بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حياكم الله أيها الأكارم في عودة جديدة للتعليق على كتاب «أخصر المختصرات» لابن بلبان الدمشقي الحنبلي رحمه الله.
وكما اتفقنا، باب الفرائض في «أخصر المختصرات» سننتقل عنه إلى كتاب العتق. وأنا لست مع القراءة غير المنتجة؛ لأن أي قراءة سريعة لكتاب الفرائض الآن في هذا المستوى لن تنفعكم، لأنها مادة تحتاج أن تدرس وحدها وتفهم أصولها وفروعها وآليات التطبيق، ثم بعد ذلك إذا درستها في الفرائض -إن شاء الله كما هو موضوع في خطة المعهد- تقرأها في «أخصر المختصرات» في خمس دقائق إن شاء الله، فتصبح المادة سهلة، لأن في العادة هذه الكتب تكون أخصر من المنظومات المتخصصة في العلم.
لذلك ننتقل مباشرة إلى باب العتق، فأنتم مستعينين بالله اقرأ. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. رحمه الله تعالى، كتاب العتق: يسن عتق... طبعا هذا الباب ربما كثير للأسف من المعاصرين يقول لك هذا الكتاب لا يقرأ ويقفز عنه، يتكلم عن مسألة غير موجودة في واقعنا المعاصر. هذا غير صحيح؛ الأصل أن يدرس العلم كاملا حتى لو كانت المسألة غير موجودة في واقعك المعاصر.
أولا عليك أن تنظر في طريقة التفكير الفقهي، أنا أحيانا أنظر في المسائل لأعرف كيف يفكر الفقهاء، أنا أريد دائما معرفة كيف فكر الفقيه وكيف نتج الحكم، ثم هذا شيء من الشريعة لا يستطيع أحد أن يلغي هذا من شريعة رب العالمين، وقد عاشت عليه الأمة عشرة قرون. وما يحصل في الواقع المعاصر ليس حكما على الأزمان، وبالتالي فالقفز عن هذه الأبواب ليس صحيحا ولا سديدا، ويقرأها الطالب ويتعلمها فهي جزء من الدين بلا شك.
العتق يتعلق بالعبيد والإماء، وقد كانت هذه الظاهرة في المجتمعات الإنسانية القديمة، ليست فقط خاصة بالمجتمع الإسلامي -عفوا كما يحاول المستشرقون أن يصوروا ذلك- بل كانت أوروبا تستعبد الأفارقة أكثر مما كان موجودا في المجتمع الإسلامي كاملا، وكان الإسلام عنده من الأخلاقيات والنزاهة في التعامل مع هذا الجنس من الناس ما لا يوجد مثله في كل الأمم، وهذا مفخرة من مفاخر الإسلام أن النبي ﷺ وهو يموت يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».
انتبهوا على العبيد والإماء، لا تظلموا، من يفكر بهذه الطريقة اليوم. فحتى الكلام عن محاسن هذا الباب وعظمة الإسلام فيه والخير الذي حققه الإسلام للعبيد والإماء باب يطول ويحتاج إلى محاضرة كاملة، لكن نحن الآن نأخذ الأحكام الفقهية.
قال: «يسن»، وهذا أول قاعدة من قواعد الشريعة أن الإسلام يتشوف إلى العتق، فنقول يسن العتق، لكن وضعوا ضابطا، قال: «من له كسب». المسنون أن تعتق من له كسب؛ شغل، يشتغل، ويكره لمن لا قوة له ولا كسب. لماذا علقوا سنية العتق لعبدك أو أمتك أن تعتق العبد أو الأمة التي لها كسب لا ينقطع به السبيل؟ أحسنت، حتى لا ينقطع به السبيل. هذا في العادة مواطن ليس له أب أو أم في المجتمع المسلم، أتى عن طريق الحرب، وبالتالي هو ليس له شيء في هذا البلد الذي أنت فيه، فإذا أنت تركته فجأة، يلا أنت حر ودبر نفسك، يومين أو ثلاثة أو أربعة وتجوع، لو يقول لك: دعني عبدا أفضل لي حتى أجد طعامي وشرابي.
فلذلك المسنون أن تعتق من له كسب يقتات به ويأكل، يعني عنده صنعة، يقدر يشتغل حتى يأتي بقوت يومه. ويكره أن تعتق من لا قوة له ولا كسب، الإنسان الذي ليس عنده قدرة أن يشتغل ولا كسب له، هذا يكره أن تعتقه خشية أن يضيع في المجتمع، ولا يجد من يطعمه أو يشربه أو يقضي حوائجه الأصلية أو يكفيه، الآن عندك حوائج أساسية من البيت والطعام والشراب واللباس، من أين سيأتي بها؟
طيب، قال: «ويصح تعليقه بالموت»، وهو التدبير. نعم، هذه العبارة الصحيحة لأنه في إشكاليات في النسخ القديمة من «الأخصر»، لكن العبارة الأصوب أنه قالها: «ويصح تعليقه بالموت». أن تقول: تعليقه بالموت يعني إذا مت فعبدي حر. وهذه نوع من أنواع الوصية، لكن لها اسم خاص، ما اسمها؟ «تدبير»، هذا يجب أن تحفظه؛ لأن كلمة التدبير والعبد المدبر ستجدها في مختلف أبواب الفقه مذكورة، في أبواب المعاملات يذكرون أمثلة كثيرة على العبد المدبر. فالطالب وهو ينظر في كتب الفقهاء، ما هو هذا العبد المدبر؟ قصته؟ العبد المدبر هو العبد الذي علق سيده إعتاقه بموته.
ويعتبر من الثلث، ليش من الثلث؟ لأننا اتفقنا هي وصية، والوصية من الثلث فأقل، إلا أن يشاء الورثة؛ وهذه نضيفها لأننا قلنا إذا كانت الوصية بما فوق الثلث لأجنبي فهي موقوفة على إجازة الورثة.
قال: «وتسن كتابة من علم فيه خيرا». هو كتاب العتق الحلو فيه أنه كتاب قصير هنا في «الأخصر»، يعني لم يذكر فقط مجموعة أحكام يسيرة وسينتقل إلى كتاب النكاح. الكتابة، ما هي المكاتبة؟ هذه مرت معنا كثيرا، أن السيد يكاتب عبده على أن يدفع مبلغا معلوما منجما. منجما يعني موزعا، مفرقا على نجمين فصاعدا. يعني من شروط الكتابة أنها تكون مقسطة، لا يصير كاش، هذا شرط، الكتابة لابد أن تكون مقسطة على نجمين فصاعدا، هذه طبيعة هذا العقد.
ممتاز، قال: «فإذا دفع العبد الكتابة أو أداها بنجومها على حسب ما هو متفق عليه أصبح حرا»، يعني اشترى حريته. وهذه أيضا طريقة من طرق الإسلام في العتق؛ أنا أخلي السيد يعتق وأقول له يسن لك العتق، وأعطي مجالا للسيد إذا كان شحيحا جدا ولا يريد أن يعتق مجانا، أعطي مجالا للعبد أنه هو يشتري حريته. فأنا لن ألزم السيد بعقد الكتابة، لكن أحثه، فإذا كان السيد محتاجا ماليا ولا يقدر أن يفرط بهذا العبد، فنعطيك مساحة أن يتفق مع العبد أنه هو يشتري حريته من خلال عقد الكتابة.
﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]. عقد الكتابة هذا عقد مذكور في القرآن، يعني أي واحد يقرأ القرآن إذا لم يكن دارسا للفقه لن يعرف ما معنى «فكاتبوهم»، الكتابة هي عقد إسلامي.
ولكن أيضًا هو مثل العتق، يسن لمن قيل: «من علم فيه خيراً». والمراد بالخير ماذا؟ قال هنا فسره: وهو الكسب والأمانة، وتكره لمن لا كسب له، والبعض أضاف أيضًا الديانة؛ يعني ما يكون فاسدًا أخلاقيًا. فكلمة خيراً التي تظهر، لأنها تدخل فيها أيضًا أنه ما يكون فاجرًا، لأنه إذا كان فاجرًا وتطلق في المجتمع فهذا يفسد الناس.
فلذلك قال: «من علم فيه خيراً»، ثم قال وهو من الخيرية أن يكون كاسبًا أمينًا. والأمين يعني أعتقد أن الأمانة ممكن تدخل فيها الديانة، هو لم ينص عليها نصًا صريحًا، لكن تدخل في موضوع أن الإنسان أمين؛ ليس سراقًا ولا مجرمًا ولا حراميًا ولا مختلسًا ولا منتهزًا، إنسان إذا أطلقناه في المجتمع يكون راقيًا راكزًا، فهذه الأمانة هي جزء من الديانة.
وكاسبًا نفس الفكرة السابقة، أن يكون بعد ما ينهي عقد الكتابة ويشتري حريته، يقدر أن يكسب قوت يومه حتى تستمر به الحياة. وتكره لمن لا كسب له، نفس الفكرة السابقة. وكان تأمل الأمانة بالعادة تكسب خاصة بالرجال، لا، حتى الأمة؛ الخياطة، قالوا يعطيها وظيفة تتعلق بها قديمًا كالخياطة وتنظيف المنازل والأشياء المتعلقة والتطريز، لها وظائفها الخاصة بها.
قال: «ويجوز بيع المكاتب». إذا أنا كاتبت عبدي، هل يجوز أن أبيعه؟ نعم، أكتب عندك: المدبر والمكاتب، كلاهما يجوز بيعه، كلاهما يجوز لي أنا كسيد أن أبيعه، لكن ما الفرق بينهما؟ أن المدبر إذا بعته فالمشتري ليس له علاقة بالتدبير، لكن المكاتب إذا بعته فالمشتري له علاقة بالكتابة، يعني يظل العقد مستمرًا. أنا كاتبت عبدي على خمسة آلاف، كل شهر ألف، بعد شهرين بعته، وطبعًا الأصل أنه يخبر المشتري، إذا لم يعرف أنه مكاتب فله حق الخيار، يرجعه لأنه لم يخبره أنه مكاتب.
بس إذا كان باتفاق بيني وبين المشتري قلت له: يا مشتري أنا عندي عبد مكاتب تشتريه؟ قال لي أنا بشتريه، فما علاقة مصلحة المشتري في أن يشتري؟ إنه يصبح الولاء لمن؟ له، أنا كمشتري أشتريه كعبد وتكمل المكاتبة معي وتصبح حرًا على وقتي، فيكون ولاؤك لي، وسنعرف الولاء وتعريفه وشو أهميته أو مصلحته المالية التي ممكن يجنيها.
وأما المدبر، فإذا أنا بعته كعبد مدبر وأنت اشتريته سقط التدبير عنك، ركز: سقط التدبير عنك وليس عني، كيف يعني ليس عني؟ قالوا فإذا عاد لي في يوم من الأيام، أنت رجعت وهبته لي، يرجع لي مدبرًا، فالتدبير لا يسقط لكن لا ينتقل، لا يسقط عني لكن لا ينتقل، فإذا أنا بعت العبد المدبر فالمشتري ما له علاقة، المشتري خلص قال أنا بدي إياه ما راح أرجعه إليك أبدًا، يتعامل معه على أنه ملك تام وإذا مات ورثه وانتهى، لكن إذا عدت لي يا أيها المدبر في يوم من الأيام بعقد أو بهبة، تعود لي مدبرًا، فإذا مت يبقى التدبير قائمًا وتصبح هو حرًا إذا كنت من ثلث الوصية، من ثلث الأموال.
واضح يا إخواني الفرق بين المدبر والمكاتب في جزئيات، لأنه سيأتي معنا الآن أم الولد، أم الولد هذه وقتك ربع، هذه ما تقدر تبيعها أبدًا، شفت؟ عندك المدبر، المكاتب، أم الولد، هذه كلها بدك تكون أنت على دراية ببيعها. فيقول: «ويجوز بيع المكاتب ومشريه يقوم مقام مكاتبه»، يعني مقام سيده، يصبح هو مكانه، فإن أدى عتق، وولاؤه لمنتقل إليه، يعني يصبح ولاؤه للمشتري.
الآن المكاتب هنا عند البيع يكمل نفس العقد؟ نفس العقد ولا شيء، بس المبلغ الباقي يصير يروح للمشتري، أحسنت، كيف أنت تشتري سيارة وأنت عم تدفع للبنك؟ بس أخذت السيارة كمل أنت للبنك.
قال: «وأم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله». أم الولد هذه إخواني كما قلنا هي من أنجبت، وسيأتي ضابطها، وهي من، اقرأ حتى نكتب من هي أم الولد، قال: «وهي من ولدت ما فيه صورة ولو خفية». أم الولد هي الأمة التي ولدت ما فيه، يعني يا ولدت كائنًا حيًا كاملًا، أو على الأقل إذا أجهضت أجهضت ما فيه تخلق.
هذا يشبه أي مسألة؟ هذا الضابط ذكر في مسألة سابقة في موضوع النفاس، وهذا جيد أنك تربط بين الأبواب الفقهية، أنا تعمدت شوي في هذه الأبواب -المعاملات في الاختبار- أنه نحاول نشبك بين الأبواب، لأنه إذا كنت دائمًا تحفظ الباب وحده، إذا ربطت الباب بباب بتغرق، معناته أنت مش فاهم مأخذ المسألة، نحن دائمًا الفقيه هو الذي يعرف مأخذ المسائل، مش فقط حافظها ببابها، بحيث ما يعرف يجمع أنه هذه هنا تشبه تلك في ذاك الباب.
هنا أنا أخذت ضابطًا: إذا أسقطت ما فيه تخلق، فإذن أم الولد هي أمة ولدت من مالك، يعني من سيد، مش من زوج، هذا ضابط، هي إذا لم تلد من زوج من مين ولدت؟ من مالك، طب إيش ولدت؟ نقول ولدت طفلًا عاديًا، كائنًا حيًا نشأ والحمد لله أموره طيبة، أو أنها أجهضت ما كتب الله عز وجل أن يستمر الحمل معه لكنها أجهضت ما فيه مضغة فيها تخلق، فإذا أسقطت ما فيه تخلق فصاعدًا نعتبر أنها صارت أم ولد. أما إذا أسقطت علقة أو مضغة لا يوجد تخلق فيها، بنقول سامحينا أنتِ ما صرتِ أم ولد.
إذا من ولدت ما فيه صورة، يعني تخلق ولو خفي، يعني حتى لو كان شوية وجه هيك مبين هيك حزوز، قالوا مش لازم يكون التخلق واضحًا جليًا، يكفي أن المعالم الأساسية موجودة، وهذا يعني من باب الشيء العملي، هذا عادةً قديمًا كانت تشهد به النساء اللواتي حضرن الولادة، اليوم واحد يقول لك ما هي المرأة بتكون في عملية الولادة، مين اللي بده يشهد بهذا؟ إذا ولدت عند نساء وهذا الأصل، أما إذا ولدت لعذر عند رجل فيكون هذا الطبيب هو الذي سيشهد بذلك، المهم.
قال: «من مالك ولو بعضها». الظاهر ولو بعضها كأن كانت مبعضة، سيأتي معنا أو ربما لن يأتي هنا في متون الفقه أنه أحيانًا قد تكون الأمة مبعضة، نصفها حر ونصفها عبد.
فهذا السيد ليس مالكها كاملة، هي نصفها حر ونصفها أمة، فوطئها باعتبار النصف الذي له منها. هذا يحصل أحيانًا عند طائفة من أهل العلم ولا توجد مشكلة، لكن الذي لا يجوز إذا كانت شريكة بين ثلاثة، فهي ليست مبعضة، بل هي أمة كاملة لكن يملكها مجموعة شركاء.
هنا لا يجوز لأحد الشركاء أن يطأها، فالأمة التي يملكها مجموعة شركاء ليست مبعضة، هي أمة كاملة ولكن يملكها مجموعة شركاء، وهنا لا يصير لكل شريك أن يأخذ راحته، لا يجوز، انتهت.
أما المبعضة فالذي يتكلم عنها هو من عنده أمة نصفها حر لوجه الله، أي ليس لها مالك آخر غيره، ولذلك هي مبعضة لأنها بينه وبين رب العالمين، وهنا أيضًا تبرز قضية السعاية؛ فجاء في الحديث أن الله ليس له شريك، فمن أعتق نصيبًا له، فعليه أن يعتقه كاملًا. هل مرت معنا هذه المسألة قريبًا؟ قال: لأنه ليس لله شريك، فلما جعل نصفها حرًا صارت نصفها لله ونصفها عند هذا السيد. وإن كان من حيث العقيدة نقول هي لله لو كان هناك أحد، لكن من حيث الأسباب الدنيوية نقول ذلك. المهم فهذه أمة نصفها حر ونصفها ما زال على العبودية، فحتى لو وطئها مالكها، فهي أم ولد إذا جابت هذا الشيء، أو كانت محرمة عليه.
قالوا مثال ذلك بأن وطئ أمة له وهي ابنة له من الرضاع؛ لأننا لو كانت محرمة عليه تحريم نسب لأعتقَت مباشرة، فقالوا كيف تكون محرمة عليه ولم تعتق مباشرة؟ قالوا تحريم رضاع. يعني أنت عندك أمة وهي في نفس الوقت أخت من الرضاع أو بنت من الرضاع، فهي تحرم عليك. هذه الأمة مثلًا أرضعتها أمك، فماذا تصبح؟ أختك من الرضاع وأمتك في نفس الوقت، وهذه لا تعتق بالرحم، لأنها ليست رحمًا محرمًا من النسب، نحن قلنا التي تعتق مباشرة هي إن كانت ذات رحم محرم من النسب، أما هذا فهو تحريم رضاع.
فقالوا مثال ذلك: إذا كان السيد يملك أمة وهي ابنة له من الرضاع أو أخت من الرضاع، فهذه لو وطئها فأنجبت ولدًا -وهو لا يجوز له أن يطأها- لكن لو وطئها وهي محرمة عليه، تصبح أم ولد. يعني أنت يحرم عليك أن تطأها، فإذا خالفت وعملت معصية ووطئتها، تصبح أم ولد وتنطبق عليها الأحكام وتصبح حرة، لن تصبح حرة لمجرد أنك وطئتها، فهي في النهاية أمتك وأنت فعلت معصية وإثم، لكن نقول هي أصبحت أم ولد إذا أنجبت هذا المولود.
وممكن مثال آخر: إذا زوجها السيد من رجل، فيحرم عليه أن يطأها، فإذا وطئها وأنجبت من سيدها كانت أم ولد له. أو من أبيه إن لم يكن وطئ الابن؛ يعني هذه الأمة أنت المالك لها، لكن الذي وطئها هو والدك وليس حضرتك. وإن لم يكن وطئ الابن، فإنه لا يجوز للأب أن يعتدي على أمة ابنه قبل أن يتملكها، فلا يصلح أن يأخذ أمة ابنه ويطأها ثم يرجعها للابن، هذه أمور غير صحيحة ولا تجوز، لكن لو حصلت، فإليك ترتيب المسألة.
الأب مع ابنه له أحوال: الحالة الأولى، أن تكون الأمة التي عند الابن سرية، فهذه يحرم على الأب أن يتملكها، وإذا وطئها الأب حتى لو أحبلها يكون هذا بالحرام ولا تعتبر أم ولد للأب.
الحالة الثانية: إذا كان الابن لا يطأها، فهنا توجد حالتان: الحالة الأولى أن يتملكها الأب أولًا ويدخلها في ملكه بالطريقة الصحيحة التي ذكرناها سابقًا، ثم بعد ذلك له أن يفعل ما يشاء لأنها أصبحت ملكًا له، فإذا أحبلها أصبحت أم ولد له تلقائيًا.
والحالة الثانية: إذا كان الأب لم يتملكها بعد ولكنه وقع بها شهوة، فهنا حالتان: إذا أحبلها، فنقول وطؤه حرام، ولكن حتى نعالج المشكلة نقول أصبحت ملكًا للأب، وسيعزر الأب طبعًا على غلطته هذه، فإذا حملت وولدت -على الأقل مضغة فصاعدًا- تصبح أم ولد له، سواء كانت ولادة كاملة أو إجهاضًا في صورة التخلق، فبذلك نعالج المشكلة بأنها أصبحت ملكًا له وأصبحت أم ولد له، رغم أنه آثم لأن وطأه حرام.
أما الحالة الثانية، وهي أنه وطئها ولم يحبلها؛ هنا هو لم يعلن تملكها فبقيت ملكًا للولد. وفي هذه الحالة لا يُعزر ولا يُحد إن أنجبت منه؛ لأنه يُسمى "شبهة ملك"، ودائمًا الشبهات تدرأ الحدود، فالأب قد يتوهم أن أمة ابنه هي أمته، لكن الشريعة ضابطة لهذه الأمور ولا تسمح بهذه الفوضى خاصة في الفروج. هو يأثم ويعزر في الحالات التي يقع فيها الوطء قبل نقل التملك، فعمومًا أي وطء دون تملك يعتبر حرامًا وفيه التعزير.
هذا كان تعليقًا سريعًا حتى تكون المسألة منضبطة معنا في هذا الباب، لأنه ماذا قال في الأقصر؟ قال: «أو من أبيه». الآن فهمنا يا شيخ كلمة «من أبيه»، فقد فتحت لنا باب مسألة كاملة؛ كيف ممكن تكون «من أبيه»؟ طلع فيها التشجير. وعرفنا الآن ما معنى «من أبيه» بقيد: «إن لم يكن وطئ الابن».
«من أبيه إن لم يكن وطئ»؛ هذا قيد، لأنه إذا كان وطئ الابن لا يمكن، مهما عمل الأب، أن تصبح أم ولد له، وسيكون الأب فعل حرامًا ويعزر على ذلك. ثم قال: «وأحكامها كأمة»، يعني طوال فترة وجودها.
حتى هنا، وهذا سيفتح بابًا، ذهب ذهني للمسألة السابقة وهي قضية «من مالك ولو بعضها». نحن ذكرنا صورة المبعضة، لو ذكرنا صورة المشتركة، وهي الأمة التي يملكها مجموعة شركاء، الآن يحرم عليه أن يطأها، لكن لو وطئها وحملت منه، الذي يظهر أنها تصبح أم ولد له، وهنا الأصل أن يضمن قيمتها لشركائه.
فحتى هذه الصورة الثانية من «من مالك ولو بعضها»، إما أن تكون صورة المبعضة، وإما أن تكون صورة الأمة المشتركة بين مجموعة. ما الفرق بينهم؟ إنه الأمة بين مجموعة كالأب الذي هنا عمل حرامًا؛ أنت أمة يملكها ثلاثة، ما بيطلع لك إنك تطأها، فإذا وطئتها وحملت منك، أنت صح عملت حرامًا، بس رح نعتبرها أصبحت أم ولد له، وستضمن قيمة الثلثين فرضًا، هي ثلث بثلثين مثلًا، كل واحد يملك ثلثها، ستضمن الثلثين قيمة الأمة لمن؟ لشركائك.
فلذلك نقول: «من مالك ولو بعضها» تدخل فيها أيضًا صورة الأمة المشتركة بين مجموعة شركاء، بغض النظر أنه هو فعل حرام في هذه الحالة؛ لأنها أيضًا وطء محرم. فالفكرة ليس شرط أن يكون الوطء حلالًا حتى تصبح أم ولد، لاحظتم هذا الملحظ؟ هناك صور يكون فيها الوطء حرامًا ومع ذلك أعطيناها أحكام أم الولد، مثلما ذكرنا «من مالك ولو بعضها» أو حتى «محرمة عليه»، وهو وطء حرام ومع ذلك أعطيناها أحكام أم الولد.
أو «أو من أبيه إن لم يكن وطئ الابن»، وعرفنا أنه في بعض صورها الآن، وهي الظاهر الصورة التي نتكلم عنها، أن الأب وطئ قبل التملك، وهي صورة حرام؛ أن الأب وطئ قبل أن يضع يده عليها ولم يكن الابن واطئها، وهذا أيضًا كله وطء حرام ومع ذلك أعطيناها حكم أم الولد. فهذه المسائل جيد أن تفصل بهذه الطريقة ليفهم ما الذي يدخل تحتها.
إذًا «ومن ولدت» ما فيه صورة ولو خفية «من مالك ولو كان هذا المالك يملك بعضها»، كانت مبعضة أو مشتركة بين شركاء، أو كانت محرمة عليه برضاع أو ما شابه ذلك، بأن كانت مثلًا محرمة عليه أن يطأها بمحرم كالإحرام، أو كانت في حيضها، وهذا أيضًا محرم يطأها. فكلمة «محرمة عليه» إما أنها أخته من الرضاع أو في أي حال يحرم فيها الوطء، كأن تكون جارية في إحرام، أو أن تكون الأمة في حيضها. فهذه أيضًا كل هذه الأمور لو حصل فرضًا وصار فيها حمل تكون أم ولد.
ثم قال: «تفضل». لما قلت المشتركة بين ثلاثة فأكثر، لما قلت بين ثلاثة فأكثر، ليس مشكلة، أنا ذكرت الرقم عفوًا كمثال فقط. ثم قال: «تفضل يا شيخ».
شيخنا، يمكن نقول كأنه لتشوف الشريعة للحرية، أجازت أن تصبح أم ولد ولو كانت الوطأة محرمة، إلا في تلك الحالة الأخيرة وهي إن كان الابن يطأها، لوجود منازع آخر أقوى؟ تستطيع تقول ذلك، لأن الشريعة متشوفة أن تحولها لأم ولد، فحتى لو كان الوطء محرمًا في كثير من الصور جعلتها أم ولد من باب التشوف إلى أن تصبح أم ولد، بس لابد يكون بناءً على أساس منطقي صحيح.
أيضًا تحريم الوطء لا يعني ألا تصبح أم ولد في هذه الأحوال، إلا إذا كانت حالة لا يوجد فيها منطق صحيح لتصبح أم ولد له، ولا يوجد وجه من وجوه التملك فيها؛ فهذه المشكلة، لذلك هي أي قضية فيها تملك أو شبه تملك مشيناها، أما الصورة التي ليس فيها أي شكل من أشكال التملك، وهي صورة إذا كان الابن قد وطأها، ما فيها أي شبه تملك، قال: هذه لا منعناها فيها أن تصبح الأمة أم ولد، والله أعلم.
طيب، حتى اسمحوا لنا نمشي في هذا الباب: «وأحكامها كأمة»، فإن أم الولد ما دامت قبل موت مالكها فهي لسه أمة عليها كل وظائف الأمة المطلوبة منها، إلا فيما قال: «إلا فيما ينقل الملك في رقبتها أو يراد له». إلا أنه لا يجوز أن يتصرف مالكها فيها تصرفًا يؤدي إلى نقل الملكية، يعني باختصار ما يصير يبيعها، ما يصير يهبها؛ أي تصرف مالي يؤدي إلى نقل ملكيتها.
أم الولد ليست كالمدبر والمكاتب، المدبر والمكاتب قلنا يجوز بيعهم وهبتهم، لكن أم الولد لا يجوز فيها هذه الأمور. قال: «إلا فيما ينقل الملك في رقبتها من بيع أو هبة»، فهذه لا يجوز فيها ذلك، أو حتى «يراد له»، ماذا يعني «يراد له»؟ يعني ما يكون وسيلة لنقل الملك وإن لم يكن نقلًا كالرهن.
نعم، لا يجوز رهنه؛ الرهن لا يراد به نقل الملك، لأنني لما أعطيك الأمة رهنًا عندك، معناها أنه إذا أتى وقت الدفع وأنت ما دفعت ستُباع، فبالتالي لا يجوز. فلذلك قالوا «أو يراد له»، أي إذا كان العقد وسيلة للبيع كالرهن، فهذا أيضًا لا يجوز أن تعقد عليها عقد رهن. أو مثلًا إذا أتلفت وتعلق الضمان في رقبتها فإنه يدفعها، أحسنت، جميل.
جناية وتعلق جنايتها برقبتها، فإنك تعطيها للجماعة الآخرين. خلص، مش إحنا قلنا ثلاث حالات هنا لحل المشكلة، منها أن تعطيها للجماعة إذا برحانون معها، هنا ستصبح ماذا؟ هذا عنده ثمن واحد ملغي، نعم ملغية، بالتالي ليس له إلا أن يفديها.
ثم قال: «ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه فله عليها الولاء». الآن هذه قاعدة عامة مهم أن تفهمها في هذا المستوى الفقهي، أنه من أعتق رقبة، أنا أعتقت رقبة، أو عتقت عليه تلقائياً. هل يمكن للرقبة -الأمة أو العبد الذي أنا مالكه- أن يعتق تلقائياً؟
هناك صورتان أساسيتان؛ الصورة الأولى صورة الرحم المحرم. وعرفنا سابقاً من هو الرحم المحرم، هو كل عبد أو أمة -والأمة ستكون أسرع وأول- كل أمة لا يجوز لي أن أتزوج منها لنسب، أو كل ذكر لو كان أنثى لا أستطيع أن أتزوج منه؛ كمن ملك عمه، أو خاله، أو عمته، أو خالته، أو ابنة أخيه، أو ابنة أخته بأي طريقة.
وهذا ضابطه الذي ذكرناه: هي كل أنثى أو كل ذكر لو قُدر أنثى لا يجوز لك أن تتزوج به من جهة النسب، ليس من جهة المصاهرة ولا من جهة الرضاع. فمن ملك حماته، ليست رحماً محرمة من جهة النسب وإنما من جهة المصاهرة، فالمصاهرة هي من جهة الزوجة وأقاربها المحرمين عليك، أو من جهة الرضاع كالأخت من الرضاع؛ هذه لا تدخل في الرحم المحرم. فالرحم المحرم هو من جهة النسب فقط، وهو الذي يعتق بمجرد أن تتملكه، سواء جاء شخص وهبك إياها أو أنت اشتريتها، تعتق مباشرة. هي الصورة الأولى للعتق المباشر الذي ليس لك علاقة فيه، تعتق جبراً عنك، ففهمتم علي؟ كيف يعتق مباشرة؟ ليس بإرادتك ولا باختيارك، تعتق تلقائياً.
الصورة الثانية للعتق المباشر تلقائياً: قالوا: «من مثل بعبده». من مثل بعبده بأن قطع منه أذناً أو أنفاً أو قطع يداً أو رجلاً، فهنا تلقائياً يعتق عليك العبد. قالوا: «ولو كان التمثيل بغير قصد». يعني أنت ضربت عبداً تريد أن تعاقبه، أو طارت أذنه بالخطأ، أنت لم تقصد قطع أذنه بل قصدت تأديبه لكن الكف كان حامياً، وهذا من الأذى، فطارت أذنه أو أنفه؛ فقالوا: «من مثل بعبده»، هذه المثلة يعتق بها العبد تلقائياً.
المثلة كلها وقت قطع التمثيل، والضابط هو ما أثر في شكله وهيئته فأتت فتسببت بتشوه خلقي به، فهذا كما قلت يؤدي إلى إعتاق تلقائي له. فهاتان الصورتان يندرجان تحت قوله: «ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه». وأنت ممكن حتى تشرحها: عتقت عليه تلقائياً، أكتب كلمة «تلقائياً» حتى لا تنساها غداً وأنت تقرأ.
دائماً الإخوان وهو يذاكر يحاول أن يكتب الكلمات التي تعينه على فهم المسألة، وإلا غداً ستنساها. لا تقل خلص يا شيخ فهمت، لازم تكتب، الله يرحم والديك؛ فبكرة ستجد كم مسألة في كتاب البيوع شرحناها، ستجد الطالب يراجع كتاب البيوع ويقول: هو ماذا قال الشيخ فيها؟ يكون هو عندما كان جالساً معي قبل ثلاثة أشهر وهو يتذكرها، لكن العلم ينسى، وآفة العلم النسيان مشايخنا، فلذلك الكتابة صيد. أنا أصيد الفكرة حتى غداً، بعد شهرين أو سنة، أكون عارف معنى هذه العبارة: «أو عتقت تلقائياً كما قلنا بمثلة أو ذي رحم محرم».
فالآن ماذا سأستفيد أنا من العتق؟ قالوا: «فله الولاء». الآن ما هو الولاء؟ هذا مفهوم إذا فهمته سيتكرر معك في أبواب فقهية كثيرة، فارتح وافهم الولاء في بابه الأصلي، ومعنى أن تدرس أخصر المختصرات أن تأخذ المفهوم الأساسي وتبني عليه غداً في المستقبل.
قالوا: ما هو الولاء؟ الولاء لغةً هو الملك، وشرعاً: ثبوت حكم شرعي بعتق أو تعاطي سببه كاستيلاد. والشيخ أحمد القعيمي وضع هنا معنى عاماً للولاء شرعاً، ولكن خلينا نمشي على تعريف الأخصر أفضل، قال: «وهو أن يصير عصبةً له مطلقاً عند عدم عصبة النسب».
هذا التعريف هو العملي لكي تفهم ما هو الولاء؛ الولاء الذي أحصل عليه إذا أعتقت العبد أو عتق علي تلقائياً هو أن أصير أنا عصبةً له مطلقاً. ما معنى مطلقاً؟ سواء كان السيد ذكراً أو أنثى، فالإطلاق هنا للسيد بغض النظر عن جنسه، فيصير السيد عصبة لهذا العبد المعتق أو لهذه الأمة المعتقة عند عدم عصبة النسب.
ماذا تستفيد من هذه العصبة؟ في باب الميراث، عندما تفقد العصبة النسبية، أي يكون الميت قد مات وليس له عصبة نسبية. وطبعاً سنأتي في باب الفرائض لنعرف من هم العصبة النسبية، وعادة هم الذكور من الفصول، من الأصول أو الفروع أو الحواشي؛ هم: الأبناء، الآباء (سواء ابن أو أب أو جد)، الإخوة الأشقاء، الإخوة لأب، أبناء الأخ الشقيق، ابن الأخ لأب، الأعمام، وأبناء الأعمام. هؤلاء هم عصبة الميت من النسب، وإذا مات الشخص على ترتيب معين في الفرائض، بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم، ينتقل الباقي كامل لهؤلاء العصبات. فإذا أنت مت وما عندك عصبات من النسب...
عندوش كل هؤلاء اللي حكيناهم، مقطوع من شجرة تمامًا. هنا قالوا يبحث إذا فقدت عصبة النسب له عن عصبة ولاء؛ فبنقول هذا الذي مات ليس له عصبة نسب، دوروا لنا يا جماعة هل له عصبة ولاء؟
ماذا يعني له عصبة ولاء؟ هل هو كان عبدا في يوم من الأيام، أو في دهر من الدهور وأعتق؟ والله كان في دهر من الدهور عبدا وأعتق، فمن الذي أعتقه؟ قالوا فلان أو فلانة، بنقول خلص إذًا أعطوه المال هو، فهذه اسمها عصبة ولاء. وتستفيد منها في المواريث؛ فالولاء هو أنه يصير السيد المعتق عصبة لها مطلقًا، سواء كان المعتق ذكرًا أو أنثى، أو كانت المعتقة ذكرًا أو أنثى، هي لن تفرق.
ومتى تستفاد من هذه العصبة؟ عند عدم عصبة النسب، وهنا تستفيد منها؛ فعندما تفقد عصبة النسب نستدعي عصبة الولاء، لتأخذ حقها من الميراث على تفصيل يذكر في باب المواريث.
لو كان في أكثر من معتق، يعني استعبد نفس العبد أكثر من مرة وأعتق، لمن الولاء؟ وكيف يستعبد مرة؟ لمن جاءت عليه الحرية، وانتهى، لا يجوز أن يستعبد مرة أخرى؛ إذا أسر وعاد كعبد، فما هو لن يرجع كعبد للدولة المسلمة إذا عرفنا أنه حر، انتهى. خلاص مع هذا العبد الإنسان لا تجري عليه أكثر من عبودية في المجتمع المسلم، إذا أصبح حرًا انتهى، ونعرف أنه استعبد ظلمًا.
ثم قال: اقرأ من كتاب النكاح عشان الشباب. قال رحمه الله تعالى: «كتاب النكاح: يسن مع شهوة لمن لم يخف الزنا، ويجب على من خافه».
نذكر الآن حكم النكاح عمومًا، ما حكم النكاح أيها الكرام؟ قال حكم النكاح: يسن مع شهوة لمن لم يخف الزنا. النكاح تعتريه مجموعة أحكام، متى يكون مسنونًا؟ لمن يجد في نفسه الشهوة ولم يخف الزنا. ومتى يكون واجبًا؟ إذا خاف الزنا على نفسه، هنا يصبح ليس فقط مسنونًا بل واجبًا. لذلك كثير من الإخوة يأتون ليستشيرونا: أتزوج يا شيخ؟ فأقول له ما في حكم واحد، وإنما هو يتعلق بك، عندك أحكام في التزوج أو لا تتزوج.
إذا أنت عندك شهوة ولكن تضبط نفسك ولا تخاف الزنا، فهنا نقول لك الزواج مسنون. أما إذا قلت: والله يا شيخ أنا أخشى على نفسي الزنا، وعموما الذي يظهر أن حتى عموم المحرمات مثل الزنا، إذا كان يخشى على نفسه الوقوع في العادة السرية بكثرة، أو يخشى على نفسه الوقوع في الحرام، فهنا في هذه الحالة الأصل أن الزواج يصبح في حقه واجبًا.
والزواج الواجب، قالوا هنا زواج واجب مش فقط العقد، بل العقد مع الاستمتاع، يعني مش تقول خلاص إذا كتبت العقد عملت الواجب الذي عليك، ثم تذهب وتطلق ولا تريد الاستمتاع، وتقول كتبت العقد لأرفع الإثم؛ لا، لن يرتفع الإثم إلا أن يحصل العقد ثم الوطء، وهذا هو المراد والمقصود، العقد هو الوطء.
ثم قال الحالة الثالثة: متى يكون مباحًا؟ قالوا يباح لمن لا شهوة له، يعني نضيفها على المباح؛ متى يكون مباحًا؟ هو مسنون إذا عنده شهوة، طيب إذا شخص ما عنده شهوة، يعني ربنا ابتلاه كالعنين، قالوا مثلا ما عنده شيء عندما يرى النساء، هذا الذي لا يقوم له شيء قالوا الزواج في حقه مباح.
ومتى يكون حرامًا؟ قالوا يحرم لغير الضرورة الزواج في دار الحرب؛ ليه؟ خشية أن يعتدي العدو على عرضه أو على أولاده ويسترقوهم فيصبحوا عبيدًا للكفار، حتى يأتي العدو يأخذ أولادك منك ويصبحوا ملكًا لهم. وهذا ترى كلام خطير وله تبعات في الواقع المعاصر في الدول التي تأتي على أولادك الذين عمرهم خمسة وستة سنوات وتقول لك: ابنك هذا لسنا راضين عن طريقة تربيتك له، فيأخذونه، هؤلاء في النمسا أو السويد عفوًا، كل الدول فيها هذا النمط، لكن في السويد أو النمسا فيها بشيء من الشراهة.
تخيل، أنت تروح تتزوج هناك وتنتج أولادًا للكفار؟ تخيل ماذا يقول أصحابنا الفقهاء، كيف عظيم وبحثوا هذه المسألة! يحرم الزواج في دار الحرب لغير الضرورة، واستثنوا حالة الضرورة، لكن لغير الضرورة يحرم الزواج خشية من أن يستغل العدو أولاد المسلمين ويأخذوه لصالحهم ويجنّدوهم في جيوشهم وفي أجهزتهم، وإحنا نكون نعينهم على قتلنا وعلى تكثير سوادهم، فهنا يكون الزواج حرامًا.
شيخنا، أيضًا كأني مرة سمعت أنه حتى لو تزوج للضرورة يجب عليه أن يهاجر؟ صحيح هذا ذكرها، أحسنت.
طيب شيخنا، بعض الناس ليس ممن لا يخشى الوقوع في الحرام، بل هو أصلاً واقع في الحرام، مثلاً بينه وبين فتيات وصل ووصال وكذا، هذا إذا أفتيته بوجوب الزواج ممكن يؤذي الزوجة أو يؤذي الحياة الزوجية فيما بعد، هل ينطبق عليه هذا الحكم أم لا؟ أنت تأخذ إلى مربع آخر، وهذا مطلوب منه أن يترك هذا ويتزوج وهو يعالج نفسه، لأن هذه حالة مشابهة للإدمان، وهذه تمنع الاستمتاع بالزوجة بشكل سليم أو توقع بينه وبين الزوجة جفاء.
وهل هذا حكم مثل هذا؟ هذا ليس وقت "يخشى"، هذا "واقع". انظر أخي الكريم، هنا لما قالوا الزواج يكون واجبًا لمن يخشى على نفسه الزنا أو الحرام، هم يتكلمون عن الزواج الذي هو وسيلة لحل هذا الموضوع، صحيح؟ يعني متى يكون الزواج واجبًا؟ من باب "ما لا يتم الواجب إلا به"، فهو واجب بشكل قاعدة، أخذوا هذا الحكم من هذه القاعدة؛ أن تعف نفسك عن الحرام واجب، وما عاد عندك وسيلة لذلك إلا الزواج، فأصبح الزواج واجبًا من باب ما لا يتم الواجب إلا به.
أما إذا كان الزواج ليس هو الوسيلة لرفع هذا الحرام من الحياة، فما عاد هو الواجب. الفكرة التي تتكلم عنها أنت، هي مجرد كلام وليست مذهبًا، بل هي مدارسة حتى أكون دقيقًا، أنت تتكلم عن شخص يقيم علاقات محرمة، الآن هذا الشخص، لماذا يقيم هذه العلاقات؟ لشهوة؟
إذا كان مبعث الشهوة هو الشيخ أنا، فنقول له: والله الزواج إذاً هو الوسيلة لتحصن نفسك ولا تبقى على هذه العلاقات المحرمة، فيصبح واجباً. وفي نفس الوقت، الواجب أيضاً أن يتعالج. أما إذا كان الزواج لن يعالج هذا الموضوع، وهو يقول: أنا مصر أن أبقى على علاقة محرمة حتى لو تزوجت، فلا ساعتها ما عاد مشكلته هو موضوع الزواج، أصبح البعد بعداً آخر، فليس الزواج هو الحل في قضيته، والله أعلم.
يسن مع شهوة لمن لم يخف الزنا، ويجب على من يخافه، قلنا ويباح لمن لا يجد شهوة أصلاً، ويحرم الزواج في دار الحرب بغير الضرورة طبعاً. هم في دار الحرب لما قالوا يحرم، لكن هنا التحريم والنهي لم يؤديا إلى الفساد. نحن عادة القاعدة عندنا أن النهي يؤدي إلى الفساد، والشيء إذا كان حراماً فحكمه الوضعي لا يصح، لكن هنا هذه القاعدة كما قال ابن نصر الله حتى في الأصول ليست مضطردة؛ أحياناً يحكمون على شيء بالتحريم ولكن يصححونه، فالزواج في دار الحرب وإن كان حراماً لكنه يصح من الناحية الوضعية.
قال: ويسن نكاح واحدة حسيبة دينة أجنبية بكر ولود. من هي الزوجة التي يسن لك أن تنكحها؟ قال: يسن أن تنكح حسيبة، يعني بنت أصول ذات أصل. فخرج بهذا عند أصحابنا قالوا واحدة.
يسن نكاح واحدة، فالمذهب عندنا أنه كما قال الشيخ أحمد الظاهر: لمن كانت تعفه. سن نكاح الواحدة متى يكون سنة؟ إذا شعر بالاكتفاء معها. يسن لكن إذا لم يشعر بالاكتفاء، الأصل كبحث أن ترتفع السنية، لأننا نحتاج بعض الرجال قد لا تكفيه واحدة. ليس أن يقول لك يسن لك واحدة حتى لو كنت تجد نفسك تحتاج إلى أخرى، هذا ليس فقهاً، وإنما السنة واحدة إذا كانت تحقق لك الكفاية.
طبعاً هم لماذا قالوا السنة واحدة؟ قالوا حتى لا يعرض نفسه للجور بين الزوجات. أنت عندما تكثر النساء تعرض نفسك لامتحان وبلاء، ولا تتمنى لقاء العدو، نسأل الله العافية. تعدد الزوجات اليوم معركة، فأنت لماذا تعرض نفسك لهذا البلاء؟ فالذكرى قالوا: الإنسان لا يتمنى البلاء لنفسه ولا لإخوانه، فيقتصر على واحدة إن كانت كافية له، فإن لم تكن كافية له سعى.
إذاً الفكرة الأولى عند أصحابنا: يسن نكاح واحدة إن حصرت بها الكفاية. ثانياً: أن تكون حسيبة، ومن هي الحسيبة؟ قالوا التي لها أصل معروف. فلا يسن نكاح ابنة الزنا، ولا نكاح الفتاة اللقيطة، لأنها ليست لها أصول تعرف بها. ولأنه للأسف، هؤلاء قد يكثر فيهم -وليس دائماً وليس شرطاً- أنه قد لا تجد من يصونها في المستقبل، فيكثر عليها أن تنتقل من بيت لبيت، فتقل حياؤها ويقل فيها كثير من الأخلاقيات، للأسف.
طبعاً، هل نقول: يا شيخ المشكلة بعض الناس في الخطاب يأتي يخاطبك: طيب هي ما ذنبها؟ أنها كانت من زنا، ما ذنبها حتى تقول إنه ليست السنة أن تنكحها؟ نقول أحياناً هي قضية فلسفة القضاء والقدر، أنه في بلاءات في الحياة، فترضى بقضاء الله عليك. هذا أولاً، جزء منها الرضا بما قدره الله. وبالتالي هذا حكم شرعي، كيف المرأة يجب أن ترضى بتعدد الزوجات؟ قد لا يعجب غيرتهن، ولكن هذا حكم فيه مصلحة. وبالتالي حتى لو كنت أنت الطرف الذي يشعر أن هذا أجا عليك، فما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، فتصبر وتحتسب.
ثانياً، هذا الحكم حقيقة يجب أن نفهم إخواني أنه ليس مطلقاً. يعني نقول السنة أن لا تنكح إلا ذات الحسب، لكن إذا رجح معيار العلم أو الفضل، يعني هذه اللقيطة أو ابنة الزنا إذا رجح أمرها لديانتها أو لعقلها، هنا تختلف الأمور، فهذا الكلام من حيث الأصل أن الحسب يقدم على هذه، لكن إذا وجد فيها من المعايير والصفات التي ترفع الرغبة فيها من الديانة والخوف من الله والعقل الراجح، فقد تصبح هي الأفضل من الحسيبة في حقه، فهذا الكلام أيضاً ليس كلاماً مطلقاً.
ثالثاً: قال دينة، «فاظفر بذات الدين تربت يداك». قال أجنبية، يعني ليست من أقاربك. لماذا؟ من الناحية الأخلاقية والاجتماعية قالوا لأنه إذا طلقها انقطعت رحمه وصار مشاكل بينه وبين دار عمه إذا كانت بنت عمه. قال لأنه إذا طلقها انقطعت رحمه، فهذه من حيث الأمر الاجتماعي ومن حيث الأمر الطبي. غربوا النكاح كما روي في آثار عن الصحابة، وكما كان عمر يوصي لما جاءه رجل فرآه خِلقته ضعيفة، فقال له: من أين أنت؟ فقال: نحن من قبل يتزوج بعضهم من بعض، فقال أمرهم أن يغربوا. من الناحية الطبية، الزواج من الأقارب إذا كان فيه صفات معينة من أمراض أو كذا تنتقل جيناتها، فينصح بتغريب النكاح. ونرجع ونقول: لاحظ أن هذه كلها أمور مطلقة، لكن أنت ممكن تشوف في بنت عمك أنها ممتازة وفيها من الديانة ما، فهنا تصبح قضية التفضيل بعد ذلك شيئاً يتعلق بواقعتك ومسألتك، لكن نحن هنا نضع لك المعايير العامة.
ثم قال: بكر، والبكر نفس الشيء لأنها كما قال النبي ﷺ: «إلا بكر تلاعبها وتلاعبك»، ولأنها أقدر على أن تصونك من الثيب. هنا نريد أن نضبط المسألة مع بعضنا البعض، ضابط الثيب. هذا سؤال مهم، نحن الآن من بداية هذا الباب إخواني لكي نمشي بوضوح، لازم نفهم مفهوم البكر ولازم نفهم ما هو الثيب، لأن عندنا أحكاماً كثيرة متعلقة بهما. ففهمك من هي الثيب مذهبياً يساعدك على تصور المسألة. الثيب عند أصحابنا هي كل من وطئت في قبلها لا في دبرها، بآلة الرجل.
مش مثلاً وضع عصا أو لعبة أو شيء من هذه الأمور في الدبر أو القبل، لا بآلة الرجل الذي هو ذكر المعاوف، ولو بزنا. إذاً من زني بها، ثيب أو وطئت بشبهة بالغلط، ثيب.
أما قالوا: من زالت بكارتها -وركزوا فيها- أما من زالت بكارتها، غشاء البكارة، فطبعاً البكارة هو غشاء رقيق يكون في منطقة الإيلاج. أما من زالت بكارتها بإصبع، وهي كانت تعبث بإصبعها بالخطأ، أو بوثبة، أحياناً بعض الحركات الخاطئة الرياضية أو شيء قد يؤدي إلى تمزق في غشاء البكارة، أو شدة حيضة، قالوا أحياناً تأتي الحيضة شديدة فتؤدي إلى خرق في غشاء البكارة، فلا تكون به ثيباً ولا يزول عنها أنها بكر.
ممتاز، إذاً يهمني جداً جداً تفهم أنه مناط أنها بكر ليس فقط وجود غشاء البكارة. هل يمكن تكون الفتاة عند الحنابلة زال غشاء البكارة ولا زالت بكراً؟ نعم، هذه مهم جداً نفهمها. فإذاً هل الفتاة ما تزوجت سابقاً يمكن تكون ثيب؟ نعم، أو وطء زنا، أو وطء شبهة، لأنه القضية متعلقة بدخول آلة الرجل فيها بزواج صحيح، أو بزواج ممكن زواج فاسد، أو زواج باطل، أو في حكم الزنا الزواج الباطل، أو في وطء شبهة، المهم أنه حصل الضابط. طب وطئت في دبرها؟ هذا لا يعتبر وطء ثيب، تبقى بكراً. فإذاً البكر، إذاً عرفنا من هي البكر، بالتالي بناءً على تعريف الثيب كل من عدا الثيب ستكون بكراً.
ثم قال: «ولود». هذا الضابط إيش؟ السابعة التي تلد، رقم ستة، الولود، قالوا هي كثيرة الأولاد، امرأة كثيرة الأولاد. وكيف يعرف هذا؟ طبعاً يا شيخ ما تزوجت، كيف بدي أعرف أنها كثيرة الأولاد؟ يعني من بناتها، يعني أخواتها، ومعروفة هي العائلات تكون مثلاً معروف أنه كثيرة الأولاد.
ثم قال: «ولمن يريد خطبة امرأة مع ظن إجابة نظر إلى ما يظهر منها غالباً بلا خلوة إن أمن الشهوة». فقال: «ولمن يريد؟»، هذه ولمن هي، لا تعطيني حكم فقهي إلا أني أعرف ما رأي الحنابلة. يعني ولمن؟ هي سنة ولا مباح؟ «ولمن يريد خطبة امرأة مع ظن إجابة النظر؟» نقول هذا مبهم، أحسنت، حكم مبهم يحتاج إلى شرح، والمذهب عندنا حقيقة أنه كمذهب معتمد أنه مباح.
يعني أن تنظر النظرة الشرعية إيش حكمها يا شيخ عمر؟ الإباحة. لكن هناك قول آخر بماذا؟ في الإقناع، الإقناع للحجاوي، المقدم السنية، وهذا أقرب من حيث الدليل حقيقة، لأن النبي ﷺ أمر الرجل الذي تزوج أن: «قد انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». لكن مذهبياً المقدم عندنا كأصحاب الإباحة.
ولمن يريد خطبة امرأة، الآن النظرة الشرعية متى تكون جائزة؟ لمن يريد، مش لعب. والإرادة هنا إرادة حقيقية، مش إنسان إن شاء الله أنا مفكر شيخ أنا ناوي في إرادة زواج عندي، بس متى الإرادة؟ إن شاء الله بعد ست سنوات، فمن هون ست سنوات يبقى ينظر لكل النساء بحجة إنه والله الإرادة مو نية موجودة، والنية أنا أعرف موجودة، بس إحنا لا يتكلمون هنا عن النية العامة، يتكلمون عن النية الخاصة حتى ما تعبث، الإرادة إنه لا، أنا فعلاً والله والدتي وأنا عم ندور، هي النية الخاصة هذا المراد، «ولمن يريد خطبة».
فالآن أريد هذه الفتاة، يعني هذه إحدى احتمالاتي، إذا هذه الفتاة مش إحدى احتمالاتك برضه لا يجوز أن تنظر إليها. يعني الأمور، أنا والله شيخ في فترة التدوير فبدور بشكل عام، لا، أنت بدك إياها؟ هل أنت تريد أن تخطبها؟ قال: والله أريد أخطبها. إذا أنت تريد خطبة الفتاة هذه، مش الموضوع لأنه بعض الشباب الله يكرمه بيتوسع، بتكون القضية إنه هو عارف إنه هذا الجنس ما راح يخطبه، بس بقولك إيش؟ بتنور. تمام، ما في مجال إنك تتنور، هذا مش موضوع إنك تتنور فيه، هذا الموضوع أنت بدك إياها ولا لا؟ تذهب تنظر إليها. إذاً هذه الإباحة لمريد خطبة امرأة هو يريد أن يخطبها، مع -وركز في الكلام الدقيق- «مع ظن الإجابة».
يعني أنت هدول الجماعة بيعطوك ولا لا؟ صراحة. والله يا شيخ أنا إنسان فقير على قد حالي وهدول الجماعة وضعهم عادي جداً مالياً، فلا أظن الإجابة. هي القضية مرتبطة بالظن هنا مش باليقين، يعني هو ممكن يطلع أبوها من الأولياء الصالحين ويعطيك، مش مشكلة، بس أنا بدي بالظن، في الظن الغالب هل يمكن أن يعطيك ولا لا؟ والله يا شيخ أنا لا أظن يعطيني. خلص ما دام أنت لا تظن أن يجيبك ما بيصير تنظر إليها، روح احكي مع والدها قول له بتعطيني إياها، إذا قال لك آه خلص بعطيك إياها انظر إليها.
لكن مع عدم ظن الإجابة، الآن صار عندك، لكن إذا كما قلت إذا ما عندي ظن إجابة لا يجوز أن أنظر إليها، وعدم ظن الإجابة يشمل 50% 50% ممكن لا، أو ظن عدم الإجابة، كل هذا داخل في هذا الموضوع. أنا ظن الإجابة يشمل يعني يغلب على ظني الإجابة، فإذا لم يغلب على ظني الإجابة لا، الشك يشمل الظن. إحنا قلنا الشك يشمل إيش؟ كل شيء، لكن العكس أنت تريد أن تطبق لا، إحنا قلنا الظن لا يشمل الشك الأصولي، اللي هو 50% 50%.
إذا هذا ضابط الإباحة، أو السنية على رأي الإقناع، وهو أنك تريد إرادة خاصة خطبة هذه المرأة مع ظن الإجابة. كيف ممكن هذه المرأة يريد خطبتها، وغالب الشباب في مجتمعنا وغير مجتمعنا غالب الشباب هو يبحث، مو أحسن ما هو جاد إنه هي أحد احتمالاتك، مش أنا عارف إنه هي المنطقة أنا لن آخذ منها ثقة اللي هي قضية التنوّر اللي قلت لك عنها إنه بعض الشباب عارف إنه هي منطقة أنا ما بوصلها، هو يعرف إنه هو لن يصل لتلك المنطقة بس بقولك خليني أعرف إيش هم الأشكال الموجودة من جنس النساء، ونقوله هذا لا يحق لك، لا، أنت فعلاً.
لمن يريد خطبة امرأة مع ظن الإجابة، النظر إلى ما يظهر منها غالباً. وضابط ذلك عند الحنابلة أربعة فقط: الوجه، والرقبة، واليد إلى الكوع، والقدم إلى الكعب. الوجه والعنق واليد إلى الكوع والقدم إلى الكعب، أما الذراع والساق فليست داخلة، هذا مذهبنا في المذهب.
قال: إذاً نظرهم إلى ما يظهر منها غالباً، لاحظ كلها شروط إخواني. قال: بلا خلوة. يعني هل لو طلب -وهذه كلها أحكام يحتاجها الشباب- لو طلب أن يخلو بها، يعني الرجل الشاب طرق بيت قوم، وتفضل يا ابني واجلس، وكان أبو البنت أو أمها ليسوا متدينين كثيراً، وقالت له: خلص بدي أعطيك النظرة الشرعية، وطلعوا وسكروا الباب، هل يجوز؟ لا يجوز، هذه خلوة.
الخلوة هي أن تأمن، ما دام هو يعرف أن هذا الجماعة لن يدخلوا حتى يطرقوا فهو آمن. لكن إذا أغلقوا الباب، وأنت عارف في هذا السياق أنهم لن يرجعوا إلا إذا طرقوا عليك الباب، وليس قضية أن الباب مفتوح، بل الجماعة أغلقوا الباب وهم مؤدبون ولن يأتوا إلا باستئذان، فهذه خلوة.
قال: بلا خلوة، وانظر إلى الشرط الذي بعده: أن يأمن الشهوة. هذا الضابط؛ إذا شعر أن الشهوة ستتحضر عند النظر، بحيث يصبح مفتوناً بسبب هذه الصورة. بعض الشباب بسبب هذه الصورة بشدة شهوته قد يفكر بالحرام أو يرجع للمنزل ويمارس العادة السرية، فبعض الشباب ليسوا متوازنين في هذه الأمور، فإذا كانت هذه النظرة الشرعية ستسبب لك حراماً، فإما أن تضبط نفسك إلى أن يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، أو لا تجوز.
طبعاً كما قلت يبقى هذا الكلام تنظيرياً في النهاية، فربما ترجح لبعض الشباب مصلحة على مفسدة في حالات خاصة، لكن هذا هو الأصل العام: أن يأمن الشهوة.
هل هذا النظر يكون في بيت أهلها؟ لا، في أي مكان. بعض الناس يظن أن النظرة الشرعية تكون فقط في بيت الأهل، وهو لم يضع هذا ضابطاً، بل وضع ضوابط عامة يمكن أن تراها تمشي في طريق آخر. كما قيل عن جابر بن عبد الله أنه أراد أن يتزوج امرأة فذهب إليها وكانت ترعى، فكان ينظر إليها من بعيد وهي ترعى. الموضوع ليس متعلقاً بالنظر في البيت، لكن هناك شيء بينك وبين الله، هو وضع لك الضوابط: أنت تريد خطبة، يعني أنت جاد في البحث كما قال، وهذه البنت التي دلوا عليها، فتنظر إليها فيما يظهر منها غالباً، ولا تنظر إليها في حالة كشف منها سوى هذه الأربعة.
فقد تكون هناك قضية أخرى، فلا بد أن يكون بلا خلوة، فلا ينفع أن تختلي بها في مكان خاص، بل يراها في طريق عام أو مكان عام، وأن يأمن الشهوة. وهل يجوز أن يكرر النظر؟ قالوا نعم، يجوز أن يكرر النظر ولو لم تأذن لك، بشرط أن يأمن الشهوة. بعض الشباب يركز على الشرط الثاني وينسى الشرط الأول، ونحن واضحون يا جماعة، الشروط واضحة، فالشريعة الحمد لله ما تركت شاردة ولا واردة إلا ضابطتها، والفقهاء يعرفون طبائع النفوس وبالتالي تأصيلاتهم منطقية.
أنت في النهاية لست في نظرة أولى، هذا الحق المباح للجميع؛ فأنت تريد نظرة خاصة لتعرف هذا الشكل وهذا المنظر، وتعرف تفاصيل الهيئة وهل ترغب فيها أم لا، وهذا يتطلب تكرار النظر لكن بالضوابط التي ذكرناها. فالشاب غير الجاد في الزواج ما يفعله حرام، أما الشاب الجاد الذي يريد أن ينظر إليها في حالة كشف منها أكثر من ذلك على قواعد المذهب، فهذا فيه تفصيل.
مساحة الرؤية مختلف فيها بين المذاهب الفقهية، حتى لنكن دقيقين، ففي بعض المدن والبلدان كمنطقة القصيم مثلاً، كان مشهوراً عندهم كشف الشعر كذلك، لأنهم عاشوا على رأي فقهي آخر أن الشعر يكشف في النظرة الشرعية. فأنا هنا لا أنكر لأنها مسألة خلافية، لكن أنت لا تتشحى، يعني أنت حنبلي، فهل سأترك مذهب هؤلاء القوم؟ ولا سيما مذهب ابن حزم وغيره من المذاهب، فابن حزم -الله يسامحه- توسع كثيراً وأعطى مساحات هائلة، جزاه الله خيراً، لكن أنت تلتزم بمذهبك إن شاء الله والأمور طيبة.
ومع عرف أهل بلدك كذلك، وهذه قضية جيدة؛ لأنك حتى لا تفعل شيئاً يخالف عرف أهل البلد في الفتوى، فالأصل والمنصح به هو الالتزام بعرف أهل البلد. إذا كان أهل البلد غير متعارفين على ذلك، فلا تفعل شيئاً قد يؤدي إلى فتنة أو قلق. قد يأتي شاب ملتزم يريد أن يرى شعر البنت، وبعض الآباء يقولون لي: أنا أعرف أن الابن لم يقل حراماً، وشكله دارس للقواعد الفقهية، ولكن أنت تعرف أن عرف بلادنا لا يبيح النظر إلى الشعر، فترى الأب حانقاً وشديداً. أنا أعرف أن الابن لم يقل شيئاً محرماً، ولو كان في القصيم لكانت أموره طيبة، ولكن عرف أهل البلد مهم. بعض الشباب يأخذ قولاً شاذًا ويقول: يا أخي في قول في المسألة، والعلم شيء والفتوى شيء آخر.
لذلك قد يصدر السلطان أو الهيئة القضائية أو هيئة الفتوى في البلد حكماً بأن هذه الفتوى لا يُعمل بها. فبالتالي عندما يأتي شخص يسألهم: "أعمل بقولها أم لا؟"، يقولون له: "يا أخي اتق الله، هذه أقوال فقهية، والبلدان تمشي على أعراف المذاهب، فالتزم بعرف بلدك حتى لا تحدث فتنة".
ثم قال: «إلى ما يظهر منها غالباً بلا غالبة من الشهوة». ثم قال: «وله نظر ذلك». ذلك ما هو؟ الذي حكينا الأربعة: الوجه، والعنق، واليد إلى الكوع، والقدم إلى الكعبين. وله نظر ذلك، وهو الرأس الذي هو الشعر، والساق من ذوات محارمه.
ونستطرد قليلاً، ونسميه استطراداً؛ فالفائدة بالفائدة تُذكر. ما الشيء الذي يجوز أن ينظر إليه من ذوات المحارم؟ الأربعة التي ذكرناها، بالإضافة إلى ماذا؟ قال: «ورأس، وساق من ذوات محارمه».
من هن المحارم؟ قال: «اقرأ». أنا كنت أقوله، وأنا الذي أقرأ. دقيقة فقط نوضح قضية معينة، يا رب. أرى بعض المسائل أكون أنا أريد... يا أرحم الراحمين، أعطني بالله الجزء الخامس يا شيخ. أنا بس إذا أخطأت أريدك أن تنظر.
بسم الله، أنا هنا أنظر لقضية الذراع. أحاول أن أنظر لأنه لا يوجد شيء واضح في قضية الذراع، لأنه قال لذوات المحارم، وفي المعدة ذكرها. أحياناً يقول لك: الساق، أيهما أكثر إثارة للرغبة، الذراع أم الساق؟ الساق أكثر. فعدم ذكر الذراع، أحاول أن أجد أنه سواء في "هداية الراغب" أو "الإقناع" أو "دقائق المنتهى"، خلوها مسألة بحثية ننظر في الذراع إذا لم ينص عليها. هل نص على الذراع إيجاباً أو سلباً؟ سنبحث هذه المسألة ونخليها مسألة فقهية ننظر فيها إن شاء الله في الدرس القادم. عموماً هو ما نص على الذراع، بل نص على ماذا؟ الساق.
قال: «وله نظر ذلك، ورأس، وساق من ذوات محارمه». لماذا كنت أخشى هنا أن تكون كلمة اليد -بالنسبة للنظرة الشرعية- تطلق أحياناً للكوع، وهذا هو المتعارف عليه في النظر للمرأة وهو الكفين، وأحياناً تطلق للمرفق وتشمل الذراع؟ كنت أخشى أن يكون أحد الفقهاء قال: لا، ليست في النظرة الشرعية، وحتى الذراع داخل في مفهوم اليد. فلذلك لما جاء لذكر المحارم وذكر اليد، أطلقها بالمفهوم أنه حتى النظرة الشرعية ممكن تدخل الذراع فيها، فتركتها أدقق فيها، لأنه أحياناً قد لا تُذكر في الكتب المشهورة ويكون واحد من المتأخرين فصل فيها، سواء نجدي أو بالخلوتي أو غيرهم.
المهم، قال: «وله نظر ذلك، ورأس، وساق من ذوات محارمه». إذاً نضيف للمحارم الرأس وهو الشعر، والساق. طيب من هي المحرم؟ قالوا: المحرم هي كل امرأة تحرم عليك على التأبيد، بنسب أو بسبب مباح كالرضاع والمصاهرة.
لذلك عندما كنا قبل قليل في باب الحيض قلنا: "ذات رحم محرم" ولم نقل "محرمة" فقط؛ لتكون خاصة بالنسب، لأن محارم الرجل أوسع من النسب. يا إخوان، هذا مصطلح دائماً ما يوجد في الكتب المبتدئة، وأهم شيء أن تضبط المصطلحات الأساسية: من هي البكر؟ من هي الثيب؟ من هي المحرم؟ حتى لا يضيع منك المفهوم طوال دراستك الفقهية. المحرم بالمفهوم الدقيق هو كل من حرمت عليك على التأبيد وليس على التوقيت. فزوجة أخت زوجتك محرمة لكن على التوقيت، لا يجوز أن تتزوجها، وكذلك عمة زوجتك وخالة زوجتك وزوجة أخيك؛ هذه كلها محرمات توقيتية، فلا نسميها محارم فقهياً.
المحرم فقهياً هي كل من حرمت على التأبيد إما من جهة النسب أو بسبب مباح. والسبب المباح كالرضاع والمصاهرة. وله أن ينظر بلا شهوة إلى هذه الأمور. فهذا تعريف المحرم.
قال: «وله نظر ذلك ورأس وساق من ذوات محارمه»، ثم قال: «ومن أمة». الأمة أيضاً موضوع النظر إليها؛ وظاهر الكلام أنه يجوز النظر إليها مطلقاً إلى هذه الأمور، حتى قالوا: «ولو لم يرد شراءها»، وهو المذهب. جوز في "المنتهى" وفي "التنقيح" أن الأمة يجوز أن ينظر إلى هذه الأمور الستة منها فقط: رأسها، وجهها، يدها، قدمها، ساقها، رقبتها؛ أي لمن يريد شراءها فقط.
لكن المذهب عندنا -والشيخ كاتب في العكس- أن كل النظر مطلقاً يجوز له، كما في "الإقناع" و"الغاية". وفي "المنتهى" و"التنقيح" قالوا فقط إذا أراد شراءها. يبدو أن هناك تعديلاً جديداً؛ ففي النسخة القديمة من الحواشي، ذكر الشيخ أحمد أن المذهب ما هو، بينما جوز "المنتهى" كـ"التنقيح" النظر للأشياء الستة التي يريد شراءها فقط، وهو المذهب.
إذاً، قد يكون هذا سهواً، أو أن العبارة معدلة في النسخة الجديدة من كتاب الحواشي السابقة. فإما أنه تراجع عن اعتماده، لأنه عادة يقوي "المنتهى" و"التنقيح" ويختارهما مذهباً في كثير من الأحيان، أو أنه في النسخة الجديدة جعل المذهب كما هو في "الإقناع"، وهو أن الأمة يجوز أن ينظر إليها مطلقاً سواء أردت شراءها أو لم ترد شراءها. أما في النسخة القديمة، فظاهر كلامه أن المذهب ما في "المنتهى"، وهو أن النظر لهذه الأشياء الست متعلق بشرائها فقط.
نكتفي اليوم بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل