بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «أخصر المختصرات» للإمام ابن بلبان الدمشقي الحنبلي رحمه الله تعالى عليه.
وقد بدأنا في الدرس الماضي الحديث عن الشركات بأنواعها. وقلنا النوع الأول من أنواع الشركات: ما هو يا شيخ؟ شركة العنان. ما صورة شركة العنان باختصار؟ المال والعمل من الجميع. أحسنت، المال من الجميع والعمل من الجميع.
النوع الثاني من الشركة، يا مشعل، النوع الثاني هو المضاربة. شركة المضاربة وفكرتها باختصار أن يعطي أحد شخصًا مالًا يتجه به هذا الطرف مع... أحسنت، إذا هي عبارة عن العمل من شخص، والمال من شخص، ويكون هناك ربح متفق عليه مشاع معلوم.
النوع الثالث، عثمان، أعطني اسم الشركة. شركة الوجوه. وقلنا ما هي شركات الوجوه؟ نعم، هناك وجه في السوق، وما تسميات السلاج فيها يكونوا... ممكنين لبعض، أحسنت. إذا يكون هناك مجموعة من الشركاء ليس معهم مال، لكن لهم وجاهة ولهم منزلة في السوق التجاري، فيشترون على الذمة؛ يشترون من التجار أو يسحبون مواد على الذمة ويتاجرون فيها، ويتفقان على الربح الذي سيحصل عليه كل واحد منهما، ويكون كل شخص وكيلًا للآخر في أعماله المالية، وكفيلًا عنه بالثمن، يعني ضامنًا له بالثمن.
الآن نبدأ إن شاء الله بالنوع الرابع من أنواع الشركات، ألا وهي شركة الأبدان. اقرأ يا شيخ عمر. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ عبادك المستضعفين. قال: «الرابع: شركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانهما من مباح كاصطياد ونحوه، أو يتقبلان في ذمتهما من عمل كخياطة فما تقبله...».
الآن النوع الرابع، شركة الأبدان، وشركة الأبدان من عنوانها أنها تتعلق بماذا؟ بأن كليهما سيقدم عملًا، والأصل -أو في المعتاد- أن يكون عملًا بدنيًا. أن كليهما سيقدم عملًا بدنيًا، إذا هنا أيضًا لا يوجد أحد يضع مالًا، ولكنهما ماذا يعملان؟ بأبدانهما ويكتسبان، والربح الذي يتم اكتسابه يتم اقتسامه على حسب المتفق عليه بينهما.
أعطاك صورتين لشركة الأبدان؛ قال أولًا: الصورة الأولى «أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانهما من مباح»، هي الصورة الأولى. هذه الصورة ما فيها عقود مع الناس، فيها تملك مباحات، والمراد بالمباحات الأشياء التي يشترك الجميع في الاستفادة منها ولا تعتبر داخلة في ملكك إلا بالحيازة؛ مثل العشب، مثل المياه العامة، مثل المعادن العامة.
فيقول أحدهما لصاحبه: أنا وإياك شركاء فيما نصطاد، مثل الصيد أيضًا للطيور العامة في الغزلان الموجودة في الفضاء العام، فأقول: أنا وإياك نشترك فيما نصطاده، فنخرج أنا وإياك صباحًا إلى البرية. ممتاز، فأنا أصيد طيورًا وأنت تصيد طيورًا، وبعد ما ننتهي آخر اليوم نأتي ونقسم الغلة على حسب الاتفاق. ممكن نصيد غزلان، وهذه كثيرًا يفعلها صيادو السمك؛ يخرج اثنان معًا في القارب صباحًا، هذا يصيد على جهة وهذا يصيد على جهة، وفي نهاية اليوم يأتون على حسب المتفق بينهم ويقتسمونها. أنا ممكن أكون صدت ثلاثين سمكة، وأنت ممكن تصيد أربعين سمكة، أنا ممكن أصيد نوع السلمون وأنت ممكن تصيد سمكًا قيمته أغلى، ليس كذلك؟ فيكون هناك اتفاق بينهم على كيفية وآلية توزيع الأرباح.
المهم لدي أن تفهم أصل الفكرة: أن يشترك اثنان فصاعدًا فيما يتملكان بأبدانهما من مباح، كاصطياد سمك، أو صيد غزلان، أو قطع حشيش وجمعه لصناعة علف، أو مثلما حكينا المياه، البحار والأنهار، نقوم بحيازتها وتنقيتها والاستفادة منها بعد ذلك في أمور أي شيء مباح، وأنا وإياك نتملك، وكل واحد منا ببدنه نقوم بالاشتراك فيما سنحصل منه ونربحه على حسب الاتفاق بالنسبة للربح.
الصورة الثانية بالنسبة لشركة الأبدان، وهي ماذا؟ «أن يشتركا فيما يتقبلان في ذمتهما من عمل كخياطة»، سواء اتحدت الصنعة أو اختلفت الصنعة. ندخل أنا والشيخ حذيفة في مشروع، حذيفة خياط وأنا صباغ، ممتاز، فيأتون الناس ويعطوننا أقمشة، حذيفة يأخذ الأقمشة فيقوم مثلاً بخياطتها، وأنا أقوم بماذا؟ بصبغها. ممتاز، ثم بعد ذلك يعطوننا أجرة على هذا العمل، مثلاً مائة دينار أو مائتي دينار، هذه نقتسمها أنا وحذيفة كربح على حسب الاتفاق.
ممكن نكون نحن عبارة عن شركة، وهذا كثير ما يعصر اليوم، ليس شرطًا أن يكون الاثنان بنفس المهنة. ممكن نحن عبارة عن شركة؛ أنا وظيفتي في الشركة ما يسمونه «سنترال»، أنا أستقبل البضائع والعقود، وهذا واحد وظيفته خبير في التواصل مع الناس، وواحد ثاني وظيفته في الشركة الإعلام، ماسك الجناح الإعلامي، وواحد ثالث هو الذي يعمل كخياط أو مبرمج بحسب طبيعة الشركة، فحن الثلاثة فعليًا نحن شركاء بعمل نستقبله في ذممنا وإن كان كل شخص منا وظيفته في هذا العمل مختلفة.
أنا وظيفتي أنسق مع الجمهور، وأنت وظيفتك إعلامي تتابع السوشيال ميديا، والآخر هو الذي يعمل في النهاية بيده، لكن جميعنا نعتبر من العاملين؛ لأن كل شخص يقدم عملًا على حسب تخصصه. أنا شاطر في التسويق، وأنت شاطر في الإعلام، وهذا شاطر في العمل المطلوب كالبرمجة، فهذه أيضًا تعتبر شركة من شركات الأبدان. نستقبل أعمالًا تأتينا، مثلاً يأتي صاحب مشروع، أنا أستقبله وأفهم منه، والإعلامي ممكن يستقبله، وأخونا المبرمج يكون جالسًا معنا يفهم ما طبيعة المشروع، نتفق مع الزبون على المشروع، ونقول له: هذا سيكلفك مثلاً عشرة آلاف دينار. هذه العشرة آلاف، بعد ما يتم العمل وتسليمه للعميل ويسلمنا المبلغ، نقوم باقتسامها على حسب المتفق بيننا من الأرباح. واضح؟ ممكن نقول: أنت لك الربع، والشيخ له مثلاً الثلث، وآخر له كذا، وهكذا، فيتم تقسيم الأرباح حسب الاتفاق، وهذا أيضًا السوق عادة يحدد كل شخص كم يأخذ.
طيب، اقرأ، فما قال: «فما تقبله أحدهما في ذمتهما عمله وطول بابه». نريد أن نفهم "فما تقبله أحدهما" بالنسبة للنوع الثاني من شركة الأبدان؛ "فما تقبله أحدهما" لازمهما الاثنين عمله، ويمكن مطالبة أي واحد منهما. يعني أنا كزبون لهذه الشركة أتعامل معهم كتلة واحدة، فصحيح أن الذي قبل مني العمل هو تبع السنترال، بس أنا أعرف أنه هو جزء من الشركة فقط، فأستطيع أن أطالبه هو وأستطيع...
إن أطالب أي شخص شريك في هذه الشركة بأجي، بطلع على الإعلامي بقول له: تعالوا أنتم قبلتوا مني، بأجي على المبرمج بقول له: أنتم قبلتوا مني. ما يطلع للإعلامي يحكي: عفواً اللي قبل منك السنتر روح تفاهم معه، لا؛ اللي قبل منك الموظف الماركتنج، التسويق روح اتفاهم معه، لا.
أنا كزبون أستطيع أن أطالب أي شريك من هؤلاء الثلاثة، وكل شريك ملزم بالعمل. يعني هو الآن الزبون كما طلب منتجاً معيناً ننتجه، الآن هو ما له علاقة بـ (ص) أو (ع)، هو له أن يأخذ المنتج، بالتالي جميعنا نحن الثلاثة ملزمون بإيصال العمل له، وهو يستطيع أن يلزم كل شخص منا. يعني هو مش بيجي على المبرمج فقط يقول له: يلا أنت المبرمج أنت اللي لازم تعمل؛ الإعلامي والتبع السنتر ما له علاقة، لا؛ هو بيتعامل معنا ككتلة واحدة، فله أن يطالب حتى اللي الموضوع مش تخصصه. عارفين أنه في النهاية البرمجة حذيفة في شركتنا هو اللي بعملها، أنا بس تسويقي، والشيخ إعلامي.
بالنسبة للزبون هو ما له علاقة، أنا تفاهمت معكم كشركة فلان وشركاؤه لصناعة أبصر إيش، أنا تعاملت معكم كشركة، بالتالي لي أن أطالب أي شخص منكم بالحصول على العمل، أنتم بدكم تدبروا أنفسكم وتتفاهموا في بيتكم الداخلي، أما أنا كزبون فأطالب الجميع وألزم الجميع. قال: «لزمهما عمله وطولبا به الاثنين وإن كان الذي تقبل أحدهما». لكن كلاهما مطالب به.
صورة أوضح مثلاً: إذا بدك نجار وحداد، واتفقوا أنه أنا وإياك شركاء الغلة آخر الشهر نقتسمها بيننا، وهذه بتساعد الصنايعية، لأنه أحياناً في صنايع بكون سوقه في الصيف عالي وفي الشتاء في ناس بالعكس، فبصير بعض الصنايعية يشتركوا مع بعض؛ منجرة ومحددة، ويقول لك: أنا وإياك شركاء، ممتاز، وآخر الشهر الغلة بيننا ما دمنا الناس عرفتنا أنه أنا وإياه شركاء.
إذا واحد سلم النجار قطعة خشب بده يعملها خزانة، بيقدر يطالبه؟ بيقدر يطالبني أنا الحداد، طيب ولا شو دخل الحداد؟ أنتم شركاء ما دمتم أعلنتم أنكم شركاء. أنا في الخزانة اللي بدي أعملها أستطيع أطالب النجار وأستطيع أطالب الحداد، وإذا أردت أعمل شغلة حديدية مثلاً بدي أعمل منشر حديد أو شيء أستطيع أن أطالب الحداد وأستطيع أن أطالب النجار، وكلاهما ملزم ما دمت أنت شريكي وأنا شريكك. إذاً في نوع صار من كأنه من الضمان اللي ذكرناه في شركة الوجوه، أنه أنا بلاشيل عنك وأنت بدك تشيل عني، هذا ما قصده بقول: «لزمهما عمله وطولبا به».
ثم قال: «وإن ترك أحدهما العمل لعذر أو لا فالكسب بينهما». طيب إذا أحد الشريكين، أخونا النجار والحداد، اشتركوا مع بعض، وإن ترك أحدهما، النجار أو الحداد، ترك العمل خلال مدة الشراكة، ترك العمل لعذر -والله مرض أو حالة وفاة- ترك العمل أسبوع أو أسبوعين لعذر، أو لا، ما ترك لعذر. في آخر الشهر، لما جينا توزيع الأرباح، هل يستطيع الطرف الآخر يقول له: لا، أنا رح أقسّم عليك من الربح لأنك جلست أسبوعين ومعطل لعذر أو لغير عذر، أنا ما بيهمني؟ هل بيطلع له يحرم من أي الكسب أو حصته من الكسب؟
هسه أنت ممكن تحكي: والله لعذر الشيخ ما بيطلع له، بس إذا كان بدون عذر، آه والله بيطلع له هيك، ممكن الواحد يفكر فيها بعض الفقهاء، لكن الحنابلة قالوا لا، قالوا سواء ترك لعذر أو لغير عذر، ما دام الطرف الآخر ما فسخ الشركة عند نهاية الشهر هو ملزم. ليه يا إخوان؟ الشركة عقد جائز ولا لازم؟ جائز، صح؟ بالتالي لما صاحبك هذا شريكك ترك العمل لعذر أو لغير عذر، إذا أنت معترض معك حق الفسخ، ما هي العقد جائز أصلاً، مش لازم، مش ملزم، بتقدر تقول له: والله أنت تركت، هذا أنا بدي أفسخ، ما دمت استمررت على العقد ولم تفسخه، بالنسبة لنا يعتبر هذا كأنه شكل من أشكال الرضا، وإن كان أنت داخلياً ممكن، بس نحن قضائياً بنعتبره شكل من أشكال الرضا، أنت ما فسخت.
فآخر الشهر يلزمك أن توزع الغلة على ما هو متفق عليه بينكما، سواء شريكك ترك العمل لعذر أو تركه لغير عذر. «وإن ترك أحدهما عمل لعذر أو لا خلال مدة الشركة فالكسب بظل بينهما» على حسب المتفق عليه. ثم قال، لكن لاحظوا ماذا قال في الفائدة التي بعدها: «ويلزم من عذر أو لم يعرف العمل أن يقيم مقامه بطلب شريك».
أيوه، قال: «ويلزم من عذر»، إذا شريكي اللي معي هذا الأسبوع معذور مريض، أو حالة وفاة، أو طلعت له سفرة، أو بغض النظر، أو كان مش عارف يعمل العمل المطلوب، يعني سلم إليه عمل وتقبلناه بس هو ما عرف يعمله؛ هنا متى يلزمه أن يقيم شخصاً مقامه؟ قالوا: «بطلب الشريك». إذا أنا طلبته، قلت له: اسمع أنت تغيب أسبوع صح عندك حالة وفاة أو عندك مرض أو عندك سفرة، أنا أطالبك أنك تأتي بشخص بديل مكانك، لأنه أنا مش ح ينفع آخر الشهر نقتسم الغلة وأنا مكتشف أنه أنت حضرتك معذور بمرض أو مسافر أو عندك حالة وفاة، هذا بيضرني.
فإذا طلب الشريك من شريكه المعذور أو الذي لم يعرف العمل، إذا طلب منه أن يقيم شخصاً مقامه، هنا يصبح ملزماً. لكن متى يحصل هذا الإلزام؟ بالطلب؛ إذا أنا ما طالبته أن يقيم شخصاً مكانه يبقى الأمر على حاله، خلص على المسألة السابقة أنه بيجوا آخر الشهر يقتسموا الغلة بينهم لأنني ما طالبته، فإذا أنا طالبته بالمطالبة يصبح هو ملزماً بذلك.
طيب كان عندي فكرة أقولها، أعوذ بالله يا رب. هناك مسألة أخرى أنا بحب دائماً أجمع النظير إلى نظيره، هناك مسألة أيضاً ذكرناها فقهية سابقة متعلقة بالطلب، مين يذكرها لي؟ في مسألة ذكرتها لكم الأيام الماضية أنه هي لزومها متعلق بحصول الطلب في عقد من العقود السابقة، مين يتذكرها؟ الجوائح؟
لا، في مسألة قلنا هي متعلقة بحصول المطالبة، إذا طلب قبل تختلف، هسه في ممكن تجيب أكثر من مسألة، بس في مسألة هيك واضحة، ايش هي؟ لا تعطيني المسألة، ما بدي أنا لا تحيلوني على الباب، أعطوني المسألة مباشرة. تفضل. بالنسبة لمسألة الجوائح، في مسألة الجوائح، هل إذا كان الطلب قبل الجوائح أو بعد الجوائح؟ لا لا مش هي، انتبهت لباب آخر.
مسألة القرض باختصار؛ إخواني، مش قلت لكم قبل فترة أن الديون متى يلزم دفعها؟ حتى ولو كانت حَالّة في الطلب، هذه ذكرت لكم إياها كفائدة؛ أن الديون حتى ولو جاء وقت تسديدها، متى أنا ملزم أن أسدها؟ قلت: إذا طلب صاحب الحق. فهذه مثل هذه، دائماً اجمع النظير إلى نظيره حتى تضبط المسائل.
تقول المسائل الملزمة إذا حصل الطلب. أيضاً نفس الشيء؛ إذا كان هناك شيء بين شركاء، وإن هدم، هذه في مسائل الجوار التي درسناها كما قلنا. ما كان بين مجموعة شركاء، وإن طلب شريك في حائط أو سقف انهدم، شريكه للبناء معه لزمه؛ أيضاً هي مسائل متعلقة بالطلب، أخذناها في الجوار.
آخرها لما تعلمنا أنه إذا كان في شيء شراكة بيننا، كالمصعد في عمارة، وواحد منهم طلب من الشركاء أن يساعدوه في الصيانة، فيكونون ملزمين بالطلب. إذا ما أحد طلب منهم واشتغلوا لحاله، جزاه الله خيراً، بس إذا طلب منهم أصبحوا جميعاً ملزمين بالصيانة المؤثرة. فدائماً عليك أن تضبط المسائل الفقهية المتعلقة بالطلب، وقبل المطالبة لا تترتب أحكام؛ قبل المطالبة ما يكون في إلزام، إذا حصلت المطالبة من الطرف الآخر يصبح فيها إلزام، زي ما حكينا: الشركاء في عقار، أو في حائط، أو مصعد، أو أداء الديون عموماً سواء قرض أو ديون البيوع ولو كانت حَالّة، إنما يلزم دفعها بالطلب.
كذلك هنا في هذه المسألة؛ أنه إذا لم يعمل أحد الشركاء في شركة الأبدان، متى يلزمه أن يقيم شخصاً مقامه؟ يلزمه أن يقيم شخصاً مقامه إذا طلب شريكه. ممكن الشريك يسامحك، يقول لك: "خلص مش مشكلة، أنت تعبان هذا الأسبوع ريح"، صح؟ ممكن الشريك يقول لك ريح، ممكن تيجي تقول لشريكك أنا مسافر وما يطالبك أن تقيم أحداً مكانك، فلانه في النهاية حقي؛ فالأمر متوقف على مطالبتي. وستأتي بمعنى الشفعة أيضاً، أن الشفعة أيضاً مما يتوقف حق يتوقف على المطالبة.
أكملها حذيفة، نسبة، دائماً نعم، الربع العشر نعم. في الواقع الآن الشركات، الأنساب، 300 فقط شهرياً؟ لا، هذا صار أجرة، هذا ما عاد شركة، صار موظف يأخذ راتباً، فهذه ليست شراكة.
أكمل الشرك، تفضل. إذا رفض، يلزم أن أفسخ، أصل العقد جائز، فإن امتنع الطرف الآخر، قال لك تفسخ، تقول: "خلص أنا ما بدي أكمل معك"، نحن معطينك المساحة من أول أن تفسخ، وإذا أنت رضيت، قال لك: "أنا مش خلص ما بدي"، وأكملت معه، أنت صاحب قرارك، لكن هو نحن نتكلم هو ملزم مجبر.
إذا رفضت، والله يا شيخ الذي يظهر، إذا كان في وسعه ذلك، يصبح من أكل أموال الناس بالباطل. يعني أنت عارف أن شريكك يطالبك وأنت ماذا تفعل؟ تستغل بجوز نقطة ضعف فيه أو حاجته لوجودك أو شيء معين، فالأصل أن في نوع من الإثم لأنك تأكل ماله، مع أنه هو طالبك ويقول لك: "أنا بدي تحط مكاني شخص"، وأنت تستهتر بهذا الموضوع.
قال الخامس: شركة المفاوضة، وهي أن يفوض كل إلى صاحبه كل تصرف مالي، ويشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما، فتصح إن لم يدخلا فيهما كسباً نادراً. الشركه الأخيرة هي شركة المفاوضة، وهذه الشركة أكثر الفقهاء لم يجوزها، وجوزها أصحابنا الحنابلة.
شركة المفاوضة لها أيضاً صورتان؛ وهي الصورة الأولى منها أن يفوض كل إلى صاحبه كل تصرف مالي. والمراد بهذا الموضوع، أن يكون هذا النوع الأول من شركة المفاوضة هو خليط من الشركات السابقة؛ شركة المفاوضة في صورتها الأولى أن يفوض كل إلى صاحبه كل التصرف المالي، يقصدون بذلك أن تعمل الشركة خليطاً من شركة عنان مع مضاربة مع وجوه مع أبدان مثلاً، كوكتيل.
شركة كوكتيل منها كل الشركات السابقة؛ فأنا أجيب مالاً وأنت تجيب مالاً، ممتاز، وأنا أعمل في مالك وأنت تعمل في مالي، وممكن يكون لك مال آخر تطلبني أن أعمل لك فيه، ممتاز، ويكون أيضاً نشتري بالذمم في نفس الوقت، برضه بنشتري في ذمماتنا من التجار من السوق، وفي نفس الوقت بنتقبل برضه أعمالاً كعمل أبدان، نتقبل أعمالاً في ذمماتنا، نشتري بالذمم (شركة وجوه) ونتقبل أعمالاً نعملها للناس (شركة أبدان).
فهنا أنت عملت كما أقول "الكوكتيل"؛ أن أنا في مال مني وفي مال منك نتاجر، وممكن في جزء من المال لي أنا أقول لك: "ضارب لي فيه"، وفي نفس الوقت بنشتري أشياء بالذمم من السوق، وفي نفس الوقت بنتقبل أعمالاً في الذمم، فصارت خليطاً من كل الشركات السابقة. أنا وإياك دخلنا خلطة شاملة بجميع أنواع الشركات السابقة، وكل واحد منا مفوض للآخر؛ أنا معطيك تفويضاً كاملاً بكل الأمور المتعلقة بالمالية وأنت تعطيني تفويضاً كاملاً، فأنا وكيلك وأنت وكيلّي، وأنا كفيلك وأنت كفيلّي، وأنا ضامنك وأنت ضامني، كأننا شخص واحد. فهمتم النوع الأول ما هي صورته؟
النوع الثاني قال: أن يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما. ما هو "يثبت لهما وعليهما"؟ بعض الناس يأتي على صديق له، وهذه قليلة التي يفعلها، لكن ممكن واحد يعملها؛ أن آتي للشيخ عمر وأقول له: "يا شيخ عمر، كل شيء يثبت لي ولك من رواتب شهرية"، أنت مثلاً تعمل معلماً وتأخذ راتب 400 ليرة، وأنا أعمل على شاحنة أسوقها، وأنت تعمل على شغلة أخرى، المهم عمر يعمل خمس شغلات وأنا أعمل لي خمس شغلات، أقول له: "أي شيء يثبت لنا أو عليك في آخر الشهر نقتسمه مناصفة أو 40% 60%، وكل شيء يثبت علينا مما هو معتاد ثبوته".
إذا قال: "ما يصير تدخل كسباً نادراً مما هو معتاد ثبوته"، فبرضه يطلع، نشترك أنا وإياك في دفعة مثل أشياء معتاد ثبوتها؛ كإيجار البيوت مثلاً، أو المطالبات المالية المعتادة، كأني ساكن بالإيجار والناس تطالبنا، أو الضرائب التي تفرضها الدولة شهرياً، أو فواتير الكهرباء والمياه وضرائب النفايات، هذه أشياء ليست نادرة، هي أشياء مبهجة بشكل مستمر، فندخل أنا والشيخ عمر كما قلنا شركاء في كل ما يثبت لنا وعلينا. فكل شيء مالي هنا، عشان كذا بعض جمهور الفقهاء رفضها؛ لأنها مبنية على شيء فضفاض، أن أي شيء مالي معتاد تدخله وتحطه في السلة.
معتاد بدخل لي برضه، بحطه في السلة، وآخر الشهر بنشوف إيش أرباحنا وإيش خساراتنا. الأشياء اللي رح تكون لنا كأرباح ونقتسمها، وإيش الأشياء اللي رح تكون خسائر؛ اللي هي علينا كفواتير مي وكهرباء وضرائب للدولة، أشياء معتادة.
فقالوا هذه تصح عند الحنابلة، وهذه تصح معناها فضفاضة كثير، لكنها تصح بشرط أن لم يدخل فيها كسب نادر. هناك شيء ما بينحط في السلة، وهو الشيء الذي أنا غير ملزم بوضعه في السلة، وهو الكسب النادر.
مثل إيش الكسب النادر؟ قالوا مثلاً أي ميراث، هو أنت مش كل يوم بيموت لك حدا، يعني مش كل شهر بيموت لك حدا تأخذ ميراثه، إلا إن شاء الله. الفكرة المعتاد أنه كل خمس سنين أو عشر سنين أو عشرين سنة، حتى بعضهم ممكن خمس وعشرين سنة، يموت له أحد يأخذ له ميراثه، فالميراث يعتبره كسباً نادراً.
مثلاً أي الركاز، رحت أنا في جبل وبحثت لقيت لي شيء، هذا نادر؛ يعني أن واحد يصادف هذه الأمور في حياته. هذه برضه إذا وجدت ركازاً أنا مش مطالب أني أدخلها في السلة. كذلك اللقطة، وجدت لقطة وتملكتها بعد سنة، هذا شيء نادر، أنا غير مطالب أن أدخله. فإذا أدخلنا الكسب النادر فسدت الشركة؛ إذا اشترطوا إدخال حتى الكسب النادر في شركة المفاوضة فما الحكم؟ فسدت الشركة؛ لأنه من شروطها هي أصلاً فضفاضة، فتروح أنت تزيدها فضفاضة وتوسعها أكثر من اللازم، فلذلك منعوا مثل هذه الأمور.
قالوا هذا بالنسبة للكسب النادر، وكذلك بالنسبة للمخرجات؛ المخرجات التي هي الغرامات التي علينا، ما يصير ندخل غرامات نادرة، الغرامات غير المعتادة هذه برضه ما بتدخل، مثل إيش؟ مثلاً أي قيم متلفات وقروش الجنايات. فمثلاً أنا عملت حادث سير، وهذا ليس شيئاً معتاداً، فإذا ترتب عليه خسارة أو شيء أدفعه، ما باجي آخذه من السلة، بقول له اسمعني وإياك يا شركاء. إذا الشيخ مشعل قتل له واحد وبده يدفع الدية، هل بيجي على السلة؟ لا، لأنه هذا أيضاً غرامة نادرة.
الغرامات النادرة كحوادث السيارات والجنايات، ممكن تكون جنايات قتل خطأ أو جرحت واحداً بالخطأ، هذه كلها لا تدخل أيضاً في هذه الشركة. فالكسب النادر لا يدخل في السلة، والخسارة النادرة أيضاً لا يتم إدخالها في السلة، وإنما يدخل الكسب المعتاد وما يترتب علينا المعتاد، كحكينا فواتير كهرباء ومي، والأشياء الضمانات التي يعتادها الناس في حياتهم اليومية.
مثلاً ممكن منها مصروف البيت، ونحن اتفقنا أن كل شيء لنا هو مال علينا. أهم شيء علينا مصروف البيت أنني أريد أن أصرف على أهلي كذا وكذا، وأنت تريد أن تصرف على أهلك، فتأتي وتأخذ من هذه الغلة على ما هو متفق عليه بيني وبينك.
- تفضلت المسمى، ولا اعتبار؟ هل في اعتبار للقيمة؟ - المسمى أنني أصرف على عائلتي، بس بدنا نتفق، أكيد يكون اتفاق بينهم، قديش؟ أكيد مش واحد رح يأخذ خمسة آلاف وواحد يطلع له ألف، في اتفاق بينهم على آلية التوزيع، مثلاً مناصفة، خلص آخر الشهر أنا جبت وأنت جبت وطلع مجموع ما جبناه أنا وإياك خمسة آلاف، بكون متفقين أن نصفها لي ونصفها لك، هيك الاتفاق. أو مثلاً أنا عارف وأنت عارف من البداية، أنا عائلتي خمسة أبناء وأنت متزوج جديد، فبكون متفق معك مثلاً أن أول خمس سنين يطلع ثلثي الغلة لي وثلث الغلة لك كونك عريساً، بعدين نرجع نتفق اتفاقاً جديداً. فالموضوع متعلق بالاتفاق على كم سآخذ وأنت كم ستأخذ حتى يتم ضبط الأمور.
- شيخنا، إدخال الكسب النادر كأنها بتصير زي القمار؟ - فيها نوع من القمار، هي برضه مغامرة، بس الفكرة كما قلت لك أنها تصبح أصلاً فيها إشكال الفضفاضة، فإدخال حتى الكسب النادرة يزيده فضفاضة أكثر وأكثر؛ لأن الكسب النادر لا يتكرر كثيراً. وأعتقد أيضاً من جهة أخرى أن الكسب النادر فيه نوع من الإجحاف أيضاً؛ يعني أنا ورثت ورثة ولقيت ركازاً، فإذا أردت أن تدخل هذه الأمور يصبح فيها نوع من الإجحاف بالطرف الآخر.
فالأصل ما دامت هي على خلاف المعتاد، هي شركة تقوم على شيء واضح. أنت فاهمين، شركة المفاوضة فيها نوع من الجهالة، لكن أنت بتعمل أي شيء في حياتك وأنا بعمل أي شيء في حياتي من وظائف وأعمال، وأي شيء يدخل بدنا ندخله، وأي غرامة تكون معتادة بدنا نحتسبها، بالتالي أنت تتكلم عن أمور واضحة. الفضفاضة يجب ألا يتم اتساعها أكثر من ذلك، دائماً العقد إذا كثر فيه الجهالة والغرر فسد العقد؛ إذا كثرت فيه المجهولات فهو أقرب إلى الفساد منه إلى الصلاح. فالشركة أصلاً في وضعها الطبيعي فيها جهالة كبيرة؛ أنت ماذا ستشتغل؟ كم ستدخل شهرياً؟ هذا نوع من الجهالة، والغرامات أيضاً تتزايد وفيها نوع من الجهالة، فما بالك إذا زدت عليها بإدخال النادر؟
وجانب آخر وما ذكره البعض، أنه يعتبر نوعاً من المقامرة في بعض الأمور؛ أنك تدخل مع شخص تعرف أن حظه جميل في الحياة، تدخل شراكة لعل حظه حلو، كل يوم يجد قطعة أرض أو كسباً أو ركازاً، فتقول له ادخل أنا وإياك شراكة لعل واسع. أفلا نحن ندخل على شيء معتاد؟ أما أن تستغل أخاك من خلال الكسب النادر والمفاجآت فهذا ليس معتاداً، ونقول هذا ليس معتاداً في الشريعة ولا في عرف الشركات.
ثم قال: «وكلها جائزة»، فقال: كل الشركات جائزة بمعنى أنها ليست ملزمة. كلمة جائز هنا يقابل العقود الملزمة، أي أنها جائزة لك أن تفسخها وقتما شئت، ولا ضمان فيها إلا بتعدٍ أو تفريط، والمراد أن كل هذه الشركات، أي العلاقة فيها بين الشركاء، جائزة.
علاقة يد الأمان؛ يعني يدي على مالك يد أمان، ويدك على مال يد أمان، ففي أي تصرف لأحدهما في ملك شريكه تكون يده يد أمان، لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.
ننتقل الآن إلى شكل آخر من أشكال الشركات فعلياً، وهو المساقاة والمزارعة. ويذكرونه عادة بعد الشركات لأنه هو في نوع شراكة أصلاً، لكنها شراكة خاصة في باب المزروعات. فقال رحمه الله: «وتصح المساقات على شجر له ثمر يؤكل وثمره موجودة بجزء منها، وعلى شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة أو الشجر أو منهما».
الآن تعريف المساقاة مبني على ذكر أنواعها، ودائماً من أشكال التعريف أن تعرف شيئاً من خلال ذكر أنواعه وأقسامه. قال رحمه الله: تصح المساقات على ثلاث صور:
الصورة الأولى: على شجر له ثمر يؤكل، يعني شجر الآن ما عليه ثمره، الشجرة موجودة لكن الثمرة غير موجودة، فيعمل العامل على السقي والإصلاح حتى تخرج الثمرة. إذاً النوع الأول على شجر موجود مزروع لم يخرج ثمره بعد، لكنه مع العناية -إن شاء الله- من العامل يخرج. فإذا تعاملت مع عامل، أنا صاحب شجر وأنت عامل، فأقول لك: شايف هذه الأشجار في البستان؟ لاحظ أنها غير مثمرة، الأشجار موجودة لكنها للآن غير مثمرة، أعطيك هذه الأشجار بالتخلية؛ تسقيها، تقلمها، تصلح أمورها، والثمرة المأكولة التي ستخرج نقتسمها أنا وإياك على حسب الاتفاق: ثلثين لي وثلث لك، النصف، الثلث، ثلاثة أرباع، ربع، على حسب ما نتفق عليه أنا وإياك. فهذه أول صورة من الصور؛ أن المساقاة على شجر موجود لكن الثمر معدوم.
لكن هناك شرط في الثمر، ما هو؟ أن يكون مأكولاً عند الحنابلة، وبالتالي إذا كانت الشجرة تخرج ثماراً لكن ثماراً ليست للأكل مثل القطن، قالوا هذه لا يصح المساقاة عليها؛ لأن القطن لا يؤكل، القطن يصنع منه الثياب. فعند أصحابنا الحنابلة المساقات شرطها أن تكون على شجر له ثمر، ما قالوا ثمر ونقطة؛ لأنه لو قال ثمر لعم هذا أي ثمرة سواء ثمرة للأكل أو لصناعة الملابس أو ما شابه ذلك، لكنهم اشترطوا أن يكون ثمراً يؤكل، وكأنهم اعتبروا في ذلك الظرف أو البيئة التي نشأ فيها هذا العقد زمن النبي ﷺ، أن هذا العقد إنما عُرف على الأشجار ذات الثمار المأكولة. وقد يعني بعض الفقهاء قد لا يشترط أن يكون ثمراً يؤكل، لكن أصحابنا في المعتمد اشترطوا أن يكون ثمراً يؤكل.
الصورة الثانية من المساقاة قال: «وعلى ثمره موجودة بجزء منها». الصورة الثانية أنه الشجرة والثمرة موجودة، طيب ماذا سأفعل أنا؟ تكون الثمرة موجودة لكنها ما زالت تحتاج إلى رعاية وعناية وإنضاج ويبدو صلاحها، فالثمرة وُجدت لكنها ما زالت تحتاج إلى رعاية، فأجيء لعامل من هنا لشهرين وأقول له: اسمع، الثمر موجود بس بده شوية عناية ورعاية، ودير بالك على الشجر خلال غيابي، وفي النهاية أعطيك جزءاً من الثمر، النصف أو الربع على حسب الاتفاق.
الصورة الثانية واضحة، وفي الصورة الأولى وفي الصورة الثانية لا يجوز أن يكون ربح العامل أو نصيب العامل إلا من الثمر، ولا يجوز أن أعطيه نصيباً من الشجر؛ لأنه عمل على ثمر. ما الفرق بين الصورة الأولى والثانية وبين الصورة الثالثة؟ في الصورة الأولى والثانية أنت كعامل عملت على الثمار، بالتالي ربحك يجب أن يكون من الثمار، ما يصير تأخذ الأشجار، تقول لي: لا، أنا ما بدي بس ثمر، أنا بدي آخذ الأشجار، مثلاً ليس النص بالنص أو مثلاً أنا لي ربع، وأنا لا أريد الثمرة فقط، بل أريد ربعي يكون الثمرة مع شجرتها. نقول: لا، الشجرة أنت ليس لك علاقة فيها لأنها موجودة مسبقاً قبل العقد، الشجرة في كلا الصورتين موجودة مسبقاً قبل العقد، بالتالي ليس لك أن تطالب بأن يكون ربحك من الأشجار نفسها، أنت تطالب بربح من الثمار لأنك اشتغلت عليها.
أما في الصورة الثالثة، ماذا قال؟ الصورة الثالثة من المساقاة هي المساقاة على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر. في هذه الصورة أنا أعطيه فسائل، أقول له: اغرسها واشتغل عليها حتى تكبر وتخرج لنا ثمراً. وهذه الصورة الثالثة كثيراً ما ستجدونها في كتب الحديث والسنة تسمى المغارسة، البعض لا يسميها مساقاة، البعض يسميها مغارسة والبعض يسميها مناصبة. هي الصورة الثالثة بالتحديد؛ أنني هنا أعطيه الشجرة، الشجرة أصلاً ليست موجودة، هو سيغرسها ويشتغل عليها، والشجرة تكون من مالك الأرض، هو الذي يشتري الشجرة، لكن العامل ما هي وظيفته؟ يغرسها، يسقيها، ينميها حتى تخرج الثمر.
في الصورة الثالثة حصرياً، يجوز أن يكون ربح العامل بجزء من الثمرة أو الشجرة أو الشجر أو منهما؛ لأنه العامل هو اشتغل على الشجرة من بدايتها، فنجوز أن يكون الاتفاق معه أن يأخذ جزءاً من الثمر فقط، أو جزءاً من الشجر فقط، أو جزءاً من الشجر والثمر. لذلك لاحظوا في الصورة الأولى والثانية ماذا قال: «شجر له ثمر يؤكل وثمر موجودة بجزء منها»، صح؟ كلمة «بجزئ منها» تعود على الصورة الأولى والثانية، أي من الثمرة هذه، تعود على الصورة الأولى والثانية وليس على الثانية فقط. ولما جاء في الصورة الثالثة ماذا قال؟ «وعلى شجر يغرسه ويعمل فيه حتى يثمر بجزء من الثمرة أو الشجرة أو منهما»، فهذا النص الأخير يعود على الثالثة فقط؛ «بجزء من الثمرة أو الشجرة أو منهما»، انتبه، يعود على الصورة الثالثة فقط، أما الصورة الأولى والثانية فذكر ما فيها واضح مشايخنا.
قال: «فإن فسخ مالك قبل ظهور ثمره فلعامل أجرته أو عامله فلا شيء له». الآن إذا حصل فسخ، طبعاً المساقاة والمزارعة ما دامت شركة من الشركات فهي عقد لازم، هل هو جائز؟ جائز، هذا الأصل فيها. فالآن سنتكلم إذا أراد أحدهما أن يفسخ، ما هي الأحكام التي ستترتب؟ نقول هناك فرق بين أن يحصل الفسخ بعد ظهور الثمرة وبين أن يحصل الفسخ من أحدهما قبل ظهور الثمرة. طبعاً كلمة ظهور الثمرة تذكركم بأي باب؟ بيع الأصول والثمار في مسألة بيع الأرض أو الدار أو الشجر أو الثمار؛ إذا بدأ الثمر في مسألة إذا باع شجرة، صحيح، وقلنا الثمرة الموجودة عليها لمن تكون؟ إذا كان قبل بدء الثمار...
ركزوا هنا، لا أتكلم عن بدو الصلاح، بل أتكلم عن بدو الثمار؛ ظهور الثمار. إذا كان قبل بدو الثمار فبكون لمن؟ للمشتري شجرة هذا العام. وإذا كان بعد بدو الثمار أو خرج من نوره تذكروا ما عملنا عليه حفلة، هذا يكون للمالك. فهذه نفس الفكرة، إذا عندك بابين، دائماً اربط بين الأبواب؛ فالربط بين الأبواب دائماً يعمل تشعبات تعينك على ضبط المسائل.
فنقول هنا مسألة أخرى بنيت على ظهور الثمار، على بدو الثمرة، وهي مسألة المساقاة. كما أن هناك مسألة متعلقة في باب البيع، الأشجار متعلقة ببدو الثمرة، مش بدو صلاحها، بدو الثمار. كذلك هنا مسألة متعلقة في باب المساقاة بقضية الفسخ.
فقال: «إذا كان الفسخ قبل بدو الثمار، فالفاسخ إما أن يكون المالك وإما أن يكون العامل؛ فإذا كان الذي فسخ هو مالك الشجرة، أو مالك الأرض مع الشجرة، فهنا يعطي العامل أجرته؛ الآن الثمار لسه ما ظهرت، فأنا آتي للعامل أقول له: جزاك الله خيراً، خلص أنا عقد مساقاة وهو مش ملزم، بدي أفسخ. بيطلع لي كمالك أفسخ، بس ما بيطلع لك أنك تضيع جهد الرجل؛ يقول لك: طب أنا صار لي شهرين بشتغل وضبطت وأصلحت وقلمت ولقحت، فبقول لك أنا ماشي، أنت لك حق أن تفسخ لكن أطالب بأجرة المثل».
فبنجيء للخبراء، نقول لهم: عامل اشتغل لمدة شهرين، تعال شوف شو اشتغلت في الأرض أو في الشجر، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، كم ساعة كنت تشتغل يومياً؟ نجيب خبراء بدنا نعرف كم الأجرة التي يستحقها مثل هذا العمل، فيلزم المالك بأن يعطيه الأجرة، فكأنها تحولت من مساقاة إلى أجرة. فإذا كان فسخ المالك قبل ظهور الثمرة، فعليه أن يعطي العامل أجرة المثلية.
أما إذا كان فسخ العامل هو الذي غير رأيه، قال له: أخي الله يكرمك، أنا اشتغلت شهرين والثمر لسه مش طالع، فأنا مسامحك ما بدي أكمل، هنا لا شيء على المالك، خلص أنت عامل بإرادتك بدك تفسخ وضيعت جهدك، فما يرجع لك شيء. أنا كمالك ما قلت لك افسخ، أنت الذي تريد أن تفسخ، فلا شيء له، لا شيء للعامل في هذه الصورة، وهذا عدل.
الحالة الثانية: إذا كان بعد ظهور الثمرة. الآن نضع قاعدة: تملك الثمرة بظهورها. ما إذا ظهرت الثمار ملكت للمالك وللعامل. قلنا مثلاً المالك متفق مع العامل فرضاً أن الثمار مناصفة بينه وبينك، صحيح؟ بمجرد ظهور الثمار، أي ثمر بيظهر هو مناصفة بين العامل والمالك بمجرد ظهورها، حتى قبل بدو صلاحها حتى قبل جذاذها. وهذا الذي يريد أن يربط لك إياه أنه هي أصبحت ملكاً للعامل، طبعاً ملك مشاع، لكن أصبح للعامل ملك فيها بمقدار النسبة المتفق عليها بمجرد ظهورها، فقال: «وتملك الثمرة بظهورها»، لا نقول بقطفها ولا بقسمتها.
وهذا مثله مثل المضاربة؛ قلنا الربح في المضاربة متى يثبت للعامل؟ قلنا القسمة؟ لا. نقول متى يثبت ملك له؟ لكن الملك غير مستقر؛ أول ما يظهر الربح، إذا ظهر الربح خلص ملكه العامل حتى قبل القسمة، لكنه ملك كما قلنا غير مستقر. فنسام الشيء هنا، بمجرد ظهور الثمرة العامل له نصيب فيها ويملك نصيبه.
ثم قال: «فعلى هذا إذا ظهرت الثمرة وأراد العامل أن يفسخ أو أراد المالك أن يفسخ، ففي هذه الحالة صورة واحدة ما هي؟ إذا حصل الفسخ بعد ظهور الثمار؛ فعلى عامل تمام العمل ويأخذ حظه». ليه؟ لأنه إذا أنت فسخت، نقول في الوقت بدل الضائع، وحتى الوقت الضائع خلص ظهرت الثمرة وهذا العامل له حقه. فإذا صار في أحدهما فسخ بعد ظهور الثمرة، فعلى عامل تمام العمل، العامل ملزم وليس للمالك برضه أنه يروحه، أنت ملزم أن تتم العمل إلى آخره.
حتى زي ما حكينا، ينضج التمر، وكأنه هنا الفسخ يعني ماشي أنت ممكن تفسخ شكلياً، لكن واقعياً ضمنياً أنا عارف أنه أنا وإياك فاسخين، لكن من حيث أنه أنت ملزم أن تكمل حتى تنضج الثمرة، لا يترتب من حيث أنك أنت ملزم أن تكمل لا يترتب؛ سيأخذ نصيبه، لأنه خلص هو ملكه، نصيبه ملكه بمجرد ظهور الثمرة. فكأنك تقول أنت ليش قلت لك أنت تفسخ بعد يعني الوقت بدل الضائع، يعني خلص انتهت، ففسخك هو فقط فسخ شكلي، لكن مضموناً أنت ملزم أن تتركه يعمل، وهو ملزم أن يستمر في العمل حتى تنضج الثمرة وأخذها.
قال: «وعلى عامل كل ما فيه نمو أو صلاح وحصاد ونحوه، وعلى رب أصل حفظ ونحوه، وعليهما بقدر حصتيهما جداد».
الآن خلال عقد المساقاة، ما هو المطلوب من العامل أن يعمله حتى ما يختلفوا الاثنين؟ لازم نعرف كل شخص منهم إيش حدود عمله التي إذا ما عملها يكون هو المقصر. فهمتم الآن ما هو السؤال؟ ما هو المطلوب من العامل أن يعمله؟ ما هو المطلوب من المالك أن يعمله حتى لا يلقي شخص التبعة على غيره فيعتبر العامل مقصراً أو مالك الأرض مقصراً؟
يقول العامل: كل عمل وظيفته إصلاح الثمرة وإنضاجها يخدم هذا الموضوع، فهذا من وظيفة العامل؛ تقليم الأشجار، رش المبيدات، وضع الزبل على الأشجار، التجوير حول الشجر، حفر قنوات ليصل الماء إليها، إذا كانت مثلاً معروف أن هذه المنطقة بالتنقيط يمد البرابيش ويضب البرابيش، فالأمور التي ليست شراء لمؤن وإنما وضع وإصلاحات هذه كلها على العامل.
أما على صاحب الأرض وصاحب الشجر، الأمور التي فيها شراء والتي فيها تكاليف مالية، فصاحب الأرض هو المطلوب منه أن يشتري؛ الزبل هو اللي بيشتريه، أنا كعامل وظيفتي أن أضعه بس مين وظيفته يشتري؟ صاحب الأرض. شراء المبيدات إذا في حال حصلت هناك حشرات أو شيء، شراء المبيدات وظيفة من؟ المالك، والذي يرش وظيفته من؟ العامل.
شراء المياه في حال كانت الأرض مروية، شراء المياه وإحضار التنكات للمزرعة وظيفة من؟ كإحضار مياه كمياه، المالك هو الذي يشتري المياه، أنا ما بدفع كعامل أروح أشتري. لكن عملية تجهيز البرابيش وحفر مثلاً طرق لوصول المياه حتى تصل، في حال كانت هناك طرق معينة، هذه وظيفة من؟ العامل. كذلك مثلاً إذا كان هناك شرعة أو نهر يغذي هذه الأرض حتى يصل المياه إلى الأشجار.
محتاج أن تشق لها هذه، كلها وظيفة العامل. فكأننا نستطيع أن نقول إن الأمور التي فيها شراء للمواد هذا مطلوب من صاحب الأرض أن يوفره، والأمور التي فيها إصلاح وتضبيط للأشجار ولزرعها وما يتعلق بنمو الثمر؛ هذه وظيفة العامل أن يفعلها. ولذلك قال: «وعلى عامل كل ما فيه نمو أو إصلاح وحصاد ونحوه».
وعلى رب الأصل، ورب الأصل اللي هو صاحب الشجرة، حفظ ونحو كل ما يتعلق بالحفظ. طبعًا قال مثلاً من الحفظ: بناء سور حول المزرعة حتى لا تسرق. مَن المطلوب منه موضوع تشبيك المزرعة حتى لا يأتي أحد يسرق؟ هذه ليست وظيفة العامل. أنا أقول لك أنا عامل أشتغل على الشجر، أما قضيّة أن الأرض تُسرق، هذه ليست شغلتك، شغلتك أنت أن تضع سورًا حول مزرعتك أو تشيك المزرعة حتى لا تدخل مثلاً البهائم الرعاء وتأكل الشجر.
أنا لا أريد أن أظل جالسًا في الأرض وأنا عقدي معك على الشجر، ليس عقدي أن أعمل لك "شيك" وأبني لك طوبًا وأعمل لك المزرعة سياجًا؛ هذا أنت تريد توفيره، وهذا جزء من حفظ المزرعة. فالحفظ يكون ببناء السور، وتوفير المياه، وتوفير المبيدات، وتوفير الأسمدة؛ هذا كله أنت تريد إحضاره، وأنا عليّ ما يتعلق بالشجر، وإيصال المياه لها وتسميدها ووضع الجور وإزالة النباتات الضارة وكل ما يتعلق بهذا الموضوع.
ثم قال: «وعليهما بقدر حصتيهما جذاذ». وعليهما بقدر حصتيهما؛ الآن الجذاذ الذي هو القطف، هذا بقدر ماذا؟ الحصة. نحن اتفقنا إذا جاء موسم الحصاد، موسم الجذاذ، على من الجذاذ؟ أنا كمالي من المحصول، أو لي نصفه ولك نصفه، صحيح؟ فالجذاذ أنا مسؤول أجذ نصيبي، وأنت مسؤول تقطف نصيبك. في المساقاة أنت مسؤول تقطف نصيبك وأنا مسؤول أقطف نصيبي.
هل يجوز أن يشترط صاحب الأرض أو الشجر على العامل من البداية: «أنت تريد أن تقطف نصيبي أيضًا»؟ قالوا: نعم. إذاً في الأصل الجذاذ كل منهم مسؤول عن جذاذ حصته، ولكن يجوز لصاحب الشجر أو الأرض أن يشترط على العامل من بداية العقد أنه من مسؤوليته أيضًا أن تقطف وتحصد لي نصيبي.
بناءً على هذا، سيبقى هناك إشكال في العبارة السابقة. ماذا قال في الجملة السابقة لما قال: «وعلى عامل كل ما فيه نمو أو إصلاح وحصاد ونحوه»؟ أنت هنا تقول «وعليهما بقدر حصتيهما جذاذ»، وفي الأعلى تقول «وعلى عامل كل ما فيه نمو أو صلاح وحصاد»؛ فظاهر العبارة الأولى أن العامل مطلوب منه أن يحصد، وظاهر العبارة الثانية «وعليهما بقدر حصتيهما جذاذ» أنه ليس من مقتضياته. كيف نحو ذلك؟
يعني الحبوب، مثل الشعير والقمح، يتعلق بها الجذاذ؟ كلامك جيد، يعني إذا كان الموضوع يتعلق بالمحاصيل الزراعية التي تُحصد حصداً. الآن الجذاذ يكون للثمار، الجذاذ هذه عملية قطف، أما الحصاد فهو الذي يكون بالقمح والشعير بالمنجل وما شابه ذلك. فإذا كان الموضوع حصاداً، فهذا يكون من عمل العامل، لكن إذا كان الموضوع ثمارًا تحتاج إلى قطف، فهنا ظاهر كلامهم أن هذا موزع كل على حسب حصته.
لكن افتح لي بالله شرح الكشاف أو المنتهى دقيقة حتى نراجع مسألة هذا الأمر. بسم الله... يا رب، خلص صار معطيني إياه الله يرضى. شوف الحاشية هنا، ماذا يوجد في الحاشية؟ في الحواشي قال: «وكذا بقر الحرث فإنها عليه». هل يمكن تكون "بقر الحرث" موضوعًا آخر، أنه يريد أن يأتي بالحراثة، يعني يشوف واحد من أصحابه يجيب له حراثة تحرث الأرض إذا كانت طريقة الحرث بالبقر؟
يا رب، كشاف القناع، في عندك شيء؟ اقرأ عن... هذا الشيء يكون بعد الجذاذ، هكذا مطلوب من العامل. لا، أنا أريد أن أرى لفظة "الحصاد" فقط حتى أذكر من ذكرها أيضًا؛ أنا هنا النقطة التي أريد أن أراها هي نقطة الحصاد. يا رب، كشاف القناع، هل أحد معه الكشاف؟ المنتهى معك؟ أعطني المنتهى.
بسم الله، هنا ذكر "حصاد". حتى أنا أخشى أن يكون عبر بها عن مفهوم آخر غير المفهوم الدارج؛ الحصاد مفهوم أنك تحصد حصداً، بس أحببت أن أتأكد أنه لم يعبر بها عن قضية أخرى قد تكون غابت عن أذهاننا، أحياناً عند القراءة يخطر في الذهن أن يكون لعله قصد بها شيئًا آخر. لكن هنا لم يذكر شيئًا في الدقائق ولا في المنتهى. الحصاد بعد الجذاذ، لكن بعد ذلك مَن الذي عليه أن يضعها في مكان تُحفظ فيه كالبذور ونحو ذلك؟ هذا على العامل، هذا الذي قصده في الحصاد.
لا، كلمة الحصاد يا شيخ هنا في الدقائق أو في المنتهى، لا فصل بين نقل الثمر إلى الجرين، قال: «وحصاد ودِراس»؛ لا، هو ذكرها كمفهوم مستقل. هذا يكون بعد الجذاذ. "ونحوه" التي تفضلت فيها؛ كل ما ذكرناه من أمور الإصلاحات ونقله إلى الجرين هذا اتفق معك فيه، لكن أنا قلت كلمة الحصاد لأن كلمة الحصاد تقابل عادة كلمة الجذاذ. إذا ترجعوا لباب بيع الأصول والثمار عندما ذكرناها، كان هناك حصاد وجذاذ، وقلنا الحصاد للقمح والشعير وما يحصد مرة واحدة، والجداد للثمار.
فيعني نقول هل أرادوا أن يفرقوا بين المحاصيل وما بين الثمار؟ فما كان من المحاصيل فالحصاد فيه على العامل من تمام عمله، وأما الثمار فليس من تمام عمل العامل جذاذها، وإنما لا يلزم بالجداد إلا بأن يشترط ذلك عليه من قبل صاحب الأرض، هذا الذي يظهر والله أعلم.
ثم قال: «وتصح المزارعة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض بشرط علم البذر وقدره وكونه من رب الأرض»، والله أعلم. النوع الثاني المزارعة، والمزارعة لا يوجد فيها كلام طويل، المزارعة إنما تكون على المحاصيل الزراعية التي تُحصد حصداً. المزارعة يقصدون بها المحاصيل الزراعية التي تُحصد مرة واحدة كالقمح والشعير وما شابه ذلك، وهذا عادة ما يدخل تحت مفهوم المزارعة. فقال: «وتصح المزارعة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض»، طبعاً المزارعة فيها نقاش فقهي طويل ما بين مجيز لها وما بين...
من الموانع من أصل هذا العقد في المدارس الفقهية، وبعض الصحابة اختلفوا هل النبي ﷺ نهى عن المزارعة تحريمًا لها، أو نهى عنها في بداية الأمر حتى يخفف؟ قال ﷺ: «من كان له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فيها».
هناك نقاش طويل بين الفقهاء، وحتى من أجازها بعد ذلك من الفقهاء ستجدون خلافًا كبيرًا بينهم في التقرير: هل يجوز في المزارعة أن يكون الربح جزءًا من المحصول الزراعي أيضًا؟ المالكية يرفضون ذلك، أما الحنابلة فمذهبهم الذي استقر عندهم أنه يجوز المزارعة بأن أعطيك أرضًا وأنت تضع فيها بذر القمح أو الشعير أو شيءًا، وسنعرف أن البذر يكون أيضًا من صاحب الأرض، لكن أنت فقط تنثره وتحرث وتضع، ولما يخرج هذا المحصول من القمح أو الشعير يكون لك أنت جزء مما يخرج، متفق عليه؛ إما لك الربع أو النصف أو الثلث على حسب الاتفاق.
فالفرق بين المزارعة والمغارسة والمساقاة ما هو؟ المساقاة تكون على أشجار، وأما المزارعة فهي على محاصيل زراعية. فالمساقاة عندما نتكلم عن أشجار، والذي يظهر لي والله أعلم أن الأشجار هناك تشمل الأشجار الكبيرة، وحتى ممكن نضيف فيها ما يلقط لقطًا مما تبقى أصوله في الأرض، ليس الزرع بأنواعه الأربعة التي ذكرناها في بيع الأصول والثمار، لا، هنا المساقاة لما نقول على أشجار سواء كانت أشجارًا كبيرة أو الأشجار الصغيرة التي تكون لها أصول تنتج أكثر من محصول، فهذه كلها تدخل تحت مفهوم الأشجار هنا في باب المساقاة.
أما المزارعة، فيكتب بها المزروعات التي طبيعتها محصول واحد يحصد حصادًا وينتهي، سواء مما كانت ثمرته فوق الأرض أو مما كانت ثمرته تحت الأرض، كل ما كان محصولًا واحدًا يحصد وينتهي فهذا يدخل تحت مفهوم المزارعة، سواء كانت ثمرته فوق الأرض كالقمح والشعير، أو ما كانت ثمرته تحت الأرض مما يكون مرة واحدة كالبطاطا وما شابه ذلك.
فهذا الذي يدخل معنا في مفهوم المزارعة، ويجوز وتصح عند الحنابلة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض، لكن هناك شرطان: الشرط الأول أن يعلم كل منهما ما هو نوع البذور التي وضعت وما مقدارها. فلا بد أن نعرف ما هو نوع البذور التي وضعت، أولًا كجنس؛ هل هو قمح أم شعير؟ وإذا كان القمح له أنواع، فيعرف ما هو النوع الذي تم وضعه بالتحديد، أي معرفة جنس البذور وطبيعته.
وعلم قدر البذر الذي سيبذره العامل، وطبعًا هنا القدر قد يكون صعبًا أن يحدد بالحبه، فيكون على ما يتعارف عليه المزارعون في تحديده؛ قدر الأرض. وهناك طريقتان: البعض قال أن يعرف قدر البذور، أو يعرف قدر المساحة الأرضية التي سيبذر فيها البذور، وهذه طريقة أخرى؛ أن يعرف قدر المساحة الأرضية بدل أن نقول له أعطنا كم بذرة بذرت، أعطنا المساحة الأرضية التي ستبذرها، لأنه هذا أسهل، فيقول: سأبذر على دونم، وهذا أسهل.
أما قول البعض: عد الحبوب لتكون الحبة كذا، وتعطيه كيسًا كذا، فهو سيقعد خمس سنين يحسب في عدد البذور. إلا أن تكون هناك طريقة أخرى، كأن تكون البذور بالكيلة مثلاً، فيكون المقدار متعارفًا عليه. وفي اعتقادي أنه لا يطالب بأن يعد البذور، فهذا ليس حلًا، هذا عناء خاص إذا أردت أن تقول له بالتحديد: يا شيخ أنا سأقعد أعد خمسة آلاف أو سبعة آلاف بذرة! إلا أن يخترعوا لهم ماكينات لعد الحبوب، إذا اخترعوا ماكينات لعد الحبوب فلا مشكلة، أو كما قلت تحسب بالصاع أو أي وسيلة يتعارف عليها في العرف دون أن يرهق صاحب الأرض والعامل في ذلك.
المهم هو معرفة الجنس والنوع والقدر بأي طريقة يتفق عليها، حتى يكون كلاهما قادرًا على تصور كمية المحصول الذي سينتج، وهذا هو الهدف؛ لكي أقول: اتفق معك أن لك النصف وأنا النصف، فإذا لم أكن أعرف المقدار، فلا يمكن أن أعطيك ربحًا أعلى من حقك أو أقل من حقك.
الشرط الثاني، وكونه من رب الأرض، هذه من المسائل الخلافية شديدة الخلاف حتى في المذهب عندنا؛ وهو البذر، هل هو من المطلوب أن يشتريه؟ في المعتمد من المذهب أن البذر المطلوب أن يشتريه رب الأرض ويعطيه للعامل، والعامل وظيفته أن يبذره، كما حكينا في المساقاة أن العامل ليس مطلوبًا منه أن يشتري. أما صاحب الأرض فالمطلوب منه أن يوفر كما قلنا الزبل والمياه، ففي المزارعة نفس الشيء؛ قالوا المطلوب أن يشتري البذر هو صاحب الأرض. وفي المساقاة بصورتها الثالثة التي هي المغارسة، من المطلوب أن يشتري الأشجار؟ صاحب الأرض، فبالتالي قالوا في المزارعة المطلوب يشتري البذور صاحب الأرض، حتى يكون هناك اضطراد، وهذا هو القول المشهور.
لكن هناك قول آخر ذكره زاد المستقنع، اعتمده الحجاوي في زاد المستقنع ومشى عليه كثير من أصحاب الحنابلة واستظهره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن الأظهر -وذلك من فعل النبي ﷺ- أن البذور يأتي بها العامل، هو المطلوب منه أن يوفر البذور من جيبه، خاصة أن ثمن البذور في العادة يكون زهيدًا، ليس مبلغًا كبيرًا أن تشتري كيس قمح كله بلقيتين أو ثلاث دنانير. فثمن البذور مبلغ زهيد، ولم ينقل في السنة في باب المزارعة أن أحدًا من الصحابة لما زارع شخصًا على أرض أعطاه ثمن البذور، وعمل الناس منذ القدم على أن العامل هو الذي يأتي بالبذور ويبذر، فهذه رواية أخرى في المذهب وهي رواية قوية ولها حظها من النظر.
هكذا انتهينا من المزارعة، ننتقل إلى فصل الإجارة. قال رحمه الله: «فصل وتصح الإجارة بثلاثة شروط». الإجارة من العقود المهمة والأصيلة في أبواب المعاملات إخواني، وعقد الإجارة هو عقد معاوضة، لا هو إرفاق ولا تبرع ولا توثيق، عقد معاوضة والمقصود منه الاسترباح. عقد الإجارة هو عقد على منفعة، تُؤخذ من عين أو شخص، وتُحدد إما بمدة معلومة أو عمل معلوم.
هي المنفعة من أين نأخذها؟ يا منفعة عين، يا منفعة شخص، ويتم تحديدها هذه المنفعة بمدة معلومة. وهذا الفرق بين الإجارة والبيع؛ أن البيع خلص مطلق أبدي، أما الإجارة فتكون على مدة معلومة أو على عمل معلوم.
ستعرفون لماذا أنا قسمت؛ لأنه هناك إجارة يتم تحديد المنفعة فيها بالمدة، وهناك إجارة يتم تحديدها بالعمل، أنا ما أعطيك مدة، أعطيك عملاً تنجزه لي. وهذا التعريف اخترته من جملة كلام أصحابنا؛ لأن كل واحد وجدتُه يذكر جزءاً ويذكر الثاني، فيطلع التعريف في اعتقادي واجتهادي ناقصاً أو فيه خلل ممكن يحصل في ذهن الطالب بعد ما يدرس الباب؛ حيث يرى أن التعريف لا يتماشى مع أنواع الإجارة التي ذكرت.
فهذا الذي اختاره أن يعرفها بأنها عقد على منفعة. طبعاً ممكن تضيف مثلاً، وطبعاً هذه الإضافات ترجع لك؛ بعض العلماء يطيلون وبعضهم يخففون في التعريف، فبعضهم يقول: عقد على منفعة مباحة. وهذا شرط في المنفعة أن تكون مباحة، إن أحببتَ أن تذكره فاذكره، وإن لم تحب أن تذكره فلك أن تذكره في الشروط. إذن: عقد على منفعة مباحة تؤخذ من عين أو شخص، وتحدد بمدة معلومة أو بعمل معلوم، هكذا نكون قد جمعنا جميع أنواع الإجارة.
الآن نبدأ بشروطها، فقد قال بثلاثة شروط: معرفة المنفعة، وإباحتها، ومعرفة الأجرة. وقال: تصح إجارة عقد الإجارة حتى يصح، وطبعاً هي له شروط أكثر من ذلك، لكن هنا ذكر أبرز الشروط.
الشرط الأول ما هو؟ قال: معرفة المنفعة، أي معرفة المنفعة التي يتم العقد عليها. أنا أريد أن أستأجر منك بيتاً كعين حتى آخذ منفعة هذا البيت، أو أريد أن أستأجر منك سيارة حتى آخذ منفعتها، أو أريد أن أستأجر شخصاً من الثامنة صباحاً إلى الرابعة مساءً لمنفعة يعملها لي في المنزل، فتكون المنفعة هذه أيضاً معلومة.
ما طرق معرفة المنفعة؟ تتذكرون الآن في باب البيع أحد شروط البيع الأساسية معرفة ماذا؟ السلعة والثمن، وقلنا طرق المعرفة إما بالرؤية أو بالوصف. هنا سيأتي السؤال ويتكرر مرة أخرى: إذا كان يشترط معرفة السلعة، فهل يشترط معرفة المنفعة دائماً؟ أنا أحب أن أقارن حتى تتذكر أنها هي نفسها ولكن اختلفت الطبيعة حسب طبيعة العقد؛ فمن شروط العقد معرفة المنفعة.
طيب كيف سنعرفها؟ في البيع كنا نقول بالرؤية أو الوصف، هنا هل يمكن أن نقول معرفة المنفعة بالرؤية أو الوصف؟ بالوصف نعم، أما الرؤية فلا؛ لأن المنفعة شيء معنوي، كيف تريد أن تريني إياها وأنا أصلاً لم أستأجرها بعد؟ فلا يمكن أن تقول لي إن معرفة المنفعة بالرؤية، فهذه لا تُرى.
قالوا: إما بالوصف، بأن يقول له: والله أريد استئجار دارك للسكن من هذه السنة إلى نهاية السنة القادمة. وممكن بعض العقارات السكنية تحتاج لوصف أعلى قليلاً لطبيعة المنفعة؛ فبعض العقارات لا يسكنها إلا العزاب، وبعضهم يسأل: هل أنت عازب أم متزوج؟ فبعضها يؤثر، فسكن المتزوجين غير سكن العزاب، فإذا كنت تعرف أن طبيعة هذا العقار تختلف، فمن الضروري أن تذكر طبيعة المنفعة، كأن أقول: أريد أن أسكن مع أولادي، فقد يقول لك: لا، هذا سكن شباب عزاب لا يصلح، أو هذا سكن متزوجين لا ينفع أن تسكن فيه عزاباً.
أو بالعرف؛ أحياناً تستأجر عيناً ولا تذكر منفعتها بالوصف لأنها معروفة بالعادة. عندما تذهب لتستأجر آلة حفر من محل بناء، هو معروف أنها للحفر، تريد حفر جدران أو حفر أرض، فلا داعي للتفاصيل إلا إذا كان هناك شيء غريب خلاف العادة. فإذا أخذت الآلة لشيء معروف، لست مطالباً بالوصف، لكن إذا أخذتها لحفر شيء جديد وغريب كحفر جبل كامل، فهذا خلاف المعتاد، فسوف تضطر حينها إلى الوصف. إذن معرفة المنفعة إما بالوصف وإما بالعرف، والعرف يكفي إذا كانت المنفعة لهذه العين منضبطة.
الشرط الثاني قال: وإباحتها. وهذا أيضاً إذا ذكرناه في البيع أنه يجب أن يكون مالاً تصح تملكه، وكل عين أو منفعة مباحة مطلقاً فهي صحيحة، فلا بد أن تكون هنا مباحة أيضاً. إذا كانت المنفعة محرمة، كأن تستأجر امرأة حتى تغني لك، فهذا حرام، أو تستأجر آلة موسيقية حتى تعزف عليها، أو تستأجر وعاءً لتضع فيه الخمر، أو تستأجر قاعة ليقام فيها عرس غير إسلامي؛ فما رأيكم في هذه المنفعة؟
إنها حرام. بعض إخواننا يناقشني في البدائيات، فتجد من يعمل في قاعة ويؤجرها لعرس فيه غناء واختلاط، ثم يأتي ويقول: عملي حرام يا شيخ! أنت ماذا ترى؟ أنت تبرر للشخص، هو يقول لي: أريد وضع أغاني، أو أريد عمل عرس مختلط، فهذا عقد حرام ومال حرام.
وأنا أتوسع في هذا أيضاً، مثل سيارات الأجرة؛ إيصال فتاة متبرجة إلى الجامعة، ما رأيكم في ذلك؟ أنا أناقش الناس لنطبق قواعد مذهبنا على الواقع، وقواعد الفقهاء، حتى وإن لم تكن خاصة بمذهبنا. حين تأتي فتاة متبرجة لتستأجرك حتى توصلها للجامعة، يقول البعض: ما دخلي يا شيخ؟ أنا أوصلتها فقط. وكأن السؤال: هل منفعة التوصيل هنا حلال أم حرام؟ هل انتقال المتبرجة في طرقات المسلمين بهذه الهيئة حرام أم حلال؟
المنفعة التي تريدها منك هي إيصال امرأة متبرجة في شوارع المسلمين، وهذا حرام. العادة أن بعض المشايخ يقولون: أنت ليس لك علاقة، وهذا مما عمت به البلوى، لكنني أعتقد أن هذا غير صحيح، لي علاقة؛ فلو أن أصحاب وسائل النقل امتنعوا عن إيصال هؤلاء لحصل تغيير في المنكر، لكن كل شخص يقول: ليس لي علاقة، وبالتالي نحن نساعد على انتقالهن وذهابهن وعودتهن، وتجدها في الباص بكل زينتها وحلتها. يخرج بعض الشباب على بعض وسائل النقل العامة كالباص السريع وغيره، ويقولون...
هذا ما هو وسائل نقل عام، الفتاة بحلتها وزينتها وتتنقل في شوارع المسلمين، هذا حرام. فلذلك قضية باحتها ترى هذه لها كثير من الظواهر المجتمعية؛ تأجير قاعات الأفراح، إيصال النساء المتبرجات. الآن إذا كان لضرورة، لمستشفى أو شيء، فإن الضرورات تبيح المحظورات، نحن عارفين القاعدة: "الضرورة تبيح المحظور"، لكن ما سوى ذلك، بعضه مثلا يوصلها حتى إلى صالونات التجميل.
أنت عارف يا أخي وين الراحة؟ هذه تتجمل وتخرج فتنة للناس، كيف تعينها على أن تصل إلى هذه الأماكن؟ قضية "أن أنا ليس لي علاقة" هذا خطأ، لأن أنا ما بكلمك يا سائق الأجرة على أين ستذهب، يعني ماذا ستفعل داخل الصالون، أنا بكلمك عملية الانتقال التي أنت تمارسها؛ المنفعة التي طلبت منك، أنا هنا نقاشي عملية الانتقال هي منفعة محرمة لهذا النوع من الناس.
وين الإشكال؟ الإشكال أنا أقول لك أنت تتكلم على طريقة الحنابلة: الصلاة في الدار المغصوبة. أنت الآن تريد أن تخصصها على الصلاة؛ الدار المغصوبة هي فكرة أن عملية الإيصال، هل هي عملية إيصال فلانة؟ أحسنت، أنا هنا كلامي، فإذن تنقلاتها مثل ما حكينا. الصلاة في الدار المغصوبة لماذا؟ الحنابلة قالوا الصلاة في الدار المغصوبة باطلة؛ لأن الركوع والسجود هي الحركات تتم بمكان غلط، تتم بمكان خطأ، فحتى حركات الركوع والسجود إثم عليها داخل الأرض المغصوبة.
فأنا هنا ما بتكلم عن صلاة، بتكلم عن الصلاة الفلانية في الأرض الفلانية؛ هل حركاتها مطلوبة شرعاً أو منهي عنها شرعاً؟ فالآن هذه الفلانة المتبرجة، حركاتها في شوارع المسلمين، هل هي مباحة شرعاً أو منهي عنها شرعاً؟ هي فلانة منهي عنها ما دامت حركاتها منهي عنها، إذاً أنا لا يجوز أن أساعدها على حركاتها.
فأنت التي هي الإشكالية هي التفريق بين انفكاك الجهة؛ أن التوصيل مباح، والتوصيل كفكرة صح مباح، الصلاة كفكرة مباحة، لكن أنا ما بتكلم عن صلاة هكذا مطلقة، ما بتكلم عن توصيل مطلق، بتكلم عن توصيل معين لشخص معين، توصيله غلط. لو سألتك سؤالاً قد يتجلى به الأمر أكثر: لو واحد قال لك "أنا رايح أسرق الدار الفلانية، بس وصلني"، ما حكم توصيله؟ هل في أحد عاقل يوصله بحجة "أنا يا شيخ بس وصلت"؟ وأنت عارف حركاته.
طبعاً هنا ممكن يقول لك: "لا، ما هو شيخ، في فرق، هذه راحت تتعلم في الجامعة"، الله يقطع هذا التعليم، "وهذه رايحة تسرق في البيت"، فممكن البعض يطلع لي بفرق أنه أنت بتكلم هناك النتيجة، والنتيجة أيضاً عمل محرم. هنا النتيجة عمل حرام، جاء لعمل... برجع أقول لك أنت ممكن هي ستذهب إلى مطاعم، على مشارب، وعلى أماكن، لا، لا ينظر فقط إلى النتيجة، لكن ينظر إلى الوسيلة التي أوصلت لهذه النتيجة. أنا هذا يهمني الوسيلة، ثم بعد ذلك حتى هذه النتيجة، تأتي لتقول لي: "يا شيخ فرق بين المسألتين".
إن هناك النتيجة عمل محرم ابتداء، كسرقة، أما هنا النتيجة التي ذاهبة إليها هي تعليم، وأنا آتي أقول لك هي لما تذهب إلى الجامعة وتكون فتنة للشباب وهذا عمل محرم أيضاً، هي رايحة للجامعة وعارضة فتنتها، تريد أن تقنعني أن الدراسة حلال؟ ترجع تقول لي: "بس الدراسة في أصلها"، أقول لك أنا الدراسة في أصلها مناقش؛ هذه الفتاة دراستها هي في الجامعة بكل إغراءاتها وعطرها وزينتها، هل هي حلال تدرس بهذه الصورة؟ لا، إذا بنفس الصورة هذا عمل محرم.
فضلاً إنني أرجع أقول لك أنت ليس كل السيارات ستوصل للجامعة، أنت ممكن توصلها لسهرة، لمقهى، نحن عندنا إشكالات أخرى، أنا أريد أن أضبط الباب، ولذلك الله يعين إخواننا الذين يريدون أن يشتغلوا في وسائل النقل، الأمور صعبة إذا أراد أن يحلل راتبه، في اعتقادي الأمور صعبة، لذلك تشتغل توصيل بضائع لسه أهون.
العمال الذين مثلاً يبنون خمّارة، أو الذين يعملون في الخمارات، أو يعملون في بناء كنائس أو ما شابه ذلك، كل هذا منفعة محرمة. إذاً معرفة المنفعة وإباحتها؛ طبعاً هنا قال وإباحتها مطلقاً، لأنه حتى أي شيء تباح منفعته في حال دون حال، مثل مثلاً جلد الميتة المدبوغ الذي تباح في اليابسات استعماله دون غيره كما سيأتي معنا في مستوى أعلى، جلد الميتة المدبوغ لا يجوز استئجاره؛ لأنه تباح منفعته في حال دون حال، فيجوز الانتفاع به.
الانتفاع نفس الشيء، الكلب، الكلب كلب صيد أو حرث أو زرع، هل يجوز استئجاره للصيد أو الحرث أو لا؟ إذا لقيته أنت وعلمته انتفعت به، لكن لا يجوز؛ لأن الكلب هل تباح منفعته مطلقاً أو في حال دون حال؟ في حال دون حال؛ إذا كان فقط للصيد أو الحرث أو الماشية، غير ذلك لا تباح. بالتالي ما كانت إباحته مؤقتة أو في صورة دون صورة، هذا عند الحنابلة لا يصح بيعه ولا يصح إيجاره. إذاً الإباحة لابد أن تكون مطلقة، يعني هو مباح على وجه الدوام.
ثالثاً: ومعرفة الأجرة، حتى لا يكون غرراً، أن تكون الأجرة معلومة لهما، وهذا أيضاً ما يقابله في البيع معرفة الثمن؛ صحيح؟ مش قلنا في شرط البيع معرفة الثمن؟ فإذاً في البيع كنا نتكلم عن معرفة السلعة ومعرفة الثمن، وفي الإجارة نتكلم عن معرفة المنفعة ومعرفة الأجرة، هي نفس الفكرة فقط أنت تنقلها لها.
حتى أذهب لباب البيع، الآن أول شروط البيع سبعة، أول صفحة في كتاب المعاملات: الرضا منهما، هذا ما ذكره، لكن ضمنياً معروف لابد من الرضا في الإجارة كما يشترط في البيع، وكون العاقد جائز التصرف كما يشترط في البيع، يشترط في الإجارة، وكون المبيع مالاً، وأن تكون مباحة مطلقاً إذا ذكرناها، وكونه مملوكاً للبائع أو مأذوناً له فيه، أيضاً تشترط في الإيجار أن تكون العين التي أريد تأجيرها مملوكة لي أو مأذون لي فيها، وكونه مقدوراً على تسليمه، أيضاً مشتركة في البيع، أنه إذا أردت أن أؤجر لك شيئاً يجب أن أكون أنا قادراً على إعطائك هذه العين حتى تستفيد من منفعتها، وكون السلعة معلومة، قلنا.
هنا يقابل كون المنفعة معلومة في البيع، برؤية أو صفة؛ هنا نقول بصفة أو عرف. وكون الثمن معلومًا هنا يقابلها كون الأجرة معلومة، نفس الشروط. حتى أنت بمجرد أن تضبط وصلتك، تدرك أن هناك الشروط نفسها هنا.
ثم قال: ومعرفة أجره. الآن في استثناءات من قضية ذكر الأجرة، هل هناك عقود إيجارة تصح ولو لم تذكر فيها الأجرة، أو كانت الأجرة فيها غير منضبطة؟ مسألتان: هل هناك عقود إيجارة تصح ولو لم تذكر فيها الأجرة، أو ذكرت فيها أجرة غير منضبطة؟ نعم، هناك استثناءات.
الاستثناء الأول هو أن تكون الأجرة غير منضبطة، عمومًا يعني غير محددة المقدار. استثنى فقال: «إلا أجيراً وذئراً بطعامهما وكسوتهما». فيجوز عند الحنابلة أن أعقد عقد إيجارة مع عامل وأقول له: أجرتك هي طعامك وكسوتك. أنا ممكن مثلاً أستأجرك كأجير عندي في البيت تخدمني لمدة شهر، طيب ما الأجرة التي ستعطيني إياها مقابل أن تخدمك شهرياً؟ طعامك وكسوتك، عليه طعامك وشرابك وكسوتك، هي الأجرة.
السؤال هنا: هل الأجرة منضبطة برقم معين؟ لا، ستتفاوت. ولذلك إذا تنازعوا فيها، يُعاد إلى مثله؛ أي إلى طبقته الاجتماعية، ومثله كم يأكل في اليوم وماذا يلبس. قال: يعامل إذا تنازعوا كما تُعامل الزوجة. يعني أنت ملزم أن تنفق على زوجتك بطعامها وكسوتها، كم يجب أن أعطيها في اليوم؟ على حسب الزوجة؛ هل هي من طبقة غنية، أم متوسطة، أم فقيرة؟ القاضي يحسمها.
فكذلك هنا، إذا استأجرت أجيراً بطعامه وكسوته لمدة شهر، ثم اختلفنا، وصار يقول لي: لا، أنا طعامي أكثر من ذلك، أقول له: أنت تأكل كم دجاجة في اليوم؟ يقول لي: آكل كل دجاجة، فأقول له: لا، أنت لك نصف دجاجة. هنا اختلفنا، نحن ابتداءً اتفقنا على الفكرة العامة، لكن بعدين اختلفنا في التفاصيل؛ كم آكل في اليوم؟ هل أعطيه غداءً فقط؟ يقول: لا، أنا أفطر وأتغدى وأتعشى ثلاث وجبات، فبذلك اختلفنا في عدد الوجبات، وكمية الطعام في الوجبة، وكذلك الكسوة. ما هي الكسوة المعقولة للشخص خلال الشهر؟ مثلاً كم بنطالاً؟ هذه أمور عرفية تختلف، وبالتالي إذا تنازعنا نرجع عند القاضي، والقاضي يقدر هذا العامل، صنفُه، نوعه، حجمه، ووزنه، فيصبح يخمن ويقول: لا والله، مثل هذا يحتاج إلى كذا كمية طعام وكذا من اللباس.
إذا اختلفوا، نفس الشيء «الذئر»، والذئر هي المرضعة. قديماً كان يأتي الشخص بمرضعة لطفله لمدة سنة أو ستة أشهر أو سنتين حسب الاتفاق، ويقول لها: أنت أجرتك أكلك وشربك وكسوتك لسنتين عليّ، هذه أجرتك. لاحظ هنا أن هناك أجرة تم ذكرها، لكنها فضفاضة غير منضبطة، فضبطها يكون بالعرف؛ فنرجع للعرف ونرى مثل هذه المرضعة كم تأكل في اليوم وكم تلبس في الشهر، وبناءً عليه إذا حصل اختلاف. وأحياناً قد لا يحصل اختلاف، بل ترضى بشيء معقول، فتقول: أنا راضٍ بهذه الكمية من الطعام أو الثياب، فلا إشكال. هذه هي الصورة الأولى المستثناة.
الصورة الثانية هي ألا تذكر الأجرة. قال: «وإن دخل حماماً أو سفينة، أو أعطى ثوبه خياطاً ونحوه، فله أجرة مثل». هذا كلام عن الأمور التي في العادة أجرتها منضبطة عرفياً وإن لم ينص عليها عند العقد. هنا أنا سأعمل عقد إيجارة ولا أنص على الأجرة اتكالاً على أن أجرتها منضبطة في العرف، فلا داعي كلما أردت القيام بهذا العمل أن أذكر: والله سأعطيك كذا. وهذا في حقيقته نوع من أنواع رفع الحرج.
مثل دخول الحمامات الشامية، أو السفينة، أو إعطاء الثوب للخياط. هذه الأمثلة يذكرونها في الزمن القديم، أما في واقعنا المعاصر فمثل السيارات ووسائل النقل العام. أنت كلما ركبت وسيلة نقل عام، هل ستعمل مع السائق عقد إيجارة وتقول له: أعطيك أجرة كذا؟ سيقول لك: يا شيخ الله يرضى عليك، ادخل، فليس من الممكن كلما أردت الدخول أن تعمل عقداً وتحدد الأجرة، والطابور طويل والناس ماشية، فستعتمد في عقدك معه على عدم ذكر الأجرة ابتداءً اتكالاً على انضباطها في العرف. كذلك المخابز، فالحكومة تضع تسعيرها، فإذا ذهبت لتشتري، فالأمر معروف.
هم يذكرون الحمامات الشامية، حيث كان الشخص يدخل الحمام ويستحم بما هو متعارف عليه. هنا في الحمامات الشامية ليس الثمن فقط هو غير المنضبط، بل حتى المنفعة نفسها غير منضبطة؛ لأنك لا تعرف كم ستجلس في الحمام، هل تأخذ دشاً لنصف ساعة أم لـ 25 دقيقة أم لـ 35 دقيقة؟ وكذلك كمية المياه المستعملة. لكن هذه الأمور جرى العرف بها مع وجود عدم انضباط تام في المنفعة، وكذلك الأجرة، بمجرد الخروج تدفع له، وإذا اختلفنا نرجع للعرف.
هذا الكلام يصح إذا كان العرف منضبطاً، وهذه قاعدة مهمة: متى يصح؟ إذا كان العرف منضبطاً بحيث إذا اختلف الاثنان يذهبون للقاضي فيحسم الأمر بناءً على عرف منضبط. أما إذا كانت الحمامات الشامية متفاوتة، كأن يكون هناك حمام في غرب عمان يأخذ سعراً، وحمام في منطقة ثانية يأخذ سعراً مختلفاً، هنا لا أستطيع أن أقول: لقد ذهبت قبل شهرين لحمام كذا وأخذ كذا، لأن كل منطقة طبيعة حماماتها تختلف.
لذا، قوله: «وإن دخل حماماً أو سفينة أو أعطى ثوبه خياطاً ونحو ذلك من الأمور دون أن يذكر الأجرة، ولصاحب صنع أجرة المثل»، هذا الكلام يصح إذا كانت أجرة المثل منضبطة عرفياً. نفس الشيء عدادات التكاسي مثلاً في بلادنا اليوم؛ أنت تركب التكسي من منطقة إلى منطقة، والسائق لا يستطيع التلاعب لأنه يوجد عداد منضبط. فإذا اختلفنا معه، نقول له: العداد هو الفيصل، وإذا كان العداد خرباناً، نرجع للمثل؛ أي نبحث عن مشوار مماثل في تكسي عداده صالح، فإذا اختلفوا نرجع بالتحاكم لأجرة المثل. فهذه القضية إذا ضابطها منضبط.
أن يكون العرف منضبطًا، أما إذا كان متفاوتًا من سفينة لسفينة، ومن حمام لحمام، ومن خياط لخياط، فهذه ما تصح أن تدخل في المعاملة دون أن تنص وتتفق معه ابتداءً على الأجرة؛ لعدم انضباط أجرة المثل هنا.
تفضل. هو الشيخ أحمد حاول -عندكم في الحاشية- قاس البوفيه المفتوح على الحمامات. الشيخ أحمد ركز في البوفيه المفتوح، هذيك بيع مش أجرة؛ لأنه أنت هناك رايح تشتري أكل، والأصل في الأجرة أن تكون العين لا تُستهلك. صحيح، يصير استأجر تفاحة مشان آكلها؟ لا، لأنه هنا العين استُهلكت، فهنا أظن في فرق قليل؛ أنك هنا مش عم تستأجر، أنت هناك عم تشتري طعام، بس بكمية، إيش بتدفع عليه مثلاً سبع دنانير على كمية مجهولة من الطعام.
فالشيخ أحمد بيقول إنه من باب البحث -وطبعاً هو بحثها عندكم في الحواشي السابقات- أنه يمكن أن تقاس البيع في البوفيه المفتوح على الإجارة في الحمام؛ أنه كما أنك في الحمام بتدفع بتستأجر خدمة، بتستأجر خدمة التفاعل بالحمام مع أنه مش معروف كم رح تجي جلسة، ومش معروف كمية المياه اللي رح تستعملها، كذلك في البوفيه المفتوح أنت عم تشتري بوفيه وإن كنت لا تعرف كمية الطعام اللي فعلاً راح تأخذها.
لكن كنت أتمنى أنه بين أن الفرق أنه في هذيك بيع. الحمام أنت بتستأجر حمام، والماء تبعك، رح تقول لي طيب هناك في استهلاك للعين داخل الحمامات، شو العين المستهلكة؟ الماء، هذا لا يعتبر، هذه العين المستهلكة تُغتفر فيها نفس الشيء؛ الضرع. الضرع أنت مستأجر مرة ترضع، هسه فعلياً في شيء عم يستهلك وهو اللبن، لكن هذه الأمور تعتبر تبعية. وإن كان الحنابلة يقولون إن الضرع أنت تعقد على لبنها، هكذا يقولون، لكن في اعتقادي لماذا أجازه الحنابلة مع أن فيه استهلاك للعين؟ أن الأصل في إجارة العين، وسياتي معنا أن العين لا يجوز أن تكون مستهلكة، فليس واحد يستأجر تفاحة يأكلها، مش رح تقدر ترجع العين؛ لأن الإجارة تقوم على أنه في عين رح تنتفع منها وترجعها.
ففي البوفيه المفتوح في شيء أنت رح تنتفع فيه وترجعه؟ لا، إذاً هنا فعلياً هو بيع، أنت بتبيع أطعمة بس أطعمة غير منضبطة؛ لأنه هذا يعتمد على كم رح تأكل، كم صحن ستأكل. فالشيخ أحمد بيقول يمكن أن يقاس البوفيه المفتوح -وإن كان غير منضبط كمية الأكل الذي ستؤكل- على استئجار الحمامات، وإن كان هذا بيع وهذا إجارة، وأنك لا تعرف كمية المياه التي ستستهلكها، لكن يقول: «وفي كلا المسألتين ينبغي أن يكون الاستهلاك على قدر المعتاد».
يعني في الحمام معروف الواحد مثلاً الحمام المعتاد كم لتر؟ إذا بدك تسبغ وتعني كذا، قصارى قصارى ما يمكن أن يستعمل، نحكي أربعة أو خمسة مثلاً. فإذا الرجل لا يتحمم، قاعد بـ ٢٠ لتر، هذا لا يجوز. ما تيجي تقول ما هي يا شيخ الكمية المستهلكة مش منضبطة هنا، ماشي، ومش محددة، بس برضه ضمن العادة المعقولة، ضمن العادة.
طبعاً إذا مش الرجل، يعني صاحبك، ما تأكل كله، بقول لك المثل، مش استضي له الخزانات! بتعرف بعض الشباب لأنه هو ماخذ الشغلة مستأجرها بده يشفطها زي ما عملها في المزرعة. وفي شيء معقول وفي شيء مش معقول، مش أن تشعر الزلمة أنك بدك تحطه في كارثة بحجة أنه أنا والله استأجرتها لمدة معينة، أنا لي حق أني أعمل فيها ما أشاء. هذا ننتبه له، أنه ليس لك الحق في أن تضاعف عليه تضاعف غير منطقي.
نفس الشيء، هذه فكرة جيدة التي طرقناها لفكرة المزارع المستأجرة اليوم؛ أنت بتستأجر مزرعة صحيح، تقعد فيها أنت وعائلتك لمدة مثلاً يومين أو ثلاثة أو أربعة، حقيقة الانتفاع يجب أن يكون ضمن العرف. ما بينفع لأنني ماخذها بالتالي رح أنشف دمه للرجل. أنت عم تستهلك كهرباء، عم تستهلك مي، بدك تستهلك ضمن المعقول والسقف، أكيد في سقف وفي البرد في سقف، أما أن يكون في نوع من تقصد الاستنزاف، ترى هذا غير شرعي. إذا في تقصد الاستنزاف هذا غير شرعي، فقط حبيت أضع في هذه الصورة.
فبالتالي بالنسبة للبوفيه المفتوح، لو كان شخص دفع سبع دنانير بده يعبي جهاته بالدجاج وهو طالع ويحط في جيبته، ويحط في محرمة شوية لوز وكذا، بتلاقي بعض الشباب يقول لك أنا دافع على السبع دنانير بدي أعبي جيابي وجياب ابني الصغير، بتلاقي الحجة بتحطه في جيب ابنها؛ هذا ما بيطلع لك، لأنه الرجل لما عامل في المفتوح راسم أنك بالكتير كم بدك تأكل الإنسان؟ الأعلى بده يأكل له أربعة أو خمس صحون، والأدنى بده يأكل له صحن ونصف، هذا هو المعقول. فتلاقيك أنت مثلاً ماكل ٢٠ صحن، هذا مش صحيح، أو ١٥ صحن. والأسوأ حالاً مين هو في اعتقادي؟ اللي بيحمل، لأنه في النهاية ما تفكر أن الفكرة تقوم أنه ما دمت دفعت لي أن أفعل ما أشاء، لا، سوء صورة أنك تحمل. هسه ممكن تأخذ لك كمشة وأنت طالع تأكلها على الطريق، ماشي، يعني من باب أنك خلص آخرها، لكن تعبيت الجياب والأولاد كلهم محملين على الدار، هذه مشكلة.
المهم، قال: «وهي ضربان». اقرأ. «وهي ضربان: إجارة عين».
الآن بناءً على تعريف الإجارة، نحن قلنا هي عقد على منفعة من عين أو شخص، صحيح؟ فسيبدأ بإجارة العين. «قال: إجارة عين وشرط».
إذا كانت الإجارة على عين، سيارة، دابة، أي آلة معينة بدي أستأجرها، لازم هي العين تكون أولاً وشرط، قال: «وشرط معرفتها، وقدرة على تسليمها، وعقد في غير ضرّ على نفعها، واشتمالها على النفع».
طبعاً شرط معرفتها، معرفة إيش هون؟ العين مش المنفعة، العين، وهنا سيكون إما برؤية، أو بصفة؛ أني أعرف ما هي السيارة نفسها اللي رح أستأجرها بعينها، رأيتها، أو بصفة؛ كأنك تحكي مع محل تأجير سيارات بدي أستأجر منك سيارة، ولا خلاص بعطيك سيارة هونداي موديل كذا، أنا ما شفتها بس على الصفة استأجرت، بزبط. معرفته إما برؤيتها بالعين أو بالصفة.
قال:
وقدرته على تسليمها، وهذا عموماً أصلاً في كل الإجارة؛ بده يكون المنفعة في العين اللي بدك تستأجرها قادر على أنك تسلمها.
قال: «وعقد في غير ضئر على نفعها دون أجزائها». هذا اللي حكينا إنه العقد بده يكون على نفع العين وليس على استهلاك أجزاء العين، العقد يكون على المنفعة؛ مش قلنا الإجارة ليست عقداً على الأعيان وإنما على منافع الأعيان؟ فالعقد هو على منفعتها وليس على استهلاك أجزائها؛ لأنه إذا أصبح العقد على استهلاك الأجزاء هذا ما عاد منفعة وما عاد إجارة، لأنه في الإجارة العين ستعاد بعد الانتهاء، فإذا كان العقد على الأجزاء خلص معناتها راحت الأجزاء ولن تعيد العين إلى صاحبها بعد الانتهاء.
فا هو عقد على المنفعة، واستثنى الضئر؛ والضئر هي المرضع، لأنه عندنا في المذهب العقد في الضئر يقولون العقد قد... هذا تدقيق مذهبي، العقد ليس على الخدمة اللي بتقدمها الضئر. طبعاً هي فيها إشكال في توصيفها؛ لأن بعض المذاهب بتقول لك لا هي العقد على الخدمة اللي عم بتقدمها لك المرضع واللبن تبعها، بس مذهبياً عندنا يقولون لا، العقد على اللبن نفسه، وهذا استثناء من هالقاعدة؛ لأنه اللبن نفسه عم يستهلك، فلذلك استثناه. فقال: «وعقد في غير ضئر على نفعها دون أجزائها»، مفهوم المخالفة أنه في الضئر العقد على الأجزاء التي ستستهلك وهو اللبن.
قال: «واشتماها على النفع». كذلك بدها تكون العين أصلاً مشتملة على النفع المطلوب، فإنك تعقد على سيارة توصلك للعقبة وهي ما بتوصل، هذا عقد غير صحيح؛ لأنه هنا العين غير قادرة على تحصيل المنفعة منها.
قال: «وكونها لمؤجر أو مأذون له». هي نفس شروط البيع أن تكون العين التي ستؤجر ملكاً للمؤجر أو مأذوناً له فيها. طبعاً من صور المأذون له فيها قاعدة مهمة في باب الإجارة، وهي أنه من استأجر شيئاً له أن يؤجره إلى من سيفعل فيه مثل فعله أو من جنس فعله.
يعني المأذون له فيها؛ أما أنا مثلاً ولي اليتيم أو ناظر الوقف فأجر هذا، ومن صور ذلك أن المستأجر له أن يؤجر حتى ولو اشترط عليه صاحب العقار ألا يؤجر، فالشرط لاغي إذا أنا استأجرت شيئاً لي أن أؤجره، طبعاً لمن يفعل ما هو من جنس فعلي أو أقل، وليس لمن يفعل ما هو أعلى. فإذا أنا استأجرت سيارة حتى أذهب بها من عمان للعقبة، استأجرتها لي أن أؤجرها لشخص غيري يذهب بها من عمان للعقبة، ولو صاحب السيارات رفض ما له علاقة، لكن ليس لي أن أؤجرها لشخص يذهب بها من عمان لمكة؛ لأننا اتفقنا أنها لوين؟ للعقبة، واتفقنا أنها بدها تحمل أي عدد من الأشخاص، فما يصير أجلها لشخص ما شاء الله محمل عليها طن حديد ومحمل كل الدنيا فيها وكل البضاعة، لا؛ لأنني متفق معك أنها سفر لعائلة، فبالتالي ما يصير أيضاً تحميل أشياء فوق المعتاد.
فكونها لمؤجر أو مأذون له فيها، كلمة مأذون له فيها بالتالي يمكن نقول الإذن هنا شرعي أو وضعي. خلينا نقول مثلاً إنه هنا الإذن الشرعي، زي ما حكينا إنه الشريعة هي اللي أعطت المستأجر حق التأجير، وأعطت ولي اليتيم حق التأجير، وأعطت ناظر الوقف حق التأجير؛ لأن الشريعة... حكينا أنا ما بدي أقول عرفي، الإذن... ممكن نختار كلمة أخرى، أنه هو صاحب العين يوكلني أني أنا أجرها، فأنا هنا مأذون لي وضعيًا.
أحسنت، يعني ممكن أقول شرعي أو وضعي؛ لأنه الإذن قد يكون من الشريعة هي اللي أعطتني حق أن أؤجر وإن لم أكن مالكاً، أو صاحب العين وكلني أن أؤجرها، فلي بالتالي حق أن نؤجرها، وهنا اللي أعطاني الحق مش الشارع ابتداءً، لا؛ هنا أعطاني صاحب العين.
ثم قال: «وإجارة العين». قال: «وإجارة العين قسمان: إما إلى أمد معلوم يغلب على الظن بقاؤها فيه، الثاني لعمل معلوم كإجارة دابة لركوب أو حمل إلى موضع معين».
إذا استأجرت عن طريق ضبط المنفعة إلى متى ستكون؟ لأنه دائماً عقد الإيجار الذي يميزه عن عقد البيع أن عقد الإيجار مؤقت وعقد البيع مؤبد، هذا بالفوارق الجوهرية. فبالتالي إجارة العين لأخذ المنفعة إما أن تؤقت المنفعة بالمدة؛ أني أقول بدي السيارة أستأجرها اليوم يومين، بدي أستأجر البيت منك ليوم يومين، أستأجر هذه الماكينة منك ليوم يومين، إلى مدة معلومة. وشرط هذه المدة المعلومة أن يغلب على الظن بقاء العين فيها. يعني لو أنا استأجرت سيارة قلت له بدي أستأجر منك هذه السيارة لمدة 70 سنة، هذا العقد ما بيضبط؛ لأنه يغلب على الظن أن السيارة بعد 20 سنة رأس مالها خلص، الله يعطيها العافية، بالكثير 30 سنة. السيارات 70 سنة هي متعة في اللوفر، مش في الشوارع؛ يعني مش في سيارات موجودة عندنا في الشارع صار لها 70 سنة، السيارة 70 سنة ما بتصمد في الغالب.
فلذلك ما يصير تعمل عقد على سيارة لمدة 70 سنة. طيب أي العمارات؟ العماره كم تصمد؟ مين فيكم مقاول؟ شوف المقاولة، بس تقريباً 100 سنة. يعني مثلاً إذا العماره لـ 100 سنة، بالتالي بستأجر عماره لمدة 100 سنة، بصير واحد يستأجر عماره لمدة 400 سنة؟ قالوا لا؛ لأنه هذه في غلبة الظن العمارات لا تبقى لمثل هذه المدة. فالمدة المعلومة بدها تكون معقولة، شو يعني معقولة؟ يعني يغلب على الظن أن العين تبقى قائمة خلال هذه المدة.
وأحياناً في أشياء بطبيعتها لا تبقى أكثر من هذا، يعني من أسبوع مثلاً؛ استأجرت ورد لأضعه زينة بعدين بدي أرجعه لمحل الورد، هسا الورد كم يبقى؟ أسبوع أو أسبوعين، يعني أنا بدي أحسن أنواع الورد لما تأخذها وتحطها زينة في العرس أو ما شابه ذلك، إذا استأجرتها من واحد عنده محل ورود بجري الورود وبترجعها، بنقول الورود عمرها قصير أسبوع أو أسبوعين، فإذا استأجرت أنت ورد لمدة شهرين باطل العقد؛ لأن الورد الطبيعي مش الصناعي لا يبقى هذه المدة، فقص على ذلك، أنت طبقها على عرفك.
ثم قال: «الطريقة الثانية لعمل معلوم». إيش العمل المعلوم؟ أنه هنا أنا آخذ السيارة أو الدابة أو الماكينة، ما ضبطت مدة استعمالي بمدة زمنية، لا؛ بل بإنجاز عمل. قلت له أنا بدي آخذ هذا الهيلتي بدي أهدم فيه هذا الحائط، مفهوم إنه بس أخلص الهدم برجع لك إياه، خلص الهدم في يوم، خلص في يومين، خلص في ثلاثة، أنت ما لك تطالبني على مدة.
بعد ما أخلص العمل إنه يرجع لك. طبعاً هنا يشترط في العمل ما دمت ستضبط الموضوع بعمل، يشترط أن يكون العمل موصوفاً بدقة للمؤجر؛ حتى يعرف أنه ليس هذا العمل له سقف زمني معقول.
أنا مش معقول يعني حائط بدك تقعد لي خمسة أشهر وأنت تهدم فيه، وتقول لي أنا أخذته لعمل مش لمدة. ما هو ماشي، أنت أخذته لعمل مش لمدة، لكن في منطقية في العمل؛ أن هذا العمل بالذي وصفته، أنه بدك تهدم حائط طوله عشرة أمتار، هدمه ما بيقعد أكثر مثلاً من أسبوع. أعطيتك أسبوع، يومين، أسبوع وكذا، فأنا ماشي، أنا مش عم بعقد على مدة، بس حتى العمل له عرف في إنجازه، بدك تكون ملتزم بهذا العرف.
انتبه له؛ إذا لعمل معلوم موصوف للمؤجر، لأن هناك عرفاً في ضبط العمل، كإجارة دابة لركوب أو حمل إلى موضع معين. كان يستأجر الدابة قديماً مع صاحبها، مثل سيارة أجرة؛ أنا لما أجي على التاكسي أنا فعلياً عم بستأجر التاكسي مع السائق. لما أقول له: والله بدك توصلني، أنا مش مستأجرك ليوم أو ليومين، أنا مستأجرك لعمل.
طيب شو هو العمل؟ بتوصلني لمكان معين، فالآن هو وظيفته أنه يوصلك لهذا المكان، وإذا كنت متفق معه يوصلك ويرجعك، وظيفته أنه يوصلك ويرجعك. جلست معه القضية ست ساعات، سبع ساعات؛ هذا طبعاً رح يرجع على حسب طبيعة المكان وين هو.
فأنت لما تيجي لصاحب التاكسي، يا بتستأجره إذا كنت بدك تأخذ مثلاً لمدة، يا بتستأجر لمدة يقول بدك إياها ثلاثة أيام، فهو بعد ثلاثة أيام بيرفع إيده. أو استأجره لأيش؟ لعمل، والله بدي إياك توصلني على العقبة وترجعني فرضاً. فهنا ما عادت القضية مضبوطة بثلاثة أيام بالضبط، مضبوطة بإنجاز المهمة والانتهاء منها.
لكن لا بد أن يكون هذا العمل، إذا كان استئجارك للعين لعمل، بده يكون العمل معلوم معين، منضبط، واضح؛ حتى ما تختلف أنت وإياه بعدين. وهنا بنخاف من الاختلافات؛ أنه بيجي بيقول لك: يا أخي لسه ما خلصت، لا والله لسه ما خلصت، طيب يا أخي قد ايش بدها؟ طب ما لو كان واحد ثاني. فهنا بنيجي نقول العرف؛ هذا العمل كم يحتاج؟ فالعرف يحكمنا، بشرط طبعاً أن يكون العمل من البداية عملاً معلوماً منضبطاً.
أما الضرب الثاني فهذا نتركه للدرس القادم. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل