دعونا بناءً على طلب بعض الإخوة نراجع ما يتعلق بالخيار عمومًا، كونه بابًا جديدًا عليكم، وكونكم لا تشترون بالخيار كثيرًا، فنحتاج أن نتكلم عن أنواع الخيار مرة أخرى سريعًا، طبعًا من باب المراجعة وتثبيت المعلوم.
قلنا الخيار هنا ذكر له الشيخ ابن بلبان كم صورة؛ قال: «والخيار سبعة أقسام»، وستجدون في المنتهى أنه قال: «والخيار ثمانية أقسام»، والمسألة سهلة؛ لأن هناك خيارًا ذكره ابن بلبان ضمناً لكنه لم يعده رقمًا، ولا هو يعد في كتب الحنابلة رقمًا، فيعتبر ثمانية وسآتي إليه في الأخير، لكن خلونا الآن على ما بدأ به، قال: «والخيار سبعة أقسام».
قلنا ما معنى الخيار أولًا يا شيخ؟ أحسنت ما شاء الله عليك، الخيار هو أن تطلب خير الأمرين لك، سواء كنت بائعًا أو مشتريًا، لأن مشكلتنا عادة نربط الأمور بالمشتري ونهضم حق البائع وكأنه ليس له الحق، لا، الخيار مفهوم عام يشمل البائع ويشمل المشتري، فالخيار هو طلب خير الأمرين إما للبائع وإما للمشتري وإما لكليهما.
ما هما الأمران يا طارق؟ أن يفسخ عقد البيع أو أن يمضي فيه. هذه الخيارات من الذي أثبتها الشرع الحكيم سبحانه وتعالى بالنصوص الكثيرة ولسنا نحن من نضعها من عقولنا. أول خيار كان خيار المجلس.
أحسنت، بس أنت بدك تتعود على العبارة الفقهية، نحن دائمًا نتعود العبارة البلدية في التعبير عن المسائل الفقهية، ونحاول أن نرفع كفاءة طالب العلم في أن يعبر عن المسألة بلغة الفقهاء، فنقول: «فالمتبايعان». وهذه أصلاً فائدة إخواني حفظ المتون، أنا لماذا أقول لا بد أن تحفظ المتن؟ ترى ممكن نحفظ متن ونحن ننسى، لكن فائدة حفظ المتن تعرفون ما هي؟ أن تصبح لديك المصطلحات الفقهية تعبر بها، مصطلح «متبايعان»، ومصطلح «خيار»، و«يتفرقان».
أنا ممكن أحفظ هذا النص وأعيده عشر مرات، وبعد شهرين أقول: يا شيخ والله رجعت للطب واشتغلت وزوجتي حملت وكذا، والله نسيت المختصرات، مش مشكلة، لكن صدقني المصطلح لا يُنسى، يبقى ضمن قاموسك المعرفي، ولما غدًا تشرح لطلابك تجد العبارات تأتي تقول: غريب! والله من أين أنا؟ ما شاء الله، أعبر بعبارة فقهية، لأن هذه مفردات دخلت للعقل الباطن. أنت لم تستطع أن تبقى محافظًا على ترتيبها وتناسقها، لكنها على الأقل تبقى مبعثرة داخل ذهنك متى أردت أن تستحضر منها لفظة وأنت تشرح للطلاب غدًا، ففهمتوا شو فائدة الحفظ؟ لا بد أن تحفظ، احفظ وانسى مش مشكلة، بس احفظ حتى يرتفع مستواك في التعبير الفقهي.
فالآن نقول مثلًا خيار المجلس، أنا ممكن أعبر بلغتي، مش ضروري أعبر بعبارة المختصرات، أقول: البائع والمشتري بعد انتهاء العقد وقبل التفرق من المجلس، بأيديهما لهما الخيار في الإمضاء أو بالفسخ. الآن لاحظ هذه العبارة ليست عبارة المختصر، لكن قد تكون بالنسبة لك أوضح؛ أنها ذكرت أن البائع والمشتري بعد انتهاء العقد ما داما في المجلس ولم يتفرقا بأيديهما عرفًا، فهما في الخيار، يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ العقد.
وأن التفرق يجب أن يكون بماذا يا طارق؟ بالبدن، وهذا التفرق بالبدن ما ضابطه؟ العرف؛ لأن أماكن عقد البيع تختلف، فمن عقد في الصحراء ليس كمن عقد على سفينة، ومن عقد على سفينة ليس كما عقد في أي محل أو دكان أو ما شابه ذلك.
أحسنتم، هل يجوز لأحدهما أن يفارق صاحبه ببدنه حتى يلغي حقه في الخيار؟ قلنا لا يجوز أن يتعمد أحدهما مفارقة المجلس ليُسقط حق صاحبه، فإذا فعل فهو آثم ولكن سقط الخيار.
الخيار الثاني ما هو؟ ما هو خيار الشرط؟ اشرحه يا مبارك. جيدة، ما معقولة... تفضل. والله أنا ما سمعت، أو أن اشترطاه... أحسنت، يعني لو أردت أن أعبر بعبارة أخرى: أن يطلب أحدهما لنفسه مدة معلومة. صح، أن يطلب أحدهما، أو كلاهما، ممكن ما عندنا مشكلة أن يطلب أحدهما، البائع أو المشتري أو كلاهما يطلب لنفسه مدة معلومة حتى ينظر ويقرر هل سيمضي في العقد أو سيتراجع عنه.
هذه هي فكرته، فالمشتري يطلب لنفسه: والله بدي شهر، أنا خلص ماشي بعد العقد أريد أن أطلب لنفسي شهرًا حتى أقلب الأمور أوزنها، أعرض السلعة على أهل الاختصاص، ممكن واحد يقول لي رجعها، ممكن واحد يقول لي ما ترجعها. كذلك البائع ممكن يعمل معك عقدًا بس يقول لك: أنا بدي شهر أعطيني حتى أقرر هل سأجزم بهذا العقد وأمضي 100% أم يمكن أن أتراجع فيه، وهذا كله له مصالحها والناس لها مصالحها في هذه الحالة.
لكن المهم أن تكون المدة التي يطلبها البائع أو المشتري مدة معلومة، ما يجوز أن تكون مدة مجهولة، "والله أعطيني كم يوم أشوف"، لا ما بينفع، كم يوم هذا؟ "البائع والمشتري أعطيني كم يوم أشوف وضعي إذا برجع لك برجع لك"، جملة كم يوم ما بتزبط، لأنه لا بد أن تحدد لي بالضبط: الساعة 12 ليلًا ينتهي حقك، انتهى.
قلنا: «وحُرِّم حيلة»، ولم يصح البيع، كيف يكون خيار الشرط حيلة؟ تفضل. نعم، هذه الجملة ثقيلة، باب البيوع ثقيل وبده خبرة حتى يبدأ الإنسان يعبر باللفظ الفقهي. هذه الخلاصة يا شيخ أعطاكم الخلاصة، قرة عين نفعًا.
أنا فقط بدي أشوف العبارة الفقهية حتى ما أضيع الوقت، قلنا: «وحُرِّم حيلة»، بأن يكون شخص في الحقيقة يريد سيولة مالية، شخص يريد سيولة، بده يشتري سيارة، يريد يتزوج ولم يجد أحدًا يقرضه، بحث عن مقرضين ما وجد، فقال له شخص: اسمع، ما رأيك أنا وإياك كأننا نتفق مع بعض قرض، ما بعطيك قرض هيك لله بصافي نية صادقة، بدي أنتفع منك في شيء. طيب، كيف سنفعل الحيلة؟ قال لك: وأنا أني أطلب منك قرضًا مباشرة ترده لي زيادة، والله أخشى من الحرام العلني، فبده حرام باللف والدوران، يقول لك: خذ 1000 وترجع لي إياها 2000. بعض الناس يتركب عن الحرام العلني، يقول لك بخاف من الربا بس باللف والدوران ممكن يقترف الحرام. كيف باللف والدوران يقع في الحرام؟ أقول لك اسمع: أنا أعطيك 1000 دينار أو 5000 دينار على أنه ثمن لسيارتك، وآخذ منك سيارتك، وأطلب منك خيارًا لمدة شهر، خلال هذا الشهر...
«تبقى سيارتك عندي، راح أستأذنك في استعمالها كمان، ما عاد يكون تصرف، وأستأذنك في استعمالها وبعد ما ينتهي هذا الشهر أنا أرد لك السيارة، وأنت ترد لي ماذا؟ الثمن على صورة أنه خيار شرط تم الانتهاء منه».
يعني كأننا عملنا صفقة بيع، كأنك بعتني سيارتك وأنا أعطيتك 5000 واشترطت أنا لنفسي خيار الشرط لمدة شهر، هل أنا فعلياً بدي خيار شرط؟ لا، أنا فعلياً بدي أخلي البيعة معلقة حتى عند انتهاء الشهر أو قبيل انتهائه، لأنه معي خيار شرط أستطيع أن أرجع السيارة وأنت ترد لي الثمن، وكأننا فسخنا البيع. وفي الحقيقة نحن لم نفسخ البيع، نحن نضحك على أنفسنا من البداية؛ الحقيقة أنني أقرضتك واستفدت منك منفعة وهي أنني قدت سيارتك لمدة شهر، وبعد الشهر أرجعت لك السيارة وأعدت مالي، فهو قرض جر نفعاً، فهمتم كيف يكون هذا؟
قال: وخلال مدة خيار المجلس وخيار الشرط تنتقل ملكية السلعة لمن؟ السلعة تنتقل للمشتري، والثمن في المقابل تنتقل ملكيته لمن؟ للبائع. طيب ما فائدة هذه المسألة؟ ليس هذا هو الأثر الأبرز، لا، نعم هو أكيد كلامك صحيح لن يستطيع أن يتصرف لأن الملكية انتقلت، لكن هناك أثر هو الأوضح في هذا الباب.
أحسنت، اللي هي قاعدة «الغنم والغرم»، هيك تحفظها؛ فائدة هذه دائماً بعض الكلمات بتطلها مفتاحية بتنساها. فائدة هذه المسألة طبعاً لها فوائد، لكن أبرز فائدة لها تطبيق قاعدة الغنم والغرم، أنه ما دامت هي ملك للمشتري خلال مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، فإذا تلفت؛ تلفت على المشتري، ما بيقدر يحكي للبائع: «والله تلفت، رجع لي مصاريه»، لا، تلفت على ملكك.
لكن في نفس الوقت إذا أنجبت، فالنماء المنفصل سيكون للمشتري، وإذا قرر أن يرد السلعة يردها بدون نمائها. فالعنزة اللي حكيت عنها اللي ولدت عندي كمشتري، المولود لي؛ فإذا أنا قررت قبل انتهاء خيار الشرط أو خيار المجلس أني أفسخ العقد وأرجع العنزة، بيقدر يجي يحكي لي البائع: «لا يا شيخ، تعال بدك ترجع العنزة بدك ترجع لي ابنها؟»، أقول له: لا، ما بيطلع لك، الابن لي. بيطلع؟ طيب ليش؟ ما أنت هيك فسخت العقد يا شيخ! بقول: خلال مدة الخيار الملك للمشتري، فهناك غرم وهناك غنم.
يعني ينفع إذا تلفت تحكوا للمشتري: «خلص أدبست فيها»، بس إذا ربحت بتحكوا للمشتري: «بيطلع لك الربح»، لا، ما هو أنتم ظلمتوني هيك! يا بتعطوني الغنم كما بتحملوني الغرم، يا إما بترفعوا عني الغنم والغرم. فالإسلام لا، قال عليك غرمها إذا تلفت، والبائع خلص ما بتقدر تفسخ معه، بس مقابل الغرم أعطيناك الغنم؛ أنه إذا أنجبت الناقة أو أنجبت الشجرة وكان هناك نماء منفصل حصل، فهذا النماء بيكون لك. فحتى لو قررت تفسخ العقد بترجع السلعة الأصلية، أما ما تولد منها هذا حقك الشخصي ما له أن يطالبك بإرجاعه.
وهذه قصة صارت في زمن النبي ﷺ، وإن كانت طبعاً في خيار العيب بس هي نفس الفكرة؛ أن رجلاً اشترى عبداً واستخدمه لفترة، وهذا العبد جاب له مصاري وفلوس، بعد فترة وجد المشتري أن العبد فيه عيب، فصار في خيار عيب، فقرر المشتري أنه خلص أنا بدي أرجع العبد للسيد بتاعه -عفواً- للبائع ويرجع لي مصاريه، فالبائع أجا اعترض قال: يا رسول الله، انتفع من العبد شهر كامل والعبد بيشتغل وبيجيب له مصاري، بدي الغلة! النبي ﷺ قال: «لا، الخراج بالضمان»؛ يعني بالغرم، أنه لو تلف العبد عنده فهو عليه تمام، فبالتالي غنم العبد سيكون له.
والآن الفسخ لا يؤثر على قضية الغنم والـ... طيب، لكن حتى لو قلنا إن ملك السلعة يكون للمشتري وملك الثمن يكون للبائع، لكن هنا هذا لا يقتضي حرية تصرف كل واحد منهما في ملكه، ما بيطلع للمشتري يحكي: «ما دامت السلعة ملكي بدي أعمل فيها اللي بدي إياه»، بقول له: لا، تعال أنت لا تستطيع أن تتصرف فيها كما شئت إلا في حالة ما، وهي: إلا إذا كان الخيار لك أنت فقط والطرف الآخر أسقط خياره، ما دام الخيار لك أنت فقط خلص تصرف فيها كما شئت، بس بدك تعرف في اللحظة التي ستتصرف بها، بمعنى تعقد عليها أو تبيعها لشخص ثالث ورابع وخامس، أنت أسقطت خيارك.
وأما مسألة العتق، فقلنا هي مسألة مستثناة؛ متعلقة أن العتق أقوى نفوذاً من كل الشروط والقيود الأخرى، فلذلك العتق ينفذ ولو كان الخيار لكليهما.
الخيار الثالث ما هو؟ أخذنا خيار المجلس أخذنا خيار الشرط، الخيار الثالث ما هو؟ المفضل: خيار الغبن بما يخرج عن العادة، وذكرنا له ثلاث صور. يا عمار، صورة من خيار الغبن: النجش، ما هو النجش؟ طبعاً هي بإسكان الجيم على المشهور. ما هو؟ شو صورته يا عمر؟ أحسنت، نكون في مزاد ويكون البائع في العادة متفق مع شخص واضح يرفع السعر وهو لا يريد الشراء، وإنما يوهم الجمهور أن السلعة نفيسة، فيصبح المشتري الحقيقي يرفع، حتى يرسى السعر على رقم معين هو بده إياه البائع، فبيكون المشتري اشترى السلعة بعد أن رفع ثمنها كثيراً ظاناً أنها تستحق وهي في الواقع ليست كذلك.
الصورة الثانية، بتذكر يا شيخ؟ الصورة الثانية من الغبن، إحنا ذكرنا ثلاث صور، تفضل. أحسن، يجي شخص مسكين درويش ما يعرف الأسعار، مسترسل على بساطة، يعني أخونا فالبائع شاف أنه المشتري غشيم، رفع عليه السعر أضعافاً يخرج عن العادة، مش إنه رفع عليه نص قرش ولا ربع دينار، لا، رفع عليه بما يخرج عن العادة. هنا المسترسل بعد ما رو على البيت أبوه قال له: «يابا شو هذا فضحنا؟»، قال له: «يابا أكل هل بحق يرجع السلعة؟»، نعم، لأنك أنت المسلم، الإسلام إخواني عظيم، الإسلام بيعلمك الأخلاقيات، أنت ما بيصير تستغل سذاجة الناس، بدك تربح اربح بس بما هو ضمن المعتاد وليس استغلالاً لضعف الناس وحاجتهم. ما بيصير الأب والابن يروح الأب وياخذ ابنه، بيرجعوا للزلمة السلعة بقول له: «اعطيني الثمن»، أو إذا الأب خلص يعني رضي، في النهاية بيرجع له الموضوع.
طيب الصورة الثالثة إيش كانت؟ خلاص، فاصل حذيفة. تلقي الركبان، إيش صورة تلقي الركبان؟ بيشتروها من الحدود، تجار البلد يخرجون إلى الحدود فيستقبلون الوافدين، إما يشترون منهم أو يبيعونهم، إذا اشتروا منهم بثمن بخس، وإذا باعوهم رفعوا عليهم لأنهم غشموا ولساتهم على الحدود ما دخلو، فإذا دخل هؤلاء الوافدون إلى جوا، إلى داخل الأردن، وعرفوا الأسعار الحقيقية هم في الخيار، لهم خيار اسمه خيار الغبن، يرجعوا للتجار هؤلاء يقولوا: تعالوا أنتم ضحكتوا علينا بدنا...
ترجعوا لنا السلع وخذوا أثمانكم ونحن بنرجع صافي، ويجبر هؤلاء التجار على هذا. قلنا لا للاستعجال؛ إذا خدع الرجل لاستعجاله فهو يتحمل ثمن هذا، لذلك القانون يقول: القانون لا يحمل المغفلين. إذا أنت مستعجل أنت بتتحمل نتيجة استعجالك، ليس أنا أظن أنني أحميك وأنت مغفل تستعجل.
الخيار الرابع ما هو؟ ركزوا معي إخواني، أخونا عمر مرة سألني سؤالًا أعتقد أنه مهم: ما هو الفرق بين خيار التدليس وخيار العيب؟ أو بعبارة أسهل: ما الفرق بين التدليس والعيب؟
البعض يقول: يا شيخ ما الفرق بينهم؟ أنا شايف أن التدليس هو عيب، عيب أنا أخفيته. لا، التدليس ليس عيبًا أنت أخفيته ابتداءً. ما الفرق بين التدليس والعيب؟
أحسنت، العيب هو إخفاء خطأ أو خلل موجود في السلعة. أما التدليس، فالسلعة سليمة وفيها مشكلة، لكن أنت تريد رفع مواصفاتها أكثر وأكثر حتى ترفع سعرها. في التدليس السلعة في الوضع الطبيعي ما كان فيها مشكلة ولا عيوب، بس أنا بدي أرفع مواصفاتها أكثر وأكثر عشان أرفع سعرها.
المعروف في عالم السيارات أن السيارة لونها أبيض سعرها أقل من السيارات ذات الألوان المختلفة، فيعتبرون اللون الأبيض غير مرغوب فيه كثيرًا مقارنة بالسيارات الأخرى لأنه مختلف. فشخص سيارته بيضاء، عمل طلاء خارجي غير حقيقي؛ ذهب لشخص واستخدم "رشاش" سريع وليس دهانًا حقيقيًا، لكي تظهر كأن لونها كحلي. لم يعمل دهانًا حقيقيًا، لماذا فعلت ذلك وعملت طلاءً وهميًا باللون الكحلي؟ قال: لأنها صراحة ليس فيها عيوب، بس أنا عارف أن اللون الأبيض غير مرغوب فيه، فأريد رفع سعرها فوضعت عليها لونًا كحليًا برشاش مائي، إن شاء الله أول غسلة سيعرف أنه ضحك عليه.
وهذا مثال تسوية شعر الجارية؛ الجارية ما كان فيها عيوب، كان شعرها أسود أو أصفر، وفي ناس تحب الشعر الأبيض، فهو ليس عيبًا في السلعة بحد ذاته، لكنه مواصفة ليست عالية، والناس تحب الجارية التي شعرها أسود. فهو عندما صبغ شعرها بالأسود، ليس لأن فيها عيبًا في الخلقة، بل لأن أمورها تمام، لكن يريد زيادة سعرها، فدهن شعرها بالأسود. فغرك أنت، ولما ذهبت إلى الدار في أول حمام اكتشفت أن هذه صبغة وأن شعرها ليس أسود بل أبيض.
نفس الشيء التصرية؛ هل الناقة في وضعها الطبيعي كان فيها عيب؟ لا، أنا فقط أريد زيادة مواصفاتها فربطت ضرعها حتى تظهر أنها أحسن، بينما هي في وضعها الطبيعي لم تكن فيها مشكلة، بل ضرعها طبيعي، لكنني ربطت الضرع حتى تظهر أنها نفيسة وليست كأي ناقة. إذاً في خيار التدليس، التدليس ليس سترًا لعيب وإنما هو رفع للمواصفات.
أما خيار العيب، فهو عيب فعلي موجود في السلعة؛ السلعة مكسورة أو فيها خلل، فأنا أريد ستر هذا الخلل، أو على الأقل ألا يعرف المشتري أنه موجود، ثم ينبهني المشتري بعد الشراء أنه موجود. فهمتم إخواني ما الفرق بين التدليس والعيب؟ هذا التفريق مهم جدًا في الأحكام.
خيار التدليس يكون بما يزيد الثمن، أي بإضافة وصف على السلعة يزيد به ثمنها، مثل التصرية ومثل تسوية شعر الجارية.
كنت أتحدث مع الشيخ عمرو بهجت قبل فترة عن موضوع دراسة الفقه، وهو يقول -وكلامه صحيح لدرجة عالية-: أنا أفضل أن يتم التركيز على كتاب واحد أكثر من أن يكون المقصود إنهاء كتب كثيرة. كان يقول لي: تعرف يا شيخ، لو درسٌ واحدٌ يشرح المختصرات ببطء مع أمثلة وتطبيقات والشباب تفهمه، أفضل من بعض الشروح التي هدفها "لف ورق" فقط.
ما هدفي أنا؟ هل هدفي أن أقول إني ختمت أقصى المختصرات خلال خمسة أشهر، بينما الطالب لا يفهم التدليس ولا يفهم العيب ولا يفهم الفرق؟ أنت لا تستفيد شيئًا من الشروح التي هدفها فقط أن اسمك ختمت كتابًا، لكن في الواقع ليس لك قدرة على تطبيق أي قاعدة من قواعد الكتاب في واقع الحياة.
ولذلك دائمًا أعتقد أن الدرس الفقهي بطبيعته درس طويل، ولا أتعجب من إخواننا المغاربة أن لديهم نفسًا جيدًا في إطالة الدرس الفقهي، طبعًا إطالة معقولة الهدف منها ترسيخ المادة الفقهية. الشيخ مولود جلس يشرح مختصر خليل، ربما شرح درسًا رقم 800، لو تأتي اليوم لشاب تقول له: تعال ندرس شرح المختصرات في 1000 درس، سيقول لك: أنا لست صابرًا معك.
حقيقة الدراسة الفقهية تحتاج إلى إعادة نظر؛ هل الهدف فعليًا هو فقط ختم الكتاب؟ أم الهدف أن تشعر بالفائدة الحقيقية بعد إنهاء الكتاب؟ أن المصطلحات التي عدناها مع الشيخ وزدنا عليها وجبنا أمثلة وطرحنا وناقشنا، صرت تفهم المثال وتستطيع أن تطبق: "آه والله هذا اسمه تدليس، هذا اسمه عيب". حتى يأتي الناس ويسألوك من أقاربك: "ماذا نفعل في خيار العيب؟ اشتريت سيارة فلانة..."، أنت تحتاج أمثلة كثيرة حتى تجد المسألة الفقهية القديمة تراها حية في واقع حياتك المعاصر.
فدائمًا يا طالب العلم لا تستعجل، لا تقل "متى الختام؟"، الفقه ليس "متى الفقه"، بل "كيف الفقه" كما يقولون. المهم هو فهم المادة وليس متى تنتهي. حتى لو لم تنهِ الكتاب، لو أنهيت ثلثي الكتاب وأنت تفهم، والله إني أعطيك الكتاب هذا ثلاث أو أربع مرات سريعًا، أفضل من أن تعجل وأنت لا تفهم، وتكتفي بتمشية الأوراق وأنت لا تعي الأمثلة التطبيقية الحية. فدائمًا طوّل نفسك واستعن بالله، وقول الفقه هذا مشروع عمر، الفقه مشروع عمر لا ينتهي حتى تلفظ أنفاسك.
خيار العيب؛ قلنا ما هو خيار العيب؟ قال: خيار عيب ينقص قيمة المبيع. نحن قلنا العيب أيها الإخوة له شكلان أو ثلاثة أشكال؛ فعليًا أن يكون ينقص عين السلعة ولم ينقص قيمتها، مثلما ذكرت لك مثال العجل، ولكن أريدك أنت أن تذكر مثالًا آخر لنقص العين.
لا يؤثر هذا على القيمة السوقية، وتوجد أمثلة كثيرة. الحالة الثانية: نقصت القيمة ولم تنقص العين، مثل السيارات؛ في الأردن بعد أن تدخل السيارة في حادث، هي ليس فيها مشكلة، ولكن يقولون لك نقصت قيمتها. هذا أغلبه دجل، ولكن من أجل أصحاب السيارات في الدول الأخرى، يقولون: هذه سيارة مضروبة، ففيها نقص، رغم أنها لم تنقص كعين، ولكن الخبراء يعرفون أنها في يوم من الأيام كان لها حادث، فبالتالي تظل مضروبة طول عمرها.
الحالة الثالثة: نقصان العين والقيمة، وكلاهما مثبت لخيار العيب. وإن كان ظاهر العبارة أنه خص خيار العيب بما ينقص القيمة، لكن حقيقة خيار العيب لا يتعلق فقط بما ينقص القيمة كما هو ظاهر عبارة الإخصار، بل يشمل أيضاً ما ينقص العين ولو لم تنقص القيمة.
الآن ذكرنا بعدها عدة مسائل، قلنا: إذا علم العيب، فمن الذي علم العيب؟ المشتري. أحسنت، إذا علم المشتري بالعيب، اشتريت سيارة بعد أن انتهى العقد وعرف بوجود العيب، سواء بعد أن انتهى العقد مباشرة أو بعد خمس سنين، أو بعد عشر أو خمس عشرة سنة، متى ما عرف العيب في أي وقت، خير المشتري بين ماذا؟ بين إمساك مع أرش، وما هو الأرش؟ وما بين رد المبيع؟
لقد قلت في الدرس الماضي القيمة، ولكن حتى أكون دقيقاً، الفرق بين الثمن والقيمة مهم. الأرش هو الفرق بين ثمن السلعة صحيحة وثمنها معيبة، ويُحسب من خلال القيمة. المعادلة هي: (قيمة السلعة معيبة ÷ قيمتها صحيحة) × الثمن الذي دفعته. النتيجة ستكون هي ثمن السلعة المعيبة، ثم تطرح هذا الناتج من ثمن السلعة الصحيح، فيخرج لك الأرش.
إذن، الأرش هو الفرق بين ثمن السلعة صحيح وثمنها معيب، ويُعرف ذلك من خلال معادلة القيم. بعد عملية القسمة، تضرب الناتج في الثمن. هي نفس الفكرة، أنت فقط قمت بخطوة أخرى.
قال: فإذا علم المشتري العيب، خير المشتري بين أن يدع السلعة عنده ويطالب البائع بالأرش بالطريقة التي قلناها، أو أن يرد السلعة ويأخذ ثمنه. والأرش يوجد في خيار العيب، لكن لا يوجد في خيار التدليس ولا في خيار الغبن؛ في خيار الغبن وخيار التدليس، إما أن ترجع السلعة وتأخذ ثمنك، أو تتركها عندك، ولا يوجد أرش. أين يدخل مفهوم الأرش؟ يدخل في خيار العيب، وسياتي معنا في مكان آخر إن شاء الله.
قال: وإن تلف المبيع أو عتق ونحوه. ومعنى "ونحوه" أي حصل فيه أي شكل من أشكال الإتلاف الحقيقي أو المعنوي، كأن صبغها بغيرها أو دخل فيها واستهلكها. إذا تلف المبيع أو عتق، لأن إعتاق المشتري للعبد الذي اشتراه هو إتلاف له؛ فبمجرد أن صار حراً فقد أتلفه.
الفكرة في المسألة: إذا علم المشتري بالعيب بعد أن حصل إتلاف للسلعة. المسألة الأولى: إذا علم المشتري بالعيب قبل أن تتلف السلعة وهي ما زالت عنده. المسألة الثانية: إذا علم المشتري بالعيب بعد أن حصل التلف، كأن عرف أن السيارة فيها عيب بعد أن تلفت، وتيقن من هذه المعلومة والبائع اعترف بها.
قال: وإن تلف المبيع أو عتق ونحوه، ماذا نفعل؟ قال: تعين أرش. لا يستطيع المشتري أن يذهب للبائع ويقول له: أرد لك السلعة وأعطني الثمن، لأنه لا توجد سلعة، السلعة تلفت، فيتعين عليه أن يرضى بالأرش، ونطبق معادلة الأرش التي حكيناها.
إلا إذا ثبت أن البائع كان يعلم بأن السلعة معيبة وباعها غشاً، في هذه الحالة، حتى لو تلفت السلعة، هل سيعوض البائع؟ نعم، سيعوض البائع بشرط إذا تلفت بتعدي المشتري واعتدائه، أما إذا تلفت وحدها فلن يعوض البائع.
في حالة أن البائع كان هو الغشاش، فإن المشتري له أن يطالب بالثمن، فيقول للبائع: رجع لي الثمن. وهل سيطالب المشتري البائع بتعويض عن تلف السلعة؟ إذا كان المشتري لم يتعدَّ، فلا يطالب بالتعويض؛ لأن البائع هو المسؤول، هو الذي يتحمل غشه، أنت بائع غشاش وخدعتني، فلا تطالبني بأن أعوضك.
تلفَت وحدها، يعني أنا اشتريت من البائع شاة، والشاة رحمه الله عليها ماتت. الآن، هل له أن يطالبني بردها؟ إذا عرفت الآن طبعاً ماتت وعرفت أن فيها عيباً، وكان هو البائع غشني وعرفت أنه غشني، هنا أستطيع أن أرجع للبائع وأقول له: جبرًا عنك تعطيني الثمن، والشاة ماتت وحدها، ما أنا اعتديت عليها، ليس لك شيء مقابلها.
هذا معاقبة الغشاش، شيء طبيعي، أما إذا أنت سببت موت الشاة، كأنك ذبحتها مثلاً، فأنت تريد أن تعوضه فيها، ماذا سأعوضه؟ بالقيمة المعيبة أم بالبدل؟ حقيقةً لم أجد نصاً واضحاً هنا أنه في مسألة الشاة سنطبق فيها قاعدة البدل. الأصل في قاعدة البدل أن المثل بمثله والقيم بقيمته؛ صحيح، الأشياء المثلية عليك أن ترد مثلها، وإذا لم تكن مثلية ترد قيمتها، إلا في بعض المسائل حتى المثليات ترد بقيمتها، فيأتي معنا بعد قليل نموذج منها.
هل هذه المسألة: يطالب المشتري برد إذا تعدى برد القيمة حتى في المثليات؟ أم نقول له: إذا كان مثلياً فترد المثل معيباً، وإذا كان قيمياً فترد بالقيمة؟ الحقيقة لم أجد نصاً واضحاً، لكن قياس ما سيأتي معي في مسألة بعد قليل إن شاء الله، لا، بل الأصل يمكن نقول إنه يرد القيمة فقط حتى ولو كان ضمن المثليات، حتى ولو كان الشيء له مثل معيب، المطلوب منك أن ترد القيمة المعيبة.
فإذاً هذا تعديل وضبط للمسألة: إذا تلف المبيع عند المشتري تعين الأرش، ولا يجوز له أن يطالب البائع بالثمن إلا في حالة واحدة؛ إذا عرفنا أن البائع غشاش، هو باعها وهو يعرف عيبها، هنا حتى لو تلفت السلعة عند المشتري له أن يطالب البائع بالثمن.
فالسؤال: هل سيطالبه البائع بالتعويض عن السلعة التي تلفت إن كان بتعدٍ من المشتري؟ نعم، له أن يطالبه بالتعويض، والأظهر -وهذا بحث ولست جازماً فيه- أن عليه أن يدفع المشتري قيمة السلعة المعيبة، وأما إذا كانت ماتت بقضاء الله وقدره أو هلكت بقضاء الله وقدره، فليس للبائع أن يطالب المشتري بأي تعويض.
المسألة التي تليها: وإن تعيب عنده. هذه مختلفة عن المسألة السابقة؛ هنا البيعة لم تتلف، ماذا حصل فيها؟ زاد عيبٌ عند المشتري. يعني المشتري اكتشف أن فيها عيباً قديماً، ولكن للأسف طرأ عليها عيب جديد عند المشتري، فصار فيها عيبان: عيب قبل الشراء وعيب بعد الشراء. فهنا يُخيَّر المشتري، ولاحظ أنه هنا الكرة دائماً في ملعب المشتري؛ لأنه هو المخدوع، هو المسكين الذي وقع في الفخ كما يقولون.
هنا سيخير المشتري بين أخذ أرش العيب القديم، فتقول له: تأخذ أرش العيب القديم؟ فتقول للبائع: خلص، أنا السلعة سأخليها عندي ولكن يجب أن تعطيني أرش العيب القديم، فنقسم المعادلة: السلعة معيبة بالعيب القديم على السلعة الصحيحة، وتمشي في المعادلة وتعرف الأرش المطلوب أخذه، أو أن يرد السلعة إلى البائع ويأخذ الثمن.
لكن هنا البائع ماذا سيقول له؟ أنت الآن يا مشتري تريد أن تدفع لي أرش العيب، فماذا عن أرش العيب الجديد؟ لكن هنا طبعاً وضعنا قيداً أن أرش العيب الجديد سيدفعه المشتري، إذاً ماذا؟ إذا بقيت قيمة للسلعة. أما إذا كان العيب الجديد لم يُبقِ قيمة للسلعة حقيقية، كأن تكون بطيخة وفتحها المشتري ليعرف ما فيها فوجدها فاسدة، ففتح البطيخة هو الحل الوحيد حتى يعرف البطيخة فاسدة أو لا، فاكتشف أنها فاسدة، ففيها عيب قديم، وهذا العيب الجديد (فتح البطيخة) جعلها لا قيمة لها، فصارت في حكم أنه لا قيمة لها، فلا يجوز للبائع أن يطالب المشتري بأرش عنه. وكذلك كسر البيضة وفتح البطيخة، هذا أكبر مثال يُذكر.
ثم قلنا: وإن اختلف فيمن حدث العيب. يعني في عيب واحد موجود، لكن البائع والمشتري اختلفوا؛ قال البائع: والله هذا العيب حصل عندك يا مشتري، وجاء المشتري وقال: لا والله ما أنت صادق، العيب من عندك قبل أن أشتريه موجود. هنا ماذا سنفعل يا طالب؟
طبعاً هذا الكلام النهائي، ولكن أنت دائماً الكلام الأولي: مطالبهم بالبينات. إذا استطاع شخص أن يثبت بالشهود، فإنه ينفع، كفقيه، المشتري يحلف وينتهي الأمر، لكن انتظر، ليس الأمر أن تحلف يا مشتري وتُقضى المسألة، لا، سنقول: هل أحد عنده بينة منكم؟ إذا أتى البائع بالبينة ولم يأتِ المشتري بها، فالقول قول البائع، وإذا أتى المشتري بالبينة فلا أحتاج إلى يمينه. لكن المشكلة إذا لم يأتِ كلاهما بالبينة، أو كلاهما أقام بينة، هنا تكافؤ عند التكافؤ فالقول قول المشتري.
الفكرة التي أتحدث بها إخواني، امشوا فيها على كل المسائل التي ستأتي معنا من الآن فصاعداً: أنه لما يقول لك «فقول فلان بيمينه»، اعرف أنه اختصر عملية القضاء؛ لأن عملية القضاء لا تبدأ باليمين، عملية القضاء تبدأ بالبينات، لكن هو يتصورك فاهماً إياها ضمنياً، فيقول لك: «فقول فلان بيمينه»، دائماً بعد البينات وبعد طلب البينة.
اليوم راجعنا إن شاء الله، والموضوع وضحت مشاكله، وإن كانت هناك مسألة غير واضحة إخواني ضمن ما شرحناه سابقاً، نكتفي اليوم بهذا القدر، فالمراجعة جيدة أحياناً لتثبيت بعض الأفكار. الدرس القادم نعود لنشرح خيار تخيير الثمن وخيار اختلاف المتباع فيه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل