بسم الله، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعًا.
الله يكرمك، بارك الله فيك، الصوت جيد. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكابر في مجلس جديد من مجالس التعليق على «أخصر المختصرات» للإمام ابن بلبان الدمشقي الحنبلي، وما زلنا نعيش في كتاب النكاح، بدأنا فيه الفترة الماضية.
أريد أن أنبه فقط، حتى تتم الفائدة في موضوع السرية التي تناقشنا فيها المرة الماضية، هناك تعديل على الحواشي السابغات. أريد أن تعدلوا، الإخوة الذين معهم الحواشي السابغات ويقرأون منها، ما أعرف النسخة الحديثة إذا كان الشيخ أحمد عدل أو لم يعدل لما تكلم عن قضية وضع اليد على السرية؛ أنه في باب الهبة -لما في باب الهبة- نعود لما تكلمنا: هل للأب أن يتملك من مال ولده؟ استثنينا السرية، صحيح؟ والآن نص الشيخ أحمد لما عرف السرية ماذا عرفها؟ قال: «وهذا مستثنى، فليس للأب تملك أمته تملك أمه ولده». هذا الإطلاق غير دقيق، هذا يحتاج إلى تعديل.
ليس للأب تملك أمه الولد إذا كانت تُطأ، عرفت؟ وهذا الذي يصنع الوهم أحيانًا، وهذا شيء متصور، كثرة القيود قد تضلل الإنسان في كتابه. لأنه إن تقول: ليس للأب أن يتملك أمته الولد، لما تناقشنا فيها الدرس الماضي عرفنا أن هذا الإطلاق غير دقيق بهذه الطريقة. ليس للأب أن يتملك أمته ولده التي يطأها الولد، أما الأمة التي لا يطأها الولد فللأب أن يتملك، هذا فقط، حتى تكتمل الفائدة.
كنا تناقشنا في الدرس الماضي آخر شيء في موضوع النظر، وعرفنا أن النظر إلى المخطوبة ما حكمه يا شيخ عثمان؟ - مباح. - مباح، والإقناع ذكر أنه سنة. - سنة، وهذا كما قلت يميل إليه النظر الفقهي، لكن مع المذهب رأى أنه مباح بناء على قاعدة أصولية، أيش يا مشعل؟ - المذهب لما رأى أن هذا من باب أن نطبق بلغة الأصول، لماذا رأى المذهب أن النظر إلى المخطوبة مباح؟ في قاعدة أصولية تم تطبيقها لذلك، قالوا بأنه مباح وليس سنة.
ما هي القاعدة؟ - قاعدة من قواعد باب الأمر. - قربناها لكم، يلا عثمان. - الأمر بعد الحظر. - أحسنت، ما شاء الله. الأمر بعد الحظر، مش قلنا في لغة الأصول الأصل يفيد الإباحة؟ - نعم، صحيح. نحن قلنا إن هناك نقاشًا في القاعدة، وإن هناك من يقول إنه يعود إلى ما كان عليه سابقًا. - حتى لو عدناه إلى ما كان عليه سابقًا فهو مباح. المراه لا يخل أن يكون النظر إليها في قضاء مباح، إذا قالوا: الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة. فبالتالي المرأة حظر عليك أن تنظر لها إذا كانت أجنبية، يعني أنت تنظر إلى المرأة إذا كانت أمًا، إذا كانت أختًا، إذا كانت زوجة، في مساحة، وحظرنا عليك إذا كانت أجنبية. فبعد أن حظرنا عليك أن تنظر إليها إذا كانت أجنبية، عدنا فأمرناك أن تنظر إليها إذا كانت أجنبية في حال أنك أردت الخطبة. ألم يقل النبي ﷺ: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»؟ قال قوله: انظر إليها وهي ما زالت أجنبية هو أمر بعد حظر، والقاعدة تقول: الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة.
لكن نحن كما نعود، نقول هناك قرائن دلت على أنه أعلى من الإباحة. على رأي الإقناع، إن الأمر في وجهة نظر الحجاوي يصل إلى ما هو أعلى، وهو الاستحباب والحث والتفضيل لهذا الشيء، وليس هي فقط مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، يراها أنها أعلى، وأنا أميل معه.
نعم، استثناء أنه ماذا؟ أنه استثناء من الحظر، جواز النظر إلى المخطوبة استثناء من الحظر أصلاً وليس أنه إباحة بعد حظر. - ما هو إباحة بعد حظر؟ هو مستثنى، يعني ممكن وجهة النظر فيه أقوى من أنه يكون -كنظرة فقهية- يمكن أن ينظر إليها أنها حالة استثنائية متعلقة بقدر معين، ثم بعد ذلك نعود إلى الحالة الأصلية وهي الحظر في حق الأجنبيات. - كلامك له وجهة نظر، أنه يمكن أن ينظر إليها من قاعدة فقهية أخرى لا تطبق قاعدة الأمر بعد الحظر، لكن أصحابنا طبقوها، هم هذا النص علقوا عليه، لكن من باب النقاش الفقهي جيد أنه يمكن فعلاً أن ينظر إليها من زاوية أنها الأصل أصلاً. - بالنسبة للأجنبية، الأصل في النظر إليها مثلاً يقول شخص: هو التعليم، ليس هناك داعٍ، هي ليست حالة محظورة لفترة معينة ثم رجعنا لما كنا عليه. بالنسبة للأجنبية، النظر للأجنبية الأصل فيه التحريم، استثنينا هذا للحاجة، لا تسمى للضرورة، هي حاجة استثنينا للحاجة، ثم بعد ذلك نعود بعد أن تخرج الحاجة إلى أصل التحريم.
وبالتالي هنا هذا الاستثناء ماذا سيأخذ؟ هذا السؤال، اعتبرناه استثناءً، ماذا سيأخذ هذا الاستثناء؟ على حسب القرائن، ممكن تقول حسب القرائن: هل رغب فيه الشارع؟ هو سيعود، فيقول لك: يا أخي حتى لو كان استثناء، هو استثناء من الحظر فالأصل أن يبقى حتى على الإباحة. يقول لك: هو استثناء من الحظر، أنا آمرك بشيء والأصل أنني أحظرك منه، أنا آمرك بشيء والأصل أنني أحظرك، تقول له خلص أفعل هذا، تقول لي: هل يجوز أن أنظر؟ أقول لك: والله الوضع الطبيعي أنك لا تنظر، لكن تريد تخطب خلص انظر إليها، أقول لك انظر إليها، أعطيك كأني أذن ولا أعطيك؟ هكذا المذهب يفكر على الأقل.
فحتى على تفكير الاستثناء، أنا أعتقد أيضًا وجه الإباحة يبقى له تطبيق الاستثناء، وأن يكون له حكم الإباحة، له نظائر حتى في البيوع. ما بيقولوا يسن له النظر لوجه المرأة أو ليديها حتى إذا طلب للقضاء، قالوا يباح النظر إلى الوجه واليدين في البيوع والمعاملات. - يسن مع أنه الأصل أن يسنه، لأنه في حقوق أموال، حفظ الحقوق. - لكن الفرق ما هو يا شيخ عثمان؟ - هذه المسألة لم يوجد أمر أن انظر إلى المرأة في البيع، وإنما جاء استثناؤها أنها من باب حفظ الحقوق، أُبيح لك هذا أخذتها من باب آخر، لكن هنا أنا عندي في المسألة هي لا يوجد أمر فيها بالتحديد: انظر إليها، ومعاتبته هل نظرت إليها؟ قال لا، قال اذهب انظر، فتجد أن السياقات الحاثة على النظرة الشرعية أكثر وأكثر، والله أعلم.
طيب، المهم ثم بعد ذلك.
أتينا إلى ذوات، قلنا ما الذي ينظر إليه من المخطوبة عندنا؟ قال: ينظر إلى ما يظهر غالبًا، وحددوه في المنتهى والإقناع والغاية. وعند المتأخرين يحددون هذا بماذا يا حذيفة؟
الوجه، والرقبة، والقدم إلى الكعب، واليد إلى الكوع. طبعًا اليد إلى الكوع، هذه كانت منطقة نقاشنا الدرس الماضي، لكن كما قلنا يظهر أن المراد فعلاً اليد إلى الكوع. أما ذوات المحارم فماذا أضافوا للأربعة السابقة؟ أضافوا الساق، والرأس والشعر.
وقلنا بدنا نتناقش؛ طب إذا أبحت أن تنظر ذات المحارم إلى الساق، أليس من باب أولى تقريبًا، أو على الأقل مساوٍ، أن يباح النظر إلى الذراع والساعد؟ ليست الساق، بل بالعكس، الذراع لا تستثار فيه الأمور كما تستثار في الساق. ووجد الأخوة من خلال البحث أن القاضي -يعني الشيخ منصور نقل عن القاضي أبي يعلى- أنه ذكر ذلك ونص على أن المرأة من ذوات المحارم كما ينظر إلى رأسها، ينظر إلى يدها إلى المرفق.
فأقول: هذا الذي ذكره القاضي، وإن كان أصحابنا من المتأخرين يذكرونه فقط نسبة إلى القاضي، يعني لا ينص أنه المذهب. وجدت الشيخ يذكرونه فقط على أنه قال القاضي، لكن دائمًا الشيخ منصور -وهذه أحفظها من باب النظر في دراستك لكلام الشيخ منصور- الشيخ منصور أثناء شروحه إذا ذكر قولًا ونسبه، هو يريد أن يرفع عن نفسه أنه المذهب، ذهب لكنه يريد أن يقول لك فكر فيها. هو في النهاية نص غير معتمد فقط، لماذا أحيانًا يقول قولًا وينسبه؟ وهذا يفعله قليلًا، لكنه من أسلوبه أنه إذا رأى قولًا منطقيًا يليق به أن يكون المذهب يذكره، لكن ينسبه إلى قائله: قال القاضي كذا، كأنه بيقول لك: أنت فكر فيها، فإن يليق بها أن تكون مذهبًا في هذا الباب.
وهذا حقيقة من باب النظر الفقهي، أنا أتفق مع هذا؛ أنه إذا كانت الساق داخلة لهوى المحارم فالذراع تدخل، أما تقول لي انظر إلى الساق ولا تنظر إلى الذراع فأننا لا نعتقد أن هذا يستقيم مع النظر الفقهي، والله تعالى أعلم. تفضل سريعًا.
- شيخنا، باقي الأعضاء من جسد المرأة المحرمة، يعني هل ينبغي عليها سترها ولا يكفي أن الرجل يكف ببصره؟
إذا كان ما هو عورة، تستر ما هو عورة؛ يجب عليها أن تسترها حتى لو كانت خالية، معناه أن العورة يجب أن تستر حتى لو كانت خالية، لكن ما ليس بعورة؛ الآن إذا كان الرجل غير موجود في المنزل، يعني ما في إثارة له ولم يكن موجودًا، يمكن أن تكشف، لكن إذا كان من ينظر إليها موجودًا وحاضرًا، فالأصل أن تستر، ليس من باب أنها عورة، ولكن من باب أنها ممنوعة النظر إليها.
نعم، ثم قال: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين. ولذلك حتى في بعض الأمور، مثلاً لما يتكلم الفقهاء عن عورة المرأة إلى المرأة، ماذا يقولون؟ السرة ما بين السرة إلى الركبة. طب منطقة الصدر مثلاً، هذه هل تكون المرأة أمام المرأة كاشفة لها؟ هل معناها مش عورة؟ لا، حقيقة هذه تستر، هذه ينبغي سترها لأنها منطقة فتنة ويمكن أن توصف.
في أشياء كما قالوا، ليس الذي يجب ستره يجب أن يكون عورة، في أشياء يطالب بسترها ولو لم تكن عورة من باب أنها مناطق يخشى منها الفتن، يخشى أن توصف، يخشى أن تنقل، ليس من طبع الناس حالتهم أن يمشوا بهذه الطريقة، الحرائر أمام بعضهن البعض. فمثلاً هذه المنطقة، منطقة الصدر، ولو لم تكن عورة من حيث الكلام، لكن الأصل أن تستر ولا تكشف، إلا إذا قالوا لحاجة رضاع أو ما شابه ذلك، مع أنها كتصنيف ليست عورة.
فأنا لا أريد أن أربط أنه لا يستر فقط هو العورة، وما ليس بعورة دائماً يُكشف. حتى في الصلاة، المنكب، ليس في صلاة الفرض يجب ستر أحد المنكبين مع أنه ليس عورة بالنسبة للنظر، وإن كان عورة متعلقة بالصلاة، لكنه ليس عورة، أخذ حكماً في فترة معينة. لأن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة، وهكذا، نعم، بدليل أنه يكشف في صلاة السنة، لو كشفت في السنة المنكب ما في مشكلة عندنا. هذا يعطيك أن بعض الأشياء يطالب بسترها ولو لم يكن اسمها عورة، وأن بعض الناس رابط ربط أنه لا يجب ستر إلا ما هو عورة، هذا الإطلاق ليس بالصحيح فقهيًا.
نعم، سندخل إلى مسألة «وحرمة». اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ولعبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: «وحرم تصريح بخطبة معتدة على غير زوج تحل له، وتعريض بخطبة رجعية، وتعريض بخطبة مسلم أجيب».
بسم الله، اللهم يسر. الآن سيتكلم في مجموعة من الأحكام المتعلقة بالخطبة، وركز أن الخطبة ليست الخطبة التي تعطيها في المحاضرة، ولا خطبة الجمعة التي تلقيها. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235].
فهذه مسائل متعلقة بالخطبة، ونحن ما زلنا في أحكام الخطبة لأننا في بداية مشروع الزواج. فلذلك أول حكم أخذناه هو حكم النظر إلى المخطوبة، هذا أول حكم، ثم الآن سننتقل إلى الحكم الثاني المتعلق بموضوع الخطبة، وهو: من التي يجوز أن أصرح لها أو أعرض لها بأنني أريد أن أخطبها؟ ومن التي لا يجوز أن أصرح لها لكن يمكن أن أعرض لها؟ ومن التي لا يجوز لا أصرح ولا أعرض؟
إذن هي الأحوال، يا إخواني، ثلاثة بالنسبة لعلاقتك مع النساء الأجنبيات: الأولى: امرأة يجوز أن تصرح لها وتعرض لها بأنني أريد خطبتها، وهذه هي الحالة الطبيعية، يعني هي المرأة الطبيعية التي ليست داخلة معنا في هذا الباب، المرأة الطبيعية التي رايح تخطب، يجوز لك أن تصرح أنك تريد أن تخطبها. والثانية: أحوال لا تكون المرأة فيها يجوز أن تصرح بخطبتها، لكن يجوز أن تعرض، وهذه الحالة الثانية. والثالثة: نساء لا يجوز لا أن تصرح ولا أن تعرض بخطبتهن.
إذن الأحوال كم يا مشايخنا؟ ثلاثة. طيب، في حالة رابعة تقتضيها القسمة العقلية، هي في حالة قسمة عقلية تقتضيها لكن الفقه لا يوجد فيه، وهي امرأة يجوز أن تصرح ولا يجوز أن تعرض، لماذا هذا ممنوع؟ للقياس الأولى، لأن القياس الأولوي يمنع أن تكون امرأة بصير أصرح لها أني أريد الزواج بها، ثم يقول ما يصير أعرض لها! إذا صرحت لها أنت ارتكبت الأعلى. فالحالة الرابعة هذه انساها.
تعرفها أنها موجودة عقلاً لكنها غير موجودة فقهاً. هنا سيتكلم عن الحالة الثانية والثالثة، فبدأ بماذا؟ بدأ بالحالة التي يجوز فيها التعريض ولكن لا يجوز التصريح، فقال: «وحرم تصريح بخطبة معتدة».
كلمة المعتدة هنا تشمل أولاً المعتدة من الوفاة، وتشمل ثانياً المعتدة البائن من زوجها. أما المعتدة البائن من زوجها، فإما أن تكون المختلعة؛ لأن عدتها عدة بائن لا يستطيع الزوج أن يرجعها، فالمختلعة عدتها عدة بائن، لا يستطيع الزوج أنه يرجعها، ألا ترى أنها اختلعت منك، فلا تستطيع أن ترجعها، وقد استفدنا أن بعدما تكون قد دفعت لها المهر فالمختلعة عدتها عدة بائن. وكذلك المطلقة ثلاثاً، عدتها عدة بائن؛ لأن المطلقة في الطلقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
فإذا كانت العدة بائن، فهي المرأة المختلعة والمطلقة ثلاثاً. فيقول: «وحرم تصريح بخطبة معتدة»، سواء عِدّة وفاة أو عِدّة بينونة، وعِدّة البينونة إما أنها مختلعة من زوجها وإما أنها مطلقة ثلاثاً، وستأتي معنا أحكام الطلاق إن شاء الله لاحقاً. فهذه أثناء فترة العدة لا يجوز أن تصرح، تقول لها: أريد أن أتزوج منك، فلا تضيعي نفسك عليّ. لكن يجوز أن تعرض، فتقول لها: والله إنني أبحث عن زوجة صالحة، وإن شاء الله ربنا ييسر لنا الزوجة الصالحة، أمامها تظل تدعو أمامها دعوات رايح جاي.
طبعاً هناك بعض الألفاظ كما قلت لكم أستغرب أنها جعلت من قبيل التعريض، كقول: «لا تفوتيني نفسك» أو شيء يذكرون أنها تعريض، لكن القضية عرفية؛ يعني هم يعتبرونها من قبيلة التعريض، لكن نحن نشعر، تقول لوحدة: «لا تفوتيني نفسك»، ما ظل حاجة، صرنا تصريحاً شبه تصريح. لكن فقهياً روي عن بعض الصحابة أنهم اعتبروا هذا من قبيل التعريض. فهذه العبارات، هل هي تصريح أو تعريض؟ الحكم فيها للعرف؛ يعني أنت لا تشغل بالك، لا تقعد تحفظها، هذه عبارة العرف، والمعاصر هو الذي يحكمك؛ هل هذه تعتبر تعريضاً أو تصريحاً.
إذن، خلال فترة عدة الوفاة أو المطلقة البائن لا يجوز التصريح ويجوز التعريض. واستثنوا شخصاً واحداً يجوز له التصريح كما يجوز له التعريض، وهو زوجها السابق. في عدة الوفاة مستحيل، زوجها السابق أصلاً هي تعتد منه، ميت رحمه الله، لكن من هو الذي يمكن أن يكون في حالة البينونة؟ ليس في صورة المطلقة ثلاثاً؛ لأن المطلقة ثلاثاً لا يستطيع أن يتزوجها. لكن في أي صورة قالوا؟ في صورة المختلعة، إذا امرأة اختلعت من زوجها فهي الآن بائن.
المختلعة بائن، ونفس الشيء عند الحنابلة في ثلاث حيضات خلال هذه الفترة، زوجها هو الوحيد، زوجها السابق الآن، هو الوحيد الذي يستطيع خلال العدة أن يصرح لها أنه يرغب بإعادة عقد الزواج. وهل يصح أن تعمل عقد الزواج وهي لم تخلص العدة؟ نعم، لأن هي أصلاً عدتها من مَن؟ منه هو، والعدة أساس استبراء الرحم أصلاً، فإذا كانت منه هو فليس هناك مشكلة لو رجعوا تزوجوا، ولكن سيتزوجون بعقد ومهر جديدين.
فقالوا: هذه المسألة التي يظهر لي أنها خاصة للمختلعة، فالمختلعة بالتحديد خلال عدتها يجوز لزوجها السابق أن يعود ويصرح، ليس فقط يعرض، بل يصرح أنه يريد أن يتزوج منها، وإذا قبلت ورضيت نعمل عقداً جديداً ومهرًا جديدًا، الله يسر أموره. هي عليها طلاق، وسيأتي معنا الخلع؛ إذا لم يكن بلفظ الطلاق فهذا خلع وفسخ، لكن إذا كان بلفظ الطلاق سيكون طلاقاً، على حسب الخلع بأي لفظ، ما بدنا نشد في هذه المسألة.
طيب، الحالة الثانية: «وتعريض بخطبة رجعية». طبعاً إذا قال التعريض ممنوع، فأنت تلقائياً التصريح ممنوع، فتعريضاً وتصريحاً بخطبة الرجعية حرام. الرجعية هي المطلقة التي ما زالت في عصمة الزوج ويستطيع الزوج أن يرجعها، لم تنتهِ العلاقة منها، وهذه هي المطلقة بالطلقة الأولى أو الطلقة الثانية. خلال عدتها هي رجعية يستطيع زوجها أن يرجعها، فخلال الرجعة سنعرف أنها زوجة، فكأنك لما تروح تصرح أو تعرض بخطبتها، كأنك تذهب لامرأة متزوجة وتقول لها: أريد أن أتزوجك، وهذا لا يجوز، وهو حرام، وأنت هكذا من التخبيب؛ لأننا في فترة الرجعية سميناها رجعية وخليناها لازم تقعد في بيت زوجها لعله تصلح الأمور، تروح حضرتك تزيد الكاز على النار زي ما يقولوا، وأنت هكذا فتحت باب النار وتريد أن تهدم أسرة. فلذلك المطلقة الرجعية يحرم التعريض والتصريح تماماً، لا تقرب منها باختصار، لا تقرب منها.
ثالثاً: «وخطبة على خطبة مسلم». لا يجوز أن تخطب، طبعاً يا إخوان كلمة الخطبة في الفقه الإسلامي تختلف عن الخطبة في واقعنا المعاصر. نحن الخطبة في واقعنا المعاصر هي التي هي العقد، لكن في الفقه الخطبة هي أن تذهب وتطلب الفتاة من بيت أهلها، أو تطلب الفتاة عموماً؛ هي طلب الفتاة. هذه هي الخطبة، فهمتم؟ ليست هي العقد، حتى لا تفسر الأحكام التي أقولها على واقعك المعاصر بل على المفهوم الشرعي.
طيب الآن، إذا أخوك المسلم خطب فتاة، فلا يجوز لك أن تذهب فتخطبها إذا أجيب هذا الشرط. وإذا قال أصحابنا: إذا أجيب تصريحاً أو تعريضاً، تمام، إذا أجيب تصريحاً أن أبو البنت قال له: خلص نحن اخترناك، أو عرض له بذلك فقال له: إن شاء الله الأمور طيبة ونحن بشكل عام متفائلون بك، وصراحة البنت انبسطت معك، ما أعطاه تصريحاً بأنه خلص بدنا إياك، لكن أعطاه نوعاً من الركون المبدئي، وأنه أنتم رجال بنشر وما شاء الله عليكم، وأخباركم طيبة والبنت راغبة، ولم يعطِهِ الصح الأخير لكن عرض بأن الأمور طيبة؛ فهنا لا يجوز لك إذا عرفت أن أخاك حصل له الركون أن تذهب وتخطب نفس الفتاة.
أما قالوا: إذا لم يعلم أن أخاه حصل له الركون؛ يعني أنا رأيت الشيخ حذيفة دخل بيتاً وراح خطب بنتاً وطلع، وأنا كنت واقفاً على الدور، دخل البيت بعده وطلع، هسا أنا ما أعرف ماذا صار مع حذيفة في هذه الجلسة، صحيح؟ يعني أنا لم أسأله، عرفت نعم أو لا، ليس عندي أي معلومة هنا؛ الحنابلة قالوا في هذه الصورة لك أن تخطب.
ليس المطلوب منك على المذهب عندنا أن تذهب تستفسر من حذيفة: «يا حذيفة، إيش ردوا لك الجماعة؟» فيقول: «والله ما طلبوا، رفضوني». خلص، صحيت أنا، بذهب.
عند الحنابلة، إذا دخل أخوك على فتاة ثم خرج وأنت ما عندك معلومة، قالوا له: نعم أو لا، أنا أستطيع أن أدخل وأطلبها. هنا الشيخ الأقعمي يقول إن الشيخ ابن عثيمين قال له رأي مخالف هنا، وأنه لا، ظاهر الحديث أنه ما دام دخل، ما يصير أنت تدخل وراءه حتى تعرف شو رح يجاوبوه. الشيخ ابن عثيمين رأى أن المسألة لا بد أن نعرف بماذا أجابوا، بعدين إذا كان رفضوا أنت بتدخل. لكن مذهبياً، إذا هو طلع وأنا ما عرفت أجابوه بنعم أو لا، أستطيع أن أدخل؟ فهذه الصورة الأولى المستثناة التي يجوز أن أخطف فيها على خطبة أخي إذا لم أعلم بماذا أجابوا.
الحالة الثانية ما هي؟ إذا رد هذه واضحة، يعني إذا دخل شخص ورد وقالوا: لا نحن ما بدنا إياك، شيء طبيعي أن شخص آخر يخطب. الحالة الثالثة، قالوا: أذن لي أخي؛ يعني الشيخ حذيفة دخل عند الفتاة وخطبها، بعد ما طلع مسكته على الباب: «والله يا شيخ حذيفة تسمح لي أدخل أنا أشوف كمان أشوف نصيبي؟» تمام، فالشيخ حذيفة أذن له إذنًا صريحًا أو سكوتيًا. هنا أيضًا لا إشكال في ذلك، فهذه أحوال مستثناة.
لكن هذا كله قالوا إذا كان الخاطب مسلما، أما إذا كان الخاطب كافرًا؛ لأنه هنا علقوها على "خطبة على خطبة مسلم"، هذا قيد. فإذا كانت خطبة على خطبة كافر، طب يا مشعل كيف بدها تكون خطبة كافر؟ يعني هو الكافر بيقدر يروح يخطب مسلمة؟ أحسنت، اللي هو إذا كانت الفتاة ذمية، يهودية أو نصرانية، فدخل كافر يريد أن يخطبها وطلع، ثم أنا بعد ذلك شخص يريد أن يخطب امرأة يهودية أو نصرانية بالشروط التي ستأتي، فهذا يتصور هنا. فإذا كان الذمي، أو الكافر دخل ليخطب ذمية، أستطيع أن أخطب على خطبته؟ نعم، لا حرمة له.
كان عندك سؤال سريع؟ نعم، إذا الإنسان أصلاً ما يعرف أنه أخوه خطب؟ هذه أخو الذي يظهر الباب أول شيء، يعني أنا إذا عرفت أنه خطبها ولم أعرف ماذا أجابوا، يجوز على قول الشيخ. والله لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، يعني أنا دخلت لفتاة ما بعرف أنه في واحد خطبها، كيف ستحاسبني على شيء لا أعرفه؟ هذا من باب تقليب المحال.
ثم قال: «وسن عقده، أقرأ: وسن عقده يوم الجمعة مساء بعد خطبة ابن مسعود». نعم، هذه الآن خلصنا، ودخلت أنت على الجماعة والجماعة وافقوا عليك، نحن ماشيين خطوة خطوة، انتهينا ووصلنا والجماعة وافقوا عليك، متى إن شاء الله بتعمل الخطبة يا شيخ حذيفة؟ ماذا ستعقد خطبتك؟ المذهب يسن أن تعمل عقد يوم الجمعة في آخر ساعة من يوم الجمعة فالمساء، هنا المساء في هذا الباب هو آخر ساعة من يوم الجمعة باعتبار قالوا إنها ساعة إجابة فيرجى فيها البركة، وإن كان المساء يطلق في كثير من الأحيان على ما بعد الظهر.
المساء يدخل في كثير من العبارات والإطلاقات ويسمى العشي أحيانًا، لكن هنا في هذا الباب المساء هو آخر ساعة من يوم الجمعة، وبعد خطبة ابن مسعود؛ وهذه خطبة مقولة، وخطبة ابن مسعود هي: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، ويقرأ الآيات هذه. تسمى خطبة ابن مسعود؛ لأن هو الذي قال: «علمنا النبي ﷺ التشهد كما كان التشهد في الحاجة كما يعلمنا التشهد في الصلاة»، وذكر الحديث، فأصبحت تسمى في العرف الفقهي خطبة ابن مسعود. فالأصل أيضًا أن تقرأ هذه الخطبة، ثم بعد ذلك يتم الطلب بالإجابة والقول.
الآن سننتقل إلى أركان العقد. لاحظ هو ماشي تسلسلي، مشى معك من النظر إليها، والتصريح والتعريض، الخطبة على خطبة الأخ، بعدين متى تعقد زواجك؟ الآن صرنا في الخطبة، نريد أن نعمل عقدًا. ففي العقد عقد، يسن يوم الجمعة مساء بعد خطبة ابن مسعود. هذا العقد هو عقد من العقود كما أن البيع عقد له أركان، كما أن الإجارة عقد، كنا في المعاملات كذلك، الزواج عقد فما أركانه؟
قال رحمه الله تعالى: «أركانه الزوجان الخاليان عن الموانع». هذا أول ركن، هما ركنان عمومًا؛ الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب والقبول. فقال أولًا: الزوجان الخاليان عن المانع؛ المانع هو الذي لا يقوم الشيء إلا به، لا يمكن أن يقوم زواج فقط بزوج، لا يوجد زواج إلا باثنين، فلا بد إذًا من وجود رجل وامرأة خاليين عن الموانع التي تمنع الارتباط.
الموانع التي تمنع الارتباط، قد يكونان محرمين على بعضهما نسبًا، أو محرمين سببًا برضاع، أو سبب مباح من الأسباب، أو محرمين على بعضهما لكونها الآن في العدة مثلا، امرأة معتدة لا يصح أن تخطب أو تعقد على امرأة في خلال عدتها، أو أن يكون أحد الطرفين محرمًا، فهذه كلها اسمها موانع تمنع من صحة العقد. لا يمكن أن يصح العقد فإذا وجد أي مانع من الموانع المذكورة؛ المانع في الفقه الأصولي هو كل وصف إذا وجد يلزم من وجوده عدم هذا الحكم وعدم صحته، وهذه ستتعرفها رويدًا رويدًا من خلال دراستك لكتاب النكاح.
الركن الثاني: «الإيجاب بلفظي: أنكحت أو زوجت، والقبول بلفظي: قبلت أو رضيت، أو مع هذا النكاح أو تزوجتها». الحالة الثانية: الإيجاب، والإيجاب هنا هو...
الذي يصدر في البيع كان الإيجاب يصدر من البائع بالباء يا إخوان، والقبول من المشتري.
في باب النكاح، الإيجاب يصدر من الولي؛ عرفت الولي؟ لأننا نرى العكس عندنا في الأردن، أن أهل العريس هم الذين يتكلمون، وأهل العروس هم الذين يصمتون، لكن الحقيقة في الفقه العكس؛ أن الذي يبدأ هو أبو البنت يقول: «زوجتك ابنتي»، فيرد الزوج أو وكيله: «قبلت».
ولذلك حتى يقولوا في باب النكاح: لا يتقدم القبول على الإيجاب، خلاف البيع؛ فمش قلنا في البيع يصح تقدم القبول على الإيجاب بشروط معينة؟ في النكاح ما يضبط، لا بد أن يبدأ الإيجاب ثم القبول.
يعني بجوز على طريقة الحنابلة أغلب الزواجات، أعطيها العافية، لأن هذا عرفًا ما بين الناس، والعقد الحقيقي الذي يصير عند المأذون أو في المحكمة يبدأ به ولي الزوج، ودائمًا المأذون يبدأ مع ولي الزوج عندما يأتي ليكتب، وهذا يجب أن يُبين، لا ما هو شيء، هذا الكلام ماذا تترتب عليه مفاسد؟ أحيانًا تجد الشاب إذا دخل على القاعة ولسه المأذون مش جاي، إذا لم تعتبر الذي صار أمام الناس عقدًا لا يعتبره، فبالتالي لا بد أن يفهم الشباب هذا؛ لأنه ممكن يقول لك: المأذون تأخر خلص، روح ادخل على القاعة، ما هي صارت زوجتك، هي صارت إيجاب وقبول ويجي المأذون.
نحن حقيقة أغلب الشباب يعتبرون العقد هو الكلام العام في الجاهة؛ هذا الذي يحصل فعليًا، الناس لا يعتبرون المأذون إلا عبارة عن إجراءات مدنية، يقول لك هذا مش مشكلة، معطيه 50 دينارًا، يعتبروها إجراءات مدنية، فعليًا هذا الذي يتصوره الناس، أنه بمجرد ما طلع واحد من العشيرة وأجاب واحد قبول انتهى العقد، هكذا يتصور الناس.
فإذا أنت تريد أن تقول: لا، أنا أعتبر العقد عقدًا وما يفعله المأذون، وتبدأ بالزوجة، إذا أردت أن تعتقد ذلك والزوجة تعتقد ذلك والكل يفهم هذا الموضوع حتى لا نكون دخلنا في الخطأ والخلل، يجب أن يفقه الناس. لكن أنا هذا ما أقوله هنا علم وليس فتوى؛ حقيقة في باب الفتوى -كما يقول دائمًا ابن تيمية وغيره من الفقهاء- أن الأمر مبني على السعة؛ لأن المطلوب في النهاية هو تحصيل الرضا، هو بدأ بذكر الزوجة والزوج وقالوا إنهم يتزوجون فقالوا نعم، ما دام حصل المقصود، فالتدقيق بعد فهم المقصود والمصطلحات أعتقد أنه فيه تشديد على الناس في غير محله كفتوى، أما كمذهب فليست كذلك.
أقول كفتوى: يعني أنا لو يأتيني شخص يقول لي: والله يا شيخ لا، خلص يا أخي، ما هي مشكلة، المسألة هذه فيها مساحة وفيها خلاف فقهي واسع، والنظر الفقهي لما يصلح للناس أن ييسر عليهم في ذلك ولا يشدد ما دام المطلوب حصول الرضا، وأن يفهموا أنها الطرف وهذا الطرف، فُهم المقصود وفُهمت الأطراف وفُهم المطلوب، المسألة فيها سعة، والله تعالى أعلم. ولم ينقل في سيرة النبي ﷺ أو في سيرة الصحابة أنهم كانوا يشددون في مثل هذه القضايا أو يتعنتون فيها، فلذلك خلوا الأمر على ساعته فيما يتعلق بمن الذي يبدأ.
لكن مذهبيًا نعم، حتى في المذهب، إذا أردت أن تمشي مع الحنابلة سترتعب؛ لأن الحنابلة يقولون: الإيجاب يخرج من ولي الزوجة والقبول من الزوج أو وكيله، والإيجاب الذي يلزمه ولي الزوجة أنت ملزم فيه حنبليًا بأحد اللفظين: تقول «أنكحتك ابنتي» أو «موليتي» أو «زوجتك»، ما عندك خيار ثالث، وهذا برضه كثير من الناس لا يتحدث به في الصيغ، لكن المأذون يعرف قصته.
والقبول يكون بلفظي «قبلت» أو «رضيت» فقط، بدون ما يزيد كلمة أخرى، أو ممكن يقول «قبلت هذا النكاح» أو «رضيت هذا النكاح»، يزيد هذا المقطع أو اللفظة الثالثة يقول: «تزوجتها»، إذا كم لفظة صار عندنا؟ خمسة: «قبلت»، «رضيت»، «قبلت هذا النكاح»، «رضيت هذا النكاح»، «تزوجتها». عندك الألفاظ الخمسة، أما عبارات مثل التمليك وغيرها كقول «ملكتها كابنتي» أو غيرها، فهذه ليست موجودة عندنا في المعتمد.
ثم قال: «ومن جهلهما لم يلزمه تعلم وكفاه معناهما الخاص بكل لسان». ومن جهلهما يقصد به من لا يعرف العربية، إخواننا في الدول الأجنبية الذين لا يعرفون العربية، من جهل هذه الألفاظ أي لم يحسن التكلم بها؛ هل نقول يجب تذهب لتأخذ كورس لغة عربية كامل حتى تعرف تتزوج؟ يقول لك: يا شيخ أنا أريد أن أتزوج، هل تدخلوني الآن دورة عربية كاملة حتى أقول «أنكحتك» و«زوجتك» و«قبلت»؟ فهنا المذهب يسهلها فيقول: لم يلزمه أن يتعلم هذه الألفاظ بالعربية، وكفاه المعنى الخاص بكل لسان، وما دام تساهلنا مع غير العرب للمشقة، فأنا أعتقد أن هذه الأمور فيها سعة، وليست كالفاتحة في الصلاة التي لا تصلح إلا بالعربية.
انتهينا من الأركان، نذهب إلى شروط هذا العقد؛ قال: «وشروطه أربعة: تعيين الزوجين». أولًا تعيين الزوجين، وهذا يشبه في شروط البيع معرفة السلعة والثمن، سنحاول أن نربط حتى ترى الهيكلة العامة لنظرية العقد عند الحنابلة. في البيع تعين مركوبين، أحسنت، يعني أنا أريد البيع باعتباره الأصل الذي يقابل النكاح؛ فكما قلنا كان من شروط البيع تعيين أو معرفة السلعة ومعرفة الثمن، هنا قالوا: تعيين الزوجين، نعرف من العريس ومن العروس.
وهذا التعيين كيف يكون؟ عندنا ثلاث طرق: إما أن يذكر الاسم، مثل: «زوجتك ابنتي عائشة» أو «زوجتك ابنتي خديجة»، أو بالصفة، كأن يأتي إلى رجل فيقول: «زوجتك ابنتي الكبرى»، فالمقصود الذي يتزوجها مفهوم بالصفة التي باختصار لا يشاركها فيها أحد، والحالة الثالثة هي الإشارة وهي أقواها، مثل «زوجتك هذه»، وتكون طبعًا موجودة أو خلف الستار، ولماذا قلت هذه أقواها؟ قالوا لأنه إذا تعارضت الإشارة مع الاسم، بأن أخطأ الأب -وتعرف بعض الحج يكون جايبينه يخطب بنته وعمره سبعون سنة ولا يعرف اسم البنت- فيقول: «زوجتك هذه»، وهي تقول اسمها سلمى.
عائشة وسلمى الأصغر منها، بتروح تاخذ سلمى ولا بتاخذ الإشارة؟ قالوا الإشارة أقوى من الاسم؛ لأن الإشارة تفيد التعيين بخلاف الاسم، فإنه يتصور سبق اللسان أو نسيان الأسماء.
قال ورضاهما: والرضا، وهذا كان موجودًا ولا لا في البيع؟ هذا الشرط موجود في البيع، الرضا؛ إذاً الرضا هي شريعة المتعاقدين كما يقولون، فلا بد من الرضا. والرضا يكون طبعًا، هذا الرضا حفلنا معه الآن؛ لأن مَن الذي يُطلب رضاه؟ ومَن المقبول رضاه؟ ومَن الذي سنُجبر على الزواج؟ هذه حفلة كبيرة.
بالنسبة للزوج، يهمنا إذا كان زوجًا مكلفًا؛ الزوج المكلف يهمنا رضاه. لماذا قلنا المكلف؟ المكلف يشمل البالغ العاقل، فبالتالي إذا كان غير مكلف -وهذا إما أنه مجنون أو صغير- فهذا سيأتي معناه أنه قد يُجبر في صور معينة. فلذلك قلنا الرضا أساسًا يعتبر من الزوج المكلف أن يكون راضيًا بهذه الزوجة.
وفي جانب الزوجة، مَن التي يُعتبر رضاها أساسًا؟ قالوا هي الحرة العاقلة التي عمرها تسع سنوات فصاعدًا إذا كانت ثيبًا. وأنا هنا حاولت أجمع لك القيود حتى أريحك إن شاء الله، أو كانت بكرًا وكان وليها ليس الأب أو وصي الأب، في البكر -هذا في البكر سأشرح لك إياه إن شاء الله ونعيده مرة أخرى-.
الزوجة التي يُعتبر رضاها هي بهذه المواصفات: حرة، عاقلة، تسع سنوات فصاعدًا. لاحظوا ما قيدتها بالبلوغ، أكملت تسع سنوات قمرية؛ هي مميزة تلقائيًا. تسع سنوات إذا كانت ثيبًا، وهذه ما وضعتها لأي قيد بعدين. أو كانت بكرًا وكان وليها ليس الأب ولا وصي الأب.
بالتالي إذا ضبطنا هذا الضابط، من الذي سنستثنيه من قضية الأذونات هذه؟ بالتالي إذنه لا يُعتبر ويمكن أن يُزوى. قالوا: لكن لأب ووصي في نكاح تزويج صغير وبكر.
الوصي هذا مر معنا في أي باب؟ في باب الوصايا، في الموصى إليه. إذا تتذكرون مش قلت لكم الأب أحيانًا يكون بمرض الموت أو يكتب وصية أنه: «أنت وصي على أولادي من بعدي»، هذا اسمه الوصي. أن تكون كأب والله عارف حالك رح تموت، فتكتاب وصية: «والله إذا أنا مت فليزوج بناتي»، هذا الذي يزوج بناتي؛ لأنه ممكن أنت تضع وصيًا على المال ووصيًا على النكاح، فهذه عبارة «وصية في نكاح»، وهذا قيد؛ لأنه أنا ممكن أعين أكثر من وصي، فما ارتضيه للنكاح لأولادي لا ارتضيه للمال، ومن ارتضيه للمال لا ارتضيه للنكاح. فالمهم أن يكون هو الأب أو وصي الأب في النكاح بالتحديد الذي عينه الأب أنه هذا هو وصيه في النكاح إذا مت، فهؤلاء لهم أن يزوجوا الصغير.
بالنسبة للزوج، لهم أن يجبروا الزوج الصغير والبالغ المعتوه -يعني قالوا خفيف العقل، ومن باب أولى المجنون-. قالوا إذا كان البالغ معتوهًا، المعتوه ليس مجنونًا. كيف؟ والله يا شيخ كثار ما نعرف كيف بدنا نميز، هل هي خفة عقل؟ خفة عقل يعني بعض الناس تعرف إذا تجلس معه، تحس أنه فيه لسعة، يعني تحس أنه ليس متزنًا في تصرفاته، تقول هذا رجل لا يتصرف تصرف إنسان متزن، من ينظر إليه يلفت الانتباه أنه ليس متزنًا. هو ليس مجنونًا، لكن ليس متزنًا، واضح أنه من ينظر إليه يفهم أن هذا الشخص عنده كما يسميها البعض إعاقة عقلية، ليس مجنونًا، إعاقة عقلية بحيث تقول عمره ليس عمر سنة، هو عمره عشرون سنة مثلاً، لكن يقول لك هذا صار عنده مشكلة أثناء ولادته بسبب نقص الأكسجين أحيانًا، فممارساته مثل ممارسات ابن السبع سنوات، فهذا معتوه. أرجو أن أكون قربت الصورة.
هذا البالغ المعتوه، ومن باب أولى قالوا المجنون، هؤلاء يجوز للأب والوصي في النكاح أن يزوجهم جبرًا باعتبار أنه ينظر إلى مصلحتهم. وطبعًا هنا في استثناء، قالوا: وكذلك الحاكم، إذا رأى أن هذا يحتاج إلى الزواج فله أن يجبر الصغيرة والمجنونة على الزواج، وهذا طبعًا من قضية مصلحتهم.
واحد يقول لك: يا شيخ طفل عمره ست أو سبع سنين، ما مصلحته في الزواج؟ ذكرتموها سابقًا؛ أنه إنسان يخشى الموت فيريد أن يتزوجها. رجل كبير وماتت زوجته، وعنده ابن عمره ثلاث أو أربع أو خمس أو سبع سنين، يقول: والله هذا الابن ما أنا عارف ماذا سأفعل به إذا مت، وأنا عندي مرض سرطان أو شيء -ربنا يعافي الجميع-. فيجد أن الظرف الوعيد والحل هو أن يزوجه، فيقول: يا ابني زوجتك لأن مصلحتك، أنا عارف أنه ليس لك رغبة جنسية في الموضوع، لكن أنا زوجتك لمصلحتك لأنك قد تضيع، خاصة بعض الناس قد يكون أقارب وفيهم سوء فلا آمن على أقاربي، فمصلحة هذا الصغير وجود امرأة قوية تدير شؤونه، والمرأة رضيت ولها نفقة، والابن ما شاء الله وارث من أبوه فتكون أموره طيبة.
فتصور نعم، بعض الحالات يحتاج فيها إلى تزويج هؤلاء، لكن من الذي يزوج؟ قالوا الأب أو الوصي. لماذا حصرناها في هذين دون باقي الأولياء؟ لأن هؤلاء الذين عندهم الشفقة؛ فالأب عنده شفقة لابنه الصغير فلا يورطه في زواج إلا وهو عارف في الوضع الطبيعي أنه مصلحة ابنه، والوصي الأصل أنك كأب اخترت هذا ليكون وصيًا في النكاح لأنك تعرف عقله ورشده، أما باقي الأولياء كأن يكون وليه جدته أو غيرها أو أمه، إذا كانوا في...
هذا الأصل لا يتدخل في هذه الأمور، ولا الجد؛ ليس عندنا إلا الأب أو وصيه. هذا بالنسبة لما استثنيناه وقلنا وضفناه من الحاكم، وقالوا الحاكم -يعني الهيئة الشرعية في البلد- لهم أن يتخذوا هذا القرار في الصغير والمجنون إذا رأوا حاجته إلى الموضوع.
ثم قال هذا بالنسبة لطرف الزوج، نأتي على طرف الزوجة: من التي تكون مجبرة، أو يصح إجبارها؟ هل يصح إجبارها ولا يشترط رضاها؟ قالوا: أولاً المجنونة، بغض النظر بكرًا كانت أو ثيبًا، مهما كان عمرها، يصح إجبارها على الزواج كما قلنا، وهذا يعود إلى مصلحتها.
هنا حقيقة نص على المجنونة، ويقتضيه القياس. إذا قلنا كما قلنا المجنونة، بالغة كانت أو غير بالغة، بكرًا كانت أو ثيبًا، وهذا الكلام لاحظوا أيضًا أنه منوط بالأب أو الوصي، وليس لباقي الأولياء أيضًا هذه الميزة؛ فقط الأب أو الوصي. فإذا كان أبوها غير موجود ووصيها غير موجود، ووليها إخوانها أو أعمامها أو أولاد عمها، فما لهم أن يجبروها، لأنه قال هذا خاص بالأب والوصي، حتى الحاكم هنا ما استثناه، استثناه فقط في الزوج، لكن ما استثناه في الزوجة.
وممن يصح إجبارهم قالوا: وثيب لها دون التسع. هذه ماذا؟ هذه للأب أو الوصي في نكاح تزويجها جبرًا عنها؛ الثيب التي دون تسع سنوات. التي طبعًا لاحظ أن التسع هو أقل سن تطيق فيه المرأة الجماع، كما تذكر مر معنا سابقًا في باب الوضوء والطهارة لما تكلمنا عن السن الذي يحصل فيه الجماع، فقلنا: التسع سنوات هذا ليس سن بلوغ، هذا سن طاقة الجماع. فيقولون: الفتاة إذا أكملت تسع سنوات فهي تطيق الجماع حتى ولو لم تبلغ. واستدل بقول عائشة رضي الله عنها أن المرأة إذا بلغت التسع فهي امرأة، أو الفتاة إذا بلغت التسع فهي امرأة، إلى غير ذلك من الأمور والأمارات. فالمذهب عندنا اعتبر التسع سنوات بناءً على رواية عائشة أنها المفصل بين من تطيق الجماع وبين من لا تطيق الجماع.
فقالوا: الثيب التي لم تكمل تسع سنوات، هذه يجوز للأب أو الوصي أن يجبرها أيضًا على الزواج، طبعًا لابد أن يزوجوها من الكفء، ليس لهم أن يجبروها على غير الكفء، وسياتي معنى الكفاءة. لكن نحن قلنا ماذا يعني الثيب يا شيخ عمار في الدرس الماضي؟ الثيب: كل من وطئت في قبلها -لا بالضبط بالدبر- ولو بزنا أو شبهة. كل امرأة وطئت في قبلها برجل ولو بالزنا أو بالشبهة، هذا هو تعريف الثيب الذي أخذناه.
بناءً على ذلك، إذا كان الحنابلة يتصورون أنه من دون التسع ولو لم تكن مؤهلة للجماع يمكن أن تكون ثيبًا، كيف أصبح ثيبًا دون تسع؟ إذا كان الحنابلة يتصورون أن الفتاة حتى ولو كانت دون تسع سنوات يمكن أن تكون ثيبًا حتى ولو لم تكن مؤهلة؟ كما يحشر بعض المجرمين في العالم، تجد رجلًا يمسك فتاة عمرها ست أو سبع سنوات فيفضها، طبعًا هي غير مؤهلة لهذا لكنه يفضها، فيصبح الثيب بالمفهوم الفقهي.
طيب، إذا كانت ثيبًا عمرها أقل من تسع سنوات لم تكمل التسع سنوات قمرية، يجوز للأب والوصي في النكاح أن يجبرها أيضًا. قال: وبكر مطلقًا، أي كانت دون التسع سنوات أو أكبر من التسع سنوات فصاعدًا. والبكر، لاحظوا هنا دائماً يتجادل الناس ويناقشون شبهة على أنه كيف بعض فقهاء الإسلام يعطون الأب أحقية أن يجبر ابنته البكر البالغة على الزواج؟ الحنابلة -ليس فقط الحنابلة بل أكثر الفقهاء أو أقول كثير من الفقهاء- على هذا، ليس مختصًا بالمذهب عندنا، أن الأب والوصي فقط له أن يجبر ابنته سواء كانت دون التسع أو فوق التسع على الزواج من الكفء.
ولاحظ هنا عدة نقاط: أولًا، هذا خيار لمين؟ الإجبار للأب أو الوصي، نحن ما قلنا إخوانها وأعمامها وأولاد عمها. ثانيًا، أنه يزوجها من مين؟ من الكفء، أما إذا أتى رجل فاجر أو رجل تختل فيه الكفاءة، فهي لها أن ترفض بعد ذلك، لها أن ترفض وتقول له هذا غير كفء فلا يستطيع أن يجبرها.
يقولون في هذه الفتاة البالغة البكر -وركز في الكلام عن البالغة مش تسع سنوات- يقولون: البكر البالغة إذا عينت شخصًا كفؤًا وعين والدها شخصًا آخر، من الذي يقدم هنا؟ التي عينته هي، يعني نحن أيضًا معطونا مساحة، فإذا عينت هي زوجًا كفؤًا وعين والدها زوجًا آخر وجب الأخذ بمن عينته، فإن امتنع فهو عاضل.
أنا أريد أن أطرح بعض المسائل التي كثيرًا ما تُطرح: البنت اختارت شخصًا كفؤًا، لكن هذا الشخص سيدفع أقل من مهر المثل، فالأب قال: لا، أنا ما بقبل إلا بمهر المثل، مهر مثل أخواتها. البنت تريد والشاب يريدها، لكن الشاب قال: مهر أخواتها خمسة آلاف مقدمًا، أنا ما معي، أنا أعطيكم مقدمًا ثلاثة آلاف. هل للأب أن يمتنع لأنه لم يعطِ مهر المثل؟ ولا يعتبر حتى في هذه الصورة عاضلًا مذهبيا؟ حتى في هذه الصورة يعتبر عاضلًا. قالوا: إذا رضيت الفتاة به ورضي هو بها وكان كفؤًا، فإذا لم يكن كفؤًا فالأب له أن يرفض.
وكان كفؤًا يعتبر الأب عاضلًا إذا منع. فللأسف بعض الآباء يحرمون بنته من الزواج، يقول لك: يا أخي لم يعطِ مهر المثل، وتكون البنت تريد والشاب يريدها ولكن ليس معه، والله يا أخي إذا كان الشاب عنده الكفاءة بشروطها التي ستأتي معنا والاثنان قبلا بعضهما البعض، ليس لك أن تحرمهما من الزواج، ليس للأب ولا لغيره من باب أولى أن يحرمهما من الزواج ويعتبر عاضلًا.
ماذا يعني عاضل؟ يعني الأب يفقد ولايته وينتقل الحق إلى من بعده من الأولياء، وسياتي معنا ترتيب الأولياء. تخيل يفقد الأب ولايته هنا ويدخل الولي الذي بعده على حسب الترتيب الذي سيأتي معنا. فهذه مسائل مهمة.
فإذا كانت البكر عمومًا لم يأتِها كفء، أو لم تختر أصلاً لأنها لا ترى الرجال وأبوها جاء لها بشخص كفء، فقالت له: والله يا أبا، أنا أريد فقط أن أكمل تدريس الجامع وتعليم الجامع وأموري طيبة، هنا قالوا الأصل في الأب أن له شفقة على أولاده، بالتالي أنا لن أمشي مع عواطف البنات، لأن البنات إذا مشين مع عواطفهن يضيعن، فإنا كأب، ليس كما يُصور.
هذا قرار تعسفي؟ لا، بالعكس، هذا قمة الرحمة؛ أن أمنعكِ من أن تأخذي قراركِ عندما تكونين ضعيفة أو غير متوازنة. والنبي ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرا»، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، أليس كذلك؟
فالمرأة ضعيفة، وبالتالي أنا كأب من رحمتي بابنتي أنه لا أجعلها تمشي مع المواضات والرغبات والأهواء، بل إذا وجدت شخصاً كفؤاً -وسيأتي معنا أن الكفاءة عندنا عالية، كفاءة في الدين والمال- وإذا وجدت شخصاً كفؤاً، لا يا بابا هذا ما بيجي زيه، أنا مش رح أمشي أنه والله بدك تكملي جامعة أو بدك كذا وكذا، سامحيني ما دام أنتِ ما أجاءكِ شخص كفؤ. يعني إذا في شخص كفؤ أنتِ شايفيتيه ومعينيته -ونحن قلنا إن البنت رأيها بيمشي على رأي أبوها- بس أنتِ ما أجاءكِ، وهذا إن أجاء من خلالي وشايفة كفاءة، لا، مصلحتي أن أجبركِ، فسامحيني.
هذه هي الفكرة، لكن هذا كما قلنا تتكلم عنه في ماذا؟ في البكر البالغة، هذا تكلم عنه في البكر البالغة، لكن البكر غير البالغة فمثلها. قالوا لا يتصور أنها تحسن معرفة الرجال أصلاً.
شيخنا، يعني للأسف ليس فقط الحركات النسوية، بل كثير من المحسوبين على البيئة الشرعية من المعاصرين يسفّه هذا الرأي، وهذا تأثر بالحركات النسوية؛ فأعتقد أن بعض الناس من الإسلاميين متأثر بالحركات النسوية شئنا أو أبينا، للأسف.
لكن خليني أكمل حتى لا تضيع الفكرة عندي. إذا فهمنا يا إخواني؛ الثيب التي أكملت تسع سنوات، هذه لا الأب ولا وصية ولا أحد يقدر أن يجبرها، هي معها كارت أخضر. لكن نحن البكر هنا شغل البكر، بغض النظر أقل من تسع أو أكثر من تسع بالغ، يستطيع الأب والوصي أن يجبرها، أما باقي إخوانها وعمّامها وأولاد عمها، بغض النظر من وليها، لا يستطيع أن يجبرها.
قلنا أيضاً الصورة الأخيرة من الإجبار ما هي؟ السيد له أن يجبر إماءه على الزواج حتى يعفهن، وله أن يجبر عبده الصغير للكبير على الزواج إذا أراد أن يعفه. قال: «فلا يزوج باقي الأولياء صغيرة بحال، ولا بنت تسع إلا بإذن، وهي صامت بكر ونطقت ثيب».
بناءً على ما فهمنا، لا يزوج باقي الأولياء صغيرة بحال؛ قالوا: بحال يعني بكراً أو ثيباً، إذنت أو لم تأذن. إخواني، التي الصغيره هنا ما ضابطها ما دون التسع، لأننا طوال الوقت نكرر: تسع فصاعداً، أليس كذلك؟ قال: فلا يزوج. إذا أنت هنا تستطيع أن تقول عندك القسمة ثلاثية: عندك ما دون التسع، وعندك من أكمل التسع سنوات إلى البلوغ، وعندك البالغ.
إذاً أنتم ملاحظين القسمة كم هنا؟ ثلاثية مش ثنائية، لأننا نعلق على ذات التسع. إذاً اكتبوا حتى لا تنسوا هنا القسمة الثلاثية: 1. من دون تسع سنين، ومن لم تكمل التسع سنوات، وهذه تسمى عندهم "صغيرة". 2. من أكملت تسع سنوات ولم تبلغ، وهذه -خاصة في أعرافنا- تعتبر كأنها لم تبلغ. 3. ومن بلغت.
فإذاً هي ثلاثة مش اثنتين. فهنا لما يقول: «فلا يزوج باقي الأولياء صغيرة بحال»، ما المراد بالصغيرة؟ هي دون تسع سنوات، وهذا هو الكلام. وما معنى "الصغيرة" هنا؟ تشمل الثيب والبكر؛ فالثيب والبكر التي لم تكمل تسع سنوات تسمى صغيرة. وباقي الأولياء -إذا كان وليها جدها أو أخوها أو عمها- لا يستطيعون أن يجبروها، بل لا يستطيعون أن يزوجوها.
طيب، حتى لو أذنت! العم جاء على بنت أخيه الميت، عمرها ست أو سبع أو ثمان سنوات، قال لها: ما رأيكِ أن نزوجكِ ابن فلان؟ قالت له: آه والله يا عمو شيء حلو. هل يصح؟ لا، لماذا؟ قالوا: لأن مثل هذه أصلاً لا يعتبر لها إذن، هذه ما زالت غير واعية بما هو الزواج أصلاً، فقالوا: لا يعتبر لها إذن؛ لأنها ليست أهل أن تتخذ قرارها.
باختصار، هي ليست أهل لأن تتخذ القرار بالإذن أو عدم الإذن. والعم وغير الأب من الأولياء ما عندهم الشفقة التي عند الأب؛ فأنت كعم أو كأخ، لا تسأل كثيراً، فبالتالي ما عندك الشفقة التي عند الأب، فسحبنا منك القدرة، ليس فقط القدرة على تزويجها إذا أذنت، بل سحبنا منك الصلاحية من التزويج مطلقاً. قلنا لك: البنت الصغيرة، باقي الأولياء ليس لهم أن يزوجوها بحال، يعني لا تقرب على تزويجها.
من يزوجها؟ خلاص، لا تنتظر، ننتظر حتى تكمل تسع سنوات. ولا حاكم، لأن الحاكم هنا لم يُذكر في هذه الحالة؛ هذه لا تُزوج، ننتظر حتى تكمل تسع سنوات.
قال الآن: «ولا بنت تسع»، إذا كملت التسع، باقي الأولياء ماذا يفعلون معها؟ يأخذون إذنها. عشان كذا نحن نقول: دون تسع لا أحد يقرب عليها، وصلت تسع سنوات؟ استأذنوها؛ يا عمها يا أخوها على حسب من الولي، استأذنوها، فإن أذنت بكراً أو ثيباً زوجناها، وإن رفضت ليس لكم أن تجبروها.
ممتاز، كيف يكون الإذن؟ قال: بالنسبة للبكر إذنها أن تصمت، وقالوا: وإن ضحكت أيضاً فهو يدل على الإذن، أو بكت فهو يدل على الإذن. طب غريب، الضحكة تدل على الإذن بالنسبة للبكر؟ إذا بكت، هل هو بكاء فرح؟ قالوا: لا، لأن بكاءها يكون من الحياء وليس من الرفض؛ لأنها لو رفضت لتقول: "ما أريد"، هي جريئة على الرفض لكنها ليست جريئة على القبول، فقالوا: بكاؤها دليل حياء وليس دليل رفض. طبعاً هذه أرجع وأقول برضه أن العرف كان زمانها، والعرف يحكم فيها؛ إذا ظهر من السياق أنها تبكي رفضاً، انتهت القضية، أنت لست متعبد بالبكاء بحد ذاته، لكنهم يتكلمون عن العرف.
أما بالنسبة للثيب، قالوا: الثيب لا يعتمد معها السكوت والبكاء والضحك، لا بد أن تنطق؛ لأن النبي ﷺ قال: «الثيب تستأمر».
«والبكر تستأذن وإذنها سكوتها»، فخص الشيخ أحمد أن السكوت إذن لمين؟ للبكر وليس للثيب. الثيب لا بد أن تصرح نطقًا، تريد ولا لا تريد.
ولو كانت البكر أصغر من تسع سنوات، نحن قلنا الأصغر من تسع سنين يا شيخ بنشوف من وليها؛ إذا كان وليها الأب فإنه يجبرها أصلاً، وإذا كان وليها عمها أو إخوانها فلا يجوز تزويجها، فصورتها مش موجودة إلا استحبابًا. يعني حتى هم قالوا الاستحباب في الحالات التي قالوا الأب يجبر فيها ابنته يستحب أن يأخذ إذنها. لكن هنا أنت تتكلم عن دون التسع، فالظاهر وكلام الشيخ أحمد هنا أن البكر البالغة لها عدة أحكام، ومنها أنه إذا أجبرها والدها يسن استئذانها واستئذان أمها.
فالذي يظهر لي أن من كانت دون التسع فلا حاجة للاستئذان، وكأن سنية الاستئذان تسقط هنا. لأن الشيخ قال: «البكر البالغة لها عدة أحكام»، ومنها كما قلنا الحكم السابق إذا تعارضت ما تريد مع ما يريد، ويسن استئذانها واستئذان أمها ويكون الاستئذان لنفسه أو بنسب ثقات وإذنها سكوتها؛ فجعل الشيخ هذه من أحكام البالغة. لأننا قلنا إن الصغيرة التي عمرها سبعة أو ثمانية وأبوها يجبرها، فلا فائدة أصلاً من استئذانها، لأننا قلنا لا يعتبر لها إذن بحال ممن هي دون التسع. لكن بقيت قضية التي أكملت التسع ولم تبلغ، لماذا لم يذكر هنا استحبابية استئذانها كما ذكر استحباب استئذان البالغة؟ لكن هذا ظاهر كلام الشيخ أحمد في هذا الموضع.
تفضل الآن، إذا أردنا أن نلم الأمور يا إخواني، أنا عارف أن هذا المبحث فيه تضييع قليل، لكن الفكرة هي أنني قلت لك اضبط الضابط. الزوجة التي يعتبر رضاها إذا ضبطت الضابط الأول ستعرف ما بعده. من هي الزوجة التي يعتبر رضاها؟ الحرة العاقلة التي أكملت تسع سنوات قمرية؛ إذا كانت ثيبًا مطلقًا، وإذا كانت بكرًا فإذا كان وليها غير الأب أو الوصي. غير ذلك في تفصيل.
يمكننا أن نبدأ التشجير من الفتاة التي لا تزوج أصلاً، وهي التي دون تسع سنوات ووليها ليس الأب ولا الوصي، هذه لا يجوز تزويجها. الحالة الثانية: من يصح إجبارها على الزواج، وهي البكر مطلقًا، والثيب التي دون تسع سنوات، والمجنونة، إذا كان وليها الأب أو الوصي. أما الباقي فنحتاج إلى رضاها، ومن هي التي تحتاج إلى رضاها؟ الحرة العاقلة من أكملت تسع سنوات؛ إذا كانت ثيبًا مطلقًا، وإذا كانت بكرًا وكان وليها غير الأب أو الوصي.
إذًا تقسم قسمين: من لا تزوج أبدًا، وهي من دون تسع سنوات ثيبًا أو بكرًا إذا كان وليها ليس الأب ولا الوصي. ومن تزوج ويصح إجبارها، وهي البكر مطلقًا، والثيب التي دون تسع سنوات، والمجنونة إذا كان وليها الأب أو الوصي. هيك تكون قد أحطت بالمسألة إن شاء الله.
سؤال: «قالوا الإجبار فقط من زوج كفر»، عندي سؤال أكثر من شقة: مثلا لو أجبرها على زوج بالغ غير كفء، أو أجبرها على الزواج من صغيرة بحيث أن وليها أجبرها أيضًا؟ هسا موضوع الكفاءة، ما رأيكم نؤجله حتى نعرف ضابط الكفاءة، لأن الكلام عنها قبل تصورها سيسبب مشكلة.
طيب شيخنا، لو المرأة لم تجد كفئًا، مش موجود في الواقع، هي تقول أنا أعلم من نفسي وهو يعلم أنها صادقة، فهي تقول لا أريد الزواج عن طريقي، مش يعني لا أستطيع، بل لا أطيق. والله شوفوا أصحابنا ما نظروا في هذه الحالة النفسية بهذا التفصيل، لكن أحيانًا البنت قد تكذب أو قد لا تريد الزواج لأمر نفسي، فهو طبعًا يحرص على أن يعالجها وينظر في تبعاتها ويناقشها، وهذا هو المعروف والأخلاقيات، لكن كحكم فقهي له أن يجبرها.
في مسألة التي أكملت تسع سنوات ولم تبلغ، المسألة مبنية على الثيوبة، فما بالنا ذهبنا إليها؟ نحن قلنا المسألة مناطة بالثيوبة؛ الثيب التي دون تسع سنوات لا عبرة بإذنها لأنها ليست أهلًا لتعطي، لذلك أعطينا الأب والوصي قدرة على أن يجبروها. أما التسع فهي امرأة قادرة على الجماع، وبالتالي النبي ﷺ أعطاها أحقية أن «الثيب تستأمر»، والثيب هنا على إطلاقها تشمل الثيب التي لها تسع سنوات وتشمل البالغة، والنبي ﷺ لم يقيد استئذانها بأن تكون ثيبًا بالغة، بل قيد بأن تكون ثيبًا، فالحكم علق على الثيوبة، لكن ما استثنى الحنابلة؟ استثنوا الثيب التي دون تسع، قالوا هذه لا فائدة من الإذن مثلها، فلا يطلب لها إذن، فأخرجوها من عموم الحديث، وبقي الحديث في عموم من هي من التسع سنوات فصاعدًا: «والثيب تستأمر».
عفوًا، أتمت التسع ولم تبلغ، لا يعتبر لها إذن؟ والله حقيقة في إشكال في هذا، ما دامت تسع سنوات وتطيق الجماع، لماذا لا يعتبر لها؟ قالوا هذه جربت، أو حصل لها مجرد حصول التجربة، في هذا الموضوع يعتبرونها ثيبًا، بمجرد حصول المباضعة أعطوها حقوق أنها ثيب وتستطيع أن...
تنظر في الأمر، تفضل.
يجب أن تنطق الثيب الأول، نعم، يجب أن تنطق الثيب، يجب أن نتأكد من ذلك وجوباً ولا يجوز أن نزور وجهاً وهي لم تنطق بذلك. مشايخ، الأسئلة كثيرة، بس خلونا نمشي الله يكرمكم. كمل.
قال: «والولي وشروطه: تكليف، وذكورة، وحرية، ورشد، واتفاق دين، وعدالة ولو ظاهراً، إلا في...». الشرط إذا الشرط الأول من شروط الزواج قلنا تعيين الزوجين، الشرط الثاني الرضا، بس اكتشفنا أنه الرضا هذا عالم، يعني فيها تفصيل يجب أن يضبط، ليس الرضا شرطاً مطلقاً، بل هو شرط في بعض الأحوال، وفي بعض الأحوال لا يكون الرضا شرطاً كما فهمنا.
أكمل. قال: «والولي وشروطه...». طبعاً هنا، فقط دقيقة، أنظر في قضية معينة خطرت في ذهني سريعاً في تحديد ضابط الصغير، يعني خلونا نفكر مع بعضنا البعض قليلاً. هنا بعض المسائل تخطر في الذهن أثناء التعليم.
الشيخ أحمد لما تكلم عن من الذي لا يعتبر رضاه، قال: عفواً، من الذي يعتبر أول من عبر عنه بالرضا؟ "رضا الزوج"، وعبروا عن الزوج بماذا؟ "رضا الزوج وهو المكلف". أنا أقصد أن الزوج الذي يطيق النكاح، قلنا من هو؟ أتذكرون؟ تسع سنوات، حتى ولو لم يكن مكلفاً. يعني هنا تتكلمون عن الزوج الصغير، الصغير نحن قلنا الصغير، من هي؟ من دون تسع.
لماذا لا يكون الصغير من دون عشر؟ فهمت علي؟ الفكرة الآن ليست متعلقة بأنه جرب أو لم يجرب، الفكرة في العمر. لماذا أنت لما تتكلم عن الصغيرة ضبطتها بمن دون تسع سنوات، ومن أكمل التسع ولم تبلغ أنت في العادة تعطيها ملحقها بالبالغ؟ طيب، هنا الصغير ماذا قصدت به لما قلت له إن يجبر الصغير؟
فهنا كلام الشيخ أحمد ظاهره أن الصغير هو غير المكلف، غير البالغ، دون تفصيل ابن عشر أو لا؛ خلص كل من ليس ببالغ اعتبروه صغيراً بالنسبة للزوج، أما بالنسبة للزوجة، لا، نحن شايفين أن كلمة الصغير عندهم في الزوجة هي من دون تسع، غير مرتبطة بالبلوغ، مرتبطة بهذا العمر بالتحديد. ولذلك أحباب، أنظروا أن هنا، الشيخ أحمد عرفه بأنه هو البالغ، يعني بلوغه يعني ترش.
الموضوع لا يتعلق بحد ذاته بمواضيع الأمور المالية، الوضع المالي عموماً يجب حتى في المجنون أن يكون عنده قدرة مالية متوفرة حتى يستطاع أن يزوج، يكون له ميراث أو شيء من ذلك، بس إذا تسمح لي سريعاً، ما الوضع المادي تحديداً من أهليته للتعامل مع الحياة الزوجية بشكل عام؟ البعض ممكن يقول لك طبعاً برضه البنت تسع، يعني ما أهليتها للتعامل مع الحياة الزوجية إذا ما كانت بالغة؟ ممكن يعترض عليك بنفس القضية: إذا لم تكن بالغة فليش أنت ابن عشر؟ هو يطلب منك، وهي برضه عليها حقوق. لم يستثنوا من دون التسع إلا إذا كان... تسمحوا لي، هكذا سماها.
شوف، إذا هنا أنا سبحان الله وقع في نفسي هذا الكلام، وهذا أيضاً ما أعرف إذا النسخة الحديثة من الكتاب هي الحواشي السابقة، لما قلنا عن الاستئذان أن الشيخ أحمد لقعيمي وضع أن الاستئذان للبكر البالغة، صحيح؟ مش قلنا قبل قليل؟ بس هذه مسألة ثانية نقلتكم إليها. قلت قال: «وللبكر البالغة...» هكذا يقول في الحواشي السابقة عدة أحكام، منها ماذا يسن استئذانها؟ قال: «للبالغة ولا شيء آخر».
عندك البالغة حتى للبكرة البالغة، صح؟ هنا في "غاية المنتهى" مع شرح الحبيبي: «ويسن استئذانها -أي البكر- إذا تم لها تسع سنين». وأنا هذا الذي وقع في نفسي، أنه هذا ليس خاصاً بالبالغة، ليه؟ لأنه ما دام أنت تقول إنه ما دون التسع هي التي لا يعتبر لها إذن، ففي مفهومك الفقهي الذي أكملت تسع سنوات فصاعداً يجب أن يكون لها إذن؛ بدليل أنك بعد قليل ستقول: «فلا يزوج باقي الأولياء بنت تسع إلا بإذنها». أنت معتبر إذن من بنت التسع، فهذا أعتقد أنه يحتاج إلى نظر، يمكن يراجع الشيخ في ذلك لما قال «وللبكر البالغة» عدة أحكام، لعل قيد "البالغة" ليس مقصوداً.
حتى هنا أنا أعتقد أن كلمة "البالغة" هنا فيها خلل، هذه الكلمة المذكورة في الحواشي السابقة، حتى في مسألة التعيين، مش قلنا إذا عينت كفءاً وأبوها أراد كفءاً؟ يقول أيضاً في "غاية المنتهى": «ويؤخذ بتعيين بنت تسع فأكثر كفءاً»، لا بتعيين الأب. لعل الشيخ قد يكون سهى في كلمة "البالغة"، لأن القضية متعلقة ببنت التسع، بلغت أو لم تبلغ. لاحظوا في "غاية المنتهى": «ويؤخذ بتعيين بنت تسع»، مش بالغة. ونفس الشيء: «ويسن استئذان بنت تسع».
فلو عدلنا، أعتقد أن يكون -إن شاء الله من باب التنبيه- أن قوله «وللبكر البالغة» قد يكون ما حصل هو أن ذهنه ذهب إلى اقترانها بالبلوغ، وقد لا ينتبه الإنسان أن البنت تسع تكون بالغة، فلذلك عبارة "الغاية" أدق، مش خارجة من عموم الحديث. عموم الحديث: «وإذن صماطها»، نعم، يعني هي مما يسن استئذانه، فالسنية لا تبدأ من البلوغ، بل تبدأ من التسع، بلغت أو لم تبلغ. وقضية إذا عينت وأبوها عين، تبدأ من تسع، هذا هو كلام صاحب الغاية: «ويسن استئذانها».
طبعاً هذا الكلام حتى أكون دقيقاً، "إذا تم لها تسع سنين" هذا كلام الحبيبي في شرح الغاية، ولكن صاحب الغاية قال: «ويؤخذ بتعيين بنت تسع»، فحتى حكم التعيين الذي أضافه الشيخ أحمد للبالغة، لا، هو يصحح كلام صاحب الغاية: «ويؤخذ بتعيين بنت تسع فأكثر»؛ لأن هنا كل الأحكام أصلاً مرتبطة بالبنت تسع، تحت أو فوق، مش مرتبطة بالبلوغ. الأحكام هنا مرتبطة بالبنت تسع، فالأنسب أن يكون سن الاستئذان ليس فقط للبالغة بل لبنت تسع فصاعداً، وكذلك قضية التعيين لبنت تسع فصاعداً.
لكن الظاهر بالنسبة للصغير، وكما قال، أنه المكلف؛ لأنه هنا يقول الشرط الثاني: «رضا زوج مكلف»، هكذا يقول في الغاية. فإذا كان الصغير الأصل يكون هو غير المكلف، فعلى ما...
شرحناه، أنا فقط خطر في ذهني هذا الاستشكال، أنه دائماً لا بد أن نستشكل: لماذا في حق البنت اعتبرت الفاصل هو التسع، وفي حق الشاب لم تعتبر الفاصل هي عشر وهي أقل سنة؟ لا، اعتبرت الفاصل هو البلوغ؟ هذه من المسائل التي يفكر فيها، وحتى لا نطيل، يمكن أن تكون أشياء كثيرة.
خلينا نكمل. نعم، والولي. الولي طبعاً من هو الولي؟ إخواني، الولي هو الشخص الذي يكون مسؤولاً عن تزويج المرأة، فالمرأة عند الجمهور لا تزوج نفسها، وهناك الخلاف الشهير مع الحنفية في هذه المسألة.
طيب، ما شروطه؟ نعم، قال: والولي وشروطه تكليف، وذكورة. أن يكون مكلفاً ذكراً، إذاً لا توجد ولية، الولي ذكر. تمام، الولي يكون ذكراً، تكليف، ذكورة، حرية، ورشد.
وشيخ الإسلام ومشى عليه الحنابلة المتأخرون قال: الرشد هنا أن يكون يعرف الكفاءة ومصالح النكاح؛ أن يكون الولي هو الذي يعرف الكفاءة ومصالح النكاح. وهذا كلام جداً مهم؛ تعريف الرشد، لأنه مفهوم الكلام إخواني، إذا الولي فقد شرطاً من هذه الشروط سقطت ولايته حتى لو كان الأب.
نعم، حتى لو الأب، فإذا كان عندنا أب يعرف مصالح الزواج، أنا أسحب منه الصلاحية، أنتقل للي بعده. هذا كلام جداً مهم؛ بعض الآباء قد يكون مدمن مخدرات، قد يكون الأب فاجراً، قد يكون الأب لا يسأل، فأنت كشاب لا تقل خلاص يا بنت ارضي، ما هو هذا أبوك هو وليك؟ لا، ليس صحيحاً. الولي له شروط، من شروطه الرشد، وهو أن يكون يعرف ما معنى الكفاءة وما هي مصالح النكاح.
هذا هو الولي، فإذا فقد شرط الرشد حتى لو كان مكلفاً وذكراً وحراً، لا يصح. نعم، يعني يعرف أن هذا النكاح مطلوب منه صيانة الفتاة، وأنه ليس يتاجر ببنته أو يريد فقط أن هذا الشاب معه مال فيقول خليه يتزوج بكره ليساعدنا، ثم يزج بها مع أي شخص لا يعرفه. لا، هذا الرجل مغفل، لا يجعله ولياً لبنت، بل يجب أن يكون يعرف عند من يضع ابنته وأن يحافظ عليها، تضع بنتك عند شخص تعلم أن عليه أسلافاً ولم يتب منها، أو رجل فاجر لا يصلح؛ فلذلك يجب أن يكون يعرف ما المراد بالكفاءة ومصالح النكاح، لأنه هذا هو الذي يتقي في ابنته.
ثم قال: واتفاق دين. تمام، فيجب أن يكون هناك اتفاق دين بين الولي وبين الفتاة؛ مسلم، نصراني، نصرانية، يهودي، يهودية. حتى في الأديان الأخرى مثلاً، النصراني لا يزوج يهودية، واحد نصراني بنته يهودية، أو واحد يهودي بنته نصرانية، أو واحد مجوسي؛ كل أهل دين مع بعضهم البعض. طبعاً هذا استثناء، لكن الأصل اتفاق الدين بين الولي وبين موليته. طبعاً هنا ليس شرطاً أن يكون الأب هو الولي، قد يكون الولي غير الأب.
ثم قال: وعدالة، قال: ولو ظاهراً. ولو ظاهراً، ماذا يعني؟ يعني نحن يهمنا أن يكون في الظاهر عدل. وهذا ما نسميه "ولو ظاهراً"، ليس شرطاً أن أعرف عدالته الباطنة. ماذا يعني العدالة الباطنة؟ ليست في قلبه، بل في حياته الخاصة، يعني أنا هذا الرجل مستور الحال، لا أعلم أنه في البيت مثلاً يتعاطى أشياء غلط أو يشاهد أفلاماً، لكنه يذهب للمسجد؛ هل مطلوب مني أن أبحث عن عدالته الباطنة؟ لا، رجل يصلي وعليه علامات الصلاة وأنه من أهل الإسلام أقبل ذلك.
لأن هناك عبادات أو أبواب لا يشترط فيها الوصول للعدالة الباطنة، خاصة في القضاء؛ فالقاضي لا يكتفي بالعدالة الظاهرة، بل يجب أن يعرف وضعه، هل تاجرت معه أم لا؟ هل عاملت معه؟ ليس كمن يقول: "والله شفت فلان معنا في المسجد جزاه الله خيراً"، بل هناك أبواب لا يصلح فيها العدالة الظاهرة فقط، لا بد من معرفة العدالة الباطنة.
أنا أقصد أن هناك أمثلة لهذه الأحوال، ولكن هناك أبواب فقهية لا نكتفي فيها بأن نعرف أنك عدل ظاهر، بل لازم نعرف عدالتك الباطنة. أما في أغلب الأبواب، فلا نكتفي بالعدالة الظاهرة ولا ننبش وراء الناس، ففي الظاهر يصلي الرجل وملتزم بأحكام الإسلام عموماً، ماذا يفعل في بيته أو مع أصحابه الذين يرتكبون المنكرات؟ لست مطلوباً أن أبحث وراء هؤلاء الناس، وإلا سترى العجائب! نسأل الله أن يستر علينا وعلى جميع المسلمين، ولن تجد عدلاً إلا وقلة، فنكتفي بالعدالة الظاهرة.
ثم قال: إلا في سلطان وسيد. فما معنى هذا الاستثناء؟ السيد في تزويجه لإمائه؛ وهذا لأنه صحيح أن السيد قد يكون عنده كذا، ولكنه يملك هذه الأمة، أنت لا تستطيع إعطاء صلاحية لشخص آخر ليزوج هذه الأمة؛ لأنك أنت كصاحب سيارة تملكها، فالسيد لأنه يملك الأمة قالوا: حتى لو كان السيد فاسقاً فله أن يزوج الإماء الذين يملكهم.
وكذلك السلطان، وطبعاً السلطان سيأتي معنا في ترتيب الأولياء كآخر شخص. فتاة ليس لها أب ولا أخ ولا عم، مقطوعة كما يقولون، وما كان في القرية إلا السلطان، لكنه سلطان مسلم فاجر، ماذا نقول؟ يزوجها لأنه ما عاد عندها حل آخر. هذا استثناء فقط في العدالة.
وهذا الاستثناء في العدالة هو أيضاً استثناء في اتفاق الدين. ففي اتفاق الدين أيضاً: إذا كان السيد ليس عدلاً يزوج إماءه، والسلطان إذا كان فاجراً وليس عدلاً يزوج بنات المسلمين. خلصنا منها، نرجع لاتفاق الدين الآن.
السيد، هل يجوز له أن يزوج إماءه؟ قالوا: السيد المسلم يزوج الأمة الكافرة، هكذا نقول، قيدها عندك؛ السيد المسلم يزوج أمته الكافرة. لكن السيد الكافر، ما رأيكم فيها؟ أصلاً ممنوع، ما في، هذه تحتاج شخصاً ذكياً يربطها بمسألة سابقة أخذناها. إذا كان سيداً كافراً، ملك أمة مسلمة؟
هل يجوز له أن يستبقيها عنده أصلا؟ السيد الكافر مبدئيا ما بنخلي عنده أمة مسلمة، ونطالبك مباشرة أنك تبيعها؛ ما بنخليها تحت ملكك، فلن تصح لك فرصة أن تكون وليا عليها، لكن إلا حالة واحدة، ما هي؟ إذا أسلمت عنده.
حتى لو أسلمت عنده، قلناها بمعدات، ما هي؟ لا، في حالة واحدة يمكن أن يستديم ملكه لها. قلت والله ناسي، إذا قلت قالوا إذا كانت أم ولد. نحن مر معنا في الدرس الماضي أم الولد، هل يمكن بيعها؟
السيد الكافر إذا كان عنده أمة كافرة وأسلمت، قالوا إذا كانت أسلمت وهي ليست أم ولد يجبر على بيعها؛ ما بصير تخلي يدك على أمة مسلمة، حتى لو كانت كافرة وأسلمت عندك، بدك ترفع يدك عليها. فسيد الكافر لا يقر عليه، ولكن يطالب بأيش؟ في النهاية هي كانت كافرة وأسلمت عنده، نحن ما بنظلمه، بقول لك: يا أخي أنا اشتريتها كافرة وأسلمت، يا عمي أطالبوا لي مصاريه، تقول لك أنا ما توقعت أنها تسلم. فنقول له نحن ما رح نحرمك، صح أنت اشتريتها أو حصلت لك يا أيها الذمي وهي كافرة وبعدين كتب الله أنها أسلمت عندك، نحن بنقول لك خلص لو سمحت بيعها جبرًا.
طبعا مش جميعها جبرت، لكن هنا في حالة واحدة لا تباع، ما هي؟ أم ولد؛ لأن أم الولد شو مر معنا في الدرس الماضي؟ أم الولد لا تباع. طيب ليش هنا؟ وهذه بدنا نطبق أصول الفقه هنا، أنا بعرف بطول عليكم في الدروس، بس هذه التطبيقات إخواني بتستفيدوا منها في أصول الفقه.
مر معنا في القياس أن الأصل أن تضطرد العلة، ولكن من أحوال قبول عدم اضطرادها تزاحم مصلحة أعلى منها في الوضع الطبيعي. السيد الكافر لا يقر على الأمة المسلمة؛ ليه؟ إيش العلة؟ ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. اعتبر أن العلة هي عدم أن تعلو الكافر على المسلم، هذه العلة.
الآن إذا كان السيد كافرا وعنده أم ولد مسلمة، هي العلة موجودة فيها أنه ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، لكنها لن تنتج وسننقضها وسنستثني هذه الصورة؛ ليه؟ لماذا؟ المنطق أنه هنا ما رح نخلي العلة تتفعل ونحكي للسيد الكافر أنت مجبر تبيع أم الولد، لحصول مصلحة حريتها.
إذا كانت أم ولد، هي إذا مات سيدها الكافر رح تصير حرة، فاشترت حريتها فعليا بإبقائها، لكن لو بعناها لشخص مسلم -وهي ليست أم ولد له- لذاك الذي ستباع له، فستظل رقيقة عنده، إلا أنها تحمل منه مرة ثانية، ومن هذا الذي ستباع إليه المسلم وتصير أم ولد لهذا المسلم، فأيهما أخسر طريقا عليها؟ يعني احتمالية أنها تحمل من ثاني ويجيها ولد منه، الله أعلم. أما الآن هي أم ولد، فبتقول لك أنا لا، خليني مع هذا الكافر لحتى ربنا يخلصني منه وبصير أنا بعدين اشتريت حريتي. هذه الفكرة، وهذا تطبيق أصولي على هذه المسألة.
فقالوا في هذه الحالة الوحيدة -وطبعا هي فيها خلاف في المسألة لأن في خلاف في المكاتب والمدبر، بس خلينا الآن في ظاهر ما في غاية المنتهى- وفي المنتهى أن نخالف في الإقناع، لكن ظاهر ما في غاية المنتهى أن السيد الكافر يمكن أن يكون وليا على الأمة المسلمة في حالة واحدة؛ في حالة كانت الأمة المسلمة عنده أم ولد، أنه ما هو ما بيقدر يبيعها ورح تظل عنده.
طيب كيف بدنا نزوجها وهي أم ولد؟ بدنا نزوجها، هي بتقدر تتزوج مين؟ بده يكون زوجها، ما في غير السيد الكافر. هكذا قالوا، شوف المسألة كيف بتشلبك بعضها، أن الأنساب بالنسبة لنا نحن ما عشنا ذاك الزمن. طيب الشيخ هي مش أم ولد منه؟ عادي، بصير تتزوج؟ طبعاً هي في النهاية يصح لسيدها أن يتزوجها أو يزوجها، فضل الاستبراء. تمام، يعني هي في النهاية هذه قضية استبراء، بس هو له أن يزوجها.
طيب مين بده يكون زوجها لما يزوجها؟ هو السيد الكافر. هناك حل آخر، هي رح تظل عنده وعلى ملكه. فإذا في مسألة اتفاق الدين، قلنا في استثناء أيضا، كما أنه في العدالة في استثناء كذلك، في اتفاق الدين في استثناء. ما هو الاستثناء؟ أولا، في السيد، السيد المسلم له أن يزوج أمته الذمية أو الكافرة عموما، كذلك السيد الكافر له أن يزوج أمته المسلمة إذا كانت أم ولد بهذه الحالة الاستثنائية.
هذا بالنسبة للسيد، بالنسبة للسلطان نقول: السلطان المسلم له أيضا أن يزوج الذميات الموجودات في المجتمع المسلم، فهذا في اتفاق الدين. فقضية السلطان والسيد، هذا القيد يعود على العدالة ويعود على اتفاق الدين، بس عودته على اتفاق الدين كان فيها التفصيل الذي ذكرناه، أما عودته على العدالة فهي ظاهرة.
تفضل شيخنا، يعني في هذه الحال يجوز أن هذا السيد الكافر يطأ أم الولد المسلمة؟ هل يجوز السيد الكافر أن يطأ أم الولد المسلمة؟ هذه تحتاج لبحث، لكن الذي يظهر يعني أنها يمنع من ذلك بعد إسلامها، لكن لا يجبر على أي بيعها، لكن تحتاج لبحث.
نقف الآن عند هذا المقدار ونكمل الدرس الثاني بعد صلاة المغرب، وصلوا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل