بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. حياكم الله في المجلس الثاني.
كنا قد وقفنا في موضوع: يصح استثناء النصف فأقل من طلقات أو مطلقات. فبالتالي قلنا: إذا استثنى النصف فأقل يكون الاستثناء صحيحًا، وإذا استثنى أكثر من النصف وقع ما قبل أكثر الاستثناء خطأً فيبطل، ويصح ما قبل الاستثناء، ويسقط عليه الثلاث.
وناقش الشيخ عدي قبل أن ننهي المجلس في قضية: «أنت طالق ثلاثًا إلا واحدًا ونصفًا». فالشيخ عدي -رضي الله عنه- يريد أن يحسبها بالرياضيات: 3 - 1.5 تساوي 1.5، وبالجبر تطلع طلقتين، لكن الحنابلة لا يحسبونها هكذا. الحنابلة يقولون: ابتداءً كل من تلفظ بنصف طلقة، أو بجزء طلقة، أو سدسها، أو ثلثها، أو نصفها، أو ثلاثة أرباعها، تحسب طلقة كاملة.
لذلك يقول صاحب المنتهى: «ومن قال أنت طالق ثلاثًا إلا جزء طلقة، ككنصف طلقة وثلث طلقة ونحوهما، تحسب ثلاثًا». لماذا؟ لأن الطلاق لا يتبعض فيكمل الباقي من الطلقة. ولذلك أيضًا نص في المنتهى: «وجزء طلقة كطلقة».
فإذا قلت: أنت طالق ثلاثًا إلا جزء طلقة، فما التعارض؟ أولًا، واحد ونصف كم ستحسب؟ النصف طلقة هي طلقة. لكن قالوا أيضًا: يجوز استثناء النصف. أنا جوزت استثناء النصف وفي نفس الوقت تممت بعض الطلقة، أفعلت الأمرين.
فإذا قلت: أنت طالق ثلاثًا إلا طلقة ونصف طلقة، صارت اثنتين. هكذا يحسبها الحنابلة. قد تريد حسابها رياضيًا، ويكون لك وجه في كلامك، لكن مذهبنا لا يصح؛ لأن كلمة نصف طلقة مباشرة هي طلقة من البداية.
فلذلك هو قال: فلو قال لها أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، أو إلا اثنتين، أو إلا جزء طلقة ككنصف وثلث ونحوهما، أو إلا ثلاثًا إلا واحدة، أو إلا خمسًا... هو كذلك. ولو قال مثلاً: طلقت طلقة ونصف، يقع الثلاث؛ لأن الطلاق لا يتبعض فيكمل الباقي من الطلقة.
لو قال: طالق ثلاثًا إلا واحدًا ونصف، تقع اثنتين؟ لا، تقع ثلاثًا. استثناء صحيح غير صحيح، لأنه صار ضمنيًا استثناء ثلاثة إلا اثنين، فصار استثناء أكثر من النصف.
وبالنسبة للمطلقات، المراد بالمطلقات زوجاتك. فلو قال لرجل متزوج من أربع نسوة: «أنتن طوالق إلا اثنتين منكن»، يصح. وطريقة تعيين الاثنتين تكون بالقرعة والنية، وهذه مواضيع طويلة، لكن يهمنا الفكرة العامة.
لو قال: «أنتن طوالق إلا واحدة»، يصح. ولو قال: «أنتن طوالق إلا ثلاثًا منكن»، في هذه الحالة أصبحن طوالق حتى التي استثناها؛ لأنه استثنى ثلاثًا من أربع، وهذا يعني أنه استثنى أكثر من النصف، فبطل الاستثناء.
ثم قال: «ويصح استثناء النصف فأقل من طلقات ومطلقات». ثم قال: «وشرط التلفظ». هل الاستثناء يمكن أن يكون بالنية؟ نقول في الطلقات: لا يصلح. وفي المطلقات: يصلح. ركزوا.
معنى الكلام أنه إذا لم يتلفظ بالاستثناء في الطلقات فلا يصح؛ فلو قلت: "زوجتي أنت طالق بالثلاث لكن كنت ناويًا إلا واحدة"، نقول: هذه النية اجعلها في قلبك، لكن بما أنك لم تتلفظ بالاستثناء فستقع ثلاثًا. أما في المطلقات، فيصح الاستثناء بالقلب؛ فلو قال رجل عنده أربع زوجات: «أنتن طوالق»، واستثنى بقلبه فلانة، يصح ذلك.
الشرط الأول في الاستثناء هو التلفظ والاتصال. لا يصح أن يكون الاستثناء منفصلاً عن المستثنى منه، فلا بد أن يكون متصلًا، إما اتصالًا حقيقيًا في جملة واحدة بدون أي سكتة، مثل: «إنكن طوالق إلا فلانة»، أو «طالق بالثلاث إلا واحدة»، أو اتصالًا حكميًا؛ وهو الذي يحصل فيه انفصال بسبب عطاس أو سعال أو تثاؤب رغماً عنه، فهذا يعتبر في حكم المتصل.
ثم قال: «ونيته قبل تمام المستثنى منه». الحنابلة يشترطون أنه قبل أن يتم التلفظ بالحرف الأخير من المستثنى منه، كالثاء في "بالثلاث"، يجب أن تكون نية الاستثناء موجودة. فإذا حكيت «أنت طالق بالثلاث» ثم تراجعت وقلت «إلا واحدة»، فإذا حصلت نية الاستثناء بعد حرف الثاء، فلا بد وأن ينوي الاستثناء قبل أن يتم المستثنى منه.
ويصح بالقلب من مطلقات لا طلقات، وهذا ما ذكرناه سابقًا.
تستثنيها بماذا؟ بقلبك.
قال رحمه الله: «وأنت طالق قبل موتي»، تطلق في الحال. الآن سيأتي إلى مجموعة من الألفاظ بدنا نقرأها سريعا، ما تتعبوني فيها الله يكرمكم، بدنا نمشي فيها سريعا لأن دلالاتها لغوية، وهي مع عرفية شوي.
قال واحد قال لزوجته: «أنت طالق قبل موتي»، شو الحكم؟ واحد بيحكي مع زوجته بيقول لها: قبل ما أموت أنت طالق، قال: تطلق الآن. ليه؟ لأن الآن هو جزء من «قبل موتي»، هو جزء من المدة الزمنية التي قبل موتي، فهي طلقت. فبعض الناس بيفكر أن «قبل ما أموت أنت طالق» يعني بعد دقيقتين، لا، هي اللفظة «قبل ما أموت أنت طالق» تطلق الآن، لأن كلمة «قبل ما أموت» تشمل الوقت الحالي.
ثانيا، قال: «وبعده» أو «معه» لا تطلق. لو قال: «أنت طالق بعد موتي» لا تطلق، لأنه بمجرد أن يموت انتهت الحياة الزوجية، فقد وقع الطلاق في غير زوجة. أو قال: «أنت طالق مع موتي»، نقول حتى وأنت في لحظة خروج روحك هي فعلا انتهت الأمور، فلذلك يقولون إذا قال: «أنت طالق بعد موتي» أو «أنت طالق مع موتي» لا تطلق، لماذا؟ لأنه وقع الطلاق في غير زوجة، فبالتالي هي الآن ما عندها أي مشكلة معك.
قال: «وفي هذا الشهر أو اليوم أو السنة» تطلق في الحال. وإذا قال: «أنت طالق في هذا اليوم أو الشهر أو هذه السنة» فإنها تطلق في الحال، ليه؟ إذا قلت لزوجتك: «أنت طالق في هذا اليوم»، خلص أنت أصلا في اليوم، أنا الآن داخل اليوم، فلو قلت: «أنت طالق في هذا اليوم» يحمل على اللحظة الحالية. وكذلك «أنت طالق في هذا الشهر» أو «في هذه السنة» التي نحن فيها، تُحمل الآن على الحال.
فإن قال: «أردت آخره»، قبل حكما. إذا هو قال للحاكم: والله يا حاكم لما قلت لزوجتي: «أنت طالق في هذا اليوم» أو «في هذا الشهر» قصدي آخره، ما كان قصدي الآن، هل هنا النية تنفعه؟ يعني واحد قال لزوجته: «أنت طالق في هذه السنة»، والحكم الأساسي أنها من الآن طلقت، لو قال: «والله يا قاضي أمام المحكمة قصدت بها آخر السنة أو آخر الشهر»، قال: حكما قضائيا يصدق القاضي، لكن ديانة هي بينك وبين الله، إذا ما كنت أنت قاصد آخر الآن فهي طالق.
شايف بدك تفرق بين الحكم القضائي والدياني؟ قضاء الحاكم ينظر في هذه اللفظة، لفظة «أنت طالق في هذا اليوم» هل تحتمل آخره؟ نعم، لأنه في هذا اليوم تحتمل أوله وأوسطه وآخره. الأصل أنك لما قلت، بدك تحملها على الآن لأنك داخل اليوم، فإذا قلت للقاضي إني أنا قصدت آخره، يقول القاضي: هذه إحدى المحتملات لفعلك، فبين قضائيا نقول: إذا كان آخر اليوم بتطلق، أو آخر الشهر أو آخر السنة، لكن ديانة إذا أنت كاذب وأنت ما قصدت آخر اليوم وما كنت ناويه، هي من الآن طالق، وأنت بتعمل شيء غلط وخضعت القاضي، وعليك بدك تطعم.
شيخنا، يعني كيف آخر الشهر؟ يعني 28 الشهر أو 27؟ آخر الشهر هو آخر يوم في الشهر الهلالي عشان هي بتحدد. الآن آخر الشهر، الأصل عندنا أن آخر الشهر هو آخر ساعة في الشهر الهلالي، آخر يوم بآخر ساعة بآخر ثانية، لحتى ما يطلع الشهر الهلالي الذي بعده، لما يبدأ الجديد، لما يبدأ الشهر الجديد وطلع هلال شهر شوال خلص الذي قبله يعتبر انتهى. كذلك اليوم، لما يبدأ يوم جديد، أحسنت، لما يبدأ بغروب شمسه، بغروب الشمس انتهى اليوم، فالنهار يتبع الليلة، فبغروبها تمشي على الليلة التي بعدها.
الناس بأعرافهم، ممكن هنا شو الأعراف؟ غروب الشمس أنت ما فيها عرف. الأعراف آخر الشهر عندنا، كل شهر، الأشهر آخر شهر خمسة أيام، وهي مشكلة أن الفقه يعتمد الأشهر الهجرية، لكن هذا ليس الفقه المذهبي، الفقه المذهبي يعتمد على الأشهر الهجرية. الآن قضية أزمنة الاستضعاف وذهاب الأمان، خلينا نكون محترمين، هذه الأزمنة الجميلة، نعتمد على أي أشهر؟ كون الناس تعتمد قاعدة على الأشهر الميلادية، هذا مشكل في ديانه، لأن الأصل نحن كأمة الإسلام لنا توقيتاتنا واعتماداتنا. وما تفضلت به أن الناس عم تعتمد على الأشهر الميلادية وأصبح هذا مفروض عليها، هل يعتبر فقهيا من حيث الفتوى؟ أقول يمكن أن يلحظ هذا، بس مش هي الوضع الطبيعي، وأهم شيء تعرف أن الوضع في النظام الإسلامي أن الحكم بالأشهر الهجرية، وهذا الذي يفرض عليهم الآن، أزمنة الاستضعاف لها أحكامها.
سؤال سريع: مثلا هنا، هل قبل الحكم؟ والمسألة الثانية هي إذا حلف بالطلاق وكذب ديانة ولزمه حكما، يعني هنا قبل وهناك ما قبل؟ هناك ما قبل حسب طبيعة المسألة، أنت بتقول حلفت بالطلاق، تيجي تقول لا لا أنا ما حلفت، القاضي بيقول لك أنا بعتمد الكلمة التي طلعت منك، أنت قلت حلفت راح ألزمك، أما هنا فلا، هنا البداية من البداية؛ اللفظة محتملة، هي من البداية محتملة أول اليوم وآخره ووسطه. لذلك ماذا قال المنصور البوتي في الكشاف؟ قال: «لأن آخر هذه الأوقات وأوسط هذه الأوقات هو منها، داخل في أوليها». فذلك في فرق واضح بينهما.
طيب، ولو قال لها: «أنت طالق غدا» أو «يوم السبت القادم»، علق على زمن مستقبلي، بماذا يحصل الطلاق؟ بدخول الزمن ولا بانتهائه؟ يعني «أنت طالق يوم السبت القادم»، متى تطلق؟ بعد ما يخلص يوم السبت ولا أول ما يبدأ يوم السبت؟ قال: تطلق بأوله. طبعا هنا قيد جيد، لأننا قلنا ما معنى بأوله؟ «أنت طالق غدا» فإنها تطلق بأول اليوم، وأول اليوم هنا قال بطلوع الفجر، مش بطلوع الشمس ولا بدخول الليل. لاحظ هنا اعتمدوا بناء على أن عرف الناس، أن بقول لك يوم السبت ويقصد في العادة في يوم السبت، حتى ما عملها على الشروق، عملها على اليوم والنهار، العبادة زي ما حكينا إذا تتذكروا كنا نتكلم في القياسي.
والعبادة حملها على العبادة، وهو أنه أول اليوم يبدأ بالفجر عند الناس، وإن كانت الليلة يأتي بعدها اليوم. وأيضًا كلمة اليوم برضه هي قضية ثانية، أن اليوم أيضًا تحمل عند الناس في العادة في أعرافهم على النهار.
الأصل أن اليوم ٢٤ ساعة، وهو يبدأ بغروب الشمس وينتهي بطلوعها إذا أردت القياس، لكن أعراف الناس لما يقول لك: "بكرة غدًا"، لا يجد نفسه عند المغرب فيقول "غدًا"، بل يقول "غدًا" يعني فجرًا. قال لك: "يوم السبت"، بس يجي يوم السبت، أنت طالق؛ عرف الناس يوم السبت يعني صباح السبت، السبت الذي يبدأ بالفجر، هكذا قال الشيخ أحمد، وهذا التدقيق جيد في مغزاه، أنه بالفجر وليس بطلوع الشمس ولا بغروب الشمس.
فلو قال هنا العكس، لو قال: "أردت بيوم السبت آخره"، لو قال الآن واحد لزوجته: "أنت طالق يوم السبت"، نحن سنطلق بالأول. لو قال يا قاضي: "أردت نهايته"، هل نقبل قوله قضائيًا وحكمًا؟ لا، لماذا لا؟ لأننا أول شيء شفنا الشهر ليس فيه عرف، والسنة ليس فيها عرف، أما اليوم ففي عرفًا نستطيع أن نلزمه به، وهو أول الفجر.
كلمة يوم في أعرافهم كان يطلق اليوم على أول فجر، أما الشهر إذا قال لها: "في هذا الشهر"، فليس فيه عرف نلزمه فيه. هو انظر، القضية متعلقة بماذا؟ أنك لم تعلق الأمر على "في"، أنت علقت الأمر على "يوم"، واليوم أنت علقت الطلاق على مجيء اليوم، ومجيء اليوم بأوله. فتأتي تقول لي: "أنا قصدت آخره"، نقول لك: هذا قصد خلاف الظاهر، فلا نقبله حكمًا، وإن كان ديانة يمكن أن يقبل فعلًا. إذا قال، لم يقبل حكمًا لأن هذا يخالف مقتضى اللفظ.
لو قال: "إن طالق في يوم السبت القادم"، يقبل حكمًا؛ أحسنت، لأنه كلمة "في" تدل من بداية اليوم، أول أو آخره، لكن "أنت طالق غدًا" أو "أنت طالق يوم السبت" عرضت فيها إشكال.
قال: «وإذا مضت سنة فانت طالق»، تطلق بمضي ١٢ شهرًا. وإن قال: «السنة»، فبانقضاء ذي الحجة، والله أعلم. لو قال: «إن مضت سنة» بالتنكير لكلمة سنة، لازم يمر ١٢ شهرًا هجريًا. وإذا قال: «إن مضت السنة»، فهي تحمل على العهدية، فننتظر انتهاء السنة، قالوا: ولو كان بقي منها يوم.
ما الفرق بين "إذا انقضت سنة فانت طالق" وبين "إذا انقضت السنة فانت طالق"؟ إذا قلت "سنة" أنت نكرتها، فتحمل على مرور ١٢ شهرًا هجريًا، أما إذا قلت "السنة" فأنت تتكلم عن هذه السنة، هذا هو العهد، فتحمل على انتهاء هذه السنة، ولو بقي منها يوم أو ولو بقي منها ساعة.
لو قال: "إن مضت سنة فانت طالق"، قلنا كم يجب أن ينتظر؟ ١٢ شهرًا. طيب إذا قال هذا الكلام في منتصف الشهر، كان في ١٥ شوال حكى لزوجته: "إن مضت سنة فانت طالق"، جاء ١٥ شوال، حكينا هذا الشهر ٢٩ يومًا، هذا الشهر الذي هو فيه نرى كم عدد أيامه، نحسبها بالعدد، والأشهر القادمة نحسبها بالهلال.
باختصار، نريد أن نحسب من آخر شهر شوال، إذا لم يكمل هذا الشهر الثلاثين يومًا، فنحن مضطرون في هذا الشهر أن نعده باليوم، والشهور القادمة لن نعدها باليوم، بل سنعدها بالأهلة، قد يخرج الشهر ٢٩ يومًا أو ٣٠ يومًا، سنعيدها بالأهلة، ولما ندخل الشهر الأخير سنعده باليوم، فلا بد أن يخرج الشهر ثلاثين يومًا بالغلق.
ففرضًا هو حكى هذه اللفظة في ١٥ شوال، بنيجي نحسب: كم يومًا سيأتي في شوال هذه المرة؟ فرضًا جاء شوال ٢٩ يومًا، بالتالي كم يومًا لديه؟ ١٤ يومًا من هذا الشهر. بعد ذلك يأتي ذو القعدة بالأهلة، وذو الحجة بالأهلة، ونظل ماشيين بالأهلة، حتى يأتي شوال من السنة القادمة. نحن نريد أن نحسب من شوال كم يومًا حتى نكمل ٣٠ يومًا؟ عندما يدخل شوال القادم ويمر ١٦ يومًا، نقول: ١٤ يومًا تبعت شوال الماضي مع ١٦ يومًا تبعت شوال هذا، صرنا ٣٠ يومًا، هكذا تعتبري طُلقتِ.
لذا يجب الانتباه، لأن الناس أحيانًا لا تقول هذا الكلام في أول الشهر، بل قد تقول في منتصفه أو ربعه أو ثلثه، فبدك تعرف متى تحسب بالأشهر ومتى تحسب باليوم. تطلق بعد ١٦ شوال إذا انتهت الـ ١٦ يومًا من شوال، هكذا انتهت السنة عند الحنابلة. هذه المسألة تهمك، ليس فقط في الطلاق، بل في أحكام كثيرة يكون فيها الموضوع معلقًا على ما إذا قيل في منتصف شهر أو ثلث شهر، فكله يُحسب بهذه الحسبة.
السلام عليكم ورحمة الله. الشيخ عبد الله، ثم قال اقرأ مصلى شيخ عمر، انتهى. كان في لفظة سألتم عنها: "أول أو بعد"؟ "في آخر أوله"؟ أكمل اقرأ ما بعده.
قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن علق طلاقًا ونحوه بشرط لم يقع حتى يوجد». نأتي الآن إلى موضوع تعليق الطلاق. تعليق الطلاق هو ما يسمى حلفًا، وهي المسألة التي سألت عنها يا شيخ عمار، وهو عرفها في التتمة: تعليق الطلاق على حصول أمر ما.
هذا يسمى في العرف الفقهي حلفًا. فإذا سمعت وقرأت في كتب الفقهاء "فلان حلف بالطلاق"، ليس معناه أنه قال "والله لأطلقن"، بل يجب أن تنتبه؛ الحلف بالطلاق يعني أن تعليق طلاق زوجتك على حصول أمر، أو دخول وقت، أو فعل من الأفعال، فهذا يسمى يمين طلاق، أو حلف طلاق، أو تعليق طلاق. فإذا سمعت كلمة "فلان حلف بالطلاق"، فالمعنى الفقهي أنه علق الطلاق على فعل أو على وقت.
طيب، هذا موضوع، فالآن ماذا قال من حيث الحكم؟ قال: «ومن علق طلاقًا ونحوه بشرط».
لم يقع الطلاق حتى يوجد ماذا؟ الشرط لم يقع حتى يوجد ماذا؟ الشرط.
بدنا نزيد قيد على تعريف الحلف بالطلاق. أي الطلاق، إيش قلنا هو؟ على وقتها، نقول هو الطلاق على حصول شيء. خليني بس أعيد تعريفه بشكل أدق، لأن كلمة الحلف بالطلاق هي أخص من تعليق الطلاق، فتعليق الطلاق قد يكون حلفًا يسمى وله صيغة، بس مش حلف.
نعيد مرة أخرى؛ الحلف بالطلاق هو نوع من أنواع تعليق الطلاق، ليه؟ لأن تعليق الطلاق قد يعلق طلاق زوجتي على فعل أو حصول أمر أقصد به أن أمنعها من هذا الشيء أو أن أحثها على هذا الشيء. فلو قلت لزوجتك: «إذا ما حفظتِ القرآن أنتِ طالق»، هذا تعليق وحلف في نفس الوقت.
إيش المراد منه؟ أنت لما تقول: «إذا ما عرفتِ أنتِ طالق»، شو قصدك؟ تحث على شيء، وتعليق؛ لأنك تريد أن تمنعها. فالحلف بالطلاق يراد به -خلينا هيك نصوغه، يعني أجيب تعريف أكثر دقة- أي تعليق للطلاق يراد به حث الزوجة على شيء أو منعها من شيء، هذا يسمى إيش؟ حلفًا، فهو تعليق وحلف.
أما إذا أنت علقت الطلاق على وقت، ليش أنا تراجعت؟ لأنه إذا علقت الطلاق على وقت، هذا ما بحثها على شيء أو منعها من شيء. لو قلت لزوجتك: «إذا جاء يوم السبت القادم أنتِ طالق»، وكنا نحكي فيها قبل شوي، لا، هذا مش حلف؛ لأنه هنا إذا جاء يوم السبت أنتِ طالق، وأنا ما بحثها على شيء تعمله، أنا عم بمنعها من شيء، وبس بخبرها إذا جاء يوم السبت أنتِ طالق، هذه الجملة لا فيها حث ولا فيها منع من شيء، فهذا يسمى تعليقًا لكن لا يسمى حلفًا.
إذاً ما الفرق؟ لو سُئلت سؤال: ما الفرق بين الحلف بالطلاق وبين تعليق الطلاق؟ شو بتقول؟ الحلف بالطلاق هو صورة من صور التعليق، فالتعليق أعم، والحلف أخص. طيب شو الفرق؟ بنقول تعليق الطلاق هو أن تعلّق طلاق الزوجة على فعل، أو فعلًا، أو وقت -زي ما حكينا- أو حصول أمر عمومًا. فإذا كان هذا التعليق يتضمن حثًا على شيء أو منعًا من شيء، فهذا يسمى حلفًا وتعليقًا. وإذا كان لا يتضمن مضمون الجملة حثًا ولا منعًا، كأن تقول: «أنتِ طالق»، فهذا لا يوجد فيه حث على شيء ولا منع، وعادة هذا يكون في الأزمنة، متعلق بأوقات وأزمنة، فهذا يبقى اسمه تعليقًا ولا يسمى حلفًا. ممتاز، يعني هذا تحرير مهم.
الآن من علق طلاقًا ونحوه، ونحوه لو علق عتقًا ممكن أيضًا العتق يدخل في هذه المسألة، وممكن من علق ظهارًا، أشياء كثيرة يمكن تعلقها، بس هو ذكر الطلاق وقس عليه إخوانه. ومن علق طلاقًا ونحوه بشرط لم يقع الطلاق حتى يوجد الشرط.
فإذا وجد الشرط عند المذاهب الأربعة، إذا وجد الشرط يقع الطلاق. إذا أنت رحت على بيت أهلك أنتِ طالق، إذا كذا، إذا وجد الشرط وقع الطلاق، سواء كان حلفًا أو مش حلف؛ أي طلاق معلق سواء كان طلاقًا معلقًا مع حلف فيه حث أو منع، أو كان مجرد تعليق بدون حث أو منع، يقع الطلاق إذا حصل الشرط. "والله يا شيخ والله ما كان قصدي، قصدي بس ما تروح عند دار أهلها، قصدي ما تروح عند البياع، قصدي ما تنزل على السوق"، ما قصدت! بقول قصدت ولا ما قصدت؟ إذا وقع الشرط وقع.
شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا هنا خالف، فقال: إذا كان التعليق حلفًا، قصد به الحث أو المنع، فقال هذا خلص كفارة، كفارة يمين، عامله على أنه مجرد يمين كفارة، وكفارة يمين وما عاد الأمر يقع الطلاق أبدًا، وهذا الذي تأخذ به المحكمة الشرعية اليوم في بلادنا، رأي شيخ الإسلام. أما إذا كان تعليق الطلاق مش حلفًا وإنما زي ما قلنا مجرد تعليق، اللي هو على الأوقات، مثل: «إذا جاء رمضان... إذا كذا... فأنتِ طالق»، فشيخ الإسلام يوافق المذاهب الأربعة أنه وقع إذا وقع المشروط. والبعض يقولون إن شيخ الإسلام خالف في كل الطلاق المعلق، وهذا مش صحيح، هو خالف في الطلاق المعلق إذا كان حلفًا، أما الطلاق المعلق على الأزمنة الذي لا يتضمن أي حث أو منع، فشيخ الإسلام يوافق معتمد المذاهب الأربعة في أنه يقع إذا وقع المشروط.
ممتاز، طيب ومن علق طلاقًا ونحوه بشرط لم يقع الطلاق حتى يوجد المشروط، فلو لم يتلفظ بالشرط وادعاه، يعني أمام المحكمة؛ لو لم تتلفظ بالشرط، الآن نجي الاستثناء. قلنا إذا لم تتلفظ بالاستثناء، هل يقع أو هل يقبل الاستثناء إذا لم تتلفظ به؟ قلنا في الطلقات لا يقبل، في المطلقات يقبل.
طيب، هل يقبل الشرط نية ولو لم تتلفظ به؟ شو قال؟ فلو لم يتلفظ بالشرط وادعاه أمام المحكمة؛ يعني واحد قال لزوجته: «أنتِ طالق»، بس بيحكي: "والله يا قاضي قصدي أنه هي طالق إذا راحت على بيت أهلها"، أقول له: أنت حكيت "إذا ذهبتِ"؟ قال: لا، بس والله كنت ناويها. نقول: لو لم يلفظ به وادعاه لم يقبل حكمًا، القاضي يتعامل معك على الظاهر. هون أنت قلت لزوجتك: «أنتِ طالق»، صح يا قاضي؟ بس أنا كان قصدي إذا طلعت من البيت، بقول له: هذا قضائيًا قصدك مش رح يخدمك، أنا سأتعامل باللفظة اللي سمعتها زوجتك. "سمعت الشرط؟" لا، سمعت فقط "أنتِ طالق". بنقول: إذا ادعاؤك أنك نويت هذا الشرط لا يقبل قضائيًا، لكن ديانة يقبل. يعني بينك وبين الله، إذا زوجتك جزاها الله خيرًا ما رفعت للمحكمة وحليتها بينكما، تقول: "والله يا فلان لما قلت لك أنتِ طالق، والله قصدي في داخلي إذا طلعتي على بيت أهلك أو إذا طلعتي على المشوار اللي بدك إياه، مش قصدي أنك طالق مطلقًا". فإذًا قضاءً وديانة، يصلح الشرط بالنية ديانة، وقضائيًا لا يصلح الشرط بالنية. واضح؟ تفضل.
إذا تلفظ به ولم تسمعه الزوجة؟ إذا تلفظ به انتهى، يقبل، مش ضروري تسمع الزوجة وكل شيء، بس خذ عاد يثبت هذا أمام القاضي.
شيخنا، لو كان على وجه الإجابة، يعني قالت له: «سأخرج إلى أهلي»، قال له: «تطلقين؟»، فهذا إذا كان مفهومه أنه إذا رحتِ على أهلك، يعني هذا مفهوم أنه قالت له: «بدي أروح على أهلي»، فقال لها: «بطلقك»، هسا كلمة "بطلقك" مفهومة من السياق، "بطلقك إذا رحتِ لأهلك"، وهذا أصبح واضحًا من السياق، فالأصل لا يعتبر السياق هنا، حتى لو ذهبت، لا يقع؛ لأن هذا مضاعف.
أنت اعتبر ماضٍ، أنت الشيخ صار يدقق، الشيخ اعتبر استعمل لفظه ماضٍ أو أنت طالق، قالها في السياق؛ إذا حكيت له: "بدي أروح عند أهلي"، فقال لها: "إيش أنتِ طالق؟" وفهم أنه أنتِ طالق إذا بتروحي، هذا السياق واضح هنا، وإذا السياق واضح فهذا في حكم الملفوظ، في حكم المتلفظ به.
ثم قال: «ولا يصح إلا من زوج بصريح وبكناية مع قصد». الآن التعليق لا يقع إلا من زوج؛ فإذا أنا وكلت شخصًا بالطلاق، قلت له: "فلان"، واليوم في ناس بتسافر برا الأردن بتكتب وكالة لشخص: "أنت وكيلي في أعمالي وأموري الشخصية، ومنها الطلاق"، فالوكيل يستطيع أن يطلق نيابة، لكن يستطيع أن يطلق ولا يستطيع أن يعلق، وهذا فرق بين الطلاق وبين تعليق الطلاق؛ الوكيل يستطيع أن يطلق لكن لا يستطيع أن يعلق، بخلاف الزوج؛ الزوج يستطيع أن يطلق وأن يعلق، صلاحياته أكثر، فلذلك لما قال: «ولا يصح إلا من زوج» أراد أن يخرج وكيله، فوكيلك لا يستطيع أن يعلق، فليس له إلا التنجيز، فلو طلق طلاقًا معلقًا لم يقع، هكذا قرره النجدي.
وبصريح؛ الآن التعليق يصح أن يكون بصريح الطلاق، يعني: "أنتِ طالق إن خرجتِ"، ويصح أن يكون أيضًا بكناية الطلاق، يعني: "أنتِ خليه أو بريه إن خرجتِ"، بس طبعًا الكنائي بده يكون معانيه هذه الفكرة.
مع قصد؛ نعم، مع قصد، يعني مع نية، يعني الطلاق المعلق يكون بصريح ألفاظ الطلاق وقد يكون بالكناية، سواء الكناية الظاهرة أو الخفية، مع النية مع القصد.
وما الذي يقطعه؟ قال: «ويقطع الشرط عن المشروط»، فصل بتسبيح وسكوت لا كلام منتظم. الآن كما أنه الاستثناء ينقطع صح عن المستثنى منه وبالتالي يبطل، كذلك الشرط ينقطع عن المشروط فيبطل، فمتى يبطل الشرط إذا انقطع عن المشروط؟ قال: إذا فصله بماذا؟ بتسبيح، طبعًا من باب أولى الكلام الأجنبي، يعني التسبيح أو أي كلام أجنبي. واحد يقول مثلاً: "أنتِ طالق"، هيك واحد بيحكي: "أنتِ طالق يا فلان، جيب كاسة مي إن خرجتِ"، شاف جيب كاسة مي، هذه فصلت الشرط عن المشروط، هو بده يحكي: "أنتِ طالق إن خرجتِ"، وبين "إن خرجتِ" و"أنتِ طالق" قال: "سبحان الله"، "أنتِ طالق سبحان الله إن خرجتِ أنتِ طالق"، "الحمد لله إن خرجتِ أنتِ طالق"، "أحضر كاسة ماء إن خرجتِ"، بقول هذا الفصل بالتسبيح أو بالكلام الأجنبي، فيفصل فيبطل الشرط وتقع الطلقة.
وكذلك إذا فصل بسكوت، "أنتِ طالق" وسكت، بعدين قال سكت بدون عذر ثم قال: "إن خرجتِ"، فهذا أيضًا يقطع الشرط وتقع الطلقة كاملة عليها. لكن لو كان الانفصال حكميًا، والانفصال الحكمي هنا بأحد أمرين: يا بسعال، أو شيء فيه قهره، "أنتِ طالق" بعدين كح بعدين قال: "إن خرجتِ"، فهذا يعتبر في حكم المتصل.
وكذلك الكلام المنتظم، الكلام المنتظم ماذا يسمونه؟ الكلام المنتظم هو الكلام الذي له تعلق بجملة الطلاق، فواحد قال: "أنتِ طالق يا هند إن خرجتِ"، هسه كلمة "يا هند" هي جملة ندائية أجت في النص، "أنتِ طالق يا هند إن خرجتِ"، الآن نقول "يا هند" هي زي "سبحان الله"، ولا تعتبر من صلب الجملة، بل هي كلام منتظم معها، يعني كلام متناسق معها؛ أنت بتحكي مع زوجتك فناديتها: "أنتِ طالق يا فلانة إن خرجتِ"، هسه "يا فلانة" هي ما عملت دربكة، لا، هي كلام منتظم مع السياق، متماشية مع السياق. أو مثلاً حتى لو شتيمة، مثلاً: "أنتِ طالق يا..."، يعني أعطاها كلمة بهيمة وقال: "إن خرجتِ"، قال هذا يعطى كلام هو مفهوم أنه الآن هو في سياق شتيمة وسياق غضب وبالتالي هو بده يناديها. حتى هنا هو قال مثال آخر بس أنا ما حكيته لأنه غير جيد، يعني يستحسن.
ثم قال: «وأدوات الشرط نحو إن ومتى وإذا»، الآن الشرط له أدوات وهذه تدرس في اللغة العربية، أدوات الشرط عمومًا، طبعًا هنا من فرق أدوات الشرط جازم ولا غير جازم، يعني مش نحو، نحن هنا فقه، فأدوات الشرط: "إن"، "متى"، "إذا"، أحيانًا أيضًا تستعمل "أي" امرأة خرجت، "أي"، أحيانًا تستعمل "كلما" خرجت من، أيضًا تصلح، يعني هي ليست محصورة فقط في هذه الأدوات.
ثم قال: «وإن كلمتكِ فأنتِ طالق»، "تحققي أو تنحي" ونحوه تطلق. الآن جمل سريعة بدنا هيك نحللها لغويًا؛ واحد قال لزوجته: "إذا كلمتِكِ فأنتِ طالق، فـاطلعي من وجهي"، مجرد ما حكى "اطلعي من وجهي" طلقت، ليش؟ لأنه شو قال لها؟ "إن كلمتِكِ فأنتِ طالق"، بعد ما انتهت الجملة شو قال لها؟ "قومي من هون"، "قومي من هون" هي تكلمت، فطلقتها لأنها تكلمت، صحيح انتهت.
شيخ، ما معنى "تحققي"؟ "تحققي" يعني تأكدي من هي، لكِ تحقق من هذا، يعني كوني متأكدة، هي كلمة "تكوني متأكدة" أذهبت التعليق وأوقعت التحقيق.
كذلك: «وإن بدأتِكِ بالكلام فأنتِ طالق»، فهي مباشرة ماذا ردت؟ فقالت: "إن أنا بدأتُكِ به، فعدي حر"، اثنين طلعوا عسل؛ هو بيقول لها: "إذا أنا بدأتُكِ بالكلام أنتِ طالق"، هي ردت عليه: "إذا أنا بدأتُكِ بالكلام، عبده حر"، انحلت يمينه وبقيت يمينها، ليه؟ لأن هي بدأت بالكلام، هو قال: "إن أنا بدأتُكِ بالكلام"، فهي مباشرة استدركت الموضوع وقالت: "إذا أنا بلشت معكِ، إن عبدي حر"، فيمينها خلص، ما هي التي ابتدأت، فيمينها انتهت لكن يمينها هي بقيت. فإذا هو رجع رد عليها برضه، انحلت يمينها.
ثم قال: «وإن خرجتِ بغير إذني ونحو ذلك فأنتِ طالق»، شوف هذه المسألة؛ واحد قال لزوجه: "إن خرجتِ بدون إذني أنتِ طالق"، بعدين اليوم أذن لها، اجتمع يا أبو فلان، "تسمح لي أطلع؟" أذن لها فخرجت، اليوم الثاني الله يسامحها طلعت بدون إذنه، قال: "ثم خرجت في هاليوم الثاني مثلاً بغير إذن"، أو كان هو بينه وبين نفسه حكى: "خلص بدي أذن لها"، لكنها هي لما خرجت في اليوم الثاني خرجت مناكفة دون أن تعلم أنه أذن لها ضمنيًا، في كلا الحالتين ستطلق؛ شفتوا المسألة كيف؟ لأنه هي لما طلعت، حتى لو كان هو أذن لها بينه وبين نفسه، أو كان حاكي لأخوه "أنا خلص بدي أذن لها" بس هي ما عرفت المعلومة، هي لما طلعت في اليوم الثاني طلعت.
وهي لا تعلم أنها مأذون لها، فهي نوع من المناكفة ضمنيًا؛ قالوا: تطلق ولو كان أذن لها في بينه وبين نفسه أو مع واحد. فلذلك قالوا: وإن خرجت بغير إذن فمن ونحوه، فهي من الجمل.
ثم أذن لها فخرجت؛ الأولى الخروج الأول في مشكلة لأنه كان بإذنه، لكن الثاني قال: ثم خرجت بغير إذن، أو كان أذن لها ولم تعلم هي بأن كان، مثلاً حكى لابنه: «خلص روحي إذا أمك تطلع»، الابن ما حكى لأمه فنسي، فأمه طلعت مناكفة بأيش؟ بزوجها؛ منقول لها: «طلقتي إذا أجوا على الدار»، بس لا، أنا أصلاً كنت حاكي لابني. أنت حاكي لابنك بس ابنك ما حكى لها، فهي لما خرجت خرجت بنية، أو عمومًا مع هي لا تعلم أنها مأذون لها سنعاملها بناءً على علمها وليس بناءً على الواقع. سنعاملها بناءً على علمها؛ لأنه أنت لما قلت لها: «إن خرجت بدون إذن فأنت طالق»، إذا هي تعلم أن هذا الخروج بدون الإذن فيه طلاق، فلما خرجت بدون أن تعلم أنك أذنت لها، هي خرجت وهي تعرف الجملة التي أنت تلفظت بها سابقًا، فسنحملها نتيجة هذا الخروج.
وإن علقه على مشيئتها تطلق بمشيئة غير مكره؛ لو قال لها: «أنت إن شئت فأنت طالق»، تطلق إذا شاءت. أنت هنا كأنك أعطيت الكرة في ملعبها، أصبحت تطلق إذا شاءت، بس أن تكون مشيئتها دون إكراه، مش حدا ضاغط عليها من أمها وأبوها، والله إذا ما قال لك: «إن شئت طالق يلا روحي طلقيه ما تعطيه»، بتعرف بعض الأمهات وآبائهم بتدخلوا، فإذا ضغط عليها وأكرهها بالإكراه الشرعي طبعًا المعتبر، مشيئتها غير معتبرة، لكن إذا جاءت غير مكرهة يقع.
ضابط المشيئة: لأنه ممكن تتردد، هي ضابط المشيئة تشاق، تقول: «نعم أنا شئت»، هسه بين أنا ما بعرف شو داخلها، هي بدها تخبر، إذا قالت شئت انتهى.
قال: «أو بمشيئة اثنين»، فبمشيئتهما كذلك. هو هنا بس يناقش في الإقناع والمنتهى. وإن علقه على مشيئتها تطلق بمشيئتها ولو كارهة؛ في فرق بين نقول بمشيئتها غير مكرهة وبين بمشيئتها ولو كارهة، في فرق بين مكرهة وكارهة.
شو الفرق اللغوي؟ مكرهة غير كارهة؛ مكرهة يعني واحد ضاغط عليها، كارهة يعني هي مش حابة الطلاق بس خلص اختارته. ففرق بين مكرهة وكارهة، وعم يناقش هنا كيف أن الإقناع والمنتهى قالوا: «تطلق بمشيئتها ولو كارهة»، وهنا في الأظهر قال: «تطلق بمشيئتها غير مكرهة»، في فرق بين العبارتين، ولا هنا الأظهر خالف المعتمد؟
فهمتوا الآن النقاش؛ هل خالف الأظهر الإقناع والمنتهى؟ ممكن الواحد يستعجل، هو لم يخالف الإقناع والمنتهى؛ لأن في الإقناع والمنتهى «ولو كارهة»، وكارهة لا تعني بالضرورة أنه في واحد مكرها، هي ما بدها، كارهة بس خلص اختارته، هنا يقع. لكن قضية مكرهة، هذا ضغط خارجي، فبالتالي لا تعتبر مشيئتها في هذه الحالة.
ثم قال: «ولو علقه بمشيئة اثنين»، لو قال: «إذا شاء زيد وخالد فأنت طالق»، فإذا شاء واحد منهم والثاني ما شاء لا تطلق. وإن علق على مشيئة الله تطلق في الحال؛ لماذا؟ لأنه أغلب من يقول: «إن شاء الله أنت طالق»، أو «أنت طالق إن شاء الله»، هي تطلق في الحال؛ لأنه أولًا بعض الناس يقول: «إن شاء الله» تبركًا ولا يقصد التعليق. ثم قالوا: طب لو قصد التعليق؟ لا نعرف مشيئة الله، يعني كيف ستعرف مشيئة الله وهي أمر غيبي؟ فبالتالي يقع، فكان هذا الشرط إذا قصدت به فعلاً التعليق، أنت أخطأت لأنك لن تعلم مشيئة الله، وكل شيء بمشيئته، لكن هل تعلم مشيئة الله؟ فهي بالنسبة للغيب.
قال: «وكذا عتق»، يعني نفس الشيء العتق؛ لو قال له: «أنت حر إن شاء الله»، يعتق مباشرة، العتق نفس الشيء؛ إذا قال له: «أنت حر إن شاء الله» عتق مباشرة، إذا قال له: «إن شئت فأنت حر»، يعني هي الظاهر، وكذا عتق تعود إلى الجمل الثلاث؛ يعني إذا علقه على مشيئته: «إن شئت فأنت حر» فقال: «نعم أريد»، أصبح حرًا. وإذا علقه بمشيئة اثنين: «أنت حر إذا شاء زيد»، فبمشيئتهما. وإذا علقه بمشيئة الله عتق مباشرة، يعني وكذا عتق في الدمن للثلاث.
ثم قال: «وإن حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فدخل»، هي مسألة مهمة إخواني، انتبهوا لها كثير، بتصير وفيها نوع من المخارج الشرعية ممكن تفيدك في حياتك العملية. قال: «وإن حلف شخص»، لأنها هي ليست متعلقة فقط بحلف الطلاق، متعلقة بحلف الطلاق، وتصلح في أي يمين حتى في الأيمان عمومًا؛ «وإن حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فدخل، أو أخرج بعض جسده، أو دخل طاق الباب، أو لا يلبس ثوبًا من غزلها فلبس ثوبًا فيه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه، لم يحنث».
لم يحنث يعني لا يعتبر أنه أخل بيمينه؛ لو شخص حلف أنه لا يدخل دارًا، أو حلف أنه ما يطلع من هذه الدار، أو حلف أنه لا يلبس ثوبًا فيه من غزل فلانة، أو حلف لا يأكل طعامًا فيه، ففعل جزءًا منه لم يحنث. ما مخرجه؟ قال: إذا حلف لا يفعل شيئًا كليًا ففعل جزءًا منه، هذه فقه المسألة؛ من حلف لا يفعل شيئًا كليًا ففعل جزءًا منه لا يحنث.
فهمتم فقه المسألة؟ حلفت أني ما أدخل هذه الدار، فدخل قدمًا وقدمًا ظلت برة الدار، هل نعتبر أنه دخل الدار؟ لا، لأنه أدخل جزءًا، ما دخل كله. أو لا يخرج، فإذا أدخل أو أخرج بعض جسده، أو دخل طاق الباب؛ طاق الباب الذي هو الإطار الخشبي، نسميه نحن اليوم الحلق، حلق الباب، فيعني وصل عند الحلق بس لسه ما كمل، حلق الباب يعتبر لسه ما دخلت الدار، بدك تتجاوز الحلق حتى تعتبر دخلت.
ممتاز، أو حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها فلبس ثوبًا؛ لو قال: «لا ألبس ثوبًا من غزلها»، المراد أنه كله من شغلها كما حكينا، فلبس ثوبًا جزؤه غزله شخص وهي تدخلت في بعضه، لم يقع اليمين بعد عليه. تمام، حلفت لا آكل طعامًا من طبخك...
طعام من طبيقك، تمام. طيب شو بدك تسوي؟ شو حلك؟ فعلاً نحن محتاجين لهي الحلول نعلمها للناس، خلي مثلاً بنتك تطبخ شوي من الطبخ، أو خلي زوجتك تطبخ، وهو نفسه يطبقها، أو هو نفسه يطبقها، يعني أحسنت. كبيرة يا شيخ عبد الله. هو ممكن هو يحط البهارات وأشياء وهي تكمل، يعني فهمت علي؟
في حلول شرعية إخواني بتساعد الناس؛ أن الذي حلف لا يفعل شيئاً كلياً وما بده يقع في مشكلة، وبده يكون على معتمد المذاهب الأربعة. يقول لك أنا مش معي ابن تيمية، أنا مع المذاهب الأربعة، أنه اليمين في الطلاق يقع وهو متورط طول عمره حالف على شغله، يقول له: كل طبخة بدك تحط يدك فيها، مش حكيت ما باكل شيء من طبخك؟ لا، آكل شيء أنت طبختيه، إذا أكل شيء طبخ جزءاً منه وأنت طبخته أو شخص آخر، لم يحنث.
فهذه فكرة عامة، سواء كانت يميناً عادية أو يمين طلاق، من حلف على شيء كلي، فحصل جزء منه لا يعتبر حنثاً، فلا حنث حتى يفعل الكل. قال: «ولا يفعلن شيئاً لا يبر إلا بفعله كله ما لم يكن له نية».
نفس الشيء، لو حلفت: «والله لا أقرأ هذا الكتاب»، بالعكس، لا تكون موفياً بيمينك هي العكس حتى تقرأه كاملاً، ما هي نحن اتفقنا، حتى أقول أنا مضطر، شوف اضطرارك في الفتوى. ليس الذي حلف أنه لا يفعل شيئاً كلياً ففعل بعضه لم يحنث، كذلك العكس؛ من حلف أنه يفعل شيئاً كلياً فإنه لا يبر بيمينه ويبقى في حكم الحانث حتى يفعله كله، صحيح؟ فإذا قلت: «والله لأكلن هذا الصحن»، إذا أكلته كله، أما إذا ظلت أرزة وأنت ما أكلتها فأنت حانث حتى تكون باراً، لا بد تأكله حتى أكل آخر أرز فيه، فهمتم يا إخواني؟ فإذا من حلف ليفعلن شيئاً هي العكس، أصبحت لا يبر بيمينه إلا بفعله كله.
ثم قال: «ما لم يكن له نية». الآن سيأتي في باب الإيمان عموماً، ومنها إيمان الطلاق، أنه النية تتدخل، يعني قالوا: نية الحالف تخصص عموم لفظه. فالكلام السابق إخواني؛ القواعد التي وضعناها في حالة عدم وجود نوايا، خلص، تلفظ بكلام بحالة عدم وجود نوايا.
قال الكلام السابق في حالة عدم وجود النوايا. قال لك: أنا والله يا شيخ ما كنت مستحضراً شيء، خلص ما كنت مستحضراً شيء، بنطبق هي القواعد. إذا كنت أنت ناوي شيئاً بهذا اليمين فالنية مقدمة على اللفظ، فالنية عند الحنابلة تخصص عموم اليمين، هيك يحكوا، تخصص عموم اليمين، طبعاً هنا العموم المعنوي في اللفظ؛ لأنني لو قلت: «والله لأكلن هذا الصحن»، وأنت قصدك إيش؟ قصدي أنا من البداية هي قصدي الصحن، يعني أغلبه، خلص هي نيتك بتخصص، فإذا أكلت أغلبه أمورك طيبة.
قال: فلو حلف ليأكلن هذا الرغيف، يعني هنا مثلاً شيخ أحمد بالنسبة للمسألة الأولى من حلف ألا يفعل شيئاً، قال يستثنى ما لو نوى. مثلاً لو قال: «والله لا أشرب هذا الإناء»، وكان نوى -ونحن قلنا حتى يحنث لو شرب شوي منه وما كمله لا يحنث- قالوا: لو كان ناوياً بقوله «والله لا أشرب» وكان ناوي ولو بعضه، لو كان هذا حنث بالبعض. والمسألة المعاكسة نفس الشيء؛ لو قال: «والله لأشربن هذا الإناء»، عندك جملتين، ونفسها «والله لأشربن هذا الإناء». في الحالة الأولى إذا ما في نية، ركز لي فيها: إذا قال «والله لأشربن هذا الإناء»، متى يعنث؟ يعنث إذا شرب كله، فإذا شرب بعضه لا يعنث، متى يعتبر باراً بيمينه؟ إذا شربه كاملاً، هي في حال عدم وجود نوايا.
إذا تدخلت النية بتدخل في الأمرين، إذا قال: «والله لأشربن هذا الإناء» ونوى وقصده أن يشرب ولو نقطة واحدة منه، بمجرد أن يشرب نقطة واحدة يكون باراً. وإذا قال: «والله لأشربن هذا الإناء» وكان يقصد لأشربن بعضه أو جزءاً منه أو نصفه وكذا، لم يبر بيمينه بمجرد أن يشرب المقدار الذي نواه، ولا يلزمه أن يشربه كاملاً. فالنية تحكم باب الحلف، في قاعدة عندك: النية تحكم باب الحلف، وتخصص. لاحظ هذا اسمه تخصيص بالنية.
لاحظ أنه إذا النية في باب الاستثناء وين تدخلت يا شيخ محمد؟ في المطلقات؟ لا، في الطلقات؟ صح، في الشرط. النية أثرت، نعم أثرت ديانة وإن لم تؤثر حكماً، صحيح. شوف مداخل النية في التخصيص؛ تخصيص الحلف فعلياً هذا تخصيص بالصفة، هذا نوع من أنواع التخصيص بالصفة. فممكن أنت تأخذ منه قاعدة أصولية أن الحنابلة يقبلون التخصيص بالصفة بالنية، صحيح؟ فأنت لما قلت: «والله لأشربن هذا الإناء» وقصدت: «ولا نقطة واحدة منه» أو «لأشربن هذا الإناء بعضه»، هي كلمة «بعضه» أنت ما ذكرتها بس أنت ناويها، فهذا تخصيص بماذا؟ بالوصف من خلال النية، قبلوه، تخصيص بالصفة من خلال النية، قبلوه.
والتوقيت يخصص وقتاً معيناً، نعم، كله تخصيص بالصفة. «والله لأشربن هذا الإناء» وقصدك اليوم بس، بكره ما عندك مشكلة، أنت ناوي اليوم، هذا التخصيص بالصفة زمنياً فهذا يقبل. فإذاً هذا موضوع النوايا مهم جداً أن يضبط في الأحكام الفقهية، وكيف ينتج ما الذي ينتجه التخصيص بالنوايا.
قال: «وإن فعل المحلو عليه»، هي شوفوا المسألة المهمة جداً، إذا أنا حلفت على شغلة أفعلها أو لا أفعلها بغض النظر، وفعلتها أو لم أفعلها ناسياً أو جاهلاً، قال: حنث في طلاق، في حلف يمين الطلاق، وفي يمين العتق، ولكن لا يحنث في اليمين العادية الآن إخواني.
الأيمان على نوعين؛ هناك أيمان تقبل التكفير، وهناك أيمان لا تقبل التكفير. كفارة اليمين، الآن الأيمان التي فيها كفارة يمين، الأيمان التي فيها كفارة يمين إيش هي؟ هي اليمين العادية؛ «والله لأفعلن كذا»، ما لها دخل لا في الطلاق ولا في العتق. اليمين العادية هيك، تحط هي فائدة فقهية جيدة أن الأيمان على نوعين عند جماهير المذاهب.
هناك أيمان تدخلها كفارة اليمين، وهي الأيمان الطبيعية؛ أن تحلف بالله أو باسم من أسمائه وصفة من صفاته على فعل شيء وعلى عدم فعله. قالوا: ويدخل فيه النذر، لأنه النذر مر معنا، إذا بتذكروا أن النذر المباح والنذر اللجاج ونذر... هذا يدخل كفارة اليمين، صحيح أن النذر في بعض صوره تدخل كفارة اليمين، حتى نذر المعصية عندنا؛ نذر المباح، نذر المعصية، كذا كله أخذناه.
سابقاً ودرسناه، تدخل كفارة اليمين العادية والنذر. إذا فعلت الشيء ناسياً أو جاهلاً، لا تعتبر حنثاً. مثلاً شخص قال: «والله لأشربن هذا الماء»، وكان يقصد كأساً معيناً، ثم قال: «اسمع، هذه الكأس والله ما أشربها». بعد يومين ثلاثة، كان ناسياً ليمينه فشربها، أو كان جاهلاً أنها نفس الكأس التي حلف عليها، ففكر أن الكأس تغيرت فشربها؛ في هذه الحالة هو جاهل بأنه نفس الكأس التي حلف عليها، فيقال له: لم يحنث.
ممتاز، إذاً هذه راحة الناس، صحيح؟ جيد أن تعرف هذا الحكم؛ أنه براحتك، أي يمين حلفتها ثم نسيت ففعلت الشيء الذي حلفت ألا تفعله ناسياً أو جاهلاً بأنه هو نفسه، لا تحنث. لكن في الطلاق والعتق، وهي تسمى الأيمان التي لا تقبل كفارة اليمين على الأقل مذهبياً، لأن ابن تيمية جعل كفارة اليمين تدخل حتى في اليمين في الحلف، لكن مذهبياً الأيمان التي لا تقبل كفارة اليمين هي أيمان الطلاق وأيمان العتق؛ لأن الطلاق والعتق المعلق إذا قصد به الحث أو المنع فهو نفس الشيء، والعتق المعلق إذا قصد به المنع أو الحث هو يمين، فالعتق المعلق والطلاق المعلق يمين لا تدخلها الكفارة.
الأيمان التي لا تدخلها الكفارة أمرها أغلظ، فبالتالي إذا فعلت ما حلفت ألا تفعله، أو تركت ما حلفت أن تفعله، ففعلته ناسياً أو جاهلاً، حنثت ولزمك اليمين. فهمتم الفرق؟ إذا نقول: وإذا فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً هل يحنث ولا لا يحنث؟ هناك فرق؛ تقول الأيمان التي تدخلها كفارة اليمين وهي الأيمان العادية والنذر المعلق. النذر المعلق ما هو إلا كقول الشخص: «إذا حصل كذا لله علي أن أذبح شاة»، فهو نذر معلق، فإذا حصل ناسياً أو جاهلاً لا يحنث ولا يلزم بالكفارة.
أما الأيمان التي موضوعها ليس كفارة يمين، وهي يمين الطلاق ويمين العتق بالتحديد، فهذه لو فعلتها ناسياً أو جاهلاً لزمتك ووقع عليك. ثم قال: «وينفع غير ظالم تأول بيمينه».
التأويل في اليمين موضوع جداً وأيضاً مهم، وسأعطيك ساعة فيه. التأويل في اليمين أن تحلف يميناً وتقصد بها خلاف ما يفهمه من أمامك، أن تحلف يميناً وتقصد به خلاف ما في نيتك المعنى الذي فهمه من أمامك؛ بتعرفوا إيش التورية؟ أكيد سمعتم عن التورية، وهي أن يحلف الشخص يميناً، فيأتي القاضي ويقول له: «أنت ضربت زيداً؟»، فيقول: «والله ما ضربته»، وينوي في داخله: «الآن بس أنت ضربته»، وأنت عارف أن القاضي قصده عن السابق، لكنك حلفت وقصدك الآن. هذه هي لعبة التأويل، خلينا نسميها.
هذه تجوز إذا لم تكن ظالماً؛ أما إذا كنت ظالماً وبينك وبين الله تعرف أنك الظالم، فالظالم نيته على ما استحلفه القاضي، وحديث «اليمين على نية المستحلف» هذه فقط للظالم، حملها الحنابلة على الظالم. الإنسان الظالم إذا استحلفه القاضي، فإنه لا يجوز له ذلك، لكن الظالم يقول: «يا شيخ أنا لا أريد أن أكذب في اليمين، وأريد أن ألتزم، فهل أقول والله سأحلف أمامه بشيء وأنوي شيئاً ثانياً؟»، لأن الفجار والفساق يعرفون مشارقهم ومغاربهم، لكن من قد يفعلها هو الشخص الظالم الذي يخاف أن يعطي يميناً كذباً، فيقول: «خلص، سأحلف وهو يفهم شيئاً وأنا أقصد شيئاً ثانياً»، نقول له: هي لا تصلح معك إذا كنت ظالماً.
أما إذا كنت مظلوماً أو في الأمور المباحة، فهي تفيدكم، خذوا هذه النصائح لتفيدكم مع زوجاتكم. مثلاً حكت لك زوجتك: «رحت اليوم عند دار أمي؟»، فتقول: «آه والله زرتها»، وهي تقصد أنك زرتها اليوم، وأنت تقصد أنك زرتها زمان أول ما تزوجنا؛ هنا تصلح معك لأنها أمور مباحة وليس فيها ظلم.
ويذكرون القصة أن الإمام المروذي كان مع شخص آخر في مجلس أحمد بن حنبل، فدخل شخص وطرق الباب فقال: «هل المروذي هنا؟»، فنسي الرجل فقال له حنبل: «ليس هنا»، ففهم الرجل أنه ليس في المجلس. وهذا مثل الذي كان يحلب ويقول: «والله ليس هنا»، يقصد أنه ليس في يده، ففهموا أنه ليس هنا، فقالوا: هذا دليل، وأحمد لم ينكر ذلك، أي رآهم ولم ينكر عليهم.
فمثل هذا التأويل في اليمين، أن تحلف يميناً يفهم منه أمامك شيئاً وأنت تقصد شيئاً ثانياً، هذه تصلح إذا لم تكن ظالماً. كلمة «ما لم تكن ظالماً» تشمل صورتين: إذا كنت مظلوماً، أو إذا كان الأمر مباحاً. مثلاً شخص رن عليك وسألك: «أنت أين؟ ألم تقل لي أنك قادم؟»، فتقول: «آه والله هيني جاي»، وأنت تفكر أنك قادم في الطريق، بينما أنت لا تزال في البيت تجهز أغراضك؛ هي كلها لها مخارج. الشريعة جعلت مخارج ومندوحة، لكن افهم أنه يجب أن تنوي.
بعض الناس إذا كان مظلوماً وأراد أن يحلف أمام القاضي كذباً كي يخلص حاله، يقول له: «يا شيخ أنا مظلوم، معك أن تتأول، لكن لا يجوز أن تحلف كذباً بدون أن تتأول». فهمتم إخواني؟ يجب أن يحلف ويتأول، أما أن يقول للقاضي أنت فعلت وهو يريد أن يكذب في اليمين لأنه يعرف أن القاضي سيظلمه، فيقول: «والله ما فعلت»، بدون أن ينوي نية التأويل (بأن يقصد الآن أو غداً أو شيئاً من هذه الألاعيب) بدون نية، فهذا لا يضبط. يجب أن تنوي؛ حتى في موضوع الزوجة، إذا قلت لها «رحت عند أمي» وأنت لا تنوي شيئاً فلا يضبط، لازم تنوي: «والله رحت» وقصدك في ذهنك سابقاً، فلا بد أن تكون النوايا حاضرة حتى تقدر على التورية.
فلذلك قالوا: التأويل في اليمين هو أن يريد بلفظ اليمين خلاف الظاهر، وهو مباح لغير ظالم. وهذا الظاهر أنه يصلح في كل الأيمان حتى أيمان الطلاق؛ فكيف ذلك؟ إذا كنت قد حلفت أن زوجتك طالق إذا فعلت كذا، ثم فعلت أنت شيئاً وأنت تقصد شيئاً آخر، فهي تصلح حتى في أيمان الطلاق وأيمان العتق، أن تكون ناوياً بالمحلوف عليه شيئاً خلاف ما يتفهم.
«بالطلاق بالثلاث خلص زوجتك طالق»، أنت تقول له: خلص ماشي، أنت كما تريد، ولكن أنا عندما حلفت يمين الطلاق كان قصدي شيئًا آخر لا تعرفه، وإنما كان أمرًا مباحًا أو كنت مظلومًا؛ فهذا يصلح سواء في اليمين المكفرة أو في اليمين غير المكفرة، وينفع غير الظالم أن يتأول بيمينه.
ثم قال: «ومن شك في طلاق أو ما عُلّق عليه لم يلزمه». أنت تشك؟ بعض الناس عنده وسواس قهري، يعاني من الوسواس القهري فيشك، وبعض الناس بدون وسواس يشك، يعني عنده حالة شك: «هل حكيت أنت طالق أم لا؟». الأصل بقاء ما كان على ما كان، نستصحب النكاح حتى نتيقن الطلاق.
فإذا شككت هل أنت طلقت أم لا؟ أو شككت وأنا زمان حكيت لزوجتي: «إذا ذهبت إلى دار أهلها أنت طالق»، ولم أكن قد حكيتها، فوالله يا شيخ بعض الناس يشعر أنه ربما قالها؛ لا تعتبر ولا تشغل بالك، من شك في طلاق أو شك هل علّق الطلاق على شيء قبل سنة أو سنتين، لم يلزمه شيء ونبقى على النكاح لأنه هو المتيقن. أو شك في العدد؟ يرجع إلى اليقين، مثل الصلاة: شككت أنك صليت أربعًا أم ثلاثًا؟ تعتبرها ثلاثًا، وشككت أنك طلقت ثلاثًا أم اثنتين؟ تعتبرها اثنتين.
ثم قال: «وإن قال لمن ظنها زوجته أنت طالق». جاء شخص فتح الباب ومفكرها زوجته، أول ما فتح قال: «أنت طالق»، فطلقت زوجته مع أنها التي خرجت وليست زوجته؛ هو مفكر الآن أنه عندما يفتح الباب ستخرج زوجته، يريد أن يفاجئها فيقول لها: «أنت طالق»، فأول ما فتح الباب طلعت أمه أو أخته، هل يطلق زوجته؟ قال: تطلق زوجته لأنه حسب نيته، هو قاصد إطلاق الزوجة وإن كان من فتح الباب غيرها؛ لذلك يقولون: النية أقوى من التعيين والإشارة.
النية أقوى من الإشارة أو المواجهة؛ أنت واجهت لكن نيتك زوجتك. والعكس، إذا كانت نيتك ألا تطلق وإنما تريد المزاح مع هذه المرأة التي تظن أنها عمتك أو خالتك أو أختك، فلما فتحت قلت لها: «أنت طالق» فطلعت زوجتك؛ هنا لا يقع الطلاق لأن الموضوع متعلق بالنية. في الحالة الأولى هو قاصد إطلاق الزوجة، أما في الحالة الثانية فهو ليس بناوٍ للطلاق بل يريد المزاح، فإذا طلعت زوجته لا يقع الطلاق.
قال: «ومن أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار لم يلزمه شيء». الذي يقول لزوجته كلمة ملتبسة ويشك هل هي طلاق أو ظهار ولم يتيقن أحدهما، قال: لم يلزمه شيء. ومن أوقع بزوجه كلمة وشك، فبعض الناس يتكلم في حالات الانفعالات دون أن يعرف دلالة كلامه، فإذا فهمنا دلالتها هل هي طلاق؟ إذا كان صريحًا فهو طلاق لا يحتاج إلى نية، وإذا كان كناية يحتاج إلى نية.
أما إذا كانت العبارة غير واضحة، مثل عبارات قد تشك فيها، فهل تعتبر طلاقًا أم ظهارًا؟ نحن لا نعلم ما كان في ذهنه، فنقول هذا يعتبر لغوا. في القواعد الفقهية عندما نأتي لكتاب المنحني ستمر معنا قاعدة: «إعمال الكلام أولى من إهماله»، وهي القاعدة في الأصل؛ إذا تكلم المكلف بكلام وله وجه معتبر يمكن أن يحمل عليه، فأعمال الكلام أولى من إهماله. لكن يستثنى من هذه القاعدة بعض الصور، مثل هذه الصورة التي نحن شاكون فيها؛ لا هي طلاق يقينيًا ولا هي ظهار يقينيًا، بل هو شاك، فنقول هنا: لم يلزمه شيء.
العبرة بالعرف؛ فبعض الناس قد يكذب أمام القضاء، فنحن نريد العرف الدارج، ما تصنيف هذه العبارة في العرف؟ إذا كانت غير واضحة في العرف هل هي طلاق أو ظهار؟ بعض الناس يصبح أستاذًا في المعاجب اللغوية التي يعطيها لزوجته بألف كلمة، فتقول كفقيه: أنا أتحير، هل هي طلاق أم ظهار؟ في هذه الألفاظ التي في دائرة الحيرة، نعتبرها لغوا ونبقى على الأصل، لأننا متيقنون من أنها زوجته وهي حلال عليه، ولا ينقل من اليقين إلى الطلاق أو الظهار بالشك، فالدلالة المشكوك فيها لا ينقل بها إلى اليقين.
نقف اليوم عند هذا القدر، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل