذنتك انتهينا، لكن هذا كله بدون إذن صاحب الأرض؛ لزم أولًا إزالته، وضمان الجار ما تلف بالغصن أو العرق أو ما شابه ذلك بعد الطلب. إذاً أول قضية أنا لي أن أطالب بالإزالة، أنا كصاحب أرض لي أن أطالب بإزالة العروق، بإزالة الأغصان، بإزالة البناء. وإذا تلف من أرضي شيء بعد أن طالبتك بالإزالة، لا، قبل أن أطالبك بالإزالة، بعد أن طالبتك بالإزالة، إذا أنت تأخرت وتلف بسبب الغصن أو العروق شيء في أرضي، أنت ضامن لما تلف. أما قبل الطلب، لا يضمن الجار ما تلف، يعني أي الشجرة أغصانها دخلت على هواء الجار وهي بتمتد، فرضًا كسرت زجاج نافذة له.

إذا كان قبل أن أطالبك بإزالتها، فأنت لست مسؤولاً؛ لأنني لم أطالب بالإزالة بعد. أما إذا كان بعد أن طلبت إزالتها وأنت تأخرت في الإزالة، وانكسر الزجاج بسبب أغصانك، فقد أصبحت مسؤولاً عن ضمانها. واضح؟ إذاً، يضمن الجار ما تلف بسبب أغصانه أو عروقه بعد الطلب، وأما قبل الطلب فلا يلزمه.

الآن الفكرة الثانية: قال «فإن أبى». يعني أنا ذهبت للجار وقلت له: يا جارنا الكريم العزيز، أغصانك أو عروقك أو غرفتك والله طاغية على أرضي، أزلها. فالجار رفض وقال: لن أزيلها. في هذه الحالة، لم يُجبر قضائياً في الأغصان والعروق، ويقوم صاحب الأرض بليها.

قال: لم يُجبر في الأغصان والعروق بخلاف ادعاء الغرفة؛ الغرفة ارفع عليها دعوى للقاضي ليجبرها على إزالتها، لكن العروق والأغصان هذه ابتداءً، قالوا: «فإن أبى» ابتداءً، ما نُجبره. ونأتي ونقول للجار: تعال يا صاحب الأرض، هي الأغصان التي دخلت عندك، حاول أن تلويها بطريقة ما بحيث يتم إخراجها من أرضك، أو العروق حاول أن ترجعها لأرضك إن استطعت.

«فإن أبى» لم يُجبر الجار في مسألة الغصن ومسألة العروق، ولواه؛ ومَن الذي لواه؟ هنا خلاف بين الشراح، لكن الأظهر أن المراد صاحب الأرض، يعني أنا كصاحب أرض أقوم بليها وأرجعها على أرضه.

طبعاً ما فائدة "لواه"؟ لأنهم قالوا: إذا أنا صاحب الأرض قطعت الغصن مباشرة، ستقول لي: تريد قطعها؟ ها هي المنشار ومقص الأشجار، وصرت أقص له في أغصانه التي في أرضي. قالوا: إن قصها مع إمكان ليّها فأنت ضامن. نحن نمشي في خطوات؛ نقول لك يا صاحب الأرض حاول أن تلوي هذه الأغصان أو العروق وتعيدها إلى أرضه، فإذا قطعتها مع إمكان الليّ فأنت ضامن لقيمة تلك الأغصان.

فإن لم يمكن، قال: سأحاول ليّها، فتقول له: هذه أغصان قوية لا تُلوى، أو هذه العروق جذور أصبحت تحت الأرض لا يمكن أن ألويها. فإن لم يمكن ليّ الأغصان والعروق، فله عندئذٍ قطع الغصن والعروق بلا حكم.

هذا ما يتعلق بقضية الأغصان، لكن بقضية الغرفة؛ الغرفة طبعاً لا يمكن ليّها، فليس في مجال إلا أن يزيلها، «فإن أبى» هدمها. وظاهر قوله «فإن أبى هدمها» أنه لا يرجع إلى الحاكم في ذلك. إذا كان في الأغصان لم يمكن قطعها بلا حكم، فظاهر الأمر في الغرفة أنه إذا كانت الغرفة في أرضي وأمرته بإزالتها فأبى، فله أن يزيلها بلا حكم، ولن أنتظر القاضي حتى يزيلها.

طبعاً يجب أن ننتبه أن هذا كلام الفقهاء الأقدمين، ويحتاج أن يُنظر في تطبيقه في الواقع المعاصر؛ فممكن أحياناً لا تكون في أرضه وهو يظن أنها في أرضه، أو يكون غير صادق، فأذهب وأهدمها بدون حكم حاكم فتولع مشاكل بين العشيرتين ونضطر للفزع بينهم. فهنا الأصل أنه يذهب إلى القضاء أفضل، نذهب إلى القضاء حتى نأتي بأمر إخلاء من القاضي؛ لأنه اليوم، حتى على مستوى الأغصان، لو قطعت أغصانه بدون حكم حاكم، ستصبح هذه الأغصان هي التي تُعيش العائلة كلها، ويقول لك: أنت قطعت أغصاني! فيقول الجار: يا أخي أنا قلت لك أزلها ولم ترد، وحاولت ليّها ولم أستطع، وفي النهاية حقي أن أُخلي أرضي وأُخلي هوائي.

الحنابلة قالوا: قطعها بلا حكم، لكن نحن لا نقول لك إذا كان القطع أو الإزالة للغرفة بلا حكم سيسبب مفسدة، اذهب للحاكم وخذ منه إذن إخلاء حتى تحمي نفسك وما تكون هناك مفسدة أو مشاكل عشائرية وما شابه ذلك. واضح مشايخنا؟

مسألة أخرى الآن من مسائل الصلح في الجوار، قال: «ويجوز...». انتهت المسألة الأولى بكامل ما فيها. المسألة الثانية قال: «ويجوز فتح باب لاستطراق في درب نافذ».

الشوارع على نوعين: شوارع للجميع مفتوحة الطرفين، يسلكها أي شخص يريد، وهي تسمى في الفقه الدرب النافذ؛ أي مفتوح الجهتين، مثل الشارع الرئيس، فهو حق للعامة جميعاً. النوع الثاني هو الدرب المشترك، الذي نسميه اليوم في الأردن "طريق غير نافذ"، وتجد عليه قارمة للسيارات تقول: "لا تدخل"، لأن هذا الطريق ليس له مخرج من الجهة الثانية. الدرب غير النافذ هو الدرب المشترك، وهذا ليس للعامة حق فيه، بل الحق فيه لمن يسكنون في هذا الطريق من الجيران.

إذاً عندنا درب نافذ مفتوح الطرفين وهو حق للجميع، وعندنا الدرب المشترك الذي يسمى الدرب غير النافذ، وهو لمن يسكن فيه. بدأ بالنوع الأول وهو الدرب النافذ، الشارع العام، قال: «ويجوز فتح باب لاستطراق في درب نافذ». يعني إذا كان بيتي على الطريق العام، فأنا حر في أن أفتح باباً في بيتي حتى أدخل منه وأخرج على الشارع العام، ولا يمكن لشخص أن يمنعني ويقول: لا تفتح باباً من هنا. لي الحق أن أفتح أي باب على هذا الطريق العام لاستطراق، أدخل وأخرج منه.

الاستطراق: طلب الطريق، فالألف والسين والتاء تدل على الطلب؛ أي أطلب طريقاً من الشارع إلى بيتي ومن بيتي إلى الشارع من خلال هذا الباب. قال: لا، الآن إذا كنت تفتح باباً، فهذا فعلياً ذكر النقطة الأولى وهي تمهيد لما بعدها.

معك مجال تفتح باب، ما معك مجال أن تخرج جناحًا أو سابطًا أو ميزابًا إلا بإذن، مع أمن الضرر.

ما هو الجناح؟ نبدأ بالجناح. الجناح إخواني أقرب صورة له معاصرة اليوم هي المظلات التي يبنيها بعض الناس أمام بيوتهم للسيارات يصفون فيها. قديما، كان البيت يوضع أخشاب على المنطقة الأمامية، إذا هكذا ترون البيوت القديمة، يضرب له كم عمود خشب ويبني مظلة على باب البيت، يقول له عمود خشب طوله مثلا مترين، ويبني له مظلة ممكن يحط تحتها مثلا سيارته، أو قديما يحط تحتها مثلا أثاثًا خارجيًا.

نقول له: تعال يا عمي، في الدرب النافذ على طريق عام، صح نحن سمعنا لك تفتح بابًا في بيتك تدخل منه وتخرج على الطريق العام، لكن أن تعمل مظلة أمام بيتك وتصف فيها سيارتك، أنت أخذت هواء الطريق العام. فضلاً أنه ممكن أحيانًا تكون المظلة قصيرة، وبعض السيارات التي تسلك الطريق العام، شاحنة أو غيرها، ترتطم فيها وتؤذيها، في عدة إشكالات ممكن تحصل.

أنت لا يخرج لك في الطريق العام ابتداءً أن تخرج جناحًا أو مظلة خارج المنزل، حتى يا شيخ منزلي وأمام بيتي، حتى لو منزلك في طريق عام تسلكه السيارات، هذا ليس لك ابتداءً أن تضع جناحًا أو مظلة خارجية إلا بإذن الإمام، الذي هو الحاكم أو النائب عنه، مع أمن الضرر.

كذلك السابط، ما هو السابط؟ السابط هي مظلة تربط بين مبنيين. الآن اعتبروا هذا الشارع عام، ممتاز، بعض الناس ممكن يكون له شقق أو محلات تجارية على الجهتين، يعني أنا لي شقة هنا على الشارع العام، ولي شقة مقابلها تمامًا، أو عندي محلات مؤجرها هنا على هذا الشارع ومحلات على الجهة المقابلة من الشارع. فجاءني بعض الناس قالوا لي: شو رأيك شيخ نعمل سوابط؟ السوابط هو جسر هوائي يصل بين المبنيين، جسر معلق هوائي يصل بين هذا، مثل جسر المشاة فرضا، مثل مستشفى الحسين والاسلام كلهم في جسر هوائي معلق.

المهم، قالوا في الشارع العام، لا يجوز لك أيضًا أن تعمل سوابط إلا بإذن الإمام، أي الجهات الرسمية الحكومية، مع أمن الضرر. طيب ليش يا شيخ؟ لأننا قلنا هذا الهواء ليس ملكك، يعني العامة يشتركون في الدرب ويشتركون في هوائه، كما أنه إذا ملكت أرضًا فالهواء ليس لك، كذلك في الطرق العامة؛ كما أن الأرض للجميع، الهواء للجميع. يعني هذا يسمى نوعًا من الاستبداد، أن تبني لك جسرًا خاصًا دون الرجوع للجهات الحكومية، وحتى لو رجعت للجهات الحكومية ودفعت رشوة للمحافظ أو للأمانة، إذا كان في ضرر، حتى لو هم أذنوا لك، الشريعة الإسلامية لا تأذن لك. حتى لو أمين عمان أنت مضبطه أو المحافظ أنت مضبطه، ما يطلع لك، لأنه هناك شرطان: الإذن وأمن الضرر.

لماذا إخواني؟ هذا السابط يرجع بقول لك ممكن يكون قصيرًا، تخيل جاءت شاحنة محملة ارتفاعها 5 أمتار، والسابط كله ارتفاعه عن الأرض 3 أمتار، أنت تجبر الشاحنة أنها ما تمشي، هي الطريقة خلص، كأنك تقول للشاحنة: "عنّات تمري من هنا؟ أنا سكرت الطريق". بأي حق تسكره؟ هذا طريق عام، لأن ارتفاعات الجسور المعلقة لها ارتفاعات رسمية. فالقضية ترجع إلى أن الجهات الرسمية تأذن لك مع أمن الضرر، والرشوة لا تفيدك أمام الله إذا كنت أنت مؤذيًا. نحن للأسف تعودنا في كثير من بلدان المسلمين أن تعمل مخالفات في البناء وتمشي الأمور بالرشاوى. الآن إذا كانت المخالفة غير منطقية وأنت أصلاً لا تضر أحدًا وحياتك الشخصية، لكن هم يريدون إياك أن تدفع، فهذه قضية ثانية، لكن إذا القضية فيها أذى للناس، حتى لو أذنت لك الجهات الرسمية، لا يجوز لك في الشريعة أن تفعل هذا الفعل.

كذلك الميزاب، قالوا: ليس له أن يخرج ميزابًا إلى شارع عام. طبعًا الميزاب هي فتحة، تعرفون ميزاب الكعبة ميزاب الذهب في أعلى الكعبة من أجل أن يصرف مياه الكعبة. قديما كانت البيوت حتى يفرغوا مياه الأمطار التي تنزل على أسطحها، يكونون عاملين ميزاب ينزل ماء المطر من السطح في البالوعة أو الميزاب، ويصبح الميزاب ينزل على الشارع. فالميزاب لا يجوز أيضًا إخراجه على الشارع العام إلا بإذن الإمام مع أمن الضرر. قال الحنابلة: حتى لو كان الميزاب لا يخرج ماء، فرضا الميزاب مسكر أو فيه مشكلة، قالوا حتى لو كان الميزاب لا يخرج ماء لا يجوز، لأنه هذا هواء للجميع، هي القاعدة العامة: الهواء في الشارع العام للجميع.

فلا يطلع لك أن تعمل لا جناحًا ولا سوابط ولا ميزابًا، قالوا ولا حتى دكة خارجية، يفتح له واحد مثلا يعمل دكة خارجية، قديما كانوا أمام البيوت يعمل له دكة خارجية منضودة من أجل أن يجلس عليها مع العائلة في ليالي الصيف الباردة، فيقول: خلينا نقعد مع العائلة بره، فتلاقيه احتل المنطقة الأمامية أمام بيته من الشارع العام وعمل لها قاعدة فيها مسطبة من أجل أن يجلس عليها هو والشباب ويشربوا قهوة وشاي. ما يطلع لك هذا كله، هذا درب نافذ.

أن تفتح باب الاستطراق هذا حقك لا يحتاج إلى إذن الإمام، لكن أن تخرج جناحًا أو سابطًا أو ميزابًا لا يصح إلا بشرطين اثنين: إذن الإمام، والمراد بالإمام أمام المسلمين أو نائبه أي الجهات الرسمية، ومع أمن الضرر.

قال: وفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك حرام بلا إذن مستحق. قال: وفعل ذلك، أي إخراج الجناح والسابط والميزاب في ملك الجار، يصحى الجار في يوم من الأيام في أرضه فيجد ميزابًا أو يجد حضرتك عاملًا له جناحًا لمظلة بملكه أو عاملًا له سوابط، هذا لا يجوز حتى تستأذنه. كذلك الدرب المشترك، الذي هو سميناه دربًا غير نافذ، وهو الطريق الذي مفتوح أوله لكنه ليس مغلقًا آخره ويسكنه عدد من الجيران؛ في الدرب غير النافذ، إخراج السوابط والجناح والميزاب لا يجوز إلا بإذن أصحاب هذا الدرب، وهنا ليس للإمام علاقة، حتى لو رحت على كل أمانة عمان وعلى كل المحافظين وأعطوك إذنًا ما يطلع، إذا كان في واحد من الجيران في الدرب المشترك رافضًا، فهذا حق مشترك للجميع.

طبعًا المسألة فيها حقيقة تفاصيل أكثر من ذلك، في أصحاب الدرب المشترك تفاصيل أكثر، وفي تفاصيل أيضًا في فتح باب الاستطراق لأنه برضه متعلق بـ: "أنا أين...".

بيتي في الدرب غير النافذ، ممكن يكون بيتي في أول هذا الدرب المشترك، ممكن يكون بيتي في أوله وممكن يكون بيتي في آخره، فأنا فعليًا مش مغلب الجيران كثير لأنه بيتي في أول الدرب غير النافذ، وهذا يفرق بين أن يكون بيتي في أوله أو في آخره أو في المنتصف.

هناك في الزاد وفي غيره من الكتب تأتي بعض الأحكام أكثر في خصوص فتح الأبواب، لاحظ ما تطرق إليها هنا؛ لأن هذه الكتب فيها تفصيل في أين يحق لي أن أفتح، وعلى حسب أين بيتك أنت، هل أنت في أول الدرب أم في آخره؟ تأتي تفاصيل ليس هذا موطنها، ويكفي أن نقتصر على ما هو موجود الآن، وهو أن إخراج السبات والجناح والميزاب في الدرب المشترك حرام بلا إذن مستحق.

والإمام والجهات الرسمية ليس لها علاقة في هذه الشوارع، أما الإمام فله علاقة في الشوارع العامة لأنه نائب عن المسلمين جميعًا فيها، أما في الدروب المشتركة فهذا حق لأصحاب الدرب. ثم قال: «وكذا وضع خشب أي على الدوام»، وكذا يحرم وضع خشب بلا استئذان مستحق. والمراد بالوضع هنا قالوا: الوضع على جهة الدوام.

الخشب الذي يوضع ويتم وضع الإسمنت عليه، قديمًا كانوا يضعون الخشب ويضعون عليه مادة البناء كاللبن أو الجص، واليوم نحن بالحديد نبني، نضع الحديد ثم نضع الصبة. قديمًا كانت الصبة تأتي على الأخشاب ويضع عليها اللبن والجص أو ما شابه ذلك. فيقول: «وكذا وضع خشب في ملك جار ودرب مشترك حرام بلا إذن مستحق».

حتى نشرح العبارة، ماذا يعني «وكذا وضع خشب»؟ يعني وكذا يحرم وضع خشب بلا إذن مستحق، وهي ترجع للجملة الأخيرة: حرام بلا إذن مستحق. لكن أي وضع هنا؟ الوضع الذي على جهة الدوام، الخشب الذي كان يوضع وتوضع عليه الصبة، هذا لا يجوز أن تضعه بلا إذن مستحق إلا إن كان لا يمكن التسقيف إلا به ولا ضرر على الجار أو أصحاب الدرب المشترك، فيُجبر.

هذه المسألة مبنية على حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره». فأبو هريرة رأى بعض من في المجلس كأن شيئًا دخل في قلبه، أي لماذا لا أمنعه وهذا بيتي؟ فقال أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين؟ أي شايفكم غير مسرورين بهذا الحديث؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم»، أي أنني أعطيتكم الأمانة وبلغتكم حديث النبي ﷺ.

الإسلام يحافظ على حقك الشخصي ويمنع إيقاع أي ضرر عليك، لكن في نفس الوقت يمنع الأنانية الزائدة؛ لأننا في النهاية لسنا رأسماليين جشعين هدفنا فقط أنفسنا والباقي لو تضرر، لا، الإسلام متوازن بين نظرته لمساعدتك للناس والتيسير عليهم، وبين المحافظة على حقك بأن لا تتضرر.

ففي هذه المسألة، وضع خشب على الدوام، ومثله اليوم في الصبات الإسمنتية وضع الحديد على الدوام، أنا أريد أن أعرف فقه المسألة، وهي ليست علة المسألة مادة الخشب، بل العلة هي مادة أحتاجها جاري من أجل أن يبني وهي المادة ستبقى على الدوام، وليست كحبل العرس الذي يوضع ثم يُفك بعد انتهاء العرس.

مادة ستوضع على الدوام سنبني عليها سقف البيت، فجاري جاء إليّ وقال: «يا شيخ، أنا سأضع خشبًا أو حديدًا وسنبني عليه صبة السقف»، وحقيقة المهندس قال: «لازم هذا الحديد أو الخشب يركز على بيتك»، فهل يصح لك أن تقول له: «لا، هذا بيتي وأنا لا أقبل، حتى لو بيتك لن يُسقف، أنا لا يهمني أمرك، أهم شيء اللهم نفسي لا يأتي على بيتي حديد أو خشب من جهتك»؟

هنا ماذا قال الحنابلة؟ بشرطين: يلزم الجار أن يقبل ما هو إلا يمكن التسقيف إلا به؛ أي نأتي للمهندس ونقول: يا مهندس، الجاران مختلفان، هل هناك طريقة أخرى يوضع فيها الحديد بدون ما يركز على جدار الجار أو على سطحه؟ فإذا قال المهندس بطريقة هندسية: «نعم، هناك طريقة ممكن تكون مكلفة قليلاً لكنها معقولة وصاحب البناء يقدر يدفعها»، نذهب إليها لأن الجار رافض.

فإذا كان هناك إمكانية للتسقيف دون الدخول في ملك الجار، فمن حق الجار أن يرفض ويقول: «لا تضع في حقي»، لكن إذا حاول المهندس ولم يجد مخرجًا إلا أن يوضع الحديد على جدار الجار، نأتي للشرط الثاني: هل سيتضرر الجار إذا وضع الحديد على بنائه؟ هل سيتضرر على المدى البعيد؟ هل سيؤثر على جودة جداره أو تحمله أو عمره الافتراضي؟

إذا أثبت المهندس أنه لا يؤثر أبدًا على الجار، بل هو غير مؤثر عند أهل الاختصاص، في هذه الحالة نقول لهذا الجار: سامحنا، أنت ملزم بأن تقبل وضع الحديد أو الخشب على وجه الدوام على جدارك أو على سقفك. أي شكل من أشكال الضرر المعتبر يعفيك، أما إذا لم يكن هناك ضرر معتبر وجارك لا يمكنه التسقيف إلا بهذه الطريقة، فأنت ملزم أن تقبل.

طبعًا الجمهور يخالفون الحنابلة في هذا أو أكثر؛ لأنهم يرون أن هذا على الاستحباب وأن الحديث لا يلزمه بشكل من الأشكال، المسألة فيها خلاف، ولكن لكي تكون فاهمًا، أنت كحنبلي هذه الرواية المعتمدة عندنا وهي الوجوب وليس فقط الاستحباب، لذلك قال: «وكذا وضع خشب إلا أن يمكن تسقيف إلا به ولا ضرر فيجبر».

الآن، إذا كان وضع الخشب أو الحديد مؤقتًا، فمن باب أولى أن يُجبر، بشرط أمن الضرر؛ فلو كان الجار يريد الصب فقط وسيرفع الخشب بعد شهر، كإجراءات البناء التي يوضع فيها الخشب فترة ثم يُنزع، فلو اضطررت أن أضع خشبة على جدار جاري مؤقتة، فإذا لم يكن هناك ضرر، فمن باب أولى أنه يجب أن يقبل. وهل يشترط هنا الشرط الأول أن لا يمكن؟

والله يا شيخ فيها نظر بالنسبة لي، إذا كان وضع الخشب مؤقتًا حتى لو أمكن التسقيف دون وضع الخشب عليك، لكن في الوضع الحالي نحن محتاجون؛ فممكن يكون التسقيف يحتاج نقل، إذا أردت أن أضع الخشب المؤقت ليس على جدارك بل على جدار شخص آخر، ممكن يكون مكلفًا أكثر وأنت لن تتضرر، وهي كلها بعضها مثلاً شهر أو خمسون يومًا لا يلحقك فيها أي ضرر حتى نقول بالوجوب في هذه الحالة التي هي الوضع المؤقت.

هل نشترط أيضًا أن لا يمكن التسقيف إلا به؟ فكروا فيها، بس أنا في اعتقادي أنها تحتاج نظر؛ لأن الإسلام ينهى عن منع الماعون، والماعون هي العارية، فكأني أنا أعيرك جداري فقط شهرًا، أو أعيرك جداري فقط خمسة عشر يومًا ولن أتضرر بهذا. نحن متفقون أنه لا يجوز أن يكون هناك ضرر، فهل في حالة الوضع المؤقت يشترط حتى نقول بالوجوب أن لا يمكن التسقيف إلا به؟ هذه نتركها محل البحث.

ثم قال: «ومسجد كدار». بسم الله، «ومسجد كدار»؛ في هذه المسألة مسألة وضع الخشب أو الحديد على وجه الدوام على المسجد، لا يجوز وضع الخشب أو الحديد على وجه الدوام على جدار المسجد أو على سقف المسجد إلا إذا لم يستطع جار المسجد أن يسقف إلا بذلك مع أمن الضرر على المسجد، فهمتم؟ فهي مسألة «ومسجد كدار» في مسألة وضع الخشب أو الحديد على وجه الدوام على جدار المسجد أو سقفه.

ثم قال: «وإن تفضل»، لا، ما هو في النهاية لو لم يأذن، يجبر؛ الاستئذان هذا من باب الحق العام. حق الرجل أن يستأذن، فإن أبى يُجبر بدون إذن هنا، لأنك ستدخل إلى مكانه، إلى حيزه، ستستعمل مرافقه، لكن هذا الإذن ليس من أجل أصل الفعل وإنما من أجل حرمة الملك؛ فهمت علي؟ هذا الإذن من أجل حرمة الملك. لذلك في المسجد فله مالك معين أصلاً، فهذا فقط من باب حرمة الملك، لكن من حيث إذا كنت لا يمكن التسقيف إلا به ولا يوجد ضرر، حتى لو هو لم يأذن، ألزمك بذلك، قال: «فيجبر». فالإذن لهذا الحرمة ليس أكثر.

والله هذه تحتاج إلى اجتهاد؛ لأنهم هنا يتكلمون عن أشياء أساسية، عن بناء بيت، لا يتكلمون عن أمور ثانوية من حاجات الحياة، فهل نقيسها على هذه المسألة؟ أظن ليس كل شيء يقبل القياس، فهناك أشياء يمكن هي في معنى تسقيف البيت حاجة حياتية، أنا أريد أن أبني، لا أتكلم عن قضية ثانوية بحتة هنا، وهناك أشياء قد لا تعتبر ثانويات، أي ليست من أساسيات الحياة. فهل الجار ملزم كما هو ملزم في وضع الخشب حتى لو لم يكن عليه ضرر؟ هو يستحب له ذلك بالتأكيد بالاتفاق، لكن قضية الإلزام لا أستطيع أن أقول بها، والله أعلم.

ثم قال: «وإن طلب شريك في حائط خاص». كما قلت لك، إن أغلب جمهور الفقهاء لم يأخذوا بالوجوب أصلاً في المسألة؛ لأنهم يعتمدون على أن الأصل أنك صاحب حق في بيتك، وأن هذا كله من باب حث الإسلام على التعاون وليس على وجه الإلزام. فالمسألة على التضييق وليس على التوسعة، فالقياس هنا على التضييق وليس أن نأخذ راحتنا كالحنابلة؛ لأنها أصلاً مسألة على التضييق واستثنائية، فبالتالي التوسع فيها ليس صحيحًا.

ثم قال: «وإن طلب شريك في حائط أو سقف انهدم شريكه للبناء معه، أجبر، خشية سقوط»، وإن بناه بنية الرجوع رجع، وكذا نهر ونحوه. الآن هذه مسألة أيضًا تتعلق بالأملاك المشتركة؛ الأملاك المشتركة بين مجموعة من الشركاء أو مجموعة من الجيران والكل ينتفع بها.

مثلًا قديماً، ذكر لك مثلاً نهرًا ينتفع منه أهل بلدة معينة أو قرية معينة، أو شريعة من شرائع هذا النهر تنتفع منها مجموعة من البيوت. ممكن يكون جدارًا مشتركًا بيني وبينك، بنيناه ليكون فاصلًا بيننا، وهذا الجدار يتضعضع ونخشى سقوطه أو انهدم فعليًا بسبب زلزال أو بسبب شيء ومحتاجون أن نعيد بناءه.

أيضًا من الأمور المشتركة بين الجيران أو الشركاء، من يعطيني مثلاً في العمارات السكنية اليوم المصاعد؟ صحيح، المصاعد هذا ملك مشترك لجميع من في العمارة، ولذلك هو أصلاً يحسب من قيمة الشقة؛ فعندما أبني عمارة وأضع فيها مصعدًا، يحسب من قيمته ما يضاف من قيمة تركيبه ووضعه على قيمة الشقة بالتساوي. أسأل أصحاب العقارات، هل فيكم مهندس مدني؟ هي لها علاقة إن كانت بالتساوي أم لا، وهذه قد تؤثر بعد قليل في الحكم الشرعي.

أيضًا هناك أملاك مشتركة في العرف المعاصر، أحب أن أجلب أمثلة على العرف المعاصر؛ قلنا المصاعد التي في العمارات، والكراجات، أحسنت، الكراجات التي في العمارات ملك مشترك والكل ينتفع بها. وممكن نقول الدرب، الدرب غير النافذ، الدرب المشترك بينهم إذا صار انفساخ في الشارع؛ يعني الشارع ننتفع منه نحن الخمسة، درب مشترك بيننا انفسخ بسبب زلزال ومياه الأمطار. ممتاز، فكرة حلوة، مثل الكهرباء، والخدمات، وخزان الخدمات، وربما اليوم أيضًا يدخل في بعضها العامل الذي يكون حارس العمارة، وهذا الحارس له أجرة مشتركة. هذه كلها تريد أن تفكر فيها بهذا الحكم الذي سيأتي.

الأملاك المشتركة أو الانتفاع المشترك هي قضية قد تكون أملاكًا مشتركة، وقد يكون انتفاعًا مشتركًا؛ مثل النهر، النهر هو ماء مشاع، لكن معروف أن هذا النهر تنتفع منه هذه البيوت العشرة، أو هذه الشريعة من النهر، أو هذا الأنبوب ينتفع به هؤلاء الخمسة. إذا حصل أي ضرر في هذا الملك المشترك أو الانتفاع المشترك، وطلب أحد الشركاء من إخوانه وزملائه أن يساعدوه في تعميره، هل هم ملزمون بتعميره وإصلاحه معه؟

ماذا قال؟ «وإن طلب شريك في حائط» -أنا وإياك شركاء في حائط بيننا- «أو سقف» -أنا وإياك شركاء في سقف معين- «انهدم، طلب من شريكه أن يعينه ماليًا في البناء، أجبر». بالتالي، إذا تلف مصعد العمارة أو تعطل، فإذا استغنى الجميع عنه فخلص استغنينا، ولكن إذا كان في واحد من الشركاء في العمارة طلب من باقي الشركاء أننا نريد إصلاح المصعد، في هذه الحالة يُجبر الجميع على المشاركة، فلا يصح لواحد أن يقول: يا إخوان أنا لا أريد، سأصعد على الدرج، دبروا أنتم حالكم.

مصعد أنت كنت تشتغل فيه وتنتفع منه كما أنا بنتفع منه. إذا هو من البداية، فرضا أحد أصحاب الشقق من البداية قال: أنا هذا المصعد مش شريك فيه، وما بدي يدخل معي أصلا في أجرة الشقة ولا لي علاقة فيه تماما، أنا بطلع على الدرج، إذا هو انسحب من الشراكة تماما، خلص إذا هو ما استعمله لا هو ولا ضيوفك.

إنه برضه مش بس أنت، حتى لو ما كنت تطلع، بس ضيوفك بيطلعوا؛ كل ما يتعلق بك وبضيوفك وأهلك، ما حدا بيستعمله، أنت خارج الموضوع، اكتفينا. لكن إذا أنت تنتفع بأصدقائك أو ضيوفك ومن يأتي بهذا المصعد مثلك مثلنا، في هذه الحالة يُجبر الجميع على الدفع معه.

قال: «كنقض خوف سقوط»، لأنه ممكن يكون أصلا الجدار اللي بينه وبينك ما انهدَم، بس لازم ينقض ويعاد بناؤه مرة أخرى لأنه متضعضع، اجت الأمانة وقالت: هذا الجدار يسقط في أي لحظة لازم ينهدم وتعيد بناؤه. فإنا جئت لشريكي ولجاري وقلت: والله هذا اللي بيني وبينك لازم ينهدم ونرجع نبنيه، هل هو مطالب يدفع معي؟ نعم.

طيب إذا كان هو مسافر أو غائب أو ممتنع ما بده يدفع، فإنا بنيته -لأنه استعجلت لأنه لازم أبني- بس بنيته بنية الرجوع، قلت: اسمع أنت الآن مش راضي بس أنا لازم أبني الآن، وراح أرجع بنصف التكلفة عليك، يعني تكلفة البناء إذا كان بين اثنين يعني راح أرجع عليك فيها، أنا لن أبنيه مجانا، كله تبرع مني للعمارة.

نفس الشيء، والله أحد الجيران صلح المصعد لأنه كان مستعجل وعنده ضيوف جايين، بس حكى على المجموعة المشتركة بينه وبين أهل العمارة: «يا جماعة ترى أنا صلحت المصعد، لكن بدكم تشاركوا كلكم في الدفع مستقبلا»، يعني راح أرجع منكم. هل بيطلعوا يقولوا له: لا أنت ما حكيت لنا؟ ما دام بناه بنية الرجوع، رجع.

كذلك مثلا، «وكذا نهر»، ونحو مثلا نهر أو شرعة أي كان يستفيد منها أهل قرية معينة تقذرت، كان يلقى فيها قمامات وأوساخ، صار النهر وسخ أو صارت الشرعة قذرة، مين المسؤول عن تنظيفها؟ كل من يستفيد من هذا النهر، ما دام نهر ينتفع منه الجميع أو أهل هذه القرية جميعا، كل أهل القرية مسؤولون عن عمارته.

إذا ينتفع منه خمسة، هؤلاء الخمسة مسؤولون عن عمارته، يعني تنظيفه وإخراج القاذورات، كل شخص يدفع له مثلا 50 ديناراً، بنجيب مثلا مجموعة من العمال وهم ينظفونه لنا، فهذا معنى قوله: «وكذا نهر»، أي إذا كان نهراً أو سيل ماء، زي سيل الزرقاء ممكن يكون يمر في قرية معينة وينتفع منه أهل القرية، وما شاء الله أولاد القرية ما قصروا، لكن الحفاظات والكذا والأوساخ، أصبح لونه أسود بدل أبيض.

مين المسؤول عن تنظيفه؟ أهل المنطقة، هؤلاء المسؤولون عن هذا القسم، والكل ينتفع والكل يطلع عليه والكل يستفيد منه، أنتم مسؤولون شرعاً عن تنظيفه. ما بيطلع لواحد من اللي كانوا يروحوا ويجوا يقول: لا أنا خلص أنا ما لي علاقة، لا، أنت كنت تنتفع.

وهي مسألة صعب نفرز فيها: لا أنا قدرتُه 50%، أنت قدرتُه 40%، يعني ما بتزبط في هذه القضايا أن نحسب كل شخص كم مقدار تقديره، فبنقول لكل من كان مستفيداً: أنت مسؤول، أنت مسؤول عن المشاركة في تنظيفه.

نفس الشيء جسر على منطقة معينة، جسر خاص ينتفع منه أناس معينون، نفس الشيء إذا صار فيه انهدام هم مشتركون. بقيت قضية أريد أن أنبه عليها: إذا كان هذا الملك المشترك بيننا اللي كنا ننتفع به كل شخص دفع فيه أو ملكه فيه متفاوت، يعني أنا أملك فيه 20%، أنت تملك فيه 40%، أنا أملك فيه 60%، هنا عند الإصلاح الدفع لا يكون بالتساوي، يكون على قدر ملكي.

يعني لو فرضا في إحدى العمارات صاحب العمارة جعل الشقة الأرضية ملكيتها في المصاعد -لأنها هي أقل من ستستخدم المصاعد- جعل لها ملكية في المصاعد فقط 10%. صاحب الشقة الثانية هو سيستخدم المصعد، أنت لك 20% من ملكية المصاعد، يعني توزيع السعر ما وضع سعر المصاعد بالتساوي على الشقق، لا، أعطى الشقق الأرضية سعراً مخفضاً لأنه هم لا يستعملون المصاعد عادة، والشقة اللي في الطابق الخامس هي أكثر من رفع عليها سعر المصاعد، يعني حمل سعر المصاعد على الطابق الرابع والخامس وما حملهم على الطابق الأول والثاني إلا 10%.

إذاً فعلياً أصحاب الطابق الرابع والخامس كم يملكون من هذه المصاعد؟ يملكون ما قيمته 60%، لأنه حملت علينا باعتبار أننا أكثر من سنستعمله، وصاحب الطابق الأرضي اللي أصلاً ما راح يستعمله إلا بس يطلع يشوف الخزانات، هذا ما حمله صاحب العقار من سعر المصاعد إلا 5%، فإنه يملك منه كم؟ 5%. فإذا تعطل المصعد الصيانة تكون كل على حسب ملكه، يعني أنا علي منه 5% أدفع من صيانته 5% لأنني أقل من استعمله، وأنت اللي تملك منه 60% 70% أنت اللي بتدفع 60% 70%.

فهذه قضية أيضاً يجب أن ينظر فيها حقيقة كما قلنا، كم ملكية المشتركين؟ إذا ملكيتهم بالتساوي يدفعوا بالتساوي، إذا ملكيتهم من الملك المشترك متفاوتة كل واحد يدفع على حسب ملكيته وهذا عدل، لأنه فعلياً المصعد لما يخرب في العادة بيكون خرب بسبب استعمال مين؟ إذا ما كان في مشكلة مصنعية، إخواننا اللي في الطابق الرابع والخامس، طب أولادهم طالعين نازلين، طب أنا كل ما أنا طابق أول كل ما يخرب المصعد، بدي أدفع بالتساوي كما يدفع صاحب الطابق الرابع مع أنه هو المستهلك فعلياً، هو وجيرانه وأهله وأصحابه.

أنا جيراني بيجوني من باب خارجي أصلاً، يعني ما حدا بيستعمل فينا المصعد، فهنا بنرجع بنقول: إذا صاحب العقار حمل المصاعد على جميع الشقق بالتساوي فإنا فعلياً أملك 20%، يعني كل واحد يملك حصة متساوية منه، فالأصل أن الدفع يكون على الجميع بالتساوي لأنه الكل يملك نصف الحصة. لكن إذا كان صاحب العقار لم يدفعهم جميعاً بالتساوي، وإنما دفع كل شخص على حسب مكان طابقه في العمارة، فعند الصيانة كل شخص يدفع على حسب ملكيته.

أما إذا كان انتفاعاً زي النهر، هسه النهر في حدا شراه، يعني عفواً هذا ربنا أوجده في القرية أو سيل الزرقاء، يعني ما في حدا اشترى ملك، لكن في إنسان بيستفيد منه يومياً يأخذ أولاده رحلة عليه، وفي جار بيطلع عليه رحلة مرة في...

أصبح سير الزرقاء أسود، هل نحمل كل شخص على حسب طلعتاته على السيل؟ قول أنت، طلعتك واحد يوم إذا بتدفع في التنظيف خمس ليرات، ذاك بيطلع يومياً مع أولاده بده يدفع له 100 دينار، هذه أمور صعب ضبطها في هذه الحالة، يعني كمية الانتفاع هنا يصبح ضبطه صعباً، فأقول والله أعلم هنا يوزع الجميع بالتساوي، خلص؛ لما يصبح الأمر صعب ضبطه، لا أنت أخذت من سيل 5 لتر، لا أنت كم حملت، بتصير صعبة. أحياناً سنين كل واحد ينتفع بس لا يمكن ضبط كمية الانتفاع، فهنا خلص بنحملها على الجميع بالتساوي دفعاً للإشكال والتشاع والخلاف والنزاع، والله تعالى أعلم.

فصل في الحجر؛ الآن سنذهب إلى موضوع جديد، وهو موضوع ليس عقداً هو تصرف. الصلح هذه كلها عقود، صحيح، طبعاً صلح على الأموال، أما إذا لاحظتم فالصلح في الجوهر ليست عقوداً، هي عبارة عن تصرفات، تصرفات الصلح في الجوهر هي ليست عقوداً مالية، فالبيع والقرض وكل ما سبق كانت عقوداً. الآن الصلح على غير المال هي عبارة عن تصرفات؛ متى يجبر ومتى لا يجبر؟ وما نحن فيه الآن وهو الحجر، وهو عبارة عن تصرف.

الحجر هو الحبس، هذا أصله، الحجر في الأصل هو الحبس، وأما في الشرع، ما معنى الحجر؟ قال: «ومنع المالك من التصرف في ماله أو في ذمته». الحجر هو منع المالك، ما معنى أني أحجر عليك؟ أن أمنعك كمالك، كصاحب مال، أن أمنعك من التصرف في عين مالك، أو أمنعك من التصرف في ذمتك.

لماذا جعلوه على صورتين؟ لأن الحجر إما حجر لمصلحة الغير، أو حجر لمصلحة النفس. هناك أناس نحجر عليهم ليس من أجلهم، بل من أجل المحافظة على حقوق الآخرين، وهذا الحجر الذي يكون بسبب الدين. الحالة الثانية، أناس نحجر عليهم من أجل مصلحتهم هم، وهو الصغير والمجنون والسفيه، هذا نحجر عليه من أجل مصلحته هو حتى لا يفسد ماله. فالحجر على نوعين: حجر لمصلحة الغير، وحجر لمصلحة النفس. الحجر لمصلحة الغير هو الحجر الذي يكون في عين المال وليس في الذمة، وأما الحجر لمصلحة النفس فهذا حجر في المال وفي الذمة. واضح التقسيم ابتداءً؟

الفصل الأول سيكون كلاماً عن الحجر لمصلحة الغير، وهو الحجر الذي يكون في الديون. بسم الله، الحمد لله. الذمة، أن يشتري بالدين، يعني أنا اشتريت منك سيارة بس ما معي أدفع لك، بدفع لك إياها بعدين وأنت وافقت، هنا أنا ما دفعت مالي الآن، بس تصرفت تصرفاً متعلقاً بذمتي لازم أسده، هذا يسمى التصرف الذي في الذمة، وهو أي عقد أنت ما سلمت فيه المعقود عليه مباشرة بل اشترطت أن تسلمه في ذمتك لاحقاً، زي السَّلَم في الذمة، صح ولا لا؟ السلعة المسلم فيها ليست في الذمة، هذا في الذمة، بيع المؤجل في الذمة، القرض في الذمة.

الصغير والمجنون والسفيه، نعم، ممن يُحجر عليهم في أعيان أموالهم وفي ذممهم هو الصغير والمجنون والسفيه. وهذا معنى أنه محجور عليه، أنه لا يقدر يتصرف، لا، يعني ما هي المشكلة؟ هو له ذمة، دليل أنه مثلاً ميراث يدخل له، وإذا وجبت زكاة في أمواله، فالولي مسؤول يطلعها، وإذا كبرت ما كان مطلعها بدك تطلعها، فالصغير له ذمة لكن هي الذمة ما رح نفعلها، لا، محجور عليك فيها، فنقول لا يجوز له أن يتصرف في الذمة؛ لأنه له ذمة نعم، لكن ذمة محجور عليها.

طيب، شو فائدة إثبات ذمة وهي محجور عليها؟ بتخدمه، بتخدمه في قضية الزكوات التي تجب في ماله الذي يدخل في الإرث، إذا واحد أعطاه هبة وأسمر عليها الحول فيها زكاة، يعني فيها تفاصيل كثيرة تتعلق بفائدة وجود الذمة. الذمة تثبت للإنسان منذ أن يولد حياً، تثبت للإنسان منذ أن يخرج من بطن أمه، بل حتى بعض الفقهاء قال إن الذمة تثبت وأنت جنين في البطن من الأم، فالذمة موجودة ولها فوائد يستفيد منها لاحقاً، لكن هي الذمة محجور عليها في حالة أنك صغير أو سفيه أو مجنون إلى أن يتم فك الحجر عنها.

فنبدأ الآن بالحالة الأولى، وهي الحجر لمصلحة الغير. الآن إخواني الذين عليهم ديون ثلاثة أنواع: شخص عليه ديون وهو لا يملك أي شيء يسد به دينه، وهذا الذي يسمى المعسر. الحالة الثانية، شخص عليه ديون ويملك بعض المال لكن المال الذي يملكه لا يكفي لسداد ديونه، رجل عليه ديون تراكمت وعنده مال، نحن ما نقول إنه صفر، عنده مال لكن المال الذي عنده لا يكفي لسداد ديونه، هذا الذي يسمى فقهياً المفلس؛ لأن هذه العبارة فهمها بعض الناس خطأ، يظن المفلس الذي هو صفر، لا، المفلس غير المعسر، المعسر هو الذي ليس عنده شيء، المفلس من عنده أموال لا تكفي لسداد ديونه.

أما من كان عنده أموال تكفي لسداد ديونه، فهذا الذي يسمى الغني، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: «مطل الغني ظلم». والمطل هو مماطلة الغني، والغني هو الذي يجد مالاً يسد به ديونه. المعسر سيأتي معنا، هذا لا يجوز مطالبته ولا حبسه ولا ملازمته، وإنما كما قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، نخليه يشتغل ويصلح أموره حتى نطالبه. المفلس هو الذي سنكلم عنه الآن، من وجد مالاً لا يكفي لسداد جميع ديونه.

هنا مسألة فقهية ذكرها الشيخ أحمد، ومن الجميل أن يضبطها طالب الفقه الحنبلي، وهي: متى يجب علي سداد الدين؟ هل بمجرد حلول أجله، فنقول يجب عليك أن تسده، أو بمطالبة المدين لك؟ شوف هي المسألة الجميلة، متى يجب علي أن أسد الدين؟ هل بحلول الأجل؟ يعني مثلاً أنا اشتريت سيارة بالتقسيط وحل الأجل الذي لازم أدفع فيه المبلغ للبنك أو للشخص الذي اشتريت منه، هل في اليوم الذي يحل فيه الأجل يجب علي السداد حتى ولو لم يطالبني المدين بالسداد؟ أم أن وجوب السداد يتعلق بالمطالبة؟ المعتمد في مذهب أصحابنا أن وجوب السداد يتعلق بالمطالبة، حتى لو حل يوم السداد وصاحب الحق ما طالبك، لا يجب عليك السداد، والمبلغ لسه في ذمتك، بس لا يجب عليك السداد في هذا اليوم، وإنما بدك تسد جزاك الله خيراً، لكن كوجوب، الوجوب بالسداد يكون عند المطالبة، إذا قال لك ادفع الآن بدك تدفع له. فلذلك حتى القرض، مش قلنا القرض حال عند أصحابنا، حتى لو أجلته ما بيضبط هو حال، بس أنا مش ملزم بالسداد، متى أصبح ملزماً بالسداد؟ إذا هو طالبني.

ماذا يجب على المدين أن يؤدي؟ يجب على المدين أن يؤدي الدين الذي عليه، إلا بطلب الدائن، وهذا يترتب عليه حكم. قال: «فلا يترخص من سافر قبل الوفاء وبعد الطلب».

إذا كنت قادراً على السداد وطالبك صاحب الحق بالسداد، ثم سافرت قبل السداد؛ فسفرك يعتبر سفر معصية. وسفر المعصية عند الحنابلة لا رخص فيه؛ فلا تستطيع أن تجمع أو تقصر أو تمسح على الجوربين، ولا تقصر في الصيام، بل كل الرخص التي ذكرناها في باب الصيام والصلاة والوضوء لا تستطيع أن تترخص فيها لأنك تعتبر عاصياً بسفرك.

يجب على بعض الناس أن ينتبه، فبصير يسافر وأصحابه يطالبوه بالديون، كأن يسافر إلى العقبة مثلاً وهو قادر على السداد ولكنه أجل، ويقول لصاحبه: "بعدين بتفاهم معه". هل تعرف أنه لا يحق لك في سفرك هذا أن تجمع أو تقصر، إلا إذا أذن لك صاحبك، فإذا حكيته وقال لك: "لا تسمح لي"، فإنه إذا سمح انتهينا ولم تعد عاصياً بسفرك، أما الكلام أنه أنت مطالب الآن بالسداد لأن صاحبك قد طلب وأنت لم تسدد ولم تستأذنه في السفر، ففي هذه الحالة أنت عاصٍ بسفرك ولا يحق لك أن تترخص.

نرجع الآن لما نحن فيه، قال: «ومن ماله يفي بما عليه حالاً». لأن الديون هناك ديون حالّة وهناك ديون مؤجلة، ونحن يهمنا الآن الديون الحالة. أنا مثلاً قد يكون عليّ دين، ولكن مطلوب مني أن أسدده بعد عشر سنوات، فالمال الذي معي الآن لا يكفي لسداد هذا الدين، ولكن هذا الدين ليس مطلوباً مني سداده الآن، بل بعد عشر سنوات، فإذن لست مفلساً حتى لو المال الذي معي الآن لا يكفي لسداد ذلك الدين.

مثلاً، عليّ دين بمائة ألف، والمال الذي معي خمسة آلاف فقط، ولكن المطلوب مني سداده بعد عشر سنوات؛ هل أقول أنا مفلس؟ لا، لأنه الدين المطالب فيه أصلاً ليس موجوداً الآن. ولو أخذنا بهذا المقياس لخرج نصف الأردنيين مفلسين، فكل الناس تشترى بالديون، وبالتالي يخرج أغلب الشعب مفلساً. التفليس في الديون الحالة هو الذي يظهر لي.

قال: «ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً»، أي بالتجديد باللام "حالاً". ما هي الأحكام المترتبة عليه؟ قال: «وجب الحجر عليه بطلب بعض غرمائه المفلس». هذا حكم يتعلق به، وهو أن نحجر عليه بطلب مجرد أحد الغرماء، والغرماء هم الذين لهم حقوق مالية. إذا رفع أحد الغرماء قضية على المحجور عليه للمحكمة يطلب فيها الحجر على أملاكه، هنا يلزم القاضي أن يحجر عليه. ووجب الحجر بطلب بعض غرمائه، والبعض هنا يشمل الواحد؛ لأن البعض في العادة من ثلاثة إلى تسعة، ولكن هنا البعض على غير ما وضعت عليه، فلو طلب واحد من الغرماء لزمه الحجر.

قال: «وسنة إظهاره». يعني يسن للجهات القضائية أن تظهر في الجريدة الرسمية أو في وسائل إعلامية معينة أن فلاناً الفلاني تم الحجر على أمواله. لماذا يسن إظهاره؟ هناك فائدتان: الفائدة الأولى هي حتى لا يقوم أحد بالتعاقد معه مالياً، لأن هذا الشخص محجور عليه، والمحجور عليه كما اتفقنا لا يستطيع أن يتصرف بأعيان ماله. فحتى يعرف الناس والتجار أن فلاناً محجور عليه، وبالتالي لا يستطيع أي واحد يبيع ويشتري معه أن يدعي أنه لم يكن يعلم؛ فإذا جاء ليقول: "يا قاضي أنا بعته سيارة ولم يدفع لي لأنه اكتشفنا أنه محجور عليه"، نقول له: "لماذا لم تقرأ الجريدة الرسمية أو تطلع على الإعلام لتتأكد؟".

فالفائدة من الإظهار هي أن يعرف الناس أنه محجور عليه. والفائدة الثانية هي من ناحية أخلاقية، وأيضاً لتنبيه الغرماء الآخرين؛ فإذا كان هناك أحد الغرماء يريد حقه، فإنه يأتي ليطالب قبل أن نقوم بتوزيع أمواله. فالحجر فُرض عليه، فإذا أظهر القاضي أنه تم الحجر عليه، سيأتي بقية الغرماء ويقولون: "أنا لي عنده كذا"، "وهذا التاجر له كذا"، فيأتي أكبر عدد من الغرماء للمطالبة بحقوقهم قبل أن يقوم القاضي بتوزيع المال.

إذن هاتان فائدتان أساسيتان: الأولى تنبيه من يريد أن يتصرف معه بأن هذا الشخص لا يستطيع أن يدفع، وإن كان يستطيع أن يبيع أو يشتري، فكل ذلك يكون في ذمته لا في أعيان ماله، كبيع أو شراء أو هبة أو حتى الصداق؛ فإذا أرادت امرأة أن تتزوجه وقالت له: "سأعطيك مهراً مسمى عشرة آلاف"، فتعرف الآن أنه محجور عليه، وهذا المهر المسمى سيكون في ذمته ولا يستطيع دفعه لكِ الآن.

ثم قال: «ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر». هذا هو الحكم الثالث، وهو أن المحجور عليه بطلب بعض غرمائه لا ينفذ تصرفه في ماله بعد قرار الحجر عليه، أي أن أي عملية يجريها من بيع أو شراء أو صداق لا تنفذ في ماله.

أو عين عقد نكاح في صداق أو هبة أو قرض أو أي شيء في أعيان المال، لا ينفذ تصرفه، وإنما كل تصرفاته في ماذا؟ في ذمته.

لذلك هي العبارة لو أكملناها: "ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه". ماذا يعني "ولا إقراره عليه" لو هو محجور عليه؟ قال: ماشي يا قاضي، أنت حجرت علي صحيح، بس أنا أقر والله هي السيارة التي أنت حجرت عليها هي لصديق فلان، وهذه الشقة التي أنت حجرت عليها هي والله لابن عمي.

هذا القاضي لا يقبل إقراره في عين المال؛ لأنه لو أراد أن يقبل، سيخرج كل أملاكه بهذه الطريقة، يضحك على القاضي ويقول له: والله هي السيارة طلعت لابن عمي، وهي الشقة طلعت لابن خالي. لو قبل القاضي، لن يتبقى مال محجور عليه لأن كل الناس ستحتال. فيقول القاضي: ممتاز، قل لي ما الأشياء التي تقر فيها؟ فيقول: أقر أن هذه السيارة لابن عمي ليست لي، وهذه الشقة... فيقول القاضي: ممتاز، سأسجلها في ورقة.

هو ماذا يظن؟ يظن أن القاضي سيفك الحجر عنها ليعطيها لابن خاله، وهي حيلة يريد معاملتها بها. فيقول له القاضي: ممتاز، سجلنا كل إقراراتك، وبعد ما ينفك الحجر عنك إن شاء الله، إذا بعت هذه السيارات والشقق، يجب أن تعوض أصحابها تعويضا؛ ما كان مثلاً فبمثله، وما كان قيمة فبقيمته. فيسكت ويقول: يا عم بلاش أقر، بلاش أتحايل.

فالإسلام منطقي؛ كيف أسمح له أن يقر ليتخذها وسيلة لإخراج ماله من الحجر؟ فنحن من البداية نفهمه أن إقراراتك ستسجل وستكون في ذمتك. أما أعيان الأموال التي أقررت أنها ليست لك، فنحن ظاهريا وجدناها عندك مسجلة باسمك في دائرة الأراضي وفي دائرة السيارات. المحاكم اليوم تفتح على دائرة الأراضي، ودائرة السيارات، ودائرة العقار، لترى ما لديه من أملاك مسجلة باسمه فتحجر عليها.

وإذا جاء وقال لك: والله أقر، هي مسجلة باسمي ولكن والله يا قاضي إني بايعها وسامحت، وكان الأصل أنها انتقلت لاسم ابن عمك، إذا كنت صادقاً وابن عمك برضه مسؤول. عشان كذا دائما لا تجعل الأملاك تأتي باسم الآخرين إذا انحجر عليها، فقد انتهت. القاضي يتعامل وفق المعطيات الموجودة حتى لا يُضحك على القضاء.

فالقاضي يقول له: أعيان هذه الأموال لن تخرج من الحجر، لكنك بعد أن يفك الحجر عنك ستطالب بضمانها لأصحابها؛ المثل بالمثل، والقيمة بقيمتها. لذلك قال: "ولا ينفذ التصرف في ماله بعد الحجر"، وقال: "ولا إقراره عليه"، يعني لا ينفذ إقراره عليه بل في ذمته.

تصرفاته وإقراراته تصح في الذمة؛ فإقراراته تكون في الذمة يطالب بها بعد فك الحجر، وتصرفاته المالية تصح لكن في ذمته يطالب بسدادها بعد فك الحجر. واضح يا إخواني؟ فلو اشترى سيارة بخمسين ألف دينار وتم العقد، نقول لصاحب البيع الذي باعه: سامحنا، هذا محجور عليه الآن. وإذا لم يكن البائع يعرف أنه محجور عليه، سنعرف كيف نتعامل مع هذه الحالة، لكن ابتداءً: التصرفات تصح في الذمة، والإقرارات تصح في الذمة، فليطالب بالسداد في التصرفات وفي الإقرارات بعد فك الحجر، ساعتها تقدروا تطالبوه. هذه الحالة، هذه السيارة تنضم لقسم الأموال المحجور عليها.

ولا يصح تصرفه في ماله ببيع أو شراء بعد الحجر، وإنما التصرفات المقبولة تكون في ذمته. لكي نفهم الفرق بين التصرفات المتعلقة بالأعيان والتصرفات المتعلقة بالذمة: عقد السلم، هل يصح على عين أم في الذمة؟ نحن قلنا أصلاً إن عقد السلم لا يصح إلا في شيء موصوف في الذمة، فيصح أن يعمل المحجور عليه عقد سلم، ولكن يجب أن يعرف الطرف الآخر أنه لن يستطيع إعطاءك إلا بعد ما ينفك الحجر عنك.

أما إذا أراد المحجور عليه أن يعمل بيعاً ليس على سلعة موصوفة في الذمة، بل على عين معينة موجودة عنده في البيت أو في المتجر، كأن يقول: "أريد أن أبيعك هذه السيارة المعينة"، فهنا هو لا يتصرف في الذمة، بل يتصرف في عين موجودة يريد إعطاءها للمشتري. التصرفات في أعيان أمواله لا تنفذ ولا تصح.

إذن، المحجور عليه إما أن يعمل تصرفات على أعيان الأموال التي عنده، أو يعمل تصرفات على موصوفات في الذمة. إذا عمل تصرفات مالية (بيع أو شراء) ليدفع مثلاً الثمن من عين مال عنده، فهذه لا تصح ولا تنفذ. أما إذا عمل تصرفات على أشياء موصوفة في الذمة، كأن يقول: "بعتك عشرين صاع شعير مواصفاته كذا وكذا"، أو "بعتك سيارة هونداي مواصفاتها كذا"، أنا هنا لا أتكلم عن سيارة معينة موجودة عندي، بل أتكلم عن مواصفات فقط؛ فهذه تستقر في ذمته ويطالب بها بعد فكاك الحجر.

فإذا كانت تصرفاته على أعيان المال لا تنفذ ولا تصح، أما كما قلنا، تصرفاته في ذمته على سلع موصوفة وليست معينة فإنها تصح، ولكنه يطالب بها بعد الحجر. حتى في الدفع؛ لو عقد على سيارة وأراد أن يشتري، وقال له: الثمن الذي سأدفعه هو هذه الدنانير المعينة، لا يصح العقد؛ لأنه عند الحنابلة الأموال تتعين بالتعيين.

بمعنى أنه لو كنت محجوراً عليّ وذهبت لأشتري كاميرا، وقلت للبائع: "الثمن الذي سأدفعه هي هذه الخمسون ديناراً" وأشرت عليها وعينتها، فقد أصبحت معينة، وبما أنني محجور عليّ فالعقد لا يصح؛ لأنني أتصرف كمشتري في عين مالي. لكن لو قلت له: "سأشتريها منك بخمسين"، أي أي خمسين، فهذا تصرف ليس في عين المال، بل تصرف في الذمة؛ أي أي خمسين ديناراً سأدفعها لك، في هذه الحالة يكون العقد صحيحاً، ولكن متعلق بذمتي، فبعد أن ينفك الحجر عني، يستطيع بائع الكاميرا أن يأتي ويطالبني بالدفع. واضح؟ إذاً المحجور عليه تصرفاته في عين ماله تصح ولا تنفذ، أما تصرفاته في أشياء...

موصوفه في ذمته تصح ويطالب بها بعد فك الحجر.

قال: «ومن سلّم عين مال جاهل الحجر». هي المشكلة التي ممكن يتورط فيها كثير من الناس، وهو أنه يتعامل مع شخص لا يعرف أنه محجور عليه؛ لم يقرأ الجريدة الرسمية، ولم يشاهد التلفزيون، فتعامل معه مالياً. بعدما تعاملت معه بعته سيارة، أو كاميرا، أو شيئاً ما، وعندما جئت لأخذ الثمن اكتشفت أنه لا يقدر على السداد؛ لأنه محجور عليه.

يا ورطتك! أنا صرت بايع السيارة ومسجلها باسمه، أو صرت بايع الشقة ومسجلها باسمه، ولا أعرف أنه محجور عليه. إذا كنت عارفاً أنه محجور عليه وتصرفت معه، فقد ضاع حقك؛ فالقانون لا يحمل المغفلين. يعني إذا كنت تعلم أنه محجور عليه وبعته سيارة، ثم جئت عند القاضي وقلت له: "يا قاضي، أنا بعت فلاناً سيارة وأنا أعلم أنه محجور عليه ولم يسددني"، فسيقول لك القاضي: "لماذا لم يسددك؟"، فتقول: "لأنه محجور عليه ولا يقدر على الدفع"، فيقول لك: "من قال لك تبيع السيارة وأنت تعلم أنه محجور عليه؟". القانون لا يحمل الحمقى والمغفلين، وارجع بعد أن ينفك الحجر وروح طالبه، سيقول لك القاضي بالحرف: "بمجرد أن ينفك الحجر اذهب وطالبه بالسعر". أما الآن، فقد انتهى الأمر، ولم يقل لك أحد أن تتعامل مع شخص وأنت تعرف أنه محجور عليه.

في الحالة الأولى، الشخص مغفل، أما في الحالة الثانية فهو جاهل؛ أي: "أنا بعتك السيارة وأنا أجهل أنك محجور عليك، ولما جئت أطالبك بالمال اكتشفت أنك لا يمكن أن تعطيني". وأحياناً، للأسف، بعض المحجور عليهم يكونون ماكرين وخادعين؛ فيأتي ويقول لك: "اسمع، أعطني سيارة أو أرضاً فلانية وخذها لك". طبعاً أنت تتحمس لأن العرض مغرٍ، فتقول: "تم، نذهب ونتنازل، وأسجل السيارة باسمه"، قبل أن تتأكد هل الأرض محجورة عليها أم لا. تذهب إلى دائرة الأراضي فتجد الأرض محجورة للبنك أو للقاضي، فيكون قد خدعك.

يقول له القاضي: الأصل هو أن تفهم هذا الأمر في حياتك، خاصة فيما يتعلق بالأراضي أو الشقق؛ احكِ مع دائرة الأراضي وتأكد أنها ليست محجورة. لأن هذا الرجل المحجور عليه قد يكون عارفاً أنه لن يستطيع سداد ديونه، وأن العقارات كلها ستذهب للبيع عند القاضي، فيستغل اللحظة الراهنة ويقول لك: "سآخذ من الناس أراضٍ وكذا وكذا". ومن ذكائه غير الشرعي، أنه يأتي ويقول: "بعني السيارة ولكن لا تسجلها باسمي، سجلها لزوجتي"، لأنه لو سُجلت باسمه ستدخل ضمن المحجور عليه، فيسجلها باسم زوجته أو ابنه، ويفعل مئة حيلة، وأنت المسكين أكلت الطابة كما يقال.

يجب أن تنتبهوا لهذه القضايا؛ فهي كثيرة. أحد إخواننا قبل فترة واجه نفس المشكلة، اشترى أرضاً بقيمة 500,000 أو 700,000 دينار، وجاء وسيط وباعها له وانتهت الأمور، وعندما ذهب ليجري معاملات مالية في دائرة الأراضي وجدها محجورة وعليها قضايا للبنوك. قال له صاحب الأرض: "إن شاء الله هيني ماشي في معاملة لفكها"، والله يعلم هل سيفكها أم لا. انتبهوا من التغرير بكم، خاصة في الأشياء الدسمة كالأراضي والسيارات؛ أول شيء تأكد أنه ليس محجوراً عليه.

الاجراءات الفقهية التي ستأتي الآن قد تبدو صعبة، لكن انظر ماذا يقول الفقه: «ومن سلم عين مال جاهل الحجر أخذها». في الوضع الطبيعي، إذا بعتك سيارة وأنا جاهل بأنك محجور عليك، فإني أستطيع استردادها بشروط. ذكر الشيخ أحمد ثلاثة شروط، وسأكملها أنا لتصبح سبعة، وهي:

أولاً: أن يكون البائع جاهلاً بالحجر؛ فإذا كنت عالماً أنه محجور عليه وأصررت على التعامل معه ثم لم يدفع لك، فلا يمكنك أخذ السلعة لأنك دخلت المعاملة عن بصيرة.

ثانياً: أن تكون العين بحالها؛ وهذا ما ذكره ابن بلبان، أي ألا تنقص مواصفاتها أو قيمتها السوقية. فإذا أعطيته السيارة وعمل بها حادثاً، ثم اكتشفت أنه محجور عليه وأردت استردادها، وجدتها متضررة، هنا لا يمكنك أخذها بعينها، بل تطالبه بثمنها الحقيقي الذي اتفقتما عليه بعد فك الحجر.

ثالثاً: أن يكون العوض كله باقياً في ذمة المفلس؛ أي ألا يكون قد دفع أو أعطى جزءاً من الثمن. فإذا استطاع المفلس بطريقة ما أن يدفع بعض قيمة العين للبائع، ففي هذه الحالة لا يستطيع البائع استرداد العين، بل ينتظر حتى ينفك الحجر.

وكيف يدفع المحجور عليه جزءاً من قيمته وهو محجور عليه؟ يجب أن تركز؛ فليست كل الأملاك مسجلة باسمه. فقد يكون لي أموال عند فلان، فآتي وأشتري منك سيارة وأنا محجور عليه، وأقول لك: "خذ 500 دينار من ثمنها من عند عثمان"، والقاضي لا يعلم عن هذه الأموال شيئاً لأنها ليست مسجلة.

يقول لك: اسمع، أنا بدي من عثمان 500، روح خذها من عثمان، عثمان هي جزء من سعر السيارة وبظل الباقي بعد ما بعته. وفعلاً اكتشفت أنه محجور عليه، هل أنا بقدر آخذ عين سيارتي وأسحبها؟ لا، إذا أخذت دينار من سعر سيارتك راحت عليك، بدك تنتظر إلى ما بعد فك الحجر.

الشرط الأول أن تكون جاهلاً بالحجر، والشرط الثاني أن تكون السلعة كما هي بمواصفاتها وقيمتها السوقية، والثالث أن تكون لم تقبض ولا دينار من سعرها، والشرط الرابع ألا يتعلق بالعين حق للغير.

أما الشرط الرابع، فهو ألا يتعلق بالعين حق للغير؛ بعت السيارة فذهب هو رهنها لشخص يريد منه حقاً مالياً، أو استدان من شخص وهو محجور عليه، فواحد دينه قال له: «بس أعطني رهن»، قال له: «بجيب لك رهن»، فاشترى سيارة ووضع السيارة رهناً، في هذه الحالة أيضاً صاحب السيارة لا يستطيع أن يأخذها؛ لأن هذه السيارة صار فيها حق للغير، فصاحب المعرض راحت عليه، ما بقدر آخذ منه عين السيارة، بستنى إلى ما بعد فك الحجر حتى أطالبه بثمنها.

الشرط الخامس ألا تزيد العين زيادة متصلة. السلع التي تُعطى عموماً، وهي قاعدة عامة في المعاملات، هناك بعضها يزيد زيادة متصلة وبعضها يزيد زيادة منفصلة. الزيادة المتصلة بالشيء مثل: بعتك ناقة أو شاة، فالسمن زيادة متصلة، أما الولد فهو زيادة منفصلة.

الآن، إذا السلع التي بعتك إياها من السلع التي في العادة تنمو وتزيد، فلا بد أن تكون أشياء تقبل النمو؛ فالسيارة لن تنمو، لكن الشيء الذي يقبل النمو مثل الخيل أو الشجر، بعتك إياها وهي مثلاً 5 سم، فبعد 10 أيام صارت 10 سم، هذه زيادة متصلة في الأشياء التي فيها نماء، وكذلك ممكن ثمار نمت.

فإذا السلعة التي بعتك إياها زادت زيادة متصلة، في هذه الحالة أنا لا أستطيع أن أستردها؛ بعتك الناقة كان وزنها 50، رجعت أريد استردادها منك بعد ما عرفت أنها محجورة، لقينا وزنها 65، أنت ما شاء الله مربيها ومعيشها على العز، هنا زادت زيادة متصلة، فنقول لصاحب الحق: سامحنا، الناقة التي أعطيته إياها زادت زيادة متصلة بها، فلا تستطيع الآن أن تستردها منه، لأنه له حق فيها، وصار هو الذي نعنشها حتى صارت 65، له حق فيها.

بخلاف ما لو كانت زيادة منفصلة، لو كانت زيادة منفصلة فقط أقدر أستردها وتظل الزيادة المنفصلة لك، أما الزيادة المتصلة مشكلتها أنها متصلة، والناقص لا نستطيع أن نأخذ هذا السمن (الـ 15 كيلو) لحاله، لأنه متصل بالعين ولا يمكن فصله عنها، فتبقى العين لك وأطالب بثمنها بعد فك الحجر؛ ألا تزيد زيادة متصلة كالسمن للناقة.

الشرط السادس أن يكون المفلس حياً إلى حين أخذها. السيارة بعتها لشخص مفلس محجور عليه، فيجب أن يكون المحجور عليه حياً إلى وقت استرداد سيارتي غصباً عنه، فإذا قلت سأذهب غداً لأخذها، ثم جاء بعد غدٍ ووجدنا المفلس ميتاً، تروح عليك سيارتك وتصبح ضمن التركة، وسيتم سداد ديون الجميع، وبعد سداد ديون الجميع الذين طلبوا الحجر، إذا ظل مال زائد تأخذ سعر سيارتك، أما إذا لم يزل مال، فقد ضاعت، وتأخذها يوم القيامة، والورثة غير مسؤولين إلا إذا أراد أحدهم أن يبرئ ذمة أبيه جزاه الله خيراً، أما الأموال فقد خلصت في سداد ديون الغرماء المحجور عليه بسببهم.

الشرط السابع أن تكون كل السلعة في ملك المفلس المحجور عليه، ولم يزل ملكه عن بعضها بتلف أو غيره. التلف قد يكون بأكل، أو بضرب، أو بوقوع، أو بسقوط، بأي شكل من أشكال التلف؛ فإذا العين التي أعطيتك إياها تلف جزء منها انتهى الأمر، وكذلك إذا تم بيع جزء منها بطريقة ما.

فالشرط هو أن تكون السلعة في ملك المفلس ولم يزل ملكه عن بعضها بتلف أو غيره. والفرق بين هذا والشرط الرابع (ألا يتعلق بها حق للغير) هو أن الرهن لا يخرج الجزء من ملك المحجور عليه، لكن تعلق به حق الغير، أما في الشرط السابع فيكون جزء من الملك قد خرج من ملكه بسبب التلف أو ما شابه ذلك.

الشرط الثامن ليس معتبراً في المد، فلا نريد أن ندخل أنفسنا فيه. إذن هي سبعة شروط ذكر منها في المختصر: أن تكون بحالها وعوضها كله باقٍ، وألا يتعلق بها حق للغير، وأن يكون جاهلا بالحجر، وأن تكون كلها على ملكه، وأن يكون المفلس على قيد الحياة إلى حين أخذها، وألا تزيد زيادة متصلة.

الجمادات قد يتصرف فيها ويغير وصفها، مثل الحجر الكريم يغير لونه أو يقصه، فهل هذا يدخل في حكم الزيادة المتصلة بحيث لا يمكن أن تنفك عنها بحيث زادت قيمتها؟ والله ممكن أن يفكر في الزيادة المتصلة.

بالطريقة التي أحكيها أنه أنا زدت من قيمتها بطريقة لا يمكن فصلها عنها بعد ذلك. وكلامك صحيح؛ في النهاية هو سيفعل هذه الطريقة ويحافظ على السلعة عنده، وفي نفس الوقت يحافظ على حق صاحب الحق. حتى السمن، السمن نفس الشيء، وإن كان يحتاج وقتًا، لكن يمكن إعطاؤها إبرًا أو تسمينًا فتسمن خلال يومين أو ثلاثة من بعض البروتينات، ففي النهاية أنت تريد أن تحمي نفسك وتنتبه دومًا ألا تبيع سلعك لمحجور عليه.

نقص، نقصد هنا في هذه الحال، زي ما حكينا، لا تنقص صفاتها ولا ماليتها. نرجع للشرط الثاني؛ الشرط الثاني والشرط الخامس ممكن تدمجهما مع بعضًا: ألا يحصل فيها زيادة أو نقصان. أنا أدمج حين قال: «إن كانت بحالها»، هذا الشرط؛ إن كانت بحالها فلم يحصل فيها نقصان في صفاتها وقيمتها ولا زيادة، هكذا أختصر.

ماذا لو رضي هو بالعين؟ حتى لو رضي أن يأخذها ناقصة، هذا حكم ضيق؛ حكم أن تأخذ عين سلعتك إذا وجدتها عند المفلس المحجور عليه. هذه القضية سأتركها في ذهني لأن كان هناك جزئية معينة لكن لا أتكلم عنها الآن.

ثم قال: «ويبيع حاكم ماله ويقسمه على غرمائه». الآن دعوكم من قضية من وجد متاعه بعينه، فقد خلصناها بشروطها وعرفنا أنه تستطيع أن تأخذ عين مالك من المحجور عليه إذا اختل شرط من الشروط. فإذا اختل الشرط، ماذا تصبح الفكرة؟ تضيع عليك وتنتظر حتى ينفك الحجر، ثم تعود وتطالبه بسعر هذه السيارة.

نرجع لذلك المحجور عليه؛ نحن قلنا: «ومن ماله لا يفي بما عليه». حالا وجب الحجر عليه بطلب بعض غرمائه وسنّة إظهاره، ولا ينفض تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه، بل في ذمته فيطالب بعد فك الحجر. ومن سلّم عين مال جاهل الحجري أخذها بالشروط التي ذكرناها، ثم بعد ذلك هذا الرجل المحجور عليه ماذا سيفعل مع الحاكم؟ ماذا سيفعل مع السلطات القضائية؟

سيبيع الحاكم ماله بعد ما يتم حصر الغرماء الذين يريدون منه حقوقًا مالية، فتأتي الجهة القضائية وتبيع أملاكه؛ تبيع بيته، أرضه، شقاءه، وكل شيء عنده من أموال. «وباع حاكم ماله ويقسم هذا المال على غرمائه». كيف يقسم المال على الغرماء بطريقة رياضية؟

قالوا الآن نحن عرفنا الديون التي عليه أكثر من المال الذي معه، فنحن نجمع الديون التي عليه. لنفرض أن عليه ديونًا بقيمة 5000، ومعه مال بقيمة 2000. نقسم المال الموجود معه على الديون التي عليه، أي 2000 تقسيم 5000، فتخرج لنا نسبة مئوية. نحافظ على هذه النسبة، ونأخذها ونضربها في المبلغ الذي يريده كل غريم.

نحن حكينا إن الديون 5000 وكل الأموال التي معه 2000، فكم سيحصل كل غريم؟ لو كان أحد الغرماء يريد 1000، والآخر 1500، والآخر 600، والآخر 200، والآخر 400. المعالجة الرياضية سهلة: اجمع كل الديون، اقسمها على المبلغ الموجود عنده، تطلع نسبة مئوية. نأخذ هذه النسبة المئوية ونضربها في المبلغ الذي يريده كل غريم من الشخص، وما سيحصل عليه من هذا الضرب هو الذي سيأخذه هذا الغريم من المال الموجود. المعادلة واضحة: المال الذي معه على الديون التي عليه تخرج نسبة مئوية، نضربها في المبلغ الذي يريده كل غريم، ما سيحصل عليه من هذا الضرب هو الذي سيأخذه هذا الغريم من المال الموجود.

ثم قال: «ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه أو هو مؤجل، تحرم المطالبة والحبس وكذا الملازمة». متى تحرم مطالبة المدين وحبسه وكذا ملازمته؟ الملازمة هي أن تظل تلاحقه، باختصار أن تظل تتصل به، وكلما رأيته في الطريق أو في المسجد تقول له: «تعال يا فلان أين أنت؟».

المطالبة والحبس والملازمة تحرم في حالتين: إذا كان الدين مؤجلًا ولم يأتِ وقته، فليس لك أن تطالبه، وإذا كان معسرًا تمامًا، أي أن الشخص ليس معه شيء لسداد الديون، فلا فائدة من مطالبته. إذا ثبت أنه ليس معه شيء، فليذهب ليعمل ويجلب المال. للاسف أحيانًا هنا في البلد، قديما كانوا يحبسون المعسر، لكن ما الفائدة من حبسه؟ الأفضل أن تجبره على العمل. القضاء الذكي يجعله يعمل في شركات ومصانع ليوفر رواتب يسدد منها الحقوق، أما أن تتركه في السجن فماذا سنستفيد؟ لكن للأسف الآن لم يعودوا يحبسون المدين أبدًا، فضاعت الحقوق.

ثم قال: «ولا يحل مؤجل». الآن فائدة عامة: الديون المؤجلة، وهذه ليست القروض؛ لأن القرض دائمًا حال، حفظناها في المذهب أن القرض دائمًا حال حتى لو تم تأجيله، فالديون المؤجلة مثل السلم أو البيوع الآجلة، كأن أبيعك على أن تعطيني المال بعد خمسة أشهر. فالدين المؤجل ليس قرضًا، ركز أن القروض دائمًا حالة في المذهب. فيقول لك: «ولا يحل مؤجل بفلس»، وقد عرفنا أن الشخص المفلس هو الذي لا تكفي أمواله ديونه. فهل الديون المؤجلة تحل بمجرد الحكم عليه أنه مفلس؟ لا، هي ليست داخلة معنا، فلا تحل الديون المؤجلة.

بإثبات إفلاسه، ولا بموت، ولا إذا مات أي شخص حتى لو ما كان مفلسًا. قال: «ولا يحل مؤجل». أيضًا بالموت، أنت شخص عليك دين مئة ألف، وهو دين مؤجل، ثم متَّ، هل بمجرد موتك بيجي البنك أو الشخص يقول: يلا يا ورثة أعطوني ديني؟ لا، لأنه تعال أنت دينك متى بدك إياه من الوالد -رحمه الله عليه- بدك إياه بعد خمس سنين، مات الوالد، لا يعني أن الدين المؤجل يصير حالًا.

قال: «ولا يحل مؤجل بموت»، بس بشرط وهو أن يوثق الورثة؛ لأنكم أنتم كورثة الآن، ماشي بدكم تدفعوا، بدكم تستنوا خمس سنوات، طيب الورثة هي شو بدكم تسووا فيها؟ أنا حقي في الورثة كبنك أو كصاحب دين، معقول الورثة رح تضل معلقة خمس سنين ما حدا رح يقتسمها؟ أنا بعرف أنكم رح تتصرفوا في الورثة وتقسموها بينكم، وأنا بدي أحفظ حقي كبنك مثلاً.

شوفوا كيف الإسلام عدل، يقول تعال يحكي للورثة: تعالوا الدين المؤجل على والدكم الله يرحمه لن يحل بالموت، رح يبقى مؤجل، بس لازم توثقوا حق البنك. كيف؟ قال: «بشرط أن يوثق الورثة حق البك أو الشخص»، إما برهن محرز، بترهنوا أحد شقق الوالد، رهن لمين؟ للبنك، أو إحدى السيارات، ويكون البنك طبعًا رضي بهذا الرهن. رهن محرز ليش؟ يعني هذا ضابط، يعني رهن قيمته إذا بيع يمكن أن يُحرز منها الدين، فمش أي رهن مقبول، لا، رهن بالتقييم المالي محرز، يعني إذا بعناه رح يسد الدين كامل، هذا هو الرهن المحرز الذي ثمنه يحرز الدين.

أو البنك يطالب إما برهن محرز أو قال: جيبوا لي كفيلًا مليئًا. وقلنا مليئًا بأيش؟ بماله، وعرضه الذي هو لسانه، وبدنه؛ عفواً بلسانه لا، غير مماطل، وبدنه أن يحضر إلى القضاء، وماله أنه بيقدر يدفع، فالمليء هو بماله بيقدر يدفع، وببدنه يمكن إحضاره للقضاء، وبلسانه غير مماطل. فإذا الورثة وثقوا برهن محرز أو كفيل مليء، خلص ساعتها الآن يقول: الديون المؤجلة بظلها مؤجلة، والبنك وقسموا الورثة زي ما بدكم، قسموا الورثة زي ما بدكم؛ لأن البنك حفظ حقه.

أما إذا لم يوثق الورثة برهن محرز أو كفيل مليء، أو لم يكن له ورثة؛ هو علق الموضوع على من؟ على الورثة. فنحن الآن أمام صورتين: إما في ورثة بس ما وثقوا، أو الشخص الذي مات ليس له ورثة أصلاً. طيب البنك يقول لك أنا إيش أسوي؟ مين بده يوثق لي الآن؟ فإذا لم يوثق الورثة برهن محرز أو كفيل مليء، أو لم يكن هناك ورثة أصلاً للميت، أصبح الدين المؤجل حالًا، خلص البنك يأخذ حقه مباشرة، أصبح حالًا.

ثم قال: «وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء». بقصته المسألة الختامية: الحاكم باع مال المحجور عليه ووزع على الغرماء بالقاعدة الرياضية التي عملناها، بعد ما خلصنا وأخذ الغرماء حقوقهم وروحوا لمنازلهم، فجأة يطلع لنا واحد جديد في الساحة ويقول: أنا أحد الغرماء أيضًا، أنا بدي حقي. قلنا له: ليش ما جئت من أول؟ ما نحن قسمناها ونحن أعلنا في الجريدة وكذا. المهم ظهر وثبت فعلاً، والله ثبت الرجل صادق، جايب معه ورقة ووثيقة تثبت أنه هو أحد الغرماء، لكن جاء متى؟ بعد هذا.

هل بنقول له خلص الله يسهل عليك ربنا يعوض عليك إن شاء الله أمور طيبة، إن شاء الله بتلقاها في الجنة؟ لا، بنساعده. إذا ظهر غريم بعد تقسيم المال، يعود بقسطته على الغرماء، وهي فيها طبعًا معادلة رياضية أخرى؛ كيف سيعود بقسطته على الغرماء؟ طبعًا يدخلوا ماله، بيرجعوا بيحسبوا القسمة من جديد تقديريًا، وبيرجعوا بيقسموها، بعدين بيرجعوا بيشوفوا كم رح يطلع نسبته، بعدين بيشوفوا كل واحد كم أخذ من الغرماء وبياخذوها منه، يعني قسمة رياضية، يمكن أدرسها في المستقبل إن شاء الله.

لكن أنت بس يهمك الآن الحكم العام: أنه إذا ظهر غريم بعد التقسيم، مش بنقول له راحت عليك، هذا رجل صاحب حق، بنقول له تستطيع أن تأخذ نصيبك من الغرماء، تروح على فلان وعلى فلان وعلى فلان، خذ نصيبك منهم. رجع على الغرماء بقسطته وفق القاعدة الرياضية التي تدرس عادة في هذا الباب.

صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.