دخولتسجيل الدخول

رياض الصالحين 66 | باب ملاطفة اليتيم وسائرالضعفة والمساكين 2 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. الحمد لله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض. اللهم يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار. اللهم ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح هذا المجلس من مجالس سلسلة أنوار السنة المحمدية، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهداية والرشاد.

وهذا المجلس سنأخذ فيه إن شاء الله عدداً من الأحاديث المهمة، يعني لعله يكون فيها تطويفٌ على أبوابٍ مختلفة، أو على زوايا مختلفة من الاستفادة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأنا هنا أحب أن أنبه إلى شيءٍ مهمٍ جداً، ألا وهو أن الاستفادة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومن سنته ينبغي أن تكون استفادةً شموليةً، وأن لا يحرم الإنسان نفسه من الاستفادة الشمولية بانحصاره في الفائدة المباشرة من ظاهر اللفظ. وإنما ينبغي أن يستفاد من الحديث أو من القصة النبوية ما يجعل الفائدة محيطةً وشاملةً.

مثلاً، سيمر علينا بعد قليلٍ إن شاء الله حديث: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس». هذا الآن الحديث كما سيأتينا بعد قليل، ليس فيه أن الذي يطوف على الناس وهو محتاج فترده اللقمة واللقمان واللقمتان هل هذا يسمى مسكيناً أو لا يسمى؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان» يعني أحد يعطيه لقمة تسد حاجته ولا شيء، إنما المسكين كذا وكذا.

سؤال: هل هذا الذي يطوف فترده اللقمة واللقمتان هو مسكين في الشرع في خطاب الوحي أو ليس مسكيناً؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المسكين»، حسب النص ليس مسكيناً. هو بالإجماع هذا مسكين، وهذا من المساكين الواردين في خطاب الوحي. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس» يعني كيف هو المسكين؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المسكين الذي كذا وكذا».

هنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب يفيد إيش يا عبد الرحمن؟ عادي أي أحد يدخل ما عليك أهم شيء تركز في الكلام. إيش يفيد هذا الأسلوب؟ إذا كان هذا ليس نفياً لحقيقته، ليس المسكين حقاً هذا المحتاج الذي يراه الجميع فيأخذ اللقمة واللقمتان، إنما المسكين حقاً الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يطوف فيسأل الناس. فهذا الأسلوب ليس أسلوباً لنفي المسكنة عن الأول ولا عن كونه مستحقاً للزكاة ولا للصدقة، وإنما هو تنبيه على الثاني.

طيب ليش أنا أوردت هذا الكلام؟ احنا لسه ما وصلنا للحديث. أوردت حتى نستفيد غير الفائدة المباشرة، الفائدة هي أن نتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب التنبيه، وأن نتعلم منه الأولويات. والفائدة المباشرة ما هي؟ الفائدة المباشرة هي أن الأولى بأن يعتبر في الإعطاء والنفقة وأن يتتبعهم هؤلاء من الصنف الثاني، جيد؟ لكن هنا هناك فائدة أخرى وهي أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم، تنبيه، تركيز على الأولويات، إلى آخره.

لذلك الأحاديث النبوية هي ميزان. ولذلك أنا أحرص حقيقة في كل الأحاديث، أو في عامة الأحاديث، ولعل المتابع لسلسلة أنوار السنة المحملية يلاحظ ذلك، أحاول في كل الأحاديث أن نأخذ هذه الشمولية؛ يعني نستفيد من اللفظ، من الأسلوب، من المناسبة، من السياق، من كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نستفيد الحكم المباشر أو الدلالة المباشرة. هذه الاستفادة الشمولية هي ميزان، إذا ضبط عند الناس أحيا فيهم كثيراً من المعاني المفتقدة في فهم الدين. فهذا ما أحببت أن ننبه عليه في أول الأمر.

إن شاء الله سيأتينا كذلك بعض الفوائد الأخرى في هذا الصدد. البداية، طبعاً احنا في أي باب؟ احنا في باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم، وأخذنا في هذا الباب من يتذكر مجلسًا أو مجلسين؟ أظن أخذنا مجلسًا واحدًا، والله أعلم أن أخذنا مجلسًا واحدًا.

طيب، هذا يعني نحاول اليوم، طبعًا لن نستطيع إكمال الباب، لكن نأخذ لعله أقل شيء ثلاثة أحاديث إن شاء الله.

الحديث الأول عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. شوفوا يا جماعة، شوفوا يا حبايب، شوفوا يا شباب، واللي يستمع كذلك من الشباب، شوف، لازم قال الله تعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لازم يكون لها هيبة، لازم يكون لها هيبة. ما نتعامل مع قال الله تعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نجي نشرحها إيه عارف، ندخل مباشرة نغوص في الدلالات اللغوية واللفظية، لا. قال رسول الله هذه لها قيمة كبيرة، لها قيمة كبيرة. أنت متى تدرك قيمتها؟ تتخيل أنه هو حي صلى الله عليه وسلم، أنك كنت في زمانه وتسمعه يقول: افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا. لو سمعت هذا منه صلى الله عليه وسلم، كيف سيكون التزامك بهذا الأمر أو ابتعادك عن ذلك الأمر المنهي عنه؟

فلذلك نعم، وإن كنا بعيدين زمناً عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن حلاوة الإيمان وتعظيم الكتاب والسنة تختصر المسافات الزمنية. من يعظم كلام الله وكلام رسوله فكأنه يعيش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالقلب إذا كان معظماً اختصر المسافات الزمنية. والقلب إذا كان منتكساً، حتى لو حضر خطبة الجمعة في المسجد النبوي والخطيب هو النبي صلى الله عليه وسلم، يمكن أن يكون منافقاً، يسمع بأذنه ويكذب بقلبه، وهذا حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين. ولذلك احنا الآن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه عظيمة، هذه عظيمة، قال رسول الله ليست شيئاً كبيراً، لازم ننتبه.

طيب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. أخرجه البخاري. قال الإمام النووي رحمه الله: كافل اليتيم القائم بأموره.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة»، وأشار الراوي وهو مالك بن أنس بالسبابة والوسطى. رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: اليتيم له أو لغيره معناه قريبه أو الأجنبي منه، فالقريب مثل أن تكفله أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من قرابته، والله أعلم.

طيب، إذا هذا الحديث برواية من من الصحابة؟ أبو هريرة وسهل بن سعد. أحسنت، الثاني أبو هريرة والأول، طيب ما دام الثاني بنبدأ بالأول ولا عشان شو اسمه آخر شيء ذكرناه. طيب، سهل بن سعد وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بإصبعيه.

طيب، هذا الحديث جملة مختصرة شديدة الاختصار، لكن احنا ممكن نأخذ الساعة الكاملة هذه أو الساعة القادمة كاملة في هذه الجملة المختصرة. ليش؟ إيش كيف يعني نأخذ فيها؟ مو يعني نرجع للكلام الذي ذكرناه قبل شوية؛ إذا أردت أن تنظر إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بتعظيم وتفقه واهتمام، وتنظر إليها بشمولية، أو تنظر إلى مجموع ما جاء في الشريعة موافقاً لهذا المعنى كبيراً يعني. وإحنا دائماً الشأن ليس في الاستكثار، ليس الشأن أن نأخذ خمس عشرة صفحة ولا عشرين ولا أربعين ولا مئة، المهم أن نتحقق بفهم القضية الشرعية وتستقر في القلوب، تستقر في القلوب.

شوفوا يا جماعة، الدين ليس بالكثرة، كثرة المعلومات؛ الدين أن تفهم القضية واضحة جلية وتستقر في قلبك وتعمل بها، ثم تأخذ القضية الأخرى، ثم تأخذ القضية الأخرى، وهكذا. نزل القرآن مفرقاً، واضح؟

طيب، القضية الآن ما هي؟ في الحديث كفالة اليتيم. طيب كفالة اليتيم هي فرع عن موضوع أكبر منه وهو ايش؟ يعني أعم منه في موضوع اليتيم نفسه، ايش؟ يعني أيه أعم؟ الكفالة ولا حق اليتيم؟ حق اليتيم، يعني العنوان الأكبر حق اليتيم أو تعظيم حق اليتيم، ها؟ بعدين من صور ذلك ايش؟ الكفالة. شوف. طيب من صورها ايش أيضاً؟ يعني أو مما يدخل تحت هذا العنوان الكبير جداً ايش؟ إعطاؤه حقه في الإرث، طيب.

طيب، أيهما أعم الكفالة أم الإكرام؟ الإكرام أعم، صح؟ طيب خلينا بدل الإكرام، الإكرام وارد في القرآن، صح؟ ﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17]. طيب الذي كفل يكون إيش؟ أكرم، بس إكرام اليتيم قد يكون بوسيلة أقل من الكفالة، صح؟ الإحسان إلى اليتيم أعم من الكفالة كذلك، صح؟ فالإحسان والإكرام عنوانان كبيران، ويدخل فيها الكفالة وإلى آخره.

طيب، في عنوان آخر كبير في الشريعة واسع، متعلق بالعنوان الكبير اللي هو حق اليتيم، اللي هو عدم ظلم اليتيم، خاصة ظلمه المالي، هذا وردت فيه نصوص: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]، وقس على ذلك. فصار عندك أنت الآن عنوان كبير اسمه إيش؟ اسمه إيش العنوان الكبير؟ حق اليتيم أو تعظيم حق اليتيم في الشريعة، وتحته حزم من الأبواب والموضوعات. وبالتالي، شوفوا يا جماعة، من أهم الأمور في التفقه في دين الله سبحانه وتعالى أن ندرك أهمية الموضوع في الشريعة.

أنت الآن لو جبتها كذا بفهمك العام للدين، يقول لك إيش موقع إكرام اليتيم من الشريعة؟ أنا أتوقع أن كثير من المسلمين ممكن يقول: والله أجره عظيم ما شاء الله، بس يعني من حيث المركزية والأهمية ممكن يعني إيش؟ يعني إنه من باب الفضائل يعني. لما ترجع للقرآن تشوف من أوائل ما نزل من السور والمرحلة المكية وقبل تنزيل الشرائع المفصلة تجد إن الكلام على الأيتام مركزي وأساسي. مثلاً من أوائل ما نزل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]. ومما نزل في مكة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1-2]. ومما نزل: ﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: 17-18]. ومما نزل ومما نزل كثير من الآيات في حق اليتيم.

طيب هذا جهة من عناية الشريعة بهذا المعنى إنه إيش؟ إنه نزل ترى من بداية الإسلام التأكيد على هذا المعنى. من عناية الشريعة بهذا الباب إنه كما أنه نزل فيه التأكيد والتعظيم والتحذير فقد نزل فيه التشريع المفصل. إيش أهم سورة عندنا في القرآن فيها أحكام اليتيم؟ النساء، صح؟ فيها أحكام: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2]، وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء، وفي نفس الصفحة إيش؟ ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6]. الصفحة اللي بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ إلى آخره. فأنت عندك تفاصيل أحكام مفصلة، وكذلك في البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220].

تروح للأحاديث كثير. طيب الفضائل إيش نوعها الواردة في قضية اليتيم؟ أعلى شيء، إيش؟ أنا وكافل اليتيم في الجنة، يعني القرب من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. لما تستخلص هذا المجموع ونحن ما قلنا منه إلا أطراف يسيرة يعني بعض النصوص، لما تستخلص هذا المجموع تعرف أنك أنت أمام قضية مركزية في الدين، أمام قضية عظيمة جداً، أمام قضية كبيرة. مين اللي حدد أنها كبيرة؟ مو أنا ولا أنت، الله ورسوله. هما، يعني الله سبحانه وتعالى هو الذي يجعل هذه القضايا يعطيها قدرها وقيمتها ويبينها في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد ذلك ويبينه ويشرحه وإلى آخره. فإذا مثل هذا الموضوع هو أساسي في التفقه في الدين؛ أن ندرك موضع الحكم أو القضية موضعها ومنزلتها من الشريعة.

طيب، هذه إذاً فائدة من هذا الحديث. النوع المنصوص عليه في الحديث من ما يتعلق بحق اليتيم هو كفالة: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم قالها.

في الرواية الأخرى ليش كرر يا عبد الرحمن النووي رحمه الله ليش كرر الحديث؟ جابه من طريق سهل بن سعد وأبي هريرة. إيش الزيادة في النص الثاني؟ طيب هي عشان كلمة له أو لغيره. هذه النبي صلى الله عليه وسلم قالها: «كافل اليتيم له أو لغيره». إيش معنى له أو لغيره؟ سواء كان من عائلتي، يعني مثلاً، يعني هو ممكن مثلاً واحد إنه والله أخوك شقيقك مثلاً، يترك أيتام خلفه، أنت بطبيعة البعد العائلي وإنه أخوك وإنه كذا ترعى أيتام أولاده، لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كافل

اليتيم له أو لغيره، يعني حتى لو كان قريباً، فهذا أيضاً الأجر يشمل، وليس فقط كفالة اليتيم يعني تذهب للشخص اليتيم البعيد الذي لا تعرفه فتكفله، لا، حتى الصغير، حتى الذي أنت أصلاً يعني إيش؟ أنت كافله كافل. جيد؟ أو الجد مثلاً. ها؟ الجد مثلاً إذا كان حفيده يتيماً. مات ولد الولد وترك ولداً، فهذا يعني وهكذا، له أو لغيره.

طيب، إذاً هذا سبب إيش؟ تكرار الحديث. طيب، ما هو الفضل؟ الفضل هو مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، أو القرب من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. يا الله، عجيب، منزلة عظيمة جداً، كبيرة جداً.

طيب. هنا بما إنه النص أو الفضل العظيم هذا مترتب على كفالة اليتيم، فلا بد أن نعرف ما هي الكفالة، صح؟ واليتيم المفروض إنه معروف يعني، صح؟ ما يحتاج تعريف. طبعاً اليتيم هو الذي فقد أباه، الأب تحديداً، ودون البلوغ. فيعني الذي فقد أباه في سن الأربعين ولا الخمسين ولا الستين ليس يتيماً بطبيعة الحال، وإنما اليتيم دون البلوغ، وهو منحصر في الأب وليس في الأم. يقال إنه في الحيوانات بالعكس، بس عاد هذه يعني هي دلالة لغوية يمكن يعني عند العرب، والله أعلم. بس عموماً اليتيم هو الذي فقد والده دون سن البلوغ، وفي ذلك الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد احتلام».

طيب. إذاً هذا اليتيم، ما هي الكفالة؟ الكفالة هنا ذكر، أو أول شيء نأخذ كلام النووي رحمه الله، قال: كافل اليتيم القائم بأموره. اختصرها في كلمة واحدة: القائم بأموره المادية والمعنوية. يعني كافل اليتيم القائم بالأمور المادية والمعنوية بالنسبة لليتيم. المعنوية التي من أهم ما يدخل فيها وينص عليه العلماء والفقهاء: التربية أو التأديب. جيد. اليوم البعض، يعني مؤسسات أو كذا، يشمل فيها موضوع التعليم، والتعليم ليس بعوض عن التربية، وإن كان هو من جملة العناية والقيام على الأمور، لكنه ينبغي ألا يكون بديلاً عن معنى التربية؛ لأن التعليم اليوم غير التربية، التربية الأشمل والأنفع والأصلح.

طيب. الكافل هو القائم على أمور اليتيم المادية والمعنوية الشاملة لنفقة الكسوة والملابس والسكن، وكذلك القائم على أمور التربية بحسب حاجة اليتيم. فإذا كان اليتيم مثلاً ليس له حضانة، يعني ليس له من يحضنه وليس له مكان يحضن فيه، فهذا تكون الحضانة من أهم ما يدخل في إيش؟ في كفالة اليتيم.

طيب، ماذا لو كان له حضانة ولكن ليس له مال مثلاً أو رعاية أو شيء، فقام شخص فتکفل بهذا ولكنه لم يأتِ به إلى بيته، هل هذا يسمى كافلاً لليتيم؟ لم يحضنه، لم يجعله في حضانته؟ نعم، كافل لليتيم. كفالة اليتيم لا يشترط فيها جلب اليتيم إلى البيت. واضح؟ لا يشترط فيها؛ لأنه البعض يظن أن كفالة اليتيم حصراً هي أنه يتربى داخل بيتك، لا. ممكن هو له حضانة، كيف له حضانة؟ مثلاً له عائلة وله أم، أم ترعاه في بيتها، وهو عند أمه والأمور تمام، ما عنده إشكال لا في الحضانة ولا في المأوى، ولكنه إشكاله مثلاً في المال، وإشكاله مثلاً في حاله عند المرض والعلاج وحاجته إلى آخره. إذاً كفالة اليتيم: القيام على أموره بحسب حاجة اليتيم وجانب النقص فيه.

طيب، ماذا لو كان اليتيم له مال، فقام الكافل برعاية اليتيم من ماله؟ أيضاً حتى هذا أدخله العلماء في كفالة اليتيم، أنه حتى لو لم يكن الشخص يعني هو من جملة الأحكام الشرعية المتعلقة بمال اليتيم، وأنه الإنسان الذي يقوم على اليتيم من ماله ويجتهد في تحري الأنفع له والأصلح إلى آخره. إذاً يا جماعة الخير، خلاصة أن كفالة اليتيم القيام عليه بأموره من الجوانب المختلفة، وأن هذا الأمر يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». وكلما كان الإنسان أكثر إحساناً، فيكون أحرى بالدخول في هذا النص، أكثر إحساناً إلى اليتيم.

طيب. الإحسان إلى اليتيم يا جماعة لا يشمل الجانب التربوي فقط، ولا الجانب المادي فقط، في جانب غير هذا وهذا -وإن كان قد يدخل في التربوي في الجملة- وهو الجانب الإحسان النفسي، الذي تقدر تسميه الإكرام. ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]. وهذا مرتبط بالبعد النفسي، والعلماء يؤكدون على هذا المعنى، ولذلك يقول الإمام البهوتي من أئمة الحنابلة رحمه الله: ويستحب إكرام اليتيم وإدخال السرور عليه، كذا يستحب أن تدخل السرور على اليتيم ودفع النقص والإهانة عنه؛ فجبره لقلبه من أعظم مصالحه، جبر القلب لليتيم.

طيب. الآن هذه إطلالة هكذا على ما يتعلق باليتيم، بقي أن أنبه إلى شيء، وهو إنه زماننا هذا، خاصة في بعض البلدان التي تعرضت لحروب، حروب قتل فيها كثير من الرجال، مثل سوريا، وفلسطين بطبيعة الحال، والسودان، واليمن، وغير ذلك بلا حصر، هذه البلدان التي فيها الحروب وفيها قتل الرجال، يتأكد هنا على الأمة أن تقوم بحق الأيتام خاصة، إذا كان آباؤهم ممن بذل في سبيل الله، ورابط في سبيل الله، وجاهد في سبيل الله، أو أوذي في سبيل الله، فهذا يكون من أهم العبادات وأولاها في حق الأمة، أو على الأمة في حق هؤلاء الأيتام. جيد؟

آه، ولذلك جزى الله خيراً من يقوم على مثل هذه الأعمال، هذا ثغر في الأمة. طيب، احنا لما نقول ثغر في الأمة يا شباب، تعرفوا احنا دائماً نتكلم عن الإصلاح والأمة والثغور، ها؟ يمكن احنا معتنين بشكل مباشر بقضية ثغر تربية المصلحين وصناعة المصلحين وكذا، إياكم أن تظنوا إنه احنا بنعتني بثغر إنه هذا تزهيد في الثغور الأخرى. يعني في ثغر عظيم في الأمة، الله يبيض وجه من قام عليه وهنيئاً لمن قام عليه، هنيئاً فعلاً يغبط، اللي هو ثغر القيام على أحوال الأيتام في العالم الإسلامي خاصة أيتام الشهداء خاصة.

طبعاً مع التأكيد على إيش؟ تقوى الله في هذه الأموال وإنه بقدر ما تغبط على قيامك على هذا العمل بقدر ما الله يعينك، بقدر ما الله يعينك. ها؟ إغلاق باب التأويلات، النسب اللي ما أدري كم والنسب اللي ما أدري إيش والما أدري ها؟ يعني هذه إنسان ينتبه منها ويخاف منها. ها؟ فهذا تنبيه.

تنبيه آخر. رحمك الله. لماذا كانت التنبيه شوي بس مقدمته، لماذا كانت كل هذه العناية في الشريعة بالأيتام؟ ليش؟ يعني إيش المعنى الذي في اليتيم؟ أهمية الأب، يعني الضعف، انكسار الجناح، عدم فقدان المعيل، صح؟ الأثر النفسي الذي يفقده الابن بعدم وجود الأب، والأثر المادي والأثر المعنوي والأثر التربوي وكل شيء. وبالتالي جاء هذا التعاطف، كأن الإنسان كسر، فتأتي الشريعة تجبر هذا الكسر بهذا الحث الكبير الهائل. جيد؟ طيب.

في ناس -هذه ليست تسمية شرعية، ليست تسمية منصوص عليها شرعاً ولا لا، بس هذا الآن تشبيه- أقرب للأيتام المعنويين. جيد؟ أنا هنا أحب أن أنبه على حقوقهم، من هم هؤلاء؟ فئة معينة قاصدها، وهم أبناء الأسرى، خاصة الأسرى من ذوي المدد الطويلة؛ لأنه مثلاً عندك فلسطين، عندك مثلاً بعض الأسرى محكوم ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئتين وستين سنة، سبعمائة سنة، ها؟ وغيرها من البلدان. في ناس كثير تعرفون احنا ما شاء الله يعني الله المستعان، نعيش في مرحلة كثرة من اعتقل في سبيل الله، من أوذي في سبيل الله لأجل الدعوة، لأجل الإصلاح، لأجل الجهاد، لأجل أيا كان، كثير، بعشرات الآلاف، بل إذا جمعت العالم الإسلامي كله بالملايين، إذا دخلت تركستان وهذا أنت تروح للملايين يعني.

طيب، أليس المعنى الذي في الابن الذي يفقد أباه في السجن، فيه شيء قدر من مشابهة اليتيم، أليس كذلك؟ احنا ما نقدر نقول هو اليتيم ولا نقدر نقول إنه يلحق اسم اليتيم شرعاً، ما نقول هذا، لكن نقول: فيه قدر من مشابهة اليتيم في المعنى الذي لأجله جاء إكرامه في الشريعة. وبناءً على ذلك احنا نقول: من فاته حق إكرام اليتيم وإعطاء اليتيم حقه، فلا أقل من أن يعتني بأشباه هؤلاء، بأشباه الأيتام ممن فقدوا آباءهم في مقابر الأحياء؛ لأن اليتيم يفقد أباه في مقابر الأموات يعني، والسجون مقابر الأحياء، وهناك شبه بين السجن والموت بهذا الاعتبار، وبين أبناء الأسرى وأبناء الشهداء أيضاً بهذا الاعتبار.

ولذلك إخواني الكرام، لما احنا نتكلم عن ثغور الأمة، الاحتياج في مجال واسع وهائل وكبير في الأمة اليوم، ثغر أساسي كبير وعظيم، عشان ما يصير في كثرة كلام لأنه في ناس عندهم أوقات زايدة بزيادة، يعني عارف ضياع العمر في الأوقات والقيل والقال. لا، ترى ثغور الأمة واسعة وكبيرة وهائلة جداً جداً. يجي واحد يقول: والله ما لقيت ثغري، قصده ما لقي مثلاً مركز علمي ولا مركز، مين قال لك إنه الثغور تنحصر في هالمجال؟ مين قال لك؟ من قال لك ذلك؟ ثغور واسعة جداً. روح مع مؤسسة يا أخي خيرية كذا، تأكد من نزاهتها، تأكد من صدقها، تأكد من كذا، تعلم أنت كيف تسوي مثلها، ها؟ إلى آخره.

طيب، كده تمام؟ طيب. ننتقل إلى الحديث التالي. وعنه رضي الله تعالى عنه، من هو اللي عنه؟ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. طبعاً على ذكر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في ناس ربنا ابتلاهم بأن يعادوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، سواءً من المنتسبين إلى التشيع وهم الأصل، حتى بعض المنتسبين للسنة عندهم معاداة لبعض الصحابة، البعض بدافع سياسي، يدخل في موضوع معاوية وإلى آخره، والبعض بدافع نقد التراث وتحقيق التراث وإلى آخره، يدخل لك في موضوع أبو هريرة وروايات الحديث وإلى آخره. سبحان الله، هذه الطرق ضيقة ووعرة وزلقة، وكم زلت قدم من سار فيها بقصد المراجعة التراثية والتجرد الموضوعي فانلصرقت القدم إلى ما هو أشنع من ذلك بكثير.

والكلام عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وعن منزلتهم وعن ما يتعلق بهم كثير، لعل شيئاً منه مضى، وإن كان لا يكفي في حلقة مفردة في سلسلة العقيدة في الحقيبة الشرعية؛ كانت حلقة كاملة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وعن إثبات البراهين على فضلهم ومكانتهم ورفع بعض إشكالات أو الشبهات التي تثار حولهم رضي الله تعالى عنهم.

طيب، أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف». متفق عليه. وفي رواية في الصحيح: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس».

هذا الحديث المتفق عليه الصحيح الذي يعني هو من أعلى درجات الصحة، النبي صلى الله عليه وسلم ينبه في هذا الحديث تنبيهاً عظيماً إلى أمور. ولذلك أعجبني ابن هبيرة رحمه الله -وابن هبيرة لعلّي أشدت به في هذه السلسلة سابقاً وأشيد به، ما أدري أشدت به في هذه السلسلة ولا في سلسلة فضائل بيت المقدس، لعلّي أشدت به أكثر من مرة- وهو من العلماء المغرورين خلينا نقول عند كثير من طلبة العلم لا يعرفونه، ولكنه إنسان فريد ومتميز حقيقة.

ابن هبيرة كان وزيراً في الدولة العباسية، وإذا نظرت إلى الدولة العباسية من وقت نشأتها في عام 132 للهجرة إلى وقت سقوطها عام 656 للهجرة، إذا نظرت إلى هذه القرون ستجد أن ابن هبيرة من أجل وأفضل وأعظم وزراء بني العباس على الإطلاق، وهو توفي عام 560 للهجرة، فهو في المرحلة الأخيرة، هو عاصر مرحلة نور الدين زنكي، كان عالماً جليلاً وكان كبيراً وكان إماماً. وهو الذي مرت معنا قصته لمن يتذكر سلسلة الطريق إلى بيت المقدس. في أحد منكم يتذكر السلسلة جيداً يعني عاش معها ولا ما في؟ إذا ما في خلينا نوقف الدرس، شو رأيكم؟ لا اصبر طيب شوي. اصبر ما أنت كنت معنا يعني في هذا، خلينا نشوف الشباب.

ها شباب؟ أين عبد الرازق؟ ما شفت السلسلة؟ ليش الأسئلة تخوف وقت الدرس؟ أنا بعدين لما أقول الجواب ليش ما جاوبتوا وكذا فيقول: والله ما أدري إيه، إنه يعني يحطوها بفكرة إنه مو إحنا ما كنا نعرف، بس يعلقوها على شغلة ثانية، الله أعلم عاد. كيف الشغل يمشي كذا ولا؟

طيب. هذا هو الوزير، صدقت يا عبد الوهاب، اللي كان السلطان السلجوقي كان مسوي هيمنة على الخليفة بشكل مشكل، وكان فيه عسف، فما استطاع هذا الوزير ولا الخليفة العباسي أنهم يتعاملوا مع هذا السلطان الذي صار يواجههم بهذا الظلم إلا بالدعاء، فتعاهد هو والخليفة على القنوت عليه شهراً، اقتداءً بحديث إنه النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً على رعل وذكوان، فتعاهد ابن هبيرة والخليفة العباسي -الخليفة الآن؛ لأنه السلطان أكبر من الخليفة في الواقع العملي كان-.

سلطان زي الأمير يعني، بس هو جاءت هيمنة السلطنة السلجوقية على الخلافة العباسية، وقبلها هيمنة السلطة البويهية على الخلافة العباسية. فتعاهدوا على أن يدعوا أن يقنتوا شهرًا، فقنتوا شهرًا، اليوم التاسع والعشرون توفي هذا السلطان الذي دعوا عليه لمدة شهر كامل، وصلحت الأحوال.

ابن هبيرة عنده كتاب اسمه الإفصاح، هذا فيه شرح أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، من أفضل الشروح. وأنا كررت مرارًا، ولا أدري هل وعيتم هذا عني بعد كل هذا التكرار ولا لا، فيما يتعلق بكتب شروح السنة والكلام عن مميزاتها والكلام عن كثرة التكرار فيها، إذا أردت شيئًا منفردًا عما هو متكرر في كتب الشروح، اذهب إلى ابن هبيرة، تجد فيه زاوية مختلفة دائمًا.

الجمع بين الصحيحين. ابن هبيرة إيش قال في هذا الحديث؟ طبعًا هو الجملة، بس هو تكلم كلام كثير، بس أنا انتبهت إلى جملة لطيفة يعني، ما أقول لك من هو نبه إلى معنى خفي جدًا، بس لطيفة الجملة. فقال ابن هبيرة في هذا الحديث: إيقاظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن، إيقاظ، إنه انتبه ترى ليس هذا هو المسكين بل هذا، يعني أسلوب فيه إيقاظ تنبيه.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس». هذا الحديث كما مر معنا في بداية المجلس، هو من أحاديث تصحيح المعايير ومن أحاديث الدعوة إلى الأولويات أو الأهم فالأهم. النبي صلى الله عليه وسلم لا يجرد في هذا الحديث ذلك الفقير أو المسكين أو الضعيف الذي يطوف على الناس فترده التمرة والتمرتان، يعني إيش معنى ترده التمرة والتمرتان؟ إيوه يعني إنه أعطوني أعطوني فيعطيه تمرتين فيمشي، يعني جزاك الله خير إنك أعطيتني تمرتين، فهمت يعني أنها تفرق معه لأنه جائع يبغى ياكل يعني.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجرد في هذا الحديث هذا الشخص عن معنى المسكنة، ولا عن كونه مستحقًا للإنفاق، ولا عن كونه مستحقًا للزكاة، إنما يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث وبهذا الأسلوب أن ينبه إلى نوع آخر من المساكين ليس هو الطواف، حتى كلمة الطواف واردة في هذا الحديث في رواية: ليس هو الطواف، ليس هذا المسكين الذي يطوف على الناس، هذا الكل يراه لأنه يقف عند أبواب المساجد ويقف عند مجامع الناس وهو يقصد إلى أبواب الأغنياء ويقصد إلى كذا، فهذا الجميع يراه، فليس هو المسكين حقًا.

وإنما المسكين حقًا هو الذي يتعفف، لا هو الذي يسأل الناس، ولا هو الذي يفطن له فيتصدق عليه، ولا هو الذي يجد ما يغنيه. فالنبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي من شدة عنايته بالضعفاء والمساكين ينبه تنبيهات، كما قال ابن هبيرة: يوقظ المؤمن، أيها المؤمن انتبه، لا تأخذ مجموع ما ورد من النصوص في المساكين والأيتام وتظن أنك إذا أعطيت هؤلاء السائلين في الشوارع أو الذين حاجتهم ظاهرة الكل يعلمها أنك أنت الآن أديت حق المسكين، ترى المسكين حقًا الذي يستحق العناية حقًا ليس هو، يعني هناك من هو أولى من هذا على أن هذا ينبغي أن تجبر حاجته، لكن ذاك الذي وراءه، ذاك العفيف الشريف الذي لا يجد الغنى ولا تطيعه نفسه أن يسأل الناس فيتعفف.

ولذلك جاء في الحديث في رواية أخرى: واقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273].

قبل أن نأخذ من هذا الحديث معنى العناية بذاك الصنف من المساكين، نأخذ من هذا الحديث العناية بالأولويات عمومًا، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يرتب أولويات هنا، صح؟ فيقول: يا جماعة، أيها المؤمنون، ترى الذي يستحق العناية حقًا أكثر من غيره هو ذاك قبل أن يكون هذا. وأيضًا نستفيد من هذا الحديث أسلوبًا بيانيًا. وعند ذكر كلمة الأسلوب البياني مع زمن شبكات التواصل تسكب العبرات، أنت الحين تكتب أسلوب بياني مع كل المحترزات التي تكتبها، بعدين يقول: يعني قصدك كذا؟ يعني قصدك كذا؟ بينما اللغة العربية فيها أسلوب مثل هذا: ليس المسكين. ولا يكون المراد أنه ليس مسكينًا حقًا، لا هو مسكين، لكن كذا كانت عقول العرب أكبر وأوسع من حالة انتحار العقول التي نعيشها اليوم.

والله يا جماعة زمن شبكات التواصل فيه قولبة للعقول بشكل مخيف، مخيف، يعني أنت الحين المفروض أنه مع كثرة المعلومات والحين مؤخرًا مع الذكاء الاصطناعي ومع تنوع المصادر المفروض تكون أذكى يعني، أما الجريمة الكبرى في هذا هي لما يسمى بالذباب، هي الحسابات التي تقوم عليها بعض الأجهزة الرسمية لإرهاب الناس وتخويفهم وتحميل كلامهم ما لا يحتمل وإلى آخره، هم يتحملون الوزر الأعظم في هذا، لكن صارت حالة واصطفاف وإلى حالات الغلاة، الغلاة اللي هم شغالين: قلت هالكلمة، قلت هالكلمة، قلت هالكلمة، قال هالكلمة، قال هالكلمة فلان، المنطق الأعوج اللي جالس يصير ما هو طبيعي. والله يا جماعة ترى حرام انتحار العقول.

فلما ترجع للأسلوب، أول شيء القرآن، ثم أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عموم كلام العرب، تجد أن العقل يسير في مساحات واسعة وهائلة وعظيمة وكبيرة جداً، وليست مساحة أنه قلت كذا قصدك كذا ما قصدك كذا ليش ما قلت كذا ليش ما قلت ليش ما، تقول: اللهم احفظ بلاد كذا وبلاد كذا وسائر بلاد المسلمين، ليش ما قلت كذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا؟ طيب إذا قلت البقية ليش ما قلت اللي بعده؟ ما هو معقول، والله ما هو معقول.

نفس الشيء هذا على البعد السياسي، على البعد الشرعي طالعين لك شباب صغار ولا شيء، مدح فلان، أثنى على فلان، ذم فلان، لم يذم فلان، قال فلان، إنما قال، أنت إيش عرفك أصلاً؟ إيش عرفك أصلاً؟ لا تعرف سنة من بدعة، ولا حق من باطل، ولا لغة، ما تعرف شيء، وبتحجيم وفاضيين، وماخذينها ترندات وألعاب إلكترونية، ونفس التحشيدات هذه، ونجم عليهم من هنا ومن هنا، أشياء سخيفة حقيقة.

اللغة العربية يا جماعة، لغة تغذي العقل، تكبر العقل، توسع مدارك الإنسان، يفهم دلالات الألفاظ، في شيء اسمه لفظ ينفى، يعني النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لما يقول: «ارجع فصل فإنك لم تصل». طيب كيف؟ يعني هو صلى ولا ما صلى؟ هو توه سلم من الصلاة، إيش المقصود بهذا النفي؟ أو لا صلاة لمن لم يذكر اسم الله عليه على ضعف الحديث، أو لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، لا صلاة بحضرة طعام، إيش معنى لا صلاة بحضرة طعام؟ وهكذا الألفاظ تكون فيها سعة، تجد العلماء يسيرون في بحر هذا اللفظ، يحتمل كذا ويحتمل كذا، وقد يكون المراد كذا، هل نفي كمال؟ هل نفي حق؟ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

طيب، إذا كان يجي واحد من السطحيين يقول معناه الذي لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه لن يدخل الجنة أبداً ولو جاء بشهادة التوحيد ولو بالصلوات، لأنه قال: لا يؤمن، والجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة». جيد، ولذلك فعلاً هذا حصل مثلاً، الخوارج القديمين كانوا يستدلون بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. فيقول لك يعني هذا الذي يرتكب الكبيرة متقي ولا مو متقي؟ ليس من المتقين، إذاً إيش؟ ما يتقبل منه شيء، إذاً إيش؟ كافر.

جد هو نفس المنطق ترى، نفس المنطق، فأنت تبغى تأخذ الآيات والأحاديث بهالمنطق ما حتخلي شيء، و﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن: 23] صح ولا لا؟ طيب الآن أي معصية من الصغائر تسمى معصية ولا ما تسمى معصية؟ طيب ممكن يجي يقول لك: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً، يعني إيش؟ يعني مخلد في النار يعني خلاص ما فيه. وهكذا أنت اللي بيتعامل بهالمنطق يقدر يروح يلعب في الشريعة لعب، يقدر يلخبط في الآيات والنصوص يلخبط فيها لخبطة.

في فقه في الدين في شيء ما هو شغل جماهير، حتى الجماهير أحسن يعني حق الكورة أحسن، يعني فعلاً أحياناً يفهموا دلالات تصرفات المدربين ودلالات مدري إيش، في فهم مغازي ودلالات بس يعني أحياناً، الله المستعان.

عموماً، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي كذا وكذا، فهو ليس نفيًا لاسم المسكنة عنه، لأن اسم المسكين يا جماعة اسم تتعلق به أحكام شرعية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، هذه مصرف من مصارف الزكاة، هذا المسكين الذي يطوف على الناس وبهذه الحال ترده اللقمة واللقمتان، هذا المحتاج، هذا يدخل في اسم المسكين اللي في مصارف الزكاة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين الذي كذا»، فهذا ليس نفيًا لحقيقة المسكنة عنه، ولكن دلالة اللفظ بعمومه كالتالي: ليس المسكين حقًا الذي يطوف ويفعل كذا وكذا، وإنما المسكين حقًا هو الذي كذا وكذا، أما ذاك وإن كان مسكيناً فليس هو الأولى بالانتباه والعناية من ذلك المسكين، هذا دلالة اللفظ.

الحديث التالي، وعنه رضي الله تعالى عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا الله، اسمعوا ماذا قال، بعدين لازم نعرف إنه هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ما لنا دخل إحنا. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» متفق عليه.

تقولي: طيب المجاهد في سبيل الله يتعرض للخطر والقتل والدماء والخوف؟ أقولك: معليش، أنا لست أنا من قال، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالصائم لا يفطر، أو القائم الذي لا يفتر، والصائم الذي لا يفطر». هذا فضل عظيم وعجيب نضيفه على الفضل المذكور في اليتيم، يعني كافل اليتيم في الجنة مع النبي صلى الله عليه وسلم كهاتين، والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله.

يعني يا جماعة واحد متحسر على ما يفوته من قيام الليل، أنا ما نقول لا تحاول ولا تجاهد، لا حاول وجاهد، لكن مع ذلك اعلم أن لك في السعي على الأرملة والمساكين فضلاً يقارن بفضل القيام بلا فتور، ومن فاته الإبحار في باب الصيام والتطوع في الصيام فنقول له جاهد، ولكن اعلم أن الله قد فتح لك بابًا يقارن بالصائم الذي لا يفطر، وهو باب السعي على الأرملة والمسكين.

ولذلك يا جماعة هذه الشريعة عظيمة، وهذه الأبواب يعني ما هي، مو إنه يعني والله نظام كامل بعدين لابد من شيء من ما يسمى بالتكافل الاجتماعي، لا لا الأمر شريف وكبير وعزيز، ارجعوا إلى ما نزل في مكة من أوائل ما مدح به المؤمنون في مكة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5]، وفي نفس السورة في آخرها إيش؟ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 17-20]. وقال العلماء: نزلت في أبي بكر إذ كان يعتق المعذبين والموالي في مكة.

لذلك يا جماعة الخير من من الله عليه بشيء من المال فليعلم أن الله قد فتح له بابًا إلى الجنة وبابًا إلى النار. أما الباب الذي إلى الجنة فهو باب عظيم عجيب عزيز كريم، والله عجيب. وأما الباب الذي إلى النار يا الله، فما أقرب أصحاب الأموال من النار إلا من رحمه الله. وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في البخاري، أقسم وكرر القسم على أن أصحاب الأموال، قال عنهم: «هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة، إلا من قال بيديه هكذا وهكذا وهكذا»، يعني إلا من أنفق من بين يديه وعن يمينه وعن شماله، يعني اللي ينفق في هذا الوجه وفي هذا الوجه وفي هذا الوجه ودائماً ينفق سواء بالزكاة أو بالصدقة. فالمال سبحان الله هكذا جعله الله، تأتي مرحلة معينة في النصوص تقول يعني خلاص فضل الله يؤتيه من يشاء مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، تعرفوا حديث ذهب أهل الدثور بالأجور؟ أهل الدثور لهم الأموال.

يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموالهم يتصدقون بها ويجاهدون. قالوا: فإن الله قد جعل لكم ما تتصدقون، وحثهم على الذكر وقال: بكل تحميدة تسبيحة صدقة، وكل... ثم قالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما قلت لنا ففعلوا مثل فعلنا! فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فهو من جهة عندك باب للجنة غير عادي، عجيب. الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، هذا فضل من ربنا يعني، شوف جاء لهؤلاء، وفي نفس الوقت هم الأخسرون ورب الكعبة، وخاصة في موضوع الحساب. الحساب على أصحاب الأموال يوم القيامة صعب وعسير، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن أول من يدخل الجنة هم فقراء المهاجرين، قال: وأصحاب الجد محبوسون -الجد اللي هو الغنى- وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار أمر بهم إلى النار.

محبوسون يعني يوقفون ويحاسبون كل درهم، كل دينار، كل ريال، كل ليرة، كل دولار، وين راح؟ وين راح؟ كيف أنفقته؟ في إيش أنفقته؟ هل أديت حق كذا؟ هل أديت؟ ليش؟ لأنه كان التعريف من بدري أنه هذا مال الله، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.

يا جماعة، إن شاء الله الله يسهل، الواحد يعني يتكلم في محاضرة مطولة عن فكرة المال في الإسلام يعني، ترى المال كمان له يعني شيء عجيب في الإسلام، من جهة التوصيفات، من جهة التعريفات، من جهة المصارف، من جهة الموارد، من جهة المعنى؛ فأمره عجيب يعني. تجد التشريعات كثيرة متعلقة بالمال، ليست فقط منحصرة في الزكاة ولا في أحكام الزكاة الكثيرة المفصلة، وإنما المال فيه أحكام كثيرة ومعاني ومقاصد إلى آخره.

فلذلك من أنعم الله عليه بشيء من المال ثم أنعم عليه بشيء من الإنفاق فهو على نعمة، ومن لم يكن عنده شيء من المال، فإن باب الصدقة في الإسلام من سعته جعل فيه معنيان: معنى الإغناء، ومعنى أن يقدم الإنسان شيئًا، أن يقدم ما عنده، ولو لم يكن هذا الذي يقدم يغني بذاته في سد الاحتياج، فهذا باب وذاك باب.

اتقوا النار ولو بشق تمرة، حتى مو تمرة يعني، ها؟ حتى مو تمرة، بشق تمرة. وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وتدخل في الصدقة المعنوية، ويعني عجيب سبحان الله هذا الدين سعته عجيبة والله. بس كذا طريق الجنة نفسه سعته ولا كذا تفصل في طريق الجنة؟ ها؟ سعته عجيبة طريق الجنة والله، وطريق النار أيضًا سعته عجيبة، وفروع طريق الجنة عجيبة، الفروع الداخلية يعني التي تقودك إلى الفروع طرق النار. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك.

ففي باب كبير في الدين اسمه دخول إلى الجنة عن طريق المال، الإنفاق، الأيتام، المساكين، الأرملة. شوف والنبي صلى الله عليه وسلم سمى أناسًا، الأرملة، الساعي على الأرملة. الأرملة فيها نفس معنى اليتيم من جهة إيش؟ الضعف، انكسار الجناح، فقدان المعيل، لأن اليتيم كان أبوه يرعاه، والزوجة كان الزوج يرعاها، ويقوم على شؤونها، الناحية المالية والإنفاق والكذا وإلى آخره. ولذلك عظم شأن عظم عقوبة الخيانة في شأن اليتيم، وكذلك الخيانة في شأن الأرملة لا شك أنها من أعظم الذنوب، وتقاس على هذا المعنى كما قيس في ذاك المعنى.

السعي على الأرملة والمساكين والمسكين، يعني هو السعي كلمة واسعة نعم، السعي كلمة واسعة. ولذلك قد يسعى الإنسان على الأرملة والمسكين وليس عنده مال، وإن كان أهم ما يدخل في السعي على الأرملة والمسكين هو السعي بالمال، بس أقصد لو أن إنسانًا سعى بجهده مثلًا مثلًا ذلك المسكين أو تلك الأرملة، يعني مثل ما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات قال: أو تصنع لأخرق -الأخرق الذي لا يحسن الصنعة- أن تصنع له هذه صدقة.

قد يكون مثلًا هذه تحتاج طلبات من الماركت ولا من البقالة ولا من الدكان ولا ها؟ فواحد مثلاً عنده بيت وجنب البيت في أرملة، كل ما اشترى كيلو خيار اشترى كيلو خيار، كل ما اشترى خبز اشترى خبز، كل ما اشترى لبن اشترى لبن، مو إنها هي فكرة حتى يمكن ما يقدر يسدد إيجار الشهر ولا شيء بالنسبة له، لكن هو يقدر إيش؟ يتذكرها بمثل ما يشتري لأهله في الخبز والطعام والشراب والخضار والـها؟ كونه يستمر ويقوم على هذا الأمر هذا سعى في شأنها، وهكذا يعني هذا اللفظ عام يعني.

نختم بالحديث التالي، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر الطعام طعام الوليمة، يُمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله». رواه مسلم. وفي رواية في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه من قوله: «بئس الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليها الأغنياء ويُترك الفقراء».

هذا الحديث اختلف أولًا في رفعه ووقفه، هل هو عن أبي هريرة من قوله أو عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ روي من عدة طرق بالوجهين. ثانيًا: حتى لو كان موقوفًا فهو أبو هريرة قال: فقد عصى الله ورسوله، وهذا اللفظ جعله بعضهم من المرفوع حكمًا. على أي حال، الوليمة هنا هي اسم خاص طعام العرس تحديدًا، الوليمة هي الطعام المتعلق بالعرس تحديدًا، وهو طعام حثت الشريعة على إقامته، وقد اختلف العلماء في حكمه من حيث الوجوب من عدمه، وإن كانوا قد أجمعوا على أنه مشروع ومندوب إليه في الشريعة.

فذهب كثير من العلماء أنه مستحب مؤكد ولكنه غير واجب، وذهبت طوائف من الفقهاء إلى أنه واجب شرعًا، والخلاف فيها وفي تفاصيلها وأدلتها ووجوه الدلالة محلها فيما هو أوسع من هذا المقام، والكتب الفقهية فيه واسعة. لكن مما استدلوا به قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة. من استدل على الوجوب، هذا من أهم أدلتهم، وبالمناسبة هذا الحديث اللي معنا هو من أدلة البعض على الوجوب، لأنه قالوا إنه من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، فإنه يعني أساس الدعوة أصلًا واجبة، لكن الكلام فيها كثير من حيث الدلالة، ليس هذا المقام مقام البحث المفصل فيها، إلا أنه لا شك فيما ورد فيه هو شيء مؤكد، فلا ينبغي أن يترك.

وهذا الطعام طعام الوليمة، وليمة العرس، الأفضل فيه أن يذبح فيه شاة أو أكثر، وإن كان ليس شرطًا ولا واجبًا. حتى لو قال من قال من الفقهاء بوجوب الوليمة، فإنهم لا يوجبون فيها إيش؟ أن تكون شاة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أولم ولو بشاة، فهذا يعني الأفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في بعض زيجاته لم يولم بشاة، وإنما أولم بشيء يسير من التمر وما إلى ذلك، وهذا بقدر الحال وبقدر الحاجة أو بقدر الممكن والمتيسر.

فإذا كان حال المتزوج فيه سعة فليولم بشاة وأكثر إذا استطاع، وإذا كان حال المتزوج كحال بعض الوجوه التي أمامي والأحوال الأمامية، فيمشيها بلحم عجين ولا إيش؟ وإذا مرة مشاوي يعني ولا شغلة، لأن الصراحة إحنا كنا متعودين في السنوات السابقة في بلادنا إنه خلاص معروف الزواج يعني ذبايح، بس هنا شفنا أحوال عجيبة يعني، اللي يجيب لك بقلاوة واللي يجيب لك ويا خليها مستورة! فهي بقدر الحال يعني بقدر الحال. النبي صلى الله عليه وسلم أولم بشاة، بل قيل في بعض الروايات إنه ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم... زينب تقول: ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه كما أولم على... أولم بشاة، وهذا يوافق حال النبي صلى الله عليه وسلم من قلة ذات اليد بأبي هو وأمي.

فهذا طعام الوليمة، طعام شرعي محثوث أو مندوب إليه مؤكد على مشروعيته، سواء إلى درجة السنة المؤكدة أو الوجوب. وهنا الحديث لا يتحدث عن أساس طعام الوليمة، يتحدث عن الدعوة إلى الوليمة. وأيضًا الدعوة إلى الوليمة كثير من العلماء يقولون إذا دعي الإنسان فيجب عليه الإجابة، واستدلوا بهذا الحديث لأن أبا هريرة قال: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. ولو ترجح هذا -وإن كان بعض العلماء يرجح الاستحباب- فهذا يؤكد إنه ما نسميه اليوم المناسبات الاجتماعية، خاصة في موضوع الزواج، إنه أمر في الشريعة مو سهل يعني، أقصد أمر شوف هذا الجانب، جانب عجيب العناية فيه في الشريعة، سواء في الأعياد، في صلة الرحم، في بر الوالدين، في رعاية الأيتام، في رعاية الأرامل، في رعاية المساكين، موضوعه ما هو سهل في الشريعة، موضوع مؤكد بأشياء كثيرة يعني.

طيب، هذا الآن ايش المعنى؟ شر الطعام طعام الوليمة، يعني إذا كان مؤكدًا في الشريعة فهل هذا ذم لما هو مؤكد؟ الحال ليس كذلك، وإنما الحال هو وصف لما يتصرف فيه كثير من الناس الذين يقومون على هذه الولائم، فيدعون إليها الأغنياء ويردون عنها الفقراء، فهذا المشهد بمجموعه: دعوة الأغنياء وترك الفقراء يجعل هذا الطعام شر طعام، وليس هذا تحريمًا له ولا بياناً لكونه منكراً، وإنما هو بيان أن هذا الاختيار للأغنياء وترك الفقراء هو اختيار شر، ليس هو المعنى الذي كأنه... ليس لهذا شرعت الوليمة، لم تشرع الوليمة لتكون محلاً لطبقة اجتماعية معينة تسد أو تملأ بها المجالس، ويرد... حتى في الرواية الأخرى إيش قال؟ قال: يمنعها من يأتيها، من يأتيها من الناس الفقراء المحتاجين اللي يعرفوا إنه هنا في وليمة ويجوا يبغوا يأكلوا ولا شيء، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، إنه ربما أصلاً كثير مما يدعى إليه هو أصلاً ما يبغى يجي ولا عنده استغناء ولا أياً كان، فيدعى إليها من يأبى.

فهذا المشهد بمجموعه جعل هذا المشهد مذموماً، ولذلك أنت مثلاً اليوم كيف تستدل بهذا الحديث؟ يعني أنت إذا رأيت هذه الصورة في دعوة ما تتذكر هذا الحديث وتقول: يا أخي، شر الطعام طعام الوليمة. يعني لما ترى في مشهد أنفقت الأموال وذبح الذبائح ونصبت الموائد فليكن للفقراء نصيب. ولذلك طبعاً هذا المعنى، معنى أن يدعى الفقراء وليس فقط الأغنياء، هو إذا كان هذا وارداً في شأن الوليمة بصورة خاصة، فهو نعرف أن هذا المعنى معتبر في الشريعة، وبالتالي فليحرص من يعمل المناسبات العامة الكبيرة أن لا يحصرها في قضية الأغنياء وخاصة طعام الوليمة.

ولذلك بعض العمال مثلاً يكثر في بعض البلدان يكثر فيها العمال، عمال يكون حالهم أنت تلقاه أخذ له أربعة خمسة شهور نص سنة ما أكل له لحم بمعنى الذبيحة والـها، أنت الآن تعمل عرسك الله يسهل لك ويبارك لك -آمين يا رب، إي والله يا رب، الله يسهل لكم جميعاً يا رب- فتحرى أمثال هذه الفئات. طيب، ليس المقصود أن لا يدعى الأغنياء بطبيعة الحال، ولكن المقصود أن لا يخصوا بالدعوة، والمقصود الأعظم أن لا يرد الفقراء عن الدعوة، وبالتالي هذا المسكين اللي جايك، اللي جاي حول الباب اللي شفته مر من جنبك، اللي قالك صح إنه عندكم زواج اليوم اللي فهمت؟ وأنت تعرف إنه هو محتاج، أنت أحوج إلى إطعامه من حاجته إلى طعامك، أنت أحوج، أنت عشان تكسر قضية إنه ما يكون شر طعام، أنت اللي تحتاجه، يعني هو جاي يزكي لك هالوليمة، هو يمن عليك بأنه زكى لك الوليمة، لأنه لو ما جاء صار شر طعام طعام الوليمة صار أغنيائه، بس لما يجي هو يزكي لك اياها فانت كذا تطمئن تقول الحمد لله، فهمت؟

ومما يتحرى من البركة حتى في وليمة الزواج إنه يتحرى البركة في الزواج نفسه، الإنسان يتحرى أسباب الخير، فمنها حتى في هذه الوليمة يتحرى مثل ذلك. وبالمناسبة طعام الوليمة إحنا خلاص العرف العام في أكثر البلدان صار إنه هو قبل الزواج يصير، يعني قبل الدخول، بينما هو في الأصل بعد، فهو ليس منحصرًا بما قبل ليلة الزواج تحديدًا، حتى الحديث اللي في أول: أولم ولو بشاة، هو يدل على هذا اللي هو في البخاري حديث معروف عبد الرحمن بن عوف أنه النبي صلى الله عليه وسلم.

الله عليه وسلم رأى فيه أثر صفرة، قال: «ما هي يا عبد الرحمن؟» قال: تزوجت امرأة من الأنصار. قال: «على كم؟» قال: على قدر نواة من ذهب. قال: «أولم ولو بشاة». هذا بعد ما التقى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما تزوج.

فالشاهد أن هذا الحديث هو حديث سبحان الله لو تلاحظوا اليوم مر معنا أكثر من حديث في معنى التنبيه إلى أن هذاك ليس المسكين الذي كذا وكذا، وإنما هو الذي يتعفف، وهنا أيضا التنبيه إلى أنه ليست الوليمة ولا الطعام المبارك الممتدح في الوليمة هو الذي يجمع تلك الطبقة الاجتماعية الراقية ولا الطبقة الاجتماعية المعينة، وتعرف نتفاخر بصدر المجلس ومن جاء وما جاء وأزواجنا حضر في فلان وأزواجنا ما حضر في فلان.

بركة طعام الوليمة بقدر ما يحضره من الفقراء، بقدر ما يحضره من المحتاجين، بقدر ما يحضره من المساكين، بقدر ما يحضره من تلك الطبقة المغفول عنها أو التي لا ينتبه إليها أو التي -ومع الأسف هذا حاصل- يترفع ويتكبر عن دعوتها أحيانا في مثل هذه المناسبات أنه خليهم بعدين، أما الآن عندنا احنا ضيوف كبار وعندنا كذا فيعني ما هو مناسب تظهر هذه الـ مسكين هذا اللي جاي باللباس ولا اللي جاي هذا كذا ما هو أرقى شيء أنه يظهر في هذا المظهر اللي غير حضاري واللي غير مدري ايش وإلى آخره.

ولا شك أن هذا مما يتعارض مع المقصد الشرعي.

بهذا نكون قد مررنا على عدد من الأحاديث في هذا الباب. وإن الإنسان ليجد في العلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ذكاء ونوراً، لأن هذا النبي كان على خير الهدي صلى الله عليه وسلم، ولا هدي أكمل من هديه، ولا سنة أعظم من سنته.

وهذا الدين عظيم، وهو واسع الأرجاء كبير، فيه تزكية للنفس وللقلب وتغذية للعقل وللروح. فهذا ديننا العظيم، وهذه موازينه ومقاديره التي تضع كل شيء في نصابه، وهذا بالمناسبة من معنى العدل ومن معنى القسط؛ لأنه العدل ليس حتى الظلم، ما هو الظلم؟ وضع الشيء في غير موضعه، صح؟ ولذلك الظلم ليس هو تجاوز الحد في حق الغير فقط كما نعرفه اليوم، وإن كان هذا من صور الظلم، ولكن الظلم هو حتى الخلل في المعايير والجور فيها، وتسمية الأمور بغير مسمياتها، ووضع الحق في غير مكانه، وتعرية مكان الحق عما ينبغي أن يكون فيه.

ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 21] مع أن الافتراء على الله الكذب هو لا يدخل في تجاوز الحد في حق الإنسان الآخر أنك تظلمه بضرب أو بسب أو بأخذ مال، ولكن هذا الافتراء على الله الكذب لم يعده الله ظلما فقط، أو لم يعد في ميزان الله ظلما فقط، بل عده من أظلم الظلم.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93] مع أنك لو تأملت في هذه فليس فيها الظلم بمعناه البسيط الذي فيه اعتداء على شخص أو كذا إلى آخره. وبناء على ذلك فحتى العدل، هو العدل ليس مجرد العدل بين المتخاصمين، أو الإنصاف بين شخصين، أو المساواة بين من تنبغي فيهم المساواة، وإنما العدل هو اسم أعم من ذلك بكثير، وكذلك القسط هو اسم أعم من ذلك بكثير، حتى جعله الله مقصدا لبعثة الرسل.

فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فإقامة الموازين والمعايير الصحيحة في الحياة هي إقامة القسط في الناس وليقوم الناس بالقسط. ولذلك كل باب من أبواب الدين فيه ميل اليوم عن اليمين أو عن الشمال، أنت لما اليوم مهمة ضبط هذا الباب لينتصب في مكانه الصحيح بموضعه الصحيح بقدره الصحيح، هو من جملة العدل، ومن جملة ما يقوم الناس به بالقسط، إذا صححت مفاهيم الناس ومعاييرهم في مختلف الأبواب والقضايا.

فهذا باب مهم شريف ينبغي أن يعتنى به؛ فهو يتفق مع كما قلت الغاية التي بعث الله الرسل لأجلها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. أما أن تنشأ ثقافات مجتمعات على معايير باطلة وخاطئة، فيعطى الشيء التافه أو الذي لا قدر له من شؤون الناس والحياة أعظم الأوقات والهموم والواجبات والعقوبات والجزاءات وإلى آخره، بينما يترك ما هو واجب أن يقام، وواجب أن يعتنى به، وواجب أن تتجه القلوب والأذهان والأفهام إليه، فهذا اسمه ظلم بحد ذاته.

حتى لو لم يكن هذا الباب فيه تجريد إنسان عن ماله، أو فيه اعتداء على عرضه أو على جسده، هذا اسمه ظلم، وإقامة الميزان الحق اسمه قسط. والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه قائم بالقسط، وقيامه سبحانه وتعالى بالقسط هو شهد لنفسه بذلك، وشهد له ملائكته بذلك، وشهد أولو العلم له سبحانه بذلك: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]. فهذا كله من المعاني المهمة والعظيمة التي ينبغي استيعابها والعناية بها.

هذا وإننا نستغفر الله سبحانه وتعالى من ذنوبنا ونتوب إليه، ونستغفر الله من ظلمنا لأنفسنا ومن كل ظلم قمنا به في حق أنفسنا أو في حق غيرنا. فنستغفر الله سبحانه وتعالى ونقول: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

اللهم اغفر لنا خطأنا وعمدنا وهزلنا وجدنا وكل ذلك عندنا. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد عبدك ورسولك وعلى أزواجه وذريته كما باركْتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وآته الوسيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته يا رب العالمين. والحمد لله أولاً وآخراً.