بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد في التعليق على كتاب أخصر المختصرات للإمام ابن بلبان الدمشقي عليه رحمة الله تعالى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتني وإياكم على طلب العلم النافع؛ فإن طلب العلم النافع اليوم جهاد.
خاصة أن مسالك التفقه الصحيحة يضعف عنها جل أهل الزمان. لما تنظر في الزمان القديم في مقدمة زاد المستقنع ولا غيرها من مصنفات الحنابلة، كل عالم يأتي ليضع مختصراً يأتي يضع في المقدمة أنه ألف هذا المختصر لما ضعفت الهمم وغلب الكسل على طلاب الزمان. وضع صاحب الزاد كتابه ليسهل على الطلاب العلم، ثم وضع أخصر المختصرات نفس الشيء؛ أخصر المختصرات لما ضعفت الهمم وتكاسل الناس وهذا أقصر المختصرات، فما بالك لما يأتي على الناس الجيل القادم من الأمة؟ ماذا سيحصل في العلم الشرعي؟ حتى تعرف كيف العلم يندرس من حياة الناس؛ العلم يندرس من حياة الأمة عندما تضعف الهمم عن طلب العلم بالشكل الصحيح.
اليوم ربما في الدورات العامة ما زال الخير قائماً، وتجد ناس تقبل عليه الوجبات السريعة، لكن من يقبل على دراسة كتاب فقهي من أوله إلى آخره، وضبطه في العبادات والمعاملات والمناكحات والجنايات ويحاول أن يحرر المذهب في هذا الكتاب، ثم يذهب إلى بعد بداية العابد والمنتهى والدليل والزاد؛ يعالج العلم بهذه المعالجة هذه نفس طويل. وهذه كلما مشى الزمان ستشعرون أنها بدأت تختفي معالم هذه الدراسة. ما حدا عنده همة؛ طبعاً اليوم الدراسات الجامعية كبر عليها أربعاً، أصلاً هي خارج التغطية تماماً عن معالجة هذه القضايا.
لكن الكلام لما أنظر حتى في همم من نحسبهم على خير، أو عندهم فهم أن هذا هو الطريق الصحيح للتعلم؛ كيف تشعر أنه يلهث؟ بعد فترة يصبح يلهث، يشعر بتراكم المسائل وتزاحمها وتعب المواصلة على هذا النوع من الدرس، تعب المواصلة على هذا النوع أنه كل شيء بدك مراجعة. يا شيخ، أنت تتكلم عن أخصر المختصرات وتتكلم فيه عن مئات المسائل؛ هذا ماذا سأفعل في ما هو أعلى منه؟ ولذلك بعض الناس ما زال غير مقتنع بقضية أن العلم الشرعي يحتاج تفرغاً، شئت أم أبيت. قضية الجمع بين تخصص الشريعة إذا بدك تتكلم كجامعات الحال كجامعات، لكن من أراد العلم بمعنى الذي يصنع فقيهاً متقناً متعمقاً هذا بده وقت وزمن ودخر من المراجعة والدراسة والمحاضرة والإعادة؛ بدون هذا كيف تجمع العلم وكيف تصبح فيه؟ فالله سبحانه وتعالى أسأله أن يصبرني وإياكم على الانشغال بما ينفعنا وينفع أمتنا، هو ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا إلى قوله: فصل في الفدية. وهذا الفصل أيها الكرام يذكره الحنابلة عادة بعد ذكرهم لمحظورات الإحرام، وللفدية الموجودة في كل محظور منها. لكن هو هذا فصل أنا أسميه هو إعادة ترتيب لموضوع الفدية الذي تكلمنا عنه في الدرس الماضي. فعادة الحنابلة يذكرون محظورات الإحرام، ثم يعودون فيذكرون على الترتيب كل محظور ماذا يوجد فيه، ثم يعودون يعقدون باباً مستقلاً اسمه فصل في الفدية؛ ليخبرك أن الفدية ما هي كمفهوم شرعي، وأنها تنقسم إلى فدية مرتبة في بعض الأحيان، وفدية مخيرة في بعض الأحيان. هذا هو الغرض من هذا الباب، مع زيادة بعض الفوائد التي لم تذكر سابقاً.
طيب، فنبدأ أولاً بتعريف الفدية. أذكر أننا عرفناه في بداية العابد، ما تعريف الفدية؟ نعم، ما يجب بسبب إحرام أو حرم. نعم، ما يجب عليك بسبب نسك أو حرم اسمه فدية. كل ما يوجبه الشرع عليك بسبب نسك، يعني أنك أخللت بنسك من المناسك، أو بسبب حرم، وسيأتي معنا أن الإنسان قد يكون حلالاً، ما هو شارع في عمرة ولا حج، لكنه يقيم داخل حدود الحرم المكي أو المدني فيرتكب مخالفات، يرتب فيها الإسلام الفدية أيضاً. فالفدية تستطيع أن تقول ما إذا أردنا أن نفسر ما يعنيه، ممكن نقول كفارة؛ ربما تكون حتى أوضح. كفارة تجب بسبب نسك أو حرم، ممكن واحد بده يقول لا، أنا بدي أعطي تعريف أوضح: كفارة تجب بسبب الإخلال بنسك أو الإخلال بقواعد الحرم، أو الإخلال بحكم من أحكام الحرم؛ لأن هو الكفارة متى تجب؟ لما يكون فيه إخلال، صح؟ فهي الفدية، الفدية هي كفارة عند الإخلال.
الحنابلة هم يقتصرون فيقولون هكذا: ما يجب بسبب نسك أو حرم. بس هذه العبارة بالنسبة للفقيه الحنبلي هو يترجمها في عقله سريعاً، فاهم ما معناها، لكن بالنسبة للطالب المبتدئ لا يحتاج أن يحلل هذه العبارة وأن يفهم أن المراد بمعنى أنها كفارة تجب بسبب الإخلال، إما إخلال بمحظور من محظورات الإحرام أو الإخلال بترك واجب أو وقوعك في إحصار أو ما شابه ذلك، بسبب من الأسباب، أو بسبب الإخلال بقواعد الحرم؛ لأن الحرم من يقيم في داخل حدود الحرم، هناك قواعد للتعامل داخل حدود الحرم، إذا أخللت بهذه القواعد يكون فيه هناك ماذا؟ نوع من الكفارة.
طيب، الآن الفدية عند الحنابلة كما درسنا في الدرس الماضي قد تكون مخيرة، أنت مخير بين مجموعة أشياء، وهذا هو الواجب المخير الذي درسناه في أصول الفقه، وقد تكون مرتبة، أن تفعل شيئاً فإن لم تستطع فالذي يليه، فإن لم تستطع فالذي يليه. نبدأ الآن بالفدية المخيره.
فقال: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين، وأنجِ إخواننا المستضعفين من المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: فصل في الفدية: يخير بفدية حلق، وتقليم، وتغطية رأس رجل، ووجه امرأة، وطيب بينه... طيب، الآن الفدية المخيره ما مواطنها؟ في فدية الحلق، تقليم، تغطية رأس الرجل ووجه المرأة بدون عذر، والطيب. كم محظور ذكرنا الآن؟ خمسة: حلق، طبعاً التغطية بنوعيها هي تعتبر واحداً، يعني تغطية رأس رجل ووجه امرأة، وطيب. هذه كم؟ أربعة، نضيف عليها: وكل ما وجب فيه بسبب الوطء أو المباشرة شاة. كل مسألة في الدرس الماضي ذكرناها وقلنا إنه يجب فيها سواء في الوطء أو في المباشرة شاة، قلنا الحنابلة إذا أطلقوا الشاة ماذا يقصدون بها؟ فدية مخيرة. فنضيف إذاً رقم خمسة: وكل وطء أو مباشرة تقرر فيها عند الحنابلة شاة، سواء في حج أو عمرة، فهذه أيضاً من الفدية المخيره.
فبالتالي أنت ترجع للدرس الماضي، وين المسائل التي وضعنا فيها الفدية المخيره بالنسبة للوطء أو المباشرة في الحج أو العمرة؟ طب ما هي هذه الفدية المخيره في هذه الخمسة؟ قال: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. وما مقدار الإطعام؟ قال: كل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط. كذلك يعني هي الأصناف الخمسة التي تذكرونها في زكاة الفطر، تمام؛ فمد يكفي، أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط. النصف صاع ذكرنا أكثر، كم مقدار النصف صاع يا مشايخ؟ إذا الصاع ألف وأربعين غراماً، إذاً نصف الصاع خمسمائة وعشرون غراماً. والمد هو نصف الصاع، خمسمائة وعشرة غرامات. أو ذبح شاة، فأنت مخير بين هذه الثلاث. هذا أول نوع من أنواع الفدية المخيره. واضحة مشايخنا؟ ما بدي أطول فيها، ما فيها شيء أكثر.
ثانياً، قال: وفي جزاء صيد بين مثله، أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاماً يجزئ في فطرته، فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً. وبين إطعام أو صيام في غير مثله.
إذاً، الفدية تنقسم إلى مخيرة وإلى مرتبة. ممتاز، الفدية المخيره نوعان: فدية أذى وجزاء صيد، هكذا بترتب المعلومة، الفدية المخيره عند الحنابلة كم نوعاً؟ نوعان، إيش هم؟ فدية الأذى وهذه في الأصناف التي حكيناها قبل قليل، الأصناف الخمسة، أو جزاء الصيد، برضه جزاء الصيد فدية مخيرة تعتبر.
طيب، الآن عرفنا فدية الأذى، نيجي على جزاء الصيد. ما هو؟ هذه تتعلق بمحظور الصيد، وعرفنا محظور الصيد في الدرس الماضي أن يصيد صيداً برياً وحشياً أصلياً إلى غير ذلك. الآن كيف تكون جزاؤه؟ الآن هناك حالتان: أن يكون هذا الصيد الذي صدته له مثل من بهيمة الأنعام، أو ليس له مثل.
الآن قال: جزاء الصيد إذا كان الصيد مثلياً، فأنت مخير بين ثلاث أشياء، وإذا كان الصيد غير مثلي فأنت مخير بين أمرين. ما معنى أن الصيد مثلي أو غير مثلي؟ أن يكون له مشابه في الخلقة من بهيمة الأنعام، هذا هو الأصل، المشابهة لها استثناء، بس هذا هو الأصل. الصيد المثلي هو الحيوان البري الوحشي الذي له مشابه في الخلقة من بهيمة الأنعام بالتحديد: إبل أو بقر أو غنم. هذا فقط المشابهة، ما عم ندخل الدجاج والصيصان ولا العصافير، بس بده يكون مشابه إما إبل أو بقر أو غنم. طبعاً الغنم بنوعيه الضأن والمعز.
والمشابهة ما تصورها بالخلقة، مش الخلقة معناه أن يكون شكل الحيوان الذي صدته بيشبه شكل الإبل أو البقر؛ لا، الحج عادة الحج. فمثلاً يقول النعامة، قضى فيها الصحابة أن مثلها جمل، لأنه النعامة كبيرة، فالمناسب في ضخامتها فيها الجمل. بخلاف مثلاً قالوا لو صاد غزالاً ففيه شاة، يعني الغزال قالوا إن الغزال حجمه بقيمة شاة؛ فبتلاقي فيه شاة. جاموس من الجواميس البرية، مقابله بقرة. تمام، هكذا هي الفكرة. فالمشابهة في الخلقة إلا في شيء واحد لم يلاحظوا المشابهة في الخلقة، وإنما لاحظوا المشابهة في طريقة الشرب، وهو الحمام، فالحمام حمام مثله مثل الشاة. تقول شيخ شو جاب الشاة للحمام؟ الحمام عصفور صغير والشاة كحيوان! قالوا هنا في الحمام لم يراعوا الشكل وإنما راعوا طريقة الشرب، قالوا: فهو يعب عبّاً الحمام إذا وقع على الماء، قالوا وكذلك طريقة الغنم في شربه للماء عب وعبّ. فلاحظوا المشابهة في ماذا؟ في طريقة شرب الماء وليس في الخلقة.
طيب إذا كان الحيوان، طبعاً هنا كيف بدي أعرف أنا أن هذا الحيوان له مثل أو لا؟ أولاً نعود إلى أقضية الصحابة. كل حيوان قضى فيه الصحابة بمثل، فإننا نعتبر فتاويهم، وهم تقريباً قضوا في عشرة من الحيوانات لسنا في صدد ذكرها بالتفصيل، قضوا في الجربوع وقضوا في الحمام وقضوا في النعامة وقضوا في البقر وقضوا في الظبي والوعل والشاء، قضوا في مجموعة من الحيوانات: هذا مثله كذا، هذا مثله كذا، هذا مثله كذا.
طبعاً هو حتى الشاة ما هو الشاة برضه أنواع، يعني فيه شاة عناق، في شاة جذعة، في شاة كذا، على حسب عمر الشاة، برضه ممكن يقول في الشاة صغيرة بتشبه حيوان صغير، الشاة عمر أكبر بتشبه حيوان أكبر وهكذا. فيعاد أولاً إلى أقضية الصحابة. إذا لم نجد قضاءً للصحابة في هذا الحيوان البري، هل له مثل أو لا؟ نعود كما أخبرنا القرآن: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95]، نعود إلى قول رجلين عدلين خبيرين ممن يشتغل في عالم الحيوانات، ونقول له: هذا الحيوان البر المتوحش الذي صدناه الصحابة ما قضت فيه، تفضل أنت لأيش بتشبهه؟ ما الذي يشبهه من الإبل والبقر والغنم؟ بحصره فقط بهذه الخيارات الثلاث، يقول لي والله هذا بيشبه عمرها مثلاً خمس أشهر، هذا بيشبه شاة عمرها سنة، وهذا وهكذا بناءً على خبرته.
طيب إذا قال هذا الحيوان ما بيشبه شيء، حاول يشوف ما قال ليس له شيء يشبهه، فعندئذ سيتحول إلى أن نقول هذا والله الصيد غير مثلي. هذا صيد غير مثلي، وعادة كما يقول الشيخ الغيمي، هي الحيوان الصيد الغير مثلي أكثر ما يمثلون عليه بالطيور غير الحمام، الطيور؛ الآن الحمام خلص قضى فيه الصحابة شاة، أي طير صدته غير الحمام هذا في العادة ما بيكون له مثل من الإبل والبقر والغنم، فيتم تصنيفه على أنه ماذا؟ غير مثلي، زي الحبارى ولا غيرها من هذه الطيور التي تؤكل بس تصنيفها أنها مش حمام، فهذه في العادة بتكون غير مثل.
نيجي على الحالة الأولى: إذا كان مثلي، مثلاً زي النعامة، أنا صدت نعامة لها مثل وهو الناقة بشهادة الصحابة، الصحابة قضوا فيه. فهنا أنا مخير بين ثلاث أشياء: إما أن أذبح المثل، أو أقوم بتقويم هذا المثل وهو الناقة في السوق، طلعت الناقة خمسة آلاف دينار أردني، أقوم بشراء طعام لأوزعه على المساكين بهذا المبلغ، وأقوم بتجزئة هذا الطعام إلى نفس الشيء؛ يا مد بر يا أنصاف صيعان، لأطعم مساكين لهذا الطعام. فإن لم، ها فإن لم، اختر هذا الخيار، واحد قال لك يا شيخ أنا لا معي مصاري أشتري ناقة -طبعاً هو مش ضروري أنه يكون هيك، بس هي على التخيل بس هيك- فرضا الواحد بقول لك أنا هسا بروح أدفع لي خمسة آلاف أجيب ناقة، وين ما حوش له مصاريه للشغلة بده يشتري سيارة فيها، قال لك أنا روح اشتري خمسة آلاف ناقة أو حتى أروح أطعمي فيها بخسر. شو في عندكم حل ثالث يا مشايخ؟ آه موجود الحل، بدك تصوم، بدك تصوم مكان إطعام كل مسكين يوماً. والظاهر طبعاً هذا لم أجد فيه حقيقة، وتحتاج تحرير المسألة، لكن الذي يظهر أن الحسبة باعتبار نصف الصاع مش بالمد، يعني هذا هو الأصل في.
الإطعام، لأنه إذا أردت أن تحسبها بالإمداد يطلع الضعف صيامًا، لكن إذا أردت أن تحسبها بأنصاف الصواع، فاحسبها على أنصاف الصواع. ممتاز، كم نصف صاع تطعم؟ لو أردت أن أشتري نصف صاع شعير لأطعم به مثلاً؛ 50 أو 60 أو 70 أو 80. فنقول لك: إذا ثبت أنك ستطعم بأنصاف الصواع 80 مسكينًا، فعليك أن تصوم مكان الطعام كل مسكين يومًا، أي تصوم 80 يومًا. وإذا ثبت أنها تطعم 1000 مسكين، تصوم 1000 يوم، وإذا كانت تطعم 500 مسكين، تصوم 500 يوم، وهكذا. فأنت مخير بين هذه النقاط الثلاث.
الحالة الثانية: إذا كان غير مثلي، هنا لا يوجد مثل من بهيمة الأنعام، فماذا سنفعل؟ سنقوم بتقييم نفس الحيوان الذي صاده. وهنا في الحالة الأولى أرجو الانتباه، قد يأتي سؤال: إذا كان مثلي واخترت الإطعام، هل يتم تقييم الحيوان المصيد في السوق أم مثله؟ الجواب: مثله، الذي هو إبل أو بقر أو غنم. أما في حال كان غير مثلي، فإن عملية الإطعام سيتم التقييم فيها لنفس الحيوان الذي صاده، مثلاً كان طيرًا من الطيور؛ نأتي ونقيم هذا الطير كم يساوي، وبناءً على قيمته السوقية تشتري طعامًا تطعم به مساكين مدًا أو نصف صاع، إما أن تطعم وإما أن تصوم مكان إطعام كل مسكين يومًا.
يُسأل: يا شيخ، هل يجوز عند الحنابلة للشخص أن يجمع بين الصيام والإطعام؟ يعني إذا طلع عليه إطعام 500 نصف صاع، أي يطعم 500 مسكين، فهل يمكنه أن يقول: أنا معي مال، ما رأيك أن أصوم 250 يومًا وأطعم 250؟ هل أجزئها؟ لا، عند الحنابلة لا يمكن التجزئة. لا يمكن أن تصوم بعضًا وتطعم بعضًا، فبعض الناس يقول: أخفف على حالي، أطعم قليلًا وأصوم قليلًا، كأن يكون عليه طعام 80 مسكينًا فيطعم 40 ويصوم 40. التجزئة غير مقبولة عندنا في المذهب؛ يا تصوم كل شيء، يا تطعم كل شيء، واضح؟
قال: «وإن لم يجد متَّع أو قارن». الآن سننتقل بعد أن انتهينا من الفدية المخير، من هنا سينتقل إلى الفدية المرتبة. الفدية المرتبة، أول سبب لها ما هو أيها الكرام؟ دم المتَّمِتِّع والقارن، نحن قلنا إن المتَّمِتِّع والقارن عليه هدي، بشرط -وهي شروط تصل إلى ستة- لكن الشرط الأساسي: إذا كان محرمًا، فيجب أن يبتعد عن حرم مكة مسافة القصر فصاعدًا. فإذا كان شخصًا محرمًا حج متمتعًا أو قارنًا، فإنه عليه هدي.
طيب، إذا لم يجد مالًا للهدي؟ إذا لم يوجد مال للهدي، فإن عليه حلًا بديلًا وهو الكفارة أو الفدية. ما هي هذه الفدية؟ قال: «صام ثلاثة أيام في الحج، والسبعة إذا رجع إلى أهله». إذا لم يجد المتمتع أو القارن المحرم ما يشتري به الهدي، فإنه يذهب للبديل. ما هو البديل؟ صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
متى يحق له أن يبدأ بصيامها؟ قالوا: بعد أن يحرم بالعمرة إذا كان متمتعًا. ومن حيث الإحرام، إذا كان قارنًا -والقارن نحن مر معنا أنه لا عمرة له بل يعمل الحج والعمرة معًا- فقالوا بالنسبة للقارن: من لما أحرم من الميقات، وهو يعلم من نفسه أنه لا يجد الهدي، فإنه يستطيع أن يصوم الثلاثة أيام. وبالنسبة للمتمتع، إذا أحرم بالعمرة من الميقات يستطيع أن يبدأ بصيام الثلاثة أيام. إذن يبدأ وقتها من حيث الإحرام للقارن، وإحرام العمرة للمتمتع.
لكن هنا نحتاج أن نحرر مسألة: هل يشترط أن يكون هذا الإحرام داخل أشهر الحج؟ لأننا عرفنا أن الإحرام قبل أشهر الحج جائز ولكنه مكروه. فيبقى عندي تحرير هذا القيد؛ لأنهم يقولون بشكل عام يبدأ وقتها من حيث الإحرام للقارن وإحرام العمرة للمتمتع، لكن هل هذا يقيد بأن يكون الإحرام في داخل أشهر الحج؟ الأصل أن هذا للحج، فالأصل أن يكون في داخل أشهره، وتبقى هذه مسألة تحتاج إلى تحرير.
والأفضل في هذه الأيام الثلاثة التي تريد أن تصومها، أن تكون هي السابع من ذي الحجة، والثامن، والتاسع من ذي الحجة؛ هذا هو الأكمل المستحب. فإن لم تصم حتى جاء يوم عرفة ودخل وانتهى وجاء يوم العيد، فمتى تصومها؟ تصوم أيام التشريق، وهذا استثناء للحاج من الأصل؛ لأن أيام التشريق يحرم صيامها، إلا أنهم قالوا للحاج: إذا لم يصم الأيام الثلاثة التي عليه، فإنه يجب أن يصوم أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر.
بعد ما يصوم أيام التشريق، يبقى عليه كم يا مشايخ؟ سبعة أيام يصومها إذا رجع إلى أهله. وبمجرد أن ينهي -باختصار ما معنى الرجوع هنا؟ الانتهاء من مناسك الحج- يعني ليس ضروريًا أن يصوم في بلده، بل بمجرد ما انتهى من المناسك وانتهى موسم الحج، حتى لو كان في الطريق، فبمجرد أن أنهيت مناسك الحج وانتهى اليوم الثالث عشر، تعتبر أنك أنهيت المناسك، بالتالي تستطيع أن تبدأ صيام السبعة.
إذن هذه أول فدية مرتبة، وهي فدية من لم يجد الهدي، وأكتب: صيام عشرة أيام. ولماذا هي فدية مرتبة؟ لأن الترتيب هنا هو أن عليك هديًا، فإن لم تجد فصيام عشرة أيام؛ أنت لست مخيرًا بين الهدي أو الصيام، بل أنت ملزم بالهدي، فإن لم تجد فصيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
قال: «والمحصر إذا لم يجده». النوع الثاني من الفدية المرتبة هو المحصر. وذكرنا هذا في البداية؛ المحصر هو الذي مُنع من الوصول إلى مكة، والمراد هنا من مُنع من الوصول إلى مكة كما حصل مع النبي ﷺ.
عليه الصلاة والسلام. في صلح الحديبية؛ إنسان أحرم بعمرة أو حج ومنع من الوصول إلى مكة، فهذا كيف سيتحلل؟ هذا مر معنا أنه إذا كان اشترط، فما عليه حاجة، يتحلل بغير ملابسه ويروح ما عنده مشكلة. لكن إذا ما كان اشترط وقال: «إن محلي حيث حبستني»، فهذا لا يستطيع أن يتحلل حتى يذبح هدياً، فإن لم يجد هدياً فصيام عشرة أيام، بس هون طبعاً ما فيها تفصيل: ثلاثة في الحج وسبعة، هو أصلاً ما وصل الحج، ففيها تفصيل ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.
إذاً أقول: المحصر والمراد الذي لم يستطع الوصول إلى مكة، لأن الإحصار أنواع؛ ليس هذا المحصار أنواع، الكلام عن المحصر الذي لم يستطع الوصول إلى مكة بسبب حصر العدو، وليس بسبب حصر المرض. المحصر الذي لم يستطع الوصول إلى مكة بسبب حصر العدو، طبعاً هنا العدو كلمة عامة، ممكن تشمل حتى مثلاً سلطات أمنية، أي جهة هي التي منعتك أن تصل، مش ضروري كلمة العدو تحملها أنت على أخص معانٍ، يعني في هناك شخص منعك بغض النظر حق أو باطل، لسه مش وقتك. ففي هذه الحالة أيضاً عليك هدي حتى تتحلل، فإن لم تجد هدياً فصيام عشرة أيام، ثم بعد صيام العشرة أيام يستطيع أن يتحلل، صام عشرة أيام ثم تحلل.
هذا النوع الثاني من الفدية المرتبة، الآن بقي نوعان من الفدية المرتبة هو لم يذكرهما هنا. الثالث اكتبه عندك: إذا ترك واجباً من واجبات الحج، لا، سياتي معنا الحج له أركان وله واجبات، واجباته مثل المبيت بمزدلفة، المبيت بمنى، رمي الجمار، فمن ترك واجباً من واجبات الحج عليه هدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.
رابعاً من الفدية المرتبة أيضاً: كل ما أوجب بدنة بالوطء أو الإنزال. الآن بدك تراجع الدرس الماضي، كل حالة قلنا فيها البدنة، البدنة فدية مرتبة، إذا لم تجدها بدك تصوم عشرة أيام، بخلاف الشاة؛ كل شيء كان يتعلق بالجماع أو المباشرة، كان في شيء كنا نقول فدية أذى فدية مخيرة، وكل شيء في الوطء أو المباشرة فيه بدنة فدية مرتبة، هكذا القاعدة حطوها، كيف هي القاعدة؟ وهذا بخليك ترتب أفكارك؛ كل ما يتعلق بالجماع أو المباشرة قلنا أن فيه بدنة، يعني ناقة، فهذا فيه فدية مرتبة، إذا لم تجد الناقة بتصوم عشرة أيام، وكل شيء قلنا في الجماع أو المباشرة فيه شاة، هذا فدية أذى أصلاً هي من البداية فدية مخيرة كما أخذنا في المجلس الماضي. فهذه أربعة من الفدى المرتبة: الهدي للمتمتع والقارن الأفقي فإن لم يجد يصم عشرة أيام، هذه كلها نفس الفكرة، يعني كلها هدي فإن لم يجد يصم عشرة أيام، إلا الجماع فإنه مش هدي لا نقول بدنة فإن لم يجد يصم عشرة أيام. إذاً: هدي المتمتع والقارن، المحصر بعدو عن مكة، من ترك واجباً، ورابعاً وأخيراً كل جماع أو مباشرة أوجب بدنة.
ثم قال: وتسقط بنسيان في لبس وطيب وتغطية رأس، وكل هدي. قاعدة: النسيان والإكراه والجهل وين يؤثر؟ فيما لم يسبب تلفاً، أحسنت. الآن النسيان وباقي الأعذار الأخرى تؤثر في كل ما لا يعتبر إتلافاً، قال في كل ما لا يعتبر إتلافاً: قالوا اللبس، أي الطيب وتغطية الرأس بالنسبة للرجل وتغطية الوجه بالنسبة للمرأة، طبعاً يعني لبس المخيط، لبس المخيط طبعاً لبس المخيط عادةً تستهدف فيها الرجل وتستهدف فيها المرأة بالنسبة للنقاب والقفازين؛ لبس المخيط، والطيب، وتغطية رأس رجل ووجه امرأة. وأما باقي الكفارات فإنها تعتبر من قبيل ماذا؟ الإتلاف. الكفارات تعتبر الباقي من قبيل الإتلاف؛ فالحلق إتلاف، تقليم الأظفار إتلاف، الصيد إتلاف. إيش عندنا كمان؟ الجماع والمباشرة تأخذ حكم الإتلاف عندهم، الجماع والمباشرة تأخذ حكم الإتلاف، فلا يعذر فيها بالنسيان ولا بالإكراه أو ما شابه ذلك، الأعذار إنما تعذر فيها في كل ما ليس إتلافاً، والذي ليس بإتلاف هو هذا، اللي هي احفظها: لبس المخيط، الطيب، تغطية الرأس، باقي الأمور لا يعذر فيها بالأعذار النسيان والإكراه وما شابه. قال مالك: أحسنت، يعني تأخذ حكم الضمان، كأنك بدك تضمن، فحتى لو يعني كيف واحد أتلف شيئاً لشخص بالغلط، أنا ضربت سيارتك بالخطأ بدي أضمن، حتى لو كنت مش آثم نفس الشيء، هذه الإتلافات يعني زي هي حكم وضعي، أنه من أتلف شيئاً فعليه الضمان، هذا حكم وضعي لا يعذر فيه بالنسيان والإكراه والجهل وما شابه.
ثم قال: وكل هدي أو إطعام فلمساكين الحرم، إلا فدية أذى ولبس ونحوهما فحيث وجد سببها ويجزئ الصوم. طيب الآن كل فدية سواء مخيرة ولا مرتبة، قلنا أن عليك فيها هدياً، فالأصل أنه يكون وين؟ لمساكين الحرم، الأصل هذا الهدي مش تذبحه ببلدك ولا في الطريق، الأصل أن يكون أين يذبح ويطعم، أو على لمساكين الحرم، فقال كل شيء أنت اخترت فيه سواء في الفدية المخيره أنت اخترت فيه الذبح، أو في الفدية المرتبة كنت ملزم فيه في الذبح، فأنت ملزم أن يكون لمساكين الحرم، يعني بدك تطعم مساكين الحرم، ما بتطعمي في أهل بلدك أو بتوزعه على المناطق اللي حوالين مكة أو في الطريق، بده يكون لمساكين الحرم. أي فدية أذى مش أنت مخير فيها بين ثلاث أشياء، إذا اخترت الذبح بدك تطعم مساكين الحرم، أي نفس الشيء جزاء الصيد إذا كان مثلي واخترت فيه الذبح بده يكون لمساكين الحرم، وقس عليها باقي الأمور هدية التمتع والقران، المحصر.
الآن متى لا يلزمك كذلك الإطعام؟ الهدية قلنا والإطعام، أي إطعام نفس في فدية الأذى إطعام ست مساكين بدك تطعمي مين مساكين الحرم، في جزاء الصيد اخترت أنت الخيار الآخر وهو الإطعام بدك تطعمي مين مساكين الحرم، فأي خيار في هدي أو إطعام بده يكون المستهدف فيه من مساكين الحرم، من هم مساكين الحرم؟ كل شخص فقير أو مسكين مقيم في داخل الحرم، سواء من أهل مكة أو من زوارها. بعض الناس بفكر مساكين الحرم المواطنين الأصليين، بده يروح يلا اثبت لي أنك مواطن أصلي، لا ليس هكذا، كل من يقيم في مكة، حتى قالوا لو كان حاج يعني حاج مسكين جاي من دولة فقيرة وقاعد في الحرم، هذا يعتبر من مساكين الحرم، فمساكين الحرم كل من كان موجوداً في مكة من الفقراء والمساكين، فكلمة المسكين هنا تشمل الفقير في باب الزكاة.
إلا قال معي قال: إلا فدية أذى ولبس ونحوهما، طبعاً هنا هذا عطف خاص على عام؛ لأن فدية لبس المخيط هي فدية أذى، فالأصل كان يعني إما أن يفصلها كلها أو عطف الخاص على العام شوي يربك في المتهدوء صراحة، عطف الخاص على العام يربكك إنه بوهمك إنه هو إنه فدية أذى ولبس، أنت مفكر طيب شو الفرق بين فدية الأذى وفدية اللبس؟ ما هي فدية اللبس فدية أذى، فهذا عطف خاص على عام. فعموماً نقول أي محظور من المحظورات ارتكبته، فأنت مخير بين أن يكون الهدي أو الإطعام في المكان اللي ارتكبت فيه المحظور، ولو كان من عمان يعني أنا أحرمت في عمان، بصير نحرم قبل الميقات بس مكروه، صح اعتبرني أحرمت في عمان ولما أحرمت في عمان ارتكبت محظورات حلقت شعري وكذا، بصير يكون الهدي أو الإطعام هنا في عمان؟ نعم، قالوا إذا كان الهدي أو الإطعام بسبب محظور من المحظورات، مش بسبب دم تمتع أو قران أو ترك واجب أو إحصار؛ الإحصار خليه الآن، نتكلم عن محظور، إذا كان سبب الهدي أو الإطعام محظوراً من المحظورات أنت فعلته، فأنت مخير بين أن يكون الهدي أو الإطعام في المكان اللي فعلت فيه المحظور في عمان، في الطريق، في مكة، ويجوز أن يكون في مكة، ممتاز. إلا محظور واحد بيزبط بده يكون في مكة الهدية أو الإطعام، ما هو هذا المحظور؟ صيد.
كذلك الإحصار، الإحصار إذا الإنسان محصر إذا استطاع أن يوصل الهدي إلى مكة يوصل، إذا لم يستطع المحصر أن يوصل الهدي إلى مكة كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فإنه يكفيه أن يخرجه أن يذبح الهدي في مكانه الذي وقع فيه الإحصار ويتحلل ويوزع، فالإحصار لمن لا يستطيع إيصال الهدي إلى مكة.
والمحظورات لا يلزمك أن توصلها إلى مكة إلا طبعاً محظور واحد قلنا يلزم أن يكون في مكة هو الصيد، أما باقي الأمور الأخرى وهو الهدي لترك واجب، هدي التمتع والقران هذه لا تكون إلا لأهل مكة، صحيح، وهذه من الفدى المرتبة. طبعاً يبقى عندي تحرير لمسألة الجماع، الجماع اللي فيه بدنة خصوصاً يعني لم أجد نصاً واضحاً هل الجماع والمباشرة بكل صورها تأخذ حكم باقي المحظورات؟ يعني هل هي تأخذ حكم باقي المحظورات بمعنى أنها يجوز أن تخرجها في المكان الذي حصل فيه الجماع والمباشرة، ويجوز أن تبعثها إلى مكة، أم دائماً يجب تصل إلى مكة؟ ظاهر الكلام وعمومه أن هذا من المحظورات، والأصل أنه يحق لك أن تفعله في المكان الذي وجد فيه المحظور، ولك أن توصله إلى مكة، لكن يحتاج إلى تنصيص أوضح، أقول هذه اكتبها تحتاج إلى تحرير، هل الجماع، لأنه الجماع والمباشرة شو مشكلته خاصة إذا كان بدنة، خاصة إذا كان بدنة له تعاملات خاصة، له تعاملات خاصة بعض المسائل أنا أثيرها في ذهنك حتى تكون مجالاً للبحث العلمي؛ لأنه لا ليس من السهل، يعني إلا أن تبحث في بطون بطون الكتب حتى تصل فيها إلى قرار ماذا يعتقد الحنابله بالنسبة للجماع، أم هو داخل تحت عموم قولهم المحظورات.
كمل، أما الصيام، أما في الفدية المرتبة أو المخيره إذا اخترت الصيام، فالصيام في أي مكان، الصيام في أي مكان، إلا صيام هدي التمتع والقران فإن هناك ثلاثة أيام أنت ملزم فيها أن تكون وين في الحج. واضح؟ إذا قال: ويجزئ الصوم بكل مكان، هذا كقاعدة عامة، اكتب باستثناء هدي التمتع والقران؛ فإن هناك ثلاثة أيام أنت ملزم فيها أن تكون خلال موسم الحج، مش ضروري أقول في مكة، ممكن نحن قلنا القارن، القارن متى يبدأ الصيام ثلاثة أيام؟ من لما أحرم من الميقات، وهذا مش ضروري يكون في مكة، ممكن أكون لسه ضايل يومين لمكة، خاصة قديماً أنت بجوز وسائل النقل الحديثة بتوصلك سريعا بس قديماً ممكن بدك من ميقات المدينة لحتى يوصل مكة كان الزمن القديم بدك شهرين، لا مش شهرين يعني بدك ثلاث أربعة أيام مشوار يعني، فبالتالي نحن ما بنقول بمكة لكن أنت ملزم فيها أن تكون صيام خلال عمل يعني خلال إحرامك، وبالتالي أنت ملزم بفترة معينة لإنجاز هذا الصيام، أما باقي أنواع الصيام في الكفارات تستطيع أن تفعلها في أي مكان في أي يعني بقعة تكون فيها.
قال: والدم شاة أو سبع بدنة أو بقرة. طيب الآن في أي فدية، سواء فدية مخيرة ولا فدية مرتبة، كان المطلوب منك شاة، فأنت بإمكانك تذبح شاة وبإمكانك أن تذبح بالمشاركة تكون لك سبع بدنة أو سبع بقرة تمام. في أي فدية كان المطلوب شو؟ مثلاً فدية الأذى شو فدية الأذى فيها ثلاث أيام تعب أو ست مساكين وذبح شاة، بتقدر تذبح شاة، وسن الشاة هنا هو سن الشاة في الأضحية، إذا كان من المعز بده يكون ثني وإذا كان من الضأن بده يكون جذع، وبإمكاني أن يكون لي سبع بدنة أو سبع بقرة شارك فيها مع أناس مثلاً. نفس الشيء في جزاء الصيد إذا كان المطلوب علي في جزاء الصيد شاة زي الغزال فيه شاة، بإمكاني شاة وبإمكاني جزء بدنة أو سبع بدنة أو سبع بقرة. أما إذا كان المطلوب بدنة أو بقرة، فهنا تأتي ما الذي يجزي عن البدنة أو البقرة، سبع شياه. البدنة يعادلها سبع شياه في الفقه الإسلامي تمام. البدنة يعادلها سبع شياه، إذا فيقول إذا كان الواجب عليك شاة فإما أن تذبح شاة وإما أن تشارك بسبع بدنة أو سبع بقرة. البقرة والناقة هنا تعتبر شيء واحد، كلها سبع. أما إذا كان العكس عليك بدنة فالبدنة ماذا يجزئها مقابل سبع شياه.
قال: ويرجع في جزاء صيد إلى ما قضت فيه الصحابة وفيما لم تقض فيه إلى قول عدلين خبيرين، وما لا مثل له تجب قيمته في قيمته مكانه، يتم تقييمه في المكان الذي ذبح فيه، تمام أو عفواً صيد فيه يعني. الآن نحن ذكرتها بس من باب المراجعة السريعة قبل قليل، أنه أنا الصيد ما هو المثلي، ما له مثل من بهيمة الأنعام، من الذي طيب كيف بدي أعرف له مثل ولا لا؟ قضية الصحابة، والصحابة قضوا تقريباً في عشر حيوانات زي ما حكينا، فإن لم توجد أقضية الصحابة في الحيوان أذهب إلى قول عدلين خبيرين ذهبنا.
إلى عدلين خبيرين قالوا: هذا الحيوان ما له مثل، فسنذهب إلى تقييم الحيوان المصيد في مكان صيده. ليش في مكان صيده؟ الآن أنا ممكن أصيد طائر الحبارى، ويكون هذا الطائر مكان صيده فرداً، فأين اصطدته أنت؟ على حدود العقبة مع السعودية، قيمته هناك تختلف عن قيمته لو صدته مثلاً في المدينة، أو صدته في الأردن، أو صدته في أي مكان. فأنا بدي أقيم الحيوان في المكان الذي اصطدته فيه؛ لأن قيمة الحيوان المصيد تختلف باختلاف المنطقة التي يوجد فيها، فتجب قيمته مكانه، أي يجب أن تقيمه في المكان الذي تم اصطياده فيه لأن القيم تختلف باختلاف الأماكن.
قال: وحرم مطلقاً صيد حرم مكة، ومعنى مطلقاً أي سواء كنت محلاً أو محرماً. الآن بعد أن انتهى من الفدية التي تجب بسبب النسك، سينتقل إلى الفدية التي تجب بسبب الحرم. قلنا أي إنسان يقيم داخل حدود الحرم المكي أو المدني هناك قواعد يجب أن يلتزم بها. الإقامة داخل حدود الحرم المكي أو المدني لها قواعد؛ إذا أنت أخللت بهذه القواعد بالنسبة للحرم المكي في فدية، وبالنسبة للحرم المدني ما في فدية بس بتكون إثماً إذا كنت متقصداً لذلك. فهذا فرق بين الحرم المكي والحرم المدني؛ أن الحرم المكي الإخلال بقواعده فيه فدية، والحرم المدني الإخلال بقواعده فيه إثم لكن لا يوجد فيه فدية.
نبدأ الآن في الحرم المكي، قال: وحرم مطلقاً صيد حرم مكة، وقطع شجرة وحشيشة إلا الأذخر. الأذخر هي نبتة كانت تنبت برياً، هي عفواً نبتة تنبت برياً مش يزرعون؛ لأنه لو يزرعون ما في مشكلة، لكن هي نبتة كانت برية تنبت هناك ويستعملونها في قبورهم وبيوتهم تعطي رائحة جيدة في القبور وفي البيوت، فاستثناها النبي ﷺ لهم ترخيصاً، يعني هذه خاصة لا يقاس عليها غيرها. استثناها لما قام العباس فقال: إلا الأذخر يا رسول الله، قال له: «إلا الأذخر»، فهي ليست مكاناً للقياس، بل هي أقرب أن تكون استثناءً تعبدياً كما يقولون.
فالآن يحرم في الحرم المكي، ما هي القواعد التي يجب الالتزام بها؟ يحرم الصيد، وطبعاً الصيد هنا بالمعنى الذي ذكرناه في المحظورات: إمساكه، قتله، الإعانة عليه، وكل ما دل على ذلك. وكذلك يحرم الصيد وقطع الشجر والحشيش؛ والمراد الشجر والحشيش البري الذي أنبته الله بدون سبب بشري، أما الشجر والحشيش الذي تزرعه فلا مشكلة أن تقطعه وتتعامل معه. الكلام عن الشجر والحشيش البري، وكذلك قالوا: والمراد الحشيش الأخضر، وأما الحشيش اليابس الذي خلص ما في فائدة منه، أو أغصان الأشجار اليابسة المتهالكة، فهذه أيضاً لا فدية فيها أو لا إشكال فيها، وإنما الكلام عن الشجر الذي فيه مروة والحشيش الأخضر الذي فيه مروة، فهذا إذا كان برياً لا يجوز لك أن تتعرض له إلا الأذخر.
وفيه الجزاء، ما هو الجزاء؟ إذا كانت كبيرة عرفاً ففيها بقرة، وإذا كانت متوسطة ففيها بقرة، وإذا كانت صغيرة ففيها شاة، وإذا كانت شجرة صغيرة التي قطعتها ففيها شاة، وإذا كان حشيشاً أو أوراقاً ففيها القيمة. هي نفس الفكرة؛ إذا كانت شجرة كبيرة أو متوسطة ففيها بقرة، وأنت مخير بين البقرة أو إطعام بقيمتها مساكين أو تصوم. وإذا كانت شجرة صغيرة فعليك شاة أو أن تطعم بقيمتها أو تصوم، وإذا كانت أوراقاً أو أغصان أو حشائش فإن عليك قيمتها أو الإطعام، وهو يعتبر غير مثلي ففيها إما قيمتها أو إطعام مكان قيمتها. وطبعاً من الذي يقيم هل هي شجرة كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ الخبراء، يرجع فيها إلى قول الخبراء.
وقال: وصيد حرم المدينة وقطع شجرة وحشيشة لغير حاجة علف وكتب ونحوهما ولا جزاء. يحرم أيضاً صيد حرم المدينة ويحرم أيضاً قطع شجرة وحشيشة، نفس الشيء: الحشيش والشجر البري، لكن المدينة فيها توسع قليلاً عن مكة؛ ففي مكة لا يجوز قطع الشجر والحشيش لأي حاجة، أما المدينة فالاصل العام يحرم قطع الشجر والحشيش إلا لحاجة معتبرة مثل علف أو قتب ونحوهما. القتب هذا شيء كان يوضع على السنام مثل السرج للحصان، القتب للناقة، كانوا يصنعونه من جذوع الأشجار أو من أغصانها، فالإسلام رخص لأهل حرم المدينة أن يستعملوا الأشجار والحشائش لحاجة، أما بدون حاجة فهو حرام. وشخص بدون حاجة قطع شجرة أو حشيشة، هل عليه جزاء في الحرم المدني؟ قالوا: لا. وهكذا نكون انتهينا من الفدية سواء للنسك أو الفدية التي بسبب الحرم، مع التنبيه أن هذا للحرم المدني فقط، أما المكي فالاختلاف فيه، حيث لا يعتبر فيه إلا الضرورة القصوى.
نأتي الآن لنبدأ رحلة الحج والعمرة، قال: باب دخول مكة، يسن نهاراً من أعلاها، والمسجد من باب بني شيبة. يسن للحاج والمعتمر أن يدخل مكة نهاراً وليس ليلاً، وهي سنة. ومن أعلاها من المنطقة العلوية، وطبعاً اليوم أعلاها تسمى "كداء" قديماً، فيسن أن تدخل منها، ويسن أن تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة، وهذا الباب اليوم أيضاً غير موجود. قديماً كان الذي يدخل مكة من أعلاها يرى مباشرة ما حول الكعبة وما شابها، ما كان في عمران طويل يخفي الكعبة وراءه، فمن بعد مسافة قصيرة تجد الكعبة أمامك، لكن اليوم العمران والتوسع هو الذي جعل الكعبة تكون مخفية خلف البناء. المهم أن يدخل المسجد من باب بني شيبة إذا استطعت اليوم معرفة هذا الباب إذا لم تختلف معالمه وأحواله.
قال: فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد. الآن أنا وصلت مكة بحمد الله بسلام، دخلتها نهاراً ومن أعلاها من كداء، ودخلت المسجد من باب بني شيبة، فأول ما تقع عينك على البيت ترفع يديك وتقول ما ورد. طبعاً الأدعية كثيرة يذكرها الحنابلة مثل: «اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من زاره ممن شرفه تكريماً وتشريفاً ومهابة» إلى آخر ما يذكرونه. بعد أن ترفع يديك وتقول ما ورد، الآن ستقترب من الكعبة. نحن الآن نتكلم عن رحلة الحج، فإذا كنت متمتعاً ستطوف طواف عمرة.
طواف عمرة، وإذا كنت قارنا أو مفردا ستطوف، لكن ما طوافك؟ طواف القدوم أو طواف العمرة. طواف العمرة ركن، لكن طواف القدوم للقارن والمفرد سنة، يعني القارن والمفرد يقدر يدخل مكة وما يطوف طواف القدوم. طواف القدوم هو مجرد زي تحية المسجد، إذا حبيت تطوف تطوفه، وإذا ما حبيت ضيعت السنة على نفسك.
لاحظ ماذا يقوم به المعتمر، ثم يطوف، مطبعًا للعمرة، وللقدوم غيره. الظاهر أن الإطباع هذا للأفاقي. ما هو الإطباع؟ الإطباع أن الرجل يكشف كتفه الأيمن، وهذا هو الإطباع مع الرمل الذي سيأتي معنا، وهو أنك تركض الأشواط الثلاثة الأولى؛ تسميه ركضًا ولكنه أخف من الركض، وهو أن يهرول الأشواط الثلاثة الأولى. هاتان السنتان هما للأفاقيين.
الأفاقيون -كما حكينا- مسافة القصر فصاعده؛ لذلك يمكن أن أسألك: اذكر ما هي الأمور التي تكون فقط للأفاقيين في الحج؟ ستقول لي: التمتع والقرآن، والهدية تبع التمتع والقرآن، والإطباع، والرمل. جيد، دائماً يجمع القواعد، الأشياء التي هي فقط خاصة بالأفاقيين. لعلنا نذكر أيضاً بعض الشغلات، فالجمع والقصر في عرفة ومزدلفة أيضاً خاص بالأفاقيين.
عموماً، إذا وصلنا مكة ووصلنا الكعبة، إذا كنت متمتعاً ستطوف للعمرة. قال: «وللقدوم غيره»، ومن هو غيره؟ القارن والمفرد. وسواء طفت للقدوم أو طفت للعمرة بغض النظر عن السنة، إذا كنت أفاقياً فإنك تطبع وترمل بغض النظر عن نوع طوافك، وهذا هو الطواف الوحيد في الحج الذي فيه رمل وإطباع، كل طوافات الحج الأخرى التي ستأتي؛ طواف الإفاضة وطواف الوداع، ما فيها رمل ولا إطباع. الرمل والإطباع فقط في الطواف الأول، سواء كان طواف قدوم أو طواف عمرة.
قال: «ويستلم الحجر الأسود ويقبله، فإن شق أشار إليه». وصلنا الآن إلى طريقة التعامل مع الحجر الأسود؛ السنة أن تستلم الحجر الأسود وتقبله، فإن كان هناك زحام فالحل البديل هو أن تلمس بيدك من بعيد وتقبل يدك ما استطعت بسبب الزحام. الحل الثالث بمحجن، كما كان النبي ﷺ يمد عصاً، لا مظلة ولا شيء، تستلم الحجر الأسود بها وتقبل العصا ما استطعت حتى هذا بسبب شدة الزحام، قال: «يشير من بعيد»، ولا يقبل هنا، فالتقبيل هنا غير مشروع كما يفعل بعض الناس، هذا ليس مشروعاً، فقط إشارة من بعيد.
طيب، الآن لما تطوف حول الكعبة، هل تطوف مع عقارب الساعة أم عكس عقارب الساعة؟ تطوف عكس عقارب الساعة، تجعل الكعبة عن يسارك وتطوف. يقول الشيخ أحمد القعيمي: ظاهر المذهب لما قالوا «ويستقبل الحجر»، ظاهر المذهب أنه في أول شوط يجب الاستقبال وليس المحاذاة فقط. يعني هل يكفي أن أكون على محاذاة الحجر الأسود وأشير هكذا وأمشي، أم يجب الاستقبال للحجر الأسود؟ يقول الشيخ أحمد: الظاهر من المذهب وجوب الاستقبال في الشوط الأول، وسنيته الاستقبال في الأشواط الأخرى. يعني أول شوط يجب أن يحصل الاستقبال؛ كيف تستقبل القبلة؟ يجب أن تستقبلها، فمعنى المحاذاة هنا ليس المحاذاة بالجنب، لا، المحاذاة في الشوط الأول وجوباً تكون استقبالاً، وأما باقي الأشواط فيكفي فيها المحاذاة بطرفك.
قال: «ويرمل الأفاقي في هذا الطواف». ما هو الذي ورد في الشوط الأول لما تستقبل وجوباً؟ تقول: «بسم الله، والله أكبر». وفي الأشواط الثانية لا تقول «بسم الله»، ففي بداية الأعمال مثل الوضوء أنت تسبّح أوله وتقول «بسم الله»، وأما باقي الأشواط فتقتصر على المستحب أن تقول: «الله أكبر». طبعاً قول «بسم الله والله أكبر» كله سنة، لكن سنية «بسم الله» فقط في الشوط الأول، وأما «الله أكبر» فسنّيتها في كل شوط.
شروط الطواف: نكتفي بالشروط الأساسية. هنا يقولون لأنه توجد شروط تلقائية معروفة في كل عبادة، وهي الإسلام والعقل والتمييز، لكن هنا حتى التمييز؛ يعني من كان غير مميز يطوف به. لكن خلوني الآن أركز على الشروط الأساسية التي تهمنا في صحة الطواف: أولاً النية، فالطواف لا يصح بدون نية. ثانياً الطهارة من الحدث والطهاره من الخبث، فلا يصح الطواف لمن عليه نجاسة أو لمن به حدث أصغر أو أكبر. ثالثاً ستر العورة، فلا يصح أن تكون ماشياً إلا إذا كنت معذوراً، فبعض الناس يظن أنه عادي أن يطوف على العربة لمجرد التعب، لا يصح الطواف راكباً إلا بعذر.
رابعاً الموالاة؛ فإذا انقطعت الموالاة عرفاً فلا يصح الطواف وعليك أن تستأنف، إلا إذا انقطعت بسبب الصلاة المكتوبة، فأقيمت الصلاة المكتوبة فهنا تصلي مع إمام الحرم، ثم بعد أن تنتهي الصلاة المكتوبة تعيد الشوط الذي كنت فيه، لا تكمل من نفس النقطة التي وصلت إليها، بل تعيد هذا الشوط من أوله، لكن لا تعيد الطواف كاملاً، فقط هذا الشوط.
هذه الشروط عند الحنابلة ليست إلا لمن كان معذوراً؛ فقد قال أحمد بن حنبل: إنما فعلها النبي ﷺ للعذر لأنه غلب الناس، هذا عذر وليس لأن هذا شيء سنة يُفعل، فتحتاج أن تحرر العبارة.
قال: «ويرمل الأفاقي في هذا الطواف». الأفاقي يرمل في هذا الطواف سواء كان طواف عمرة أو طواف قدوم، والرمل هو نوع من المشي السريع، وهو ليس ركضاً، بل هو نوع من المشي السريع من الحجر إلى الحجر. بالنسبة للمتمتع، هو من الميقات حتى يصل للكعبة كان يلبي، فإذا وصل يبدأ الطواف وتنتهي التلبية، أي تنقطع مشروعيتها، ويكون في الطواف يذكر الله وما شابه ذلك. أما بالنسبة للقران والمفرد، فهذا طواف قدوم وليس طواف عمرة، بالتالي لا تنقطع مشروعية التلبية، تبقى مشروعية التلبية متحصلة للمفرد والقران في طواف القدوم.
الأفضل أن يسر بها حتى لا يشوش على المتمتعين، فالأفضل أن يسر بها، فمشروعية التلبية تبقى مستمرة للمتم للمقارن والمفرد، وأما بالنسبة للمتمتع فتنقطع مشروعية التلبية بمجرد أن يشرع في طواف العمرة.
قال: «فإذا فرغ صلى ركعتين خلف المقام». يعني إذا فرغت من سبعة أشواط، عليك أن تصلي ركعتين خلف المقام. هل أنا ملزم أن أصليها خلف المقام؟ لا، السنة خلف المقام، وإن لم يجد ففي أي مكان تستطيع أن تصليها. والظاهر أن المكتوبة تجزئ؛ قالوا في أي مكان، وعفواً، إن ركعتي الطواف تجزئ في أي مكان، وقالوا يجزئ عنها ركعتي الراتب، ويجزئ عنها المكتوبة.
يعني لو صادف أنك أنهيت الطواف فأقيمت الصلاة المكتوبة، فالصلاة المكتوبة تجزئ عن ركعتي الطواف. ولو صادف أنك تريد صلاة سنة الظهر بعد صلاة الظهر أو قبلها، وصادف أنها تجزئ عن ركعتي الطواف؛ فركعتا الطواف تشبه تحية المسجد، فإذا دخلت والإمام يصلي المكتوبة، فالمكتوبة تجزئ عنها، أو ركعتا الراتبة تجزئ عنها. فكذلك قالوا ركعتا الطواف يجزئ عنها الصلاة المكتوبة ويجزئ عنها سنن الرواتب، والظاهر أنها لو لم يجمع النية -إذا أراد الثواب لمن يريد ثوابها ينويها- لكن من لا يريد ثوابها تسقط هذه السنة بالمكتوبة، هذه الفكرة.
قال: «ثم يستلم الحجر الأسود بعد أن تصلي ركعتين خلف المقام أو في أي مكان». أي يستلم الحجر الأسود، ويذهب للسنة أن يعود مرة أخرى ويستلم الحجر الأسود كما قلنا، ويقبله أو بيده بالطريقة التي ذكرناها قبل قليل.
قال الحنابلة يقولون: «إذا زاحم على الحجر الأسود بحيث آذى من حوله أثم». يعني بعض الشباب تلاقيها يعتبرها قوة، فيقول: «يلا خلينا شباب العمرة، بتعرفوا بعض المشايخ يأخذ الشباب الصغار، يعودهم: يلا خلينا نروح ندافش»، ترى أنت آثم عند الحنابلة، الحرام الذي تفعله أنت لا تثاب عليه، هذه القضية ليست تدريب الأبناء على المصارعة؛ فإذا كان في ساحة الحارة روح دربهم في مكان ثاني، أما أن يصبح هذا المكان لتعلم الشدة والقسوة على إخوانه من أجل تحصيل هذه العبادة، فهذا ليس من الدين، وليس مكاناً يتعلم فيه القسوة على المسلمين من أجل تحصيل العبادة. أما لو كان شيئاً من المزاحمة اليسيرة فماشي، بدون أن يحصل هناك نوع من الاقتتال والأذى، وهذا حقيقة يدل على الجهل بالدين الإسلامي.
قال: «ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه حتى يرى البيت فيكبر ثلاثاً ويقول ما ورد». ويخرج إلى الصفا من بابه، وهو اليوم باب السلام، يسمونه باب السلام، لكن الله أعلم هل البقية موجودة أم لا. يخرج إلى الصفا من الباب الذي يؤدي إلى الصفا، والسنة أن ترقاه حتى ترى البيت، لكن لو وقفت على بدايته دون أن ترقاه فليس هناك مشكلة. فاليوم الذي يذهب فيه الناس إلى مكة، يجد أنه هناك منحدر، ثم بعد ذلك يستوي المنحدر، ثم تجد صخوراً، المهم أنك تجد ميلاً ثم استواءً، فبمجرد أن تقف على رأس هذا الميل تكون واقفاً على بداية الصفا، وليس من الضروري حتى تكم الميل إلى آخره، وكذلك المروة، لكن السنة أن تصعد إلى آخر الميل وترى البيت.
قال: «ثم ينزل ماشياً... فيكبر ثلاثاً ويقول ما ورد». الآن فيكبر ثلاثاً، يقول الشيخ القعيمي: الظاهر في المذهب عندنا أن تقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده»، ثم يدعو مرة واحدة وينزل.
أنا عادة في الدروس عندما أبحث في باطن المناسك أعتمد على ظاهر الحديث، وهو اختيار أظن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين رحمهما الله، أنه تقول هذا الدعاء ثم تدعو، ثم تكرر هذا الدعاء مرة أخرى ثم تدعو، ثم تكرر هذا الدعاء مرة ثالثة ثم تنزل؛ هذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وأيضاً ابن عثيمين في التعامل فوق الصفا وفوق المروة. لكن الشيخ القعيمي يقول إن ظاهر المذهب هو أن تقولها مرة واحدة فقط: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، ثم تدعو مرة واحدة وتنزل، وليس تكرار هذا ثلاث مرات وما بينها؛ هذا يقول الشيخ إنه ظاهر كلام أصحابنا الحنابلة، فهذا جيد أن تعرف تحليل المذهب في هذه المسألة.
طيب، بعد ذلك تنزل من الصفا ماشياً حتى تصل إلى العلم الأول، وأنا ذكرت لكم سابقاً أن المسافة تبدأ قبل العلم الأول بشيء يسير، هناك حسابات دقيقة يذكرها البعض في كتب معالم الحج أو العمرة، يبدأ الركض أو الجري السريع من قبل العلم الأول، ثم يستمر إلى أن يتجاوز العلم الثاني، فإذا تجاوز العلم الثاني يتوقف المشي السريع وتعود إلى المشي الطبيعي، فترقى المروة وتفعل على المروة كما فعلت على الصفا، تقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، تدعو مرة واحدة ثم تنزل، وهكذا حتى تكمل الأشواط السبعة. طبعاً السعي الشديد بين العلمين أيضاً هو سنة للرجال وليس للمرأة، نرى بعض أخواتنا يتنافسن ما شاء الله.
قال: «ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعله سبعاً، ويحسب ذهابه ورجوعه». يعني الذهاب شوط والرجوع شوط، ليس الذهاب والعودة شوطاً واحداً، بل الذهاب شوط والرجوع شوط.
الآن يشترط للسعي: النية، والمشي إلا لعذر، والموالاة. ولا يشترط للسعي الطهارة من الحدث، ولا الطهارة من الخبث، ولا ستر العورة، فلا يشترط له ذلك. السعي أخف من الطواف؛ السعي يشترط له النية والمشي إن لم يكن معذوراً والموالاة، أما الطهارة من الحدث ومن الخبث أو ستر العورة فليست شرطاً.
قال: «ويتحلل متمتع لا هدي معه بتقصير شعره، ومن معه هدي إذا حج». خلصنا الحمد لله السعي بين الصفا والمروة، إذا كنت متمتعاً فماذا ستفعل؟ فإنك ستتحلل، وبماذا؟ السنة أن تقصر الشعر ولا تحلق، لماذا يا شيخ مالك؟ حتى تترك لنفسك بعض الشعر للحج. وأما إذا كنت قارناً أو مفرداً، فالقارن والمفرد كما حكينا طافوا...
إذا حب يسعى، سيخرج له السعي، وسعيه هنا سيُحسب عليه؛ السعي بعد طواف الإفاضة، لكن بعد ما يسعى هنا لا يوجد عليه تحلل، فيبقى ملتزماً بإحرامه حتى يأتي يوم الحج.
والمتمتع يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف؛ كما قلنا تنتهي مشروعية التلبية في حقه إذا شرع في الطواف. أما القارن والمفرد فتبقى مشروعية التلبية قائمة لهم حتى في أثناء الطواف، لكن قالوا لا يجهر بها.
قال: فصل في صفة الحج والعمرة؛ يسن لمحل بمكة الإحرام بالحج يوم التروية. يسن لمحل بمكة، أي لأي شخص محل بمكة، سواء حج حجة الإسلام سابقاً أو لم يحج. قال الشيخ أحمد القعيمي: وأيضاً من كان حول مكة ممن ليس أفقيّاً. وهذه قد نعتبر أيضاً من المسائل التي يختلف فيها الأفقي عن غيره؛ أنه يسن لمن كان من مكة أو حولها.
في أحد معكم كتاب الشيخ والحواشي؟ ماذا قال هنا؟ دون مسافة القصد، إذاً كما حكينا: لكل من ليس أفقيّاً يسن له الإحرام بالحج يوم التروية، سواء حج حجة الإسلام سابقاً أو لم يحج. أما الأفقي الذي يسكن مسافة القصر فصاعداً، فهذه السنة ليست موجودة لديه؛ الأفقي إذا كان يستطيع الحج تجب عليه حجة الإسلام فوراً، فإذا كان قد حج حجة الإسلام وانتهى، هل تبقى سنية الإحرام بالحج يوم التروية للأفقي؟ لا، فهذا حكم خامس يمكن أن نعطيه للأفقي؛ أن الأفقي لا يسن له الإحرام بالحج يوم التروية إذا كان قد حج حجة الإسلام سابقاً. أما إذا لم يكن قد حج حجة الإسلام سابقاً وهو قادر، فهذا يجب أن يأتي ليحلل ما في ذمته أمام الله سبحانه وتعالى، فهذه أيضاً من الأحكام التي يختلف فيها الأفقي عن غيره.
إذن يسن لمحل، ما معنى لمحل؟ لكل شخص حلال، ليس محرماً؛ لأن هناك أناساً في مكة سيكونون محرمين تلقائياً، وهم المفرد والقارن. المفرد والقارن موجودون في مكة، لكن هل هو محل أم محرم؟ هو أصلاً محرم ولن يجدد إحراماً جديداً. أما الكلام هنا عن أهل مكة أو المتمتعين الذين انتهوا من العمرة وهم الآن مقيمون في مكة، أو من كان حول مكة دون مسافة القصر من المحلين، فهؤلاء يسن لهم الإحرام بالحج يوم التروية، أي اليوم الثامن.
في المذهب عندنا كما ذكر في الإقناع: أن يكون الإحرام من داخل المسجد الحرام. قالوا يسن أن يكون الإحرام قبل الظهر من داخل المسجد الحرام، يطوف سبعة، هكذا قال في الإقناع: يطوف سبعة ويصلي ركعتين ثم يحرم من المسجد الحرام قبل الظهر. طبعاً هذا كله سنة، إذا أردت أن تحرم من بيتك فكل شيء مفتوح أمامك، لكن في هذا كمال.
والمبيت بمنا؛ السنة أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في هذه الليلة، أين؟ يصليها في منى ويبقى في منى إلى طلوع الشمس. عند طلوع الشمس يسن أن يتحرك باتجاه عرفة. وكلها موقف عرفة إلا بطن عرنة، قال هو وادٍ بين عرفة ومزدلفة، كما أن محسراً وادٍ بين مزدلفة ومنى. هناك واديان؛ وادٍ يسمونه برزخان، قال سماه الشيخ بن جاسم برزخان، وهو برزخ بين عرفة ومزدلفة (بطن عرنة)، وهو وادٍ صغير. وبرزخ بين منى ومزدلفة وهو وادي محسر. كل واحد له حكم. بطن عرنة هذا الوادي الصغير ليس محسوباً على عرفة، فمن وقف فيه ولم يقف في عرفة، عليك أن تنتبه؛ بلاش تكون يوم عرفة وتظن أنك واقف في عرفة وأنت واقف خارج حدود عرفة.
قال: وكلها موقف، أي تستطيع أن تقف في أي مكان في عرفة إلا في بطن عرنة؛ لأنه فعلياً يعتبر برزخاً منزله بين منزلتين على قول المعتزلة، منزلة بين عرفة ومزدلفة، فليس محسوباً له. لكن متى يسن أن تدخل إلى عرفة كسنة؟ الآن عرفة بداية وقت الوقوف الشرعي عند الحنابلة من الفجر، لكن نحن قلنا السنة أن تتحرك من منى عند الشروق. والسنة حقيقة أن تبقى خارج عرفة إلى الزوال.
عند الزوال تصلي الظهر أولاً، ثم يخرج الخطيب فيخطب خطبة عرفة، وهي خطبة واحدة وليست خطبتين، خطبة عرفة مثل خطبة الاستسقاء، خطبة واحدة يخطب فيها الخطيب، ثم بعد ذلك يصلي الظهر والعصر. إذا كنت أفقيّاً ستصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً تقديمًا، هذه هي السنة. أما إذا كنت لست أفقيّاً، فستصلي الظهر في وقتها أربع ركعات والعصر في وقتها أربع ركعات، هذا مذهب الجمهور. قال: وجمع فيها بين الظهر والعصر تقديماً، اكتب.
وأكثر الدعاء، والأفضل أن يكون مما ورد. وقد جاء في الحديث أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قال النبي ﷺ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». فهذا هو الذي ورد في دعاء يوم عرفة، الإكثار من هذا الدعاء.
وقت الوقوف من فجر عرفة إلى فجر النحر. الحنابلة من أوسع المذاهب في توقيت الوقوف بعرفة، بل هي من مفردات الحنابلة أنهم جعلوا وقت الوقوف بعرفة ٢٤ ساعة. بعض المذاهب تضيق، خاصة المذهب المالكي؛ أظنهم لا يجيزون الوقوف في أوقات معينة، بل يجب أن تجمع بين الليل والنهار ولا يجوز الاقتصار على الليل فقط. أما الحنابلة عندنا فالمسألة واسعة، معك أن تقف في أي ساعة من الليل أو النهار خلال الـ ٢٤ ساعة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر. لكن هناك شيء: الواجب إذا وقفت نهاراً أن تقف ولو ثانية ليلاً، وأما إذا وقفت فقط ليلاً فلا يلزمك أن تقف نهاراً، هذه القاعدة عندنا.
قال: ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة. إذا وقفت بعرفة نهاراً، والسنة أن تبقى واقفاً حتى مغيب الشمس ليأتي جزء من الليل، فبمجرد أن تغيب الشمس تبدأ بالتحرك باتجاه مزدلفة. ما معنى يدفع؟ يعني يتحرك بعد الغروب باتجاه مزدلفة بسكينة؛ لأن النبي ﷺ قال: «عليكم بالسكينة، السكينة».
لأن الناس عادة تكون متوترة في هذا الوقت، تعب من يوم عرفة بتبلش الفوضى. إذا اللي فيكم بحج بيعرف النزول من عرفة إلى مزدلفة، الناس تكون فوضى، لا ساتر لهم، هذا يصرخ وهذا يلب، والناس تهرع. النبي ﷺ لاحظ هذا الملحظ، حتى في الصحابة قال: «السكينة، السكينة»، أي الهدوء. هذه عبادة وليست منافسة؛ تجد الناس كأن الحاذق الذكي هو الذي يخلص أولاً، نحن للأسف نتعامل هكذا.
حجنا الحمد لله حجاج جيدة، لكن قلنا في كل سنة نرى أن الشاطر هو الذي يعرف يملص أولاً، الذي ينافس يخلص المناسك أولاً كأنك في سباق. لا يستشعر الإنسان، إلا قليل من الناس، أنه عليه السكينة والهيبة: أنا في عبادة، ما في شيء يدعو أني أستعجل وأنتتهي، كن مستمتعاً بالعبادة وبمشاعرها.
قال: ويجمع فيها بين العشائين تأخيراً ويبيت بها. أي الآن يجمع فيها بين العشائين تأخيراً؟ اكتب هذا أيضاً؛ المراد بالعشائين يعني المغرب والعشاء، يسميان العشائين، أما إذا كان ليس حافلاً فإنه يصلي المغرب في وقتها والعشاء في وقتها تماماً.
ويميت بها. الآن أحكام المبيت بمزدلفة: أولاً، سيأتي معنا الآن الوقوف بعرفة، ركن ولا واجب؟ ركن. أما المبيت بمزدلفة فهو واجب، هذا فرق بين عرفة ومزدلفة. أحكام المبيت: إذا وصلت إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، فيلزمك أن تبقى إلى ما بعد منتصف الليل، هذا واجب.
الحالة الثانية: إذا وصلت بالحافلة بعد منتصف الليل، فعند الحنابلة يكفي أن تمر مروراً بمزدلفة، لا يلزمك أن تمكث، فالمرور وحده كافٍ. أما إذا طلع الفجر وأنت لم تصل إلى مزدلفة، فهنا فات الواجب وعليك دم؛ إيش قلنا؟ فدية مخيرة: ترك واجب ففيه دم، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.
إذاً المبيت بمزدلفة: من وصل قبل منتصف الليل يلزمه أن يبقى إلى ما بعد منتصف الليل. طبعاً هنا الظاهر أن الليل سيعتبر الليل القياسي، أو الليل الذي يبدأ بغروب الشمس وينتهي بطلوع الشمس، وليس بطلوع الفجر. بدك تحسب بالليل القياسي وليس الليل العبادي؛ نحن قلنا الليل العبادي هو الذي ينتهي بطلوع الفجر، أما الليل القياسي فهو الذي ينتهي بطلوع الشمس. كيف بدي أحسب منتصف الليل بالضبط؟ من غروب الشمس لطلوع الشمس، تأخذ المنتصف.
طيب، هذه أحكام المبيت بمزدلفة. أكمل. قال: فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام، فرقاه ووقف عند المشعر الحرام. المشعر الحرام هو في الأصل تل صغير في داخل مزدلفة. طبعاً كلمة المشعر الحرام للفائدة، أحياناً تطلق على كل مزدلفة أنها المشعر الحرام، وأحياناً تطلق على تلك التلة الصغيرة الموجودة هناك. طبعاً اليوم لم تعد تلة، اليوم في مسجد، هم بنوا على هذه التلة مسجداً اسمه مسجد المشعر الحرام. السنة أن ترتقيه وأن تدخل فيه، فإن لم تستطع فإنك تقف أسفلها وتدعو وتكبر.
وقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198]. قال: ويدعو. يبقى يدعو عند المشعر الحرام سنة وليس ركناً، حتى يسفر الإسفار، وما هو الإسفار؟ أن تبدأ السماء تصحصح لكن الشمس لم تطلع بعد. فالسنة أن تبقى تدعو حتى يبدأ شيء من الضياء يلوح في الهواء في السماء، ولكن قبل طلوع الشمس تبدأ التحرك إلى منى.
قبل طلوع الشمس، وهذا هو مخالفة للمشركين؛ لأن المشركين كانوا ينتظرون طلوع الشمس ويقولون: «أشرق ثبير، أشرق ثبير»، كي ما نغير ثبير، وهو جبل هناك، كانوا يترقبون شروق الشمس منه حتى ينزلوا إلى منى. فالنبي ﷺ خالف المشركين، فكان يفيض من مزدلفة إلى منى قبل شروق الشمس.
قال: ثم يدفع إلى منى. يدفع يعني يتحرك إلى منى. فإذا بلغ محصراً أسرع رميه. محصر هذا وادي برزخ، منزلة بين منزلتين، قلنا بين ماذا؟ بين مزدلفة ومنى. هذا الوادي هو الذي حبس الله فيه إبراهيمه مع جيشه ومع فيله، وأنزل عليه الطير الأبابيل. هناك كانت قصة الطير الأبابيل، لذلك هي منطقة عذاب. والواجب في مناطق العذاب والمشروع عموماً ما هو الإسراع، وهي هنا سنة؛ يعني هم قالوا: «فإذا بلغ محصراً أسرع» على سبيل الاستحباب، لكن المشروع في مناطق العذاب أن الإنسان يمر فيها سريعاً. ورمية الحجر تقريباً 275 متراً، يعني كم مسافة رمية حجر؟ قال العلماء: هذه المسافة عدلوها بما يقارب 275 متراً، هذه هي منطقة وادي محسر التي يسن الإسراع فيها.
قال: وأخذ حصى الجمار. أخذ حصى الجمار 70 من مزدلفة، وأنت في مزدلفة أو في الطريق باتجاه منى يسن أن تبدأ تأخذ الحجارة، وقالوا الأفضل أن يأخذها كاملة، السبعين. إذا حبيت تأخذ حجارة أول يوم وحدها فقط، أول سبعة يكفي، يعني يصح ذلك، لكن هم قالوا: «وأخذ حصى الجمار 70» مرة واحدة، السبعين، مشان تكفيك لكل أيام التشريق. أما أنت فعلياً أول يوم كم حجارة بدك؟ بدك سبعة أول يوم فقط، لكن هكذا قال أصحابنا.
علق عليها الشيخ: عندك هذه «أخذ حصى الجمار 70»، علق عليها مسألة فقط، ذكرها وعدّها وأحصاها. قال: أكبر من الحمص ودون البندق. كم حجمها؟ أكبر من الحمص وأصغر من البندق. قالوا: فإذا أخذ حجراً صغيراً جداً جداً لا تجزئه، وإذا أخذ دبشاً كبيراً لا تجزئه، عليه أن يأخذ بما يقارب هذا المعدل.
قال: فيرمي جمرة العقبة وحدها بسبع. الآن أنا أتحرك باتجاه منى، لما تصل إلى منى من مزدلفة، أول شيء سيواجهك الجمرة الصغرى ثم الوسطى، تجاوزها، تجاوز الصغرى والوسطى، انتظر حتى تصل إلى الكبرى، إذا وصلت إلى الكبرى هي تسمى جمرة العقبة الكبرى، فترميها بسبع حصيات.
الآن أنت لما لبيت بالحج، يوم التروية عدت إلى التلبية صحيح، تبقى تلبي في يوم منى ويوم عرفة ومزدلفة. لما تصل لجمرة العقبة لتبدأ الرمي، يتوقف التلبية، خلص تنتهي مشروعية التلبيه للحاج وينتقل إلى التكبير، فيكون أول تكبير للحاج متى؟ وهو يرمي. طبعاً أنت بتصير تكبر قبل، ما في مشكلة، يعني حتى لو في عرفة ومزدلفة كبرت ما في مشكلة، لكن انتهاء سنية التلبية وابتداء سنية التكبير يبدأ من رمي جمرة العقبة، فيبدأ يرميها بسبع حصيات.
إذا لم ترمِ بسبع حصيات لا تجزئ عند الحنابلة؛ إذا أسقطت حجراً واحداً من جمرة العقبة لا تجزئ، وإذا لم تجزئ فكل رمي سيكون في أيام التشريق بعدها لا يجزئ. متخيلين؟ يعني هو لا يؤثر فقط فيها وحدها، إسقاط حجر من جمرة العقبة يبطلها، وإذا بطلت فكل رمي في أيام التشريق يبطل.
لا يصح؛ لماذا؟ لأن الرمي يشترط فيه الترتيب، فإذا لم تكتمل أول جمرة، فكل الذي وقع بعدها لا يجزي. أعطيك مثالاً في الوضوء لكي تفهمها؛ لو أن شخصاً غسل نصف وجهه ولم يغسل النصف الثاني، ثم غسل يديه ومسح رأسه وغسل رجليه، هل سيجزئ؟ لا يجزئ.
طيب يا شيخ، ما الحل؟ ما رأيك أن أكمل بغسل القسم الثاني؟ نقول له: يجب أن تكمل القسم الثاني ثم تعيد الأعضاء التي تلتها مرة أخرى؛ لأن هذه أعضاء مرتبة، فإذا أخللت بجزء متقدم منها، فإن إخلالك به سيخل بكل الباقي ويلغيه ويعتبره غير موجود. هذه خطورة الإخلال بالجمرة؛ أنها ستلغي هذا، ويلزمك أن تبطل جميع الجمرات التي ترميها بعد ذلك، ويجب أن ترجع لتصحح الجمرة الأولى.
قال: «يرفع يمناه حتى يرى بياض إبطه ويكبر معها». يرفع يده اليمين حتى يرى بياض إبطه، وهذا يدل على أنه رفعها عالياً ليرمي بقوة؛ بحيث يرى بياض الإبط، وهذا دليل أنه يرفع بشكل عالٍ، فلا بد أن تكون يدك مرفوعة وليست هكذا. ولا بد أن تقع الحصيات داخل الدائرة، فأي حجر لا يقع داخل الدائرة لا يجزئ، ولكن لا يشترط أن يصل إلى الشخص الموجود، ويكبر مع كل حصاة.
ثم ينحر ويحلق أو يقصر من جميع شعره. السنة بعد أن تنتهي من جمرة العقبة أن تذهب إلى النحر، ثم ينحر، وبعد النحر ماذا تفعل؟ يحلق أو يقصر من جميع شعره، والأفضل هنا الحلق. ولاحظ قوله: «من جميع شعره»، فالرجل يقصر كما يقصر عند الحلاق؛ فإذا أردت التقصير فلا ينفع أن تقصر ثلاث شعرات، فهذا قول عند الشافعية، أما عند الحنابلة فالتقصير يكون من كامل الرأس. وكذلك المرأة تقصر؛ فإذا كانت ضفائر شعرها، تأخذ من كل ضفيرة أنملة، وإذا كان الشعر مسترسلاً تجمع الشعر كاملاً وتأخذ من طرفه بمقدار الأنملة.
قال: «ثم قد حل له كل شيء إلا النساء». لما رميت جمرة العقبة وحلقت، فقد انتهيت من اثنين من ثلاثة؛ والرمي والحلق والطواف بالإفاضة. إذا حلقت ورميت فقد أنهيت التحلل الأول، وكل محظورات الإحرام التي كانت محظورة تصبح مشروعة، باستثناء ما يتعلق بالنساء من جماع أو مباشرة أو عقد، فكل هذا يبقى في دائرة المحظور.
قال: «ثم يفيض إلى مكة». السنة بعد أن تنتهي من هذه الأمور أن تفيض إلى مكة قبل الظهر، فتكون قد ذهبت لمكة وطفت طواف الإفاضة، وهذا ركن من أركان الحج، وسعيت بعده. السعي هنا إلزامي للمتمتع والقارن والمفرد؛ فإذا كان قد سعى بعد طواف القدوم، نقول له: يعطيك العافية، لست محتاجاً أن تسعى بعد طواف الإفاضة، ليس شرطاً إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم، أما إذا لم يسعَ بعد طواف القدوم فهذا ركن لازم تأتي به الآن. وإذا كان بعد طواف الإفاضة، فطواف الإفاضة هنا يسمى طواف الزيارة؛ قالوا سمي طواف الزيارة لأنه يزور مكة سريعاً ثم يعود إلى منى، كأنه ضيف يزور ويرجع.
والسنة أيضاً بعد أن ينتهي أن يعود ويصلي الظهر في منى ليبدأ المبيت في منى أيام التشريق الثلاث. قال: «ثم يسعى إن لم يكن سعى»، وهذه بالنسبة للمفرد والقارن، أما المتمتع فبالتأكيد قد سعى.
قال: «ثم قد حل له كل شيء». إذا طاف طواف الإفاضة مع السعي، فقد انتهى التحلل الأكبر وأصبح كل شيء جائزاً لك حتى النساء بكل ما فيه.
قال: «وسن أن يشرب من زمزم لما أحب». سن أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، وهو أن يدعو: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً»، وإن شاء الله فيه الشفاء، ويتضلع، ويتضلع يعني يرتوي حتى تمتلئ أضلاعه، ويستكثر، ويدعو بما أحب وبما ورد؛ يدعو بما يحب، مثل أن يدعو بالزواج، أو يدعو بالعلم، أو يدعو بالثبات على الدين، ويدعو بأشياء كثيرة؛ فلديك أمور شريفة وأمور وضيعة، وعليك المهمة.
ثم يرجع فيبيت بمنا ثلاث ليال. المبيت بمنا ثلاث ليال؛ نحن عرفنا المبيت بمزدلفة كيف يكون، فهل نطبق على ليالي المبيت بمنا ما طبقناه على ليالي المبيت بمزدلفة؟ بحيث نقول نفس القاعدة: الذي وصل إلى منى قبل منتصف الليل يكون موجوداً فيها ويجب أن يظل فيها إلى ما بعد منتصف الليل، والذي وصلها بعد منتصف الليل يكفي المرور؟ هناك قول قاله البعض بأنه يجب عليه دم لأنه لا يوجد نص واضح حقيقة عند الحنابلة في تحديد مدة المبيت. والشيخ مرعي في «الغاية» يقول: ويتوجه أن يكون المراد بالمبيت أغلب الليل؛ لأن منى غير مزدلفة، فالمقصود بالمبيت في منى هو أغلب الليل، فتحسب من غروب الشمس إلى طلوع الشمس كم ساعة، فيجب أن تقضي أغلبها في منى، أي أكثر من نصف الساعات؛ فإذا كانت ثمان ساعات، يجب أن تكون في منى أكثر من أربع ساعات، وبعد ذلك يمكنك الانسحاب والرجوع.
والمبيت في منى وكذلك مزدلفة عموماً يعفى عنه السقاة والرعاة؛ وهم المسؤولون عن موسم الحج وأصحاب الخدمات أو القوافل، لأن المسؤول عن الحملات يكون مشغولاً بترتيب الأضاحي وغير ذلك. والشيخ منصور في «المنتهى» يقول: «ويقاس عليهما كل معذور»، فكل من كان معذوراً بمرض أو أي عذر معتبر شرعاً، فيجوز له أن يتخلف عن المبيت في منى ولا دم عليه؛ فالقضية أن الحنابلة وسعوا الأمر ولم يحصروه فقط في السقاة والرعاة.
يقول الشيخ منصور: حتى أي شخص عنده عذر معتبر شرعًا -وليس مجرد هواء- عذر معتبر شرعًا يستطيع أن... وهذا حقيقة يمكن أن يدخل فيه أحيانًا بعض الإخوة الذين يقولون مثلا: مش خلاف السياسة.
قال: «ويرمي الجمار في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال وقبل الصلاة». يرمي الجمار في أيام التشريق، أنت ما هو مطلوب منك غير المبيت؟ في الأيام الثلاثة أنت مطلوب منك شغلتان، واجبان: المبيت وهذا واجب، ورمي الجمار وهذا واجب؛ هكذا احفظها، أيام التشريق أنا مطلوب مني شغلتان: المبيت والرمي، وكلاهما واجب وليس ركنًا.
المبيت تكلمنا عنه، والرمي هو أن ترمي كل يوم الجمار الثلاث: الصغرى والوسطى والكبرى، وهو مطلوب. ومتى يبدأ وقت الرمي؟ يبدأ بالزوال، أي عند الظهر؛ فمن رمى قبل الظهر لا يصح رميه عند الحنابلة، ومن رمى بعد الغروب لا يصح رميه عند الحنابلة.
فالحنابلة لو سألتك مثلا عن مثال على واجب موسع، تقول لي: رمي الجمار واجب موسع لأنه له بداية ونهاية، يبدأ بالزوال وينتهي بغروب الشمس؛ فلا يجوز الرمي ليلًا إلا كما قلنا للسقاة والرعاة وأصحاب الأعذار. فإذا قلنا إننا رخصنا لهم في ترك المبيت، فالظاهر أنه يرخص لهم في الرمي ليلًا، لكن الوضع الطبيعي أن من لم يكن من أصحاب الأعذار، فكما منعناه من ترك المبيت كذلك نمنعه من الرمي ليلًا أو الرمي قبل الظهر، فيجب عليه أن يرمي بعد الظهر وينتهي بغروب الشمس.
أعتقد أن من أصحاب الأعذار عمومًا -ولن يهمني من هو، هل هو السقاء الذي يسقي الغنم؟ فهذا ليس ساقيًا، ولا الراعي، هذا اسمه ذابح أو جزار- ولكن الفكرة هي أن "السقاء" و"الراعي" ليست أسماءً متعبدًا بها، المراد المشغولون بموسم الحج؛ فالسقاة مسؤولون، وبعضهم قد لا يكون لسقي الأغنام، بل كانوا قديما مسؤولين عن سقي الحجيج، يجهزون المياه من أماكن ويضبطونها، لذا الفكرة هي الانشغال بخدمة الحجاج أو وجود عذر صحي أو غيره.
قال: «ومن تعجل في يومين إن لم يخب (يخرج) قبل الغروب لازمه المبيت والرمي من الغد». طيب، الآن تستطيع أن تختصر على نفسك فلا تبيت ثلاث ليالٍ، تستطيع أن تبيت ليلتين فقط بشرط أن تخرج إذا أردت أن تبيت ليلتين فقط وتسقط مبيت الليلة الثالثة، وبالتالي يسقط رمي اليوم الثالث؛ عليك أن تخرج من منى قبل مغيب شمس اليوم الثاني، تغادر حدود منى قبل مغيب الشمس في اليوم الثاني.
قال: «وطواف الوداع واجب». طواف الوداع واجب في الحج باتفاق الجميع، لكن في العمرة، أنا لا أدري ماذا قررت في بداية العابد، فالظاهر أن ذاكرتكم ليست جيدة. حقيقة هناك خلاف بين المشايخ المعاصرين في تحرير المذهب هنا؛ بعض المشايخ يقرر أن المذهب هو أن طواف الوداع واجب للحج والعمرة، لكن الشيخ أحمد القعيمي يقرر أن ظاهر المذهب أنه واجب فقط في الحج، ويقول إن المعتمد في المذهب أنه واجب في الحج فقط، واختيار أنه واجب لكل خارج من مكة في حج أو عمرة، هذا هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وليس هو معتمد المذهب.
فإذا قلت في بداية العابد إنه واجب في الحج والعمرة، فهذا قول لبعض المشايخ المعاصرين في تحرير المذهب. وحتى كلام الشيخ ابن جاسر في "مفيد الأنام" -وهو كتاب موسوعة الحج والعمرة عند الحنابلة- لم أشعر أنه فصل أو تكلم بشكل واضح هل هو واجب للحج والعمرة أو فقط في الحج، بل تكلم بكلام عام وأورد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يحرر المسألة. فالذي يقرأ في "مفيد الأنام" قد يتوهم في الوهلة الأولى أنه واجب للحج والعمرة، لكن الشيخ أحمد يحرر أن المذهب هو أنه واجب للحج فقط وليس للعمرة، فهذا باب لتطوير معارفنا في المذهب.
قال: «يفعل ثم يقف في الملتزم داعيًا بما...». طواف الوداع هو آخر شيء تفعله، فلا يجوز بعد طواف الوداع أن تفعل شيئًا في مكة غير أن تجمع أغراضك وتنتظر الحافلة وتخرج. قالوا: إذا اشتغل بعد ذلك، كأن يذهب للسوق، فلو قلت له: تريد أن تشتري مسبحًا وأنت راجع إلى الأردن، نقول له: يجب أن تعيد طواف الوداع، فلا يجوز دخول السوق، ولا يجوز حتى أن يذهب مع الشباب لمطعم للجلوس والتسلية؛ فالأصل أن يكون هذا آخر عهدك بالمسجد.
لو قلت لي: نحن في الطريق وميلنا على مطعم لنأخذ وجباتنا ونمشي، فالذي يظهر لي أن هذا مسموح حتى لا نُشدد على الناس، خاصة إذا كان الرجل جائعًا؛ فلو أخذ طعامه ليأكل ويمشي فهذا جائز، أما الجلوس في المطعم فمن الورع أن تأخذ الشيء وتغادر. وطواف الوداع سبعة أشواط.
وللفائدة، يجوز أن تؤخر طواف الإفاضة عن أول يوم من أيام العيد وتطوف معه مع طواف الوداع، وبالتالي السعي سيبقى بعده، وهنا ستبقى أيام التشريق الثلاث لم تتحلل التحلل الثاني، لكن يجوز عندنا أن يدخل طواف الإفاضة والوداع معًا، فيجعل طوافه طواف إفاضة وفي نفس الوقت يكون قد طاف الوداع، وبذلك يتسهل الأمر.
طواف الوداع واجب، لكنه يسقط عن الحائض والنفساء، فلا يجب عليهما طواف الوداع. ويُسن بعد أن تطوف أن تلتزم الملتزم، والملتزم هي المنطقة بين الحجر الأسود وباب الكعبة، يسن أن تلتزمها بكل بدنك، وتدعو وتتضرع كالمودع لبيت الله الحرام. أما الحائض والنفساء، فلا تدخل المسجد الحرام بل تبقى على خارج الباب، وهي معفو عنها في طواف الوداع؛ فإذا قالت: أريد أن أودع البيت، يُقال لها: لا يمكنك دخول المسجد الحرام، بل تبقين على الباب تذكرين الله وتسبحين.
قال: «ويسن زيارة قبر النبي ﷺ وقبري وصاحبيه». الشيخ أحمد يقول إن هذه السنة لم أجد أن الحنابلة ذكروها إلا بعد الانتهاء من الحج، يعني لما لم يذكروا سنية زيارة القبر إلا بعد الانتهاء من الحج، فهذا قد يفهم منه ماذا؟ أن ليس سنية مطلقة زيارة القبر.
أنتم تعرفون أن شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة كانت هي المسألة الأخيرة التي ختم بها حياته في الصراعات الفكرية؛ مسألة شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ، حيث قرر أن قول جماهير الفقهاء والسلف عموماً أن هذا لا يجوز، أن لا يشد الرحال لزيارة القبر، أنت تزور القبر تبعاً لزيارة المسجد، تزور القبر الشريف تبعاً لزيارة المسجد، أما أن يشد الرحال لزيارة القبر خصوصاً فيكون هذا هو المقصود، شيخ الإسلام خاض فيها معركة فكرية وبسببها كان سجنه الأخير وتوفي بعد ذلك، رحمه الله عليه.
حقيقة الحنابلة تقريراتهم العامة في مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ، يقول الشيخ أحمد إنهم لم يذكروها إلا في هذا المقام؛ أنه بعد الانتهاء من الحج أو العمرة يسن زيارة قبر النبي ﷺ وقبري وصاحبيه، فقد يفهم من ذلك أنهم لا يقولون بمشروعيتها مطلقاً، لكن عموماً ما عندهم مشكلة، إذ في خلاف نوعاً ما بين تقرير ابن تيمية وبين تقرير المذهب. المذهب الذي يظهر أنهم لم يروا مشكلة في شد الرحال، قال: «ويسن زيارة القبر»، إذا تتكلم عن زيارة مش المسجد، لا، زيارة القبر؛ إذاً هذا شد رحال للقبر.
لكن هذا ليس على إطلاقه، يقول الشيخ أحمد بل هو عند ماذا؟ عند فقط الانتهاء من الحج وليس على إطلاق. طبعاً هكذا قرر الشيخ أحمد، وأنا أعتقد المسألة تحتاج لعمق أكثر؛ هل فعلاً الحنابلة هكذا قصدوا، ولا الموضوع عندهم يسن عموماً سواء، لكن جاءت مصادفة ذُكرت المسألة هنا؟ مجرد ذكر المسألة هنا لا يعني بحد ذاته أنهم لا يقولون بالسنية مطلقاً، صحيح؛ مجرد أن تذكر المسألة هنا لا يستلزم بالضرورة، إلا إذا نفي السنية، كأن قالوا: «وهنا فقط يسن الزيارة» أو عبارة قريبة من هذا، لكن مجرد ذكر المسألة هنا لا ينفي أنها مشروعة مطلقاً على قواعدهم.
المهم، أن تنوي بذهابك للمدينة شد الرحل للقبر، هذا سفر، السفر 400 كيلو من مكة إلى المدينة، أن تنوي به، لكن أنه قاصد وأنا مروح إن شاء الله بدي أمر على القبر الشريف أسلم عليه، أو أزور المسجد النبوي وتبعاً يكون هناك زيارة للقبر الشريف، ما عنده مشكلة. أما أن يكون هدفك من الانتقال من مكة إلى المدينة بقصد شد الرحل هنا إلى زيارة القبر، ما يصلح.
أحسنت، حقيقة شيخ الإسلام اعتمد على قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الغفاري، وهذه قصة ذكرها العلماء، ما أصحاب السنن. ما اسم الصحابي؟ أنا نسيت اسمه، المهم أبو هريرة كان ذاهباً إلى الطور، أبو هريرة شد الرحال إلى طور سيناء، وعندما كان عائداً لقيه أحد الصحابة، فقال له: «من أين أتيت يا أبا هريرة؟»، فقال: «أتيت من الطور»، فقال: «لو كنت عرفت، لو كنت أدركتك قبل أن تذهب لما أذنت لك أن تذهب»، فقالوا: ليه؟ قال: «فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ»».
إذاً ماذا فهم الصحابي؟ أظن أبو بصر الغفاري، إذاً ماذا فهم من المستثنى منه؟ يعني الآن نحن مشكلتنا في هذا الحديث بين العلماء ما هو؟ «لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد»، النقاش هو في المستثنى منه، ما هي الكلمة المقدرة هنا؟ هل التقدير: لا تشد الرحال لمسجد إلا إلى المساجد الثلاث، أم المستثنى من "لا تشد الرحال" هو "موضع"؟ أي: لا تشد الرحال لموضع إلا إلى ثلاثة مساجد؟
إذا قلنا تقدير الحديث: لا تشد الرحال لمسجد إلا إلى المساجد الثلاث، فيكون الحديث فقط يتكلم عن النهي عن شد الرحال للمساجد إلا للمساجد الثلاثة، أما شد الرحال للقبور وشد الرحال للمواطن المقدسة فالحديث لم يتطرق لها. لكن فهم هذا الصحابي، وهو صحابي عربي يفهم اللغة العربية، أنكر على أبي هريرة، وأبو هريرة لم يعارضه، أبو هريرة لم يقل له: "أوه والله سامحني هذا فهمك للحديث"، لا، أبو هريرة قال له: "أوه والله كلامك صح"، يعني أنا الذي فعلته غلط.
طبعاً ليش أبو هريرة لم يبلغه الحديث؟ وهذا كثير مع الصحابة؛ أن يفعل الصحابي شيئاً ويكون بخلاف النهي عنه، هذا شيء طبيعي، اجتمع الصحابة كثير وليس كل حديث ذكر النبي ﷺ سمعه جميع الصحابة. فالصحابي هذا رأى أبا هريرة راجعاً، رأى أنه راجع من جبل الطور، وجبل الطور هذا موضع وليس مسجداً، ومع ذلك الصحابي أسقط الحديث عليه فقال: «يا أبا هريرة، النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»».
إذاً ماذا فهم الصحابي من الحديث؟ أن المستثنى منه هو "موضع" لا "مسجد". وهنا تأتي فائدة؛ الإخوان الذين يريدون شرح حديث أو التعليق عليه أو مناظرته، والذين يناظرون إخواننا الذين يشدون الرحال للقبور أو الأماكن المقدسة، يجب أن تكون عندكم أيضاً نوع من الاطلاع على طبيعة النقاش الفكري والعقدي الذي صار في المسألة. إن لم يكن عندك اطلاع على قصة الغفاري مع أبي هريرة، فماذا ستعرف؟
قال: «ورأى رجل أبا هريرة وهو عائد»، اكتب القصة كاملة. المهم، الصحابي الجليل -أظن أبو بصر الغفاري رضي الله عنه- فهم الحديث على عمومه. فأنت عندما يأتي بعد ذلك شخص في القرن الثالث أو الرابع الهجري يقول لك: "والله هذا الحديث يتكلم فقط في شد الرحال للمساجد"، نقول له: أنت لن تكون أعلى من الصحابة في فهم الحديث. ولعل اليوم تأتي معنا المسألة في أصول الفقه إن شاء الله؛ إذا كان الحديث محتملاً وفسره الصحابي، هل يحتمل تفسير الصحابي وحجته؟ هذا سيأتي معنا.
المسجد، ولا موضع اللي خلانا نختار إنه موضع فهم الصحابة. حتى إذا خرج من منزله بقصد زيارة الطور ما يضبط. لا، مش هيك، إيش قصدك؟ راح شرم الشيخ زيارة سياحة؟ شوف، لو شخص رايح زيارة على مصر أو زيارة على الشام وهيك حابب يلف في البلد، يعني فقط أنا والله رايح رحلة سياحية؛ إذا هيك قصدك رحلة سياحية مش أنا أتقصد شد الرحال على وجه التعبد، يظهر الأمر في ساعة ليس هذا مقصده.
أبو هريرة -رضي الله عنه- يعني مش كان رايح سياحة في مصر، قال لك مميل على جبل الطور؛ واضح أن هو رجل جاء يتعبد، رايح هناك لقصد معين إيماني، هذا الذي لا إشكال فيه.
قال وصف العمرة: أن يحرم بها من الحرم، من أدنى الحل، وغيره من دويرية أهله إن كان دون ميقات، وإلا فمن ميقاته. ثم يطوف ويسعى ويقصر. هذا وصف العمرة، وأظن تكلمنا عنها كثيراً، لا يوجد شيء زائد عما تكلمنا عنه.
قال: فصل، أركان الحج أربعة: إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي. أركان الحج أربعة؛ الإحرام لأنه هو مفتاح الحج، كما أن تكبيرة الإحرام مفتاح الصلاة. والوقوف بعرفة داخل الوقت الشرعي. والطواف، والمراد اكتب هنا: طواف الإفاضة. والسعي الذي يكون بعد طواف الإفاضة، فهذه الأربعة.
ما معنى أركان؟ شوف بالنسبة للإحرام، إذا ما في إحرام أصلاً لم ينعقد الحج، أرتحت، أصلاً ما في حج لم ينعقد. بالنسبة للوقوف بعرفة، إذا لم تقف في الوقت الشرعي -ثانية واحدة فقط- إذا لم تقف في الوقت الشرعي، صار في فوات، فاتك الحج، وسنعرف أحكام الفوات.
أما طواف الإفاضة والسعي، إذا لم تأتِ بهما سيبقيان في ذمتك، وتبقى لست متحللاً للتحلل الأكبر حتى تأتي بهما. قالوا: ولو استمر الأمر حتى الممات. يعني شخص أحرم إحرام الحج ووقف بعرفة، بس شو ضايل له من الأركان بالتحديد؟ ضايل له طواف الإفاضة أو سعي الإفاضة. قال هنا أنا ما أقول لك إنه ما يفوتك الحج، يعني حجك صحيح بس لم ينتهِ بعد. طيب يا شيخ، صار له سنة سنتين ولسه مش طايف طواف الإفاضة؟ يبقى في ذمتك، ويبقى التحلل الأكبر لم يحصل بعد. قالوا: إلى أن إما يفعله أو يموت وهو لم يفعل، لو قعد خمس سنين.
فهمتم؟ بخلاف الحج، الوقوف بعرفة إذا فات فات، خلص راحت، صار في أحكام فوات. أما طواف الإفاضة فما يفوت، يبقى في ذمتك، والسعي كذلك. هذا بالنسبة للأركان، فهذه الأركان لا يوجد أي بديل عنها، ما عندك بديل، بدك تأتي بها.
قال: وواجباته سبعة؛ إحرام من ميقاته. الواجبات سبعة، أولاً أن يقع الإحرام من المكان الصحيح، وهذا هو خلينا نأتي بعبارة عامة: أول واجب هو أن يقع الإحرام من المكان الصحيح. هذه العبارة تجمع كل الأمور، إيش يعني المكان الصحيح؟ إذا كان يسكن من الميقات فصاعداً يحرم من الميقات، وإذا كان يسكن دون الميقات يحرم من دويرية أهله، إذا كان من أهل مكة، الحرم المكي. فإذا كان معتمر بده يطلع الحج، فالإحرام من المكان الصحيح. فإذا لم تحرم من المكان الصحيح وأحرمت من المكان الخاطئ، أنت فعلت الركن بس ما فعلت الواجب.
قال: ووقوف إلى الليل إن وقف نهاراً. قلنا ووقوف اكتب في عرفة. ثانياً الواجب الثاني: أنك إذا وقفت بعرفة نهاراً يجب أن تجمع الليل، بخلاف ما إذا وقفت فقط ليلاً فإنه يجزئ ولا يلزمك أن تقف نهاراً، فإذا وقفت بعرفة نهاراً ولم تقف ليلاً أديت ركن الوقوف بعرفة، بس إيش فاتك؟ فاتك الواجب. طيب شو نسوي يا شيخ؟ رح يجي معنا.
ومبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه إن وافاها. زي ما حكينا، اللي وصل لمزدلفة قبل نصف الليل يجب أن يبقى إلى ما بعد منتصف الليل، أما من وصل بعد منتصف الليل فيكفي المرور. وبمبيت لياليه، يجب أن يبيت لياليه، وقلنا هناك خلاف، لا يوجد تصريح واضح من المتأخرين كم مقدار المبيت، لكن كلام الشيخ مرعي، ويتوجه أن يكون المراد معظم الليل، كلام جيد. وبعضهم كما قال قاسها على المبيت بمزدلفة على نفس القواعد التي ذكرناها.
والرمي مرتباً، الرمي مرتباً رمي الجمار على الترتيب، قلنا هذا واجب مرتب. وحلق أو تقصير. وطواف وداع، وطواف الوداع على ما حررناه من الخلاف بين المذهبين.
قال: وأركان العمرة ثلاثة: إحرام، وطواف، وسعي. العمرة أركانها ثلاث، هي بس اللي ما فيها وقوف بعرفة، هذا الشيء الوحيد الذي يختلف. وواجبها اثنان: الإحرام من الحل، والحلق أو التقصير. لاحظ، لاحظ ما لم يذكر من واجبات العمرة هو طواف الوداع، فلذلك قال الشيخ أحمد ذكر طواف الوداع مع الحج ولم يذكره مع العمرة، فالظاهر أنه ليس واجباً في العمرة.
قال: ومن فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة، ما أقول ليس واجباً لكن لا ينفي هذا السنية. ومن فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة وهدي إن لم يكن اشترط.
طيب، شخص أحرم بالحج وبقي على إحرامه، لكن سبحان الله لم يستطع أن يقف في عرفة في الوقت الشرعي، فاته الوقوف في الوقت الشرعي. هذا اسمه فوات، وهذا مر معنا في بداية العبادات اسمه الفوات. الآن إذا حضرتك ما اشترطت عند الإحرام "إن محلي حيث حبستني"، فما الذي يترتب عليك إذا فاتك الوقوف؟ تتحلل بعمرة، خلص موسم الحج هذا راح عليك، تتحلل بعمرة، وعليه أن يقضي هذه العمرة، ويلزمه القضاء في العام القادم، وهدي يذبحه في العام القادم أيضاً.
يعني أنت السنة الجاية رح تقضي وجوباً إذا استطعت. وأنا والله مثلاً كنت متمتع وعلي هدي، عليك تذبح السنة الجاية هدية التمتع اللي خاص بحجك، أو القرآن والزيادة عليه في هذه كفارة، فهذا هدي خاص غير هدي الحج، في هدي خاص اللي هو هذا الهدي، هدي الكفارة، فهذا عليك أيضاً أن تدفع. قال: لكن وجوب القضاء في العام القادم وذبح الهدي في العام القادم هذا مشروط بأن لم يكن اشترط، أما إذا كان هو في الإحرام قال: «إن محلي حيث حبستني»، وفاته الحج، هذا بس يحل بعمرة ويروح على الدار ما عليه.
قضاء ولا هدي ولا شيء، واضح هذه بالنسبة لمسألة الفوات. الحالة الثانية: قال: «ومن منع البيت أهدى ثم حل»، ومن منع البيت أهدى عليه هديًا؛ خلص ممنوع توصل لمكة، شو بدي أسوي؟ عليك هدي، وإن لم تجد هديًا كما قلنا: صيام عشرة أيام، ثم تحل. اكتب: إن لم يكن اشترط، فإن كان اشترط بغير وعيد يروح بسلام، ما عليه شيء.
طبعًا الحنابلة من مُني على البيت ما عليهم برضه القضاء، هون مُني على البيت خلص بتحلل. هذا الآن بس رح أعطيكم قاعدة تتعلق به؛ اكتب: من منع البيت ليس بسبب حصر عدو، مش عدو منعه، بل بسبب مرض أو ضياع نفقة، هذه صورة لم يذكرها. إذا كان حصر مرض أو ضياع نفقة منعته من الوصول للبيت، فهذا عند الحنابلة إن كان اشترط يروح بسلام، وإن لم يكن اشترط هذا لا يستطيع أن يتحل، يبقى على إحرامه إلى أن يجعل الله له فرجًا ومخرجًا حتى يفوت الحج. فإذا انتهى يوم عرفة ولم يجد فرجًا ومخرجًا، تحول من حكم المحصر إلى الفوات، فتطبق أحكام الفوات.
شو أحكام الفوات؟ يتحلل بعمره، وبده يقضي من السنة الجاية، وهدية؛ لأنه ما اشترط، هذا ورط حاله. فعند الحنابلة نرجع ونقول: من كان حصره حصر مرض أو ضياع نفقة، إذا كان اشترط بيمسكه وما بدنا ولا شيء، إذا كان ما اشترط هذا وقع في؛ بده يظل جالس لحتى ربنا يشفيه، ولا واحد يأخذه ويوصله إلى مكة ويحج، إذا بقي وفاته الحج وهو لم يصل بعد، أو لم يتمكن من الوصول بعد، أو ظل في المستشفى مثلاً مكسورة رجله أو شيء ما قدر يوصل، تحول من محصر وتطبق أحكام الفوات: يتحلل بعمره بس، إن شاء الله يوصل، يعني يظل يدبر حاله حتى يتحلل بعمره، وعليه الحج من قبل، هذا حج، عليه الحج من قبل ويهدي إن لم يكن اشترط. طيب، هذا اسمه فوات، عفواً هذا اسمه إحصار مرض أو ضياع نفق.
كمل: قال: «فإن فقده صام عشرة أيام»، ومن صُدَّ عن عرفة تحلل بعمره ولا دم. قال: «ومن صُدَّ»، أما من صُدَّ عن عرفة، يعني الآن سمحوا لك تدخل مكة زي بحجة بدون تصريح، ممكن دبر حاله قدر يوصل مكة بس ما قدر يوصل عرفة؛ سكروا عرفة بسياج، أنت ماشي جاي تحج استطعت تصل مكة والبيت أنت مسموح لك تصله لكن لم تستطع الوصول لعرفه لأن السياج الأمني كان قوي. هذا إيش قال؟ تحلل بعمره ولا دم.
بس هنا بدنا نقيد: تحلل بعمره إلا إذا تحول إلى فوات، يعني أنت معك تتحلل بعمره ولا دم بشرط أنه ما ينتهي يوم عرفة. إذا انتهى يوم عرفة وهو لم يتحلل بعد، تحول من محصور. يعني الآن أنت منعوك توقف بعرفة، أصلاً قلنا شو الفوات؟ من فاته الوقوف بعرفة، رح تقول الشيخ شو الفرق بين من فاته الوقوف وبين من صُدَّ عن عرفة؟ صار عندي مسألتين: من فاته الوقوف بعرفة، ومن صُدَّ عن عرفة.
قول من فاته الوقوف عرفنا أحكامه الآن، من صُدَّ عن عرفة بمعنى هناك عدو أو شخص مانعك من الوصول لعرفة؛ سامح لك توصل للبيت بس مش سامح لك توصل لعرفة. الآن نحن بنقول لك: تحلل بعمره ولا تقعد تراوغ وتضيع اليوم، لأنك إذا تحللت بعمره قبل خروج وقت الوقوف مش مشكلة، حتى لو ما كنت اشترطت، حتى لو ما اشترطت، تتحلل بعمره ولا دم، انتهى. بس إذا ضليت مصرًّا تحاول وتراوغ وتحاول تدخل من هون وتحاول من هون وانتهى وقت الوقوف وحضرتك لسه مش متحلل، تحولت من محصور إلى فوات، ورح أطبق عليك أحكام الفوات.
طبعًا أحكام الفوات زي ما حكينا، إذا كان مشترط الفوات شو هي؟ يتحلل بعمره ويروح، وإذا كان مش مشترط عليك تقضي وعليك هدية السنة الجاية، وحفلتك كبيرة كمان. فهذه طبعًا، كما حكينا، من أحصر بمرض أو ضياع نفقة، إذا كان اشترط بغير وعيد إذا ما اشترط بده يظل يا بتتيسر أموره يا يصير فوات، يا بتتيسر أموره بيحكم الحج، يا بتصير فواته بتطبق أحكام الفوات.
طبعًا أحكام الفوات نفس الشيء، يعني هو إذا ظل، إذا ما تحلل مثلاً وظل مصرًّا، رح تصير نفس الشيء؛ إذا كان مشترط بده يتحلل بعمره وبيروح، وإذا كان مش مشترط، هي إذا أنت فهمتها هكذا؛ أنه اللي بيتأخر حتى يصير فوات، بيتحول من محصور. ونفس الشيء الذي يظهر مثلاً: من منع البيت أهدى ثم حل، الأصل أنه يهدي ثم يحل، خلص، شايف أمور ناس مانعينك تهدي ثم تحل، ما تظل مصرًّا على إحرامك حتى يصير فوات، إذا صار فوات بدك تطبق أحكام الفوات.
من تأخر في تحلله حتى خرج يوم عرفة، تحول من إحصار إلى فوات؛ هيك قاعدة بتريحك. من تأخر في تحلله حتى انتهى يوم عرفة، تحول من إحصار إلى فوات وستطبق أحكام الفوات؛ إن كان غير مشترط عليه تحلل بعمره ويروح، وإن كان مش مشترط عليه الحج والهدية.
نكتفي بهذا القدر اليوم، إن شاء الله الدرس القادم ننهي كتاب الأضحية، ولعل وعسى أيضاً ننهي كتاب الجهاد، لعل وعسى ننهي باب العبادات كاملة إن شاء الله. الدرس القادم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل